الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




السيرة النبوية - ابن كثير ج 4

السيرة النبوية

ابن كثير ج 4


[ 1 ]

السيرة النبوية للامام أبي الفداء إسماعيل بن كثير 701 - 774 ه‍. تحقيق مصطفى عبد الواحد الجزء الرابع 1395 ه‍ = 1976 م دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم سنة تسع من الهجرة ذكر غزوة تبوك في رجب منها قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ". روى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم: أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون (1) من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره، قالت قريش: لتنقطعن عنا المتاجر والاسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها. فعوضهم الله عن ذلك بالامر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. قلت: فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم، لانهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الاسلام وأهله. وقد قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين " (2). فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر


(1) ا: يمنع المشركين. (2) سورة التوبة 123. (*)

[ 4 ]

شديد وضيق من الحال، جلى للناس أمرها ودعا من حوله من أحياء الاعراب للخروج معه فأوعب معه بشر كثير. كما سيأتي. قريبا من ثلاثين ألفا، وتخلف آخرون، فعاتب الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى، وبين أمرهم في سورة براءة، كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير. وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال، فقال تعالى: " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، لو كان عرضا قريبا، وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون " ثم الآيات بعدها. ثم قال تعالى: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا. فالله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذى الحجة إلى رجب - يعنى من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فذكر الزهري (1) ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبى بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا، كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار، فالناس


(1) ابن هشام: وقد ذكر لنا الزهري. (*)

[ 5 ]

يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص في الحال (1) من الزمان الذى هم عليه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذى يصمد إليه ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمرهم (2) بالجهاز (3) وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بنى سلمة: " يا جد هل لك العام في جلاد بنى الاصفر ؟ " فقال: يا رسول الله أو تأذن لى ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل بأشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الاصفر ألا أصبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " قد أذنت لك " ففى الجد أنزل الله هذه الآية: " ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم: " وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ". قال ابن هشام: حدثنى الثقة عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبدالرحمن، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبدالله بن حارثة، عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند


(1) ابن هشام: على الحال. (2) ا: فأمر. (3) لاصل: بالجهاد. وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 6 ]

جاسوم - يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، فقال الضحاك في ذلك: كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجل كسيرا ومرفق (1) سلام عليكم لا أعود لمثلها * أخاف ومن تشمل به النار يحرق * * * قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش (2)، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم ارض عن عثمان فإنى عنه راض ". وقد قال الامام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة بن شوذب، عن عبدالله بن القاسم، عن كثة مولى عبدالرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة. قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم ! ".


(1) الكبس: بيت من طين (2) الانكماش: الاسراع (*)

[ 7 ]

ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل، عن الحسن بن واقع، عن ضمرة به. وقال: حسن غريب. وقال عبدالله بن أحمد في مسند أبيه. حدثنى أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنى سكن بن المغيرة، حدثنى الوليد بن أبى هشام، عن فرقد أبى طلحة، عن عبدالرحمن بن خباب السلمى، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: على مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: على مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب: " ما على عثمان ما عمل بعد هذا ". وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن بشار، عن أبى داود الطيالسي، عن سكن بن المغيرة أبى محمد مولى لآل عثمان به. وقال: غريب من هذا الوجه. ورواه البيهقى من طريق عمرو بن مرزوق، عن سكن بن المغيرة به. وقال: ثلاث مرات. وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال عبدالرحمن: فأنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: " ماضر عثمان بعدها - أو قال - بعد اليوم ". وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبدالرحمن، عن عمرو بن جاوان، عن الاحنف بن قيس، قال: سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد ابن أبى وقاص وعلى والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من جهز جيش العسرة غفر الله له " فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟ قالوا: اللهم نعم. ورواه النسائي من حديث حصين به.

[ 8 ]

فصل فيمن تخلف معذورا من البكائين وغيرهم قال الله تعالى: " وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين. رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم. وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم، ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (1) ". قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. والمقصود ذكر البكائين الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه، فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه، فرجعوا وهم يبكون، تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه. * * *


(1) سورة براءة 86 - 93. (*)

[ 9 ]

قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر من الانصار وغيرهم. فمن بنى عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبدالرحمن بن كعب أخو بنى مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بنى سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقولون: بل هو عبدالله بن عمرو المزني وهرمى (1) بن عبدالله أخو بنى واقف، وعرباض بن سارية الفزارى. قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضرى لقى أبا ليلى وعبد الله ابن مغفل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما ؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه. فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وأما علبة بن زيد فحرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملنى عليه، وإنى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين المتصدق هذه الليلة ؟ " فلم يقم أحد، ثم قال: " أين المتصدق فليقم " فقام إليه فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبشر فو الذى نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة ! ". * * * وقد أورد الحافظ البيهقى هاهنا حديث أبى موسى الاشعري فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبدالحميد المازنى، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبى بردة، عن أبى موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله


(1) في شرح المواهب 3 / 67: وحرمى. بفتح المهملة. (*)

[ 10 ]

صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة [ وهو في (1) ] غزوة تبوك، فقلت: يا نبى الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم. فقال: " والله لا أحملكم على شئ " ووافقته وهو غضبان ولا أشعر. فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه على، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادى: أين عبدالله بن قيس ؟ فأجبته فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك. فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خذ هذين القرينين (2) وهذين القرينين وهذين القرينين " لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال: " انطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء ". فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معى بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم ومنعه لى في أول مرة ثم إعطائه إياى بعد ذلك، لا تظنوا أنى حدثتكم شيئا لم يقله. فقالوا لى: والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت. قال: فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم ثم إعطائه بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء. وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبى كريب، عن أبى أسامة. وفى رواية لهما عن أبى موسى قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الاشعريين ليحملنا فقال: " والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ". قال: ثم جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل، فأمر لنا بست ذود عر الذرى (3) فأخذناها ثم قلنا: تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا.


(1) سقطت من المطبوعة. (2) القرينان: البعيران المشدود أحدهما إلى الآخر. أو النظيران المتساويان. وفى ا: القرنين. (3) عر الذرى: صغيرة السنام. (*)

[ 11 ]

فرجعنا فقلنا له فقال: " ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم " ثم قال: " إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها ". * * * قال ابن إسحاق: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة (1) حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب. منهم كعب بن مالك بن أبى كعب أخو بنى سلمة، ومرارة بن ربيع أخو بنى عمرو ابن عوف، وهلال بن أمية أخو بنى واقف، وأبو خيثمة أخو بنى سالم بن عوف، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم. قلت: أما الثلاثة الاول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى، وهم الذين أنزل الله فيهم: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ". وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي. فصل قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير، فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس، وضرب عبدالله بن أبى عدو الله عسكره أسفل منه - وما


(1) ابن هشام: النية. (*)

[ 12 ]

كان فيما يزعمون بأقل العسكرين. فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبدالله بن أبى في طائفة من المنافقين وأهل الريب. قال ابن هشام: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري قال: وذكر الدراوردى أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة. قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه. فلما قالوا ذلك أخذ على سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فأخبره بما قالوا، فقال: " كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلى وأهلك. أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى ". فرجع على ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره. ثم قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه سعد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلى هذه المقالة. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه به. وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله اتخلفنى في النساء والصبيان ؟ فقال: " أما ترضى أن تكون

[ 13 ]

منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبى بعدى ". وأخرجاه من طرق عن شعبة نحوه. وعلقه البخاري أيضا من طريق أبى داود عن شعبة. وقال الامام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل ؟، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - وخلفه في بعض مغازيه فقال على: يا رسول الله تخلفنى مع النساء والصبيان ؟ فقال: " يا على أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى ". ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة. زاد مسلم ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. * * * قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء وهيأت له فيه طعاما. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصح (1) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ! ما هذا بالنصف. والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا. ففعلتا. ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك. وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى في الطريق يطلب رسول الله صلى الله


(1) الضح: الشمس. (*)

[ 14 ]

عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لى ذنبا، فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل. حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن أبا خيثمة " فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خثيمة. فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: " أولى لك يا أبا خيثمة ! " ثم أخبر رسول الله الخبر فقال خيرا ودعا له بخير. وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبى خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط، وذكر أن خروجه عليه السلام إلى تبوك كان في زمن الخريف فالله أعلم. قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة، واسمه مالك بن قيس في ذلك: لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التى كانت أعف وأكرما وبايعت باليمنى يدى لمحمد * فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما (1) وكنت إذا شك المنافق أسمحت * إلى الدين نفسي شطره حيث يمما * * * وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن بريدة، عن سفيان (2)، عن محمد بن كعب القرظى، عن عبدالله بن مسعود قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان.


(1) الخضيب: المرأة المخضوبة. والصرمة: القطعة من الابل، وهو يريد هنا: الطائفة من النخل. والصفايا: الكثيرة الثمر. وتحمم: أخذ في الارطاب فتلون بالسواد. (2) ا: بريدة بن سفيان. (*)

[ 15 ]

فيقول: " دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ". حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال: " دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ". فتلوم (1) أبو ذر بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله في بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن أبا ذر " فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أبا ذر ! يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده ". قال فضرب [ الدهر (2) ] ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل، ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلوا به كذلك، فاطلع ركب فما علموا به حتى كانت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال: ما هذا ؟ فقيل: جنازة أبى ذر فاستهل ابن مسعود يبكى وقال: صدق رسول الله: " يرحم الله أبا ذر، يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده ! " فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه. إسناده حسن ولم يخرجوه. * * *


(1) تلوم: انتظر. (2) بياض بالاصل. (*)

[ 16 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنا عبدالله بن محمد بن عقيل في قوله: " الذين اتبعوه في ساعة العسرة ". قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وخرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر (1). قال عبدالله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن عتبة بن أبى عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبدالله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة. فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقى على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا. فقال: " أو تحب ذلك ؟ " قال: نعم. قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت (2) ثم سكبت فملاوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت (3) العسكر. إسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، أن هذه القصة كانت وهم بالحجر وأنهم قالوا لرجل معهم منافق: ويحك هل بعد هذا من شئ ؟ ! فقال: سحابة مارة ! وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الانصاري - وكان عنده: " إن رجلا قال: هذا


(1) ا: من الظهر. (2) قالت السماء: تهيأت للمطر. وأطلت: أمطرت مطرا خفيفا. (3) ا: جازت به. (*)

[ 17 ]

محمد يخبركم أنه نبى ويخبركم خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته ! وإنى والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلنى الله عليها، هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها ". فانطلقوا فجاءوا بها، فرجع عمارة إلى رحله، فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة: إنما قال ذلك زيد بن اللصيت (1). وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول: إن في رحلى لداهية وأنا لا أدرى، اخرج عنى يا عدو الله فلا تصحبني. فقال بعض الناس: إن زيدا تاب، وقال بعضهم: لم يزل مصرا (2) حتى هلك. * * * قال الحافظ البيهقى: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة. ثم روى من حديث الاعمش وقد رواه الامام أحمد، عن أبى معاوية، عن الاعمش عن أبى صالح، عن أبى هريرة أو عن أبى سعيد الخدرى - شك الاعمش - قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افعلوا ". فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة، لعل الله أن يجعل فيها البركة. فقال رسول الله: نعم. فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة ويجئ الآخر بكف من التمر ويجئ الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم: " خذوا في أوعيتكم " فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملاوه وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة


(1) قال ابن هشام: ويقال: ابن لصيب. (2) ح: متهما بشر. (*)

[ 18 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة ". ورواه مسلم عن أبى كريب، عن أبى معاوية، عن الاعمش به. ورواه الامام أحمد من حديث سهيل عن أبيه، عن أبى هريرة ولم يذكر غزوة تبوك بل قال: كان في غزوة غزاها. ذكر مروره عليه السلام في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود وصرحتهم بالحجر قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل ولا تأكلوا منه شيئا ". هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد. وقال الامام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرني سالم بن عبدالله عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم " وتقنع بردائه وهو على الرحل. ورواه البخاري من حديث عبدالله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر بإسناده نحوه. وقال مالك، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 19 ]

قال لاصحابه: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". ورواه البخاري من حديث [ مالك ومن حديث (1) ] سليمان بن بلال، كلاهما عن عبدالله بن دينار. ورواه مسلم من وجه آخر عن عبدالله بن دينار نحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع، عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التى كانت تشرب منها ثمود فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الابل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التى كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال ]: " إنى أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم ". وهذا الحديث إسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه، وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض، عن أبى ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. قال البخاري: وتابعه أسامة عن عبيد الله. ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق، عن عبيد الله عن نافع به. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبدالله بن عثمان ابن خثيم، عن أبى الزبير، عن جابر قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر


(1) سقطت من ا. (*)

[ 20 ]

قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج (1) وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله. قيل: من هو يا رسول الله ؟ قال: " هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه ". إسناده صحيح ولم يخرجوه. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن إسماعيل بن واسط، عن محمد بن أبى كبشة الانمارى، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنودى في الناس: الصلاة جامعة. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم ؟ " فناداه رجل: نعجب منهم. قال: " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتى قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا ". إسناده حسن ولم يخرجوه. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر بن حزم، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس بن سعد الشك منى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا


(1) ا: من هذا الوجه. (*)

[ 21 ]

منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: " لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ". ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بنى ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له فأما الذى ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه (1)، وأما الذى ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له ". ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك. وفى رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى عبدالله بن أبى بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين، لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثنى بهما. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب بن خالد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبى حميد الساعدي، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك حتى جئنا وادى القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " اخرصوا " فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: " أحصى ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله ".


(1) خنق على مذهب: في موضع قضاء الحاجة. (*)

[ 22 ]

قال: فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله ". قال أبو حميد: فعقلناها، فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة، فقام فيها رجل فألقته في جبل طيئ. ثم جاء رسول الله ملك أيلة فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم (1). ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جئنا وادى القرى فقال للمرأة: " كم جاءت حديقتك ؟ " قالت: عشرة أوسق. خرص رسول الله. فقال رسول الله: " إنى متعجل، فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل " قال: فخرج رسول الله وخرجنا معه، حتى إذا أوفى على المدينة قال: " هذه طابة ". فلما رأى أحدا قال: " هذا أحد (2) يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الانصار ؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال: " خير دور الانصار بنو النجار، ثم دار بنى عبد الاشهل، ثم دار بنى ساعدة، ثم في كل دور الانصار خير ". وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه. وقال الامام مالك رحمه الله عن أبى الزبير (3)، عن أبى الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال:


(1) الاصل: يخبرهم. وهو تحريف. وما أثبته عن ابن هشام (2) ح: هذا جبل. (3) ا: عن بنى الزبير. وهو تحريف. (*)

[ 23 ]

" إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى ضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى ". قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك (1) تبض بشئ من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل مسستما من مائها شيئا ؟ "، قالا: نعم فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شن، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا ". أخرجه مسلم من حديث مالك به. ذكر خطبته عليه السلام إلى تبوك إلى نخلة هناك روى الامام أحمد عن أبى النضر هاشم بن القاسم ويونس بن محمد المؤدب وحجاج ابن محمد، ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن أبى الخطاب، عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس ؟ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوى إلى شئ منه ". ورواه النسائي عن قتيبة، عن الليث به. وقال: أبو الخطاب لا أعرفه. وروى البيهقى من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران،


(1) ا: مثل الشمال. وهو تحريف. (*)

[ 24 ]

حدثنا مصعب بن عبدالله، عن منظور بن جميل بن سنان (1)، أخبرني أبى، سمعت عقبة بن عامر الجهنى، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال: " ألم أقل لك يا بلال اكلا لنا الفجر ؟ " فقال: يا رسول الله ذهب بى من النوم مثل الذى ذهب بك. قال: فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أيها الناس أما بعد ; فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الامور عوازمها (2) وشر الامور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الانبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الاعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عزوجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من حثى (3) جهنم، والشعر من إبليس، والخمر جماع الاثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره،


(1) ت: يسار (2) العوازم: الفرائض التى عزم الله بفعلها. (3) الحثاء: التراب المحثو (*)

[ 25 ]

والشقى من شقى في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والامر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألى على الله يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لى ولامتى، اللهم اغفر لى ولامتى، اللهم اغفر لى ولامتى " قالها ثلاثا ثم قال: " أستغفر الله لى ولكم ". وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفى إسناده ضعف. والله أعلم بالصواب. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني وسليمان بن داود، قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني معاوية، عن سعيد بن غزوان، عن أبيه، أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أنى حى. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا. ثم صلى إليها. قال: فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: قطع صلاتنا قطع الله أثره. قال: فما قمت عليها إلى يومى هذا. ثم رواه أبو داود من حديث سعيد بن (1) عبد العزيز التنوخى، عن مولى ليزيد ابن نمران، عن يزيد بن نمران، قال: رأيت بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلى فقال: اللهم اقطع أثره. فما مشيت عليها بعد. وفى رواية: " قطع صلاتنا قطع الله أثره ".


(1) الاصل: عن عبد العزيز. وما أثبته عن سنن أبى داود 1 / 112. (*)

[ 26 ]

ذكر الصلاة على معاوية بن أبى معاوية إن صح الخبر في ذلك روى البيهقى من حديث يزيد بن هارون، أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفى، قال سمعت أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله فقال: " يا جبريل مالى أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى ؟ ". قال: ذلك أن معاوية بن معاوية الليثى مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: " ومم ذاك ؟ " قال: بكثرة قراءته: " قل هو الله أحد " بالليل والنهار وفى ممشاه وفى قيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الارض فتصلى عليه ؟ قال: نعم. قال: فصلى عليه ثم رجع. وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة، والناس يسندون أمره إلى العلاء بن زيد هذا (1) وقد تكلموا فيه. ثم قال البيهقى: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا هشام بن على، أخبرنا عثمان بن الهيثم، حدثنا محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبى ميمونة، عن أنس قال: جاء جبريل فقال: يا محمد مات معاوية بن أبى معاوية المزني، أفتحب أن تصلى عليه ؟ قال: نعم. فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له. قال: فصلى وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، قال قلت: " يا جبريل بم نال هذه المنزلة من الله ؟ " قال: بحبه " قل هو الله أحد " يقرؤها قائما وقاعدا، وذاهبا وجائيا، وعلى كل حال. قال عثمان: فسألت أبى أين كان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: بغزوة تبوك


(1) ا: لهذا. (*)

[ 27 ]

بالشام، ومات معاوية بالمدينة، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلى عليه. وهذا أيضا منكر من هذا الوجه. قدوم رسول قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا يحيى بن سليم، عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبى راشد، قال: لقيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، وكان جارا لى شيخا كبيرا قد بلغ العقد أو قرب، فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ؟ قال: بلى. قدم رسول الله تبوك، فبعث دحية الكلبى إلى هرقل، فلما أن جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسى الروم وبطارقتها ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم وقد أرسل إلى يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني أن أتبعه على دينه، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والارض أرضنا، أو نلقى إليه الحرب. والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن [ أرضنا ] (1) فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا. فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لاعرابي جاء من الحجاز. فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رفأهم (2) ولم يكد. وقال: إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم. ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال: ادع لى رجلا حافظا


(1) من مسند أحمد. (2) رفأهم: سكنهم. (*)

[ 28 ]

للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه. فجاء بى، فدفع إلى هرقل كتابا فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما سمعت من حديثه فاحفظ لى منه ثلاث خصال: انظر هل يذكر صحيفته إلى التى كتب بشئ وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ؟ وانظر في ظهره هل به شئ يريبك ؟ قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين ظهرانى أصحابه محتبيا على الماء، فقلت: أين صاحبكم ؟ قيل: ها هو ذا. فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال: " ممن أنت " فقلت أنا أخو تنوخ: قال: " هل لك إلى الاسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم ؟ " قلت: إنى رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم. فضحك وقال: " إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " يا أخا تنوخ إنى كتبت بكتاب إلى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ومخرق ملكه. وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير ". قلت: هذه إحدى الثلاث التى أوصاني بها صاحبي. فأخذت سهما من جعبتى فكتبتها في جنب سيفى ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم ؟ قالوا: معاوية فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله ! أين الليل إذا جاء النهار ". قال: فأخذت سهما من جعبتى فكتبته في جلد سيفى. فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال: " إن لك حقا وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون " قال: فناداه رجل من طائفة الناس قال:

[ 29 ]

أنا أجوزه، ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت: من صاحب الجائزة ؟ قيل لى: عثمان. ثم قال رسول الله: " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " فقال فتى من الانصار: أنا. فقام الانصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس نادانى رسول الله فقال: " تعال يا أخا تنوخ " فأقبلت أهوى حتى كنت قائما في مجلسي الذى كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره وقال: " هاهنا امض لما أمرت به " فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكيف مثل الحجمة (1) الضخمة. هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به تفرد به الامام أحمد. مصالحته (2) عليه السلام ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وهو مخيم على تبوك قبل رجوعه قال ابن إسحاق: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية. وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم. فكتب ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله و [ ذمة ] (3) محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه (4) من بر أو بحر.


(1) الحجمة: النتوء (2) ت: كتابه (ص) ليحنة. (3) من ابن هشام. (4) ابن هشام: يريدونه. (*)

[ 30 ]

زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا: وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله. قال يونس عن ابن إسحاق: وكتب لاهل جرباء وأذرح: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لاهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب، ومائة أوقية طيبة، وأن الله عليهم كفيل بالنصح والاحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين ". قال: وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم. قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبدالله بن محمد بثلاثمائة دينار. بعثه عليه السلام خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة، وهو أكيدر بن عبدالملك رجل من بنى كندة (1) كان ملكا عليها وكان نصرانيا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: " إنك ستجده يصيد البقر ". فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفى ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته، وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك هذا ؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم. فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه


(1) كذا في ا وفي ت وابن هشام: من كندة. (*)

[ 31 ]

قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه. قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتعجبون من هذا [ فوالذي نفسي بيده ] (1) لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا ". قال ابن إسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقن له دمه، فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته. فقال رجل من بنى طيئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك: تبارك سائق البقرات إنى * رأيت الله يهدى كل هاد فمن يك حائدا عن ذى تبوك * فإنا قد أمرنا بالجهاد وقد حكى البيهقى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر: " لا يفضض الله فاك " فأتت عليه سبعون سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن. وقد روى ابن لهيعة عن أبى الاسود، عن عروة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة. فذكر نحو ما تقدم، إلا أنه ذكر أنه ماكره حتى أنزله من الحصن، وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله ثمانمائة من السبى، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة (2) بن رؤبة بقصة أكيدر دومة أقبل قادما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصالحه، فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك. فالله أعلم.


(1) من ابن هشام. (2) الاصل: يحنا. وهو تحريف. (*)

[ 32 ]

وروى يونس بن بكير، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى، أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل. فالله أعلم. فصل قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة. قال: وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادى المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه ". قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال: " من سبقنا إلى هذا الماء ؟ " فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان. فقال: أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه ؟ ثم لعنهم ودعا عليهم. ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما إن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن بقيتم أو من بقى منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه ". قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى، أن عبدالله بن

[ 33 ]

مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها. قال: فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر، وإذا عبدالله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه، وإذا هو يقول: " أدنيا إلى أخاكما " فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: " اللهم إنى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه ". قال: يقول ابن مسعود يا ليتنى كنت صاحب الحفرة. قال ابن هشام: إنما سمى ذا البجادين لانه كان يريد الاسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه، حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجاد - وهو الكساء [ الغليظ ] (1) فشقه باثنين فائتزر بواحدة وارتدى بالاخرى، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمى ذا البجادين. قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثى، عن ابن أخى أبى رهم الغفاري، أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين - وكان من أصحاب الشجرة - يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فسرت ذات ليلة معه ونحن بالاخضر، وألقى الله على النعاس وطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فيفزعنى دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عينى في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله: " حس " فقلت: يارسول الله استغفر لى. قال: سر.


(1) سقطت من ا. (*)

[ 34 ]

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألنى عمن تخلف عنه من بنى غفار فأخبره به. فقال وهو يسألنى: " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط (1) الذين لا شعر في وجوههم ؟ " فحدثته بتخلفهم قال: " فما فعل النفر السود الجعاد القصاز ؟ " قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا. قال: " بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ (2) " فتذكرتهم في بنى غفار فلم أذكرهم، حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل الله ؟ إن أعز أهلى على أن يتخلف عنى المهاجرون والانصار وغفار وأسلم ". * * * وقال ابن لهيعة عن أبى الاسود، عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها. فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم. فغضب رسول الله وأبصر حذيفة غضبه فرجع إليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الامر العظيم، فأسرعوا حتى خالطوا الناس.


(1) الثطاط: جمع ثط، وهو القليل شعر اللحية. (2) شبكة شدخ: ماء لاسلم بالحجاز. (*)

[ 35 ]

وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: " هل عرفت هؤلاء القوم ؟ " قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم. ثم قال: " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ؟ " قالا: لا. فأخبرهما بما كانوا تمالاوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما ذلك. فقالا: يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم ؟ فقال: " أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ". وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده. وهذا هو الاشبه والله أعلم. ويشهد له قول أبى الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعنى أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد. يعنى ابن مسعود. أليس فيكم صاحب السر الذى لا يعلمه غيره. يعنى حذيفة. أليس فيكم الذى أجاره الله من الشيطان على لسان محمد. يعنى عمارا. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال لحذيفه: أقسمت عليك بالله أأنا منهم ؟ قال: لا ولا أبرى بعدك أحدا. يعنى حتى لا يكون مفشيا سر النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا، وقيل: كانوا اثنى عشر رجلا، وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من أمرهم وبما تمالاوا عليه.

[ 36 ]

ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم. قال: وفيهم أنزل الله عزوجل: " وهموا بما لم ينالوا (1) ". * * * وروى البيهقى من طريق محمد بن سلمة، عن أبى إسحاق، عن الاعمش، عن عمرو ابن مرة، عن أبى البخترى، عن حذيفة بن اليمان، قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمار يقود به - حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثنى عشر راكبا (2) قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرخ بهم فولوا مدبرين. فقال لنا رسول الله: " هل عرفتم القوم ؟ " قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: " هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا ؟ " قلنا: لا. قال: " أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها ". قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال: " لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ". ثم قال: " اللهم ارمهم بالدبيلة " قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال: " هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك ". وفى صحيح مسلم من طريق شعبة: عن قتادة، عن أبى نضرة، عن قيس بن عبادة، قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا، فيما كان من أمر على، أرأى رأيتموه أم شئ عهده إليكم رسول الله ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده


(1) سورة التوبة (2) غيرا: رجلا. (*)

[ 37 ]

إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في أصحابي اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ". وفى رواية من وجه آخر عن قتادة: " إن في أمتى اثنى عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ". قال الحافظ البيهقى: وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر - أو خمسة عشر - وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وعذر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادى ولا علمنا بما أراد. وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد في مسنده قال: حدثنا يزيد - هو ابن هارون - أخبرنا الوليد بن عبدالله بن جميع، عن أبى الطفيل، قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى: إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: " قد قد ". حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال: " يا عمار هل عرفت القوم ؟ " قال: قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون. قال: " هل تدرى ما أرادوا ؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه ".

[ 38 ]

قال: فسار عمار رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال: أربعة عشر رجلا. فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادى رسول الله وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثنى عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد. قصة مسجد الضرار قال الله تعالى: " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين. أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدى القوم الظالمين، لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم " (1). وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد. وذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله، وكيفية أمر رسول الله صلى الله بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة. ومضمون ذلك: أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء،


(1) سورة التوبة. (*)

[ 39 ]

وأرادوا أن يصلى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد. فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه، وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذى أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحى في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى: " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " الآية. أما قوله " ضرارا " فلانهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، " وكفرا " بالله لا للايمان به، " وتفريقا " للجماعة عن مسجد قباء. " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله، وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأبى عليه، ذهب إلى مكة فاستنفرهم، فجاءوا عام أحد، فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين. فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة، وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبى عامر الراهب، ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين. ولهذا قال تعالى: " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ". ثم قال: " وليحلفن " أي الذين بنوه " إن أردنا إلا الحسنى " أي إنما أردنا ببنيانه الخير. قال الله تعالى: " والله يشهد إنهم لكاذبون ". ثم قال الله تعالى لرسوله: " لا تقم فيه أبدا " فنهاه عن القيام فيه، لئلا يقرر أمره،

[ 40 ]

ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذى أسس على التقوى من أول يوم وهو مسجد قباء، لما دل عليه السياق والاحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه. وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافى ما تقدم، لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى. وقد أشبعنا القول في ذلك في التفسير ولله الحمد. والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذى أوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدى - أو أخاه عاصم بن عدى - رضى الله عنهما فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، وتفرق عنه أهله. قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا وهم، خذام بن خالد - وفى جنب داره كان بناء هذا المسجد - وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة ابن الازعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد. ونبتل بن الحارث، وبحزج وهو إلى بنى ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بنى ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بنى أمية. * * * قلت: وفى غزوة تبوك هذه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبدالرحمن بن عوف صلاة الفجر، أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فأبطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبدالرحمن بن عوف، فلما سلم الناس أعظموا ما وقع، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسنتم

[ 41 ]

وأصبتم " وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله قائلا حدثنا (1). وقال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال: " وهم بالمدينة حبسهم العذر ". تفرد به من هذا الوجه. وقال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثنى عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد، عن أبى حميد (1) قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: " هذه طابة (2) وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه ". ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن السائب ابن يزيد، قال: أذكر أنى خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك. ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال البيهقى: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله صلى الله وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:


(1) كذا بالاصل. (2) ا: عن أبى أحمد. وهو تحريف. (3) طابة: من أسماء المدينة. (*)

[ 42 ]

طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع قال البيهقى: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة إلا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك، والله أعلم، فذكرناه هاهنا أيضا. * * * قال البخاري رحمه الله: حديث كعب بن مالك رضى الله عنه. حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل عن ابن شهاب، عن عبدالرحمن ابن عبدالله بن كعب بن مالك، أن عبدالله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمى - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أنى كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا (1) على الاسلام وما أحب أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. كان من خبرى أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وعددا (2) كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم


(1) الاصل: حتى تواثبنا. وما أثبته من صحيح البخاري 2 / 274 (2) البخاري: ومفازا وعدوا كثيرا. (*)

[ 43 ]

بوجهه الذى يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحى الله وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ تلك الغزوة (1) ] حين طابت الثمار والظلال. وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكى أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لاتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لى ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزنني أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب ؟ " فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همى، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج غدا من سخطه ؟ واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من


(1) من صحيح البخاري. (*)

[ 44 ]

أهلى، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عنى الباطل، وعرفت أنى لن أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب، فأجمعت صدقه. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله عزوجل. فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال: " تعال " فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لى: " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " فقلت: بلى إنى والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر - ولقد أعطيت جدلا - ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله أن يسخطك على، ولئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه إنى لارجو فيه عفو الله، لا والله ماكان لى من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضى الله فيك ". فقمت فثار رجال من بنى سلمة فاتبعوني فقالوا لى: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ؟ وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. فو الله ما زالوا يؤنبوننى حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحد ؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما ؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفى

[ 45 ]

فذكروا لى رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لى. * * * ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف. فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الارض فما هي التى أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباى فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الاسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا ؟ ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى، وإذا التفت نحوه أعرض عنى. حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى (1) تسورت جدار حائط أبى قتادة - وهو ابن عمى وأحب الناس إلى - فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت. فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناى وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: وبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان في سرقة من حرير فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء ! فتيممت بها التنور فسجرته بها.


(1) ا: حتى إذا. (*)

[ 46 ]

فأقمنا على ذلك، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: اطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقى بأهلك فكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الامر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال: " لا ولكن لا يقربك " قالت: إنه والله ما به حركة إلى شئ، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لى بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال به أمية أن تخدمه ؟ فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدرينى ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب. * * * قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا. فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التى ذكر الله عزوجل، قد ضاقت على نفسي وضاقت على الارض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب أبشر. فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلى فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذى سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه،

[ 47 ]

والله ما أملك غيرهما يومئذ ! واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأنى، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال: " لا بل من عند الله " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال رسول الله: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت: فإنى أمسك سهمي الذى بخيبر. وقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومى هذا كذبا، وإنى لارجو أن يحفظني الله فيما بقيت. وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين

[ 48 ]

والانصار " إلى قوله: " وكونوا مع الصادقين " فو الله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد أن هداني للاسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أكون (1) كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لاحد، قال الله تعالى: " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم " إلى قوله: " فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ". قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " ليس الذى ذكر الله مما خلفنا من الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منهم. وهكذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه. وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، وقد سقناه في التفسير من مسند الامام أحمد، وفيه زيادات يسيرة. ولله الحمد والمنة. ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء قال على بن طلحة الوالبى عن ابن عباس في قوله تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله هو التواب الرحيم " (2) قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد. فلما مر بهم رسول الله قال: " من هؤلاء ؟ " قالوا: أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك، حتى تطلقهم وتعذرهم. قال: " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون


(1) غير ا: ان لا أكون. ولا هنا زائدة. أي أن أكون. (2) سورة التوبة. (*)

[ 49 ]

الله عزوجل هو الذى يطلقهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ". فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذى يطلقنا. فأنزل الله عزوجل: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " الآية. " وعسى " من الله واجب. فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا. فقال: " ما أمرت أن آخذ أموالكم ". فأنزل الله: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم إن الله سميع عليم " إلى قوله: " وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ". وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسوارى، فأرجئوا حتى نزل قوله تعالى: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه " إلى آخرها. وكذا رواه عطية بن سعيد العوفى عن ابن عباس بنحوه. وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبى لبابة وما كان من أمره يوم بنى قريظة وربطه نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكفيك من ذلك الثلث ". قال مجاهد وابن إسحاق: وفيه نزل: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " الآية. قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الاسلام إلا خير رضى الله عنه وأرضاه. قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه، واقتصروا على ذكره لانه كان كالزعيم لهم، كما دل عليه سياق ابن عباس. والله أعلم.

[ 50 ]

وروى الحافظ البيهقى من طريق أبى أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن منكم منافقين فمن سميت فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان " حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال، " إن فيكم - أو إن منكم - منافقين فسلوا الله العافية ". قال: فمر عمر برجل متقنع، وقد كان بينه وبينه معرفة، فقال: ما شأنك ؟ فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بعدا لك سائر اليوم. قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام: مأمورون مأجورون، كعلى بن أبى طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم. ومعذورون، وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاءون. وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، وأبو لبابة وأصحابه المذكورون. وآخرون ملومون مذمومون، وهم المنافقون.

[ 51 ]

ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه عليه السلام إلى المدينة منصرفه من تبوك قال الحافظ البيهقى: حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبوالبخترى عبدالله بن شاكر، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا عم أبى زخر بن حصن، عن جده حميد بن منهب، قال: سمعت جدى خريم بن أوس بن حارثة ابن لام يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبدالمطلب يقول: يا رسول الله إنى أريد أن أمتدحك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قل لا يفضض الله فاك " فقال: من قبلها طبت في الظلال وفى * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا نطفة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق (1) وأنت لما ولدت أشرقت الار * ض فضاءت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفى النور * وسبل الرشاد نخترق ثم رواه البيهقى من طريق أخرى، عن أبى السكن زكريا بن يحيى الطائى، وهو في جزء له مروى عنه. قال البيهقى: وزاد ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه الحيرة البيضاء رفعت لى، وهذه الشيماء بنت نفيلة الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود. " فقلت: يا رسول


(1) النطق: أعراض ونواح من جبال بعضها فوق بعض، شبهت بالنطق التى تشد بها الاوساط. (*)

[ 52 ]

الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهى لى ؟ قال: " هي لك ". قال: ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طيئ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الاسلام، فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن، وكنا نقاتل بنى أسد وفيهم طلحة ابن خويلد، وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا: جزى الله عنا طيئا في ديارها * بمعترك الابطال خير جزاء هم أهل رايات السماحة والندى * إذا ما الصبا ألوت بكل خباء هم ضربوا قيسا على الدين بعد ما * أجابوا منادى ظلمة وعماء قال: ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه، فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة، فلقينا هرمز بكاظمة (1) في جيش هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحد من العجم (2) أعدى للعرب والاسلام من هرمز، فخرج إليه خالد ودعاه إلى البراز فبرز له فقتله خالد، وكتب بخبره إلى الصديق فنفله سلبه، فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم. قال: ثم قفلنا على طريق الطف إلى الحيرة، فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها وقلت: هذه وهبها لى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الانصاري، فسلمها إلى. فنزل إلى أخوها عبدالمسيح يريد الصلح فقال: بعنيها. فقلت: لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم. فأعطاني ألف درهم وسلمتها إليه، فقيل لى: لو قلت مائة ألف لدفعها إليك. فقلت: ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة !


(1) كاظمة: جو على سيف البحر، في طريق البحرين من البصرة، بينها وبين البصرة مرحلتان. مراصد الاطلاع 3 / 1143. (2) ت: من الناس. وفى ا: من العرب. (*)

[ 53 ]

قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية. وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم مالك بن عوف النصرى أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتى ألجأهم إلى الدخول في الاسلام. وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الاحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك. وقال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف. وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام. فقال له رسول الله - كما يتحدث قومه -: " أنهم قاتلوك " وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع للذى كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم (1) وكان فيهم كذلك محببا مطاعا.


(1) قال ابن هشام: ويقال من أبصارهم. (*)

[ 54 ]

فخرج يدعو قومه إلى الاسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على علية له وقد دعاهم إلى الاسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله. فيزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بنى عتاب يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة ما ترى في ديتك (1) ؟ قال: كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلى، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: " إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه ". وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة، ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبى بكر الصديق، وتابعه أبو بكر البيهقى في ذلك. وهذا بعيد. والصحيح أن ذلك قبل حجة أبى بكر، كما ذكره ابن إسحاق. والله أعلم. * * * قال إبن اسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا. فائتمروا فيما بينهم، وذلك عن رأى عمرو بن أمية أخى بنى علاج، فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم، فأرسلوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومعه اثنان من الاحلاف وثلاثة من بنى مالك ; وهم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب،


(1) ابن هشام: في دمك. (*)

[ 55 ]

وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وعثمان بن أبى العاص، وأوس بن عوف أخو بنى سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة. وقال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل - وهو رئيسهم - وفيهم عثمان بن أبى العاص وهو أصغر الوفد. قال ابن إسحاق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة (1) ; ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والاسلام بأن يشرط لهم رسول الله شروطا ويكتبوا كتابا في قومهم، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه. ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله، فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الذى كتب لهم كتابهم. قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية (3) ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها.


(1) قناة: واد بالمدينة، قيل: يأتي من الطائف. المراصد 3: 1125. (2) ا: يجيئون. (3) الطاغية: اللات. (*)

[ 56 ]

وسألوه مع ذلك ألا يصلوا وألا يكسروا أصنامهم بأيديهم فقال: " أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك. وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه. " فقالوا: سنؤتيكها وإن كانت دناءة. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا محمد بن مسلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبى العاص، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلها المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحشروا (1) ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكم ألا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا خير في في دين لا ركوع فيه ". وقال عثمان بن أبى العاص: يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي. وقد رواه أبو داود من حديث أبى داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن حميد به. وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنى إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه، عن وهب، سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك: " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ". * * * قال ابن إسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبى العاص - وكان من أحدثهم سنا - لان الصديق قال: يا رسول الله إنى رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم القرآن.


(1) الحشر: الانتداب إلى المغازى. (*)

[ 57 ]

وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبى العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن العلم واستقرأه القرآن، فإن وجده نائما ذهب إلى أبى بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الاسلام وأحبه رسول الله صلى الله غليه وسلم حبا شديدا. * * * قال ابن إسحاق: حدثنى سعيد بن أبى هند، عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، عن عثمان بن أبى العاص، قال: كان من آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثنى إلى ثقيف قال: " يا عثمان تجوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة ". وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سعيد الجريرى، عن أبى العلاء، عن مطرف، عن عثمان بن أبى العاص، قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي. قال: " أنت إمامهم، فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ". رواه أبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة به. ورواه بن ماجه عن أبى بكر ابن أبى شيبة، عن إسماعيل بن علية، عن محمد بن إسحاق. كما تقدم. وروى أحمد عن عفان، عن وهب، وعن معاوية بن عمرو، عن زائدة كلاهما عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن داود بن أبى عاصم، عن عثمان بن أبى العاص، أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال: " إذا صليت بقوم فخفف بهم، حتى وقت لى: " اقرأ باسم ربك الذى خلق، وأشباهها من القرآن ". وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت سعيد ابن المسيب، قال: حدث عثمان بن أبى العاص قال: آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: " إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة ".

[ 58 ]

ورواه مسلم (1) عن محمد بن مثنى وبندار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن غندر به. وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن بن يعلى الطائفي، عن عبدالله بن الحكم، أنه سمع عثمان بن أبى العاص يقول: استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف، فكان آخر ما عهد إلى أن قال: " خفف عن الناس الصلاة ". تفرد به من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، أخبرنا عمرو بن عثمان، حدثنى موسى - هو ابن طلحة - أن عثمان بن أبى العاص حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤم قومه ثم قال: " من أم قوما فليخفف بهم، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء ". ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به. وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، سمعت أشياخا من ثقيف قالوا: حدثنا عثمان بن أبى العاص أنه قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أم قومك، وإذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة ". وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريرى، عن أبى العلاء بن الشخير أن عثمان قال: يا رسول الله حال الشيطان بينى وبين صلاتي وقراءتي. قال: " ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا " قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عنى.


(1) الحديث رواه مسلم في باب أمر الائمة بتخفيف الصلاة في تمام: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال سمعت سعيد بن المسيب، قال حدث عثمان ابن أبى العاص قال: آخر ما عهد - الخ. صحيح مسلم 1 / 342 ط الحلبي. (*)

[ 59 ]

ورواه مسلم من حديث سعيد الجريرى به. وروى مالك وأحمد ومسلم وأهل السنن من طرق، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان بن أبى العاص، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده، فقال له: " ضع يدك على الذى يألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ". وفى بعض الروايات: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بى، فلم أزل آمر به أهلى وغيرهم. وقال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا محمد بن بشار (1) حدثنا محمد بن عبدالله الانصاري، حدثنى عيينة بن عبدالرحمن - هو ابن جوشن - حدثنى أبى، عن عثمان ابن أبى العاص، قال: لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لى شئ في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ابن أبى العاص ؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: " ما جاء بك ؟ " قلت: يا رسول الله عرض لى شئ في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى. قال: " ذاك الشيطان ادن " فدنوت منه فجلست على صدور قدمى، قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمى وقال: " اخرج عدو الله " فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: " الحق بعملك ". قال فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد. تفرد به ابن ماجه. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني عيسى بن عبدالله، عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفى، عن بعض وفدهم قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) الاصل: ابن يسار. وما أثبته عن سنن ابن ماجه حديث رقم 3548. (*)

[ 60 ]

ما بقى من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا، فيأتينا بالسحور وإنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع ؟ فيقول: قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور. ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول: ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد. فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها. وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عبدالله بن عبدالرحمن بن يعلى الطائفي، عن عثمان بن عبدالله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة، قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف. قال: فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة ؟ وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مالك في قبة له، كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا مالقى من قومه من قريش، ثم يقول: " لا آسى (1)، وكنا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا. فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذى كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة. فقال: " إنه طرأ على حزبى من القرآن فكرهت أن أجئ حتى أتمه ". قال أوس: سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن ؟ فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده. لفظ أبى داود. * * *


(1) ابن ماجه: ولا سواء. (*)

[ 61 ]

قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين ; بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية. فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذى الهدم (1). فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بنى معتب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود. قال: وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن: لنبكين (2) دفاع * أسلمها الرضاع (3) * لم يحسنوا المصاع (4) * قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان - والمغيرة يضربها بالفأس -: واها لك ! آها لك. فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبى سفيان، فقال له: إن رسول الله قد أمرنا أن نقضى عن عروة بن مسعود وأخيه الاسود بن مسعود والد قارب بن الاسود دينهما من مال الطاغية. فقضى ذلك عنهما. قلت: كان الاسود قد مات مشركا، ولكن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الاسود رضى الله عنه. * * *


(1) الهدم: ماء وراء وادى القرى. مراصد الاطلاع 2 / 1454 (2) وتروى لتبكين. كما في ابن هشام. (3) الدفاع: الشئ العظيم يدفع به مثله. سموها بذلك لظنهم أنها تدفع عنهم. والرضاع: اللئيم. (4) المصاع: الضرب. (*)

[ 62 ]

وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا والزنا والخمر، فحرم عليهم ذلك كله. فسألوه عن الربة ما هو صانع بها ؟ قال: " اهدموها ". قالوا: هيهات ! لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها. فقال عمر بن الخطاب: ويحك يابن عبد ياليل ما أجهلك ! إنما الربة حجر. فقالوا: إنا لم نأتك يابن الخطاب. ثم قالوا: يا رسول الله تول أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا. فقال: " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها ". فكاتبوه على ذلك، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاءوا قومهم تلقوهم فسألوهم: ما وراءكم ؟ فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف، يحكم ما يريد، وقد دوخ العرب، قد حرم الربا والزنا والخمر، وأمر بهدم الربة. فنفرت ثقيف وقالوا: لا نطيع لهذا أبدا. قال: فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة - ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرجعوا وأنابوا وقالوا: ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه. قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه، فافهموا ما في القضية واقبلوا عافية الله. قالوا: فلم كتمتمونا هذا أولا ؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان. فأسلموا مكانهم.

[ 63 ]

ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات وقد استكفت ثقيف رجالها ونساؤها والصبيان، حتى خرج العواتق من الحجال، ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة. فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعنى المعول - وقال لاصحابه: والله لاضحكنكم من ثقيف. فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة ! وقالوا لاولئك: من شاء منكم فليقترب. فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه. ثم إنه ضرب الباب فكسره. ثم علا سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالارض. وجعل سادنها يقول: ليغضبن الاساس فليخسفن بهم. فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها. فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها. وبهتت عند ذلك ثقيف. ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم أموالها من يومه، وحمدوا الله تعالى على إعزاز دينه ونصرة رسوله. * * * قال ابن إسحاق: وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كتب لهم: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين. إن عضاه وج (1) وصيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ


(1) العضاه: أعظم الشجر، أو كل ذى شوك. ووج: واد بالطائف. (*)

[ 64 ]

فيبلغ به النبي محمد، وإن هذا أمر النبي محمد. وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبدالله، فلا يتعده أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبدالله بن الحارث - من أهل مكة مخزومي - حدثنى محمد بن عبدالله بن إنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه عن عروة بن الزبير، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية (1) حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرف القرن حذوها، فاستقبل محبسا ببصره - يعنى واديا - ووقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال: " إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله " وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا. وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبدالله بن إنسان الطائفي، وقد ذكره ابن حبان في ثقاته. وقال ابن معين: ليس به بأس. وتكلم فيه بعضهم. وقد ضعف أحمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث، وصححه الشافعي وقال بمقتضاه. والله أعلم. ذكر موت عبدالله بن أبى قبحه الله قال محمد بن إسحاق: حدثنى الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن أبى يعوده في مرضه الذى مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والله إن كنت لانهاك عن حب يهود. " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه ؟ وقال الواقدي: مرض عبدالله بن أبى في ليال بقين من شوال، ومات في ذى القعدة


(1) لية: جبل بالطائف. المراصد. (*)

[ 65 ]

وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله يعوده فيها. فلما كان اليوم الذى مات فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه فقال: " قد نهيتك عن حب يهود " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه ؟ ثم قال: يا رسول الله ليس هذا بحين عتاب هو الموت، فاحضر غسلى وأعطني قميصك الذى يلى جلدك فكفني فيه وصل على واستغفر لى. ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى البيهقى من حديث سالم بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي. فالله أعلم. وقد قال إسحاق بن راهويه: قلت لابي أسامة: أحدثكم عبيدالله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفى عبدالله بن أبى بن سلول جاء ابنه عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلى عليه. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى عليه، فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله، تصلى عليه وقد نهاك الله عنه ؟ فقال رسول الله: " إن ربى خيرنى فقال: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم. " وسأزيد على السبعين ". فقال: إنه منافق أتصلى عليه ؟ فأنزل الله عزوجل: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله " فأقر به أبو أسامة وقال: نعم. وأخرجاه في الصحيحين من حديث أبى أسامة.

[ 66 ]

وفى رواية للبخاري وغيره قال عمر: فقلت: يا رسول الله تصلى عليه وقد قال في يوم كذا كذا وكذا، وقال في يوم كذا كذا وكذا ؟ ! فقال: " دعني يا عمر فإنى بين خيرتين، ولو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له لزدت ": ثم صلى عليه. فأنزل الله عزوجل " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره " الآية. قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله وسوله أعلم. وقال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبدالله يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر عبدالله بن أبى بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه - أو فخذيه - ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. فالله أعلم. وفى صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله، وعنده أنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسا العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبدالله بن أبى. وقد ذكر البيهقى هاهنا قصة ثعلبة بن حاطب، وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة، وقد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى: " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله (1) " الآية. فصل قال ابن إسحاق: وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال حسان بن ثابت رضى الله عنه يعدد أيام الانصار مع رسول الله صلى الله


(1) سورة التوبة 75. (*)

[ 67 ]

عليه وسلم ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه، قال ابن هشام: وتروى لابنه عبدالرحمن بن حسان: ألست خير معد كلها نفرا * ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا (1) قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم * مع الرسول فما ألوا وما خذلوا (2) وبايعوه فلم ينكث به أحد * منهم ولم يك في إيمانه (3) دخل ويوم صبحهم في الشعب من أحد * ضرب رصين كحر النار مشتعل ويوم ذى قرد يوم استثار بهم * على الجياد فما خانوا وما نكلوا (4) وذا العشيرة جاسوها بخيلهم * مع الرسول عليها البيض والاسل ويوم ودان أجلوا أهله رقصا * بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل وليلة طلبوا فيها عدوهم * لله والله يجزيهم بما عملوا وليلة بحنين جالدوا معه * فيها يعلهم في الحرب إذ نهلوا وغزوة يوم نجد ثم كان لهم * مع الرسول بها الاسلاب والنفل وغزوة القاع فرقنا العدو به * كما يفرق دون المشرب الرسل ويوم بويع كانوا أهل بيعته * على الجلاد فآسوه وما عدلوا وغزوة الفتح كانوا في سريته * مرابطين فما طاشوا وما عجلوا ويوم خيبر كانوا في كتيبته * يمشون كلهم مستبسل بطل بالبيض ترعش في الايمان عارية * تعوج بالضرب أحيانا وتعتدل ويوم سار رسول الله محتسبا * إلى تبوك وهم راياته الاول وساسة الحرب إن حرب بدت لهم * حتى بدا لهم الاقبال والقفل أولئك القوم أنصار النبي وهم * قومي أصير إليهم حين أتصل ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم * وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا


(1) حصلوا: جمعوا. (2) ألوا: قصروا (3) ابن هشام: في إيمانهم. (4) ابن هشام: فما خاموا. (*)

[ 68 ]

ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة براءة قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا، قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت، ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد. فلما خرج أبو بكر رضى الله عنه بمن معه من المسلمين وفصل عن البيت أنزل الله عزوجل هذه الآيات من أول سورة التوبة: " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر " إلى قوله: " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله " إلى آخر القصة. ثم شرع ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات. وقد بسطنا الكلام عليها في التفسير ولله الحمد والمنة. والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضى الله عنه بعد أبى بكر الصديق ليكون معه ويتولى على بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكونه ابن عمه من عصبته. * * *

[ 69 ]

قال ابن إسحاق: حدثنى حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبى جعفر محمد بن على، أنه قال: لما نزلت " براءة " على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضى الله عنه ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبى بكر ؟ فقال: " لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى ". ثم دعا على بن أبى طالب فقال: " إخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته ". فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور ؟ فقال: بل مأمور. ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها في الجاهلية. حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن في الناس بالذى أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة، إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا مرسل من هذا الوجه. * * *

[ 70 ]

وقد قال البخاري: باب حج أبى بكر رضى الله عنه بالناس سنة تسع. حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبى هريرة: أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه بعثه في الحجة التى أمره عليها النبي صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا عبدالله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني حميد بن عبدالرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثنى أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. قال حميد: ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلى فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا على في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان. وقال البخاري في كتاب الجهاد: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبدالرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثنى أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ويوم الحج الاكبر يوم النحر، وإنما قيل الاكبر من أجل قول الناس: العمرة الحج الاصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذى حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك. ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه. * * *

[ 71 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشعبى، عن محرز بن أبى هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما كنتم تنادون ؟ قال: كنا ننادى: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الاربعة أشهر فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك. قال، فكنت أنادى حتى صحل (1) صوتي. وهذا إسناد جيد، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوى: " إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر ". وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ، ؟ ولو زاد على أربعة أشهر، ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر. بقى قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالاول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل، ويحتمل أن يقال: إنه يؤجل إلى أربعة أشهر، لانه أولى ممن ليس له عهد بالكلية. والله تعالى أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبى بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتى ". فبعث بها مع على بن أبى طالب.


(1) صحل: بح. (*)

[ 72 ]

وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة، وقال: حسن غريب من حديث أنس. وقد روى عبدالله بن أحمد، عن لوين، عن محمد بن جابر، عن سماك عن حنش (1) عن على، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردف أبا بكر بعلى فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال: يارسول الله نزل في شئ ؟ قال: " لا ولكن جبريل جاءني فقال، لا يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك ". وهذا ضعيف الاسناد، ومتنه فيه نكارة. والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبى إسحاق، عن زيد بن أثيع (2) - رجل من همدان - قال: سألنا عليا: بأى شئ بعثت ؟ يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر في الحجة. قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا. وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبى إسحاق السبيعى، عن زيد بن أثيع، عن على به. وقال: حسن صحيح. ثم قال: وقد رواه شعبة، عن أبى إسحاق، فقال عن زيد بن أثيل. ورواه الثوري عن أبى إسحاق، عن بعض أصحابه، عن على. قلت: ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن أبى إسحاق، عن الحارث عن على.


(1) غير أ: حلس، وهو تحريف، وهو حنش بن المعتمر أو ابن ربيعة بن المعتمر الكنانى الكوفى، يروى عن على وأبى ذر، وعنه الحكم وسماك ابن حرب.. خلاصة التهذيب 81. (2) الاصل: يثيع. وما أثبته عن مسند أحمد 1 / 78 (*)

[ 73 ]

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبدالله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا ابن صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلى من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت على بن أبى طالب عن يوم الحج الاكبر. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ابن أبى قحافة يقيم للناس الحج، وبعثنى معه بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلى فقال: قم يا على فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا قأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبى بكر رضى الله عنه يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم. قال على: فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة. وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير، وذكرنا أسانيد الاحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية. ولله الحمد والمنة. قال الواقدي: وقد كان خرج مع أبى بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة، منهم عبدالرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة، ثم أردفه بعلى فلحقه بالعرج (1) فنادى ببراءة أمام الموسم. فصل كان في هذه السنة - أعنى في سنة تسع - من الامور الحادثة: غزوة تبوك في رجب كما تقدم بيانه.


(1) العرج: قرية جامعة في واد من نواحى الطائف، وقيل واد به. المراصد. (*)

[ 74 ]

قال الواقدي: وفى رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس. وفى شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبدالمطلب، وقيل غسلها نسوة من الانصار فيهن أم عطية. قلت: وهذا ثابت في الصحيحين، وثبت في الحديث أيضا أنه عليه السلام لما صلى عليها وأراد دفنها قال: " لا يدخله أحد قارف الليلة أهله " فامتنع زوجها عثمان لذلك، ودفنها أبو طلحة الانصاري رضى الله عنه. [ ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبى عبيدة وأبى طلحة ومن شابههم، فقال: " لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء "، إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بعيد. والله أعلم (1) ]. وفيها صلح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل، كما تقدم إيضاح ذلك [ كله ] (1) في مواضعه. وفيها هدم مسجد الضرار الذى بناه جماعة من المنافقين صورة مسجد، وهو دار حرب في الباطن، فأمر عليه السلام به فحرق. وفى رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا إليهم بالامان [ وكسرت اللات كما تقدم (1) ]. وفيها توفى عبدالله بن أبى بن سلول رأس المنافقين لعنه الله في أواخرها. وقبله بشهر (2)


(1) سقط من ا (2) غير ا: بأشهر (*)

[ 75 ]

توفى معاوية بن معاوية الليثى - أو المزني - وهو الذى صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك، إن صح الخبر في ذلك. وفيها حج أبو بكر رضى الله عنه بالناس عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك. وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب، ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخارى وغيره.

[ 76 ]

كتاب الوفود الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب (1) من كل وجه. قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمى سنة الوفود. قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحى من قريش، لان قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم. وقادة العرب لا ينكرون ذلك. وكانت قريشي هي التى نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوخها الاسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كما قال الله عزوجل أفواجا يضربون إليه من كل وجه. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " [ أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك واستغفره إنه كان توابا ] (2): وقد قدمنا (3) حديث عمرو بن سلمة قال: كانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو [ نبى ] (2) صادق. فلما كانت وقعة


(1) ا: الوفود من العرب. (2) ليست في ا. (3) تقدم ذلك في الجزء الثالث من السيرة ص 609 (*)

[ 77 ]

أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر - أي قومي - بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا. وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري. قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقى بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع، بل وعلى فتح مكة. وقد قال الله تعالى: " لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى " وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: " لا هجرة ولكن جهاد ونية ". فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعده [ الله خيرا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة والله أعلم ] (1). على أن هؤلاء الائمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء [ لم يذكروها، ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه، وننبه على ما ينبغى التنبيه عليه من ذلك ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان ] (2). * * * وقد قال محمد بن عمر الواقدي: حدثنا كثير بن عبدالله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة، وذاك في رجب سنة خمس.


(1) سقطت من ا. (2) سقط من ا (*)

[ 78 ]

فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال: " أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم " فرجعوا إلى بلادهم. ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبى بإسناده، أن أول من قدم من مزينة خزاعي ابن عبد نهم ومعه عشرة من قومه مزينة، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ على إسلام قومه ]، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعى من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا، فلما بلغت خزاعيا شكا ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا. قال: وهو أخو عبدالله ذى البجادين. وقال البخاري رحمه الله: باب وفد بنى تميم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبى صخرة، عن صفوان بن محرز المازنى، عن عمران بن حصين، قال: أتى نفر من بنى تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اقبلوا البشرى يا بنى تميم " قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا - فرئى ذلك في وجهه. ثم جاء (1) نفر من اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله. ثم قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبره عن ابن أبى مليكة، أن عبدالله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بنى تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة. فقال عمر: بل أمر الاقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافى. فقال عمر: ما أردت خلافك.


(1) ا: فجاء. (*)

[ 79 ]

فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله " حتى انقضت. ورواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبى مليكة بألفاظ أخر. وقد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى: " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " الآية. * * * وقال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي، في أشراف من بنى تميم، منهم الاقرع ابن حابس التميمي، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بنى سعد - وعمرو بن الاهتم، والحبحاب (1) بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بنى سعد، في وفد عظيم من بنى تميم. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى، وقد كان الاقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بنى تميم كانا معهم. ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد. فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " قد أذنت لخطيبكم فليقل ". فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذى له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذى


(1) الاصل: الحجاب. وما أثبته عن ابن هشام. قال ابن هشام: الحتات: وهو الذى آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين معاوية بن أبى سفيان. واختاره السهيلي في الروض. (*)

[ 80 ]

جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤوس الناس وألى فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لاكثرنا الكلام ولكن نخشى (1) من الاكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف [ بذلك ] (2) أقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخى بنى الحارث بن الخزرج: " قم فأجب الرجل في خطبته ". فقام ثابت فقال: الحمد لله الذى السموات والارض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شئ قط إلا من فضله. ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين. [ ثم ] دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوى رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كان أول الخلق إجابة واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم.


(1) ابن هشام: نحيا (2) من ابن هشام. (*)

[ 81 ]

فقام الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حى يعادلنا * منا الملوك وفينا تنضب البيع (1) وكم قسرنا من الاحياء كلهم * عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس القزع (2) بما ترى الناس تأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم نصطنع (3) فننحر الكوم عبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا (4) فما ترانا إلى حى نفاخرهم * إلا استفادوا وكانوا الرأس يقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه * فيرجع القوم والاخبار تستمع إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر نرتفع (5) قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال، عرضت في قوله وقلت على نحو ما قال. فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان ثابت: " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال ". فقال حسان: إن الذوائب من فهر وإخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته * تقوى الاله وكل الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة * إن الخلائق - فاعلم - شرها البدع


(1) البيع: جمع بيعة، وهى موضع الصلاة. (2) القزع: القطع من السحاب. (3) الهوى: الاسراع. (4) الكوم: الابل العظام الاسنمة. وعبطا: من غير علة. (5) قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها للزبرقان. (*)

[ 82 ]

إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لادنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا (1) أعفة ذكرت في الوحى عفتهم * لا يطمعون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحى لم ندب لهم * كما يدب إلى الوحشية الذرع (2) نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلية في أرساغها فدع (3) خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الامر الذى منعوا فإن في حربهم - فاترك عداوتهم - * شرا يخاض عليه السم والسلع (4) أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفاوتت الاهواء والشيع أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره * فيما أحب لسان حائك صنع فإنهم أفضل الاحياء كلهم * إن جد في الناس جد القول أو شمعوا (5) * * * وقال ابن هشام: وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بنى تميم قام فقال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا * إذا اختلفوا عند احتضار المواسم


(1) ا، ت: قنعوا. وفى ابن هشام: متعوا. ومعناها: زادوا. (2) الذرع: ولد البقرة الوحشية. (3) المكتنع: القريب. وحلية موضع كثير الاسود. والفدع: اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل. (4) السلع: نبت سام. (5) شمعوا: مزحوا. (*)

[ 83 ]

بأنا فروع الناس في كل موطن * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا * ونضرب رأس الاصيد المتفاقم وإن لنا المرباع في كل غارة * نغير بنجد أو بأرض الاعاجم قال: فقام حسان فأجابه فقال: هل المجد إلا السؤدد العود والندى * وجاه الملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا النبي محمدا * على أنف راض من معد وراغم بحى حريد أصله وثراؤه * بجابية الجولان وسط الاعاجم (1) نصرناه لما حل بين ديارنا (2) * بأسيافنا من كل باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا * وطبنا له نفسا بفئ المغانم ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا * على دينه بالمرهفات الصوارم ونحن ولدنا من قريش عظيمها * ولدنا نبى الخير من آل هاشم بنى دارم لا تفخروا إن فخركم * يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم * لنا خول من بين ظئر وخادم فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم * وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا * ولا تلبسوا زيا كزى الاعاجم * * * قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الاقرع بن حابس: وأبى إن هذا لمؤتى له ! لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولاصواتهم أعلى من أصواتنا.


(1) الحريد: المنفرد. وجابية الجولان: قرية من أعمال دمشق. المراصد. (2) غير ا: بيوتنا. (*)

[ 84 ]

قال: فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم. وكان عمرو بن الاهتم قد خلفه القوم في رحالهم، وكان أصغرهم سنا، فقال قيس ابن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الاهتم -: يا رسول الله إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث. وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم. فقال عمرو بن الاهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك، يهجوه: ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب (1) سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم * باد نواجذه مقع على الذنب (2) وقد روى الحافظ البيهقى من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الاهتم، فقال لعمرو بن الاهتم: " أخبرني عن الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه " وأراه كان قد عرف قيسا. قال: فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أنى أفضل مما قال. قال فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زمر (3) المروءة، ضيق العطن، أحمق الاب، لئيم الخال. ثم قال: يا رسول الله قد صدقت فيهما جميعا، أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان سحرا ". وهذا مرسل من هذا الوجه.


(1) الهلباء: يريد الدبر، والهلب: شعر الذنب (2) الرهو: المتسع. (3) زمر المرءوة: قليلها. (*)

[ 85 ]

قال البيهقى: وقد روى من وجه آخر موصولا: أنبأنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملى، حدثنا محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي، حدثنا محمد بن عبدالله ابن الحسن العلاف ببغداد، حدثنا على بن حرب الطائى، أنبأنا أبو سعد بن الهيثم بن محفوظ، عن أبى المقوم يحيى بن يزيد الانصاري، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الاهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك - يعنى عمرو بن الاهتم - فقال عمرو بن الاهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم منى غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو بن الاهتم: أنا أحسدك ؟ فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الاولى والاخرى جميعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان سحرا ". وهذا إسناد غريب جدا. [ وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنهم كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصارى ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا، فقدم رؤساؤهم بسبب أسراهم، ويقال قدم منهم تسعون - أو ثمانون - رجلا في ذلك منهم عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد والاقرع بن حابس

[ 86 ]

ورباح بن الحارث وعمرو بن الاهتم، فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم، فعجل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات، فنزل فيهم ما نزل. ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم، وأنه عليه السلام أجازهم كل رجل اثنى عشر أوقية ونشا، إلا عمرو بن الاهتم فإنما أعطى خمس أواق لحداثة سنه. والله أعلم ] (1) قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ". قال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزى، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبى إسحاق، عن البراء في قوله: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ". قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن حمدى زين، وذمى شين. فقال: " ذاك الله عزوجل ". وهذا إسناد جيد متصل. وقد روى عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما. وقد وقع تسمية هذا الرجل فقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبى سلمة، عن عبدالرحمن، عن الاقرع بن حابس، أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد يا محمد. وفى رواية: يا رسول الله. فلم يجبه. فقال: يارسول الله إن حمدى لزين، وإن ذمى لشين. فقال: " ذاك الله عزوجل ".


(1) تأخرت في ا إلى نهاية الفصل. (*)

[ 87 ]

فصل في فضل بنى تميم قال البخاري: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة، قال: لا أزال أحب بنى تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم: " هم أشد أمتى على الدجال " وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال " أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل " وجاءت صدقاتهم فقال: " هذه صدقات قوم - أو قومي - " وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به. [ وهذا الحديث يرد على قتادة (1) ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا * ولو سلكت طرق الرشاد لضلت ولو أن برغوثا على ظهر قملة * رأته تميم من بعيد لولت ] (2) وفد بنى عبدالقيس ثم قال البخاري بعد وفد بنى تميم: باب وفد عبدالقيس. حدثنا أبو إسحاق (3)، حدثنا أبو عامر العقدى، حدثنا قرة، عن أبى جمرة (4) قال قلت لابن عباس: إن لى جرة ينتبذ لى فيها فأشربه حلوا في جر (5) إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح ؟ فقال: قدم وفد عبدالقيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مرحبا


(1) كذا بالاصل. (2) سقط من ا. (3) البخاري: حدثنى إسحق. (4) الاصل: عن أبى حمزة. والتصويب من صحيح البخاري 2 / 266 (5) الجر: كل شئ يصنع من المدر. (*)

[ 88 ]

بالقوم غير خزايا ولا الندامى " فقالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فحدثنا بجميل (1) من الامر إن عملنا به دخلنا الجنة وندعو به من وراءنا. قال: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع ; الايمان بالله، هل تدرون ما الايمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس. وأنهاكم عن أربع: ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت " (2). وهكذا رواه مسلم من حديث قرة بن خالد، عن أبى جمرة به. وله طرق في الصحيحين عن أبى جمرة. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة، عن أبى جمرة، سمعت ابن عباس يقول: إن وفد عبدالقيس لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ممن القوم ؟ " قالوا: من ربيعة. قال: " مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى ". فقالوا: يا رسول الله إنا حى من ربيعة، وإنا ناتيك من شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل ندعو إليه من وراءنا وندخل به الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع. آمركم بالايمان بالله وحده. أتدرون ما الايمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس. وأنهاكم


(1) صحيح مسلم: بأمر فصل. وفى البخاري: بجمل من الامر. (3) الدباء: القرع اليابس، والمراد: الوعاء منه. والخنتم: جرار خضر. والنقير: جذع ينقر وسطه والمزفت: المطلى بالقار. (*)

[ 89 ]

عن أربع. عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت - وربما قال والمقير - فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم ". وقد أخرجه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه. وقد رواه مسلم من حديث سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد بحديث قصتهم بمثل هذا السياق. وعنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاشج عبدالقيس: " إن فيك لخلتين يحبهما الله عزوجل ; الحلم والاناة " وفى رواية: " يحبهما الله ورسوله " فقال: يا رسول الله [ تخلقتهما أم جبلني الله عليهما ؟ فقال: " جبلك الله عليهما " فقال: الحمد لله الذى جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله (1) ]. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم، حدثنا مطر بن عبدالرحمن، سمعت هندا بنت الوازع، أنها سمعت الوازع يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والاشج المنذر بن عامر - أو عامر بن المنذر - ومعهم رجل مصاب، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا من رواحلهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلوا يده، ثم نزل الاشج فعقل راحلته وأخرج عيبته ففتحها فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله عزوجل ورسوله: الحلم والاناة " فقال: يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما ؟ فقال: " بل الله جبلك عليهما " قال: الحمد لله الذى جبلني على خلقين يحبهما الله عزوجل ورسوله. فقال الوازع: يا رسول الله إن معى خالا لى مصابا، فادع الله له. فقال: " أين هو


(1) سقط من ا. (*)

[ 90 ]

ائتنى به " قال: فصنعت مثل ما صنع الاشج، ألبسته ثوبيه وأتيته، فأخذ من ردائه (1) يرفعهما حتى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال: " اخرج عدو الله " فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح. وروى الحافظ البيهقى من طريق هود بن عبدالله بن سعد، أنه سمع جده مزيدة العبدى، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: " سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق ". فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكبا، فقال: من القوم ؟ فقالوا: من بنى عبدالقيس. قال: فما أقدمكم هذه البلاد، التجارة ؟ قالوا: لا. قال: أما إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفا فقال خيرا. ثم مشوا معه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذى تريدون. فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم، فمنهم من مشى ومنهم من هرول ومنهم من سعى، حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا بيده فقبلوها، وتخلف الاشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشى حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله ". قال: جبل جبلت عليه أم تخلقا منى ؟ قال: بل جبل. فقال: الحمد لله الذى جبلني على ما يحب الله ورسوله. * * * وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبدالقيس. قال ابن هشام: وهو الجارود بن بشر بن المعلى. في وفد عبدالقيس وكان نصرانيا.


(1) غير ا: من ورائه. (*)

[ 91 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الحسن (1) قال: لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه فعرض عليه الاسلام ودعاه إليه ورغبه فيه، فقال: يا محمد إنى كنت على دين وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه " قال: فأسلم وأسلم أصحابه. ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال: والله ما عندي ما أحملكم عليه ". قال: يا رسول الله فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا ؟ قال: لا، إياك وإياها، فإنما تلك حرق النار. قال: فخرج الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الاسلام صلبا على دينه حتى هلك. وقد أدرك الردة، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الاول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الاسلام فقال: أيها الناس إنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يشهد. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدى فأسلم فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين. ولهذا روى البخاري من حديث إبراهيم بن طهمان عن أبى جمرة، عن ابن عباس،


(1) ابن هشام: عن الحسين (*)

[ 92 ]

قال: أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبدالقيس بجواثى من البحرين. وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبدالقيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها. قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبدالقيس كان قبل فتح مكة لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحى من مضر، لا نصل إليك إلا في شهر حرام. والله أعلم. قصة ثمامة ووفد بنى حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب لعنه الله قال البخاري: باب وفد بنى حنيفة وقصة ثمامة بن أثال. حدثنا عبدالله بن يوسف، حدثنا الليث بن سعد، حدثنى سعيد بن أبى سعيد، سمع أبا هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سوارى المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما عندك يا ثمامة " ؟ قال: عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد ثم قال له: " ما عندك يا ثمامة " ؟ فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى بعد الغد فقال: " ما عندك يا ثمامة " ؟ فقال عندي ما قلت لك. فقال: " أطلقوا ثمامة ".

[ 93 ]

فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الارض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلى، والله ما كان دين أبغض إلى من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلى، والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلى، وإن خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت ؟ قال: لا ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به. وفى ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر. وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه وإنما أسر وقدم به في الوثاق فربط بسارية من سوارى المسجد. ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر، وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح، لان أهل مكة عيروه بالاسلام وقالوا: أصبوت ؟ فتوعدهم بأنه لا يفد إليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب لم يسلم أهلها بعد. والله أعلم. ولهذا ذكر الحافظ البيهقى قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة وهو أشبه، ولكن ذكرناه هاهنا إتباعا للبخاري رحمه الله. * * * وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن عبدالله بن أبى حسين،

[ 94 ]

حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل لى محمد الامر من بعده اتبعته. وقدم في بشر كثير من قومه. فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال له: " لو سألتنى هذه القطعة ما أعطيتكها (1)، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإنى لاراك الذى رأيت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عنى " ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك الذى رأيت فيه ما أريت " فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدى سوارين من ذهب فأهمنى شأنهما، فأوحى إلى في المنام: أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدى أحدهما الاسود العنسى والآخر مسيلمة ". ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر (2)، حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر، عن همام بن منبه (3)، أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم أتيت بخزائن الارض فوضع في كفى سواران من ذهب، فكبرا على فأوحى إلى: أن انفخهما. فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما ؟ صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة ". ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن محمد الجرمى، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبى، عن صالح، عن ابن عبيدة، بن نشيط - وكان في موضع آخر اسمه عبدالله - أن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث وكان تحته بنت الحارث بن كريز وهى أم عبدالله بن عامر بن كريز، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذى يقال له:


(1) الاصل: أعطيتها. وما أثبته عن صحيح البخاري 1 / 268. (2) الاصل: منصور. وما أثبته عن البخاري. (3) الاصل: هشام بن أمية. وما أثبته عن البخاري. (*)

[ 95 ]

خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خليت بينك وبين الامر، ثم جعلته لنا بعدك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو سألتنى هذا القضيب ما أعطيتكه وإنى لاراك (1) الذى رأيت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عنى " فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عبيدالله بن عبدالله: سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكر، فقال ابن عباس: ذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم أريت أنه وضع في يدى سواران من ذهب ففظعتهما (2) وكرهتهما، فأذن لى فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان ". فقال عبيد الله: أحدهما العنسى الذى قتله فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب. * * * وقال محمد ابن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى حنيفة فيهم مسيلمة [ بن حبيب الكذاب. قال ابن هشام: وهو مسيلمة (3) ] بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هفان بن ذهل بن الدول بن حنيفة، ويكنى أبا ثمامة وقيل أبا هارون، وكان قد تسمى بالرحمن فكان يقال له رحمن اليمامة، وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابا من النيرجات (4)، فكان يدخل البيضة إلى القاروة، وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله، ويدعى أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها. قال ابن إسحاق: وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الانصار ثم من بنى النجار.


(1) ا: وإنى أراك. (2) ففظعتهما: كرهتهما. وفى الاصل: فقطعتهما. وهو تحريف. (3) سقط من المطبوعة. (4) السهيلي: النيروجات. وفى القاموس: النيرنج: أخذ كالسحر وليس به. (*)

[ 96 ]

[ قال السهيلي: هي زينب، وقيل كيسة (1) بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس، وكان مسيلمة قد تزوجها قديما ثم فارقها، فلهذا نزلوا في دارها (2) ]. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بنى حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو سألتنى هذا العسيب ما أعطيتكه ". قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا، وزعم أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا: يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفى ركائبنا يحفظها لنا. قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال: " أما إنه ليس بشركم مكانا " أي لحفظه ضيعة أصحابه. ذلك الذى يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إنى قد أشركت في الامر معه. وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: " أما إنه ليس بشركم مكانا " ما ذاك إلا لما كان يعلم أنى قد أشركت في الامر معه. ثم جعل يسجع لهم السجعات ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على


(1) الاصل: كبشة وما أثبته عن الروض الانف 2 / 341. (2) سقط من المطبوعة. (*)

[ 97 ]

الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق (1) وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبى. فأصفقت (2) معه بنو حنيفة على ذلك. قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان. * * * وذكر السهيلي وغيره أن الرحال بن عنفوة - واسمه نهار بن عنفوة - وكان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة، وقد مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أبى هريرة وفرات بن حيان فقال لهم: " أحدكم ضرسه في النار مثل أحد ". فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرحال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه في الامر معه، وألقى إليه شيئا مما كان يحفظه من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه، فحصل بذلك فتنة عظيمة لبنى حنيفة، وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة. قال السهيلي: وكان مؤذن مسيلمة يقال له حجير، وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل. وأضيف إليهم سجاح، وكانت تكنى أم صادر، وتزوجها مسيلمة، وله معها أخبار فاحشة، واسم مؤذنها زهير بن عمرو، وقيل جنبة بن طارق، ويقال إن شبث ابن ربعى أذن لها أيضا ثم أسلم، وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى


(1) الصفاق: جلد البطن. (2) أصفقت: اجتمعت. (*)

[ 98 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ; سلام عليك. أما بعد فإنى قد أشركت في الامر معك، فإن لنا نصف الامر ولقريش نصف الامر، ولكن قريشا قوم يعتدون. فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ". قال: وكان ذلك في آخر سنة عشر - يعنى ورود هذا الكتاب. [ وقد روى البخاري قصة هذا الكتاب في صحيحه. ] (1) قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: فحدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم بن مسعود، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: " وأنتما تقولان مثل ما يقول ؟ " قالا: نعم. فقال أما والله لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبى وائل عن عبدالله بن مسعود. قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: " أتشهدان أنى رسول الله " فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما ". قال عبدالله بن مسعود: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل. قال عبدالله: فأما ابن أثال فقد كفاه الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه.


(1) من ا. (*)

[ 99 ]

قال الحافظ البيهقى: أما أسامة بن أثال فإنه أسلم. وقد مضى الحديث في إسلامه (1). وأما ابن النواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبى إسحاق المزني، أنبأنا أبو عبدالله محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا جعفر بن عون، أنبأنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم، قال جاء رجل إلى عبدالله بن مسعود فقال: إنى مررت ببعض مساجد بنى حنيفة وهم يقرءون قراءة ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم: والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما. قال: فأرسل إليهم عبدالله فأتى بهم وهم سبعون رجلا، ورأسهم عبدالله بن النواحة. قال: فأمر به عبدالله فقتل ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء، ولكن نحوزهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم. * * * وقال الواقدي: كان وفد بنى حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة، وفيهم الرحال بن عنفوة وطلق بن على وعلى بن سنان ومسيلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت عليهم الضيافة، فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا، ومرة خبزا وسمنا، ومرة تمرا بنزلهم. فلما قدموا المسجد أسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم، ولما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم، لما ذكروا أنه في رحالهم، فقال: " أما إنه ليس بشركم مكانا ".


(1) تقدم ذلك في هذا الجزء. (*)

[ 100 ]

فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، فقال: إنما قال ذلك لانه عرف أن الامر لى من بعده. وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة. قال الواقدي: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معهم بإداوة فيها فضل طهوره، وأمرهم أن يهدموا بيعتهم وينضحوا هذا الماء مكانه ويتخذه مسجدا ففعلوا. وسيأتى ذكر مقتل الاسود العنسى في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق. وفد أهل نجران قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا رجلا أمينا، فقال: " لابعثن معكم رجلا أمينا حق أمين ". فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم يا أبا عبيدة ابن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أمين هذه الامة ". وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة، عن أبى إسحاق به. * * *

[ 101 ]

وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى ابن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه عن جده - قال يونس: وكان نصرانيا فأسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان " باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران أسلم أنتم، فإنى أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ; أما بعد فإنى أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام ". فلما أتى الاسقف الكتاب فقرأه فظع به وذعر به ذعرا شديدا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة - وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الابهم ولا السيد ولا العاقب -. فدفع الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه، فقال الاسقف: يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ؟ ليس لى في النبوة رأى ولو كان أمرا من أمور الدنيا لاشرت عليك فيه برأى وجهدت لك. فقال له الاسقف: تنح فاجلس. فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته. فبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبدالله بن شرحبيل، وهو من ذى أصبح من حمير، فأقراه الكتاب وسأله عن الرأى، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الاسقف: تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحيته. وبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بنى الحارث ابن كعب أحد بنى الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأى فيه، فقال له مثل

[ 102 ]

قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الاسقف فتنحى فجلس ناحيته فلما اجتمع الرأى منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الاسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع. فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأى فيه. فاجتمع رأى أهل الرأى منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله ابن شرحبيل الاصبحي وجبار بن فيض الحارثى، فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * قال: فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب. فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانوا يعرفونهما، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والانصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبدالرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأى منكما، أترون أن نرجع ؟ فقالا لعلى بن أبى طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال

[ 103 ]

على لعثمان ولعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه. ففعلوا فسلموا فرد سلامهم، ثم قال: " والذى بعثنى بالحق لقد أتونى المرة الاولى وإن إبليس لمعهم ". ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما عندي فيه شئ يومى هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى ". فأصبح الغد وقد أنزل الله عزوجل هذه الآية: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " (1). فأبوا أن يقروا بذلك. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشى عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة. فقال شرحبيل لصاحبيه: قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيى، وإنى والله أرى أمرا ثقيلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا أدنى العرب منهم جوارا،


(1) سورة آل عمران 59 - 61. (*)

[ 104 ]

ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الارض منا شعر ولا ظفر إلا هلك. فقال له صاحباه: فما الرأى يا أبا مريم ؟ فقال: رأيى أن أحكمه، فإنى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا. فقالا له: أنت وذاك. قال فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى قد رأيت خيرا من ملاعنتك. فقال: " وما هو ؟ " فقال: حكمك اليوم إلى الليل. وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعل وراءك أحدا يثرب (1) عليك ؟ " فقال شرحبيل: سل صاحبي، فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأى شرحبيل. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم، حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي [ الامي (2) ] رسول الله لنجران، أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ألفى حلة، في كل رجب ألف حلة، وفى كل صفر ألف حلة " وذكر تمام الشروط. إلى أن قال: شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف من بنى نصر والاقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة، وكتب. حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الاسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسقف، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران


(1) يثرب: يلوم. (2) ليست في ا. (*)

[ 105 ]

إذ كبت ببشر ناقته، فتعس بشر، غير أنه لا يكنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له الاسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا. فقال له بشر: لا جرم، والله لا أحل عنها عقدا حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وصرف وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الاسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عنى، إنما قلت هذا ليبلغ (1) عنى العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نخعنا (2) لهذا الرجل بما لم تنخع به العرب، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا، فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا. فضرب بشر ناقته وهو مولى الاسقف ظهره، وارتجز يقول: إليك تغدو قلقا وضينها (3) * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. * * * قال: ودخل الوفد نجران، فأتى الراهب ابن أبى شمر الزبيدى وهو في رأس صومعته فقال له: إن نبيا بعث بتهامة. فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا، وأن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم. فقال الراهب: أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة. قال: فأنزلوه فأخذ


(1) ا: فبلغ. (2) نخعنا: أقررنا. (3) الوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر. وقلق الوضين: كناية عن الهزال. (*)

[ 106 ]

معه هدية وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها هذا البرد الذى يلبسه الخلفاء وقعب وعصا. فأقام مدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع الوحى، ثم رجع إلى قومه ولم يقدر له الاسلام، ووعد أنه سيعود فلم يقدر له حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن الاسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه، وكتب للاسقف هذا الكتاب ولاساقفة نجران بعده: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للاسقف أبى الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم (1) وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله، لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدا ما أصلحوا ونصحوا عليهم، غير مبتلين بظلم ولا ظالمين. وكتب المغيرة بن شعبة. * * * وذكر محمد بن إسحاق أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد وهو الابهم وأبو حارثة بن علقمة وأوس بن الحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس. وأمر هؤلاء الاربعة عشر يؤول إلى ثلاثة منهم وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذى لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان ثمالهم (2)


(1) ا: ورهابينهم. (2) ثمالهم: ملجأهم. (*)

[ 107 ]

وصاحب رحلهم، وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وكان رجلا من العرب من بكر بن وائل ولكن دخل دين النصرانية فعظمته الروم وشرفوه وبنوا له الكنائس ومولوه وأخدموه لما يعرفون من صلابته في دينهم، وكان مع ذلك يعرف أمر (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن صده الشرف والجاه من اتباع الحق. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثنى بريدة بن سفيان، عن ابن البيلمانى (2)، عن كرز (3) بن علقمة، قال: قدم وفد نصارى نجران ستون راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، والاربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب والسيد وأبو حارثة أحد بنى بكر بن وائل أسقفهم وصاحب مدراسهم (4) وكانوا قد شرفوه فيهم ومولوه وأكرموه، وبسطوا عليه الكرامات وبنوا له الكنائس لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبى حارثة، فقال كرز: تعس الابعد - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم -. فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال له كرز: ولم يا أخى ؟ فقال، والله إنه للنبى الذى كنا ننتظره. فقال له كرز: وما يمنعك وأنت تعلم هذا ؟ فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأخدمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. قال: فأضمر عليها منه أخوه كرز، حتى أسلم بعد ذلك.


(1) ا: أمور (2) ا: السيلمانى. (3) ابن هشام: كوز. (4) غيرا:. مدارستهم. (*)

[ 108 ]

وذكر ابن إسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوى دخلوا في تجمل وثياب حسان، وقد حانت صلاة العصر فقاموا يصلون إلى المشرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب حتى نزل فيهم صدر سورة آل عمران والمباهلة، فأبوا ذلك، وسألوا أن يرسل معهم أمينا، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح. كما تقدم في رواية البخاري. وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران ولله الحمد والمنة.

[ 109 ]

وفد بنى عامر وقصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس لعنهم الله قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى عامر، فيهم عامر ابن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر وحيان (1) بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم. وقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به. وقد قال له قومه: يا أبا عامر (2) إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهى حتى تتبع العرب عقبى فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش. ثم قال لاربد: إن قدمنا على الرجل فإنى سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالنى (3) قال: " لا والله حتى تؤمن بالله وحده " قال: يا محمد خالنى، قال: وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يحير (4) شيئا، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال: يا محمد خالنى، قال: " لا، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له ". فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا. فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اكفني عامر ابن الطفيل ". فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل لاربد: أين


(1) كذا بالاصل، وهى رواية، وفى ابن هشام: وجبار. (2) ابن هشام: يا عامر. (3) خالنى: تفرد لى خاليا وبالتشديد: اتخذني خليلا (4) ا: يحيك. (*)

[ 110 ]

ما كنت أمرتك به ؟ والله ماكان على ظهر الارض رجل أخوف على نفسي منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبالك لا تعجل على، والله ما هممت بالذى أمرتنى به إلا دخلت بينى وبين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف ؟ ! وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عزوجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر أغدة كغدة البكر (1) في بيت امرأة من بنى سلول ؟ قال ابن هشام: ويقال: أغدة كغدة الابل وموت في بيت سلولية ! * * * وروى الحافظ البيهقى من طريق الزبير بن بكار، حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن موءلة، عن أبيها، عن جدها موءلة بن حميل (2) قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " يا عامر أسلم " فقال: أسلم على أن لى الوبر ولك المدر. قال: " لا ". ثم قال: أسلم. فقال: أسلم على أن لى الوبر ولك المدر قال: لا. فولى وهو يقول: والله يا محمد لاملانها عليك خيلا جردا ورجالا مردا ولاربطن بكل نخلة فرسا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامرا وأهد قومه. فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه يقال لها سلولية، فنزل عن فرسه ونام في بيتها، فأخذته غدة في حلقه، فوثب على فرسه وأخذ رمحه وأقبل يجول وهو يقول: غدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية ! فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا.


(1) البكر: الفتى من الابل. (3) في القاموس: موءلة بن كثيف بن حمل. (*)

[ 111 ]

وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في أسماء الصحابة موءلة هذا فقال: هو موءلة بن كثيف الضبابى الكلابي العامري، من بنى عامر بن صعصعة، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة فأسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يدعى ذا اللسانين من فصاحته، روى عنه ابنه عبد العزيز، وهو الذى روى قصة عامر ابن الطفيل: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. قال الزبير بن بكار، حدثتني ظمياء بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن حمل ابن خالد بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قالت: حدثنى أبى عن أبيه، عن موءلة، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو ابن عشرين سنة، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح يمينه وساق إبله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقها بنت لبون، ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاش في الاسلام مائة سنة، وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته. قلت: والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح. وذلك لما رواه الحافظ البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق الفزارى، عن الاوزاعي، عن إسحاق بن عبدالله ابن أبى طلحة، عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك، وغدره بأصحاب بئر معونة حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم. قال الاوزاعي: قال يحيى: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا: " اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت وابعث عليه ما يقتله " فبعث الله عليه الطاعون.

[ 112 ]

وروى عن همام، عن إسحاق بن عبدالله، عن أنس في قصة حرام بن ملحان قال: وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ويكون لى أهل الوبر، وأكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. قال، فطعن في بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة من بنى فلان ! ائتونى بفرسي. فركب فمات على ظهر فرسه. قال ابن إسحاق: ثم خرج أصحابه حتى واروه حتى قدموا أرض بنى عامر شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: وما وراءك يا أربد ؟ قال: لا شئ، والله لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله الآن. فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. قال ابن إسحاق: وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه، فقال لبيد يبكى أربد: ما إن تعدى (1) المنون من أحد * لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والاسد فعين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام النساء في كبد إن يشغبوا لا يبال شغبهم * أو يقصدوا في الحكوم يقتصد حلو أريب وفى حلاوته * مر لصيق الاحشاء والكبد (2) وعين هلا بكيت أربد إذ * ألوت رياح الشتاء بالعضد (3)


(1) تعدى: تترك. وفى الاصل: تعزى. وما أثبته عن ابن هشام 2 / 569. (2) ابن هشام: لطيف الاحشاء. (3) العضد: الشجر المعضود، الذى سقطت أوراقه. (*)

[ 113 ]

وأصبحت لاقحا مصرمة * حتى تجلت غوابر المدد (1) أشجع من ليث غابة لحم * ذو نهمة في العلا ومنتقد (2) لا تبلغ العين كل نهمتها * ليلة تمسى الجياد كالقدد (3) الباعث النوح في مآتمه * مثل الظباء الابكار بالجرد (4) فجعني البرق والصواعق بالفا * رس يوم الكريهة النجد والحارب الجابر الحريب إذا * جاء نكيبا وإن يعد يعد (5) يعفو على الجهد والسؤال كما * ينبت غيث الربيع ذو الرصد (6) كل بنى حرة مصيرهم * قل وإن أكثروا من العدد (7) إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * يوما فهم للهلاك والنفد (8) وقد ذكر ابن إسحاق عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لامه أربد بن قيس، تركناها اختصارا واكتفاء بما أوردناه. والله الموفق للصواب. * * * قال ابن هشام: وذكر زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: فأنزل الله عزل وجل في عامر وأربد: " الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد. وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سواء منكم


(1) اللاقح: الشجرة التى ألقحتها الرياح. والمصرمة: التى لا ثمر لها. والغواير: البقايا. (2) اللحم: الاكول للحم القرم إليه. والمنتقد: النظر والرأى. (3) القدد: جمع قدة وهى السير يقطع من جلد، يشبه به الخيل في الهزال والضمور. (4) النوح: النساء النائحات. والجرد: الارض المقفرة. (5) الحارب: السالب للاعداء. والحريب: الذى سلب ماله. (6) يعفو: يكثر عطاؤه. والرصد: القليل من الكلا. (7) ابن هشام: وإن كثرت. (8) يغبطوا: يحسدوا على نعمتهم. يهبطوا: يحرموا. وأمروا: كثروا واشتدوا. (*)

[ 114 ]

من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى: " وأذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال. هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (1) ". قلت: وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد. ولله الحمد والمنة. وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام رحمه الله. فروينا من طريق الحافظ أبى القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال: حدثنا مسعدة بن سعد العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنى عبد العزيز بن عمران، حدثنى عبدالرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه: فقال عامر بن الطفيل، يا محمد ما تجعل لى إن أسلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ". قال عامر: أتجعل لى الامر إن أسلمت من بعدك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل ". قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لى الوبر ولك المدر.


(1) سورة الرعد. (*)

[ 115 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ". فلما قفل (1) من عنده قال عامر، أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يمنعك الله ". فلما خرج أربد وعامر قال عامر: يا أربد أنا أشغل عنك محمد بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدية. قال أربد: أفعل. فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معى أكلمك. فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم خليا إلى الجدار ووقف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما. فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانا بالحرة حرة واقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: اشخصا ياعدوا الله لعنكما الله. فقال عامر: من هذا يا سعد ؟ قال: أسيد بن حضير الكتائب. فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية ؟ يرغب (2) أن يموت في بيتها. ثم ركب فرسه فأحضرها حتى مات عليه راجعا، فأنزل الله فيهما. " الله يعلم


(1) الاصل: قفا (2) يرغب: يكره. (*)

[ 116 ]

ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد " إلى قوله: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه " يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر أربد وما قتله به فقال: " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء " الآية. وفى هذا السياق دلالة على تقدم قصة عامر وأربد، وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه. والله أعلم. وقد تقدم (1) وفود الطفيل بن عامر الدوسى رضى الله عنه على رسول لله صلى الله عليه وسلم بمكة وإسلامه، وكيف جعل الله له نورا بين عينيه، ثم سأل الله فحوله له إلى طرف سوطه. وبسطنا ذلك هنالك فلا حاجة إلى إعادته هاهنا كما صنع البيهقى وغيره. قدوم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا عن قومه بنى سعد بن بكر قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب، عن ابن عباس. قال: بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين. فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال: أيكم ابن عبدالمطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن عبدالمطلب ".


(1) تقدم ذلك في الجزء الاول. (*)

[ 117 ]

فقال: يا محمد. قال: نعم. قال: يابن عبدالمطلب إنى سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك. قال: " لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك ". فقال: أنشدك إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولا ؟ قال: " اللهم نعم ". قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الانداد التى كان آباؤنا يعبدون ؟ قال: اللهم نعم. قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك إن نصلى هذه الصلوات الخمس ؟ قال: " نعم ". قال: ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة، الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الاسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التى قبلها. حتى إذا فرغ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة ". قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون ! فقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له

[ 118 ]

وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه قال، فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال، يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. وهكذا رواه الامام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق فذكره. وقد روى هذا الحديث أبو داود من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب، عن ابن عباس بنحوه. وفى هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح، لان العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح. * * * وقد قال الواقدي: حدثنى أبو بكر بن عبدالله بن أبى سبرة، عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة، وكان جلدا أشعر ذا غديرتين وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فأغلظ له في المسألة، سأله عمن أرسله وبم أرسله، وسأله عن شرائع الاسلام، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله، فرجع إلى قومه مسلما قد خلع الانداد،، فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما، وبنوا المساجد وأذنوا بالصلاة. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان - يعنى ابن المغيرة - عن

[ 119 ]

ثابت، عن أنس بن مالك، قال، كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع. فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: صدق. قال: فمن خلق السماء ؟ قال: الله. قال: فمن خلق الارض ؟ قال: الله. قال.: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال: الله. قال: فبالذى خلق السماء وخلق الارض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك ؟ قال، نعم. قال: وزعم رسولك أن علبنا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق. قال: فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: صدق. قال، فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا. قال: صدق. قال: فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق. قال: ثم ولى فقال: والذى بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص عليهن شيئا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن صدق ليدخلن الجنة ". [ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة، عن أنس بن مالك رضى الله عنه (1).


(1) سقط من ا. (*)

[ 120 ]

وقد رواه مسلم من حديث أبى النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة. وعلقه البخاري من طريقه. وقد أخرجه من وجه آخر بنحوه. فقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنى سعيد بن أبى سعيد، عن شريك بن عبدالله بن أبى نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال، أيكم محمد ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم قال: فقلنا: هذا الرجل الابيض المتكئ. فقال الرجل: يابن عبدالمطلب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال الرجل: يا محمد إنى سائلك فمشتد عليك في المسألة، فلا تجد على في نفسك. فقال: سل ما بدا لك. فقال الرجل: أنشدك بربك ورب من كان قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم نعم ". [ قال: فأنشدك الله آلله أمرك أن نصلى الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال: اللهم نعم (1) ]. قال، فأنشدك الله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم نعم ! ". [ قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم (1) ] قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سعد بن بكر.


(1) سقط من المطبوعة. (*)

[ 121 ]

وقد رواه الامام البخاري عن عبدالله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبرى به. وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الليث به. والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث. قال: حدثنى ابن عجلان وغيره من أصحابنا، عن سعيد المقبرى، عن شريك، عن أنس بن مالك. فذكره. وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيدالله العمرى، عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة، فلعله عن سعيد المقبرى من الوجهين جميعا. والله أعلم. فصل وقد قدمنا (1) ما رواه الامام أحمد عن يحيى بن آدم، عن حفص بن غياث، عن داود بن أبى هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قدوم ضماد الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وإسلامه وإسلام قومه. كما ذكرناه مبسوطا بما أغنى عن إعادته هاهنا. ولله الحمد والمنة. وفد طيئ مع زيد الخيل رضى الله عنه [ وهو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب، أبو مكنف الطائى، وكان من أحسن العرب وأطوله رجلا. وسمى زيد الخيل لخمس أفراس كن له. قال السهيلي: ولهن أسماء لا يحضرني الآن حفظها ] (2). قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ وفيهم


(1) سبق ذلك في الجزء الاول. (2) سقطت من المطبوعة (*)

[ 122 ]

زيد الخيل وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فأسلموا فحسن إسلامهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنى من لا أتهم من رجال طيئ: " ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل الذى فيه ". ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيدا (1) وأرضين معه، وكتب له بذلك. فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى قومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه " (2) قال: وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى وغير أم ملدم - لم يثبته (3) -. قال ابن إسحق: فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها، ولما أحس بالموت قال: أمرتحل قومي المشارق غدوة * وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني * عوائد من لم يبر منهن يجهد (4) قال: ولما مات عمدت امرأته لجهلها وقلة عقلها ودينها إلى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار. قلت: وقد ثبت في الصحيحين عن أبى سعيد، أن على بن أبى طالب بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في تربتها، فقسمها رسول الله صلى الله عليه


(1) فيد: موضع بشرقي سلمى أحد جبلى طيئ. (2) قال: (3) قال السهيلي: الاسم الذى ذهب عن الراوى من أسماء الحمى هو أم كلبة. ذكر لى أن أبا عبيدة ذكره في مقاتل الفرسان. ولم أره. الروض 2 / 342. (4) يبر: يضني. (*)

[ 123 ]

وسلم بين أربعة: زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، والاقرع بن حابس، وعيينة بن بدر الحديث. وسيأتى ذكره في بعث على إلى اليمن إن شاء الله تعالى. قصة عدى بن حاتم الطائى قال البخاري في الصحيح: وفد طيئ وحديث عدى بن حاتم. حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عبدالملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن عدى بن حاتم، قال: أتينا عمر بن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين ؟ قال: بلى أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عدى: لا أبالى إذا. وقال ابن إسحاق: وأما عدى بن حاتم فكان يقول فيما بلغني: ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به منى، أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصراينا، وكنت أسير في قومي بالمرباع وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بى. فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت لغلام كان لى عربي وكان راعيا لابلى: لا أبا لك، اعدد لى من إبلى أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا منى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فأذني. ففعل. ثم إنه أتانى ذات غداة فقال: يا عدى، ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد. قال: قلت: فقرب إلى أجمالي. فقربها.

[ 124 ]

فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت، ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام. فسلكت الجوشية (1) وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها. وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيئ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام. قال: فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة (2)، فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن على من الله عليك. قال: ومن وافدك ؟ قالت: عدى بن حاتم. قال، الفار من الله ورسوله. قالت: ثم مضى وتركني، حتى إذا كان الغد مر بى فقلت له مثل ذلك، وقال لى مثل ما قال بالامس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بى وقد يئست، فأشار إلى رجل خلفه أن قومي فكلميه. قالت، فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن على من الله عليك. فقال صلى الله عليه وسلم: قد " فعلت، فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك. ثم آذنينى " فسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن كلميه، فقيل لى: على بن أبى طالب. قالت: وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، قالت وإنما أريد أن آتى أخى بالشام، فجئت فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لى فيهم ثقة وبلاغ. قالت:


(1) الجوشية: موضع بين نجد والشام. (2) الجزلة: العاقلة الاصيلة الرأى. (*)

[ 125 ]

فكساني وحملنى وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام. قال عدى، فو الله إنى لقاعد في أهلى فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا (1) قال: فقلت ابنة حاتم. قال: فإذا هي هي. فلما وقفت على انسحلت (2) تقول: القاطع الظالم ! احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك ؟ ! قال: قلت: أي أخية لا تقولي إلا خيرا، فو الله مالى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت. قال: فقلت: والله إن هذا الرأى. قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال: من الرجل ؟ فقلت، عدى بن حاتم. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق بى إلى بيته، فوالله أنه لعامد بى إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها. قال قلت في نفسي: والله ما هذا بملك ! قال: ثم مضى بى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلى فقال: " اجلس على هذه " قال قلت: بل أنت فاجلس عليها. قال: " بل أنت ".


(1) ابن هشام: تؤمنا. (2) انسحلت: جرت بالكلام وفى الاصل: استحلت. وما أثبته عن ابن هشام 2 / 580 (*)

[ 126 ]

فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض، قال قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: " إيه يا عدى بن حاتم ؟ ألم تك ركوسيا (1) ؟ " قال قلت: بلى. قال: " أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟ " قال قلت: بلى. قال: " فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك " قال: قلت أجل والله. قال: وعرفت أنه نبى مرسل يعلم ما يجهل. ثم قال: " لعلك يا عدى إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ". قال: فأسلمت. قال فكان عدى يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وايم الله لتكونن الثالثة، ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه. * * * هكذا أورد ابن إسحاق رحمه الله هذا السياق بلا إسناد وله شواهد من وجوه أخر.


(1) الركوسية: دين بين النصارى والصابئين. (*)

[ 127 ]

فقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت سماك بن حرب، سمعت عباد بن حبيش، يحدث عن عدى بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب (1) فأخذوا عمتى وناسا، فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصفوا له. قالت: يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بى من خدمة، فمن على من الله عليك. فقال: ومن وافدك ؟ قالت: عدى بن حاتم. قال: الذى فر من الله ورسوله، قالت: فمن على. فلما رجع ورجل إلى جنبه - نرى أنه على - قال: سليه حملانا. قال: فسألته فأمر لها. قال عدى: فأتتنى فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها. وقالت: إيته راغبا أو راهبا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبى، فذكر قربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر. فقال له: يا عدى بن حاتم ما أفرك ؟ أفرك أن يقال لا إله إلا الله ؟ فهل من إله إلا الله، ما أفرك ؟ أفرك أن يقال الله أكبر ؟ فهل شئ هو أكبر من الله عزوجل ؟ فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى. قال: ثم سألوه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فلكم أيها الناس أن ترتضخوا من الفضل، ارتضخ امرؤ بصاع، ببعض صاع، بقبضة، ببعض قبضة. قال شعبة


(1) كذا بالاصل. ولعل الصواب بعقرباء، اسم مدينة الجولان وهى كورة بدمشق. (*)

[ 128 ]

- وأكثر علمي أنه قال بتمرة، بشق تمرة - وإن أحدكم لاقى الله فقائل ما أقول: ألم أجعلك سميعا بصيرا ؟ ألم أجعل لك مالا وولدا فماذا قدمت. فينظر من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، فلا يجد شيئا فما يتقى النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوه فبكلمه لينة، إنى لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله وليعطينكم - أو ليفتحن عليكم - حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما تخاف السرق على ظعينتها. وقد رواه الترمذي من حديث شعبة وعمرو بن أبى قيس، كلاهما عن سماك. ثم قال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك. وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبى عبيدة - هو ابن حذيفة - عن رجل، قال: قلت لعدى بن حاتم: حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك. قال نعم: لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهت خروجه كراهية شديدة، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفى رواية حتى قدمت على قيصر - قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه. قال قلت: والله لو أتيت هذا الرجل فإن كان كاذبا لم يضرنى، وإن كان صادقا علمت. قال: فقدمت فأتيته، فلما قدمت قال الناس: عدى بن حاتم. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى: يا عدى بن حاتم أسلم تسلم. ثلاثا. قال قلت: إنى على دين. قال: أنا أعلم بدينك منك. فقلت: أنت تعلم بدينى منى ؟ قال: نعم. ألست من الركوسية، وأنت تأكل

[ 129 ]

مرباع قومك ؟ قلت: بلى. قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك. قال: نعم. فلم يعد أن قالها فتواضعت لها. قال: أما إنى أعلم الذى يمنعك من الاسلام ; تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها: قال. فو الذى نفسي بيده ليتمن الله هذا الامر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز. قال قلت: كنوز ابن هرمز ؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد. قال عدى بن حاتم: فهذه الظعينة [ تخرج (1) ] من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذى نفسي بيده لتكونن الثالثة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها. ثم قال أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبى عبيدة بن حذيفة، عن رجل - وقال حماد وهشام، عن محمد بن أبى عبيدة ولم يذكر عن رجل - قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدى بن حاتم وهو إلى جنبى ولا أسأله، قال: فأتيته فسألته فقال: نعم. فذكر الحديث. * * * وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عمرو الاديب، أنبأنا أبو بكر الاسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبرهيم، أنبأنا النضر بن شميل، أنبأنا إسرائيل، أنبأنا سعد الطائى، أنبأنا محل بن خليفة، عن عدى بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل.


(1) من السند 4 / 257. (*)

[ 130 ]

قال: يا عدى بن حاتم هل رأيت الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها. قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله عزوجل. قال: قلت في نفسي: فأين دعار (1) طيئ الذين سعروا البلاد ؟ ! ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز. قلت: كسرى بن هرمز ؟ قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم. قال عدى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة ". قال عدى: فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله عزوجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم. وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم، عن النضر بن شميل به بطوله. وقد رواه من وجه آخر عن سعدان بن بشر، عن سعد أبى مجاهد الطائى، عن محل بن خليفة، عن عدى به. ورواه الامام أحمد والنسائي من حديث شعبة، عن سعد أبى مجاهد الطائى به. وممن روى هذه القصة عن عدى عامر بن شرحبيل الشعبى فذكر نحوه. وقال: لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها.


(1) الدعار: الاشرار. (*)

[ 131 ]

وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة، وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية، كلاهما عن أبى إسحاق، عن عبدالله بن معقل بن مقرن المزني، عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتقوا النار ولو بشق تمرة ". ولفظ مسلم: " من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل " طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم. * * * وقد قال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنى أبو بكر بن محمد ابن عبدالله بن يوسف، حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفى، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا عاصم بن حميد، عن أبى حمزة الثمالى، عن عبدالرحمن ابن جندب، عن كميل بن زياد النخعي، قال: قال على بن أبى طالب: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير ! عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغى له أن يسارع في مكارم الاخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح. فقام إليه رجل فقال: فداك أبى وأمى يا أمير المؤمنين، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. وما هو خير منه. لما أتى بسبايا طيئ وقفت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء، شماء الانف معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلة الساقين (1) لفاء الفخذين خميصة الخصرين ضامرة الكشحين مصقولة المتنين. قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلها في فيئى.


(1) اللعساء: التى في لونها أدنى سواد. والذلفاء: الصغيرة الانف مع استواء الارنبة. والعيطاء: الطويلة العنق والدرماء: التى وارى كعبيها اللحم. والخدلة: الممتلئة. (*)

[ 132 ]

فلما تكلمت أنسيت جمالها من فصاحتها. فقال: يا محمد إن رأيت أن تخلى عنا ولا تشمت بنا أحياء العرب فإنى ابنة سيد قومي، وإن أبى كان يحمى الذمار ويفك العانى ويشبع الجائع ويكسو العارى ويقرى الضيف ويطعم الطعام ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جارية هذة صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الاخلاق والله يحب مكارم الاخلاق. فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله تحب مكارم الاخلاق ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذى نفسي بيده لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق (1) ". هذا حديث حسن المتن غريب الاسناد جدا عزيز المخرج. وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيئ أيام الجاهلية عند ذكرنا (2) من مات من أعيان المشهورين فيها، وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم ولاحسان، إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق (3) بالايمان، وهو ممن لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين. وقد زعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على بن أبى طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيئ فجاء معه بسبايا فيهم أخت عدى بن حاتم، وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم يقال لاحدهما الرسوب والآخر المخذم، كان الحارث بن أبى شمر (4) قد نذرهما لذلك الصنم. قال البخاري رحمه الله:


(1) تقدم هذا الحديث في الجزء الاول (2) تقدم في الجزء الاول (3) معذوق: معلق. (4) ت: ابن أبى إسحاق. (*)

[ 133 ]

قصة دوس والطفيل بن عمرو حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن ذكوان - هو عبدالله بن زياد - (1) عن عبدالرحمن الاعرج، عن أبى هريرة، قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوسا قد هلكت وعصت وأبت، فادع الله عليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهد دوسا وأت بهم ". انفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم قال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن أبى هريرة قال: لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها * على أنها من دارة الكفر نجت وأبق لى غلام في الطريق، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال لى النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة هذا غلامك. فقلت: هو حر لوجه الله عزوجل فأعتقته. انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم. وهذا الذى ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو قد كان قبل الهجرة، ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح، لان دوسا قدموا ومعهم أبو هريرة، وكان قدوم أبى هريرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر، ثم ارتحل أبو هريرة حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بعد الفتح فرضخ لهم شيئا من الغنيمة. وقد قدمنا ذلك كله مطولا في مواضعه. قال البخاري رحمه الله:


(1) ت: أبو الزناد. (*)

[ 134 ]

قدوم الاشعريين وأهل اليمن ثم روى من حديث شعبة، عن سليمان بن مهران الاعمش، عن ذكوان أبى صالح السمان، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الايمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الابل، والسكينة والوقار في أهل الغنم ". ورواه مسلم من حديث شعبة. ثم رواه البخاري، عن أبى اليمان، عن شعيب، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية ". ثم روى عن إسماعيل، عن سليمان، عن ثور، عن أبى المغيث عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايمان يمان، والفتنة هاهنا، هاهنا يطلع قرن الشيطان ". ورواه مسلم، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة. ثم روى البخاري من حديث شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبى مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايمان هاهنا - وأشار بيده إلى اليمن - والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الابل من حيث يطلع قرنا الشيطان. ربيعة ومضر ". وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن أبى مسعود عقبة بن عمرو. ثم روى من حديث سفيان الثوري، عن أبى صخرة جامع بن شداد، حدثنا صفوان

[ 135 ]

ابن محرز، عن عمران بن حصين، قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أبشروا يا بنى تميم " فقالوا: أما إذ بشرتنا فأعطنا فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء ناس من أهل اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " فقالوا: قبلنا يا رسول الله. وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري به. وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن، وليس فيه تعرض لوقت وفودهم، ووفد بنى تميم وإن كان متأخرا قدومهم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنا لقدوم الاشعريين، بل الاشعريون متقدم وفدهم على هذا، فإنهم قدموا صحبة أبى موسى الاشعري في صحبة جعفر ابن أبى طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة، وذلك كله حين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر. كما قدمناه مبسوطا في موضعه (1)، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " والله ما أدرى بأيهما أسر أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر " والله سبحانه وتعالى أعلم. قال البخاري: قصة عمان والبحرين حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، سمع محمد بن المنكدر، سمع جابر بن عبدالله يقول: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا " ثلاثا. فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدم على أبى بكر أمر مناديا فنادى: من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتني. قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو قد جاء


(1) تقدم ذلك في الجزء الثالث (*)

[ 136 ]

مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا " قال: فأعرض عنى. قال جابر: فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطنى، ثم أتيته فلم يعطنى، ثم أتيته الثالثة فلم يعطنى. فقلت له: قد أتيتك فلم تعطنى ثم أتينك فلم تعطنى، فإما أن تعطيني وإما أن تبخل عنى قال: قلت: تبخل عنى ؟ قال: وأى داء أدوأ من البخل: قالها ثلاثا ما منعنك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك. وهكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة به. ثم قال البخاري بعده: وعن عمرو، عن محمد بن على، سمعت جابر بن عبدالله يقول: جئته فقال لى أبو بكر: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة. فقال: خذ مثلها مرتين. وقد رواه البخاري أيضا عن على بن المدينى، عن سفيان، هو ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن محمد بن على أبى جعفر الباقر، عن جابر. كروايته له عن قتيبة. ورواه أيضا هو ومسلم من طرق أخر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن محمد بن على، عن جابر بنحوه. وفى رواية آخرى له أنه أمره فحثا بيديه من دراهم فعدها فإذا هي خمسمائة، فأضعفها له مرتين يعنى فكان جملة ما أعطاه ألفا وخمسمائة درهم. وفود فروة بن مسيك المرادى أحد رؤساء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وقدم فروة بن مسيك المرادى، مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الاسلام، أصابت همدان من قومه حتى أثخنوهم، وكان ذلك في يوم يقال له الردم، وكان الذى قاد همدان إليهم الاجدع ابن مالك. قال ابن هشام: ويقال: مالك بن خريم الهمداني. قال ابن إسحاق: فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم:

[ 137 ]

مررن على لفات وهن خوص * ينازعن الاعنة ينتحينا (1) فإن نغلب فغلابون قدما * وإن نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا وطعمة آخرينا (2) كذاك الدهر دولته سجال * تكر صروفه حينا فحينا فبينا ما نسر به ونرضى * ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرات دهر * فألفى في الالى غبطوا طحينا (3) فمن يغبط بريب الدهر منهم * يجد ريب الزمان له خئونا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فأفنى ذلكم سروات قومي * كما أفنى القرون الاولينا قال ابن إسحاق: ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا ملوك كندة قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي أؤم محمدا * أرجو فواضله وحسن ثنائها (4) قال: فلما انتهى فروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: - فيما بلغني - يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم ؟ فقال: يا رسول الله من ذا الذى يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم لا يسؤوه ذلك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا " واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص


(1) لفات: موضع من ديار مراد. والخوص: الغائرات العيون من الكلال. (2) طبنا: شأننا وعادتنا، أو شهوتنا. (3) ابن هشام: فألفيت ؟ الاولى. (4) ح: فواضلها وحسن ثرائها. (*)

[ 138 ]

على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قدوم عمرو بن معديكرب في أناس من زبيد قال ابن إسحاق: وقد كان عمرو بن معدى كرب قال لقيس بن مكشوح المرادى، حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقال (1) إنه نبى، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى علينا إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه. فركب عمرو بن معد يكرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصدقه وآمن به، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وقال: خالفني وترك أمرى ورأيى. فقال عمرو بن معديكرب في ذلك: أمرتك يوم ذى صنعا * ء أمرا باديا رشده أمرتك باتقاء الل‍ * - ه والمعروف تتعده خرجت من المنى مثل ال‍ * - حمير غره وتده تمنانى على فرس * عليه جالسا أسده على مفاضة كالنه‍ * ى أخلص ماءه جدده (2) يرد الرمح منثنى السنان * عوائرا قصده (3) فلو لاقيتني للقي‍ * ت ليثا فوقه لبده


(1) ابن هشام: يقول. (2) المفاضة: الدرع السابغة. والنهى: الغدير. والجدد: الارض الغليظة المستوية. (3) العوائر: المتطايرة: والقصد: القطع المتكسرة. (*)

[ 139 ]

تلاقى شنبثا شثن ال‍ * براثن ناشزا كتده (1) يسامى القرن إن قرن * تيممه فيعتضده فيأخذه فيرفعه * فيخفضه فيقتصده (2) فيدمغه فيحطمه * فيخضمه فيزدرده (3) ظلوم الشرك فيما أح‍ * رزت أنيابه ويده * * * قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معديكرب في قومه من بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو بن معديكرب فيمن ارتد، وهجا فروة بن مسيك فقال: وجدنا ملك فروة شر ملك * حمار ساف منخره بثفر (4) وكنت إذا رأيت أبا عمير * ترى الحولاء من خبث وغدر (5) قلت: ثم رجع إلى الاسلام وحسن إسلامه، وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وعمر الفاروق رضى الله عنهما. وكان من الشجعان المذكورين والابطال المشهورين والشعراء المجيدين، توفى سنة إحدى وعشرين بعد ما شهد فتح نهاوند، وقيل بل شهد القادسية وقتل يومئذ. قال أبو عمر بن عبد البر: وكان وفوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع، وقيل سنة عشر فيما ذكره ابن إسحاق والواقدى. قلت: وفى كلام الشافعي ما يدل عليه فالله أعلم.


(1) الشنبث: الاسد. والشثن: الغليظ. والبراثن: المخالب، أو هي بمنزلة الاصابع للانسان والناشز: المرتفع. والكتد: ما بين الكتفين. (2) يقتصده: يقتله. (3) يخضمه: يأكله. (4) ساف: شم. والثفر: للسباع وذى المخالب كالرحم للنافة. (5) الحولاء: كالمشيمة للناقة، وهى جلدة خضراء مملوءة ماء تخرج مع الولد. (*)

[ 140 ]

قال يونس عن ابن إسحاق: وقد قيل إن عمرو بن معديكرب لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال في ذلك: إننى بالنبي موقنة نفس‍ * ى وإن لم أر النبي عيانا سيد العالمين طرا وأدنا * هم إلى الله حين بان مكانا جاء بالناموس من لدن الله * وكان الامين فيه المعانا حكمة بعد حكمة وضياء * فاهتدينا بنورها من عمانا وركبنا السبيل حين ركبن‍ * اه جديدا بكرهنا ورضانا وعبدنا الاله حقا وكنا * للجهالات نعبد الاوثانا وائتلفنا به وكنا عدوا * فرجعنا به معا إخوانا فعليه السلام والسلام منا * حيث كنا من البلاد وكانا إن نكن لم نر النبي فإنا * قد تبعنا سبيله إيمانا قدوم الاشعث بن قيس في وفد كندة قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشعث بن قيس في وفد كندة. فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قد رجلوا جممهم (1) وتكحلوا، عليهم جبب الحبرة قد كففوها بالحرير. فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ألم تسلموا ؟ قالوا: بلى قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ قال: فشقوه منها فألقوه.


(1) الجمم: جمع جمة وهى شعر الرأس الكثيف. (*)

[ 141 ]

ثم قال له الاشعث بن قيس: يا رسول الله نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبدالمطلب وربيعة بن الحارث ". وكانا تاجرين، إذا شاعا في العرب فسئلا: ممن أنتما ؟ قالا: نحن بنو آكل المرار يعنى ينتسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد، لان كندة كانوا ملوكا، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم، لقول عباس وربيعة: " نحن بنو آكل المرار " وهو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندى - ويقال ابن كندة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: " لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو (1) أمنا ولا ننتفى من أبينا ". فقال لهم الاشعث بن قيس: والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين. وقد روى [ هذا ] (2) الحديث متصلا من وجه آخر فقال الامام أحمد: حدثنا بهز وعفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنى عقيل بن طلحة، وقال عفان في حديثه: أنبأنا عقيل بن طلحة السلمى، عن مسلم بن هيصم، عن الاشعث بن قيس، أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى وفد كندة - قال عثمان - لا يرونى أفضلهم، قال: قلت يا رسول الله: إنا ابن عم إنكم منا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفى من أبينا ".


(1) لا نقفو أمنا: لا نتهمها بالفجور. (2) ليست في ا. (*)

[ 142 ]

قال: قال الاشعث: فوالله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. وقد رواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن يزيد بن هارون، وعن محمد بن يحيى، عن سليمان بن حرب. وعن هارون بن حيان، عن عبد العزيز بن المغيرة، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبى، حدثنا الاشعث بن قيس، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقال لى: هل لك من ولد ؟ قلت: غلام ولد لى في مخرجى إليك من ابنة جمد، ولوددت أن مكانه شبع القوم. قال: لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا، ثم ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة إنهم لمجبنة محزنة. تفرد به أحمد وهو حديث حسن جيد الاسناد. قدوم أعشى بنى مازن على النبي صلى الله عليه وسلم قال عبدالله بن الامام أحمد: حدثنى العباس بن عبد العظيم العنبري، حدثنا أبو سلمة عبيد بن عبدالرحمن الحنفي، قال: حدثنى الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف ابن نهمشل الحرمازى، حدثنى أبى أمين، عن أبيه ذروة، عن أبيه نضلة، أن رجلا منهم يقال له الاعشى واسمه عبدالله الاعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة خرج في رجب يمير أهله من هجر، فهربت امرأته بعده نشزا عليه، فعاذت برجل منهم يقال له مطرف ابن نهشل بن كعب بن قميثع بن دلف بن أهضم بن عبدالله بن الحرماز، فجعلها خلف ظهره فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرف بن

[ 143 ]

نهشل، فأتاه فقال: يا بن عم أعندك امرأتي معاذة فادفعها إلى. قال: ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك. قال: وكان مطرف أعز منه. قال: فخرج الاعشى حتى أتى النبي صلى عليه وسلم فعاذ به فأنشأ يقول: يا سيد الناس وديان العرب * إليك أشكو ذربة من الذرب (1) كالذئبة العنساء في ظل السرب (2) * خرجت أبغيها الطعام في رجب فخلفتني بنزاع وهرب * أخلفت الوعد ولطت بالذنب وقذفتني بين عصر مؤتشب * وهن شر غالب لمن غلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: " وهن شر غالب لمن غلب ". فشكا إليه امرأته وما صنعت به، وأنها عند رجل منهم يقال له مطرف بن نهشل، فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم إلى مطرف: انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه. فأتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه، فقال لها: يا معاذة هذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيك فأنا دافعك إليه. فقالت: خذ لى عليه العهد والميثاق وذمة نبيه أن لا يعاقبنى فيما صنعت فأخذ لها ذلك عليه ودفعها مطرف إليه، فأنشأ يقول: لعمرك ما حبى معاذة بالذى * يغيره الواشى ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها * غواة الرجال إذ يناجونها بعدى


(1) الذربة: السليطة اللسان. (2) السرب: جحر الوحشى. (*)

[ 144 ]

قدوم صرد بن عبدالله الازدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم قال ابن إسحاق: وقدم صرد بن عبدالله الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من الازد، فأسلم وحسن إسلامه، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. فذهب فحاصر جرش وبها قبائل من اليمن وقد ضوت (1) إليهم خثعم حين سمعوا بمسيره إليهم، فأقام عليهم قريبا من شهر فامتنعوا فيها منه، ثم رجع عنهم حتى إذا كان قريبا من جبل يقال له شكر فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما، فخرجوا في طلبه فعطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا. وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فبينما هما عنده بعد العصر إذ قال: " بأى بلاد الله شكر ؟ " فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر. وكذلك تسميه أهل جرش. فقال: إنه ليس بكشر ولكنه شكر. قالا: فما شأنه يا رسول الله ؟ فقال: إن بدن الله لتنحر عنده الآن. قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان فقال لهما: ويحكما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لآن لينعى قومكما، فقوما إليه فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال: " اللهم ارفع عنهم ". فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء وفد أهل جرش بمن بقى منهم، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وحسن إسلامهم وحمى لهم حول قريتهم.


(1) ضوت: لجأت. (4) (*)

[ 145 ]

قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي: وكان ذلك في رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقدمه من تبوك، وهم الحارث بن كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوى بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله. فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان، أما بعد ذلكم فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبرنا ما قبلكم وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وصفيه وما كتب على المؤمنين في الصدقة، من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وعلى ما سقى الغرب (1) نصف العشر، وأن في الابل في الاربعين ابنة لبون وفى ثلاثين من الابل ابن لبون ذكر، وفى كل خمس من الابل شاة وفى كل عشر [ من الابل ] (2) شاتان وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، إنها فريضة الله التى فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له.


(1) الغرب: الدلو. (2) ليست في ا (*)

[ 146 ]

ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين له مالهم وعليه ما عليهم وله ذمة الله وذمة رسوله، وإنه من أسلم من يهودى أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم. ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف (1) من قيمة المعافر أو عوضه (2) ثيابا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله. أما بعد، فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذى يزن: أن إذ أتاك رسلي فأوصيكم (3) بهم خيرا، معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم (4) وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا. أما بعد فإن محمدا يشهد (5) أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوى قد حدثنى أنك أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاهل بيته، وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيرا، وإنى قد أرسلت إليكم من صالحي أهلى وأولى دينهم وأولى علمهم، فآمركم بهم خيرا فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". * * * وقال الامام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا عمارة، عن ثابت، عن أنس بن مالك،


(1) ا: وافر. (2) الاصل، أو عرضه. وما أثبته عن ابن هشام. (3) ا: فأوصهم. (4) ا: مخالفيكم. (5) ا: أشهد. (*)

[ 147 ]

أن مالك ذى بزن أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا أو ثلاثة وثلاثين ناقة. ورواه أبو داود عن عمرو بن عون الواسطي، عن عمارة بن زاذان الصيدلانى، عن ثابت البنانى، عن أنس به. وقد روى الحافظ البيهقى هاهنا - حديث كتاب عمرو بن حزم فقال: أنبأنا أبو عبدالله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس ابن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عبدالله بن أبى بكر، عن أبيه أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذى كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره. فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهدا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوه والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين، وأن ينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذى لهم والذى عليهم، ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه فقال: " ألا لعنة الله على الظالمين، الذين يصدون عن سبيل الله ". وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمره الله به، والحج الاكبر الحج والحج الاصغر العمرة. وأن ينهى الناس أن يصلى الرجل في ثوب واحد صغير إلا أن يكون واسعا

[ 148 ]

فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبى الرجل في ثوب واحد ويفضى بفرجه إلى السماء، ولا ينقض شعر رأسه إذا عفى في قفاه، وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعو إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. ويأمر الناس بإسباغ الوضوء، وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله عزوجل، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود وأن يغلس بالصبح و [ أن ] يهجر بالهاجرة حتى تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الارض مبدرة، والمغرب حين يقبل الليل لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله ما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقى العين (1) وفيما سقت السماء العشر، وما سقى الغرب فنصف العشر، وفى كل عشر من الابل شاتان وفى عشرين أربع شياه، وفى أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، فإنها فريضة الله التى افترض على المؤمنين، فمن زاد فهو خير له. ومن أسلم من يهودى أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الاسلام، فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها، وعلى كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ورسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا.


(1) الاصل: المغل. (*)

[ 149 ]

صلوات الله على محمد. والسلام عليه ورحمة الله وبركاته ". قال الحافظ البيهقى: وقد روى سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده هذا الحديث موصولا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك. قلت: ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في سننه مطولا، وأبو داود في كتاب المراسيل. وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في السنن ولله الحمد والمنة. وسنذكر بعد الوفود بعث النبي صلى الله عليه وسلم الامراء إلى اليمن لتعليم الناس وأخذ صدقاتهم وأخماسهم، معاذ بن جبل وأبو موسى وخالد بن الوليد وعلى بن أبى طالب. رضى الله عنهم أجمعين. قدوم جرير بن عبدالله البجلى وإسلامه قال الامام أحمد: حدثنا أبو قطن، حدثنى يونس، عن المغيرة بن شبل، قال: قال جرير: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حلتي، ثم دخلت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فرمانى الناس بالحدق، فقلت لجليسى: يا عبدالله هل ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال: يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذى يمن، إلا أن على وجهه مسحة ملك. قال جرير: فحمدت الله عزوجل على ما أبلاني. قال أبو قطن: فقلت له: سمعته منه أو سمعته من المغيرة بن شبل ؟ قال: نعم. ثم رواه إلامام أحمد، عن أبى نعيم وإسحاق بن يوسف. وأخرجه النسائي من

[ 150 ]

حديث الفضل بن موسى، ثلاثتهم عن يونس، عن أبى إسحاق السبيعى، عن المغيرة ابن شبل - ويقال ابن شبيل - عن عوف البجلى الكوفى، عن جرير بن عبدالله وليس له عنه غيره. وقد رواه النسائي عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير ونصه: " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " الحديث. وهذا على شرط الصحيحين. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل، عن قيس عن جرير، قال: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رأني إلا تبسم في وجهى. وقد رواه الجماعة إلا أبا داود، من طرق، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم عنه. وفى الصحيحين زيادة: " وشكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري " وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا ". ورواه النسائي، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل، عن قيس عنه وزاد فيه: " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " فذكر نحو ما تقدم. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عمرو وعثمان بن أحمد السماك، حدثنا الحسن بن سلام السواق، حدثنا محمد بن مقاتل الخراساني، حدثنا حصين

[ 151 ]

ابن عمر الاحمسي، حدثنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبدالله، قال: بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا جرير لاى شئ جئت ؟ قلت: أسلم على يديك يارسول الله. قال: فألقى على كساء ثم أقبل على أصحابه فقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ". ثم قال: " يا جرير، أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، وأن تؤمن بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتصلى الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة ". ففعلت ذلك، فكان بعد ذلك لا يرانى إلا تبسم في وجهى. هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبدالله، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. وأخرجاه في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبى خالد به. وهو في الصحيحين من حديث زياد بن علاثة عن جرير به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا زائدة، حدثنا عاصم، عن سفيان يعنى - أبا وائل - عن جرير، قال: قلت: يا رسول الله اشترط على فأنت أعلم بالشرط. قال: " أبايعك على أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك ". ورواه النسائي من حديث شعبة عن الاعمش، عن أبى وائل، عن جرير

[ 152 ]

وفى طريق أخرى عن الاعمش، عن منصور، عن أبى وائل، عن أبى نخيلة، عن جرير به. فالله أعلم. ورواه أيضا عن محمد بن قدامة، عن جرير، عن مغيرة، عن أبى وائل والشعبى عن جرير به. ورواه عن جرير عبدالله بن عميرة. رواه أحمد منفردا به. وابنه عبيد الله بن جرير أحمد أيضا منفردا به. وأبو جميلة وصوابه نخيلة. ورواه أحمد أيضا والنسائي. ورواه أحمد أيضا عن غندر، عن شعبة، عن منصور، عن أبى وائل، عن رجل [ عن جرير ] (1) فذكره. والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلى والله أعلم. * * * وقد ذكرنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم له حين أسلم إلى ذى الخلصة بيت كان يعبده خثعم وبجيلة، وكان يقال له الكعبة اليمانية، يضاهون به الكعبة التى بمكة، ويقولون للتى ببكة الكعبة الشامية، ولبيتهم الكعبة اليمانية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تريحنى من ذى الخلصة ؟ فحينئذ شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على الخيل، فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثرت فيه وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " فلم يسقط بعد ذلك عن فرس. ونفر إلى ذى الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس، فخرب ذلك البيت وحرقه حتى تركه مثل الجمل الاجرب، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا


(1) سقط من ا. (*)

[ 153 ]

يقال له أبو أرطاة فبشره بذلك، فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات. والحديث مبسوط في الصحيحين وغيرهما كما قدمناه (1) بعد الفتح استطرادا بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدى خالد بن الوليد رضى الله عنه. والظاهر أن إسلام جرير رضى الله عنه كان متأخرا عن الفتح بمقدار جيد. فإن الامام أحمد قال: حدثنا هاشم (2) بن القاسم، حدثنا زياد بن عبدالله بن علاثة عن عبد الكريم بن مالك الجزرى، عن مجاهد، عن جرير بن عبدالله البجلى، قال: إنما أسلمت بعد ما أنزلت المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت. تفرد به أحمد. وهو إسناد جيد اللهم إلا أن يكون منقطعا بين مجاهد وبينه. وثبت في الصحيحين أن أصحاب عبدالله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف، لان إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة، وسيأتى في حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " استنصت الناس يا جرير ". وأنما أمره بذلك لانه كان صيتا. وكان ذا شكل عظيم، كانت نعله طولها ذراعا، وكان من أحسن الناس وجها، وكان مع هذا من أغض الناس طرفا. ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال: " اصرف (3) بصرك ".


(1) سبق ذلك في الجزء الثالث (2) غير ا: هشام. (3) الاصل: أطرق. وما أثبته عن صحيح البخاري. (*)

[ 154 ]

وفادة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي بن هنيدة أحد ملوك اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر بن عبد البر: كان أحد أقيال حضرموت، وكان أبوه من ملوكهم. ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه قبل قدومه به، وقال: يأتيكم بقية أبناء الملوك. فلما دخل رحب به وأدناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له رداءه. وقال: " اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده ". واستعمله على الاقيال من حضرموت، وكتب معه ثلاثة كتب ; منها كتاب إلى المهاجر بن أبى أمية، وكتاب إلى الاقيال والعباهلة، وأقطعه أرضا وأرسل معه معاوية ابن أبى سفيان فخرج معه راجلا، فشكا إليه حر الرمضاء فقال: انتعل ظل الناقة. فقال: وما يغنى عنى ذلك، لو جعلتني ردفا ؟ فقال له وائل: اسكت فلست من أرداف الملوك. ثم عاش وائل بن حجر حتى وفد على معاوية وهو أمير المؤمنين، فعرفه معاوية، فرحب به وقربه وأدناه، وأذكره الحديث، وعرض عليه جائزة سنية فأبى أن يأخذها، وقال: أعطها من هو أحوج إليها منى. وأورد الحافظ البيهقى بعض هذا، وأشار إلى أن البخاري في التاريخ روى في ذلك شيئا. وقد قال الامام أحمد: حدثنا حجاج، أنبأنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن علقمة ابن وائل، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا. قال: وأرسل معى معاوية أن أعطها إياه - أو قال أعلمها إياه -.

[ 155 ]

قال: فقال معاوية: أردفني خلفك. فقلت: لا تكون من أرداف الملوك. قال: فقال: أعطني نعلك. فقلت: انتعل ظل الناقة. قال: فلما استخلف معاوية أتيته فأقعدني معه على السرير فذكرني الحديث. قال سماك: فقال: وددت أنى كنت حملته بين يدى وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث شعبة، وقال الترمذي: صحيح.

[ 156 ]

وفادة لقيط بن عامر بن المنتفق أبى رزين العقيلى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبدالله بن الامام أحمد [ حدثنى أبى، حدثنا عبدالله (1) ]: كتب إلى إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة ابن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك، فحدث بذلك عنى. قال: حدثنى عبدالرحمن بن المغيرة الحزامى، حدثنى عبدالرحمن بن عياش السمعى الانصاري القبائى من بنى عمرو بن عوف، عن دلهم بن الاسود بن عبدالله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلى، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر، قال دلهم: وحدثنيه أبى الاسود، عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك ابن المنتفق. قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبى حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ المدينة انسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيناه ] (1) حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا فقال: " أيها الناس ألا إنى قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لاسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه ". فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله. ثم [ قال: ] ألا لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال، ألا إنى مسئول هل بلغت ؟ ألا فاسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا ألا اجلسوا.


(1) من مسند أحمد 4 / 13 (2) سقط من ا. (*)

[ 157 ]

فجلس الناس وقمت أنا وصاحبى، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله ما عندك من علم الغيب ؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أنى أبتغى لسقطه، فقال: " ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله " وأشار بيده. قلت: وما هي ؟ قال: " علم المنية، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم [ المنى حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمون ] (1) وعلم ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مسنتين (2) فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قريب ". قال لقيط: قلت لن نعدم من رب يضحك خيرا. وعلم يوم الساعة. قلنا: يا رسول الله علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديق (3) أحد، من مذحج التى تربو علينا وخثعم التى توالينا وعشيرتنا التى نحن منها. قال: تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شئ إلا مات، والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك عزوجل يطوف في الارض قد خلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من عند رأسه، فيستوى جالسا، فيقول ربك عزوجل: مهيم ؟ لما كان فيه - فيقول: يا رب أمس اليوم، فلعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله. قلت: يا رسول الله كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح والبلى والسباع. فقال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، في الارض أشرفت عليها وهى مدرة بالية فقلت لا تحيا أبدا. ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك أيام حتى أشرفت عليها


(1) من مسند أحمد 4 / 13. (2) الازل: الشدة. والمسنتين: من أصابتهم السنة وهى القحط. (3) الاصل والمسند: تصديقنا. (*)

[ 158 ]

وهى شرية (1) واحدة، فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الارض. فتخرجون من الاصواء (2) ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم. قال: قلت يا رسول الله وكيف ونحن ملء الارض، وهو عزوجل شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه ؟ فقال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما (3) ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما. قلت: يا رسول الله فما يفعل ربنا إذا لقيناه ؟ قال: تعرضون عليه بادية له صحائفكم لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك عزوجل بيده غرفة من الماء فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع على وجهه مثل الريطة (4) البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم (5) الاسود. ألا ثم ينصرف نبيكم وينصرف على أثره الصالحون، فتسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر فيقول: حس. فيقول ربك عزوجل: أوانه (6). فتطلعون على حوض الرسول على أظما (7) والله ناهلة عليها ما رأيتها قط، فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف (8) والبول والاذى، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا. قال: قلت: يا رسول الله فبم نبصر ؟ قال: مثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الارض وواجهته الجبال.


(1) الشرية: الطريقة. والشرية بإسكان الراء: شجر الحنظل. (2) الاصواء: القبور. (3) ا: منهما أو ترونهما. (4) الريطة: كل ثوب لين رقيق. (5) الحمم: الفحم. (6) كذا بالاصل والمسند. (7) الاصل: أضماء. وما أثبته عن مسند أحمد. (8) الطوف: الحدث. (*)

[ 159 ]

قال: قلت: يا رسول الله فيم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا ؟ فقال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو. قال: قلت: يا رسول الله إما الجنة وإما النار ؟ قال: لعمر إلهك، أن للنار سبعة أبواب ما منهن بابان (1) إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما [ وإن للجنة لثمانية أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما (2) ]. قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة ؟ قال: على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة، لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة. قلت: يا رسول الله ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات ؟ قال: الصالحات للصالحين، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير ألا توالد. قال لقيط: قلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه ؟ [ فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم ]. قلت: يا رسول الله علام أبايعك ؟ فبسط [ النبي ] يده وقال: على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك، وألا تشرك بالله إلها غيره. [ قال: قلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب، فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وبسط أصابعه وظن أنى مشترط شيئا لا يعطينيه. قال: قلت: نحل منها حيث شئنا، ولا يجنى منها امرؤ إلا على نفسه. فبسط يده وقال: ذلك لك، تحل حيث شئت ولا تجنى عليك إلا نفسك. قال: فانصرفنا عنه.


(1) الاصل: باب (2) من مسند أحمد. (*)

[ 160 ]

ثم قال: إن هذين [ لعمر إلهك ] من أتقى الناس في الاولى والآخرة ؟ فقال له كعب بن الخدارية أحد بنى كلاب منهم: يا رسول الله بنو المنتفق أهل ذلك منهم ؟ قال: فانصرفنا وأقبلت عليه ] (1). وذكر تمام الحديث إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله هل لاحد ممن مضى خير في جاهليته ؟ قال: فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفى النار. قال: فلكأنه وقع حر بين جلدتي وجهى ولحمي مما قال لابي على رءوس الناس. فهممت أن أقول: وأبوك يارسول الله ؟ ثم إذا الاخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله وأهلك ؟ قال: " وأهلي لعمر الله، ما أتيت [ عليه ] من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل: أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك، تجر على وجهك وبطنك في النار. قال: قلت: يارسول الله ما فعل بهم ذلك ؟ وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه، وقد كانوا يحسبون (2) أنهم مصلحون ؟ قال: ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم - يعنى نبيا - فمن عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين. هذا حديث غريب جدا، وألفاظه في بعضها نكارة وقد أخرجه الحافظ البيهقى في كتاب البعث والنشور، وعبد الحق الاشبيلى في العاقبة، والقرطبى في كتاب التذكرة في أحوال الآخرة.


(1) سقط من ا. (2) ا: يحسبونهم (*)

[ 161 ]

وفادة زياد بن الحارث الصدائى رضى الله عنه قال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو أحمد الاسد اباذى بها، أنبأنا أبو بكر بن مالك القطيعى، حدثنا أبو على بشر بن موسى، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن عبدالرحمن بن زياد بن أنعم، حدثنى زياد بن نعيم الحضرمي، سمعت زياد بن الحارث الصدائى يحدث، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الاسلام، فأخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي، فقلت: يا رسول الله اردد الجيش وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم. فقال لى: اذهب فردهم. فقلت: يا رسول الله إن راحلتي قد كلت. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فردهم. قال الصدائى: وكتبت إليهم كتابا، فقدم وفدهم بإسلامهم، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك. فقلت: بل الله هداهم للاسلام فقال: " أفلا أؤمرك عليهم " قلت: بلى يا رسول الله. قال: فكتب لى كتابا أمرنى، فقلت: يا رسول الله مر لى بشئ من صدقاتهم. قال: نعم. فكتب لى كتابا آخر. قال الصدائى: وكان ذلك في بعض أسفاره، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون: أخذنا بشئ كان بيننا وبين قومه في الجاهلية. فقال رسول الله: أو فعل ذلك ؟ قالوا: نعم. فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأنا فيهم فقال: " لا خير في الامارة لرجل مؤمن ". قال الصدائى: فدخل قوله في نفسي. ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله أعطني.

[ 162 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن. فقال السائل: أعطني من الصدقة. فقال رسول الله: إن [ الله ] لم يرض في الصدقات بحكم نبى ولا غيره حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء. فإن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك. قال الصدائى: فدخل ذلك في نفسي، أنى غنى وأنى سألته من الصدقة. قال: ثم إن رسول الله اعتشى (1) من أول الليل، فلزمته وكنت قريبا منه، فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون منه ولم يبق معه أحد غيرى. فلما كان أوان صلاة الصبح أمرنى فأذنت فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله ؟ فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ويقول: لا. حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم انصرف إلى وهو متلاحق أصحابه فقال: هل من ماء يا أخا صداء ؟ قلت: لا إلا شئ قليل لا يكفيك. فقال: اجعله في إناء ثم ائتنى به. ففعلت، فوضع كفه في الماء. قال: فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أنى أستحى من ربى عزوجل لسقينا واستقينا، ناد في أصحابي من له حاجة في الماء " فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم شيئا. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فأراد بلال أن يقيم فقال له رسول الله: " إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم ". قال الصدائى: فأقمت. فلما قضى رسول الله الصلاة أتيته بالكتابين فقلت: يا رسول الله أعفنى من هذين. فقال: ما بدا لك ؟ فقلت: سمعتك يا رسول الله تقول: " لا خير في الامارة لرجل مؤمن " وأنا أو من بالله وبرسوله. وسمعتك تقول للسائل: " من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن " وسألتك وأنا غنى. فقال: هو ذاك فإن شئت فاقبل، وإن شئت فدع. فقلت: أدع. فقال لى


(1) اعتشى: سار في وقت العشاء. (*)

[ 163 ]

رسول الله: " فدلني على رجل أؤمره عليكم ". فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم. ثم قلنا: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا، وقد أسلمنا وكل من حولنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق. فدعا سبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن، ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا الله. قال الصدائى: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها - يعنى البئر. وهذا الحديث له شواهد في سنن أبى داود والترمذي وابن ماجه. وقد ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة إلى بلاد صداء فيوطئها، فبعثوا رجلا منهم فقال: جئتك لترد عن قومي الجيش وأنا لك بهم. ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلا، ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل. ثم روى الواقدي عن الثوري، عن عبدالرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائى قصته في الاذان. وفادة الحارث بن حسان البكري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الامام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنى أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم بن أبى النجود، عن أبى وائل، عن الحارث البكري. قال: خرجت

[ 164 ]

أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة فإذا عجوز من بنى تميم منقطع بها. فقالت: يا عبدالله إن لى إلى رسول الله حاجة، فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس ؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست، فدخل منزله أو قال رحله، فاستأذنت عليه فأذن لى، فدخلت فسلمت فقال: هل كان بينكم وبين تميم شئ ؟ قلت: نعم، وكانت الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بنى تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها فدخلت. فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء. فحميت العجوز واستوفزت وقالت: يا رسول الله أين تضطر مضرك. قال: قلت: إن مثلى ما قال الاول: معزى حملت حتفها ! حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لى خصما ! أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قال: وما وافد عاد ؟ وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه. قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم لم أجى إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود فنودى: منها اختر. فأومأ إلى سحابة منها سوداء. فنودى منها: خذها رمادا رمددا، لا تبقى من عاد أحدا. قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا بقدر ما يجرى في خاتمي هذا حتى هلكوا.

[ 165 ]

قال أبو وائل: وصدق، وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد (1). وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث أبى المنذر سلام بن سليمان به. ورواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن أبى بكر بن عياش، عن عاصم بن أبى النجود، عن الحارث البكري ولم يذكر أبا وائل. وهكذا رواه الامام أحمد عن أبى بكر بن عياش، عن عاصم، عن الحارث، والصواب عن عاصم عن أبى وائل عن الحارث. كما تقدم. وفادة عبدالرحمن بن أبى عقيل مع قومه قال أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسى، أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبدالله البغدادي، أنبأنا على بن الجعد [ حدثنا ] عبد العزيز، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو خالد يزيد الاسدي، حدثنا عون بن أبى جحيفة، عن عبدالرحمن بن علقمة الثقفى، عن عبدالرحمن ابن أبى عقيل. قال: انطلقت في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس [ رجل (2) ] أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فلما دخلنا وخرجنا فما في الناس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه. قال: فقال قائل منا: يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان ؟ قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله عزوجل لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربى شفاعة لامتي يوم القيامة ".


(1) الحديث في مسند أحمد 3 / 482 (2) ليست في ا. (*)

[ 166 ]

قدوم طارق بن عبدالله وأصحابه روى الحافظ البيهقى من طريق أبى جناب الكلبى، عن جامع بن شداد المحاربي، حدثنى رجل من قومي يقال له طارق بن عبدالله، قال: إنى لقائم بسوق ذى المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " ورجل يتبعه يرميه بالحجارة و [ هو ] يقول " يا أيها الناس إنه كذاب " فقلت: من هذا ؟ فقالوا هذا غلام من بنى هاشم يزعم أنه رسول الله قال قلت: من هذا الذى يفعل به هذا ؟ قالوا: هذا عمه عبدالعزى قال: فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلت: لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه، إذا رجل في طمرين فسلم علينا وقال: من أين أقبل القوم ؟ قلنا من الربذة قال: وأين تريدون ؟ قلنا: نريد هذه المدينة. قال: ما حاجتكم منها ؟ قلنا: نمتار من تمرها. قال: ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعوني جملكم هذا ؟ قلنا: نعم، بكذا وكذا صاعا من تمر. قال: فما استوضعنا مما قلنا شيئا، وأخذ بخطام الجمل وانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا ؟ والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا له ثمنا. قال تقول المرأة التى معنا: والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم. إذ أقبل الرجل فقال: أنا رسول (1) الله إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا فاستوفينا. ثم دخلنا المدينة فدخلنا المسجد، فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس، فأدركنا من


(1) ا: رسول رسول الله. (*)

[ 167 ]

خطبته وهو يقول: " تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك " إذ أقبل رجل من بنى يربوع أو قال رجل من الانصار فقال: يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية. فقال: " إن أبا لا يجنى على ولد " ثلاث مرات. وقد روى النسائي فضل الصدقة منه عن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبى الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبدالله المحاربي ببعضه. ورواه الحافظ البيهقى أيضا، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن يزيد بن زياد، عن جامع بن طارق بطوله كما تقدم. وقال فيه: فقالت الظعينة: لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه. قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظن ذلك إما بتبوك أو بعدها قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي ثم النفاثى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء. وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم. فقال في محبسه ذلك:

[ 168 ]

طرقت سليمى موهنا أصحابي * والروم بين الباب والقروان (1) صد الخيال وساءه ما قد رأى * وهممت أن أغفى وقد أبكاني لا تكحلن العين بعدى إثمدا * سلمى ولا تدين للاتيان (2) ولقد علمت أبا كبيشة أننى * وسط الاعزة لا يحص لساني (3) فلئن هلكت لتفقدن أخاكم * ولئن بقيت ليعرفن مكاني ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى * من جودة وشجاعة وبيان قال: فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له عفرى (4) بفلسطين. قال: ألا هل أتى سلمى بأن حليلها * على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل على ناقة لم يضرب الفحل أمها * مشذبة أطرافها بالمناجل قال: وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال: بلغ سراة المسلمين بأننى * سلم لربى أعظمي ومقامى قال: ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء، رحمه الله ورضى عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه. قدوم تميم الدارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخباره إياه بأمر الجساسة وما سمع من الدجال في خروج النبي صلى الله عليه وسلم وإيمان من آمن به أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نصرويه المروزى بنيسابور، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسن القاضى، أنبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطان، حدثنا


(2) الموهن: نحو من نصف الليل. والقروان: الظهر، بفتح الظاء. (1) تدين: تطيع. (2) يحص: يقطع: والمراد: لا يمنع من الكلام. (3) عفرى: موضع بفلسطين. (*)

[ 169 ]

يحيى بن جعفر بن الزبير، أنبأنا وهب بن جرير، حدثنا أبى، سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبى، عن فاطمة بنت قيس، قالت: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم الدارى فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ركب البحر فتاهت به سفينته، فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا إليها يلتمسون الماء، فلقى إنسانا يجر شعره، فقال له: من أنت ؟ قال: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرنا. قال: لا أخبركم ولكن عليكم بهذه الجزيرة. فدخلناها فإذا رجل مقيد فقال: من أنتم ؟ قلنا: ناس من العرب. قال: ما فعل هذا النبي الذى خرج فيكم ؟ قلنا: قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه. قال: ذلك خير لهم. قال: أفلا تخبروني عن عين زعر (1) ما فعلت ؟ فأخبرناه عنها، فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار ثم قال: ما فعل نخل بيسان (2) هل أطعم بعد ؟ فأخبرناه أنه قد أطعم، فوثب مثلها، ثم قال: أما لو قد أذن لى في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة (3). قالت: فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدث الناس، فقال: هذه طيبة وذاك الدجال. وقد روى هذا الحديث الامام أحمد ومسلم وأهل السنن، من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبى، عن فاطمة بنت قيس. وقد أورد له الامام أحمد شاهدا من رواية أبى هريرة وعائشة أم المؤمنين وقد ذكرنا هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب الفتن (4). وذكر الواقدي وفد الدارس من لخم وكانوا عشرة.


(1) زعر: موضع بالحجاز (2) بيسان: موضع بأرض اليمامة. (3) طيبة: من أسماء المدينة. (4) وذلك في كتاب النهاية للمؤلف. (*)

[ 170 ]

وفد بنى أسد وهكذا ذكر الواقدي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنه تسع وفد بنى أسد، وكانوا عشرة ; منهم ضرار بن الازور، ووابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد الذى ادعى النبوة بعد ذلك، ثم أسلم وحسن إسلامه، ونفادة بن عبدالله ابن خلف. فقال له رئيسهم حضرمى بن عامر: يا رسول الله أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثا. فنزل فيهم: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين (1) ". وكان فيهم قبيلة يقال لهم بنو الرثية (2)، فغير اسمهم فقال: أنتم بنو الرشدة. وقد استهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفادة بن عبدالله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب والحلب من غير أن يكون لها ولد معها، فطلبها فلم يجدها إلا عند ابن عم له فجاء بها، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلبها، فشرب منها وسقاه سؤره ثم قال: " اللهم بارك فيها وفيمن منحها ". فقال: يا رسول الله وفيمن جاء بها. فقال: " وفيمن جاء بها ". وفد بنى عبس ذكر الواقدي: أنهم كانوا تسعة نفر وسماهم الواقدي. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا عاشركم " وأمر طلحة بن عبيدالله فعقد لهم لواء وجعل شعارهم: يا عشرة. وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم عن خالد بن سنان العبسى، الذى


(1) سورة الحجرات. (2) الرثية: الحمق. (*)

[ 171 ]

قدمنا (1) ترجمته في أيام الجاهلية، فذكروا أنه لا عقب له. وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم يرصدون عيرا لقريش قدمت من الشام. وهذا يقتضى تقدم وفادتهم على الفتح. والله أعلم. وفد بنى فزارة قال الواقدي: حدثنا عبدالله بن محمد بن عمر الجمحى، عن أبى وجزة السعدى، قال: لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسع، قدم عليه وفد بنى فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن، والحارث بن قيس بن حصن، وهو أصغرهم على ركاب عجاف، فجاءوا مقرين بالاسلام. وسألهم رسول الله عن بلادهم. فقال أحدهم: يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جنابنا وغرث عيالنا (2)، فادع الله لنا. فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال: " اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا طبقا (3) واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الاعداء ". قال: فمطرت فما رأوا السماء سبتا (4). فصعد رسول الله المنبر فدعا فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام والظراب وبطون الاودية ومنابت الشجر ". فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب.


(1) سبق ذلك في الجزء الاول. (2) أسنتت: أصابتها السنة: وهى الجدب. والجناب: الناحية. وغرث: جاع. (3) المريع: الخصيب. والطبق: الذى يعم الارض. (4) السبت: البرهة. (*)

[ 172 ]

وفد بنى مرة ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع مرجعه من تبوك. وكانوا ثلاثة عشر رجلا منهم الحارث بن عوف، فأجازهم عليه السلام بعشر أواق من فضة، وأعطى الحارث بن عوف ثنتى عشرة أوقية. وذكروا أن بلادهم مجدبة، فدعا لهم فقال: " اللهم اسقهم الغيث " فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الذى دعا لهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفد بنى ثعلبة قال الواقدي: حدثنى موسى بن محمد بن إبراهيم، عن رجل من بنى ثعلبة، عن أبيه. قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة ثمان، قدمنا عليه أربعة نفر فقلنا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، وهم يقرون بالاسلام. فأمر لنا بضيافة، وأقمنا أياما ثم جئناه لنودعه، فقال لبلال: أجزهم كما تجيز الوفد. فجاء ببقرة (1) من فضة فأعطى كل رجل منا خمس أواق وقال: ليس عندنا دراهم. وانصرفنا إلى بلادنا. وفد بنى محارب قال الواقدي: حدثنى محمد بن صالح، عن أبى وجزة السعدى، قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، وهم عشرة نفر فيهم سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء. فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء، فأسلموا وقالوا: نحن على من وراءنا.


(1) البقرة: قدر كبيرة واسعة، فسماها بقرة، من التبقر وهو التوسع أو لانها تسع بقرة بتمامها. انظر النهاية لابن الاثير 1 / 107. (*)

[ 173 ]

ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله منهم. وكان في الوفد رجل منهم، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله الذى أبقاني حتى صدقت بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذه القلوب بيد الله عزوجل ". ومسح رسول الله وجه خزيمة بن سواء فصارت غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا إلى بلادهم. وفد بنى كلاب ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا ; [ فيهم ] لبيد بن ربيعة الشاعر وجبار (1) بن سلمى، وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة فرحب به وأكرمه وأهدى إليه، وجاءوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه بسلام الاسلام، وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله التى أمره الله بها، ودعاهم إلى الله فاستجابوا له وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم فصرفها على فقرائهم. وفد بنى رؤاس بن كلاب ثم ذكر الواقدي: أن رجلا يقال له عمرو بن مالك بن قيس بن بجيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم رجع إلى قومه فدعاهم إلى الله فقالوا: حتى نصيب من بنى عقيل مثل ما أصابوا منا. فذكر مقتلة كانت بينهم، وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلا من بنى عقيل. قال:


(1) ا: وجابر. (*)

[ 174 ]

فشددت يدى في غل وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغه ما صنعت فقال: لئن أتانى لاضربن (1) ما فوق الغل من يده. فلما جئت سلمت فلم يرد على السلام، وأعرض عنى فأتيته عن يمينه فأعرض عنى، فأتيته عن يساره فأعرض عنى، فأتيته من قبل وجهه فقلت: يا رسول الله إن الرب عزوجل ليترضى فيرضى، فارض عنى، رضى الله عنك. قال: " قد رضيت ". وفد بنى عقيل بن كعب ذكر الواقدي: أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقطعهم العقيق - عقيق بنى عقيل - وهى أرض فيها نخيل وعيون. وكتب بذلك كتابا: " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا، أعطاهم العقيق، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وأطاعوا، ولم يعطهم حقا لمسلم ". فكان الكتاب في يد مطرف. قال: وقدم عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل، وهو أبو رزين فأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه. وقد قدمنا قدومه وقصته وحديثه بطوله ولله الحمد والمنة. وفد بنى قشير بن كعب وذلك قبل حجة الوداع، وقبل حنين، فذكر فيهم قرة بن هبيرة بن [ عامر ابن ] (2) سلمة الخير بن قشير، فأسلم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساه بردا،


(1) الاصل: لاضرب. (2) من الاصابة. (*)

[ 175 ]

وأمره أن يلى صدقات قومه، فقال قرة حين رجع: حباها رسول الله إذ نزلت به * وأمكنها من نائل غير منفد فأضحت بروض الخضر وهى حثيثة * وقد أنجحت حاجاتها من محمد عليها فتى لا يردف الذم رحله * يروى لامر العاجز المتردد (1) وفد بنى البكاء ذكر أنهم قدموا سنة تسع، وأنهم كانوا ثلاثين رجلا ; فيهم معاوية بن ثور بن [ معاوية بن ] (2) عبادة بن البكاء، وهو يومئذ إبن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له بشر، فقال: يا رسول الله إنى أتبرك بمسك، وقد كبرت وابنى هذا بر بى فامسح وجهه. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وأعطاه أعنزا عفرا، وبرك عليهن فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة. وقال محمد بن بشر بن معاوية في ذلك: وأبى الذى مسح الرسول برأسه * ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا * عفرا نواحل لسن بالحيات (3) يملان وفد الحى كل عشية * ويعود ذاك الملئ بالغدوات بوركن من منح وبورك مانحا * وعليه منى ما حييت صلاتي


(1) في الاصابة: تروك لامر العاجز. (2) من الاصابة: (3) الحيات: (*)

[ 176 ]

وفد كنانة روى الواقدي بأسانيده: أن واثلة بن الاسقع الليثى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك، فصلى معه الصبح ثم رجع إلى قومه، فدعاهم وأخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبوه: والله لا أحملك أبدا. وسمعت أخته كلامه فأسلمت، وجهزته حتى سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وهو راكب على بعير لكعب بن عجرة. وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد إلى أكيدر دومة، فلما رجعوا عرض واثلة على كعب بن عجرة ما كان شارطه عليه من سهمه من الغنيمة، فقال له كعب: إنما حملتك لله عزوجل. وفد أشجع ذكر الواقدي: أنهم قدموا عام الخندق وهم مائة رجل، ورئيسهم مسعود بن رخيلة، فنزلوا شعب سلع. فخرج إليهم رسول الله وأمر لهم بأحمال التمر. ويقال: بل قدموا بعد ما فرغ من بنى قريظة، وكانوا سبعمائة رجل، فوادعهم ورجعوا، ثم أسلموا بعد ذلك. وفد باهلة قدم رئيسهم مطرف بن الكاهن بعد الفتح فأسلم، وأخذ لقومه أمانا وكتب له كتابا فيه الفرائض وشرائع الاسلام. كتبه عثمان بن عفان رضى الله عنه. وفد بنى سليم قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بنى سليم يقال له قيس بن نشبة، فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأسلم.

[ 177 ]

ورجع إلى قومه من بنى سليم فقال: قد سمعت ترجمة الروم وهينمة فارس وأشعار العرب وكهانة الكهان وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه. فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقديد وهم سبعمائة. ويقال: كانوا ألفا، وفيهم العباس بن مرداس وجماعة من أعيانهم، فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر وشعارنا مقدما. ففعل ذلك بهم فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا. وقد كان راشد بن عبد ربه السلمى يعبد صنما، فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه فقال: أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب ! ثم شد عليه فكسره، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اسمك ؟ قال: غاوى بن عبدالعزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه. وأقطعه موضعا يقال له رهاط فيه عين تجرى يقال لها عين الرسول، وقال: هو خير بنى سليم. وعقد له على قومه وشهد الفتح وما بعدها. وفد بنى هلال بن عامر ذكر في وفدهم: عبد عوف بن أصرم، فأسلم وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله، وقبيصة بن مخارق الذى له حديث في الصدقات. وذكر في وفد بنى هلال زياد بن عبدالله بن مالك بن بجير بن الهدم بن رويبة بن عبدالله بن هلال بن عامر، فلما دخل المدينة يمم منزل خالته ميمونة بنت الحارث، فدخل عليها فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله رآه فغضب ورجع. فقالت:

[ 178 ]

يا رسول الله إنه ابن أختى. فدخل ثم خرج إلى المسجد ومعه زياد، فصلى الظهر ثم أدنى زيادا فدعا له ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد. وقال الشاعر لعلى بن زياد: يابن الذى مسح الرسول برأسه * ودعا له بالخير عند المسجد أعنى زيادا لا أريد سواءه * من عابر أو متهم أو منجد ما زال ذاك النور في عرنينه * حتى تبوأ بيته في ملحد (1) وفد بنى بكر بن وائل ذكر الواقدي: أنهم لما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قس بن ساعدة ; فقال: ليس ذاك منكم، ذاك رجل من إياد تحنف في الجاهلية، فوافى عكاظ والناس مجتمعون، فكلمهم بكلامه الذى حفظ عنه. قال: وكان في الوفد بشير بن الخصاصية، وعبد الله بن مرثد وحسان بن خوط. فقال رجل من ولد حسان: أنا ابن حسان بن خوط وأبى * رسول بكر كلها إلى النبي وفد تغلب ذكر أنهم كانوا ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث. فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم النصارى على أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية وأجاز المسلمين منهم.


(1) الملحد: القبر. (*)

[ 179 ]

وفادات أهل اليمن وفد تجيب ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا، فأجازهم أكثر مما أجاز غيرهم وأن غلاما منهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حاجتك ؟ فقال: يا رسول الله ادع الله يغفر لى ويرحمنى ويجعل غناى في قلبى. فقال: " اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه " فكان بعد ذلك من أزهد الناس. وفد خولان ذكر أنهم كانوا عشرة، وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنمهم الذى كان يقال له عم أنس (1)، فقالوا أبدلنا به خيرا منه ولو قد رجعنا لهدمناه. وتعلموا القرآن والسنن، فلما رجعوا هدموا الصنم، وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله. وفد جعفى ذكر أنهم كانوا يحرمون أكل القلب، فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل القلب، وأمر به فشوى وناوله رئيسهم وقال: لا يتم إيمانكم حتى تأكلوه. فأخذه ويده ترعد فأكله وقال: على أنى أكلت القلب كرها * وترعد حين مسته بنانى


(1) في القاموس: عميانس. بضم العين وسكون الميم والنون المكسورة. (*)

[ 180 ]

فصل (1) في قدوم وفد الازد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أبو نعيم في كتاب معرفه الصحابة والحافظ أبو موسى المدينى، من حديث أحمد بن أبى الحوارى، قال سمعت أبا سليمان الدارانى قال: حدثنى علقمة بن يزيد بن سويد الازدي قال: حدثنى أبى، عن جدى، عن سويد بن الحارث، قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخلنا عليه وكلمناه فأعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال: ما أنتم ؟ قلنا مؤمنون. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم ". قلنا: خمس عشرة خصلة ; خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها، إلا أن تكره منها شيئا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما الخمسة التى أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها ؟ " قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: " وما الخمسة التى أمرتكم أن تعملوا بها ؟ " قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتى الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا. فقال: " وما الخمسة الذى تخلقتم بها في الجاهلية ؟ ". قلنا: الشكر عند


(1) سقط من ا ت. (*)

[ 181 ]

الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالاعداء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ". ثم قال: " وأنا أزيدكم خمسا، فيتم لكم عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا مالا تسكنون، ولا تنافسوا في شئ أنتم عنه غدا تزولون، واتقوا الله الذى إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون ". فانصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا وصيته وعملوا بها. ثم ذكر: وفد كندة وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا عليهم الاشعث بن قيس، وأنه أجازهم بعشر أواق وأجاز الاشعث ثنتى عشرة أوقية. وقد تقدم. وفد الصدف قدموا في بضعة عشر راكبا، فصادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، فجلسوا ولم يسلموا، فقال: " أمسلمون أنتم ؟ " قالوا: نعم. قال: " فهلا سلمتم ؟ ". فقاموا قياما فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال: " وعليكم السلام، اجلسوا ". فجلسوا وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات.

[ 182 ]

وفد خشين قال: وقدم أبو ثعلبة الخشنى ورسول الله يتجهز إلى خيبر، فشهد معه خيبر، ثم قدم بعد ذلك بضعة عشر رجلا منهم فأسلموا. * * * ثم ذكر وفد بنى سعد هذيم وبلى وبهراء وبنى عذرة وسلامان وجهينة وبنى كلب والجرميين. وقد تقدم حديث عمرو بن سلمة الجرمى في صحيح البخاري. وذكر: وفد الازد ووفد غسان والحارث بن كعب وهمدان وسعد العشيرة وعبس، ووفد الداريين والرهاووين وبنى غامد والنخع وبجيلة وخثعم، وحضر موت وذكر فيهم وائل بن حجر، وذكر فيهم الملوك الاربعة جمدا ومخوسا ومشرحا وأبضعة. وقد ورد في مسند أحمد لعنهم مع أختهم العمردة (1)، وتكلم الواقدي فيهم كلاما فيه طول. وذكر وفد أزد عمان وغافق وبارق ودوس وثمالة والجدار وأسلم وجذام ومهرة وحمير ونجران وجيشان. وبسط الكلام على هذه القبائل يطول جدا، وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك. وفيما أوردناه كفاية والله أعلم. * * * ثم قال الواقدي: وافد السباع حدثنى شعيب بن عبادة، عن المطلب بن عبدالله بن حنطب، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بالمدينة في أصحابه إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا وافد السباع إليكم فإن أحببتم أن


(1) الاصل: مع أخيهم الغمر. وما أثبته عن القاموس. باب السين. (*)

[ 183 ]

تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحذرتم منه، فما أخذ فهو رزقه ". قالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشئ. فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأصابعه الثلاث: أي خالسهم. فولى وله عسلان (1). وهذا مرسل من هذا الوجه. ويشبه هذا الذئب الذئب الذى ذكر في الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا يزيد هو ابن هارون، أنبأنا القاسم بن الفضل الحدانى (2)، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعى فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه، فقال: ألا تتقى الله تنزع منى رزقا ساقه الله إلى ! فقال: يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الانس ! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك ; محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعى يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودى: الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للاعرابي: أخبرهم. فأخبرهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق والذى نفس محمد بيده، لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس وتكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده ". وقد رواه الترمذي عن سفيان بن وكيع بن الجراح، عن أبيه، عن القاسم بن الفضل به، وقال: حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو


(1) العسلان: الاضطراب في العدو وهز الرأس. (2) نسبة إلى محلة بالبصرة نزلها بطن من الازد يقال لهم حدان. اللباب 1 / 284. (*)

[ 184 ]

ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدى. قلت: وقد رواه الامام أحمد أيضا: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب هو ابن أبى حمزة، حدثنى عبدالله بن أبى الحسين، حدثنى مهران أن أبا سعيد الخدرى حدثه، فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق. ثم رواه أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبدالحميد بن بهرام، حدثنا شهر، قال: وحدث أبو سعيد. فذكره. وهذا السياق أشبه والله أعلم. وهو إسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه. فصل وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة (1). وقد تقصينا الكلام في ذلك أيضا عند قوله تعالى في سورة الاحقاف: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " فذكرنا ما ورد من الاحاديث في ذلك والآثار، وأوردنا حديث سواد بن قارب الذى كان كاهنا فأسلم. وما رواه عن رئيه الذى كان يأتيه بالخبر حين أسلم [ الرئى (2) ] حين قال له: عجبت للجن وأنجاسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنو الجن كأرجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى راسها ثم قوله: عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ليس قدامها كأذنابها


(1) سبق ذلك في الجزء الاول 344. (2) من ا (*)

[ 185 ]

فانهض إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى بابها ثم قوله: عجبت للجن وتخبارها * وشدها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ليس ذوو الشر كأخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم * ما مؤمنو الجن ككفارها وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة. وقد قررنا ذلك هنالك بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة. * * * وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقى هاهنا حديثا غريبا جدا، بل منكرا أو موضوعا، ولكن مخرجه عزيز أحببنا أن نورده كما أورده. والعجب منه. فإنه قال في دلائل النبوة: باب قدوم هامة بن الهيثم بن لاقيس بن إبليس على النبي صلى الله عليه وسلم وإسلامه. أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوى رحمه الله، أنبأنا أبو نصر محمد ابن حمدويه بن سهل القارئ المروزى، حدثنا عبدالله بن حماد الآملي، حدثنا محمد بن أبى معشر، أخبرني أبى، عن نافع عن ابن عمر، قال قال عمر رضى الله عنه: بينا نحن قعود مع النبي صلى الله عليه وسلم على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصا، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فردتم قال: " نغمة جن وغمغتهم من أنت " قال: أنا هامة بن الهيثم بن لاقيس بن إبليس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فما بينك وبين إبليس إلا أبوان، فكم أتى لك من الدهر ؟ " قال: قد أفنيت الدنيا عمرها إلا قليلا، ليالى قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام، أفهم الكلام وأمر بالآكام وآمر بإفساد الطعام وقطيعة الارحام.

[ 186 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بئس عمل الشيخ المتوسم، والشاب المتلوم ". قال: ذرنى من الترداد، إنى تائب إلى الله عزوجل، إنى كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكانى وقال: لا جرم إنى على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قال: قلت، يا نوح إنى كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم، فهل تجدلى عندك توبة ؟ قال: يا هام هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة، إنى قرأت فيما أنزل الله على أنه ليس من عبد تاب إلى الله بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه، قم فتوضأ واسجد لله سجدتين. قال ففعلت من ساعتي ما أمرنى به. فناداني: ارفع رأسك، فقد نزلت توبتك من السماء. فخررت لله ساجدا. قال: وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكانى، فقال: لا جرم إنى على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قال: وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكانى وقال: أنا على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. وكنت أزور يعقوب وكنت مع يوسف في المكان الامين، وكنت ألقى إلياس في الاودية وأنا ألقاه الآن. وإنى لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة، وقال: إن لقيت عيسى ابن مريم

[ 187 ]

فأقرئه منى السلام. وإنى لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته عن موسى السلام، وإن عيسى قال: إن لقيت محمدا صلى الله عليه وسلم فأقرئه منى السلام. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عينيه فبكى ثم قال: وعلى عيسى السلام ما دامت الدنيا، وعليك السلام يا هام بأدائك الامانة. قال: يا رسول الله افعل بى ما فعل موسى، إنه علمني من التوراة. قال: فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وقعت الواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وقال: " ارفع إلينا حاجتك يا هامة، ولا تدع زيارتنا ". قال عمر: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعد إلينا، فلا ندرى الآن أحى هو أم ميت ؟ ثم قال البيهقى: ابن أبى معشر هذا قد روى عنه الكبار إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه. وقد روى هذا الحديث من وجه آخر هو أقوى منه. والله أعلم (1).


(1) هذا الحديث ظاهر الوضع والاختلاق، وقد أشار إلى وضعه ابن الجوزى في مقدمة كتابه " الوفا في أخبار المصطفى ". (*)

[ 188 ]

سنة عشر من الهجرة باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الاولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران. وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الاسلام ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا. فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما أمره رسول الله إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله من خالد بن الوليد. السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بنى الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الاسلام، فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإنى قدمت عليهم فدعوتهم إلى الاسلام ثلاثة أيام كما أمرنى رسول الله، وبعثت فيهم ركبانا [ قالوا: ] (1) يا بنى الحارث أسلموا تسلموا. فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم


(1) من ابن هشام. (*)

[ 189 ]

بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الاسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد. سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بنى الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الاسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم وأقبل، وليقبل معك وفدهم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. * * * فأقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه وفد بنى الحارث بن كعب ; منهم قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشداد بن عبيد الله القنانى، وعمرو بن عبدالله الضبابى. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم. قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند ؟ قيل يا رسول الله: هؤلاء بنو (1) الحارث بن كعب، فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ". ثم قال: " أنتم الذين إذا زجروا استقدموا " فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية ثم الثالثة فلم يراجعه منهم أحد.


(1) ابن هشام: هؤلاء رجال بنى الحارث. (*)

[ 190 ]

ثم أعادها الرابعة. قال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أن خالدا لم يكتب إلى أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لالقيت رءوسكم تحت أقدامكم ". فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا (1). قال: فمن حمدتم ؟ قالوا: حمدنا الله الذى هدانا بك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقتم. ثم قال: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية ؟ قالوا: لم نك نغلب أحدا. قال: بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم. قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله، أنا كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: " صدقتم " ثم أمر عليهم قيس بن الحصين. قال ابن إسحاق: ثم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال أو في صدر ذى القعدة. قال: ثم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الاسلام ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابا عهد إليه فيه عهده وأمره أمره. ثم أورده ابن إسحاق. وقد قدمناه في وفد ملوك حمير من طريق البيهقى، وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن إسحاق بغير إسناد.


(1) زاد في ا: ولكن. وليست في ابن هشام. (*)

[ 191 ]

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الامراء إلى أهل اليمن قبل حجة الوداع يدعونهم إلى الله عزوجل قال البخاري: باب بعث أبى موسى ومعاذ إلى اليمن قبل بل حجة الوداع. حدثنا موسى، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عبدالملك، عن أبى بردة، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن. قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف. قال: واليمن مخلافان. ثم قال: " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا " وفى رواية: وتطاوعا ولا تختلفا. وانطلق كل واحد منهما إلى عمله. قال: وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا [ فسلم عليه ] (1) فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبى موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، فإذا هو جالس وقد اجتمع الناس إليه، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبدالله بن قيس أيم (2) هذا ؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه. قال: لا أنزل حتى يقتل. قال: إنما جئ به لذلك فانزل. قال: ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل. ثم نزل. فقال: يا عبدالله كيف تقرأ القرآن ؟ قال: أتفوقه (3) تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم،


(1) من البخاري 2 / 261 (2) أيم: قال القسطلانى: أي أي شئ هذا، وأصله أي ما. وأى استفهامية وما بمعنى شئ، فحذفت الالف تخفيفا. إرشاد السارى 6 / 418. (3) أتفوقه: أقرأه شيئا بعد شئ. (*)

[ 192 ]

فأقرأ ما كتب الله لى فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتى. انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد، عن الشيباني، عن سعيد بن أبى بردة، عن أبيه، عن أبى موسى الاشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: ما هي ؟ قال: البتع والمزر. فقلت لابي بردة: ما البتع ؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير. فقال: " كل مسكر حرام ". ورواه جرير وعبد الواحد، عن الشيباني، عن أبى بردة. ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبى بردة. وقال البخاري: حدثنا حبان، أخبرنا عبدالله، عن زكريا بن أبى إسحاق، عن يحيى بن عبدالله بن صيفي، عن أبى معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذ جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ". وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق متعددة. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنى راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد [ السكوني (1) ]، عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثه رسول الله صلى الله


(1) ليست في ا. (*)

[ 193 ]

عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامى هذا، ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري. فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال: " إن أولى الناس بى المتقون من كانوا وحيث كانوا ". ثم رواه عن أبى اليمان، عن صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني ; أن معاذا لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشى تحت راحلته ; فلما فرغ قال: " يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامى هذا، ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري ". فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا تبك يا معاذ، للبكاء أوان، البكاء من الشيطان ". وقال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا أبو زياد يحيى بن عبيد الغساني، عن يزيد بن قطيب، عن معاذ أنه كان يقول: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: " لعلك أن تمر بقبري ومسجدي، فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين ; فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يفيئون إلى الاسلام، حتى تبادر المرأة زوجها والولد والده والاح أخاه، فأنزل بين الحيين السكون والسكاسك ". وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وإيماء إلى أن معاذا رضى الله عنه لا يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ; وكذلك وقع، فإنه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع،

[ 194 ]

ثم كانت وفاته عليه السلام بعد أحد وثمانين يوما من يوم الحج الاكبر. * * * فأما الحديث الذى قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، عن الاعمش، عن أبى ظبيان، عن معاذ، أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك ؟ قال: " لو كنت آمر بشرا أن يسجد لبشر لامرت المرأة أن تسجد لزوجها ". وقد رواه أحمد عن ابن نمير، عن الاعمش، سمعت أبا ظبيان يحدث عن رجل من الانصار، عن معاذ بن جبل، قال: أقبل معاذ من اليمن فقال: يارسول الله إنى رأيت رجالا. فذكر معناه. فقد دار على رجل مبهم، ومثله لا يحتج به، ولا سيما وقد خالفه غيره ممن يعتد به، فقالوا: لما قدم معاذ من الشام كذلك. رواه أحمد. وقال أحمد: حدثنا إبراهيم بن مهدى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبدالرحمن بن أبى حسين، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل، قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله ". وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن ميمون بن أبى شبيب، عن معاذ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ". قال وكيع: وجدته في كتابي عن أبى ذر، وهو السماع الاول. وقال سفيان مرة عن معاذ. ثم قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن ليث، عن حبيب بن أبى ثابت، عن ميمون بن أبى شبيب، عن معاذ، أنه قال: يارسول الله أوصني. فقال: " اتق الله

[ 195 ]

حيثما كنت. قال: زدنى. قال: أتبع السيئة الحسنة تمحها. قال: زدنى. قال: خالق الناس بخلق حسن ". وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان الثوري به وقال: حسن. قال شيخنا في الاطراف: وتابعه فضيل بن سليمان، عن ليث بن أبى سليم، عن الاعمش عن حبيب به. وقال أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير الحصرمي، عن معاذ بن جبل، قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال: " لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن [ والديك ] وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية يحل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأحبهم في الله عزوجل ". وقال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا بقية، عن السرى بن ينعم، عن شريح، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن، قال: " إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ". * * * وقال أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا أبو بكر - يعنى ابن عياش - حدثنا عاصم، عن أبى وائل، عن معاذ، قال: بعثنى رسول الله صلى الله وسلم إلى اليمن،

[ 196 ]

وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر، وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا، وأمرني فيما سقت السماء العشر وما سقى بالدوالى نصف العشر ". وقد رواه أبو داود من حديث أبى معاوية، والنسائي من حديث محمد بن إسحاق عن الاعمش كذلك. وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق، عن الاعمش، عن أبى وائل، عن مسروق، عن معاذ به. وقال أحمد: حدثنا معاوية، عن عمرو وهارون بن معروف، قالا: حدثنا عبدالله ابن وهب، عن حيوة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن سلمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم، أن معاذا قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق (1) أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا. قال هارون: والتبيع: الجذع أو الجذعة - ومن كل أربعين مسنة. فعرضوا على أن آخذ ما بين الاربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك، وقلت لهم: أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. قال: وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا آخذ فيما بين ذلك شيئا


(1) أصدق: أجمع صدقاتهم. (*)

[ 197 ]

إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا، وزعم أن الاوقاص (1) لا فريضة فيها. * * * وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصحيح أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كما تقدم في الحديث. وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن أبى بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه، لا يسأل شيئا إلا أعطاه، حتى كان عليه دين أغلق ماله، فكلم رسول الله في أن يكلم غرماءه ففعل، فلم يضعوا له شيئا، فلو ترك لاحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه. قال: فقام معاذ ولا مال له. قال: فلما حج رسول الله بعث معاذا إلى اليمن، قال: فكان أول من تجر في هذا المال معاذ. قال: فقدم على أبى بكر الصديق من اليمن وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء عمر فقال: هل لك أن تطيعني فتدفع هذا المال إلى أبى بكر، فإن أعطاكه فاقبله ؟ قال: فقال معاذ: لن (2) أدفعه إليه، وإنما بعثنى رسول الله ليجبرني. فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبى بكر، فقال: أرسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له. فقال أبو بكر: ما كنت لافعل، إنما بعثه رسول الله ليجبره، فلست آخذ منه شيئا.


(1) الاوقاص: ما بين الفريضتين في الزكاة. (2) الاصل: لم. (*)

[ 198 ]

قال: فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر فقال: ما أرانى إلا فاعل الذى قلت، إنى رأيتنى البارحة في النوم - فيما يحسب عبد الرزاق قال - أجر إلى النار وأنت آخذ بحجزتى (1). قال: فانطلق إلى أبى بكر بكل شئ جاء به، حتى جاءه بسوطه وحلف له أنه لم يكتمه شيئا. قال فقال أبو بكر رضى الله عنه: هو لك لا آخذ منه شيئا. وقد رواه أبو ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، فذكره إلا أنه قال: حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرا، فمكث حتى قبض رسول الله، ثم قدم في خلافة أبى بكر وخرج إلى الشام. قال البيهقى: وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفه بمكة مع عتاب ابن أسيد ليعلم أهلها، وأنه شهد غزوة تبوك ; فالاشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك. والله أعلم. ثم ذكر البيهقى لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الاعمش، عن أبى وائل، عن عبدالله، وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فأتى بهم أبا بكر، فلما رد الجميع عليه رجع بهم ثم قام يصلى فقاموا كلهم يصلون معه. فلما انصرف قال: لمن صليتم ؟ قالوا: لله. قال: فأنتم له عتقاء. فأعتقهم. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى عون، عن الحارث ابن عمرو ابن أخى المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص، عن معاذ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال: أقضى بما في كتاب الله.


(1) الحجزة: معقد الازار. (*)

[ 199 ]

قال: فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال: أجتهد وإنى لا آلو. قال: فضرب رسول الله صدري ثم قال: " الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله ". وقد رواه أحمد عن وكيع، عن عفان، عن شعبة بإسناده ولفظه. وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث شعبة به، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه، إلا أنه من طريق محمد بن سعد بن حسان - وهو المصلوب أحد الكذابين - عن عبادة بن نسى (1)، عن عبدالرحمن بن غنم، عن معاذ به نحوه. وقد روى الامام أحمد، عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو ابن أبى حكيم، عن عبدالله بن بريدة، عن يحيى بن معمر، عن أبى الاسود الديلى قال: كان معاذ باليمن فارتفعوا إليه في يهودى مات وترك أخا مسلما. فقال معاذ: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الاسلام يزيد ولا ينقص " فورثه. ورواه أبو داود من حديث ابن بريدة به. وقد حكى هذا المذهب عن معاوية بن أبى سفيان وراويه (2) يحيى بن معمر القاضى وطائفة من السلف، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه. وخالفهم الجمهور، ومنهم الائمة الاربعة وأصحابهم، محتجين بما ثبت في الصحيحين


(1) هو عبادة بن نسى الكندى، قاضى طبرية توفى سنة 118. تهذيب التهذيب 5 / 114 (2) غير ا: ورواه عن. (*)

[ 200 ]

عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر ". * * * والمقصود أن معاذا رضى الله عنه كان قاضيا للنبى صلى الله عليه وسلم باليمن وحاكما في الحروب، ومصدقا إليه تدفع الصدقات، كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم. وقد كان بارزا للناس يصلى بهم الصلوات الخمس، كما قال البخاري: حدثنا سليمان ابن حرب حدثنا شعبة، عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: " واتخذ الله إبراهيم خليلا " فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم ! انفرد به البخاري. ثم قال البخاري:

[ 201 ]

باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن أبى إسحاق، حدثنى أبى، عن أبى إسحاق، سمعت البراء بن عازب قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل. فكنت فيمن عقب معه. قال: فغنمت أواقى ذات عدد. انفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا على بن سويد ابن منجوف، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا ؟ فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: " يا بريدة تبغض (1) عليا ؟ " فقلت: نعم. فقال: " لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك ". انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الجليل، قال: انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة، فقال عبدالله بن بريدة: حدثنى أبى بريدة قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط، قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا. قال: فبعث ذلك الرجل على خيل، فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا. قال:


(1) البخاري: أتبغض. (*)

[ 202 ]

فأصبنا سبيا قال: فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابعث إلينا من يخمسه. قال: فبعث إلينا عليا وفى السبى وصيفة من أفضل السبى. قال: فخمس وقسم فخرج ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا ؟ فقال: ألم تروا إلى الوصيفة التى كانت في السبى، فإنى قسمت وخمست فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صارت في آل على ووقعت بها. قال: فكتب الرجل إلى نبى الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: ابعثنى. فبعثني مصدقا. قال: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق. قال: فأمسك يدى والكتاب فقال: " أتبغض عليا ؟ " قال: قلت: نعم. قال: " فلا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل على (1) في الخمس أفضل من وصيفة ". قال: فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلى من على. قال عبدالله بن بريدة: فو الذى لا إله غيره ما بينى وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث غير أبى بريدة. تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري، وثقه ابن معين وابن حبان. وقال البخاري: إنما يتهم في الشئ بعد الشئ. وقال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح، عن عبدالله بن نيار الاسلمي، عن خاله عمرو بن شأس الاسلمي، وكان من أصحاب الحديبية، قال: كنت مع على بن أبى طالب في خيله التى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فجفاني على بعض الجفاء، فوجدت في نفسي عليه.


(1) ت: آل محمد. (*)

[ 203 ]

فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته، فأقبلت يوما ورسول الله جالس في المسجد، فلما رأني أنظر إلى عينيه نظر إلى حتى جلست إليه، فلما جلست إليه قال: " إنه والله يا عمرو بن شأس لقد آذيتنى " فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون ! أعوذ بالله والاسلام أن أوذى رسول الله. فقال: " من آذى عليا فقد آذانى ". وقد رواه البيهقى من وجه آخر، عن ابن إسحاق، عن أبان بن الفضل بن معقل ابن سنان، عن عبدالله بن نيار، عن خاله عمرو بن شأس. فذكره بمعناه. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا محمد بن عبدالله الحافظ، أنبأنا أبو إسحاق المزكى، حدثنا عبيدة بن أبى السفر، سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبى إسحاق، عن أبيه، عن أبى إسحاق، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الاسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على بن أبى طالب وأمره أن يقفل خالدا، إلا رجلا كان ممن مع خالد فأحب أن يعقب مع على فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع على، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، ثم تقدم بنا فصلى بنا على، ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت همدان جميعا، فكتب على إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: " السلام على همدان السلام على همدان ".

[ 204 ]

قال البيهقى: رواه البخاري مختصرا من وجه آخر عن إبراهيم بن يوسف. * * * وقال البيهقى: أنبأنا أبو الحسين محمد بن الفضل القطان، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا إسماعيل بن أبى أويس، حدثنى أخى، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبى سعيد الخدرى، أنه قال: بعث رسول الله على بن أبى طالب إلى اليمن. قال أبو سعيد: فكنت فيمن خرج معه، فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا - وكنا قد رأينا في إبلنا خللا - فأبى علينا وقال: إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين. قال: فلما فرغ على وانطلق من اليمن راجعا أمر علينا إنسانا، وأسرع هو وأدرك الحج، فلما قضى حجته قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم ". قال أبو سعيد: وقد كنا سألنا الذى استخلفه ما كان على منعنا إياه ففعل، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت، ورأى أثر الركب قدم الذى أمره ولامه. فقلت: أما إن لله على لئن قدمت المدينة لاذكرن لرسول الله ولاخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق. قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه، فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأني وقف معى ورحب بى وساءلني وساءلته. وقال: متى قدمت ؟ فقلت قدمت، البارحة. فرجع معى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل وقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد. فقال: ائذن له.

[ 205 ]

فدخلت فحييت رسول الله وحياني، وأقبل على وساءلني عن نفسي وأهلي وأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله ما لقينا من على من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق. فاتأد رسول الله، وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه، حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله على فخذي، وكنت منه قريبا، وقال: " يا سعد بن مالك بن الشهيد، مه بعض قولك لاخيك على، فوالله لقد علمت أنه أخشن في سبيل الله ". قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمك سعد بن مالك، ألا أرانى كنت فيما يكره منذ اليوم ولا أدرى ؟ ! لا جرم والله لا أذكره بسوء أبدا سرا ولا علانية. وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة. * * * وقد قال يونس عن محمد بن إسحاق: حدثنى يحيى بن عبدالله بن أبى عمر، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: إنما وجد جيش على بن طالب الذين كانوا معه باليمن، لانهم حين أقبلوا خلف عليهم رجلا وتعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فعمد الرجل فكسا كل رجل حلة، فلما دنوا خرج عليهم على يستقبلهم، فإذا عليهم الحلل. قال على: ما هذا ؟ قالوا: كسانا فلان: قال: فما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء ؟ فنزع الحلل منهم. فلما قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك، وكانوا قد صالحوا رسول الله، وإنما بعث عليا إلى جزية موضوعة. قلت: هذا السياق أقرب من سياق البيهقى. وذلك أن عليا سبقهم لاجل الحج وساق معه هديا وأهل بإهلال النبي

[ 206 ]

صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يمكث حراما. وفى رواية البراء بن عازب أنه قال: له إنى سقت الهدى وقرنت. والمقصود أن عليا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التى أطلقها لهم نائبه، وعلى معذور فيما فعل لكن اشتهر الكلام فيه في الححيج، فلذلك - والله أعلم - لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجته وتفرغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمر بغدير خم قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة على ورفع من قدره ونبه على فضله، ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس. وسيأتى هذا مفصلا في موضعه إن شاء الله. وبه الثقة. * * * وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد، عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة، حدثنى عبدالرحمن بن أبى نعم، سمعت أبا سعيد الخدرى يقول: بعث على بن أبى طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل (1) من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة ; بين عيينة بن بدر، والاقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا تأمنوني ؟ وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء ". قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق


(1) الذهيبة: القطعة من الذهب. والمقروظ: المدبوغ. وتحصل: تخلص. (*)

[ 207 ]

الرأس مشمر الازار فقال: يا رسول الله اتق الله. فقال: ويلك أو لست أحق الناس أن يتقى الله. قال: ثم ولى الرجل. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال: لا لعله أن يكون يصلى. قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. قال ثم نظر إليه وهو مقف فقال: " إنه يخرج من ضئضئ (1) هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " - أظنه قال: لئن أدركتهم لاقتلنهم قتل ثمود. وقد رواه البخاري في مواضع أخر من كتابه، ومسلم في كتاب الزكاة من صحيحه من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع به. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبى البخترى، عن على، قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السن. قال: فقلت: تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لى بالقضاء ؟ قال: " إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك " قال: فما شككت في قضاء بين اثنين. ورواه ابن ماجه من حديث الاعمش به. وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن سماك، عن حنش، عن على، قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. قال فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن منى وأنا حدث لا أبصر القضاء ؟


(1) الضئضئ: الاصل. (*)

[ 208 ]

قال فوضع يده على صدري وقال: " اللهم ثبت لسانه واهد قلبه، يا على إذ جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الاول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك ". قال: فما اختلف على قضاء بعد - أو ما أشكل على قضاء بعد. ورواه أحمد أيضا وأبو داود من طرق، عن شريك، والترمذي من حديث زائدة كلاهما عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر، وقيل ابن ربيعة الكنانى الكوفى، عن على به. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الاجلح، عن الشعبى، عن عبدالله ابن أبى الخليل، عن زيد بن أرقم، أن نفرا وطئوا امرأة في طهر، فقال على لاثنين: أتطيبان نفسا لذا (1) ؟ فقالا: لا. فأقبل على الآخرين فقال: أتطيبان نفسا لذا ؟ فقالا: لا. فقال: أنتم شركاء متشاكسون. فقال: إنى مقرع بينكم، فأيكم قرع أغرمته ثلثى الدية وألزمته الولد. قال: فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: لا أعلم إلا ما قال على. وقال أحمد: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا الاجلح، عن الشعبى، عن أبى الخليل، عن زيد بن أرقم، أن عليا أتى في ثلاثة نفر إذ كان في اليمن اشتركوا في ولد، فأقرع بينهم فضمن الذى أصابته القرعة ثلثى الدية وجعل الولد له. قال زيد بن أرقم: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقضاء على، فضحك حتى بدت نواجذه. ورواه أبو داود عن مسدد، عن يحيى القطان، والنسائي عن على بن حجر،


(1) ت: نفسا كما. (*)

[ 209 ]

عن على بن مسهر، كلاهما عن الاجلح بن عبدالله، عن عامر الشعبى، عن عبدالله بن الخليل. وقال النسائي في رواية عبدالله بن أبى الخليل عن زيد بن أرقم. قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال: إن ثلاثة نفر أتوا عليا يختصمون في ولد وقعوا على امرأة في طهر واحد. فذكر نحو ما تقدم. وقال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روياه - أعنى أبا داود والنسائي - من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبى، عن أبى الخليل أو ابن الخليل، عن على قوله. فأرسله ولم يرفعه. وقد رواه الامام أحمد أيضا، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن الاجلح، عن الشعبى، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم. فذكر نحو ما تقدم. وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا عن حنش بن أصرم، وابن ماجه عن إسحاق ابن منصور، كلاهما عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن صالح الهمداني، عن الشعبى، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم به.. * * * قال شيخنا في الاطراف: لعل عبد خير هذا هو عبدالله بن الخليل ولكن لم يضبط الراوى اسمه. قلت: فعلى هذا يقوى الحديث وإن كان غيره كان أجود لمتابعته له، لكن الاجلح ابن عبدالله الكندى فيه كلام ما. وقد ذهب إلى القول بالقرعة في الانساب الامام أحمد وهو من أفراده. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن حنش،

[ 210 ]

عن على قال: بعثنى رسول الله إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية (1) للاسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق آخر (2) بآخر حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم الاسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم. فقام أولياء الاول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم على على تعبية ذلك، فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حى ! إنى أقضى بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء وإلا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هو الذى يقضى بينكم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له. اجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر ربع الدية وثلث الديه ونصف الدية والدية كاملة، فللاول الربع لانه هلك، والثانى ثلث الدية، والثالث نصف الدية، والرابع الدية. فأبوا أن يرضوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه القصة. فقال: أنا أحكم بينكم. فقال رجل من القوم: يا رسول الله إن عليا قضى فلينا. فقصوا عليه القصة فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم رواه الامام أحمد أيضا عن وكيع، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن حنش، عن على. فذكره.


(1) الزبية: حفرة للاسد. (2) ا: رجل بآخر. (*)

[ 211 ]

كتاب حجة الوداع في سنة عشر ويقال لها حجة البلاغ، وحجة الاسلام، وحجة الوداع لانه عليه الصلاة والسلام ودع الناس فيها ولم يحج بعدها. وسميت حجة الاسلام لانه عليه السلام لم يحج من المدينة غيرها، ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها. وقد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ، وقيل سنة تسع. وقيل سنة ست. وقيل قبل الهجرة وهو غريب. وسميت حجة البلاغ لانه عليه السلام بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا، ولم يكن بقى من دعائم الاسلام وقواعده شئ إلا وقد بينه عليه السلام، فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله عزوجل عليه وهو واقف بعرفة: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " (1). وسيأتى إيضاح هذا كله. والمقصود ذكر حجته عليه السلام كيف كانت، فإن النقلة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا جدا، بحسب ما وصل إلى كل منهم من العلم، وتفاوتوا في ذلك تفاوتا كثيرا لا سيما من بعد الصحابة رضى الله عنهم. ونحن نورد بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ما ذكره الائمة في كتبهم من هذه الروايات، ونجمع بينها جمعا يثلج قلب من تأمله وأنعم النظر فيه وجمع بين طريقتي الحديث وفهم معانيه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.


(1) سورة المائدة 3. (*)

[ 212 ]

وقد اعتنى الناس بحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتناء كثيرا من قدماء الائمة ومتأخريهم. وقد صنف العلامة أبو محمد بن حزم الاندلسي رحمه الله مجلدا في حجة الوداع أجاد في أكثره، ووقع له فيه أوهام سننبه عليها في مواضعها. وبالله المستعان. باب بيان أنه عليه السلام لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة وأنه اعتمر قبلها ثلاث عمر كما رواه البخاري ومسلم عن هدبة، عن همام، عن قتادة، عن أنس، قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذى القعدة إلا التى في حجته. الحديث وقد رواه يونس بن بكير، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، عن أبى هريرة مثله. وقال سعد بن منصور عن الدراوردى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر: عمرة في شوال، وعمرتين في ذى القعدة. وكذا رواه ابن بكير عن مالك، عن هشام بن عروة. وروى الامام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله اعتمر ثلاث عمر كلهن في ذى القعدة. وقال أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا داود - يعنى العطار - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال اعتمر رسول الله أربع عمر: عمرة الحديبية وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التى مع حجته. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث داود العطار وحسنه الترمذي.

[ 213 ]

وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة. وسيأتى في فصل من قال إنه عليه السلام حج قارنا وبالله المستعان. فالاولى من هذه العمر: عمرة الحديبية التى صد عنها. ثم بعدها عمرة القضاء ويقال بل عمرة القصاص، ويقال عمرة القضية. ثم بعدها عمرة الجعرانة مرجعه من الطائف، حين قسم غنائم حنين. وقد قدمنا ذلك كله في مواضعه. والرابعة عمرته مع حجته. وسنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة، هل كان متمتعا، بأن أوقع العمرة قبل الحجة وحل منها، أو منعه من الاحلال منها سوقه الهدى، أو كان قارنا لها مع الحجة. كما نذكره من الاحاديث الدالة على ذلك، أو كان مفردا لها عن الحجة، بأن أوقعها بعد قضاء الحجة. قال: وهذا هو الذى يقوله من يقول بالافراد كما هو المشهور عن الشافعي. وسيأتى بيان هذا عند ذكرنا إحرامه صلى الله عليه وسلم كيف كان مفردا أو متمتعا أو قارنا. قال البخاري: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، حدثنى زيد بن أرقم، أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى. وقد رواه مسلم من حديث زهير، وأخرجاه من حديث شعبة. زاد البخاري وإسرائيل ثلاثتهم عن أبى إسحاق عمرو بن عبدالله السبيعى، عن زيد به. وهذا الذى قال أبو إسحاق من أنه عليه السلام حج بمكة حجة أخرى، إن أراد أنه

[ 214 ]

لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة كما هو ظاهر لفظه، فهو بعيد. فإنه عليه السلام كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس إلى الله ويقول: " من رجل يؤوينى حتى أبلغ كلام ربى، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربى عزوجل ". حتى قيض الله له جماعة الانصار يلقونه ليلة العقبة، أي عشية يوم النحر عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية، وهى ثالث اجتماعهم به، ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة. كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه. والله أعلم. وفى حديث جعفر بن محمد بن على بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فاجتمع بالمدينة بشر كثير، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذى القعدة أو لاربع، فلما كان بذى الحليفة صلى ثم استوى على راحلته، فلما أخذت به في البيداء لبى وأهللنا لا ننوى إلا الحج. وسيأتى الحديث بطوله. وهو في صحيح مسلم، وهذا لفظ البيهقى من طريق أحمد بن حنبل، عن إبراهيم بن طهمان، عن جعفر بن محمد به.

[ 215 ]

باب تاريخ خروجه عليه السلام من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة سماك بن خرشة الساعدي ويقال سباع عن عرفطة الغفاري حكاهما عبدالملك بن هشام قال محمد بن إسحاق: فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة من سنه عشر تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له. فحدثني عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذى القعدة. وهذا إسناد جيد. ورواه الامام مالك في موطئه، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عمرة، عن عائشة، ورواه الامام أحمد عن عبدالله بن نمير، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عمرة عنها. وهو ثابت في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجه ومصنف ابن أبى شيبة، من طرق، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عمرة، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله لخمس بقين من ذى القعدة لا نرى إلا الحج. الحديث بطوله كما سيأتي. وقال البخاري: حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمى، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرني كريب عن ابن عباس، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم

[ 216 ]

من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه، ولم ينه عن شئ من الاردية ولا الازر إلا المزعفرة التى تردع (1) على الجلد، فأصبح بذى الحليفة، ركب راحلته حتى استوى على البيداء، وذلك لخمس بقين من ذى القعدة، فقدم مكة لخمس خلون من ذى الحجة. تفرد به البخاري. فقوله: " وذلك لخمس بقين من ذى القعدة " إن أراد به صبيحة يومه بذى الحليفة صح قول ابن حزم في دعواه أنه عليه السلام خرج من المدينة يوم الخميس وبات بذى الحليفة ليلة الجمعة. وأصبح بها يوم الجمعة، وهو اليوم الخامس والعشرون من ذى القعدة. وإن أراد ابن عباس بقوله " وذلك لخمس من ذى القعدة " يوم انطلاقه عليه السلام من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه، كما قالت عائشة وجابر أنهم خرجوا من المدينة لخمس بقين من ذى القعدة، بعد قول ابن حزم وتعذر المصير إليه وتعين القول بغيره، ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة، إن كان شهر ذى القعدة كاملا. ولا يجوز أن يكون خروجه عليه السلام من المدينة كان يوم الجمعة، لما رواه البخاري: حدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن أبى قلابة، عن أنس ابن مالك، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء، حمد الله عزوجل وسبح [ وكبر ] (2) ثم أهل بحج وعمرة. وقد رواه مسلم والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن


(1) تردع: تغير اللون إلى الصفرة. (2) من البخاري. (*)

[ 217 ]

أبى قلابة، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين. وقال أحمد: حدثنا عبدالرحمن عن سفيان، عن محمد - يعنى ابن المنكدر - وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين. ورواه البخاري عن أبى نعيم، عن سفيان - هو الثوري - به، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة عن أنس به. وقال أحمد: حدثنا محمد بن بكير، حدثنا ابن جريج، عن محمد بن المنكدر عن أنس قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين، ثم بات بذى الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به أهل. وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن المنكدر التيمى، عن أنس بن مالك الانصاري، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات، ثم صلى بنا العصر بذى الحليفة ركعتين آمنا لا يخاف في حجة الوداع. تفرد به أحمد من هذين الوجهين، وهما على شرط الصحيح. وهذا ينفى كون خروجه عليه السلام يوم الجمعة قطعا. ولا يجوز على هذا أن يكون خروجه يوم الخميس، كما قال ابن حزم، لانه كان يوم الرابع والعشرين من ذى القعدة، لانه لا خلاف أن أول ذى الحجة كان يوم الخميس، لما ثبت بالتواتر والاجماع من أنه عليه السلام وقف بعرفة يوم الجمعة وهو تاسع ذى الحجة بلا نزاع.

[ 218 ]

فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذى القعدة، لبقى في الشهر ست ليال قطعا، ليلة الجمعة والسبت والاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء. فهذه ست ليال. وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر أنه خرج لخمس بقين من ذى القعدة، وتعذر أنه يوم الجمعة لحديث أنس، فتعين على هذا أنه عليه السلام خرج من المدينة يوم السبت، وظن الراوى أن الشهر يكون تاما، فاتفق في تلك السنة نقصانه، فانسلخ يوم الاربعاء واستهل شهر ذى الحجة ليلة الخميس. ويؤيده ما وقع في رواية جابر: لخمس بقين أو أربع. وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيد عنه ولا بد منه. والله أعلم. باب صفة خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة للحج قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أنس بن عياض، عن عبيدالله، هو ابن عمر، عن نافع، عن عبدالله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلى في مسجد الشجرة وإذا رجع صلى بذى الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: وجدت في كتابي عن عمرو بن مالك، عن يزيد بن زريع، عن هشام، عن عزرة بن ثابت، عن ثمامة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم: حج على رحل رث وتحته قطيفة وقال: " حجة لا رياء فيها ولا سمعة ". وقد علقه البخاري في صحيحه فقال: وقال محمد بن أبى بكر المقدمى، حدثنا يزيد بن

[ 219 ]

زريع، عن عزرة بن ثابت، عن ثمامة قال: حج أنس على رحل رث ولم يكن شحيحا. وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل وكانت زاملته (1). هكذا ذكره البزار والبخاري معلقا مقطوع الاسناد من أوله. وقد أسنده الحافظ البيهقى في سننه فقال: أنبأنا أبو الحسن على بن محمد بن على المقرئ، أنبأنا أبو الحسن على بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب القاضى، حدثنا محمد بن أبى بكر، حدثنا يزيد بن زريع. فذكره. وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من وجه آخر، عن أنس بن مالك، فقال: حدثنا على بن الجعد، أنبأنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشى، عن أنس، قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رحل رث وقطيفة تساوى - أو لا تساوى - أربعة دراهم. فقال: " اللهم حجة لا رياء فيها ". وقد رواه الترمذي في الشمائل (2) من حديث أبى داود الطيالسي، وسفيان الثوري وابن ماجه من حديث وكيع ابن الجراح، ثلاثتهم عن الربيع بن صبيح به. وهو إسناد ضعيف من جهة يزيد بن أبان الرقاشى، فإنه غير مقبول الرواية عند الائمة. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه، قال: صدرت مع ابن عمر فمرت بنا رفقة يمانية ورحالهم الادم وخطم إبلهم الخرز (3)، فقال عبدالله: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع فينظر إلى هذه الرفقة.


(1) الزاملة: البعير الذى يحمل عليه الطعام والمتاع. (2) في باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم. الشمائل 2 / 120 (3) الخرز: نبات من النجيل منظوم من أعلاه إلى أسفله. (*)

[ 220 ]

ورواه أبو داود عن هناد، عن وكيع، عن إسحاق، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه عن ابن عمر. وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو طاهر الفقيه وأبو زكريا بن أبى إسحاق وأبو بكر بن الحسن وأبو سعيد بن أبى عمرو: قالوا حدثنا أبو العباس هو الاصم، أنبأنا محمد بن عبدالله بن الحكم، أنبأنا سعيد بن بشير القرشى، حدثنا عبدالله بن حكيم الكنانى - رجل من أهل اليمن من مواليهم - عن بشر بن قدامة الضبابى، قال: أبصرت عيناى حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء تحته قطيفة بولانية وهو يقول " اللهم اجعلها حجة غير رياء ولا مباهاة ولا سمعة ". والناس يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالله بن إدريس، حدثنا ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه، أن أسماء بنت أبى بكر قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجاجا حتى أدركنا بالعرج (1) نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلست إلى جنب أبى، وكانت زمالة (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمالة أبى بكر واحدة مع غلام أبى بكر فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع عليه وليس معه بعيره، فقال: أين بعيرك ؟ فقال اضللته البارحة. فقال أبو بكر: بعير واحد تضله ! فطفق يضربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول: " انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع ! ". وكذا رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد العزيز بن أبى رزمة. وأخرجه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، ثلاثتهم عن عبدالله بن إدريس به. * * *


(1) العرج: منزل بطريق مكة. (2) الزمالة: المركوب والاداة، وما كان معهما في السفر. النهاية 2 / 141. (*)

[ 221 ]

فأما الحديث الذى رواه أبو بكر البزار في مسنده قائلا: حدثنا إسماعيل بن حفص، حدثنا يحيى بن اليمان، حدثنا حمزة الزيات، عن حمران بن أعين، عن أبى الطفيل عن أبى سعيد، قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم ومشيهم خلط الهرولة. فإنه حديث منكر ضعيف الاسناد، وحمزة بن حبيب الزيات ضعيف وشيخه متروك الحديث. وقد قال البزار: لا يروى إلا من هذا الوجه، وإن كان إسناده حسنا عندنا. ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث، لانه عليه السلام إنما حج حجة واحدة وكان راكبا وبعض أصحابه مشاة. قلت: ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شئ من عمره ماشيا، لا في الحديبية ولا في القضاء ولا الجعرانة ولا في حجة الوداع. وأحواله عليه السلام أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس، بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله. والله أعلم. فصل تقدم أنه عليه السلام صلى الظهر بالمدينة أربعا، ثم ركب منها إلى الحليفة وهى وادى العقيق (1) فصلى بها العصر ركعتين. فدل على أنه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر فصلى بها العصر قصرا، وهى من المدينة على ثلاثة أميال، ثم صلى بها المغرب والعشاء وبات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه وأخبرهم أنه جاءه الوحى من الليل بما يعتمده في الاحرام.


(1) وادى العقيق: قرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال. (*)

[ 222 ]

كما قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن عبدالله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أتى في المعرس من ذى الحليفة فقيل له: إنك ببطحاء مباركة. وأخرجاه في الصحيحين من حديث موسى بن عقبة به. وقال البخاري: حدثنا الحميدى، حدثنا الوليد وبشر بن بكر، قالا: حدثنا الاوزاعي، حدثنا يحيى، حدثنى عكرمة، أنه سمع ابن عباس أنه سمع عمر (2) يقول: سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول: " أتانى الليلة آت من ربى فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة ". تفرد به دون مسلم. فالظاهر أن أمره عليه السلام بالصلاة في وادى العقيق هو أمر بالاقامة به إلى أن يصلى صلاة الظهر، لان الامر إنما جاءه في الليل وأخبرهم بعد صلاة الصبح، فلم يبق إلا صلاة الظهر، فأمر أن يصليها هنالك وأن يوقع الاحرام بعدها. ولهذا قال: أتانى الليلة آت من ربى عزوجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة. وقد احتج به على الامر بالقران في الحج، وهو من أقوى الادلة على ذلك. كما سيأتي بيانه قريبا. * * * والمقصود أنه عليه السلام أمر بالاقامة بوادي العقيق إلى صلاة الظهر، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، فأقام هنالك وطاف على نسائه في تلك الصبيحة وكن تسع نسوة، وكلهن خرج معه، ولم يزل هنالك حتى صلى الظهر. كما سيأتي في حديث


(2) الاصل: ابن عمر. وما أثبته عن صحيح البخاري. (*)

[ 223 ]

أبى حسان الاعرج، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذى الحليفة، ثم أشعر بدنته، ثم ركب فأهل. وهو عند مسلم. وهكذا قال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أشعث - هو ابن عبدالملك - عن الحسن، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب راحلته، فلما علا شرف البيداء أهل. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، والنسائي عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل عن أشعث بمعناه، وعن أحمد بن الازهر، عن محمد بن عبدالله الانصاري، عن أشعث أتم منه. وهذا فيه رد على ابن حزم، حيث زعم أن ذلك في صدر النهار. وله أن يعتضد بما رواه البخاري من طريق أيوب، عن رجل، عن أنس أن رسول الله بات بذى الحليفة حتى أصبح، فصلى الصبح ثم ركب راحلته، حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج. ولكن في إسناده رجل مبهم والظاهر أنه أبو قلابة. والله أعلم. قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن حبيب الحارثى، حدثنا خالد - يعنى ابن الحارث - حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، سمعت أبى يحدث عن عائشة أنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرما ينضح طيبا. وقد رواه البخاري من حديث شعبة، وأخرجاه من حديث أبو عوانة. ومسلم ومسعر وسفيان بن سعيد الثوري، أربعتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر به.

[ 224 ]

وفى رواية لمسلم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: سألت عبدالله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما. قال: ما أحب أنى أصبح محرما أنضح طيبا، لان أطلى القطران (1) أحب إلى من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله عند إحرامه، ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرما. وهذا اللفظ الذى رواه مسلم يقتضى أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطيب قبل أن يطوف على نسائه، ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب إليهن، ثم لما اغتسل من الجنابة وللاحرام تطيب أيضا للاحرام طيبا آخر. كما رواه الترمذي والبيهقي من حديث عبدالرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الامام أحمد: حدثنا زكريا بن عدى أنبأنا عبيد الله بن عمرو، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمى وأشنان (2) ودهنه بشئ من زيت غير كثير. الحديث تفرد به أحمد. وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عثمان بن عروة، سمعت أبى يقول: سمعت عائشة تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه ولحله قلت لها: بأى طيب ؟ قالت بأطيب الطيب. وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وأخرجه البخاري من حديث وهب عن


(1) صحيح مسلم: بقطران حديث 1192. (2) الخطمى والاشنان: نوعان من النبات. (*)

[ 225 ]

هشام بن عروة، عن أخيه عثمان، عن أبيه عروة عن عائشة به. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وقال مسلم: حدثنا عبد بن حميد، أنبأنا محمد بن أبى بكر: أنبأنا ابن جريج، أخبرني عمر بن عبدالله بن عروة، أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة قالت: طيبت رسول الله بيدى بذريرة (1) في حجة الوداع للحل والاحرام. وروى مسلم من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى هاتين لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وقال مسلم: حدثنى أحمد بن منيع، ويعقوب الدورقى قالا: حدثنا هشيم، أخبرنا منصور، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم [ ويحل ] (2) ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وزهير بن حرب (3)، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا الاعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: كأنى أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبى. ثم رواه مسلم من حديث الثوري وغيره، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم،


(3) الذريرة: نوع من الطيب: قال النووي: هي فتات قصب طيب يجاء به من الهند. (1) ليست في صحيح مسلم. كتاب الحج حديث رقم 1191 - ط الحلبي. (2) في صحيح مسلم زيادة: وأبو سعيد الاشج قالوا. الخ حديث 1190. (*)

[ 226 ]

عن الاسود، عن عائشة قالت: كأنى أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري ومسلم من حديث الاعمش، كلاهما عن منصور، عن إبراهيم عن الاسود عنها. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، عن الحكم بن إبراهيم، عن الاسود عن عائشة. وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا أشعث، عن منصور، عن إبراهيم، عن الاسود عن عائشة، قالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في أصول شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن إبراهيم النخعي، عن الاسود، عن عائشة، قالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وهو محرم. وقال عبدالله بن الزبير الحميدى: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا عطاء بن السائب، عن إبراهيم النخعي، عن الاسود، عن عائشة، قالت: رأيت الطيب في مفرق رسول الله بعد ثالثة وهو محرم. * * * فهذه الاحاديث دالة على أنه عليه السلام تطيب بعد الغسل، إذ لو كان الطيب قبل الغسل لذهب به الغسل ولما بقى له أثر، ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الاحرام. وقد ذهب طائفة من السلف منهم ابن عمر إلى كراهة التطيب عند الاحرام. وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر عن عائشة، فقال الحافظ البيهقى: أنبأنا

[ 227 ]

أبو الحسين بن بشران - ببغداد - أنبأنا أبو الحسن على بن محمد المصرى، حدثنا يحيى ابن عثمان بن صالح، حدثنا عبدالرحمن بن أبى العمر، حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن عائشة، أنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغالية الجيدة عند إحرامه. وهذا إسناد غريب عزيز المخرج. ثم إنه عليه السلام لبد رأسه ليكون أحفظ لما فيه من الطيب وأصون له من استقرار التراب والغبار. قال مالك عن نافع، عن ابن عمر، أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ؟ قال: " إنى لبدت رأسي وقلدت هديى، فلا أحل حتى أنحر ". وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، وله طرق كثيرة عن نافع. وقال البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا لاصم، أنبأنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريرى، حدثنا عبدالاعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالعسل. وهذا إسناد جيد. ثم إنه عليه السلام أشعر الهدى وقلده (1) وكان معه بذى الحليفة. قال الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدى من ذى الحليفة. وسيأتى الحديث بتمامه، وهو في الصحيحين والكلام عليه إن شاء الله.


(1) الاشعار: أن يجعل لها شعيرة، أي علامة تتميز بها. والتقليد: إلباسها ما يعلم به أنها هدى. (*)

[ 228 ]

وقال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام - هو الدستوائى - حدثنى أبى، عن قتادة، عن أبى حسان، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الايمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته. وقد رواه أهل السنن الاربعة، من طرق عن قتادة. وهذا يدل على أنه عليه السلام تعاطى هذا الاشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة، وتولى إشعار بقية الهدى وتقليده غيره، فإنه قد كان معه هدى كثير (1)، إما مائة بدنة أو أقل منها بقليل. وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة وأعطى عليا فذبح ما غبر (2). وفى حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنبى صلى الله عليه وسلم. وفى سياق ابن إسحاق أنه عليه السلام أشرك عليا في بدنه والله أعلم. وذكر غيره أنه ذبح هو وعلى يوم النحر مائة بدنة. فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذى الحليفة، وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم.


(1) ج: كان هديا كثيرا. (2) غير: بقى. (*)

[ 229 ]

باب بيان الموضع الذى أهل منه عليه السلام واختلاف الناقلين لذلك وترجيح الحق في ذلك ذكر من قال إنه عليه السلام أحرم من المسجد الذى بذى الحليفة بعد الصلاة: تقدم الحديث الذى رواه البخاري من حديث الاوزاعي، عن يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: أتانى آت من ربى فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال البخاري: باب الاهلال عند مسجد ذى الحليفة: حدثنا على بن عبدالله، حدثنا سفيان، حدثنا موسى بن عقبة، سمعت سالم بن عبدالله. ح. وحدثنا عبدالله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبدالله، أنه سمع أباه يقول: ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد - يعنى مسجد ذى الحليفة - وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه، من طرق عن موسى بن عقبة. وفى رواية لمسلم عن موسى بن عقبة، عن سالم ونافع وحمزة بن عبدالله بن عمر، ثلاثتهم عن عبدالله بن عمر فذكره. وزاد فقال: لبيك اللهم لبيك. وفى رواية لهما من طريق مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم قال: قال عبدالله

[ 230 ]

ابن عمر: بيداؤكم هذه التى تكذبون فيها (1) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أهل رسول الله [ إلا ] من عند المسجد. وقد روى عن ابن عمر خلاف هذا، كما يأتي في الشق الآخر. وهو ما أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك، عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر. فذكر حديثا فيه أن عبدالله قال: وأما الاهلال فإنى لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، حدثنى خصيف ابن عبدالرحمن الجزرى، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس، عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب ؟ ! فقال: إنى لاعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا، فلما صلى في مسجده بذى الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه قوم فحفظوا عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول الله حين استقلت به ناقته. ثم مضى رسول الله، فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا:


(1) المراد بالبيداء هنا: شرف أمام ذى الحليفة ; سميت بيداء لانه ليس فيها بناء ولا أثر. ومعنى تكذبون فيها: تنسبون إلى الرسول أنه أهل منها، ولم يفعل. (*)

[ 231 ]

إنما أهل رسول الله حين علا شرف البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء. فمن أخذ بقول عبدالله بن عباس [ أنه ] أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه - وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن خصيف به نحوه. وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرف أحدا رواه غير عبد السلام. كذا قال، وقد تقدم رواية الامام أحمد له من طريق محمد بن إسحاق عنه - وكذلك رواه الحافظ البيهقى عن الحاكم عن القطيعى، عن عبدالله بن أحمد، عن أبيه ثم قال: خصيف الجزرى غير قوى، وقد رواه الواقدي بإسناد له عن ابن عباس. قال البيهقى: إلا أنه لا ينفع متابعة الواقدي، والاحاديث التى وردت في ذلك عن عمر وغيره مسانيدها قوية ثابتة والله تعالى أعلم - قلت: فلو صح هذا الحديث لكان فيه جمع لما بين الاحاديث من الاختلاف وبسط لعذر من نقل خلاف الواقع، ولكن في إسناده ضعف. ثم قد روى عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما تقدم عنهما كما سننبه عليه ونبينه. * * * وهكذا ذكر من قال إنه عليه السلام أهل حين استوت به راحلته. قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف، أنبأنا ابن جريج، حدثنى محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذى الحليفة ; فلما ركب راحلته واستوت به أهل.

[ 232 ]

وقد رواه البخاري ومسلم وأهل السنن من طرق عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس. وثبت في الصحيحين من حديث مالك، عن سعيد المقبرى، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر قال: وأما الاهلال فإنى لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث به راحلته. وأخرجا في الصحيحين من رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، أن رسول الله كان يركب راحلته بذى الحليفة ثم يهل حين تستوى به قائمة. وقال البخاري: باب من أهل حين استوت به راحلته: حدثنا أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، أخبرني صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا على بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز (1) وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذى الحليفة. انفرد به مسلم من هذا الوجه، وأخرجاه من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه. ثم قال البخاري: باب الاهلال مستقبل القبلة: قال أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا صلى الغداة بذى الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة


(1) الغرز: ركاب كور البعير. (*)

[ 233 ]

قائما ثم يلبى حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك، حتى إذا جاء ذا طوى (1) بات به حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. ثم قال: تابعه إسماعيل، عن أيوب في الغسل. وقد علق البخاري أيضا هذا الحديث في كتاب الحج، عن محمد بن عيسى، عن حماد ابن زيد، وأسنده فيه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقى، عن إسماعيل، هو ابن علية. ورواه مسلم عن زهير بن حرب، عن إسماعيل، وعن أبى الربيع الزهراني وغيره، عن حماد بن زيد، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبى تميمة السختيانى به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن علية به. ثم قال البخاري: حدثنا سليمان أبو الربيع، حدثنا فليح، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذى الحليفة فيصلى ثم يركب، فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى مسلم عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم عن أبيه، قال: بيداؤكم هذه التى تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الاولى وهذه الروايات عنه، وهو أن الاحرام كان من عند المسجد، ولكن بعد ما ركب راحلته واستوت به على البيداء، يعنى الارض وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء.


(1) ذو طوى: موضع قرب مكة. (*)

[ 234 ]

ثم قال البخاري في موضع آخر (1): حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمى، حدثنا فضيل ابن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثنى كريب، عن عبدالله بن عباس، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه، ولم ينه عن شئ من الاردية والازر تلبس إلا المزعفرة التى تردع على الجلد، فأصبح بذى الحليفة، ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه وقلد بدنه، وذلك لخمس بقين [ من ذى القعدة، فقدم مكة لاربع ليال خلون (2) ] من ذى الحجة. فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يحل من أجل بدنه لانه قلدها، ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مهل بالحج ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهى له حلال والطيب والثياب. انفرد به البخاري. وقد روى الامام أحمد عن بهز بن أسد وحجاج وروح بن عبادة وعفان بن مسلم، كلهم عن شعبة قال: أخبرني قتادة، قال سمعت أبا حسان الاعراج الاجرد، وهو مسلم ابن عبدالله البصري، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذى الحليفة، ثم دعا ببدنته فأشعر صفحة سنامها الايمن وسلت (1) الدم عنها وقلدها نعلين، ثم دعا براحلته، فلما استوت على البيداء أهل بالحج. ورواه أيضا عن هشيم، أنبأنا أصحابنا منهم شعبة. فذكر نحوه. ثم رواه الامام أحمد أيضا عن روح وأبى داود الطيالسي ووكيع بن الجراح، كلهم


(1) الحديث في باب ما لا يلبس المحرم من الثياب والاردية والازر. صحيح البخاري 1 / 197 ط الاميرية (2) سقط من الاصل، وأثبتها من البخاري. (3) سلت الدم: قشره حتى أظهر دمها. (*)

[ 235 ]

عن هشام الدستوائى، عن قتادة به، نحوه. ومن هذا الوجه رواه مسلم في صحيحه وأهل السنن في كتبهم. * * * فهذه الطرق عن ابن عباس من أنه عليه السلام أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت من رواية خصيف الجزرى، عن سعيد بن جبير عنه. والله أعلم. وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به الراحلة مقدمة على الاخرى، لاحتمال أنه أراد أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته، وتكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الاخرى. والله أعلم. ورواية أنس في ذلك سالمة عن المعارض، وهكذا رواية جابر بن عبدالله في صحيح مسلم، من طريق جعفر الصادق عن أبيه، عن أبى الحسين زين العابدين، عن جابر في حديثه الطويل الذى سيأتي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته سالمة عن المعارض. والله أعلم. وروى البخاري من طريق الاوزاعي، سمعت عطاء، عن جابر بن عبدالله، أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذى الحليفة حين استوت به راحلته. فأما الحديث الذى رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن أبى الزناد، عن عائشة بنت سعد، قالت: قال سعد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع (1) أهل إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريقا أخرى أهل إذا علا على شرف البيداء. فرواه أبو داود والبيهقي من حديث ابن إسحاق وفيه غرابة ونكارة. والله أعلم. فهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه عليه السلام أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير. زاد ابن عمر في روايته: وهو مستقبل القبلة.


(1) الفرع: قرية بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة. (*)

[ 236 ]

باب بسط البيان لما أحرم به عليه السلام في حجته هذه من الافراد أو التمتع أو القران ذكر الاحاديث الواردة بأنه عليه السلام كان مفردا رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك: قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: أنبأنا مالك، عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. ورواه مسلم عن إسماعيل، عن أبى أويس ويحيى بن يحيى، عن مالك. ورواه الامام أحمد عن عبدالرحمن بن مهدى، عن مالك به. وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنى المنكدر بن محمد، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. وقال الامام أحمد: حدثنا شريح، حدثنا ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن عروة عن عائشة وعن علقمة بن أبى علقمة عن أمه، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. تفرد به أحمد من هذه الوجوه عنها. وقال الامام أحمد: حدثنى عبدالاعلى بن حماد، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن أبى الاسود، عن عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.

[ 237 ]

وقال: حدثنا روح، حدثنا مالك، عن أبى الاسود محمد بن عبدالرحمن بن نوفل وكان يتيما في حجر عروة - عن عروة بن الزبير عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. ورواه ابن ماجه عن أبى مصعب عن مالك كذلك. ورواه النسائي عن قتيبة، عن مالك، عن أبى الاسود، عن عروة عن عائشة: أن رسول الله أهل بالحج. وقال أحمد أيضا: حدثنا عبدالرحمن، عن مالك، عن أبى الاسود، عن عروة عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة، وأهل رسول الله بالحج ; فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر. وهكذا رواه البخاري عن عبدالله بن يوسف والقعينى وإسماعيل بن أبى أويس، عن مالك. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وقال أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج وأهل ناس بالحج والعمرة، وأهل ناس بالعمرة ورواه مسلم عن ابن أبى عمر، عن سفيان بن عيينة به نحوه. * * * فأما الحديث الذى قال الامام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن علقمة بن أبى علقمة، عن أمه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في حجة الوداع. فقال: من أحب أن يبدأ بعمرة قبل الحج فليفعل. وأفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ولم يعتمر.

[ 238 ]

فإنه حديث غريب جدا، تفرد به أحمد بن حنبل، وإسناده لا بأس به، ولكن لفظه فيه نكارة شديدة وهو قوله: " فلم يعتمر ". فإن أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله هو قول من ذهب إلى الافراد. وإن أريد أنه لم يعتمر بالكلية لا قبل الحج ولا معه ولا بعده، فهذا مما لا أعلم أحدا من العلماء قال به. ثم هو مخالف لما صح عن عائشة وغيرها من أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذى القعدة إلا التى مع حجته. وسيأتى تقرير هذا في فصل القران مستقصى. والله أعلم. وهكذا الحديث الذى رواه الامام أحمد قائلا في مسنده: حدثنا روح، حدثنا صالح بن أبى الاخضر، حدثنا ابن شهاب، أن عروة أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أهل رسول الله بالحج والعمرة في حجة الوداع وساق معه الهدى، وأهل ناس معه بالعمرة وساقوا الهدى، وأهل ناس بالعمرة ولم يسوقوا هديا. قالت عائشة: وكنت ممن أهل بالعمرة ولم أسق هديا. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ قال ]: من كان منكم أهل بالعمرة فساق معه الهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ولا يحل منه شئ حرم منه حتى يقضى حجه وينحر هديه يوم النحر، ومن كان منكم أهل بالعمرة ولم يسق معه هديا فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم ليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. قالت عائشة: فقدم رسول الله الحج الذى خاف فوته وأخر العمرة. فهو حديث من أفراد الامام أحمد، وفى بعض ألفاظه نكارة. ولبعضه شاهد في الصحيح، وصالح بن أبى الاخضر ليس من علية أصحاب الزهري، لا سيما إذا خالفه غيره كما هاهنا، في بعض ألفاظ سياقه هذا.

[ 239 ]

وقوله: " فقدم الحج الذى يخاف فوته وأخر العمرة " لا يلتئم مع أول الحديث: " أهل بالحج والعمرة ". فإن أراد أنه أهل بهما في الجملة وقدم أفعال الحج، ثم بعد فراغه أهل بالعمرة كما يقوله من ذهب إلى الافراد، فهو مما نحن فيه هاهنا. وإن أراد أنه أخر العمرة بالكلية بعد إحرامه بها، فهذا لا أعلم أحدا من العلماء صار إليه. وإن أراد أنه اكتفى بأفعال الحج عن أفعال العمرة ودخلت العمرة في الحج، فهذا قول من ذهب إلى القران، وهم يؤولون قول من روى أنه عليه الصلاة والسلام أفرد الحج أي أفرد أفعال الحج وإن كان قد نوى معه العمرة. قالوا: لانه قد روى القران كل من روى الافراد كما سيأتي بيانه. والله تعالى أعلم. * * * رواية جابر بن عبدالله في الافراد قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش، عن أبى سفيان، عن جابر ابن عبدالله، قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته بالحج. إسناده جيد على شرط مسلم. ورواه البيهقى عن الحاكم وغيره، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبى معاوية، عن الاعمش، عن أبى سفيان عن جابر، قال: أهل رسول الله في حجته بالحج ليس معه عمرة. وهذه الزيادة غريبة جدا. ورواية الامام أحمد بن حنبل أحفظ. والله أعلم. وفى صحيح مسلم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، قال: وأهللنا بالحج لسنا نعرف العمرة. وقد روى ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن الدراوردى وحاتم بن إسماعيل،

[ 240 ]

كلاهما عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، وهذا إسناد جيد. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الوهاب الثقفى، حدثنا حبيب - يعنى المعلم - عن عطاء حدثنى جابر بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج ليس مع أحد منهم هدى إلا النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة. وذكر تمام الحديث. وهو في صحيح البخاري بطوله، كما سيأتي عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب. * * * رواية عبدالله بن عمر للافراد قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا عباد - يعنى ابن عباد - حدثنى عبيدالله بن عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. قال: أهللنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا. ورواه مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عون، عن عباد بن عباد، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن عبد العزيز ومحمد بن مسكين، قالا: حدثنا بشر بن بكر، حدثنا سعيد بن عبد العزيز بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج - يعنى مفردا. إسناده جيد ولم يخرجوه. * * * رواية ابن عباس للافراد روى الحافظ البيهقى من حديث روح بن عبادة، عن شعبة، عن أيوب، عن

[ 241 ]

أبى العالية البراء، عن ابن عباس، أنه قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فقدم لاربع مضين من ذى الحجة، فصلى بنا الصبح بالبطحاء، ثم قال: من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها. ثم قال: رواه مسلم، عن إبراهيم بن دينار، عن ابن روح. وتقدم من رواية قتادة، عن أبى حسان الاعرج، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذى الحليفة، ثم أتى ببدنة فأشعر صفحة سنامها الايمن، ثم أتى براحلته فركبها، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. وهو في صحيح مسلم أيضا. وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنا أبو حصين، عن عبدالرحمن بن الاسود عن أبيه، قال: حججت مع أبى بكر، فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد. تابعه الثوري عن أبى حصين. وهذا إنما ذكرناه هاهنا لان الظاهر أن هؤلاء الائمة رضى الله عنهم إنما يفعلون هذا عن توقيف، والمراد بالتجريد هاهنا الافراد والله أعلم. وقال الدارقطني: حدثنا أبو عبيد الله القاسم بن إسماعيل ومحمد بن مخلد، قالا: حدثنا على بن محمد بن معاوية الرزاز، حدثنا عبدالله بن نافع، عن عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر فبعث عمر فأفرد الحج، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج، وتوفى أبو بكر واستخلف عمر فبعث عبدالرحمن بن عوف

[ 242 ]

فأفرد الحج، ثم حج فأفرد الحج، ثم حصر عثمان فأقام عبدالله بن عباس للناس فأفرد الحج. في إسناده عبدالله بن عمر العمرى وهو ضعيف، لكن قال الحافظ البيهقى: له شاهد بإسناد صحيح. ذكر من قال إنه عليه السلام حج متمتعا قال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله، أن عبدالله بن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهل فساق الهدى من ذى الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وكان من الناس من أهدى فساق الهدى من ذى الحليفة ومنهم من لم يهد. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله ". وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، استلم [ الركن ] أول شئ ثم خب ثلاثة أشواط من السبع ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة، ثم لم يحلل من شئ حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، وافاض فطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدى من الناس. قال الامام أحمد: وحدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب،

[ 243 ]

عن عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه بمثل الذى أخبرني سالم بن عبدالله، عن عبدالله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * وقد روى هذا الحديث البخاري عن يحيى بن بكير، ومسلم وأبو داود، عن عبدالملك بن شعيب، عن الليث، عن أبيه، والنسائي عن محمد بن عبدالله بن المبارك المخرمى، عن حجين بن المثنى، ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري عن عروة عن عائشة. كما ذكره الامام أحمد رحمه الله. وهذا الحديث من المشكلات على كل من الاقوال الثلاثة. أما قول الافراد: ففى هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه. وأما على قول التمتع الخاص، فلانه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعد ما طاف بالصفا والمروة، وليس هذا شأن المتمتع. ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدى، كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال: إنى لبدت رأسي وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر. فقولهم بعيد، لان الاحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول وتأبى كونه عليه السلام إنما أهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج ; فإن هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد بإسناد صحيح بل ولا حسن ولا ضعيف. وقوله في هذا الحديث: " تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج " إن أريد بذلك التمتع الخاص، وهو الذى يحل منه بعد السعي فليس كذلك، فإن في سياق الحديث ما يرده، ثم في إثبات العمرة المقارنة لحجه عليه السلام ما يأباه.

[ 244 ]

وإن أريد به التمتع العام دخل فيه القران وهو المراد. وقوله: " وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج " إن أريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج، بأن قال: لبيك اللهم عمرة وحجا. فهذا سهل ولا ينافى القران. وإن أريد به أنه أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج متراخيا ولكن قبل الطواف فقد صار قارنا أيضا. وإن أريد به أنه أهل بالعمرة ثم لما فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدى كما زعمه زاعمون، ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه إلى منى، فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا، ومن ادعاه من الناس فقوله مردود لعدم نقله ومخالفته الاحاديث الواردة في إثبات القران كما سيأتي، بل والاحاديث الواردة في الافراد كما سبق. والله أعلم. والظاهر والله أعلم أن حديث الليث هذا عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر مروى من الطريق الاخرى عن ابن عمر حين أفرد الحج زمن محاصرة الحجاج لابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم شئ، فلو أخرت الحج عامك هذا ؟ فقال: إذا أفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. يعنى زمن حصر عام الحديبية فأحرم بعمرة من ذى الحليفة ثم لما علا شرف البيداء قال: ما أرى أمرهما إلا واحدا. فأهل بحج معها، فاعتقد الراوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعل، سواء بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، فرووه كذلك. وفيه نظر لما سنبينه. وبيان هذا في الحديث الذى رواه عبدالله بن وهب، أخبرني مالك بن أنس وغيره، أن نافعا حدثهم أن عبدالله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج فأهل بالعمرة وسار حتى إذا ظهر على

[ 245 ]

ظاهر البيداء التفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أنى قد أوجبت الحج مع العمرة. فخرج حتى جاء البيت فطاف به وطاف بين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه ورأى أن ذلك مجز عنه، وأهدى. وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث مالك. وأخرجاه من حديث عبيدالله عن نافع به. ورواه عبد الرزاق عن عبيدالله وعبد العزيز بن أبى رواد، عن نافع به نحوه ; وفيه: ثم قال في آخره: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيما رواه البخاري حيث قال: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن نافع: أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك. قال: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنى أشهدكم أن قد أوجبت عمرة. ثم خرج حتى إذ كان بظاهر البيداء قال: ما أرى شأن الحج والعمرة إلا واحدا، أشهدكم أنى أوجبت حجا مع عمرتي. فأهدى هديا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يحل من شئ حرم منه، ولم يحلق ولم يقصر، حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر دخل ابنه عبدالله بن عبدالله وظهره (1) في الدار، فقال: إنى لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فبصدوك عن البيت، فلو أقمت ؟ قال: قد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش بينه وبين البيت،


(1) الظهر: المركوب من الابل، وكان ابن عمر قد عزم على الحج وأحضر مركوبه ليتوجه عليه. (*)

[ 246 ]

فإن يحل (1) بينى وبينه أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنى أشهدكم أنى قد أوجبت مع عمرتي حجا. ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا. وهكذا رواه البخاري عن أبى النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب بن أبى تميمة السختيانى، عن نافع به. ورواه مسلم من حديثهما عن أيوب به. * * * فقد اقتدى ابن عمر رضى الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم في التحلل عند حصر العدو والاكتفاء بطواف واحد عن الحج والعمرة. وذلك لانه كان قد أحرم أولا بعمرة ليكون متمتعا، فخشى أن يكون حصر، فجمعهما وأدخل الحج قبل العمرة قبل الطواف فصار قارنا. وقال: ما أرى أمرهما إلا واحدا - يعنى: لا فرق بين أن يحصر الانسان عن الحج أو العمرة أو عنهما - فلما قدم مكة اكتفى عنهما بطوافه الاول، كما صرح به في السياق الاول الذى أفردناه، وهو قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول. قال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى أنه اكتفى عن الحج والعمرة بطواف واحد - يعنى بين الصفا والمروة. وفى هذا دلالة على أن ابن عمر روى القران. ولهذا روى النسائي عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع: أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف طوافا واحدا.


(1) البخاري: فإن حيل. (*)

[ 247 ]

ثم رواه النسائي، عن على بن ميمون الرقى، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل ابن أمية، وأيوب بن موسى، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن عمر، أربعتهم عن نافع: أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة، فخشى أن يصد عن البيت. فذكر تمام الحديث من إدخاله الحج على العمرة وصيرورته قارنا. والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر: " إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقوله: " كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ". أعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فأدخله عليها قبل الطواف، فرواه بمعنى ما فهم. ولم يرد ابن عمر ذلك، وإنما أراد ما ذكرناه. والله أعلم بالصواب. ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف فإنه يصير قارنا لا متمتعا التمتع الخاص، فيكون فيه دلالة لمن ذهب إلى أفضلية التمتع. والله تعالى أعلم. * * * وأما الحديث الذى رواه البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا همام عن قتادة، حدثنى مطرف، عن عمران، قال: تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء. فقد رواه مسلم، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام، عن قتادة به. والمراد به المتعة التى أعم من القران والتمتع الخاص. ويدل على ذلك ما رواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن أبى عروبة، عن قتادة،

[ 248 ]

عن مطرف، عن عبدالله بن الشخير، عن عمران بن الحصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة. وذكر تمام الحديث. وأكثر السلف يطلقون المتعة على القران، كما قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا حجاج بن محمد الاعور عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، قال: اختلف على وعثمان رضى الله عنهما وهما بعسفان في المتعة، فقال على: ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلما رأى ذلك على بن أبى طالب أهل بهما جميعا. ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا، عن الحكم بن عيينة، عن على بن الحسين، عن مروان بن الحكم عنهما به. وقال على: ما كنت لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد من الناس. ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا، عن قتادة، عن عبدالله بن شقيق، عنهما. فقال له على: لقد علمت إنما تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أجل، ولكنا كنا خائفين. وأما الحديث الذى رواه مسلم من حديث غندر، عن شعبة، وعن عبيدالله بن معاذ، عن أبيه عن شعبة، عن مسلم بن مخراق القرى (1)، سمع ابن عباس يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج، فلم يحل رسول الله ولا من ساق الهدى من أصحابه وحل بقيتهم. فقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وروح بن عبادة عن شعبة، عن مسلم القرى، عن ابن عباس، قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج. وفى رواية أبى داود: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحج، فمن كان منهم لم يكن له متعة هدى حل، ومن كان معه هدى لم يحل. الحديث.


(1) الاصل: المقبرى. وهو تحريف، وما أثبته عن صحيح مسلم 4 / 56. (*)

[ 249 ]

فإن صححنا الروايتين جاء القران، وإن توقفنا في كل منهما وقف الدليل، وإن رجحنا رواية مسلم في صحيحه في رواية العمرة، فقد تقدم عن ابن عباس أنه روى الافراد وهو الاحرام بالحج، فتكون هذه زيادة على الحج، فيجئ القول بالقران، لا سيما وسيأتى عن ابن عباس ما يدل على ذلك. وروى مسلم من حديث غندر ومعاذ بن معاذ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله قال: هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدى فليحل الحل كله، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وروى البخاري عن آدم بن أبى إياس، ومسلم من حديث غندر، كلاهما عن شعبة، عن أبى جمرة (1)، قال: تمتعت فنهاني ناس فسألت ابن عباس فأمرني بها، فرأيت في المنام كأن رجلا يقول [ لى (2) ]: حج مبرور ومتعة (3) متقبلة، فأخبرت ابن عباس فقال: الله أكبر ! سنة أبى القاسم صلوات الله وسلامه عليه. والمراد بالمتعة هاهنا القران. * * * وقال القعينى وغيره، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبدالله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبى وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبى سفيان يذكر التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يابن أخى.


(1) هو نصر بن عمران الضبعى، كما في صحيح البخاري. (2) من صحيح البخاري. (3) صحيح البخاري: وعمرة. القسطلانى 3 / 134. (*)

[ 250 ]

فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه. ورواه الترمذي والنسائي عن قتيبة، عن مالك. وقال الترمذي: صحيح. وقال عبد الرزاق، عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك، كلاهما عن سليمان التيمى، حدثنى غنيم بن قيس، سألت سعد بن أبى وقاص: عن التمتع بالعمرة إلى الحج قال: فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر في العرش - يعنى مكة - ويعنى به معاوية. ورواه مسلم من حديث شعبة وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد ومروان الفزارى، أربعتهم عن سليمان التيمى، سمعت غنيم بن قيس، سألت سعدا عن المتعة فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. وفى رواية يحيى بن سعيد - يعنى معاوية - وهذا كله من باب إطلاق التمتع على ما هو أعم من التمتع الخاص وهو الاحرام بالعمرة والفراغ منها ثم الاحرام بالحج ومن القران، بل كلام سعد فيه دلالة على إطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحج، وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعد كافر بمكة قبل الحج، إما عمرة الحديبية أو عمرة القضاء وهو الاشبه، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلة الفتح، وروينا أنه قصر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص في بعض عمره، وهى عمرة الجعرانة لا محالة. والله أعلم.

[ 251 ]

ذكر حجة من ذهب إلى أنه عليه السلام كان قارنا، وسرد الاحاديث في ذلك رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد تقدم ما رواه البخاري من حديث أبى عمرو الاوزاعي، سمعت يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: أتانى آت من ربى عزوجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا على بن أحمد بن عمر بن حفص المقبرى ببغداد، أنبأنا أحمد بن سليمان، قال: قرئ على عبدالملك بن محمد وأنا أسمع، حدثنا أبو زيد الهروي، حدثنا على بن المبارك، حدثنا يحيى بن أبى كثير، حدثنا عكرمة، حدثنى ابن عباس، حدثنى عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتانى جبرائيل عليه السلام وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين. وقل: عمرة في حجة، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. ثم قال البيهقى: رواه البخاري عن أبى زيد الهروي. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سيار، عن أبى وائل، أن رجلا كان نصرانيا يقال له الصبى بن معبد، فأراد الجهاد فقيل له: ابدأ بالحج، فأتى الاشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا، ففعل، فبينما هو يلبى إذ مر بزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة، فقال أحدهما لصاحبه: لهذا أضل من بعير أهله. فسمعها الصبى فكبر ذلك عليه فلما قدم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال له عمر: هديت

[ 252 ]

لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. قال: وسمعته مرة أخرى يقول: وفقت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. وقد رواه الامام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن الاعمش، عن شقيق، عن أبى وائل، عن الصبى بن معبد، عن عمر بن الخطاب فذكره. وقال: إنهما لم يقولا شيئا، هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. ورواه عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن أبى وائل به. ورواه أيضا عن غندر، عن شعبة، عن الحكم عن أبى وائل وعن سفيان بن عيينة عن عبدة بن أبى لبابة، عن أبى وائل، قال: قال الصبى بن معبد: كنت رجلا نصرانيا فأسلمت، فأهللت بحج وعمرة، فسمعني يزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما، فقالا: لهذا أضل من بعير أهله. فكأنما حمل على بكلمتهما جبل، فقدمت على عمر فأخبرته، فأقبل عليهما فلامهما، وأقبل على فقال: هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال عبدة: قال أبو وائل: كثيرا ما ذهبت أنا ومسروق إلى الصبى بن معبد نسأله عنه. وهذه أسانيد جيدة على شرط الصحيح. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق، عن أبى وائل شقيق بن سلمة به. وقال النسائي في كتاب الحج من سننه: حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبى، عن جمرة السكرى، عن مطرف، عن سلمة بن كهيل، عن طاووس، عن ابن عباس، عن عمر، أنه قال: والله إنى لانهاكم عن المتعة وإنها لفى كتاب الله وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم. إسناد جيد. * * *

[ 253 ]

رواية أميرى المؤمنين: عثمان وعلى رضى الله عنهما قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع على وعثمان بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال على: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه ؟ فقال عثمان: دعنا منك. هكذا رواه الامام أحمد مختصرا. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، قال: اختلف على وعثمان وهما بعسفان في المتعة، فقال: على ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلما رأى ذلك على بن أبى طالب أهل بهما جميعا. وهكذا لفظ البخاري. وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن على بن الحسين، عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان وعليا، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى على أهل بهما: لبيك بعمرة وحج. قال: ما كنت لادع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد. ورواه النسائي من حديث شعبة به، ومن حديث الاعمش عن مسلم البطين، عن على بن الحسين به. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: قال عبدالله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة وعلى يأمر بها، فقال: عثمان لعلى: إنك

[ 254 ]

لكذا وكذا. ثم قال على: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أجل، ولكنا كنا خائفين. ورواه مسلم من حديث شعبة. فهذا اعتراف من عثمان رضى الله عنه بما رواه على رضى الله عنهما، ومعلوم أن عليا رضى الله عنه أحرم عام حجة الوداع بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ساق الهدى، وأمره عليه السلام أن يمكث حراما، وأشركه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه. كما سيأتي بيانه. وروى مالك في الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه، أن المقداد بن الاسود دخل على على بن أبى طالب بالسقيا وهو ينجع بكرات له دقيقا وخبطا (1)، فقال: هذا عثمان ابن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة. فخرج على وعلى يده أثر الدقيق والخبط - ما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه - حتى دخل على عثمان فقال: أنت تنهى أن يقرن بين الحج والعمرة ؟ فقال عثمان: ذلك رأيى فخرج على مغضبا وهو يقول: ليبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا. وقد قال أبو داود في سننه: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا حجاج، حدثنا يونس، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كنت مع على حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن. فدكر الحديث في قدوم على. قال على: فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف صنعت ؟ قال: قلت: إنما أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: إنى قد سقت الهدى وقرنت.


(1) البكرات: الابل الفتية. وينجع: يسقى. والخبط: ورق الشجر ينفض ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق وغيره، ثم تسقاه الابل. (*)

[ 255 ]

وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن معين بإسناده، وهو على شرط الشيخين. وعلله الحافظ البيهقى بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل. وهذا التعليل فيه نظر، لانه قد روى القران من حديث جابر بن عبدالله. كما سيأتي قريبا. إن شاء الله تعالى. وروى ابن حبان في صحيحه، عن على بن أبى طالب، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة وخرجت أنا من اليمن، وقلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإنى أهللت بالحج والعمرة جميعا. * * * رواية أنس بن مالك رضى الله عنه وقد رواه عنه جماعة من التابعين، ونحن نوردهم مرتبين على حروف المعجم. بكر بن عبدالله المزني عنه: قال الامام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا حميد الطويل، أنبأنا بكر بن عبدالله المزني، قال سمعت أنس بن مالك يحدث، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج والعمرة جميعا، فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج وحده. فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر، فقال: ما تعدونا إلا صبيانا ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرة وحجا. ورواه البخاري عن مسدد، عن بشر بن الفضل، عن حميد به. وأخرجه مسلم عن شريح بن يونس، عن هشيم به. وعن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبدالله المزني به. * * *

[ 256 ]

ثابت البنانى عن أنس قال الامام أحمد حدثنا وكيع، عن ابن أبى ليلى، عن ثابت، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: لبيك بعمرة وحجة معا. تفرد به من هذا الوجه الحسن البصري عنه. قال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أشعث، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا مكة وقد لبوا بحج وعمرة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أن يحلوا وأن يجعلوها عمرة، فكأن القوم هابوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أنى سقت هديا لاحللت. فأحل القوم وتمتعوا. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن قزعة، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا أشعث، عن الحسن، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا فهابوا ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلوا فلولا أن معى الهدى لاحللت. فحلوا حتى حلوا إلى النساء. ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن الحسن إلا أشعث بن عبدالملك. * * * حميد بن تيرويه الطويل عنه: قال الامام أحمد: حدثنا يحيى، عن حميد، سمعت أنسا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحج وعمرة وحج. هذا إسناد ثلاثى على شرط الشيخيين، ولم يخرجاه ولا أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه، لكن رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن يحيى بن أبى

[ 257 ]

إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد، أنهم سمعوا أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا: لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا. وقال الامام أحمد: حدثنا يعمر بن يسر، حدثنا عبدالله، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنا كثيرة وقال: لبيك بعمرة وحج، وإنى لعند فخذ ناقته اليسرى. تفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا. * * * حميد بن هلال العدوى البصري عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن أنس بن مالك. ح. وحدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبى قلابة وحميد بن هلال، عن أنس، قال: إنى ردف أبى طلحة وإن ركبته لتمس ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبى بالحج والعمرة. وهذا إسناد جيد قوى على شرط الصحيح ولم يخرجوه. وقد تأوله البزار على أن الذى كان يلبى بالحج والعمرة أبو طلحة. قال: ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا التأويل فيه نظر ولا حاجة إليه، لمجئ ذلك من طرق عن أنس، كما مضى وكما سيأتي. ثم عود الضمير ألى أقرب المذكورين أولى، وهو في هذه الصورة أقوى دلالة والله أعلم. وسيأتى في رواية سالم بن أبى الجعد، عن أنس، صريح الرد على هذا التأويل.

[ 258 ]

زيد بن أسلم عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار: روى سعيد بن عبد العزيز التنوخى، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بحج وعمرة. حدثناه الحسن بن عبد العزيز الجروى ومحمد بن مسكين، قالا: حدثنا بشر بن بكر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم، عن أنس. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقى بأبسط من هذا السياق، فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضى، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا العباس بن الوليد بن يزيد، أخبرني أبى، حدثنا شعيب بن عبد العزيز، عن زيد ابن أسلم وغيره ; أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ابن عمر: أهل بالحج فانصرف. ثم أتاه من العام المقبل، فقال: بم أهل رسول الله ؟ قال: ألم تأتني عام أول ؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن. قال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس.، وإنى كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها أسمعه يلبى بالحج. * * * سالم بن أبى الجعد الغطفانى الكوفى عنه: قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن منصور، عن سالم بن أبى الجعد، عن أنس بن مالك، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جمع بين الحج والعمرة، فقال: لبيك بعمرة وحجة معا. حسن ولم يخرجوه. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عثمان بن المغيرة،

[ 259 ]

عن سالم بن أبى الجعد، عن سعد مولى الحسن بن على ; قال: خرجنا مع على فأتينا ذا الحليفة فقال على: إنى أريد أن أجمع بين الحج والعمرة، فمن أراد ذلك فليقل كما أقول، ثم لبى قال: لبيك بحجة وعمرة معا. قال: وقال سالم: وقد أخبرني أنس بن مالك، قال: والله إن رجلى لتمس رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ليهل بهما جميعا. وهذا أيضا إسناد جيد من هذا الوجه ولم يخرجوه. وهذا السياق يرد على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال، عن أنس كما تقدم والله أعلم. * * * سليمان بن طرخان التيمى عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبى يحدث عن أنس بن مالك، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبى بهما جميعا. ثم قال البزار: لم يروه عن التيمى إلا ابنه المعتمر، ولم يسمعه إلا من يحيى بن حبيب العربي عنه. قلت: وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه. * * * سويد بن حجير عنه: قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى قزعة سويد بن حجير، عن أنس بن مالك، قال: كنت رديف أبى طلحة، فكانت ركبة أبى طلحة تكاد أن تصيب ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهما.

[ 260 ]

وهذا إسناد جيد، تفرد به أحمد ولم يخرجوه. وفيه رد على الحافظ البزار صريح. * * * عبدالله بن زيد أبو قلابة الجرمى عنه: قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن أنس، قال: كنت رديف أبى طلحة وهو يساير النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فإن رجلى لتمس غرز النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يلبى بالحج والعمرة معا. وقد رواه البخاري من طرق، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن أنس، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب راحلته حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، وأهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما جميعا. وفى رواية له: كنت رديف أبى طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعا، الحج والعمرة. وفى رواية له عن أيوب، عن رجل، عن أنس، قال: ثم بات حتى أصبح فصلى الصبح، ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج. عبد العزيز بن صهيب: تقدمت روايته عنه مع رواية حميد الطويل عنه، عند مسلم. * * * على بن زيد بن جدعان عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا على بن حكيم، عن شريك، عن على بن زيد، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا. هذا غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن وهو على شرطهم.

[ 261 ]

قتادة بن دعامة السدوسى عنه: قال الامام أحمد: حدثنا بهز وعبد الصمد المعنى، قالا: حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم حج النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: حجة واحدة واعتمر أربع مرات، عمرته زمن الحديبية، وعمرته في ذى القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذى القعدة حيث قسم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته. وأخرجاه في الصحيحين من حديث همام بن يحيى به. * * * مصعب بن سليم الزبيري مولاهم عنه: قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا مصعب بن سليم، سمعت أنس بن مالك يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة وعمرة. تفرد به أحمد. يحيى بن إسحاق الحضرمي عنه: قال الامام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا يحيى بن إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل، عن أنس، أنهم سمعوه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج والعمرة جميعا يقول: لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا. وقد تقدم أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيى، عن هشيم به. وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا عبدالاعلى، عن يحيى، عن أنس، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، قال: فسمعته يقول: لبيك عمرة وحجا. * * * أبو أسماء الصيقل عنه قال الامام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير. وحدثنا أحمد بن عبدالملك، حدثنا

[ 262 ]

زهير، عن أبى إسحاق، عن أبى أسماء الصيقل، عن أنس بن مالك، قال: خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة. وقال: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكني سقت الهدى وقرنت الحج بالعمرة. ورواه النسائي، عن هناد، عن أبى الاحوص، عن أبى إسحاق، عن أبى أسماء الصيقل، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بهما. * * * أبو قدامة الحنفي ويقال: إن اسمه محمد بن عبيد، عن أنس: قال الامام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، عن يونس بن عبيد، عن أبى قدامة الحنفي، قال: قلت لانس بأى شئ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى ؟ فقال: سمعته سبع مرات يلبى بعمرة وحجة. تفرد به الامام أحمد، وهو إسناد جيد قوى ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة. وروى ابن حبان في صحيحه، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة وقرن القوم معه. * * * وقد أورد الحافظ البيهقى بعض هذه الطرق عن أنس بن مالك، ثم شرع يعلل ذلك بكلام فيه نظر. وحاصله أنه قال: والاشتباه وقع (1) لانس لا لمن دونه، ويحتمل أن يكون سمعه


(1) ا: رجع. (*)

[ 263 ]

صلى الله عليه وسلم يعلم غيره كيف يهل بالقران لا أنه يهل بهما عن نفسه والله أعلم. قال: وقد روى ذلك عن غير أنس بن مالك وفى ثبوته نظر. قلت: ولا يخفى ما في هذا الكلام من النظر الظاهر لمن تأمله، وربما أنه كان ترك هذا الكلام أولى منه، إذ فيه تطرق احتمال إلى حفظ الصحابي مع تواتره عنه، كما رأيت آنفا، وفتح هذا يفضى إلى محذور كبير. والله تعالى أعلم. حديث البراء بن عازب في القران. قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، أنبأنا على بن محمد المصرى، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا زكريا بن أبى زائدة، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلهن في ذى القعدة. فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التى حج معها. قال البيهقى: ليس هذا بمحفوظ. قلت: سيأتي بإسناد صحيح إلى عائشة نحوه. رواية جابر بن عبدالله رضى الله عنهما قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: أخبرنا أبو بكر بن أبى داود. ومحمد بن جعفر ابن رميس والقاسم بن إسماعيل أبو عبيد وعثمان بن جعفر اللبان وغيرهم، قالوا: حدثنا أحمد بن يحيى الصوفى، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله، قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر وحجة قرن معها عمرة.

[ 264 ]

وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه، من حديث سفيان بن سعيد الثوري به. أما الترمذي فرواه عن عبدالله بن أبى زياد، عن زيد بن الحباب، عن سفيان به ثم قال: غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب. ورأيت عبدالرحمن بن عبدالرحمن، يعنى الدارمي، روى هذا الحديث في كتبه عن عبدالله بن أبى زياد، وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه، ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وإنما روى عن الثوري عن أبى إسحاق، عن مجاهد مرسلا. وفى السنن الكبير للبيهقي قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث خطأ وإنما روى هذا عن الثوري مرسلا. قال البخاري: وكان زيد بن الحباب إذا روى خطأ، ربما غلط في الشئ. وأما ابن ماجه فرواه عن القاسم بن محمد بن عباد المهلبى، عن عبدالله بن داود الخريبى (1)، عن سفيان به. وهذه طريق لم يقف عليها الترمذي ولا البيهقى، [ وربما ] (2) ولا البخاري حيث تكلم في زيد بن الحباب ظانا أنه انفرد به وليس كذلك. والله أعلم. * * * طريق أخرى عن جابر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبى الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة، وطاف لهما طوافا واحدا.


(1) نسبة إلى الخريبة، وهى محلة بالبصرة. ثوفى سنة 211. اللباب 1 / 359. (2) ليست في ا. (*)

[ 265 ]

ثم قال: هذا حديث حسن. وفى نسخة صحيح. ورواه ابن حبان في صحيحه عن جابر، قال: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم إلا طوافا واحدا لحجه ولعمرته. قلت: حجاج هذا هو ابن أرطاة، وقد تكلم فيه غير واحد من الائمة. ولكن قد روى من وجه آخر، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله أيضا. كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا مقدم بن محمد، حدثنى عمى القاسم ابن يحيى بن مقدم، عن عبدالرحمن بن عثمان بن خثيم، عن أبى الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم فقرن بين الحج والعمرة وساق الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يقلد الهدى فليجعلها عمرة. ثم قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد. انفرد بهذه الطريق البزار في مسنده، وإسنادها غريب جدا، وليست في شئ من الكتب الستة من هذا الوجه. والله أعلم. رواية أبى طلحة زيد بن سهل الانصاري رضى الله عنه قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج - هو ابن أرطاة - عن الحسن ابن سعد، عن ابن عباس، قال: أخبرني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة. ورواه ابن ماجه عن على بن محمد، عن أبى معاوية بإسناده، ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة. الحجاج بن أرطاة فيه ضعف والله أعلم.

[ 266 ]

رواية سراقة بن مالك بن جعشم قال الامام أحمد: حدثنا مكى بن إبراهيم، حدثنا داود - يعنى ابن سويد - سمعت عبدالملك الزراد، يقول: سمعت النزال بن سبرة صاحب على يقول: سمعت سراقة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. قال: وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. رواية سعد بن أبى وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تمتع بالحج إلى العمرة وهو القران قال الامام مالك عن ابن شهاب، عن محمد بن عبدالله بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبى وقاص، والضحاك بن قيس عام حج معاوية ابن أبى سفيان يذكر التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يابن أخى ! فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن مالك به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سليمان - يعنى التيمى - حدثنى غنيم، قال سألت ابن أبى وقاص عن المتعة فقال: فعلناها وهذا كافر بالعرش - يعنى معاوية - هكذا رواه مختصرا.


(1) ا: زيد. (*)

[ 267 ]

وقد رواه مسلم في صحيحه، من حديث سفيان بن سعيد الثوري وشعبة ومروان الفزارى ويحيى بن سعيد القطان، أربعتهم عن سليمان بن طرخان التيمى، سمعت غنيم ابن قيس، سألت سعد بن أبى وقاص عن المتعة فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش قال يحيى بن سعيد في روايته - يعنى معاوية -. ورواه عبد الرزاق عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك، كلاهما عن سليمان التيمى، عن غنيم بن قيس، سألت سعدا عن التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال: فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش - يعنى مكة ويعنى به معاوية -. وهذا الحديث الثاني أصح إسنادا، وإنما ذكرناه اعتضادا لا اعتمادا، والاول صحيح الاسناد، وهذا أصرح في المقصود من هذا. والله أعلم. رواية عبدالله بن أبى أوفى (1) قال الطبراني: حدثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصرى، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا يزيد بن عطاء، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن عبدالله بن أبى أوفى، قال: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لانه علم أنه لم يكن حاجا بعد ذلك العام. رواية عبدالله بن عباس في ذلك قال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا داود - يعنى القطان - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة، والرابعة التى مع حجته. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن داود بن عبدالرحمن العطار


(1) سقط من ا. (*)

[ 268 ]

المكى، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس به، وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه الترمذي عن سعيد بن عبدالرحمن، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة مرسلا. ورواه الحافظ البيهقى من طريق أبى الحسن على بن عبد العزيز البغوي، عن الحسن بن الربيع وشهاب بن عباد، كلاهما عن داود بن عبدالرحمن العطار. فذكره. وقال: والرابعة التى قرن مع الحجة. ثم قال أبو الحسن على بن عبد العزيز: ليس أحد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود بن عبدالرحمن. ثم حكى البيهقى عن البخاري أنه قال: داود بن عبدالرحمن صدوق، إلا أنه ربما يتهم في الشئ. وقد تقدم ما رواه البخاري من طريق ابن عباس، عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق: أتانى آت من ربى فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة. فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه، والله أعلم. رواية عبدالله بن عمر رضى الله عنهما قد تقدم فيما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر، أنه قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهدى فساق الهدى من ذى الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وذكر تمام الحديث في عدم إحلاله بعد السعي. فعلم كما قررناه أولا أنه عليه السلام لم يكن متمتعا التمتع الخاص وإنما كان قارنا، لانه حكى أنه عليه السلام لم يكن متمتعا، اكتفى بطواف واحد بين الصفا والمروة عن حجه وعمرته.

[ 269 ]

وهذا شأن القارن على مذهب الجمهور. كما سيأتي بيانه. والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف طوافا واحدا لاقرانه، لم يحل بينهما، واشترى من الطريق - يعنى الهدى - وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، إلا أن يحيى بن يمان وإن كان من رجال مسلم في أحايثه ؟ عن الثوري نكارة شديدة. والله أعلم. ومما يرجح أن ابن عمر أراد بالافراد الذى رواه إفراد أفعال الحج، لا الافراد الخاص الذى يشير إليه أصحاب الشافعي، وهو الحج ثم الاعتمار بعده في بقية ذى الحجة، قول الشافعي: أنبأنا مالك، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر، أنه قال: لان أعتمر قبل الحج وأهدى أحب إلى من أن أعتمر بعد الحج في ذى الحجة. رواية عبدالله بن عمرو رضى الله عنهما قال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد - يعنى الزبيري - حدثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قرن خشية أن يصد عن البيت وقال: إن لم يكن حجة فعمرة. وهذا حديث غريب سندا ومتنا، تفرد بروايته الامام أحمد. وقد قال أحمد في يونس بن الحارث الثقفى هذا: كان مضطرب الحديث. وضعفه وكذا ضعفه يحيى بن معين في رواية عنه والنسائي. وأما من حيث المتن فقوله: " إنما قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يصد عن البيت " فمن الذى كان يصده عليه السلام عن البيت وقد أطد (1) الله له الاسلام وفتح البلد الحرام، وقد نودى برحاب منى أيام الموسم في العام الماضي: أن لا يحج بعد العام


(1) أطد: ثبت. (*)

[ 270 ]

مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وقد كان معه عليه السلام في حجة الوداع قريب من أربعين ألفا، فقوله: " خشية أن يصد عن البيت " عجيب. وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلى بن أبى طالب حين قال له على: لقد علمت انا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أجل ولكنا كنا خائفين. ولست أدرى علام يحمل هذا الخوف من أي جهة كان ! إلا أنه تضمن رواية الصحابي لما رواه وحمله على معنى ظنه، فما رواه صحيح مقبول، وما اعتقده ليس بمعصوم فيه، فهو موقوف عليه وليس بحجة على غيره، ولا يلزم منه رد الحديث الذى رواه. وهكذا قول عبدالله بن عمرو، لو صح السند إليه. والله أعلم. رواية عمران بن حصين رضى الله عنه قال الامام أحمد حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة عن حميد بن هلال سمعت مطرفا قال: قال لى عمران بن حصين: إنى محدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل قرآن فيه يحرمه، وإنه كان يسلم على فلما اكتويت أمسك عنى، فلما تركته عاد إلى. وقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، عن غندر، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، والنسائي عن محمد بن عبدالاعلى عن خالد بن الحارث، ثلاثتهم عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف، عن عمران به. ورواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، عن عمران بن الحصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة. الحديث.

[ 271 ]

قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حديث شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف صحيح. وأما حديثه عن قتادة عن مطرف فإنما رواه عن شعبة كذلك بقية بن الوليد. وقد رواه غندر وغيره عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة. قلت: وقد رواه أيضا النسائي في سننه، عن عمرو بن على الفلاس، عن خالد بن الحارث، عن شعبة. وفى نسخة عن سعيد بدل شعبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عمران ابن الحصين فذكره. والله أعلم. وثبت في الصحيحين من حديث همام عن قتادة عن مطرف عن عمران بن الحصين قال: تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات صلى الله عليه وسلم. رواية الهرماس بن زياد الباهلى قال عبدالله بن الامام أحمد: حدثنا عبدالله بن عمران بن على أبو محمد من أهل الرى، وكان أصله أصبهانيا، حدثنا يحيى بن الضريس، حدثنا عكرمة بن عمار، عن الهرماس، قال: كنت ردف أبى فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بعير وهو يقول: " لبيك بحجة وعمرة معا ". وهذا على شرط السنن، ولم يخرجوه. رواية حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضى الله عنها قال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن، عن مالك، عن نافع عن ابن عمر، عن حفصة أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم: مالك لم تحل من عمرتك ؟ قال: " إنى لبدت رأسي وقلدت هديى، فلا أحل حتى أنحر ". وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وعبيد الله بن عمر. زاد البخاري

[ 272 ]

وموسى بن عقبة. زاد مسلم: وابن جريج، كلهم عن نافع عن ابن عمر به. وفى لفظهما أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال: " إنى قلدت هديى ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر ". وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا شعيب بن أبى حمزة، قال: قال نافع: كان عبدالله ابن عمر يقول: أخبرتنا حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع. فقالت له فلانة: ما يمنعك أن تحل ؟ قال: " إنى لبدت رأسي وقلدت هديى، فلست أحل حتى أنحر هديى ". وقال أحمد أيضا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبى، عن أبى إسحاق، حدثنى نافع، عن عبدالله بن عمر، عن حفصة بنت عمر، أنها قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أن يحللن بعمرة، قلن: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا ؟ قال: " إنى أهديت ولبدت، فلا أحل حتى أنحر هديى ". ثم رواه أحمد عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة. فذكره. فهذا الحديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متلبسا بعمرة ولم يحل منها، وقد علم بما تقدم من أحاديث الافراد أنه كان قد أهل بحج أيضا، فدل مجموع ذلك أنه قارن، مع ما سلف من رواية من صرح بذلك. والله أعلم. رواية عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدى

[ 273 ]

فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انقضى رأسك وامتشطى وأهلي بالحج ودعى العمرة. ففعلت. فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبدالرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم، فاعتمرت. فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا. وكذلك رواه مسلم من حديث مالك، عن الزهري فذكره. ثم رواه عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فأهللت بعمرة، ولم أكن سقت الهدى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدى فليهل بالحج مع عمرته لا يحل حتى يحل منهما جميعا. وذكر تمام الحديث كما تقدم. والمقصود من إيراد هذا الحديث هاهنا قوله صلى الله عليه وسلم: " من كان معه هدى فليهل بحج وعمرة ". ومعلوم أنه عليه السلام قد كان معه هدى، فهو أول وأولى من ائتمر بهذا، لان المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه على الصحيح. وأيضا فإنها قالت: " وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا " يعنى بين الصفا والمروة. وقد روى مسلم عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما

[ 274 ]

طاف بين الصفا والمروة طوافا واحدا، فعلم من هذا أنه كان قد جمع بين الحج والعمرة. وقد روى مسلم من حديث حماد بن زيد، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فكان الهدى مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وذوى اليسار. وأيضا فإنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتحلل من النسكين، فلم يكن متمتعا، وذكرت أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمرها من التنعيم. وقالت: يا رسول الله ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج ! فبعثها مع أخيها عبدالرحمن بن أبى بكر فأعمرها من التنعيم. ولم يذكر أنه عليه السلام اعتمر بعد حجته، فلم يكن مفردا، فعلم أنه كان قارنا، لانه كان باتفاق الناس قد اعتمر في حجة الوداع. والله أعلم. * * * وقد تقدم ما رواه الحافظ البيهقى من طريق يزيد بن هارون، عن زكريا بن أبى زائدة عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب، أنه قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلهن في ذى القعدة، فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التى حج معها وقال البيهقى في الخلافيات: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا أبو محمد ابن حسان الاصبهاني، أنبأنا إبراهيم بن شريك، أنبأنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن مجاهد، قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: مرتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى العمرة التى قرنها مع حجة الوداع. ثم قال البيهقى: وهذا إسناد لا بأس به، لكن فيه إرسال. مجاهد لم يسمع من عائشة في قول بعض المحدثين.

[ 275 ]

قلت: كان شعبة ينكره، وأما البخاري ومسلم فإنهما أثبتاه. والله أعلم. وقد روى من حديث القاسم بن عبدالرحمن بن أبى بكر وعروة بن الزبير وغير واحد عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه الهدى عام حجة الوداع. وفى إعمارها من التنعيم ومصادفتها له منهبطا على أهل مكة وبيتوته بالمحصب حتى صلى الصبح بمكة ثم رجع إلى المدينة. وهذا كله مما يدل على أنه عليه السلام لم يعتمر بعد حجته تلك، ولم أعلم أحدا من الصحابة نقله. ومعلوم أنه لم يتحلل بين النسكين، ولا روى أحد أنه عليه السلام بعد طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة حلق ولا قصر ولا تحلل، بل استمر على إحرامه باتفاق، ولم ينقل أنه أهل بحج لما سار إلى منى، فعلم أنه لم يكن متمتعا. وقد اتفقوا على أنه عليه السلام اعتمر عام حجة الوداع فلم يتحلل بين النسكين ولا أنشأ إحراما للحج ولا اعتمر بعد الحج، فلزم القران. وهذا مما يعسر الجواب عنه والله أعلم. وأيضا فإن رواية القران مثبتة لما سكت عنه أو نفاه من روى الافراد والتمتع، فهى مقدمة عليها، كما هو مقرر في علم الاصول. وعن أبى عمران أنه حج مع مواليه، قال: فأتيت أم سلمة فقلت: يا أم المؤمنين إنى لم أحج قط، فأيهما أبدأ بالعمرة أم بالحج ؟ قالت: ابدأ بأيهما شئت. قال: ثم أتيت صفية أم المؤمنين فسألتها فقالت لى مثل ما قالت لى، ثم جئت أم سلمة فأخبرتها بقول صفية فقالت لى أم سلمة: سمعت، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا آل محمد من حج منكم فليهل بعمرة في حجة ". رواه ابن حبان في صحيحه، وقد رواه ابن حزم في حجة الوداع من حديث الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أسلم، [ عن ] (1) أبى عمران، عن أم سلمة به.


(1) ليست في ا. (*)

[ 276 ]

فصل إن قيل: قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه عليه السلام أفرد الحج، ثم رويتم عن هؤلاء بأعيانهم وعن غيرهم أنه جمع بين الحج والعمرة، فما الجمع من ذلك ؟ فالجوب: أن رواية من روى أنه أفرد الحج محمولة على أنه أفرد أفعال الحج، ودخلت العمرة فيه نية وفعلا ووقتا. وهذا يدل على أنه اكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها، كما هو مذهب الجمهور في القارن خلافا لابي حنيفة رحمه الله، حيث ذهب إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، واعتمد على ما روى في ذلك عن على بن أبى طالب وفى الاسناد إليه نظر. وأما من روى التمتع ثم روى القران، فقد قدمنا الجواب عن ذلك، بأن التمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والقران، بل ويطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج. كما قال سعد بن أبى وقاص: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا - يعنى معاوية - يومئذ كافر بالعرش - يعنى بمكة. وإنما يريد بهذا إحدى العمرتين، إما الحديبية أو القضاء، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية قد أسلم، لانها كانت بعد الفتح، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر، وهذا بين واضح. والله أعلم. فصل إن قيل: فما جوابكم عن الحديث الذى رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا هشام، عن قتادة، عن أبى شيخ الهنائى (1)، واسمه حيوان بن خالد، أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى


(1) في المشتبه 1 / 279: السبائى. (*)

[ 277 ]

عن صفف (1) النمور ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأنا أشهد. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا (2) ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة قالوا: اللهم لا. قال: والله إنها لمعهن. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن أبى شيخ الهنائى، قال: كنت في ملا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند معاوية فقال معاوية: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله نهى عن جلود النمور أن يركب عليها ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن لباس الذهب إلا مقطعا ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وتعلمون أنه نهى عن المتعة ؟ - يعنى متعة الحج - قالوا: اللهم لا. وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبى شيخ الهنائى، أنه شهد معاوية وعنده جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم معاوية: أتعلمون أن رسول الله نهى عن ركوب جلود النمور ؟ قالوا: نعم. قال: تعلمون أن رسول الله نهى عن لبس الحرير ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أتعلمون أن رسول الله نهى عن جمع بين حج وعمرة ؟ قالوا: اللهم لا. قال: فو الله إنها لمعهن. وكذا رواه حماد بن سلمة، عن قتادة، وزاد: ولكنكم نسيتم. وكذا رواه أشعث بن نزار وسعيد بن أبى عروبة وهمام عن قتادة بأصله ورواه مطر الوراق وبهيس بن فهدان، عن أبى شيخ، في متعة الحج. * * *


(1) الصفف: جمع صفة، وهى ما يفرش تحت السرج. (2) المقطع: الشئ اليسير منه كالحلقة. النهاية 3 / 296. (*)

[ 278 ]

فقد رواه أبو داود والنسائي من طرق عن أبى شيخ الهنائى به، وهو حديث جيد الاسناد. ويستغرب منه رواية معاوية رضى الله عنه النهى عن الجمع بين الحج، والعمرة. ولعل أصل الحديث النهى عن المتعة، فاعتقد الراوى أنها متعة الحج وإنما هي متعة النساء، ولم يكن عند أولئك الصحابة رواية في النهى عنها. أو لعل النهى عن الاقران (1) في التمر، كما في حديث ابن عمر، فاعتقد الراوى أن المراد القران في الحج، وليس كذلك. أو لعل معاوية رضى الله عنه إنما قال: أتعلمون أنه نهى عن كذا، فبناه بما لم يسم فاعله، فصرح الراوى بالرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووهم في ذلك، فإن الذى كان ينهى عن متعة الحج إنما هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ولم يكن نهيه عن ذلك على وجه التحريم والحتم، كما قدمنا. وإنما كان ينهى عنها لتفرد عن الحج بسفر آخر، لتكثر زيارة البيت. وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يهابونه كثيرا، فلا يتجاسرون على مخالفته غالبا، وكان ابنه عبدالله يخالفه فيقال له: إن أباك كان ينهى عنها. فيقول: لقد خشيت أن تقع عليكم حجارة من السماء ! قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفسنة رسول الله تتبع أو سنة عمر بن الخطاب ؟ ! وكذلك كان عثمان بن عفان رضى الله عنه ينهى عنها، وخالفه على بن أبى طالب كما تقدم، وقال: لا أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس. وقال عمران بن حصين: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزل قرآن


(1) الاقران: الجمع بين التمرتين في الاكل. (*)

[ 279 ]

يحرمه ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات. أخرجاه في الصحيحين. وفى صحيح مسلم عن سعد، أنه أنكر على معاوية إنكاره المتعة وقال: قد فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش. يعنى معاوية، أنه كان حين فعلوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا بمكة يومئذ. قلت: وقد تقدم أنه عليه السلام حج قارنا بما ذكرناه من الاحاديث الواردة في ذلك، ولم يكن بين حجة الوداع وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحد وثمانون يوما. وقد شهد الحجة ما ينيف عن أربعين ألف صحابي قولا منه وفعلا، فلو كان قد نهى عن القران في الحج الذى شهده منه الناس لم ينفرد به واحد من الصحابة ويرده عليه جماعة منهم ممن سمع منه ومن لم يسمع. فهذا كله مما يدل على أن هذا هكذا ليس محفوظا عن معاوية رضى الله عنه. والله أعلم. * * * وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبدالله بن القاسم الخراساني، عن سعيد بن المسيب، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب فشهد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذى قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج. وهذا الاسناد لا يخلو عن نظر. ثم إن كان هذا الصحابي عن معاوية، فقد تقدم الكلام على ذلك، ولكن في هذا النهى عن المتعة لا القران. وإن كان عن غيره فهو مشكل في الجملة، لكن لا على القران. والله أعلم.

[ 280 ]

ذكر مستند من قال إنه عليه الصلاة والسلام أطلق الاحرام ولم يعين حجا ولا عمرة أولا، ثم بعد ذلك صرفه إلى معين. وقد حكى عن الشافعي أنه الافضل، إلا أنه قول ضعيف. قال الشافعي رحمه الله: أنبأنا سفيان، أنبأنا ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة وهشام ابن حجير، سمعوا طاوسا يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمى حجا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهل بالحج ولم يكن معه هدى أن يجعلها عمرة، وقال: " لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى، ولكن لبدت رأسي وسقت هديى فليس لى محل إلا محل هديى ". فقام إليه سراقة بن مالك، فقال: يا رسول الله اقض لنا قضاء، كأنما ولدوا اليوم، أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للابد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل للابد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". قال: فدخل على من اليمن فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: بم أهللت ؟ فقال أحدهما: لبيك إهلال النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: لبيك حجة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مرسل عن طاوس وفيه غرابة. وقاعدة الشافعي رحمه الله أنه لا يقبل المرسل بمجرده حتى يعتضد بغيره، اللهم إلا أن يكون عن كبار التابعين كما عول عليه كلامه في الرسالة، لان الغالب أنهم لا يرسلون إلا عن الصحابة. والله أعلم.

[ 281 ]

وهذا المرسل ليس من هذا القبيل، بل هو مخالف للاحاديث المتقدمة كلها، أحاديث الافراد وأحاديث التمتع وأحاديث القران، وهى مسندة صحيحة كما تقدم، فهى مقدمة عليه، ولانها مثبتة أمرا نفاه هذا المرسل، والمثبت مقدم على النافي لو تكافأ، فكيف والمسند صحيح، والمرسل من حيث [ هو ] لا ينهض حجة لانقطاع سنده. والله تعالى أعلم. * * * وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا محاضر، حدثنا الاعمش، عن إبراهيم، عن الاسود، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجا ولا عمرة، فلما قدمنا أمرنا أن نحل، فلما كانت ليلة النفر حاضت صفية بنت حيى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " حلقى عقرى (1) ! ما أراها إلا حابستكم ". قال: هل كنت طفت يوم النحر ؟ قالت: نعم. قال: فانفرى. قالت: قلت: يا رسول الله إنى لم أكن أهللت. قال: " فاعتمري من التنعيم " قال: فخرج معها أخوها، قالت: فلقينا مدلجا. فقال: موعدك كذا وكذا. هكذا رواه البيهقى. وقد رواه البخاري عن محمد، قيل هو ابن يحيى الذهلى، عن محاضر بن المورع به. إلا أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج. وهذا أشبه بأحاديثها المتقدمة. لكن روى مسلم عن سويد بن سعيد، عن على بن مسهر، عن الاعمش، عن


(1) حلقى عقرى: أي تعقر قومها وتحلقهم. والعقري: الحائض. يضرب للتشاؤم. (*)

[ 282 ]

إبراهيم، عن الاسود، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجا ولا عمرة. وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث منصور، عن إبراهيم، عن الاسود عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج. وهذا أصح وأثبت. والله أعلم. وفى رواية لها من هذا الوجه: خرجنا نلبي ولا نذكر حجا ولا عمرة. وهو محمول على أنهم لا يذكرون ذلك مع التلبية، وكانوا قد سموه حال الاحرام، كما في حديث أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لبيك اللهم حجا وعمرة " وقال أنس: وسمعتهم يصرخون بهما جميعا. فأما الحديث الذى رواه مسلم من حديث داود بن أبى هند، عن أبى نضرة، عن جابر وأبى سعيد الخدرى، قالا: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا. فإنه حديث مشكل على هذا. والله أعلم.

[ 283 ]

ذكر تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع عن عبدالله بن عمر، أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لك، لا شريك لك ". وكان عبدالله بن عمر يزيد فيها: لبيك لك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. ورواه البخاري عن عبدالله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به. وقال مسلم: حدثنا محمد بن عباد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبدالله بن عمر، [ و ] عن نافع مولى عبدالله بن عمر وحمزة بن عبدالله بن عمر، عن عبدالله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهل فقال: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لك، لا شريك لك ". قالوا: وكان عبدالله يقول: هذه (1) تلبية رسول الله. قال نافع: وكان عبدالله يزيد مع هذا: لبيك لبيك، لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل. حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: تلقفت التلبية من [ في ] رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر بمثل حديثهم. حدثنى حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: فإن (2) سالم بن عبدالله بن عمر أخبرني عن أبيه، قال سمعت رسول الله صلى الله


(1) الاصل: في تلبية، وما أثبته عن مسلم. (2) الاصل: قال، وما أثبته عن مسلم. (*)

[ 284 ]

عليه وسلم يهل ملبدا يقول: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " لا يزيد على هؤلاء الكلمات. وإن عبدالله بن عمر كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذى الحليفة ركعتين، فإذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات. وقال عبدالله بن عمر: كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات، وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك والخير في يديك لبيك والرغباء إليك والعمل. هذا لفظ مسلم، وفى حديث جابر من التلبية كما في حديث ابن عمر، وسيأتى مطولا قريبا، رواه مسلم منفردا به. * * * وقال البخاري بعد إيراده من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ما تقدم: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الاعمش، عن عمارة، عن أبى عطية، عن عائشة، قالت: إنى لاعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبى: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك ". تابعه أبو معاوية عن الاعمش. وقال شعبة: أخبرنا سليمان، سمعت خيثمة، عن أبى عطية، سمعت عائشة. تفرد به البخاري. وقد رواه الامام أحمد عن عبدالرحمن بن مهدى، عن سفيان الثوري، عن سليمان ابن مهران الاعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبى عطية الوادي، عن عائشة، فذكر مثل ما رواه البخاري سواء.

[ 285 ]

ورواه أحمد عن أبى معاوية، وعبد الله بن نمير، عن الاعمش، كما ذكره البخاري سواء. ورواه أيضا عن محمد بن جعفر وروح بن عبادة، عن شعبة، عن سليمان بن مهران الاعمش به كما ذكره البخاري. وكذلك رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة سواء. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الاعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبى عطية، قال قالت عائشة: إنى لاعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى. قال: ثم سمعتها تلبي فقالت: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. فزاد في هذا السياق وحده: والملك لا شريك لك. * * * وقال البيهقى: أخبرنا الحاكم، أنبأنا الاصم، حدثنا محمد بن عبدالله بن عبد الحكم أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد العزيز بن عبدالله بن أبى سلمة أن عبدالله بن الفضل حدثه، عن عبدالرحمن الاعرج، عن أبى هريرة، أنه قال: كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لبيك إله الحق ". وقد رواه النسائي عن قتيبة، عن حميد بن عبدالرحمن، عن عبد العزيز بن أبى سلمة وابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، وعلى بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن عبد العزيز به. قال النسائي: ولا أعلم أحدا أسنده عن عبدالله بن الفضل إلا عبد العزيز. ورواه إسماعيل بن أمية مرسلا. وقال الشافعي: أنبأنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، أخبرني حميد الاعرج، عن مجاهد، أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية: لبيك اللهم لبيك. فذكر التلبية.

[ 286 ]

قال: حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة. قال ابن جريج: وحسبت أن ذلك يوم عرفة. هذا مرسل من هذا الوجه. * * * وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أخبرنا عبدالله الحافظ، أخبرني أبو أحمد يوسف ابن محمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا نصر بن على الجهضمى، حدثنا محبوب بن الحسن، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات فلما قال: لبيك اللهم لبيك. قال: إنما الخير خير الآخرة. وهذا إسناد غريب، وإسناده على شرط السنن ولم يخرجوه. وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أسامة بن زيد، حدثنى عبدالله بن أبى لبيد، عن المطلب بن عبدالله بن حنطب، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرنى جبرائيل برفع الصوت في الاهلال فإنه من شعائر الحج. تفرد به أحمد. وقد رواه البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن محمد بن عبدالله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان وعبد الله بن أبى لبيد، عن المطلب، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكره. وقد قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن ابن أبى لبيد، عن المطلب بن حنطب، عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج.

[ 287 ]

وكذا رواه ابن ماجه، عن على بن محمد، عن وكيع، عن الثوري به. وكذلك رواه شعبة وموسى بن عقبة، عن عبدالله بن أبى لبيد به. وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبدالله بن أبى لبيد، عن المطلب بن عبدالله بن حنطب، عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد الجهنى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاءني جبرائيل فقال: يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج. * * * قال شيخنا أبو الحجاج المزى في كتابه " الاطراف ": وقد رواه معاوية عن هشام، وقبيصة، عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن أبى لبيد، عن المطلب، عن خلاد بن السائب، عن أبيه، عن زيد بن خالد به. وقال أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبى بكر، عن عبدالملك ابن أبى بكر بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب بن خلاد، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أتانى جبرائيل فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالاهلال. وقال أحمد: قرأت على عبدالرحمن بن مهدى، عن مالك، وحدثنا روح، حدثنا مالك، يعنى ابن أنس، عن عبدالله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبدالملك ابن أبى بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب الانصاري، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أتانى جبرائيل فأمرني أن آمر أصحابي - أو من معى - أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالاهلال - يريد أحدهما. وكذلك رواه الشافعي عن مالك. ورواه أبو داود عن القعنبى، عن مالك به ورواه الامام أحمد أيضا من حديث ابن جريج، والترمذي والنسائي وابن ماجه

[ 288 ]

من حديث سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبى بكر به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحافظ البيهقى: ورواه ابن جريج، قال: كتب إلى عبدالله بن أبى بكر فذكره. ولم يذكر أبا خلاد في إسناده. قال: والصحيح رواية مالك وسفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبى بكر، عن عبدالملك، عن خلاد بن السائب، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. قاله البخاري وغيره. كذا قال. وقد قال الامام أحمد في مسند السائب ابن خلاد بن سويد أبى سهلة الانصاري: حدثنا محمد بن بكر، أنبأنا ابن جريج، وحدثنا روح، حدثنا ابن جريج، قال: كتب إلى عبدالله بن أبى بكر محمد بن عمرو ابن حزم، عن عبدالملك بن أبى بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد ابن السائب الانصاري، عن أبيه السائب بن خلاد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أتانى جبرائيل فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية والاهلال. وقال روح: بالتلبية أو الاهلال. قال: لا أدرى أينا، وهل أنا أو عبدالله أو خلاد في الاهلال أو التلبية. هذا لفظ أحمد في مسنده. وكذلك ذكره شيخنا في أطرافه عن ابن جريج كرواية مالك وسفيان بن عيينة. فالله أعلم.

[ 289 ]

فصل في إيراد حديث جابر بن عبدالله رضى الله عنه في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وحده منسك مستقل، رأينا أن إيراده هاهنا أنسب، لتضمنه التلبية وغيرها، كما سلف وما سيأتي. فنورد طرقه وألفاظه، ثم نتبعه بشواهده من الاحاديث الواردة في معناه. وبالله المستعان. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنى أبى، قال: أتينا جابر بن عبدالله وهو في بنى سلمة، فسألناه عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في المدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج في هذا العام. قال: فنزل المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويفعل ما يفعل. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس (1) بقين من ذى القعدة، وخرجنا معه حتى إذا أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع ؟ قال: اغتسلي ثم استثفرى (2) بثوب، ثم أهلى.


(1) ا: لعشر. (2) الاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويا. (*)

[ 290 ]

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. ولبى الناس، والناس يزيدون: ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبى صلى الله عليه وسلم يسمع فلم يقل لهم شيئا. فنظرت مد بصرى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش، ومن خلفه كذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك. قال جابر: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شئ عملناه. فخرجنا لا ننوى إلا الحج، حتى إذا أتينا الكعبة فاستلم نبى الله صلى الله عليه وسلم الحجر الاسود، ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " (1). قال أحمد: وقال أبو عبد الله - يعنى جعفر -: فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون. ثم استلم الحجر وخرج إلى الصفا ثم قرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " (2). ثم قال: نبدأ بما بدأ الله به. فرقى على الصفا، حتى إذا نظر إلى البيت كبر، ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده وصدق وعده وهزم - أو غلب - الاحزاب وحده " ثم دعا. ثم رجع إلى هذا الكلام. ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى، حتى أتى المروة فرقى عليها حتى نظر إلى البيت، فقال عليها كما قال على الصفا، فلما كان السابع عند


(1) سورة البقرة 125. (2) سورة البقرة 158. (*)

[ 291 ]

المروة قال: يا أيها الناس إنى لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدى فليحل وليجعلها عمرة. فحل الناس كلهم. فقال سراقة بن مالك بن جعشم وهو في أسفل الوادي: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للابد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه فقال: للابد. ثلاث مرات. ثم قال: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". * * * قال: وقدم على من اليمن بهدى وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه من هدى المدينة هديا، فإذا فاطمة قد حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أمرنى به أبى. قال: على بالكوفة: قال جعفر " قال " أي هذا الحرف لم يذكره جابر. فذهبت محرشا (1) أستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذى ذكرت فاطمة، قلت: إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا واكتحلت وقالت: أمرنى أبى. قال: صدقت صدقت، أنا أمرتها به. وقال جابر: وقال لعلى: بم أهللت ؟ قال: قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسولك. قال: ومعى الهدى. قال: فلا تحل. قال: وكان جماعة الهدى الذى أتى به على من اليمن والذى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثا وستين ثم أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة (2) فجعلت في قدر، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر. ووقف


(1) محرشا: مغريا الرسول بمؤاخذتها. (2) البضعة: القطعة من اللحم. (*)

[ 292 ]

بعرفة فقال: وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف. ووقف بالمزدلفة وقال: وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف. هكذا أورد الامام أحمد هذا الحديث، وقد اختصر آخره جدا. ورواه الامام مسلم بن الحجاج في المناسك من صحيحه، عن أبى بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن ابراهيم، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله فذكره. وقد أعلمنا في الزيادات المتفاوتة من سياق أحمد ومسلم، إلى قوله عليه السلام لعلى: صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج ; قال: قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم. قال: فإن معى الهدى. قال: فلا تحل. قال: فكان جماعة الهدى الذى قدم به على من اليمن والذى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدى. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة (1). فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه (2) واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها.


(1) نمرة: موضع بجنب عرفات، وليس منها. (2) إلا أنه: في أنه. فإلا زائدة، وإن في موضع نصب على إسقاط الجار. والمشعر الحرام: جبل في المزدلفة يقال له قزح. (*)

[ 293 ]

حتى إذا زاغت (1) الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث (2) كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كله. واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها (3) على الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات. ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة (4) بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق (5) للقصواء الزمام حتى إن رأسها لتصيب مورك (6)


(1) زاغت: مالت. (2) قيل اسمه آدم، وقيل تمام. الروض الانف 2. (3) ينكتها: يقلبها ويرددها مشيرا إلى الناس وفى مسلم: إلى الناس.. (4) جبل المشاة: يروى بالحاء وبالجيم. ومعناه بالجيم الطريق. وبالحاء مجتمع المشاة. (5) شنق: ضيق. (6) المورك: الموضع الذى يجعل عليه الراكب رجله. (*)

[ 294 ]

رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة. كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد. حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا. فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن العباس، وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، فحول الفضل يده إلى الشق الآخر، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر. حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها [ مثل ] حصى الخذف (1)، رمى من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبدالمطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بنى عبدالمطلب، فلولا أن


(1) الخذف: حصى صغار يرمى باصبعين. وهو مصدر سمى به. (*)

[ 295 ]

يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا فشرب منه. ثم رواه مسلم عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر فذكره بنحوه. وذكر قصة أبى سيارة (1)، وأنه كان يدفع بأهل الجاهلية على حمار عرى (2) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم. ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع (3) كلها موقف. وقد رواه أبو داود بطوله عن النفيلى وعثمان بن أبى شيبة، وهشام بن عمار وسليمان ابن عبدالرحمن. وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشئ، أربعتهم عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، بنحو من رواية مسلم. وقد رمزنا لبعض زياداته عليه. ورواه أبو داود أيضا والنسائي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن جعفر به. ورواه النسائي أيضا عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد ببعضه، عن إبراهيم بن هارون البلخى، عن حاتم بن إسماعيل ببعضه.


(1) الاصل أبى سنان، وهو تحريف (2) العرى: مالا سرج عليه. (3) جمع: المزدلفة. (*)

[ 296 ]

ذكر الاماكن التى صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب من المدينة إلى مكة في عمرته وحجته قال البخاري: باب المساجد التى على طريق المدينة، والمواضع التى صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمى، قال: حدثنا فضيل بن سليمان، قال: حدثنا موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبدالله يتحرى أماكن من الطريق فيصلى فيها ويحدث أن أباه كان يصلى فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلى في تلك الامكنة. وحدثني نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهما، أنه كان يصلى في تلك الامكنة، وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الامكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء. قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أنس بن عياض، قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبدالله بن عمر أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذى الحليفة حين يعتمر وفى حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذى بذى الحليفة، وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو في حج أو عمرة هبط من بطن واد، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التى على شفير الوادي الشرقية فعرس (1) ثم حتى يصبح ليس عند المسجد الذى بحجارة ولا على الاكمة التى عليها المسحد، كان ثم خليج (2) يصلى عبدالله عنده في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلى، فدحا (3) السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذى كان عبدالله يصلى فيه.


(1) عرس: نزل ليستريح. (2) الخليج: واد له عمق (3) دحا: دفع. (*)

[ 297 ]

وأن عبدالله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذى دون المسجد الذى بشرف الروحاء، وقد كان عبدالله يعلم المكان الذى كان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ثم عن يمينك حنى تقوم في المسجد تصلى، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة، بينه وبين المسجد الاكبر رمية بحجر أو نحو ذلك. وأن ابن عمر كان يصلى إلى العرق الذى عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الذى بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتنى ثم مسجد، فلم يكن عبدالله يصلى في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلى أمامه إلى العرق نفسه، وكان عبدالله يروح من الروحاء فلا يصلى الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلى فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلى بها الصبح. وأن عبدالله حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة (1) ضخمة دون الرويثة (2) عن يمين الطريق ووجاه الطريق في مكان بطح (3) سهل، حتى يفضى من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين، وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وهى قائمة على ساق وفى ساقها كثب كثيرة. وأن عبدالله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في طرف تلعة (4) من وراء العرج وأنت ذاهب إلى هضبة، عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، على القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق عند سلمات (5) الطريق بين أولئك السلمات كان


(1) السرحة: الشجرة لا شوك فيها (2) الرويثة: منهل من المناهل بين مكة والمدينة: المراصد. (3) الصلح: المسيل الواسع (4) التلعة: ما ارتفع من الارض، وما انخفض. (5) السلمات: أشجار لسلم. (*)

[ 298 ]

عبدالله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلى الظهر في ذلك المسجد. وأن عبدالله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشى (1) ; ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى، بينه وبين الطريق قريب من غلوة (2) وكان عبدالله يصلى إلى سرحة هي أقرب السرحات إلى الطريق، وهى أطولهن. وأن عبدالله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذى في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر. وأن عبدالله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذى طوى ويبيت حتى يصبح يصلى الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة، وليس في المسجد الذى بنى ثم، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة. وأن عبدالله حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذى بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذى بنى ثم يسار المسجد بطرف الاكمة، مصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الاكمة السوداء، تدع من الاكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تصلى مستقبل الفرضتين من الجبل الذى بينك وبين الكعبة. * * *


(1) هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة (2) الغلوة: قدر مرماة السهم. (*)

[ 299 ]

تفرد البخاري رحمه الله بهذا الحديث بطوله وسياقه، إلا أن مسلما روى منه عند قوله في آخره: " وأن عبدالله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذى طوى " إلى آخر الحديث، عن محمد بن إسحاق المسيبى، عن أنس عن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وقد رواه الامام أحمد بطوله عن أبى قرة موسى بن طارق، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر به نحوه. وهذه الاماكن لا يعرف اليوم كثير منها أو أكثرها، لانه قد غير أسماء أكثر هذه البقاع اليوم عند هؤلاء الاعراب الذين هناك، فإن الجهل قد غلب على أكثرهم. وإنما أوردها البخاري رحمه الله في كتابه لعله أحدا يهتدى إليها بالتأمل والتفرس والتوسم، أو لعل أكثرها أو كثيرا منها كان معلوما في زمان البخاري. والله تعالى أعلم.

[ 300 ]

باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة شرفها الله عزوجل قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن عبدالله، حدثنى نافع، عن ابن عمر، قال: بات النبي صلى الله عليه وسلم بذى طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة. وكان ابن عمر يفعله. ورواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به، وزاد: " حتى صلى الصبح، أو قال: حتى أصبح ". وقال مسلم: حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارا، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله. ورواه البخاري من حديث حماد بن زيد، عن أيوب به. ولهما من طريق أخرى، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذى طوى. وذكره. وتقدم آنفا ما أخرجاه من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت بذى طوى حتى يصبح، فيصلى الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أكمة غليظة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذى بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذى بنى ثم يسار المسجد بطرف الاكمة، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الاكمة السوداء، يدع من الاكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم يصلى مستقبل الفرضتين من الجبل الذى بينك وبين الكعبة.

[ 301 ]

أخرجاه في الصحيحين. * * * وحاصل هذا كله: أنه عليه السلام لما انتهى في مسيره إلى ذى طوى ؟ وهو قريب من مكة متاخم للحرم، أمسك عن التلبية، لانه قد وصل إلى المقصود، وبات بذلك المكان حتى أصبح، فصلى هنالك الصبح في المكان الذى وصفوه بين فرضتي الجبل الطويل هنالك. ومن تأمل هذه الاماكن المشار إليها بعين البصيرة عرفها معرفة جيدة وتعين له المكان الذى صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم اغتسل صلوات الله وسلامه عليه لاجل دخول مكة، ثم ركب ودخلها نهارا جهرة علانية من الثنية العليا التى بالبطحاء. ويقال كداء ليراه الناس ويشرف عليهم، وكذلك دخل منها يوم الفتح كما ذكرناه. قال مالك عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى. أخرجاه في الصحيحين من حديثه ولهما من طريق عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التى في البطحاء، وخرج من الثنية السفلى. ولهما أيضا من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مثل ذلك. * * * ولما وقع بصره عليه السلام على البيت قال ما رواه الشافعي في مسنده: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: " اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه، ومن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا ".

[ 302 ]

قال الحافظ البيهقى: هذا منقطع، وله شاهد مرسل عن سفيان الثوري، عن أبى سعيد الشامي، عن مكحول، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال: " اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا، وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا ". وقال الشافعي: أنبأنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: حدثت عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ترفع الايدى في الصلاة وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة وبجمع، وعند الجمرتين وعلى الميت ". قال الحافظ البيهقى: وقد رواه محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع عن ابن عمر، مرة موقوفا عليهما ومرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الميت. قال: وابن أبى ليلى هذا غير قوى. * * * ثم إنه عليه السلام دخل المسجد من باب بنى شيبة. قال الحافظ البيهقى: روينا عن ابن جريج، عن عطاء بن أبى رباح، قال: يدخل المحرم من حيث شاء. قال: ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من باب بنى شيبة وخرج من باب بنى مخزوم إلى الصفا. ثم قال البيهقى: وهذا مرسل جيد. وقد استدل البيهقى على استحباب دخول المسجد من باب بنى شيبة، بما رواه من طريق أبى دواد الطيالسي، حدثنا حماد بن سلمة، وقيس بن سلام، كلهم عن سماك بن حرب

[ 303 ]

عن خالد بن عرعرة، عن على رضى الله عنه، قال، لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه، فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بنى شيبة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه. وقد ذكرنا (1) هذا مبسوطا في باب بناء الكعبة قبل البعثة. وفى الاستدلال على استحباب الدخول من باب بنى شيبة بهذا نظر. والله أعلم.


(1) تقدم ذلك في الجزء الاول. (*)

[ 304 ]

صفة طوافه صلوات الله وسلامه عليه قال البخاري: حدثنا أصبغ بن الفرج، عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن محمد، عن محمد بن عبدالرحمن، قال ذكرت لعروة قال: أخبرتني عائشة: أن أول شئ بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر وعمر مثله، ثم حججت مع أبى الزبير، فأول شئ بدأ به الطواف، ثم رأيت المهاجرين والانصار يفعلونه، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. هذا لفظه. وقد رواه في موضع آخر عن أحمد بن عيسى، ومسلم، عن هارون بن سعيد، ثلاثتهم عن ابن وهب به. وقولها: " ثم لم تكن عمرة " يدل على أنه عليه السلام لم يتحلل بين النسكين. * * * ثم كان أول ما ابتدأ به عليه السلام استلام الحجر الاسود قبل الطواف، كما قال جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا. وقال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، عن عمر، أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال: إنى لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأبى بكر بن أبى شيبة وزهير بن حرب وابن أبى نمير، جميعا عن أبى معاوية، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إنى لاعلم (1) أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.


(1) مسلم: إنى لاقبلك وأعلم. (*)

[ 305 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيدة وأبو معاوية، قالا: حدثنا الاعمش، عن إبراهيم بن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر أتى الحجر فقال: أما والله لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك. ثم دنا فقبله. فهذا السياق يقتضى أنه قال ما قال ثم قبله بعد ذلك، بخلاف سياق صاحبي الصحيح. فالله أعلم. وقال أحمد: حدثنا وكيع ويحيى واللفظ لوكيع، عن هشام، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب أتى الحجر فقال: إنى لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. وقال: ثم قبله. وهذا منقطع بين عروة بن الزبير وبين عمر. وقال البخاري أيضا: حدثنا سعيد بن أبى مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبى كثير، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال للركن: أما والله إنى لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك. فاستلمه. ثم قال: وما لنا والرمل، إنما كنا راءينا به المشركين ولقد أهلكهم الله. ثم قال: شئ صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه. وهذا يدل على أن الاستلام تأخر عن القول. وقال البخاري: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ورقاء، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال: لولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وقال مسلم بن الحجاج: حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، هو ابن

[ 306 ]

يزيد الايلى، وعمرو، وهو ابن دينار. ح. وحدثنا هارون بن سعيد الايلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن سالم، أن أباه حدثه أنه قال: قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. زاد هارون في روايته: قال عمرو: وحدثني بمثلها زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم - يعنى عن عمر - به. وهذا صريح في أن التقبيل تقدم على القول. فالله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا عبدالله، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر ثم قال: قد علمت أنك حجر، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك. هكذا رواه الامام أحمد. وقد أخرجه مسلم في صحيحه، عن محمد بن أبى بكر المقدمى، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر، قبل الحجر وقال: إنى لاقبلك وإنى لاعلم أنك حجر، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك. ثم قال مسلم: حدثنا خلف بن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة، كلهم عن حماد قال خلف: حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم الاحول، عن عبدالله بن سرجس، قال: رأيت الاصلع - يعنى عمر - يقبل الحجر ويقول: والله إنى لاقبلك وإنى لاعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وفى رواية المقدمى وأبى كامل: رأيت الاصيلع. وهذا من أفراد مسلم دون البخاري.

[ 307 ]

وقد رواه الامام أحمد عن أبى معاوية، عن عاصم الاحول، عن عبدالله بن سرجس به. ورواه أحمد أيضا عن غندر، عن شعبة، عن عاصم الاحول به. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، عن سفيان، عن إبراهيم بن عبدالاعلى، عن سويد بن غفلة، قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إنى لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكني رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيا. ثم رواه أحمد عن وكيع، عن سفيان الثوري به. وزاد: فقبله والتزمه. وهكذا رواه مسلم من حديث عبدالرحمن بن مهدى بلا زيادة، ومن حديث وكيع بهذه الزيادة: قبل الحجر والتزمه وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب أكب على الركن وقال: إنى لاعلم أنك حجر، ولو لم أر حبيبي صلى الله عليه وسلم قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ". وهذا إسناد جيد قوى، ولم يخرجوه. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن عثمان القرشى ; من أهل مكة، قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ثم قال: رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه. ثم قال عمر: لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم قبله ما قبلته. وهذا أيضا إسناد حسن، ولم يخرجه إلا النسائي، عن عمرو بن عثمان، عن

[ 308 ]

الوليد بن مسلم، عن حنظلة بن أبى سفيان، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر فذكر نحوه. وقد روى هذا الحديث عن عمر الامام أحمد أيضا من حديث يعلى بن أمية عنه، وأبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق هشام بن حشيش بن الاشقر ; عن عمر. وقد أوردنا ذلك كله بطرقه وألفاظه وعزوه وعلله في الكتاب الذى جمعناه في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه. ولله الحمد والمنة. * * * وبالجملة فهذا الحديث مروى من طرق متعددة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه. وهى تفيد القطع عند كثير من أئمة هذا الشأن. وليس في هذه الرواية أنه عليه السلام سجد على الحجر، إلا ما أشعر به رواية أبى داود الطيالسي، عن جعفر بن عثمان، وليست صريحة في الرفع. ولكن رواه الحافظ البيهقى من طريق أبى عاصم النبيل، حدثنا جعفر بن عبدالله، قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ثم قال: رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه. وقال ابن عباس: رأيت عمر قبله وسجد عليه. ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هكذا ففعلت. قال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، أنبأنا الطبراني، أنبأنا أبوالزنباع، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا سفيان بن أبى حسين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر. قال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا يحيى بن يمان. وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا حماد، عن الزبير بن عربي، قال: سأل رجل

[ 309 ]

ابن عمر عن استلام الحجر. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. قال: أرأيت إن زحمت أرأيت إن غلبت ؟ قال: اجعل أرأيت باليمن (1) ! رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. وتفرد به دون مسلم. وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما. فقلت لنافع: أكان ابن عمر يمشى بين الركنين ؟ قال: إنما كان يمشى ليكون أيسر لاستلامه. وروى أبو داود والنسائي من حديث يحيى بن سعيد القطان، عن عبد العزيز بن أبى رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة ". * * * وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن سالم ابن عبدالله، عن أبيه، قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة، عن الليث بن سعد به. وفى رواية عنه أنه قال: ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الشاميين إلا أنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم. وقال البخاري: وقال محمد بن بكر، أنبأنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عن أبى الشعثاء، أنه قال: ومن يتقى شيئا من البيت !


(1) أي اتركها بعيدا عنك (*)

[ 310 ]

وكان معاوية يستلم الاركان فقال له ابن عباس: إنه لا يستلم هذان الركنان. فقال له: ليس من البيت شئ مهجور. وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن. انفرد بروايته البخاري رحمه الله تعالى. وقال مسلم في صحيحه: حدثنى أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن قتادة بن دعامة حدثه، أن أبا الطفيل البكري حدثه، أنه سمع ابن عباس يقول: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين انفرد به مسلم. فالذي رواه ابن عمر موافق لما قاله ابن عباس، أنه لا يستلم الركنان الشاميان، لانها لم يتمما على قواعد إبراهيم، لان قريشا قصرت بهم النفقة، فأخرجوا الحجر من البيت حين بنوه. كما تقدم بيانه (1). وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو بناه فتممه على قواعد إبراهيم، ولكن خشى من حداثة عهد الناس بالجاهلية، فتنكره قلوبهم. فلما كانت إمرة عبدالله بن الزبير هدم الكعبة وبناها على ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم كما أخبرته خالته أم المؤمنين عائشة بنت الصديق. فإن كان ابن الزبير استلم الاركان كلها بعد بنائه إياها على قواعد إبراهيم فحسن جدا وهو والله المظنون به ! * * * وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبد العزيز بن أبى رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة ".


(1) تقدم ذلك في الجزء الاول (*)

[ 311 ]

ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن يحيى. وقال النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقى، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه، عن عبدالله بن السائب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين الركن اليماني والحجر: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (1) ". ورواه أبو داود، عن مسدد، عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج به. وقال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخل المسجد فاستلم الحجر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم أتى المقام فقال: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (2) " فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى الحجر بعد الركعتين فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، أظنه قال: " إن الصفا والمروة من شعائر الله ". هذا حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم. وهكذا رواه إسحاق بن راهويه، عن يحيى بن آدم. ورواه الطبراني عن النسائي وغيره، عن عبدالاعلى بن واصل، عن يحيى بن آدم به.


(1) سورة البقرة 201 (2) سورة البقرة 125 (*)

[ 312 ]

ذكر رمله عليه الصلاة والسلام في طوافه واضطباعه قال البخاري: حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم عن أبيه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الاسود أول ما يطوف يخب (1) ثلاثة أشواط من السبع. ورواه مسلم عن أبى الطاهر بن السرح، وحرملة، كلاهما عن ابن وهب به. وقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سعى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة. تابعه الليث: حدثنى كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. انفرد به البخاري. وقد روى النسائي عن محمد وعبد الرحمن ابني عبدالله بن عبد الحكم، كلاهما عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر به. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبدالله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم، سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة ثم سجد سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة.


(1) يخب: يسرع، وهو ضرب من الرمل. (*)

[ 313 ]

ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أنس، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان إذا طاف بالبيت الطواف الاول يخب ثلاثة أطواف ويمشى أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة ". ورواه مسلم من حديث عبيد الله بن عمر. وقال مسلم: أنبأنا عبدالله بن عمر بن أبان الجعفي، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا. ثم رواه من حديث سليم بن أخضر، عن عبيدالله بنحوه وقال مسلم أيضا: حدثنى أبو الطاهر، حدثنى عبدالله بن وهب، أخبرني مالك وابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رمل ثلاثة (1) أطواف من الحجر إلى الحجر. وقال عمر بن الخطاب: فيم الرملان والكشف عن المناكب، وقد أطد الله الاسلام ونفى الكفر ؟ ومع ذلك لا نترك شيئا كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي، من حديث هشام بن سعيد، عن زيد ابن أسلم، عن أبيه عنه * * * وهذا كله رد على ابن عباس ومن تابعه من أن الرمل ليس بسنة، لان رسول الله إنما فعله لما قدم هو وأصحابه صبيحة رابعة - يعنى في عمرة القضاء - وقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا


(1) مسلم: الثلاثة (*)

[ 314 ]

الاشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الاشواط كلها إلا الابقاء عليهم. وهذا ثابت في الصحيحين، وتصريحه بعذر سببه في صحيح مسلم أظهر. فكأن ابن عباس ينكر وقوع الرمل في حجة الوداع. وقد صح بالنقل الثابت كما تقدم، بل فيه زيادة تكميل الرمل من الحجر إلى الحجر، ولم يمش مابين الركنين اليمانيين لزوال تلك العلة المشار إليها وهى الضعف. وقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس، أنهم رملوا في عمرة الجعرانة واضطبعوا (1). وهو رد عليه، فإن عمرة الجعرانة لم يبق في أيامها خوف، لانها بعد الفتح كما تقدم. رواه حماد بن سلمة، عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت واضطبعوا ووضعوا أرديتهم تحت آباطهم وعلى عواتقهم. ورواه أبو داود من حديث حماد بنحوه، ومن حديث عبدالله بن خثيم، عن أبى الطفيل، عن ابن عباس به. فأما الاضطباع في حجة الوداع فقد قال قبيصة والفريابي، عن سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة، عن يعلى بن أمية، عن أمية، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت مضطبعا. رواه الترمذي من حديث الثوري، وقال: حسن صحيح.


(1) الاضطباع: أن يدخل الرداء من تحت إبطه الايمن ويرد طرفه على يساره، ويبدى منكبه الايمن ويغطى الايسر، سمى به لابداء أحد الضبعين. (*)

[ 315 ]

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى، عن أبيه، قال: طاف رسول الله مضطبعا ببرد أخضر. وهكذا رواه الامام أحمد، عن وكيع، عن الثوري، عن ابن جريج، عن ابن يعلى، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له حضرمى. وقال جابر في حديثه المتقدم: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " فجعل المقام بينه وبين البيت. فذكر أنه صلى ركعتين قرأ فيهما: " قل هو الله أحد ". و " قل يا أيها الكافرون ". * * * فإن قيل: فهل كان عليه السلام في هذا الطواف راكبا أو ماشيا ؟ فالجواب: أنه قد ورد نقلان، قد يظن أنهما متعارضان، ونحن نذكرهما ونشير إلى التوفيق بينهما ورفع اللبس عند من يتوهم فيهما تعارضا. وبالله التوفيق وعليه الاستعانة وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال البخاري رحمه الله: حدثنا أحمد بن صالح ويحيى بن سليمان، قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن (1). وأخرجه بقية الجماعة، إلا الترمذي، من طرق عن ابن وهب. قال البخاري: تابعه الدراوردى، عن ابن أخى الزهري، عن عمه. وهذه المتابعة غريبة جدا. وقال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء،


(1) المحجن: العصا المعوجة. (*)

[ 316 ]

عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه. وقد رواه الترمذي من حديث عبد الوهاب بن عبدالمجيد الثقفى وعبد الوارث، كلاهما عن خالد بن مهران الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه. وقال: حسن صحيح. ثم قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا خالد بن عبدالله، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير، فلما أتى الركن أشار إليه بشئ كان عنده وكبر. تابعه إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء. وقد أسند هذا التعليق هاهنا في كتاب الطواف، عن عبدالله بن محمد، عن أبى عامر، عن إبراهيم بن طهمان به. وروى مسلم عن الحكم بن موسى، عن شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس. فهذا إثبات أنه عليه السلام طاف في حجة الوداع على بعير، ولكن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف: الاول طواف القدوم، والثانى طواف الافاضة وهو طواف الفرض وكان يوم النحر، والثالث طواف الوداع. فلعل ركوبه صلى الله عليه وسلم كان في أحد الآخرين أو في كليهما، فأما الاول وهو طواف القدوم فكان ماشيا فيه. وقد نص الشافعي على هذا كله. والله أعلم وأحكم. والدليل على ذلك ما قال الحافظ أبو بكر البيهقى في كتابه السنن الكبير: أخبرنا

[ 317 ]

أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى، حدثنا الفضل ابن محمد بن المسيب، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق هو - ابن يسار رحمه الله - عن أبى جعفر، وهو محمد بن على بن الحسين، عن جابر بن عبدالله، قال: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا ومشى أربعا، حتى فرغ. فلما فرغ قبل الحجر ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه. وهذا إسناد جيد. * * * فأما ما رواه أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا خالد بن عبدالله، حدثنا يزيد بن أبى زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكى، فطاف على راحلته فلما أتى على الركن استلمه بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين. تفرد به يزيد بن أبى زياد وهو ضعيف. ثم لم يذكر أنه في حجة الوداع، ولا ذكر أنه في الطواف الاول من حجة الوداع. ولم يذكر ابن عباس في الحديث الصحيح عنه عند مسلم، وكذا جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب في طوافه لضعفه، وإنما ذكرا كثرة الناس وغشيانهم له، وكان لا يحب أن يضربوا بين يديه. كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله. ثم هذا التقبيل الثاني الذى ذكره ابن إسحاق [ في روايته ] (1) بعد الطواف وبعد ركعتيه أيضا، ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر. قال فيه، بعد ذكر صلاة ركعتي الطواف: ثم رجع إلى الركن فاستلمه. وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وابن نمير جميعا،


(1) ليست في ا. (*)

[ 318 ]

عن أبى خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الاحمر، عن عبيدالله، عن نافع، قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده. قال: وما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. فهذا يحتمل أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطوافات، أو في آخر استلام فعل مثل هذا. لما ذكرنا أو أن ابن عمر لم يصل إلى الحجر لضعف كان به، أو لئلا يزاحم غيره فيحصل لغيره أذى به. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوالده، ما رواه أحمد في مسنده: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبى يعفور العبدى، قال: سمعت شيخا بمكة في إمارة الحجاج يحدث عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمر إنك رجل قوى، لا تزاحم على الحجر فتؤذى الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر. وهذا إسناد جيد، لكن راويه عن عمر مبهم لم يسم. والظاهر أنه ثقة جليل، فقد رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن أبى يعفور العبدى واسمه وقدان، سمعت رجلا من خزاعة حين قتل ابن الزبير وكان أميرا على مكة يقول: قال رسول الله لعمر: يا أبا حفص إنك رجل قوى، فلا تزاحم على الركن، فإنك تؤذى الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فكبر وامض. قال سفيان بن عيينة: هو عبدالرحمن بن الحارث، كان الحجاج استعمله عليها منصرفه منها حين قتل ابن الزبير. قلت: وقد كان عبدالرحمن هذا جليلا نبيلا كبير القدر، وكان أحد النفر الاربعة الذين ندبهم عثمان بن عفان في كتابة المصاحف التى نفذها إلى الآفاق ووقع على ما فعله الاجماع والاتفاق.

[ 319 ]

ذكر طوافه عليه السلام بين الصفا والمروة روى مسلم في صحيحه عن جابر، في حديثه الطويل المتقدم، بعد ذكره طوافه عليه السلام بالبيت سبعا وصلاته عند المقام ركعتين. قال: ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " أبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات. ثم نزل، حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فرقى عليها حتى نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصفا. وقال الامام أحمد: حدثنا عمر بن هارون البلخى، أبو حفص، حدثنا ابن جريج، عن بعض بنى يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا بين الصفا والمروة ببرد له نجرانى. وقال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا عبدالله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، حدثنا عطية، عن حبيبة بنت أبى نجراة (1) قالت: دخلت دار حصين في نسوة من قريش والنبى صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة، قالت: وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي وهو يقول لاصحابه. " اسعوا إن الله كتب عليكم السعي ".


(1) الاصل غير منقوطة. وما أثبته عن هامش المشتبه للذهبي 1 / 112 (*)

[ 320 ]

وقال أحمد أيضا: حدثنا شريح، حدثنا عبدالله بن المؤمل، حدثنا عطاء بن أبى رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبى تجراة قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي. تفرد به أحمد. وقد رواه أحمد أيضا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن واصل مولى أبى عيينة، عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: " كتب عليكم السعي فاسعوا ". وهذه المرأة هي حبيبة بنت أبى تجراة المصرح بذكرها في الاسنادين الاولين. وعن أم ولد شيبة بن عثمان، أنها أبصرت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: " لا يقطع الابطح إلا شدا ". رواه النسائي، والمراد بالسعي هاهنا هو الذهاب من الصفا إلى المروة ومنها إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا الهرولة والاسراع، فإن الله لم يكتبه علينا حتما، بل لو مشى الانسان على هيئته في السبع الطوافات بينهما ولم يرمل في المسيل، أجزأه ذلك عند جماعة العلماء لا نعرف بينهم اختلافا في ذلك. وقد نقله الترمذي رحمه الله عن أهل العلم. ثم قال: حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جهمان، قال: رأيت ابن عمر يمشى في المسعى فقلت: أتمشى في السعي بين الصفا والمروة ؟ فقال: لئن سعيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى، وأنا شيخ كبير.

[ 321 ]

ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب، عن كثير بن جهمان السلمى الكوفى، عن ابن عمر. فقول ابن عمر: إنه شاهد الحالين منه صلى الله عليه وسلم يحتمل شيئين: أحدهما: أنه رآه يسعى في وقت ماشيا لم يمزجه برمل فيه بالكلية. والثانى: أنه رآه يسعى في بعض الطريق ويمشى في بعضه. وهذا له قوة، لانه قد روى البخاري ومسلم من حديث عبيدالله بن عمر العمرى، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. وتقدم في حديث جابر أنه عليه السلام: نزل من الصفا فلما انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة. وهذا هو الذى تستحبه العلماء قاطبة، أن الساعي بين الصفا والمروة - وتقدم في حديث جابر - يستحب له أن يرمل في بطن الوادي في كل طوفة في بطن المسيل الذى بينهما، وحددوا ذلك بما بين الاميال الخضر، فواحد مفرد من ناحية الصفا مما يلى المسجد، واثنان مجتمعان من ناحية المروة مما يلى المسجد أيضا. وقال بعض العلماء: ما بين هذه الاميال اليوم أوسع من بطن المسيل الذى رمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله أعلم. * * * وأما قول محمد بن حزم في الكتاب الذى جمعه في حجة الوداع: ثم خرج عليه السلام إلى الصفا فقرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " أبدأ بما بدأ الله به، فطاف

[ 322 ]

بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعير يخب ثلاثا ويمشى أربعا. فإنه لم يتابع على هذا القول ولم يتفوه به أحد قبله، من أنه عليه السلام خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة ومشى أربعا. ثم مع هذا الغلط الفاحش لم يذكر عليه دليلا بالكلية، بل لما انتهى إلى موضع الاستدلال عليه قال: ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصا، ولكنه متفق عليه. هذا لفظه. فإن أراد بأن الرمل في الثلاث الطوفات الاول، على ما ذكر، متفق عليه، فليس بصحيح، بل لم يقله أحد. وإن أراد أن الرمل في الثلاث الاول في الجملة متفق عليه، فلا يجدى له شيئا ولا يحصل له مقصودا، فإنهم كما اتفقوا على الرمل في الثلاث الاول في بعضها، على ما ذكرناه، كذلك اتفقوا على استحبابه في الاربع الاخر أيضا. فتخصيص ابن حزم الثلاث الاول باستحباب الرمل فيها مخالف لما ذكره العلماء. والله أعلم. وأما قول ابن حزم إنه عليه السلام كان راكبا بين الصفا والمروة، فقد تقدم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل. أخرجاه. وللترمذي عنه: إن أسعى فقد رأيت رسول الله يسعى، وإن مشيت فقد رأيت رسول الله يمشى. وقال جابر: فلما انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى. رواه مسلم.

[ 323 ]

وقالت حبيبة بنت أبى تجراة: يسعى يدور به إزاره من شدة السعي. رواه أحمد. وفى صحيح مسلم عن جابر كما تقدم أنه رقى على الصفا حتى رأى البيت. وكذلك على المروة. وقد قدمنا من حديث محمد بن إسحاق، عن أبى جعفر الباقر، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بعيره على باب المسجد، يعنى حتى طاف، ثم لم يذكر أنه ركبه حال ما خرج إلى الصفا. وهذا كله مما يقتضى أنه عليه السلام سعى بين الصفا والمروة ماشيا. ولكن قال مسلم: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا محمد - يعنى ابن بكر - أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة على بعير، ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. ورواه مسلم أيضا، عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن على بن مسهر، وعن على بن خشرم، عن عيسى بن يونس، وعن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، كلهم عن ابن جريج به. وليس في بعضها: وبين الصفا والمروة. وقد رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة. ورواه النسائي عن الفلاس عن يحيى، وعن عمران بن يزيد، عن سعيد بن إسحاق، كلاهما عن ابن جريج به. * * *

[ 324 ]

فهذا محفوظ من حديث ابن جريج. وهو مشكل جدا، لان بقية الروايات عن جابر وغيره تدل على أنه عليه السلام كان ماشيا بين الصفا والمروة. وقد تكون رواية أبى الزبير عن جابر لهذه الزيادة وهى قوله: وبين الصفا والمروة مقحمة أو مدرجة ممن بعد الصحابي. والله أعلم. أو أنه عليه السلام طاف بين الصفا والمروة بعض الطوفان على قدميه، وشوهد منه ما ذكر، فلما ازدحم الناس عليه وكثروا ركب، كما يدل عليه حديث ابن عباس الآتى قريبا. وقد سلم ابن حزم أن طوافه الاول بالبيت كان ماشيا، وحمل ركوبه في الطواف على ما بعد ذلك. وادعى أنه كان راكبا في السعي بين الصفا والمروة قال: لانه لم يطف بينهما إلا مرة واحدة، ثم تأول قول جابر: حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل. بأنه يصدق ذلك وإن كان راكبا، فإنه إذا انصب بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه مع سائر جسده. قال: وكذلك ذكر الرمل يعنى به رمل الدابة براكبها. وهذا التأويل بعيد جدا. والله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا أبو سلمة موسى، حدثنا حماد، أنبأنا أبو عاصم الغنوى، عن أبى الطفيل، قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت وأن ذلك من سنته (1). قال: صدقوا وكذبوا. فقلت: ما صدقوا وما كذبوا ؟ قال: صدقوا، رمل رسول الله، وكذبوا ليس بسنة، إن قريشا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف (2)، فلما صالحوه على أن يحجوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان، فقال رسول الله لاصحابه: ارملوا بالبيت ثلاثا. وليس بسنة.


(1) ا: وأن ذلك سنة. (2) النغف: الدود وهو يضرب للمستحقن. (*)

[ 325 ]

قلت: يزعم قومك أن رسول الله طاف بين الصفا والمروة على بعير، وأن ذلك سنة. قال: صدقوا وكذبوا قلت: ما صدقوا وكذبوا ؟ قال: صدقوا، قد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا ليست بسنة، كان الناس لا يدفعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه ولا تناله أيديهم. هكذا رواه أبو داود. وقد رواه مسلم عن أبى كامل، عن عبد الواحد بن زياد، عن الجريرى، عن أبى الطفيل، عن ابن عباس، فذكر فضل الطواف بالبيت كنحو ما تقدم ثم قال: قلت لابن عباس أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو ؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: صدقوا وكذبوا. قلت: فما قولك صدقوا وكذبوا ؟ قال: إن رسول الله كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه الناس ركب قال ابن عباس: والمشى والسعى أفضل. هذا لفظ مسلم. وهو يقتضى أنه إنما ركب في أثناء الحال. وبه يحصل الجمع بين الاحاديث والله أعلم. * * * وأما ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، عن عبدالملك بن سعيد، عن أبى الطفيل، قال: قلت لابن عباس: أرانى قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فصفه لى. قلت: رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه. فقال ابن عباس: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهم كانوا لا يضربون عنه ولا يكرهون.

[ 326 ]

فقد تفرد به مسلم، وليس فيه دلالة على أنه عليه السلام سعى بين الصفا والمروة راكبا، إذ لم يقيد ذلك بحجة الوداع ولا غيرها. وبتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع فمن الجائز أنه عليه السلام بعد فراغه من السعي وجلوسه على المروة وخطبته الناس وأمره إياهم من لم يسق الهدى منهم أن يفسخ الحج إلى العمرة، فحل الناس كلهم إلا من ساق الهدى، كما تقدم في حديث جابر. ثم بعد هذا كله أتى بناقته فركبها وسار إلى منزله بالابطح، كما سنذكره قريبا، وحينئذ رآه أبو الطفيل عامر بن واثلة البكري، وهو معدود في صغار الصحابة. قلت: قد ذهب طائفة من العراقيين كأبى حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، وهو مروى عن على وابن مسعود ومجاهد والشعبى. ولهم أن يحتجوا بحديث جابر الطويل، ودلالته على أنه سعى بين الصفا والمروة ماشيا، وحديثه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بينهما راكبا على تعداد الطواف بينهما مرة ماشيا ومرة راكبا. وقد روى سعيد بن منصور في سننه عن على رضى الله عنه، أنه أهل بحجة وعمرة، فلما قدم مكة طاف بالبيت وبالصفا والمروة لعمرته، ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته، ثم أقام حراما إلى يوم النحر. هذا لفظه. ورواه أبو ذر الهروي في مناسكه عن على، أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل. وكذلك رواه البيهقى والدارقطني والنسائي في خصائص على. فقال البيهقى في سننه: أنبأنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا على بن عمير الحافظ، أنبأنا أبو محمد بن صاعد، حدثنا محمد بن زنبور، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن مالك

[ 327 ]

ابن الحارث، أو منصور عن مالك بن الحارث، عن أبى نصر، قال: لقيت عليا وقد أهللت بالحج وأهل هو بالحج والعمرة، فقلت: هل أستطيع أن أفعل كما فعلت ؟ قال: ذلك لو كنت بدأت بالعمرة. قلت: كيف أفعل إذا أردت ذلك ؟ قال: تأخذ إداوة من ماء فتفيضها عليك، ثم تهل بهما جميعا ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين ولا يحل لك حرام دون يوم النحر. قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد قال: ما كنا نبنى إلا بطواف واحد، فأما الآن فلا نفعل. قال الحافظ البيهقى: وقد رواه سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وشعبة عن منصور، فلم يذكر فيه السعي. قال: وأبو نصر هذا مجهول. وإن صح فيحتمل أنه أراد طواف القدوم وطواف الزيارة. قال: وقد روى بأسانيد أخر عن على مرفوعا وموقوفا، ومدارها على الحسن بن عمارة وحفص بن أبى داود وعيسى بن عبدالله وحماد بن عبدالرحمن، وكلهم ضعيف لا يحتج بشئ مما رووه في ذلك. والله أعلم. * * * قلت: والمنقول في الاحاديث الصحاح خلاف ذلك (1). فقد قدمنا عن ابن عمر في صحيح البخاري أنه أهل بعمرة وأدخل عليها الحج، فصار قارنا، وطاف لهما طوافا واحدا بين الحج والعمرة. وقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى الترمذي وابن ماجه والبيهقي من حديث الدراوردى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيا واحدا ".


(1) ا: خلافه. (*)

[ 328 ]

قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب. قلت: إسناده على شرط مسلم. وهكذا جرى لعائشة أم المؤمنين، فإنها كانت ممن أهل بعمرة لعدم سوق الهدى معها، فلما حاضت أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتهل بحج مع عمرتها، فصارت قارنة، فلما رجعوا من منى طلبت أن يعمرها من بعد الحج، فأعمرها تطييبا لقلبها، كما جاء مصرحا به في الحديث. وقد قال الامام أبو عبد الله الشافعي: أنبأنا مسلم - هو ابن خالد - الزنجي، عن ابن جريج، عن عطاء أن رسول الله قال لعائشة: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك. وهذا ظاهره الارسال، وهو مسند في المعنى، بدليل ما قال الشافعي أيضا: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن عطاء، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشافعي: وربما قال سفيان: عن عطاء، عن عائشة وربما قال: عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة. فذكره. قال الحافظ البيهقى: ورواه ابن أبى عمر، عن سفيان بن عيينة موصولا. وقد رواه مسلم من حديث وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عائشة بمثله. وروى مسلم من حديث ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرا يقول: دخل رسول الله على عائشة وهى تبكى، فقال: مالك تبكين ؟ قالت: أبكى أن الناس حلوا ولم أحل وطافوا بالبيت ولم أطف، وهذا الحج قد حضر. قال: إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي وأهلي بحج. قالت: ففعلت ذلك، فلما طهرت قال: " طوفى بالبيت وبين الصفا والمرة ثم قد حللت من حجك

[ 329 ]

وعمرتك " قالت: يا رسول الله إنى أجد في نفسي من عمرتي أنى لم أكن طفت حتى حججت قال: " اذهب بها يا عبدالرحمن فأعمرها من التنعيم ". وله من حديث ابن جريج أيضا: أخبرني أبو الزبير، سمعت جابرا قال: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. وعند أصحاب أبى حنيفة رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ساقوا الهدى كانوا قد قرنوا بين الحج والعمرة، كما دل عليه الاحاديث المتقدمة. والله أعلم. وقال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن على، قال في القارن: يطوف طوافين ويسعى سعيا. قال الشافعي: وقال بعض الناس: طوافان وسعيان. واحتج فيه برواية ضعيفة عن على، قال جعفر: يروى عن على قولنا، ورويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبدالله، ومحمد بن رافع، قالا: حدثنا أبو عاصم، عن معروف - يعنى ابن خربوذ المكى - حدثنا أبو الطفيل، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجن ثم يقبله. زاد محمد بن رافع: ثم خرج إلى الصفا والمروة فطاف سبعا على راحلته. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث أبى داود الطيالسي، عن معروف بن خربوذ به. بدون الزيادة التى ذكرها محمد بن رافع. وكذلك رواه عبيد الله بن موسى عن معروف بدونها. ورواه الحافظ البيهقى عن أبى سعيد بن أبى عمرو، عن الاصم، عن يحيى بن أبى طالب، عن يزيد بن أبى حكيم، عن يزيد بن مالك، عن أبى الطفيل بدونها. فالله أعلم. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو بكر بن الحسن وأبو زكريا بن أبى إسحاق، قالا:

[ 330 ]

حدثنا أبو جعفر محمد بن على بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عبيد الله بن موسى وجعفر بن عون، قالا: أنبأنا أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبدالله بن عمار قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة على بعير لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وقال البيهقى: كذا قالا. وقد رواه جماعة غير أيمن فقالوا: يرمى الجمرة يوم النحر. قال: ويحتمل أن يكونا صحيحين. قلت: رواه الامام أحمد في مسنده، عن وكيع وقران بن تمام، وأبى قرة موسى ابن طارف قاضى أهل اليمن، وأبى أحمد محمد بن عبدالله الزبيري ومعتمر بن سليمان، عن أيمن بن نابل الحبشى أبى عمران المكى نزيل عسقلان مولى أبى بكر الصديق، وهو ثقة جليل من رجال البخاري، عن قدامة بن عبدالله بن عمار الكلابي، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمى الجمرة يوم النحر من بطن الوادي على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية. وأخرجه النسائي عن إسحاق بن راهويه. وابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، كلاهما عن وكيع، كلاهما عن أيمن بن نابل، عن قدامة. كما رواه الامام أحمد. وقال الترمذي: حسن صحيح. فصل قال جابر في حديثه: حتى إذا كان آخر طوافه عند المروة قال: " إنى لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى ". رواه مسلم.

[ 331 ]

ففيه دلالة على من ذهب إلى أن السعي بين الصفا والمروة أربعة عشر، كل ذهاب وإياب يحسب مرة. قاله جماعة من أكابر الشافعية. وهذا الحديث رد عليهم، لان آخر الطواف عن قولهم يكون عند الصفا لا عند المروة. ولهذا قال أحمد في روايته في حديث جابر: فلما كان السابع عند المروة قال: " أيها الناس إنى لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدى فليحل وليجعلها عمرة " فحل الناس كلهم. وقال مسلم: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدى. فصل روى أمره عليه السلام لمن لم يسق الهدى بفسخ الحج إلى العمرة خلق من الصحابة يطول ذكرنا لهم هاهنا، وموضع سرد ذلك كتاب الاحكام الكبير. إن شاء الله. وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ لغيرهم. وتمسكوا بقول أبى ذر رضى الله عنه: لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. وأما الامام أحمد فرد ذلك، وقال: قد رواه أحد عشر صحابيا، فأين تقع هذه الرواية من ذلك ؟ وذهب رحمه الله إلى جواز الفسخ لغير الصحابة.

[ 332 ]

وقال ابن عباس رضى الله عنهما بوجوب الفسخ على كل من لم يسق الهدى، بل عنده أنه يحل شرعا إذا طاف بالبيت، ولم يكن ساق هديا صار حلالا بمجرد ذلك، وليس عنه النسك إلا القران لمن ساق الهدى أو التمتع لمن لم يسق. فالله أعلم. قال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عبدالملك بن جريج، عن عطاء، عن جابر. وعن طاوس عن ابن عباس، قالا: قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبح رابعة من ذى الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شئ، فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نحل إلى نسائنا، ففشت في ذلك (2) المقالة. قال عطاء: قال جابر: فيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا ! قال جابر - بكفه - فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا. والله لانا أبر وأتقى لله منهم، ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معى الهدى لاحللت. فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله هي لنا أو للابد ؟ فقال: بل للابد. وقال مسلم: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، هو ابن سعد، عن أبى الزبير، عن جابر، أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت (1) حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدى. قال: فقلنا: حل ماذا ؟ قال: الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال. * * *


(1) غير ا: ففشت تلك. (2) عركت: حاضت. (*)

[ 333 ]

فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه عليه السلام قدم مكة عام حجة الوداع لصبح رابعة ذى الحجة، وذلك يوم الاحد حين ارتفع النهار وقت الضحى لان أول ذى الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف، لان يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في الصحيحين. كما سيأتي فلما قدم عليه السلام يوم الاحد رابع الشهر، بدأ كما ذكرنا بالطواف بالبيت ثم بالسعي بين الصفا والمروة، فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة أمر من لم يكن معه هدى أن يحل من إحرامه حتما، فوجب ذلك عليهم لا محالة ففعلوه وبعضهم متأسف لاجل أنه عليه السلام لم يحل من إحرامه لاجل سوقه الهدى، وكانوا يحبون موافقته عليه السلام والتأسى به، فلما رأى ما عندهم من ذلك قال لهم: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة. أي لو أعلم أن هذا يشق عليكم لكنت تركت سوق الهدى حتى أحل كما أحللتم. ومن هاهنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع، كما ذهب إليه الامام أحمد، أخذا من هذا، فإنه قال: لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا، ولكن التمتع أفضل لتأسفه عليه. وجوابه: أنه عليه السلام لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدى، وإنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على إحرامه وأمره لهم بالاحلال. ولهذا - والله أعلم - لما تأمل الامام أحمد هذا السر نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدى، لامره عليه السلام من لم يسق الهدى من أصحابه بالتمتع، وأن القران أفضل في حق من ساق الهدى، كما اختار الله

[ 334 ]

عزوجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع وأمره له بذلك كما تقدم. والله أعلم. فصل ثم سار صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه من طوافه بين الصفا والمروة وأمره بالفسخ لمن لم يسق الهدى، والناس معه حتى نزل بالابطح شرقي مكة فأقام هنالك بقية يوم الاحد ويوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء حتى صلى الصبح من يوم الخميس، كل ذلك يصلى بأصحابه هنالك ولم يعد إلى الكعبة من تلك الايام كلها. قال البخاري: باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة ويرجع بعد الطواف الاول: حدثنا محمد بن أبى بكر، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، قال أخبرني كريب، عن عبدالله بن عباس، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فطاف سبعا وسعى بين الصفا والمروة، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة. انفرد به البخاري. فصل وقدم - في هذا الوقت ورسول الله صلى الله عليه وسلم منيخ بالبطحاء خارج مكة - على من اليمن. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعثه - كما قدمنا - إلى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد رضى الله عنهما.

[ 335 ]

فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حلت، كما حل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لم يسوقوا الهدى، واكتحلت ولبست ثيابا صبيغا فقال: من أمرك بهذا ؟ قالت: أبى. فذهب محرشا عليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنها حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله. فقال: صدقت صدقت صدقت. ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم أهللت حين أوجبت الحج ؟ قال: بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فإن معى الهدى فلا تحل. فكان جماعة الهدى الذى جاء به على من اليمن والذى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة واشتراه في الطريق مائة من الابل، واشتركا في الهدى جميعا. وقد تقدم هذا كله في صحيح مسلم رحمه الله. وهذا التقرير يرد الرواية التى ذكرها الحافظ أبو القاسم الطبراني رحمه الله من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن عليا تلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة. والله أعلم. وكان أبو موسى في جملة من قدم مع على، ولكنه لم يسق هديا، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحل بعد ما طاف للعمرة وسعى، ففسخ حجه إلى العمرة وصار متمتعا، فكان يفتى بذلك في أثناء خلافة عمر بن الخطاب. فلما رأى عمر بن الخطاب أن يفرد الحج عن العمرة ترك فتياه مهابة لامير المؤمنين عمر رضى الله عنه وأرضاه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن عون بن أبى جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتبع فاه هاهنا وهاهنا وإصبعاه في أذنيه. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء أراها من أدم. قال: فخرج بلال

[ 336 ]

بين يديه بالعنزة (1) فركزها فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عبد الرزاق: وسمعته بمكة قال: بالبطحاء يمر بين يديه الكلب والمرأة والحمار وعليه حلة حمراء، كأنى أنظر إلى بريق ساقيه. قال: سفيان نراها حبرة. وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عون بن أبى جحيفة، عن أبيه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالابطح وهو في قبة له حمراء، فخرج بلال بفضل وضوئه، فمن ناضح ونائل. قال: فأذن بلال، فكنت أتتبع فاه هكذا وهكذا - يعنى يمينا وشمالا - قال: ثم ركزت له عنزة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه جبة له حمراء أو حلة حمراء، وكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا إلى عنزة الظهر أو العصر ركعتين، تمر المرأة والكلب والحمار لا يمنع، ثم لم يزل يصلى ركعتين حتى أتى المدينة. وقال مرة: فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين. وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري. وقال أحمد أيضا: حدثنا محمد بن جعفر ; حدثنا شعبة وحجاج، عن الحكم، سمعت أبا جحيفة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة. وزاد فيه عون عن أبيه، عن أبى جحيفة: وكان يمر من ورائنا الحمار والمرأة. قال حجاج في الحديث: ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم قال: فأخذت يده فوضعتها على وجهى فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك. وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة بتمامه.


(1) العنزة: رميح بين العصا والرمح فيه زج. (*)

[ 337 ]

فصل فأقام عليه السلام بالابطح - كما قدمنا - يوم الاحد ويوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء. وقد حل الناس إلا من ساق الهدى. وقدم في هذه الايام على بن أبى طالب من اليمن بمن معه من المسلمين وما معه من الاموال، ولم يعد عليه السلام إلى الكعبة بعد ما طاف بها. فلما أصبح عليه السلام يوم الخميس صلى بالابطح الصبح من يومئذ، وهو يوم التروية، ويقال له يوم منى لانه يسار فيه إليها. وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قبل هذا اليوم، ويقال للذى قبله فيما رأيته في بعض التعاليق يوم الزينة، لانه يزين فيه البدن بالجلال (1) ونحوها فالله أعلم. قال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أحمد بن محمد بن جعفر الجلودى، حدثنا محمد بن إسماعيل بن مهران، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا أبو قرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يوم التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم. فركب عليه السلام قاصدا إلى منى قبل الزوال، وقيل بعده، وأحرم الذين كانوا قد حلوا بالحج من الابطح حين توجهوا إلى منى، وانبعثت رواحلهم نحوها. قال عبدالملك، عن عطاء، عن جابر بن عبدالله، قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحللنا، حتى كان يوم التروية وجعلنا مكة منا بظهر، لبينا بالحج. ذكره البخاري تعليقا مجزوما.


(1) الجلال: جمع جل، وهو ما تلبسه الدابة لتصان به. (*)

[ 338 ]

وقال مسلم: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن جابر، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى. قال: وأهللنا من الابطح. وقال عبيد بن جريج لابن عمر: رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى يوم التروية ؟ فقال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته. رواه البخاري في جملة حديث طويل (1). قال البخاري: وسئل عطاء عن المجاور منى يلبى بالحج. فقال: كان ابن عمر يلبى يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته. قلت: هكذا كان ابن عمر يصنع إذا حج معتمرا، يحل من العمرة، فإذا كان يوم التروية لا يلبى حتى تنبعث به راحلته متوجها إلى منى، كما أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذى الحليفة بعد ما صلى الظهر وانبعثت به راحلته. لكن يوم التروية لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالابطح، وإنما صلاها يومئذ بمنى، وهذا مما لا نزاع فيه. * * * قال البخاري: باب أين يصلى الظهر يوم التروية. حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا إسحاق الازرق، حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: سألت أنس بن مالك قال: قلت: أخبرني بشئ عقلت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين صلى الظهر والعصر يوم التروية ؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال: بالابطح. ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك !


(1) الحديث بطوله في صحيح البخاري في كتاب اللباس: باب النعال السبتية ؟ وغيرها. 4 / 25 ط الاميرية (*)

[ 339 ]

وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن إسحاق بن يوسف الازرق، عن سفيان الثوري به. وكذلك رواه الامام أحمد عن إسحاق بن يوسف الازرق به. وقال الترمذي: حسن صحيح يستغرب من حديث الازرق، عن الثوري. ثم قال البخاري: أنبأنا على، سمع أبا بكر بن عياش، حدثنا عبد العزيز بن رفيع، قال: لقيت أنس بن مالك. وحدثني إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز، قال: خرجت إلى منى يوم التروية فلقيت أنسا ذاهبا على حمار، فقلت: أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم الظهر ؟ فقال: انظر حيث يصلى أمراؤك فصل. وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو كدينة، عن الاعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس [ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خمس صلوات بمنى. وقال أحمد أيضا: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو محياة يحيى بن يعلى التيمى، عن الاعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ] (1)، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى وصلى الغداة يوم عرفة بها. وقد رواه أبو داود عن زهير بن حرب، عن أحوص، عن جواب، عن عمار بن رزيق، عن سليمان بن مهران الاعمش به. ولفظه: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى. وأخرجه الترمذي عن الاشج، عن عبدالله بن الاجلح، عن الاعمش بمعناه. وقال: ليس هذا مما عده شعبة فيما سمعه الحكم عن مقسم. وقال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا عبدالله بن الاجلح، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: صلى بنا رسول الله بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم غدا إلى عرفات. ثم قال: وإسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه.


(1) سقط من ا. (*)

[ 340 ]

وفى الباب عن عبدالله بن الزبير وأنس بن مالك. وقال الامام أحمد: حدثنا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه راح إلى منى يوم التروية وإلى جانبه بلال بيده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى من الحر -. تفرد به أحمد. وقد نص الشافعي على أنه عليه السلام ركب من الابطح إلى منى بعد الزوال، ولكنه إنما صلى الظهر بمنى، فقد يستدل له بهذا الحديث. والله أعلم. * * * وتقدم في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس. وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمى، ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وكان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع

[ 341 ]

كله، واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدى إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد. ثلاث مرات. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا على بن حجر، عن مغيرة، عن موسى بن زياد بن حذيم بن عمرو السعدى، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: " اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا كحرمة شهركم هذا كحرمة بلدكم هذا. وقال أبو داود: باب الخطبة على المنبر بعرفة: حدثنا هناد، عن ابن أبى زائدة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بنى ضمرة، عن أبيه أو عمه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة. وهذا الاسناد ضعيف، لان فيه رجلا مبهما. ثم تقدم في حديث جابر الطويل أنه عليه السلام خطب على ناقته القصواء. ثم قال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا عبدالله بن داود، عن سلمة بن نبيط، عن رجل من الحى، عن أبيه نبيط، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة على بعير أحمر يخطب. وهذا فيه مبهم أيضا، ولكن حديث جابر شاهد له. ثم قال أبو داود: حدثنا هناد بن السرى وعثمان بن أبى شيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن عبدالمجيد بن أبى عمرو، قال: حدثنى العداء بن خالد بن هوذة. وقال هناد: عن

[ 342 ]

عبدالمجيد، حدثنى خالد بن العداء بن هوذة، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائما في الركابين. قال أبو داود: رواه ابن العلاء عن وكيع كما قال هناد. وحدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا عبد المجيد أبو عمرو، عن العداء بن خالد بمعناه. وفى الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: " من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل للمحرم ". * * * وقال محمد بن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: كان الرجل الذى يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل أيها الناس إن رسول الله يقول: هل تدرون أي شهرا هذا ؟ فيقولون: الشهر الحرام. فيقول: قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا. ثم يقول: قل أيها الناس إن رسول الله يقول هل تدرون أي بلد هذا. وذكر تمام الحديث. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى ليث بن أبى سليم، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة، قال: بعثنى عتاب بن أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة في حاجة، فبلغته ثم وقفت تحت ناقته وإن لعابها ليقع على رأسي، فسمعته يقول: " أيها الناس إن الله أدى إلى كل ذى حق حقه، وإنه لا تجوز وصية لوارث. والولد للفراش وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا ". ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبدالرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة به. وقال الترمذي: حسن صحيح.

[ 343 ]

قلت: وفيه اختلاف على قتادة. والله أعلم. وسنذكر الخطبة التى خطبها عليه السلام بعد هذه الخطبة يوم النحر، وما فيها من الحكم والمواعظ والتفاصيل والآداب النبوية إن شاء الله. * * * قال البخاري: باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة: حدثنا عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن محمد بن أبى بكر الثقفى، أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه. وأخرجه مسلم من حديث مالك وموسى بن عقبة، كلاهما عن محمد بن أبى بكر بن عوف بن رباح الثقفى الحجازى، عن أنس به. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج بن يوسف أن يأتم بعبدالله بن عمر في الحج، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر وأنا معه حين زاغت الشمس - أو زالت الشمس - فصاح عند فسطاطه: أين هذا ؟ فخرج إليه. فقال ابن عمر: الرواح. فقال: الآن ؟ قال: نعم. فقال: أنظرني حتى أفيض على ماء. فنزل ابن عمر حتى خرج، فسار بينى وبين أبى فقلت (1): إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فاقصر الخطبة وعجل الوقوف فقال ابن عمر: صدق. ورواه البخاري أيضا عن القعنبى عن مالك. وأخرجه النسائي من حديث أشهب وابن وهب، عن مالك. ثم قال البخاري، بعد روايته هذا الحديث: وقال الليث: حدثنى عقيل، عن ابن


(1) القائل: سالم بن عبدالله للحجاج بن يوسف. (*)

[ 344 ]

شهاب، عن سالم، أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبدالله: كيف تصنع في هذا الموقف ؟ فقال: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة. فقال ابن عمر: صدق، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: هل يبتغون بذلك إلا سنة ؟ ! وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يعقوب، حدثنا أبى عوف، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة فنزل بنمرة وهى منزل الامام الذى ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا، فجمع بين الظهر والعصر. وهكذا ذكر جابر في حديثه بعد ما أورد الخطبة المتقدمة قال: ثم أذن بلال ثم أقام، فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا. وهذا يقتضى أنه عليه السلام خطب أولا ثم أقيمت الصلاة، ولم يتعرض للخطبة الثانية. وقد قال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن أبيه وعن جابر في حجة الوداع (1)، قال: فراح النبي صلى الله عليه وسلم إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الاولى ثم أذن بلال ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الاذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر. قال البيهقى: تفرد به إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى. قال مسلم: عن جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير، عن كريب، عن ميمونة، أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم


(1) ا: حجة الاسلام. (*)

[ 345 ]

فأرسلت إليه بحلاب (1) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون. وأخرجه مسلم عن هارون بن سعيد الايلى، عن ابن وهب به. وقال البخاري: أنبأنا عبدالله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن أبى النضر مولى عمر بن عبيدالله، عن عمير مولى ابن عباس، عن أم الفضل بنت الحارث، أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه. ورواه مسلم من حديث مالك أيضا. وأخرجاه من طرق أخر عن أبى النضر به. قلت: أم الفضل هي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وقصتهما واحدة. والله أعلم. وصح إسناد الارسال إليها، لانه من عندها، اللهم إلا أن يكون بعد ذلك أو تعدد الارسال من هذه ومن هذه. والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، قال: لا أدرى أسمعته من سعيد ابن جبير أم عن بنيه عنه، قال: أتيت على ابن عباس وهو بعرفة وهو يأكل رمانا، وقال: أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه. وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ابن أبى ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس: أنهم تماروا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فأرسلت أم فضل إلى رسول الله بلبن فشربه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق وأبو بكر، قالا: أنبأنا ابن جريج، قال: قال عطاء: دعا عبدالله بن عباس الفضل بن عباس إلى الطعام يوم عرفة، فقال: إنى صائم. فقال عبدالله: لا تصم فإن رسول الله قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه، فلا تصم فإن الناس مستنون بكم. وقال ابن بكير وروح: إن الناس يستنون بكم.


(1) الحلاب: إناء يحلب فيه. (*)

[ 346 ]

وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: بينا رجل واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال فأوقصته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا ". ورواه مسلم عن أبى الربيع الزهراني عن حماد بن زيد. وقال النسائي: أنبأنا إسحاق بن إبراهيم، هو ابن راهويه، أخبرنا وكيع، أنبأنا سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر الديلى، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، وأتاه أناس من أهل نجد فسألوه عن الحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه ". وقد رواه بقية أصحاب السنن من حديث سفيان الثوري. زاد النسائي وشعبة عن بكير ابن عطاء به. وقال النسائي: أنبأنا قتيبة، أنبأنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني عمرو بن عبدالله ابن صفوان أن يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفا بعرفة مكانا بعيدا من الموقف، فأتانا ابن مربع الانصاري فقال: إنى رسول رسول الله إليكم يقول، لكم: " كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ". وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن ولا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار. وابن مربع اسمه زيد بن مربع الانصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد. قال: وفى الباب عن على وعائشة وجبير بن مطعم والشريد بن سويد. وقد تقدم

[ 347 ]

من رواية مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف: زاد مالك في موطئه: وارفعوا عن بطن عرفة. فصل فيما حفظ من دعائه عليه السلام وهو واقف بعرفة قد تقدم أنه عليه السلام أفطر يوم عرفة، فدل على أن الافطار هناك أفضل من الصيام، لما فيه من التقوى على الدعاء، لانه المقصود الاهم هناك. ولهذا وقف عليه السلام وهو راكب على الراحلة من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس. وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده، عن حوشب بن عقيل، عن مهدى الهجرى، عن عكرمة، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، حدثنا حوشب بن عقيل، حدثنى مهدى المحاربي، حدثنى عكرمة مولى ابن عباس، قال: دخلت على أبى هريرة في بيته فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات، فقال: نهى رسول لله صلى الله عليه وسلم عن صوم عرفة بعرفات. وقال عبدالرحمن مرة: عن مهدى العبدى. وكذلك رواه أحمد عن وكيع، عن حوشب، عن مهدى العبدى فذكره. وقد رواه أبو داود عن سليمان بن حرب، عن حوشب، والنسائي عن سليمان بن معبد، عن سليمان بن حرب به. وعن الفلاس عن ابن مهدى به. وابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن حوشب.

[ 348 ]

وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو أسامة الكلبى، حدثنا حسن بن الربيع، حدثنا الحارث بن عبيد، عن حوشب بن عقيل، عن مهدى الهجرى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة. قال البيهقى: كذا قال الحارث بن عبيد، والمحفوظ: عن عكرمة عن أبى هريرة وروى أبو حاتم محمد بن حبان البستى، في صحيحه عن عبدالله بن عمرو، أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: حججت مع رسول الله فلم يصمه، ومع أبى بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، وأنا فلا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه. * * * قال الامام مالك عن زياد بن أبى زياد مولى ابن عباس، عن طلحة بن عبيدالله بن كريز، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ". قال البيهقى: هذا مرسل. وقد روى عن مالك بإسناد آخر موصولا، وإسناده ضعيف. وقد روى الامام أحمد والترمذي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلى، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير ". وللامام أحمد أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

[ 349 ]

له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير ". وقال أبو عبدالله بن مندة، أنبأنا أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري، حدثنا أحمد بن داود بن جابر الاحمسي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، حدثنا فرج ابن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعائي ودعاء الانبياء قبلى عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ". وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، يعنى ابن عبد ربه الجرجى، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنى جبير بن عمرو القرشى، عن أبى سعيد الانصاري، عن أبى يحيى مولى آل الزبير ابن العوام، عن الزبير بن العوام رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب. * * * وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في مناسكه: حدثنا الحسن بن مثنى بن معاذ العنبري حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا قيس بن الربيع، عن الاغر بن الصباح، عن خليفة، عن على، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل ما قلت أنا والانبياء قبلى عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ". وقال الترمذي في الدعوات: حدثنا محمد بن حاتم المؤدب، حدثنا على بن ثابت، حدثنا قيس بن الربيع، وكان من بنى أسد، عن الاغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن على رضى الله عنه، قال: كان أكثر ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف: " اللهم لك الحمد كالذى نقول وخيرا مما نقول، اللهم لك

[ 350 ]

صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي ولك رب تراثي، أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الامر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما تهب به الريح ". ثم قال: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوى. وقد رواه الحافظ البيهقى من طريق موسى بن عبيدة، عن أخيه عبدالله بن عبيدة، عن على قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أكثر دعاء من كان قبلى ودعائي يوم عرفة أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، اللهم اجعل في بصرى نورا وفى سمعي نورا وفى قلبى نورا. اللهم اشرح لى صدري ويسر لى أمرى، اللهم إنى أعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الامر وشر فتنة القبر وشر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار وشر ما تهب به الرياح وشر بوائق الدهر ". ثم قال: تفرد به موسى بن عبيدة، وهو ضعيف وأخوه عبدالله لم يدرك عليا. وقال الطبراني في مناسكه: حدثنا يحيى بن عثمان النصرى، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا يحيى بن صالح الايلى، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس قال: كان فيما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: " اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سرى وعلانيتي، ولا يخفى عليك شئ من أمرى، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بى رؤوفا رحيما، ياخير المسئولين وياخير المعطين ". وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا عبدالملك، حدثنا عطاء، قال: قال أسامة بن زيد: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، فرفع يديه يدعو،

[ 351 ]

فمالت به ناقته فسقط خطامها. قال: فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الاخرى. وهكذا رواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا على بن الحسن، حدثنا عبدالمجيد بن عبد العزيز، حدثنا ابن جريج، عن حسين ابن عبدالله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين. * * * وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عبدالقاهر بن السرى، حدثنى ابن لكنانة بن العباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لامته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله إليه: إنى قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا، وأما ذنوبهم فيما بينى وبينهم فقد غفرتها. فقال: يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم، فلم يجبه تلك العشية. فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأجابه الله تعالى: إنى قد غفرت لهم (1). فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها ؟ قال: تبسمت من عدو الله إبليس، إنه لما علم أن الله عزوجل قد استجاب لى في أمتى أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثو التراب على رأسه.


(1) ذكر الزرقاني في شرح المواهب 8 / 189 أن ابن حجر صنف في هذا الحديث كراسا سماه: " قوة الحجاج في عموم لمغفرة للحجاج " ثم قال: وأورده ابن الجوزى في الموضوعات من حديث ابن مرداس. وقال الطبري: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها. (*)

[ 352 ]

ورواه أبو داود السجستاني في سننه، عن عيسى بن إبراهيم البركى وأبى الوليد الطيالسي، كلاهما عن عبدالقاهر بن السرى، عن ابن لكنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه عن جده. مختصرا. ورواه ابن ماجه، عن أيوب بن محمد الهاشمي بن عبدالقاهر بن السرى، عن عبدالله بن كنانة بن عباس، عن أبيه عن جده به. مطولا. ورواه ابن جرير في تفسيره عن إسماعيل بن سيف العجلى، عن عبد القاهر ابن السرى، عن ابن لكنانة، يقال له أبو لبابة، عن أبيه عن جده العباس بن مرداس فذكره. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبرى (1)، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عمن سمع قتادة يقول: حدثنا جلاس بن عمرو، عن عبادة ابن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: " أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم. وأعطى محسنكم ما سأل، فادفعوا باسم الله ". فلما كانوا بجمع قال: " إن الله قد غفر لصالحكم وشفع صالحيكم في طالحيكم، تنزل الرحمة فتعمهم ثم تفرق الرحمة في الارض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده. وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم ; فإذا نزلت الرحمة دعا هو وجنوده بالويل والثبور، كنت أستفزهم حقبا من الدهر [ خوف ] (2) المغفرة فغشيتهم. فيتفرقون يدعون بالويل والثبور.


(1) نسبة إلى دبر: قرية باليمن. (2) بياض بالاصل. (*)

[ 353 ]

ذكر ما نزل على رسول الله من الوحى المنيف في هذا الموقف الشريف قال الامام أحمد: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأى آية هي ؟ قال: قوله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ". فقال عمر: والله إنى لاعلم اليوم الذى نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التى نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح، عن جعفر بن عون. وأخرجه أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قيس بن مسلم به.

[ 354 ]

ذكر إفاضته عليه السلام من عرفات إلى المشعر الحرام قال جابر في حديثه الطويل: فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا قليلا حين غاب القرص، فأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق لناقته القصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة. كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا. ورواه مسلم. وقال البخاري: باب السير إذا دفع من عرفة. حدثنا عبدالله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع ؟ قال: كان يسير العنق (1) فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: - والنص - فوق العنق. ورواه الامام أحمد وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن أسامة بن زيد به. وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة. قال: فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع حطمة (2) الناس خلفه قال: رويدا أيها الناس، عليكم السكينة إن البر ليس بالايضاع (3).


(1) العنق: نوع من سير الابل فيه إسراع. (2) الحطمة: ازدحام الناس ودفع بعضهم بعضا. (3) الايضاع: الاسراع. (*)

[ 355 ]

قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التحم عليه الناس أعنق وإذا وجد فرجة نص، حتى أتى المزدلفة فجمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة. ثم رواه الامام أحمد من طريق محمد بن إسحاق، حدثنى إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن أسامة بن زيد، فذكر مثله. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وأنا رديفه، فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها (1) ليكاد يصيب قادمة الرحل. ويقول: " يا أيها الناس عليكم السكينة والوقار، فإن البر ليس في إيضاع الابل ". وكذا رواه عن عفان، عن حماد بن سلمة به، ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به. ورواه مسلم عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون، عن عبدالملك بن أبى سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بنحوه. قال: وقال أسامة: فما زال يسير على هيئته حتى أتى جمعا. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا ابن أبى فديك، عن ابن أبى ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، أنه ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة حتى دخل الشعب، ثم أهراق الماء وتوضأ، ثم ركب ولم يصل. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، عن قتادة، عن عروة، عن الشعبى، عن أسامة بن زيد، أنه حدثه قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفات، فلم ترفع راحلته رجلها غادية حتى بلغ جمعا.


(1) الذفرى: العظم الشاخص خلف الاذن. (*)

[ 356 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، أخبرني أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة، فلما أتى الشعب نزل فبال، ولم يقل أهراق الماء، فصببت عليه فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت: الصلاة ؟ فقال: الصلاة أمامك. قال: ثم أتى المزدلفة فصلى المغرب، ثم حلوا رحالهم وأعنته ثم صلى العشاء. كذا رواه الامام أحمد عن كريب، عن ابن عباس عن أسامة بن زيد، فذكره. ورواه النسائي عن الحسين بن حريث (1)، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة ومحمد ابن أبى حرملة، كلاهما عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة. قال شيخنا أبو الحجاج المزى في أطرافه: والصحيح: كريب عن أسامة. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن أسامة بن زيد، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة، فنزل الشعب فبال ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة ؟ فقال: الصلاة أمامك. فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلى العشاء ولم يصل بينهما. وهكذا رواه البخاري أيضا عن القعنبى، ومسلم عن يحيى بن يحيى، والنسائي عن قتيبة عن مالك، عن موسى بن عقبة به. وأخرجاه من حديث يحيى بن سعيد الانصاري، عن موسى بن عقبة أيضا. ورواه مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة ومحمد بن عقبة، عن كريب، كنحو رواية أخيهما موسى بن عقبة عنه. وقال البخاري أيضا: حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبى حرملة، عن كريب، عن أسامة بن زيد، أنه قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما


(1) الحديث في سنن النسائي 2 / 46: حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان. (*)

[ 357 ]

بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الايسر الذى دون المزدلفة أناخ فبال ; ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا. فقلت: الصلاة يا رسول الله ؟ قال: الصلاة أمامك ; فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة ; فصلى ثم ردف الفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع. قال كريب: فأخبرني عبدالله بن عباس عن الفضل ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبى حتى بلغ الجمرة. ورواه مسلم عن قتيبة ويحيى بن يحيى. ويحيى بن أيوب ; وعلى بن حجر ; أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عمر بن ذر ; عن مجاهد عن أسامة بن زيد ; أن رسول الله أردفه من عرفة. قال: فقال الناس: سيخبرنا صاحبنا ما صنع. قال: فقال أسامة: لما دفع من عرفة فوقف كف رأس راحلته حتى أصاب رأسها واسطة الرحل أو كاد يصيبه، يشير إلى الناس بيده: السكينة السكينة السكينة. حتى أتى جمعا ثم أردف الفضل بن عباس، قال فقال الناس: سيخبرنا صاحبنا بما صنع رسول الله. فقال الفضل: لم يزل يسير سيرا لينا كسيره بالامس، حتى أتى على وادى محسر فدفع فيه حتى استوت به الارض. وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبى مريم، حدثنا إبراهيم بن سويد، حدثنى عمرو ابن أبى عمرو مولى المطلب، أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفى، حدثنى ابن عباس أنه دفع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجزا شديدا وضربا للابل فأشار بسوطه إليهم وقال: " أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالايضاع ". تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقد تقدم رواية الامام أحمد ومسلم والنسائي

[ 358 ]

هذا من طريق عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد. فالله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لما أفاض رسول الله من عرفات أوضع الناس، فأمر رسول الله مناديا ينادى: أيها الناس ليس البر بإيضاع الخيل ولا الركاب. قال: فما رأيت من رافعة يديها غادية حتى نزل جمعا. وقال الامام أحمد: حدثنا حسين وأبو نعيم، قالا: حدثنا إسرائيل، عن عبد العزيز ابن رفيع، قال: حدثنى من سمع ابن عباس يقول: لم ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات وجمع إلا أريق الماء. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبدالملك، عن أنس بن سيرين، قال: كنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح رحت معه حتى الامام، فصلى معه الاولى والعصر، ثم وقف وأنا وأصحاب لى حتى أفاض الامام فأفضنا معه، حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين (1) فأناخ وأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلى، فقال غلامه الذى يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضى حاجته. وقال البخاري: حدثنا موسى، حدثنا جويرية، عن نافع، قال: كان عبدالله بن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، غير أنه يمر بالشعب الذى أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدخل فينتفض ويتوضأ ولا يصلى حتى يجئ جمعا. تفرد به البخاري رحمه الله من هذا الوجه. وقال البخاري: حدثنا آدم بن أبى ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله، عن ابن عمر، قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما


(1) المأزمان مضيق بين جمع وعرفة، وآخر بين مكة ومنى. (*)

[ 359 ]

بإقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا. ثم قال مسلم: حدثنى حرملة، حدثنى ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب أن عبيدالله بن عبدالله بن عمر أخبره أن أباه قال: جمع رسول الله بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة، فصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين. فكان عبدالله يصلى بجمع كذلك حتى لحق بالله. ثم روى مسلم من حديث شعبة عن الحكم، وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، أنه صلى المغرب بجمع والعشاء بإقامة واحدة. ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك. وحدث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك. ثم رواه من طريق الثوري، عن سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة. ثم قال مسلم: حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة، حدثنا عبدالله بن جبير، حدثنا إسماعيل ابن أبى خالد، عن أبى إسحاق، قال: قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر، حتى أتينا جمعا فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم انصرف فقال: هكذا صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان. وقال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنى يحيى بن سعيد، حدثنى عدى بن ثابت، حدثنى عبدالله بن يزيد الخطمى، حدثنى أبو يزيد الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في حجة الوداع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة. ورواه البخاري أيضا في المغازى عن القعنبى، عن مالك، ومسلم من حديث سليمان

[ 360 ]

ابن بلال والليث بن سعد، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عدى بن ثابت. ورواه النسائي أيضا عن الفلاس عن يحيى القطان عن شعبة عن عدى بن ثابت به. ثم قال البخاري: باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو إسحاق، سمعت عبدالرحمن ابن يزيد يقول: حج عبدالله فأتينا المزدلفة حين الاذان بالعتمة أو قريبا من ذلك، فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أمر أرى رجلا فأذن وأقام. قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير. ثم صلى العشاء ركعتين فلما طلع الفجر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلى هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبدالله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر. قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. وهذا اللفظ وهو قوله: " والفجر حين يبزغ الفجر " أبين وأظهر من الحديث الآخر الذى رواه البخاري عن حفص بن عمر بن غياث، عن أبيه، عن الاعمش، عن عمارة عن عبدالرحمن عن عبدالله بن مسعود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء وصلاة الفجر قبل ميقاتها. ورواه مسلم من حديث أبى معاوية وجرير عن الاعمش به. وقال جابر في حديثه: ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. وقد شهد معه هذه الصلاة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائى. قال الامام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا ابن أبى خالد وزكريا، عن الشعبى، أخبرني

[ 361 ]

عروة بن مضرس، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بجمع فقلت: يا رسول الله جئتك من جبلى طيئ أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لى من حج ؟ فقال: من شهد معنا هذه الصلاة يعنى صلاة الفجر بجمع ووقف معنا حتى يفيض منه، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه (1). وقد رواه الامام أحمد أيضا وأهل السنن الاربعة من طرق، عن الشعبى، عن عروة ابن مضرس. وقال الترمذي: حسن صحيح. فصل وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم طائفة من أهله بين يديه من الليل قبل حطمة الناس من المزدلفة إلى منى. قال البخاري: باب من قدم ضعفه أهله بالليل، فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر. حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم: كان عبدالله بن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الامام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بليل.


(1) التفث: الشعث، وما كان من نحو قص الاظفار والشارب وحلق العانة وغير ذلك. (*)

[ 362 ]

وقال البخاري: حدثنا على بن عبدالله، حدثنا سفيان، أخبرني عبدالله بن أبى يزيد، سمع ابن عباس يقول: أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. وروى مسلم من حديث ابن جريج، أخبرني عطاء، عن ابن عباس، قال: بعث بى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بسحر مع ثقله. وقال الامام أحمد: حدثنا روح حدثنا سفيان الثوري، حدثنا سلمة بن كهيل، عن الحسن العرنى، (1) عن ابن عباس، قال: قدمنا رسول الله أغيلمة بنى عبدالمطلب على حراثنا فجعل يلطح (2) أفخاذنا بيده ويقول: أبنى لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. قال ابن عباس: ما أخال أحدا يرمى الجمرة حتى تطلع الشمس. وقد رواه أحمد أيضا عن عبدالرحمن بن مهدى، عن سفيان الثوري فذكره. وقد رواه أبو داود، عن محمد بن كثير، عن الثوري به. والنسائي عن محمد بن عبدالله بن يزيد، عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري به. وأخرجه بن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، وعلى بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن مسعر وسفيان الثوري، كلاهما عن سلمة بن كهيل به. وقال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو الأحوص، عن الاعمش، عن الحكم ابن عيينة، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: مر بنا رسول الله لية النحر وعلينا سواد من الليل، فجعل يضرب أفخاذنا ويقول: أبنى أفيضوا لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. ثم رواه الامام أحمد من حديث المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس،


(1) نسب إلى عرينة بن نذير.. بطن من بجيلة. اللباب 2 / 133. (2) يلطح: يضرب ببطن كفه. (*)

[ 363 ]

قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله من المزدلفة بليل، فجعل يوصيهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. وقال أبو داود: حدثنا عثمان ابن أبى شيبة، حدثنا الوليد بن عقبة، حدثنا حمزة الزيات بن حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفة أهله بغلس (1) ويأمرهم - يعنى أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس -. وكذا رواه النسائي عن محمود بن غيلان، عن بشر بن السرى، عن سفيان، عن حبيب. قال الطبراني: وهو ابن أبى ثابت. عن عطاء، عن ابن عباس. فخرج حمزة الزيات من عهدته وجاد إسناد الحديث. والله أعلم. * * * وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج، حدثنى عبدالله مولى أسماء، عن أسماء، أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلى فصلت ساعة ثم قالت: يا بنى هل غاب القمر ؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر ؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: ياهنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا. فقالت: يا بنى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن. ورواه مسلم من حديث ابن جريج به. فإن كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس، كما ذكر هاهنا، عن توقيف فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس، لان إسناد حديثها أصح من إسناد حديثه، اللهم إلا أن يقال: إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط، فلهذا أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الشمس وأذن للظعن في الرمى قبل طلوع الشمس، لانهم أثقل حالا وأبلغ في التستر. والله أعلم.


(1) الغلس: ظلمة آخر الليل. (*)

[ 364 ]

وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف، فحديث ابن عباس مقدم على فعلها. لكن يقوى الاول قول أبى داود: حدثنا محمد بن خلاد الباهلى، حدثنا يحيى، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أخبرني مخبر عن أسماء، أنها رمت الجمرة بليل. قلت: إنا رمينا الجمرة بليل. قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا أفلح بن حميد، عن القاسم، عن محمد، عن عائشة، قالت: نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا نحن حتى أصبحنا، ثم دفعنا بدفعه فلان أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلى من مفروح به. وأخرجه مسلم عن القعنبى عن أفلح بن حميد به. وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به. وقال أبو داود: حدثنا هارون بن عبدالله، حدثنا ابن أبى فديك، عن الضحاك - يعنى ابن عثمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو داود - يعنى عندها -. انفرد به أبو داود، وهو إسناد جيد قوى رجاله ثقات. ذكر تلبيته عليه السلام بالمزدلفة قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن كثير بن مدرك، عن عبدالرحمن بن يزيد، قال: قال عبدالله ونحن بجمع: سمعت الذى أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: لبيك اللهم لبيك.

[ 365 ]

فصل في وقوفه عليه السلام بالمشعر الحرام، ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس وإيضاعه في وادى محسر قال الله تعالى: " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام (1) " الآية وقال جابر في حديثه: فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا الله عزوجل وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ودفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وراءه. وقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة، عن ابن إسحاق، قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشرق ثبير، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض قبل أن تطلع الشمس. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، قال: خرجت مع عبدالله إلى مكة ثم قدمنا جمعا، فصلى صلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر. وقائل يقول: لم يطلع الفجر. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب فلا تقدم الناس جمعا حتى يقيموا، وصلاة الفجر هذه الساعة. ثم وقف حتى أسفر ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة. فلا أدرى: أقوله كان أسرع أو دفع عثمان، فلم يزل


(1) سورة البقرة 198. (*)

[ 366 ]

يلبى حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر. * * * وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا عبدالرحمن بن المبارك العبسى، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن المسور بن مخرمة، قال: خطبنا رسول الله بعرفة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإن أهل الشرك والاوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها، هدينا مخالف لهديهم. وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها، هدينا مخالف لهديهم ". قال: ورواه عبدالله بن إدريس، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان، سمعت الاعمش، عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من المزدلفة قبل طلوع الشمس. وقال البخاري: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبى، عن يونس الايلى، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عباس، أن أسامة كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى. قال: فكلاهما قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبى حتى رمى جمرة العقبة. ورواه ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وروى مسلم من حديث الليث بن سعد، عن أبى الزبير، عن أبى معبد، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال في عشية

[ 367 ]

عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة. وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى. قال: عليكم بحصى الخذف الذى يرمى به الجمرة. قال: ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى حتى رمى الجمرة. * * * وقال الحافظ البيهقى: باب الايضاع في وادى محسر (1). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو المقرى وأبو بكر الوراق، أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار وأبو بكر بن أبى شيبة، قالا: حدثنا حاتم بن اسماعيل، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر في حج النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حتى إذا أتى محسرا حرك قليلا. رواه مسلم في الصحيح، عن أبى بكر بن شيبة. ثم روى البيهقى من حديث سفيان الثوري، عن أبى الزبير، عن جابر قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأوضع في وادى محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار بمثل حصى الخذف. وقال: خذوا عنى مناسككم، لعلى لا أراكم بعد عامى هذا. ثم روى البيهقى من حديث الثوري، عن عبدالرحمن بن الحارث، عن زيد بن على، عن أبيه، عن عبيدالله بن أبى رافع، عن على، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من جمع حتى أتى محسرا، فقرع ناقته حتى جاوز الوادي فوقف، ثم أردف الفضل ثم أتى الجمرة فرماها. هكذا رواه مختصرا. وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد محمد بن عبدالله الزبيري، حدثنا سفيان بن عبدالرحمن بن الحارث بن عياش بن أبى ربيعة، عن زيد بن على، عن أبيه، عن


(1) محسر: واد قرب المزدلفة. (*)

[ 368 ]

عبيدالله بن أبى رافع، عن على قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: هذا الموقف وعرفة كلها موقف. وأفاض حين غابت الشمس وأردف أسامة، فجعل يعنق على بعيره، والناس يضربون يمينا وشمالا، لا يلتفت إليهم، ويقول: السكينة أيها الناس. ثم أتى جمعا فصل بهم الصلاتين، المغرب والعشاء، ثم بات حتى أصبح ثم أتى قزح (1) فوقف على قزح فقال: هذا الموقف وجمع كلها موقف. ثم سار حتى أتى محسرا فوقف عليه فقرع دابته فخبت حتى جاز الوادي ثم حبسها، ثم أردف الفضل وسار حتى أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر. قال: واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبى شيخ كبير قد أفند (2) وقد أدركته فريضة الله في الحج، فهل يجزئ عنه أن أؤدى عنه ؟ قال: نعم. فأدى عن أبيك. قال: ولوى عنق الفضل، فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال: " رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما ". قال: ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر. قال: انحر ولا حرج. ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله إنى أفضت قبل أن أحلق. قال: أحلق أو قصر ولا حرج. ثم أتى البيت فطاف ثم أتى زمزم فقال: يا بنى عبدالمطلب سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت معكم. وقد رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري. ورواه الترمذي عن بندار، عن أبى أحمد الزبيري. وابن ماجه عن على بن محمد عن يحيى ابن آدم. وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه من حديث على إلا من هذا الوجه.


(1) قزح: جبل بالمزدلفة. (2) أفند: أنكر عقله وأخطأ في رأيه لهرمه. (*)

[ 369 ]

قلت: وله شواهد من وجوه صحيحة مخرجة في الصحاح وغيرها. فمن ذلك: قصة الخثعمية، وهو في الصحيحين من طريق الفضل، وتقدمت في حديث جابر. وسنذكر من ذلك ما تيسر. وقد حكى البيهقى بإسناده عن ابن عباس أنه أنكر الاسراع في وادى محسر وقال: إنما كان ذلك من الاعراب. قال: والمثبت مقدم على النافي. قلت: وفى ثبوته عنه نظر والله أعلم. وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله، وصح من صنيع الشيخين أبى بكر وعمر أنهما كانا يفعلان ذلك، فروى البيهقى عن الحاكم عن النجاد وغيره، عن أبى على محمد بن معاذ بن المستهل المعروف بدران، عن القعنبى، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن المسور بن مخرمة، أن عمر كان يوضع ويقول: إليك تعدو قلقا وضينها * مخالفا دين النصارى دينها (1)


(1) الوضين: حزام الرحل. والقلق: المتسع، كناية عن هزال الناقة. (*)

[ 370 ]

ذكر رميه عليه السلام جمرة العقبة وحدها يوم النحر، وكيف رماها ومتى رماها، ومن أي موضع رماها وبكم رماها، وقطعه التلبية حين رماها قد تقدم من حديث أسامة والفضل وغيرهما من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين أنه عليه السلام لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة. وقال البيهقى: أنبأنا الامام أبو عثمان، أنبأنا أبو طاهر بن خزيمة، أنبأنا جدى - يعنى إمام الائمة محمد بن إسحاق بن خزيمة - حدثنا على بن حجر، حدثنا شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبى وائل، عن عبدالله، قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة. وبه عن ابن خزيمة: حدثنا عمر بن حفص الشيباني، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه عن على بن الحسين عن ابن عباس، عن الفضل. قال: أفضت مع رسول الله من عرفات فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. قال البيهقى: وهذه زيادة غريبة ليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس، عن الفضل وإن كان ابن خزيمة قد اختارها. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى أبان بن صالح، عن عكرمة، قال: أفضت مع الحسين بن على، فما أزال أسمعه يلبى حتى رمى جمرة العقبة، فلما قذفها أمسك. فقلت: ما هذا ؟ فقال: رأيت أبى على بن أبى طالب يلبى حتى رمى جمرة العقبة، وأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. وتقدم من حديث الليث عن أبى الزبير، عن أبى معبد، عن ابن عباس، عن أخيه

[ 371 ]

الفضل، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس في وادى محسر بحصى الخذف الذى يرمى به الجمرة. رواه مسلم. وقال أبو العالية: عن ابن عباس، حدثنى الفضل، قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة يوم النحر: هات فالقط لى حصى. فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف فوضعهن في يده فقال: " بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ". رواه البيهقى. وقال جابر في حديثه: حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي. رواه مسلم. وقال البخاري: وقال جابر رضى الله عنه: رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال. وهذا الحديث الذى علقه البخاري أسنده مسلم من حديث ابن جريج: أخبرني أبو الزبير سمع جابرا، قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس. وفى الصحيحين من حديث الاعمش عن إبراهيم، عن عبدالرحمن بن يزيد، قال: رمى عبدالله من بطن الوادي فقلت: يا أبا عبدالرحمن إن ناسا يرمونها من فوقها. فقال: والذى لا إله غيره هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. لفظ البخاري.

[ 372 ]

وفى لفظ له من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبدالرحمن، عن عبدالله بن مسعود، أنه أتى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذى أنزلت عليه سورة البقرة. ثم قال البخاري: باب من رمى الجمار بسبع يكبر مع كل حصاة: قاله ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إنما يعرف في حديث جابر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر كما تقدم، أنه أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف. وقد روى البخاري في هذه الترجمة من حديث الاعمش عن إبراهيم عن عبدالرحمن ابن يزيد، عن عبدالله بن مسعود، أنه رمى الجمرة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم قال: من هاهنا والذى لا إله غيره قام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وروى مسلم من حديث ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، سمع جابر بن عبدالله قال: رأيت رسول الله يرمى الجمرة بسبع مثل حصى الخذف. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن زكريا، حدثنا حجاج، عن الحكم، عن أبى القاسم - يعنى مقسما - عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة جمرة العقبة يوم النحر راكبا. ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، وقال: حسن. وأخرجه ابن ماجه، عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن أبى خالد الاحمر، عن الحجاج بن أرطاة به. وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي من حديث يزيد بن [ أبى ] (1) زياد، عن سليمان بن عمرو بن الاحوص، عن أمه أم جندب الازدية، قالت: رأيت رسول الله


(1) من سنن أبى داود 1 / 309 (*)

[ 373 ]

صلى الله عليه وسلم يرمى الجمار من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن عباس. فازدحم الناس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموه بمثل حصى الخذف ". لفظ أبى داود. وفى رواية له قالت: رأيته عند جمرة العقبة راكبا ورأيت بين أصابعه حجرا، فرمى ورمى الناس ولم يقم عندها. ولابن ماجه قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر عند جمرة العقبة وهو راكب على بغلة وذكر الحديث. وذكر البغلة هاهنا غريب جدا. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر ابن عبدالله يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمى الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: " لتأخذوا مناسككم، فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه ". وروى مسلم أيضا من حديث زيد بن أبى أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين، سمعتها تقول: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته يوم النحر وهو يقول: " لتأخذوا مناسككم فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه ". وفى رواية قالت: حججت مع رسول الله حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد محمد بن عبدالله الزبيري، حدثنا أيمن بن نابل

[ 374 ]

حدثنا قدامة بن عبدالله الكلابي، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمره العقبة من بطن الوادي يوم النحر عن ناقة له صهباء (1)، لا ضرب ولا رد ولا إليك إليك (2) ! ورواه أحمد أيضا عن وكيع ومعتمر بن سليمان وأبى قرة موسى بن طارق الزبيدى، ثلاثتهم عن أيمن بن نابل به. ورواه أيضا عن أبى قرة عن سفيان الثوري عن أيمن. وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث وكيع به. ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، عن أيمن بن نابل به. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا نوح بن ميمون، حدثنا عبدالله - يعنى العمرى - عن نافع، قال: كان ابن عمر يرمى جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا. وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا. ورواه أبو داود عن القعنبى، عن عبدالله العمرى به. فصل قال جابر: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاث وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. وسنتكلم على هذا الحديث. وقال الامام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن حميد الاعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمى، عن عبدالرحمن بن معاذ، عن رجل من أصحاب النبي


(1) الصهباء: التى يضرب لونها إلى الحمرة. (2) إليك إليك: اسم فعل أمر بمعنى ابتعد. (*)

[ 375 ]

صلى الله عليه وسلم، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ونزلهم منازلهم فقال: لينزل المهاجرون هاهنا. وأشار إلى ميمنة القبلة والانصار هاهنا. وأشار إلى ميسرة القبلة. ثم لينزل الناس حولهم. قال: وعلمهم مناسكهم، ففتحت أسماع أهل منى حتى سمعوه في منازلهم. قال: فسمعته يقول: ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف. وكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل إلى قوله: ثم لينزل الناس حولهم. وقد رواه الامام أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه. وأبو داود عن مسدد، عن عبد الوارث، وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث، عن حميد بن قيس الاعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمى، عن عبدالرحمن بن معاذ التيمى، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كأنا نسمع ما يقول. الحديث. * * * ذكر جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرك على بن أبى طالب في الهدى، وأن جماعة الهدى الذى قدم به على من اليمن والذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الابل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة. قال ابن حبان وغيره: وذلك مناسب لعمره عليه السلام، فإنه كان ثلاثا وستين سنة ! وقد قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، حدثنا محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج مائة بدنة نحر منها بيده ستين وأمر ببقيتها

[ 376 ]

فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر فأكل منها وحسا من مرقها. قال: ونحر يوم الحديبية سبعين، فيها جمل أبى جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. وقد روى ابن ماجه بعضه عن أبى بكر بن أبى شيبة، وعلى بن محمد عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن ابن أبى ليلى به. وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن محمد بن إسحاق، حدثنى رجل، عن عبدالله بن أبى نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس، قال: أهدى رسول الله في حجة الوداع مائة بدنة، نحر منها ثلاثين بدنة [ بيده ] (1) ثم أمر عليا فنحر ما بقى منها. وقال: اقسم لحومها وجلودها وجلالها بين الناس، ولا تعطين جزارا منها شيئا، وخذ لنا من كل بعير جدية (2) من لحم، واجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها ونحسو من مرقها. ففعل. وثبت في الصحيحين من حديث مجاهد، عن ابى أبى ليلى، عن على، قال: أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطى الجزار منها شيئا وقال: نحن نعطيه من عندنا. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن عبدالله بن الحارث الازدي، سمعت عرفة بن الحارث قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى بالبدن فقال: ادع لى أبا حسن. فدعى له على. فقال: خذ بأسفل الحربة. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما فرغ ركب بغلته وأردف عليا. تفرد به أبو داود، وفى إسناده ومتنه غرابة. والله أعلم.


(1) ليست في ا (2) الجدية: القطعة. (*)

[ 377 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، أنبأنا عبدالله، أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن الحكم، عن أبى القاسم - يعنى مقسما - عن ابن عباس، قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة ثم ذبح ثم حلق. وقد ادعى ابن حزم أنه ضحى عن نسائه بالبقر وأهدى بمنى بقرة، وضحى هو بكبشين أملحين. صفة حلقه رأسه الكريم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق في حجته. ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - عن عبد الرزاق. وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، قال: قال نافع: كان عبدالله بن عمر يقول: حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته. ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة عن نافع به. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، أن عبدالله بن عمر قال: حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة من أصحابه وقصر بعضهم. ورواه مسلم من حديث الليث، عن نافع به. وزاد: قال عبدالله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله المحلقين " مرة أو مرتين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين ؟ قال: والمقصرين. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا وكيع وأبو داود الطيالسي، عن يحيى بن الحصين، عن جدته، أنها سمعت رسول الله في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة. ولم يقل وكيع: في حجة الوداع.

[ 378 ]

وهكذا روى هذا الحديث مسلم من حديث مالك وعبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، وعمارة عن أبى زرعة عن أبى هريرة، والعلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه عن أبى هريرة. وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قال للحلاق: خذ. وأشار إلى جانبه الايمن ثم الايسر، ثم جعل يعطيه الناس. وفى رواية له أنه حلق شقه الايمن فقسمه بين الناس من شعرة وشعرتين، وأعطى شقه الايسر لابي طلحة. وفى رواية له أنه أعطى الايمن لابي طلحة وأعطاه الايسر وأمره أن أن يقسمه بين الناس. وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه. وقد أطاف به أصحابه ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل. انفرد به أحمد. فصل ثم لبس عليه السلام ثيابه وتطيب بعد ما رمى جمرة العقبة ونحر هديه وقبل أن يطوف بالبيت طيبته عائشة أم المؤمنين. قال البخاري: حدثنا على بن عبدالله بن المدينى، حدثنا سفيان - هو ابن عيينة - حدثنا عبدالرحمن بن القاسم بن محمد، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع اباه وكان أفضل أهل زمانه يقول: إنه سمع عائشة تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى

[ 379 ]

هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف، وبسطت يديها. وقال مسلم: حدثنا يعقوب الدورقى وأحمد بن منيع، قالا: حدثنا هشيم، أخبرنا منصور، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قال: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وروى النسائي من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: طيبت رسول الله لحرمه حين أحرم ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت. وقال الشافعي: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم، قال قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله لحله وإحرامه. ورواه عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن سالم، عن عائشة. فذكره وفى الصحيحين من حديث ابن جريج: أخبرني عمر بن عبدالله بن عروة، أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة أنها قالت: طيبت رسول الله بيدى بذريرة في حجة الوداع للحل والاحرام. ورواه مسلم من حديث الضحاك بن عثمان، عن أبى الرجال، عن أمه عمرة، عن عائشة به. وقال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العوفى، عن ابن عباس أنه قال: إذا رميتم الجمرة فقد حللتم من كل شئ كان عليكم حراما إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت. فقال رجل: والطيب يا أبا العباس ؟ فقال له: إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب هو أم لا ! وقال محمد بن إسحاق: حدثنى أبو عبيدة، عن عبدالله بن زمعة، عن أبيه وأمه

[ 380 ]

زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: كانت الليلة التى يدور فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النحر، فكان رسول الله عندي، فدخل وهب بن زمعة ورجل من آل أبى أمية متقمصين. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضتما ؟ قالا: لا. قال: فانزعا قميصيكما فنزعاهما. فقال له وهب: ولم يا رسول الله ; فقال: هذا يوم أرخص لكم فيه إذا رميتم الجمرة ونحرتم هديا إن كان لكم فقد حللتم من كل شئ حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت، فإذا رميتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تطوفوا بالبيت. وهكذا رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، كلاهما عن ابن أبى عدى، عن ابن إسحاق فذكره. وأخرجه البيهقى عن الحاكم، عن أبى بكر بن أبى إسحاق، عن أبى المثنى العنبري، عن يحيى بن معين. وزاد في آخره: قال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس بنت محصن، قالت: خرج من عندي عكاشة ابن محصن في نفر من بنى أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلينا عشيا وقمصهم على أيديهم يحملونها، فسألتهم فأخبروها بمثل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب بن زمعة وصاحبه. وهذا الحديث غريب جدا، لا أعلم أحدا من العلماء قال به.

[ 381 ]

ذكر إفاضته عليه السلام إلى البيت العتيق قال جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فأفاض (1) ] إلى البيت، فصلى بمكة الظهر فأتى بنى عبدالمطلب وهم يسقون على زمزم. فقال: " انزعوا بنى عبدالمطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم " فناولوه دلوا فشرب منه. رواه مسلم. ففى هذا السياق ما يدل على أنه عليه السلام ركب إلى مكة قبل الزوال فطاف بالبيت، ثم لما فرغ صلى الظهر هناك. وقال مسلم أيضا: أخبرنا محمد بن رافع، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا عبيدالله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وهذا خلاف حديث جابر، وكلاهما عند مسلم. فإن عللنا بهما أمكن أن يقال: إنه عليه السلام صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتطرونه فصلى بهم. والله أعلم. ورجوعه عليه السلام إلى منى في وقت الظهر ممكن، لان ذلك الوقت كان صيفا والنهار طويل، وإن كان قد صدر منه عليه السلام أفعال كثيرة في صدر هذا النهار، فإنه دفع فيه من المزدلفة بعد ما أسفر الفجر جدا، ولكنه قبل طلوع الشمس، ثم قدم منى فبدأ برمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم جاء فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة ونحر على بقية المائة، ثم أخذت من كل بدنة بضعة ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت فأكل من ذلك اللحم وشرب من ذلك المرق. وفى غضون ذلك حلق رأسه عليه السلام وتطيب، فلما فرغ من هذا كله ركب إلى البيت.


(1) من صحيح مسلم 4 / 42 (*)

[ 382 ]

وقد خطب عليه السلام في هذا اليوم خطبة عظيمة. ولست أدرى أكانت قبل ذهابه إلى البيت أو بعد رجوعه منه إلى منى. فالله أعلم. * * * والقصد أنه ركب إلى البيت فطاف به سبعة أطواف راكبا، ولم يطف بين الصفا والمروة، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر وعائشة رضى الله عنهما. ثم شرب من ماء زمزم ومن نبيذ تمر من ماء زمزم. فهذا كله مما يقوى قول من قال: إنه عليه السلام صلى الظهر بمكة، كما رواه جابر. ويحتمل أنه رجع إلى منى في آخر وقت الظهر فصلى بأصحابه بمنى الظهر أيضا. وهذا هو الذى أشكل على ابن حزم فلم يدر ما يقول فيه، وهو معذور لتعارض الروايات الصحيحة فيه. والله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا على بن بحر وعبد الله بن سعيد المعنى، قالا: حدثنا أبو خالد الاحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالى أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. قال ابن حزم: فهذا جابر وعائشة قد اتفقا على أنه عليه السلام صلى الظهر يوم النحر بمكة. وهما والله أعلم أضبط لذلك من ابن عمر. كذا قال: وليس بشئ، فإن رواية عائشة هذه ليست ناصة أنه عليه السلام صلى الظهر بمكة، بل محتملة إن كان المحفوظ في الرواية: " حتى صلى الظهر ". وإن كانت الرواية " حين صلى الظهر " وهو الاشبه فإن ذلك دليل على أنه عليه السلام صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب إلى البيت، وهو محتمل. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 383 ]

وعلى هذا فيبقى مخالفا لحديث جابر، فإن هذا يقتضى أنه صلى الظهر بمنى قبل أن يركب إلى البيت، وحديث جابر يقتضى أنه ركب إلى البيت قبل أن يصلى الظهر وصلاها بمكة. وقد قال البخاري: وقال أبو الزبير، عن عائشة، وابن عباس، أخر النبي صلى الله عليه وسلم - يعنى طواف الزيارة إلى الليل -. وهذا الذى علقه البخاري قد رواه الناس من حديث يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى وفرج بن ميمون، عن سفيان الثوري، عن أبى الزبير عن عائشة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل. ورواه أهل السنن الاربعة من حديث سفيان به. وقال الترمذي. حسن. وقال الامام أحمد. حدثنا محمد بن عبدالله، حدثنا سفيان، عن أبى الزبير، عن عائشة وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار ليلا. فإن حمل هذا على أنه أخر ذلك إلى ما بعد الزوال كأنه يقول إلى العشى، صح ذلك وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا ومخالف لما ثبت في الاحاديث الصحيحة المشهورة من أنه عليه السلام طاف يوم النحر نهارا، وشرب من سقاية زمزم. وأما الطواف الذى ذهب في الليل إلى البيت بسببه فهو طواف الوداع. ومن الرواة من يعبر عنه بطواف الزيارة، كما سنذكره إن شاء الله. أو طواف زيارة محضة قبل طواف الوداع وبعد طواف الصدر الذى هو طواف الفرض. وقد ورد حديث سنذكره في موضعه: أن رسول الله كان يزور البيت كل ليلة من ليالى منى، وهذا بعيد أيضا والله أعلم. وقد روى الحافظ البيهقى من حديث عمرو بن قيس، عن عبدالرحمن، عن القاسم

[ 384 ]

عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله أذن لاصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا. وهذا حديث غريب جدا أيضا. وهذا قول طاوس وعروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل. والصحيح من الروايات وعليه الجمهور: أنه عليه السلام طاف يوم النحر بالنهار، والاشبه أنه كان قبل الزوال، ويحتمل أن يكون بعده. والله أعلم. * * * والمقصود أنه عليه السلام لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا وهو راكب، ثم جاء زمزم وبنو عبدالمطلب يستقون منها ويسقون الناس، فتناول منها دلوا فشرب منه وأفرغ عليه منه. كما قال مسلم: أخبرنا محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد الطويل، عن بكر بن عبدالله المزني، سمع ابن عباس يقول وهو جالس معه عند الكعبة: قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فأتيناه بإناء فيه نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة. وقال: أحسنتم وأجملتم هكذا فاصنعوا ". قال ابن عباس: فنحن لا نريد أن نغير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى رواية عن بكر أن أعرابيا قال لابن عباس: مالى أرى بنى عمكم يسقون اللبن والعسل وأنتم تسقون النبيذ، أمن حاجة بكم أم من بخل ؟ فذكر له ابن عباس هذا الحديث. وقال أحمد: حدثنا روح، حدثنا حماد، عن حميد، عن بكر، عن عبدالله أن أعرابيا قال لابن عباس: ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل، وآل فلان يسقون اللبن، وأنتم تسقون النببذ، أمن بخل بكم أم حاجة ؟

[ 385 ]

فقال ابن عباس: ما بنا بخل ولا حاجة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا ورديفه أسامة بن زيد فاستسقى فسقيناه من هذا - يعنى نبيذ السقاية - فشرب منه وقال: " أحسنتم هكذا فاصنعوا ". ورواه أحمد، عن روح ومحمد بن بكر، عن ابن جريج، عن حسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس، وداود بن على بن عبدالله بن عباس، عن ابن عباس فذكره. وروى البخاري عن إسحاق بن سليمان [ حدثنا خالد ] عن خالد [ الحذاء ]، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله بشراب من عندها. فقال: اسقنى. فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقنى. فشرب منه. ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها. فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح. ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزعت حتى أضع الحبل على هذه - يعنى عاتقه - وأشار إلى عاتقه. وعنده من حديث عاصم عن الشعبى، أن ابن عباس قال: سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم. قال عاصم: فحلف عكرمة: ما كان يومئذ إلا على بعير وفى رواية: ناقته. وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا يزيد بن أبى زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على بعير واستلم الحجر بمحجن كان معه. قال: وأتى السقاية فقال: اسقوني. فقالوا: إن هذا يخوضه الناس ولكنا نأتيك به من البيت. فقال: لا حاجة لى فيه اسقوني مما يشرب الناس. وقد روى أبو داود عن مسدد، عن خالد الطحان، عن يزيد بن أبى زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله مكة ونحن نستقي فطاف على راحلته. الحديث.

[ 386 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا روح وعفان، قالا: حدثنا حماد، عن قيس، وقال عفان في حديثه: أنبأنا قيس عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فنزعنا له دلوا فشرب، ثم مج فيها ثم أفرغناها في زمزم. ثم قال: لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدى. انفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم. فصل ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يعد الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بل اكتفى بطوافه الاول. كما روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبدالله يقول: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. قلت: والمراد بأصحابه هاهنا الذين ساقوا الهدى وكانوا قارنين. كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: - وكانت أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة -: " يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك ". وعند أصحاب الامام أحمد أن قول جابر وأصحابه عام في القارنين والمتمتعين. ولهذا نص الامام أحمد على أن المتمتع يكفيه طواف واحد عن حجه وعمرته، وإن تحلل بينهما تحلل. وهو قول غريب، مأخذه ظاهر عموم الحديث. والله أعلم. وقال أصحاب أبى حنيفة في المتمتع كما قال المالكية والشافعية: أنه يجب عليه طوافان وسعيان، حتى طردت الحنفية ذلك في القارن، وهو من أفراد مذهبهم أنه يطوف

[ 387 ]

طوافين ويسعى سعيين، ونقلوا ذلك عن على موقوفا. وروى عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قدمنا الكلام على ذلك كله عند الطواف، وبينا أن أسانيد ذلك ضعيفة مخالفة للاحاديث الصحيحة. والله أعلم. فصل ثم رجع عليه السلام إلى منى بعد ما صلى الظهر بمكة، كما دل عليه حديث جابر. وقال ابن عمر: رجع فصلى الظهر بمنى. رواهما مسلم كما تقدم قريبا. ويمكن الجمع بينهما بوقوع ذلك بمكة وبمنى والله أعلم. وتوقف ابن حزم في هذا المقام فلم يجزم فيه بشئ، وهو معذور لتعارض النقلين الصحيحين فيه. فالله أعلم. وقال محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالى أيام التشريق يرمى الجمرات إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. رواه أبو داود منفردا به. وهذا يدل على أن ذهابه عليه السلام إلى مكة يوم النحر كان بعد الزوال. وهذا ينافى حديث ابن عمر قطعا وفى منافاته لحديث جابر نظر. والله أعلم. فصل وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم الشريف خطبة عظيمة تواترت

[ 388 ]

بها الاحاديث ونحن نذكر منها ما يسره الله عزوجل. قال البخاري: باب الخطبة أيام منى: حدثنا على بن عبدالله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا فضيل بن غزوان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا. قالوا: يوم حرام قال: فأى بلد هذا ؟ قالوا: بلد حرام. قال: فأى شهر هذا ! قالوا: شهر حرام. قال: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " قال: فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت ! اللهم قد بلغت. قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته: فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه الترمذي عن الفلاس عن يحيى القطان به. وقال: حسن صحيح. وقال البخاري أيضا: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا أبو عامر، حدثنا قرة، عن محمد بن سيرين أخبرني عبدالرحمن بن أبى بكرة عن أبيه ورجل أفضل في نفسي من عبدالرحمن حميد بن عبدالرحمن، عن أبى بكرة رضى الله عنه، قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: أتدرون أي يوم هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس هذا يوم النحر ؟ قلنا بلى ؟ قال: أي شهر هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى. قال: أي بلد هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس بالبلد الحرام ؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم. ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد فليبلغ الشاهد

[ 389 ]

الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه البخاري ومسلم من طرق، عن محمد بن سيرين به. ورواه مسلم من حديث عبدالله بن عون، عن ابن سيرين، عن عبدالرحمن بن أبى بكرة، عن أبيه فذكره. وزاد في آخره: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جذيعة من الغنم فقسمها بيننا. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبى بكرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان. ثم قال: ألا أي يوم هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر ؟ قلنا: بلى. ثم قال: أي شهر هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى. ثم قال: أي بلد هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال، أليست البلدة [ الحرام ] قلنا: بلى قال: فإن دماءكم وأموالكم - لاحسبه قال: وأعراضكم - عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدى ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت ؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه. هكذا وقع في مسند الامام أحمد، عن محمد بن سيرين، عن أبى بكرة. وهكذا رواه أبو داود عن مسدد. والنسائي عن عمرو بن زرارة، كلاهما عن إسماعيل - وهو ابن علية - عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبى بكرة به.

[ 390 ]

وهو منقطع لان صاحبا الصحيح أخرجاه من غير وجه عن أيوب وغيره، عن محمد ابن سيرين، عن عبدالرحمن بن أبى بكرة، عن أبيه به. وقال البخاري أيضا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر قال، قال: النبي صلى الله عليه وسلم بمنى: أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن هذا يوم حرام، أفتدرون أي بلد هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بلد حرام. قال: أفتدرون أي شهر هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: شهر حرام. قال: فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وقد أخرجه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه، وبقية الجماعة إلا الترمذي، من طرق عن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر، عن جده عبدالله بن عمر فذكره. قال البخاري: وقال هشام بن الغاز (1) أخبرني نافع، عن ابن عمر [ قال ] وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التى حج بهذا (2) وقال: هذا يوم الحج الاكبر. فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اشهد. وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع. وقد أسند هذا الحديث أبو داود، عن مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم. وأخرجه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، كلاهما عن هشام بن الغاز ابن ربيعة الجرشى أبى العباس الدمشقي به. * * *


(1) بحذف الياء وإثباتها، قاعل من الغزو. (2) قال ابن حجر: بهذا، أي بالحديث الذى تقدم من طريق محمد بن زيد عن جده. قال: وأراد المصنف بذلك أصل الحديث وأصل معناه لكن السياق مختلف. وفسر الكرماني لفظة " بهذا " بقوله: وقف متلبسا بهذا الكلام المذكور يريد التفويض بقولهم: الله ورسوله أعلم والباء في بهذا تتعلق بقوله: وقف النبي. انظر إرشاد السارى 3 / 244 (*)

[ 391 ]

وقيامه عليه السلام بهذه الخطبة عند الجمرات يحتمل أنه بعد رميه الجمرة يوم النحر وقبل طوافه. ويحتمل أنه بعد طوافه ورجوعه إلى منى ورميه بالجمرات. لكن يقوى الاول ما رواه النسائي حيث قال: حدثنا عمرو بن هشام الحرانى، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبى عبدالرحيم، عن زيد بن أبى أنيسة، عن يحيى بن حصين الاحمسي، عن جدته أم حصين قالت: حججت في حجة النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت بلالا آخذا بقود راحلته وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر وهو محرم حتى رمى جمرة العقبة. ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكر قولا كثيرا وقد رواه مسلم من حديث زيد بن أبى أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين قالت: حججت مع رسول الله حجة الوداع فرأيت أسامة وبلال أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. قالت: فقال رسول الله قولا كثيرا. ثم سمعته يقول: " إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت أسود - يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا ". وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيدالله، حدثنا الاعمش، عن أبى صالح - وهو ذكوان السمان - عن جابر، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: أي يوم أعظم حرمة ؟ قالوا: يومنا هذا. قال: أي شهر أعظم حرمة ؟ قالوا: شهرنا هذا. قال: أي بلد أعظم حرمة ؟ قالوا: بلدنا هذا. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال اللهم اشهد. انفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط الصحيحين. ورواه أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى معاوية، عن الاعمش به.

[ 392 ]

وقد تقدم حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في خطبته عليه السلام يوم عرفة. فالله أعلم. قال الامام أحمد: حدثنا على بن بحر، حدثنا عيسى بن يونس، عن الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. فذكر معناه. وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس به. وإسناده على شرط الصحيحين. فالله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو هشام، حدثنا حفص، عن الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة وأبى سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام: قال: " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ". ثم قال البزار: رواه أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة وأبى سعيد. وجمعهما لنا أبو هشام. عن حفص بن غياث، عن الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة وأبى سعيد. قلت: وتقدم رواية أحمد له عن محمد بن عبيد الطنافسى، عن الاعمش، عن أبى صالح، عن جابر بن عبدالله، فلعله عند أبى صالح عن الثلاثة. والله أعلم. * * * وقال هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الاشجعى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: " إنما هن أربع، لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا ولا تسرقوا ". قال: فما أنا بأشح عليهن منى حين سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 393 ]

وقد رواه أحمد والنسائي من حديث منصور، عن هلال بن يساف. وكذلك رواه سفيان بن عيينة والثوري عن منصور. وقال ابن حزم في حجة الوداع: حدثنا أحمد بن عمر بن أنس العذري، حدثنا أبو ذر عبدالله بن أحمد الهروي الانصاري، حدثنا أحمد بن عبدان الحافظ بالاهواز، حدثنا سهل بن موسى بن شيرزاد، حدثنا موسى بن عمرو بن عاصم، حدثنا أبو العوام، حدثنا محمد بن جحادة، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: شهدت رسول الله في حجة الوداع وهو يخطب وهو يقول: " أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك " قال: فجاء قوم فقالوا: يا رسول الله قتلنا بنو يربوع. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجنى نفس على أخرى " ثم سأله رجل نسى أن يرمى الجمار، فقال: " ارم ولا حرج " ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله نسيت الطواف فقال: طف ولا حرج. ثم أتاه آخر حلق قبل أن يذبح قال: اذبح ولا حرج. فما سألوه يومئذ عن شئ إلا قال: " لا حرج لا حرج ". ثم قال: " قد أذهب الله الحرج إلا رجلا اقترض امرءا مسلما فذلك الذى حرج وهلك ". وقال " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم ". وقد روى الامام أحمد وأهل السنن بعض هذا السياق من هذه الطريق. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنى شعبة، عن على بن مدرك، سمعت أبا زرعة يحدث عن جرير - وهو جده -، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: في حجة الوداع: يا جرير استنصت الناس. ثم قال: في خطبته: " لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ". ثم رواه أحمد، عن غندر وعن ابن مهدى، كل منهما عن شعبة به. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به.

[ 394 ]

وقال أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن قيس، قال بلغنا أن جريرا قال: قال رسول الله: استنصت الناس. ثم قال عند ذلك: " لا أعرفن بعد ما أرى ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ": ورواه النسائي من حديث عبدالله بن نمير به. وقال النسائي: حدثنا هناد بن السرى، عن أبى الاحوص، عن ابن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه، قال: شهدت رسول الله في حجة الوداع يقول: أيها الناس. ثلاث مرات. أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم الحج الاكبر. قال: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ولا يجنى جان على ولده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية يوضع، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " وذكر تمام الحديث. * * * وقال أبو داود: باب من قال يخطب (1) يوم النحر: حدثنا هارون بن عبدالله، حدثنا هشام بن عبدالملك، حدثنا عكرمة - هو ابن عمار - حدثنا الهرماس بن زياد الباهلى قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الاضحى بمنى. ورواه أحمد والنسائي من غير وجه، عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس. قال: كان أبى مردفي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى يوم النحر على ناقته العضباء.


(1) أبو داود 1 / 307: خطب. (*)

[ 395 ]

لفظ أحمد، وهو من ثلاثيات المسند. ولله الحمد. ثم قال أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحرانى، حدثنا الوليد (1)، حدثنا ابن جابر، حدثنا سليم بن عامر [ الكلاعى (2) ] سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر. وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر الكلاعى، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ على الجدعاء واضع رجليه في الغرز يتطاول ليسمع الناس. فقال بأعلى صوته: ألا تسمعون ؟ فقال رجل من طوائف الناس: يا رسول الله ماذا تعهد إلينا ؟ فقال: " اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا إذا أمرتم، تدخلوا جنة ربكم ". فقلت: يا أبا أمامة مثل من أنت يومئذ ؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير أزحزحه قدما لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه أحمد أيضا عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، وأخرجه الترمذي عن موسى بن عبدالرحمن الكوفى، عن زيد بن الحباب، وقال: حسن صحيح. قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا إسماعيل بن عباس، حدثنا شرحبيل ابن مسلم الخولانى، سمعت أبا أمامة الباهلى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: " إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيتها إلا بإذن زوجها ".


(1) أبو داود: حدثنا الوليد بن جابر، حدثنا سليم. (2) من سنن أبى داود 1 / 307 (*)

[ 396 ]

فقيل: يا رسول الله ولا الطعام ؟ قال: ذاك أفضل أموالنا. ثم قال رسول الله: " العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدين مقضى، والزعيم غارم ". ورواه أهل السنن الاربعة من حديث إسماعيل بن عياش، وقال الترمذي: حسن. ثم قال أبو داود رحمه الله: باب متى يخطب (1) يوم النحر: حدثنا عبد الوهاب بن عبدالرحيم الدمشقي، حدثنا مروان، عن هلال بن عامر المزني، حدثنى رافع بن عمرو المزني، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلى يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد. ورواه النسائي عن دحيم، عن مروان الفزارى به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هلال بن عامر المزني، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله يخطب الناس بمنى على بغلة وعليه برد أحمر. قال: ورجل من أهل بدر بين يديه يعبر عنه. قال: فجئت حتى أدخلت يدى بين قدمه وشراكه. قال: فجعلت أعجب من بردها. حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا شيخ من بنى فزارة، عن هلال بن عامر المزني، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله على بغلة شهباء وعلى يعبر عنه. ورواه أبو داود من حديث أبى معاوية، عن هلال بن عامر. ثم قال أبو داود: باب ما يذكر الامام في خطبته بمنى: حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، عن حميد الاعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمى، عن عبدالرحمن بن معاذ التيمى، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع السبابتين


(1) أبو داود: أي وقت يخطب. (*)

[ 397 ]

ثم قال بحصى الخذف، ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الانصار فنزلوا من وراء المسجد، ثم نزل الناس بعد ذلك. وقد رواه أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه. وأخرجه النسائي من حديث ابن المبارك، عن عبد الوارث كذلك. وتقدم رواية الامام أحمد له عن عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن ابراهيم التيمى، عن عبدالرحمن بن معاذ، عن رجل من الصحابة. فالله أعلم. وثبت في الصحيحين من حديث ابن جريج، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو يخطب يوم النحر فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا وكذا. ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افعل ولا حرج ". وأخرجاه من حديث مالك. زاد مسلم: ويونس عن الزهري به. وله ألفاظ كثيرة ليس هذا موضع استقصائها. ومحله كتاب الاحكام وبالله المستعان. وفى لفظ الصحيحين قال: فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم عن شئ قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. فصل ثم نزل عليه السلام بمنى حيث المسجد اليوم، فيما يقال، وأنزل المهاجرين يمنته والانصار يسرته والناس حولهم من بعدهم. وقال الحافظ البيهقى: أبو عبد الله الحافظ أنبأنا على بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، حدثنا عبيدالله بن موسى، أنبأنا إسرائيل، عن

[ 398 ]

إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أم مسيكة، عن عائشة، قالت: قيل يا رسول الله: ألا نبنى لك بمنى بناء يظلك ؟ قال: لا، منى مناخ من سبق. وهذا إسناد لا بأس به، وليس هو في المسند ولا في الكتب الستة من هذا الوجه. وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلى، حدثنا يحيى، عن ابن جريج [ حدثنى حريز (1) ] أو أبو حريز الشك من يحيى، أنه سمع عبدالرحمن بن فروخ يسأل ابن عمر قال: إنا نتبايع بأموال الناس فيأتى أحدنا مكة فيبيت على المال، فقال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات بمنى وظل. انفرد به أبو داود (2). ثم قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن عبيدالله عن نافع، عن ابن عمر قال استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته فأذن له. وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن نمير. زاد البخاري: وأبى ضمرة أنس بن عياض. زاد مسلم: وأبى أسامة حماد بن أسامة. وقد علقه البخاري عن أبى أسامة وعقبة بن خالد، كلهم عن عبيدالله ابن عمر به. * * * وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلى بأصحابه بمنى ركعتين، كما ثبت عنه ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود وحارثة بن وهب رضى الله عنهما. ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن سبب هذا القصر النسك، كما هو قول طائفة من المالكية وغيرهم. قالوا: ومن قال: إنه عليه السلام كان يقول بمنى لاهل مكة: أتموا


(1) سقط من المطبوعة. (2) سنن أبى داود 1 / 308. (*)

[ 399 ]

فإنا قوم سفر: فقد غلط إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو نازل بالابطح، كما تقدم. والله أعلم. وكان صلى الله عليه سلم يرمى الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى بعد الزوال كما قال جابر فيما تقدم، ماشيا كما قال ابن عمر فيما سلف، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ويقف عند الاولى وعند الثانية يدعو الله عزوجل ولا يقف عند الثالثة. قال أبو داود: حدثنا على بن بحر، وعبد الله بن سعيد المعنى، قالا حدثنا أبو خالد الاحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها [ ليالى (1) ] أيام التشريق، يرمى الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويقف عند الاولى والثانية فيطيل المقام ويتضرع، ويرمى الثالثة لا يقف عندها. انفرد به أبو داود. وروى البخاري من غير وجه، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم ثم يسهل، فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمى الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة، ويدعو، ويرجع يديه، ويقوم طويلا. ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وقال وبرة بن عبدالرحمن: قام ابن عمر عند العقبة بقدر قراءة سورة البقرة. وقال أبو مجلز: حزرت قيامه بقدر قراءة سورة يوسف. ذكرهما البيهقى.


(1) من سنن أبى داود 1 / 309. (*)

[ 400 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبى بكر، عن أبيه، عن أبى القداح، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوما ويرعوا يوما. وقال أحمد: حدثنا محمد بن أبى بكر وأنبأنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد ابن أبى بكر بن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن أبى القداح بن عاصم بن عدى، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرموا الغد. وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن، حدثنا مالك، عن عبدالله بن بكر، عن أبيه، عن أبى القداح بن عاصم بن عدى عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء الابل في البيتوتة بمنى حتى يرموا يوم النحر ثم يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر. وكذا رواه عن عبد الرزاق عن مالك بنحوه. وقد رواه أهل السنن الاربعة من حديث مالك ومن حديث سفيان بن عيينة به. قال الترمذي: ورواية مالك أصح، وهو حديث حسن صحيح. فصل فيما ورد من الاحاديث الدالة على أنه عليه السلام خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها قال أبو داود: باب أي يوم يخطب: حدثنا محمد بن العلاء، أنبأنا ابن المبارك، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبى نجيح، عن أبيه، عن رجلين من بنى بكر، قالا: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته،

[ 401 ]

وهى خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى خطب بمنى. انفرد به أبو داود. ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ربيعة بن عبدالرحمن ابن حصين (1)، حدثتني جدتى سراء بنت نبهان - وكانت ربة بيت في الجاهلية - قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس أوسط أيام التشريق ؟ انفرد به أبو داود. قال أبو داود: وكذلك قال عم أبى حرة (2) الرقاشى أنه خطب أوسط أيام التشريق. وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد متصلا مطولا فقال: حدثنا عثمان، حدثنا حماد ابن سلمة، أنبأنا على بن زيد، عن أبى حرة الرقاشى، عن عمه، قال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس. فقال: يا أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم وفى أي يوم أنتم وفى أي بلد أنتم ؟ قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى أن تلقوه. ثم قال: " اسمعوا منى تعيشوا، ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمى هذه إلى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم [ ابن ] ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل، ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع وإن الله قضى


(1) سنن أبى داود 1 / 307: ابن حصن. (2) الاصل أبو حمزة. وما أثبته عن سنن أبى داود 1 / 307. وميزان الاعتدال 1 / 621.

[ 402 ]

أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبدالمطب، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض. ثم قرأ: " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم "، ألا لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكنه في التحريش بينكم. واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان (1) لا يملكن لانفسهن شيئا، وإن لهن عليكم حقا ولكم عليهن حق، ألا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لاحد تكرهونه. فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ". وبسط يده وقال: ألا هل بلغت ؟ ألا هل بلغت ؟ ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع. قال حميد: قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به. وقد روى أبو داود في كتاب النكاح من سننه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد ابن سلمة، عن على بن زيد بن جدعان، عن أبى حرة الرقاشى - واسمه حنيفة - عن عمه ببعضه (2) في النشوز.


(1) العوانى: الاسرى، جمع عان. (2) سنن أبى داود 1 / 334. (*)

[ 403 ]

قال ابن حزم: جاء أنه خطب يوم الرؤوس وهو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عند أهل مكة، وجاء أنه أوسط أيام التشريق، فتحمل على أن أوسط بمعنى أشرف كما قال تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " وهذا المسلك الذى أخذه ابن حزم بعيد والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الوليد بن عمرو بن مسكين، حدثنا أبو همام محمد بن الزبرقان، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبدالله بن دينار وصدقة بن يسار، عن عبدالله بن عمر، قال: نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وهو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع: " إذ جاء نصر الله والفتح " فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له ثم ركب فوقف للناس بالعقبة، فاجتمع إليه ما شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإن كل دم كان في الجاهلية فهو هدر، وإن أول دمائكم أهدر دم [ ابن ] ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بنى ليث فقتلته هذيل. وكل ربا في الجاهلية فهو موضوع، وأن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبدالمطلب. أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر منها أربعة حرم رجب - مضر - الذى بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم " ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم " الآية " إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله " كانوا يحلون صفر عاما ويحرمون المحرم عاما، ويحرمون صفر عاما ويحلون المحرم عاما، فذلك النسئ. يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان، وقد يرضى عنكم، بمحقرات الاعمال، فاحذروه

[ 404 ]

على دينكم بمحقرات الاعمال، أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، لكم عليهن حق ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يعصينكم في معروف، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فأن ضربتم فاضربوا ضربا غير مبرح. ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، أيها الناس إنى قد تركت فيكم، ما إن أخذتم به لم تضلوا، كتاب الله، فاعملوا به. أيها الناس أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأى بلد هذا ؟ قالوا بلد حرام. قال: أي شهر هذا ؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن الله حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم في هذا البلد وهذا الشهر، ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبى بعدى ولا أمة بعدكم. ثم رفع يديه فقال: اللهم اشهد. ذكر إيراد حديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في كل ليلة من ليالى منى قال البخاري: يذكر عن أبى حسان عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في أيام منى. هكذا ذكره معلقا بصيغة التمريض. وقد قال الحافظ البيهقى: أخبرناه أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيدالصفار، حدثنا العمرى، أنبأنا ابن عرعرة، فقال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال: سمعته من أبى ولم يقرأه. قال: فكان فيه: عن قتادة، عن أبى حسان، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى. قال: وما رأيت أحدا واطأه عليه. قال البيهقى: وروى الثوري في الجامع عن ابن طاوس، عن طاوس، عن ابن عباس،

[ 405 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة - يعنى ليالى منى - وهذا مرسل. فصل اليوم السادس من ذى الحجة قال بعضهم: يقال له يوم الزينة، لانه يزين فيه البدن بالجلال وغيرها. واليوم السابع يقال له يوم التروية، لانهم يتروون فيه من الماء ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده. واليوم الثامن يقال له يوم منى لانهم يرحلون فيه من الابطح إلى منى. واليوم التاسع يقال له يوم عرفة، لوقوفهم فيه بها. واليوم العاشر يقال له يوم النحر ويوم الاضحى ويوم الحج الاكبر. واليوم الذى يليه يقال له يوم القر، لانهم يقرون فيه، ويقال له يوم الرؤوس لانهم يأكلون فيه رءوس الاضاحي، وهو أول أيام التشريق. وثاني أيام التشريق يقال له يوم النفر الاول، لجواز النفر فيه، وقيل هو اليوم الذى يقال له يوم الرؤوس. واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له يوم النفر الآخر. قال الله تعالى: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه (1) " الآية. * * * [ فلما ن يوم النفر الآخر وهو اليوم الثالث من أيام التشريق ] (2)، وكان يوم الثلاثاء ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فنفر بهم من منى فنزل المحصب، وهو واد بين مكة ومنى فصلى به العصر. كما قال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا سفيان


(1) سورة البقرة. (2) سقط من ا. (*)

[ 406 ]

الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، قال سألت أنس بن مالك: أخبرني عن شئ عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين صلى الظهر يوم التروية ؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال: بالابطح، افعل كما يفعل أمراؤك. وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النفر بالابطح، وهو المحصب. فالله أعلم. قال البخاري: حدثنا عبد المتعال بن طالب، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن قتادة حدثه، أن أنس بن مالك حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه صلى الظهر والعصر [ والمغرب ] (1) والعشاء، ورقد رقدة في المحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به. قلت: يعنى طواف الوداع. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد بن الحارث، قال: سئل عبدالله عن المحصب فحدثنا عبيد الله عن نافع قال: نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر وابن عمر. وعن نافع: أن ابن عمر كان يصلى بها - يعنى المحصب - الظهر والعصر، أحسبه قال: والمغرب. قال خالد: لا أشك في العشاء، ثم يهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا نوح بن ميمون، أنبأنا عبدالله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا المحصب. هكذا رأيته في مسند الامام أحمد من حديث عبدالله العمرى عن نافع. وقد روى الترمذي هذا الحديث عن إسحاق بن منصور. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن يحيى، كلاهما عن عبد الرزاق، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الابطح. قال الترمذي: وفى الباب عن عائشة وأبى رافع وابن عباس، وحديث ابن عمر


(1) من البخاري. (*)

[ 407 ]

حسن غريب، وإنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيدالله بن عمر به. وقد رواه مسلم عن محمد بن مهران الرازي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الابطح. ورواه مسلم أيضا من حديث صخر بن جويرية، عن نافع عن ابن عمر، أنه كان ينزل المحصب (1)، وكان يصلى الظهر يوم النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده. وقال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا حماد - يعنى ابن سلمة - عن أيوب وحميد، عن بكر بن عبدالله، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعة، ثم دخل - يعنى مكة - فطاف بالبيت. ورواه أحمد أيضا عن عفان، عن حماد، عن حميد، عن بكر، عن ابن عمر فذكره. وزاد في آخره: وكان ابن عمر يفعله. وكذلك رواه أبودواد عن أحمد بن حنبل. وقال البخاري: حدثنا الحميدى، حدثنا الوليد، حدثنا الاوزاعي، حدثنى الزهري، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر بمنى: " نحن نازلون غدا بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر " - يعنى بذلك المحصب - الحديث. ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي. فذكر مثله سواء. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن على بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: قلت يا رسول الله أين تنزل غدا - في حجته - ؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا ! ثم قال: نحن نازلون غدا إن شاء الله


(1) ت: كان يرى المحصب سنة. (*)

[ 408 ]

بخيف بنى كنانة - يعنى المحصب - حيث قاسمت قريشا على الكفر. وذلك أن بنى كنانة حالفت قريشا على بنى هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم - يعنى حتى يسلموا - إليهم رسول الله. ثم قال عند ذلك: " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم " قال الزهري: والخيف: الوادي. أخرجاه من حديث عبد الرزاق. وهذان الحديثان فيهما دلالة على أنه عليه السلام قصد النزول في المحصب مراغمة لما كان تمالا عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بنى هاشم وبنى المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قدمنا بيان ذلك في موضعه. وكذلك نزله عام الفتح، فعلى هذا يكون نزوله سنة مرغبا فيها، وهو أحد قولى العلماء. وقد قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، أنبأنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إنما كان منزلا ينزله النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه - يعنى الابطح -. وأخرجه مسلم من حديث هشام به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: إنما نزل رسول الله المحصب ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله. وقال البخاري: حدثنا على بن عبدالله، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو عن عطاء، عن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشئ، إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 409 ]

ورواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة وغيره، عن سفيان - وهو ابن عيينة - به. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل وعثمان بن أبى شيبة المعنى ومسدد، قالوا: حدثنا سفيان، حدثنا صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار، قال: قال أبو رافع: لم يأمرنى، يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أنزله، ولكن ضربت قبته فنزله. قال مسدد: وكان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عثمان - يعنى [ في ] (1) الابطح -. ورواه مسلم عن قتيبة وأبى بكر وزهير بن حرب عن سفيان بن عيينة به. والمقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي صلى الله عليه وسلم في المحصب لما نفر من منى، ولكن اختلفوا: فمنهم من قال: لم يقصد نزوله وإنما نزله اتفاقا ليكون أسمح لخروجه. ومنهم من أشعر كلامه بقصده عليه السلام نزوله، وهذا هو الاشبه. وذلك أنه عليه السلام أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه، كما قال ابن عباس، فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت - يعنى طواف الوداع - فأراد عليه السلام أن يطوف هو ومن معه من المسلمين بالبيت طواف الوداع وقد نفر من منى قريب الزوال، فلم يكن يمكنه أن يجئ البيت في بقية يومه ويطوف به ويرحل إلى ظاهر مكة من جانب المدينة، لان ذلك قد يتعذر على هذا الجم الغفير، فاحتاج أن يبيت قبل مكة. ولم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب الذى كانت قريش قد عاقدت بنى كنانة على بنى هاشم وبنى المطلب فيه، فلم يبرم الله لقريش أمرا بل كبتهم وردهم


(1) من سنن أبى داود 1 / 314. (*)

[ 410 ]

خائبين، وأظهر الله دينه ونصر نبيه وأعلى كلمته، وأتم له الدين القويم، وأوضح به الصراط المستقيم فحج بالناس وبين لهم شرائع الله وشعائره، وقد نفر بعد إكمال المناسك فنزل في الموضع الذى تقاسمت قريش فيه على الظلم والعدوان والقطيعة، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء وهجع هجعة. وقد كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبدالرحمن ليعمرها من التنعيم، فإذا فرغت أتته، فلما قضت عمرتها ورجعت أذن في المسلمين بالرحيل إلى البيت العتيق. كما قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد، عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة، قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة فدخلت فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالابطح حتى فرغت، وأمر الناس بالرحيل. قالت: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فطاف به ثم خرج. وأخرجاه في الصحيحين من حديث أفلح بن حميد. ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو بكر - يعنى الحنفي - حدثنا أفلح عن القاسم، عن عائشة، قالت: خرجت معه، تعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ في ] (1) النفر الآخر فنزل المحصب. قال أبو داود: فذكر ابن بشار بعثها إلى التنعيم، قالت: ثم جئت سحرا، فأذن في أصحابه بالرحيل فارتحل، فمر بالبيت قبل صلاة الصبح، فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجها إلى المدينة. ورواه البخاري عن محمد بن بشار به. * *


(1) من سنن أبى داود 1 / 314. (*)

[ 411 ]

قلت: والظاهر أنه عليه السلام صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه، وقرأ في صلاته تلك بسورة " والطور وكتاب مسطور في رق منشور. والبيت المعمور والسقف المرفوع. والبحر المسجور " السورة بكمالها. وذلك لما رواه البخاري حيث قال: حدثنا إسماعيل، حدثنى مالك، عن محمد بن عبدالرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبى سلمة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. قال: شكوت إلى رسول الله أنى أشتكى، قال: طوفى من وراء الناس وأنت راكبة. فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى حينئذ إلى جنب البيت وهو يقرأ: " والطور وكتاب مسطور ". وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك بإسناد نحوه. وقد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، أن رسول الله قال وهو بمكة وأراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت وأرادت الخروج فقال لها: " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفى على بعيرك والناس يصلون " فذكر الحديث. فأما ما رواه الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبى سلمة، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة. فهو إسناد كما ترى على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من هذا الوجه بهذا اللفظ ولعل قوله: " يوم النحر " غلط من الراوى أو من الناسخ، وإنما هو يوم النفر، ويؤيده ما ذكرناه من رواية البخاري. والله أعلم. والمقصود أنه عليه السلام لما فرغ من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا ووقف في الملتزم بين الركن الذى فيه الحجر الاسود وبين باب الكعبة، فدعا الله عزوجل وألزق جسده

[ 412 ]

بجدار الكعبة. قال الثوري عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم. المثنى ضعيف. فصل ثم خرج عليه السلام من أسفل مكة كما قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من أعلاها وخرج من أسفلها. أخرجاه. وقال ابن عمر: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية العليا التى بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى. رواه البخاري ومسلم. وفى لفظ: دخل من كداء وخرج من كدى. وقد قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أجلح بن عبدالله، عن أبى الزبير، عن جابر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة عند غروب الشمس، فلم يصل حتى أتى سرف، وهى على تسعة أميال من مكة. وهذا غريب جدا، وأجلح فيه نظر. ولعل هذا في غير حجة الوداع، فإنه عليه السلام كما قدمنا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح، فماذا أخره إلى وقت الغروب ؟ هذا غريب جدا. اللهم إلا أن يكون ما ادعاه ابن حزم صحيحا من أنه عليه السلام رجع إلى المحصب من مكة بعد طوافه بالبيت طواف الوداع، ولم يذكر دليلا على ذلك إلا قول عائشة حين رجعت من اعتمارها من التنعيم فلقيته بصعدة، وهو منهبط على أهل مكة، أو منهبطة وهو مصعد. قال ابن حزم: الذى لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط، لانها

[ 413 ]

تقدمت إلى العمرة وانتظرها حتى جاءت، ثم نهض عليه السلام إلى طواف الوداع فلقيها منصرفه إلى المحصب من مكة. وقال البخاري: باب من نزل بذى طوى إذا رجع من مكة. وقال محمد بن عيسى: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا أقبل بات بذى طوى حتى إذا أصبح دخل، وإذا نفر مر بذى طوى وبات بها حتى يصبح، وكان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. هكذا ذكر هذا معلقا بصيغة الجزم، وقد أسنده هو ومسلم من حديث حماد بن زيد به، لكن ليس فيه ذكر المبيت بذى طوى في الرجعة. فالله أعلم. * * * فائدة عزيزة: فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصحب معه من ماء زمزم شيئا. قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا خلاد بن يزيد الجعفي، حدثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله. ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبدالله - هو ابن المبارك - حدثنا موسى بن عقبة، عن سالم ونافع، عن عبدالله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من الغزو أو من الحج أو من العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده. والاحاديث في هذا كثيرة ولله الحمد والمنة.

[ 414 ]

فصل في إيراد الحديث الدال على أنه عليه السلام خطب بمكان بين مكة والمدينة، مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة - يقال له غدير خم - فبين فيها فضل على بن أبى طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التى ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا، والصواب كان معه في ذلك. ولهذا لما تفرغ عليه السلام من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذى الحجة عامئذ، وكان يوم الاحد بغدير خم، تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء. وذكر من فضل على وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه. ونحن نورد عيون الاحاديث الواردة في ذلك ونبين ما فيها من صحيح وضعيف، بحول الله وقوته وعونه. وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، صاحب التفسير والتاريخ، فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه، وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم، على ما جرت به عادة كثير من المحدثين، يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه. وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة. ونحن نورد عيون ما روى في ذلك، مع إعلامنا أنه لاحظ للشيعة فيه، ولا متمسك لهم ولا دليل، لما سنبينه وننبه عليه. فنقول وبالله المستعان:

[ 415 ]

قال محمد بن إسحاق - في سياق حجة الوداع -: حدثنى يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبى عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: لما أقبل على من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، تعجل إلى رسول الله واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذى كان مع على. فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما هذا ؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس. قال: ويلك ! انزع قبل أن تنتهى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فانتزع الحلل من الناس فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن عبدالرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان ابن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب - وكانت عند أبى سعيد الخدرى - عن أبى سعيد، قال: اشتكى الناس عليا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا، فسمعته يقول: " أيها الناس لا تشكوا عليا، فوالله إنه لاخشن في ذات الله أو في سبيل الله [ من أن يشكى (1) ]. ورواه الامام أحمد من حديث محمد بن إسحاق به وقال: إنه لاخشن في ذات الله أو في سبيل الله. وقال الامام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا ابن أبى غنية، (2) عن الحكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة قال: غزوت مع على اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه


(1) من ابن هشام 2 / 603. (2) الاصل: عينة. (*)

[ 416 ]

رسول الله يتغير، فقال: " يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: " من كنت مولاه فعلى مولاه ". وكذا رواه النسائي عن أبى داود الحرانى، عن أبى نعيم الفضل بن دكين، عن عبدالملك بن أبى غنية بإسناده نحوه. وهذا إسناد جيد قوى رجاله كلهم ثقات. وقد روى النسائي في سننه، عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن حماد، عن أبى معاوية، عن الاعمش، عن حبيب بن أبى ثابت، عن أبى الطفيل، عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع رسول الله من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن (1) ثم قال: " كأنى قد دعيت فأجبت، إنى قد تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتى، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " ثم قال: " الله مولاى وأنا ولى كل مؤمن " ثم ثم أخذ بيد على فقال: " من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". فقلت لزيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه. تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح. * * * وقال ابن ماجه: حدثنا على بن محمد، أخبرنا أبو الحسين، أنبأنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد بن جدعان، عن عدى بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع التى حج، فنزل في الطريق، فأمر الصلاة جامعة.


قممن: كنسن. (*)

[ 417 ]

فأخذ بيد على فقال: " ألست بأولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى. قال: ألست بأولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى. قال: فهذا ولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن على بن زيد بن جدعان، عن عدى عن البراء. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان: حدثنا هدبة، حدثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد وأبى هارون، عن عدى بن ثابت، عن البراء، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فلما أتينا على غدير خم كسح (1) لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين، ونودى في الناس الصلاة جامعة، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأخذ بيده فأقامه عن يمينه فقال: " ألست أولى بكل امرئ من نفسه ؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئا لك ! أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة ! ورواه ابن جرير، عن أبى زرعة، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد، وأبى هارون العبدى - وكلاهما ضعيف - عن عدى بن ثابت، عن البراء بن عازب به. وروى ابن جرير هذا الحديث من حديث موسى بن عثمان الحضرمي - وهو ضعيف جدا - عن أبى إسحاق السبيعى، عن البراء وزيد بن أرقم. فالله أعلم.


(1) كسح: كنس (*)

[ 418 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا عبدالملك، عن أبى عبدالرحيم الكندى، عن زاذان أبى عمر، قال سمعت عليا بالرحبة وهو ينشد الناس من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم وهو يقول ما قال ؟ قال: فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " من كنت مولاه فعلى مولاه ". تفرد به أحمد، وأبو عبد الرحيم هذا لا يعرف. وقال عبدالله بن الامام أحمد في مسند أبيه: حديث على بن حكيم الازدي، أخبرنا شريك، عن أبى إسحاق، عن سعيد بن وهب، وعن زيد بن يثيع قال: نشد على الناس في الرحبة من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم إلا قام. قال: فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة، فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلى يوم غدير خم: " أليس الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى. قال: اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". قال عبدالله: وحدثني على بن حكيم، أخبرنا شريك، عن أبى إسحاق، عن عمرو ذى أمر، مثل حديث أبى إسحاق يعنى عن سعيد وزيد. وزاد فيه: " وانصر من نصره واخذل من خذله ". قال عبدالله: وحدثنا على، حدثنا شريك، عن الاعمش، عن حبيب بن أبى ثابت، عن أبى الطفيل، عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وقال النسائي في كتاب " خصائص على ": حدثنا الحسين بن حرب، حدثنا

[ 419 ]

الفضل بن موسى، عن الاعمش، عن أبى إسحاق، عن سعيد بن وهب، قال: قال على في الرحبة: أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول: " إن الله ولى المؤمنين، ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره ". وكذلك رواه شعبة عن أبى إسحاق وهذا إسناد جيد. ورواه النسائي أيضا من حديث إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو ذى أمر، قال نشد على الناس بالرحبة، فقام أناس فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول يوم غدير خم: " من كنت مولاه فإن عليا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه وانصر من نصره ". ورواه ابن جرير، عن أحمد بن منصور، عن عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن زيد بن وهب وعبد خير، عن على. وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور، عن عبيدالله بن موسى وهو شيعي ثقة، عن مطر بن خليفة، عن أبى إسحاق، عن زيد بن وهب وزيد بن يثيع وعمرو ذى أمر، أن عليا نشد الناس بالكوفة. وذكر الحديث. وقال عبدالله بن أحمد: حدثنى عبدالله بن عمر القواريرى، حدثنا يونس بن أرقم، حدثنا يزيد بن أبى زياد، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، شهدت عليا في الرحبة ينشد الناس فقال: أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول: " من كنت مولاه فعلى مولاه " لما قام فشهد. قال عبدالرحمن: فقام اثنا عشر رجلا بدريا كأنى أنظر إلى أحدهم، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خم: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي

[ 420 ]

أمهاتهم ؟ " فقلنا: بلى يارسول الله. قال: " من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " إسناد ضعيف غريب. وقال عبدالله بن أحمد: حدثنا أحمد بن نمير الوكيعى، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الوليد بن عقبة بن ضرار القيسي، أنبأنا سماك، عن عبيد بن الوليد القيسي، قال: دخلت على عبدالرحمن بن أبى ليلى فحدثني أنه شهد عليا في الرحبة قال: أنشد الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهده يوم غدير خم إلا قام، ولا يقوم إلا من قد رآه. فقام اثنا عشر رجلا فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله " فقام إلا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته. وروى أيضا عن عبدالاعلى بن عامر الثعلبي وغيره، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى به. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا أبو عامر العقدى، وروى ابن أبى عاصم، عن سليمان الغلابى، عن أبى عامر العقدى، حدثنا كثير بن زيد، حدثنى محمد بن عمر بن على، عن أبيه، عن على، أن رسول الله حضر الشجرة بخم. فذكر الحديث وفيه: من كنت مولاه فإن عليا مولاه. وقد رواه بعضهم عن أبى عامر، عن كثير، عن محمد بن عمر بن على، عن على منقطعا. وقال إسماعيل بن عمرو البجلى، وهو ضعيف، عن مسعر عن طلحة، بن مصرف عن عميرة بن سعد: أنه شهد عليا على المنبر يناشد أصحاب رسول الله من سمع رسول الله يوم غدير خم. فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة وأبو سعيد وأنس بن مالك،

[ 421 ]

فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول: " من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وقد رواه عبيدالله بن موسى عن هانئ بن أيوب، وهو ثقة، عن طلحة ابن مصرف به. وقال عبدالله بن أحمد: حدثنى حجاج بن الشاعر، حدثنا شبابة، حدثنا نعيم بن حكيم، حدثنى أبو مريم ورجل من جلساء على عن على، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلى مولاه ". قال: فزاد الناس بعد: " وال من والاه، وعاد من عاداه ". روى أبو داود بهذا السند حديث المخدج. وقال الامام أحمد: حدثنا حسين بن محمد وأبو نعيم المعنى، قالا: حدثنا قطن، عن أبى الطفيل، قال: جمع على الناس في الرحبة - يعنى رحبة مسجد الكوفة - فقال: أنشد الله كل من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام. فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: " أتعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". قال: فخرجت كأن في نفسي شيئا، فلقيت زيد بن أرقم. فقلت له: إنى سمعت عليا يقول: كذا وكذا. قال: فما تنكر ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك له. هكذا ذكره الامام أحمد في مسند زيد بن أرقم رضى الله عنه. ورواه النسائي من حديث الاعمش، عن حبيب بن أبى ثابت، عن أبى الطفيل، عن زيد بن أرقم به. وقد تقدم. وأخرجه الترمذي عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، سمعت

[ 422 ]

أبا الطفيل يحدث عن أبى سريحة - أو زيد بن أرقم شك شعبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كنت مولاه فعلى مولاه. ورواه ابن جرير عن أحمد بن حازم، عن أبى نعيم، عن كامل أبى العلاء، عن حبيب بن أبى ثابت، عن يحيى بن جعدة، عن زيد بن أرقم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبى عبيد، عن ميمون أبى عبدالله، قال: قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله منزلا يقال له وادى خم، فأمر بالصلاة فصلاها بهجير. قال: فخطبنا وأظل رسول الله بثوب على شجرة ستره من الشمس. فقال: " ألستم تعلمون - أو ألستم تشهدون - أنى أولى بكل مؤمن من نفسه، قالوا: بلى. قال: فمن كنت مولاه فإن عليا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة، عن ميمون أبى عبدالله، عن زيد بن أرقم إلى قوله: من كنت مولاه فعلى مولاه قال ميمون: حدثنى بعض القوم عن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وهذا إسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن، وقد صحح الترمذي بهذا السند حديثا في الريث. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا حنش بن الحارث بن لقيط الاشجعى، عن رباح بن الحارث قال: جاء رهط إلى على بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب. قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فهذا مولاه. قال رباح: فلما مضوا تبعتهم فسألت: من هؤلاء ؟ قالوا: نفر من الانصار منهم أبو أيوب الانصاري.

[ 423 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا حنش، عن رباح بن الحارث، قال: رأيت قوما من الانصار قدموا على على في الرحبة فقال: من القوم ؟ فقالوا: مواليك يا أمير المؤمنين فذكر معناه. هذا لفظه وهو من أفراده. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عثمان أبو الجوزاء، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثنا موسى بن يعقوب الزمعى، وهو صدوق، حدثنى مهاجر بن مسمار، عن عائشة بنت سعد، سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم يوم الجحفة وأخذ بيد على فخطب ثم قال: أيها الناس إنى وليكم. قالوا: صدقت. فرفع يد على فقال: هذا وليى والمؤدى عنى، وإن الله موالى من والاه، ومعادي من عاداه. قال شيخنا الذهبي: وهذا حديث حسن غريب. ثم رواه ابن جرير من حديث يعقوب بن جعفر بن أبى كبير، عن مهاجر بن مسمار فذكر الحديث وأنه عليه السلام وقف حتى لحقه من بعده وأمر برد من كان تقدم، فخطبهم الحديث. وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في الجزء الاول من كتاب " غدير خم ". قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وجدته في نسخة مكتوبة عن ابن جرير -: حدثنا محمود بن عوف الطائى، حدثنا عبيدالله بن موسى، أنبأنا إسماعيل بن كشيط، عن جميل بن عمارة، عن سالم بن عبدالله بن عمر - قال ابن جرير: أحسبه قال: عن عمر وليس في كتابي - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد على [ يقول ] " من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وهذا حديث غريب. بل منكر وإسناده ضعيف قال البخاري في جميل بن عمارة هذا فيه نظر.

[ 424 ]

وقال المطلب بن زياد، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، سمع جابر بن عبدالله يقول: كنا بالجحفة بغدير خم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خباء أو فسطاط، فأخذ بيد على فقال: " من كنت مولاه فعلى مولاه ". قال شيخنا الذهبي: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن لهيعة عن بكر بن سوادة وغيره، عن أبى سلمة بن عبدالرحمن، عن جابر بنحوه. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وابن أبى بكير، قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن حبشي بن جنادة. قال يحيى بن آدم: وكان قد شهد حجة الوداع. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على منى وأنا منه، ولا يؤدى عنى إلا أنا أو على. وقال ابن أبى بكير: لا يقضى عنى دينى إلا أنا أو على. وكذا رواه أحمد أيضا عن أبى أحمد الزبيري، عن إسرائيل. قال الامام أحمد: وحدثناه الزبيري، حدثنا شريك، عن أبى إسحاق، عن حبشي ابن جنادة مثله. قال: فقلت لابي إسحاق: أين سمعت منه ؟ قال: وقف علينا على فرس في مجلسنا في جبانة السبيع. وكذا رواه أحمد، عن أسود بن عامر، ويحيى بن آدم، عن شريك ورواه الترمذي عن إسماعيل بن موسى، عن شريك، وابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة وسويد بن سعيد وإسماعيل بن موسى، ثلاثتهم عن شريك به ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. ورواه سليمان بن قرم - وهو متروك - عن أبى إسحاق، عن حبشي بن جنادة، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلى مولاه،

[ 425 ]

اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وذكر الحديث. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، أنبأنا شريك، عن أبى يزيد الازدي، عن أبيه، قال: دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع الناس إليه فقام إليه شاب فقال: أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول: " من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قال: نعم. ورواه ابن جرير عن أبى كريب، عن شاذان، عن شريك به. تابعه إدريس الازدي، عن أخيه أبى يزيد، واسمه داود بن يزيد به. ورواه ابن جرير أيضا من حديث إدريس وداود عن أبيهما عن أبى هريرة فذكره * * * فأما الحديث الذى رواه ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب، عن أبى هريرة، قال لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد على قال: " من كنت مولاه فعلى مولاه " فأنزل الله عزوجل: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ". قال أبو هريرة: وهو يوم غدير خم، من صام يوم ثمان عشرة من ذى الحجة كتب له صيام ستين شهرا. فانه حديث منكر جدا، بل كذب، لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بها. كما قدمنا. وكذا قوله: " إن صيام يوم الثامن عشر من ذى الحجة وهو يوم غدير خم يعدل صيام ستين شهرا " لا يصح، لانه قد ثبت ما معناه في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا ؟ ! هذا باطل.

[ 426 ]

وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث: هذا حديث منكر جدا. ورواه حبشون الخلال وأحمد بن عبدالله بن أحمد النيرى، وهما صدوقان عن على ابن سعيد الرملي، عن ضمرة. قال: ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبى سعيد وغيرهم بأسانيد واهية. قال: وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، وأما: " اللهم وال من والاه " فزيادة قوية الاسناد. وأما هذا الصوم فليس بصحيح، ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام. والله تعالى أعلم. وقال الطبراني: حدثنا على بن إسحاق الوزير الاصبهاني، حدثنا على بن محمد المقدمى حدثنا محمد بن عمر بن على المقدمى، حدثنا على بن محمد بن يوسف بن شبان بن مالك بن مسمع، حدثنا سهل بن حنيف بن سهل بن مالك أخى كعب بن مالك، عن أبيه عن جده، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤنى قط، فاعرفوا ذلك له. أيها الناس إنى عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الاولين راض، فاعرفوا ذلك لهم. أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي، لا يطلبكم الله بمظلمة أحد منهم أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا.

[ 427 ]

سنة إحدى عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة وقد استقر الركاب الشريف النبوى بالمدينة النبوية المطهرة، مرجعه من حجة الوداع. وقد وقعت في هذه السنة أمور عظام، من أعظمها خطبا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه عليه السلام نقله الله عزوجل من هذه الدار الفانية إلى النعيم الابدي في محلة عالية رفيعة ودرجة في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى كما قال تعالى: " وللآخرة خير لك من الاولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى ". وذلك بعد ما أكمل أداء الرسالة التى أمره الله تعالى بإبلاغها، ونصح أمته ودلهم على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم ونهاهم عما فيه مضرة عليهم في دنياهم وأخراهم، وقد قدمنا ما رواه صاحبا الصحيح من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: نزل قوله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة. وروينا من طريق جيد: أن عمر بن الخطاب حين نزلت هذه الآية بكى، فقيل: ما يبكيك ؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان. وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أشار عليه السلام إلى ذلك فيما رواه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبى الزبير عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند جمرة العقبة وقال لنا: " خذوا عنى مناسككم، فلعلي لا أحج بعد عامى هذا ". وقدمنا ما رواه الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة

[ 428 ]

الربذى، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر، قال: نزلت هذه السورة: " إذا جاء نصر الله والفتح " في أوسط أيام التشريق، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت. ثم ذكر خطبته في ذلك اليوم كما تقدم. وهكذا قال عبدالله بن عباس رضى الله عنهما لعمر بن الخطاب حين سأله عن تفسير هذه السورة بمحضر كثير من الصحابة، ليريهم فضل ابن عباس وتقدمه وعلمه، حين لامه بعضهم على تقديمه وإجلاسه له مع مشايخ بدر، فقال: إنه من حيث تعلمون. ثم سألهم وابن عباس حاضر عن تفسير هذه السوره: " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " فقالوا: أمرنا إذا فتح لنا أن نذكر الله ونحمده ونستغفره. فقال: ما تقول يابن عباس ؟ فقال هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى إليه. فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تعلم. وقد ذكرنا في تفسير هذه السورة ما يدل على قول ابن عباس من وجوه، وإن كان لا ينافى ما فسر به الصحابة رضى الله عنهم. وكذلك ما رواه الامام أحمد، حدثنا وكيع، عن ابن أبى ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حج بنسائه قال: " إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر ". تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد رواه أبو داود في سننه من وجه آخر جيد. * * * والمقصود أن النفوس استشعرت بوفاته عليه السلام في هذه السنة. ونحن نذكر ذلك ونورد ما روى فيما يتعلق به من الاحاديث والآثار. وبالله المستعان.

[ 429 ]

ولنقدم على ذلك ما ذكره الائمة محمد بن إسحاق بن يسار وأبو جعفر بن جرير وأبو بكر البيهقى في هذا الموضع قبل الوفاة، من تعداد حججه وغزواته وسراياه وكتبه ورسله إلى الملوك. فلنذكر ذلك ملخصا مختصرا. ثم نتبعه بالوفاة. ففى الصحيحين من حديث أبى إسحاق السبيعى عن زيد بن أرقم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، وحج بعد ما هاجر حجة الوداع ولم يحج بعدها. قال أبو إسحاق: وواحدة بمكة. كذا قال أبو إسحاق السبيعى. وقد قال زيد بن الحباب، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجات: حجتين قبل أن يهاجر، وواحدة بعد ما هاجر معها عمرة، وساق ستا وثلاثين (1) بدنة وجاء على بتمامها من اليمن. وقد قدمنا عن غير واحد من الصحابة منهم أنس بن مالك في الصحيحين أنه عليه السلام: اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والعمرة التى مع حجة الوداع. وأما الغزوات فروى البخاري عن أبى عاصم النبيل، عن يزيد بن أبى عبيد، عن سلمة بن الاكوع. قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ومع زيد ابن حارثة تسع غزوات يؤمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى الصحيحين عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن زيد، عن سلمة، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، وفيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر ومرة علينا أسامة بن زيد.


(1) الذى سبق أن ما ساقه الرسول معه من الهدى ست وستون (*).

[ 430 ]

وفى صحيح البخاري من حديث إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء، قال: غزا رسول الله خمس عشرة غزوة. وفى الصحيحين من حديث شعبة، عن أبى إسحاق، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة وشهد معه منها سبع عشرة أولها العشير أو العسير. وروى مسلم عن أحمد بن حنبل، عن معتمر، عن كهمس بن الحسن، عن ابن بريدة، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة. وفى رواية لمسلم من طريق الحسين بن واقد، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه. أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة قاتل منها في ثمان. وفى رواية عنه بهذا الاسناد: وبعث أربعا وعشرين سرية، قاتل يوم بدر وأحد والاحزاب والمريسيع وخيبر ومكة وحنين. وفى صحيح مسلم من حديث أبى الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا إحدى وعشرين غزوة، غزوت معه منها تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعنى أبى، فلما قتل أبى يوم أحد لم أتخلف عن غزاة غزاها. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول الله ثمانى عشرة غزوة. قال: وسمعته مرة يقول: أربعا وعشرين غزوة، فلا أدرى أكان ذلك وهما أو شيئا سمعته بعد ذلك. وقال قتادة: غزا رسول الله تسع عشرة قاتل في ثمان منها، وبعث من البعوث أربعا وعشرين. فجميع غزواته وسراياه ثلاث وأربعون. وقد ذكر عروة بن الزبير والزهرى وموسى بن عقبة ومحمد إسحاق بن يسار وغير واحد من أئمة هذا الشأن، أنه عليه السلام قاتل يوم بدر في رمضان من سنة اثنتين، ثم في أحد في شوال سنة ثلاث، ثم الخندق وبنى قريظة في شوال أيضا من سنة أربع وقيل:

[ 431 ]

خمس، ثم في بنى المصطلق بالمريسيع في شعبان سنة خمس، ثم في خيبر في صفر سنة سبع ومنهم من يقول سنة ست. والتحقيق أنه في أول سنة سبع وآخر سنة ست، ثم قاتل أهل مكة في رمضان سنة ثمان، وقاتل هوازن، وحاصر أهل الطائف في شوال وبعض ذى الحجة سنة ثمان كما تقدم تفصيله. وحج في سنة ثمان بالناس عتاب بن أسيد نائب مكة، ثم في سنة تسع أبو بكر الصديق، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر. * * * وقال محمد بن إسحاق: وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة سبعا وعشرين غزوة: غزوة ودان وهى غزوة الابواء، ثم غزوة بواط من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الاولى يطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر العظمى التى قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بنى سليم حتى بلغ الكدر، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان وهى غزوة ذى أمر ثم غزوة بحران معدن بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم حمراء الاسد، ثم غزوة بنى النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان من هذيل، ثم غزوة ذى قرد، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قال ابن إسحاق: قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف. قلت: وقد تقدم ذلك كله مبسوطا في أماكنه بشواهده وأدلته. ولله الحمد. * * *

[ 432 ]

قال ابن إسحاق وكانت بعوثه عليه السلام وسراياه ثمانيا وثلاثين من بين بعث وسرية. ثم شرع رحمه الله في ذكر تفصيل ذلك. وقد قدمنا ذلك كله أو أكثره مفصلا في مواضعه ولله الحمد والمنة. ولنذكر ملخص ما ذكره ابن إسحاق: بعث عبيدة بن الحارث إلى أسفل ثنية ذى المروة (1) ثم بعث حمزة بن عبدالمطلب إلى الساحل من ناحية العيص، ومن الناس من يقدم هذا على بعث عبيدة كما تقدم فالله أعلم. بعث سعد بن أبى وقاص إلى الخرار، بعث عبدالله بن جحش إلى نخلة، بعث زيد ابن حارثة إلى القردة، بعث محمد بن مسلمة إلى كعب بن الاشرف، بعث مرثد بن أبى مرثد إلى الرجيع، بعث المنذر بن عمرو إلى بئر معونة، بعث أبى عبيدة إلى ذى القصة، بعث عمر بن الخطاب إلى تربة في أرض بنى عامر، بعث على إلى اليمن. بعث غالب بن عبدالله الكلبى إلى الكديد فأصاب بنى الملوح، وأغار عليهم في الليل فقتل طائفة منهم فاستاق نعمهم فجاء نفرهم في طلب النعم، فلما اقتربوا حال بينهم واد من السيل، وأسروا في مسيرهم هذا الحارث بن مالك بن البرصاء. وقد حرر ابن إسحاق هذا هاهنا وقد تقدم بيانه. بعث على بن أبى طالب إلى أرض فدك، بعث أبى العوجاء السلمى إلى بنى سليم أصيب هو وأصحابه، بعث عكاشة إلى الغمرة، بعث أبى سلمة بن عبد الاسد إلى قطن وهو ماء بنجد لبنى أسد، بعث محمد بن مسلمة إلى القرطاء من هوازن، بعث بشير بن سعد إلى بنى مرة بفدك، وبعثه أيضا إلى ناحية حنين، بعث زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بنى سليم. بعث زيد بن حارثة إلى جذام من أرض بنى خشين. قال ابن هشام: وهى من


(1) الاصل: ثنية المرة. وما أثبته عن ابن هشام 2 / 609. (*)

[ 433 ]

أرض حسمى. وكان سببها فيما ذكره ابن إسحاق وغيره: أن دحية بن خليفة لما رجع من عند قيصر وقد أبلغه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الله فأعطاه من عنده تحفا وهدايا، فلما بلغ واديا في أرض بنى جذام يقال له شنار أغار عليه الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الضليعيان، والضليع بطن من جذام، فأخذا ما معه فنفر حى منهم قد أسلموا فاستنقذوا ما كان أخذ لدحية فردوه عليه. فلا رجع دحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر واستسقاه دم الهنيد وابنه عوص، فبعث حينئذ زيد بن حارثة في جيش إليهم فساروا إليهم من ناحية الاولاج فأغار بالماقص من ناحية الحرة، فجمعوا ما وجدوا من مال وناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بنى الاحنف ورجلا من بنى خصيب. فلما احتاز زيد أموالهم وذراريهم اجتمع نفر منهم برفاعة بن زيد، وكان قد جاءه كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله، فقرأه عليهم رفاعة فاستجاب له طائفة منهم، ولم يكن زيد بن حارثة يعلم ذلك فركبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ثلاثة أيام، فأعطوه الكتاب فأمر بقراءته جهرة على الناس، ثم قال: رسول الله: كيف أصنع بالقتلى ؟ ثلاث مرات. فقال رجل منهم يقال له أبو زيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمى هذه. فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، فقال على: إن زيدا لا يطيعني. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه علامة، فسار معهم على جمل لهم فلقوا زيدا وجيشه ومعهم الاموال والذراري بفيفاء الفحلتين، فسلمهم على جميع ما كان أخذلهم لم يفقدوا منه شيئا بعث زيد بن حارثة أيضا إلى بنى فزارة بوادي القرى. فقتل طائفة من أصحابه وارتث (1) هو من بين القتلى، فلما رجع آلى ألا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزوهم أيضا،


(1) جمل جريحا وبه رمق. (*)

[ 434 ]

فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا في جيش، فقتلهم بوادي القرى، وأسر أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر ومعها ابنة لها، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر اليعمرى فقتل أم قرفة واستبقى ابنتها وكانت من بيت شرف يضرب بأم قرفة المثل في عزها، وكانت بنتها مع سلمة بن الاكوع، فاستوهبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها، فوهبها رسول الله لخاله حزن بن أبى وهب فولدت له ابنه عبدالرحمن. بعث عبدالله بن رواحة إلى خيبر مرتين: إحداهما التى أصاب فيها اليسير بن رزام، وكان يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله عبدالله بن رواحة في نفر منهم عبدالله بن أنيس، فقدموا عليه فلم يزالوا يرغبونه ليقدموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار معهم فلما كانوا بالقرقرة على ستة أميال من خيبر ندم اليسير على مسيره، ففطن له عبدالله بن أنيس - وهو يريد السيف - فضربه بالسيف فأطن قدمه، وضربه اليسير بمخرش من شوحط في رأسه فأمه، ومال كل رجل من المسلمين على صاحبه من اليهود فقتله، إلا رجلا واحدا أفلت على قدميه. فلما قدم ابن أنيس تفل في رأسه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقح جرحه ولم يؤذه. قلت: وأظن البعث الآخر إلى خيبر لما بعثه عليه السلام خارصا على نخيل خيبر. والله أعلم. بعث عبدالله بن عتيك وأصحابه إلى خيبر فقتلوا أبا رافع اليهودي. بعث عبدالله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بن نبيح فقتله بعرنة. وقد روى ابن إسحاق قصته هاهنا مطولة. وقد تقدم ذكرها في سنة خمس والله أعلم. بعث زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام، فأصيبوا

[ 435 ]

كما تقدم. بعث كعب بن عمير إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فأصيبوا جميعا أيضا. بعث عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر إلى بنى العنبر من تميم فأغار عليهم، فأصاب منهم أناسا ثم ركب وفدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسراهم فأعتق بعضا وفدى بعضا. بعث غالب بن عبدالله أيضا إلى أرض بنى مرة فأصيب بها مرداس بن نهيك حليف لهم من الحرقة من جهينة، قتله أسامة بن زيد ورجل من الانصار أدركاه، فلما شهرا السلاح قال: لا إله إلا الله. فلما رجعا لامهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد اللوم، فاعتذرا بأنه ما قال ذلك إلا تعوذا من القتل. فقال لاسامة: هلا شققت عن قلبه ؟ ! وجعل يقول لاسامة: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ! قال أسامة: فما زال يكررها حتى لوددت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك. وقد تقدم الحديث بذلك. بعث عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من أرض بنى عذرة يستنفر العرب إلى الشام. وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بلى، فلذلك بعث عمرا يستنفرهم ليكون أنجع فيهم. فلما وصل إلى ماء لهم يقال له السلسل خافهم، فبعث يستمد رسول الله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيهم أبو بكر وعمر وعليها أبو عبيدة بن الجراح، فلما انتهوا إليه تأمر عليهم كلهم عمرو وقال: إنما بعثتم مددا لى. فلم يمانعه أبو عبيدة لانه كان رجلا سهلا لينا هينا عند أمر الدنيا، فسلم له وانقاد معه، فكان عمرو يصلى بهم كلهم، ولهذا لما رجع قال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال ؟ قال: أبوها. بعث عبدالله بن أبى حدرد إلى بطن إضم، وذلك قبل فتح مكة، وفيها قصة مجلم بن حثامة. وقد تقدم مطولا في سنة سبع. بعث ابن أبى حدرد أيضا إلى الغابة.

[ 436 ]

بعث عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل. قال محمد بن إسحاق: حدثنى من لا أتهم، عن عطاء بن أبى رباح، قال: سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبدالله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم. قال: فقال عبدالله: أخبرك إن شاء الله عن ذلك. تعلم أنى كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وأبو سعيد الخدرى، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتى من الانصار فسلم على رسول الله ثم جلس، فقال: يارسول الله أي المؤمنين أفضل ؟ قال: أحسنهم خلقا. قال: فأى المؤمنين أكيس ؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به، أولئك الاكياس. ثم سكت الفتى. وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن بكم - وأعوذ بالله أن تدركوهن - إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يغلبوا عليها إلا ظهر فيهم الطاعون والاوجاع التى لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم. قال: ثم أمر عبدالرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء، فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نقضها ثم عممه بها وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يابن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف.

[ 437 ]

ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه فحمد الله وصلى على نفسه ثم قال: خذه يابن عوف، اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد الله وسيرة نبيكم فيكم. فأخذ عبدالرحمن بن عوف اللواء. قال: ابن هشام: فخرج إلى دومة الجندل. بعث أبى عبيدة بن الجراح، وكانوا قريبا من ثلاثمائة راكب إلى سيف البحر، وزوده عليه السلام جرابا من تمر و [ فيها ] قصة العنبر وهى الحوت العظيم الذى دسره البحر، وأكلهم كلهم منه قريبا من شهر حتى سمنوا وتزودوا منه وشائق أي شرائح، حتى رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعموه منه فأكل منه. كما تقدم بذلك الحديث. قال ابن هشام: ومما لم يذكر ابن إسحاق من البعوث - يعنى هاهنا - بعث عمرو بن أمية الضمرى لقتل أبى سفيان صخر بن حرب بعد مقتل خبيب بن عدى وأصحابه، فكان من أمره ما قدمناه. وكان مع عمرو بن أمية جبار بن صخر ولم يتفق لهما قتل أبى سفيان بل قتلا رجلا غيره وأنزلا خبيبا عن جذعه. وبعث سالم بن عمير أحد البكائين إلى أبى عفك، أحد بنى عمرو بن عوف وكان قد نجم نفاقه حين قتل رسول الله الحارث بن سويد بن الصامت كما تقدم. فقال يرثيه ويذم - قبحه الله - الدخول في الدين: لقد عشت دهرا وما إن أرى * من الناس دارا ولا مجمعا أبر عهودا وأوفى لمن * يعاقد فيهم إذا ما دعا من أولاد قيلة في جمعهم * يهد الجبال ولم يخضعا

[ 438 ]

فصدعهم راكب جاءهم * حلال حرام لشتى معا فلو أن بالعز صدقتم * أو الملك تابعتم تبعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لى بهذا الخبيث ؟ فانتدب له سالم بن عمير هذا فقتله، فقالت أمامة المريدية في ذلك: تكذب دين الله والمرء أحمدا * لعمرو الذى أمناك بئس الذى يمنى حباك حنيف آخر الليل طعنة * أبا عفك خذها على كبر السن وبعث عمير بن عدى الخطمى لقتل العصماء بنت مروان من بنى أمية بن زيد، كانت تهجو الاسلام وأهله، ولما قتل أبو عفك المذكور أظهرت النفاق وقالت في ذلك: باست بنى مالك والنبيت * وعوف وباست بنى الخزرج أطعتم أتاوى من غيركم * فلا من مراد ولا مذحج ترجونه بعد قتل الرؤوس * كما يرتجى ورق المنضج ألا أنف يبتغى غرة * فيقطع من أمل المرتجى قال: فأجابها حسان بن ثابت فقال: بنو وائل وبنو واقف * وخطمة دون بنى الخزرج متى ما دعت سفها ويحها * بعولتها والمنايا تجى فهزت فتى ماجدا عرقه * كريم المداخل والمخرج فضرجها من نجيع الدما * ء بعيد الهدو فلم يحرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك: ألا آخذ لى من ابنة مروان ؟ فسمع ذلك عمير بن عدى، فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها فقتلها. ثم أصبح فقال:

[ 439 ]

يا رسول الله قتلتها. فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير. قال: يا رسول الله هل على من شأنها ؟ قال: لا تنتطح فيها عنزان. فرجع عمير إلى قومه وهم يختلفون في قتلها وكان لها خمسة بنون، فقال: أنا قتلتها فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. فذلك أول يوم عز الاسلام في بنى خطمة، فأسلم منهم بشر كثير لما رأوا من عز الاسلام. ثم ذكر البعث الذين أسروا ثمامة بن أثال الحنفي، وما كان من أمره في إسلامه. وقد تقدم ذلك في الاحاديث الصحاح. وذكر ابن هشام أنه هو الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء. لما كان من قلة أكله بعد إسلامه، وأنه لما انفصل عن المدينة دخل مكة معتمرا وهو يلبى، فنهاه أهل مكة عن ذلك فأبى عليهم وتوعدهم بقطع الميرة عنهم من اليمامة، فلما عاد إلى اليمامة منعهم الميرة، حتى كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادها إليهم. وقال بعض بنى حنيفة: ومنا الذى لبى بمكة محرما * برغم أبى سفيان في الاشهر الحرم وبعث علقمة بن مجزز المدلجى ليأخذ بثأر أخيه وقاص بن مجزز يوم قتل بذى قرد، فاستأذن رسول الله ليرجع في آثار القوم، فأذن له وأمره على طائفة من الناس، فلما قفلوا أذن لطائفة منهم في التقدم واستعمل عليهم عبدالله بن حذافة وكانت فيه دعابة، فاستوقد نارا وأمرهم أن يدخلوها، فلما عزم بعضهم على الدخول قال. إنما كنت أضحك. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم. قال: من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه. والحديث في هذا ذكره ابن هشام عن الدراوردى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان، عن أبى سعيد الخدرى. وبعث كرز بن جابر لقتل أولئك النفر الذين قدموا المدينة، وكانوا من قيس من

[ 440 ]

بجيلة، فاستوخموا المدينة واستوبؤوها فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى إبله فيشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا راعيها وهو يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه، واستاقوا اللقاح، فبعث في آثارهم كرز بن جابر في نفر من الصحابة فجاءوا بأولئك النفر من بجيلة مرجعه عليه السلام من غزوة ذى قرد، فأمر فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم. وهؤلاء النفر إن كانوا هم المذكورين في حديث أنس المتفق عليه أن نفرا ثمانية من عكل أو عرينة قدموا المدينة، الحديث، والظاهر أنهم هم، فقد تقدم قصتهم مطولة، وإن كانوا غيرهم فها قد أوردنا عيون ما ذكره ابن هشام. والله أعلم. قال ابن هشام: وغزوة على بن أبى طالب التى غزاها مرتين. قال أبو عمرو المدنى: بعث رسول الله عليا إلى اليمن وخالدا في جند آخر. وقال إن اجتمعتم فالامير على بن أبى طالب. قال: وقد ذكر ابن إسحاق بعث خالد، ولم يذكره في عدد البعوث والسرايا فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعا وثلاثين. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الاولون. قال ابن هشام: وهو آخر بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري: حدثنا إسماعيل، حدثنا مالك، عن عبدالله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس

[ 441 ]

إلى، وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده. ورواه الترمذي من حديث مالك وقال حديث صحيح حسن. وقد انتدب كثير من الكبار من المهاجرين الاولين والانصار في جيشه، فكان من أكبرهم عمر بن الخطاب. ومن قال إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد به المرض وجيش أسامة مخيم بالجرف. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلى بالناس كما سيأتي. فكيف يكون في الجيش وهو إمام المسلمين بإذن الرسول من رب العالمين، ولو فرض أنه كان قد انتدب معهم فقد استثناه الشارع من بينهم بالنص عليه للامامة في الصلاة التى هي أكبر أركان الاسلام، ثم لما توفى عليه الصلاة والسلام استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب فأذن له في المقام عند الصديق، ونفذ الصديق جيش أسامة.

[ 442 ]

فصل في الآيات والاحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضه الذى مات فيه قال الله تعالى: " إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " وقال تعالى: " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ". وقال تعالى: " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ". وقال تعالى: " وما محمد إلى رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين ". وهذه الآية هي التى تلاها الصديق يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعها الناس كأنهم لم يسمعوها قبل. وقال تعالى: " إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ". قال عمر بن الخطاب وابن عباس: هو أجل رسول الله نعى إليه. وقال ابن عمر: نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول الله أنه الوداع، فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم، الخطبة المشهورة كما تقدم. وقال جابر رأيت رسول الله يرمى الجمار فوقف وقال: " لتأخذوا عنى مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامى هذا ". وقال عليه السلام لابنته فاطمة كما سيأتي: " إن جبريل كان يعارضنى بالقرآن في كل

[ 443 ]

سنة مرة، وإنه عارضنى به العام مرتين، وما أرى ذلك إلا اقتراب أجلى ". وفى صحيح البخاري من حديث أبى بكر بن عياش عن أبى حصين، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، قال: كان رسول الله يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيام، فلما كان من العام الذى توفى فيه اعتكف عشرين يوما، وكان يعرض عليه القرآن في كل رمضان، فلما كان العام الذى توفى فيه عرض عليه القرآن مرتين. * * * وقال محمد بن إسحاق رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في ذى الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرا. وبعث أسامة بن زيد. فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكواه الذى قبضه الله فيه إلى ما أراده الله من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الاول. فكان أول ما ابتدئ به رسول الله من ذلك، فيما ذكر لى، أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك. قال ابن اسحاق: وحدثني عبدالله بن جعفر، عن عبيد بن جبير مولى الحكم، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن أبى مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثنى رسول الله من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إنى قد أمرت أن أستغفر لاهل هذا البقيع فانطلق معى. فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الاولى.

[ 444 ]

ثم أقبل على فقال: يا أبا مويهبة إنى قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة. قال: قلت: بأبى أنت وأمى ! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربى والجنة. ثم استغفر لاهل البقيع، ثم انصرف فبدئ برسول الله وجعه الذى قبضه الله فيه. لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب. وإنما رواه أحمد عن يعقوب بن إبرهيم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا الحكم بن فضيل، حدثنا يعلى بن عطاء، عن عبيد بن جبير، عن أبى مويهبة، قال: أمر رسول الله أن يصلى على أهل البقيع، فصلى عليهم ثلاث مرات، فلما كانت الثالثة قال: يا أبا مويهبة أسرج لى دابتي. قال: فركب ومشيت حتى انتهى إليهم، فنزل عن دابته وأمسكت الدابة فوقف. أو قال - قام عليهم - فقال: ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، الآخرة أشد من الاولى، فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس. ثم رجع فقال: يا أبا مويهبة إنى أعطيت، أو قال: خيرت، بين مفاتيح ما يفتح على أمتى من بعدى والجنة أو لقاء ربى. قال فقلت: بأبى أنت وأمى فاخترنا. قال: لان ترد على عقبها ما شاء الله (1)، فاخترت لقاء ربى. فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال رسول الله نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن، وخيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتى وبين التعجيل، فاخترت التعجيل.


(1) المعنى خشيته من فتنة أمته بالدنيا، فلم يرتض طول الاقامة فيها. (*)

[ 445 ]

قال البيهقى: وهذا مرسل. وهو شاهد لحديث أبى مويهبة. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبدالله ابن عتبة، عن ابن مسعود، عن عائشة، قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول: وارأساه. فقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه. قالت: ثم قال: وما ضرك لو مت قبلى فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك ؟ قالت: قلت: والله لكأنى بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك ! قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونام به وجعه، وهو يدور على نسائه حتى استعز به في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتى فأذن له. قالت: فخرج رسول الله بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتى. قال عبيدالله: فحدثت به ابن عباس فقال: أتدرى من الرجل الآخر ؟ هو على بن أبى طالب. وهذا الحديث له شواهد ستأتي قريبا. وقال البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس ابن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبدالله، عن عائشة، قالت: دخل على رسول الله وهو يصدع وأنا أشتكى رأسي، فقلت: وارأساه. فقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه ! ثم قال: وما عليك لو مت قبلى فوليت أمرك وصليت عليك وواريتك ؟ فقلت:

[ 446 ]

والله إنى لاحسب لو كان ذلك لقد خلوت ببعض نسائك في بيتى من آخر النهار ! فضحك رسول الله. ثم تمادى به وجعه فاستعز (1) به وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة، فاجتمع إليه أهله. فقال العباس: إنا لنرى برسول الله ذات الجنب فهلموا فلنلده (2)، فلدوه، فأفاق رسول الله. فقال: من فعل هذا ؟ فقالوا: عمك العباس تخوف أن يكون بك ذات الجنب. فقال رسول الله: إنها من الشيطان، وما كان الله ليسلطه على، لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلا عمى العباس. فلد أهل البيت كلهم حتى ميمونة وإنها لصائمة وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استأذن أزواجه أن يمرض في بيتى، فأذن له، فخرج وهو بين العباس ورجل آخر - لم تسمه - تخط قدماه بالارض. قال عبيد الله: قال ابن عباس: الرجل الآخر على بن أبى طالب. قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما ثقل رسول الله واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتى فأذن له، فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه الارض بين عباس. قال ابن عبدالمطلب: وبين رجل آخر. قال عبيد الله: فأخبرت عبدالله - يعنى ابن عباس - بالذى قالت عائشة. فقال لى عبدالله بن عباس: هل تدرى من الرجل الآخر الذى لم تسم عائشة ؟ قال: قلت: لا. قال ابن عباس: هو على. فكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تحدث أن رسول الله لما دخل بيتى


(1) استعز: اشتد. (2) اللد: صب الدواء بالمسعط في أحد شقى الفم. (*)

[ 447 ]

واشتد به وجعه. قال: هريقوا على من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلى أعهد إلى الناس. فأجلسناه في مخضب (1) لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت عائشة: ثم خرج إلى الناس فصلى لهم وخطبهم. وقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر من صحيحه، ومسلم من طرق عن الزهري به. وقال البخاري: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن بلال، قال هشام بن عروة، أخبرني أبى، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذى مات فيه: أين أنا غدا ؟ أين أنا غدا ؟ يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة رضى الله عنها: فمات في اليوم الذى كان يدور على فيه في بيتى، وقبضه الله وإن رأسه لبين سحري (2) ونحرى، وخالط ريقه ريقي. قالت: ودخل عبدالرحمن بن أبى بكر ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبدالرحمن. فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستن به وهو مسند إلى صدري. انفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري: أخبرنا عبدالله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنى ابن الهاد، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: مات النبي صلى الله عليه وسلم


(1) المخضب: المركن. (2) السحر: الرئة: تريد الصدر. (*)

[ 448 ]

وإنه لبين حاقنتى (1) وذاقنتى، فلا أكره شدة الموت لاحد أبدا بعد النبي الله عليه وسلم. * * * وقال البخاري: حدثنا حبان، أنبأنا عبدالله، أنبأنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة، أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذى توفى فيه طفقت أنفث عليه (2) بالمعوذات التى كان ينفث وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه. ورواه مسلم من حديث ابن وهب، عن يونس بن يزيد الايلى، عن الزهري به. والفلاس ومسلم عن محمد بن حاتم كلهم. [ وثبت في الصحيحين من حديث أبى عوانة، عن فراس، عن الشعبى، عن مسروق، عن عائشة قالت: اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشى لا تخطئ مشيتها مشية أبيها، فقال: مرحبا بابنتى. فأقعدها عن يمينه أو شماله. ثم سارها بشئ فبكت، ثم سارها فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرار وأنت تبكين ! فلما أن قامت قلت: أخبريني ما سارك. فقالت: ما كنت لافشى سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما توفى. قلت لها: أسألك لما لى عليك من الحق لما أخبرتيني. قالت: أما الآن فنعم. قالت: سارنى في الاول قال لى: إن جبريل كان يعارضنى القرآن كل سنة مرة، وقد عارضنى في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلى، فاتقى الله واصبري فنعم السلف أنا لك. فبكيت. ثم سارنى فقال: أما ترضيني أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الامة ؟ فضحكت.


(1) الحاقنة: ما بين الترقوتين. ولذاقنة: الذقن، أو طرف الحلقوم. (2) صحيح البخاري 2 / 280: على نفسه. (*)

[ 449 ]

وله طرق عن عائشة ] (1). وقد روى البخاري عن على بن عبدالله والفلاس، ومسلم بن محمد بن حاتم، كلهم عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبى عائشة، عن عبيد الله ابن عبدالله، عن عائشة، قالت: لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، قلنا: كراهية المريض للدواء. فلما أفاق قال: ألم أنهكم ألا تلدوني ؟ قلنا: كراهية المريض الدواء فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم. قال البخاري: ورواه ابن أبى الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري: وقال يونس عن الزهري قال عروة: قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذى مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذى أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم. هكذا ذكره البخاري معلقا. وقد أسنده الحافظ البيهقى عن الحاكم، عن أبى بكر بن محمد بن أحمد بن يحيى الاشقر، عن يوسف بن موسى، عن أحمد بن صالح عن عنبسة، عن يونس بن يزيد الايلى، عن الزهري به. * * * وقال البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن أبى معاوية عن الاعمش، عن عبدالله بن مرة، عن أبى الاحوص، عن عبدالله بن مسعود، قال: لئن أحلف تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا أحب إلى من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك أن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا.


(1) من ت. (*)

[ 450 ]

وقال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا بشر بن شعيب بن أبى حمزة، حدثنى أبى، عن الزهري، قال أخبرني عبدالله بن كعب بن مالك الانصاري، وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، أن عبدالله بن عباس أخبره أن على بن أبى طالب خرج من عند رسول الله في وجعه الذى توفى فيه فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبدالمطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا ! وإنى والله لارى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا، إنى لاعرف وجوه بنى عبدالمطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله فلنسأله فيمن هذا الامر ؟ إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال على: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإنى والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم. انفرد به البخاري. وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن سليمان الاحول، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس ! اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه. فقال: ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا (1) بعده أبدا. فتنازعوا - ولا ينبغى عند نبى تنازع - فقالوا: ما شأنه أهجر (2) ؟ استفهموه، فذهبوا يردون عنه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. فأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها. ورواه البخاري في موضع آخر، ومسلم من حديث سفيان بن عيينة.


(1) البخاري: لن تضلوا. (2) هجر: اختلف كلامه بسبب المرض، على سبيل الاستفهام، أي هل تغير كلامه واختلط لاجل ما به من المرض. النهاية 4 / 255. وفى الاصل: يهجر، وما أثبته عن صحيح البخاري 2 / 279. (*)

[ 451 ]

ثم قال البخاري: حدثنا على بن عبدالله، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. فقال بعضهم: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا. قال عبيد الله: قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. ورواه مسلم عن محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق بنحوه. وقد أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه من حديث معمر ويونس عن الزهري به. * * * وهذا الحديث مما قد توهم به بعض الاغبياء من أهل البدع من الشيعة وغيرهم، كل مدع أنه كان يريد أن يكتب في ذلك الكتاب ما يرمون إليه من مقالاتهم، وهذا هو التمسك بالمتشابه وترك المحكم. وأهل السنة يأخذون بالمحكم ويردون ما تشابه إليه، وهذه طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله عزوجل في كتابه. وهذا الموضع مما زل فيه أقدام كثير من أهل الضلالات، وأما أهل السنة فليس لهم مذهب إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار. وهذا الذى كان يريد عليه الصلاة والسلام أن يكتبه قد جاء في الاحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه.

[ 452 ]

فإنه قد قال الامام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا نافع، عن ابن عمرو، حدثنا ابن أبى مليكة، عن عائشة، قالت: لما كان وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى قبض فيه قال: " ادعوا لى أبا بكر وابنه لكى لا يطمع في أمر أبى بكر طامع ولا يتمناه متمن. ثم قال: يأبى الله ذلك والمؤمنون ". مرتين. قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون ! انفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبدالرحمن بن أبى بكر القرشى، عن ابن أبى مليكة، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله قال لعبد الرحمن بن أبى بكر: " ائتنى بكتف أو لوح حتى أكتب لابي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد " فلما ذهب عبدالرحمن ليقوم. قال: " يأبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر ". انفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا. وروى البخاري عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت قال رسول الله: " لقد هممت أن أرسل إلى أبى بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون أو يتمنى متمنون. فقال: يأبى الله، أو يدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون ". وفى صحيح البخاري ومسلم من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن جبير ابن مطعم، عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه. فقالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك ؟ كأنها تقول الموت - قال: " إن لم تجديني فأت أبا بكر ". والظاهر والله أعلم أنها إنما قالت ذلك له عليه السلام في مرضه الذى مات فيه صلوات الله وسلامه عليه.

[ 453 ]

وقد خطب عليه الصلاة والسلام في يوم الخميس قبل أن يقبض عليه السلام بخمسة أيام خطبة عظيمة بين فيها فضل الصديق من بين سائر الصحابة، مع ما كان قد نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين. كما سيأتي بيانه مع حضورهم كلهم. ولعل خطبته هذه كانت عوضا عما أراد أن يكتبه في الكتاب. وقد اغتسل عليه السلام بين يدى هذه الخطبة الكريمة فصبوا عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، وهذا من باب الاستشفاء بالسبع، كما وردت بها الاحاديث في غير هذا الموضع. والمقصود أنه عليه السلام اغتسل ثم خرج فصلى بالناس ثم خطبهم. كما تقدم في حديث عائشة رضى الله عنها. ذكر الاحاديث الواردة في ذلك قال البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أيوب بن بشير، أن رسول الله قال في مرضه: أفيضوا على من سبع قرب من سبع آبار شتى حتى أخرج فأعهد إلى الناس. ففعلوا، فخرج فجلس على المنبر، فكان أول ما ذكر بعد حمد الله والثناء عليه ذكر أصحاب أحد، فاستغفر لهم ودعا لهم، ثم قال: يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون والانصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم عيبتي التى أويت إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم. ثم قال عليه السلام: أيها الناس إن عبدا من عباد الله قد خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله. ففهمها أبو بكر رضى الله عنه من بين الناس فبكى وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا

[ 454 ]

وأبنائنا وأموالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك يا أبا بكر ! انظروا إلى هذه الابواب الشارعة في المسجد فسدوها إلا ما كان من بيت أبى بكر، فإنى لا أعلم أحدا عندي أفضل في الصحبة منه. هذا مرسل له شواهد كثيرة. وقال الواقدي: حدثنى فروة بن زبيد بن طوسا، عن عائشة بنت سعد، عن أم ذر، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. قالت: خرج رسول الله عاصبا رأسه بخرقة، فلما استوى على المنبر تحدق الناس بالمنبر واستكفوا، فقال: والذى نفسي بيده إنى لقائم على الحوض الساعة. ثم تشهد فلما قضى تشهده كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد. ثم قال: إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله. فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه. وقال: بأبى وأمى ! نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل رسول الله يقول له: على رسلك ! وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا فليح، عن سالم أبى النضر، عن بشر ابن سعيد، عن أبى سعيد، قال: خطب رسول الله الناس فقال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر. قال: فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد، فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به. فقال رسول الله: إن أمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الاسلام مودته، لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر. وهكذا رواه البخاري من حديث أبى عامر العقدى به.

[ 455 ]

ثم رواه الامام أحمد عن يونس، عن فليح، عن سالم أبى النضر، عن عبيد بن حنين وبشر بن سعيد، عن أبى سعيد به. وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث فليح ومالك بن أنس، عن سالم عن بشر ابن سعيد وعبيد بن حنين، كلاهما عن أبى سعيد بنحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو الوليد، حدثنا هشام، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك، عن ابن أبى المعلى، عن أبيه، أن رسول الله خطب يوما فقال: إن رجلا خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها يأكل من الدنيا ما شاء أن يأكل منها، وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه. فبكى أبو بكر، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تعجبون من هذا الشيخ أن ذكر رسول الله رجلا صالحا خيره ربه بين البقاء في الدنيا (1) وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه ! فكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله. فقال أبو بكر: بل نفديك بأموالنا وأبنائنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته وذات يده من ابن أبى قحافة، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبى قحافة، ولكن ود وإخاء وإيمان، ولكن ود وإخاء وإيمان. مرتين وإن صاحبكم خليل الله عزوجل. تفرد به أحمد. قالوا: وصوابه ابن سعيد بن المعلى. فالله أعلم. وقد روى الحافظ البيهقى من طريق إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - حدثنا زكريا بن عدى، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقى، عن زيد بن أبى أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبدالله بن الحارث حدثنا جندب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوفى بخمس وهو يقول: قد كان لى منكم إخوة وأصدقاء، وإنى أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وإن ربى اتخذني


(1) ا: بين لقاء الدنيا. (*)

[ 456 ]

خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإن قوما ممن كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك. وقد رواه مسلم في صحيحه عن إسحاق بن راهويه بنحوه. وهذا اليوم الذى كان قبل وفاته عليه السلام بخمسة أيام هو يوم الخميس الذى ذكره ابن عباس فيما تقدم. وقد روينا هذه الخطبة من طريق ابن عباس. قال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو الحسن على بن محمد المقرئ، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب - هو ابن عوانة الاسفرايينى - قال: حدثنا محمد بن أبى بكر، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبى، سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذى مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن على بنفسه وماله من أبى بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الاسلام أفضل، سدوا عنى كل خوخة في المسجد غير خوخة أبى بكر. رواه البخاري عن عبيد الله بن محمد الجعفي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه به. وفى قوله عليه السلام: " سدوا عنى كل خوخة - يعنى الابواب الصغار - إلى المسجد غير خوخة أبى بكر " إشارة إلى الخلافة، أي ليخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين. وقد رواه البخاري أيضا من حديث عبدالرحمن بن سليمان بن حنظلة بن الغسيل، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله خرج في مرضه الذى مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء (1) ملتحفا بملحفة على منكبيه، فجلس على المنبر فذكر الخطبة، وذكر فيها الوصاة بالانصار إلى أن قال: فكان آخر مجلس جلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض - يعنى آخر خطبة خطبها عليه السلام.


(1) الدسماء: التى يضرب لونها إلى السواد. (*)

[ 457 ]

وقد روى من وجه آخر عن ابن عباس بإسناد غريب ولفظ غريب. فقال البيهقى: أنبأنا على بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا ابن أبى قماش وهو محمد بن عيسى، حدثنا موسى بن إسماعيل أبوعمران الجبلى، حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن الحارث بن عبدالملك بن عبدالله بن أناس الليثى، عن القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: أتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكا شديدا، وقد عصب رأسه فقال: خذ بيدى يا فضل. قال: فأخذت بيده حتى قعد على المنبر. ثم قال: ناد في الناس يا فضل. فناديت: الصلاة جامعة. قال: فاجتمعوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال: أما بعد، أيها الناس إنه قد دنا منى خلوف من بين أظهركم، ولن ترونى في هذا المقام فيكم، وقد كنت أرى أن غيره غير مغن عنى حتى أقومه فيكم، ألا فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد، ولا يقولن قائل: أخاف الشحناء من قبل رسول الله، ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي، وإن أحبكم إلى من أخذ حقا إن كان له على أو حللني فلقيت الله عزوجل وليس لاحد عندي مظلمة. قال: فقام منهم رجل فقال: يا رسول الله لى عندك ثلاثة دراهم. فقال: أما أنا فلا أكذب قائلا ولا مستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندي ؟ قال: أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم. قال: أعطه يا فضل. قال: وأمر به فجلس. قال: ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقالته الاولى. ثم قال: يا أيها الناس من عنده من الغلول شئ فليرده. فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي ثلاثة

[ 458 ]

دراهم غللتها في سبيل الله. قال: فلم غللتها ؟ قال: كنت إليها محتاجا قال: خذها منه يا فضل. ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقالته الاولى وقال: يا أيها الناس من أحس من نفسه شيئا فليقم أدعو الله له. فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله إنى لمنافق وإنى لكذوب وإنى لنئوم. فقال عمر بن الخطاب: ويحك أيها الرجل ! لقد سترك الله لو سترت على نفسك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه يابن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقا وإيمانا وأذهب عنه النوم إذا شاء. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر معى وأنا مع عمر والحق بعدى مع عمر. وفى إسناده ومتنه غرابة شديدة.

[ 459 ]

ذكر أمره عليه السلام أبا بكر الصديق رضى الله عنه أن يصلى بالصحابة أجمعين، مع حضورهم كلهم، وخروجه عليه السلام فصلى وراءه مقتديا به في بعض الصلوات على ما سنذكره وإماما له ولمن بعده من الصحابة قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، قال: وقال ابن شهاب الزهري: حدثنى عبدالملك بن أبى بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبدالله بن هشام، عن أبيه، عن عبدالله بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد، قال: لما استعز برسول الله وأنا عنده في نفر من المسلمين دعا بلال للصلاة فقال: مروا من يصلى بالناس. قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا فقلت: قم يا عمر فصل بالناس. قال: فلما كبر عمر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، وكان عمر رجلا مجهرا فقال رسول الله: فأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون. قال: فبعث إلى أبى بكر فجاء بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس. وقال عبدالله بن زمعة: قال لى عمر: ويحك ماذا صنعت يابن زمعة ! والله ما ظننت حين أمرتنى إلا أن رسول الله أمرنى بذلك، ولولا ذلك ما صليت. قال: قلت: والله ما أمرنى رسول الله، ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة. وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق، حدثنى الزهري، ورواه يونس

[ 460 ]

ابن بكير، عن ابن إسحاق، حدثنى يعقوب بن عتبة، عن أبى بكر بن عبدالرحمن، عن عبدالله بن زمعة فذكره. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبى فديك، حدثنا موسى بن يعقوب، عن عبدالرحمن بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، أن عبدالله بن زمعة أخبره بهذا الخبر، قال: لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت عمر. قال ابن زمعة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أطلع رأسه من حجرته ثم قال: لا لا، لا يصلى للناس إلا ابن أبى قحافة. يقول ذلك مغضبا. * * * وقال البخاري: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبى، حدثنا الاعمش، عن إبراهيم، قال الاسود: كنا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والمواظبة لها. قالت: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذى مات فيه فحضرت الصلاة فأذن بلال، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس، وأعاد فعادوا له فأعاد الثالثة، فقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. فخرج أبو بكر، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين كأنى أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك. ثم أتى به حتى جلس إلى جنبه. قيل للاعمش: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى وأبو بكر يصلى بصلاته والناس يصلون بصلاة أبى بكر ؟ فقال برأسه: نعم. ثم قال البخاري: رواه أبو داود عن شعبة بعضه. وزاد أبو معاوية عن الاعمش: جلس عن يسار أبى بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما.

[ 461 ]

وقد رواه البخاري في غير ما موضع من كتابه، ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن الاعمش به. منها ما رواه البخاري عن قتيبة، ومسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة ويحيى بن يحيى، عن أبى معاوية به. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال في مرضه: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبدالله عن عائشة، أنها قالت: لقد عاودت رسول الله في ذلك وما حملني على معاودته إلا أنى خشيت أن يتشاءم الناس بأبى بكر، وإلا أنى علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله عن أبى بكر إلى غيره. وفى صحيح مسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: وأخبرني حمزة بن عبدالله بن عمر، عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتى. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت قلت: يا رسول الله: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبى بكر ؟ قالت: والله ما بى إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فراجعته مرتين أو ثلاثا. فقال: ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صواحب يوسف. وفى الصحيحين من حديث عبدالملك بن عمير، عن أبى بردة، عن أبى موسى، عن أبيه، قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطيع يصلى

[ 462 ]

بالناس. قال: فقال: مروا أبا بكر يصل بالناس فإنكن صواحب يوسف. قال فصلى أبو بكر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، أنبأنا زائدة، عن موسى بن أبى عائشة، عن عبيد الله بن عبدالله، قال دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: بلى، ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: أصلى الناس ؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: ضعوا لى ماء في في المخضب. ففعلنا. قالت: فاغتسل ثم ذهب لينوء (1) فأغمى عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس ؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لى ماء في المخضب. ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس ؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لى ماء في المخضب، ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس ؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى بكر بأن يصلى بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا. فقال: يا عمر صل بالناس. فقال: أنت أحق بذلك. فصلى بهم تلك الايام. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلى قائما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى قاعدا. قال عبيد الله: فدخلت على ابن عباس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدثتني


(1) ينوء: ينهض. (*)

[ 463 ]

عائشة عن مرض رسول الله ؟ قال: هات. فحدثته فما أنكر منه شيئا، غير أنه قال: سمت لك الرجل الذى كان مع العباس ؟ قلت: لا. قال: هو على وقد رواه البخاري ومسلم جميعا عن أحمد بن يونس، عن زائدة به. وفى رواية: فجعل أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله وهو قائم، والناس يصلون بصلاة أبى بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد. قال البيهقى: ففى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم في هذه الصلاة وعلق أبو بكر صلاته بصلاته. قال: وكذلك رواه الاسود وعروة عن عائشة، وكذلك رواه الارقم بن شرحبيل عن ابن عباس. يعنى بذلك ما رواه الامام أحمد: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، حدثنى أبى، عن أبى إسحاق، عن الارقم بن شرحبيل، عن ابن عباس، قال: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلى بالناس، ثم وجد خفة فخرج، فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس إلى جنب أبى بكر عن يساره واستفتح من الآية التى انتهى إليها أبو بكر رضى الله عنه. ثم رواه أيضا عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن أرقم، عن ابن عباس بأطول من هذا. وقال وكيع مرة: فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبى بكر. ورواه ابن ماجه عن على بن محمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس بنحوه. وقد قال الامام أحمد حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعبة، عن نعيم بن أبى هند،

[ 464 ]

عن أبى وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبى بكر قاعدا في مرضه الذى مات فيه. [ وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث شعبة، وقال الترمذي: حسن صحيح (1) ] وقال أحمد: حدثنا بكر بن عيسى، سمعت شعبة بن الحجاج، عن نعيم بن أبى هند عن أبى وائل، عن مسروق، عن عائشة، أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف. وقال البيهقى: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنبأنا عبدالله بن جعفر، أنبأنا يعقوب بن سفيان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن سليمان الاعمش، عن إبراهيم، عن الاسود، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبا بكر. وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه. قال البيهقى: وكذلك رواه حميد، عن أنس بن مالك، ويونس، عن الحسن مرسلا، ثم أسند ذلك من طريق هشيم، أخبرنا يونس عن الحسن. قال هشيم: وأنبأنا حميد، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وأبو بكر يصلى بالناس فجلس إلى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها، فصلى بصلاته. قال البيهقى: وأخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبيد بن شريك، أنبأنا ابن أبى مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول: آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد ملتحفا به خلف أبى بكر. قلت: وهذا إسناد جيد على شرط الصحيح ولم يخرجوه.


(1) من: ت (*)

[ 465 ]

وهذا التقييد جيد بأنها آخر صلاة صلاها مع الناس، صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر البيهقى من طريق سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبى بكر في ثوب واحد مخالفا بين طرفيه، فلما أراد أن يقوم قال: ادع لى أسامة بن زيد. فجاء فأسند ظهره إلى نحره، فكانت آخر صلاة صلاها. قال البيهقى: ففى هذا دلالة أن هذه الصلاة كانت صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة لانها آخر صلاة صلاها، لما ثبت أنه توفى ضحى يوم الاثنين. وهذا الذى قاله البيهقى أخذه مسلما من مغازى موسى بن عقبة، فإنه كذلك ذكر وكذا روى أبو الأسود عن عروة. وذلك ضعيف، بل هذه آخر صلاة صلاها مع القوم، كما تقدم تقييده في الرواية الاخرى، والحديث واحد، فيحمل مطلقه على مقيده. ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة، لان تلك لم يصلها مع الجماعة بل في بيته لما به من الضعف صلوات الله وسلامه عليه. والدليل على ذلك ما قال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك، وكان تبع النبي صلى الله عليه وسلم وخدمه وصحبه، أن أبا بكر كان يصلى لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذى توفى فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف (1) [ ثم (2) ] تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرج برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف.


(1) عبارة عن حسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته. (2) من صحيح البخاري. (*)

[ 466 ]

وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر وتوفى من يومه صلى الله عليه وسلم. وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وصبيح بن كيسان ومعمر، عن الزهري عن أنس. ثم قال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبى الله صلى الله عليه وسلم (1) بالحجاب. فرفعه، فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبى بكر أن يتقدم، وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه به. فهذا أوضح دليل على أنه عليه السلام لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح مع الناس، وأنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج إليهم ثلاثا. قلنا: فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها معهم الظهر، كما جاء مصرحا به في حديث عائشة المتقدم ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت ولا يوم الاحد، كما حكاه البيهقى عن مغازى موسى بن عقبة، وهو ضعيف، ولما قدمنا من خطبته بعدها ولانه انقطع عنهم يوم الجمعة، والسبت، والاحد، وهذه ثلاثة أيام كوامل. وقال الزهري عن أبى بكر بن أبى سبرة، أن أبا بكر صلى بهم سبع عشرة صلاة. وقال غيره: عشرين صلاة. فالله أعلم. ثم بدا لهم وجهه الكريم صبيحة يوم الاثنين فودعهم بنظرة كادوا يفتتنون بها، ثم كان ذلك آخر عهد جمهورهم به ولسان حالهم يقول كما قال بعضهم:


(1) الاصل: فقال نبى الله عليكم بالحجاب. وما أثبته عن البخاري، وأراد من قال معنى فعل. (*)

[ 467 ]

وكنت أرى كالموت من بين ساعة * فكيف ببين كان موعده الحشر ! والعجب أن الحافظ البيهقى أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين. ثم قال ما حاصله: فلعله عليه السلام احتجب عنهم في أول ركعة ثم خرج في الركعة الثانية فصلى خلف أبى بكر، كما قاله عروة وموسى بن عقبة، وخفى ذلك عن أنس بن مالك أو أنه ذكر بعض الخبر وسكت عن آخره. وهذا الذى [ ذكره ] أيضا بعيد جدا، لان أنسا قال: فلم يقدر عليه حتى مات. وفى رواية قال: فكان ذلك آخر العهد به. وقول الصحابي مقدم على قول التابعي. والله أعلم. * * * والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر الصديق إماما للصحابة كلهم في الصلاة التى هي أكبر أركان الاسلام العملية. قال الشيخ أبو الحسن الاشعري: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الاسلام. قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم، لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلما. قلت: وهذا من كلام الاشعري رحمه الله مما ينبغى أن يكتب بماء الذهب. ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق رضى الله عنه وأرضاه. وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم خلفه في بعض الصلوات، كما قدمنا بذلك الروايات الصحيحة، لا ينافى ما روى في الصحيح أن أبا بكر ائتم به عليه السلام، لان

[ 468 ]

ذلك في صلاة أخرى، كما نص على ذلك الشافعي وغيره من الائمة رحمهم الله عزوجل. فائدة: استدل مالك والشافعي وجماعة من العلماء ومنهم البخاري بصلاته عليه السلام قاعدا وأبو بكر مقتديا به قائما والناس بأبى بكر على نسخ قوله عليه السلام في الحديث المتفق عليه حين صلى ببعض أصحابه قاعدا، وقد وقع عن فرس فجحش (1) شقه فصلوا وراءه قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: " كذلك والذى نفسي بيده تفعلون كفعل فارس والروم، يقومون على عظمائهم وهم جلوس ". " وقال: إنما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ". قالوا: ثم إنه عليه السلام أمهم قاعدا وهم قيام في مرض الموت. فدل على نسخ ما تقدم والله أعلم. وقد تنوعت مسالك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال، على وجوه كثيرة موضع ذكرها كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وملخص ذلك: أن من الناس من زعم أن الصحابة جلسوا لامره المتقدم، وإنما استمر أبو بكر قائما لاجل التبليغ عنه صلى الله عليه وسلم. ومن الناس من قال: بل كان أبو بكر هو الامام في نفس الامر، كما صرح به بعض الرواة كما تقدم. وكان أبو بكر لشدة أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا يبادره بل يقتدى به، فكأنه عليه السلام صار إمام الامام، فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بأبى بكر وهو قائم، ولم يجلس الصديق لاجل أنه إمام ولانه يبلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الحركات والسكنات والانتقالات. والله أعلم.


(1) جحش: أصيب (*)

[ 469 ]

ومن الناس من قال: فرق بين أن يبتدئ الصلاة خلف الامام في حال القيام فيستمر فيها قائما وإن طرأ جلوس الامام في أثنائها، كما في هذه الحال، وبين أن يبتدئ الصلاة خلف إمام جالس فيجب الجلوس للحديث المتقدم. والله أعلم. ومن الناس من قال: هذا الصنيع والحديث المتقدم دليل على جواز القيام والجلوس، وأن كلا منهما سائغ جائز: الجلوس، لما تقدم، والقيام للفعل المتأخر. والله أعلم.

[ 470 ]

فصل في كيفية احتضاره ووفاته عليه السلام قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش، عن إبراهيم التيمى، عن الحارث بن سويد، عن عبدالله، هو ابن مسعود، قال: دخلت عل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته. فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا. قال أجل، إنى أوعك كما يوعك الرجلان منكم. قلت: إن لك أجرين. قال: " نعم، والذى نفسي بيده ما على الارض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها ". وقد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة عن سليمان بن مهران الاعمش به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا إسحاق بن أبى إسرائيل، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبى سعيد الخدرى، (1) وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أطيق أن أضع يدى عليك من شدة حماك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا معشر الانبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الاجر، إن كان النبي من الانبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله، وإن كان الرجل ليبتلى بالعرى حتى يأخذ العباءة فيجوبها (2)، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء ". فيه رجل مبهم لا يعرف بالكلية، فالله أعلم. وقد روى البخاري ومسلم من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، زاد مسلم:


(1) كذا، ولعلها: أنه. (2) يجوبها: أي يجعل لها جبا فيلبسها. (*)

[ 471 ]

وجرير. ثلاثتهم عن الاعمش، عن أبى وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق، عن عائشة قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى صحيح البخاري من حديث يزيد بن الهاد، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حاقنتى وذاقنتى، فلا أكره شدة الموت لاحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وفى الحديث الآخر الذى رواه [ البخاري ] في صحيحه قال: قال رسول الله: " أشد الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون، ثم الامثل فالامثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شدد عليه في البلاء ". وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنى سعيد بن عبيد بن السباق، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه أسامة بن زيد، قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معى إلى المدينة، فدخلت على رسول الله وقد أصمت فلا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يصيبها (1) على أعرف أنه يدعو لى. ورواه الترمذي عن أبى كريب، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وقال: حسن غريب. * * * وقال الامام مالك في موطأه عن إسماعيل عن أبى حكيم، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: " قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب ". هكذا رواه مرسلا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله.


(1) ت: على وجهه. وهو تحريف. والحديث في مسند أحمد 5 / 201 (*)

[ 472 ]

وقد روى البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن عائشة وابن عباس، قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة (1) له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو بكر بن أبى رجاء الاديب، أنبأنا أبو العباس الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الاعمش، عن أبى سفيان، عن جابر بن عبدالله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: أحسنوا الظن بالله. وفى بعض الاحاديث كما رواه مسلم من حديث الاعمش، عن أبى سفيان طلحة ابن نافع، عن جابر، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله تعالى ". وفى الحديث الآخر يقول الله تعالى: " أنا عند ظن عبدى بى فليظن بى خيرا ". وقال البيهقى: أنبأنا الحاكم، حدثنا الاصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصغانى، حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سليمان التيمى، عن قتادة، عن أنس، قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الوفاة: " الصلاة وما ملكت أيمانكم " حتى جعل يغرغر بها وما يفصح بها لسانه. وقد رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، عن جرير بن عبدالحميد به، وابن ماجه عن أبى الاشعث، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه به. وقال الامام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا التيمى، عن قتادة، عن أنس ابن مالك، قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت:


(1) الخميصة: كساء أسود مربع له علمان. (*)

[ 473 ]

الصلاة وما ملكت أيمانكم. حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه. وقد رواه النسائي وابن ماجه من حديث سليمان بن طرخان، وهو التيمى، عن قتادة عن أنس به. وفى رواية للنسائي عن قتادة، عن صاحب له، عن أنس به. وقال أحمد: حدثنا بكر بن عيسى الراسبى، حدثنا عمر بن الفضل، عن نعيم بن يزيد، عن على بن أبى طالب، قال: أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده. قال: فخشيت أن تفوتنى نفسه. قال: قلت: إنى أحفظ وأعى. قال: أوصى بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضيل (1)، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن سفينة، عن أم سلمة قالت: كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه. وهكذا رواه النسائي عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن سفينة عن أم سلمة به. قال البيهقى: والصحيح ما رواه عفان، عن همام، عن قتادة عن أبى الخليل، عن سفينة عن أم سلمة به. وهكذا رواه النسائي أيضا وابن ماجه، من حديث يزيد بن هارون، عن همام، عن قتادة، عن صالح أبى الخليل، عن سفينة عن أم سلمة به.


(1) غير ا: الفضل (*)

[ 474 ]

وقد رواه النسائي أيضا عن قتيبة، عن أبى عوانة، عن قتادة، عن سفينة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. ثم رواه عن محمد بن عبدالله بن المبارك عن يونس بن محمد قال: حدثنا عن سفينة فذكر نحوه. وقال أحمد: حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن زيد بن الهاد، عن موسى بن سرجس، عن القاسم، عن عائشة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعنى على سكرات الموت. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الليث به. وقال الترمذي: غريب. وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليهون على أنى رأيت بياض كف عائشة في الجنة. تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به. وهذا دليل على شدة محبته عليه السلام لعائشة رضى الله عنها. وقد ذكر الناس معاني كثيرة في كثرة المحبة ولم يبلغ أحدهم هذا المبلغ، وما ذاك إلا لانهم يبالغون كلاما لا حقيقة له، وهذا كلام حق لا محالة ولا شك فيه. وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبى مليكة قال: قالت عائشة: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتى وتوفى بين سحري ونحرى وكان جبريل يعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه فرفع بصره إلى السماء وقال: في الرفيق الاعلى في الرفيق الاعلى. ودخل عبدالرحمن بن أبى بكر وبيده جريدة رطبة فنظر إليها فظننت أن له بها

[ 475 ]

حاجة، قالت: فأخذتها فنفضتها فدفعتها إليه فاستن بها أحسن ما كان مستنا، ثم ذهب يناولنيها فسقطت من يده. قالت: فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة. ورواه البخاري عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي، حدثنا داود، عن عمرو بن زهير الضبى، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبى حسين، أنبأنا ابن أبى مليكة أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره أن عائشة كانت تقول: إن من نعمة الله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى في يومى وفى بيتى وبين سحري ونحرى وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت. قالت: دخل على أخى بسواك معه وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدري، فرأيته ينظر إليه. وقد عرفت أنه يحب السواك ويألفه. فقلت: آخذه لك ؟ فأشار برأسه: أن نعم. فلينته له، فأمره على فيه. قالت: وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه. ثم يقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات. ثم نصب إصبعه اليسرى وجعل يقول: في الرفيق الاعلى في الرفيق الاعلى. حتى قبض ومالت يده في الماء. ورواه البخاري عن محمد عن عيسى بن يونس. * * * وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت عروة يحدث عن عائشة قالت: كنا نحدث أن النبي لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة.

[ 476 ]

قالت: فلما كان مرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى مات فيه عرضت له بحة. فسمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. قالت عائشة: فظننا أنه كان يخير. وأخرجاه من حديث شعبة به. وقال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم، أن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبى حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت عائشة: فلما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه على فخذي غشى عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت. وقال: اللهم الرفيق الاعلى. فعرفت أنه الحديث الذى كان حدثناه وهو صحيح، أنه لم يقبض نبى قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت عائشة: فقلت: إذا لا يختارنا. وقالت عائشة: كانت تلك الكلمة آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفيق الاعلى. أخرجاه من غير وجه عن الزهري به. وقال سفيان - هو الثوري - عن إسماعيل ابن أبى خالد، عن أبى بردة، عن عائشة قالت: أغمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجري فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء. فقال: لا، بل أسأل الله الرفيق الاعلى الاسعد، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل. رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وغيره قالوا: حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا محمد بن عبدالله بن عبد الحكم، حدثنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن عباد بن عبدالله بن الزبير، أن عائشة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه

[ 477 ]

وسلم وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مستند إلى صدرها يقول: اللهم اغفر لى وارحمني وألحقني بالرفيق [ الاعلى (1) ]. أخرجاه من حديث هشام بن عروة. وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، حدثنى يحيى ابن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد، سمعت عائشة تقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحرى وفى دولتي (2) ولم أظلم فيه أحدا، فمن سفهى وحداثة سنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم (3) مع النساء وأضرب وجهى. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبدالله بن الزبير، حدثنا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبدالله، قال: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبى إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه وبين أن يلحق. فكنت قد حفظت ذلك منه فإنى لمسندته إلى صدري فنظرت إليه حين مالت عنقه فقلت: قد قضى. فعرفت الذى قال، فنظرت إليه حين ارتفع فنظر. قالت: قلت: إذا والله لا يختارنا. فقال مع الرفيق الاعلى في الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. تفرد به أحمد ولم يخرجوه. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا همام، أنبأنا هشام بن عروة،


(1) من ت (2) دولتي: بيتى وسلطاني (2) ألتدم: ألطم. (*)

[ 478 ]

عن أبيه، عن عائشة، قالت قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه بين سحري ونحرى. قالت: فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منها. وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. ورواه البيهقى من حديث حنبل بن إسحاق عن عفان. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبدالله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن أبى معشر، عن محمد بن قيس، عن أبى عروة، عن أم سلمة قالت: وضعت يدى على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات، فمرت لى جمع آكل وأتوضأ وما يذهب ريح المسك من يدى. وقال أحمد: حدثنا عفان وبهز قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن أبى بردة، قال: دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن وكساء من التى يدعون الملبدة فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض في هذين الثوبين. وقد رواه الجماعة إلا النسائي من طرق، عن حميد بن هلال به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا أبوعمران الجونى، عن يزيد بن بابنوس، قال: ذهبت أنا وصاحب لى إلى عائشة فاستأذنا عليها، فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب. فقال صاحبي: يا أم المؤمنين ما تقولين في العراك ؟ قالت: وما العراك ؟ فضربت منكب صاحبي. قالت: مه آذيت أخاك. ثم قالت: ما العراك المحيض ؟ قولوا ما قال الله عزوجل في المحيض. ثم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه

[ 479 ]

وسلم يتوشحنى وينال من رأسي وبيني وبينه ثوب وأنا حائض. ثم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر ببابى مما يلقى الكلمة ينفعني الله بها، فمر ذات يوم فلم يقل شيئا ثم مر فلم يقل شيئا مرتين أو ثلاثا. فقلت: يا جارية ضعى لى وسادة على الباب. وعصبت رأسي فمر بى. فقال: يا عائشة ما شأنك ؟ فقلت: أشتكى رأسي. فقال: أنا وارأساه. فذهب فلم يلبث إلا يسيرا حتى جئ به محمولا في كساء، فدخل على وبعث إلى النساء فقال: إنى قد اشتكيت، وإنى لا أستطيع أن أدور بينكن، فأذن لى فلاكن عند عائشة. فكنت أمرضه ولم أمرض أحدا قبله، فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة فخرجت من فيه نطفة (1) باردة، فوقعت على ثغرة نحرى فاقشعر لها جلدى فظننت أنه غشى عليه فسجيته ثوبا. فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما وجذبت إلى الحجاب، فنظر عمر إليه فقال: واغشياه ما أشد غشى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قاما فلما دنوا من الباب قال المغيرة: يا عمر مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت بل أنت رجل نحوسك (2) فتنة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفنى الله المنافقين. قالت: ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ! مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من قبل رأسه فحدر فاه فقبل جبهته، ثم قال: وانبياه ! ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال. واصفياه. ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل جبهته وقال: واخليلاه مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ويتكلم ويقول: إن رسول الله لا يموت حتى يفنى الله المنافقين.


(1) النطفة: الماء القليل. وفى الاصل: نقطة. وما أثبته عن مسند أحمد (2) تحوسك: تتخلك. (*)

[ 480 ]

فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله يقول: " إنك ميت وإنهم ميتون " حتى فرغ من الآية " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه ". حتى فرغ من الآية. ثم قال: فمن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. فقال عمر: أو إنها في كتاب الله ؟ ما شعرت أنها في كتاب الله. ثم قال عمر: يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذوشيبة (1) المسلمين، فبايعوه. فبايعوه. وقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل من حديث مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبى عمران الجونى به ببعضه. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، عن عبدالرحمن، أن عائشة أخبرته: أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح (2) حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى. ثم قال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله ! والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا، أما الموتة التى كتبت عليك فقد متها. قال الزهري: وحدثني أبو سلمة، عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس. فقال: اجلس يا عمر. فأبى عمر أن يجلس. فقال: اجلس يا عمر. فأبى عمر أن يجلس. فتشهد أبو بكر فأقبل الناس إليه، فقال، أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد


(1) ذو الشيبة: أقدمهم وأولاهم. (2) السنح: موضع بعوالي المدينة. (*)

[ 481 ]

مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، قال الله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " الآية. قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم فما سمع بشر من الناس إلا يتلوها. قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب، أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق فعقرت (1) حتى ما تقلني رجلاى وحتى هويت إلى الارض وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات. ورواه البخاري عن يحيى بن بكير به وروى الحافظ البيهقى من طريق ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير في ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال مات بالقتل والقطع ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غشية لو قد قام قتل وقطع. وعمرو بن قيس بن زائدة بن الاصم بن أم مكتوم في مؤخر المسجد يقرأ: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل (2) " الآية والناس في المسجد يبكون ويموجون لا يسمعون. فخرج عباس بن عبدالمطلب على الناس فقال: يا أيها الناس هل عند أحد منكم من عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفاته فليحدثنا ؟ قالوا: لا. قال: هل عندك يا عمر من علم ؟ قال: لا. فقال العباس: اشهدوا أيها الناس أن أحدا لا يشهد على رسول الله بعهد عهده إليه في وفاته، والله الذى لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت.


(1) عقر، فجئه الروع، فما يتقدم وما يتأخر. (2) سورة آل عمران 144 (*)

[ 482 ]

قال، وأقبل أبو بكر رضى الله عنه من السنح على دابته حتى نزل بباب المسجد، وأقبل مكروبا حزينا، فاستأذن في بيت ابنته عائشة فأذنت له، فدخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفى على الفراش والنسوة حوله فخمرن وجوههن واستترن من أبى بكر، إلا ما كان من عائشة، فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجثا عليه يقبله ويبكى ويقول: ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا، توفى رسول الله والذى نفسي بيده ! رحمة الله عليك يارسول الله، ما أطيبك حيا وميتا ! ثم غشاه بالثوب. ثم خرج سريعا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس حتى أتى المنبر، وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه، وقام أبو بكر إلى جانب المنبر ونادى الناس، فجلسوا وأنصتوا، فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد، وقال، إن الله عزوجل نعى نبيه إلى نفسه وهو حى بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم، وهو الموت حتى لا يبقى منكم أحد إلا الله عزوجل، قال تعالى، " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " الآية. فقال عمر: هذه الآية في القرآن ؟ والله ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم وقد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم " إنك ميت وإنهم ميتون (1) " وقال الله تعالى: " كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (2) "، وقال: " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام (3) " وقال: " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة (4) ". وقال: إن الله عمر محمدا صلى الله عليه وسلم وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله وجاهد في سبيل الله، ثم توفاه الله على ذلك وقد ترككم على الطريقة، فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشقاء، فمن كان الله ربه فإن الله حى لا يموت،


(1) سورة الزمر 30 (2) سورة القصص 88 (3) سورة الرحمن 26، 27 (5) سورة آل عمران 144 (*)

[ 483 ]

ومن كان يعبد محمدا وينزله إلها فقد هلك إلهه. فاتقوا الله أيها الناس واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم وإن كلمة الله تامة وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه، وإن كتاب الله بين أظهرنا وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وفيه حلال الله وحرامه والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يبغين أحد إلا على نفسه. ثم انصرف معه المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر الحديث في غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه. قلت، كما سنذكره مفصلا بدلائله وشواهده إن شاء الله تعالى. وذكر الواقدي عن شيوخه. قالوا: ولما شك ؟ في موت النبي صلى الله عليه وسلم. فقال بعضهم: مات. وقال بعضهم: لم يمت، وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: قد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رفع الخاتم من بين كتفيه. فكان هذا الذى قد عرف به موته. هكذا أورده الحافظ البيهقى في كتابه دلائل النبوة من طريق الواقدي، وهو ضعيف وشيوخه لم يسمون ثم هو منقطع بكل حال ومخالف لما صح وفيه غرابة شديدة وهو رفع الخاتم فالله أعلم بالصواب. وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارا كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة، أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها ونكارة متونها، ولا سيما ما يورده كثير من القصاص المتأخرين وغيرهم فكثير منه موضوع لا محالة. وفى الاحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غنية عن الاكاذيب وما لا يعرف سنده. والله أعلم.

[ 484 ]

فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته وقبل دفنه عليه السلام ومن أعظمها وأجلها وأيمنها بركة على الاسلام وأهله بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وذلك لانه عليه الصلاة والسلام لما مات كان الصديق رضى الله عنه قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح، وكان إذ ذاك قد أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إفاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع، وكشف ستر الحجرة ونظر إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة خلف أبى بكر، فأعجبه ذلك وتبسم صلوات الله وسلامه عليه، حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة لفرحهم به، حتى أراد أبو بكر أن يتأخر ليصل الصف، فأشار إليهم أن يمكثوا كما هم وأرخى الستارة، وكان آخر العهد به عليه السلام. فلما انصرف أبو بكر رضى الله عنه من الصلاة دخل عليه وقال لعائشة: ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قد أقلع عنه من الوجع، وهذا يوم بنت خارجة، يعنى إحدى زوجتيه، وكانت ساكنة بالسنح شرقي المدينة. فركب على فرس له وذهب إلى منزله. وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم، وقيل عند زوال الشمس. والله أعلم. فلما مات واختلف الصحابة فيما بينهم، فمن قائل يقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قائل: لم يمت. فذهب سالم بن عبيد وراء الصديق إلى السنح فأعلمه بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء الصديق من منزله حين بلغه الخبر، فدخل على رسول

[ 485 ]

الله صلى الله عليه وسلم منزله وكشف الغطاء عن وجهه وقبله وتحقق أنه قد مات. [ ثم ] خرج إلى الناس فخطبهم إلى جانب المنبر وبين لهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا، وأزاح الجدل وأزال الاشكال، ورجع الناس كلهم إليه، وبايعه في المسجد جماعة من الصحابة. ووقعت شبهة لبعض الانصار وقام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الانصار، وتوسط بعضهم بين أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الانصار، حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، فرجعوا إليه وأجمعوا عليه. كما سنبينه وننبه عليه.

[ 486 ]

قصة سقيفة بنى ساعدة قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع، حدثنا مالك بن أنس، حدثنى ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، أن ابن عباس أخبره أن عبدالرحمن بن عوف رجع إلى رحله. قال ابن عباس: وكنت أقرئ عبد الرحمن ابن عوف فوجدني وأنا أنتظره، وذلك بمنى في آخر حجة حجها عمر بن الخطاب. فقال عبدالرحمن بن عوف: إن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال: إن فلانا يقول: لو قد مات عمر بايعت فلانا. فقال عمر: إنى قائم العشية إن شاء الله في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس، فأخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعوها ولا يضعوها مواضعها، ولكن حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم، فتقول ما قلت متمكنا، فيعوا مقالتك ويضعوها مواضعها. قال عمر: لئن قدمت المدينة صالحا لاكلمن بها الناس في أول مقام أقومه. فلما قدمنا المدينة في عقب ذى الحجة وكان يوم الجمعة، عجلت الرواح صكة الاعمى (1). قلت لمالك: وما صكة الاعمى ؟ قال: إنه لا يبالى أي ساعة خرج لا يعرف الحر والبرد أو نحو هذا.


(1) الصكة: شدة الهاجرة. وفى القاموس: وتضاف إلى عمى، رجل من العمالقة أغار على قوم في الظهيرة فاجتاحهم. (*)

[ 487 ]

فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الايمن قد سبقني، فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته، فلم أنشب أن طلع عمر، فلما رأيته قلت ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله. قال: فأنكر سعيد بن زيد ذلك وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد ؟ فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإنى قائل مقالة وقد قدر لى أن أقولها، لا أدرى لعلها بين يدى أجلى، فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب على. إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله. فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله عزوجل، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. ألا وإنا قد كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترعبوا عن آبائكم. ألا وإن سول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تطرونى كما أطرى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبدالله ورسوله. وقد بلغني أن قائلا منكم يقول: لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت، ألا وإنها كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الاعناق مثل أبى بكر، وإنه كان من خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 488 ]

إن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخلف عنها الانصار بأجمعها في سقيفة بنى ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الانصار. فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذى صنع القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلت: نريد إخواننا من الانصار. فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بنى ساعدة، فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا ؟ قالوا: سعد بن عبادة. فقلت. ماله ؟ قالوا: وجع. فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، وقد دفت دافة (1) منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويحصونا من الامر. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدى أبى بكر وكنت أدارى منه بعض الحد (2)، وهو كان أحكم منى وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حين سكت. فقال: أما بعد، فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، وما تعرف العرب هذا الامر إلا لهذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم، وأخذ بيدى ويد أبى عبيدة بن الجراح. فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم ؟ أحب إلى أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، إلا أن تغر نفسي عند الموت.


(1) دفت دافة: بدرت بادرة. والدفيف: المشى الخفيف ويختزلونا: يقتطعونا. ويحصونا: يمنعونا. (2) الحد: الغضب، كالحدة. (*)

[ 489 ]

فقال قائل من الانصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (1)، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فقلت لمالك: ما يعنى: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ؟ قال: كأنه يقول: أنا داهيتها. قال فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى خشينا الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر. فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الانصار ونزونا على سعد بن عبادة. فقال قائل منهم: قتلتم سعدا. فقلت: قتل الله سعدا ! قال عمر: أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبى بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما نتابعهم على مالا نرضى وإما أن نخالفهم فيكون فساد. فمن بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذى بايعه تغرة (2) أن يقتلا قال مالك: فأخبرني ابن شهاب عن عروة: أن الرجلين اللذين لقياهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدى. قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المسيب أن الذى قال، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب هو الحباب بن المنذر. وقد أخرج هذا الحديث الجماعة في كتبهم من طرق عن مالك وغيره عن الزهري به. * * * وقال لامام أحمد حدثنا معاوية عن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عاصم ح وحدثني حسين بن على، عن زائدة، عن عاصم عن زر، عن عبدالله - هو ابن مسعود - قال:


(1) الجذيل: عود ينصب للجربى لتحتك به، يريد أنه يشتفى برأيه. والعذيق تصغير العذق، وهو النخلة بما عليها. والمرجب الذى ضم أعذاقه إلى سعفاته وشدت بالخوص لئلا تنفضها الريح. (2) التغرة: مصدر غررته إذا ألقيته في الغرر. أي خوف التغرة. (*)

[ 490 ]

لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الانصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: يا معشر الانصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر. فقالت الانصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ؟ ورواه النسائي عن إسحاق بن راهويه وهناد بن السرى، عن حسين بن على الجعفي، عن زائدة به. ورواه على بن المدينى عن حسين بن على، وقال: صحيح لا أحفظه إلا من حديث زائدة عن عاصم. وقد رواه النسائي أيضا من حديث سلمة بن نبيط، عن نعيم بن أبى هند، عن نبيط ابن شريط، عن سالم بن عبيد، عن عمر مثله. وقد روى عن عمر بن الخطاب نحوه من طريق آخر. وجاء من طريق محمد بن إسحاق، عن عبدالله بن أبى بكر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبدالله، عن ابن عباس، عن عمر، أنه قال: قلت: يا معشر المسلمين إن أولى الناس بأمر نبى الله ثانى اثنين إذ هما في الغار وأبو بكر السباق المسن. ثم أخذت بيده وبدرنى رجل من الانصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده، ثم ضربت على يده وتبايع الناس. وقد روى محمد بن سعد عن عارم بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، فذكر نحوا من هذه القصة وسمى هذا الرجل الذى بايع الصديق قبل عمر بن الخطاب فقال: هو بشير بن سعد والد النعمان بن بشير.

[ 491 ]

ذكر اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة قال الامام أحمد: [ حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبدالله الازدي عن حميد بن عبدالرحمن قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله عنه في صائفه من المدينة. قال: فجاء [ فكشف ] عن وجهه فقبله. وقال: فداك أبى وأمى ما أطيبك حيا وميتا، مات محمد ورب الكعبة. فذكر الحديث. قال: فانطلق أبو بكر وعمر يتعاديان حتى أتوهم، فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الانصار ولا ذكره رسول الله من شأنهم إلا ذكره. وقال: لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار واديا سلكت وادى الانصار، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - وأنت قاعد - قريش ولاة هذا الامر، فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الامراء. وقال الامام أحمد: ] (1) حدثنا على بن عباس، حدثنا الوليد بن مسلم، أخبرني يزيد بن سعيد بن ذى عضوان العبسى، عن عبدالملك بن عمير اللخمى، عن رافع الطائى رفيق أبى بكر الصديق في غزوة ذات السلاسل، قال: وسألته عما قيل في بيعتهم، فقال: وهو يحدثه عما تقاولت به الانصار وما كلمهم به وما كلم به عمر بن الخطاب الانصار وما ذكرهم به من إما متى إياهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه. فبايعوني لذلك وقبلتها منهم وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة. وهذا إسناد جيد قوى.


(1) من ت (*)

[ 492 ]

ومعنى هذا أنه رضى الله عنه إنما قبل الامامة تخوفا أن تقع فتنة أربى من تركه قبولها رضى الله عنه وأرضاه. قلت: كان هذا في بقية يوم الاثنين، فلما كان الغد صبيحة يوم الثلاثاء اجتمع الناس في المسجد فتمت البيعة من المهاجرين والانصار قاطبة، وكان ذلك قبل تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك، أنه سمع خطبة عمر الاخيرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر صامت لا يتكلم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وإن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين وإنه أولى المسلمين بأموركم، فقدموا فبايعوه. وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بنى ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر. قال الزهري، عن أنس بن مالك، سمعت عمر يقول يومئذ لابي بكر: اصعد المنبر. فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى الزهري، حدثنى أنس بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، وقام عمر فتكلم قبل أبى بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إنى قد كنت قلت لكم بالامس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله صلى

[ 493 ]

الله عليه وسلم، ولكني كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا - يقول: يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذى هو به هدى رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه. فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإنى قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى [ عندي ] (1) حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. وهذا إسناد صحيح. فقوله رضى الله عنه: " وليتكم ولست بخيركم " من باب الهضم والتواضع، فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم رضى الله عنهم. * * * وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الحافظ الاسفرايينى، حدثنا أبو على الحسين بن على الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وإبراهيم بن أبى طالب. قالا: حدثنا بندار بن بشار. وحدثنا أبو هشام المخزومى، حدثنا وهيب، حدثنا داود بن أبى هند، حدثنا أبو نضرة، عن أبى سعيد الخدرى،


(1) ليست في ا. (*)

[ 494 ]

قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر. قال: فقام خطيب الانصار فقال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره. قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم غير هذا لم نتابعكم. وأخذ بيد أبى بكر. وقال: هذا صاحبكم فبايعوه. فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والانصار. قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير. قال: فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين ؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام فبايعه. ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا بعلى بن أبى طالب فجاء. فقال: قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين ؟ قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه. هذا أو معناه. قال أبو على الحافظ: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث، فكتبته له في رقعة وقرأته عليه. وهذا حديث يسوى بدنة. فقلت: يسوى بدنه بل يسوى بدرة ! ثم قد رواه البيهقى عن الحاكم وأبى محمد بن حامد المقبرى، كلاهما عن أبى العباس محمد بن يعقوب الاصم، عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن عفان بن سلم، عن وهيب به. ولكن ذكر أن الصديق هو القائل لخطيب الانصار بدل عمر وفيه: أن زيد بن ثابت

[ 495 ]

أخذ بيد أبى بكر. فقال: هذا صاحبكم فبايعوه. ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فسأل عنه، فقام ناس من الانصار فأتوا به: فذكر نحو ما تقدم، ثم ذكر قصة الزبير بعد على. فالله أعلم. وقد رواه الامام أحمد بن حنبل عن الثقة عن وهيب مختصرا. وقد رواه على بن عاصم، عن الجريرى، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى. فدكر نحو ما تقدم. وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبى نضرة المنذر بن مالك بن نطعة، عن أبى سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدرى. وفيه فائدة جليلة، وهى مبايعة على بن أبى طالب، إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة. وهذا حق، فإن على بن أبى طالب لم يفارق الصديق في وقت من الاوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه. كما سنذكره وخرج معه إلى ذى القصة لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة. ولكن لما حصل من فاطمة رضى الله عنها عتب على الصديق، بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعلم بما أخبرها به أبو بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال: " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح، كما سنبينه في موضعه، فسألته أن ينظر على في صدقة الارض التى بخيبر وفدك فلم يجبها إلى ذلك، لانه رأى أن حقا عليه أن يقوم في جميع ماكان يتولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق البار الراشد التابع للحق رضى الله عنه، فحصل لها - وهى امرأة من البشر ليست براجية العصمة - عتب وتغضب، ولم تكلم الصديق حتى ماتت، واحتاج على أن يراعى خاطرها بعض الشئ، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم رأى على أن يجدد

[ 496 ]

البيعة مع أبى بكر رضى الله عنه، مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم، حدثنى أبى، أن أباه عبدالرحمن بن عوف كان مع عمر، وإن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير. ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصا على الامارة يوما ولا ليلة ولا سألتها في سر ولا علانية. فقبل المهاجرون مقالته. وقال على والزبير: ما غضبنا إلا لانا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى بالناس وهو حى. إسناد جيد. ولله الحمد والمنة. فصل ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة المهاجرين منهم والانصار على تقديم أبى بكر، وظهر برهان قوله عليه السلام: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ". وظهر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينص على الخلافة عينا لاحد من الناس، لا لابي بكر، كما قد زعمه طائفة من أهل السنة، ولا لعلى كما تقوله طائفة من الرافضة. ولكن أشار إشارة قوية يفهمها كل ذى لب وعقل إلى الصديق كما قدمنا وسنذكره ولله الحمد. كما ثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر، أن

[ 497 ]

عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: ألا تستخلف يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى. - يعنى أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير منى، - يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عمر: فعرفت حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غير مستخلف. وقال سفيان الثوري عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن سفيان، قال: لما ظهر على على الناس قال، يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الامارة شيئا، حتى رأينا من الرأى أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم أن أبا بكر رأى من الرأى أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله - أو قال حتى ضرب الدين بجرانه (1) - إلى آخره. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا شريك، عن الاسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، قال: خطب رجل يوم البصرة حين ظهر على فقال على: هذا الخطيب السجسج (2) - سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى (3) أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع الله فيها ما يشاء. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الزكي بمرو، حدثنا عبدالله بن روح المدائني، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعيب بن ميمون، عن حصين بن عبدالرحمن، عن الشعبى، عن أبى وائل، قال: قيل لعلى بن أبى طالب: ألا تستخلف علينا ؟ فقال: ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) الجران: مقدم عنق البعير، والمراد، قوى واشتد أمره. (2) السجسج: الارض التى ليست يصلبة ولا لينة. (3) صلى: جاء تاليا. (*)

[ 498 ]

فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدى على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم. إسناد جيد ولم يخرجوه. وقد قدمنا ما ذكره البخاري من حديث الزهري، عن عبدالله بن كعب بن مالك عن ابن عباس: أن عباسا وعليا لما خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال على: أصبح بحمد الله بارئا. فقال العباس: إنك والله عبد العصا بعد ثلاث ! إنى لاعرف في وجوه بنى هاشم الموت، وإنى لارى في وجه رسول الله الموت فاذهب بنا إليه فنسأله فيمن هذا الامر ؟ فإن كان فينا عرفناه وإن كان في غيرنا أمرناه فوصاه بنا. فقال على: إنى لا أسأله ذلك والله إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا. وقد رواه محمد بن إسحاق عن الزهري به فذكره. وقال فيه: فدخلا عليه يوم قبض صلى الله عليه وسلم. فذكره. وقال في آخره: فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم قلت: فهذا يكون في يوم الاثنين يوم الوفاة، فدل على أنه عليه السلام توفى عن غير وصية في الامارة (1). وفى الصحيحين عن ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب ذلك الكتاب. وقد قدمنا أنه عليه السلام كان طلب أن يكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده،


(1) ت: الامامة. (*)

[ 499 ]

فلما أكثروا اللغط والاختلاف عنده قال: " قوموا عنى، فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه ". وقد قدمنا أنه قال بعد ذلك: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ". وفى الصحيحين من حديث عبدالله بن عون عن إبراهيم التيمى، عن الاسود. قال: قيل لعائشة إنهم يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إلى على. فقالت: بم أوصى إلى على ؟ لقد دعا بطست ليبول فيها وأنا مسندته إلى صدري فانحنف (1) فمات وما شعرت، فيم يقول هؤلاء إنه أوصى إلى على ؟ وفى الصحيحين من حديث مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، قال: سألت عبدالله بن أبى أوفى، هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لا. قلت: فلم أمرنا بالوصية ؟ قال: أوصى بكتاب الله عزوجل. قال طلحة بن مصرف: وقال هذيل بن شرحبيل: أبو بكر يتأمر على وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرم أنفه بخرامة ! وفى الصحيحين أيضا من حديث الاعمش عن إبراهيم التيمى، عن أبيه، قال: خطبنا على بن أبى طالب رضى الله عنه فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرأه ليس في كتاب الله وهذه الصحيفة - لصحيفة معلقة في سيفه فيها أسنان الابل وأشياء من الجراحات فقد كذب. وفيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور (2) من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا (3)، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير


(1) انحنف: مال. (2) عير: جبل بالمدينة. وثور جبل بالمدينة خلف أحد. (3) الصرف: التوبة. والعدل: الفدية. (*)

[ 500 ]

مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ". وهذا الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما عن على رضى الله عنه يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إليه بالخلافة، ولو كان الامر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته وبعد وفاته من أن يفتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه ويؤخروا من قدمه بنصه، حاشا وكلا ولم ؟ ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم ومضادته في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الاسلام وكفر بإجماع الائمة الاعلام، وكان إراقة دمه أحل من أراقة المدام ! ثم لو كان مع على بن أبى طالب رضى الله عنه نص فلم لا كان يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم ؟ فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز، والعاجز لا يصلح للامارة، وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن، والخائن الفاسق مسلوب معزول عن الامارة، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل. ثم وقد عرفه وعلمه من بعده ! هذا محال وافتراء وجهل وضلال. وإنما يحسن هذا في أذهان الجهلة الطغام والمغترين من الانام، يزينه لهم الشيطان بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد التحكم والهذيان والافك والبهتان. عياذا بالله مما هم فيه من التخليط والخذلان والتخبيط والكفران، وملاذا

[ 501 ]

بالله بالتمسك بالسنة والقرآن والوفاة على الاسلام والايمان، والموافاة على الثبات والايقان وتثقيل الميزان، والنجاة من النيران والفوز بالجنان إنه كريم منان رحيم رحمن. * * * وفى هذا الحديث الثابت في الصحيحين عن على الذى قدمناه رد على متقولة كثير من الطرقية والقصاص الجهلة في دعواهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى على بأشياء كثيرة يسوقونها مطولة: يا على افعل كذا، يا على لا تفعل كذا، يا على من فعل كذا كان كذا وكذا. بألفاظ ركيكة ومعان أكثرها سخيفة، وكثير منها صحفية لا تساوى تسويد الصحيفة. والله أعلم. وقد أورد الحافظ البيهقى من طريق حماد بن عمرو النصيبى - وهو أحد الكذابين الصواغين - عن السرى بن خلاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده، عن على ابن أبى طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: يا على أوصيك بوصية احفظها فإنك لا تزال بخير ما حفظتها، يا على إن للمؤمن ثلاث علامات: الصلاة والصيام والزكاة. قال البيهقى: فذكر حديثا طويلا في الرغائب والآداب. وهو حديث موضوع. وقد شرطت في أول الكتاب ألا أخرج فيه حديثا أعلمه موضوعا. ثم روى من طريق حماد بن عمر، وهذا عن زيد بن رفيع، عن مكحول الشامي، قال: هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب حين رجع من غزوة حنين وأنزلت عليه سورة النصر. قال البيهقى: فذكر حديثا طويلا في الفتنة وهو أيضا حديث منكر ليس له أصل، وفى الاحاديث الصحيحة كفاية وبالله التوفيق. ولنذكر هاهنا ترجمة حماد بن عمرو بن أبى إسماعيل النصيبى: روى عن الاعمش

[ 502 ]

وغيره، وعنه إبراهيم بن موسى ومحمد بن مهران وموسى بن أيوب وغيرهم. قال يحيى بن معين: هو ممن يكذب ويضع الحديث. وقال عمرو بن على الفلاس وأبو حاتم: منكر الحديث ضعيف جدا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى: كان يكذب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: واهى الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن حبان: يضع الحديث وضعا. وقال ابن عدى: عامة حديثه مما لا يتابعه أحد من الثقات عليه. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال الحاكم أبو عبد الله: يروى عن الثقات أحاديث موضوعة، وهو ساقط بمرة. فأما الحديث الذى قال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبدالله الحافظ، أنبأنا حمزة بن العباس العقبى ببغداد، حدثنا عبدالله بن روح المدائني، حدثنا سلام بن سليمان المدائني، حدثنا سلام بن سليم الطويل، عن عبدالملك بن عبدالرحمن، عن الحسن المقبرى، عن الاشعث بن طليق، عن مرة بن شراحيل، عن عبدالله بن مسعود، قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعنا في بيت عائشة فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عيناه، ثم قال لنا: قد دنا الفراق. ونعى إلينا نفسه، ثم قال: مرحبا بكم حياكم الله، هداكم الله، نصركم الله، نفعكم الله، وفقكم الله، سددكم الله، وقاكم الله، أعانكم الله، قبلكم الله. أوصيكم بتقوى الله، وأوصى الله بكم وأستخلفه عليكم، إنى لكم منه نذير مبين ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده. فإن الله قال لى ولكم: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " (1) وقال: " أليس في جهنم مثوى للمتكبرين " (2). قلنا: فمتى أجلك يا رسول الله ؟ قال: قد دنا الاجل، والمنقلب إلى الله والسدرة المنتهى


(1) سورة القصص. (2) سورة الزمر. (*)

[ 503 ]

والكأس الاوفى والفرش الاعلى. قلنا: فمن يغسلك يا رسول الله ؟ قال: رجال أهل بيتى الادنى فالادنى، مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم. قلنا: ففيم نكفنك يا رسول الله ؟ قال: في ثيابي هذه إن شئتم أو في يمنية أو في بياض مصر. قلنا: فمن يصل عليك يا رسول الله ؟ فبكى وبكينا. وقال: مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا، إذا غسلتموني وحنطتمونى وكفنتموني فضعونى على شفير قبري ثم اخرجوا عنى ساعة. فإن أول من يصلى على خليلاى وجليساى جبريل وميكائيل ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنود من الملائكة عليهم السلام، وليبدأ بالصلاة على رجال أهل بيتى ثم نساؤهم ثم ادخلوا على أفواجا وفرادى ; ولا تؤذوني بباكية ولا برنة ولا بصيحة، ومن كان غائبا من أصحابي فأبلغوه عنى السلام، وأشهدكم بأنى قد سلمت على من دخل في الاسلام ومن تابعني في دينى هذا منذ اليوم إلى يوم القيامة. قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله ؟ قال: رجال أهل بيتى الادنى فالادنى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم. ثم قال البيهقى: تابعه أحمد بن يونس، عن سلام الطويل، وتفرد به سلام الطويل. قلت: وهو سلام بن سلم، ويقال ابن سليم، ويقال ابن سليمان. والاول أصح، التميمي السعدى الطويل. يروى عن جعفر الصادق وحميد الطويل وزيد العمى وجماعة. وعنه جماعة منهم: أحمد بن عبدالله بن يونس، وأسد بن موسى، وخلف بن هشام البزار، وعلى بن الجعد، وقبيصة بن عقبة. وقد ضعفه على بن المدينى وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم وأبو زرعة والجوزجاني والنسائي وغير واحد، وكذبه بعض الائمة، وتركه آخرون.

[ 504 ]

لكن روى هذا الحديث بهذا السياق بطوله الحافظ أبو بكر البزار من غير طريق سلام هذا فقال: حدثنا محمد بن إسماعيل الاحمسي، حدثنا عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن الاصبهاني، أنه أخبره عن مرة، عن عبدالله فذكر الحديث بطوله. ثم قال البزار: وقد روى هذا عن مرة من غير وجه بأسانيد متقاربة وعبد الرحمن ابن الاصبهاني لم يسمع هذا من مرة، وإنما هو عمن أخبره عن مرة، ولا أعلم أحدا رواه عن عبدالله عن مرة.

[ 505 ]

فصل في ذكر الوقت الذى توفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبلغ سنه حال وفاته وفى كيفية غسله عليه السلام وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وموضع قبره صلوات الله وسلامه عليه لا خلاف أنه عليه السلام توفى يوم الاثنين. قال ابن عباس: ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين. وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين. رواه الامام أحمد والبيهقي. وقال سفيان الثوري عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: قال لى أبو بكر: أي يوم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: يوم الاثنين. فقال: إنى لارجو أن أموت فيه. فمات فيه. رواه البيهقى من حديث الثوري به. وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا هريم، حدثنى ابن إسحاق، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن ليلة الاربعاء. تفرد به أحمد. وقال عروة بن الزبير في مغازيه وموسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه أرسلت عائشة إلى أبى بكر، وأرسلت حفصة

[ 506 ]

إلى عمر، وأرسلت فاطمة إلى على، فلم يجتمعوا حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صدر عائشة وفى يومها ; يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال ربيع الاول. وقد قال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس، قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله يوم يوم الاثنين، كشف الستارة والناس خلف الستارة والناس خلف أبى بكر فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، فأراد الناس أن ينحرفوا فأشار إليهم أن امكثوا: وألقى السجف، وتوفى من آخر ذلك اليوم. وهذا الحديث في الصحيح، وهو يدل على أن الوفاة وقعت بعد الزوال. والله أعلم. وروى يعقوب بن سفيان، عن عبدالحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، وعن صفوان، عن عمر بن عبد الواحد، جميعا عن الاوزاعي، أنه قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أحمد بن كامل (1)، حدثنا الحسين بن على البزار، حدثنا محمد بن عبدالاعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، وهو سليمان ابن طرخان التيمى في كتاب المغازى، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وبدأه وجعه عند وليدة له يقال لها ريحانة كانت من سبى اليهود، وكان أول يوم مرض يوم السبت، وكانت وفاته عليه السلام يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول لتمام عشر سنين من مقدمه عليه السلام المدينة. وقال الواقدي: حدثنا أبو معشر عن محمد بن قيس، قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاربعاء لاحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة


(1) المطبوعة: ابن حنبل (*)

[ 507 ]

في بيت زينب بنت جحش شكوى شديدة، فاجتمع عنده نساؤه كلهن، فاشتكى ثلاثة عشر يوم، وتوفى يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الاول سنة إحدى عشرة. وقال الواقدي: وقالوا: بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاربعاء لليلتين بقيتا من صفر، وتوفى يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول. وهذا جزم به محمد بن سعد كاتبه، وزاد: ودفن يوم الثلاثاء. قال الواقدي: وحدثني سعيد بن عبدالله بن أبى الابيض، عن المقبرى، عن عبدالله بن رافع، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدئ في بيت ميمونة. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر يوما، فكان إذا وجد خفة صلى وإذا ثقل صلى أبو بكر رضى الله عنه. وقال محمد بن إسحاق: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول في اليوم الذى قدم فيه المدينة مهاجرا، واستكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته عشر سنين كوامل. قال الواقدي: وهو المثبت عندنا. وجزم به محمد بن سعد كاتبه. وقال يعقوب بن سفيان، عن يحيى بن بكير، عن الليث، أنه قال: توفى رسول الله يوم الاثنين لليلة خلت من ربيع الاول وفيه قدم المدينة على رأس عشر سنين من مقدمه. وقال سعد بن إبراهيم الزهري: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الاول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة.

[ 508 ]

رواه ابن عساكر. ورواه الواقدي عن أبى معشر عن محمد بن قيس مثله سواء. وقاله خليفة بن خياط أيضا. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفى رسول الله يوم الاثنين مستهل ربيع الاول سنة إحدى عشرة من مقدمه المدينة، ورواه ابن عساكر أيضا. وقد تقدم قريبا عن عروة وموسى بن عقبة والزهرى مثله فيما نقلناه عن مغازيهما فالله أعلم. والمشهور قول ابن إسحاق والواقدى. ورواه الواقدي عن ابن عباس وعائشة رضى الله عنهما فقال: حدثنى إبراهيم بن يزيد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، وحدثني محمد بن عبدالله عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. قالا: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول. ورواه ابن إسحاق عن عبدالله بن أبى بكر بن حزم، عن أبيه مثله - وزاد: ودفن ليلة الاربعاء. وروى سيف بن عمر، عن محمد بن عبيدالله العرزمى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ارتحل فأتى المدينة فأقام بها بقية ذى الحجة والمحرم وصفرا، ومات يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الاول. وروى أيضا عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة. وفى حديث فاطمة عن عروة عن عائشة مثله، إلا أن ابن عباس قال في أوله: لايام مضين منه. وقالت عائشة: بعدما مضى أيام منه.

[ 509 ]

فائدة قال أبو القاسم السهيلي في الروض ما مضمونه: لا يتصور وقوع وفاته عليه السلام يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الاول من سنة إحدى عشرة. وذلك لانه عليه السلام وقف في حجة الوداع سنة عشر يوم الجمعة ; فكان أول ذى الحجة يوم الخميس، فعلى تقدير أن تحسب الشهور تامة أو ناقصة أو بعضها تام وبعضها ناقص، لا يتصور أن يكون يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الاول. وقد اشتهر هذا الايراد على هذا القول. وقد حاول جماعة الجواب عنه. ولا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد، وهو اختلاف المطالع، بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذى الحجة ليلة الخميس، وأما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة. ويؤيد هذا قول عائشة وغيرها: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذى القعدة - يعنى من المدينة - إلى حجة الوداع. ويتعين كما ذكرنا أنه خرج يوم السبت، وليس كما زعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس، لانه قد بقى أكثر من خمس بلاشك، ولا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة، لان أنسا قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذى الحليفة ركعتين. فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين. فعلى هذا إنما رأى أهل المدينة هلال ذى الحجة ليلة الجمعة، وإذا كان أول ذى الحجة عند أهل المدينة الجمعة وحسبت الشهور بعده كوامل يكون أول ربيع الاول يوم الخميس، فيكون ثانى عشره يوم الاثنين. والله أعلم. وثبت في الصحيحين من حديث مالك، عن ربيعة بن أبى عبدالرحمن، عن

[ 510 ]

أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالابيض الامهق ولا بالآدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط (1)، بعثه الله عزوجل على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله عليه رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. وهكذا رواه ابن وهب، عن عروة، عن الزهري، عن أنس، وعن قرة بن ربيعة، عن أنس مثل ذلك. قال الحافظ ابن عساكر: حديث قرة عن الزهري غريب. وأما من رواية ربيعة عن أنس فرواها عنه جماعة كذلك. ثم أسند من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد وربيعة (2) عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى وهو ابن ثلاث وستين. وكذلك رواه ابن البربري ونافع بن أبى نعيم، عن ربيعة عن أنس به. قال: والمحفوظ عن ربيعة عن أنس ستون. ثم أورده ابن عساكر من طريق مالك والاوزاعي ومسعر وإبراهيم بن طهمان، وعبد الله بن عمر وسليمان بن بلال، وأنس بن بلال، وأنس بن عياض والدراوردى ومحمد بن قيس المدنى، كلهم عن ربيعة عن أنس، قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستين سنة. وقال البيهقى: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا أبو معمر، عبدالله بن عمرو، حدثنا عبد الوراث، حدثنا أبو غالب الباهلى، قال: قلت لانس بن مالك: ابن أي الرجال رسول الله إذ بعث ؟


(1) الامهق: الابيض لا تخالطه حمرة. والآدم: الاسمر. والقطط: الشديد جعودة الشعر، والسبط: نقيض الجعد. (2) ا: وزمعة. (*)

[ 511 ]

قال: كان ابن أربعين سنة. قال: ثم كان ماذا ؟ قال: كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة يوم قبضه الله عزوجل وهو كأشد الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه. ورواه الامام أحمد، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه به. وقد روى مسلم عن أبى غسان محمد بن عمرو الرازي الملقب بربيح، عن حكام بن سلم، عن عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدى، عن أنس بن مالك قال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستين. انفرد به مسلم. وهذا لا ينافى ما تقدم عن أنس، لان العرب كثيرا ما تحذف الكسر. وثبت في الصحيحين من حديث الليث بن سعد، عن عقيل عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب مثله. وروى موسى بن عقبة وعقيل ويونس بن يزيد وابن جريج، عن الزهري عن عروة، عن عائشة. قالت: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين. قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب مثل ذلك. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن عائشة وابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بمكة عشر سنين يتنزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرا. لم يخرجه مسلم. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، عن عامر بن

[ 512 ]

سعد، عن جرير بن عبدالله، عن معاوية بن أبى سفيان، قال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين. وهكذا رواه مسلم من حديث غندر، عن شعبة، وهو من أفراده دون البخاري. ومنهم من يقول عن عامر بن سعد عن معاوية، والصواب ما ذكرناه عن عامر بن سعد عن جرير عن معاوية. وروينا من طريق عامر بن شراحيل، عن الشعبى، عن جرير بن عبدالله البجلى، عن معاوية فذكره. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق القاضى أبى يوسف، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن أنس، قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وتوفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وتوفى عمر وهو ابن ثلاث وستين. وقال ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة، عن عائشة قالت: تذاكر رسول الله وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان رسول الله أكبر من أبى بكر، فتوفى رسول الله وهو ابن ثلاث وستين، وتوفى أبو بكر بعده وهو ابن ثلاث وستين. وقال الثوري عن الاعمش، عن القاسم بن عبدالرحمن، قال: توفى رسول الله وأبو بكر وعمر وهم بنو ثلاث وستين. وقال حنبل: حدثنا الامام أحمد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين، فأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا. وهذا غريب عنه وصحيح إليه. وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا داود بن أبى هند، عن الشعبى، قال: نبئ

[ 513 ]

رسول الله وهو ابن أربعين سنة، فمكث ثلاث سنين، ثم بعث إليه جبريل بالرسالة ثم مكث بعد ذلك عشر سنين ثم هاجر إلى المدينة، فقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال الامام أبو عبد الله أحمد بن حنبل: الثابت (1) عندنا ثلاث وستون. قلت: وهكذا روى مجاهد عن الشعبى، وروى من حديث إسماعيل بن أبى خالد عنه. وفى الصحيحين من حديث روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بمكة ثلاث عشرة وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة. وفى صحيح البخاري من حديث روح بن عبادة أيضا، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ثم مات وهو ابن ثلاث وستين. وكذلك رواه الامام أحمد عن روح بن عبادة ويحيى بن سعيد ويزيد بن هارون، كلهم عن هشام بن حسان. عن عكرمة، عن ابن عباس به. وقد رواه أبو يعلى الموصلي، عن الحسن بن عمر بن سفيان (2)، عن جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس. فذكر مثله. ثم أورده من طرق عن ابن عباس مثل ذلك. ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن أبى جمرة، عن ابن عباس، أن رسول


(1) ا: الثبت. (2) ح ا: شقيق. (*)

[ 514 ]

الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه. وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقد أسند الحافظ ابن عساكر من طريق مسلم بن جنادة، عن عبدالله بن عمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين. ومن حديث أبى نضرة عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس مثله. وهذا القول هو الاشهر وعليه الاكثر. وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن خالد الحذاء، حدثنى عمار مولى بنى هاشم، سمعت ابن عباس يقول: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين سنة. ورواه مسلم من حديث خالد الحذاء به. وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمارة بن أبى عمار، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة خمس عشرة سنة، ثمانى سنين أو سبعا، يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمانية أو سبعا يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرا. ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به. وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس، عن عمار مولى بنى هاشم، قال: سألت ابن عباس كم أتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ؟ قال: ما كنت أرى مثلك في قومه يخفى عليك ذلك. قال: قلت: إنى قد سألت فاختلف على فحببت أن أعلم قولك فيه. قال: أتحسب ؟ قلت: نعم قال: أمسك أربعين بعث لها، وخمس عشرة أقام بمكة يأمن ويخاف، وعشرا مهاجره (1) بالمدينة. وهكذا رواه مسلم من حديث يزيد بن زريع وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن يونس


(1) غير ا: " مهاجرا ". (*)

[ 515 ]

ابن عبيد، عن عمار، عن ابن عباس بنحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا العلاء بن صالح، حدثنا المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، أن رجلا أتى ابن عباس فقال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرا بمكة وعشرا بالمدينة ؟ فقال: من يقول ذلك ؟ لقد أنزل عليه بمكة خمس عشرة وبالمدينة عشرا، خمسا وستين وأكثر. وهذا من أفراد أحمد إسنادا ومتنا. وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين سنة. تفرد به أحمد. وقد روى الترمذي في كتاب الشمائل وأبو يعلى الموصلي والبيهقي من حديث قتادة، عن الحسن البصري عن دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين. ثم قال الترمذي: دغفل لا نعرف له سماعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان في زمانه رجلا. وقال البيهقى: وهذا يوافق رواية عمار ومن تابعه عن ابن عباس. ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح، فهم أوثق وأكثر وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة، وإحدى الروايتين عن أنس، والرواية الصحيحة عن معاوية. وهو قول سعيد بن المسيب وعامر الشعبى وأبى جعفر محمد بن على رضى الله عنهم. قلت: وعبد الله بن عقبة والقاسم بن عبدالرحمن والحسن البصري وعلى بن الحسين وغير واحد. * * *

[ 516 ]

ومن الاقوال الغريبة ما رواه خليفة بن خياط، عن معاذ بن هشام، حدثنى أبى، عن قتادة، قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة. ورواه يعقوب بن سفيان، عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة مثله. ورواه زيد العمى، عن يزيد، عن أنس. ومن ذلك ما رواه محمد بن عامر، عن القاسم بن حميد، عن النعمان بن المنذر الغساني، عن مكحول، قال: توفى رسول الله وهو ابن اثنتين وستين سنة وأشهر. ورواه يعقوب بن سفيان، عن عبدالحميد بن بكار (1)، عن محمد بن شعيب، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف. وأغرب من ذلك كله ما رواه الامام أحمد عن روح، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى سنين بمكة وعشرا بعد ما هاجر (2). فإن كان الحسن ممن يقول بقول الجمهور، وهو أنه عليه السلام أنزل عليه القرآن وعمره أربعون سنة فقد ذهب إلى أنه عليه السلام عاش ثمانيا وخمسين سنة. وهذا غريب جدا. لكن روينا من طريق مسدد، عن هشام بن حسان، عن الحسن، أنه قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستين سنة. وقال خليفة بن خياط: حدثنا أبو عاصم، عن أشعث، عن الحسن، قال: بعث رسول الله وهو ابن خمس وأربعين، فأقام بمكة عشرا وبالمدينة ثمانيا وتوفى وهو ابن ثلاث وستين.


(1) ا: دحار. (2) ا: وعشرا وقد هاجر. (*)

[ 517 ]

وهذا بهذا الصفة غريب جدا والله أعلم. صفة غسله عليه السلام قد قدمنا أنهم رضى الله عنهم اشتغلوا ببيعة الصديق بقية يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء، فلما تمهدت وتوطدت وتمت شرعوا بعد ذلك في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتدين في كل ما أشكل عليهم بأبى بكر الصديق رضى الله عنه. قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء. وقد تقدم من حديث ابن إسحاق، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو بردة، عن علقمة بن يزيد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: لما أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من الداخل: ألا تجردوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه. ورواه ابن ماجه من حديث أبى معاوية عن أبى بردة - واسمه عمرو بن يزيد التميمي كوفى - وقال محمد بن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، سمعت عائشة تقول: لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما ندرى أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه. فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى مامنهم أحد إلا وذقنه في صدره. ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه.

[ 518 ]

فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميص. يصبون الماء فوق القميص فيدلكونه بالقميص دون أيديهم. فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه. رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق. وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، حدثنى حسين بن عبدالله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اجتمع (1) القوم لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في البيت إلا أهله، عمه العباس بن عبدالمطلب وعلى بن أبى طالب والفضل بن عباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد بن حارثة وصالح مولاه. فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الناس أوس بن خولى الانصاري، أحد (2) بنى عوف بن الخزرج - وكان بدريا - على بن أبى طالب، فقال: يا على ننشدك (3) الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له على: ادخل. فدخل فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يل من غسله شيئا. فأسنده على إلى صدره وعليه قميصه، وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع على، وكان أسامة بن زيد وصالح مولاه هما يصبان الماء، وجعل على يغسله ولم ير من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما يرى (4) من الميت، وهو يقول: بأبى وأمى ! ما أطيبك حيا وميتا. حتى إذا فرغوا من غسل رسول الله، - وكان يغسل بالماء والسدر - جففوه ثم صنع به ما يصنع (5) بالميت. ثم أدرج في ثلاثة أثواب: ثوبين أبيضين وبرد حبرة.


(1) مسند أحمد: لما اجتمع. حديث 2358 (2) المسند: ثم أحد. (3) المسند: نشدتك. (4) ا: مما يراه (5) ا: مما يصنع. (*)

[ 519 ]

قال: ثم دعا العباس رجلين، فقال: ليذهب أحدكما إلى أبى عبيدة بن الجراح - وكان أبو عبيدة يضرح لاهل مكة. وليذهب الآخر إلى أبى طلحة بن سهل الانصاري - وكان أبو طلحة يلحد لاهل المدينة. قال: ثم قال العباس حين سرحهما: اللهم خر لرسولك ! قال: فذهبا فلم يجد صاحب أبى عبيدة أبا عبيدة، ووجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. انفرد به أحمد. وقال يونس بن بكير، عن المنذر بن ثعلبة، عن الصلت، عن العلباء بن أحمر، قال: كان على والفضل يغسلان رسول الله، فنودى على: ارفع طرفك إلى السماء، وهذا منقطع. قلت: وقد روى بعض أهل السنن عن على بن أبى طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " يا على لا تبد فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حى ولا ميت ". وهذا فيه إشعار بأمره له في حق نفسه والله أعلم. * * * وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا ضمرة، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: قال على: غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا صلى الله عليه وسلم. وقد رواه أبو داود في المراسيل وابن ماجه من حديث معمر. زاد البيهقى في روايته: قال سعيد بن المسيب: وقد ولى دفنه عليه السلام أربعة.

[ 520 ]

على والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحدوا له لحدا ونصبوا عليه اللبن نصبا. وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين منهم عامر الشعبى ومحمد بن قيس وعبد الله بن الحارث وغيرهم بألفاظ مختلفة يطول بسطها هاهنا. قال البيهقى: وروى أبو عمرو كيسان، عن يزيد بن بلال، سمعت عليا يقول: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغسله أحد غيرى، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه. قال على: فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر. قال على: فما تناولت عضوا إلا كأنه يقلبه معى ثلاثون رجلا، حتى فرغت من غسله. وقد أسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن عبدالرحيم، حدثنا عبد الصمد بن النعمان، حدثنا كيسان أبو عمرو، عن يزيد بن بلال، قال: قال على بن أبى طالب: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم ألا يغسله أحد غيرى، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه. قال على: فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر. قلت: وهذا غريب جدا. وقال البيهقى: أنبأنا محمد بن موسى بن الفضل، حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، عن سفيان، عن عبدالملك بن جريج، سمعت محمد بن على أبا جعفر قال: غسل النبي صلى الله عليه وسلم بالسدر ثلاثا، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر كان يقال لها الغرس بقباء كانت لسعد بن خيثمة، وكان رسول الله يشرب منها، وولى غسله على والفضل يحتضنه، والعباس يصب الماء، فجعل الفضل يقول: أرحني قطعت وتينى، إنى لاجد شيئا يترطل على (1).


(1) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. ويترطل: يسترخى ويسترسل. (*)

[ 521 ]

وقال الواقدي: حدثنا عاصم بن عبدالله الحكمى، عن عمر بن عبد الحكم، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم البئر بئر غرس هي من عيون الجنة وماؤها أطيب المياه ". وكان رسول الله يستعذب له منها وغسل من بئر غرس. وقال سيف بن عمر، عن محمد بن عدى، عن عكرمة، عن ابن عباس ; قال: لما فرغ من القبر وصلى الناس الظهر، أخذ العباس في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب عليه كلة (1) من ثياب يمانية صفاق في جوف البيت، فدخل الكلة ودعا عليا والفضل، فكان إذا ذهب إلى الماء ليعاطيهما دعا أبا سفيان بن الحارث فأدخله، ورجال من بنى هاشم من وراء الكلة، ومن أدخل من الانصار حيث ناشدوا أبى وسألوه، منهم أوس بن خولى رضى الله عنهم أجمعين. ثم قال سيف عن الضحاك بن يربوع الحنفي عن ماهان الحنفي، عن ابن عباس، فذكر ضرب الكلة وأن العباس أدخل فيها عليا والفضل وأبا سفيان وأسامة، ورجال من بنى هاشم من وراء الكلة في البيت، فذكر أنهم ألقى عليهم النعاس فسمعوا قائلا يقول: لا تغسلوا رسول الله فإنه كان طاهرا. فقال العباس: ألا بلى. وقال أهل البيت: صدق فلا تغسلوه، فقال العباس: لا ندع سنة لصوت لا ندرى ما هو. وغشيهم النعاس ثانية، فناداهم: أن غسلوه وعليه ثيابه، فقال أهل البيت: ألا لا. وقال العباس: ألا نعم. فشرعوا في غسله وعليه قميص ومجول (2) مفتوح، فغسلوه بالماء القراح وطيبوه بالكافور في مواضع سجوده ومفاصله، واعتصر قميصه ومجوله، ثم أدرج في أكفانه، وجمروه عودا وندا (3)، ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره وسجوه. وهذا السياق فيه غرابة جدا.


(1) الكلة: غشاء رقيق يتوقى به من البعوض. (2) المجول: ثوب أبيض يجعل على يد من تدفع إليه القداح إذا تجمعوا. (3) الند: العنبر، أو نوع من الطيب. وفى ا: عودا، ثم احتملوه. (*)

[ 522 ]

صفة كفنه عليه الصلاة والسلام قال الامام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الاوزاعي، حدثنى الزهري، عن القاسم، عن عائشة، قالت: أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب حبرة ثم أخر عنه. قال القاسم: إن بقايا ذلك الثوب لعندنا بعد. وهذا الاسناد على شرط الشيخين، وإنما رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل والنسائي عن محمد بن مثنى، ومجاهد بن موسى فرقهما، كلهم عن الوليد بن مسلم به. وقال الامام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية (1)، ليس فيها قميص ولا عمامة. وكذا رواه البخاري عن إسماعيل بن أبى أويس، عن مالك وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن هشام عن أبيه عن عائشة: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب [ سحولية ] (2) بيض. وأخرجه مسلم من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجه البخاري عن أبى نعيم عن سفيان الثوري، كلاهما عن هشام بن عروة به. وقال أبو داود: حدثنا قتيبة، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية من كرسف (3)، ليس ليس فيها قميص ولا عمامة.


(1) سحولية: منسوبة إلى سحول، موضع باليمن تنسج به الثياب. (2) ليست في ا (3) الكرسف: القطن. (*)

[ 523 ]

قال: فذكر لعائشة قولهم: في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه. وهكذا رواه مسلم، عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن حفص بن غياث به. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا هناد بن السرى، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كفن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض سحوليه من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة، فأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها، إنما اشتريت له حلة ليكفن فيها فتركت، وأخذها عبدالله بن أبى بكر فقال: لاحبسنها لنفسي حتى أكفن فيها. ثم قال: لو رضيها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لكفنه فيها. فباعها وتصدق بثمنها. رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره، عن أبى معاوية. ثم رواه البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبى معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كفن رسول الله في برد حبرة كانت لعبد الله بن أبى بكر ولف فيها ثم نزعت عنه، فكان عبدالله بن أبى بكر قد أمسك تلك الحلة لنفسه حتى يكفن فيها إذا مات. ثم قال بعد أن أمسكها: ما كنت أمسك لنفسي شيئا منع الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكفن فيه. فتصدق بثمنها عبدالله. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية بيض. ورواه النسائي، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق. وقال الامام أحمد: حدثنا مسكين بن بكر، عن سعيد، يعنى ابن عبد العزيز، قال

[ 524 ]

مكحول: حدثنى عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب رياط يمانية. انفرد به أحمد. وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا سهل بن حبيب الانصاري، حدثنا عاصم بن هلال إمام مسجد أيوب، حدثنا أيوب عن نافع، عن ابن عمر: قال كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية. وقال سفيان عن عاصم بن عبيدالله، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب. ووقع في بعض الروايات ; ثوبين صحاريين (1) وبرد حبرة. وقال الامام أحمد: حدثنا ابن إدريس، حدثنا يزيد، عن مقسم، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب: في قميصه الذى مات فيه، وحلة نجرانية - الحلة ثوبان -. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل وعثمان بن أبى شيبة، وابن ماجه عن على ابن محمد، ثلاثتهم عن عبدالله بن إدريس، عن يزيد بن أبى زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه. وهذا غريب جدا. وقال الامام أحمد: أيضا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن ابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين وبرد أحمر. انفرد به أحمد من هذا الوجه.


(1) كذا ولعلها نسبة إلى صحار، وهى هضبة عمان مما يلى الجبل. المراصد. (*)

[ 525 ]

وقال أبو بكر الشافعي: حدثنا على بن الحسن، حدثنا حميد بن الربيع، حدثنا بكر - يعنى ابن عبدالرحمن - حدثنا عيسى - يعنى ابن المختار - عن محمد بن عبدالرحمن هو ابن أبى ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: كفن رسول الله في ثوبين أبيضين وبرد أحمر. وقال أبو يعلى: حدثنا سليمان الشاذكونى، حدثنا يحيى بن أبى الهيثم، حدثنا عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، عن الفضل، قال: كفن رسول الله صلى عليه وسلم في ثوبين أبيضين سحوليين. زاد فيه محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى: وبرد أحمر. وقد رواه غير واحد عن إسماعيل المؤدب، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، عن الفضل، قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين وفى رواية: وسحولية. فالله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبى طاهر المخلص، حدثنا أحمد بن إسحاق عن البهلول، حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا شريك، عن أبى إسحاق، قال: وقعت على مجلس بنى عبدالمطلب وهم متوافرون، فقلت لهم: في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا قباء ولا عمامة. قلت: كم أسر منكم يوم بدر ؟ قالوا: العباس ونوفل وعقيل. وقد روى البيهقى من طريق الزهري، عن على بن الحسين زين العابدين، أنه قال: كفن رسول الله في ثلاثة أثواب أحدها برد حبرة. وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من طريق في صحتها نظر، عن على بن أبى طالب، قال: كفنت رسول صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين وبرد حبرة. وقد قال أبو سعيد ابن الاعرابي، حدثنا إبراهيم بن الوليد حدثنا محمد بن كثير

[ 526 ]

حدثنا هشام عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، قال، كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ريطتين وبرد نجرانى. وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن هشام وعمران القطان، عن قتادة عن سعيد، عن أبى هريرة به. وقد رواه الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، حدثنا نصر بن طريف، عن قتادة، حدثنا ابن المسيب، عن أم سلمة: أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب أحدها برد نجرانى. قال البيهقى: وفيما روينا عن عائشة بيان سبب الاشتباه على الناس، وأن الحبرة أخرت عنه والله أعلم. ثم روى الحافظ البيهقى من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا يعقوب ابن إبراهيم الدورقى، عن حميد بن عبدالرحمن الرؤاسى، عن حسن بن صالح، عن هارون بن سعيد، قال: كان عند على مسك فأوصى أن يحنط به، وقال، هو من فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه من طريق إبراهيم بن موسى، عن حميد، عن حسن، عن هارون، عن أبى وائل عن على. فذكره.

[ 527 ]

كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الحديث الذى رواه البيهقى من حديث الاشعث بن طليق، والبزار من حديث الاصبهاني، كلاهما عن مرة، عن ابن مسعود: في وصية النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسله رجال أهل بيته، وأنه قال: كفنوني في ثيابي هذه أو في يمانية أو بياض مصر، وأنه إذا كفنوه يضعونه على شفير قبره ثم يخرجون عنه حتى تصلى عليه الملائكة، ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه، ثم الناس بعدهم فرادى. الحديث بتمامه. وفى صحته نظر كما قدمنا. والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى الحسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالا حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا، لم يؤمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد. وقال الواقدي: حدثنى أبى بن عياش بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: لما أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكفانه وضع على سريره، ثم وضع على شفير حفرته، ثم كان الناس يدخلون عليه رفقا رفقا لا يؤمهم أحد. قال الواقدي: حدثنى موسى بن محمد بن إبراهيم، قال وجدت كتابا بخط أبى فيه أنه لما كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع على سريره، دخل أبو بكر وعمر رضى الله عنهما ومعهما نفر من المهاجرين والانصار بقدر ما يسع البيت، فقالا:

[ 528 ]

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسلم المهاجرون والانصار كما سلم أبو بكر وعمر، ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد. فقال أبو بكر وعمر - وهما في الصف الاول حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لامته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، وأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذى أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، لا نبتغى بالايمان به بدلا ولا نشترى به ثمنا أبدا. فيقول الناس: آمين آمين. ويخرجون ويدخل آخرون، حتى صلى الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان. وقد قيل: إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء، وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه. كما سيأتي بيان ذلك قريبا. والله أعلم. وهذا الصنيع، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه، أمر مجمع عليه لا خلاف فيه. وقد اختلف في تعليله. فلو صح الحديث الذى أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك، ويكون من باب التعبد الذى يعسر تعقل معناه (1). وليس لاحد أن يقول: لانه لم يكن لهم إمام، لانا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه عليه السلام بعد تمام بيعة أبى بكر رضى الله عنه وأرضاه. وقد قال بعض العلماء: إنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة من كل فرد فرد من آحاد الصحابة رجالهم ونسائهم وصبيانهم حتى العبيد والاماء.


(1) ت: الذى نعقل. (*)

[ 529 ]

وأما السهيلي فقال ما حاصله: إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر كل واحد من المؤمنين أن يباشر الصلاة عليه منه إليه، والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل. قال: وأيضا فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة. فالله أعلم. وقد اختلف المتأخرون من أصحاب الشافعي في مشروعية الصلاة على قبره لغير الصحابة. فقيل: نعم. لان جسده عليه السلام طرى في قبره، لان الله قد حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء، كما ورد بذلك الحديث في السنن وغيرها فهو كالميت اليوم، وقال آخرون: لا يفعل، لان السلف ممن بعد الصحابة لم يفعلوه، ولو كان مشروعا لبادروا إليه ولثابروا عليه. والله أعلم. صفة دفنه عليه السلام، وأين دفن، وذكر الخلاف في دفنه أليلا كان أم نهارا قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبى - وهو عبد العزيز بن جريج: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لم يدروا أين يقبرون النبي صلى الله عليه وسلم. حتى قال أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لم يقبر نبى إلا حيث يموت، فأخروا فراشه وحفروا تحت فراشه صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه انقطاع بين عبد العزيز بن جريج وبين الصديق، فإنه لم يدركه، لكن رواه الحافظ أبو يعلى من حديث ابن عباس وعائشة، عن أبى بكر الصديق رضى الله عنهم، فقال: حدثنا أبو موسى الهروي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبدالرحمن بن أبى بكر، عن ابن أبى مليكة، عن عائشة، قالت: اختلفوا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حين قبض، فقال أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

[ 530 ]

" لا يقبض النبي إلا في أحب الامكنة إليه " فقال: ادفنوه حيث قبض. وهكذا رواه الترمذي عن أبى كريب، عن أبى معاوية، عن عبدالرحمن بن أبى بكر المليكى، عن ابن أبى مليكة، عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله شيئا ما نسيته، قال: " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذى يحب أن يدفن فيه ". ادفنوه في موضع فراشه. ثم إن الترمذي ضعف المليكى ثم قال: وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه، رواه ابن عباس عن أبى بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الاموى عن أبيه عن ابن إسحاق، عن رجل حدثه، عن عروة، عن عائشة، أن أبا بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه لم يدفن نبى قط إلا حيث قبض ". قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنى محمد بن سهل التميمي، حدثنا هشام بن عبدالملك الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان بالمدينة حفاران فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أين ندفنه ؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه: في المكان الذى مات فيه، وكان أحدهما يلحد والآخر يشق، فجاء الذى يلحد فلحد للنبى صلى الله عليه وسلم. وقد رواه مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه منقطعا. وقال أبو يعلى: حدثنا جعفر بن مهران، حدثنا عبدالاعلى، عن محمد بن إسحاق، حدثنى حسين بن عبدالله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يحفروا للنبى صلى الله عليه وسلم وكان أبو عبيدة الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد ابن سهل هو الذى كان يحفر لاهل المدينة وكان يلحد، فدعا العباس رجلين فقال لاحدهما: اذهب إلى أبى عبيدة. وقال للآخر: اذهب إلى أبى طلحة، اللهم خره لرسولك.

[ 531 ]

قال: فوجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة. فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه. فقال قائل: ندفنه في مسجده. وقال قائل: ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما قبض نبى إلا دفن حيث قبض ". فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى توفى فيه فحفروا له تحته، ثم أدخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا، الرجال حتى إذا فرغ منهم أدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد. فدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوسط الليل ليلة الاربعاء. وهكذا رواه ابن ماجه عن نصر بن على الجهضمى، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق فذكر بإسناده مثله. وزاد في آخره: ونزل في حفرته على بن أبى طالب والفضل وقثم ابنا عباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أوس بن خولى - وهو أبو ليلى - لعلى بن أبى طالب: أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له على: انزل. وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فدفنها في القبر وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رواه الامام أحمد، عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن ابن إسحاق مختصرا، وكذلك رواه يونس بن بكير وغيره عن إسحاق به. * * * وروى الواقدي عن ابن أبى حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن

[ 532 ]

عباس، عن أبى بكر الصديق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما قبض الله نبيا إلا ودفن حيث قبض ". وروى البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الحصين أو محمد بن جعفر بن الزبير، قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقالوا: كيف ندفنه ؟ مع الناس أو في بيوته. فقال أبو بكر: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض ". فدفن حيث كان فراشه، رفع الفراش وحفر تحته. وقال الواقدي: حدثنا عبدالحميد بن جعفر، عن عثمان بن محمد الاخنسى، عن عبد الرحمن بن سعيد - يعنى ابن يربوع - قال: لما توفى النبي صلى الله عيله وسلم اختلفوا في موضع قبره. فقال قائل: في البقيع، فقد كان يكثر الاستغفار لهم. وقال قائل: عند منبره. وقال قائل: في مصلاه. فجاء أبو بكر فقال: إن عندي من هذا خبرا وعلما، سمعت رسول الله يقول: " ما قبض نبى إلا دفن حيث توفى ". قال الحافظ البيهقى: وهو في حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وفى حديث ابن جريج عن أبيه، كلاهما عن أبى بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وقال البيهقى: عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سلمة بن نبيط بن شريط، عن أبيه، عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة - قال: دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات ثم خرج، فقيل له: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. فعلموا أنه كما قال. وقيل له: أنصلي عليه ؟ وكيف نصلى عليه ؟ قال: تجيئون عصبا عصبا، فتصلون. فعلموا أنه كما قال.

[ 533 ]

قالوا: هل يدفن وأين ؟ قال: حيث قبض الله روحه، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب. فعلموا أنه كما قال. * * * وروى البيهقى من حديث سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن سعيد بن المسيب، قال: عرضت عائشة على أبيها رؤيا، وكان من أعبر الناس قالت: رأيت ثلاثة أقمار وقعن في حجري، فقال لها: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك من خير أهل الارض ثلاثة. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة هذا خير أقمارك ! ورواه مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة منقطعا. وفى الصحيحين عنها أنها قالت: توفى النبي صلى الله عليه وسلم في بيتى وفى يومى وبين سحري ونحرى، وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول ساعة من الآخرة. وفى صحيح البخاري من حديث أبى عوانة، عن هلال الوراق، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذى مات فيه يقول: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". قالت عائشة: ولولا ذلك لابرز قبره، غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا. وقال ابن ماجه: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا هاشم بن القاسم: حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنى حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان (1) بالمدينة رجل يلحد والآخر يضرح فقالوا: نستخير الله (2) ونبعث


(1) سنن ابن ماجه حديث 1557 - لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة. (2) ابن ماجه: نستخير ربنا. (*)

[ 534 ]

إليهما، فأيهما سبق تركناه. فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبى صلى الله عليه وسلم. تفرد به ابن ماجه وقد رواه الامام أحمد، عن أبى النضر هاشم بن القاسم به. وقال ابن ماجه أيضا: حدثنا عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد (1)، حدثنا عبيد بن طفيل، حدثنا عبدالرحمن بن أبى مليكة، حدثنى ابن أبى مليكة، عن عائشة، قالت: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم. فقال عمر: لاتصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا - أو كلمة نحوها - فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعا. فجاء اللاحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن. تفرد به ابن ماجه. وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا العمرى، عن نافع، عن ابن عمر. وعن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحد له لحد. تفرد به أحمد من هذين الوجهين. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن شعبة وابن جعفر، حدثنا شعبة، حدثنى أبو جمرة عن ابن عباس، قال: جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن شعبة به. وقد رواه وكيع عن شعبة. وقال وكيع: كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن عساكر.


(1) الاصل: ابن يزيد. وما أثبته عن سنن ابن ماجه. (*)

[ 535 ]

وقال ابن سعد: أنبأنا محمد بن عبدالله الانصاري، حدثنا أشعث بن عبدالملك الحمراني، عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط تحته قطيفة حمراء كان يلبسها، قال: وكانت أرضا ندية. وقال هشيم بن منصور عن الحسن قال: جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء كان أصابها يوم حنين. قال [ الحسن (1) ]: جعلها لان المدينة أرض سبخة. وقال محمد بن سعد: حدثنا حماد بن خالد الخياط، عن عقبة بن أبى الصهباء، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افرشوا لى قطيفة في لحدي فإن الارض لم تسلط على أجساد الانبياء ". وروى الحافظ البيهقى من حديث مسدد، حدثنا عبد الواحد، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: قال على: غسلت النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر إلى ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا. قال: وولى دفبه عليه الصلاة والسلام وإجنانه دون الناس أربعة، على والعباس والفضل وصالح مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ولحد للنبى صلى الله عليه وسلم لحد، ونصب عليه اللبن نصبا. وذكر البيهقى عن بعضهم أنه نصب على لحده عليه السلام تسع لبنات. وروى الواقدي عن ابن أبى سبرة عن عبدالله بن معبد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين إلى أن زاغت الشمس يوم الثلاثاء، يصلى الناس عليه وسريره على شفير قبره فلما أرادوا أن يقبروه عليه السلام نحوا السرير قبل رجليه فأدخل من هناك. ودخل في حفرته العباس وعلى وقثم والفضل وشقران.


(1) ليست في ا. (*)

[ 536 ]

وروى البيهقى من حديث إسماعيل السدى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: دخل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وعلى والفضل وسوى لحده رجل من الانصار وهو الذى سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر. قال ابن عساكر: صوابه يوم أحد. وقد تقدم رواية ابن إسحاق عن حسين بن عبدالله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله على والفضل وقثم وشقران، وذكر الخامس وهو أوس بن خولى، وذكر قصة القطيفة التى وضعها في القبر شقران. وقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو طاهر الخداباذى، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان بن سعيد، هو الثوري، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، قال: حدثنى أبو مرحب، قال: كأنى أنظر إليهم في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة: أحدهم عبد الرحمن بن عوف. وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن الصباح، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبى خالد به. ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن زهير عن إسماعيل، عن الشعبى، حدثنى مرحب أو ابن عمى مرحب (1): أنهم أدخلوا معهم عبدالرحمن بن عوف، فلما فرغ على قال: إنما يلى الرجل أهله. وهذا حديث غريب جدا وإسناده جيد قوى، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد قال أبو عمر بن عبد البر في استيعابه: أبو مرحب اسمه سويد بن قيس، وذكر أبا مرحب آخر وقال: لا أعرف خبره. قال ابن الاثير في الغابة: فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالث غيرهما [ ولله الحمد ] (2).


(1) ح: أو أبو مرحب. (2) ليست في ا. (*)

[ 537 ]

ذكر من كان آخر الناس به عهدا عليه الصلاة والسلام قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، حدثنى أبى إسحاق ابن يسار، عن مقسم أبى القاسم مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبدالله بن الحارث، قال: اعتمرت مع على في زمان عمر أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبى طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكبت له غسلا فاغتسل. فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه. قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: أجل. عن ذلك جئنا نسألك. قال: أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء، إلا أنه قال قبله عن ابن إسحاق قال: وكان المغيرة بن شعبة يقول: أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر. وإنما طرحته عمدا لامس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به. قال ابن إسحاق: فحدثني والدى إسحاق بن يسار، عن مقسم، عن مولاه عبدالله بن الحارث، قال: اعتمرت مع على. فذكر ما تقدم. وهذا الذى ذكر عن المغيرة بن شعبة لا يقتضى أنه حصل له ما أمله، فإنه قد يكون على رضى الله عنه لم يمكنه من النزول في القبر بل أمر غيره فناوله أياه، وعلى ما تقدم يكون الذى أمره بمناولته له قثم بن عباس. وقد قال الواقدي: حدثنى عبدالرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، عن عبيدالله بن

[ 538 ]

عبدالله بن عتبة، قال: ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال على: إنما ألقيته لتقول: نزلت في قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فنزل فأعطاه. أو أمر رجلا فأعطاه. وقد قال الامام أحمد حدثنا بهز وأبو كامل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبى عمران الجونى، عن أبى عسيب أو أبى عسيم قال بهز: إنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: كيف نصلى، قال: ادخلوا أرسالا أرسالا، فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر. قال: فلما وضع في لحده قال المغيرة: قد بقى من رجليه شئ لم تصلحوه. قالوا: فادخل فأصلحه. فدخل وأدخل يده فمس قدميه عليه السلام. فقال: أهيلوا على التراب. فأهالوا عليه حتى بلغ إلى أنصاف ساقيه، ثم خرج فكان يقول: أنا أحدثكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ! متى وقع دفنه عليه الصلاة والسلام وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبدالله بن أبى بكر وأدخلني عليها حتى سمعته (1) منها، عن عمرة، عن عائشة، أنها قالت: ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحى في جوف ليلة الاربعاء. وقال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة، عن الحليس بن هشام، عن عبدالله بن وهب، عن أم سلمة، قالت: بينا نحن مجتمعون نبكى لم ننم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرازين (2) في السحر. قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد، فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر


(1) ا: تسمعه. (2) الكرازين: جمع كرزن وهو الفأس الكبيرة. (*)

[ 539 ]

النبي صلى الله عليه وسلم بكى وانتحب، فزادنا حزنا وعالج الناس الدخول إلى قبره فغلق دونهم، فيالها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم. وقد روى الامام أحمد من حديث محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء. وقد تقدم مثله في غير ما حديث. وهو الذى نص عليه غير واحد من الائمة سلفا وخلفا ; منهم سليمان بن طرخان التيمى، وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى ابن عقبة وغيرهم. وقد روى يعقوب بن سفيان، عن عبدالحميد، عن بكار، عن محمد بن شعيب، عن الاوزاعي أنه قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء. وهكذا روى الامام أحمد عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الضحى يوم الاثنين ودفن من الغد في الضحى. * * * وقال يعقوب: حدثنا سفيان، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه و [ عن ] (1) ابن جريج، عن أبى جعفر، أن رسول الله توفى يوم الاثنين، فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار. فهو قول غريب، والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه عليه السلام توفى يوم الاثنين، ودفن ليلة الاربعاء.


(1) ليست في ا. (*)

[ 540 ]

ومن الاقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب بن سفيان عن عبدالحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن أبى النعمان، عن مكحول، قال: ولد رسول الله يوم الاثنين، وأوحى إليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن، يدخل عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون ولا يؤمهم عليه أحد. فقوله: إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن. غريب، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله، ودفن ليلة الاربعاء كما قدمنا. والله أعلم. وضده ما رواه سيف، عن هشام، عن أبيه، قال: توفى رسول الله يوم الاثنين. [ وغسل يوم الاثنين ] (1) ودفن ليلة الثلاثاء. قال سيف: وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجميعه عن عائشة به. وهذا غريب جدا. وقال الواقدي: حدثنا عبدالله بن جعفر، عن ابن أبى عون، عن أبى عتيق، عن جابر بن عبدالله، قال: رش على قبر النبي صلى الله عليه وسلم الماء رشا، وكان الذى رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه من شقه الايمن حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرب بالماء إلى الجدار لم يقدر على أن يدور من الجدار. وقال سعيد بن منصور، عن الدراوردى عن يزيد بن عبدالله بن أبى يمن، عن أم سلمة، قالت: توفى رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء. وقال ابن خزيمة: حدثنا مسلم بن حماد، عن أبيه، عن عبدالله بن عمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: توفى رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء. وقال الواقدي: حدثنى أبى بن عياش بن سهل بن سعد، عن أبيه، قال: توفى رسول الله


(1) سقطت من ا. (*)

[ 541 ]

صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا عن محمد بن سعد: توفى رسول الله يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، ودفن يوم الثلاثاء. وقال عبدالله بن محمد بن أبى الدنيا: حدثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيرى (1)، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبى خالد، سمعت عبدالله بن أبى أوفى يقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ; فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء. وهكذا قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وأبو جعفر الباقر. فصل في صفة قبره عليه الصلاة والسلام قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التى كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبليه من الحجرة. ثم دفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر رضى الله عنهما. وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار، أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما (2). تفرد به البخاري. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبى فديك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم، قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أمه اكشفي لى عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. فكشفت لى عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء النبي صلى الله عليه وسلم. أبو بكر رضى الله عنه عمر رضى الله عنه


(1) نسبة إلى نهر تيرى، بلد من نواحى الاهواز (2) التسنيم: ضد التسطيح. (*)

[ 542 ]

[ تفرد به أبو داود ] (1). وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبى فديك، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم، قال فرأيت النبي عليه السلام مقدما، وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم. قال البيهقى: وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة لان الحصباء لا تثبت إلا على المسطح. وهذا عجيب من البيهقى رحمه الله، فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه. وقد روى الواقدي عن الدراوردى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: جعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا. وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبى المغراء، حدثنا على بن مسهر، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبدالملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: لا والله ماهى قدم النبي صلى الله عليه وسلم ; ما هي إلا قدم عمر. وعن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنها أوصت عبدالله بن الزبير: لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكى به أبدا. قلت: كان الوليد بن عبدالملك حين ولى الامارة في سنة ست وثمانين قد شرع في بناء جامع دمشق وكتب إلى نائبه بالمدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يوسع في مسجد المدينة، فوسعه حتى من ناحية الشرق (2) فدخلت الحجرة النبوية فيه. وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن زاذان مولى الفرافصة، وهو الذى بنى المسجد النبوى أيام [ ولاية ] عمر بن عبد العزيز على المدينة، فذكر عن سالم بن عبدالله نحو ما ذكره البخاري، وحكى صفة القبور كما رواه أبو داود.


(1) سقط من ا. (2) ت: من ناحية السوق. (*)

[ 543 ]

ذكر ما أصاب المسلمين من المصيبة العظيمة بوفاته عليه الصلاة والسلام قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب. فقالت فاطمة: واكرب أبتاه. فقال لها: " ليس على أبيك كرب بعد اليوم ". فلما مات قالت: وأبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ؟ ! تفرد به البخاري رحمه الله. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت البنانى، قال أنس: فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراب ورجعتم ؟ وهكذا رواه ابن ماجه مختصرا من حديث حماد بن زيد به. وعنده قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه. وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنما قلنا هذا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة. وقد روى الامام أحمد والنسائي من حديث شعبة، سمعت قتادة، سمعت مطرفا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم، عن أبيه - فيما أوصى به إلى بنيه - أنه قال: ولا تنوحوا على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه. وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضى في النوادر، عن عمرو بن ميمون عن شعبة به.

[ 544 ]

ثم رواه عن على بن المدينى، عن المغيرة بن سلمة، عن الصعق بن حزن، عن القاسم بن مطيب، عن الحسن البصري، عن قيس بن عاصم به. قال: لا تنوحوا على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة. ثم رواه عن على عن محمد بن الفضل، عن الصعق، عن القاسم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن عن عاصم به. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عقبة بن سنان، حدثنا عثمان بن عثمان، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس قال: لما كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ. قال: وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الايدى حتى أنكرنا قلوبنا. وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا، عن بشر بن هلال الصواف، عن جعفر بن سليمان الضبعى به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. قلت. وإسناده على شرط الصحيحين، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان، وقد أخرج له الجماعة، ورواه الناس عنه كذلك. * * * وقد أغرب الكديمى، وهو محمد بن يونس رحمه الله في روايته له حيث قال: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، عن ثابت عن أنس، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا

[ 545 ]

إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها أو لا يبصرها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. رواه البيهقى من طريقه كذلك. وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ عن أبى الوليد الطيالسي، كما قدمنا، وهو المحفوظ والله أعلم. وقد روى الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر من طريق أبى حفص بن شاهين، حدثنا حسين ابن أحمد بن بسطام بالابله، حدثنا محمد بن يزيد الرؤاسى، حدثنا مسلمة ابن علقمة، عن داود بن أبى هند، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ. وقال ابن ماجه: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الوهاب ابن عطاء العجلى، عن ابن عون، عن الحسن، عن أبى بن كعب، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وجهنا واحد، فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا. وقال أيضا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبى وداعة السهمى، حدثنى موسى بن عبدالله بن أبى أمية المخزومى، حدثنى مصعب بن عبدالله، عن أم سلمة بنت أبى أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المصلى يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فتوفى عمر وكان عثمان وكانت الفتنة، فتلفت الناس يمينا وشمالا.

[ 546 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت عن أنس ; أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها ما يبكيك على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: إن قد علمت أن رسول الله سيموت، ولكني إنما أبكى على الوحى الذى رفع عنا. هكذا رواه مختصرا. وقد قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجارودي، قالا: حدثنا الحسن بن على الخولانى (1)، حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن زائرا وذهبت معه، فقربت إليه شرابا. فإما كان صائما وإما كان لا يريده فرده، فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تضاحكه. فقال أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها. فلما انتهينا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك ؟ ما عند الله خير لرسوله. قالت: والله ما أبكى ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكى أن الوحى انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان. ورواه مسلم منفردا به عن زهير بن حرب، عن عمرو بن عاصم به. * * * وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول صلى الله عليه وسلم وخطبة أبى بكر فيها: قال: ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة وأم أيمن قاعدة تبكى، فقيل لها: ما يبكيك ؟ قد أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا.


(1) ا: الحلواني. (*)

[ 547 ]

فقالت: إنما أبكى على خبر السماء كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع ورفع، فعليه أبكى. فعجب الناس من قولها. وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: وحدثت عن أبى أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهرى، حدثنا أبو أسامة، حدثنى بريد بن عبدالله عن أبى بردة، عن أبى موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حى فأهلكها وهو ينظر إليها فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره ". تفرد به مسلم إسنادا ومتنا. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبدالمجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد، عن سفيان، عن عبدالله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله - هو ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام ". قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتى خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ". ثم قال البزار: لا نعرف آخره يروى عن عبدالله إلا من هذا الوجه. قلت: وأما أوله وهو قوله عليه السلام: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام " فقد رواه النسائي من طرق متعددة، عن سفيان الثوري وعن الاعمش، كلاهما عن عبدالله بن السائب، عن أبيه به. وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن على الجعفي، عن عبدالرحمن بن يزيد ابن جابر، عن أبى الاشعث الصنعانى، عن أوس بن أوس، قال قال رسول الله صلى الله

[ 548 ]

عليه وسلم: " من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة على ". قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ - يعنى قد بليت - قال: " إن الله قد حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء عليهم السلام ". وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن عبدالله وعن الحسن بن على، والنسائي عن إسحاق بن منصور، ثلاثتهم عن حسين بن على به. ورواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن حسين بن على، عن ابن جابر، عن أبى الاشعث، عن شداد بن أوس فذكره. قال شيخنا أبو الحجاج المزى: وذلك وهم من ابن ماجه، والصحيح أوس بن أوس وهو الثقفى رضى الله عنه. قلت: وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب، كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أوس ابن أوس. ثم قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن سواد المصرى، حدثنا عبدالله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسى، عن أبى الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكثروا الصلاة على يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلى على إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها ". قال قلت: وبعد الموت ؟ قال: إن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء عليهم السلام - نبى الله حى ويرزق (1). وهذا من أفراد ابن ماجه رحمه الله. وقد عقد الحافظ ابن عساكر هاهنا بابا في إيراد الاحاديث المروية في زيارة قبره الشريف صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وموضع استقصاء ذلك في كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى.


(1) ابن ماجه حديث 1637: فنبي الله حى يرزق. (*)

[ 549 ]

ذكر ما ورد من التعزية به عليه الصلاة والسلام وقال ابن ماجه: حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين، حدثنا أبو همام وهو محمد بن الزبرقان الاهوازي، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبى سلمة ابن عبدالرحمن، عن عائشة، قالت: فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين الناس - أو كشف سترا - فإذا الناس يصلون وراء أبى بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم رجاء أن يخلفه فيهم بالذى رآهم (1). فقال: " يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بى عن المصيبة التى تصيبه بغيرى، فإن أحدا من أمتى لن يصاب بمصيبة بعدى أشد عليه من مصيبتي ". تفرد به ابن ماجه. وقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه، حدثنا شافع بن محمد حدثنا أبو جعفر بن سلامة الطحاوي، حدثنا المزى، حدثنا الشافعي، عن القاسم بن عبدالله ابن عمر بن حفص، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن رجالا من قريش دخلوا على أبيه على بن الحسين، فقال: ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: بلى. فحدثنا عن أبى القاسم قال: لما ان مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك تكريما لك وتشريفا لك وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك ؟ قال: " أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا ". ثم جاءه اليوم الثاني فقال له ذلك فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث فقال له كما قال أول يوم ورد عليه كما رد، وجاء معه ملك يقال له إسماعيل على مائة ألف ملك، كل ملك على مائة ألف ملك، فاستأذن عليه فسأل عنه ثم قال:


(1) ابن ماجه حديث 1259: ورجاء أن يخلفه الله فيهم. (*)

[ 550 ]

جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك ما استأذن على آدمى قبلك، ولا يستأذن على آدمى بعدك. فقال عليه السلام: إيذن له. فأذن له. فدخل فسلم عليه ثم قال: يا محمد إن الله أرسلني إليك فإن أمرتنى أن أقبض روحك قبضت، وإن أمرتنى أن أتركه تركته. فقال رسول الله: " أو تفعل يا ملك الموت ؟ " قال: نعم، وبذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك. قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل فقال له جبريل: يا محمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لملك الموت: " امض لما أمرت به " فقبض روحه. فلما توفى النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت، السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب. فقال على رضى الله عنه: أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر عليه السلام. وهذا الحديث مرسل وفى إسناده ضعف بحال القاسم العمرى هذا، فإنه قد ضعفه غير واحد من الائمة، وتركه بالكلية آخرون. وقد رواه الربيع عن الشافعي عن القاسم عن جعفر عن أبيه عن جده - فذكر منه قصة التعزية فقط موصولا - وفى الاسناد العمرى المذكور، قد نبهنا على أمره لئلا يغتر به. على أنه قد رواه الحافظ البيهقى، عن الحاكم، عن أبى جعفر البغدادي، حدثنا عبدالله بن الحارث أو عبدالرحمن بن المرتعد الصغانى، حدثنا أبو الوليد المخزومى، حدثنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد، عن جابر بن عبدالله، قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ناداهم مناد ] يسمعون الحس ولا يرون الشخص. فقال: السلام عليكم

[ 551 ]

أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، ودركا من كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم قال البيهقى: هذان الاسنادان وإن كانا ضعيفين فأحدهما يتأكد بالآخر، ويدل على أن له أصلا من حديث جعفر والله أعلم. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن بالويه، حدثنا محمد بن بشر بن مطر، حدثنا كامل بن طلحة، حدثنا عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلايا فانظروا، فإن المصاب من لم يجبر، فانصرف. فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعلى: نعم هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر. ثم قال البيهقى: عباد بن عبد الصمد ضعيف. وهذا منكر بمرة. وقد روى الحارث بن أبى أسامة عن محمد بن سعد، أنبأنا هاشم بن القاسم، حدثنا صالح المزى، عن أبى حازم المدنى، أن رسول الله حين قبضه الله عزوجل دخل المهاجرون فوجا فوجا يصلون عليه ويخرجون، ثم دخلت الانصار على مثل ذلك، ثم دخل أهل المدينة حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء، فكان منهن صوت وجزع كبعض ما يكون منهن، فسمعن هدة في البيت فعرفن فسكتن، فإذا قائل يقول: إن في الله عزاء

[ 552 ]

من كل هالك، وعوضا من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، والمجبور من جبره الثواب والمصاب من لم يجبره الثواب. فصل فيما روى من معرفة أهل الكتاب بيوم وفاته عليه السلام قال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا عبدالله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبدالله البجلى، قال: كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو، فجعلت أحدثهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقالا لى: إن كان ما تقول حقا فقد مضى صاحبك على أجله منذ ثلاث. قال: فأقبلت وأقبلا، حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من المدينة، فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر والناس صالحون. قال: فقالا لى: أخبر صاحبك أنا قد جئنا، ولعلنا سنعود إن شاء الله عزوجل. قال: ورجعا إلى اليمن، فلما أتيت أخبرت أبا بكر بحديثهم قال: أفلا جئت بهم ؟ فلما كان بعد قال لى ذو عمرو: يا جرير إن لك على كرامة وإنى مخبرك خبرا، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر، أما إذا كانت بالسيف. كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك وترضون رضا الملوك. هكذا رواه الامام أحمد والبخاري عن أبى بكر بن أبى شيبة، وهكذا رواه البيهقى عن الحاكم عن عبدالله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان عنه. وقال البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا على بن المتوكل، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا زائدة، عن زياد بن علاقة، عن جرير، قال: لقيني حبر باليمن وقال لى: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين.

[ 553 ]

هكذا رواه البيهقى. وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا زائدة ; حدثنا زياد بن علاقة، عن جرير، قال: قال لى حبر باليمن: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات اليوم. قال جرير: فمات يوم الاثنين. وقال البيهقى: أنبأنا أبو الحسين بن بشران المعدل ببغداد، أنبأنا أبو جعفر محمد بن عمرو، حدثنا محمد بن الهيثم، حدثنا سعيد بن كثير بن عفير، حدثنى عبدالحميد بن كعب بن علقمة بن كعب بن عدى التنوخى، عن عمرو بن الحارث، عن ناعم بن أجبل، عن كعب بن عدى، قال: أقبلت في وفد من أهل الحيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فعرض علينا الاسلام، فأسلمنا ثم انصرفنا إلى الحيرة. فلم نلبث أن جاءتنا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فارتاب أصحابي وقالوا: لو كان نبيا لم يمت. فقلت: قد مات الانبياء قبله، وثبت على إسلامى، ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه، فقلت له: أخبرني عن أمر أردته نفخ في صدري منه شئ، فقال: إئت باسم من الاسماء. فأتيته بكعب فقال: ألقه في هذا السفر، لسفر أخرجه، فألقيت الكعب فيه فصفح فيه فإذا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم كما رأيته، وإذا هو يموت في الحين الذى مات فيه. قال: فاشتدت بصيرتي في إيمانى، وقدمت على أبى بكر رضى الله عنه فأعلمته وأقمت عنده، فوجهني إلى المقوقس فرجعت، ووجهني أيضا عمر بن الخطاب فقدمت عليه بكتابه، فأتيته، وكانت وقعة اليرموك ولم أعلم بها فقال لى: أعلمت أن الروم قتلت العرب وهزمتهم ؟ فقلت كلا قال: ولم ؟ قلت إن الله وعد نبيه أن يظهره على الدين كله، وليس بمخلف الميعاد.

[ 554 ]

قال: فإن نبيكم قد صدقكم، قتلت الروم والله قتل عاد. قال: ثم سألني عن وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته وأهدى إلى عمر وإليهم. وكان ممن أهدى إليه على وعبد الرحمن والزبير - وأحسبه ذكر العباس - قال كعب: وكنت شريكا لعمر في البز في الجاهلية، فلما أن فرض الديوان فرض لى في بنى عدى بن كعب. وهذا أثر غريب وفيه نبأ عجيب وهو صحيح. فصل قال محمد بن إسحاق: ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم، حتى جمعهم الله على أبى بكر رضى الله عنه. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الاسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد رضى الله عنه فتوارى، فقام سهيل بن عمرو رضى الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن ذلك لم يزد الاسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه. فتراجع الناس وكفوا عما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد. فهذا المقام الذى أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر الخطاب - يعنى

[ 555 ]

حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الاسارى يوم بدر -: إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمنه ! قلت: وقد ذكرنا (1) ما وقع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الردة في أحياء كثيرة من العرب، وما كان من أمر مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة، والاسود العنسى باليمن، وما كان من أمر الناس حتى فاءوا ورجعوا إلى الله تائبين نازعين عما كانوا عليه في حال ردتهم من السفاهة والجهل العظيم الذى استفزهم الشيطان به، حتى نصرهم الله وثبتهم وردهم إلى دينه الحق على يدى الخليفة الصديق أبى بكر رضى الله عنه وأرضاه.


(1) وذلك في أخبار سنة إحدى عشرة من البداية والنهاية للمؤلف (*)

[ 556 ]

فصل وقد ذكر ابن إسحاق وغيره قصائد لحسان بن ثابت رضى الله عنه في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أجل ذلك وأفصحه وأعظمه، ما رواه عبدالملك بن هشام رحمه الله عن أبى زيد الانصاري، أن حسان بن ثابت رضى الله عنه قال يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بطيبة رسم للرسول ومعهد * منير وقد تعفو الرسوم وتهمد (1) ولا تمتحى الآيات من دار حرمة * بها منبر الهادى الذى كان يصعد وواضح آيات (2) وباقى معالم * وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها * من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها * أتاها البلى فالآى منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وعهده * وقبرا بها واراه في الترب ملحد ظللت بها أبكى الرسول فأسعدت * عيون ومثلاها من الجن تسعد يذكرن آلاء الرسول ولا أرى * لها محصيا نفسي فنفسي تبلد مفجعة قد شفها فقد أحمد * فظلت لآلاء الرسول تعدد وما بلغت من كل أمر عشيره * ولكن لنفسي بعد ما قد توجد أطالت وقوفا تذرف العين جهدها * على طلل القبر الذى فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت * بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد


(1) الاصل: تمهد. وما أثبته عن ابن هشام 2 / 666 (2) ابن هشام: آثار (*)

[ 557 ]

وبورك لحد منك ضمن طيبا * عليه بناء من صفيح منضد (1) تهيل عليه الترب أيد وأعين * عليه - وقد غارت بذلك أسعد لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة * عشية علوه الثرى لا يوسد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم * وقد وهنت منهم ظهور وأعضد ويبكون من تبكى السموات يومه * ومن قد بكته الارض فالناس أكمد وهل عدلت يوما رزية هالك * رزية يوم مات فيه محمد تقطع فيه منزل الوحى عنهم * وقد كان ذا نور يغور وينجد يدل على الرحمن من يقتدى به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد إمام لهم يهديهم الحق جاهدا * معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا عفو عن الزلات يقبل عذرهم * وإن يحسنوا فالله بالخير أجود وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله * فمن عنده تيسير ما يتشدد فبينا هم في نعمة الله وسطهم * دليل به نهج الطريقة يقصد عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى * حريص على أن يستقيموا ويهتدوا عطوف عليهم لا يثنى جناحه * إلى كنف يحنو عليه ويمهد فبيناهم في ذلك النور إذ غدا * إلى نورهم سهم من الموت مقصد فأصبح محمودا إلى الله راجعا * يبكيه حق المرسلات ويحمد (2) وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها * لغيبة ما كانت من الوحى تعهد قفارا سوى معمورة اللحد ضافها * فقيد يبكيه بلاط وغرقد (3) ومسجده فالموحشات لفقده * خلاء له فيها (4) مقام ومقعد


(1) من ت وابن هشام (2) المرسلات: الملائكة. وفى ج: جفن المرسلات. ويروى جن، أي الملائكة المستورون (3) البلاط: الارض المستوية الملساء. والغرقد: شجر. (4) ابن هشام فيه. (*)

[ 558 ]

وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت * ديار وعرصات وربع ومولد فبكى رسول الله يا عين عبرة * ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد ومالك لا تبكين ذا النعمة التى * على الناس منها سابغ يتغمد فجودي عليه بالدموع وأعولى * لفقد الذى لا مثله الدهر يوجد وما فقد الماضون مثل محمد * ولا مثله حتى القيامة يفقد أعف وأوفى ذمة بعد ذمة * وأقرب منه نائلا لا ينكد وأبذل منه للطريف وتالد * إذا ضن معطاء بما كان يتلد وأكرم حيا (1) في البيوت إذا انتمى * وأكرم جدا أبطحيا يسود وأمنع ذروات وأثبت في العلا * دعائم عز شاهقات تشيد وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا * وعودا غذاه المزن فالعود أغيد رباه وليدا فاستم تمامه * على أكرم الخيرات رب ممجد تناهت وصاة المسلمين بكفه * فلا العلم محبوس ولا الرأى يفند أقول ولا يلفى لما قلت (2) عائب * من الناس إلا عازب العقل مبعد وليس هوائي نازعا عن ثنائه * لعلى به في جنة الخلد أخلد مع المصطفى أرجو بذاك جواره * وفى نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في آخر كتابه الروض: وقال أبو سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرقت فبات ليلى لا يزول * وليل أخى المصيبة فيه طول وأسعدنى البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول


(1) ا: صيتا. (2) ابن هشام: لقولي. (*)

[ 559 ]

وأضحت أرضنا مما عراها * تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحى والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه * نفوس الناس أو كادت (1) تسيل نبى كان يجلو الشك عنا * بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا * علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر * وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر * وفيه سيد الناس الرسول


(1) الروض الانف: كربت. (*)

[ 560 ]

باب بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا ولا شيئا يورث عنه بل أرضا جعلها كلها صدقة لله عزوجل فإن الدنيا بحذافيرها كانت أحقر عنده - كما هي عند الله - من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين. قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبى إسحاق، عن عمرو ابن الحارث، قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التى كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة. انفرد به البخاري دون مسلم، فرواه في أماكن من صحيحه من طرق متعددة، عن أبى الاحوص وسفيان الثوري وزهير بن معاوية. ورواه الترمذي من حديث إسرائيل، والنسائي أيضا من حديث يونس بن أبى إسحاق، كلهم عن أبى إسحاق عمرو بن عبدالله السبيعى، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق بن أبى ضرار، أخى جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضى الله عنهما به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش وابن نمير، عن الاعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشئ. وهكذا رواه مسلم منفردا به عن البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق

[ 561 ]

متعددة عن سليمان بن مهران الاعمش، عن شقيق بن سلمة أبى وائل، عن مسروق بن الاجدع، عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سموات رضى الله عنها وأرضاها. وقال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عائشة، قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا أمة ولا عبدا ولا شاة ولا بعيرا. وحدثنا عبدالرحمن عن سفيان، عن عاصم عن زر عن عائشة: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا. قال سفيان: وأكثر علمي وأشك في العبد والامة. وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن بندار، عن عبدالرحمن بن مهدى به. قال الامام أحمد: وحدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن عاصم بن أبى النجود، عن زر عن عائشة، قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة لا شاة ولا بعيرا. هكذا رواه الامام أحمد من غير شك. وقد رواه البيهقى، عن أبى زكريا بن أبى إسحاق المزكى، عن أبى عبدالله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أنبأنا جعفر بن عون، أنبأنا مسعر، عن عاصم عن زر، قال: قالت عائشة: تسألونى عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة. قال مسعر: أراه قال: ولا شاة ولا بعيرا.

[ 562 ]

قال: وأنبأنا مسعر، عن عدى بن ثابت، عن على بن الحسين، قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة. وقد ثبت في الصحيحين من حديث الاعمش، عن إبرهيم، عن الاسود، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودى إلى أجل، ورهنه درعا من حديد. وفى لفظ للبخاري رواه عن قبيصة، عن الثوري، عن الاعمش، عن إبراهيم عن الاسود، عن عائشة رضى الله عنها. قالت: توفى النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين (1). ورواه البيهقى من حديث يزيد بن هارون، عن الثوري، عن الاعمش، عن إبراهيم عن الاسود عنها، قالت: توفى النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بثلاثين صاعا من شعير. ثم قال: رواه البخاري، عن محمد بن كثير، عن سفيان. ثم قال البيهقى: أنبأنا على بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أبو بكر محمد بن حمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسى، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن قتادة عن أنس، قال: لقد دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة (2). قال أنس: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والذى نفس محمد بيده ما أصبح عند آل محمد صاع بر ولا صاع تمر ". وإن له يومئذ تسع نسوة، ولقد رهن درعا له عند يهودى بالمدينة وأخذ منه طعاما فما وجد ما يفتكها به حتى مات صلى الله عليه وسلم.


(1) زاد في البخاري: أي صاعا من شعير. (2) الاهالة: الزيت. السنخة: المتغيرة الرائحة. (*)

[ 563 ]

وقد روى ابن ماجه بعضه من حديث شيبان بن عبدالرحمن النحوي عن قتادة به. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت، حدثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس ; أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد فقال: " والذى نفسي بيده ما يسرنى أن أحدا لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لدين ". قال: فمات فما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة، فترك درعه رهنا عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير. وقد روى آخره ابن ماجه، عن عبدالله بن معاوية الجمحى، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب العبدى الكوفى به. ولاوله شاهد في الصحيح من حديث أبى ذر رضى الله عنه. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان، قالوا: حدثنا ثابت - هو ابن يزيد - حدثنا هلال - هو ابن خباب - عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه. فقال: يا نبى الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا ؟ فقال: " مالى وللدنيا، ما مثلى ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها ". تفرد به أحمد وإسناده جيد. وله شاهد من حديث ابن عباس عن عمر في المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله

[ 564 ]

صلى الله عليه وسلم ; وقصة الايلاء. وسيأتى الحديث مع غيره (1) مما شاكله في بيان زهده عليه السلام وتركه الدنيا، وإعراضه عنها، واطراحه لها، وهو مما يدل على ما قلناه من أنه عليه السلام لم تكن الدنيا عنده ببال. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عبد العزيز بن رفيع، قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس فقال ابن عباس: ما ترك رسول الله صلى الله. عليه وسلم إلا ما بين هذين اللوحين. قال: ودخلنا على محمد بن على فقال مثل ذلك. وهكذا رواه البخاري، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة به. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول، عن طلحة، قال سألت عبدالله بن أبى أوفى: أأوصى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا (2) بها ؟ قال: أوصى بكتاب الله عزوجل. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأهل السنن إلا أبا داود من طرق عن مالك ابن مغول به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك ابن مغول. تنبيه قد ورد أحاديث كثيرة سنوردها قريبا بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختص بها صلوات الله وسلامه عليه في حياته من دور ومساكن نسائه وإماء وعبيد


(1) وذلك في قسم الشمائل من متعلقات السيرة النبوية: الذى سننشره مفردا. (2) البخاري: أو أمروا بالوصية. (*)

[ 565 ]

وخيول وإبل وغنم وسلاح وبغلة وحمار وثياب وأثاث وخاتم وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله. فلعله عليه السلام تصدق بكثير منها في حياته منجزا، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده، وأرصد ما أرصده من أمتعته، مع ما خصه الله به من الارضين من بنى النضير وخيبر وفدك في مصالح المسلمين على ما سنبينه إن شاء الله، إلا أنه لم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه قطعا، لما سنذكره قريبا. وبالله المستعان.

[ 566 ]

باب بيان أنه عليه السلام قال: لا نورث قال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة يبلغ به. وقال مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة ". وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من طرق، عن مالك بن أنس، عن أبى الزناد عبدالله بن ذكوان، عن عبدالرحمن بن هرمز الاعرج، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة ". لفظ البخاري. ثم قال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبى بكر ليسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نورث، ما تركنا صدقة ؟ ". وهكذا رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبى، والنسائي عن قتيبة، كلهم عن مالك به. فهذه إحدى النساء الوارثات - إن لو قدر ميراث - قد اعترفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ما تركه صدقة لا ميراثا، والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقنها على

[ 567 ]

ما روت، وتذكرن ما قالت لهن من ذلك، فإن عبارتها تؤذن بأن هذا أمر مقرر عندهن. والله أعلم. وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ". وقال البخاري: باب قول رسول الله: لا نورث ما تركنا صدقة: حدثنا عبدالله ابن محمد، حدثنا هشام، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر رضى الله عنه يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال ". قال أبو بكر: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته. قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت. وهكذا رواه الامام أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر. ثم رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ميراثها مما ترك مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة " فغضبت فاطمة وهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت. قال: وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، وذكر تمام الحديث.

[ 568 ]

هكذا قال الامام أحمد. وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب المغازى من صحيحه عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة كما تقدم، وزاد: فلما توفيت دفنها على ليلا ولم يؤذن أبا بكر وصلى عليها. وكان لعلى من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر على وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الاشهر، فأرسل إلى أبى بكر: إيتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر. فقال عمر: والله لا تدخل عليهم وحدك. قال أبو بكر: وما عسى أن يصنعوا بى ؟ والله لآتينهم. فانطلق أبو بكر رضى الله عنه [ فتشهد على ] وقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنكم استبددتم بالامر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لنا في هذا الامر نصيبا، فلم يزل على يذكر حتى بكى أبو بكر رضى الله عنه. وقال: والذى نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي، وأما الذى شجر بينكم في هذه الاموال فإنى لم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته. فلما صلى أبو بكر رضى الله عنه الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن على وتخلفه عن البيعة وعذره بالذى اعتذر به، وتشهد على رضى الله عنه فعظم حق أبى بكر وذكر فضيلته وسابقته، وحدث أنه لم يحمله على الذى صنع نفاسة على أبى بكر. ثم قام إلى أبى بكر رضى الله عنهما فبايعه. فأقبل الناس على على فقالوا: أحسنت. وكان الناس إلى على قريبا حين راجع الامر المعروف. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق متعددة عن الزهري عن عروة عن عائشة بنحوه. فهذه البيعة التى وقعت من على رضى الله عنه، لابي بكر رضى الله عنه، بعد وفاة

[ 569 ]

فاطمة رضى الله عنها، بيعة مؤكدة للصلح الذى وقع بينهما وهى ثانية للبيعة التى ذكرناها أولا يوم السقيفة، كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج، ولم يكن على مجانبا لابي بكر هذه الستة الاشهر، بل كان يصلى وراءه ويحضر عنده للمشورة، وركب معه إلى ذى القصة. وفى صحيح البخاري أن أبا بكر رضى الله عنه صلى العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن على يلعب مع الغلمان، فاحتمله على كاهله وجعل يقول: يا بأبى شبه النبي * ليس شبيها بعلى ؟ وعلى يضحك. ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها فنفى ذلك، والمثبت مقدم على النافي كما تقدم وكما تقرر. والله أعلم. * * * وأما تغضب فاطمة رضى الله عنها وأرضاها على أبى بكر رضى الله عنه وأرضاه فما أدرى ما وجهه. فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله، وهو ما رواه عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا نورث ما تركنا صدقة " وهى ممن تنقاد لنص الشارع الذى خفى عليها قبل سؤالها الميراث، كما خفى على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخبرتهن عائشة بذلك، ووافقنها عليه. وليس يظن بفاطمة رضى الله عنها أنها اتهمت الصديق رضى الله عنه فيما أخبرها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، والعباس بن عبدالمطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، وأبو هريرة، وعائشة رضى الله عنهم أجمعين. كما سنبينه قريبا.

[ 570 ]

ولو تفرد بروايته الصديق رضى الله عنه لوجب على جميع أهل الارض قبول روايته والانقياد له في ذلك. وإن كان غضبها لاجل ما سألت الصديق، إذا كانت هذه الاراضي صدقة لا ميراثا أن يكون زوجها ينظر فيها، فقد اعتذر بما حاصله: أنه لما كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلى ما كان يليه رسول الله، ولهذا قال: وإنى والله لا أدع أمرا كان يصنعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته. قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت. وهذا الهجران والحالة هذه فتح على فرقة الرافضة شرا عريضا، وجهلا طويلا، وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم. ولو تفهموا الامور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذى يجب على كل أحد قبوله. ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابه، ويتركون الامور المحكمة المقدرة عند أئمه الاسلام، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الاعصار، والامصار رضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين. بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق وموافقتهم على ذلك قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لى ذكرا من حديثه ذلك، فانطلقت حتى دخلت عليه فسألته فقال: انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد ؟ قال: نعم فأذن لهم. ثم قال: هل لك في على وعباس ؟ قال نعم: قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بينى وبين هذا.

[ 571 ]

قال: أنشدكم بالله الذى بإذنه تقوم السماء والارض: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ؟ " يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ؟ قال الرهط: قد قال ذلك. فأقبل على على وعباس فقال: هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا: قد قال ذلك. قال عمر بن الخطاب: فإنى أحدثكم عن هذا الامر: إن الله كان قد خص لرسول الله في هذا الفئ بشئ لم يعطه أحدا غيره، قال: " ما أفاء الله على رسوله (1) " إلى قوله " قدير " فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبتها فيكم حتى بقى منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقى فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا: نعم. ثم قال لعلى وعباس: أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قالا: نعم. فتوفى الله نبيه، فقال أبو بكر رضى الله عنه: أنا ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولى ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، حتى جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا يسألنى نصيب امرأته من أبيها، فقلت: إن شئتما دفعتها إليكما بذلك، فتلتمسان منى قضاء غير ذلك ؟ فوالله الذى بإذنه تقوم السماء والارض لا أقضى فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاها إلى فأنا أكفيكماها (2).


(1) سورة الحشر 7. (2) البخاري كتاب الفرائض 3 / 227. (*)

[ 572 ]

وقد رواه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه، ومسلم وأهل السنن من طرق، عن الزهري به. وفى رواية في الصحيحين فقال عمر: فوليها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يعلم أنه صادق بار راشد تابع للحق، ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، والله يعلم أنى صادق بار راشد تابع للحق. ثم جئتماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر وعملت فيها أنا، أنشدكم بالله أدفعتها إليهما بذلك ؟ قالوا: نعم. ثم قال لهما. أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا: نعم، قال: أفتلتمسان منى قضاء غير ذلك ؟ لا والذى بإذنه تقوم السماء والارض. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس، قال سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد: نشدتكم بالله الذى تقوم السماء والارض بأمره أعلمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ؟ " قالوا: نعم. على شرط الصحيحين. * * * قلت: وكان الذى سألاه بعد تفويض النظر إليهما، والله أعلم، هو أن يقسم بينهما النظر، فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالارض لو قدر أنه كان وارثا. وكأنهما قدما: بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم عثمان وابن عوف وطلحة والزبير وسعد، وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب إشاعة النظر بينهما، فقالت الصحابة الذين قدموهم بين أيديهما: يا أمير المؤمنين اقض بينهما، أو أرح أحدهما من الآخر.

[ 573 ]

فكأن عمر رضى الله عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث ولو في الصورة الظاهرة، محافظة على امتثال قوله صلى الله عليه وسلم: " لا نورث ما تركنا صدقة " فامتنع عليهم كلهم وأبى من ذلك أشد الاباء رضى الله عنه وأرضاه. ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان، فغلبه عليها على وتركها له العباس بإشارة ابنه عبدالله رضى الله عنهما بين يدى عثمان، كما رواه أحمد في مسنده. فاستمرت في أيدى العلويين. وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فإنى ولله الحمد جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما مما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورآه من الفقه النافع الصحيح، ورتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم. وقد روينا أن فاطمة رضى الله عنها احتجت أولا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي، وأنها سلمت له ما قال. وهذا هو المظنون بها رضى الله عنها. فقال الامام أحمد: حدثنا عفان ; حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، أن فاطمة قالت لابي بكر: من يرثك إذا مت ؟ قال: ولدى وأهلي. قالت: فما لنا لا نرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن النبي لا يورث " ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق. وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمد بن المثنى، عن أبى الوليد الطيالسي، عن محمد ابن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، فذكره فوصل الحديث وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.

[ 574 ]

فأما الحديث الذى قال الامام أحمد: حدثنا عبدالله بن محمد بن أبى شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبى الطفيل، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبى بكر: أأنت ورثت رسول الله أم أهله ؟ فقال: لا بل أهله، فقالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذى [ يقوم (1) ] من بعده " فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت: فأنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه أبو داود عن عثمان بن أبى شيبة، عن محمد بن فضيل به. ففى لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة، ولعله روى بمعنى ما فهمه بعض الرواة، وفيهم من فيه تشيع، فليعلم ذلك. وأحسن ما فيه قولها: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الصواب والمظنون بها، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها، رضى الله عنها. وكأنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها إلى ذلك لما قدمناه، فتعتبت عليه بسبب ذلك، وهى امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفن، وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة أبى بكر الصديق رضى الله عنها. وقد روينا عن أبى بكر رضى الله عنه: أنه ترضى فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت رضى الله عنها. قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا عبدان بن عثمان العتكى بنيسابور، أنبأنا أبو جمرة، عن إسماعيل بن


(1) ليست في ا. (*)

[ 575 ]

ابن أبى خالد، عن الشعبى، قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها. فقال على: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك ؟ فقالت أتحب أن آذن له ؟ قال: نعم. فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والاهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت. ثم ترضاها حتى رضيت. وهذا إسناد جيد قوى، والظاهر أن عامر الشعبى سمعه من على، أو ممن سمعه من على. وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك: قال الحافظ البيهقى: أنبأنا محمد بن عبدالله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضى، حدثنا نصر بن على، حدثنا ابن داود، عن فضيل بن مرزوق، قال: قال زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب: أما أنا فلو كنت مكان أبى بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك. فصل وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، وتكلفوا ما لا علم لهم به، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم. وحاول بعضهم أن يرد خبر أبى بكر رضى الله عنه فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول الله تعالى: " وورث سليمان داود (1) " الآية. وحيث قال تعالى إخبارا عن زكريا أنه قال: " فهب لى من لدنك وليا، يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (2) ".


(1) سورة النمل 16 (2) سورة مريم 5، 6. (*)

[ 576 ]

واستدلالهم بهذا باطل من وجوه. أحدها أن قوله: " وورث سليمان داود " إنما يعنى بذلك في الملك والنبوة، أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا، والحكم بين بنى إسرائيل، وجعلناه نبيا كريما كأبيه، وكما جمع لابيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده. وليس المراد بهذا وراثة المال، لان داود كما ذكره كثير من المفسرين كان له أولاد كثيرون يقال مائة، فلم اقتصر على ذلك سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال ؟ إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة والملك، ولهذا قال: " وورث سليمان داود " وقال: " يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين " وما بعدها من الآيات. وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة كثيرا. وأما قصة زكريا فإنه عليه السلام من الانبياء الكرام، والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل الله ولدا ليرثه في ماله، كيف وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده كما رواه البخاري، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدا يرث عنه ماله، أن لو كان له مال، وإنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بنى إسرائيل، وحملهم على السداد. ولهذا قال تعالى: " كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا، إذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا، وإنى خفت الموالى من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لى من لدنك وليا، يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " القصة بتمامها. فقال: وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب " يعنى النبوة كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة. وقد تقدم في رواية أبى سلمة عن أبى هريرة عن أبى بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 577 ]

قال: " والنبى لا يورث " وهذا اسم جنس يعم كل الانبياء وقد حسنه الترمذي. وفى الحديث الآخر: " نحن معشر الانبياء لا نورث ". والوجه الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خص من بين الانبياء، بأحكام لا يشاركونه فيها، كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة إن شاء الله، فلو قدر أن غيره من الانبياء يورثون - وليس الامر كذلك - لكان ما رواه من ذكرنا من الصحابة الذين منهم الائمة الاربعة ; أبو بكر وعمر وعثمان وعلى مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه. والثالث: أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه كما حكم به الخلفاء، واعترف بصحته العلماء، سواء كان من خصائصه أم لا. فإنه قال: " لا نورث ما تركناه صدقة. إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون قوله عليه السلام: " ما تركناه صدقة " أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الانبياء معه على ما تقدم، وهو الظاهر. ويحتمل أن يكون إنشاء وصية كأنه يقول: لا نورث لان جميع ما تركناه صدقة، ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة. والاحتمال الاول أظهر، وهو الذى سلكه الجمهور، وقد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من حديث مالك وغيره، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة ". وهذا اللفظ مخرج في الصحيحين، وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث: ما تركنا صدقة بالنصب، جعل ما نافية، فكيف يصنع بأول

[ 578 ]

الحديث وهو قوله: لا نورث ؟ وبهذه الرواية: " ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة ". وما شأن هذا إلا كما حكى عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة: " وكلم الله موسى تكليما " بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك كيف تصنع بقوله تعالى: " فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه " ! والمقصود أنه يجب العمل بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا نورث ما تركنا صدقة " على كل تقدير احتمله اللفظ والمعنى، فإنه مخصص لعموم آية الميراث، ومخرج له عليه السلام منها، إما وحده أو مع غيره من إخوانه الانبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام.

[ 579 ]

باب ذكر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه ورضى عنهن وأولاده صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: " يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى في قلبه مرض وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا " (1). لا خلاف أنه عليه السلام توفى عن تسع وهن: عائشة بنت أبى بكر الصديق التيمية، وحفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، وأم حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب ابن أمية الاموية، وزينب بنت جحش الاسدية، وأم سلمة هند بنت أبى أمية المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وسودة بنت زمعة العامرية، وجويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيى بن أخطب النضرية الاسرائيلية الهارونية، رضى الله عنهن وأرضاهن. وكانت له سريتان وهما، مارية بنت شمعون القبطية المصرية من كورة أنصناء وهى أم ولده إبراهيم عليه السلام، وريحانة بنت شمعون القرظية، أسملت ثم أعتقها فلحقت بأهلها، ومن الناس من يزعم أنها احتجبت عندهم والله أعلم.


(1) سورة الاحزاب 32 - 34. (*)

[ 580 ]

وأما الكلام على ذلك مفصلا ومرتبا من حيث ما وقع أولا فأولا، مجموعا من كلام الائمة رحمهم الله فنقول وبالله المستعان: روى الحافظ الكبير أبو بكر البيهقى، من طريق سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة امرأة، دخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع. ثم ذكر هولاء التسع اللاتى ذكرناهن رضى الله عنهن. ورواه سيف بن عمر، عن سعيد، عن قتادة عن أنس، والاول أصح (1). ورواه سيف بن عمر التميمي عن سعيد عن قتادة عن أنس وابن عباس مثله. وروى سيف عن سعيد بن عبدالله، عن عبدالله بن أبى مليكة، عن عائشة مثله. قالت فالمرأتان اللتان لم يدخل بهما فهما ; عمرة بنت يزيد الغفارية والشنباء، فأما عمرة فإنه خلا بها وجردها فرأى بها وضحا فردها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره، وأما الشنباء فلما أدخلت عليه لم تكن يسيرة فتركها ينتظر بها اليسر، فلما مات ابنه إبراهيم على بغتة ذلك قالت: لو كان نبيا لم يمت ابنه. فطلقها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره. قالت: فاللاتي اجتمعن عنده ; عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وزينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة وجويرية وصفية وميمونة وأم شريك. قلت: وفى صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة. والمشهور أن أم شريك لم يدخل بها كما سيأتي بيانه، ولكن المراد بالاحدى عشرة اللاتى كان يطوف عليهن التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة.


(1) هامش الاصل: ورواه بحير بن كثير عن قتادة عن أنس والاول أصح. (*)

[ 581 ]

ورواه يعقوب بن سفيان الفسوى، عن الحجاج بن أبى منيع، عن جده عبيد الله ابن أبى زياد الرصافي، عن الزهري. وقد علقه البخاري في صحيحه عن الحجاج هذا. وأورد له الحافظ ابن عساكر طرفا عنه، أن أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى، زوجه إياها أبوها قبل البعثة. وفى رواية قال الزهري: وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة، وقيل خمسا وعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة. وقال الواقدي وزاد: ولها خمس وأربعون سنة. وقال آخرون من أهل العلم: كان عمره عليه السلام يومئذ ثلاثين سنة. وعن حكيم ابن حزام قال: كان عمر رسول الله يوم تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، وعمرها أربعون سنة. وعن ابن عباس كان عمرها ثمانيا وعشرين سنة. رواهما ابن عساكر. * * * وقال ابن جرير: كان عليه السلام ابن سبع وثلاثين سنة، فولدت له القاسم وبه كان يكنى والطيب والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. قلت: وهى أم أولاده كلهم سوى إبرهيم، فمن مارية كما سيأتي بيانه. ثم تكلم على كل بنت من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تزوجها. وحاصله: أن زينب تزوجها العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس بن عبد مناف وهو ابن أخت خديجة، أمه هالة بنت خويلد، فولدت له ابنا اسمه على، وبنتا اسمها أمامة بنت زينب، وقد تزوجها على بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة ومات وهى عنده،

[ 582 ]

ثم تزجت بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب. وأما رقية فتزوجها عثمان بن عفان، فولدت له ابنه عبدالله وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو، وماتت رقية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر. ولما قدم زيد ابن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها، فضرب له رسول اله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، ثم زوجه بأختها أم كلثوم، ولهذا كان يقال له ذو النورين، فتوفيت عنده أيضا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما فاطمة فتزوجها ابن عمه على بن أبى طالب بن عبدالمطلب، فدخل بها بعد وقعة بدر كما قدمنا، فولدت له حسنا وبه كان يكنى، وحسينا وهو المقتول شهيدا بأرض العراق. قلت: ويقال ومحسنا. قال: وزينب وأم كلثوم، وقد تزوج زينب هذه ابن عمها عبدالله بن جعفر فولدت له عليا وعونا وماتت عنده، وأما أم كلثوم فتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فولدت له زيدا ومات عنها، فتزوجت بعده ببنى عمها جعفر واحدا بعد واحد، تزوجت بعون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فخلف عليها أخوهما عبدالله بن جعفر فماتت عنده. قال الزهري: وقد كانت خديجة بنت خويلد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين ; الاول منهما عتيق بن عائذ بن مخزوم، فولدت منه جارية (1) وهى أم. محمد بن صيفي، والثانى أبو هالة التميمي فولدت له هند بن هند (2). وقد سماه ابن إسحاق فقال: ثم خلف عليها بعد هلاك عائذ أبو هالة النباش بن زرارة


(1) واسمها هند، كما في المواهب 3 / 220. (2) وهو هند بن أبى هالة الصحابي، راوي حديث صفة النبي صلى الله عليه وسلم. وله ولد اسمه أيضا هند، شرح المواهب 3 / 220. (*)

[ 583 ]

أحد بنى عمرو بن تميم حليف بنى عبد الدار، فولدت له رجلا وامرأة ثم هلك عنها، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له بناته الاربع ثم بعدهن القاسم والطيب والطاهر، فذهب الغلمة جميعا وهم يرضعون. قلت: ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياتها امرأة. كذلك رواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري عن عروة، عن عائشة، أنها قالت ذلك. وقد قدمنا تزويجها في موضعه وذكرنا شيئا من فضائلها بدلائلها (1). * * * قال الزهري: ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بعائشة بنت أبى بكر عبدالله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ولم يتزوج بكرا غيرها. قلت: ولم يولد له منها ولد، وقيل: بل أسقطت منه ولدا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله، ولهذا كانت تكنى بأم عبدالله. وقيل إنما كانت تكنى بعبدالله ابن اختها أسماء من الزبير بن العوام رضى الله عنهم. قلت: وقد قيل إنه تزوج سودة قبل عائشة، قاله ابن إسحاق وغيره، كما قدمنا ذكر الخلاف في ذلك. فالله أعلم. وقد قدمنا صفة تزويجه عليه السلام بهما قبل الهجرة وتأخر دخوله بعائشة إلى ما بعد الهجرة (2). قال: وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة ابن قيس بن عدى بن حذافة بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى، مات عنها مؤمنا.


(1) تقدم ذكر تزويجها بالرسول في الجزء الاول ص 263 وذكر فضائلها في الجزء الثاني ص 132 (2) سبق ذلك في الجزء الثاني ص 139 (*)

[ 584 ]

قال: وتزوج أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وكانت قبله تحت ابن عمها أبى سلمة عبدالله بن عبد الاسد بن هلال بن عبدالله بن عمر ابن مخزوم. قال: وتزوج سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤى، وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخى سهيل بن عمرو ابن عبد شمس، مات عنها مسلما بعد رجوعه وإياها من أرض الحبشة إلى مكة رضى الله عنهما. قال: وتزوج أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، وكانت قبله تحت عبيد الله (1) بن جحش بن رئاب من بنى أسد ابن خزيمة، مات بأرض الحبشة نصرانيا، بعث إليها رسول الله يعنى عمرو بن أمية الضمرى إلى أرض الحبشة، فخطبها عليه فزوجها منه عثمان بن عفان. كذا قال والصواب عثمان بن أبى العاص وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة. وقد قدمنا ذلك كله مطولا ولله الحمد. قال: وتزوج [ زينب ] بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة، وأمها أميمة بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قبله تحت زيد بن حارثة مولاه عليه الصلاة والسلام، وهى أول نسائه لحوقا به، وأول من عمل عليها النعش، صنعته أسماء بنت عميس عليها، كما رأت ذلك بأرض الحبشة. قال: وتزوج زينب بنت خزيمة، وهى من بنى عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، ويقال لها أم المساكين، وكانت قبله تحت عبدالله بن جحش بن رئاب قتل يوم أحد، فلم تلبث عنده عليه السلام إلا يسيرا حتى توفيت رضى الله عنها.


(1) الاصل: عبدالله. وما أثبته عن ابن هشام والمواهب. (*)

[ 585 ]

وقال يونس عن محمد بن إسحاق: كانت قبله عند الحصين بن الحارث بن عبدالمطلب ابن عبد مناف، أو عند أخيه الطفيل بن الحارث. قال الزهري: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن ابن بجير بن الهزم بن رؤبة بن عبدالله بن هلال بن عامر بن صعصعة. قال: وهى التى وهبت نفسها. قلت: الصحيح أنه خطبها، وكان السفير بينهما أبو رافع مولاه كما بسطنا ذلك في عمرة القضاء. قال الزهري: وقد تزوجت قبله رجلين أولهما ابن عبد ياليل. وقال سيف بن عمر في روايته: كانت تحت عمير بن عمرو أحد بنى عقدة بن ثقيف ابن عمرو الثقفى مات عنها، ثم خلف عليها أبورهم بن عبدالعزى بن أبى قيس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى. قال: وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن الحارث بن عامر بن مالك بن المصطلق من خزاعة يوم المريسيع، فأعتقها وتزوجها. ويقال بل قدم أبوها الحارث، وكان ملك خزاعة، فأسلم ثم تزوجها منه، وكانت قبله عند ابن عمها صفوان بن أبى الشفر. قال قتادة: عن سعيد بن المسيب والشعبى ومحمد بن إسحاق وغيرهم قالوا: وكان هذا البطن من خزاعة حلفاء لابي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا يقول حسان: وحلف الحارث بن أبى ضرار * وحلف قريظة فيكم سواء وقال سيف بن عمر في روايته عن سعيد بن عبدالله عن ابن أبى مليكة، عن عائشة قالت: وكانت جويرية تحت ابن عمها مالك بن صفوان بن تولب ذى الشفر بن

[ 586 ]

أبى السرح ابن مالك بن المصطلق. قال: وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بنى النضير يوم خيبر وهى عروس بكنانة بن أبى الحقيق. وقد زعم سيف بن عمر في روايته أنها كانت قبل كنانة عند سلام بن مشكم فالله أعلم. فقال: فهذه إحدى عشرة امرأة دخل بهن. قال: وقد قسم عمر بن الخطاب في خلافته لكل امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عشر ألفا، وأعطى جويرية وصفية ستة آلاف ستة آلاف، بسبب أنهما سبيتا. قال الزهري: وقد حجبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم لهما. قلت: وقد بسطنا الكلام فيما تقدم في تزويجه عليه السلام كل واحدة من هذه النسوة رضى الله عنهن في موضعه. * * * قال الزهري: وقد تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو، من بنى بكر بن كلاب، ودخل بها وطلقها. قال البيهقى: كذا في كتابي، وفى رواية غيره: ولم يدخل بها فطلقها. وقد قال محمد بن سعد عن هشام بن محمد السائب الكلبى: حدثنى رجل من بنى أبى بكر بن كلاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو ابن عوف بن كعب بن عبد بن أبى بكر بن كلاب، فمكثت عنده دهرا ثم طلقها. وقد روى يعقوب بن سفيان، عن حجاج بن أبى منيع، عن جده، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن الضحاك بن سفيان الكلابي هو الذى دل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وأنا أسمع من وراء الحجاب، قال يا رسول الله هل لك في أخت أم شبيب ؟

[ 587 ]

وأم شبيب امرأة الضحاك. وبه قال الزهري: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى عمرو بن كلاب فأنبئ أن بها بياضا فطلقها ولم يدخل بها. قلت: الظاهر أن هذه هي التى قبلها والله أعلم. قال: وتزوج أخت بنى الجون الكندى وهم حلفاء بنى فزارة فاستعاذت منه فقال: " لقد عذت بعظيم، الحقى بأهلك " فطلقها ولم يدخل بها. قال: وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرية يقال لها مارية، فولدت له غلاما اسمه ابراهيم، فتوفى وقد ملاء المهد، وكانت له وليدة يقال لها ريحانة بنت شمعون من أهل الكتاب من خنافة، وهم بطن من بنى قريظة، أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنها قد احتجبت. وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن على بن مجاهد أن رسول الله تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة التغلبي، وأمها خرنق بنت خليفة أخت دحية بن خليفة، فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق، فتزوج خالتها شراف بنت فضالة بن خليفة فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق أيضا. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أسماء بنت كعب الجونية فلم يدخل بها حتى طلقها وتزوج عمرة بنت زيد إحدى نساء بنى كلاب ثم من بنى الوحيد، وكانت قبله عند الفضل بن عباس بن عبدالمطلب، فطلقها ولم يدخل بها. وقال البيهقى: فهاتان هما اللتان ذكرهما الزهري ولم يسمهما، إلا أن ابن إسحاق لم يذكر العالية. وقال البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس

[ 588 ]

ابن بكير، عن زكريا بن أبى زائدة، عن الشعبى، قال: وهبن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نساء أنفسهن فدخل ببعضهن وأرجى بعضهن، فلم يقربهن حتى توفى، ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك فذلك قوله تعالى: " ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء، ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ". قال البيهقى: وقد روينا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت خولة - يعنى بنت حكيم - ممن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال البيهقى: وروينا في حديث أبى رشيد الساعدي في قصة الجونية التى استعاذت فألحقها بأهلها أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل. كذا قال. وقد قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبدالله الزبيري ; حدثنا عبدالرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبى أسيد، عن أبيه وعباس بن سهل عن أبيه، قالا: مر بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب له فخرجنا معه حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجلسوا " ودخل هو وقد أتى بالجونية فعزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها داية لها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هبى لى نفسك. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ! وقالت: إنى أعوذ بالله منك. قال: لقد عذت بمعاذ. ثم خرج علينا فقال: " يا أبا أسيد اكسها دراعتين وألحقها بأهلها ". وقال غير أبى أحمد: امرأة من بنى الجون يقال لها أمينة. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبدالرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبى أسيد، عن أبى أسيد، قال: خرجنا مع رسول الله حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط، حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال: " اجلسوا هاهنا " فدخل وقد أتى بالجونية فأنزلت في محل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها

[ 589 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هبى لى نفسك ". قالت: وهل تهب الملكة نفسها لسوقة ؟ ! قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك. قال: " لقد عذت بمعاذ ". ثم خرج علينا فقال: " يا أبا أسيد اكسها رازقيين (1) وألحقها بأهلها ". قال البخاري: وقال الحسين بن الوليد، عن عبدالرحمن بن الغسيل، عن عباس ابن سهل بن سعد، عن أبيه وأبى أسيد، قالا: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك. فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين. ثم قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا إبراهيم بن الوزير، حدثنا عبد الرحمن بن حمزة، عن أبيه وعن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه بهذا. انفرد البخاري بهذه الروايات من بين أصحاب الكتب. وقال البخاري: حدثنا الحميدى، حدثنا الوليد، حدثنا الاوزاعي، سألت الزهري: أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استعاذت منه ؟ فقال: أخبرني عروة عن عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله قالت: أعوذ بالله منك، فقال: " لقد عذت بعظيم، الحقى بأهلك ". قال: ورواه حجاج بن أبى منيع، عن جده عن الزهري أن عروة أخبره أن عائشة قالت. الحديث. انفرد به دون مسلم. قال البيهقى: ورأيت في كتاب المعرفة لابن منده أن اسم التى استعاذت منه أميمة بنت النعمان بن شراحيل. ويقال فاطمة بنت الضحاك، والصحيح أنها أميمة والله أعلم.


(1) الرازقية: ثياب كتان بيض. (*)

[ 590 ]

وزعموا أن الكلابية اسمها عمرة، وهى التى وصفها أبوها بأنها لم تمرض قط، فرغب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى محمد بن سعد عن محمد بن عبدالله عن الزهري، قال: هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان استعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول: أنا الشقية. قال: وتزوجها في ذى القعدة سنة ثمان، وماتت سنة ستين. * * * وذكر يونس عن ابن إسحاق فيمن تزوجها عليه السلام ولم يدخل بها أسماء بنت كعب الجونية (1) وعمرة بنت يزيد الكلابية. وقال ابن عباس وقتادة: أسماء بنت النعمان ابن أبى الجون. فالله أعلم. قال ابن عباس: لما استعاذت منه خرج من عندها مغضبا، فقال له الاشعث: لا يسؤك ذلك يا رسول الله فعندي أجمل منها، فزوجه أخته قتيلة. وقال غيره: كان ذلك في ربيع سنة تسع. وقال سعيد بن أبى عروبة عن قتادة: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة، فذكر منهن أم شريك الانصارية النجارية. قال: وقد قال رسول الله صلى الله وسلم: " إنى لاحب أن أتزوج من الانصار ولكني أكره غيرتهن " ولم يدخل بها. قال: وتزوج أسماء بنت الصلت من بنى حرام ثم من بنى سليم ولم يدخل بها، وخطب حمزة بنت الحارث المزنية. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوج رسول الله ثمانى عشرة امرأة، فذكر منهن قتيلة بنت قيس أخت الاشعث بن قيس،


(1) ابن هشام: أسماء بنت النعمان بن الجون الكندية. (*)

[ 591 ]

فزعم بعضهم أنه تزوجها قبل وفاته بشهرين، وزعم آخرون أنه تزوجها في مرضه. قال ولم تكن قدمت عليه ولا رآها ولم يدخل بها. قال: وزعم آخرون أنه عليه السلام أوصى أن تخير قتيلة فإن شاءت يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين، وإن شاءت فلتنكح من شاءت، فاختارت النكاح فتزوجها عكرمة بن أبى جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر. فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما. فقال عمر بن الخطاب: ماهى من أمهات المؤمنين. ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب. قال أبو عبيدة: وزعم بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص فيها بشئ، وأنها ارتدت بعده، فاحتج عمر على أبى بكر بارتدادها أنها ليست من أمهات المؤمنين. وذكر ابن منده أن التى ارتدت هي البرصاء من بنى عوف بن سعد بن ذبيان. وقد روى الحافظ ابن عساكر من طرق، عن داود بن أبى هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله تزوج قتيلة أخت الاشعث بن قيس، فمات قبل أن يخيرها فبرأها الله منه. وروى حماد بن سلمة عن داود بن أبى هند، عن الشعبى، أن عكرمة بن أبى جهل لما تزوج قتيلة أراد أبو بكر أن يضرب عنقه، فراجعه عمر بن الخطاب فقال: إن رسول الله صلى الله عليه لم يدخل بها وأنها ارتدت مع أخيها، فبرئت من الله ورسوله. فلم يزل به حتى كف عنه. قال الحاكم: وزاد أبو عبيدة في العدد فاطمة بنت شريح، وسبأ بنت أسماء بن الصلت السلمية. هكذا روى ذلك ابن عساكر من طريق ابن منده بسنده عن قتادة فذكره. وقال محمد بن سعد عن ابن الكلبى مثل ذلك. قال ابن سعد: وهى سبأ.

[ 592 ]

قال ابن عساكر: ويقال: سبأ بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام ابن سماك بن عوف السلمى. قال ابن سعد: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى حدثنى العرزمى، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سبأ بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبى بكر بن كلاب. وقال ابن عمر: إن رسول الله بعث أبا أسيد يخطب عليه امرأة من بنى عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن كلاب، فتزوجها فبلغه أن بها بياضا فطلقها. وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثنى أبو معشر قال: تزوج رسول الله مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت: ألا تستحين أن تنكحي قاتل أبيك ؟ فاستعاذت منه فطلقها. فجاء قومها فقالوا يا رسول الله إنها صغيرة ولا رأى لها، وإنها خدعت فارتجعها، فأبى. فاستأذنوه أن يزوجوها بقريب لها من بنى عذرة فأذن لهم. قال: وكان أبوها قد قتله خالد بن الوليد يوم الفتح. قال الواقدي: وحدثني عبد العزيز الجندعى، عن أبيه، عن عطاء بن يزيد قال: دخل بها رسول الله في رمضان سنة ثمان، وماتت عنده. قال الواقدي: وأصحابنا ينكرون ذلك. * * * وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أنبأنا. أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد الماهانى، أنبأنا شجاع بن على بن شجاع، أنبأنا أبو عبد الله بن منده، أنبأنا الحسن بن محمد بن حكيم المروزى، حدثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه الفزارى، أنبأنا عبد الله بن عثمان، أنبأنا عبدالله بن المبارك، أنبأنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري،

[ 593 ]

قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة، وكانت قبله تحت عتيق بن عائذ المخزومى، ثم تزوج بمكة عائشة بنت أبى بكر، ثم تزوج بالمدينة حفصة بنت عمر، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمى، ثم تزوج سودة بنت زمعة وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخى بنى عامر بن لؤى، ثم تزوج أم حبيبة بنت أبى سفيان وكانت قبله تحت عبيدالله بن جحش الاسدي أحد بنى خزيمة، ثم تزوج أم سلمة بنت أبى أمية وكان اسمها هند وكانت قبله تحت أبى سلمة عبدالله بن عبد الاسد ابن عبدالعزى، ثم تزوج زينب بنت خزيمة الهلالية، وتزوج العالية بنت ظبيان من بنى بكر بن عمرو بن كلاب، وتزوج امرأة من بنى الجون من كندة، وسبى جويرية - في الغزوة التى هدم فيها مناة غزوة المريسيع - ابنة الحارث بن أبى ضرار من بنى المصطلق من خزاعة، وسبى صفية بنت حيى بن أخطب من بنى النضير، وكانتا مما أفاء الله عليه فقسمهما له، واستسر مارية القبطية فولدت له إبراهيم، واستسر ريحانة من بنى قريظة ثم أعتقها فلحقت بأهلها واحتجبت وهى عند أهلها. وطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان، وفارق أخت بنى عمرو بن كلاب وفارق أخت بنى الجون الكندية من أجل بياض كان بها، وتوفيت زينب بنت خزيمة الهلالية ورسول الله صلى الله عليه وسلم حى، وبلغنا أن العالية بنت ظبيان التى طلقت تزوجت قبل أن يحرم الله النساء، فنكحت ابن عم لها من قومها وولدت فيهم. سقناه بالسند لغرابة ما فيه من ذكره تزويج سودة بالمدينة، والصحيح أنه كان بمكة قبل الهجرة، كما قدمناه والله أعلم. قال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق قال: فماتت خديجة بنت خويلد قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين لم يتزوج عليها امرأة حتى ماتت هي وأبو طالب في سنة، فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة سودة بنت

[ 594 ]

زمعة، ثم تزوج بعد سودة عائشة بنت أبى بكر لم يتزوج بكرا غيرها ولم يصب منها ولدا حتى مات، ثم تزوج بعد عائشة حفصة بنت عمر، ثم تزوج بعد حفصة زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، ثم تزوج بعدها أم حبيبة بنت أبى سفيان، ثم تزوج بعدها أم سلمة هند بنت أبى أمية، ثم تزوج بعدها زينب بنت جحش، ثم تزوج بعدها جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار. قال: ثم تزوج بعد جويرية صفية بنت حيى بن أخطب، ثم تزوج بعدها ميمونة بنت الحارث الهلالية. فهذا الترتيب أحسن وأقرب مما رتبه الزهري. والله أعلم. وقال يونس بن بكير عن أبى يحيى، عن حميل بن زيد الطائى، عن سهل بن زيد الانصاري، قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار، فدخل بها فأمرها فنزعت ثوبها، فرأى بها بياضا من برص عند ثدييها، فانماز رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " خذى ثوبك " وأصبح فقال لها: " الحقى بأهلك " فأكمل لها صداقها. [ (1) وقد رواه أبو نعيم من حديث حميل بن زيد، عن سهل بن زيد الانصاري، وكان ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من غفار فذكر مثله. قلت: وممن تزوجها صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها أم شريك الازدية. قال الواقدي: والمثبت أنها دوسية وقيل الانصارية، ويقال عامرية وأنها خولة بنت حكيم السلمى. وقال الواقدي: اسمها غزية بنت جابر بن حكيم. قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم، عن محمد بن على بن الحسين، عن


(1) من هنا إلى نهاية الفصل من ت. (*)

[ 595 ]

أبيه، قال: كان جميع ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشر امرأة، منهن أم شريك الانصارية، وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، وتزوج أم شريك الانصارية من بنى النجار. وقال: " إنى أحب أن أتزوج من الانصار لكنى أكره غيرتهن " ولم يدخل بها. وقال ابن إسحاق عن حكيم، عن محمد بن على، عن أبيه، قال: تزوج صلى الله عليه وسلم ليلى بنت الخطيم الانصارية وكانت غيورا فخافت نفسها عليه فاستقالته فأقالها.

[ 596 ]

فصل فيمن خطبها عليه السلام ولم يعقد عليها قال إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن أم هائئ فاختة بنت أبى طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها فذكرت أن لها صبية صغارا، فتركها وقال: " خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش، أحناه على ولد طفل في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده ". [ وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم هانئ بنت أبى طالب فقالت: يا رسول الله إنى قد كبرت ولى عيال. وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبدالله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدى، عن أبى صالح، عن أم هانئ بنت أبى طالب، قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله " إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك " الآية. قالت: فلم أكن أحل له لانى لم أهاجر، كنت من الطلقاء. ثم قال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث السدى. فهذا يقتضى أن من لم تكن من المهاجرات لا تحل له صلى الله عليه وسلم. وقد نقل هذا المذهب مطلقا القاضى الماوردى في تفسيره عن بعض العلماء. وقيل: المراد بقوله " اللاتى هاجرن معك " أي من القرابات المذكورات. وقال قتادة: " اللاتى هاجرن معك " أي أسلمن معك، فعلى هذا لا يحرم عليه

[ 597 ]

إلا الكفار، وحل له جميع المسلمات، فلا ينافى تزويجه من نساء الانصار إن ثبت ذلك ولكن لم يدخل بواحدة منهن أصلا. وأما حكاية الماوردى عن الشعبى، أن زينب بنت خزيمة أم المساكين أنصارية، فليس بجيد. فإنها هلالية بلا خلاف كما تقدم بيانه والله أعلم ] (1). وروى محمد بن سعد، عن هشام بن الكلبى، عن أبيه، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى رسول الله وهو مول ظهره إلى الشمس، فضربت منكبه فقال: " من هذا ؟ أكله الاسود ! " فقالت: أنا بنت مطعم الطير، ومبارى الريح، أنا ليلى بنت الخطيم، جئتك لاعرض عليك نفسي تزوجني ؟ قال: " قد فعلت " فرجعت إلى قومها فقالت: قد تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: بئس ما صنعت، أنت امرأة غيرى ورسول الله صاحب نساء تغارين عليه، فيدعو الله عليك، فاستقيليه. فرجعت فقالت: أقلنى يا رسول الله. فأقالها، فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر فولدت له، فبينما هي يوما تغتسل في بعض حيطان المدينة إذ وثب عليها ذئب أسود فأكل بعضها، فماتت. وبه عن ابن عباس أن ضباعة بنت عامر بن قرط كانت تحت عبدالله بن جدعان فطلقها، فتزوجها بعده هشام بن المغيرة فولدت له سلمة، وكانت امرأة ضخمة جميلة لها شعر غزير يجلل جسهما، فخطبها رسول الله من ابنها سلمة، فقال: حتى أستأمرها ؟ فاستأذنها فقالت: يا بنى أفى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذن ؟ فرجع ابنها فسكت ولم يرد جوابا، وكأنه رأى أنها قد طعنت في السن، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عنها. وبه عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت بشامة بن


(1) سقط من ا. (*)

[ 598 ]

نضلة العنبري: وكان أصابها سبى، فخيرها رسول الله فقال: " إن شئت أنا وإن شئت زوجك " فقالت: بل زوجي. فأرسلها، فلعنتها بنو تميم. وقال محمد بن سعد: أنبأنا الواقدي، حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمى، عن أبيه، قال: كانت أم شريك امرأة من بنى عامر بن لؤى قد وهبت نفسها من رسول الله، فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت. قال محمد بن سعد: وأنبأنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن الحكم، عن على ابن الحسين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم شريك الدوسية. قال الواقدي: الثبت عندنا أنها من دوس من الازد. قال محمد بن سعد: واسمها غزية بنت جابر بن حكيم. وقال الليث بن سعد: عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال متحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة. وممن خطبها ولم يعقد عليها حمرة (1) بنت الحارث بن عون بن أبى حارثة المرى فقال أبوها: إن بها - سوءا ولم يكن بها - فرجع إليها وقد تبرصت، وهى أم شبيب بن البرصاء الشاعر. هكذا ذكره سعيد بن أبى عروبة عن قتادة. قال: وخطب حبيبة بنت العباس بن عبدالمطلب فوجد أباها أخاه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبى لهب. فهؤلاء نساؤه وهن ثلاثة أصناف ; صنف دخل بهن ومات عنهن، وهن التسع المبتدأ بذكرهن. وهن حرام على الناس بعد موته عليه السلام بالاجماع المحقق المعلوم من الدين


(1) كذا، وفى القاموس: والبرصاء لقب أم شبيب الشاعر، واسمها أمامة أو قرصافة. (*)

[ 599 ]

ضرورة، وعدتهن بانقضاء أعمارهن. قال الله تعالى: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (1) ". وصنف دخل بهن وطلقهن في حياته، فهل يحل لاحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه عليه السلام ؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما: لا لعموم الآية التى ذكرناها. والثانى: نعم بدليل آية التخيير وهى قوله: " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ". قالوا: فلولا أنها تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها بين الدنيا والآخرة فائدة، إذ لو كان فراقه لها لا يبيحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها. وهذا قوى والله تعالى أعلم. وأما الصنف الثالث وهى من تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بها، فهذه يحل لغيره أن يتزوجها، ولا أعلم في هذا القسم نزاعا. وأما من خطبها ولم يعقد عقده عليها فأولى لها أن تتزوج وأولى. وسيجئ فصل في كتاب الخصائص يتعلق بهذا المقام والله أعلم.


(1) سورة الاحزاب 53. (*)

[ 600 ]

فصل في ذكر سراريه عليه السلام كانت له عليه السلام سريتان ; إحداهما مارية بنت شمعون القبطية، أهداها له صاحب إسكندرية واسمه جريج بن مينا، وأهدى معها أختها شيرين. وذكر أبو نعيم أنه أهداها في أربع جوار والله أعلم. وغلاما خصيا اسمه مابور، وبغلة يقال لها الدلدل، فقبل هديته واختار لنفسه مارية، وكانت من قرية ببلاد مصر يقال لها حفن من كورة أنصنا، وقد وضع عن أهل هذه البلدة معاوية بن أبى سفيان في أيام إمارته الخراج إكراما لها من أجل أنها حملت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بولد ذكر وهو إبراهيم عليه السلام. قالوا: وكانت مارية جميلة بيضاء، أعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبها وحظيت عنده، ولا سيما بعد ما وضعت إبراهيم ولده. وأما أختها شيرين فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبدالرحمن بن حسان. وأما الغلام الخصى وهو مابور، فقد كان يدخل على مارية وشيرين بلا إذن، كما جرت به عادته بمصر، فتكلم بعض الناس فيها بسبب ذلك ولم يشعروا أنه خصى حتى انكشف الحال، على ما سنبينه قريبا إن شاء الله. وأما البغلة فكان عليه السلام يركبها، والظاهر والله أعلم أنها التى كان راكبها يوم حنين. وقد تأخرت هذه البغلة وطالت مدتها حتى كانت عند على بن أبى طالب في أيام إمارته، ومات فصارت إلى عبدالله بن جعفر بن أبى طالب، وكبرت حتى كان يجش (1) لها الشعير لتأكله.


(1) يجش: يطحن. (*)

[ 601 ]

قال أبو بكر بن خزيمة: حدثنا محمد بن زياد بن عبيد الله، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بريدة بن الحصيب، عن أبيه، قال: أهدى أمير القبط إلى رسول الله جاريتين أختين وبغلة فكان يركب البغلة بالمدينة، واتخذ إحدى الجاريتين فولدت له إبراهيم ابنه، ووهب الاخرى. وقال الواقدي: حدثنا يعقوب بن محمد بن أبى صعصعة، عن عبدالله بن عبدالرحمن ابن أبى صعصعة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب بمارية القبطية وكانت بيضاء جعدة (1) جميلة، فأنزلها وأختها على أم سليم بنت ملحان، فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمتا هناك، فوطئ مارية بالملك، وحولها إلى مال له بالعالية كان من أموال بنى النضير، فكانت فيه في الصيف، وفى خرافة النخل (2). فكان يأتيها هناك، وكانت حسنة الدين، ووهب أختها شيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبدالرحمن. وولدت مارية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما سماه إبراهيم، وعق عنه بشاة يوم سابعه، وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الارض، وسماه إبراهيم، وكانت قابلتها سلمى (3) مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إلى زوجها أبى رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاما، فجاء أبو رافع إلى رسول الله فبشره فوهب له عقدا، وغار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهن حين رزق منها الولد. وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني، عن أبى عبيد القاسم بن إسماعيل، عن زياد ابن أيوب، عن سعيد بن زكريا المدائني، عن ابن أبى سارة، عن عكرمة، عن


(1) الجعدة: ذات الشعر غير السبط. (2) الخرافة، النخل المجتنى. (3) في القاموس: وأم سلمى امرأة أبى رافع. (*)

[ 602 ]

ابن عباس، قال: لما ولدت مارية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتقها ولدها ". ثم قال الدارقطني: تفرد به زياد بن أيوب وهو ثقة. وقد رواه ابن ماجه من حديث حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله ورويناه من وجه آخر. وقد أفردنا لهذه المسألة وهى بيع أمهات الاولاد مصنفا مفردا على حدته، وحكينا فيه أقوال العلماء بما حاصله يرجع إلى ثمانية أقوال، وذكرنا مستند كل قول ولله الحمد والمنة. * * * وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن على بن أبى طالب، عن أبيه، عن جده على بن أبى طالب، قال: أكثروا على مارية أم إبراهيم في قبطى ابن عم لها يزورها ويختلف إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذ هذا السيف فانطلق فإن وجدته عندها فاقتله " قال: قلت يارسول الله، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة لا يثنينى شئ حتى أمضى لما أمرتنى به، أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل الشاهد يرى مالا يرى الغائب ". فأقبلت متوشحا السيف فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما رأني عرف أنى أريده، فأتى نخلة فرقى فيها ثم رمى بنفسه على قفاه، ثم شال رجليه، فإذا به أجب أمسح ماله مما للرجال لا قليل ولا كثير، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: " الحمد لله الذى صرف عنا أهل البيت ". وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، حدثنى محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، عن على قال: قلت يا رسول الله إذا بعثتني أكون كالسكة المحماة ؟

[ 603 ]

أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب ؟ قال: " الشاهد يرى مالا يرى الغائب ". هكذا رواه مختصرا. وهو أصل الحديث الذى أوردناه وإسناده رجال ثقات . [ وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحرانى، حدثنا أبى، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب وعقيل، عن الزهري، عن أنس، قال: لما ولدت مارية إبراهيم كاد أن يقع في النبي صلى الله عليه وسلم منه شئ حتى نزل جبريل عليه السلام فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم. وقال أبو نعيم: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا أبو بكر بن أبى عاصم، حدثنا محمد ابن يحيى الباهلى، حدثنا يعقوب بن محمد، عن رجل سماه عن الليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة عن عائشة، قالت: أهدى ملك من بطارقة الروم يقال له المقوقس جارية قبطية من بنات الملوك يقال لها مارية وأهدى معها ابن عم لها شابا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ذات يوم يدخل خلوته فأصابها حملت بإبراهيم. قالت عائشة: فلما استبان حملها جزعت من ذلك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لها لبن فاشترى لها ضأنة لبونا تغذى منها الصبى، فصلح إليه جسمه وحسن لونه، وصفا لونه، فجاءته ذات يوم تحمله على عاتقها فقال: " يا عائشة كيف ترين الشبه ؟ فقلت: أنا وغيري ما أرى شبها، فقال: " ولا اللحم ؟ " فقلت: لعمري من تغدى بألبان الضأن ليحسنن لحمه (1) ]. قال الواقدي: ماتت مارية في المحرم سنة خمس عشرة فصلى عليها عمر ودفنها في البقيع، وكذا قال المفضل بن غسان الغلابى (2). وقال خليفة وأبو عبيدة ويعقوب بن سفيان: ماتت سنة ست عشرة رحمها الله. * * *


(1) سقط من ا. (2) نسب إلى امرأة وهى أم خالد بن الحارث بن أوس بن النابغة. اللباب 2 / 184 (*)

[ 604 ]

ومنهن ريحانة بنت زيد من بنى النضير ويقال من بنى قريظة. قال الواقدي: كانت ريحانة بنت زيد من بنى النضير ويقال من بنى قريظة. قال الواقدي: كانت ريحانة بنت زيد من بنى النضير وكانت مزوجة فيهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذها لنفسه صفيا، وكانت جميلة فعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسلم فأبت إلا اليهودية. فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه، فأرسل إلى ابن سعية فذكر له ذلك فقال ابن سعية: فداك أبى وأمى هي تسلم، فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها: لا تتبعي قومك فقد رأيت ما أدخل عليهم حيى بن أخطب، فأسلمي يصطفيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال: " إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة " فجاء يقول: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة. فسر بذلك. [ وقال محمد بن إسحاق (1): لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة، فكانت عنده حتى توفى عنها وهى في ملكه، وكان عرض عليها الاسلام ويتزوجها فأبت إلا اليهودية. ثم ذكر من إسلامها ما تقدم ]. قال الواقدي: فحدثني عبدالملك بن سليمان، عن أيوب بن عبدالرحمن بن أبى صعصعة، عن أيوب بن بشير المعاوى، قال: فأرسل بها رسول الله إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله، فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها: " إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت، وأن أحببت أن تكوني في ملكى أطأك بالملك فعلت " فقالت: يا رسول الله إن أخف عليك وعلى أن أكون في ملكك، فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطأها حتى ماتت.


(1) سقط من ا ولم يرد في ابن هشام، إذ أن هذه الرواية من طريق يونس بن بكير. (*)

[ 605 ]

قال الواقدي: وحدثني ابن أبى ذئب قال: سألت الزهري عن ريحانة فقال: كانت أمة رسول الله فأعتقها وتزوجها، فكانت تحتجب في أهلها وتقول: لا يرانى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الواقدي: وهذا أثبت الحديثين عندنا، وكان زوجها قبله عليه السلام الحكم. وقال الواقدي: حدثنا عاصم بن عبدالله بن الحكم، عن عمر بن الحكم، قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة، وكانت عند زوج لها، وكان محبا لها مكرما، فقالت: لا أستخلف بعده أحدا أبدا، وكانت ذات جمال. فلما سبيت بنو قريظة عرض السبى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فكنت فيمن عرض عليه فأمر بى فعزلت، وكان يكون له صفى في كل غنيمة، فلما عزلت خار الله لى، فأرسل بى إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الاسرى وفرق السبى، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجنبت منه حياء، فدعاني فأجلسني بين يديه فقال: إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله لنفسه. فقلت: إنى أختار الله ورسوله. فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني، وأصدقني اثنتى عشرة أوقية ونشا كما كان يصدق نساءه، وأعرس بى في بيت أم المنذر، وكان يقسم لى كما يقسم لنسائه، وضرب على الحجاب. قال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجبا بها، وكانت لا تسأله شيئا إلا أعطاها، فقيل لها: لو كنت سألت رسول الله صل الله عليه وسلم بنى قريظة لاعتقهم، فكانت تقول: لم يخل بى حتى فرق السبى، ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها، فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع. فدفنها بالبقيع. وكان تزويجه إياها في المحرم سنه ست من الهجرة. وقال ابن وهب عن يونس بن يزيد، عن الزهري قال: واستسر رسول الله ريحانة

[ 606 ]

من بنى قريظة ثم أعتقها فلحقت بأهلها. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانت ريحانة بنت زيد بن شمعون من بنى النضير. وقال بعضهم: من بنى قريظة وكانت تكون في نخل من نخل الصدقة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عندها أحيانا. وكان سباها في شوال سنة أربع. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا زهير، عن سعيد، عن قتادة، قال: كانت لرسول الله وليدتان، مارية القبطية وريحة أو ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة، من بنى عمرو بن قريظة، كانت عند ابن عم لها يقال له عبد الحكم فيما بلغني، وماتت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولائد ; مارية القبطية، وريحانة القرظية، وكانت له جارية أخرى جميلة فكادها نساؤه وخفن أن تغلبهن عليه، وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب، وكان هجرها في شأن صفية بنت حيى ذا الحجة والمحرم وصفر، فلما كان شهر ربيع الاول الذى قبض فيه رضى عن زينب ودخل عليها، فقالت: ما أدرى ما أجزيك ؟ فوهبتها له صلى الله عليه وسلم. وقد روى سيف بن عمر، عن سعيد بن عبدالله، عن ابن أبى مليكة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم لمارية وريحانة مرة، ويتركهما مرة. وقال أبو نعيم: قال أبو محمد بن عمر الواقدي: توفيت ريحانة سنة عشرة وصلى عليها عمر بن الخطاب ودفنها بالبقيع ولله الحمد.

[ 607 ]

فصل في ذكر أولاده عليه وعليهم الصلاة والسلام لا خلاف أن جميع أولاده من خديجة بنت خويلد، سوى إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية. قال محمد بن سعد: أنبأنا هشام بن الكلبى، أخبرني أبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، ثم زينب، ثم عبدالله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم، وهو أول ميت من ولده بمكة، ثم مات عبدالله فقال العاص بن وائل السهمى: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله عزوجل: " إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الابتر ". قال: ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذى الحجة سنة ثمان من الهجرة، فمات ابن ثمانية عشر شهرا وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريرى: حدثنا عبد الباقي بن نافع، حدثنا محمد ابن زكريا، حدثنا العباس بن بكار، حدثنى محمد بن زياد والفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله ابن محمد، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينا رسول الله يكلم رجلا والعاص بن وائل ينظر إذ قال له رجل: من هذا ؟ قال له هذا الابتر. وكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا إليه الابتر، فأنزل الله: " إن شانئك هو الابتر " أي مبغضك هو الابتر من كل خير. قال: ثم ولدت له زينب، ثم ولدت له رقية، ثم ولدت له القاسم، ثم ولدت الطاهر، ثم ولدت المطهر، ثم ولدت الطيب، ثم ولدت المطيب، ثم ولدت أم كلثوم، ثم ولدت فاطمة. وكانت أصغرهم.

[ 608 ]

وكانت خديجة إذ ولدت ولدا دفعته إلى من يرضعه، فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غيرها. * * * وقال الهيثم بن عدى: حدثنا هشام بن عروة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كان للنبى صلى الله عليه وسلم ابنان ; طاهر والطيب، وكان يسمى أحدهما عبد شمس، والآخر عبدالعزى. وهذا فيه نكارة. والله أعلم. وقال محمد بن عائذ: أخبرني الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أن خديجة ولدت القاسم والطيب والطاهر ومطهرا وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم. وقال الزبير بن بكار: أخبرني عمى مصعب بن عبدالله قال: ولدت خديجة القاسم والطاهر وكان يقال له الطيب، وولد الطاهر بعد النبوة، ومات صغيرا واسمه عبدالله، وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم. قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبى الاسود، أن خديجة ولدت القاسم والطاهر والطيب وعبد الله وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم. وحدثني محمد بن فضالة عن بعض من أدرك من المشيخة قال: ولدت خديجة القاسم وعبد الله، فأما القاسم فعاش حتى مشى، وأما عبدالله فمات وهو صغير. وقال الزبير بن بكار: كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد، وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ثم زينب، ثم عبدالله وكان يقال له الطيب، ويقال له الطاهر، ولد بعد النبوة ومات صغيرا. ثم ابنته أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. هكذا الاول فالاول.

[ 609 ]

ثم مات القاسم بمكة، وهو أول ميت من ولده، ثم مات عبدالله. ثم ولدت له مارية بنت شمعون إبراهيم، وهى القبطية التى أهداها المقوقس صاحب إسكندرية، وأهدى معها أختها شيرين وخصيا يقال له مابور، فوهب شيرين لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبدالرحمن. وقد انقرض نسل حسان بن ثابت. وقال أبو بكر بن البرقى (1): يقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبدالله، ويقال إن الطيب والمطيب ولدا في بطن، والطاهر والمطهر ولدا في بطن. وقال المفضل بن غسان عن أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، عن مجاهد، قال: مكث القاسم ابن النبي صلى الله عليه وسلم سبع ليال ثم مات. قال المفضل: وهذا خطأ، والصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا. وقال الحافظ أبو نعيم: قال مجاهد: مات القاسم وله سبعة أيام. وقال الزهري: وهو ابن سنتين. وقال قتادة: عاش حتى مشى. وقال هشام بن عروة: وضع أهل العراق ذكر الطيب والطاهر، فأما مشايخنا فقالوا: عبدالعزى وعبد مناف والقاسم، ومن النساء رقية وأم كلثوم وفاطمة. هكذا رواه ابن عساكر وهو منكر، والذى أنكره هو المعروف. وسقط ذكر زينب ولا بد منها. والله أعلم. فأما زينب فقال عبد الرزاق عن ابن جريج: قال لى غير واحد: كانت زينب أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوج زينب أبو العاص بن الربيع فولدت منه عليا وأمامة، وهى التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.


(1) ينسب إلى برق، بيت كبير من خوارزم انتقلوا إلى بخارى وسكنوها. (*)

[ 610 ]

ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة، على ما ذكره الواقدي وقتادة وعبد الله بن أبى بكر بن حزم وغيرهم، وكأنها كانت طفلة صغيرة. فالله أعلم. وقد تزوجها على بن أبى طالب رضى الله عنه بعد موت فاطمة. وكانت وفاة زينب رضى الله عنها في سنة ثمان. قاله قتادة عن عبدالله بن أبى بكر ابن حزم وخليفة بن خياط وأبو بكر بن أبى خيثمة وغير واحد. وقال قتادة عن ابن حزم في أول سنة ثمان. وذكر حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنها لما هاجرت دفعها رجل فوقعت على صخرة فأسقطت حملها، ثم لم تزل وجعة حتى ماتت، فكانوا يرونها ماتت شهيدة. وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة بن أبى لهب كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبى لهب، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما بغضة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: " تبت يدا أبى لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ". فتزوج عثمان بن عفان رضى الله عنه رقية، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ويقال إنه أول من هاجر إليها. ثم رجعا إلى مكة، كما قدمنا، وهاجرا إلى المدينة وولدت له ابنه عبدالله فبلغ ست سنين، فنقره ديك في عينيه فمات وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو. وتوفيت وقد انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة - وهو زيد بن حارثة - وجدهم قد ساووا على قبرها التراب، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 611 ]

وضرب له بسهمه وأجره، ولما رجع زوجه بأختها أم كلثوم أيضا ولهذا كان يقال له ذو النورين، ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له شيئا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان " وفى رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كن عشرا لزوجتهن عثمان ". وأما فاطمة فتزوجها ابن عمها على بن أبى طالب في صفر سنة اثنتين، فولدت له الحسن والحسين، ويقال ومحسن، وولدت له أم كلثوم وزينب. وقد تزوج عمر بن الخطاب في أيام ولايته بأم كلثوم بنت على بن أبى طالب من فاطمة وأكرمها إكراما زائدا، أصدقها أربعين ألف درهم لاجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له زيدا بن عمر بن الخطاب. ولما قتل عمر بن الخطاب تزوجها بعده ابن عمها عون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فتزوجها أخوهما عبدالله بن جعفر فماتت عنده. وقد كان عبدالله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت على وماتت عنده أيضا، وقد توفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر على أشهر الاقوال. وهذا الثابت عن عائشة في الصحيح، وقاله الزهري أيضا وأبو جعفر الباقر. وعن الزهري بثلاثة أشهر، وقال أبو الزبير بشهرين، وقال أبو بريدة: عاشت بعده سبعين من بين يوم وليلة. وقال عمرو بن دينار: مكثت بعده ثمانية أشهر. وكذا قال عبدالله بن الحارث. وفى رواية عن عمرو بن دينار بأربعة أشهر. وأما إبراهيم فمن مارية القبطية كما قدمنا، وكان ميلاده في ذى الحجة سنة ثمان. وقد روى عن ابن لهيعة وغيره عن عبدالرحمن بن زياد قال: لما حبل بإبراهيم أتى جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، إن الله قد وهب لك غلاما من أم ولدك مارية،

[ 612 ]

وأمرك أن تسميه إبراهيم، فبارك الله لك فيه وجعله قرة عين لك في الدنيا والآخرة. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن مسكين، عن عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عقيل ويزيد بن أبى حبيب، عن الزهري، عن أنس قال: لما ولد للنبى صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم وقع في نفسه منه شئ فأتاه جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم. وقال أسباط عن السدى، وهو إسماعيل بن عبدالرحمن، قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم بلغ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم من العمر ؟ قال: وقد كان ملا مهده، ولو بقى لكان نبيا، ولكن لم يكن ليبقى لان نبيكم صلى الله عليه وسلم آخر الانبياء. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن السدى، عن أنس بن مالك، قال: لو عاش إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم لكان صديقا نبيا. وقال أبو عبد الله بن منده: حدثنا محمد بن سعد، ومحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد ابن عثمان العبسى، حدثنا منجاب، حدثنا أبو عامر الاسدي، حدثنا سفيان، عن السدى عن أنس، قال: توفى إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستة عشر شهرا فقال رسول الله: " ادفنوه في البقيع فإن له مرضعا يتم رضاعه في الجنة ". وقال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنس، قال: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله، كان ابراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه فيدخل إلى البيت وإنه ليدجن (1)، وكان ظئره فينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفى إبراهيم قال رسول الله: " إن ابراهيم ابني، وإنه


(1) وفى ا: يدخن. (*)

[ 613 ]

مات في الثدى، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة ". وقد روى جرير وأبو عوانة، عن الاعمش، عن مسلم بن صبيح أبى الضحى، عن البراء قال: توفى إبراهيم بن رسول الله وهو ابن ستة عشر شهرا، فقال: " ادفنوه في البقيع فإن له مرضعا في الجنة ". ورواه أحمد من حديث جابر، عن عامر، عن البراء، وهكذا رواه سفيان الثوري عن فراس، عن الشعبى، عن البراء بن عازب بمثله. وكذا رواه الثوري أيضا عن أبى إسحاق، عن البراء وأورد له ابن عساكر من طريق عتاب بن محمد بن شوذب، عن عبدالله بن أبى أوفى قال: توفى إبراهيم فقال رسول الله: " يرضع بقية رضاعه في الجنة ". وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا زكريا بن يحيى الواسطي، حدثنا هشيم، عن إسماعيل، قال سألت ابن أبى أوفى - أو سمعته يسأل - عن إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: مات وهو صغير، ولو قضى أن يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبى لعاش. وروى ابن عساكر من حديث أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ، حدثنا عبيد بن إبراهيم الجعفي، حدثنا الحسن بن أبى عبدالله الفراء، حدثنا مصعب بن سلام، عن أبى حمزة الثمالى، عن أبى جعفر محمد بن على، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو عاش إبراهيم لكان نبيا ". وروى ابن عساكر من حديث محمد ابن إسماعيل بن سمرة، عن محمد بن الحسن الاسدي، عن أبى شيبة، عن أنس، قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه ". فجاء فانكب عليه وبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه صلى الله عليه وسلم.

[ 614 ]

قلت: أبو شيبة هذا لا يتعامل بروايته. ثم روى من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن خيثم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما توفى إبراهيم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر: أنت أحق من علم لله حقه. فقال: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الاول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجدا أشد مما وجدنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ". وقال الامام أحمد حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبى عن البراء، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن شتة عشر شهرا، وقال: " إن له في الجنة من يتم رضاعه وهو صديق ". وقد روى من حديث الحكم بن عيينة، عن الشعبى، عن البراء. وقال أبو يعلى: حدثنا القواريرى، حدثنا إسماعيل بن أبى خالد، عن ابن أبى أوفى، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه، وصليت خلفه وكبر عليه أربعا. وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: مات إبراهيم ابن رسول الله وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه. وروى ابن عساكر من حديث إسحاق ابن محمد الفروى، عن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، عن أبيه، عن أبى جده عن على، قال: لما توفى إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على بن أبى طالب إلى أمه مارية القبطية وهى في مشربة، فحمله على في سفط (1) وجعله بين يديه على الفرس، ثم جاء به إلى رسول الله


(1) السفط: كالجوالق أو القفة. (*)

[ 615 ]

صلى الله عليه وسلم فغسله وكفنه وخرج به وخرج الناس معه، فدفنه في الزقاق الذى يلى دار محمد بن زيد، فدخل على في قبره حتى سوى عليه ودفنه، ثم خرج ورش على قبره، وأدخل رسول الله يده في قبره فقال: " أما والله إنه لنبى ابن نبى " وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ". وقال الواقدي: مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الاول سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرا في بنى مازن بن النجار في دار أم برزة بنت المنذر، ودفن بالبقيع. قلت: وقد قدمنا أن الشمس كسفت يوم موته، فقال الناس: كسفت لموت إبراهيم. فخطب رسول الله فقال في خطبته: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عزوجل، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ". قال الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر:

[ 616 ]

باب ذكر عبيده عليه السلام وإمائه وذكر خدمه وكتابه وأمنائه، مع مراعاة الحروف في أسمائهم، وذكر بعض ما ذكر من أنبائهم ولنذكر ما أورده مع الزيادة والنقصان وبالله المستعان. فمنهم أسامة بن زيد بن حارثة أبو زيد الكلبى، ويقال أبو يزيد ويقال أبو محمد. مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وأمه أم أيمن واسمها بركة، كانت حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغره، وممن آمن به قديما بعد بعثته. وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أيام حياته، وكان عمره إذ ذاك ثمانى عشرة أو تسع عشرة، وتوفى وهو أمير على جيش كثيف، منهم عمر بن الخطاب، ويقال وأبو بكر الصديق وهو ضعيف، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نصبه للامامة. فلما توفى عليه السلام وجيش أسامة مخيم بالجرف كما قدمناه، استطلق أبو بكر من أسامة عمر بن الخطاب في الاقامة عنده ليستضئ برأيه فأطلقه له، وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد مراجعة كثيرة من الصحابة له في ذلك، وكل ذلك يأبى عليهم ويقول: والله لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فساروا حتى بلغوا تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قتل أبوه زيد وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة رضى الله عنهم، فأغار على تلك البلاد وغنم وسبى وكر راجعا سالما مؤيدا.

[ 617 ]

فلهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه لا يلقى أسامة إلا قال له: السلام عليك أيها الامير. ولما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم راية الامرة طعن بعض الناس في إمارته، فخطب رسول الله فقال فيها: " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للامارة، وإن كان لمن أحب الخلق إلى بعده ". وهو في الصحيح من حديث موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه. وثبت في صحيح البخاري عن أسامة رضى الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني والحسن فيقول: " اللهم إنى أحبهما فأحبهما ". وروى عن الشعبى عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أحب الله ورسوله فليحب أسامة بن زيد ". ولهذا لما فرض عمر بن الخطاب للناس في الديوان فرض لاسامة في خمسة آلاف ; وأعطى ابنه عبدالله بن عمر في أربعة آلاف. فقيل له في ذلك فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله من أبيك. وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة، أن رسول الله أردفه خلفه على حمار عليه قطيفة، حين ذهب يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدر. قلت: وهكذا أردفه وراءه على ناقته حين دفع من عرفات إلى المزدلفة، كما قدمنا في حجة الوداع. وقد ذكر غير واحد أنه رضى الله عنه لم يشهد مع على شيئا من مشاهده، واعتذر إليه بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل ذلك الرجل وقد قال لا إله إلا الله، فقال: " من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة " الحديث.

[ 618 ]

وذكر فضائله كثيرة رضى الله عنه. وقد كان أسود كالليل، أفطس حلوا حسنا كبيرا فصيحا عالما ربانيا، رضى الله عنه. وكان أبوه كذلك، إلا أنه كان أبيض شديد البياض، ولهذا طعن بعض من لا يعلم في نسبه منه. ولما مر مجزز المدلجى عليهما وهما نائمان في قطيفة وقد بدت أقدامهما أسامة بسواده وأبوه زيد ببياضه، قال: سبحان الله: إن بعض هذه الاقدام لمن بعض. أعجب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل على عائشة مسروا تبرق أسارير وجهه فقال: " ألم ترى أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الاقدام لمن بعض ؟ ! " ولهذا أخذ فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد من هذا الحديث، من حيث التقرير عليه والاستبشار به ; العمل بقول القافة في اختلاط الانساب واشتباهها، كما هو مقرر في موضعه. والمقصود أنه رضى الله عنه توفى سنة أربع وخمسين مما صححه أبو عمر. وقال غيره سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل مات بعد مقتل عثمان فالله أعلم. وروى له الجماعة في كتبهم الستة. * * * ومنهم أسلم وقيل إبراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز أبو رافع القبطى، أسلم قبل بدر ولم يشهدها لانه كان بمكة مع سادته آل العباس، وكان ينحت القداح، وقصته مع الخبيث أبى لهب حين جاء خبر وقعة بدر تقدمت ولله الحمد. ثم هاجر وشهد أحدا وما بعدها، وكان كاتبا، وقد كتب بين يدى على بن أبى طالب بالكوفة. قاله المفضل بن غسان الغلابى. وشهد فتح مصر في أيام عمر. وقد كان أولا للعباس بن عبدالمطلب فوهبه للنبى صلى الله عليه وسلم وعتقه وزوجه

[ 619 ]

مولاته سلمى، فولدت له أولادا وكان يكون على ثقل (1) النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وبهز قالا: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبى رافع، عن أبى رافع، أن رسول الله بعث رجلا من بنى مخزوم على الصدقة، فقال لابي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. فقال: لا. حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله. فأتى رسول الله فسأله فقال: " الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم منهم ". وقد رواه الثوري عن محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن الحكم به. وروى أبو يعلى في مسنده عنه أنه أصابهم برد شديد وهم بخيبر، فقال رسول الله: " من كان له لحاف فليلحف من لا لحاف له ". قال أبو رافع: فلم أجد من يحلفنى معه، فأتيت رسول الله فألقى على لحافه، فنمنا حتى أصبحنا، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجليه حية فقال: " يا أبا رافع اقتلها اقتلها ". وروى له الجماعة في كتبهم، ومات في أيام على رضى الله عنه. ومنهم أنسة بن زياد (2) أبو مشرح، ويقال أبو مسرح، من مولدي السراة، مهاجري شهد بدرا فيما ذكره عروة والزهرى وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والبخاري وغير واحد. قالوا: وكان ممن يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس. وذكر خليفة بن خياط في كتابه قال: قال على بن محمد، عن عبد العزيز بن أبى ثابت، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: استشهد يوم بدر أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الواقدي: وليس هذا بثبت عندنا، ورأيت أهل العلم يثبتون أنه شهد أحدا أيضا وبقى زمانا وأنه توفى في حياة أبى بكر رضى الله عنه أيام خلافته.


(1) الثقل: متاع المسافر (2) ا: ابن مادة. (*)

[ 620 ]

ومنهم أيمن بن عبيد بن زيد الحبشى ونسبه ابن مندة إلى عوف بن الخزرج وفيه نظر. وهو ابن أم أيمن بركة، أخو أسامة لامه. قال ابن إسحاق: وكان على مطهرة (1) النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ممن ثبت يوم حنين، ويقال: إن فيه وفى أصحابه نزل قوله تعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (2) ". قال الشافعي: قتل أيمن مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين. قال: فرواية مجاهد عنه منقطعة يعنى بذلك ما رواه الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن عطاء، عن أيمن الحبشى قال: لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم السارق إلا في المجن (3)، وكان ثمن المجن يومئذ دينارا. وقد رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة، عن هارون بن عبدالله، عن أسود ابن عامر، عن الحسين بن صالح، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وهذا يقتضى تأخر موته عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن الحديث مدلسا عنه، ويحتمل أن يكون أريد غيره. والجمهور كابن اسحاق وغيره ذكروه فيمن قتل من الصحابة يوم حنين فالله أعلم. ولابنه الحجاج بن أيمن مع عبدالله بن عمر قصة. ومنهم با ام ؟ وسيأتى ذكره في ترجمة طهمان.


(1) المطهرة بكسر الميم وفتحها: الاداوة، أو الاناء الذى يتطهر به. (2) سورة الكهف 110 (3) المجن: الترس. (*)

[ 621 ]

ومنهم ثوبان بن بجدد، ويقال ابن جحدر أبو عبدالله، ويقال أبو عبد الكريم، ويقال أبو عبد الرحمن. أصله من أهل السراة، مكان بين مكة واليمن، وقيل من حمير من أهل اليمن. وقيل من الهان (1)، وقيل من حكم بن سعد العشيرة من مذحج أصابه سبى في الجاهلية. فاشتراه رسول الله فأعتقه وخيره إن شاء أن يرجع إلى قومه، وإن شاء يثبت فإنه منهم أهل البيت. فأقام على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه حضرا ولا سفرا حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهد فتح مصر أيام عمر، ونزل حمص بعد ذلك وابتنى بها دارا، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع وخمسين، وقيل سنة أربع وأربعين - وهو خطأ - وقيل إنه مات بمصر، والصحيح بحمص كما قدمنا والله أعلم. روى له البخاري في كتاب الادب، ومسلم في صحيحه وأهل السنن الاربعة. ومنهم حنين مولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جد إبراهيم بن عبدالله بن حنين. وروينا أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ويوضئه، فإذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم خرج بفضلة الوضوء إلى أصحابه، فمنهم من يشرب منه، ومنهم من يتمسح به، فاحتبسه حنين فخبأه عنده في جرة حتى شكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: " ما تصنع به ؟ " فقال: أدخره عندي أشربه يا رسول الله. فقال عليه السلام: " هل رأيتم غلاما أحصى ما أحصى هذا ؟ ". ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وهبه لعمه العباس فأعتقه رضى الله عنهما. ومنهم ذكوان يأتي ذكره في ترجمة طهمان. ومنهم رافع أو أبو رافع ويقال له أبو البهى.


(1) كذا، ولعلها الهون. (*)

[ 622 ]

قال أبو بكر بن أبى خيثمة: كان لابي أحيحة سعيد بن العاص الاكبر فورثه بنوه وأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم وشهد معهم يوم بدر، فقتلوا ثلاثتهم، ثم اشترى أبو رافع بقية أنصباء بنى سعيد مولاه إلا نصيب خالد بن سعيد، فوهب خالد نصيبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وأعتقه. فكان يقول، انا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك كان بنوه يقولون من بعده. ومنهم رباح الاسود، وكان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذى أخذ الاذن لعمر بن الخطاب حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة يوم آلى من نسائه واعتزلهن في تلك المشربة وحده عليه السلام. هكذا جاء مصرحا باسمه في حديث عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد، عن ابن عباس، عن عمر. وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه قال: كان للنبى صلى الله عليه وسلم غلام يسمى رباح. ومنهم رويفع مولاه عليه الصلاة والسلام. هكذا عده في الموالى مصعب بن عبدالله الزبيري وأبو بكر بن أبى خيثمة قالا: وقد وفد ابنه على عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته ففرض له. قالا: ولا عقب له. قلت: كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله شديد الاعتناء بموالي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب أن يعرفهم ويحسن إليهم، وقد كتب في أيام خلافته إلى أبى بكر بن حزم عالم أهل المدينة في زمانه: أن يفحص له عن موالى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء وخدامه. رواه الواقدي. وقد ذكره أبو عمر مختصرا وقال: لا أعلم له رواية، حكاه ابن الاثير في الغابة.

[ 623 ]

ومنهم زيد بن حارثة الكلبى. وقد قدمنا طرفا من ذكره عند ذكر مقتله بغزوة مؤتة رضى الله عنه، وذلك في جمادى من سنة ثمان قبل الفتح بأشهر. وقد كان هو الامير المقدم، ثم بعده جعفر، ثم بعدهما عبدالله بن رواحة. وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقى بعده لاستخلفه. رواه أحمد. ومنهم زيد أبو يسار. قال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة: سكن المدينة، روى حديثا واحدا لا أعلم له غيره: حدثنا محمد بن على الجوزجانى، حدثنا أبو سلمة - هو التبوذكى - حدثنا حفص ابن عمر الطائى، حدثنا أبو عمر بن مرة، سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم، سمعت أبى حدثنى عن جدى، أنه سمع رسول الله يقول: " من قال: أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف ". وهكذا رواه أبو داود عن أبى سلمة، وأخرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري، عن أبى سلمة موسى بن إسماعيل به. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. * * * ومنهم سفينة أبو عبد الرحمن ويقال أبوالبخترى. كان اسمه مهران، وقيل عبس، وقيل أحمر، وقيل رومان، فلقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبب سنذكره، فغلب عليه.

[ 624 ]

وكان مولى لام سلمة، فأعتقته واشترطت عليه أن يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يموت، فقبل ذلك. وقال: لو لم تشترطي على ما فارقته. وهذا الحديث في السنن. وهو من مولدي العرب، وأصله من أبناء فارس وهو سفينة بن مافنه. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا حشرج بن نباتة العبسى، كوفى، حدثنا سعيد بن جمهان، حدثنى سفينة، قال: قال رسول الله: " الخلافة في أمتى ثلاثون سنة، ثم ملكا بعد ذلك ". ثم قال لى سفينة: أمسك خلافة أبى بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، وأمسك خلافة على، ثم قال: فوجدناها ثلاثين سنة. ثم نظرت بعد ذلك في الخلفاء فلم أجده يتفق لهم ثلاثون. قلت لسعيد: أين لقيت سفينة ؟ قال: ببطن نخلة في زمن الحجاج، فأقمت عنده ثلاث ليال أسأله عن أحاديث رسول الله. قلت له: ما اسمك ؟ قال: ما أنا بمخبرك، سمانى رسول الله سفينة. قلت: ولم سماك سفينة ؟ قال: خرج رسول الله ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم فقال لى: " ابسط كساءك " فبسطته، فجعلوا فيه متاعهم ثم حملوه على، فقال لى رسول الله: " احمل فإنما أنت سفينة " فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل على، إلا أن يحفوا (1). وهذا الحديث عن أبى داود والترمذي والنسائي، ولفظه عندهم: " خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا ". وقال الامام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: كنا في سفر، فكان كلما أعيا رجل ألقى على ثيابه، ترسا أو سيفا،


(1) يحفوا: يزيدوا ويبالغوا (*)

[ 625 ]

حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت سفينة ". هذا هو المشهور في تسميته سفينة. وقد قال أبو القاسم البغوي: حدثنا الربيع سليمان بن داود الزهراني ومحمد بن جعفر الوركانى، قالا: حدثنا شريك بن عبدالله النخعي، عن عمران البجلى، عن مولى لام سلمة، قال: كنا مع رسول الله فمررنا بواد - أو نهر - فكنت أعبر الناس، فقال لى رسول الله: " ما كنت منذ اليوم إلا سفينة ". وهكذا رواه الامام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك. وقال أبو عبد الله بن منده: حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن سفينة، قال: ركبت البحر في سفينة فكسرت بنا، فركبت لوحا منها فطرحني في جزيرة فيها أسد فلم يرعنى إلا به، فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامنى على الطريق، ثم همهم فظننت أنه السلام. وقد رواه أبو القاسم البغوي عن إبراهيم بن هانئ، عن عبيدالله بن موسى، عن رجل، عن محمد بن المنكدر، عنه. ورواه أيضا عن محمد بن عبدالله المخرمى، عن حسين بن محمد، قال: قال عبد العزيز بن عبدالله بن أبى سلمة، عن محمد بن المنكدر، عن سفينة. فذكره. ورواه أيضا: حدثنا هارون بن عبدالله، حدثنا على بن عاصم، حدثنى أبو ريحانة، عن سفينة مولى رسول الله قال: لقيني الاسد فقلت: أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فضرب بذنبه الارض وقعد. وروى له مسلم وأهل السنن. وقد تقدم في الحديث الذى رواه الامام أحمد أنه كان

[ 626 ]

يسكن بطن نخلة، وأنه تأخر إلى أيام الحجاج. * * * ومنهم سلمان الفارسى، أبو عبد الله مولى الاسلام. أصله من فارس وتنقلت به الاحوال إلى أن صار لرجل من يهود المدينة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أسلم سلمان وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فكاتب سيده اليهودي، وأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء ما عليه فنسب إليه وقال: " سلمان منا أهل البيت ". وقد قدمنا صفة هجرته (1) من بلده وصحبته لاولئك الرهبان واحدا بعد واحد حتى آل به الحال إلى المدينة النبوية، وذكرنا صفة إسلامه رضى الله عنه في أوائل الهجرة النبوية إلى المدينة، وكانت وفاته في سنة خمس وثلاثين في آخر أيام عثمان - أو في أول سنة ست وثلاثين - وقيل: إنه توفى في أيام عمر بن الخطاب، والاول أكثر. قال العباس بن يزيد البحراني: وكان أهل العلم لا يشكون أنه عاش مائتين وخمسين سنة، واختلفوا فيما زاد على ذلك إلى ثلاثمائة وخمسين. وقد ادعى بعض الحفاظ المتأخرين أنه لم يجاوز المائة. فالله أعلم بالصواب. * * * ومنهم شقران الحبشى، واسمه صالح بن عدى، ورثه عليه السلام من أبيه. وقال مصعب الزبيري ومحمد بن سعد: كان لعبد الرحمن بن عوف فوهبه للنبى صلى الله عليه وسلم. وقد روى أحمد بن حنبل، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى معشر، أنه ذكره فيمن شهد بدرا، قال: ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) وذلك في الجزء الاول من الكتاب. (*)

[ 627 ]

وهكذا ذكره محمد بن سعد فيمن شهد بدرا وهو مملوك فلهذا لم يسهم له بل استعمله على الاسرى، فحذاه (1) كل رجل له أسير شيئا، فحصل له أكثر من نصيب كامل. قال: وقد كان ببدر ثلاثة غلمان غيره: غلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام لحاطب ابن أبى بلتعة، وغلام لسعد بن معاذ، فرضخ لهم ولم يقسم. قال أبو القاسم البغوي: وليس له ذكر فيمن شهد بدرا في كتاب الزهري، ولا في كتاب ابن إسحاق. وذكر الواقدي عن أبى بكر بن عبدالله بن أبى سبرة عن أبى بكر بن عبدالله بن أبى جهم قال: استعمل رسول الله شقران مولاه على جميع ما وجد في رحال المريسيع من رثة (2) المتاع والسلاح والنعم والشاء وجمع الذرية ناحية. وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا مسلم بن خالد، عن عمرو بن يحيى المازنى، عن أبيه، عن شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيته - يعنى النبي صلى الله عليه وسلم - متوجها إلى خيبر على حمار يصلى عليه يومئ إيماء. وفى هذه الاحاديث شواهد أنه رضى الله عنه شهد هذه المشاهد. وروى الترمذي عن زيد بن أخزم، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، أخبرني ابن أبى رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: الذى اتخذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم أبو طلحة، والذى ألقى القطيفة شقران. ثم قال: الترمذي حسن غريب.


(1) حذاه: أعطاه. (2) الرثة: ما يسقط من المتاع. (*)

[ 628 ]

وقد تقدم أنه شهد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في قبره، وأنه وضع تحته القطيفة التى كان يصلى عليها وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. وذكر الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة أنه انقرض نسله فكان آخرهم موتا بالمدينة في أيام الرشيد. * * * ومنهم ضميرة بن أبى ضميرة الحميرى، أصابه سبى في الجاهلية فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه، ذكره مصعب الزبيري قال: وكانت له دار بالبقيع وولد. قال عبدالله بن وهب: عن ابن أبى ذئب، عن حسين بن عبدالله بن ضميرة، عن أبيه عن جده ضميرة، أن رسول الله مر بأم ضميرة وهى تبكى فقال لها: " ما يبكيك ؟ أجائعة أنت، أعارية أنت ؟ ". قالت: يارسول الله فرق بينى وبين ابني. فقال رسول الله: " لا يفرق بين الوالدة وولدها ". ثم أرسل إلى الذى عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكر. قال ابن أبى ذئب: ثم أقرأنى كتابا عنده: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لابي ضميرة وأهل بيته، أن رسول الله أعتقهم، وأنهم أهل بيت من العرب، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله، وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم، فلا يعرض لهم إلا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا. وكتب أبى بن كعب. ومنهم طهمان، ويقال ذكوان. ويقال مهران، ويقال ميمون، وقيل كيسان، وقيل باذام. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الصدقة لا تحل لى ولا لاهل بيتى، وإن مولى القوم من أنفسهم ". رواه البغوي عن منجاب بن الحارث وغيره، عن شريك، عن عطاء بن السائب،

[ 629 ]

عن إحدى بنات على بن أبى طالب وهى أم كلثوم بنت على، قالت: حدثنى مولى للنبى صلى الله عليه وسلم يقال له طهمان أو ذكوان، قال قال رسول الله. فذكره. ومنهم عبيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو داود الطيالسي: عن شعبة، عن سليمان التيمى، عن شيخ، عن عبيد مولى للنبى صلى الله عليه وسلم قال: قلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة سوى المكتوبة ؟ قال: صلاة بين المغرب والعشاء. قال أبو القاسم البغوي: لا أعلم روى غيره. قال ابن عساكر: وليس كما قال. ثم ساق من طريق أبى يعلى الموصلي: حدثنا عبدالاعلى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن سليمان التيمى، عن عبيد مولى رسول الله أن امرأتين كانتا صائمتين، وكانتا تغتابان الناس، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فقال لهما: " قيئا " فقاءا قيحا ودما ولحما عبيطا ثم قال: " إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا على الحرام ". وقد رواه الامام أحمد، عن يزيد بن هارون وابن أبى عدى، عن سليمان التيمى، عن رجل حدثهم في مجلس أبى عثمان، عن عبيد مولى رسول الله فذكره. ورواه أحمد أيضا عن غندر، عن عثمان بن غياث قال: كنت مع أبى عثمان فقال رجل: حدثنى سعيد - أو عبيد -، يشك عثمان، مولى النبي صلى الله عليه وسلم. فذكره. ومنهم فضالة مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن سعد: أنبأنا الواقدي، حدثنى عتبة بن خيرة الاشهلى، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم، أن افحص لى عن خدم رسول الله من الرجال والنساء ومواليه.

[ 630 ]

فكتب إليه قال: وكان فضالة مولى له يمانى نزل الشام بعد، وكان أبو مويهبة مولدا من مولدي مزينة فأعتقه قال ابن عساكر: لم أجد لفضالة ذكرا في الموالى إلا من هذا الوجه. ومنهم قفيز أوله قاف وآخره زاى. قال أبو عبد الله بن منده: أنبأنا سهل بن السرى، حدثنا أحمد بن محمد بن المنكدر، حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن سليمان الحرانى، عن زهير بن محمد، عن أبى بكر بن عبدالله بن أنيس، قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يقال له قفيز. تفرد بن محمد بن سليمان. ومنهم كركرة، كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته. وقد ذكر أبو بكر بن حزم فيما كتب به إلى عمر بن عبد العزيز. قال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن سالم بن أبى الجعد، عن عبدالله ابن عمرو، قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة، فمات فقال: " هو في النار " فنظروا فإذا عليه عباءة قد غلها، أو كساء قد غله. رواه البخاري عن على بن المدينى، عن سفيان. قلت: وقصته شبيهة بقصة مدعم الذى أهداه رفاعة من بنى النصيب كما سيأتي. ومنهم كيسان. قال البغوي: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب قال: أتيت أم كلثوم بنت على فقالت: حدثنى مولى للنبى صلى الله عليه وسلم يقال له كيسان قال له النبي صلى الله عليه وسلم في شئ من أمر الصدقة: " إنا أهل بيت نهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولانا من أنفسنا فلا تأكل الصدقة ". ومنهم مابور القبطى الخصى، أهداه له صاحب إسكندرية مع مارية وشيرين والبغلة.

[ 631 ]

وقد قدمنا من خبره في ترجمة مارية رضى الله عنهما ما فيه كفاية. ومنهم مدعم، وكان أسود من مولدي حسمى (1) أهداه رفاعة بن زيد الجذامي، قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك مرجعهم من خيبر. فلما وصلوا إلى وادى القرى فبينما مدعم يحط عن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلها، إذ جاءه سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلا والذى نفسي بيده، إن الشملة التى أخذها يوم خيبر - لم تصبها المقاسم - لتشتعل عليه نارا ". فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك - أو شراكين - فقال النبي صلى الله عليه وسلم " شراك من نار، أو شرا كان من نار ". أخرجاه من حديث مالك، عن ثور بن يزيد، عن أبى الغيث، عن أبى هريرة. ومنهم مهران ويقال طهمان، وهو الذى روت عنه أم كلثوم بنت على في تحريم الصدقة على بنى هاشم ومواليهم كما تقدم. ومنهم ميمون وهو الذى قبله (2). ومنهم نافع مولاه. قال الحافظ ابن عساكر: أنبأنا أبو الفتح الماهانى، أنبأنا شجاع الصوفى، أنبأنا محمد ابن إسحاق، أنبأنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن عبدالملك بن مروان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أبو مالك الاشجعى، عن يوسف بن ميمون، عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يدخل الجنة شيخ زان، ولا مسكين متكبر، ولا منان بعمله على الله عزوجل ".


(1) حسمى: أرض ببادية الشام. (2) قتله. وهو تحريف. (*)

[ 632 ]

ومنهم نفيع، ويقال مسروح، ويقال نافع بن مسروح والصحيح نافع بن الحارث ابن كلدة بن عمرو بن علاج بن سلمة بن عبدالعزى بن غيرة بن عوف بن قيس، وهو ثقيف أبو بكرة الثقفى. وأمه سمية أم زياد. تدلى هو وجماعة من العبيد من سور الطائف، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان نزوله في بكرة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرة. قال أبو نعيم: وكان رجلا صالحا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبى برزة الاسلمي. قلت: وهو الذى صلى عليه بوصيته إليه، ولم يشهد أبو بكرة وقعة الجمل، ولا أيام صفين، وكانت وفاته في سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة اثنتين وخمسين. ومنهم واقد، أو أبو واقد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني: حدثنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا الهيثم بن حماد، عن الحارث بن غسان، عن رجل من قريش من أهل المدينة، عن زاذان، عن واقد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصى الله فلم يذكره، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ". ومنهم هرمز أبو كيسان، ويقال هرمز أو كيسان، وهو الذى يقال فيه طهمان كما تقدم. وقد قال ابن وهب: حدثنا على بن عابس، عن عطاء بن السائب، عن فاطمة بنت على، أو أم كلثوم بنت على قالت: سمعت مولى لنا يقال له هرمز يكنى أبا كيسان، قال:

[ 633 ]

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا فلا تأكلوا الصدقة ". وقد رواه الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب، قال: دخلت على أم كلثوم فقالت: إن هرمز أو كيسان حدثنا أن رسول الله قال: " إنا لا نأكل الصدقة ". وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا منصور بن أبى مزاحم، حدثنا أبو حفص الابار، عن ابن أبى زياد، عن معاوية قال: شهد بدرا عشرون مملوكا، منهم مملوك للنبى صلى الله عليه وسلم يقال له هرمز، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إن الله قد أعتقك وإن مولى القوم من أنفسهم ; وإنا أهل بيت لا نأكل الصدقة فلا تأكلها ". ومنهم هشام مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن سعد: أنبأنا سليمان بن عبيدالله الرقى، أنبأنا محمد بن أيوب الرقى، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن أبى الزبير، عن هشام مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس. قال: " طلقها " قال: إنها تعجبني، قال: " فتمتع بها ". قال ابن منده: وقد رواه جماعة عن سفيان الثوري، عن أبى الزبير، عن مولى بنى هاشم عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمه. ورواه عبيدالله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن أبى الزبير، عن جابر. ومنهم يسار، ويقال إنه الذى قتله العرنيون وقد مثلوا به. وقد ذكر الواقدي بسنده عن يعقوب بن عتبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه يوم قرقرة الكدر مع نعم بنى غطفان وسليم، فوهبه الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله منهم، لانه رآه يحسن الصلاة فأعتقه، ثم قسم في الناس النعم فأصاب كل إنسان منهم سبعة أبعرة، وكانوا مائتين.

[ 634 ]

ومنهم أبو الحمراء مولى النبي صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو الذى يقال إن اسمه هلال بن الحارث، وقيل ابن مظفر، وقيل هلال بن الحارث بن ظفر السلمى، أصابه سباء في الجاهلية. وقال أبو جعفر محمد بن على بن دحيم: حدثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عبدالله بن موسى والفضل بن دكين، عن يونس بن أبى إسحاق، عن أبى داود القاص، عن أبى الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر كيوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي باب على وفاطمة كل غداة فيقول: " الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ". قال أحمد بن حازم: وأنبأنا عبيدالله بن موسى والفضل بن دكين - واللفظ له - عن يونس بن أبى إسحاق، عن أبى داود، عن أبى الحمراء، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل عنده طعام في وعاء فأدخل يده، فقال: " غششته ! من غشنا فليس منا ". وقد رواه ابن ماجه، عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى نعيم به. وليس عنده سواه. وأبو داود هذا هو نفيع بن الحارث الاعمى أحد المتروكين الضعفاء. قال عباس الدوري عن ابن معين: أبو الحمراء صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه هلال بن الحارث، كان يكون بحمص، وقد رأيت بها غلاما من ولده. وقال غيره: كان منزله خارج باب حمص. وقال أبو الوازع عن سمرة: كان أبو الحمراء في الموالى. ومنهم أبو سلمة راعى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال أبو سلام واسمه حريث. قال أبو القاسم البغوي: حدثنا كامل بن طلحة، حدثنا عباد بن عبد الصمد، حدثنى أبو سلمة راعى النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه

[ 635 ]

وسلم يقول: " من لقى الله يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وآمن بالبعث والحساب ; دخل الجنة ". قلنا: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأدخل إصبعيه في أذنيه ثم قال: أنا سمعت هذا منه غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع. لم يورد له ابن عساكر سوى هذا الحديث. وقد روى له النسائي في اليوم والليلة آخر، وأخرج له ابن ماجه ثالثا. ومنهم أبو صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا معتمر، حدثنا أبو كعب عن جده بقية، عن أبى صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يوضع له نطع (1) ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الاولى سبح حتى يمسى. ومنهم أبو ضميرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم والد ضميرة المتقدم، وزوج أم ضميرة. وقد تقدم في ترجمة ابنه طرف من ذكرهم وخبرهم في كتابهم وقال محمد بن سعد في الطبقات: أنبأنا إسماعيل بن عبدالله بن أويس المدنى، حدثنى حسين بن عبدالله بن أبى ضميرة، أن الكتاب الذى كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي ضميرة: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من محمد رسول الله لابي ضميرة وأهل بيته، إنهم كانوا أهل بيت من العرب، وكانوا ممن أفاء الله على رسوله فأعتقهم ثم خير أبا ضميرة إن أحب أن يلحق بقومه فقد أذن له، وإن أحب أن يمكث مع رسول الله فيكونوا من أهل بيته، فاختار الله ورسوله ودخل في الاسلام، فلا يعرض لهم أحد إلا بخير، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا، وكتب أبى بن كعب.


(1) النطع: بساط من الاديم، وهو الجلد. (*)

[ 636 ]

قال إسماعيل بن أبى أويس: فهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد حمير. وخرج قوم منهم في سفر ومعهم هذا الكتاب فعرض لهم اللصوص، فأخذوا ما معهم فأخرجوا هذا الكتاب إليهم فأعلموهم بما فيه، فقرءوه فردوا عليهم ما أخذوا منهم ولم يعرضوا لهم. قال: ووفد حسين بن عبدالله بن أبى ضميرة إلى المهدى أمير المؤمنين وجاء معه بكتابهم هذا، فأخذه المهدى فوضعه على بصره، وأعطى حسينا ثلاثمائة دينار. ومنهم أبو عبيد مولاه عليه الصلاة والسلام. قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان العطار، حدثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبى عبيد أنه طبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرا فيها لحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ناولنى ذراعها " فناولته فقال: " ناولنى ذراعها " فناولته فقال " ناولنى ذراعها ". فقلت: يا نبى الله كم للشاة من ذراع ؟ قال: " والذى نفسي بيده لو سكت لاعطيتني ذراعها ما دعوت به ". ورواه الترمذي في الشمائل عن بندار، عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان بن يزيد العطار به. * * * ومنهم أبوعسيب، ومنهم من يقول أبوعسيم، والصحيح الاول، ومن الناس من فرق بينهما. وقد تقدم أنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ; وحضر دفنه، وروى قصة المغيرة بن شعبة. وقال الحارث بن أبى أسامة: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا مسلم بن عبيد أبو

[ 637 ]

نضرة، قال سمعت أبا عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتانى جبريل بالحمى والطاعون ; فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لامتي ورحمة لهم ورجس على الكافر ". وكذا رواه الامام أحمد عن يزيد بن هارون. وقال أبو عبد الله بن منده: أنبأنا محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغانى حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حشرج بن نباتة، حدثنى أبو نضرة البصري، عن أبى عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فمر بى فدعاني ثم مر بأبى بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، ثم انطلق يمشى حتى دخل حائطا لبعض الانصار، فقال رسول الله لصاحب الحائط: " أطعمنا بسرا " فجاء به فوضعه فأكل رسول الله وأكلوا جميعا ثم دعا بماء فشرب منه، ثم قال: " إن هذا النعيم، لتسألن يوم القيامة عن هذا " فأخذ عمر العذق فضرب به الارض حتى تناثر البسر، ثم قال: يا نبى الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال: " نعم إلا من ثلاثة، خرقة يستر بها الرجل عورته. أو كسرة يسد بها جوعته، أو حجر يدخل فيه - يعنى من الحر والقر - ". ورواه الامام أحمد عن شريح، عن حشرج. وروى محمد بن سعد في الطبقات عن موسى بن إسماعيل، حدثتنا مسلمة بنت أبان الفريعية، قالت: سمعت ميمونة بنت أبى عسيب قالت: كان أبوعسيب يواصل بين ثلاث في الصيام، وكان يصلى الضحى قائما فعجز، وكان يصوم أيام البيض. قالت: وكان في سريره جلجل فيعجز صوته حين يناديها به، فإذا حركه جاءت. * * * ومنهم أبو كبشة الانمارى، من أنمار مذحج على المشهور، مولى النبي صلى الله عليه وسلم.

[ 638 ]

في اسمه أقوال أشهرها أن اسمه سليم، وقيل عمرو بن سعد، وقيل عكسه. وأصله من مولدي أرض دوس، وكان ممن شهد بدرا. قاله موسى بن عقبة عن الزهري. وذكره ابن إسحاق والبخاري والواقدى ومصعب الزبيري وأبو بكر بن أبى خيثمة. زاد الواقدي: وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد. وتوفى يوم استخلف عمر بن الخطاب، وذلك في يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة. وقال خليفة بن خياط: وفى سنة ثلاث وعشرين توفى أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم عن أبى كبشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر في ذهابه إلى تبوك بالحجر جعل الناس يدخلون بيوتهم، فنودى أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يدخلكم على هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم ؟ " فقال رجل: نعجب منهم يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم " الحديث. وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، عن معاوية بن صالح ; عن أزهر ابن سعيد الحوارى، سمعت أبا كبشة الانمارى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه، فدخل ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا: يا رسول الله قد كان شئ ؟ قال: " أجل، مرت بى فلانة فوقع في نفسي شهوة النساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها، فكذلك فافعلوا، لانه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال ". وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الاعمش، عن سالم بن أبى الجعد، عن أبى كبشة

[ 639 ]

الانمارى، قال: قال رسول الله: " مثل هذه الامة مثل أربعة نفر. رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل به في ماله وينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لى مثل مال هذا عملت فيه مثل الذى يعمل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهما في الاجر سواء ". ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط (1) فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لى مثل مال هذا عملت فيه مثل الذى يعمل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهما في الوزر سواء ". وهكذا رواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد، كلاهما عن وكيع. ورواه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من حديث منصور، عن سالم بن أبى الجعد، عن ابن أبى كبشة، عن أبيه. وسماه بعضهم عبدالله بن أبى كبشة. وقال أحمد، حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدى، عن راشد بن سعد، عن أبى عامر الهوزنى، عن أبى كبشة الانمارى، أنه أتاه فقال: أطرقنى من فرسك، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أطرق مسلما فعقب له الفرس كان كأجر سبعين حمل عليه في سبيل الله عزوجل ". وقد روى الترمذي عن محمد بن إسماعيل، عن أبى نعيم، عن عبادة بن مسلم، عن يونس بن خباب، عن سعيد أبى البخترى الطائى، حدثنى أبو كبشة أنه قال: ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه ; ما نقص مال عبد صدقة وما ظلم عبد بمظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر. الحديث.


(1) يخبط: يسير فيه على غير هدى. (*)

[ 640 ]

وقال: حسن صحيح. وقد رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن الاعمش، عن سالم بن أبى الجعد عنه. وروى أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن أبى كبشة الانمارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحتجم على هامته وبين كتفيه. وروى الترمذي حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا محمد بن حمران، عن أبى سعيد - وهو عبدالله بن بسر - قال: سمعت أبا كبشة الانمارى يقول: كانت كمام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحا (1). * * * ومنهم أبو مويهبة مولاه عليه السلام، كان من مولدي مزينة، اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، ولا يعرف اسمه رضى الله عنه. وقال أبو مصعب الزبيري: شهد أبو مويهبة المريسيع، وهو الذى كان يقود لعائشة رضى الله عنها بعيرها. وقد تقدم ما رواه الامام أحمد بسنده عنه في ذهابه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل إلى البقيع، فوقف عليه السلام فدعا لهم واستغفر لهم ثم قال: " ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه بعض الناس، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يركب بعضها بعضا، الآخرة أشد من الاولى، فليهنكم أنتم فيه ". ثم رجع فقال: " يا أبا مويهبة إنى خيرت مفاتيح ما يفتح على أمتى من بعدى والجنة أو لقاء ربى ; فاخترت لقاء ربى " قال: فما لبث بعد ذلك إلا سبعا - أو ثمانيا - حتى قبض. فهؤلاء عبيده عليه السلام.


(1) الكمام: القلانس. والبطح: اللازقة بالرأس غير الذاهبة في الهواء. (*)

[ 641 ]

وأما إماؤه عليه السلام فمنهن أمة الله بنت رزينة (1). الصحيح أن الصحبة لامها رزينة كما سيأتي، ولكن وقع في رواية ابن أبى عاصم: حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن موسى، حدثتنا عليكة بنت الكميت العتكية، قالت حدثنى أبى، عن أمة الله خادم النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله سبى صفية يوم قريظة والنضير فأعتقها وأمهرها رزينة أم أمة الله. وهذا حديث غريب جدا. [ ومنهن أميمة. قال ابن الاثير وهى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (2). روى حديثها أهل الشام. روى عنها جبير بن نفير أنها كانت توضئ رسول الله، فأتاه رجل يوما فقال له: أوصني، فقال: " لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت بالنار، ولا تدع صلاة متعمدا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، ولا تشربن مسكرا فإنه رأس كل خطيئة، ولا تعصين والديك وإن أمراك أن تختلى من أهلك ودنياك ". ومنهن بركة أم أيمن وأم أسامة بن زيد بن حارثة. وهى بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان الحبشية. غلب عليها كنيتها أم أيمن، وهو ابنها من زوجها الاول عبيد بن زيد الحبشى، ثم تزوجها بعده زيد بن حارثة فولدت له أسامة بن زيد، وتعرف بأم الظباء.


(1) رزينة: بفتح أولها، وقيل بالتصغير. الاصابة 8 / 81 (2) سقط من ح (*)

[ 642 ]

وقد هاجرت الهجرتين رضى الله عنها، وهى حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه امنة بنت وهب، وقد كانت ممن ورثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه. قاله الواقدي. وقال غيره: بل ورثها من أمه. وقيل: بل كانت لاخت خديجة فوهبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت قديما وهاجرت، وتأخرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وتقدم ما ذكرناه من زيارة أبى بكر [ وعمر ] رضى الله عنهما إياها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها بكت فقالا لها: أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: بلى، ولكن أبكى لان الوحى قد انقطع من السماء. فجعلا يبكيان معها. وقال البخاري في التاريخ: وقال عبدالله بن يوسف، عن ابن وهب، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري، قال: كانت أم أيمن تحضن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كبر، فأعتقها ثم زوجها زيد بن حارثة. وتوفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر. وقيل سته أشهر. وقيل: إنها بقيت بعد قتل عمر بن الخطاب. وقد رواه مسلم عن أبى الطاهر وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، قال: كانت أم أيمن الحبشية فذكره. وقال محمد بن سعد عن الواقدي: توفيت أم أيمن في أول خلافة عثمان بن عفان. قال الواقدي: وأنبأنا يحيى بن سعيد بن دينار، عن شيخ من بنى سعد بن بكر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لام أيمن: " يا أمه " وكان إذا نظر إليها قال: " هذه بقية أهل بيتى ". وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: أخبرني سليمان بن أبى شيخ، قال: كان

[ 643 ]

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أم أيمن أمي بعد أمي ". وقال الواقدي، عن أصحابه المدنيين قالوا: نظرت أم أيمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشرب فقالت: اسقنى. فقالت عائشة: أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقالت: ما خدمته أطول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدقت " فجاء بالماء فسقاها. وقال المفضل بن غسان: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبى، قال: سمعت عثمان ابن القاسم قال: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء وهى صائمة، فأصابها عطش شديد حتى جهدها. قال: فدلى عليها دلو من السماء برشاء أبيض فيه ماء قالت: فشربت فما أصابني عطش بعد، وقد تعرضت العطش بالصوم في الهواجر فما عطشت بعد ! وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمى، حدثنا سالم بن قتيبة، عن الحسين بن حريث، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبدالرحمن، عن أم أيمن قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها، فكان إذا أصبح يقول: " يا أم أيمن صبى ما في الفخارة " فقمت ليلة وأنا عطشى فشربت ما فيها، فقال رسول الله: " يا أم أيمن صبى ما في الفخارة " فقالت: يا رسول الله قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال: " إنك لن تشتكى بطنك بعد يومك هذا أبدا " (1). قال ابن الاثير في الغابة: وروى حجاج بن محمد، عن [ ابن ] جريج، عن حكيمة بنت أميمة، عن أمها أميمة بنت رقيقة قالت: كان للنبى صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه يضعه تحت السرير، فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته، فطلبه


(1) ننبه إلى أن أمثال هذه الروايات منافية في حقيقتها للمعروف من هدى الرسول وأمره، ولا يلزم أحدا تصديقها، ومن ثم فليس لها وزن علمي. (*)

[ 644 ]

فلم يجده، فقيل: شربته بركة. فقال: " لقد احتظرت من النار بحظار ". قال الحافظ أبو الحسن بن الاثير: وقيل إن التى شربت بوله عليه السلام إنما هي بركة الحبشية التى قدمت مع أم حبيبة من الحبشة، وفرق بينهما. فالله أعلم. قلت: فأما بريرة فإنها كانت لآل أبى أحمد بن جحش، فكاتبوها فاشترتها عائشة منهم فأعتقتها، فثبت ولاؤها لها كما ورد الحديث بذلك في الصحيحين، ولم يذكرها ابن عساكر. ومنهن خضرة. ذكرها ابن منده فقال: [ روى معاوية عن هشام، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال ] (1): كان للنبى صلى الله عليه وسلم خادم يقال لها خضرة. وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثنا فائد مولى عبيد الله، عن عبيدالله بن على بن أبى رافع، عن جدته سلمى قالت: كان خدم رسول الله: أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد، أعتقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهن. ومنهن خليسة مولاة حفصة بنت عمر. قال ابن الاثير في الغابة: روت حديثها عليكة بنت الكميت عن جدتها، عن خليسة مولاة حفصة، في قصة حفصة وعائشة مع سودة بنت زمعة ومزحهما معها بأن الدجال قد خرج، فاختبأت في بيت كانوا يوقدون فيه واستضحكتا، وجاء رسول الله فقال: " ما شأنكما ؟ " فأخبرتاه بما كان من أمر سودة، فذهب إليها فقالت: يا رسول الله أخرج الدجال ؟ فقال: " لا، وكأن قد خرج " فخرجت وجعلت تنفض عنها بيض العنكبوت. وذكر ابن الاثير خليسة مولاة سلمان الفارسى وقال: لها ذكر في إسلام سلمان وإعتاقها إياه، وتعويضه عليه السلام لها بأن غرس لها ثلاثمائة فسيلة، ذكرتها تمييزا.


(1) سقطت من ا. (*)

[ 645 ]

ومنهن خولة خادم النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال ابن الاثير. وقد روى حديثها الحافظ أبو نعيم من طريق حفص بن سعيد القرشى، عن أمه، عن أمها خولة وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثا في تأخر الوحى بسبب جرو كلب مات تحت سريره عليه السلام ولم يشعروا به، فلما أخرجه جاء الوحى، فنزل قوله تعالى: " والضحى والليل إذا سجى ". وهذا غريب، والمشهور في سبب نزولها غير ذلك. والله أعلم. * * * ومنهن رزينة، قال ابن عساكر: والصحيح أنها كانت لصفية بنت حيى، وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وقد تقدم في ترجمة ابنتها أمة الله أنه عليه السلام أمهر صفية بنت حيى أمها رزينة، فعلى هذا يكون أصلها له عليه السلام. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو سعيد الجشمى، حدثتنا عليكة بنت الكميت، قالت سمعت أمي أمينة قالت حدثتني أمة الله بنت رزينة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى صفية يوم قريظة والنضير حين فتح الله عليه، فجاء يقودها سبية، فلما رأت النساء قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وإنك رسول الله. فأرسلها وكان ذراعها في يده، فأعتقها ثم خطبها وتزوجها وأمهرها رزينة. هكذا وقع في هذا السياق، وهو أجود مما سبق من رواية ابن أبى عاصم. ولكن الحق أنه عليه السلام اصطفى صفية من غنائم خيبر، وأنه أعتقها وجعل عتقها صداقها وما وقع في هذه الرواية يوم قريظة والنضير تخبيط فإنهما يومان بينهما سنتان. والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البيهقى في الدلائل: أخبرنا ابن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد

[ 646 ]

الصفار، حدثنا على بن الحسن السكرى، حدثنا عبيدالله بن عمر القواريرى، حدثتنا عليكة بنت الكميت العتكية، عن أمها أمينة، قالت قلت لامة الله بنت رزينة مولاة رسول الله: يا أمة الله أسمعت أمك تذكر أنها سمعت رسول الله يذكر صوم عاشوراء ؟ قالت: نعم كان يعظمه ويدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم ويقول لامهاتهم: " لا ترضعيهم إلى الليل ". له شاهد في الصحيح. ومنهن رضوى، قال ابن الاثير: روى سعيد بن بشير، عن قتادة، عن رضوى بنت كعب، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحائض تخضب، فقال " ما بذلك بأس " رواه أبو موسى المدينى. ومنهن ريحانة بنت شمعون القرظية، وقيل النضرية، وقد تقدم ذكرها بعد أزواجه رضى الله عنهن. ومنهن زرينة والصحيح رزينة كما تقدم. ومنهن سائبة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. روت عنه حديثا في اللقطة، وعنها طارق بن عبدالرحمن، روى حديثها أبو موسى المدينى هكذا ذكر ابن الاثير في الغابة. ومنهن سديسة الانصارية، وقيل مولاة حفصة بنت عمر. روت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه ". قال ابن الاثير: رواه عبدالرحمن بن الفضل بن الموفق، عن أبيه، عن إسرائيل، عن الاوزاعي عن سالم، عن سديسة، ورواه إسحاق بن يسار عن الفضل. فقال عن

[ 647 ]

سديسة، عن حفصة عن النبي صلى عليه وسلم، فذكره. رواه أبو نعيم وابن مندة. ومنهن سلامة، حاضنة إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم. روت عنه حديثا في فضل الحمل والطلق والرضاع والسهر، فيه غرابة ونكارة من جهة إسناده ومتنه. رواه أبو نعيم وابن مندة، من حديث هشام بن عمار بن نصير خطيب دمشق، عن أبيه عمرو بن سعيد الخولانى، عن أنس عنها. ذكرها ابن الاثير. ومنهن سلمى، وهى أم رافع امرأة أبى رافع، كما رواه الواقدي عنها أنها قالت: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد فأعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلنا. قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر وأبو سعيد مولى بنى هاشم، حدثنا عبدالرحمن ابن أبى الموالى، عن فائد مولى ابن أبى رافع، عن جدته سلمى خادم النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما سمعت قط أحدا يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا في رأسه إلا قال: " احتجم " وفى رجليه إلا قال: " اخضبهما بالحناء ". وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن أبى الموالى، والترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، كلاهما عن فائد عن مولاه عبيدالله بن على بن أبى رافع، عن جدته سلمى به. وقال الترمذي: غريب إنما نعرفه من حديث فائد. وقد روت عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يطول ذكرها واستقصاؤها. قال مصعب الزبيري: وقد شهدت سلمى وقعة حنين.

[ 648 ]

قلت: وقد ورد أنها كانت تطبخ للنبى صلى الله عليه وسلم الحريرة فتعجبه. وقد تأخرت إلى بعد موته عليه السلام، وشهدت وفاة فاطمة رضى الله عنها، وقد كانت أولا لصفية بنت عبدالمطلب عمته عليه السلام، ثم صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قابلة أولاد فاطمة وهى التى قبلت إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهدت غسل فاطمة وغسلتها مع زوجها على بن أبى طالب وأسماء بنت عميس امرأة الصديق. وقد قال لامام: أحمد حدثنا أبو النضر، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عبيدالله بن على بن أبى رافع، عن أبيه، عن سلمى، قالت: أشتكت فاطمة عليها السلام شكواها الذى قبضت فيه، فكنت أمرضها. فأصبحت يوما كمثل ما يأتيها في شكواها ذلك. قالت: وخرج على لبعض حاجته فقالت: يا أمه اسكبي لى غسلا. فسكبت لها غسلا فأغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثم قالت: يا أمه أعطني ثيابي الجدد. فلبستها، ثم قالت: يا أمه قدمى لى فراشي وسط البيت، ففعلت، واضطجعت فاستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها ثم قالت: يا أمه إنى مقبوضة الآن، وقد تطهرت فلا يكشفنى أحد. فقبضت مكانها. قالت: فجاء على فأخبرته. وهو غريب جدا. * * * ومنهن شيرين، ويقال سيرين، أخت مارية القبطية خالة إبراهيم عليه السلام، وقدمنا أن المقوقس صاحب اسكندرية واسمه جريج بن مينا أهداهما مع غلام اسمه مابور وبغلة يقال لها الدلدل فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبدالرحمن بن حسان.

[ 649 ]

ومنهن عنقودة أم مليح الحبشية، جارية عائشة، كان اسمها عنبة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقودة. رواه أبو نعيم. ويقال اسمها غفيرة. فروة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم - يعنى مرضعه. قالت قال لى رسول الله: " إذا أويت إلى فراشك فاقرئي: قل يا أيها الكافرون فإنها براءة من الشرك ". ذكرها أبو أحمد العسكري. قاله ابن الاثير في الغابة. فأما فضة النوبية فقد ذكر ابن الاثير في الغابة أنها كانت مولاة لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أورد بإسناد مظلم عن محبوب بن حميد البصري، عن القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ". ثم ذكر ما مضمونه: أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادهما عامة العرب، فقالوا لعلى: لو نذرت ؟ فقال على: إن برئا مما بهما صمت لله ثلاثة أيام. وقالت فاطمة كذلك، وقالت فضة كذلك. فألبسهما الله العافية فصاموا، وذهب على فاستقرض من شمعون الخيبرى ثلاثة آصع من شعير، فهيأوا منه تلك الليلة صاعا، فلما وضعوه بين أيديهم للعشاء وقف على الباب سائل فقال: أطعموا المسكين أطعمكم الله على موائد الجنة. فأمرهم على فأعطوه ذلك الطعام وطووا، فلما كانت الليلة الثانية صنعوا لهم الصاع الآخر فلما وضعوه بين أيديهم وقف سائل فقال: أطعموا اليتيم. فأعطوه ذلك وطووا. فلما كانت الليلة الثالثة قال: أطعموا الاسير. فأعطوه وطووا ثلاثة أيام وثلاث ليال. فأنزل الله في حقهم: " هل أتى على الانسان " إلى قوله " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ".

[ 650 ]

وهذا الحديث منكر، ومن الائمة من يجعله موضوعا ويسند ذلك إلى ركة ألفاظه، وأن هذه السورة مكية والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة. والله أعلم. ليلى مولاة عائشة، قالت: يا رسول الله إنك تخرج من الخلاء فأدخل في أثرك فلم أر شيئا، إلا أنى أجد ريح المسك ؟ فقال: " إنا معشر الانبياء تنبت أجسادنا على أرواح أهل الجنة، فما خرج منا من نتن ابتلعته الارض ". رواه أبو نعيم من حديث أبى عبدالله المدنى - وهو أحد المجاهيل - عنها. مارية القبطية أم إبراهيم، تقدم ذكرها مع أمهات المؤمنين. وقد فرق ابن الاثير بينها وبين مارية أم الرباب، قال: وهى جارية للنبى صلى الله عليه وسلم أيضا. حديثها عند أهل البصرة رواه عبدالله بن حبيب، عن أم سلمى، عن أمها عن جدتها مارية، قالت: تطأطأت للنبى صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين. ثم قال: ومارية خادم النبي صلى الله عليه وسلم. روى أبو بكر عن ابن عباس، عن المثنى بن صالح، عن جدته مارية - وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: ما مسست بيدى شيئا قط ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: لا أدرى أهى التى قبلها أم لا. ومنهن ميمونة بنت سعد، قال لامام أحمد: حدثنا على بن بحر (1)، حدثنا عيسى - هو ابن يونس، حدثنا ثور، هو ابن يزيد، عن زياد بن أبى سودة، عن أخيه، أن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس ؟. قال: " أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة "


(1) المطبوعة: على بن محمد بن محرز. وهو تحريف. (*)

[ 651 ]

قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه ؟ قال: " فليهد إليه زيتا يسرج فيه، فإنه من أهدى له كان كمن صلى فيه ". وهكذا رواه ابن ماجه، عن إسماعيل بن عبدالله الرقى، عن عيسى بن يونس، عن ثور، عن زياد، عن أخيه عثمان بن أبى سودة، عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه أبو داود، عن الفضل بن مسكين بن بكير، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ثور، عن زياد، عن ميمونة لم يذكر أخاه، فالله أعلم. وقال أحمد: حدثنا حسين وأبو نعيم قالا: حدثنا إسرائيل، عن زيد بن جبير، عن أبى يزيد الضبى، عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ولد الزنا قال: " لا خير فيه، نعلان أجاهد بهما في سبيل الله أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا ". وهكذا رواه النسائي عن عباس الدوري وابن ماجه، من حديث أبى بكر بن أبى شيبة، كلاهما عن أبى نعيم الفضل بن دكين به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا المحاربي، حدثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة - وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم - قالت: قال رسول الله: " الرافلة في الزينة في غير أهلها، كالظلمة يوم القيامة لا نور لها ". ورواه الترمذي من حديث موسى بن عبيدة وقال: لا نعرفه إلا من حديثه. وهو يضعفه في الحديث. وقد رواه بعضهم عنه فلم يرفعه. ومنهن ميمونة بنت أبى عنيسة أو عنبسة، قاله أبو عمرو بن منده. قال أبو نعيم: وهو تصحيف، والصواب ميمونة بنت أبى عسيب، كذلك روى

[ 652 ]

حديثها المنجع بن مصعب أبو عبد الله العبدى، عن ربيعة بنت مرثد وكانت تنزل في بنى قريع، عن منبه، عن ميمونة بنت أبى عسيب، وقيل بنت أبى عنبسة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة من حريش أتت النبي صلى الله عليه وسلم فنادت: يا عائشة أغيثيني بدعوة من رسول الله تسكنينى بها وتطمنيني بها، وأنه قال لها: " ضعى يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه، وقولى: بسم الله اللهم داونى بدوائك، واشفني بشفائك، وأغنني بفضلك عمن سواك ". قالت ربيعة: فدعوت به فوجدته جيدا. ومنهن أم ضميرة زوج أبى ضميرة. وقد تقدم الكلام عليهم رضى الله عنهم. ومنهن أم عياش بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابنته تخدمها حين زوجها عثمان بن عفان قال أبو القاسم البغوي: حدثنا عكرمة، حدثنا عبد الواحد بن صفوان، حدثنى أبى صفوان، عن أبيه، عن جدته أم عياش - وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم - بعث بها مع ابنته إلى عثمان، قالت: كنت أمغث (1) لعثمان التمر غدوة فيشربه عشية، وأنبذه عشية فيشربه غدوة، فسألني ذات يوم فقال: تخلطين فيه شيئا ؟ فقلت: أجل. قال: فلا تعودي. فهؤلاء إماؤه رضى الله عنهن. وقد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا القاسم بن الفضل، حدثنى ثمامة بن حزن قال: سألت عائشة عن النبيذ فقالت: هذه خادم رسول الله فسلها، لجارية حبشية، فقالت: كنت أنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء عشاء فأوكيه، فإذا أصبح شرب منه. ورواه مسلم والنسائي من حديث القاسم بن الفضل به. هكذا ذكره أصحاب الاطراف في مسند عائشة، والاليق ذكره في مسند جارية حبشية كانت تخدم النبي، وهى إما أن تكون واحدة ممن قدمنا ذكرهن، أو زائدة عليهن والله أعلم.


(1) المغث: الضرب الخفيف. (*)

[ 653 ]

فصل وأما خدامه عليه السلام ورضى الله عنهم الذين خدموه من الصحابة من غير مواليه فمنهم: أنس بن مالك أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عاصم بن غنم ابن عدى بن النجار الانصاري النجارى، أبو حمزة المدنى نزيل البصرة. خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بالمدينة عشر سنين، فما عاتبه على شئ أبدا، ولا قال لشئ فعله: لم فعلته ؟ ولا لشئ لم يفعله، ألا فعلته. وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، هي التى أعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وسألته أن يدعو له فقال: " اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره وأدخله الجنة ". قال أنس: فقد رأيت اثنتين وأنا أنتظر الثالثة، والله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليتعادون على نحو من مائة. وفى رواية: وإن كرمى ليحمل في السنة مرتين، وإن ولدى لصلبي مائة وستة أولاد. وقد اختلف في شهوده بدرا، وقد روى الانصاري عن أبيه، عن ثمامة قال قيل لانس: أشهدت بدرا ؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك ! والمشهور أنه لم يشهد بدرا لصغره، ولم يشهد أحدا أيضا لذلك، وشهد الحديبية وخيبر وعمرة القضاء والفتح وحنينا والطائف وما بعد ذلك.

[ 654 ]

قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم - يعنى أنس بن مالك -. وقال ابن سيرين، كان أحسن الناس صلاة في سفره وحضره. وكانت وفاته بالبصرة، وهو آخر من كان قد بقى فيها من الصحابة، فيما قاله على بن المدينى، وذلك في سنة تسعين، وقيل إحدى وقيل: ثنتين، وقيل ثلاث وتسعين، وهو الاشهر، وعليه الاكثر. وأما عمره يوم مات فقد روى الامام أحمد في مسنده: حدثنا معتمر بن سليمان، عن حميد، أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة. وأقل ما قيل: ست وتسعون، وأكثر ما قيل مائة وسبع سنين، وقيل ست، وقيل مائة وثلاث سنين. فالله أعلم. * * * ومنهم رضى الله عنهم الاسلع بن شريك بن عوف الاعرجي. قال محمد بن سعد: كان اسمه ميمون بن سنباذ. قال الربيع بن بدر الاعرجي، عن أبيه عن جده عن الاسلع قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحل معه، فقال ذات ليلة: " يا أسلع قم فارحل " قال: أصابتني جنابة يارسول الله. قال: فسكت ساعة وأتاه جبريل بآية الصعيد، [ فقال: قم يا أسلع فتيمم ] قال: فتمسحت وصليت، فلما انتهيت إلى الماء قال: " يا أسلع قم فاغتسل " قال: فأراني التيمم فضرب رسول الله يديه إلى الارض ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه الارض ثم نفضهما فمسح بهما ذراعيه، باليمنى على اليسرى، وباليسرى على اليمنى، ظاهرهما وباطنهما. قال الربيع: وأرانى أبى، كما أراه أبوه، كما أراه الاسلع، كما أراه رسول الله. قال الربيع فحدثت بهذا الحديث عوف بن أبى جميلة فقال: هكذا والله رأيت الحسن يصنع.

[ 655 ]

رواه ابن منده والبغوى في كتابيهما معجم الصحابة من حديث الربيع بن بدر هذا، قال البغوي: ولا أعلمه روى غيره. قال ابن عساكر: وقد روى - يعنى هذا الحديث - الهيثم بن رزيق المالكى المدلجى، عن أبيه، عن الاسلع بن شريك. ومنهم رضى الله عنهم أسماء بن حارثة بن سعد بن عبدالله بن عباد بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أقصى الاسلمي. وكان من أهل الصفة ; قاله محمد بن سعد. وهو أخو هند بن حارثة، وكانا يخدمان النبي صلى الله عليه وسلم. قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبدالرحمن بن حرملة عن يحيى بن هند بن حارثة، وكان هند من أصحاب الحديبية، وكان أخوه الذى بعثه رسول الله يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، وهو أسماء بن حارثة. فحدثني يحيى بن هند عن أسماء بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال: " مر قومك بصيام هذا اليوم ". قال: أرأيت إن وجدتهم قد طعموا ؟ قال: " فليتموا آخر يومهم ". وقد رواه أحمد بن خالد الذهبي، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عبدالله بن أبى بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء الاسلمي، عن أبيه هند قال: بعثنى رسول الله إلى قوم من أسلم فقال: " مر قومك فليصوموا هذا اليوم، ومن وجدت منهم أكل في أول يومه فليصم آخره ". قال محمد بن سعد عن الواقدي: أنبأنا محمد بن نعيم بن عبدالله المجمر، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنت أظن أن هندا وأسماء ابني حارثة إلا مملوكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 656 ]

قال الواقدي: كانا يخدمانه لا يبرحان بابه، هما وأنس بن مالك. قال محمد بن سعد: وقد توفى أسماء بن حارثة في سنة ست وستين بالبصرة عن ثمانين سنة. ومنهم بكير بن الشداخ الليثى. ذكر ابن منده من طريق أبى بكر الهذلى، عن عبدالملك بن يعلى الليثى، أن بكير بن شداخ الليثى كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم. فاحتلم فأعلم بذلك رسول الله وقال: إنى كنت أدخل على أهلك. وقد احتلمت الآن يا رسول الله، فقال: " اللهم صدق قوله، ولقه الظفر ". فلما كان في زمان عمر قتل رجل من اليهود، فقام عمر خطيبا فقال: أنشد الله رجلا عنده من ذلك علم ؟ فقام بكير فقال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين. فقال عمر: بؤت بدمه فأين المخرج ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن رجلا من الغزاة استخلفني على أهله، فجئت فإذا هذا اليهودي عند امرأته وهو يقول: وأشعث غره الاسلام منى * خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسى * على جرد الاعنة والحزام (1) كان مجامع الربلات منها * فئام ينهضون إلى فئام (2) قال: فصدق عمر قوله وطل دم اليهودي بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لبكير بما تقدم. * * *


(1) الترائب: عظام الصدر. والاعنة، جمع عنان وهو سير اللجام الذى تمسك به الدابة. والجرد: المغبرة (2) الربلات: جمع ربلة وهى باطن الفخذ، أو كل لحمة غليظة. والفئام: الجماعة من الناس. (*)

[ 657 ]

ومنهم رضى الله عنهم بلال بن رباح الحبشى. ولد بمكة وكان مولى لامية بن خلف، فاشتراه أبو بكر منه بمال جزيل، لان أمية كان يعذبه عذابا شديدا ليرتد عن الاسلام فيأبى إلا الاسلام رضى الله عنه، فلما اشتراه أبو بكر أعتقه ابتغاء وجه الله. وهاجر حين هاجر الناس، وشهد بدرا وأحدا وما بعدهما من المشاهد رضى الله عنه. وكان يعرف ببلال بن حمامة وهى أمه. وكان من أفصح الناس، لا كما يعتقده بعض الناس أن سينه كانت شينا، حتى أن بعض الناس يروى حديثا في ذلك لا أصل له عن رسول الله أنه قال: إن سين بلال شين. وهو أحد المؤذنين الاربعة كما سيأتي، وهو أول من أذن كما قدمنا. وكان يلى أمر النفقة على العيال، ومعه حاصل ما يكون من المال. ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن خرج إلى الشام للغزو، ويقال: إنه أقام يؤذن لابي بكر أيام خلافته، والاول أصح وأشهر. قال الواقدي: مات بدمشق سنة عشرين وله بضع وستون سنة. وقال الفلاس: قبره بدمشق، ويقال بداريا (1)، وقيل إنه مات بحلب، والصحيح أن الذى مات بحلب أخوه خالد. قال مكحول: حدثنى من رأى بلالا قال: كان شديد الادمة نحيفا أجنأ (2) له شعر كثير، وكان لا يغير شيبه رضى الله عنه. * * *


(1) داريا: قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة. المراصد. (2) الاجنأ: من أشرف كاهله على صدره. (*)

[ 658 ]

ومنهم رضى الله عنهم حبة وسواء ابنا خالد رضى الله عنهما. قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، قال حدثنا وكيع، حدثنا الاعمش، عن سلام ابن شرحبيل، عن حبة وسواء ابنا خالد قالا: دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئا فأعناه، فقال: " لا تيئسا من الرزق ما تهزهزت رؤسكما، فإن الانسان تلده أمه أحيمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله عزوجل ". ومنهم رضى الله عنهم ذو مخمر، ويقال ذو مخبر ; وهو ابن أخى النجاشي ملك الحبشة، ويقال ابن أخته. والصحيح الاول. كان بعثه ليخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نيابة عنه. قال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا جرير، عن يزيد بن صليح، عن ذى مخمر - وكان رجلا من الحبشة يخدم النبي صلى الله عليه وسلم - قال: كنا معه في سفر فأسرع السير حتى انصرف، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد. فقال له قائل: يا رسول الله قد انقطع الناس، قال: فحبس وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه، فقال لهم: " هل لكم أن نهجع هجعة ؟ " [ أو قال له قائل ] (1) فنزل ونزلوا، فقالوا: من يكلؤنا الليلة ؟ فقلت: أنا جعلني الله فداك: فأعطاني خطام ناقته فقال: " هاك لا تكونن لكعا ". قال: فأخذت بخطام ناقة رسول الله وخطام ناقتي، فتنحيت غير بعيد فخليت سبيلهما ترعيان، فإنى كذلك أنظر إليهما إذ أخذني النوم، فلم أشعر بشئ حتى وجدت حر الشمس على وجهى، فاستيقظت فنظرت يمينا وشمالا فإذا أنا بالراحلتين منى غير بعيد، فأخذت بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخطام ناقتي، فأتيت أدنى القوم فأيقظته فقلت: أصليت ؟ قال: لا. فأيقظ الناس بعضهم بعضا حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:


(1) سقط من ح. (*)

[ 659 ]

" يا بلال هل في الميضأة ماء " يعنى الاداوة، فقال: نعم جعلني الله فداك، فأتاه بوضوء لم يلت (1) منه التراب، فأمر بلالا فأذن، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الركعتين قبل الصبح وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة فصلى وهو غير عجل، فقال له قائل: يا رسول الله أفرطنا ؟ قال: " لا، قبض الله أرواحنا وردها إلينا، وقد صلينا ". * * * ومنهم رضى الله عنهم ربيعة بن كعب الاسلمي أبو فراس. قال الاوزاعي: حدثنى يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتيه بوضوئه وحاجته، فكان يقوم من الليل فيقول: " سبحان ربى وبحمده " الهوى (2) " سبحان رب العالمين ". الهوى. فقال رسول الله: " هل لك حاجة ؟ " قلت: يا رسول الله مرافقتك في الجنة، قال: " فأعنى على نفسك بكثرة السجود ". وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبى، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن محمد، عن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول الله نهاري أجمع، حتى يصلى عشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول: لعلها أن تحدث لرسول الله حاجة. فما أزال أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سبحان الله وبحمده " حتى أمل فأرجع، أو تغلبني عيناى فأرقد. فقال لى يوما - لما يرى من حقى له وخدمتي إياه -: " يا ربيعة بن كعب سلنى أعطك " قال: فقلت: أنظر في أمرى يا رسول الله ثم أعلمك ذلك. قال: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لى فيها رزقا


(1) يلت: يزل أو ينقص. (2) الهوى: ساعة من الليل. (*)

[ 660 ]

سيكفيني ويأتينى، قال: فقلت: أسأل رسول الله لآخرتي فإنه من الله بالمنزل الذى هو به. قال: فجئته فقال: " ما فعلت يا ربيعة ؟ " قال: فقلت: نعم يا رسول الله أسألك أن تشفع لى إلى ربك فيعتقني من النار. قال: فقال: " من أمرك بهذا يا ربيعة ؟ " قال فقلت: لا والذى بعثك بالحق ما أمرنى به أحد، ولكنك لما قلت: سلنى أعطك وكنت من الله بالمنزل الذى أنت به، نظرت في أمرى فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لى فيها رزقا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول الله لآخرتي. قال: فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال لى: " إنى فاعل، فأعنى على نفسك بكثرة السجود ". وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، أنبأنا يزيد بن هارون، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا أبوعمران الجونى، عن ربيعة الاسلمي - وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم - قال فقال لى ذات يوم: " يا ربيعة ألا تزوج ؟ " قال قلت: يا رسول الله ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شئ وما عندي ما أعطى المرأة. قال: فقلت بعد ذلك: رسول الله أعلم بما عندي منى يدعوني إلى التزويج، لئن دعاني هذه المرة لاجيبنه. قال: فقال لى: " يا ربيعة ألا تزوج ؟ " فقلت: يا رسول الله ومن يزوجنى، ما عندي ما أعطى المرأة. فقال لى: انطلق إلى بنى فلان فقل لهم إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة. قال: فأتيتهم فقلت: إن رسول الله أرسلني إليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة. قالوا: فلانة ؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا برسول الله ومرحبا برسوله. فزوجوني. فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله أتيتك من خير أهل بيت صدفوني وزوجوني فمن أين لى ما أعطى صداقي ؟ فقال رسول الله لبريدة الاسلمي: " اجمعوا لربيعة في صداقه

[ 661 ]

في وزن نواة من ذهب. فجمعوها فأعطوني فأتيتهم فقبلوها، فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله قد قبلوا، فمن أين لى ما أولم ؟ قال: فقال رسول الله لبريدة: " اجمعوا لربيعة في ثمن كبش " قال: فجمعوا وقال لى: " انطلق إلى عائشة فقل لها فلتدفع إليك ما عندها من الشعير " قال: فأتيتها فدفعت إلى، فانطلقت بالكبش والشعير فقالوا: أما الشعير فنحن نكفيك، وأما الكبش فمر أصحابك فليذبحوه. وعملوا الشعير، فأصبح والله عندنا خبز ولحم. ثم إن رسول الله أقطع أبا بكر أرضا له فاختلفنا في عذق، فقلت: هو في أرضى. وقال أبو بكر: هو في أرضى. فتنازعنا فقال لى أبو بكر كلمة كرهتها، فندم فأحضرني فقال لى: قل لى كما قلت. قال: فقلت: لا والله لا أقول لك كما قلت لى. قال: إذا آتى رسول الله. قال: فأتى رسول الله وتبعته، فجاءني قومي يتبعونني فقالوا: هو الذى قال لك وهو يأتي رسول الله فيشكو ! قال: فالتفت إليهم فقلت: تدرون من هذا ؟ هذا الصديق وذو شيبة المسلمين، ارجعوا لا يلتفت فيراكم فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه فيغضب فيأتى رسول الله فيخبره فيهلك ربيعة ! قال: فأتى رسول الله فقال: إنى قلت لربيعة كلمة كرهتها، فقلت له يقول لى مثل ما قلت له فأبى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ربيعة ومالك وللصديق ؟ " قال: فقلت: يارسول الله والله لا أقول له كما قال لى. فقال رسول الله: " لا تقل له كما قال لك، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر ". * * * ومنهم رضى الله عنهم سعد مولى أبى بكر رضى الله عنه، ويقال مولى النبي صلى الله عليه وسلم.

[ 662 ]

قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد مولى أبى بكر الصديق، أن رسول الله قال لابي بكر - وكان سعد مملوكا لابي بكر، وكان رسول الله يعجبه خدمته -: " أعتق سعدا " فقال: يا رسول الله مالنا خادم هاهنا غيره، فقال: " أعتق سعدا أتتك الرجال أتتك الرجال ". وهكذا رواه أحمد عن أبى داود الطيالسي. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد قال: قربت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا، فجعلوا يقرنون، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القران (1). ورواه ابن ماجه عن بندار عن أبى داود به. ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن رواحة. دخل يوم عمرة القضاء مكة وهو يقود بناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله * كما قدمنا ذلك بطوله. وقد قتل عبدالله بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم مؤتة كما تقدم أيضا. ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ أبو عبد الرحمن الهذلى. أحد أئمة الصحابة، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها، كان بلى حمل نعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويلى طهوره، ويرحل دابته إذا أراد الركوب. وكانت له اليد الطولى في تفسير كلام الله، وله العلم الجم والفضل والحلم، وفى الحديث


(1) القران في التمر: الجمع بين تمرتين في الاكل. (*)

[ 663 ]

أن رسول الله قال لاصحابه - وقد جعلوا يعجبون من دقة ساقيه - فقال: " والذى نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد ". وقال عمر بن الخطاب في ابن مسعود: هو كنيف ملئ علما. وذكروا أنه [ كان ] نحيف الخلق حسن الخلق، يقال إنه كان إذا مشى يسامت الجلوس، وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته. يعنى أنه يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وكلامه ويتشبه بما استطاع من عبادته. توفى رضى الله عنه في أيام عثمان سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين بالمدينة، عن ثلاث وستين سنة، وقيل إنه توفى بالكوفة والاول أصح. ومنهم رضى الله عنهم عقبة بن عامر الجهنى. قال الامام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، عن القاسم أبى عبدالرحمن، عن عقبة بن عامر، قال: بينما أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في نقب (1) من تلك النقاب، إذ قال لى: " يا عقبة ألا تركب ؟ " قال: فأشفقت أن تكون معصية. قال: فنزل رسول الله وركبت هنيهة، ثم ركب ثم قال: " يا عقب ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس ؟ " قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بهما. ثم مر بى فقال: " اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت ". وهكذا رواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك، عن ابن جابر، ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء


(1) النقب، الطريق في الجبل. (*)

[ 664 ]

ابن الحارث، عن القاسم أبى عبدالرحمن عن عقبة به. ومنهم رضى الله عنهم قيس بن سعد بن عبادة الانصاري الخزرجي. روى البخاري عن أنس قال: كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الامير. وقد كان قيس هذا رضى الله عنه من أطول الرجال، وكان كوسجا (1) ويقال إن سراويله كان يضعه على أنفه من يكون من أطول الرجال فتصل رجلاه الارض. وقد بعث سراويله معاوية إلى ملك الروم يقول له: هل عندكم رجل تجئ هذه السراويل على طوله ؟ فتعجب صاحب الروم من ذلك. وذكروا أنه كان كريما ممدحا ذا رأى ودهاء، وكان مع على بن أبى طالب أيام صفين. وقال مسعر عن معبد بن خالد: كان قيس بن سعد لا يزال رافعا إصبعه المسبحة يدعو رضى الله عنه وأرضاه. وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغيرهما: توفى بالمدينة في آخر أيام معاوية. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا على بن يزيد الحنفي، حدثنا سعيد بن الصلت، عن الاعمش، عن أبى سفيان، عن أنس قال: كان عشرون شابا من الانصار يلزمون رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوائجه، فإذا أراد أمرا بعثهم فيه. * * * ومنهم رضى الله عنهم المغيرة بن شعبة الثقفى رضى الله عنه. كان بمنزلة السلحدار (2) بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان رافعا السيف في يده وهو واقف على


(1) الكوسج: الناقص الاسنان. (2) السلحدار: صاحب السلاح. أعجمية. (*)

[ 665 ]

رأس النبي صلى الله عليه وسلم في الخيمة يوم الحديبية، فجعل كلما أهوى عمه عروة بن مسعود الثقفى حين قدم في الرسيلة إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم - على ما جرت به عادة العرب في مخاطباتها - يقرع يده بقائمة السيف ويقول: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك. الحديث كما قدمنا. قال محمد بن سعد وغيره: شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاه مع أبى سفيان الامرة حين ذهبا فخربا طاغوت أهل الطائف، وهى المدعوة بالربة، وهى اللات. وكان داهية من دهاة العرب. قال الشعبى: سمعته يقول: ما غلبنى أحد قط. وقال الشعبى: سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها. وقال الشعبى: القضاة أربعة: أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو موسى، والدهاة أربعة: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد. وقال الزهري: الدهاة خمسة ; معاوية وعمرو والمغيرة، واثنان مع على وهما قيس ابن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل (1) بن ورقاء. وقال الامام مالك: كان المغيرة بن شعبة رجلا نكاحا للنساء، وكان يقول: صاحب الواحدة إن حاضت حاض معها، وإن مرضت مرض معها، وصاحب الثنتين بين نارين يشتعلان. قال: فكان ينكح أربعا ويطلقهن جميعا ! وقال غيره: تزوج ثمانين امرأة، وقيل ثلاثمائة امرأة، وقيل: أحصن ألف امرأة. وقد اختلف في وفاته على أقوال أشهرها وأصحها وهو الذى حكى عليه الخطيب البغدادي الاجماع: أنه توفى سنة خمسين. * * *


(1) ا: وبديل بن ورقاء. (*)

[ 666 ]

ومنهم رضى الله عنهم المقداد بن الاسود أبو معبد الكندى، حليف بنى زهرة. قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن المقداد بن الاسود قال: قدمت المدينة أنا وصاحبان، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد، فأتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا له، فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز، فقال: " احلبهن يا مقداد، وجزئهن أربعة أجزاء، وأعط كل إنسان جزءا " فكنت أفعل ذلك. فرفعت للنبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فاحتبس، واضطجعت على فراشي فقالت لى نفسي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى أهل بيت من الانصار، فلو قمت فشربت هذه الشربة. فلم تزل بى حتى قمت فشربت جزأه، فلما دخل في بطني وتقار أخذني ما قدم وما حدث، فقلت: يجئ الآن النبي صلى الله عليه وسلم جائعا ظمآنا فلا يرى في القدح شيئا، فسجيت ثوبا على وجهى. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النائم، فكشف عنه فلم ير شيئا، فرفع رأسه إلى السماء فقال: " اللهم اسق من سقاني، وأطعم من أطعمني ". فاغتنمت دعوته وقمت فأخذت الشفرة فدنوت إلى الاعنز فجعلت أجسهن أيتهن أسمن لاذبحها، فوقعت يدى على ضرع إحداهن فإذا هي حافل، ونظرت إلى الاخرى فإذا هي حافل، فنظرت فإذا هن كلهن حفل، فحلبت في إناء فأتيته به فقلت: اشرب. فقال: " ما الخبر يا مقداد ؟ " فقلت: اشرب ثم الخبر. فقال: " بعض سوأتك يا مقداد " فشرب ثم قال: " اشرب " فقلت: اشرب يا نبى الله، فشرب حتى تضلع ثم أخذته فشربته، ثم أخبرته الخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هيه " فقلت: كان كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذه بركة منزلة من السماء أفلا أخبرتني

[ 667 ]

حتى أسقى صاحبيك ؟ " فقلت: إذا شربت البركة أنا وأنت فلا أبالى من أخطأت. وقد رواه الامام أحمد أيضا عن أبى النضر، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن المقداد. فذكر ما تقدم، وفيه أنه حلب في الاناء الذى كانوا لا يطمعون أن يحلبوا فيه، فحلب حتى علته الرغوة. ولما جاء به قال له رسول الله: " أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد ؟ " فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب ثم ناولنى فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب ثم ناولنى فأخذت ما بقى ثم شربت. فلما عرفت أن رسول الله قد روى فأصابتني دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الارض، فقال رسول الله: " إحدى سوأتك يا مقداد ! ". فقلت: يا رسول الله كان من أمرى كذا، صنعت كذا. فقال: " ما كانت هذه إلا رحمة الله، ألا كنت آذنتتى توقظ صاحبيك هذين فيصيبان منها " قال: قلت: والذى بعثك بالحق ما أبالى إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به. ومنهم رضى الله عنهم مهاجر مولى أم سلمة. قال الطبراني: حدثنا أبوالزنباع روح بن الفرج، حدثنا يحيى بن عبدالله بن بكير، حدثنى إبراهيم بن عبدالله، سمعت بكيرا يقول: سمعت مهاجرا مولى أم سلمة قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين فلم يقل لى لشئ صنعته لم صنعته، ولا لشئ تركته لم تركته. وفى رواية: خدمته عشر سنين أو خمس سنة. ومنهم رضى الله عنهم أبو السمح. قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفى: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، حدثنا يحيى بن الوليد، حدثنى محل ابن خليفة، حدثنى أبو السمح، قال: كنت أخدم رسول الله. قال كان إذا أراد أن

[ 668 ]

يغتسل قال: ناولنى إداوتى، قال: فأناوله وأستره، فأتى بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت لاغسله فقال: " يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام ". وهكذا رواه أو داود والنسائي وابن ماجه عن مجاهد بن موسى. ومنهم رضى الله عنهم أفضل الصحابة على الاطلاق أبو بكر الصديق رضى الله عنه تولى خدمته بنفسه في سفرة الهجرة، لا سيما في الغار وبعد خروجهم منه حتى وصلوا إلى المدينة. كما تقدم ذلك مبسوطا ولله الحمد والمنة.

[ 669 ]

فصل وأما كتاب الوحى وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه ورضى عنهم أجمعين فمنهم الخلفاء الاربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهم ومنهم رضى الله عنهم أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى الاموى. أسلم بعد أخويه خالد وعمرو، وكان إسلامه بعد الحديبية، لانه هو الذى أجار عثمان حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة يوم الحديبية، وقيل خيبر، لان له ذكرا في الصحيح من حديث أبى هريرة في قسمة غنائم خيبر. وكان سبب إسلامه أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام فذكر له أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الراهب: ما اسمه ؟ قال: محمد. قال: فأنا أنعته لك، فوصفه بصفته سواء وقال: إذا رجعت إلى أهلك فأقرئه السلام. فأسلم بعد مرجعه وهو أخو عمرو بن سعيد الاشدق الذى قتله عبدالملك ابن مروان. قال أبو بكر بن أبى شيبة: كان أول من كتب الوحى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى بن كعب، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت، وكتب له عثمان وخالد ابن سعيد وأبان بن سعيد. هكدا قال. يعنى بالمدينة، وإلا فالسور المكية لم يكن أبى بن كعب حال نزولها، وقد كتبها الصحابة بمكة رضى الله عنهم.

[ 670 ]

وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا، فقال موسى بن عقبة ومصعب بن الزبير والزبير ابن بكار وأكثر أهل النسب: قتل يوم أجنادين، يعنى في جمادى الاولى سنة ثنتى عشرة. قال آخرون: قتل يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة. وقال محمد بن إسحاق: قتل هو وأخوه عمرو يوم اليرموك، لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. وقيل إنه تأخر إلى أيام عثمان، وإنه أمره عثمان أن يملى المصحف الامام على زيد بن ثابت، ثم توفى سنة تسع وعشرين فالله أعلم. ومنهم أبى بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الانصاري. أبو المنذر، ويقال أبو الطفيل. سيد القراء شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها. وكان ربعة نحيفا أبيض الرأس واللحية لا يغير شيبه. قال أنس: جمع القرآن أربعة - يعنى من الانصار - أبى بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ورجل من الانصار يقال له أبو يزيد. أخرجاه. وفى الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي: " إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن ". قال: وسماني لك يا رسول الله ؟ قال: " نعم " قال فذرفت عيناه. ومعنى أن أقرأ عليك القرآن قراءة إبلاغ وإسماع لا قراءة تعلم منه، هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم، وإنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه. وقد ذكرنا في موضع آخر سبب القراءة عليه وأنه قرأ عليه سورة: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ".

[ 671 ]

وذلك أن أبى بن كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبى، فرفعه أبى إلى رسول الله فقال: " اقرأ يا أبى " فقرأ فقال، " هكذا أنزلت ". ثم قال لذلك الرجل " اقرأ " فقرأ فقال: " هكذا أنزلت ". قال أبى: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية، فال: فضرب رسول الله في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا، فبعد ذلك تلا عليه رسول الله هذه السورة كالتثبيت له والبيان له أن هذا القرآن حق وصدق، وإنه أنزل على أحرف كثيرة رحمة ولطفا بالعباد. وقال ابن أبى خيثمة: هو أول من كتب الوحى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف في وفاته، فقيل: في سنة تسع عشرة. وقيل سنة عشرين، وقيل ثلاث وعشرون وقيل قبل مقتل عثمان بجمعة. فالله أعلم. * * * ومنهم رضى الله عنهم أرقم بن أبى الارقم، واسمه عبد مناف بن أسد بن جندب ابن عبدالله بن عمر بن مخزوم المخزومى. أسلم قديما وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا في داره عند الصفا وتعرف تلك الدار بعد ذلك بالخيزران. وهاجر وشهد بدرا وما بعدها. وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبدالله بن أنيس. وهو الذى كتب إقطاع عظيم بن الحارث المحاربي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفخ وغيره، وذلك فيما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري، حدثنى عبدالملك بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده عمرو ابن حزم.

[ 672 ]

وقد توفى في سنة ثلاث وقيل خمس وخمسين، وله خمس وثمانون سنة. وقد روى الامام أحمد له حديثين ; الاول قال أحمد والحسن بن عرفة - واللفظ لاحمد -: حدثنا عباد بن عباد المهلبى، عن هشام بن زياد، عن عمار بن سعد، عن عثمان بن أرقم بن أبى الارقم، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله قال: " إن الذى يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الامام كالجار قصبه (1) في النار ". والثانى قال أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثنا العطاف بن خالد، حدثنا يحيى بن عمران، عن عبدالله بن عثمان بن الارقم، عن جده الارقم، أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أين تريد ؟ " قال أردت يا رسول الله هاهنا، وأومأ بيده إلى حيز بيت المقدس، قال: " ما يخرجك إليه أتجارة ؟ " قال: لا ولكن أردت الصلاة فيه. قال: " الصلاة هاهنا - وأمأ بيده إلى مكة - خير من ألف صلاة " وأومأ بيده إلى الشام. تفرد بهما أحمد. * * * ومنهم رضى الله عنهم ثابت بن قيس بن شماس الانصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، ويقال أبو محمد المدنى، خطيب الانصار، ويقال له خطيب النبي صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن سعد، أنبأنا على بن محمد المدائني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله، قالوا، قدم عبدالله بن عبس الثمالى ومسلمة بن هزان الحدانى على رسول الله في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا على قومهم، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شماس وشهد فيه سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة رضى الله عنهم.


(1) القصب: الامعاء. (*)

[ 673 ]

وهذا الرجل ممن ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة. وروى الترمذي في جامعه بإسناد على شرط مسلم، عن أبى هريرة، أن رسول الله قال: " نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر. نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن عمرو ابن الجموح ". وقد قتل رضى الله عنه شهيدا يوم اليمامة سنة اثنتى عشرة في أيام أبى بكر الصديق. * * * ومنهم رضى الله عنهم حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مخاشن ابن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي الاسيدى الكاتب، وأخوه رباح صحابي أيضا، وعمه أكثم بن صيفي كان حكيم العرب. قال الواقدي: كتب للنبى صلى الله عليه وسلم كتابا. وقال غيره: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف في الصلح، وشهد مع خالد حروبه بالعراق وغيرها، وقد أدرك أيام على وتخلف عن القتال معه في الجمل وغيره، ثم انتقل عن الكوفة لما شتم بها عثمان، ومات بعد أيام على. وقد ذكر ابن الاثير في الغابة، أن امرأته لما مات جزعت عليه فلامها جاراتها في ذلك فقالت: تعجبت دعد لمحزونة * تبكى على ذى شيبة شاحب إن تسأليني اليوم ما شفنى * أخبرك قولا ليس بالكاذب إن سواد العين أودى به * حزن على حنظلة الكاتب

[ 674 ]

قال أحمد بن عبدالله بن الرقى: كان معتزلا للفتنة حتى مات بعد على، جاء عنه حديثان. قلت: بل ثلاثة. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان، قالا: حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن حنظلة الكاتب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من حافظ على الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة " أو قال: " وجبت له الجنة ". تفرد به أحمد، وهو منقطع بين قتادة وحنظلة. والله أعلم. والحديث الثاني: رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث سعيد الجريرى عن أبى عثمان النهدي، عن حنظلة: " لو تدومون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفى طرقكم وعلى فرشكم، ولكن ساعة وساعة ". وقد رواه أحمد والترمذي أيضا من حديث عمران بن داود القطان، عن قتادة، عن يزيد بن عبدالله بن الشخير، عن حنظلة. والثالث: رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، من حديث سفيان الثوري، عن أبى الزناد، عن المرقع بن صيفي بن حنظلة، عن جده في النهى عن قتل النساء في الحرب. لكن رواه الامام أحمد، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرت عن أبى الزناد عن مرقع بن صيفي بن رباح بن ربيع، عن جده رباح بن ربيع أخى حنظلة الكاتب فذكره. وكذلك رواه أحمد أيضا، عن حسين بن محمد وإبراهيم بن أبى العباس، كلاهما عن المغيرة بن عبدالرحمن، عن أبيه. وعن سعيد بن منصور وأبى عامر العقدى، كلاهما عن المغيرة بن عبدالرحمن، عن أبى الزناد، عن مرقع عن جده رباح. ومن طريق

[ 675 ]

المغيرة رواه النسائي وابن ماجه كذلك. وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر بن مرقع عن أبيه، عن جده رباح فذكره. فالحديث عن رباح لا عن حنظلة، ولذا قال أبو بكر بن أبى شيبة: كان (1) سفيان الثوري يخطئ في هذا الحديث. قلت: وصح قول ابن الرقى أنه لم يرو سوى حديثين. والله أعلم. ومنهم رضى الله عنهم خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سعيد الاموى. أسلم قديما، يقال بعد الصديق بثلاثة أو أربعة، وأكثر ما قيل خمسة. وذكروا أن سبب إسلامه أنه رأى في النوم كأنه واقف على شفير جهنم فذكر من سعتها ما الله به عليم. قال: وكأن أباه يدفعه فيها، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيده ليمنعه من الوقوع، فقص هذه الرؤيا على أبى بكر الصديق فقال له: لقد أريد بك خير، هذا رسول الله فاتبعه تنج مما خفته. فجاء رسول الله فأسلم. فلما بلغ أباه إسلامه غضب عليه وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه وأخرجه من منزله ومنعه القوت، ونهى بقية إخوته أن يكلموه، فلزم خالد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا، ثم أسلم أخوه عمرو. فلما هاجر الناس إلى أرض الحبشة هاجرا معهم، ثم كان هو الذى ولى العقد في تزويج أم حبيبة من رسول الله كما قدمنا، ثم هاجرا من أرض الحبشة صحبة جعفر، فقدما على رسول الله بخيبر وقد افتتحها، فأسهم لهما عن مشورة المسلمين، وجاء أخوهما أبان بن


(1) ا: فإن. (*)

[ 676 ]

سعيد فشهد فتح خيبر كما قدمنا، ثم كان رسول الله يوليهم الاعمال. فلما كانت خلافة الصديق خرجوا إلى الشام للغزو فقتل خالد بأجنادين، ويقال بمرج الصفر والله أعلم. قال عتيق بن يعقوب: حدثنى عبدالملك بن أبى بكر، عن أبيه، عن جده عن عمرو ابن حزم ; يعنى أن خالد بن سعيد كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله راشد بن عبد رب السلمى، أعطاه غلوتين وغلوة بحجر برهاط (1)، فمن خافه فلا حق له وحقه حق وكتب خالد بن سعيد. وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثنى جعفر بن محمد بن خالد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أقام خالد بن سعيد بعد أن قدم من أرض الحبشة بالمدينة، وكان يكتب لرسول الله، وهو الذى كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف وسعى في الصلح بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهم رضى الله عنهم خالد بن الوليد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم [ أبو سليمان ] (2) المخزومى. وهو أمير الجيوش المنصورة الاسلامية، والعساكر المحمدية، والمواقف المشهودة، والايام المحمودة. ذو الرأى السديد، والبأس الشديد، والطريق الحميد. أبو سليمان خالد بن الوليد. ويقال إنه لم يكن في جيش فكسر لا في جاهلية ولا إسلام.


(1) الغلوة: قدر ما يبلغ السهم. ورهاط: موضع على ثلاث ليال من مكة، أو قرية على طريق المدينة بواد يقال له غران. المراصد. (2) ليست في ا. (*)

[ 677 ]

قال الزبير بن بكار: كانت إليه في قريش القبة وأعنة الخيل. أسلم هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبى طلحة بعد الحديبية وقبل خيبر، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه فيما يبعثه أميرا، ثم كان المقدم على العساكر كلها في أيام الصديق. فلما ولى عمر بن الخطاب عزله وولى أبا عبيدة أمين الامة على ألا يخرج عن رأى أبى سليمان. ثم مات خالد في أيام عمر، وذلك في سنة إحدى وعشرين. وقيل اثنتين وعشرين - والاول أصح - بقرية على ميل من حمص. قال الواقدي: سألت عنها فقيل لى دثرت. وقال دحيم: مات بالمدينة. والاول أصح. وقد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. قال عتيق بن يعقوب: حدثنى عبدالملك بن أبى بكر، عن أبيه عن جده، عن عمرو ابن حزم، أن هذه قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين أن صيدوح (1) وصيده لا يعضد صيده ولا يقتل، فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فإنه يجلد وينزع ثيابه، وإن تعدى ذلك أحد فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من محمد النبي. وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد. * * * ومنهم رضى الله عنهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى، أبو عبد الله الاسدي. أحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول الله وهو عنهم راض


(1) صيدوح: قرية بشرقي المدينة من شراج الحرة. والشراج: مجارى المياه من الحرار. المراصد. (*)

[ 678 ]

[ وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية بنت عبدالمطلب وزوج أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه ] (1). روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم، أن الزبير بن العوام هو الذى كتب لبنى معاوية بن جرول الكتاب الذى أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه لهم رواه ابن عساكر بإسناده عن عتيق به. أسلم الزبير قديما رضى الله عنه وهو ابن ست عشرة سنة، ويقال ابن ثمانى سنين، وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها، وهو أول من سل سيفا في سبيل الله. وقد شهد اليرموك وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين، ويخرج من الجانب الآخر سالما، لكن جرح في قفاه بضربتين رضى الله عنه. وقد جمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أبويه (2) وقال: " إن لكل نبى حواريا وحواري الزبير ". وله فضائل ومناقب كثيرة وكانت وفاته يوم الجمل، وذلك أنه كر راجعا عن القتال، فلحقه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ورجل ثالث يقال له النعر التميميون، بمكان يقال له وادى السباع، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الاولى سنة ست وثلاثين وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة. وقد خلف رضى الله عنه بعده تركة عظيمة، فأوصى من ذلك بالثلث بعد إخراج ألفى ألف ومائتي ألف دينار، فلما قضى دينه وأخرج ثلث ماله قسم الباقي على ورثته، فنال كل امرأة من نسائه - وكن أربعا - ألف ألف ومائتا ألف، فمجموع ما ذكرناه مما


(1) سقطت من ا. (2) في قوله: ارم فداك أبى وأمى. (*)

[ 679 ]

تركه رضى الله عنه تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف. وهذا كله من وجوه حل نالها في حياته مما كان يصيبه من الفئ والمغانم، ووجوه متاجر الحلال، وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها، والصلات البارعة الكثيرة لاربابها في أوقات حاجاتها. رضى الله عنه ورأضاه وجعل جنات الفردوس مثواه، وقد فعل ! فإنه قد شهد له سيد الاولين والآخرين ورسول رب العالمين بالجنة، ولله الحمد والمنة. وذكر ابن الاثير في الغابة أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وأنه كان يتصدق بذلك كله. وقال فيه حسان بن ثابت يمدحه ويفضله بذلك. أقام على عهد النبي وهديه * حواريه والقول بالفضل يعدل أقام على منهاجه وطريقه * يوالى ولى الحق والحق أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذى * يصول إذا ما كان يوم محجل (1) وإن امرءا كانت صفية أمه * ومن أسد في بيته لمرفل (2) له من رسول الله قربى قريبة * ومن نصرة الاسلام مجد مؤثل فكم كربة ذب الزبير بسيفه * عن المصطفى والله يعطى ويجزل إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها * بأبيض [ سباق (3) ] إلى الموت يرفل فما مثله فيهم ولا كان قبله * وليس يكون الدهر ما دام يذبل قد تقدم أنه قتله عمرو بن جرموز التميمي بوادي السباع وهو نائم، ويقال بل قام من آثار النوم وهو دهش فركب وبارزه ابن جرموز، فلما صمم عليه الزبير أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلوه، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه. فلما دخل بهما على


(1) المحجل: المعروف. (2) المرفل: المعظم والمسود. (3) من تاريخ ابن عساكر 5 / 364. (*)

[ 680 ]

على قال على رضى الله عنه لما رأى سيف الزبير: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال على فيما قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار. فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه. والصحيح أنه عمر بعد على حتى كانت أيام ابن الزبير، فاستناب أخاه مصعبا على العراق، فاختفى عمرو بن جرموز خوفا من سطوته أن يقتله بأبيه. فقال مصعب: أبلغوه أنه آمن، أيحسب أنى أقتله بأبى عبدالله ؟ كلا والله ليسا سواء. وهذا من حلم مصعب وعقله ورياسته. وقد روى الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يطول ذكرها. ولما قتل الزبير بن العوام بوادي السباع كما تقدم، قالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثيه رضى الله عنها وعنه: غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غير معرد (1) يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشا رعش الجنان ولا اليد كم غمرة قد خاضها لم يثنه * عنها طراد يا ابن فقع القردد (2) ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله * فيمن مضى فيمن يروح ويغتدى والله ربك إن قتلت لمسلما * حلت عليك عقوبة المتعمد ومنهم رضى الله عنهم زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن


(1) البهمة: الجيش، وأيضا: الشجاع الذى لا يهتدى من أين يؤتى. والمعرد: الهارب. (2) الفقع: البيضاء الرخوة من الكمأة، والقردد: الجبل. ويقال للذليل: هو أذل من فقع بقرقرة. لانه لا يمتنع على من جناه، أو لانه يوطأ بالارجل. وفى ا: طرادك. (*)

[ 681 ]

عبيد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الانصاري النجارى، أبو سعيد ويقال أبو خارجة، ويقال أبو عبد الرحمن المدنى. قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، فلهذا لم يشهد بدرا لصغره، قيل ولا أحدا، وأول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها. وكان حافظا لبيبا عالما عاقلا، ثبت عنه في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب يهود ليقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتبوا إليه، فتعلمه في خمسة عشر يوما. وقد قال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبدالرحمن، عن أبى الزناد، عن خارجة بن زيد، أن أباه زيدا أخبره أنه لما قدم رسول الله المدينة قال زيد: ذهب بى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجب بى، فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بنى النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة. فأعجب ذلك رسول الله وقال: " يا زيد تعلم لى كتاب يهود، فإنى والله ما آمن يهود على كتابي ". قال زيد: فتعلمت لهم كتابهم ما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب. ثم رواه أحمد عن شريح بن النعمان، عن ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن خارجة، عن أبيه فذكر نحوه. وقد علقه البخاري في الاحكام عن خارجة بن زيد بن ثابت بصيغة الجزم فقال: وقال خارجة بن زيد. فذكره. ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس، والترمذي عن على بن حجر، كلاهما عن عبدالرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، عن خارجة، عن أبيه به نحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح.

[ 682 ]

وهذا ذكاء مفرط جدا. وقد كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراء كما ثبت في الصحيحين عن أنس. وروى أحمد والنسائي من حديث أبى قلابة، عن أنس عن رسول الله أنه قال: " أرحم أمتى بأمتى أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأقضاهم على بن أبى طالب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح ". ومن الحفاظ من يجعله مرسلا إلا ما يتعلق بأبى عبيدة، ففى صحيح البخاري من هذا الوجه. وقد كتب الوحى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن. ومن أوضح ذلك ما ثبت في الصحيح عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى " لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله (1) " الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اكتب لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ". فجاء ابن أم مكتوم فجعل يشكو ضرارته، فنزل الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت فخذه على فخذي حتى كادت ترضها، فنزل: " غير أولى الضرر " فأمرني فألحقتها، فقال زيد: فأنى لاعرف [ موضع (2) ] ملحقها عند صدع في ذلك اللوح - يعنى من عظام - الحديث. وقد شهد زيد اليمامة وأصابه سهم فلم يضره، وهو الذى أمره الصديق بعد هذا بأن يتتبع القرآن فيجمعه، وقال له: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. ففعل ما أمره به الصديق، فكان في ذلك خير كثير ولله الحمد والمنة.


(1) سورة النساء (2) ليست في ا. (*)

[ 683 ]

وقد استنابه عمر مرتين في حجتين على المدينة، واستنابه لما خرج إلى الشام، وكذلك كان عثمان يستنيبه على المدينة أيضا. وكان على يحبه، وكان يعظم عليا ويعرف له قدره، ولم يشهد معه شيئا من حروبه. وتأخر بعده حتى توفى سنة خمس وأربعين، وقيل سنة إحدى وقيل خمس وخمسين. وهو ممن كان يكتب المصاحف الائمة التى نفذ بها عثمان بن عفان إلى سائر الآفاق اللائى وقع على التلاوة طبق رسمهن الاجماع والاتفاق، كما قررنا ذلك في كتاب فضائل القرآن الذى كتبناه مقدمة في أول كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة. * * * ومنهم السجل، كما ورد به الحديث المروى في ذلك عن ابن عباس - إن صح - وفيه نظر. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا نوح بن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبى الجوزاء، عن ابن عباس، قال: السجل كاتب للنبى صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه النسائي عن قتيبة به، عن ابن عباس أنه كان يقول: في هذه الآية " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " (1) السجل: الرجل. هذا لفظه. ورواه أبو جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى: " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " عن نصر بن على، عن نوح بن قيس، وهو ثقة من رجال مسلم، وقد ضعفه ابن معين في رواية عنه. وأما شيخه يزيد بن كعب العوذى البصري فلم يرو عنه سوى نوح بن قيس، وقد ذكره مع ذلك ابن حبان في الثقات.


(1) سورة الانبياء. (*)

[ 684 ]

وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير أبى الحجاج المزى فأنكره جدا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع، وإن كان في سنن أبى داود. فقال شيخنا المزى: وأنا أقوله. قلت: وقد رواه الحافظ ابن عدى في كامله من حديث محمد بن سليمان الملقب ببومة، عن يحيى بن عمرو، عن مالك البكري، عن أبيه، عن أبى الجوزاء، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له السجل، وهو قوله تعالى: " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " قال: كما يطوى السجل للكتاب كذلك تطوى السماء. وهكذا رواه البيهقى عن أبى نصر بن قتادة عن أبى على الرفاء، عن على بن عبد العزيز عن مسلم بن إبراهيم، عن يحيى بن عمرو بن مالك به. ويحيى هذا ضعيف جدا فلا يصلح للمتابعه. والله أعلم. وأغرب من ذلك أيضا ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب وابن مندة من حديث أحمد ابن سعيد البغدادي المعروف بحمدان، عن ابن بهز، عن عبيدالله، عن نافع عن ابن عمر قال: كان للنبى صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له سجل فأنزل الله: " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " قال ابن مندة: غريب تفرد به حمدان. وقال البرقانى: قال أبو الفتح الازدي. تفرد به ابن نمير إن صح. قلت: وهذا أيضا منكر عن ابن عمر، كما هو منكر عن ابن عباس، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر خلاف ذلك، فقد روى الوالبى والعوفى، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية قال: كطى الصحيفة على الكتاب. وكذلك قال مجاهد. وقال ابن جرير: هذا هو المعروف في اللغة أن السجل هو الصحيفة. قال: ولا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وأنكر أن يكون السجل اسم ملك

[ 685 ]

من الملائكة، كما رواه عن أبى كريب، عن ابن يمان، حدثنا أبو الوفاء الاشجعى، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله: " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " قال: السجل ملك فإذا صعد بالاستغفار قال الله: اكتبها نورا. وحدثنا بندار، عن مؤمل، عن سفيان، سمعت السدى يقول. فذكر مثله. وهكذا قال أبو جعفر الباقر فيما رواه أبو كريب عن المبارك، عن معروف بن خربوذ عمن سمع أبا جعفر يقول: السجل الملك. وهذا الذى أنكره ابن جرير من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوى جدا، والحديث في ذلك منكر جدا. ومن ذكره في أسماء الصحابة كابن منده وأبى نعيم الاصبهاني وابن الاثير في الغابة، إنما ذكره إحسانا للظن بهذا الحديث، أو تعليقا على صحته والله أعلم. * * * ومنهم سعد بن أبى سرح فيما قاله خليفة بن خياط وقد وهم إنما هو ابنه عبدالله بن سعد بن أبى سرح، كما سيأتي قريبا إن شاء الله. ومنهم عامر بن فهيرة، مولى أبى بكر الصديق. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: قال الزهري: أخبرني عبدالملك ابن مالك المدلجى، وهو ابن أخى سراقة بن مالك، أن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول. فذكر خبر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه: فقلت له إن قومك جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزؤونى منه شيئا ولم يسألونى إلا أن أخف عنا، فسألته أن يكتب لى كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى.

[ 686 ]

قلت: وقد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة وقد روى أن أبا بكر هو الذى كتب لسراقة هذا الكتاب فالله أعلم. وقد كان عامر بن فهيرة - ويكنى أبا عمرو - من مولدي الازد أسود اللون، وكان أولا مولى للطفيل بن الحارث أخى عائشة لامها أم رومان، فأسلم قديما قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الارقم بن أبى الارقم التى عند الصفا مستخفيا، فكان عامر يعذب مع جملة المستضعفين بمكة ليرجع عن دينه [ فيأبى (1) ]، فاشتراه أبو بكر الصديق فأعتقه، فكان يرعى له غنما بظاهر مكة. ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر كان معهما رديفا لابي بكر ومعهم الدليل الدبلى فقط. كما تقدم مبسوطا (2). ولما وردوا المدينة نزل عامر بن [ فهيرة (1) ] على سعد بن خيثمة، وآخى رسول الله بينه وبين أوس بن معاذ وشهد بدرا واحدا. وقتل يوم بئر معونة، كما تقدم، وذلك سنة أربع من الهجرة، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة فالله أعلم. وقد ذكر عروة وابن إسحاق والواقدى وغير واحد، أن عامرا قتله يوم بئر معونة رجل يقال له جبار بن سلمى من بنى كلاب، فلما طعنه بالرمح قال: فزت ورب الكعبة. ورفع عامر حتى غاب عن الابصار حتى قال عامر بن الطفيل: لقد رفع حتى رأيت السماء دونه. وسئل عمرو بن أمية عنه فقال: كان من أفضلنا ومن أول أهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم. قال جبار: فسألت الضحاك بن سفيان عما قال ما يعنى به ؟ فقال: يعنى الجنة.


(1) ليست في ا (2) تقدم ذلك في الجزء الثاني. (*)

[ 687 ]

ودعانى الضحاك إلى الاسلام فأسلمت لما رأيت من قتل عامر بن فهيرة، فكتب الضحاك إلى رسول الله يخبره بإسلامى وما كان من أمر عامر، فقال: " وارته الملائكة وأنزل عليين " وفى الصحيحين عن أنس أنه قال: قرأنا فيهم قرآنا: أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا. وقد تقدم ذلك وبيانه في موضعه عند غزوة بئر معونة. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى هشام بن عروة، عن أبيه، أن عامر بن الطفيل كان يقول: من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض حتى رأيت السماء دونه ؟ قالوا: عامر بن فهيرة. وقال الواقدي: حدثنى محمد بن عبدالله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: رفع عامر بن فهيرة إلى السماء فلم توجد جثته. يرون أن الملائكة وارته. * * * ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن أرقم بن أبى الارقم المخزومى. أسلم عام الفتح وكتب للنبى صلى الله عليه وسلم. قال الامام مالك: وكان ينفذ ما يفعله ويشكره ويستجيده. وقال سلمة عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، أن رسول الله استكتب عبدالله بن الارقم بن عبد يغوث، وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته أنه [ كان يأمره أن ] يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويختم على ما يقرأه لامانته عنده. وكتب لابي بكر وجعل إليه بيت المال، وأقره عليهما عمر بن الخطاب، فلما كان عثمان عزله عنهما.

[ 688 ]

قلت: وذلك بعد ما استعفاه عبدالله بن أرقم. ويقال إن عثمان عرض عليه ثلاثمائة ألف درهم عن أجرة عمالته فأبى أن يقبلها وقال: إنما عملت لله فأجرى على الله عزوجل. قال ابن إسحاق: وكتب لرسول الله زيد بن ثابت، فإذا لم يحضر ابن الارقم وزيد بن ثابت كتب من حضر من الناس. وقد كتب عمر وعلى وزيد والمغيرة بن شعبة ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن سمى من العرب. وقال الاعمش: قلت لشقيق بن سلمة: من كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: عبدالله بن الارقم، وقد جاء عمر بكتاب أبى بكر بالقادسية وفى أسفله: وكتب عبدالله بن الارقم. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الفضل بن محمد البيهقى، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون، عن عبد الواحد بن أبى عون، عن القاسم بن محمد، عن عبدالله بن عمر، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم كتاب رجل، فقال لعبدالله بن الارقم: " أجب عنى " فكتب جوابه ثم قرأه عليه، فقال: " أصبت وأحسنت، اللهم وفقه ". قال: فلما ولى عمر كان يشاوره. وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما رأيت أخشى لله منه - يعنى في العمال - أضر رضى الله عنه قبل وفاته. ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن زيد بن عبد ربه الانصاري الخزرجي، صاحب الاذان. أسلم قديما فشهد عقبة السبعين، وحضر بدرا وما بعدها.

[ 689 ]

ومن أكبر مناقبه رؤيته الاذان والاقامة في النوم، وعرضه ذلك على رسول الله وتقريره عليه، وقوله له: " إنها لرؤيا حق فألقه على بلال، فإنه أندى صوتا منك "،. وقد قدمنا الحديث بذلك في موضعه. وقد روى الواقدي بأسانيده عن ابن عباس أنه كتب كتابا لمن أسلم من جرش فيه الامر لهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإعطاء خمس المغنم. وقد توفى رضى الله عنه سنة اثنتين وثلاثين عن أربع وستين سنة، وصلى عليه عثمان ابن عفان رضى الله عنه. * * * ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن سعد بن أبى سرح، القرشى العامري، أخو عثمان لامه من الرضاعة. أرضعته أم عثمان. وكتب الوحى ثم ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان قد أهدر دمه فيمن أهدر من الدماء - فجاء إلى عثمان بن عفان فاستأمن له، فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمنا في غزوة الفتح. ثم حسن إسلام عبدالله بن سعد جدا. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزى، حدثنا على بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان عبدالله بن سعد ابن أبى سرح يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله أن يقتل، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه النسائي من حديث على بن الحسين بن واقد به.

[ 690 ]

قلت: وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين افتتح عمرو مصر سنة عشرين في الدولة العمرية، فاستناب عمر بن الخطاب عمرا عليها، فلما صارت الخلافة إلى عثمان عزل عنها عمرو بن العاص وولى عليها عبدالله بن سعد سنة خمس وعشرين. وأمره بغزو بلاد أفريقية فغزاها ففتحها وحصل للجيش منها مال عظيم، كان قسم الغنيمة لكل فارس من الجيش ثلاثة آلاف مثقال من ذهب، وللراجل ألف مثقال، وكان معه في جيشه هذا ثلاثة من العبادلة ; عبدالله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو. ثم غزا عبدالله بن سعد بعد أفريقية الاساود من أرض النوبة فهادنهم، فهى إلى اليوم، وذلك سنة إحدى وثلاثين. ثم غزا غزوة الصوارى في البحر إلى الروم وهى غزوة عظيمة. فلما اختلف الناس على عثمان خرج من مصر واستناب عليها ليذهب إلى عثمان لينصره. فلما قتل عثمان أقام بعسقلان وقيل بالرملة ودعا الله أن يقبضه في الصلاة، فصلى يوما الفجر وقرأ في الاولى منها بفاتحة الكتاب والعاديات، وفى الثانية بفاتحة الكتاب وسورة، ولما فرغ من التشهد سلم التسليمة الاولى، ثم أراد أن يسلم الثانية فمات بينهما رضى الله عنه، وذلك في سنة ست وثلاثين، وقيل سنة سبع، وقيل إنه تأخر إلى سنة تسع وخمسين، والصحيح الاول. قلت: ولم يقع له رواية في الكتب الستة ولا في المسند للامام أحمد. * * * ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن عثمان، أبو بكر الصديق. وقد ذكرت ترجمته (1)


(1) وذلك في الجزء السادس من البداية للمؤلف. (*)

[ 691 ]

في أيام خلافته. وقد جمعت مجلدا في سيرته وما رواه من الاحاديث وما روى عنه من الآثار. والدليل على كتابته ما ذكره موسى بن عقبة، عن الزهري، عن عبدالرحمن ابن مالك بن جعشم عن أبيه، عن سراقة بن مالك في حديثه حين اتبع رسول الله حين خرج هو وأبو بكر من الغار فمروا على أرضهم، فلما غشيهم - وكان من أمر فرسه ما كان - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب أمان، فأمر أبا بكر فكتب له كتابا ثم ألقاه إليه. وقد روى الامام أحمد من طريق الزهري بهذا السند، أن عامر بن فهيرة كتبه، فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه ثم أمر مولاه عامرا فكتب باقيه. والله أعلم. ومنهم رضى الله عنهم عثمان بن عفان أمير المؤمنين. وقد ذكرت ترجمته في أيام خلافته وكتابته بين يديه عليه السلام مشهورة. وقد روى الواقدي بأسانيده أن نهشل بن مالك الوائلي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فكتب له كتابا فيه شرائع الاسلام. ومنهم رضى الله عنهم على بن أبى طالب أمير المؤمنين. وقد ذكرت ترجمته في خلافته، وقد تقدم أنه كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية أن يأمن الناس، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وعلى وضع الحرب عشر سنين. وقد كتب غير ذلك من الكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم. وأما ما يدعيه طائفة من يهود خيبر أن بأيديهم كتابا من النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجزية عنهم وفى آخره: وكتب على بن أبى طالب. وفيه شهادة جماعة من

[ 692 ]

الصحابة منهم سعد بن معاذ ومعاوية بن أبى سفيان، فهو كذب وبهتان مختلق موضوع مصنوع وقد بين جماعة من العلماء بطلانه، واغتر بعض الفقهاء المتقدمين فقالوا بوضع الجزية عنهم. وهذا ضعيف جدا. وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه بطلانه وأنه موضوع، اختلقوه وصنعوه وهم أهل لذلك، وبينته وجمعت مفرق كلام الائمة فيه ولله الحمد والمنة. ومن الكتاب بين يديه صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد ذكرت ترجمته في موضعها. وقد أفردت له مجلدا على حدة، ومجلدا ضخما في الاحاديث التى رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار والاحكام المروية عنه رضى الله عنه، وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة عبدالله بن الارقم. * * * ومنهم رضى الله عنهم العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عباد، ويقال عبدالله ابن عباد بن أكبر بن ربيعة بن عريف بن مالك بن الخزرج بن إياد بن الصدف بن زيد ابن مقنع بن حضرموت بن قحطان. وقيل غير ذلك في نسبه. وهو من حلفاء بنى أمية. وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة أبان بن سعيد ابن العاص. وكان له من الاخوة عشرة غيره فمنهم: عمرو بن الحضرمي، أول قتيل من المشركين قتله المسلمون في سرية عبدالله بن جحش، وهى أول سرية كما تقدم. ومنهم عامر بن الحضرمي الذى أمره أبو جهل لعنه الله فكشف عن عورته ونادى: واعمراه. حين اصطف المسلمون والمشركون يوم بدر، فهاجت الحرب وقامت على ساق، وكان ما كان مما قدمناه مبسوطا في موضعه.

[ 693 ]

ومنهم شريح بن الحضرمي، وكان من خيار الصحابة، قال فيه رسول الله: " ذاك رجل لا يتوسد القرآن " يعنى لا ينام ويتركه، بل يقوم به آناء الليل والنهار. ولهم كلهم أخت واحدة وهى الصعبة بنت الحضرمي، أم طلحة بن عبيدالله. وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، ثم ولاه عليها أميرا حين افتتحها، وأقره عليها الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ولم يزل بها حتى عزله عنها عمر بن الخطاب وولاه البصرة. فلما كان في أثناء الطريق توفى وذلك في سنة إحدى وعشرين. وقد روى البيهقى وغيره عنه كرامات كثيرة، منها أنه سار بجيشه على وجه البحر ما يصل إلى ركب خيولهم، وقيل إنه ما بل أسافل نعال خيولهم، وأمرهم كلهم فجعلوا يقولون: يا حليم يا عظيم. وأنه كان في جيشه فاحتاجوا إلى ماء فدعا الله فأمطرهم قدر كفايتهم، وأنه لما دفن لم ير له أثر بالكلية، وكان قد سأل الله ذلك. وسيأتى هذا في كتاب دلائل النبوة قريبا إن شاء الله عزوجل. وله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحاديث: الاول: قال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنى عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا ". وقد أخرجه الجماعة من حديثه. والثانى قال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا منصور، عن ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي، أن أباه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه. وكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل. والحديث الثالث رواه أحمد وابن ماجه، من طريق محمد بن زيد، عن حبان

[ 694 ]

الاعرج، عنه أنه كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين في الحائط - يعنى البستان - يكون بين الاخوة فيسلم أحدهم ؟ فأمره أن يأخذ العشر ممن أسلم. والخراج - يعنى ممن لم يسلم -. * * * ومنهم العلاء بن عقبة، قال الحافظ ابن عساكر: كان كاتبا للنبى صلى الله عليه وسلم، ولم أجد أحدا ذكره إلا فيما أخبرنا. ثم ذكر إسناده إلى عتيق بن يعقوب، حدثنى عبدالملك بن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه عن جده، عن عمرو بن حزم أن هذه قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم فذكرها، وذكر فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى النبي محمد عباس بن مرداس السلمى، أعطاه مدمورا (1) فمن خافه فيها فلا حق له، وحقه حق، وكتب العلاء بن عقبة وشهد. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله عوسجة بن حرملة الجهنى، من ذى المروة وما بين بلكثة إلى الظبية إلى الجعلات إلى جبل القبلية (2) فمن خافه فلا حق له وحقه حق، وكتبه العلاء بن عقبة. وروى الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبنى سيح من جهينة وكتب كتابهم بذلك العلاء بن عقبة، وشهد. وقد ذكر ابن الاثير في الغابة هذا الرجل مختصرا فقال: العلاء بن عقبة كتب للنبى صلى الله عليه وسلم، ذكره في حديث عمرو بن حزم، ذكره جعفر أخرجه أبو موسى - يعنى المدينى - في كتابه.


(1) لم أجدها في كتب البلدان. (2) بلكثة: عرص من المدينة. والظبية: على ثلاثة أميال قرب الروحاء. (*)

[ 695 ]

ومنهم رضى الله عنهم محمد بن مسلمة بن حريش بن خالد بن عدى بن مجدعة بن حارثة ابن الحارث بن الخزرج الانصاري الحارثى الخزرجي أبو عبد الله، ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال أبو سعد المدنى حليف بنى عبد الاشهل. أسلم على يدى مصعب بن عمير، وقيل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وآخى رسول الله حين قدم المدينة بينه وبين أبى عبيدة بن الجراح. وشهد بدرا والمشاهد بعدها، واستخلفه رسول الله على المدينة عام تبوك. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: كان شديد السمرة طويلا أصلع ذا جثة وكان من فضلاء الصحابة، وكان ممن اعتزل الفتنة واتخذ سيفا من خشب. ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين على المشهور عند الجمهور، وصلى عليه مروان بن الحكم، وقد روى حديثا كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر محمد بن سعد، عن على بن محمد المدائني بأسانيده أن محمد بن مسلمة هو الذى كتب لوفد مرة كتابا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * ومنهم رضى الله عنهم معاوية بن أبى سفيان، صخر بن حرب بن أمية الاموى وقد ذكرنا ترجمته في أيام إمارته. وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه عليه السلام. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار، عن أبى زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس، أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن ؟ قال: نعم قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: نعم، الحديث. وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة، بسبب ما وقع فيه من ذكر طلبه تزويج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن فيه من المحفوظ تأمير أبى سفيان

[ 696 ]

وتولية معاوية منصب الكتابة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة. فأما الحديث الذى قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة معاوية هاهنا: أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنبأنا أبو محمد الجوهرى، أنبأنا أبو على محمد بن أحمد بن يحيى بن عبدالله العطشى، حدثنا أحمد بن محمد البورانى، حدثنا السرى بن عاصم، حدثنا الحسن ابن زياد، عن القاسم بن بهرام، عن أبى الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال: استكتبه فإنه أمين. فإنه حديث غريب بل منكر. والسرى بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهمذانى وكان يؤدب المعتز بالله، كذبه في الحديث ابن خراش. وقال ابن حبان وابن عدى: كان يسرق الحديث. زاد ابن حبان: ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به. وقال الدارقطني: كان ضعيف الحديث. وشيخه الحسن بن زياد: إن كان اللؤلؤي فقد تركه غير واحد من الائمة، وصرح كثير منهم بكذبه، وإن كان غيره فهو مجهول العين والحال. وأما القاسم بن بهرام فاثنان ; أحدهما يقال له القاسم بن بهرام الاسدي الواسطي الاعرج، أصله من أصبهان، روى له النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حديث القنوت بطوله، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان. والثانى القاسم ابن بهرام أبو همدان قاضى هيت. قال ابن معين: كان كذابا. وبالجملة فهذا الحديث من هذا الوجه ليس بثابت ولا يغتر به. والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره - بل ومن تقدمه بدهر - كيف يورد في تاريخه هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط ثم لا يبين حالها، ولا يشير إلى شئ من ذلك إشارة لا ظاهرة ولا

[ 697 ]

خفية، ومثل هذا الصنيع فيه نظر. والله أعلم. ومنهم رضى الله عنهم المغيرة بن شعبة الثقفى، وقد قدمت ترجمته فيمن كان يخدمه عليه السلام من أصحابه من غير مواليه، وأنه كان سيافا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن عساكر بسنده عن عتيق بن يعقوب بإسناده المتقدم غير مرة، أن المغيرة بن شعبة هو الذى كتب إقطاع حصين بن نضلة الاسدي الذى أقطعه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره. فهولاء كتابه الذين كانوا يكتبون بأمره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه.

[ 698 ]

فصل وقد ذكر ابن عساكر من أمنائه أبا عبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح القرشى الفهرى أحد العشرة رضى الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف الزهري. أما أبو عبيدة فقد روى البخاري من حديث أبى قلابة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لكل أمة أمين وأمين هذه الامة أبو عبيدة ابن الجراح ". وفى لفظ: أن رسول الله قال لوفد عبدالقيس نجران: " لابعثن معكم أمينا حق أمين " فبعث معهم أبا عبيدة. قال: ومنهم معيقيب بن أبى فاطمة الدوسى مولى بنى عبد شمس، كان على خاتمه، ويقال كان خادمه، وقال غيره: أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة في الناس، ثم إلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، وكان على الخاتم، واستعمله الشيخان على بيت المال. قالوا: وكان قد أصابه الجذام فأمر عمر بن الخطاب فدووي بالحنظل فتوقف المرض. وكانت وفاته في خلافة عثمان وقيل سنة أربعين فالله أعلم. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أبى بكير، حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، حدثنى معيقيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوى التراب حيث يسجد قال: " إن كنت لا بد فاعلا فواحدة ". وأخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان النحوي، زاد مسلم: وهشام الدستوائى. زاد الترمذي والنسائي وابن ماجه: والاوزاعي، ثلاثتهم عن يحيى بن أبى كثير به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب، عن عتبة، عن يحيى

[ 699 ]

ابن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن معيقيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويل للاعقاب من النار ". وتفرد به الامام أحمد. وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبى عتاب سهل بن حماد الدلال، عن أبى مكين نوح بن ربيعة، عن إياس بن الحارث بن المعيقيب، عن جده - وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم - قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوى عليه فضة، قال: فربما كان في يدى. قلت: أما خاتم النبي صلى الله عليه وسلم فالصحيح أنه كان من فضة فصه منه، كما سيأتي في الصحيحين. وكان قد اتخذ قبله خاتم ذهب فلبسه حينا ثم رمى به وقال: " والله لا ألبسه ". ثم اتخذ هذا الخاتم من فضة فصه منه ونقشه: محمد رسول الله، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. فكان في يده عليه السلام، ثم كان في يد أبى بكر من بعده، ثم في يد عمر، ثم كان في يد عثمان في يده ست سنين، ثم سقط منه في بئر أريس، فاجتهد في تحصيله فلم يقدر عليه. وقد صنف أبو داود رحمة الله عليه كتابا مستقلا في سننه في الخاتم وحده، وسنورد منه إن شاء الله قريبا ما نحتاج إليه وبالله المستعان. وأما لبس معيقيب لهذا الخاتم فيدل على ضعف ما نقل أنه أصابه الجذام، كما ذكر ابن عبد البر وغيره، لكنه مشهور، فلعله أصابه ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان به وكان مما لا يعدى منه، أو كان ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لقوة توكله، كما قال لذلك المجذوم - ووضع يده في القصعة - " كل، ثقة بالله وتوكلا عليه ".

[ 700 ]

رواه أبو داود. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فر من المجذوم فرارك من الاسد ". والله أعلم. وأما أمراؤه عليه السلام فقد ذكرناهم عند بعث السرايا منصوصا على أسمائهم. ولله الحمد والمنة. * * * وأما جملة الصحابة فقد اختلف الناس في عدتهم، فنقل عن أبى زرعة أنه قال: يبلغون مائة ألف وعشرين ألفا. وعن الشافعي رحمه الله أنه قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ممن سمع منه ورآه زهاء ستين ألفا. وقال الحاكم أبو عبد الله: يروى الحديث عن قريب من خمسة آلاف صحابي. قلت: والذين روى عنهم الامام أحمد مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته من الصحابة تسعمائة وسبعة وثمانون نفسا. [ ووضع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك قريب من ثلاثمائة صحابي أيضا (1) ]. وقد اعتنى جماعة من الحفاظ رحمهم الله بضبط أسمائهم وذكر أيامهم ووفياتهم، من أجلهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتابه الاستيعاب، وأبو عبد الله محمد ابن إسحاق بن مندة، وأبو موسى المدينى. ثم نظم جميع ذلك الحافظ عز الدين أبو الحسن على بن محمد بن عبد الكريم الجزرى المعروف بابن الصحابة، صنف كتابه الغابة في ذلك فأجاد وأفاد، وجمع وحصل، ونال مارام وأمل، فرحمه الله وأثابه وجمعه والصحابة آمين يا رب العالمين.


(1) سقط من ا. (*)

[ 701 ]

باب ما يذكر من آثار النبي صلى الله عليه وسلم التى كان يختص بها في حياته من ثياب وسلاح ومراكب وغير ذلك مما يجرى مجراه وينتظم في معناه ذكر الخاتم الذى كان يلبسه عليه السلام ومن أي شئ كان من الاجسام وقد أفرد له أبو داود في كتابه السنن كتابا على حدة، ولنذكر عيون ما ذكره في ذلك مع ما نضيفه إليه، والمعول في أصل ما نذكره عليه. قال أبو داود: حدثنا عبدالرحيم بن مطرف الرؤاسى. حدثنا عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى بعض الاعاجم فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا بخاتم. فاتخذ خاتما من فضة، ونقش فيه: محمد رسول الله. وهكذا رواه البخاري عن عبدالاعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة به. ثم قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بمعنى حديث عيسى بن يونس. زاد: فكان في يده حتى قبض، وفى يد أبى بكر حتى قبض، وفى يد عمر حتى قبض، وفى يد عثمان، فبينما هو عند بئر إذ سقط في البئر فأمر بها فنزحت، فلم يقدر عليه. تفرد به أبو داود من هذا الوجه. ثم قال أبو داود رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن صالح قالا: أخبرنا ابن

[ 702 ]

وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثنى أنس قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق فصه حبشي. وقد روى هذا الحديث البخاري من حديث الليث، ومسلم من حديث ابن وهب، وطلحة عن يحيى الانصاري، وسلبمان بن بلال، زاد النسائي وابن ماجه، وعثمان عن عمر، خمستهم عن يونس بن يزيد الايلى به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من فضة كله فصه منه. وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث زهير بن معاوية الجعفي أبى خيثمة الكوفى به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: اصطنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما، فقال: إنا اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا فلا ينقش عليه أحد. قال: فإنى أرى بريقه في خنصره. ثم قال أبو داود: حدثنا نصر بن الفرج، حدثنا أبو أسامة، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر [ قال (1) ] اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب وجعل فصه مما يلى بطن كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله. فاتخذ الناس خواتم الذهب، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال: لا ألبسه أبدا. ثم اتخذ خاتما من فضة نقش فيه: محمد رسول الله. ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر، ثم لبسه بعد أبى بكر عمر، ثم لبسه بعده عثمان حتى وقع في بئر أريس.


(1) من سنن أبى داود 2 / 197. (*)

[ 703 ]

وقد رواه البخاري عن يوسف بن موسى، عن أبى أسامة حماد بن أسامة به. ثم قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبه، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب ابن موسى، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: فنقش فيه محمد رسول الله، وقال: لا ينقش أحد على خاتمي هذا. وساق الحديث. وقد رواه مسلم وأهل السنن الاربعة، من حديث سفيان بن عيينة به نحوه. ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا أبو عاصم، عن المغيرة بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ عثمان خاتما ونقش فيه: محمد رسول الله. قال: فكان يختم به أو يتختم به. ورواه النسائي عن محمد بن معمر، عن أبى عاصم الضحاك بن مخلد النبيل به. ثم قال أبو داود: باب [ ما جاء (1) ] في ترك الخاتم حدثنا محمد بن سليمان لوين، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا، فصنع الناس فلبسوا. وطرح النبي صلى الله عليه وسلم فطرح الناس. ثم قال: رواه عن الزهري زياد بن سعد وشعيب وابن مسافر، كلهم قال: من ورق. قلت: وقد رواه البخاري: حدثنا يحيى بن بكير. حدثنا الليث، عن يونس، عن


(1) من سنن أبى داود 2 / 197. (*)

[ 704 ]

ابن شهاب، قال: حدثنى أنس بن مالك أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم. ثم علقه البخاري عن إبراهيم بن سعد الزهري المدنى وشعيب بن أبى جمرة وزياد ابن سعد الخراساني، وأخرجه مسلم من حديثه، وانفرد أبو داود بعبد الرحمن بن خالد ابن مسافر، كلهم عن الزهري كما قال أبو داود، خاتما من ورق. والصحيح أن الذى لبسه يوما واحدا ثم رمى به إنما هو خاتم الذهب، لا خاتم الورق، لما ثبت في الصحيحين عن مالك عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله يلبس خاتما من ذهب، فنبذه وقال: لا ألبسه أبدا، فنبذ الناس خواتيمهم. وقد كان خاتم الفضة يلبسه كثيرا، ولم يزل في يده حتى توفى صلوات الله وسلامه عليه، وكان فصه منه، يعنى ليس فيه فص منفصل عنه، ومن روى أنه كان فيه صورة شخص فقد أبعد وأخطأ، بل كان فضة كله وفصه منه، ونقشه: محمد رسول الله ثلاثة أسطر: محمد سطر. رسول سطر. الله سطر. وكأنه والله أعلم كان منقوشا وكتابته مقلوبة ليطبع على الاستقامة كما جرت العادة بهذا، وقد قيل: إن كتابته كانت مستقيمة، وتطبع كذلك، وفى صحة هذا نظر، ولست أعرف لذلك إسنادا لا صحيحا ولا ضعيفا. وهذه الاحاديث التى أوردناها أنه عليه السلام كان له خاتم من فضة، ترد الاحاديث التى قدمناها في سنني أبى داود والنسائي من طريق أبى عتاب سهل بن حماد الدلال، عن أبى مكين نوح بن ربيعة، عن إياس بن الحارث بن معيقيب بن أبى فاطمة، عن جده قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوى عليه فضة. ومما يزيده ضعفا الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود الترمذي والنسائي من حديث

[ 705 ]

أبى طيبة عبدالله بن مسلم السلمى المروزى، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه (1) فقال: مالى أجد منك ريح الاصنام ؟ فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: مالى أرى عليك حلية أهل النار ؟ فطرحه، ثم قال: يا رسول الله من أي شئ أتخذه ؟ قال: اتخذه من ورق، ولا تتمه مثقالا. * * * وقد كان عليه السلام يلبسه في يده اليمنى، كما رواه أبو داود والترمذي في الشمائل، والنسائي من حديث شريك: أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن القاضى، عن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حسن، عن أبيه، عن على رضى الله عنه، عن رسول الله قال شريك: وأخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن أن رسول الله كان يتختم في يمينه. وروى في اليسرى، رواه أبو داود من حديث عبد العزيز بن أبى رواد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره، وكان فصه في باطن كفه. قال أبو داود: رواه أبو إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع في يمينه. وحدثنا هناد، عن عبدة، عن عبيدالله، عن نافع: أن ابن عمر كان يلبس خاتمه في يده اليسرى. ثم قال أبو داود: حدثنا عبدالله بن سعيد، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: رأيت على الصلت بن عبدالله بن نوفل بن عبدالمطلب خاتما في خنصره اليمنى، فقلت: ما هذا ؟ فقال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا، وجعل فصه على ظهرها.


(1) الشبه: النحاس الاصفر. (*)

[ 706 ]

قال: لا يخال ابن عباس إلا قد كان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس خاتمه كذلك. وهكذا رواه الترمذي من حديث محمد بن إسحاق به. ثم قال محمد بن إسماعيل، يعنى البخاري: حديث ابن إسحاق عن الصلت حديث حسن. وقد روى الترمذي في الشمائل، عن أنس وعن جابر وعن عبدالله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في اليمين. وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبدالله الانصاري، حدثنا أبى، عن ثمامة، عن أنس بن مالك، أن أبا بكر لما استخلف كتب له وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. قال أبو عبد الله: وزاد أبو أحمد: حدثنا الانصاري، حدثنى أبى، حدثنا ثمامة، عن أنس قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في يده، وفى يد أبى بكر، وفى يد عمر بعد أبى بكر. قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخذ الخاتم فجعل يعبث به فسقط. قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فنزح البئر فلم يجده. فأما الحديث الذى رواه الترمذي في الشمائل: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن أبى يسر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه. فإنه حديث غريب جدا. وفى السنن من حديث ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه.

[ 707 ]

ذكر سيفه عليه السلام قال الامام أحمد: حدثنا شريح، حدثنا ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن الاعمى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذى رأى فيه الرؤيا يوم أحد، قال: رأيت في سيفى ذا الفقار فلا فأولته فلا يكون فيكم، ورأيت أنى مردف كبشا، فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أنى في درع حصينة فأولتها المدينة، ورأيت بقرا تذبح، فبقر والله خير فبقر والله خير. فكان الذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبدالرحمن بن أبى الزناد عن أبيه به. وقد ذكر أهل السنن أنه سمع قائل يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا على. وروى الترمذي من حديث هود بن عبدالله بن سعد، عن جده مزيدة بن جابر العبدى العصرى رضى الله عنه، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى سيفه ذهب وفضة. الحديث. ثم قال: هذا حديث غريب. وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبى، عن قتادة، عن سعيد بن أبى الحسن قال: كانت قبيعة (2) سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة. وروى أيضا من حديث عثمان بن سعد عن ابن سيرين قال: صنعت سيفى على


(1) الفل: ثلم يكون في حد السيف. (2) القبيعة: ما على مقبض السيف من حديد أو فضة. (*)

[ 708 ]

سيف سمرة، وزعم سمرة أنه صنع سيفه على سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حنفيا، وقد صار إلى آل على سيف من سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قتل الحسين بن على رضى الله عنهما بكربلاء عند الطف كان معه، فأخذه على بن الحسين زين العابدين فقدم معه دمشق حين دخل على يزيد بن معاوية، ثم رجع معه إلى المدينة. فثبت في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أنه تلقاه إلى الطريق، فقال له: هل لك إلى من حاجة تأمرني بها ؟ قال: فقال: لا. فقال: هل أنت معطى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنى أخشى أن يغلبك عليه القوم. وايم الله إن أعطيتنيه لا يخلص إليه أحد حتى يبلغ نفسي. * * * وقد ذكر للنبى صلى الله عليه وسلم غير ذلك من السلاح. من ذلك: الدروع كما روى غير واحد منهم السائب بن يزيد، وعبد الله بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر يوم أحد بين درعين. وفى الصحيحين من حديث مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه قيل له: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه. وعند مسلم من حديث أبى الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. وقال وكيع عن مساور الوراق، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وعليه عمامة دسماء (1).


(1) الدسماء: التى يضرب لونها إلى السواد. (*)

[ 709 ]

ذكرهما الترمذي في الشمائل، وله من حديث الدراوردى، عن عبدالله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدلها بين كتفيه. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبدالله بن محمد، حدثنا مخول بن إبراهيم، حدثنا إسرائيل، عن عاصم، عن محمد بن سيربن، عن أنس بن مالك، أنه كانت عنده عصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات فدفنت معه بين جنبه وبين قميصه. ثم قال البزار: لا نعلم رواه إلا مخول بن راشد، وهو صدوق فيه شيعية. واحتمل على ذلك. وقال الحافظ البيهقى بعد روايته هذا الحديث من طريق مخول هذا قال: وهو من الشيعة يأتي بأفراد عن إسرائيل لا يأتي بها غيره، والضعف على رواياته بين ظاهر. ذكر نعله التى كان يمشى فيها عليه السلام ثبت في الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية (1)، وهى التى لا شعر عليها. وقد قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد، هو ابن مقاتل، حدثنا عبدالله، يعنى ابن المبارك، أنبأنا عيسى بن طهمان، قال: أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين لهما قبالان، فقال يا ثابت: هذه نعل النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رواه في كتاب الخمس عن عبدالله بن محمد، عن أبى أحمد الزبيري، عن عيسى ابن طهمان، عن أنس، قال: أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان. فحدثني ثابت البنانى بعد عن أنس أنهما نعلا النبي صلى الله عليه وسلم.


(1) السبتية: المتخذة من جلود البقر. (*)

[ 710 ]

وقد رواه الترمذي في الشمائل عن أحمد بن منيع، عن أبى أحمد الزبيري به. وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن عبدالله بن الحارث، عن ابن عباس قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان مثنى شراكهما. وقال أيضا: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبى ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبى هريرة قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان. وقال الترمذي: حدثنا محمد بن مرزوق أبو عبد الله، حدثنا عبدالرحمن بن قيس أبو معاوية، حدثنا هشام، عن محمد، عن أبى هريرة قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان وأبى بكر وعمر، وأول من عقد عقدا واحدا عثمان. قال الجوهرى: قبال النعل بالكسر: الزمام الذى يكون بين الاصبع الوسطى والتى تليها. قلت: واشتهر في حدود سنة ستمائة وما بعدها عند رجل من التجار يقال له: ابن أبى الحدرد نعل مفردة ذكر أنها نعل النبي صلى الله عليه وسلم، فسامها الملك الاشرف موسى ابن الملك العادل أبى بكر بن أيوب منه بمال جزيل فأبى أن يبيعها، فاتفق موته بعد حين فصارت إلى الملك الاشرف المذكور، فأخذها إليه وعظمها، ثم لما بنى دار الحديث الاشرفية إلى جانب القلعة، جعلها في خزانة منها، وجعل لها خادما، وقرر له من المعلوم كل شهر أربعون درهما، وهى موجودة إلى الآن في الدار المذكورة. وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا محمد بن رافع وغير واحد قالوا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا شيبان، عن عبدالله بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سلة (1) يتطيب منها.


(1) السلة: الجونة (*)

[ 711 ]

صفة قدح النبي صلى الله عليه وسلم قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم قال: رأيت عند أنس قدح النبي صلى الله عليه وسلم فيه ضبة من فضة. وقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبدالله، أخبرني أحمد بن محمد النسوي، حدثنا حماد بن شاكر، حدثنا محمد بن إسماعيل هو البخاري، حدثنا الحسن ابن مدرك، حدثنى يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة، عن عاصم الاحول قال: رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة. قال: وهو قدح جيد عريض من نضار (1). قال أنس: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا. قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضه فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتركه. وقال الامام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حجاج بن حسان، قال: كنا عند أنس فدعا بإناء فيه ثلاث ضبات حديد وحلقة من حديد، فأخرج من غلاف أسود وهو دون الربع وفوق نصف الربع، وأمر أنس بن مالك فجعل لنا فيه ماء فأتينا به فشربنا وصببنا على رؤوسنا ووجوهنا وصلينا على النبي صلى الله عليه وسلم. انفرد به أحمد. ذكر ما ورد في المكحلة التى كان عليه السلام يكتحل منها قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا عبدالله بن منصور، عن عكرمة، عن ابن


(1) النضار: الخشب والاثل (*)

[ 712 ]

عباس، قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين. وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن هارون، قال على بن المدينى: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لعباد بن منصور: سمعت هذا الحديث من عكرمة ؟ فقال: أخبرنيه بن أبى يحيى عن داود بن الحصين عنه. قلت: وقد بلغني أن بالديار المصرية مزارا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مكحلة وقيل: ومشط. وغير ذلك فالله أعلم. البردة قال الحافظ البيهقى: وأما البرد الذى عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن إسحاق بن يسار في قصة تبوك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أهل أيلة برده مع كتابه الذى كتب لهم أمانا لهم، فاشتراه أبو العباس عبدالله بن محمد بثلاثمائة دينار - يعنى بذلك أول خلفاء بنى العباس وهو السفاح رحمه الله - وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفا عن سلف، كان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الابصار، ويلبسون السواد في أيام الجمع والاعياد، وذلك اقتداء منهم بسيد أهل البدو والحضر، ممن يسكن الوبر والمدر. لما أخرجه البخاري ومسلم إماما أهل الاثر، من حديث مالك عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر. وفى رواية: وعليه عمامة سوداء، وفى رواية: قد أرخى طرفها بين كتفيه، صلوات الله وسلامه عليه

[ 713 ]

وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن محمد، عن أبى بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض روح النبي صلى الله عليه وسلم في هذين. وللبخاري من حديث الزهري عن عبيدالله بن عبدالله، عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا. قلت: وهذه الاثواب الثلاثة لا يدرى ما كان من أمرها بعد هذا. وقد تقدم أنه عليه السلام طرحت تحته في قبره الكريم قطيفة حمراء كان يصلى عليها، ولو تقصينا ما كان يلبسه في أيام حياته لطال الفصل، وموضعه كتاب اللباس من كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. ذكر أفراسه ومراكبه عليه الصلاة والسلام قال ابن إسحاق عن يزيد بن حبيب، عن مرثد بن عبدالله المزني، عن عبدالله ابن رزين، عن على قال: كان للنبى صلى الله عليه وسلم فرس يقال له المرتجز، وحمار يقال له عفير، وبغلة يقال لها دلدل، وسيفه ذو الفقار، ودرعه ذو الفضول. ورواه البيهقى من حديث الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن على نحوه. قال البيهقى: وروينا في كتاب السنن أسماء أفراسه التى كانت عند الساعديين، لزاز واللحيف وقيل اللخيف والظرب، والذى ركبه لابي طلحة يقال له المندوب، وناقته القصواء والعضباء والجدعاء، وبغلته الشهباء، والبيضاء. قال البيهقى: وليس في شئ من الروايات أنه مات عنهن، إلا ما روينا في بغلته

[ 714 ]

البيضاء، وسلاحه وأرض جعلها صدقة، ومن ثيابه، وبغلته، وخاتمه ما روينا في هذا الباب. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة بن صالح، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد، قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وله جبة صوف في الحياكة. وهذا إسناد جيد. وقد روى الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا مجاهد، عن موسى، حدثنا على بن ثابت، حدثنا غالب الجزرى، عن أنس قال: لقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لينسج له كساء من صوف. وهذا شاهد لما تقدم. وقال أبو سعيد بن الاعرابي: حدثنا سعدان بن نصير، حدثنا سفيان بن عيينة. عن الوليد بن كثير، عن حسين، عن فاطمة بنت الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وله بردان في الجف (1) يعملان. وهذا مرسل. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن بن إسحاق التسترى، حدثنا أبو أمية عمرو بن هشام الحرانى، حدثنا عثمان بن عبدالرحمن بن على بن عروة، عن عبدالملك ابن أبى سليمان، عن عطاء وعمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيف قائمته من فضة وقبيعته، كان يسمى ذا الفقار، وكان له قوس تسمى السداد وكانت له كنانة تسمى الجمع، وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى ذات الفضول وكانت له حربة تسعى السغاء، كان له مجن يسمى الذقن، وكان له ترس أبيض يسمى الموجز، وكان له فرس أدهم يسمى السكب، وكان له سرج يسمى الداج، وكان له بغلة شهباء يقال لها دلدل، وكانت له ناقة تسمى القصواء، وكان له حمار يقال له: يعفور،


(1) وعاء من الجلود. (*)

[ 715 ]

وكان له بساط يسمى الكر، وكان له نمرة تسمى النمر، وكانت له ركوة تسمى الصادر، وكانت له مرآة تسمى المرآة، وكان له مقراض يسمى الجاح، وكان له قضيب شوحط (1) يسمى الممشوق. قلت: قد تقدم عن غير واحد من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة سوى بغلة وأرض جعلها صدقة، وهذا يقتضى أنه عليه السلام نجز العتق في جميع ما ذكرناه من العبيد والاماء، والصدقة في جميع ما ذكر من السلاح، والحيوانات، والاثاث، والمتاع مما أوردناه وما لم نورده. وأما بغلته وهى الشهباء، وهى البيضاء أيضا والله أعلم، وهى التى أهداها له المقوقس صاحب الاسكندرية واسمه جريج بن ميناء فيما أهدى من التحف، وهى التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبها يوم حنين وهو في نحور العدو ينوه باسمه الكريم شجاعة وتوكلا على الله عزوجل، فقد قيل: إنها عمرت بعده حتى كانت عند على بن أبى طالب في أيام خلافته، وتأخرت أيامها حتى كانت بعد على عند عبدالله بن جعفر فكان يجش لها الشعير حتى تأكله من ضعفها بعد ذلك. وأما حماره يعفور، ويصغر فيقال له عفير، فقد كان عليه السلام يركبه في بعض الاحايين. وقد روى أحمد من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبى حبيب، عن يزيد ابن عبدالله العوفى، عن عبدالله بن رزين، عن على قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب حمارا يقال له عفير. ورواه أبو يعلى من حديث عون بن عبدالله، عن ابن مسعود. وقد ورد في أحاديث عدة أنه عليه السلام ركب الحمار.


(1) الشوحط: شجر تتخذ منه القسى. (*)

[ 716 ]

وفى الصحيحين أنه عليه السلام مر وهو راكب حمارا بمجلس فيه عبدالله بن أبى بن سلول وأخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الاوثان واليهود فنزل ودعاهم إلى الله عزوجل، وذلك قبل وقعة بدر، وكان قد عزم على عيادة سعد بن عبادة، فقال له عبدالله: لا أحسن مما تقول أيها المرء، فإن كان حقا فلا تغشنا به في مجالسنا، وذلك قبل أن يظهر الاسلام، ويقال إنه خمر أنفه لما غشيتهم عجاجة الدابة وقال: لا تؤذنا بنتن حمارك. فقال له عبدالله بن رواحة: والله لريح حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب من ريحك. وقال عبدالله: بل يا رسول الله اغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فتثاور الحيان وهموا أن يقتتلوا، فسكنهم رسول الله. ثم ذهب إلى سعد بن عبادة فشكا إليه عبدالله بن أبى. فقال: ارفق به يارسول الله، فو الذى أكرمك بالحق لقد بعثك الله بالحق، وإنا لننظم له الخرز لنملكه علينا، فلما جاء الله بالحق شرق بريقه. وقد قدمنا أنه ركب الحمار في بعض أيام خيبر، وجاء أنه أردف معاذا على حمار. ولو أوردناها بألفاظها وأسانيدها لطال الفصل والله أعلم. وقد قدمنا أنه ركب الحمار في بعض أيام خيبر، وجاء أنه أردف معاذا على حمار. ولو أوردناها بألفاظها وأسانيدها لطال الفصل والله أعلم. فأما ما ذكره القاضى عياض بن موسى السبتى في كتابه الشفا، وذكره قبل إمام الحرمين في كتابه الكبير في أصول الدين وغيرهما أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار يسمى زياد بن شهاب، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعثه ليطلب له بعض أصحابه فيجئ إلى باب أحدهم فيقعقعه فيعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبه، وأنه ذكر للنبى صلى الله عليه وسلم أنه سلالة سبعين حمارا كل منها ركبه نبى، وأنه لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب فتردى في بئر فمات، فهو حديث لا يعرف له إسناد بالكلية، وقد أنكره غير واحد من الحفاظ منهم عبدالرحمن بن أبى حاتم

[ 717 ]

وأبوه رحمهما الله، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزى رحمه الله ينكره غير مرة إنكارا شديدا. وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى العنبري، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا إبراهيم بن سويد الجذوعى، حدثنى عبدالله بن أذين الطائى، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر حمار أسود فوقف بين يديه، فقال: من أنت ؟ قال: أنا عمرو بن فلان، كنا سبعة إخوة كلنا ركبنا الانبياء وأنا أصغرهم، وكنت لك فملكني رجل من اليهود، فكنت إذا ذكرتك كبوت به فيوجعني ضربا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت يعفور. هذا حديث غريب جدا. وإلى هنا تنتهى السيرة النبوية للامام ابن كثير، والحمد لله الذى أعان عليه، ويتلوها جزء مفرد في شمائل الرسول وخصائصه وفضائله ودلائل نبوته

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية