الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




السيرة النبوية - ابن كثير ج 3

السيرة النبوية

ابن كثير ج 3


[ 1 ]

السيرة النبوية للامام أبى الفداء إسماعيل بن كثير 701 - 774 ه‍ تحقيق مصطفى عبد الواحد الجزء الثالث 1293 ه‍ = 1976 م دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع هاتف 236769 - 246161 ص. ب 5769 بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوطة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم سنة ثلاث من الهجرة في أولها كانت غزوة نجد ويقال لها غزوة ذى أمر. قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذى الحجة أو قريبا منها، ثم غزا نجدا يريد غطفان، وهى غزوة ذى أمر (1). قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرا كله، أو قريبا من ذلك، ثم رجع ولم يلق كيدا. وقال الواقدي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من غطفان من بنى ثعلبة ابن محارب تجمعوا بذى أمر يريدون حربه، فخرج إليهم من المدينة يوم الخميس لثنتى عشرة خلت من ربيع الاول سنة ثلاث، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فغاب أحد عشر يوما، وكان معه أربعمائة وخمسون رجلا. وهربت منه الاعراب في رءوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به، وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف، وذلك بمرأى من المشركين، واشتغل المشركون في شئونهم.


(1) ذو أمر: موضع من ديار غطفان. وقال ابن سعد: بناحية النخيل. (*)

[ 4 ]

فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث فقالوا: قد أمكنك الله من قتل محمد. فذهب ذلك الرجل ومعه سيف صقيل، حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك منى اليوم ؟ قال: الله. ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده. فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك منى ؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه. فلما رجع إلى أصحابه فقالوا: ويلك، مالك ؟ فقال: نظرت إلى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعا. وجعل يدعو قومه إلى الاسلام. قال: ونزل في ذلك قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم (1) " الآية. قال البيهقى: وسيأتى في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه، فلعلهما قصتان. قلت: إن كانت هذه محفوظة فهى غيرها قطعا، لان ذلك الرجل اسمه غورث ابن الحارث أيضا لم يسلم بل استمر على دينه، ولم يكن عاهد النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقاتله. والله أعلم. غزوة الفرع من بحران قال ابن إسحاق: فأقام بالمدينة ربيعا الاول كله أو إلا قليلا منه ثم غدا (2)


(1) سورة المائدة 11. (2) ابن هشام: ثم غزا. (*)

[ 5 ]

يريد قريشا، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران (1)، وهو معدن بالحجاز من ناحية الفرع (2). وقال الواقدي: إنما كانت غيبته عليه السلام عن المدينة عشرة أيام. فالله أعلم. خبر يهود بنى قينقاع من أهل المدينة وقد زعم الواقدي أنها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة. فالله أعلم. وهم المرادون بقوله تعالى: " كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم " (3). قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بنى قينقاع. قال: وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم في سوقهم ثم قال: يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. فقالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك ؟ ! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. قال ابن إسحاق: فحدثني مولى لزيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير، وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما نزلت هؤلاء الآيات إلا فيها: " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. قد كان لكم آية في فئتين التقتا " يعنى أصحاب بدر


(1) بحران: بضم الباء وفتحها وهى أول قرية مارت اسماعيل وأمه التمر بمكة. (2) الفرع: بضم الفاء والراء وفى المواهب بفتحهما. (3) سورة الحشر 15. (*)

[ 6 ]

من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش: " فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لاولى الابصار (1) ". قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بنى قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأحد. قال ابن هشام: فذكر عبدالله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبى عون، قال: كان [ من (2) ] أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك منهم فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب (2) المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع. * * * قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه. فقام إليه عبدالله بن أبى بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في موالى. وكانوا حلفاء الخزرج. قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد أحسن في موالى فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وكان يقال لها ذات الفضول. فقال له رسول الله صلى الله


(1) سورة آل عمران 13. (2) من ابن هشام. (3) ابن هشام: فغضب. (*)

[ 7 ]

عليه وسلم: أرسلني. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا ثم قال: ويحك أرسلني. قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الاحمر والاسود، تحصدهم في غداة واحدة ! إنى والله امرؤ أخشى الدوائر. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم لك. قال ابن هشام: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاصرته إياهم أبا لبابة بشير بن عبد المنذر، وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبدالله بن أبى وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من بنى عوف له من حلفهم مثل الذي لهم من عبدالله بن أبى، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. قال: وفيه وفى عبدالله بن أبى نزلت الآيات من المائدة: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض " الآيات حتى قوله: " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة " يعنى عبدالله ابن أبى إلى قوله " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " يعنى عبادة بن الصامت. وقد تكلمنا على ذلك في التفسير.

[ 8 ]

سرية زيد بن حارثة إلى عير قريش (1) صحبة أبى سفيان أيضا، وقيل صحبة صفوان قال يونس بن (2) بكير، عن ابن إسحاق: وكانت بعد وقعة بدر بستة أشهر. قال ابن إسحاق: وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم التى كانو يسلكون إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان ومعه فضة كثيرة، وهى عظم تجارتهم، واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له فرات بن حيان، يعنى العجلى حليف بنى سهم، ليدلهم على تلك الطريق. قال ابن إسحاق: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، فلقيهم على ماء يقال له القردة (3)، فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال في ذلك حسان بن ثابت: دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك (4) بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك (5) قال ابن هشام: وهذه القصيدة في أبيات لحسان، وقد أجابه فيها أبو سفيان ابن الحارث. وقال الواقدي: كان خروج زيد بن حارثة في هذه السرية مستهل جمادى الاولى على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة، وكان رئيس هذه العير صفوان بن أمية.


(1) ابن هشام: إلى القردة. (2) الاصل: عن بكير. وهو تحريف. (3) القردة: ماء من مياه نجد. (4) الفلجات جمع فلجة، وهى النهر الصغير. وقال السهيلي: الفلجات جمع فلج وهو العين الجارية. قال: والمخاض: واحدتها خلفة من غير لفظها، وهى الحامل، وقد قيل في الواحد: ماخض. والاوارك: التى رعت الاراك واشتكت من أكله. (5) الغور: ما انخفض من الارض. وعالج: موضع كثير الرمل. (*)

[ 9 ]

وكان سبب بعثه زيد بن حارثة أن نعيم بن مسعود قدم المدينة ومعه خبر هذه العير وهو على دين قومه، واجتمع بكنانة بن أبى الحقيق في بنى النضير ومعهم سليط بن النعمان من أسلم، فشربوا، وكان ذلك قبل أن تحرم الخمر، فتحدث بقضية العير نعيم بن مسعود وخروج صفوان بن أمية فيها وما معه من الاموال، فخرج سليط من ساعته فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم فأخذوا الاموال وأعجزهم الرجال، وإنما أسروا رجلا أو رجلين، وقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ خمسها عشرين ألفا، وقسم أربعة أخماسها على السرية. وكان فيمن أسر الدليل فرات بن حيان، فأسلم. رضى الله عنه. قال ابن جرير: وزعم الواقدي أن في ربيع من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخلت عليه في جمادى الآخرة منها. مقتل كعب بن الاشرف اليهودي وكان من بنى طئ، ثم أحد بنى نبهان ولكن أمه من بنى النضير. هكذا ذكره ابن إسحاق قبل جلاء بنى النضير، وذكره البخاري والبيهقي بعد قصة بنى النضير، والصحيح ما ذكره ابن إسحاق، لما سيأتي، فإن بنى النضير إنما كان أمرها بعد وقعة أحد، وفى محاصرتهم حرمت الخمر كما سنبينه بطريقه إن شاء الله. قال البخاري في صحيحه: " قتل كعب بن الاشرف " حدثنا على بن عبدالله، حدثنا سفيان، قال عمرو: سمعت جابر بن عبدالله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لكعب بن الاشرف ؟ فإنه قد آذى الله ورسوله. فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال: نعم. قال: فأذن لى أن أقول شيئا. قال: قل.

[ 10 ]

فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وإنه قد عنانا (1) وإنى قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضا والله لتملنه. قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شئ يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا (2). قال: نعم أرهنوني. قلت: أي شئ تريد ؟ قال: أرهنوني نساءكم. فقالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ! قال: فأرهنونى أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين ! هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللامة. قال سفيان: يعنى السلاح (3). فواعده أن يأتيه ليلا، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة (4) وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة ؟ وقال غير عمرو (5): قالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخى محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لاجاب ! قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، فقال: إذا ما جاء فإبى مائل (6) بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه. وقال: مرة، ثم أشمكم (7). فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب فقال (8): ما رأيت كاليوم ريحا، أي أطيب. وقال غير عمرو: قال (9): عندي أعطر نساء العرب وأجمل العرب.


(1) عنانا: أتعبنا. (2) زاد في بعض روايات البخاري: وسقا أو وسقين. (3) اللامه في اللغة: الدرع. وإطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكل على البعض. وقصدوا من ذلك ألا ينكر عليهم السلاح حين يأتونه به. (4) هو سلكان بن سلامة. (5) غير عمرو: أي رواية أخرى غير رواية عمرو بن دينار. (6) وتروى: قائل بشعره. أي آخذ. (7) أشمكم: أمكنكم من الشم. (8) أي محمد بن مسلمة. (9) أي كعب. (*)

[ 11 ]

قال عمرو: فقال: أتأذن لى أن أشم رأسك ؟ قال: نعم. فشمه ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لى ؟ قال: نعم. فلما أستمكن منه قال: دونكم. فقتلوه. ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه. * * * وقال محمد بن إسحاق: كان من حديث كعب بن الاشرف، وكان رجلا من طئ ثم أحد بنى نبهان وأمه من بنى النضير، أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر حين قدم زيد بن حارثة و عبدالله بن رواحة، قال: والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الارض خير من ظهرها. فلما تيقن عدو الله الخبر خرج إلى مكة، فنزل على المطلب بن أبى وداعة بن ضبيرة السهمى، وعنده عاتكة بنت أبى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الاشعار ويندب من قتل من المشركين يوم بدر. فذكر ابن إسحاق قصيدته التى أولها: طحنت رحى بدر لمهلك أهله * ولمثل بدر تستهل وتدمع وذكر جوابها من حسان بن ثابت رضى الله عنه ومن غيره. ثم عاد إلى المدينة فجعل يشبب بنساء المسلمين ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الاشرف أحد بنى النضير أو فيهم، قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء وركب إلى قريش فاستغراهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه ؟ وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق ؟ إنا نطعم الجزور الكوماء ونسقى اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال.

[ 12 ]

فقال له كعب بن الاشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا ! قال فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا " وما بعدها. قال موسى ومحمد بن إسحاق: وقدم المدينة يعلن بالعداوة ويحرض الناس على الحرب، ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يشبب بأم الفضل بن الحارث وبغيرها من نساء المسلمين. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنى عبدالله بن المغيث ابن أبى بردة: من لابن الاشرف ؟ فقال له محمد بن مسلمة أخو بنى عبد الاشهل: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله. قال: فافعل إن قدرت على ذلك. قال: فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب ؟ فقال: يا رسول الله قلت لك قولا لا أدرى هل أفى لك به أم لا. قال: إنما عليك الجهد. قال: يا رسول الله، إنه لا بد لنا أن نقول. قال: فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك. قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة أحد بنى عبد الاشهل، وكان أخا كعب بن الاشرف من الرضاعة، وعبد ؟ بن بشر بن

[ 13 ]

وقش أحد بنى عبد الاشهل، والحارث بن أوس بن معاذ أحد بنى عبد الاشهل وأبو عبس بن جبر أخو بنى حارثة. قال: فقدموا بين أيديهم إلى عدو الله كعب سلكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا شعرا، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يابن الاشرف ! إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عنى. قال: أفعل. قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبيل، حتى ضاع العيال وجهدت الانفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا. فقال كعب: أنا ابن الاشرف ! أما والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الامر يصير إلى ما أقول. فقال له سلكان: إنى قد أرذت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم ؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، إن معى أصحابا لى على مثل رأيى، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء. وأراد سلكان ألا ينكر السلاح إذا جاءوا بها. فقال: إن في الحلقة لوفاء. قال: فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: " انطلقوا على

[ 14 ]

اسم الله، اللهم أعنهم " ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته وهو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا إلى حصنه. فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: أنت امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني. فقالت: والله إنى لاعرف في صوته الشر. قال: يقول لها كعب: لو دعى الفتى لطعنة أجاب ! فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه، ثم قالوا: هل لك يا ابن الاشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ؟ قال: إن شئتم. فخرجوا فمشوا ساعة. ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه، ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط. ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفودى رأسه ثم قال: اضربوا عدو الله ! فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا (1) في سيفى فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال: فوضعته في ثنته (2) ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته (3)، فوقع عدو الله. وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رجله أو في رأسه أصابه بعض سيوفنا. قال: فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد ثم على بنى قريظة ثم على بعاث، حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه، فجئنا به رسول الله الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلى، فسلمنا عليه، فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل رسول الله صلى


(1) المغول: فصل طويل. (2) الثنة: ما بين السرة والعانة. (3) الاكتفا: غايته. (*)

[ 15 ]

الله عليه وسلم على جرح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودى إلا وهو خائف على نفسه. قال ابن جرير: وزعم الواقدي أنهم جاءوا برأس كعب بن الاشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وفى ذلك يقول كعب بن مالك: فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير فما كره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له في يوم بنى النضير ستأتي. قلت: كان قتل كعب بن الاشرف على يدى الاوس بعد وقعة بدر، ثم إن الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبى الحقيق بعد وقعة أحد، كما سيأتي بيانه إن شاء الله وبه الثقة. وقد أورد ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت: لله در عصابة لاقيتهم * يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الاشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم * مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف قال محمد بن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ". فوثب عند ذلك محيصة بن مسعود الاوسي على ابن سنينة، رجل من تجار يهود

[ 16 ]

كان يلابسهم ويبايعهم، فقتله، وكان أخوه حويصة بن مسعود أسن منه ولم يسلم بعد، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله أقتلته ؟ ! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله ! قال محيصة: فقلت والله لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك ! قال: فو الله إن كان لاول إسلام حويصة وقال: والله لو أمرك محمد بقتلى لتقتلني ؟ قال: نعم، والله لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها ! قال: فو الله إن دينا بلغ بك هذا لعجب ! فأسلم حويصة. قال ابن إسحاق: حدثنى بهذا الحديث مولى لبنى حارثة عن ابنة محيصة، عن أبيها. وقال في ذلك محيصة: يلوم ابن أم (1) لو أمرت بقتله * لطبقت ذفراه بأبيض قارب (2) حسام كلون الملح أخلص صقله * متى ما أصوبه فليس بكاذب وما سرنى أنى قتلتك طائعا * وأن لنا ما بين بصرى ومأرب وحكى ابن هشام، عن أبى عبيدة، عن أبى عمرو المدنى، أن هذه القصة كانت بعد مقتل بنى قريظة، فإن المقتول كان كعب بن يهوذا، فلما قتله محيصة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بنى قريظة قال له أخوه حويصة ما قال، فرد عليه محيصة بما تقدم، فأسلم حويصة يومئذ. فالله أعلم. تنبيه: ذكر البيهقى والبخاري قبله خبر بنى النضير قبل وقعة أحد، والصواب إيرادها بعد ذلك، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازى. وبرهانه: أن الخمر حرمت ليالى حصار بنى النضير، وثبت في الصحيح أنه اصطبح


(1) ابن هشام: ابن أمي. (2) الذفرى: عظم ناتئ خلف الاذن وفى ابن هشام: قاضب. وهو القاطع. (*)

[ 17 ]

الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا، فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالا، وإنما حرمت بعد ذلك، فتبين ما قلناه من أن قصة بنى النضير بعد وقعة أحد. والله أعلم. تنبيه آخر: خبر يهود بنى قينقاع بعد وقعة بدر. كما تقدم. وكذلك قتل كعب ابن الاشرف اليهودي على يدى الاوس. وخبر بنى النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي. وكذلك مقتل أبى رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدى الخزرج. وخبر يهود بنى قريظة بعد يوم الاحزاب وقصة الخندق. كما سيأتي.

[ 18 ]

غزوة أحد في شوال سنة ثلاث " فائدة " ذكرها المؤلف في تسمية أحد. قال: سمى أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال. وفى الصحيح: " أحد جبل يحبنا ونحبه " قيل: معناه أهله. وقيل: لانه كان يبشره بقرب أهله إذا رجع من سفره، كما يفعل المحب. وقيل: على ظاهره كقوله: " وإن منها لما يهبط من خشية الله ". وفى الحديث عن أبى عبس بن جبر: " أحد يحبنا ونحبه، وهو على باب الجنة، وعير يبغضنا ونبغضه. وهو على باب من أبواب النار ". قال السهيلي مقويا لهذا الحديث: وقد ثبت أنه عليه السلام قال: " المرء مع من أحب ". وهذا من غريب صنع السهيلي. فإن هذا الحديث إنما يراد به الناس، ولا يسمى الجبل امرءا. وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث. قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق ومالك. قال ابن إسحاق: للنصف من شوال. وقال قتادة: يوم السبت الحادى عشر منه. قال مالك: وكانت الوقعة في أول النهار، وهى على المشهور التى أنزل الله فيها قوله تعالى: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم. إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون. إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن

[ 19 ]

يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " الآيات وما بعدها إلى قوله: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه، حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب (1) ". وقد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. ولنذكر هاهنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن إسحاق وغيره من علماء هذا الشأن رحمه الله. * * * وكان من حديث أحد، كما حدثنى محمد بن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت. قالوا - أو من قال منهم -: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبدالله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان ابن أمية، في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثارا. ففعلوا. قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لى بعض أهل العلم أنزل الله تعالى: " إن الذين


(1) سورة آل عمران 121 - 179 (*)

[ 20 ]

كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (1) ". قالوا: فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة. وكان أبو عزة عمرو بن عبدالله الجمحى قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة، وكان في الاسارى، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك واخرج معنا. فقال: إن محمدا قد من على فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى، فأعنا بنفسك، فلك الله إن رجعت أن أغنيك، وإن قتلت أن أجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بنى كنانة ويقول: أيا (2) بنى عبد مناة الرزام (3) * أنتم حماة وأبوكم حام لا يعدونى نصركم بعد العام * لا تسلموني لا يحل إسلام قال: وخرج نافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بنى مالك بن كنانة يحرضهم ويقول: يا مال (4) مال الحسب المقدم * أنشد ذا القربى وذا التذمم من كان ذا رحم ومن لم يرحم * الحلف وسط البلد المحرم عند حطيم الكعبة المعظم قال: ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له وحشى يقذف بحربة له قذف


(1) سورة الانفال 36. (2) ابن هشام: إيها. (3) الرزام: جمع رازم، وهو الذى يثبت في الحرب لا يبرح. (5) يا مال: يريد يا مالك فحذف آخره للترخيم. (*)

[ 21 ]

الحبشة، قلما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق. * * * قال: فخرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها، ومن تابعها من بنى كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن (1) التماس الحفيظة وألا يفروا. وخرج أبو سفيان صخر بن حرب، وهو قائد الناس، ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة. وخرج عكرمة بن أبى جهل بزوجته ابنة عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة. وخرج عمه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة. وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية، وخرج عمرو ابن العاص بربطة بنت منبه بن الحجاج، وهى أم ابنه عبدالله بن عمرو. وذكر غيرهم ممن خرج بامرأته. قال: وكان وحشى كلما مر بهند بنت عتبة أو مرت به تقول: ويها أبا دسمة اشف واشتف. يعنى تحرضه على قتل حمزة بن عبدالمطلب. قال: فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال لهم: " قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفى ثلما، ورأيت أنى أدخلت يدى في درع حصينة. فأولتها المدينة ". وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبى كريب، عن أبى أسامة، عن


(1) الظعن: جمع ظعينة وهى المرأة ما دامت في هودج. (*)

[ 22 ]

بريد بن عبدالله بن أبى بردة، عن أبى بردة، عن أبى موسى الاشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلى (1) إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب. ورأيت في رؤياي هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضا بقرا، والله خير (2)، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذى أتانا بعد يوم بدر ". وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أخبرنا الاصم، أخبرنا محمد بن عبدالله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: تعقل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر. قال ابن عباس: وهو الذى رأى فيه الرؤيا يوم أحد. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: نخرج يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد. ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر. فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس أداته، ثم ندموا وقالوا: يا رسول الله أقم، فالرأى رأيك. فقال لهم: ما ينبغى لنبى أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. قال: وكان قال لهم يومئذ قبل أن يلبس الاداة: إنى رأيت أنى في درع حصينة،


(1) وهلى: أول ظنى. (2) قال القسطلانى: والله خير: رفع مبتدأ أو خبر، وفيه حذف تقديره: وصنع الله خير. (*)

[ 23 ]

فأولتها المدينة، وأنى مردف كبشا وأولته كبش الكتيبة، ورأيت أن سيفى ذا الفقار فل، فأولته فلا فيكم، ورأيت بقرا يذبح، فبقر (1)، والله خير. رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبدالرحمن بن أبى الزناد عن أبيه به. وروى البيهقى من طريق حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن أنس مرفوعا قال: رأيت فيما يرى النائم كأنى مردف كبشا، وكأن ضبة سيفى انكسرت، فأولت أنى أقتل كبش القوم، وأولت كسر ضبة سيفى قتل رجل من عترتي. فقتل حمزة، وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة، وكان صاحب اللواء. * * * وقال موسى بن عقبة: ورجعت قريش فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب، وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش، وذلك في شوال من السنة المقبلة من وقعة بدر، حتى نزلوا ببطن الوادي الذى قبلى أحد، وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة، وتمنوا لقاء العدو ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر. فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم، وقالوا: قد ساق الله علينا أمنيتنا. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى ليلة الجمعة رؤيا فأصبح، فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم: " رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح، والله خير، ورأيت سيفى ذا الفقار انقصم من عند ضبته، أو قال: به فلول، فكرهته، وهما مصيبتان، ورأيت أنى في درع حصينة وأنى مردف كبشا ". فلما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤياه، قالوا: يا رسول الله، ماذا


(1) يريد بالبقر هنا: مصدر بقره يبقره بقرا، أي شق بطنه. (*)

[ 24 ]

أولت رؤياك ؟ قال: " أولت البقر الذى رأيت بقرا فينا وفى القوم، وكرهت ما رأيت بسيفي ". ويقول رجال: كان الذى رأى بسيفه: الذى أصاب وجهه، فإن العدو أصاب وجهه يومئذ، وقصموا رباعيته وخرقوا شفته، يزعمون أن الذى رماه عتبة بن أبى وقاص، وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ. وقال: أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو يقتله الله، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا واجعلوا الذرارى في الآطام، فإن دخل علينا القوم في الازقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت. وكانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى [ صارت ] كالحصن. فقال الذين لم يشهدوا بدرا: كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير. وقال رجل من الانصار: متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا ؟ وقال رجال: ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرب بروع ؟ وقال رجال قولا صدقوا به ومضوا عليه، منهم حمزة بن عبدالمطلب، قال: والذى أنزل عليك الكتاب لنجادلهم. وقال نعيم بن مالك بن ثعلبة، وهو أحد بنى سالم: يا نبى الله لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لادخلنها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم ؟ قال: بأنى أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت. واستشهد يومئذ. وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه، ولو رضوا بالذى أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر.

[ 25 ]

وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا، قد علموا الذى سبق لاصحاب بدر من الفضيلة. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة وعظ الناس وذكرهم، وأمرهم بالجد والجهاد، ثم انصرف من خطبته وصلاته، فدعا بلامته فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج. فلما رأى ذلك رجال من ذوى الرأى قالوا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحى من السماء. فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا. فقال: ما ينبغى لنبى إذا أخذ لامة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، فسلكوا على البدائع وهم ألف رجل، والمشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأحد. ورجع عنه عبدالله بن أبى بن سلول في ثلاثمائة، فبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة. قال البيهقى: هذا هو المشهور عند أهل المغازى، أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل. قال: والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل. كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وقيل عنه بهذا الاسناد سبعمائة. فالله أعلم. قال موسى بن عقبة: وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد، وكان معهم مائة

[ 26 ]

فرس، وكان لواؤه مع عثمان بن طلحة. قال: ولم يكن مع المسلمين فرس واحدة. ثم ذكر الواقعة كما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى. * * * وقال محمد بن إسحاق: لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤياه على أصحابه قال لهم: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. وكان رأى عبدالله بن أبى بن سلول مع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألا يخرج إليهم. فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد، وغيرهم ممن كان فاته بدر: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا. فقال عبدالله بن أبى: يا رسول الله لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل فلبس لامته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من بنى النجار يقال له مالك ابن عمرو، فصلى عليه ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك. فلما خرج عليهم قالوا: يا رسول الله إن شئت فاقعد. فقال: ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبدالله بن

[ 27 ]

أبى بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندرى علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام السلمى والد جابر بن عبدالله، فقال: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنى الله عنكم نبيه صلى الله عليه وسلم. * * * قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى: " وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (1) ". يعنى أنهم كاذبون في قولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وذلك لان وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء ولا شك فيه. وهم الذين أنزل الله فيهم: " فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا (2) " الآية. وذلك أن طائفة قالت: نقاتلهم. وقال آخرون: لا نقاتلهم. كما ثبت وبين في الصحيح. وذكر الزهري أن الانصار استأذنوا حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة، فقال: لا حاجة لنا فيهم.


(1) سورة آل عمران 167. (2) سورة النساء 88. (*)

[ 28 ]

وذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بنى سلمة وبنى حارثة لما رجع عبدالله بن أبى وأصحابه همتا أن تفشلا، فثبتهما الله تعالى، ولهذا قال: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ". قال جابر بن عبدالله: ما أحب أنها لم تنزل والله يقول: " والله وليهما (1) " كما ثبت في الصحيحين عنه. * * * قال ابن اسحاق: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بنى حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب (2) سيف فاستله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب السيف: شم سيفك. أي أغمده، فإنى أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب - أي من قريب - من طريق لا يمر بنا عليهم ؟ فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله. فنفذ به في حرة بنى حارثة وبين أموالهم، حتى سلك به في مال لمربع ابن قيظى، وكان رجلا منافقا ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثى في وجوههم التراب ويقول: إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل في حائطي. قال ابن إسحاق: وقد ذكر لى أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتلوه، فهذا الاعمى أعمى القلب أعمى البصر. وقد


(1) اية 122 سورة آل عمران - أي لما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. (2) الكلاب: ذؤابة السيف. (*)

[ 29 ]

بدر إليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الاشهل قبل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس في رأسه فشجه. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي وفى الجبل، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال. وقد سرحت قريش الظهر والكراع (1) في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين، فقال رجل من الانصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب ؟ ! وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل، وأمر على الرماة يومئذ عبدالله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. وسيأتى شاهد هذا في الصحيحين إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق: وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين. يعنى لبس درعا فوق درع، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار. قلت: وقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الغلمان يوم أحد، فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم، منهم: عبدالله بن عمر، كما ثبت في الصحيحين قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأبا ابن خمس عشرة فأجازنى. وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد، وزيد بن ثابت والبراء بن عازب، وأسيد بن


(1) الظهر: الابل. والكراع: الخيل. (*)

[ 30 ]

ظهير، وعرابة بن أوس بن قيظى. ذكره ابن قتيبة وأورده السهيلي، وهو الذى يقول فيه الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين ومنهم ابن سعيد بن خيثمة. ذكره السهيلي أيضا، وأجازهم كلهم يوم الخندق. وكان قد رد يومئذ سمرة بن جندب ورافع بن خديج، وهما ابنا خمس عشرة سنة، فقيل: يا رسول الله إن رافعا رام فأجازه. فقيل: يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعا فأجازه. قال ابن إسحاق: وتعبأت قريش، وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبى جهل بن هشام. * * * وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة، فقال: وما حقه يا رسول الله ؟ قال: أن تضرب به في العدو حتى ينحنى. قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا. وقد قال الامام أحمد: حدثنا يزيد وعفان، قالا حدثنا حماد، هو ابن سلمة، أخبرنا ثابت، عن النبي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفا يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف ؟ فأخذ قوم فجعلوا ينظرون إليه، فقال: من يأخذه بحقه ؟ فأحجم القوم، فقال أبو دجانة سماك: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين. ورواه مسلم، عن أبى بكر عن عفان به.

[ 31 ]

قال ابن إسحاق: وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها، فيعلم أنه سيقاتل. قال: فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها، ثم جعل يتبختر بين الصفين. قال: فحدثني جعفر بن عبدالله بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب، عن رجل من الانصار من بنى سلمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن ! * * * قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سفيان لاصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم على القتال: يا بنى عبد الدار قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه. فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا ! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع. وذلك الذى أراد أبو سفيان. قال: فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتى معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضن على القتال، فقالت هند فيما تقول: ويها بنى عبد الدار * ويها حماة الادبار ضربا بكل بتار وتقول أيضا: إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق

[ 32 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي ابن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة، وكان قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم معه خمسون غلاما من الاوس. وبعض الناس يقول: كانوا خمسة عشر. وكان يعد قريشا أن لو قد لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان. فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الاحابيش وعبد ان أهل مكة، فنادى: يا معشر الاوس أنا أبو عامر. قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وكان يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق. فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدى شر ! ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم أرضخهم بالحجارة. قال ابن إسحاق: فأقبل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس. قال ابن هشام: وحدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش، وقد قمت إليه وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني، والله لانظرن ما يصنع. فاتبعته، فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الانصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت: وهكذا كانت تقول له إذا تعصب. فخرج وهو يقول: أنا الذى عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول * أضرب بسيف الله والرسول وقال الاموى: حدثنى أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلا أتاه وهو يقاتل به، فقال: لعلك إن أعطيتك تقاتل في الكيول ؟ قال: لا. فأعطاه سيفا فجعل يرتجز ويقول:

[ 33 ]

أنا الذى عاهدني خليلي * أن لا أقوم الدهر في الكيول وهذا حديث يروى عن شعبة، ورواه إسرائيل كلاهما عن أبى إسحاق، عن هند بنت خالد أو غيره يرفعه. الكيول: يعنى مؤخر الصفوف. سمعته من عدة من أهل العلم، ولم أسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث. قال ابن هشام: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وكان في المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه فجعل كل منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها فقلت: الله ورسوله أعلم. وقد رواه البيهقى في الدلائل من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام بذلك. قال ابن إسحاق: قال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمس الناس حمسا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة. وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرضه طلبه منه عمر فأعرض عنه، ثم طلبه منه الزبير فأعرض عنه، فوجدا في أنفسهما من ذلك، ثم عرضه الثالثة فطلبه أبو دجانة فدفعه إليه فأعطى السيف حقه. قال: فزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين، فلما رأيت مثل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاورت، فإذا رجل من المشركين جمع اللامة يجوز (3 - السيرة - 3)

[ 34 ]

المسلمين وهو يقول: استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم (1). قال: وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لامته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصرى، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيأة. قال: فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه وتفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب ؟ أنا أبو دجانة ! مقتل حمزة رضى الله عنه قال ابن إسحاق: وقاتل حمزة بن عبدالمطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء. وكذلك قتل عثمان بن أبى طلحة، وهو حامل اللواء، وهو يقول: إن على أهل اللواء حقا * أن يخضبوا الصعدة أو تندقا فحمل عليه حمزة فقتله (2). ثم مر به سباع بن عبدالعزى الغبشانى، وكان يكنى بأبى نيار، فقال حمزة: هلم إلى يا ابن مقطعة البظور. وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفى، وكانت ختانة بمكة، فلما التقيا ضربه حمزة فقتله. فقال وحشى غلام جبير بن مطعم: والله إنى لانظر لحمزة يهد الناس بسيفه ما يليق (3) شيئا يمر به، مثل الجمل الاورق، إذ قد تقدمنى إليه سباع، فقال حمزة: هلم يابن مقطعة البظور. فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه، وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته (4) حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل


(1) استوسقوا: اجتمعوا والجزر: ما يذبح من الشاء واحدتها جزرة. (2) ليس في ابن هشام. (3) ما يليق: ما يبقى. (4) الثنة: بين السرة والعانة. (*)

[ 35 ]

نحوى فغلب، فوقع وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتى، ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لى بشئ حاجة غيره. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني عبدالله بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن الحارث، عن سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى، قال: خرجت أنا وعبيد الله ابن عدى بن الخيار، أحد بنى نوفل بن عبد مناف في زمان معاوية، فأدر بنا مع الناس، فلما مررنا بحمص وكان وحشى مولى جبير قد سكنها وأقام بها، فلما قدمناها قال عبيد الله بن عدى: هل لك في أن نأتى وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله ؟ قال قلت له: إن شئت. فخرجنا نسأل عنه بحمص، فقال لنا رجل ونحن نسأل عنه: إنكما ستجدانه بفناء داره، وهو رجل قد غلبت عليه الخمر، فإن تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا وتجدا عنده بعض ما تريدان وتصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه، وإن تجداه وبه بعض ما به فانصرفا عنه ودعاه. قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه، فإذا هو بفناء داره على طنفسة له، وإذا شيخ كبير مثل البغاث، وإذا هو صاح لا بأس به، فلما انتهينا إليه سلمنا عليه. فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدى فقال ابن لعدى بن الخيار أنت ؟ قال: نعم. قال: أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التى أرضعتك بذى طوى، فإنى ناولتكها وهى على بعيرها فأخذتك بعرضيك فلمعت لى قدماك حتى رفعتك إليها، فوالله ما هو إلا أن وقفت على فعرفتهما ! قال: فجلسنا إليه فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة، كيف قتلته ؟

[ 36 ]

فقال: أما إنى سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني عن ذلك. كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدى قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لى جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمى فأنت عتيق. قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الاورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شئ، فوالله إنى لا تهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو منى، إذ تقدمنى إليه سباع بن عبدالعزى، فلما رآه حمزة قال: هلم إلى يابن مقطعة البظور. قال: فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال: وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوى فغلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتى ثم رجعت إلى العسكر وقعدت فيه، ولم يكن لى بغيره حاجة، إنما قتلته لاعتق. فلما قدمت مكة عتقت، ثم أقمت، حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف، فمكثت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت على المذاهب، فقلت: ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد، فوالله إنى لفى ذلك من همى إذ قال لى رجل: ويحك ! إنه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق. قال: فلما قال لى ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أشهد شهادة الحق، فلما رأني قال لى: أوحشي أنت ؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة ؟

[ 37 ]

قال: فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثى قال: ويحك غيب عنى وجهك فلا أرينك ! قال: فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يرانى، حتى قبضه الله عزوجل. فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتى التى قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما وبيده السيف، وما أعرفه، فتهيأت له وتهيأ له رجل من الانصار من الناحية الاخرى، كلانا يريده، فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، وشد عليه الانصاري بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلت شر الناس ! قلت: الانصاري هو أبو دجانة سماك بن خرشة. وقال الواقدي في الردة: هو عبدالله بن زيد بن عاصم المازنى. وقال سيف بن عمرو: هو عدى بن سهل. وهو القائل: ألم تر أنى ووحشيهم * قتلت مسيلمة المفتتن ويسألني الناس عن قتله * فقلت: ضربت وهذا طعن والمشهور أن وحشيا هو الذى بدره بالضربة وذفف عليه أبو دجانة، لما روى ابن إسحاق، عن عبدالله بن الفضل، عن سليمان بن يسار، عن ابن عمر قال: سمعت صارخا يوم اليمامة يقول: قتله العبد الاسود. * * * وقد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبدالله بن أبى سلمة


(1) بالاصل غير منقوطة. وما أثبته عن الروض الانف 2 / 132. (*)

[ 38 ]

الماجشون، عن عبدالله بن الفضل، عن سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى، قال: خرجت مع عبدالله بن عدى بن الخيار. فذكر القصة كما تقدم. وذكر أن عبيد الله بن عدى كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشى إلا عينيه ورجليه، فذكر من معرفته له ما تقدم. وهذه قيافة عظيمة، كما عرف مجزز المدلجى أقدام زيد وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما. وقال في سياقته: فلما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز ؟ فخرج إليه حمزة بن عبدالمطلب فقال له: يا سباع يابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسوله ؟ ! ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب ! قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا منى رميته بحربتي فأضعها في ثنته، حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذلك آخر العهد به. إلى أن قال: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج مسيلمة الكذاب قلت: لاخرج إلى مسيلمة لعلى أقتله فأكافئ به حمزة. قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان. قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من [ بين ] (1) كتفيه، قال: ووثب إليه رجل من الانصار فضربه بالسيف على هامته. قال عبدالله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبدالله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر البيت: واأمير المؤمناه (2) ! قتله العبد الاسود. قال ابن هشام: فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان، فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت إن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة !


(1) من صحيح البخاري. (3) البخاري: واأمير المؤمنين. (*)

[ 39 ]

قلت: وتوفى وحشى بن حرب، أبو دسمة، ويقال أبو حرب، بحمص، وكان أول من لبس الثياب المدلوكة. * * * قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل. وكان الذى قتله ابن قمئة الليثى، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش: فقال قتلت محمدا. قلت: وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن سعيد بن المسيب أن الذى قتل مصعبا هو أبى بن خلف. فالله أعلم. قال ابن إسحاق: فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء على بن أبى طالب. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: كان اللواء أولا مع على بن أبى طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء المشركين مع عبد الدار قال: نحن أحق بالوفاء منهم، أخذ اللواء من على بن أبى طالب فدفعه إلى مصعب بن عمير، فلما قتل مصعب أعطى اللواء على بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وقاتل على بن أبى طالب ورجال من المسلمين. قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازنى، قال: لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الانصار، وأرسل إلى على: أن قدم الراية. فقدم على وهو يقول: أنا أبو القصم. فناداه أبو سعد بن أبى طلحة، وهو صاحب لواء المشركين: هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة ؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفين، فاختلفا ضربتين، فضربه على فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه ؟ فقال: إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله.

[ 40 ]

وقد فعل ذلك على رضى الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبى أرطاة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه. وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه على في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع على أيضا. ففى ذلك يقول الحارث بن النضر: أفى (1) كل يوم فارس غير منته * وعورته وسط العجاجة باديه يكف لها عنه على سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاويه ! وذكر يونس عن ابن إسحاق، أن طلحة بن أبى طلحة العبدرى حامل لواء المشركين يومئذ دعا إلى البراز فأحجم عنه الناس، فبرز إليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الارض فألقاه عنه وذبحه بسيفه، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لكل نبى حواريا وحواري الزبير " وقال: لو لم يبرز إليه لبرزت أنا إليه لما رأيت من إحجام الناس عنه. وقال ابن إسحاق: قتل أبا سعد بن أبى طلحة سعد بن أبى وقاص. وقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح فقتل نافع بن أبى طلحة وأخاه الحلاس، كلاهما يشعره سهما فيأتى أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها، فتقول: يا بنى من أصابك ؟ فيقول: سمعت رجلا حين رماني يقول: خذها وأنا ابن أبى الاقلح. فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر. وكان عاصم قد عاهد الله لا يمس مشركا أبدا ولا يمسه. ولهذا حماه الله منه يوم الرجيع كما سيأتي. قال ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبى عامر، واسمه عمرو، ويقال عبد عمرو بن صيفي، وكان يقال لابي عامر في الجاهلية الراهب، لكثرة عبادته، فسماه رسول الله


(1) الاصل: أتى. وهو تحريف. وما أثبته عن الروض الانف 2 / 133. (*)

[ 41 ]

صلى الله عليه وسلم الفاسق، لما خالف الحق وأهله وهرب من المدينة هربا من الاسلام ومخالفة للرسول عليه السلام. وحنظلة الذى يعرف بحنظلة الغسيل، لانه غسلته الملائكة. كما سيأتي. هو وأبو سفيان صخر بن حرب، فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الاوس، وهو الذى يقال له ابن شعوب، فضربه شداد فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن صاحبكم لتغسله الملائكة، فاسألوا أهله ما شأنه ؟ ". فسئلت صاحبته. قال الواقدي: هي جميلة بنت أبى بن سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة. فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك غسلته الملائكة ! وقد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره، فقال: ذنبان أصبتهما، ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولا للرحم برا بالوالد. قال ابن إسحاق: وقال ابن شعوب في ذلك: لاحمين صاحبي ونفسي * بطعنة مثل شعاع الشمس وقال ابن شعوب: ولولا دفاعي يابن حرب ومشهدي * لالفيت يوم النعف (1) غير مجيب ولولا مكرى المهر بالنعف فرفرت (2) * عليه ضباع (3) أو ضراء كليب (4) وقال أبو سفيان: ولو شئت نجتنى كميت: طمرة (5) * ولم أحمل النعماء لابن شعوب


(1) النعف: ما انحدر من حزونة الجبل (2) فرفرت: أسرعت وطاشت. وفى ابن هشام: قرقرت. بالقاف. (3) ابن هشام: ضباع عليه (4) الضراء: الضارية من الكلاب. (5) الطمرة: الفرس السريعة الجرى. (*)

[ 42 ]

وما زال مهرى مزجر الكلب منهم * لدن غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وأدعى يالغالب * وأدفعهم عنى بركن صليب فبكى ولا ترعى مقالة عاذل * ولا تسأمى من عبرة ونحيب أباك وإخوانا له قد تتابعوا * وحق لهم من عبرة بنصيب وسلى الذى قد كان في النفس أننى * قتلت من النجار كل نجيب ومن هاشم قرما (1) كريما ومصعبا * وكان لدى الهيجاء غير هيوب فلو أننى لم أشف نفسي منهم * لكانت شجى في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم * بهم خدب من معبط وكئيب (2) أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء ولا في خطة بضريب فأجابه حسان بن ثابت: ذكرت القروم الصيد من آل هاشم * ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم * نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه * وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصى عليا فراعه * بضربة عضب بله بخضيب فصل قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحشوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها. وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عبدالله بن الزبير، عن الزبير، قال: والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم (3) هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب،


(1) القرم: السيد. (2) الخدب: الهوج. والمعبط. الذى يسيل دمه. (3) الخدم: السوق. (*)

[ 43 ]

ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ وصارخ: ألا إن محمدا قد قتل. فانكفأنا وانكفأ القوم علينا، بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحد منهم. فحدثني بعض أهل العلم، أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به، وكان اللواء مع صواب، غلام لبنى أبى طلحة حبشي، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول: اللهم هل أعزرت. يعنى: اللهم هل أعذرت. فقال حسان بن ثابت في ذلك: فخرتم باللواء وشر فخر * لواء حين رد إلى صواب جعلتم فخركم فيه لعبد * وألام من يطا عفر التراب ظننتم والسفيه له ظنون * وما إن ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا * بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين أن عصبت يداه * وما إن تعصبان على خضاب وقال حسان أيضا في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم: إذا عضل سيقت إلينا كأنها * جداية شرك معلمات الحواجب (1) أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا * وحزناهم بالضرب من كل جانب فلولا لواء الحارثية أصبحوا * يباعون في الاسواق بيع الجلائب * * * قال ابن إسحاق: فانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو، وكان يوم بلاء


(1) الجداية: الغزال. وشرك: موضع. (*)

[ 44 ]

وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدث بالحجارة حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته، وكان الذى أصابه عتبة بن أبى وقاص. فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج في وجهه، فجعل يمسح الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله. فأنزل الله: " ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ". قال ابن جرير في تاريخه: حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط، عن السدى، قال أتى ابن قمئة الحارثى فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله، وتفرق عنه أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق طائفة فوق الجبل إلى الصخرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: إلى عباد الله، إلى عباد الله. فاجتمع إليه ثلاثون رجلا، فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، فحماه طلحة فرمى بسهم في يده فيبست يده، وأقبل أبى بن خلف الجمحى وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بل أنا أقتله. فقال: يا كذاب أين تفر، فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه، وقالوا: ليس بك جراحة فما يجزعك ؟ قال: أليس قال: لاقتلنك ! لو كانت تجتمع ربيعة ومضر لقتلهم. فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح. وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولا إلى عبدالله بن أبى فيأخذ لنا أمنة من أبى سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم.

[ 45 ]

فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ! وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال: أنا رسول الله. ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا. فقال الله عزوجل في الذين قالوا: إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " الآية. فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذى كانوا عليه وهمهم أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الارض ". ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم. فقال أبو سفيان يومئذ: اعل هبل، حنظلة بحنظلة، ويوم أحد بيوم بدر. وذكر تمام القصة. وهذا غريب جدا وفيه نكارة. * * * قال ابن هشام: وزعم ربيح بن عبدالرحمن بن أبى سعيد، عن أبيه، عن أبى سعيد، أن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى، وأن عبدالله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن عبدالله بن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله

[ 46 ]

عليه وسلم في حفرة من الحفر التى عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ على بن أبى طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده فقال: من مس دمه دمى لم تمسسه النار. قلت: وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع لشقه أغمى عليه، فمر به سالم مولى أبى حذيفة فأجلسه ومسح الدم عن وجهه، فأفاق وهو يقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله. فأنزل الله: " ليس لك من الامر شئ " الآية. رواه ابن جرير وهو مرسل، وسيأتى بسط هذا في فصل وحده. قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكفار، كما قال الله تعالى " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم " الآية. * * * قال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبدالرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، عن عبيدالله، عن ابن عباس، أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك. فقال: بينى وبين من أنكر ذلك كتاب الله: إن الله يقول في يوم أحد: " ولقد صدقكم الله وعده إذا تحسونهم بإذنه " يقول ابن عباس: والحس القتل " حتى إذا فشلتم " إلى قوله " ولقد عفا عنكم والله ذو فضل

[ 47 ]

على المؤمنين " وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا. فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا، فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم هكذا، وشبك بين أصابع يديه، والتبسوا. فلما أخل الرماة تلك الخلة التى كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا، فالتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كانت تحت المهراس. وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتكفيه إذا مشى. قال: ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقى نحونا وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله. ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا. حتى انتهى إلينا. فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعل هبل، اعل هبل، مرتين، يعنى آلهته، أين ابن أبى كبشة ؟ أين ابن أبى قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر بن الخطاب: ألا أجيبه ؟ قال: بلى. قال: فلما قال: اعل هبل قال: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: يابن الخطاب قد أنعمت عينها (1)، فعاد عنها، أو فعال عنها.


(1) يريد الحرب. وفعال: أمر، أي عال عنها وأقصر عن لومها. (*)

[ 48 ]

فقال: أين ابن أبى كبشة أين ابن أبى قحافة، أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر، وهأنذا عمر. قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الايام دول، وإن الحرب سجال. قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا ! ثم قال أبو سفيان: أما أنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة، ولم يكن ذلك عن رأى سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه. وقد رواه ابن أبى حاتم والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل من حديث سليمان ابن داود الهاشمي به. وهذا حديث غريب، وهو من مرسلات ابن عباس، وله شواهد من وجوه كثيرة سنذكر منها ما تيسر إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. وهو المستعان. قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة وأمر عليهم عبدالله بن جبير، وقال: لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا. فلما لقينا هربوا، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبدالله: عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا. فأبوا، فلما أبوا صرفت وجوههم (1). فأصيب سبعون قتيلا، وأشرف أبو سفيان فقال: أفى القوم محمد ؟ فقال: لا تجيبوه.


(1) صرفت وجوههم: تحيروا فلم يدروا أين يذهبون. (*)

[ 49 ]

فقال: أفى القوم ابن أبى قحافة ؟ فقال (1): لا تجيبوه. فقال: أفى القوم ابن الخطاب ؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لاجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يحزنك. فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول ؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول ؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. وهذا من أفراد البخاري دون مسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، أن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد، وكانوا خمسين رجلا، عبدالله بن جبير، قال: ووضعهم موضعا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم. قال: فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن. فقال أصحاب عبدالله بن جبير: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنظرون ؟ قال عبدالله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة.


(1) القائل هو رسول الله صلوات الله عليه. (4 السيرة 3) (*)

[ 50 ]

فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذى يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثنى عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين رجلا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا. فقال أبو سفيان: أفى القوم محمد ؟ أفى القوم محمد ؟ أفى القوم محمد ؟ ثلاثا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه. ثم قال: أفى القوم ابن أبى قحافة، أفى القوم ابن أبى قحافة ؟ أفى القوم ابن الخطاب، أفى القوم ابن الخطاب ؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم. فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لاحياء كلهم، وقد بقى لك ما يسوءك. فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز: اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه ؟ قالوا: يا رسول الله وما نقول ؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. قال: إن العزى لنا ولا عزى لكم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه ؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول ؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ورواه البخاري من حديث زهير، وهو ابن معاوية، مختصرا. وقد تقدم روايته له مطولة من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت وعلى بن زيد،

[ 51 ]

عن أنس بن مالك، أن المشركين لما رهقوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سبعة من الانصار ورجل من قريش، قال: يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة ؟ فجاء رجل من الانصار فقاتل حتى قتل. فلما رهقوه أيضا قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة ؟ حتى قتل السبعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنصفنا أصحابنا. ورواه مسلم عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به. وقال البيهقى في الدلائل: بإسناده عن عمارة بن غزية، عن أبى الزبير، عن جابر قال: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقى معه أحد عشر رجلا من الانصار وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: ألا أحد لهؤلاء ؟ فقال طلحة: أنا يا رسول الله. فقال: كما أنت يا طلحة، فقال رجل من الانصار: فأنا يا رسول الله. فقاتل عنه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقى معه، ثم قتل الانصاري فلحقوه، فقال: ألا رجل لهؤلاء ؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله. فقال رجل من الانصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل وأصحابه يصعدون، ثم قتل فلحقوه. فلم يزل يقول مثل قوله الاول ويقول طلحة: أنا يا رسول الله. فيحبسه، فيستأذنه رجل من الانصار للقتال فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله. حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهؤلاء ؟ فقال طلحة: أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله فقال: حس، فقال: لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء. ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون. وروى البخاري عن عبدالله بن أبى شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن

[ 52 ]

أبى حازم، قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وفى الصحيحين من حديث موسى بن إسماعيل، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبى عثمان النهدي قال: لم يبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الايام التى يقاتل فيهن غير طلحة وسعد عن حديثهما. وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشم السعدى، سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: نثل لى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال: ارم فداك أبى وأمى. وأخرجه البخاري، عن عبدالله بن محمد، عن مروان به. وفى صحيح البخاري من حديث عبدالله بن شداد، عن على بن أبى طالب قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لاحد إلا لسعد بن مالك، فإنى سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبى وأمى. قال محمد بن إسحاق: حدثنى صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبى وقاص أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سعد: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول: ارم فداك أبى وأمى ! حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمى به. وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد ابن أبى وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده. يعنى جبريل وميكائيل عليهما السلام. وقال أحمد: حدثنا عفان، أخبرنا ثابت، عن أنس، أن أبا طلحة كان يرمى بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، والنبى صلى الله عليه وسلم خلفه يترس به، وكان

[ 53 ]

راميا، وكان إذا رمى رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول: هكذا، بأبى أنت وأمى يارسول الله لا يصيبك سهم، نحرى دون نحرك. وكان أبو طلحة يسور نفسه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: إنى جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت. وقال البخاري: حدثنا أبو معمر (1)، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز (2)، عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو طلحة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوب عليه بحجفة (3) له، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول (4): انثرها لابي طلحة. قال: ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبى أنت وأمى لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحرى دون نحرك. ولقد رأيت عائشة بنت أبى بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان (5) القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم. ولقد وقع السيف من يدى أبى طلحة إما مرتين وإما ثلاثا. قال البخاري: وقال لى خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبى طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفى من يدى مرارا، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه. هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم، ويشهد له قوله تعالى " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق


(1) هو عبدالله بن عمرو العقدى. (2) هو عبد العزيز بن صهيب. (3) مجوب: مترس عليه يحميه. والحجفة: ترس من جلد. (4) القائل هو النبي صلوات الله وسلامه عليه (5) خدم سوقهما: خلاخيلهما. قال القسطلانى: وذلك محمول على نظر الفجأة. وتنقزان: تثبان وتفرغان القرب. (*)

[ 54 ]

ظن الجاهلية يقولون: هل لنا من الامر من شئ، قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ها هنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور. إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ". قال البخاري: حدثنا عبدان (1) أخبرنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القعود ؟ قال: هؤلاء قريش قال: من الشيخ ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه فقال: إنى سائلك عن شئ أتحدثني ؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت: أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد ؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال: نعم. قال: فكبر (2). قال ابن عمر: تعال لاخبرك ولا بين لك عما سألتنى عنه. أما فراره يوم أحد: فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان: فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان. فضرب بها على يده. فقال: هذه لعثمان.


(1) عبدان: لقب عبدالله بن عثمان المروزى. (2) كبر: مستحسنا لما أجابه ابن عمر، لمطابقته لما يعتقده في عثمان رضى الله عنه. (*)

[ 55 ]

اذهب بهذا (1) الآن معك. وقد رواه البخاري أيضا في موضع آخر، والترمذي من حدث أبى عوانة، عن عثمان بن عبدالله بن موهب به. وقال الاموى في مغازيه، عن ابن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد، عن أبيه، عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وقد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم إلى المنقى دون الاعوص، وفر عثمان بن عفان وسعد بن عثمان رجل من الانصار حتى بلغوا الجلعب، جبل بناحية المدينة مما يلى الاعوص، فأقاموا ثلاثا ثم رجعوا، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة. * * * والمقصود أن أحدا وقع فيها أشياء مما وقع في بدر، منها: حصول النعاس حال التحام الحرب، وهذا دليل على طمأنينة القلوب بنصر الله وتأييده وتمام توكلها على خالقها وبارئها. وقد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدر: " إذ يغشيكم النعاس أمنة منه " الآية وقال هاهنا: " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم " يعنى المؤمنين الكمل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: النعاس في الحرب من الايمان، والنعاس في الصلاة من النفاق. ولهذا قال بعد هذا: " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " الآية. ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصر يوم أحد كما استنصر يوم بدر بقوله: " إن تشأ لا تعبد في الارض ". كما قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان قالا: حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يوم أحد: " اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الارض ".


(1) يريد: اذهب بهذه الاجوبة التى أجبتك بها. (*)

[ 56 ]

ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر، عن عبد الصمد، عن حماد بن سلمة به. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابر بن عبدالله قال: قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد: " أرأيت إن قتلت فأين أنا ؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل ". ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به. وهذا شبيه بقصة عمير بن الحمام التى تقدمت في غزوة بدر رضى الله عنهما وأرضاهما.

[ 57 ]

فصل فيما لقى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ من المشركين قبحهم الله قال البخاري: ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد. حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا عبد الرزاق، عن همام بن منبه، سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ". ورواه مسلم من طريق عبد الرزاق، حدثنا مخلد بن مالك، حدثنا يحيى بن سعيد الاموى، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " اشتد غضب الله على من قتله النبي في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد وهو يسلت الدم عن وجهه وهو يقول: " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعو إلى الله " فأنزل الله: " ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ". ورواه مسلم عن القعنبى، عن حماد بن سلمة به. ورواه الامام أحمد، عن هشيم ويزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم " فأنزل الله تعالى: " ليس لك من الامر شئ ".

[ 58 ]

وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب، عن أبى حازم، أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أما والله إنى لاعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووى، قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسله وعلى يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم، وكسرت رباعيته يومئذ، وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه. * * * وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن المبارك، عن إسحاق، عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة، عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان أبو بكر إذ ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة ! ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل في سبيل الله دونه، وأراه قال: حمية، قال: فقلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلى، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وهو يخطف المشى خطفا لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عليكما صاحبكما " يريد طلحة. وقد نزف، فلم نلتفت إلى قوله. قال: وذهبت لانزع ذاك من وجهه، فقال: أقسم عليك بحقى لما تركتني، فتركته فكره تناولها بيده فيؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأزم عليها بفيه، فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لاصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقى لما تركتني. قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الاولى، فوقعت ثنيته الاخرى مع الحلقة،

[ 59 ]

فكان أبو عبيدة رضى الله عنه من أحسن الناس هتما ! فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه. * * * وذكر الواقدي عن ابن أبى سبرة، عن إسحاق بن عبدالله بن أبى فروة، عن أبى الحويرث، عن نافع بن جبير، قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتى من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبدالله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إليه. قال الواقدي: ثبت عندي أن الذى رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قمئة، والذى رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبى وقاص. وقد تقدم عن ابن إسحاق نحو هذا، وأن الرباعية التى كسرت له عليه السلام هي اليمنى السفلى. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان، عمن حدثه، عن سعد بن أبى وقاص، قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبى وقاص، وإن كان ما علمت لسيئ الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفانى فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله ". وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عثمان الحروري، عن مقسم،

[ 60 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبى وقاص حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال: " اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا ". فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار. وقال أبو سليمان الجوزجانى: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنى إبراهيم بن محمد، حدثنى ابن عبدالله بن محمد بن أبى بكر بن حرب، عن أبيه، عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم داوى وجهه يوم أحد بعظم بال. هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازى للاموي في وقعة أحد. * * * ولما نال عبدالله بن قمئة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نال، رجع وهو يقول: قتلت محمدا. وصرخ الشيطان أزب العقبة يومئذ بأبعد صوت: ألا إن محمدا قد قتل. فحصل بهتة عظيمة في المسلمين، واعتقد كثير من الناس ذلك، وصمموا على القتال عن حوزة الاسلام حتى يموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أنس بن النضر وغيره ممن سيأتي ذكره. وقد أنزل الله تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه، فقال تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين. وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين. وكأى من نبى قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا

[ 61 ]

وانصرنا على القوم الكافرين. فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين. يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. بل الله مولاكم وهو خير الناصرين. سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين " (1). وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير ولله الحمد. وقد خطب الصديق رضى الله عنه في أول مقام قامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ثم تلا هذه الآية: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " الآية. قال: فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحد إلا يتلوها. وروى البيهقى في دلائل النبوة من طريق ابن أبى نجيح، عن أبيه قال: مر رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الانصار وهو يتشحط في دمه. فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل، فقال الانصاري: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم ! فنزل: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " الآية. ولعل هذا الانصاري هو أنس بن النضر رضى الله عنه، وهو عم أنس بن مالك. قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حميد، عن أنس، أن عمه غاب عن قتال بدر، فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، لئن الله أشهدني قتالا للمشركين ليرين ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إنى أعتذر إليك عما صنع


(1) سورة آل عمران. (*)

[ 62 ]

هؤلاء، يعنى أصحابه، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع. فوجد فيه بضع وثمانون، من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم. قال: فكنا نقول: فيه وفى أصحابه نزلت: " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ". ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، والنسائي عن إسحاق بن راهويه، كلاهما عن يزيد بن هارون به. وقال الترمذي: حسن. قلت: بل على شرط الصحيحين من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا بهز، وحدثنا هاشم، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: عمى. قال هاشم: أنس بن النضر. سميت به، ولم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. قال: فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، ولئن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها. فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، قال: فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو أين ؟ واها لريح الجنة أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية. قال: فقالت أخته عمتى الربيع بنت النضر: فما عرفت أخى إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا ". قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه.

[ 63 ]

ورواه مسلم، عن محمد بن حاتم، عن بهز بن أسد. ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبدالله بن المبارك. وزاد النسائي، وأبو داود وحماد بن سلمة، أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أبو الأسود، عن عروة بن الزبير قال: كان أبى بن خلف أخو بنى جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال: بل أنا أقتله إن شاء الله. فلما كان يوم أحد أقبل أبى في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد. فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار يقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبى بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع إلى الارض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم. فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أجزعك ! إنما هو خدش. فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتل أبيا، ثم قال: والذى نفسي بيده، لو كان هذا الذى بى بأهل ذى المجاز لماتوا أجمعون. فمات إلى النار، فسحقا لاصحاب السعير ! وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب نحوه. وقال ابن إسحاق: لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، أدركه أبى ابن خلف وهو يقول: لا نجوت إن نجوت. فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه.

[ 64 ]

فلما دنا منه: تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم، كما ذكر لى، فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. وذكر الواقدي عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر ابن قتادة، عن عبدالله بن كعب بن مالك، عن أبيه. نحو ذلك. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبى بن خلف ببطن رابغ، فإنى لاسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تأججت، فهبتها وإذا برجل يخرج منها بسلسلة يجذبها يهيجه العطش، فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبى بن خلف. وقد ثبت في الصحيحين كما تقدم، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ". ورواه البخاري، من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: " اشتد غضب الله على من قتله رسول لله بيده في سبيل الله ". * * * وقال البخاري: وقال أبو الوليد، عن شعبة، عن ابن المنكدر، سمعت جابرا قال: لما قتل أبى جعلت أبكى وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهونني والنبى صلى الله عليه وسلم لم ينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تبكه أو ما تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع ".

[ 65 ]

هكذا ذكر هذا الحديث هاهنا معلقا، وقد أسنده في الجنائز عن بندار عن غندر، عن شعبة. ورواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به. وقال البخاري: حدثنا عبدان، أخبرنا عبدالله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد ابن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، أن عبدالرحمن بن عوف أتى بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير منى، كفن في بردة إن غطى رأسه بدت رجلاء، وإن غطى رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة هو خير منى، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا. وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا. ثم جعل يبكى حتى برد الطعام. انفرد به البخاري. وقال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الاعمش، عن شقيق، عن خباب بن الارت، قال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نبتغى وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئا، كان منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة (1)، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطى بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله الاذخر. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (2). وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن الاعمش به. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصرخ إبليس لعنة الله


(1) النمرة: بردة من صوف. (2) يهدبها: يجتنيها. (5 - السيرة - 3) (*)

[ 66 ]

عليه: أي عباد الله (1) أخراكم. فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبى أبى ! قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه. فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زال في حذيفة بقية خير (2) حتى لقى الله عزوجل. قلت: كان سبب ذلك أن اليمان وثابت بن وقش كانا في الآطام مع النساء لكبرهما وضعفهما، فقالا: إنه لم يبق من آجالنا إلاظمء (3) حمار. فنزلا ليحضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين، فأما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ. وتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين، ولم يعاتب أحدا منهم، لظهور العذر في ذلك. * * * فصل قال ابن إسحاق: وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى سقطت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدهما. وفى الحديث عن جابر بن عبدالله، أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها، فكانت أحسن عينيه وأحدهما، وكانت لا ترمد إذا رمدت الاخرى. وروى الدارقطني بإسناد غريب، عن مالك، عن محمد بن عبدالله بن أبى صعصعة، عن أبيه، عن أبى سعيد، عن أخيه قتادة بن النعمان قال: أصيبت عيناى يوم أحد فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان.


(1) يريد المسلمين، أي احترزوا من الذين وراءكم متأخرين عنكم، ليقتل بعض المسلمين بعضا. (2) وقيل: بقية حزن. القسطلانى 6 / 300 (3) الظمء: ما بين الشربتين والوردين، والمراد: ما بقى إلا يسير، لانه ليس شئ أقصر ظمأ منه. (*)

[ 67 ]

والمشهور الاول، أنه أصيبت عينه الواحدة، ولهذا لما وفد ولده على عمر بن عبد العزيز قال له: من أنت ؟ فقال له مرتجلا: أنا ابن الذى سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لاول أمرها * فيا حسنها عينا ويا حسن ما خد فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك:. تلك المكارم لاقعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ! ثم وصله فأحسن جائزته رضى الله عنه. * * * فصل قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة نسيبة (1) بنت كعب المازنية يوم أحد. فذكر سعيد بن أبى زيد الانصاري، أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة فقلت لها: يا خالة أخبريني خبرك. فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلى. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت لها: من أصابك بهذا ؟ قالت: ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا. فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت


(1) نسيبة، بفتح النون وكسر السين المهملة، كما ضبطها في الاكمال والتبصير والاصابة وغيرهم، وصبطها بالتصغير وهم، إنما هذا في نسيبة أم عطية، فنقله في أم عمارة غلط. انظر شرح المواهب 2 / 41. (*)

[ 68 ]

مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان. قال ابن إسحاق: وترس أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه، حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده. قال ابن إسحاق: وحدثني القاسم بن عبدالرحمن بن رافع، أخو بنى عدى بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيدالله، في رجال من المهاجرين والانصار، وقد ألقوا بأيديهم فقال: فما يجلسكم ؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما تصنعون بالحياة بعده ! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبل فقاتل حتى قتل، وبه سمى أنس بن مالك. فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن عبدالرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرج. * * * فصل قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر لى الزهري، كعب بن مالك

[ 69 ]

قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنصت. قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين، فلما أسند (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبى بن خلف، فذكر قتله عليه السلام أبيا كما تقدم. قال ابن إسحاق: وكان أبى بن خلف، كما حدثنى صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن ابن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العوذ، فرسا، أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم، فقال: قتلني والله محمد. فقالوا له: ذهب والله فؤادك ! والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك. فوالله لو بصق على لقتلني ! فمات عدو الله بسرف (2)، وهم قافلون به إلى مكة. قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك: لقد ورث الضلالة عن أبيه * أبى يوم بارزه الرسول أتيت إليه تحمل رم عظم * وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت بنو النجار منكم * أمية إذ يغوث: يا عقيل


(1) أسند: صعد. أي استند إلى جانب من الجبل. (2) سرف: موضع على ستة أميال من مكة. (*)

[ 70 ]

وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا * أبا جهل لامهما الهبول وأفلت حارث لما شغلنا * بأسر القوم، أسرته فليل وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا من مبلغ عنى أبيا * فقد (1) ألقيت في سحق السعير تمنى بالضلالة من بعيد * وتقسم أن قدرت مع النذور تمنيك الامانى من بعيد * وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقتك طعنة ذى حفاظ * كريم البيت ليس بذى فجور له فضل على الاحياء طرا * إذا نابت ملمات الامور * * * قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج على ابن أبى طالب حتى ملا درقته ماء من المهراس (2)، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه، فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول: " اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه ". وقد تقدم شواهد ذلك من الاحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية. قال ابن إسحاق: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل. قال ابن هشام: فيهم خالد بن الوليد. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا. فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل، ونهض


(1) ابن هشام: لقد. (2) الدرقة: الحجفة، وهى ترس من جلد، والمهراس: ماء بأحد. (*)

[ 71 ]

النبي صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدن (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها. فحدثني يحيى بن عباد، بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن الزبير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ: " أوجب طلحة (2) " حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ما صنع. قال ابن هشام: وذكر عمر مولى عفرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أ ؟ ؟ لا يدرى من هو يقال له قزمان، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ذكر: " إنه لمن أهل النار ". قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبنته الجراحة، فاحتمل إلى دار بنى ظفر. قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر. قال: بماذا أبشر ! فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت ! قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه. وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر. كما سيأتي إن شاء الله. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن المسيب، عن أبى هريرة، قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل


(1) بدن: ثقل من السن. (2) يعنى: أحدث شيئا يستوجب به الجنة. (*)

[ 72 ]

ممن يدعى الاسلام: " هذا من أهل النار ". فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله الرجل الذى قلت إنه من أهل النار. قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إلى النار ". فكاد بعض القوم يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: فإنه لم يمت ولكن به جراح شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " الله أكبر، أشهد أنى عبد الله ورسوله ". ثم أمر بلالا فنادى في الناس: " إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ! ". وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به. * * * قال ابن إسحاق: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق، وكان أحد بنى ثعلبة بن الفطيون فلما كان يوم أحد قال: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا: " مخيريق خير يهود ". قال السهيلي: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال مخيريق، وكانت سبع حوائط، أوقافا بالمدينة لله.

[ 73 ]

قال محمد بن كعب القرظى: وكانت أول وقف بالمدينة. وقال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ، عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد، عن أبى هريرة، أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط. فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو ؟ فيقول: أصيرم بنى عبد الاشهل، عمرو بن ثابت بن وقش. قال الحصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الاصيرم ؟ قال: كان يأبى الاسلام على قومه، فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم، ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. قال: فبينما رجال من بنى عبد الاشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للاصيرم ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث. فسألوه فقالوا: [ ما جاء بك يا عمرو ] (1) أحدب على قومك أم رغبة في الاسلام ؟ فقال: بل رغبة في الاسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفى وغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني. فلم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنه من أهل الجنة ". قال ابن إسحاق: وحدثني أبى، عن أشياخ من بنى سلمة، قالوا: كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الاسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا: إن الله قد عذرك. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا


(1) من ابن هشام. (*)

[ 74 ]

الوجه والخروج معك فيه، فوالله إنى لارجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك " وقال لبنيه: " ما عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة ". فخرج معه فقتل يوم أحد رضى الله عنه. * * * قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة - كما حدثنى صالح بن كيسان - والنسوة اللائى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجد عن الآذان والانوف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما (1) وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا. وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وذكر موسى بن عقبة أن الذى بقر عن كبد حمزة وحشى، فحملها إلى هند فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها. فالله أعلم. قال ابن إسحاق: ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت: نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر (2) ما كان لى عن عتبة من صبر * ولا أخى وعمه وبكر شفيت نفسي وقضيت نذري * شفيت وحشى غليل صدري فشكر وحشى على عمرى * حتى ترم أعظمي في قبري قال: فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت: خزيت في بدر وبعد بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر * م الهاشميين الطوال الزهر


(1) الخدم: الخلاخيل. (2) السعر بضمتين: الشدة والقرم. (*)

[ 75 ]

بكل قطاع حسام يفرى * حمزة ليثى وعلى صقري إذ رام شيب وأبوك غدري * فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر قال ابن إسحاق: وكان الحليس بن زيان أخو بنى الحارث بن عبد مناة - وهو يومئذ سيد الاحابيش - مر بأبى سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبدالمطلب بزج الرمح ويقول: ذق عقق ! فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما ! فقال: ويحك اكتمها عنى فإنها كانت زلة. * * * قال ابن إسحاق: ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت (1) [ فعال ] (2) إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل أي ظهر دينك (3). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " قم يا عمر فأجبه فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ". فقال له أبو سفيان: هلم إلى يا عمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: ائته فانظر ما شأنه. فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا ؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن. قال: أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر.


(1) أنعمت: بفتح التاء: خطاب لنفسه. وبسكونها يريد: الحرب أو الواقعة أو الازلام: " أجابت بنعم " (2) من ابن هشام. وفعال: اسم للفعل الحسن. وقال السهيلي: فعال: أمر، أي عال عنها وأقصر عن لومها، تقول العرب: اعل عنى وعال، بمعنى ارتفع عنى ودعني. (3) ابن هشام: أي: أظهر دينك. (*)

[ 76 ]

قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مثل (1) والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت ولا أمرت. قال: ولما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام المقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل: نعم هو بيننا وبينك موعد. قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب فقال: اخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة. والذى نفسي بيده إن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لاناجزنهم. قال على: فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا إلى مكة. * (هامش) (1) المثل: كالمثلة، التنكيل بالقتلى. (*)

[ 77 ]

ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد الوقعة يوم أحد قال الامام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزارى، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكى، عن ابن رفاعة الزرقى، عن أبيه، قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استووا حتى أثنى على ربى عزوجل، فصاروا خلفه صفوفا فقال: " اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادى لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطى لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم إنى أسألك النعيم المقيم الذى لا يحول ولا يزول، اللهم إنى أسألك النعيم يوم العيلة والامن يوم الخوف. اللهم إنى عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الايمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق ". ورواه النسائي في اليوم والليلة، عن زياد بن أيوب، عن مروان بن معاوية، عن عبد الواحد بن أيمن، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه به.

[ 78 ]

فصل قال ابن إسحاق: وفرغ الناس لقتلاهم، فحدثني محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن ابن أبى صعصعة المازنى، أخو بنى النجار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رجل ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع أفى الاحياء هو أم في الاموات ؟ فقال رجل من الانصار: أنا. فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، قال: فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أنظر أفى الاحياء أنت أم في الاموات. فقال: أنا في الاموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامى وقل له: إن سعد ابن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته. وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ! قال: ثم لم أبرح حتى مات وجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره. قلت: كان الرجل الذى التمس سعدا في القتلى محمد بن سلمة، فيما ذكره محمد بن عمر الواقدي. وذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه، فلما قال: إن رسول الله أمرنى أن أنظر خبرك. أجابه بصوت ضعيف وذكره. وقال الشيخ أبو عمر في الاستيعاب: كان الرجل الذى التمس سعدا أبى بن كعب. فالله أعلم. وكان سعد بن الربيع من النقباء ليلة العقبة رضى الله عنه، وهو الذى آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبدالرحمن بن عوف. * * *

[ 79 ]

قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبدالمطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه. فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى: " لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدى، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم ". فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. قال ابن إسحاق: فحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي، عن محمد بن كعب، وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس، أن الله أنزل في ذلك: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " الآية. قال: فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة. قلت: هذه الآية مكية، وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين، فكيف يلتئم هذا ؟ ! فالله أعلم. قال: وحدثني حميد الطويل، عن الحسن، عن سمرة، قال: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه حتى يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة. وقال ابن هشام: ولما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: " لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت قط موقفا أغيظ إلى من هذا ! ". ثم قال: " جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في السماوات السبع: " حمزة ابن عبدالمطلب أسد الله وأسد رسوله ".

[ 80 ]

قال ابن هشام: وكان حمزة وأبو سلمة بن عبد الاسد أخوى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أرضعتهم ثلاثتهم ثويبة مولاة أبى لهب. ذكر الصلاة على حمزة وقتلى أحد وقال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجى ببردة ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة ". وهذا غريب وسنده ضعيف. قال السهيلي: ولم يقل به أحد من علماء الامصار. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن الشعبى، عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أن ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم. ". فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة: سبعة من الانصار واثنين من قريش وهو عاشرهم، فلما رهقوه قال: رحم الله رجلا ردهم عنا. فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا. فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله أعلى وأجل. فقالوا: الله أعلى وأجل.

[ 81 ]

فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون. قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مثلة وإن كانت لعن غير ملامنا، ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءنى ولا سرنى. قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأكلت شيئا ؟ قالوا: لا. قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار. قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه وجئ برجل من الانصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الانصاري وترك حمزة. وجئ بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة. حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة ". تفرد به أحمد، وهذا إسناد فيه ضعف أيضا من جهة عطاء بن السائب. فالله أعلم. والذى رواه البخاري أثبت حيث قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبدالله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. (6 - السيرة - 3)

[ 82 ]

تفرد به البخاري دون مسلم. ورواه أهل السنن من حديث الليث بن سعد به. وقال أحمد: حدثنا محمد، يعنى ابن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري، عن ابن جابر، عن جابر ابن عبدالله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قتلى أحد: فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة. ولم يصل عليهم. وثبت أنه صلى عليهم بعد ذلك بسنين عديدة قبل وفاته بيسير. كما قال البخاري: حدثنا محمد بن عبدالرحيم، حدثنا زكريا بن عدى، أخبرنا [ ابن (1) ] المبارك، عن حيوة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن عقبة بن عامر، قال: صلى (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمانى سنين كالمودع للاحياء والاموات، ثم طلع المنبر فقال: " إنى بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإنى لانظر إليه من مقامي هذا، وإنى لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكان آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه البخاري في مواضع أخر، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، من حديث يزيد ابن أبى حبيب به نحوه. وقال الاموى: حدثنى أبى، حدثنا الحسن بن عمارة، عن حبيب بن أبى ثابت، قال: قالت عائشة: خرجنا من السحر مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد نستطلع الخبر، حتى إذا طلع الفجر إذا رجل محتجر يشتد ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل (3)


(1) ابن المبارك هو عبدالله. وقد سقطت من الاصل. وأثبتها من صحيح البخاري في غزوة أحد. (2) قال القسطلاني: المراد أنه دعا لهم بدعاء صلاة الميت، والاجماع يدل له، لانه لا يصلى عليه - أي القبر - عند الشافعية، وعند أبى حنيفة المخالف: لا يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام. إرشاد السارى 6 / 291. (3) نسبه في تاج العروس 7 / 290 لحمل بن سعدانة الصحابي. وعجزه: " ما أحسن الموت إذا حان الاجل " وروايته في اللسان 13 / 193: " ضح قليلا يدرك.. " وقال: " يعنى به حمل بن بدر ". (*)

[ 83 ]

قال: فنظرنا فإذا أسيد بن حضير، ثم مكثنا بعد ذلك، فإذا بعير قد أقبل، عليه امرأة بين وسقين. قالت: فدنونا منها فإذا هي امرأة عمرو بن الجموح، فقلنا لها: ما الخبر ؟ قالت: دفع الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذ من المؤمنين شهداء " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا ". ثم قالت لبعيرها: حل. ثم نزلت، فقلنا لها: ما هذا ؟ قالت: أخى وزوجي. وقال ابن إسحاق: وقد أقبلت صفية بنت عبدالمطلب لتنظر إليه، وكان أخاها لابيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: القها فارجعها لا ترى ما بأخيها. فقال لها: يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي. قالت: ولم، وقد بلغني أنه مثل بأخى وذلك في الله، فما أرضانا ما كان من ذلك، لاحتسبن ولاصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك قال: خل سبيلها، فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت. قال ابن إسحاق: ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن، ودفن معه ابن أخته عبدالله بن جحش وأمه أميمة بنت عبدالمطلب، وكان قد مثل به غير أنه لم ينقر عن كبده. رضى الله عنهما. قال السهيلي: وكان يقال له المجدع في الله. قال: وذكر سعد أنه هو و عبدالله بن جحش دعيا بدعوة فاستجيبت لهما، فدعا سعد أن يلقى فارسا من المشركين فيقتله ويستلبه، فكان ذلك. ودعا عبدالله بن جحش أن يلقاه فارس فيقتله ويجدع أنفه في الله، فكان ذلك.

[ 84 ]

وذكر الزبير بن بكار أن سيفه يومئذ انقطع، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا فصار في يد عبدالله بن جحش سيفا يقاتل به، ثم بيع في تركة بعض ولده بمائتي دينار. وهذا كما تقدم لعكاشة في يوم بدر. * * * وقد تقدم في صحيح البخاري أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، بل في الكفن الواحد. وإنما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التى يشق معها أن يحفروا لكل واحد واحد. ويقدم في اللحد أكثرهما أخذا للقرآن. وكان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللحد الواحد، كما جمع بين عبدالله بن عمرو بن حرام والد جابر، وبين عمرو بن الجموح، لانهما كانا متصاحبين. ولم يغسلوا بل تركهم بجراحهم ودمائهم. كما روى ابن إسحاق عن الزهري، عن عبدالله بن ثعلبة بن صعير (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن القتلى يوم أحد قال: " أنا شهيد على هؤلاء، أنه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دم والريح ريح مسك ". قال: وحدثني عمى موسى بن يسار، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: " ما من جريج يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى، اللون لون الدم والريح ريح المسك ".


(1) من بنى عذرة حليف بنى زهرة، له رؤبة ولم يثبت له سماع، مات سنة تسع وثمانين وقد قارب التسعين. (*)

[ 85 ]

وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا على بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود وقال: " ادفنوهم بدمائهم وثيابهم ". رواه أبو داود وابن ماجه من حديث على بن عاصم به. وقال الامام أبو داود في سننه: حدثنا القعنبى، أن سليمان بن المغيرة حدثهم، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر، أنه قال: جاءت الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا: قد أصابنا قرح وجهد فكيف تأمر ؟ فقال: " احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد ". قيل: يا رسول الله فأيهم يقدم ؟ قال: أكثرهم قرآنا. ثم رواه من حديث الثوري، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر. فذكره. وزاد: وأعمقوا. قال ابن إسحاق: وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: " ادفنوهم حيث صرعوا ". وقد قال الامام أحمد: حدثنا على بن إسحاق، حدثنا عبدالله وعتاب، حدثنا عبد الله، حدثنا عمر بن سلمة بن أبى يزيد المدينى، حدثنى أبى، سمعت جابر بن عبد الله يقول: استشهد أبى بأحد، فأرسلني أخواتي إليه بناضح لهن، فقلن: اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل فادفنه في مقبرة بنى سلمة. فقال: فجئته وأعوان لى، فبلغ ذلك نبى الله وهو جالس بأحد، فدعاني فقال: " والذى نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوته ".

[ 86 ]

فدفن مع أصحابه بأحد. تفرد به أحمد. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الاسود بن قيس، عن نبيح، عن جابر بن عبدالله، أن قتلى أحد حملوا من مكانهم، فنادى منادى النبي صلى الله عليه وسلم: أن ردوا القتلى إلى مضاجعهم. وقد رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري، والترمذي، من حديث شعبة والنسائي أيضا، وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، كلهم عن الاسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى المشركين يقاتلهم وقال لى أبى عبدالله: يا جابر لا عليك أن تكون في نظارى أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإنى والله لولا أنى أترك بنات لى بعدى لاحببت أن تقتل بين يدى. قال: فبينا أنا في النظارين إذ جاءت عمتى بأبى وخالى عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادى: ألا إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت. فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا. فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبى سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر بن عبدالله، والله لقد أثار أباك عمال معاوية فبدا، فخرج طائفة منه. فأتيته فوجدته على النحو الذى دفنته لم يتغير، إلا ما لم يدع القتل أو القتيل. ثم ساق الامام قصة وفائه دين أبيه، كما هو ثابت في الصحيحين. وروى البيهقى من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله قال: لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة استصرخنا إليهم،

[ 87 ]

فأتيناهم فأخرجناهم، فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دما ! وفى رواية ابن إسحاق عن جابر قال: فأخرجناهم كأنما دفنوا بالامس. وذكر الواقدي أن معاوية لما أراد أن يجرى العين نادى مناديه: من كان له قتيل بأحد فليشهد. قال جابر: فحفرنا عنهم فوجدت أبى في قبره كأنما هو نائم على هيئته ووجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح ويده على جرحه، فأزيلت عنه فانبعث جرحه دما ! ويقال: إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك رضى الله عنهم أجمعين. وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنوا. * * * وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا حسين المعلم، عن عطاء، عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبى من الليل فقال لى: ما أرانى إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنى لا أترك بعدى أعز على منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن على دينا فاقض واستوص بأخواتك خيرا. فأصبحنا، وكان أول قتيل، فدفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هيئة غير أذنه. وثبت في الصحيحين من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أنه لما قتل أبوه جعل يكشف عنه الثوب ويبكى، فنهاه الناس فقال رسول الله: " تبكيه أو لا تبكيه، لم تزل الملائكة تظله حتى رفعتموه ". وفى رواية أن عمته هي الباكية. وقال البيهقى: حدثنا أبو عبدالله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضى، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا فيض بن وثيق البصري،

[ 88 ]

حدثنا أبو عبادة الانصاري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر: " يا جابر ألا أبشرك ؟ قال: بلى، بشرك الله بالخير. فقال: " أشعرت أن الله أحيا أباك فقال: تمن على عبدى ما شئت أعطكه. قال: يا رب عبدتك حق عبادتك، أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى. قال: إنه سلف منى أنه إليها لا يرجع ". وقال البيهقى: حدثنا أبو الحسن محمد بن أبى المعروف الاسفرايينى، حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد، حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر، حدثنا على بن المدينى، حدثنا موسى ابن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الانصاري، قال: سمعت طلحة بن خراش بن عبدالرحمن بن خراش بن الصمة الانصاري ثم السلمى، قال: سمعت جابر بن عبدالله قال: نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال. " مالى أراك ميتما ؟ قال: قلت: يا رسول الله قتل أبى وترك دينا وعيالا، فقال: ألا أخبرك ؟ ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا وقال له: يا عبدى سلنى أعطك. فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال: إنه سبق منى القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب فأبلغ من ورائي. فأنزل الله " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (1) " الآية. وقال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن محمد بن عقيل، سمعت جابرا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أبشرك يا جابر ؟ قلت: بلى، قال: إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال له: ما تحب يا عبدالله، ما تحب أن أفعل بك ؟ قال: أي رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى ". وقد رواه أحمد عن على بن المدينى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن على بن


(1) سورة آل عمران آية 169. (*)

[ 89 ]

ربيعة السلمى، عن ابن عقيل، عن جابر، وزاد: فقال الله: إنى قضيت أنهم إليها لا يرجعون. وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن جابر، عن عبدالله عن جابر بن عبدالله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إذا ذكر أصحاب أحد: " أما والله لوددت أنى غودرت مع أصحابه بحضن الجبل " يعنى سفح الجبل. تفرد به أحمد. وقد روى البيهقى من حديث عبدالاعلى بن عبدالله بن أبى فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه فدعا له ثم قرأ: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " الآية قال: " أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم، والذى نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إن يوم القيامة إلا ردوا عليه ". وهذا حديث غريب. وروى عن عبيد بن عمير مرسلا. * * * وروى البيهقى من حديث موسى بن يعقوب، عن عباد بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء، فإذا أتى فرضة الشعب قال: " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ثم كان أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان عمر بعد أبى بكر يفعله، وكان عثمان بعد عمر يفعله.

[ 90 ]

قال الواقدي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم كل حول، فإذا بلغ نقرة الشعب يقول: " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول، ثم عمر ثم عثمان، وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتيهم فتبكى عندهم وتدعو لهم، وكأن سعد يسلم ثم يقبل على أصحابه فيقول: ألا تسلمون على قوم يردون عليكم. ثم حكى زيارتهم عن أبى سعيد، وأبى هريرة، و عبدالله بن عمر، وأم سلمة رضى الله الله عنهم. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنى إبراهيم، حدثنى الحكم بن نافع، حدثنا العطاف بن خالد، حدثتني خالتي قالت: ركبت يوما إلى قبور الشهداء - وكانت لا تزال تأتيهم - فنزلت عند حمزة فصليت ما شاء الله أن أصلى، وما في الوادي داع ولا مجيب، إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي، فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدى: " السلام عليكم " قالت: فسمعت رد السلام على يخرج من تحت الارض، أعرفه كما أعرف أن الله عزوجل خلقني، وكما أعرف الليل والنهار، فاقشعرت كل شعرة منى ! وقال محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبى الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا على الحرب ولا يزهدوا في الجهاد ؟ فقال الله عزوجل: أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله في الكتاب قوله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ".

[ 91 ]

وروى مسلم والبيهقي من حديث أبى معاوية، عن الاعمش، عن عبدالله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبدالله بن مسعود عن هذه الآية: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ". فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في أيها شاءت، ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش، قال: فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: اسألوني ما شئتم. فقالوا: يا ربنا وما نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا. ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أن لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك مرة أخرى. قال: فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا. فصل في عدد الشهداء قال موسى بن عقبة: جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والانصار تسعة وأربعون رجلا. وقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء، أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا. فالله أعلم. وقال قتادة: عن أنس، قتل من الانصار يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أنه كان يقول: قارب السبعين يوم أحد، ويوم بئر معونة، ويوم مؤتة، ويوم اليمامة. وقال مالك: عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن سعيد بن المسيب، قتل من الانصار يوم أحد ويوم اليمامة سبعون، ويوم جسر أبى عبيدة سبعون.

[ 92 ]

وهكذا قال عكرمة وعروة والزهرى ومحمد بن إسحاق في قتلى أحد، ويشهد له قوله تعالى " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا (1) " يعنى أنهم قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين. وعن ابن إسحاق: قتل من الانصار - لعله من المسلمين - يوم أحد خمسة وستون، أربعة من المهاجرين: حمزة و عبدالله بن جحش ومصعب بن عمير وشماس بن عثمان والباقون من الانصار. وسرد أسماءهم على قبائلهم. وقد استدرك عليه ابن هشام زيادة على ذلك خمسة آخرين، فصاروا سبعين على قول ابن هشام. وسرد ابن إسحاق أسماء الذين قتلوا من المشركين، وهم اثنان وعشرون رجلا. وعن عروة: كان الشهداء يوم أحد أربعة، أو قال سبعة، وأربعين. وقال موسى بن عقبة: تسعة وأربعون. وقتل من المشركين يومئذ ستة عشر رجلا وقال عروة: تسعة عشر. وقال ابن إسحاق: اثنان وعشرون. وقال الربيع عن الشافعي: ولم يؤسر من المشركين سوى أبى عزة الجمحى، وقد كان في الاسارى يوم بدر، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فدية واشترط عليه الا يقاتله، فلما أسر يوم أحد قال: يا محمد امنن على لبناتي، وأعاهد ألا أقاتلك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين. ثم أمر به فضربت عنقه. وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ! "


(1) سورة آل عمران 165. (*)

[ 93 ]

فصل قال ابن إسحق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لى، فلما لقيت الناس نعى إليها أخوها عبدالله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبدالمطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن زوج المرأة منها لبمكان ! " لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها. وقد قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إسحاق بن محمد الفروى، حدثنا عبدالله بن عمر، عن ابراهيم بن محمد بن عبدالله بن جحش، عن أبيه، عن حمنة بنت جحش، أنه قيل لها: قتل أخوك. فقالت: رحمه الله وإنا لله وإنا إليه راجعون. فقالوا: قتل زوجك قالت: واحزناه ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن للزوج من المرأة لشعبة ما هي لشئ " ! قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الواحد بن أبى عون، عن إسماعيل، عن محمد، عن سعد بن أبى وقاص، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل والكثير، وهو ههنا القليل. قال امرؤ القيس: لقتل بنى أسد ربهم * ألا كل شئ خلاه جلل أي صغير وقليل.

[ 94 ]

قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: " اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقنى في هذا اليوم ". وناولها على بن أبى طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقنى اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة ". وقال موسى بن عقبة في موضع آخر: ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف على مخضبا بالدماء قال: " لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف ". وروى البيهقى عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء على بن أبى طالب بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا فإنها قد شفننى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة ". قال ابن هشام: وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو ذو الفقار. قال: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن أبى نجيح قال: نادى مناد يوم أحد: لا سيف إلا ذو الفقار (1). قال: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلى: " لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا ". قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار بنى عبد الاشهل، فسمع


(1) ابن هشام: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا على. ولا ندرى لماذا أسقطها ابن كثير ! (*)

[ 95 ]

البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " لكن حمزة لا بواكي له ". فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير إلى دار بنى عبد الاشهل أمرا نساءهن أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن بعض رجال بنى عبد الاشهل قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن في باب المسجد يبكين فقال: " ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن ". قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن النوح، فيما قال ابن هشام. وهذا الذى ذكره منقطع ومنه مرسل. وقد أسنده الامام أحمد فقال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنى أسامة بن زيد، حدثنى نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من أحد فجعل نساء الانصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولكن حمزة لا بواكي له ". قال: ثم نام فاستنبه وهن يبكين قال: " فهن اليوم إذا يبكين يندبن حمزة ". وهذا على شرط مسلم. وقد رواه ابن ماجه، عن هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثى، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنساء بنى عبد الاشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكن حمزة لا بواكي له ". فجاء نساء الانصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ويحهن ما انقلبن بعد مرورهن، فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم ".

[ 96 ]

وقال موسى بن عقبة: ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزقة المدينة إذا النوح والبكاء في الدور قال: " ما هذا ؟ " قالوا: هذه نساء الانصار يبكين قتلاهم فقال: " لكن حمزة لا بواكي له " واستغفر له. فسمع ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل و عبدالله بن رواحة، فمشوا إلى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية بالمدينة، فقالوا: والله لا تبكين قتلى الانصار حتى تبكين عم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة. وزعموا أن الذى جاء بالنوائح عبدالله بن رواحة، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما هذا ؟ " فأخبر بما فعلت الانصار بنسائهم، فاستغفر لهم وقال لهم خيرا وقال " ما هذا أردت، وما أحب البكاء " ونهى عنه. وهكذا ذكر ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة بن الزبير سواء. قال موسى بن عقبة: وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحزين المسلمين، وظهر غش اليهود، وفارت المدينة بالنفاق فور المرجل. وقالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه ولا أصيب منه ما أصيب، ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه. وقال المنافقون مثل قولهم، وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم. فأنزل الله القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين، يعنى فيمن قتل منهم فقال: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم " الآيات كلها - كما تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة.

[ 97 ]

ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ما بهم من القرح والجراح، في أثر أبى سفيان، إرهابا له ولاصحابه حتى بلغ حمراء الاسد، وهى على ثمانية أميال من المدينة قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد، وذكره رجوعه عليه السلام إلى المدينة: وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أبى سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم تبتروهم، فقد بقى منهم رءوس يجمعون لكم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وبهم أشد القرح - بطلب العدو ليسمعوا بذلك، وقال: لا ينطلقن معى إلا من شهد القتال. فقال عبد الله بن أبى: أنا راكب معك. فقال: لا. فاستجابوا لله ولرسوله على الذى بهم من البلاء. فانطلقوا. فقال الله في كتابه: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم " (1). قال: وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر، حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته.


(1) سورة آل عمران (*)

[ 98 ]

قال: وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم العدو حتى بلغ حمراء الاسد. وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة بن الزبير، سواء. * * * وقال محمد بن إسحاق في مغازيه: وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الاحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه: ألا يخرجن أحد إلا من حضر بومنا ؟ بالامس. فكلمه جابر بن عبدالله فأذن له. قال ابن إسحاق: وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لو يوهنهم عن عدوهم. قال ابن إسحاق رحمه الله: فحدثني عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبى السائب مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلا من بنى عبد الاشهل قال: شهدت أحدا أنا وأخ لى، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لاخى وقال لى: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! والله مالنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة (1)، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد، وهى من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء ثم رجع إلى المدينة. قال ابن هشام: وقد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم.


(1) العقبة: النوبة. (*)

[ 99 ]

قال ابن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر [ أن ] معبد بن أبى معبد الخزاعى، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم (2) معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بحمراء الاسد، فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد حتى لقى أبا سفيان ابن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ؟ ! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط. قال: ويلك ما تقول ؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصى الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم. قال: فإنى أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر. قال: وما قلت ؟ قال: قلت: كادت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل (3) تردى (4) بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول


(1) ابن هشام: عيبة نصح لرسول الله. والعيبة: موضع السر. (2) صفقتهم: حلفهم. (3) الجرد: عتاق الخيل. والابابيل: الجماعات. (4) تردى: تسرع. (*)

[ 100 ]

فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل (1) إنى نذير لاهل البسل (2) ضاحية * لكل ذى إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش (3) قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من عبدالقيس فقال: أين تريدون ؟ قالوا: المدينة. قال: ولم ؟ قالوا نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد، فأخبروه بالذى قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكذا قال الحسن البصري. وقد قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبى حصين، عن أبى الضحى، عن ابن عباس: حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. تفرد بروايته البخاري. وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضى الله عنها: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم " قالت لعروة: يابن أختى كان أبواك


(1) تغطمطت: اهتزت. والجيل: الصف من الناس. (2) أهل البسل: قريش. (3) الوخش: الردئ. وفى ابن هشام: تنابلة. والقنابل: جمع قنبلة الطائفة من الناس والخيل. (*)

[ 101 ]

منهم، الزبير وأبو بكر رضى الله عنهما، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: من يذهب في إثرهم ؟ فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير. هكذا رواه البخاري. وقد رواه مسلم مختصرا من وجه عن هشام، وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدى جميعا عن سفيان بن عيينة. وأخرجه ابن ماجه من طريقه.، عن هشام بن عروة به. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق أبى سعيد عن هشام بن عروة به، ورواه من حديث السدى عن عروة، وقال في كل منهما: صحيح ولم يخرجاه. كذا قال. وهذا السياق غريب جدا، فإن المشهور عند أصحاب المغازى أن الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الاسد كل من شهد أحدا، وكانوا سبعمائة، كما تقدم. قتل منهم سبعون وبقى الباقون. وقد روى ابن جرير من طريق العوفى، عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبى سفيان الرعب يوم أحد بعد الذى كان منه، فرجع إلى مكة، وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون في ذى القعدة المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المسلمين القرح واشتكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذى أصابهم، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا بهم ويتبعوا ما كانوا متبعين وقال لنا: ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام قابل. فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال: إن الناس قد جمعوا لكم. فأبى عليه الناس أن يتبعوه فقال: إنى ذاهب وإن لم يتبعني أحد. فانتدب معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد و عبدالرحمن بن

[ 102 ]

عوف وأبو عبيدة وابن مسعود وحذيفة في سبعين رجلا، فساروا في طلب أبى سفيان حتى بلغوا الصفراء فأنزل الله: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ". وهذا غريب أيضا. وقال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة، أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع إلى المدينة، فقال لهم صفوان بن أمية: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان، فارجعوا. فرجعوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: " والذى نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب ! ". قال: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ذلك قبل رجوعه المدينة، معاوية ابن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، جد عبدالملك بن مروان لامه عائشة بنت معاوية، وأبا عزة الجمحى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسره ببدر ثم من عليه فقال: يا رسول الله أقلنى، فقال: لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدا مرتين. اضرب عنقه يا زبير. فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن لا يلدغ من حجر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت " فضرب عنقه. وذكر ابن هشام: أن معاوية بن المغيرة بن أبى العاص استأمن له عثمان على ألا يقيم بعد ثلاث، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه. ففعلا رضى الله عنهما. * * *

[ 103 ]

قال ابن إسحاق. ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبدالله بن أبى كما حدثنى الزهري له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر له شرفا في نفسه وفى قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله به وأعزكم به، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس.. حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله، والله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت. فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا (1) أن قمت أشدد أمره ! فلقيه رجال من الانصار بباب المسجد فقالوا: ويلك مالك ؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب إلى رجال من أصحابه يجبذوننى ويعنفونني، لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره. قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما أبغى أن يستغفر لى. * * * ثم ذكر ابن اسحاق ما نزل من القرآن في قصة أحد من سورة آل عمران عند قوله " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ". قال: إلى تمام ستين آية. وتكلم عليها. وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية.


(1) البجر: الشر والامر العظيم. (*)

[ 104 ]

ثم شرع ابن إسحاق في ذكر شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم كما جرت عادته. فذكر من المهاجرين أربعة: حمزة ومصعب بن عمير و عبدالله بن جحش وشماس ابن عثمان رضى الله عنهم، ومن الانصار إلى تمام خمسة وستين رجلا. واستدرك عليه ابن هشام خمسة أخرى فصاروا سبعين على قول ابن هشام. ثم سمى ابن إسحاق من قتل من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا على قبائلهم أيضا. قلت: ولم يؤسر من المشركين سوى أبى عزة الجمحى، كما ذكره الشافعي وغيره، وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا بين يديه، أمر الزبير، ويقال: عاصم بن ثابت ابن أبى الافلح، فضرب عنقه.

[ 105 ]

فصل فيما تقاول به المؤمنون والكفار في وقعة أحد من الاشعار وإنما نورد شعر الكفار لنذكر جوابها من شعر الاسلام، ليكون أبلغ في وقعها من الاسماع والافهام، وأقطع لشبهة الكفرة الطغام. قال الامام محمد بن إسحاق رحمه الله: وكان مما قيل من الشعر يوم أحد قول هبيرة ابن أبى وهب المخزومى، وهو على دين قومه من قريش، فقال: ما بال هم عميد بات يطرقني * بالود من هند إذ تعدو عواديها باتت تعاتبني هند وتعذلني * والحرب قد شغلت عنى مواليها مهلا فلا تعذليني إن من خلقي * ما قد علمت وما إن لست أخفيها مساعف لبنى كعب بما كلفوا * حمال عبء وأثقال أعانيها وقد حملت سلاحي فوق مشترف * ساط سبوح إذا تجرى يباريها (1) كأنه إذ جرى عير بفدفدة * مكدم لاحق بالعون يحميها (2) من آل أعوج يرتاح الندى له * كجذع شعراء مستعل مراقيها أعددته ورقاق الحد منتخلا * ومارنا لخطوب قد ألاقيها (4) هذا وبيضاء مثل النهى محكمة * لظت على فما تبدو مساويها (4) سقنا كنانة من أطراف ذى يمن * عرض البلاد على ما كان يزجيها قالت كنانة أنى تذهبون بنا * قلنا النخيل فأموها ومن فيها (5)


(1) مشترف: مشرف. والساطى: الفرس البعيد الخطو. والسبوح: الذى يسبح في جريه. (2) العير: حمار الوحش. والفدفدة: الفلاة. والمكدم المعضض. والعون: جمع عانة وهو القطيع من حمر الوحش. (3) رقاق الحد: السيوف. ومنتخلا: متخيرا والمارن: الرمح الصلب اللدن. (4) البيضاء: يريد بها الدرع. والمنهى: الغزير ؟ ؟ لظت: لصقت. (5) النخيل: عين قرب المدينة. (*)

[ 106 ]

نحن الفوارس يوم الجر (1) من أحد * هابت معد فقلنا نحن نأتيها هابوا ضرابا وطعنا صادقا خذما * مما يرون وقد ضمت قواصيها (2) ثمت رحنا كأنا عارض برد * وقام هام بنى النجار يبكيها (3) كأن هامهم عند الوغى فلق * من قيض ربد نفته عن أداحيها (4) أو حنظل ذعذعته الريح في غصن * بال تعاوره منها سوافيها (5) قد نبذل المال سحا لا حساب له * ونطعن الخيل شزرا في مآقيها (6) وليلة يصطلى بالفرث جازرها * يختص بالنقرى المثرين داعيها (7) وليلة من جمادى ذات أندية * جربا جمادية قد بت أسريها (8) لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * من القريس ولا تسرى أفاعيها (9) أوقدت فيها لذى الضراء جاحمة * كالبرق ذاكية الاركان أحميها (10) أورثني ذالكم عمرو ووالده * من قبله كان بالمشتى يغاليها (11) كانوا يبارون أنواء النجوم فما * دنت عن السورة العليا مساعيها * * * قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت رضى الله عنه فقال: قال ابن هشام: وتروى لكعب بن مالك وغيره. قلت: وقول ابن إسحاق أشهر وأكثر والله أعلم:


(1) الجر: أصل الجبل. (2) الخذم: القاطع. (3) العارض: السحاب. وبرد: به برد، وهو حب الغمام. (4) القيض: القشرة العليا اليابسة من البيض. والربد: النعام. والاداحي: جمع أدحى وهو مبيض النعام. (5) ذعذعته: حركته. وتعاوره: تتداوله. والسوافى: الرياح الشديدة. (6) سحا: صبا. والشزر في الطعن: أن يكون من ناحية غير مستقيمة. (7) يصطلى: يستدفئ. والنقرى: الدعوة الخاصة، أي يختص الاغنياء طلبا لمكافأتهم، يصف شدة الزمان. (8) أندية: جمع ندى على غير قياس، وقيل: إنه جمع الجمع، والجرباء: المقحطة. (9) القريس: البرد الشديد. (10) الجاحمة: الملتهية. (11) ابن هشام: بالمثنى. وما هنا أوضح. (*)

[ 107 ]

سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم * إلى الرسول فجند الله مخزيها أوردتموها حياض الموت ضاحية * فالنار موعدها والقتل لاقيها جمعتموهم أحابيشا بلا حسب * أئمة الكفر غرتكم طواغيها ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت * أهل القليب ومن ألقينه فيها كم من أسير فككناه بلا ثمن * وجز ناصية كنا مواليها قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يجيب هبيرة بن أبى وهب المخزومى أيضا: ألا هل أتى غسان عنا ودونهم * من الارض خرق سيره متنعنع (1) صحارى وأعلام كأن قتامها * من البعد نقع هامد متقطع (2) تظل به البزل العراميس رزحا * ويحلو به غيث السنين فيمرع (3) به جيف الحسرى يلوح صليبها * كما لاح كتان التجار الموضع (4) به العين والآرام يمشين خلفة * وبيض نعام قيضه يتقلع (5) مجالدنا عن ديننا كل فخمة * مذربة فيها القوانس تلمع (6) وكل صموت في الصوان كأنها * إذا لبست نهى من الماء مترع (7) ولكن ببدر سائلوا من لقيتم * من الناس والانباء بالغيب تنفع وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها * سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا إذا جاء منا راكب كان قوله * أعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع


(1) المتنعنع: المضطرب. (2) الاعلام: الجبال. والقتام الغبار. والنقع: الغبار أيضا. (3) البزل: جمع بازل. وهى الناقة التى تبلغ التاسعة. والعراميس: الصلبة. والرزح: المعيبة. (4) الصليب: ودك العظام. والموضع: المبسوط. (5) العين: بقر الوحش والآرام. وخلفة: قطعة وراء قطعة. والقيض: قشور البيض. ويتقلع: يتشقق (6) مذربة: محددة. والقوانس: جمع قونس وهى بيضة السلاح. (7) كل صموت: أراد به الدرع. جعلها صموتا لشدة نسجها وإحكام صنعتها. والنهى: الغدير. والمترع: الملئ. (*)

[ 108 ]

فمهما يهم الناس مما يكيدنا * فنحن له من سائر الناس أوسع فلو غيرنا كانت جميعا تكيده البرية قد أعطوا يدا وتوزعوا نجالد لا تبقى علينا قبيلة * من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا ولما ابتنوا بالعرض قالت سراتنا * علام إذا لم نمنع العرض نزرع (1) وفينا رسول الله نتبع أمره * إذا قال فينا القول لا نتظلع (2) تدلى عليه الروح من عند ربه * ينزل من جو السماء ويرفع نشاوره فيما نريد وقصرنا (3) * إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع وقال رسول الله لما بدوا لنا * ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا وكونوا كمن يشرى الحياة تقربا * إلى ملك يحيا لديه ويرجع ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا * على الله إن الامر لله أجمع فسرنا إليهم جهرة في رحالهم * ضحيا علينا البيض لا نتخشع بملمومة فيها السنور والقنا * إذا ضربوا أقدامها لا تورع (4) فجئنا إلى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية * ثلاث مئين إن كثرنا فأربع (5) نغاورهم تجرى المنية بيننا * نشارعهم حوض المنايا ونشرع تهادى قسى النبع فينا وفيهم * وما هو إلا اليثربي المقطع (6) ومنجوفة حرمية صاعدية * يذر عليها السم ساعة تصنع (7)


(1) العرض: سفح الجبل. وهو جبل أحد. (2) لا نتظلع: لا نميل عنه (3) قصرنا: غايتنا. (4) الملمومة: الكتيبة. والسنور: السلاح. لا تورع: لا تكف. (5) النصية: الخيار من القوم. (6) النبع: شجر للقسى والسهام ينبت في قلة الجبل. واليثربى: الوتر المنسوب إلى يثرب. (7) المنجوفة: السهام. والحرمية: المنسوبة إلى الحرم. والصاعدية: منسوبة إلى صاعد، كان يصنعها (*)

[ 109 ]

تصوب بأبدان الرجال وتارة * تمر بأعراض البصار تقعقع (1) وخيل تراها بالفضاء كأنها * جراد صبا في قرة يتريع (2) فلما تلاقينا ودارت بنا الرحا * وليس لامر حمه الله مدفع ضربناهم حتى تركنا سراتهم * كأنهم بالقاع خشب مصرع لدن غدوة حتى استفقنا عشية * كأن ذكانا حر نار تلفع (3) وراحوا سراعا موجعين (4) كأنهم * جهام هراقت ماءه الريح مقلع (5) ورحنا وأخرانا بطاء كأننا * أسود على لحم ببيشة ضلع (6) فنلنا ونال القوم منا وربما * فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع ودارت رحانا واستدارت رحاهم * وقد جعلوا كل من الشر يشبع ونحن أناس لا نرى القتل سبة * على كل من يحمى الذمار ويمنع جلاد على ريب الحوادث لا نرى * على هالك عينا لنا الدهر تدمع بنو الحرب لا نعيا بشئ نقوله * ولا نحن مما جرت الحرب نجزع بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش * ولا نحن من أظفارنا نتوجع وكنا شهابا يتقى الناس حره * ويفرج عنه من يليه ويسفع (7) فخرت على ابن الزبعرى وقد سرى * لكم طلب من آخر الليل متبع فسل عنك في عليا معد وغيرها * من الناس من أخزى مقاما وأشنع


(1) قال السهيلي: " يقول: تشق أبدان الرجال حتى تبلغ البصار فتقعقع فيها، وهى جمع بصرة، وهى حجارة لينة. ويجوز أن يكون أراد جمع بصيرة، مثل كريمة وكرام. والبصيرة: الدرع، وقيل: الترس ". (2) الصبا: ريح شرقية. والقرة: الليلة الباردة. يتريع: يذهب ويجئ. (3) ذكانا: حرارتنا في الحرب. (4) ابن هشام: موجفين. (5) الجهام: السحاب الرقيق. (6) بيشة: موضع كثير الاسود. وفى ابن هشام: ظلع. (7) يفرح عنه: ينكشف. ويسفع: يلفح. (*)

[ 110 ]

ومن هو لم يترك له الحرب مفخرا * ومن خده يوم الكريهة أضرع شددنا بحول الله والنصر شدة * عليكم وأطراف الاسنة شرع تكر القنا فيكم كأن فروعها * عزالى مزاد ماؤها يتهزع (1) عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر * بذكر اللواء فهو في الحمد أسرع فحانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا * أبى الله إلا أمره وهو أصنع * * * قال ابن إسحاق: وقال عبدالله بن الزبعرى في يوم أحد وهو يومئذ مشرك بعد: يا غراب البين أسمعت فقل * إنما تنطق شيئا قد فعل إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل (2) والعطيات خساس بينهم * وسواء قبر مثر ومقل كل عيش ونعيم زائل * وبنات الدهر يلعبن بكل أبلغنا حسان عنى آية * فقريض الشعر يشفى ذا الغلل كم ترى بالجر من جمجمة * وأكف قد أترت ورجل (3) وسرابيل حسان سريت * عن كماة أهلكوا في المنتزل كم قتلنا من كريم سيد * ماجد الجدين مقدام بطل صادق النجدة قرم بارع * غير ملتاث لدى وقع الاسل فسل المهراس ما ساكنه * بين أقحاف وهام كالحجل (4) ليت أشياخى ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل


(1) العزالى: جمع عزلي، وهى مصب الماء من الراوية. والمزاد: جمع مزادة وهى الراوية. ويتهزع: يتقطع. (2) القبل: العيان والمواجهة. (3) الجر: أصل الجبل. وأترت: قطعت. (4) المهراس: ماء بأحد. وفى ابن هشام: من ساكنه. والاقحاف: جمع قحف. والهام: الرؤوس. والحجل: الذكر من القبج. (*)

[ 111 ]

حين حكت بقباء بركها (1) * واستحر القتل في عبد الاشل ثم خفوا عند ذاكم رقصا * رقص الحفان يعلو في الجبل (2) فقتلنا الضعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل لا ألوم النفس إلا أننا * لو كررنا لفعلنا المفتعل بسيوف الهند تعلو هامهم * عللا تعلوهم بعد نهل قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت رضى الله عنه: ذهبت بابن الزبعرى وقعة * كان منا الفضل فيها لو عدل ولقد نلتم ونلنا منكم * وكذك الحرب أحيانا دول نضع الاسياف في أكتافكم * حيث نهوى عللا بعد نهل نخرج الاصبح من أستاهكم * كسلاح النيب يأكلن العصل (3) إذ تولون على أعقابكم * هربا في الشعب أشباه الرسل (4) إذ شددنا شدة صادقة * فأجأناكم إلى سفح الجبل بخناطيل كأشداق الملا * من يلاقوه من الناس يهل (5) ضاق عنا الشعب إذ نجزعه * وملانا الفرط منه والرجل (6) برجال لستم أمثالهم * أيدوا جبريل نصرا فنزل (7)


(1) البرك: الصدر. وعبد الاشل: هم بنو عبد الاشهل. (2) الرقص: الخبب في السير، وهو الاسراع. والحفان: فراخ النعام. (3) الاصبح: وصف للبن الممذوق المخرج من بطونهم، كما قال السهيلي 2 / 158 وتروى: الاضياح. وهو اللبن الممزوج بالماء. والنيب: النوق المسنة. والعصل: نبات يصلح الابل إذا أكلته. (4) الرسل: الغنم إذا أرسلها الراعى، والرسل: القطيع من كل شئ. (5) الخناطيل: الجماعات. والاشداق: جمع شدق، وهو من الوادي عرضاه وناحيتاه. والملا: الفلاة ذات حر وسراب. ويهل: يفزع. (6) نجزعه: نقطعه عرضا. والفرط: المرتفع من الارض. والرجل: المطمئن منها. (7) أيدوا جبريل: أراد: أيدوا بجبريل. (*)

[ 112 ]

وعلونا يوم بدر بالتقى * طاعة الله وتصديق الرسل وقتلنا كل رأس منهم * وقتلنا كل جحجاح رفل (1) وتركنا في قريش عورة * يوم بدر وأحاديث المثل ورسول الله حقا شاهدا * يوم بدر والتنابيل الهبل (2) في قريش من جموع جمعوا * مثل ما يجمع في الخصب الهمل (3) نحن لا أمثالكم ولد استها * نحضر البأس إذا البأس نزل * * * قال ابن إسحاق: وقال كعب يبكى حمزة ومن قتل من المسلمين يوم أحد، رضى الله عنهم: نشجت وهل لك من منشج * وكنت متى تدكر تلجج تذكر قوم أتانى لهم * أحاديث في الزمن الاعوج فقلبك من ذكرهم خافق * من الشوق والحزن المنضج وقتلاهم في جنان النعيم * كرام المداخل والمخرج بما صبروا تحت ظل اللواء * لواء الرسول بذى الاضوج (4) غداة أجابت بأسيافها * جميعا بنو الاوس والخزرج وأشياع أحمد إذ شايعوا * على الحق ذى النور والمنهج فما برحوا يضربون الكماة * ويمضون في القسطل المرهج (5)


(1) الجحجاح: السيد. والرفل: الذى يجر ثوبه خيلاء. (2) التنابيل: القصار. والهبل: الذين ثقلوا لكثرة اللحم عليهم. (3) الهمل: الابل المهملة التى تركت دون راع. (4) الاضوج: جمع ضوج، وهو منعطف الوادي. (5) القسطل: الغبار. (*)

[ 113 ]

كذلك حتى دعاهم مليك * إلى جنة دوحة المولج (1) وكلهم مات جر البلاء * على ملة الله لم يحرج كحمزة لما وفى صادقا * بذى هبة صارم سلجج (2) فلاقاه عبد بنى نوفل * يبربر كالجمل الادعج (3) فأوجره حربة كالشهاب * تلهب في اللهب الموهج ونعمان أوفى بميثاقه * وحنظلة الخير لم يحنج (4) عن الحق حتى غدت روحه * إلى منزل فاخر الزبرج (5) أولئك لا من ثوى منكم * من النار في الدرك المرتج * * * قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى حمزة ومن أصيب من المسلمين يوم أحد، وهى على روى قصيدة أمية بن أبى الصلت في قتلى المشركين يوم بدر. قال ابن هشام: ومن أهل العلم بالشعر من ينكر هذه لحسان. والله أعلم: يامى قومي فاندبي * بسحيرة شجو النوائح كالحاملات الوقر بالثقل الملحات الدوالح (6) المعولات الخامشا * ت وجوه حرات صحائح وكأن سيل دموعها الانصاب تخضب بالذبائح ينقضن أشعارا لهن * هناك بادية المسائح (7) وكأنها أذناب خي‍ * - ل بالضحى شمس روامح


(1) الدوحة: الكثيرة الاغصان. والمولج: المدخل (2) السلجج: المرهف. (3) عبد بنى نوفل: وحشى قاتل حمزة. ويبربر: يصيح. والادعج: الاسود. (4) لم يحنج: لم يمل. (5) الزبرج: الوشى. (6) الدوالح: الحاملات الثقل. (7) المسائح: ذوائب الشعر. (8 - السيرة - 3) (*)

[ 114 ]

من بين مشرور ومج‍ * زور يذعذع بالبوارح (1) يبكين شجوا مسلبات * كدحتهن الكوادح ولقد أصاب قلوبها * مجل له جلب قوارح (2) إذ أقصد الحدثان من * كنا نرجى إذ نشايح (3) أصحاب أحد غالهم * دهر ألم له جوارح من كان فارسنا وحا * مينا إذا بعث المسالح (4) يا حمز لا والله لا * أنساك ماصر اللقائح لمناخ أيتام وأض‍ * - ياف وأرملة تلامح (5) ولما ينوب الدهر في * حرب لحرب وهى لاقح يا فارسا يامدرها * يا حمز قد كنت المصامح (6) عنا شديدات الخطو * ب إذا ينوب لهن فادح ذكرتني أسد الرسو * ل وذاك مدرهنا المنافح عنا وكان يعد إذ * عد الشريفون الجحاجح يعلو القماقم جهرة * سبط اليدين أغر واضح لا طائش رعش ولا * ذو علة بالحمل آنح (7) بحر فليس يغب جا * را منه سيب أو منادح أودى شباب أولى الحفا * ئظ والثقيلون المراجح المطعمون إذا المشا * تى ما يصفقهن ناضح


(1) المشرور: الذى وضع لحمه على خصفة ليجف. ويذعذع: يغرق. والبوارح: الرياح الشديدة. (2) المجل: أن يكون بين الجلد واللحم ماء. والجلب: جمع جلبة وهو قشرة تعلو الجرح عند البرء. (3) نشايح: تحذر. (4) اللقائح: جمع لقحة وهى الناقة ذات اللبن. (5) تلامح: تنظر لمحة ثم تغض بصرها. (6) المصامح: المدافع القوى. (7) آنح: ضعيف واهن. يقال أنح البعير: إذا حمل الثقل أخرج من صدره صوت المعتصر. (*)

[ 115 ]

لحم الجلاد وفوقه * من شحمه شطب شرائح ليدافعوا عن جارهم * مارام ذو الضغن المكاشح لهفى لشبان رزئ‍ * ناهم كأنهم المصابح شم بطارقة غطا * رفة خضارمة مسامح (1) المشترون الحمد بالاموال إن الحمد رابح والجامزون بلجمهم يوما * إذا ما صاح صائح (2) من كان يرمى بالنوا * قر (3) من زمان غير صالح ما إن تزال ركابه * يرسمن في غبر صحاصح (4) راحت تبارى وهو في * ركب صدورهم رواشح حتى تئوب له المعا * لى ليس من فوز السفائح (5) يا حمزة قد أوحدتني * كالعود شذ به الكوافح (6) أشكو إليك وفوقك الترب المكور والصفائح من جندل يلقيه فوقك * إذ أجاد الضرح ضارح (7) في واسع يحشونه * بالترب سوته المماسح فعزاؤنا أنا نقو * ل وقولنا برح بوارح (8) من كان أمسى وهو عما أوقع الحدثان جانح فليأتنا فلتبك عيناه لهلكانا النوافح (9)


(1) البطارقة: الرؤساء، والغطارفة: السادة. والخضارفة: المكثرون من العطاء. والمسامح: الكرام. (2) الجامزون: الواثبون. واللجم: جمع لجام. (3) النواقر: الدواهي والمصائب. (4) يرسمن: يسرن الرسم، وهو نوع من سير الابل. والغبر: جمع غبراء وهى الارض: والصحاصح: الارض المستوية: (5) السفائح: جمع سفيح وهو من قداح الميسر. (6) الكوافح: الذين يتناولونه بالقطع. (7) الضرح: الحفر للميت. (8) برح: صعب. (9) النوافح: من ينفحون بالعطاء والخير. (*)

[ 116 ]

القائلين الفاعلين * ذوى السماحة والممادح من لا يزال ندى يديه له طوال الدهر مأخ (1) قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان. * * * قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يبكى حمزة وأصحابه: طرقت همومك فالرقاد مسهد * وجزعت أن سلخ الشباب الاغيد ودعت فؤادك للهوى ضمرية * فهواك غورى وصحوك منجد فدع التمادي في الغواية سادرا * قد كنت في طلب الغواية تفند (2) ولقد أنى لك أن تناهى طائعا * أو تستفيق إذا نهاك المرشد ولفد هددت لفقد حمزة هدة * ظلت بنات الجوف منها ترعد ولو انه فجعت حراء بمثله * لرأيت راسى صخرها يتبدد قرم تمكن في ذؤابة هاشم * حيث النبوة والندى والسؤدد والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت * ريح يكاد الماء منها يجمد والتارك القرن الكمى مجدلا * يوم الكريهة والقنا يتقصد وتراه يرفل في الحديد كأنه * ذو لبدة شثن البراثن أربد (3) عم النبي محمد وصفيه * ورد الحمام فطاب ذاك المورد وأتى المنية معلما في أسرة * نصروا النبي ومنهم المستشهد ولقد إخال بذاك هندا بشرت * لتميت داخل غصة لا تبرد مما صبحنا بالعقنقل قومها * يوما تغيب فيه عنها الاسعد


(1) مائح: طالب مبتغ. (2) تفند: تعذل وتلام. (3) ذو لبدة: يريد أسدا. والشثن: الغليظ. والبراثن للاسد كالاصابع للانسان. والاربد: المغبر. (*)

[ 117 ]

وببئر بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد حتى رأيت لدى النبي سراتهم * قسمين نقتل من نشاء ونطرد فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون عتبة منهم والاسود وابن المغيرة قد ضربنا ضربة * فوق الوريد لها رشاش مزبد وأمية الجمحى قوم ميله * عضب بأيدى المؤمنين مهند فأتاك فل المشركين كأنهم * والخيل تثفنهم (1) نعام شرد شتان من هو في جهنم ثاويا * أبدا ومن هو في الجنان مخلد * * * قال ابن إسحاق: وقال عبدالله بن رواحة يبكى حمزة وأصحابه يوم أحد. قال ابن هشام: وأنشدينها أبو زيد لكعب بن مالك. فالله أعلم: بكت عينى وحق لها بكاها * وما يغنى البكاء ولا العويل على أسد الاله غداة قالوا * أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا * هناك وقد أصيب به الرسول أبا يعلى لك الاركان هدت * وأنت الماجد البر الوصول عليك سلام ربك في جنان * مخالطها نعيم لا يزول ألا يا هاشم الاخيار صبرا * فكل فعالكم حسن جميل رسول الله مصطبر كريم * بأمر الله ينطق إذ يقول ألا من مبلغ عنى لؤيا * فبعد اليوم دائلة تدول وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا * وقائعنا بها يشفى الغليل نسيتم ضربنا بقليب بدر * غداة أتاكم الموت العجيل


(1) تثفنهم: تطردهم. (*)

[ 118 ]

غداة ثوى أبو جهل صريعا * عليه الطير حائمة تجول وعتبة وابنه خرا جميعا * وشيبة عضه السيف الصقيل ومتركنا أمية مجلعبا * وفى حيزومه لدن نبيل (1) وهام بنى ربيعة سائلوها * ففى أسيافنا منها فلول ألا يا هند فابكى لا تملى * فأنت الواله العبرى الهبول ألا يا هند لا تبدى شماتا * بحمزة إن عزكم ذليل * * * قال ابن إسحاق: وقالت صفية بنت عبدالمطلب تبكى أخاها حمزة بن عبدالمطلب، وهى أم الزبير عمة النبي صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم أجمعين: أسائلة أصحاب أحد مخافة * بنات أبى من أعجم وخبير فقال الخبير إن حمزة قد ثوى * وزير رسول الله خير وزير دعاه إله الحق ذو العرش دعوة * إلى جنة يحيا بها وسرور فذلك ما كنا نرجى ونرتجى * لحمزة يوم الحشر خير مصير فوالله لا أنساك ما هبت الصبا * بكاء وحزنا محضري ومسيري على أسد الله الذى كان مدرها (2) * يذود عن الاسلام كل كفور فياليت شلوى (3) عند ذاك وأعظمي * لدى أضبع تعتادنى ونسور أقول وقد أعلى النعى عشيرتي * جزى الله خيرا من أخ ونصير قال ابن إسحاق: وقالت نعم، امرأة شماس بن عثمان، تبكى زوجها والله أعلم ولله الحمد والمنة:


(1) مجلعبا: ممتدا على الارض. والحيزوم: ما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر. واللدن: اللين من الرماح. (2) المدره: المدافع المحامي. (3) الشلو: العضو. (*)

[ 119 ]

يا عين جودى بفيض غير إبساس * على كريم من الفتيان لباس صعب البديهة ميمون نقيبته * حمال ألوية ركاب أفراس أقول لما أتى الناعي له جزعا * أودى الجواد وأودى المطعم الكاسى وقلت لما خلت منه مجالسه * لا يبعد الله منا قرب شماس قال: فأجابها أخوها الحكم بن سعيد بن يربوع يعزيها فقال: اقنى حياءك في ستر وفى كرم * فإنما كان شماس من الناس لا تقتلي النفس إذ حانت منيته * في طاعة الله يوم الروع والباس قد كان حمزة ليث الله فاصطبري * فذاق يومئذ من كأس شماس وقالت هند بنت عتبة امرأة أبى سفيان حين رجعوا من أحد: رجعت وفى نفسي بلابل جمة * وقد فاتني بعض الذى كان مطلبي من اصحاب بدر من قريش وغيرهم * بنى هاشم منهم ومن أهل يثرب ولكننى قد نلت شيئا ولم يكن * كما كنت أرجو في مسيرى ومركبي * * * وقد أورد ابن إسحاق في هذا أشعارا كثيرة تركنا كثيرا منها خشية الاطالة وخوف الملالة، وفيما ذكرنا كفاية. ولله الحمد. وقد أورد الاموى في مغازيه من الاشعار أكثر مما ذكره ابن إسحاق كما جرت عادته، ولا سيما هاهنا. فمن ذلك ما ذكره لحسان بن ثابت أنه قال في غزوة أحد. فالله أعلم: طاوعوا الشيطان إذ أخزاهم * فاستبان الخزى فيهم والفشل حين صاحوا صيحة واحدة * مع أبى سفيان قالوا اعل هبل فأجبناهم جميعا كلنا * ربنا الرحمن أعلى وأجل

[ 120 ]

اثبتوا تستعملوها مرة * من حياض الموت والموت نهل واعلموا أنا إذا ما نضحت * عن خيال الموت قدر تشتعل وكأن هذه الابيات قطعة من جوابه لعبد الله بن الزبعرى. والله أعلم. " آخر الكلام على وقعة أحد " فصل قد تقدم ما وقع في هذه السنة الثالثة من الحوادث والغزوات والسرايا، ومن أشهرها وقعة أحد كانت في النصف من شوال منها، وقد تقدم بسطها ولله الحمد. وفيها في أحد توفى شهيدا أبو يعلى، ويقال أبو عمارة أيضا، حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الملقب بأسد الله وأسد رسوله، وكان رضيع النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو سلمة بن عبد الاسد، أرضعتهم ثويبة مولاة أبى لهب، كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه. فعلى هذا يكون قد جاوز الخمسين من السنين يوم قتل رضى الله عنهم، فإنه كان من الشجعان الابطال ومن الصديقين الكبار، وقتل معه يومئذ تمام السبعين. رضى الله عنهم أجمعين. وفيها عقد عثمان بن عفان على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أختها رقية، وكان عقده عليها في ربيع الاول منها، وبنى بها في جمادى الآخرة منها. كما تقدم فيها. ذكره الواقدي. وفيها قال ابن جرير: ولد لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن على ابن أبى طالب. قال: وفيها علقت بالحسين رضى الله عنهم.

[ 121 ]

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر سنة أربع من الهجرة النبوية في المحرم منها كانت سرية أبى سلمة بن عبد الاسد إلى طليحة الاسدي، فانتهى إلى ما يقال له قطن. قال الواقدي: حدثنا عمر بن عثمان بن عبدالرحمن بن سعيد اليربوعي، عن سلمة ابن عبدالله بن عمر بن أبى سلمة وغيره، قالوا: شهد أبو سلمة أحدا فجرح جرحا على عضده، فأقام شهرا يداوى، فلما كان المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها. وعقد له لواء وقال: سر حتى تأتى أرض بنى أسد فأغر عليهم، وأوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا. وخرج معه في تلك السرية خمسون ومائة. فانتهى إلى أدنى قطن، وهو ماء لبنى أسد، وكان هناك طليحة الاسدي وأخوه سلمة ابنا خويلد، وقد جمعا حلفاء من بنى أسد ليقصدوا حرب النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما تمالاوا عليه فبعث معه أبا سلمة في سريته هذه. فلما انتهوا إلى أرضهم تفرقوا وتركوا نعما كثيرا لهم من الابل والغنم، فأخذ ذلك كله أبو سلمة وأسر منهم معه ثلاثة مماليك، وأقبل راجعا إلى المدينة، فأعطى ذلك الرجل

[ 122 ]

الاسدي الذى دلهم نصيبا وافرا من المغنم، وأخرج صفى النبي صلى الله عليه وسلم، عبدا وخمس الغنيمة، وقسمها بين أصحابه. ثم قدم المدينة. قال عمر بن عثمان: فحدثني عبدالملك بن عبيد، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، عن عمر بن أبى سلمة قال: كان الذى جرح أبى أبو أسامة الجشمى، فمكث شهرا يداويه فبرأ، فلما برأ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم، يعنى من سنة أربع، إلى قطن، فغاب بضع عشرة ليلة، فلما دخل المدينة انتقض به جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى. قال عمر: واعتدت أمي حتى خلت أربعة أشهر وعشر، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في ليال بقين من شوال، فكانت أمي تقول: ما بأس بالنكاح في شوال والدخول فيه، قد تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى فيه. قال: وماتت أم سلمة في ذى القعدة سنة تسع وخمسين. رواه البيهقى. قلت: سنذكر في أواخر هذه السنة في شوالها تزيج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة، وما يتعلق بذلك من ولاية الابن أمه في النكاح، ومذاهب العلماء في ذلك. إن شاء الله تعالى. وبه الثقة.

[ 123 ]

غزوة الرجيع قال الواقدي: وكانت في صفر يعنى سنة أربع. بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ليجيزوه. قال: والرجيع على ثمانية أميال من عسفان. قال البخاري: حدثنى إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عمرو بن أبى سفيان الثقفى، عن أبى هريرة، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وهو جد عاصم (1) بن عمر بن الخطاب. فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذكروا لحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب. فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم. فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد (2)، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا رسولك. فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل. وبقى خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق


(1) قال الحافظ عبد العظيم: غلط عبد الرزاق وابن عبد البر فقالا في عاصم هذا: هو جد عاصم بن عمر ابن الخطاب، وذلك وهم، وإنما هو خال عاصم، لان أم عاصم بن عمر جميلة بنت ثابت، وعاصم هو أخو جميلة، ذكر ذلك الزبير القاضى وعمه مصعب. إرشاد السارى 6 / 312. (2) فدفد: رابية مشرفة. (*)

[ 124 ]

نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذى معهما: هذا أول الغدر ! فأبى أن يصحبهم. فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه. وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات (1) الحارث يستحد بها فأعارته. قالت: فغفلت عن صبى لى فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك منى، وفى يده الموسى فقال: أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لافعل ذلك إن شاء الله. وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من ثمرة، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزقا رزقه الله. فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلى ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بى جزع من الموت لزدت. فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو. ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا. ثم قال: ولست أبالى حين أقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع (2) قال: ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشئ من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم (3) يوم بدر، فبعث الله


(1) اسمها زينب بنت الحارث: أخت عقبة بن الحارث الذى قتل خبيبا. (2) أوصال: جمع وصل وهو العضو. والشلو: الجسد والعضو. (3) قيل: هو عقبة بن أبى معيط. (*)

[ 125 ]

عليه مثل الظلة من الدبر (1) فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شئ. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابر بن عبدالله يقول: الذى قتل خبيبا هو أبو سروعة. قلت: واسمه عقبة بن الحارث وقد أسلم بعد ذلك، وله حديث في الرضاع وقد قيل إن أبا سروعة وعقبة أخوان. فالله أعلم. * * * هكذا ساق البخاري في كتاب المغازى من صحيحه قصة الرجيع. ورواه أيضا في التوحيد وفى الجهاد من طرق، عن الزهري، عن عمرو بن أبى سفيان وأسد ابن حارثة الثقفى جليف بنى زهرة، ومنهم من يقول عمر بن أبى سفيان والمشهور عمرو. وفى لفظ للبخاري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح. وساق بنحوه. وقد خالفه محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة بن الزبير في بعض ذلك. ولنذكر كلام ابن إسحاق ليعرف ما بينهما من التفاوت والاختلاف، على أن ابن إسحاق إمام في هذا الشأن غير مدافع، كما قال الشافعي رحمه الله: من أراد المغازى فهو عيال على محمد بن إسحاق ! قال محمد بن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام.


(1) الظلة: السحابة. والدبر: ذكور النحل. (*)

[ 126 ]

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه، وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، حليف حمزة بن عبدالمطلب. قال ابن إسحاق: وهو أمير القوم. وخالد بن البكير الليثى حليف بنى عدى، وعاصم بن ثابت بن أبى الاقلح أخو بنى عمرو بن عوف، وخبيب بن عدى أخو بنى جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة أخو بنى بياضة بن عامر، و عبدالله بن طارق حليف بنى ظفر رضى الله عنهم. هكذا قال ابن إسحاق أنهم كانوا ستة، وكذا ذكر موسى بن عقبة وسماهم كما قال ابن إسحاق. وعند البخاري: أنهم كانوا عشرة، وعنده أن كبيرهم عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح. فالله أعلم. قال ابن إسحاق: فخرجوا (1) مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدور الهدأة (2) غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم. فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، وقال عاصم بن ثابت. ولله أعلم ولله الحمد والمنة: ما علتى وأنا جلد نابل * والقوس فيها وتر عنابل (3)


(1) ابن هشام: فخرج. (2) الهدأة: موضع بين عسفان ومكة، على سبعة أميال من عسفان. (3) النابل: صاحب النبل. والعنابل: الغليظ. (*)

[ 127 ]

تزل عن صفحتها المعابل (1) * الموت حق والحياة باطل وكل ما حم الاله نازل * بالمرء والمرء إليه آيل إن لم أقاتلكم فأمي هابل وقال عاصم أيضا: أبو سليمان وريش المقعد * وضالة مثل الجحيم الموقد (2) إذا النواحى افترشت لم أرعد * ومجنأ من جلد ثور أجرد (3) ومؤمن بما على محمد وقال أيضا: أبو سليمان ومثلى رامى * وكان قومي معشرا كراما قال: ثم قاتل حتى قتل وقتل صاحباه. فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن سهيل، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر. فمنعته الدبر، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسى فيذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به. وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا. تنجسا. فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن !


(1) المعابل: جمع معبلة وهو نصل عريض طويل. (2) المقعد: رجل كان يريش السهام. والضالة: السلاح، أو السهام. (3) المجنأ: الترس لا حديد فيه. والاجرد: الاملس. (*)

[ 128 ]

كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته ! * * * قال ابن إسحاق: وأما خبيب وزيد الدثنة و عبدالله بن طارق، فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم، فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها. حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران. وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة، فقدموا بهما مكة، فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة. قال ابن إسحاق: فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمي حليف بنى نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لامه ليقتله بأبيه. قال: وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فبعثه مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس في أهلى. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا !

[ 129 ]

قال: ثم قتله نسطاس. قال: وأما خبيب بن عدى: فحدثني عبدالله بن أبى نجيح أنه حدث عن ماوية مولاة حجير بن أبى إهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان عندي خبيب حبس في بيتى، فلقد اطلعت عليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل ! قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة و عبدالله بن أبى نجيح أنهما قالا: قالت: قال لى حين حضره القتل: ابعثى إلى بحديدة أتطهر بها للقتل. قالت: فأعطيت غلاما من الحى الموسى، فقلت له: ادخل بها على هذا الرجل البيت. فقالت: فوالله إن هو إلا أن ولى الغلام بها إليه فقلت: ماذا صنعت ؟ ! أصاب والله الرجل ثأره، يقتل هذا الغلام فيكون رجلا برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلى ! ثم خلى سبيله. قال ابن هشام: ويقال إن الغلام ابنها. قال ابن إسحاق: قال عاصم: ثم خرجوا بخبيب حتى جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه. وقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. قال: فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين (1).


(1) في هامش الاصل: " حاشية بخط المصنف. قال السهيلي: وإنما صارت سنة لانها فعلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم واستحسنت من صنيعه، قال: وقد صلاها زيد بن حارثة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. = (9 - السيرة 3) (*)

[ 130 ]

قال: ثم رفعوه على خشبة فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه. وكان معاوية بن أبى سفيان يقول: حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبى سفيان، فلقد رأيته يلقيني إلى الارض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعى عليه فاضطجع لجنبه زلت عنه. وفى مغازى موسى بن عقبة: أن خبيبا وزيد بن الدثنة قتلا في يوم واحد، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع يوم قتلا وهو يقول: وعليكما أو عليك السلام. خبيب قتلته قريش ! وذكر أنهم لما صلبوا زيد بن الدثنة رموه بالنبل ليفتنوه عن دينه، فما زاده إلا إيمانا وتسليما.


= ثم ساق بإسناده من طريق أبى بكر بن أبى خيثمة، عن يحيى بن معين، عن يحيى بن عبدالله بن بكير، عن الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة استأجر من رجل بغلا من الطائف واشترط عليه الكرى أن ينزله حيث شاء، فمال به إلى خربة فإذا بها قتلى كثيرة، فلما هم بقتله قال له زيد: دعني حتى أصلى ركعتين. فقال: صل ركعتين، فطالما صلى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا ! قال: فصليت ثم جاء ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين، فإذا صارخ يقول: لا تقتله. فهاب وذهب ينظر فلم ير شيئا، ثم جاء ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين. فسمع أيضا الصوت يقول لا تقتله. فذهب لينظر ثم جاء، فقلت يا أرحم الراحمين، فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة في رأسها شعلة من نار فطعنه بها حتى أنفذه فوقع ميتا، ثم قال: لما دعوت الله في المرة الاولى كنت في السماء السابعة، ولما دعوته في المرة الثانية كنت في السماء الدنيا، ولما دعوته في الثالثة أتيتك. قال السهيلي: وقد صلاها حجر بن عدى بن الادبر حين حمل إلى معاوية من العراق ومعه كتاب زياد ابن أبيه وفيه: أنه خرج عليه وأراد خلعه، وفى الكتاب شهادة جماعة من التابعين منهم الحسن وابن سيرين، فلما دخل على معاوية قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. قال: أو أنا أمير المؤمنين ؟ وأمر بقتله. فصلى ركعتين قبل قتله ثم قتل رحمه الله. قال: وقد عاتبت عائشة معاوية في قتله فقال: إنما قتله من شهد عليه، ثم قال: دعينى وحجرا فإنى سألقاه على الجادة يوم القيامة !. قالت: فأين ذهب عنك حلم أبى سفيان ؟ قال: حين غاب مثلك من قومي " اه‍. (*)

[ 131 ]

وذكر عروة وموسى بن عقبة أنهم لما رفعوا خبيبا على الخشبة نادوه يناشدونه: أتحب أن محمدا مكانك ؟ قال: لا والله العظيم ما أحب أن يفدينى بشوكة يشاكها في قدمه ! فضحكوا منه. وهذا ذكره ابن إسحاق في قصة زيد بن الدثنة. فالله أعلم. قال موسى بن عقبة: زعموا أن عمرو بن أمية دفن خبيبا. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عقبة بن الحارث، قال: سمعته يقول: والله ما أنا قتلت خبيبا، لانا كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة أخا بنى عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدى، ثم أخذ بيدى وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا قال: كان عمر بن الخطاب استعمل سعيد ابن عامر بن حذيم الجمحى على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية وهو بين ظهرى القوم، فذكر ذلك لعمر وقيل: إن الرجل مصاب، فسأله عمر في قدمة قدمها عليه فقال: يا سعيد ما هذا الذى يصيبك ؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بى ما بأس، ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل، وسمعت دعوته، فوالله ما خطرت على قلبى وأنا في مجلس قط إلا غشى على ! فزادته عند عمر خيرا. وقد قال الاموى: حدثنى أبى قال: قال ابن إسحاق: وبلغنا أن عمر قال: من سره أن ينظر إلى رجل نسيج وحده فلينظر إلى سعيد بن عامر. قال ابن هشام: أقام خبيب في أيديهم حتى انسلخت الاشهر الحرم ثم قتلوه. وقد روى البيهقى من طريق إبراهيم بن إسماعيل، حدثنى جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، عن جده عمرو بن أمية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعثه عينا وحده قال: جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون، فأطلقته فوقع إلى الارض

[ 132 ]

ثم اقتحمت فانتبذت قليلا، ثم التفت فلم أر شيئا، فكأنما بلعته الارض، فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة. ثم روى ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قتل أصحاب الرجيع قال ناس من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لاهم أقاموا في أهلهم ولاهم أدوا رسالة صاحبهم. فأنزل الله فيهم: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (1) " وما بعدها. وأنزل الله في أصحاب السرية " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد (2) ". * * * قال ابن إسحاق وكان مما قيل من الشعر في هذه الغزوة قول خبيب حين أجمعوا على قتله. قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها له: لقد جمع الاحزاب حولي وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدى العداوة جاهد * على لانى في وثاق بمضبع (3) وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم * وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتى ثم كربتي * وما أرصد الاعداء (4) لى عند مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بى * فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعى وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيرونى الكفر والموت دونه * وقد هملت عيناى من غير مجزع وما بى حذار الموت إنى لميت * ولكن حذارى جحم نار ملفع


(1) سورة البقرة 204. (2) سورة البقرة 207 (3) ابن هشام: بمصيع. (4) ابن هشام: الاحزاب. (*)

[ 133 ]

فوالله ما أرجو إذا مت مسلما * على أي جنب كان في الله مضجعي فلست بمبد للعدو تخشعا * ولا جزعا إنى إلى الله مرجعي وقد تقدم في صحيح البخاري بيتان من هذه القصيدة وهما قوله: فلست أبالى حين أقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع * * * وقال حسان بن ثابت يرثى خبيبا فيما ذكره ابن إسحاق: ما بال عينك لا ترقا مدامعها * سحا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق (1) على خبيب فتى الفتيان قد علموا * لا فشل حين تلقاه ولا نزق فاذهب خبيب جزاك الله طيبة * وجنة الخلد عند الحور في الرفق ماذا تقولون إن قال النبي لكم * حين الملائكة الابرار في الافق فيم قتلتم شهيد الله في رجل * طاغ قد اوعث في البلدان والرفق (2) قال ابن هشام: تركنا بعضها لانه أقذع فيها. وقال حسان يهجو الذين غدروا بأصحاب الرجيع من بنى لحيان، فيما ذكره ابن إسحاق والله أعلم ولله الحمد والمنة والتوفيق والعصمة: إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له * فأت الرجيع فسل عن دار لحيان قوم تواصوا بأكل الجار بينهم * فالكلب والقرد والانسان مثلان لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شان وقال حسان بن ثابت أيضا، يهجو هذيلا وبنى لحيان على غدرهم بأصحاب الرجيع رضى الله تعالى عنهم أجمعين: لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم


(1) القلق: المتحرك المتساقط. والاصل: الفلق. ومن أثبته عن ابن هشام. (2) الرفق: جمع رفقة. (*)

[ 134 ]

أحاديث لحيان صلوا بقبيحها * ولحيان جرامون شر الجرائم أناس هم من قومهم في صميمهم * بمنزلة الزمعان دبر القوادم (1) هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت * أمانتهم ذا عفة ومكارم رسول رسول الله غدرا ولم تكن * هذيل توقى منكرات المحارم فسوف يرون النصر يوما عليهم * بقتل الذى تحميه دون الحرائم أبابيل دبر شمس دون لحمه * حمت لحم شهاد عظيم الملاحم (2) لعل هذيلا أن يروا بمصابه * مصارع قتلى أو مقاما لمأتم ونوقع فيها وقعة ذات صولة * يوافي بها الركبان أهل المواسم بأمر رسول الله إن رسوله * رأى رأى ذى حزم بلحيان عالم قبيلة ليس الوفاء يهمهم * وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم * بمجرى مسيل الماء بين المخارم (3) محلهم دار البوار ورأيهم * إذا نابهم أمر كرأى البهائم * * * وقال حسان رضى الله عنه أيضا يمدح أصحاب الرجيع ويسميهم بشعره، كما ذكره ابن إسحاق رحمه الله تعالى: صلى الاله على الذين تتابعوا * يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا رأس السرية مرثد وأميرهم * وابن البكير إمامهم وخبيب وابن لطارق وابن دثنة منهم * وافاه ثم حمامه المكتوب والعاصم المقتول عند رجيعهم * كسب المعالى إنه لكسوب منع المقادة أن ينالوا ظهره * حتى يجالد إنه لنجيب قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان.


(1) الزمعة: هنة زائدة وراء الظلف أو شبه أظفار الغنم في الرسغ وأراد بالقوادم: الايدى. (2) الابابيل: الجماعات. والدبر: ذكور النخل. والشمس: الحامية. والملاحم: الحروب. وفى ابن هشام: عظام الملاحم. (3) المخارم: مسايل الماء. (*)

[ 135 ]

سرية عمرو بن أمية الضمرى على أثر مقتل خبيب قال الواقدي: حدثنى إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، و عبدالله بن أبى عبيدة، عن جعفر بن [ الفضل بن الحسن بن (1) ] عمرو بن أمية الضمرى، و عبدالله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبى عوف، وزاد بعضهم على بعض قالوا: كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة: ما أحد يغتال محمدا فإنه يمشى في الاسواق فندرك ثأرنا ؟ فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله وقال له: إن أنت وفيتنى خرجت إليه حتى أغتاله، فإنى هاد بالطريق خريت، معى خنجر مثل خافية النسر. قال: أنت صاحبنا. وأعطاه بعيرا ونفقة وقال: اطو أمرك فإنى لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه إلى محمد. قال: قال العربي: لا يعلمه أحد. فخرج ليلا على راحلته فسار خمسا وصبح ظهر الحى يوم سادسة، ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المصلى فقال له قائل: قد توجه إلى بنى عبد الاشهل. فخرج الاعرابي يقود راحلته حتى انتهى إلى بنى عبد الاشهل فعقل راحلته ثم أقبل يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده في جماعة من أصحابه يحدث في مسجده. فلما دخل ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه: إن هذا الرجل يريد غدرا والله حائل بينه وبين ما يريده. فوقف وقال: أيكم ابن عبدالمطلب ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبدالمطلب. فذهب ينحنى على رسول الله صلى الله عليه


(1) هذه الزيادة وما بعدها من أمثالها منقولة عن الطبري 3: 32. (*)

[ 136 ]

وسلم كأنه يساره فجبذه أسيد بن حضير وقال: تنح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجذب بداخل إزاره، فإذا الخنجر، فقال: يا رسول الله هذا غادر. فأسقط في يد الاعرابي وقال: دمى دمى يا محمد. وأخده أسيد بن حضير يلببه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اصدقني ما أنت وما أقدمك، فإن صدقتني نفعك الصدق، وإن كذبتني فقد اطلعت على ما هممت به. قال العربي: فأنا آمن ؟ قال: وأنت آمن. فأخبره بخبر أبى سفيان وما جعل له. فأمر به فحبس عند أسيد بن حضير، ثم دعا به من الغد فقال: قد أمنتك فاذهب حيث شئت، أو خير لك من ذلك ؟ قال: وما هو ؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك أنت رسول الله، والله يا محمد ما كنت أفرق من الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت ثم اطلعت على ما هممت به، فما سبقت به الركبان ولم يطلع عليه أحد، فعرفت أنك ممنوع، وأنك على حق، وأن حزب أبى سفيان حزب الشيطان. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم. وأقام أياما ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج من عنده ولم يسمع له بذكر. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن أمية الضمرى ولسلمة بن أسلم بن حريس (2): اخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب، فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه. قال عمرو: فخرجت أنا وصاحبى حتى أتينا بطن يأجج، فقيدنا بعيرنا وقال لى صاحبي: يا عمرو هل لك في أن نأتى مكة فنطوف بالبيت سبعا ونصلي ركعتين فقلت: [ أنا أعلم بأهل مكة منك إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم ثم جلسوا بها و (1) ] إنى أعرف


(1) من تاريخ الطبري: 3 / 32. (2) الاصل: حريش. وهو تحريف وما أثبته عن شرح المواهب 2 / 178. (*)

[ 137 ]

بمكة من الفرس الابلق. فأبى على فانطلقنا فأتينا مكة فطفنا أسبوعا (1) وصلينا ركعتين، فلما خرجت لقيني معاوية بن أبى سفيان فعرفني وقال: عمرو بن أمية، واحزناه. فنذر بنا أهل مكة، فقالوا: ما جاء عمرو في خير. وكان عمرو فاتكا في الجاهلية. فحشد أهل مكة وتجمعوا، وهرب عمرو وسلمة وخرجوا في طلبهما واشتدوا في الجبل. قال عمرو: فدخلت في غار فتغيبت عنهم حتى أصبحت، وباتوا يطلبوننا في الجبل وعمى الله عليهم طريق المدينة أن يهتدوا له، فلما كان ضحوة الغد أقبل عثمان بن مالك بن عبيدالله التيمى يختلى لفرسه حشيشا فقلت لسلمة بن أسلم: إذا أبصرنا أشعر بنا أهل مكة وقد انفضوا عنا. فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا، فقال: فخرجت إليه فطعنته طعنة تحت الثدى بخنجري، فسقط وصاح فاجتمع أهل مكة فأقبلوا بعد تفرقهم [ ورجعت إلى مكاني فدخلت فيه ] وقلت لصاحبي: لا تتحرك. فأقبلوا حتى أتوه وقالوا: من قتلك ؟ قال: عمرو بن أمية الضمرى. فقال أبو سفيان: قد علمنا أنه لم يأت لخير. ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا، فإنه كان بآخر رمق فمات، وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم فحملوه، فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى [ سكن عنا الطلب ثم ] خرجنا [ إلى التنعيم ] فقال صاحبي: يا عمرو بن أمية، هل لك في خبيب بن عدى تنزله ؟ فقلت له: أين هو ؟ قال: هو ذاك مصلوب حوله الحرس. فقلت: أمهلنى وتنح عنى فإن خشيت شيئا فانح إلى بعيرك فاقعد عليه فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ودعني فإنى عالم بالمدينة. ثم استدرت عليه حتى وجدته فحملته على ظهرى فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا فخرجوا في أثرى فطرحت الخشبة فما أنسى وجيبها، يعنى صوتها، ثم أهلت عليه التراب برجلي، فأخذت طريق الصفراء فأعيوا ورجعوا، وكنت لا أدرى مع بقاء نفسي، فانطلق صاحبي إلى البعير فركبه، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره،


(1) أسبوعا: سبعا. (*)

[ 138 ]

وأقبلت حتى أشرفت على الغليل غليل ضجنان، فدخلت في غار معى قوسى وأسهمي وخنجري، فبينما أنا فيه إذ أقبل رجل من بنى الديل بن بكر أعور طويل يسوق غنما ومعزى، فدخل الغار وقال: من الرجل ؟ فقلت: رجل من بنى بكر. فقال: وأنا من بنى بكر. ثم اتكأ ورفع عقيرته يتغنى ويقول: فلست بمسلم ما دمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا فقلت في نفسي: والله إنى لارجو أن أقتلك. فلما نام قمت إليه فقتلته شر قتلة قتلها أحد قط. ثم خرجت حتى هبطت، فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثهما قريش يتجسسان الاخبار، فقلت: استأسرا فأبى أحدهما فرميته فقتلته، فلما رأى ذلك الآخر استأسر فشددته وثاقا، ثم أقبلت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فلما قدمت المدينة أتى صبيان الانصار وهم يلعبون، وسمعوا أشياخهم يقولون: هذا عمرو. فاشتد الصبيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وأتيته بالرجل قد ربطت إبهامه بوتر قوسى، فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ! ثم دعا لى بخير. وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام. رواه البيهقى. وقد تقدم أن عمرا لما أهبط خبيبا لم ير له رمة ولا جسدا، فلعله دفن مكان سقوطه، والله أعلم. وهذه السرية إنما استدركها ابن هشام على ابن إسحاق، وساقها بنحو من سياق الواقدي لها، لكن عنده أن رفيق عمرو بن أمية في هذه السرية جبار بن صخر، فالله أعلم ولله الحمد.

[ 139 ]

سرية بئر معونة وقد كانت في صفر منها. وأغرب مكحول رحمه الله حيث قال: إنها كانت بعد الخندق. قال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء. فعرض لهم حيان من بنى سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبى صلى الله عليه وسلم. فقتلوهم. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم شهرا في صلاة الغداة، وذاك بدء القنوت وما كنا نقنت. ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بنحوه. ثم قال البخاري: حدثنا عبدالاعلى بن حماد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رعلا وذكوان وعصية وبنى لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو فأمدهم بسبعين من الانصار، كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من العرب: على رعل وذكوان وعصية وبنى لحيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع " بلغوا عنا قومنا أنا لقد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا ". ثم قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا همام، عن إسحاق بن عبدالله ابن أبى طلحة، حدثنى أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث حراما،

[ 140 ]

أخا لام سليم، في سبعين راكبا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ثلاث خصال فقال: يكون لك أهل السهل ولى أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف. فطعن عامر في بيت أم فلان (1) فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان، ائتونى بفرسي، فمات على ظهر فرسه. فانطلق حرام أخو أم سليم، وهو رجل أعرج، ورجل من بنى فلان فقال: كونا قريبا حتى آتيهم، فإن آمنونى كنتم قريبا وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فقال: أتؤمنوني حتى أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل يحدثهم وأومأوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه. قال همام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح. فقال: الله أكبر ! فزت ورب الكعبة ! فلحق الرجل فقتلوا كلهم غير الاعرج، وكان في رأس جبل، فأنزل الله علينا ثم كان من المنسوخ: " إنا لقد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا ". فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين صباحا على رعل وذكوان وبنى لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله. وقال البخاري: حدثنا حبان، حدثنا عبدالله، أخبرني معمر، حدثنى ثمامة ابن عبدالله بن أنس، أنه سمع أنس بن مالك يقول: لما طعن حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم بئر معونة قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، وقال: فزت ورب الكعبة. وروى البخاري عن عبيد بن إسماعيل، عن أبى أسامة، عن هشام بن عروة، أخبرني أبى، قال: لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية الضمرى قال له عامر بن الطفيل: من هذا ؟ وأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة قال:


(1) طعن: أصابه الطاعون. وأم فلان: هي سلول بنت شيبان، امرأة أخيه. (*)

[ 141 ]

لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى أنى لانظر إلى السماء بينه وبين الارض ثم وضع. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فنعاهم فقال: إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا. فأخبرهم عنهم وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمى عروة به، ومنذر بن عمرو وسمى به منذر. هكذا وقع في رواية البخاري مرسلا عن عروة. وقد رواه البيهقى من حديث يحيى بن سعيد بن أبى أسامة عن هشام، عن أبيه عن عائشة، فساق من حديث الهجرة، وأدرج في آخره ما ذكره البخاري هاهنا، فالله أعلم. وروى الواقدي عن مصعب بن ثابت، عن أبى الاسود وعن عروة، فذكر القصة وشأن عامر بن فهيرة وإخبار عامر بن الطفيل أنه رفع إلى السماء، وذكر أن الذى قتله جبار بن سلمى الكلابي. قال: ولما طعنه بالرمح قال: فزت ورب الكعبة. ثم سأل جبار بعد ذلك: ما معنى قوله: فزت ؟ قالوا: يعنى بالجنة. فقال: صدق والله. ثم أسلم جبار بعد ذلك لذلك ! وفى مغازى موسى بن عقبة، عن عروة، أنه قال: لم يوجد جسد عامر بن فهيرة، يرون أن الملائكة وارته. * * * وقال يونس: عن ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى بعد أحد، بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد. فحدثني أبى إسحاق بن يسار، عن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام،

[ 142 ]

و عبدالرحمن بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهما من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فعرض عليه الاسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال صلى الله عليه وسلم: إنى أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء: أنا لهم جار. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة، المعنق ليموت، في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين، فيهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان أخو بنى عدى بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر، في رجال من خيار المسلمين. فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، فلما نزلوا بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم، وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا. فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم، عصية ورعلا وذكوان والقارة، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار، فإنهم تركوه به رمق، فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى ورجل من الانصار من بنى عمرو بن عوف فلم ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم حول العسكر فقالا: والله إن لهذه الطير

[ 143 ]

لشأنا، فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التى أصابتهم واقفة، فقال الانصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى ؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر. فقال الانصاري: لكنى لم أكن لارغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لاخبر عنه الرجال. فقاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرو أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما زعم ! قال: وخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا في ظل هو فيه، وكان مع العامريين عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلمه عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما ؟ قالا: من بنى عامر. فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما وقتلهما وهو يرى أن قد أصاب بهما ثأرا من بنى عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بالخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد قتلت قتيلين لادينهما " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا عمل أبى براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا ". فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. فقال حسان بن ثابت في إخفار عمار أبا براء ويحرض بنى أبى براء على عامر: بنى أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبى براء * ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعى فم‍ * ا أحدثت في الحدثان بعدى أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد

[ 144 ]

قال ابن هشام: أم البنين أم أبى براء، وهى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. قال: فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه في فخذه فأشواه (1) ووقع عن فرسه، وقال: هذا عمل أبى براء، إن أمت فدمي لعمى فلا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيى. وذكر موسى بن عقبة عن الزهري نحو سياق محمد بن إسحاق، قال موسى: وكان أمير القوم المنذر بن عمرو وقيل: مرثد بن أبى مرثد. وقال حسان بن ثابت يبكى قتلى بئر معونة، فيما ذكره ابن إسحاق رحمه الله، والله أعلم. على قتلى معونة فاستهلى * بدمع العين سحا غير نزر على خيل الرسول غداة لاقوا * ولاقتهم مناياهم بقدر أصابهم الفناء بعقد قوم * تخون عقد حبلهم بغدر فيالهفى لمنذر إذ تولى * وأعنق في منيته بصبر وكائن قد أصيب غداة ذاكم * من ابيض ماجد من سر عمرو


(1) أشواه: لم يصب مقاتله. (*)

[ 145 ]

غزوة بنى النضير وهى التى أنزل الله تعالى فيها سورة الحشر في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه كان يسميها سورة بنى النضير. وحكى البخاري عن الزهري، عن عروة أنه قال: كانت بنو النضير بعد بدر بستة أشهر قبل أحد. وقد أسنده ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه، عن عبدالله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به. وهكذا روى حنبل بن إسحاق، عن هلال بن العلاء، عن عبدالله بن جعفر الرقى، عن مطرف بن مازن اليماني، عن معمر، عن الزهري، فذكر غزوة بدر في سابع عشر رمضان سنة ثنتين. قال: ثم غزا بنى النضير، ثم غزا أحدا في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع. وقال البيهقى: وقد كان الزهري يقول: هي قبل أحد. قال: وذهب آخرون إلى أنها بعدها، وبعد بئر معونة أيضا. قلت: هكذا ذكر ابن إسحاق كما تقدم، فإنه بعد ذكره بئر معونة ورجوع عمرو ابن أمية وقتله ذينك الرجلين من بنى عامر، ولم يشعر بعهدهما الذى معهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد قتلت رجلين لادينهما ". قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بنى عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للعهد الذى كان صلى الله (10 السيرة 3)

[ 146 ]

عليه وسلم أعطاهما، وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر عهد وحلف، فلما أتاهم صلى الله عليه وسلم قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد. فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقى عليه صخرة ويريحنا منه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى، فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة. فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به. قال الواقدي: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم ويحرضونهم على المقام ويعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، وحمى حيى بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم لا يخرجون، ونابذوه بنقض العهود. فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم. قال الواقدي: فحاصروهم خمس عشرة ليلة. وقال ابن إسحاق: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وذلك في شهر ربيع الاول. قال ابن إسحاق: فسار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال، ونزل تحريم الخمر

[ 147 ]

حينئذ، وتحصنوا في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها. قال: وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج منهم عبدالله بن أبى ووديعة ومالك وسويد وداعس قد بعثوا إلى بنى النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الابل من أموالهم إلا الحلقة. وقال العوفى: عن ابن عباس، أعطى كل ثلاثة بعيرا يعتقبونه [ و ] وسقا (1). رواه البيهقى. وروى من طريق يعقوب بن محمد، عن الزهري، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن مسلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بنى النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال. وروى البيهقى وغيره أنه كانت لهم ديون مؤجلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعوا وتعجلوا. وفى صحته نظر. والله أعلم. قال ابن إسحاق: فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الابل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف (2) بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر: سلام بن أبى الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وحيى بن أخطب، فلما نزلوها دان لهم أهلها.


(1) الوسق: حمل البعير. (2) النجاف: أسكفة الباب. (*)

[ 148 ]

فحدثني عبدالله بن أبى بكر أنه حدث أنهم استقبلوا بالنساء والابناء والاموال، معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم بزهاء وفخر، ما رؤى مثله لحى من الناس في زمانهم. قال: وخلوا الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعنى النخيل والمزارع، فكانت له خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الاولين دون الانصار، إلا أن سهل ابن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما، وأضاف بعضهم إليهما الحارث بن الصمة. حكاه السهيلي. قال ابن إسحاق: ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان وهما يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى بعض آل يامين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني ؟ فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش، فقتله لعنه الله. * * * قال ابن إسحاق: فأنزل الله فيهم سورة الحشر بكمالها، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته وما سلط عليهم به رسوله وما عمل به فيهم. ثم شرع ابن إسحاق يفسرها. وقد تكلمنا عليها بطولها مبسوطة في كتابنا التفسير ولله الحمد. قال الله تعالى: " سبح لله ما في السموات وما في الارض وهو العزيز الحكيم، هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فأعتبروا يا أولى الابصار، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك

[ 149 ]

بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب. ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين ". سبح سبحانه وتعالى نفسه الكريمة، وأخبر أنه يسبح له جميع مخلوقاته العلوية والسفلية وأنه العزيز، وهو منيع الجناب فلا ترام عظمته وكبرياؤه، وأنه الحكيم في جميع ما خلق وجميع ما قدر وشرع، فمن ذلك تقديره وتدبيره وتيسيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين في ظفرهم بأعدائهم اليهود الذين شاقوا الله ورسوله وجانبوا رسوله وشرعه، وما كان من السبب المفضى لقتالهم كما تقدم، حتى حاصرهم المؤيد بالرعب والرهب مسيرة شهر، ومع هذا فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة ست ليال، فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم وأن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم، على أنهم لا يصحبون شيئا من السلاح إهانة لهم واحتقارا، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الابصار. ثم ذكر تعالى أنه لو لم يصبهم الجلاء وهو التسيير والنفى من جوار الرسول من المدينة لاصابهم ما هو أشد منه من العذاب الدنيوي وهو القتل، مع ما ادخر لهم في الآخرة من العذاب الاليم المقدر لهم. ثم ذكر تعالى حكمة ما وقع من تحريق نخلهم وترك ما بقى لهم، وأن ذلك كله سائغ فقال: " ما قطعتم من لينة " وهو جيد التمر " أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله " إن الجميع قد أذن فيه شرعا وقدرا، فلا حرج عليكم فيه ولنعم ما رأيتم من ذلك، وليس هو بفساد كما قاله شرار العباد، إنما هو إظهار للقوة وإخزاء للكفرة الفجرة. وقد روى البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بنى النضير وقطع، وهى البويرة، فأنزل

[ 150 ]

الله: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين ". وعند البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بنى النضير وقطع، وهى البويرة، ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بنى لؤى * حريق بالبويرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول: أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في نواحيها السعير ستعلم أينا منها بستر * وتعلم أي أرضينا نضير * * * قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بنى النضير وقتل كعب بن الاشرف فالله أعلم: لقد خزيت بغدرتها الحبور (1) * كذاك الدهر ذو صرف يدور وذلك أنهم كفروا برب * عظيم أمره أمر كبير وقد أوتوا معا فهما وعلما * وجاءهم من الله النذير نذير صادق أدى كتابا * وآيات مبينة تنير فقالوا ما أتيت بأمر صدق * وأنت بمنكر منا جدير فقال بلى لقد أديت حقا * يصدقني به الفهم الخبير فمن يتبعه يهد لكل رشد * ومن يكفر به يخز الكفور فلما أشربوا غدرا وكفرا * وجد بهم عن الحق النفور أرى الله النبي برأى صدق * وكان الله يحكم لا يجور فأيده وسلطه عليهم * وكان نصيره نعم النصير


(1) الحبور: جمع حبر، وهم علماء اليهود. (*)

[ 151 ]

فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير فما كره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور فتلك بنو النضير بدار سوء * أبارهم بما اجترموا المبير (1) غداة أتاهم في الزحف رهوا (2) * رسول الله وهو بهم بصير وغسان الحماة مؤازروه * على الاعداء وهو لهم وزير فقال السلم ويحكم فصدوا * وخالف أمرهم كذب وزور فذاقوا غب أمرهم وبالا * لكل ثلاثة منهم بعير وأجلوا عامدين لقينقاع * وغودر منهم نخل ودور وقد ذكر ابن إسحاق جوابها لسمال اليهودي، فتركناها قصدا. * * * قال ابن إسحاق: وكان مما قيل في بنى النضير قول ابن لقيم العبسى، ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريف الاشجعي: أهلى فداء لامرئ غير هالك * أحل اليهود بالحسى المزنم (3) يقيلون في جمر العضاه وبدلوا * أهيضب عودا بالودى المكمم (4) فإن يك ظنى صادقا بمحمد * تروا خيله بين الصلا ويرمرم (5) يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم * عدو وما حى صديق كمجرم عليهن أبطال مساعير في الوغى * يهزون أطراف الوشيج المقوم (6)


(1) أبارهم: أهلكهم. (2) رهوا: سيرا سهلا. (3) الحسى: ما يحسى من الطعام والمزنم الرجل يكون في القوم ليس منهم. يريد: أحلهم بأرض غربة في غير عشائرهم. وانظر الروض الانف ؟ ؟ 2 / 177. (4) جمر: الاصل خمر. وما أثبته من ابن هشام. والعضاه: شجر. وأهيضب مكان مرتفع. والودى: صغار النخل. والمكمم: الذى خرج كمامه. (5) الصلا: موضع. ويرمرم جبل. (6) الوشيج: شجر الرماح. (*)

[ 152 ]

وكل رقيق الشفرتين مهند * توورثن من أزمان عاد وجرهم فمن مبلغ عنى قريشا رسالة * فهل بعدهم في المجد من متكرم بأن أخاهم فاعلمن محمدا * تليد الندى بين الحجون وزمزم فدينوا له بالحق تجسم أموركم * وتسمو من الدنيا إلى كل معظم نبى تلافته من الله رحمة * ولا تسألوه أمر غيب مرجم فقد كان في بدر لعمري عبرة * لكم يا قريش والقليب الملمم غداة أتى في الخزرجية عامدا * إليكم مطيعا للعظيم المكرم معانا بروح القدس ينكى عدوه * رسولا من الرحمن حقا بمعلم رسولا من الرحمن يتلو كتابه * فلما أنار الحق لم يتلعثم أرى أمره يزداد في كل موطن * علوا لامر حمه الله محكم * * * قال ابن إسحاق: وقال على بن أبى طالب، وقال ابن هشام: قالها رجل م‍ المسلمين، ولم أر أحدا يعرفها لعلى: عرفت ومن يعتدل يعرف * وأيقنت حقا ولم أصدف عن الكلم المحكم اللاء من * لدى الله ذى الرأفة الارأف رسائل تدرس في المؤمنين * بهن اصطفى أحمد المصطفى فأصبح أحمد فينا عزيزا * عزيز المقامة والموقف فيا أيها الموعدوه سفاها * ولم يأت جورا ولم يعنف ألستم تخافون أدنى العذاب * وما آمن الله كالاخوف وأن تصرعوا تحت أسيافه * كمصرع كعب أبى الاشرف غداة رأى الله طغيانه * وأعرض كالجمل الاجنف فأنزل جبريل في قتله * بوحى إلى عبده ملطف

[ 153 ]

فدس الرسول رسولا له * بأبيض ذى هبة مرهف فباتت عيون له معولات * متى ينع كعب لها تذرف وقلن لاحمد ذرنا قليلا * فإنا من النوح لم نشتف فخلاهم ثم قال اظعنوا * دحورا على رغم الآنف وأجلى النضير إلى غربة * وكانوا بدار ذوى زخرف إلى أذرعات ردافا وهم * على كل ذى دبر أعجف وتركنا جوابها أيضا من سمال اليهودي قصدا. * * * ثم ذكر تعالى حكم الفئ، وأنه حكم بأموال بنى النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملكها له، فوضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله تعالى. كما ثبت في الصحيحين، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقى في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عزوجل. ثم بين تعالى حكم الفئ وأنه للمهاجرين والانصار والتابعين لهم بإحسان على منوا لهم وطريقتهم: " ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب ". قال الامام أحمد: حدثنا عارم وعفان، قالا: حدثنا معتمر، سمعت أبى يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن نبى الله صلى الله عليه وسلم أن لرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله، حتى فتحت عليه قريظة والنضير، قال: فجعل يرد بعد ذلك.

[ 154 ]

قال: وإن أهلى أمروني أن آتى نبى الله صلى الله عليه وسلم فأسأله الذى كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبى الله صلى الله عليه وسلم أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله. قال: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول: كلا والله الذى لا إله إلا هو لا أعطيكهن وقد أعطانيهن أو كما قالت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لك كذا وكذا. وتقول: كلا والله. قال: ويقول لك كذا وكذا. وتقول: كلا والله. قال: ويقول لك كذا وكذا حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله أو قال قريبا من عشرة أمثاله أو كما قال. أخرجاه بنحوه من طرق عن معتمر به. ثم قال تعالى: ذاما للمنافقين الذين مالوا إلى بنى النضير في الباطن كما تقدم، ووعدوهم النصر فلم يكن من ذلك شئ، بل خذلوهم أحوج ما كانوا إليهم، وغروهم من أنفسهم فقال: " ألم تر إلى الذين نافقو يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون، لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون ". ثم ذمهم تعالى على جبنهم وقلة علمهم وخفة عقلهم النافع، ثم ضرب لهم مثلا قبيحا شنيعا بالشيطان حين " قال للانسان: اكفر فلما كفر قال: إنى برئ منك إنى أخاف الله رب العالمين، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ".

[ 155 ]

قصة عمرو بن سعدى القرظى حين مر على ديار بنى النضير وقد صارت يبابا ليس بها داع ولا مجيب، وقد كانت بنو النضير أشرف منى بنى قريظة، حتى حداه ذلك على الاسلام وأظهر صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوراة. قال الواقدي حدثنا ابراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سعدى فأطاف بمنازلهم، فرأى خرابها وفكر، ثم رجع إلى بنى قريظة فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بوقهم فاجتمعوا فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم لم تزل. وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية. قال: رأيت اليوم عبرا قد عبرنا بها، رأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والجلد والشرف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم وملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل، ولا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة، وقد أوقع قبل ذلك بابن الاشرف ذى عزهم ثم بيته في بيته آمنا، وأوقع بابن سنينة سيدهم، وأوقع ببنى قينقاع فأجلاهم وهم أهل جد يهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان منهم رأسه حتى سباهم وكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، والله إنكم لتعلمون أنه نبى قد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان أبو عمير وابن حراش، وهما أعلم يه‍ ؟ د جاءانا يتوكفان قدومه وأمرانا باتباعه، جاءانا من بيت المقدس وأمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا هذه. فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم. ثم أعاد هذا الكلام ونحوه، وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء. فقال الزبير بن باطا: قد والتوراة قرأت صفته في كتاب باطا، التوراة التى نزلت على موسى، ليس في المثانى الذى أحدثنا.

[ 156 ]

قال: فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبدالرحمن من اتباعه ؟ قال أنت يا كعب. قال كعب: فلم ؟ والتوراة ما حلت بينك وبينه قط. قال الزبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا فإن اتبعته اتبعناه وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعب، فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أن قال عمرو: ما عندي في أمره إلا ما قلت: ما تطيب نفسي أن أصير تابعا ! رواه البيهقى. غزوة بنى لحيان التى صلى فيها صلاة الخوف بعسفان ذكرها البيهقى في الدلائل، وإنما ذكرها ابن إسحاق فيما رأيته من طريق هشام عن زياد عنه في جمادى الاولى من سنة ثنتين من الهجرة بعد الخندق وبنى قريظة وهو أشبه مما ذكره البيهقى والله أعلم. وقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار وغيره، قالوا: لما أصيب خبيب وأصحابه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبا بدمائهم ليصيب من بنى لحيان غرة، فسلك طريق الشام ليرى أنه لا يريد بنى لحيان حتى نزل بأرضهم فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة ". فخرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم (1) ثم انصرفا. فذكر أبو عياش الزرقى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بعسفان صلاة الخوف.


(1) الغميم: ود أمام عسفان بثمالية أميال. بضاف إلى كراع، جبل أسود بطرف الحرة ممتد إليه. (*)

[ 157 ]

وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عياش، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم. ثم قالوا: تأتى الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ". قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح، فصففنا خلفه صفين، ثم ركع فركعنا جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد بالصف الذى يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. قال: ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد الصف الذى يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم. ثم انصرف. قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، مرة بأرض عسفان، ومرة بأرض بنى سليم. ثم رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن منصور به، نحوه. وقد رواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبدالحميد، والنسائي عن الفلاس، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن محمد بن المثنى، وأبندار، عن غندر، عن شعبة ثلاثتهم عن منصور به. وهذا إسناد على شرط الصحيحين، ولم يخرجه واحد منهما. لكن روى مسلم من طريق أبى خيثمة زهير بن معاوية، عن أبى الزبير، عن جابر

[ 158 ]

قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من جهينة، فقاتلوا قتالا شديدا، فلما أن صلى الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم. فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الاولاد " فذكر الحديث كنحو ما تقدم. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا هشام، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله قال: " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر بنخل، فهم به المشركون ثم قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه الصلاة هي أحب إليهم من أبنائهم. قال: فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فصلى بأصحابه صلاة العصر، فصفهم صفين بين أيديهم رسول الله والعدو بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر وكبروا جميعا وركعوا جميعا، ثم سجد الذين يلونهم والآخرون قيام، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون، ثم تقدم هؤلاء وتأخر هؤلاء، فكبروا جميعا وركعوا جميعا، ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيام، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون. وقد استشهد البخاري في صحيحه برواية هشام هذه عن أبى الزبير، عن جابر. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا سعيد بن عبيد الهنائى (1)، حدثنا عبدالله بن شقيق، حدثنا أبو هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم وهى العصر، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة. وإن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يقيم أصحابه شطرين فيصلى


(1) الهنائى: نسبة إلى هناءة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، بطن من الازد. اللباب 3 / 294. (*)

[ 159 ]

ببعضهم ويقدم الطائفة الاخرى وراءهم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثم تأتى الاخرى فيصلون معه، ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، ليكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولرسول الله ركعتان. ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الصمد به، وقال الترمذي: حسن صحيح. قلت: إن كان أبو هريرة شهد هذا فهو بعد خيبر، وإلا فهو من مرسلات الصحابي، ولا يضر ذلك عند الجمهور. والله أعلم. ولم يذكر في سياق حديث جابر عند مسلم ولا عند أبى داود الطيالسي أمر عسفان ولا خالد بن الوليد، لكن الظاهر أنها واحدة. * * * بقى الشأن في أن غزوة عسفان قبل الخندق أو بعدها ؟ فإن من العلماء، منهم الشافعي، من يزعم أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد يوم الخندق، فإنهم أخروا الصلاة يومئذ عن ميقاتها لعذر القتال، ولو كانت صلاة الخوف مشروعة إذ ذاك لفعلوها ولم يؤخروها، ولهذا قال بعض أهل المغازى: إن غزوة بنى لحيان التى صلى فيها صلاة الخوف بعسفان كانت بعد بنى قريظة. وقد ذكر الواقدي بإسناده عن خالد بن الوليد قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية لقيته بعسفان فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا، فأطلعه الله على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف. قلت: وعمرة الحديبية كانت في ذى القعدة سنة ست بعد الخندق وبنى قريظة كما سيأتي. وفى سياق حديث أبى عياش الزرقى ما يقتضى أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه

[ 160 ]

الغزوة يوم عسفان، فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها. والله أعلم. وسنذكر إن شاء الله تعالى كيفية صلاة الخوف واختلاف الروايات فيها في كتاب " الاحكام الكبير " إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. غزوة ذات الرقاع قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بنى النضير شهرى ربيع وبعض جمادى، ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر. قال ابن هشام: ويقال: عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق: فسار حتى نزل نخلا وهى غزوة ذات الرقاع. قال ابن هشام: لانهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال لشجرة هناك اسمها ذات الرقاع. وقال الواقدي: بجبل فيه بقع حمر وسود وبيض. وفى حديث أبى موسى: إنما سميت بذلك لما كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق من شدة الحر. قال ابن إسحاق: فلقى بها جمعا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف. وقد أسند ابن هشام حديث صلاة الخوف هاهنا عن عبد الوارث بن سعيد التنورى، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن جابر بن عبدالله، وعن عبد الوارث، عن أيوب، عن أبى الزبير، عن جابر، وعن عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع،

[ 161 ]

عن ابن عمر، ولكن لم يذكر في هذه الطرق غزوة نجد ولا ذات الرقاع، ولم يتعرض لزمان ولا مكان. وفى كون غزوة ذات الرقاع التى كانت بنجد لقتال بنى محارب وبنى ثعلبة بن غطفان قبل الخندق نظر. وقد ذهب البخاري إلى أن ذلك كان بعد خيبر، واستدل على ذلك بأن أبا موسى الاشعري شهدها، كما سيأتي، وقدومه إنما كان ليالى خيبر صحبة جعفر وأصحابه، وكذلك أبو هريرة، وقد قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف. ومما يدل على أنها بعد الخندق أن ابن عمر إنما أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال أول ما أجازه يوم الخندق. وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فذكر صلاة الخوف. وقول الواقدي: إنه عليه السلام خرج إلى ذات الرقاع في أربعمائة ويقال سبعمائة من أصحابه ليلة السبت لعشر خلون من المحرم سنة خمس. فيه نظر. ثم لا يحصل به نجاة من أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق، لان الخندق كان في شوال سنة خمس على المشهور، وقيل في شوال سنة أربع، فتحصل على هذا القول مخلص من حديث ابن عمر، فأما حديث أبى موسى وأبى هريرة فلا. قصة غورث بن الحارث قال ابن إسحاق في هذه الغزوة: حدثنى عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن جابر ابن عبدالله، أن رجلا من بنى محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان ومحارب: (11 - السيرة - 3)

[ 162 ]

ألا أقتل لكم محمدا ؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله ؟ قال: أفتك به. قال: فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره. فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا ؟ قال: نعم. فأخذه ثم جعل يهزه ويهم، فكبته الله. ثم قال: يا محمد، أما تخافني ؟ قال: لا، ما أخاف منك ؟ قال: أما تخافني وفى يدى السيف ؟ قال: لا، يمنعنى الله منك. ثم عمد إلى سيف النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه. فأنزل الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (1) ". قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، أنها إنما أنزلت في عمرو بن جحاش أخى بنى النضير وما هم به. * * * هكذا ذكر ابن إسحاق قصة غورث هذا عن عمرو بن عبيد القدري رأس الفرقة الضالة، وهو وإن كان لايتهم بتعمد الكذب في الحديث إلا أنه ممن لا ينبغى أن يروى عنه لبدعته ودعائه إليها. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه ولله الحمد. فقد أورد الحافظ البيهقى هاهنا طرقا لهذا الحديث من عدة أماكن، وهى ثابتة في الصحيحين من حديث الزهري عن سنان بن، أبى سنان وأبى سلمة عن جابر، أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته القائلة في واد كثير العضاه (2)، فتفرق الناس يستظلون بالشجر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة فعلق بها سيفه.


(1) سورة المائدة. (2) العضاه: شجر عظيم له شوك. (*)

[ 163 ]

قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فأجبناه، وإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا اخترط سيفى وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا (1) فقال: من يمنعك منى ؟ قلت: الله. فشام السيف وجلس. ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فعل ذلك. وقد رواه مسلم أيضا، عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن عفان، عن أبان، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع، وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل من المشركين، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة، فأخذ سيف رسول الله فاخترطه وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تخافني ؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك منى ؟ قال: الله يمنعنى منك. قال: فهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغمد السيف وعلقه. قال: ونودى بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين. قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان. وقد علقه البخاري بصيغة الجزم عن أبان به. قال البخاري: وقال: مسدد عن أبى عوانة عن أبى بشر، إن اسم الرجل غورث بين الحارث. وأسند البيهقى من طريق أبى عوانة، عن أبى بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب وغطفان بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وقال: من يمنعك منى ؟ قال: الله. فسقط السيف من يده. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال: من يمنعك منى ؟ فقال: كن خير


(1) صلتا: مجردا من غمده، بمعنى مصلت. (*)

[ 164 ]

آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس. ثم ذكر صلاة الخوف، وأنه صلى أربع ركعات، بكل طائفة ركعتين. وقد أورد البيهقى هنا طرق صلاة الخوف بذات الرقاع، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبى حثمة، وحديث الزهري، عن سالم عن أبيه، في صلاة الخوف بنجد. وموضع ذلك كتاب الاحكام. والله أعلم. قصة الذى أصيبت امرأته في هذه الغزوة قال محمد بن إسحاق: حدثنى عمى صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر بن عبدالله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا، أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهى حتى يهريق في أصحاب محمد دما. فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا ؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الانصار. فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب من الوادي. وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر، فلما خرجا إلى فم الشعب قال الانصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره ؟ قال: بل اكفني أوله. فاضطجع المهاجرى فنام وقام الانصاري يصلى. قال: وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرمى بسهم

[ 165 ]

فوضعه فيه، فانتزعه ووضعه وثبت قائما. قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما. قال: ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت. قال: فوثب الرجل فلما رآهما عرف أنه قد نذرا به، فهرب. قال: ولما رأى المهاجرى ما بالانصارى من الدماء قال: سبحان الله أفلا أهببتنى أول ما رماك ؟ ! قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع على الرمى ركعت فأذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها ! هكذا ذكره ابن إسحاق في المغازى. وقد رواه أبو داود عن أبى توبة، عن عبدالله ابن المبارك، عن ابن إسحاق به. وقد ذكر الواقدي عن عبدالله العمرى، عن أخيه عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه، حديث صلاة الخوف بطوله. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب في محالهم نسوة، وكان في السبى جارية وضيئة، وكان زوجها يحبها، فحلف ليطلبن محمدا ولا يرجع حتى يصيب دما أو يخلص صاحبته، ثم ذكر من السياق نحو ما أورده محمد بن إسحاق. قال الواقدي: وكان جابر بن عبدالله يقول: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من أصحابه بفرخ طائر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فأقبل إليه أبواه أو أحدهما حتى طرح نفسه في يدى الذى أخذ فرخه، فرأيت أن الناس عجبوا من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا الطائر أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه ؟ فوالله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه ! !

[ 166 ]

قصة جمل جابر في هذه الغزوة قال محمد بن إسحاق: حدثنى وهب بن كيسان، عن جابر بن عبدالله، قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضى وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا جابر ؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بى جملى هذا. قال: أنخه. قال: فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك أو اقطع عصا من شجرة. ففعلت فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ثم قال: اركب. فركبت، فخرج والذى بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة (1). قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال: قلت: بل أهبه لك. قال: لا ولكن بعنيه، قال: قلت: فسمنيه، قال: قد أخذته بدرهم، قال: قلت: لا إذا تغبننى يا رسول الله ! قال: فبدرهمين، قال: قلت: لا. قال: فلم يزل يرفع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الاوقية، قال: فقلت: أفقد رضيت ؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: قد أخذته. ثم قال: يا جابر هل تزوجت بعد ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: أثيبا أم بكرا ؟ قال: قلت: بل ثيبا. قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ! قال: قلت يا رسول الله إن أبى أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن فتقوم عليهن. قال: أصبت إن شاء الله، أما إنا لو جئنا صرارا (2) أمرنا بجزور فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها. قال: فقلت: والله يا رسول الله مالنا نمارق. قال: إنها ستكون فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا.


(1) المواهقة. المباراة. (2) صرار: موضع على ثلاثة أميال من المدينة. (*)

[ 167 ]

قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا. قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك فسمع وطاعة. فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال: ما هذا ؟ قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر، فدعيت له، قال: فقال: يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك. قال: ودعا بلالا فقال: اذهب بجابر فأعطه أوقية. قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا. قال: فوالله ما زال ينمى عندي ويرى مكانه من بيننا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا. يعنى يوم الحرة. وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث عبيد الله بن عمر العمرى، عن وهب بن كيسان، عن جابر بنحوه. قال السهيلي: في هذا الحديث إشارة إلى ما كان أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبدالله أن الله أحيا والده وكلمه فقال له: تمن على. وذلك أنه شهيد وقد قال الله تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " وزادهم على ذلك في قوله: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " ثم جمع لهم بين العوض والمعوض فرد عليهم أرواحهم التى اشتراها منهم فقال: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " والروح للانسان بمنزلة المطية كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز قال:

[ 168 ]

فلذلك اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جابر جمله، وهو مطيته، فأعطاه ثمنه ثم رده عليه وزاده مع ذلك. قال: ففيه تحقيق لما كان أخبره به عن أبيه. وهذا الذى سلكه السهيلي هاهنا إشارة غريبة وتخيل بديع. والله سبحانه وتعالى أعلم. وقد ترجم الحافظ البيهقى في كتابه " دلائل النبوة " على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال: باب ما كان ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبدالله رضى الله عنه. وهذا الحديث له طرق عن جابر وألفاظ كثيرة، وفيه اختلاف كثير في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع. وتحرير ذلك واستقصاؤه لائق بكتاب البيع من الاحكام والله أعلم. وقد جاء تقييده بهذه الغزوة، وجاء تقييده بغيرها، كما سيأتي. ومستبعد تعداد ذلك والله أعلم.

[ 169 ]

غزوة بدر الآخرة وهى بدر الموعد التى تواعدوا إليها من أحد كما تقدم. قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجبا، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبدالله بن عبدا لله بن أبى بن سلول. قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأقام عليه ثمانيا ينتظر أبا سفيان. وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران. وبعض الناس يقول: قد بلغ عسفان ثم بدا له في الرجوع فقال: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، فإن عامكم هذا عام جدب وإنى راجع فارجعوا. فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق. قال: وأتى مخشى بن عمرو الضمرى وقد كان وادع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ودان على بنى ضمرة فقال: يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال: نعم يا أخا بنى ضمرة، وإن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك وجالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك. قال: لا والله يا محمد مالنا بذلك من حاجة. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا. قال ابن إسحاق: وقد قال عبدالله بن رواحة يعنى في انتظارهم أبا سفيان ورجوعه بقريش عامه ذلك. قال ابن هشام: وقد أنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك:

[ 170 ]

وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد * لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو لاقيتنا فلقيتنا * لابت ذميما وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه * وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أف لدينكم * وأمركم السئ الذى كان غاويا فإنى وإن عنفتموني لقائل * فدى لرسول الله أهلى وماليا أطعناه لم نعد له فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في ذلك: دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك (1) بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك أقمنا على الرس النزوع ثمانيا * بأرعن جرار عريض المبارك (2) بكل كميت جوزه نصف خلقه * وقب طوال مشرفات الحوارك (3) ترى العرفج العامي تذرى أصوله * مناسم أخفاف المطى الرواتك (4) فإن تلق في تطوافنا والتماسنا * فرات بن حيان يكن رهن هالك وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده * يزد في سواد لونه لون حالك فأبلغ أبا سفيان عنى رسالة * فإنك من غر الرجال الصعالك قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، وقد أسلم فيما بعد ذلك: أحسان إنا يا ابن آكلة الفغا * وجدك نغتال الخروق كذلك (5)


(1) الفلجات: جمع فلج، وهو النهر الصغير. والاوارك: الابل التى رعت الاراك. (2) الرس: البئر. والنزوع: القريبة القعر. والارعن: الجيش ذو الفضول. (3) الكميت: الفرس. والجوز: الوسط. والقب: جمع أقب، وهو الفرس الضامر البطن والحوارك: جمع حارك وهو أعلى الكاهل. (4) العرفج: شجر سهلى. والعامي: الذى أتى عليه العام. والرواتك: المسرعة. (5) الفغا: شئ كالتبن. والخروق: القفار. ونفتال: نقطع. (*)

[ 171 ]

خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا * ولو وألت منا بشد مدارك (1) إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته * مدمن أهل الموسم المتعارك (2) أقمت على الرس النزوع تريدنا * وتتركنا في النخل عند المدارك على الزرع تمشى خيلنا وركابنا * فما وطئت ألصقنه بالدكادك (3) أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع * بجرد الجياد والمطى الرواتك (4) حسبتم جلاد القوم عند فنائكم (5) * كمأخذكم بالعين أرطال آنك (6) فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها * على نحو قول المعصم المتماسك سعدتم بها وغيركم كان أهلها * فوارس من أبناء فهر بن مالك فإنك لا في هجرة إن ذكرتها * ولا حرمات دينها أنت ناسك (7) قال ابن هشام: تركنا منها أبياتا لاختلاف قوافيها. وقد ذكر موسى بن عقبة عن الزهري وابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر الناس لموعد أبى سفيان، وانبعث المنافقون في الناس يثبطونهم، فسلم الله أولياءه، وخرج المسلمون صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وأخذوا معهم بضائع وقالوا: إن وجدنا أبا سفيان وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر.


(1) اليعافير: جمع يعفور وهو ولد الظبية. ووألت: احتمت. والشد: الجرى. (2) المدمن: الموضع به آثار الناس والدواب. (3) الدكادك: جمع دكدك، ما تكبس واستوى من الرمل، أو أرض فيها غلظ. (4) الرواتك: التى تقارب في خطوها. (5) ابن هشام: عند قبابهم. ورواها ابن سلام في طبقات الشعراء: حول بيوتكم. (6) العين: المال، والذهب، والدينار. والآنك: الرصاص الابيض. وقد ذكر السهيلي عن ابن سلام أن أبا سفيان بن حرب قال لابي سفيان بن الحارث: يابن أخى لم جعلتها آنك، إن كانت الفضة بيضاء جيدة ! (7) وتروى: ولا حرمات الدين أنت بناسك. (*)

[ 172 ]

ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبى سفيان إلى مجنة، ورجوعه، وفى مقاولة الضمرى، وعرض النبي صلى الله عليه وسلم والمنابذة فأبى ذلك. قال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها في ألف وخمسمائة من أصحابه، واستخلف على المدينة عبدالله بن رواحة. وكان خروجه إليها في مستهل ذى القعدة، يعنى سنة أربع. والصحيح قول ابن إسحاق، أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة، ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان، لكن قال: في سنة ثلاث وهذا وهم، فإن هذه توعدوا إليها من أحد وكانت أحد في شوال سنة ثلاث كما تقدم. والله أعلم. قال الواقدي: فأقاموا ببدر مدة الموسم الذى كان يعقد فيها ثمانية أيام، فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين. وقال غيره: فانقلبوا كما قال الله عزوجل: " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (1) ". فصل في جملة من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة قال ابن جرير: وفى جمادى الاولى من هذه السنة مات عبدالله بن عثمان بن عفان رضى الله عنه، يعنى من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ست سنين، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرته والده عثمان بن عفان رضى الله عنه. قلت: وفيه توفى أبو سلمة عبدالله بن عبد الاسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى، وأمه برة بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتضعا من ثويبة مولاة أبى لهب.


(1) سورة آل عمران 174. (*)

[ 173 ]

وكان إسلام أبى سلمة وأبى عبيدة وعثمان بن عفان والارقم بن أبى الارقم قديما في يوم واحد. وقد هاجر هو وزوجته أم سلمة إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة وقد ولد لهما بالحبشة أولاد، ثم هاجر من مكة إلى المدينة، وتبعته أم سلمة إلى المدينة كما تقدم. وشهد بدرا وأحدا، ومات من آثار جرح جرحه بأحد. رضى الله عنه وأرضاه. له حديث واحد في الاسترجاع عند المصيبة، سيأتي في سياق تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة قريبا. * * * قال ابن جرير: وفى ليال خلون من شعبان منها ولد الحسين بن على من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم. قال: وفى شهر رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبدالله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية. وقد حكى أبو عمر بن عبد البر، عن على بن عبد العزيز الجرجاني أنه قال: كانت أخت ميمونة بنت الحارث. ثم استغربه وقال: لم أره لغيره. وهى التى يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم وإحسانها إليهم. وأصدقها ثنتى عشرة أوقية ونشا (1) ودخل بها في رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها. قال أبو عمر بن عبد البر، عن على بن عبد العزيز الجرجاني: ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف. قال ابن الاثير في الغابة: وقيل كانت تحت عبدالله بن جحش فقتل عنها يوم أحد.


(1) النش: نصف أوقية، وهو عشرون درهما. (*)

[ 174 ]

قال أبو عمر: ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت رضى الله عنها. وقال الواقدي: في شوال من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبى أمية. * * * قلت: وكانت قبله عند زوجها أبى أولادها أبى سلمة بن عبد الاسد، وقد كان شهد أحدا كما تقدم، وجرح يوم أحد فداوى جرحه شهرا حتى برئ، ثم خرج في سرية فغنم منها نعما ومغنما جيدا، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يوما ثم انتقض عليه جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى من هذه السنة. فلما حلت في شوال خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسها بنفسه الكريمة وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مرارا، فتذكر أنها امرأة غيرى، أي شديدة الغيرة وأنها مصبية، أي لها صبيان يشغلونها عنه ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: أما الصبية فإلى الله وإلى رسوله. أي نفقتهم ليس إليك، وأما الغيرة فأدعو الله فيذهبها. فأذنت في ذلك وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوج النبي صلى الله عليه وسلم. تعنى قد رضيت وأذنت. فتوهم بعض العلماء أنها تقول لابنها عمر بن أبى سلمة، وقد كان إذ ذاك صغيرا لا يلى مثله العقد، وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه الصواب في ذلك. ولله الحمد والمنة. وأن الذى ولى عقدها عليه ابنها سلمة بن أبى سلمة، وهو أكبر ولدها. وساغ هذا لان أباه ابن عمها، فللا بن ولاية أمه إذا كان سببا لها من غير جهة البنوة بالاجماع، وكذا إذا كان معتقا أو حاكما.

[ 175 ]

فأما محض البنوة فلا يلى بها عقد النكاح عند الشافعي وحده، وخالفه الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله. ولبسط هذا موضع آخر يذكر فيه، وهو كتاب النكاح من الاحكام الكبير. إن شاء الله. * * * قال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، يعنى ابن سعد، عن يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبى عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة قالت: أتانى أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به، قال: " لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم آجرنى في مصيبتي واخلف لى خيرا منها إلا فعل به ". قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه. فلما توفى أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم آجرنى في مصيبتي واخلف لى خيرا منها ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لى خير من أبى سلمة ؟ فلما انقضت عدتي استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهابا لى، فغسلت يدى من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بى أن لا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة بى غيرة شديدة، فأخاف أن ترى منى شيئا يعذبنى الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال. فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذى أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي. فقالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبى سلمة خيرا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 176 ]

وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عمر بن أبى سلمة، عن أمه أم سلمة عن أبى سلمة به. وقال الترمذي حسن غريب. وفى رواية للنسائي عن ثابت عن ابن عمر بن أبى سلمة عن أبيه. ورواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يزيد بن هارون، عن عبدالملك بن قدامة الجمحى عن أبيه، عن عمر بن أبى سلمة به. * * * وقال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى من بدر الموعد - راجعا إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وولى تلك الحجة المشركون وهى سنة أربع. وقال الواقدي: وفى هذه السنة يعنى سنة أربع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود. قلت: فثبت عنه في الصحيح أنه قال: تعلمته في خمسة عشر يوما. والله أعلم.

[ 177 ]

سنة خمس من الهجرة النبوية غزوة دومة الجندل في ربيع الاول منها قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل (1). قال ابن هشام: في ربيع الاول - يعنى من سنة خمس - واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري. قال ابن إسحاق: ثم رجع إلى المدينة قبل أن يصل إليها ولم يلق كيدا، فأقام بالمدينة بقية سنته. هكذا قال ابن إسحاق. وقد قال محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن شيوخه عن جماعة من السلف قالوا: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنو إلى أداني الشام، وقيل له: إن ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بدومة الجندل جمعا كبيرا وأنهم يظلمون من مر بهم، وكان لها سوق عظيم، وهم يريدون أن يدنوا من المدينة. فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بنى عذرة يقال له مذكور، هاد خريت (2). فلما دنا من دومة الجندل أخبره دليله بسوائم بنى تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا،


(1) دومة: بضم الدال عند أهل اللغة، وأصحاب الحديث يفتحونها. كذا في الصحاح. قال البكري: سميت بدومى بن إسماعيل، وكان نزلها. (شرح المواهب 2 / 95). (2) الخريت: الماهر بالهداية. (12 - السيرة 3) (*)

[ 178 ]

فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحدا، فأقام بها أياما، وبث السرايا، ثم رجعوا وأخذ محمد بن سلمة رجلا منهم فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس. فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فأسلم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. قال الواقدي: وكان خروجه عليه السلام إلى دومة الجندل في ربيع الآخر (1) سنة خمس. قال: وفيه توفيت أم سعد بن عبادة، وابنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة. وقد قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن أم سعد ماتت والنبى صلى الله عليه وسلم غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر. وهذا مرسل جيد، وهو يقتضى أنه عليه السلام غاب في هذه الغزوة شهرا فما فوقه على ما ذكره الواقدي رحمه الله. غزوة الخندق وهى غزوة الاحزاب وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة الاحزاب. فقال تعالى: " يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا، وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا


(1) عند ابن جرير عن الواقدي: في ربيع الاول. وكذلك في شرح المواهب: " وكان في شهر ربيع الاول على رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة " وكان رجوعه إلى المدينة في العشرين من ربيع الآخر. (*)

[ 179 ]

شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة. وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا * قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير، أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا * يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا * لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها وكان الله على كل شئ قديرا ". وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في التفسير ولله الحمد والمنة.

[ 180 ]

ولنذكر هاهنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. * * * وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا. وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الاحزاب في شوال سنة أربع. وكذلك قال الامام مالك بن أنس، فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه. قال البيهقى: ولا اختلاف بينهم في الحقيقة، لان مرادهم أن ذلك بعد مضى أربع سنين وقبل استكمال خمس. ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس. والله أعلم. وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين. ولا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث، إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الاول إلى آخرها، كما حكاه البيهقى. وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوى، وقد صرح بأن بدرا في الاولى، وأحدا في سنة ثنتين، وبدر الموعد في شعبان سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع. وهذا مخالف لقول الجمهور، فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول

[ 181 ]

التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعن مالك من ربيع الاول سنة الهجرة، فصارت الاقوال ثلاثة والله أعلم. والصحيح قول الجمهور: أن أحدا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم. فأما الحديث المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيدالله عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازنى. فقد أجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقى بأنه عرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الاحزاب في أواخر الخامسة عشرة. قلت: ويحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه في يوم الاحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التى يجاز لمثلها الغلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها. ولهذا لما بلغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير. ثم كتب به إلى الآفاق واعتمد على ذلك جمهور العلماء. والله أعلم. * * * وهذا سياق القصة مما ذكره ابن إسحاق وغيره. قال ابن إسحاق: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس. فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة ومن لا أتهم، عن عبيد (1) الله بن كعب بن مالك ومحمد بن كعب القرظى والزهرى، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر وغيرهم من علمائنا. وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض. قالوا: إنه كان من حديث الخندق: أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبى الحقيق النضرى، وحيى بن أخطب النضرى، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وهوذة بن قيس


(1) ابن هشام: عبدالله بن كعب. (*)

[ 182 ]

الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل، وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله فيهم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (1) " الآيات. فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم يكونون (2) معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه. فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بنى فزارة والحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى في بنى مرة، ومسعر ابن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الامر ضرب الخندق على المدينة.


(1) سورة النساء. (2) ابن هشام: سيكونون. (*)

[ 183 ]

قال ابن هشام: يقال إن الذى أشار به سلمان. قال الطبري والسهيلى: أول من حفر الخنادق: منوشهر بن أيرج بن أفريدون. وكان في زمن موسى عليه السلام. قال ابن إسحاق: فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر، وعمل معه المسلمون، وتخلف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف (1)، ومنهم من ينسل خفية بغير إذنه ولا علمه عليه الصلاة والسلام. وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم * لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيهم عذاب أليم، ألا إن لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه، ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم (2) ". قال ابن إسحاق: فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، فقالوا فيما يقولون: سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا (3) وكانوا إذا قالوا: عمرا. قال معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرا. وإذا قالوا: ظهرا قال لهم: ظهرا. * * *


(1) ابن هشام: وجعلوا يورون بالضعيف من العمل. (2) سورة النور. (3) ظهر: قوة ومعونة. (*)

[ 184 ]

وقد قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن حميد، سمعت أنسا قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والانصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: " اللهم إن العيش عيش الآخره، فاغفر للانصار والمهاجره " فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا وفى الصحيحين من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة عن أنس. نحوه. وقد رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت وحميد عن أنس، بنحوه. وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: جعل المهاجرون والانصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا * على الاسلام ما بقينا أبدا قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيبا لهم: " اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره، فبارك في الانصار والمهاجره ". قال: يؤتون بملء كفى من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة (1) توضع بين يدى القوم والقوم جياع، وهى بشعة في الحلق ولها ريح منتن ! وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن (2) أبى حازم، عن سهل بن سعد، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) الاهالة: الودكة. والسنخة: المتغيرة الريح الفاسدة الطعم. (2) البخاري: عن أبى حازم. وهو أبو عبد العزيز. (3) الاكتاد: جمع كتد، وهو ما بين الكاهل إلى الظهر. (*)

[ 185 ]

" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والانصار ". ورواه مسلم عن القعنبى، عن عبد العزيز به. وقال البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، عن البراء ابن عازب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه، أو اغبر بطنه يقول: والله لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا إن الالى قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا ورفع بها صوته: أبينا، أبينا. ورواه مسلم من حديث شعبة به. ثم قال البخاري: حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنى إبراهيم ابن يوسف، حدثنى أبى، عن أبى إسحاق، عن البراء يحدث قال: لما كان يوم الاحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عنى التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات عبدالله بن رواحة وهو ينقل من التراب يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا إن الالى قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا ثم يمد صوته بآخرها. وقال البيهقى في الدلائل: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن الفضل البجلى، حدثنا إبراهيم بن يوسف البلخى، حدثنا

[ 186 ]

المسيب بن شريك، عن زياد بن أبى زياد، عن أبى عثمان، عن سلمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخندق وقال: باسم الله وبه هدينا * ولو عبدنا غيره شقينا يا حبذا ربا وحب دينا وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم يحفرون الخندق: " اللهم لا خير إلا خير الآخره، فأصلح الانصار والمهاجره ". وأخرجاه في الصحيحين من حديث غندر، عن شعبة. * * * قال ابن إسحاق: وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغتني، من الله فيها عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون. فمن ذلك: أن جابر بن عبد الله كان يحدث أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية (1)، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا عن جابر بن عبدالله رضى الله عنه. وقد قال البخاري رحمه الله: حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، قال: أتيت جابرا فقال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل.


(1) الكدية: القطعة الصلبة من الارض لا يعمل فيها المعول. (*)

[ 187 ]

ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا (1)، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم (2). فقلت: يا رسول الله ائذن لى إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان في ذلك صبر، فعندك شئ ؟ قالت: عندي شعير وعناق (3)، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة (4)، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الاثافي (5) قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لى (6) فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: كم هو ؟ فذكرت له، فقال: كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتى. فقال: قوموا. فقام المهاجرون والانصار. فلما دخل على امرأته قال: ويحك ! جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والانصار ومن معهم. قالت: هل سألك ؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر (7) البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع. فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقى بقية. قال: كلى هذا وأهدى، فإن الناس أصابتهم مجاعة. تفرد به البخاري. * * * وقد رواه الامام أحمد، عن وكيع، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه


(1) ذواقا: شيئا من مأكول أو مشروب. (2) الاهيل أو الاهيم: السائل. (3) العناق: الانثى من ولد الماعز. (4) البرمة: القدر. (5) الاثافي: حجارة ثلاثة توضع عليها القدر. (6) طعيم: تصغير طعام: لتقليله. (7) يخمر: يغطى. (*)

[ 188 ]

أيمن الحبشى مولى بنى مخزوم، عن جابر بقصة الكدية وربط الحجر على بطنه الكريم. ورواه البيهقى في الدلائل، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر، بقصة الكدية والطعام. وطوله أتم من رواية البخاري قال فيه: لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر. فقاموا، قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت: جاءنا بخلق على صاع من شعير وعناق. دخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك ؟ قلت: نعم. فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فكشفت عنى غما شديدا، قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خدمي ودعيني من اللحم. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود التنور والقدر أملا ما كانا ! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلى وأهدى. فلم تزل تأكل وتهدى يومها. وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبى شيبة، عن عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر به وأبسط أيضا، وقال في آخره: وأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال: ثلاثمائة. وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن أبى الزبير، عن جابر. فذكر القصة بطولها في الطعام فقط وقال: وكانوا ثلاثمائة. * * * ثم قال البخاري: حدثنا عمرو بن على، حدثنا أبو عاصم، حدثنا حنظلة بن أبى

[ 189 ]

سفيان، عن أبى الزبير، حدثنا ابن ميناء، سمعت جابر بن عبدالله قال: لما حفر الخندق رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم خمصا (1)، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شئ، فإنى رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا ؟ فأخرجت لى جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن (2)، فذبحتها، فطحنت، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سؤرا (3) فحيهلا بكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ. فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذى قلت. فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبسق وبارك، ثم قال: ادع خبازة فلتخبز معك، واقدحى (4) من برمتك ولا تنزلوها. وهم ألف، فأقسم بالله لاكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط (5) كما هي وإن عجيننا كما هو. ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر، عن أبى عاصم به نحوه. * * *


(1) الخمص: ضمور البطن من الجوع. (2) البهيمة: بضم الباء تصغير بهمة وهى الصغير ومن أولاد الغنم. والداجن: ما يربى في البيوت من الغنم ولا تخرج إلى المرعى. (3) سؤرا: يروى بالهمزة، وفى اليونينية بتركها: وهو الطعام الذى يدعى إليه، وهى لفظة فارسية، وهذا دليل على تكلم الرسول بالفارسية. والسؤر بالهمز: البقية. (4) اقدحى: اغرفي. (5) تغط: تفور بحيث يسمع لها غطيط. (*)

[ 190 ]

وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث وفى سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال: حدثنى سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبدالله، قال: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق، وكانت عندي شويهة غير جد سمينة، قال: فقلت: والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق، قال: وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، فقلت: يا رسول الله إنى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير، فأنا أحب أن تنصرف معى إلى منزلي. قال: وإنما أريد أن ينصرف معى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. قال: فلما أن قلت ذلك قال: نعم. ثم أمر صارخا فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبدالله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون !. قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناها إليه، قال: فبرك وسمى الله تعالى، ثم أكل، وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها. والعجب أن الامام أحمد إنما رواه من طريق سعيد بن ميناء، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق عنه، عن جابر مثله سواء. قال محمد بن إسحاق: وحدثني سعيد بن ميناء، أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبدالله بن رواحة بغدائهما. قالت: فأخذتها وانطلقت بها.

[ 191 ]

فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبى وخالى، فقال: تعالى يا بنية ما هذا معك ؟ قالت: قلت: يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبى بشير بن سعد وخالى عبدالله بن رواحة يتغديانه. فقال: هاتيه. قالت: فصببته في كفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملاتهما. ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لانسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب. هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع، وهكذا رواه الحافظ البيهقى من طريقه ولم يزد. * * * قال ابن إسحاق: وحدثت عن سلمان الفارسى أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت على صخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب منى، فلما رأني أضرب ورأى شدة المكان على نزل فأخذ المعول من يدى فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، قال: ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، قال: قلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله ! ما هذا الذى رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال: أوقد رأيت ذلك يا سلمان ؟ قال: قلت: نعم. قال: أما الاولى فإن الله فتح على باب اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح على باب الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح على بها المشرق. قال البيهقى: وهذا الذى ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه، وذكره أبو الأسود عن عروة.

[ 192 ]

ثم روى البيهقى من طريق محمد بن يونس الكديمى وفى حديثه نظر. لكن رواه ابن جرير في تاريخه عن محمد بن بشار وبندار، كلاهما عن محمد بن خالد بن عثمة، عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده، فذكر حديثا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعا قال: واحتق المهاجرون والانصار في سلمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلمان منا أهل البيت. قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الانصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى ظهرت لنا صخرة بيضاء مروة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية، فأخبره عنها، فجاء فأخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها - يعنى المدينة - حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك. وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك النور، فقال: لقد أضاء لى من الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها، ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها. ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها فأبشروا، واستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صادق. قال: ولما طلعت الاحزاب قال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما. وقال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق لا نستطيعون أن تبرزوا !

[ 193 ]

فنزل فيهم " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ". وهذا حديث غريب. * * * وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هارون بن ملول، حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا عبدالرحمن بن زياد، عن عبدالله بن يزيد، عن عبدالله بن عمرو، قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق فخندق على المدينة قالوا: يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها. فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا معه، فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: فتحت فارس. ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: فتحت الروم. ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصارا. وهذا أيضا غريب من هذا الوجه. وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقى فيه ضعف فالله أعلم. وقال الطبراني أيضا: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدثنى سعيد بن محمد الجرمى حدثنا أبو نميلة، حدثنا نعيم بن سعيد الغرى، أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة ؟ قال رجل: نعم. قال: أما لا فتقدم فدلنا عليه. فانطلقوا إلى [ بيت ] الرجل، فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا. فجاء الرجل يسعى وقال: بأبى وأمى. وله معزة (13 - السيرة 3)

[ 194 ]

ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الجدى من ورائها فذبح الجدى، وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعه فيها وقال: بسم الله اللهم بارك فيها اطعموا. فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقى ثلثاها. فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم. فذهبوا فجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمت (1) عليها وعلى أهل بيتها، ثم مشوا إلى الخندق فقال: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوني فأكون أول من ضربها. فقال: بسم الله. فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم. ثم قال الحافظ البيهقى: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا محمد بن غالب بن حرب، حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن ميمون بن أستاذ الزهري، حدثنى البراء بن عازب الانصاري، قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إنى لابصر قصورها الحمر إن شاء الله، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إنى لابصر قصر المدائن الابيض، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن. والله إنى لابصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة.


(1) سمت: ذكر الله. (*)

[ 195 ]

وهذا حديث غريب أيضا تفرد به ميمون بن أستاذ هذا، وهو بصرى روى عن البراء و عبدالله بن عمرو، وعنه حميد الطويل والجريري وعوف الاعرابي. قال أبو حاتم عن إسحاق بن منصور عن ابن معين: كان ثقة. وقال على بن المدينى: كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه. وقال النسائي: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ضمرة، عن أبى زرعة السيبانى، عن أبى سكينة رجل من البحرين، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " فندر ثلث الحجر، وسلمان الفارسى قائم ينظر فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة، ثم ضرب الثانية وقال: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ". فندر الثلث الآخر وبرقت برقة فرآها سلمان، ثم ضرب الثالثة وقال: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ". فندر الثلث الباقي. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس. فقال سلمان: يا رسول الله رأيتك حين ضربت لا تضرب ضربة إلا كانت معها برقة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سلمان رأيت ذلك ؟ قال: إى والذى بعثك بالحق يا رسول الله. قال: فإنى حين ضربت الضربة الاولى رفعت لى مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة، حتى رأيتها بعينى. فقال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله ادع [ الله ] أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا بلادهم. فدعا بذلك. قال: ثم ضربت الضربة الثانية، فرفعت لى مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها

[ 196 ]

بعينى. قالوا: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا بلادهم. فدعا. ثم قال: ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لى مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعينى. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم ". هكذا رواه النسائي مطولا، وإنما روى منه أبو داود: " دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم " عن عيسى بن محمد الرملي، عن ضمرة بن ربيعة، عن أبى زرعة يحيى بن أبى عمرو السيبانى (1) به. ثم قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أبى هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الامصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك. وهذا من هذا الوجه منقطع أيضا، وقد وصل من غير وجه ولله الحمد. فقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنى عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الارض فوضعت في يدى ". وقد رواه البخاري منفردا به، عن يحيى بن بكير، وسعد بن عفير، كلاهما عن الليث به. وعنده قال أبو هريرة: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلونها. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى


(1) نسبة إلى سيبان، بطن من حمير، توفى أبو زرعة سنة 148، وكان ثقة. اللباب 1 / 585. (*)

[ 197 ]

هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الارض فتلت في يدى ". وهذا إسناد جيد قوى على شرط مسلم ولم يخرجوه. وفى الصحيحين: " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذى نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ". وفى الحديث الصحيح: " إن الله زوى لى الارض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها ". فصل قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي (1) إلى جانب أحد. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع (2) في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا فوق الآطام (3). قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قلت: وهذا معنى قوله تعالى (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. (4) ".


(1) موضع من أعراض المدينة. (2) سلع: جبل بالمدينة. (3) الآطام: الحصون. (4) سورة الاحزاب 10. (*)

[ 198 ]

قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا عبيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار ". قالت: ذلك يوم الخندق. * * * قال موسى بن عقبة: ولما نزل الاحزاب حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم. قال ابن إسحاق: وخرج حيى بن أخطب النضرى حتى أتى كعب بن أسد القرظى صاحب عقدهم وعهدهم. فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيى، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه: ويحك يا كعب افتح لى. قال: ويحك يا حيى، إنك امرؤ مشئوم، وإنى قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لى أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك (1) أن آكل معك منها فأحفظ الرجل ففتح له، فقال: ويحك يا كعب ! جئتك بعز الدهر وبحر طام. قال: وما ذاك ؟ قال: جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدونى على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام (2) قد هراق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شئ، ويحك يا حيى فدعني وما أنا عليه، فإنى لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا.


(1) ابن هشام: إلا عن جشيشتك. والجشيشة: طعام يصنع من البر الذى طحن غليظا. (2) الجهام: السحاب الذى لا ماء فيه. (*)

[ 199 ]

وقد تكلم عمرو بن سعد القرظى، فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة، ذكرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره، وقال: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه. قال ابن إسحاق: فلم يزل حيى بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له، يعنى في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى محاربته مع الاحزاب، على أن أعطاه حيى عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد العهد وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال موسى بن عقبة: وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيى بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا، قالوا: وتكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم. فنازلهم حيى على ذلك. فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التى كان فيها العقد إلا بنى سعنة، أسد وأسيد وثعلبة، فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * قال ابن إسحاق: فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين بعث سعد بن معاذ، وهو يومئذ سيد الاوس، وسعد بن عبادة وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة وخوات بن جبير قال: انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم، فإن كان حقا فالحنوا لى لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس. قال: فخرجوا حتى أتوهم.

[ 200 ]

قال موسى بن عقبة، فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا: الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم، يريدون بنى النضير. ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: إنا والله ما جئنا لهذا، ولما بيننا أكبر من المشاتمة. ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذى بيننا وبينكم يا بنى قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بنى النضير أو أمر منه. فقالوا: أكلت أير أبيك. فقال: غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن. وقال ابن إسحاق: نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد ابن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا: عضل والقارة. أي كغدرهم بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين. قال موسى بن عقبة: ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بنى قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع، وعرفوا أنه لم يأته عن بنى قريظة خير. ثم إنه رفع رأسه وقال: أبشروا بفتح الله ونصره. فلما أن أصبحوا دنا القوم بعضهم من بعض وكان بينهم رمى بالنبل والحجارة. قال سعيد بن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنى أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد. * * *

[ 201 ]

قال ابن إسحاق وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق، حتى قال معتب بن قشير أخو بنى عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظى: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملا من رجال قومه، فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة. قلت: هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى: " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ". قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطا، وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل. فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، ومن لا أتهم، عن الزهري، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المرى، وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه. فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا ؟

[ 202 ]

فقال: بل شئ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لانى رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يارسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الاوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا ؟ مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. * * * قال: فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محاصرين، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود بن أبى قيس، أحد بنى عامر بن لؤى، وعكرمة بن أبى جهل، وهبيرة بن أبى وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب ابن مرداس أحد بنى محارب بن فهر، تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا: تهيأوا يا بنى كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج على بن أبى طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التى أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم. وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد،

[ 203 ]

فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما خرج هو وخيله قال: من يبارز ؟ فبرز له على بن أبى طالب رضى الله عنه، فقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه. قال: أجل. قال له على: فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام. قال: لا حاجة لى بذلك. قال: فإنى أدعوك إلى النزال. قال له: لم يا بن أخى، فوالله ما أحب أن أقتلك ! قال له على: لكنى والله أحب أن أقتلك. فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على على فتنازلا وتجاولا فقتله على رضى الله عنه. وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة. قال ابن إسحاق وقال على بن أبى طالب في ذلك: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب فصدرت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك (1) وروابي وعففت عن أثوابه ولو اننى * كنت المقطر بزنى أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلى. قال ابن هشام: وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال في ذلك حسان بن ثابت: فر وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظلي‍ * م ما إن يحور عن المعدل ولم تلو ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فرعل قال ابن هشام: الفراعل: صغار الضباع.


(1) الدكادك: جمع دكداك، وهو الرمل اللين. (*)

[ 204 ]

وذكر الحافظ البيهقى في دلائل النبوة عن ابن إسحاق في موضع آخر من السيرة قال: خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى: من يبارز ؟ فقام على بن أبى طالب فقال: أنا لها يا نبى الله. فقال: إنه عمرو، اجلس. ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز ؟ فجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التى تزعمون أنه من قتل منكم دخلها ؟ أفلا تبرزون إلى رجلا ؟ فقام على فقال: أنا يا رسول الله ؟ فقال: اجلس. ثم نادى الثالثة فقال: ولقد بححت من الندا * ء لجمعهم: هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع موقف القرن المناجز ولذاك إنى لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز (1) إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز قال: فقام على رضى الله عنه فقال: يا رسول الله أنا. فقال: إنه عمرو، فقال: وإن كان عمرا ! فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه حتى أتى وهو يقول: لا تعجلن فقد أتا * ك مجيب صوتك غير عاجز في نية وبصيرة * والصدق منجى كل فائز إنى لارجو أن أقي‍ * م عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز فقال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا على، قال: ابن عبد مناف ؟ قال: أنا على بن أبى طالب. فقال: يابن أخى من أعمامك من هو أسن منك فإنى أكره أن أهريق دمك ؟ فقال له على: لكنى والله لا أكره أن أهريق دمك ! فغضب فنزل وسل سيفه كأنه


(1) الهزاهز: الدواهي والشدائد. (*)

[ 205 ]

شعلة نار، ثم أقبل نحو على مغضبا واستقبله على بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط، وثار العجاج، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرفنا أن عليا قد قتله، فثم يقول على: أعلى تقتحم الفوارس هكذا * عنى وعنهم أخروا أصحابي اليوم يمنعنى الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابى إلى أن قال: عبد الحجارة من سفاهة رأيه * وعبدت رب محمد بصواب إلى آخرها. قال: ثم أقبل على نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها ؟ فقال: ضربته فاتقاني بسوأته، فاستحييت ابن عمى أن أسلبه. قال: وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق. * * * وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عن البيهقى، أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى وقال الامام أحمد: حدثنا نصر بن باب، حدثنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أنه قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين فأعطوا بجيفته مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية " فلم يقبل منهم شيئا.

[ 206 ]

وقد رواه البيهقى من حديث حماد بن سلمة، عن حجاج، وهو ابن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رجلا من المشركين قتل يوم الاحزاب فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثنى عشر ألفا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا خير في جسده ولا في ثمنه ". وقد رواه الترمذي من حديث سفيان الثوري، عن ابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وقال: غريب. وقد ذكر موسى بن عقبة أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبدالله المخزومى حين قتل وعرضوا عليه الدية فقال: " إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله ولعن ديته. فلا أرب لنا في ديته، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه ". وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وخرج نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومى فسأل المبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام فضربه فشقه باثنتين، حتى فل في سيفه فلا وانصرف وهو يقول: إنى امرؤ أحمى وأحتمى * عن النبي المصطفى الامي وقد ذكر ابن جرير أن نوفلا لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب. فنزل إليه علي فقتله، وطلب المشركون رمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئا ومكنهم من أخذه إليهم. وهذا غريب من وجهين. وقد روى البيهقى من طريق حماد بن يزيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، قال: جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الاطم ومعى عمر بن أبى سلمة، فجعل يطأطئ لى فأصعد على ظهره فأنظر قال: فنظرت إلى أبى وهو يحمل

[ 207 ]

مرة هاهنا ومرة هاهنا، فما يرتفع له شئ إلا أتاه، فلما أمسى جاءنا إلى الاطم، قلت: يا أبت رأيتك اليوم وما تصنع. قال: ورأيتني يا بنى ؟ قلت: نعم. قال: فدى لك أبى وأمى ! * * * قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى، عبدالله بن سهل بن عبدالرحمن بن سهل الانصاري أخو بنى حارثة، أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن. قالت عائشة. وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب. قالت: فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها، وفى يده حربته يرفل بها ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل (1) * لا بأس بالموت إذا حان الاجل ! فقالت له أمه: الحق بنى فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه. فرمى سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الاكحل. قال ابن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، قال: رماه حبان بن قيس بن العرقة أحد بنى عامر بن لؤى، فلما أصابه قال: خذها منى وأنا ابن العرقة. فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة.


(1) الاصل: جمل وهو تحريف. وقد مر هذا الشطر في صفحة 82 من هذا الجزء. وانظر فيها تخريجه. قال في تاج العروس 7 / 290: وقد تمثل به سعد بن معاذ يوم الخندق. (*)

[ 208 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن عبدالله بن كعب بن مالك، أنه كان يقول: ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم، وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا قاله لعكرمة بن أبى جهل: أعكرم هلا لمتنى إذ تقول لى * فداك بآطام المدينة خالد ألست الذى ألزمت سعدا مريشة * لها بين أثناء المرافق عاند (1) قضى نحبه منها سعيد فأعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد وأنت الذى دافعت عنه وقد دعا * عبيدة جمعا منهم إذ يكابد على حين ما هم جائر عن طريقه * وآخر مرعوب عن القصد قاصد قال ابن إسحاق: والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن هشام: ويقال إن الذى رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان. قلت: وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بنى قريظة، أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره، وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك. كما سيأتي بيانه. فحكم بقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة (2). * * * قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبدالمطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت. قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان، فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا


(1) عند العرق: سال فلم يرقأ. (2) الا رقعة: السماوات، جمع رقيع. ورواية الصحيح: سبع سماوات. (*)

[ 209 ]

وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا، إذ أتانا آت فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإنى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال: يغفر الله لك يا بنت عبدالمطلب ! والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلما قال لى ذلك ولم أر عنده شيئا، احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاستلبه فإنه لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل. قال: مالى بسلبه حاجة يابنة عبد المطلب (1) ! * * * قال موسى بن عقبة: وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية، حتى لا يدرى أتم (2) أم لا. قال: ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فقاتلوهم يوما إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة فلم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا، فانكفأت الكتيبة مع الليل، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " شغلونا عن صلاة العصر ملا الله بطونهم وقلوبهم، وفى رواية: وقبورهم، نارا ".


(1) ذكر السهيلي أن بعض العلماء دفع هذا وأنكره وذلك أنه حديث منقطع الاسناد. وقال: لو صح هذا لهجن به حسان، فإنه كان يهاجن الشعراء وكانوا يناقضونه ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن ولا وسمه به. فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق. الروض 2 / 194. (2) كذا بالاصل. (14 - السيرة 3) (*)

[ 210 ]

فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: " والذى نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإنى لارجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع الله إلى مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله ! ". وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن محمد، عن عبيدة (1)، عن على، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق: " ملا الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ". وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين، عن عبيدة، عن على به. ورواه مسلم والترمذي من طريق سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن أبى حسان الاعرج، عن عبيدة، عن على به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ثم قال البخاري: حدثنا المكى بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبى سلمة، عن جابر بن عبدالله، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلى حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والله ما صليتها " فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان (2) فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة به.


(1) عبيدة بفتح العين وكسر الموحدة، ابن عمرو السلمانى الكوفى، كما ضبطه القسطلانى. إرشاد السارى 6 / 326 (2) بطحان: واد بالمدينة. (*)

[ 211 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت، حدثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قاتل النبي صلى الله عليه وسلم عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال: " اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملا بيوتهم نارا، واملا قبورهم نارا ". ونحو ذلك تفرد به أحمد، وهو من رواية هلال بن خباب العبدى الكوفى، وهو ثقة يصحح له الترمذي وغيره. * * * وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الاحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما هو منصوص عليه في هذه الاحاديث، وألزم القاضى الماوردى مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث. وقد حررنا ذلك نقلا واستدلالا عند قوله تعالى: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (1) ". وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال، كما هو مذهب مكحول والاوزاعي. وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله صلى الله عليه وسلم يوم أمرهم بالذهاب إلى بنى قريظة - كما سيأتي -: " لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة " وكان من الناس من صلى العصر في الطريق، ومنهم من لم يصل إلا في بنى قريظة بعد الغروب، ولم يعنف واحدا من الفريقين، واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر، حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن.


(1) سورة البقرة آية 238. (*)

[ 212 ]

وقال آخرون من العلماء وهم الجمهور، منهم الشافعي: هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك، فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك فلهذا أخروها يومئذ. وهو مشكل. قال ابن إسحاق: وجماعة ذهبوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بعسفان، وقد ذكرها ابن إسحاق وهو إمام في المغازى قبل الخندق، وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق. فالله أعلم. وأما الذين قالوا: إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانا، كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس، فهو مشكل، إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير مع شدة حرصهم على محافظة الصلاة، كيف وقد روى أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء، من رواية أبى هريرة وأبى سعيد. قال الامام [ أحمد ]: حدثنا يزيد وحجاج، قالا: حدثنا ابن أبى ذئب، عن المقبرى، عن عبدالرحمن بن أبى سعيد الخدرى، عن أبيه. قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوى من الليل حتى كفينا. وذلك قوله: " وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل. قال حجاج: في صلاة الخوف " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ". وقد رواه النسائي عن الفلاس، عن يحيى القطان، عن ابن أبى ذئب به. قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس. فذكره. وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبى عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم

[ 213 ]

الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله. قال: فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا مؤمل يعنى ابن إسماعيل، حدثنا حماد، يعنى ابن سلمة، عن عبد الكريم، يعنى ابن أبى المخارق، عن مجاهد، عن جابر بن عبدالله، أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء. ثم قال: " ما على وجه الارض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم ". تفرد به البزار، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم عن مجاهد عن أبى عبيدة عن عبدالله. فصل في دعائه عليه السلام على الاحزاب وكيف صرفهم الله بحوله وقوته، استحبابا لرسوله صلى الله عليه وسلم وصيانة لحوزته الشريفة، فزلزل قلوبهم، ثم أرسل عليهم الريح الشديدة فزلزل أبدانهم. قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا الزبير - يعنى ابن عبدالله - حدثنا ربيح بن أبى سعيد الخدرى، عن أبيه، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شئ نقوله ؟ فقد بلغت القلوب الحناجر ! قال: " نعم: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ". قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح. وقد رواه ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه، عن أبى عامر - وهو العقدى (1) - عن


(1) هو أبو عامر عبدالملك بن عمرو العقدى. يروى عن شعبة. اللباب 2 / 144. (*)

[ 214 ]

الزبير بن عبد الله مولى عثمان بن عفان، عن ربيح بن عبدالرحمن بن أبى سعيد، عن أبيه، عن أبى سعيد، فذكره وهذا هو الصواب. وقال الامام أحمد: حدثنا حسين، عن ابن أبى ذئب، عن رجل من بنى سلمة، عن جابر بن عبدالله، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الاحزاب فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدا يدعو عليهم ولم يصل. قال: ثم جاء ودعا عليهم وصلى. وثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبى خالد، عن عبدالله بن أبى أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاحزاب فقال: " اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الاحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم " وفى رواية: اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم. وروى البخاري عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد المقبرى عن أبيه، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا إله إلا الله وحده، أعز جنده ونصر عبده وغلب الاحزاب وحده، فلا شئ بعده ". * * * وقال ابن إسحاق: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم. قال: ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة ابن أشجع بن ريث بن غطفان، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنى قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ". فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بنى قريظة قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بينى وبينكم. قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم.

[ 215 ]

فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. قالوا: لقد أشرت بالرأى. ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودى لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت على حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى. قالوا: نفعل. قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقى منهم حتى تستأصلهم. فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلى وعشيرتي وأحب الناس إلى ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عنى. قالوا: نفعل ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنيع الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفر من قريش وغطفان، فقال لهم: إنا لسنا بدار مقام، هلك الخف والحافر،

[ 216 ]

فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهم يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابهم ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله إن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله الريح في ليلة (1) شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم. * * * وهذا الذى ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة. وقد أورده عنه البيهقى في الدلائل، فإنه ذكر ما حاصله: أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم


(1) ابن هشام: ليال. (*)

[ 217 ]

عشاء، فأشار إليه أن تعال. فجاء فقال: ما وراءك ؟ فقال: إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بنى قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فيناجزوك، فقالت قريظة: نعم فأرسلوا إلينا بالرهن. وقد ذكر فيما تقدم: أنهم إنما نقضوا العهد على يدى حيى بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى مسر إليك شيئا فلا تذكره. قال: إنهم قد أرسلوا إلى يدعونني إلى الصلح وأرد بنى النضير إلى دورهم وأموالهم. فخرج نعيم بن مسعود عامدا إلى غطفان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحرب خدعة وعسى أن يصنع الله لنا ". فأتى نعيم غطفان وقريشا فأعلمهم، فبادر القوم وأرسلوا إلى بنى قريظة عكرمة وجماعة معه، واتفق ذلك ليلة السبت، يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلت اليهود بالسبت، ثم أيضا طلبوا الرهن توثقة فأوقع الله بينهم واختلفوا. قلت: وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون منه الصلح على أن يرد بنى النضير إلى المدينة. والله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جمعهم، دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. قال ابن اسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبدالله أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال: نعم يابن أخى. قال: فكيف كنتم تصنعون ؟ قال: والله لقد كد نجتهد. قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الارض ولحملناه على أعناقنا !

[ 218 ]

قال: فقال حذيفة: يابن أخى والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ؟ فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة. فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لى بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى فقلت: من أنت ؟ قال فلان بن فلان، ثم قال: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى: لا تحدث شيئا حتى تأتيني. لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رأني أدخلني إلى رجليه وطرح على طرف المرط، ثم ركع وسجد وإنى لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم. وهذا منقطع من هذا الوجه. وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في صحيحه، من حديث الاعمش عن إبراهيم

[ 219 ]

ابن يزيد التيمى عن أبيه، قال: كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت. فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معى يوم القيامة ؟ فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله. ثم قال: يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمى أن أقوم، فقال: ائتنى بخبر القوم ولا تذعرهم على. قال: فمضيت كأنما أمشى في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلى ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد قوسى وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم على. ولو رميته لاصبته، فرجعت كأنما أمشى في حمام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابني البرد حين رجعت وقررت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسنى من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها، فلم أبرح نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا نومان ! * * * وقد روى الحاكم والحافظ البيهقى في الدلائل هذا الحديث مبسوطا من حديث عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبدالله الدؤلى، عن عبد العزيز بن أخى حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الاحزاب ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهى ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي

[ 220 ]

بعورة. فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسللون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى أتى على وما على جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، قال: فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا ؟ فقلت: حذيفة. فقال: حذيفة ! فتقاصرت للارض فقلت: بلى يا رسول الله. كراهية أن أقوم. فقمت فقال: إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم. قال: وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا. قال: فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته " قال: فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفى إلا خرج من جوفى فما أجد فيه شيئا ! قال: فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني. قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل. ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسى لارميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني. فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إنى شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس منى بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا، فوالله إنى لاسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضرب بها، ثم إنى خرجت نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت بى الطريق أو نحو من ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله قد كفاه. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلى، فوالله

[ 221 ]

ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف، فأومأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلى، فدنوت منه فأسبل على شملته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى. فأخبرته خبر القوم، أخبرته أنى تركتهم يرحلون. قال: وأنزل الله تعالى: " يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا " يعنى الآيات كلها إلى قوله: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " أي صرف الله عنهم عدوهم بالريح التى أرسلها عليهم والجنود من الملائكة وغيرهم التى بعثها الله إليهم " وكفى الله المؤمنين القتال " أي لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم بل صرفهم القوى العزيز بحوله وقوته. لهذا ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصره عبده، وأعز جنده، وهزم الاحزاب وحده، فلا شئ بعده ". * * * وفى قوله: " وكفى الله المؤمنين القتال " إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبينهم. وهكذا وقع، ولم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين، كما قال محمد بن إسحاق رحمه الله: فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا: " لن تغزوكم قريش بعد عامكم ولكنكم تغزونهم ". قال: فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله عليه مكة. وهذا بلاغ من ابن إسحاق. وقد قال الامام أحمد: حدثنا يحيى عن سفيان، حدثنى أبو إسحاق، سمعت سليمان ابن صرد رضى الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن نغزوهم ولا يغزوننا.

[ 222 ]

وهكذا رواه البخاري من حديث إسرائيل وسفيان الثوري كلاهما عن أبى إسحاق السبيعى، عن سليمان بن صرد به. قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بنى عبد الاشهل، وهم سعد بن معاذ - وستأتى وفاته مبسوطة - وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشميان السلميان، وكعب بن زيد النجارى، أصابه سهم غرب فقتله. قال: وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبدالله بن المغيرة اقتحم الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك وطلبوا جسده بثمن كبير. كما تقدم. وعمرو بن عبد ود العامري، قتله على بن أبى طالب. قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال: قتل على يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو. قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد ود. ويقال عمرو بن عبد.

[ 223 ]

فصل في غزوة بنى قريظة وما أحل الله تعالى بهم من البأس الشديد مع ما أعد الله لهم في الآخرة من العذاب الاليم. وذلك لكفرهم ونقضهم العهود التى كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وممالاتهم الاحزاب عليه، فما أجدى ذلك عنهم شيئا، وباءوا بغضب من الله ورسوله والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة. وقد قال الله تعالى: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها، وكان الله على كل شئ قديرا (1) ". قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا عبدالله، حدثنا موسى بن عقبة، عن سالم ونافع، عن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من الغزو والحج والعمرة يبدأ فيكبر ثم يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ". * * * قال محمد بن إسحاق رحمه الله: ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح.


(1) سورة الاحزاب 25 - 27 (*)

[ 224 ]

فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنى الزهري، معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال: نعم. فقال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. وقال البخاري: حدثنى عبدالله بن أبى شيبة، حدثنا ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح ! والله ما وضعناه ! فاخرج إليهم، قال: فإلى أين ؟ قال: ها هنا. وأشار إلى بنى قريظة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد: وحدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الاحزاب دخل المغتسل ليغتسل، وجاء جبريل فرأيته من خلل البيت قد عصب رأسه الغبار، فقال: يا محمد أوضعتم أسلحتكم ؟ فقال: وضعنا أسلحتنا، فقال: إنا لم نضع أسلحتنا بعد، انهد إلى بنى قريظة. ثم قال البخاري: حدثنا موسى، حدثنا جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك قال: كأنى أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بنى غنم موكب جبريل، حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى قريظة. ثم قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية بن أسماء، عن

[ 225 ]

نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاحزاب: " لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلى العصر حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلى لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم. وهكذا رواه مسلم عن عبدالله بن محمد بن أسماء به. وقال الحافظ البيهقى: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضى قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن خالد بن على، حدثنا بشر بن حرب، عن أبيه، حدثنا الزهري، أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك، أن عمه عبيدالله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الاحزاب وضع عنه اللامة واغتسل واستحم، فتبدى له جبريل عليه السلام فقال: عذيرك من محارب ! ألا أراك قد وضعت اللامة وما وضعناها بعد ! قال: فوثب النبي صلى الله عليه وسلم فزعا فعزم على الناس ألا يصلوا صلاة العصر إلا في بنى قريظة. قال: فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بنى قريظة حتى غربت الشمس، فاختصم الناس عند غروب الشمس، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم علينا ألا نصلى حتى نأتى بنى قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس علينا إثم. وصلى طائفة من الناس احتسابا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس فصلوها حين جاءوا بنى قريظة احتسابا. فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين. ثم روى البيهقى من طريق عبدالله العمرى، عن أخيه عبيدالله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها فسلم علينا رجل ونحن في (15 - السيرة 3)

[ 226 ]

لبيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا وقمت في أثره فإذا بدحية الكلبى، قال: هذا جبريل أمرنى أن أذهب إلى بنى قريظة وقال: قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الاسد. وذلك حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا وقال لاصحابه: عزمت عليكم ألا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بنى قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، قالت طائفة من المسلمين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلوا. وقالت طائفة: والله إنا لفى عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علينا من إثم. فصلت ؟ طائفة إيمانا واحتسابا وتركت طائفة إيمانا واحتسابا، ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بمجالس بينه وبين بنى قريظة فقال: هل مر بكم أحد ؟ فقالوا: مر علينا دحية الكلبى على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج. فقال: ذلك جبريل أرسل إلى بنى قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب. فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف (1) حتى يسمع كلامهم، فناداهم: يا إخوة القردة والخنازير. فقالوا: يا أبا القاسم لم تكن فحاشا. فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى دراريهم ونساؤهم. ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها. * * * وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو ؟ بل الاجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف.


(1) الحجف: جمع حجفة. وهى الترس من جلد بلا خشب ولا عقب. (*)

[ 227 ]

فقالت طائفة من العلماء: الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بنى قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص، فيقدم على عموم الامر بها في وقتها المقدر لها شرعا. قال أبو محمد بن حزم الظاهرى في كتاب السيرة: وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بنى قريظة ولو بعد أيام ! وهذا القول منه ماش على قاعدته الاصلية في الاخذ بالظاهر. وقالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم هم المصيبون، لانهم فهموا أن المراد إنما هو تعجيل السير إلى بنى قريظة لا تأخير الصلاة، فعملوا بمقتضى الادلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها، مع فهمهم عن الشارع ما أراد، ولهذا لم يعنفهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التى حولت إليه يومئذ كما يدعيه أولئك، وأما أولئك الذين أخروا فعذروا بحسب ما فهموا، وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه. وأما على قول من يجوز تأخير الصلاة لعذر القتال، كما فهمه البخاري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا، فلا إشكال على من أخر ولا على من قدم أيضا. والله أعلم. * * * ثم قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب ومعه رايته وابتدرها الناس. وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغتسله كما يزعمون قد رجل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لامته حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل:

[ 228 ]

غفر الله لك أو قد وضعت السلاح ؟ ! قال: نعم فقال جبريل: لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدو وما زلت في طلبهم حتى هزمهم الله - ويقولون: إن على وجه جبريل لاثر الغبار - فقال له جبريل: إن الله قد أمرك بقتال بنى قريظة فأنا عامد إليهم بمن معى من الملائكة نزلزل بهم الحصون، فاخرج بالناس. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر جبريل فمر على مجلس بنى غنم وهم ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم فقال: مر عليكم فارس آنفا ؟ قالوا: مر علينا دحية الكلبى على فرس أبيض تحته نمط أو قطيفة ديباج عليه اللامة. فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذاك جبريل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبه دحية الكلبى بجبريل، فقال: الحقوني ببنى قريظة فصلوا فيهم العصر. فقاموا وما شاء الله من المسلمين فانطلقوا إلى بنى قريظة، فحانت صلاة العصر وهم بالطريق، فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمركم أن تصلوا العصر في بنى قريظة. وقال آخرون: هي الصلاة. فصلى منهم قوم وأخرت طائفة الصلاة حتى صلوها في بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عجل منهم الصلاة ومن أخرها، فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف واحدا من الفريقين. قال: فلما رأى على بن أبى طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا تلقاه وقال: ارجع يا رسول الله فإن الله كافيك اليهود. وكان على قد سمع منهم قولا سيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضى الله عنهن، فكره أن يسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تأمرني بالرجوع ؟ فكتمه ما سمع منهم فقال: أظنك سمعت في منهم أذى، فامض فإن أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصنهم، وكانوا في أعلاه، نادى بأعلى

[ 229 ]

صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: أجيبوا يا معشر يهود يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزى الله عزوجل. فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، ورد الله حيى بن أخطب حتى دخل حصن بنى قريظة، وقذف الله في قلوبهم الرعب، واشتد عليهم الحصار، فصرخوا بأبى لبابة بن عبد المنذر - وكانوا حلفاء الانصار - فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أذنت لك. فأتاهم أبو لبابة فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة ماذا ترى وماذا تأمرنا ؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال. فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه وأمر عليه أصابعه، يريهم أنما يراد بهم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي. فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد. وزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غاب عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه ؟ فذكر له ما فعل، فقال: لقد أصابته بعدى فتنة ولو جاءني لاستغفرت له، وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضى الله فيه ما يشاء. وهكذا رواه ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة. وكذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري، ومثل رواية أبى الاسود عن عروة. * * *

[ 230 ]

قال ابن إسحاق: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بئر من آبار بنى قريظة من ناحية أموالهم يقال لها بئر أنى، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب. وقد كان حيى بن أخطب دخل معهم حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا. ثلاثا فخذوا بما شئتم منها. قالوا: وما هن ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبى مرسل وأنه للذى تجدونه في كتابكم، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف (1)، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والابناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير العيش بعدهم ؟ ! قال: فإن أبيتم على هذه، فالليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عنك من المسخ. فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما.


(1) ابن هشام: مصلتين السيوف. (*)

[ 231 ]

ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الاوس، نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم وقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على مما صنعت. وأعاهد الله ألا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. قال ابن هشام: وأنزل الله، فيما قال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن عبدالله بن أبى قتادة: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (1) ". قال ابن هشام: أقام مرتبطا ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله حتى يتوضأ ويصلى، ثم يرتبط، حتى نزلت توبته في قوله تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (1) ". وقول موسى بن عقبة أنه مكث عشرين ليلة مرتبطا به. والله أعلم. وذكر ابن إسحاق أن الله أنزل توبته على رسوله من آخر الليل وهو في بيت أم


(1) سورة الانفال. (*)

[ 232 ]

سلمة، فجعل يبتسم فسألته أم سلمة فأخبرها بتوبة الله على أبى لبابة، فاستأذنته أن تبشره فأذن لها، فخرجت فبشرته، فثار الناس إليه يبشرونه، وأرادوا أن يحلوه من رباطه فقال: والله لا يحلنى منه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر حله من رباطه رضى الله عنه وأرضاه. * * * قال ابن إسحاق: ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد، وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم، أسلموا في تلك الليلة التى نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا ؟ قال: أنا عمرو بن سعدى. وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا أغدر بمحمد أبدا. فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام. ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب لم يدر أين توجه من الارض إلى يومه هذا فذكر شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه. قال: وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة، فأصبحت رمته ملقاة ولم يدر أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة. والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق: فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتواثبت الاوس فقالوا: يا رسول الله إنهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالى إخواننا بالامس ما قد علمت، يعنون عفوه عن بنى قينقاع حين سأله فيهم عبدالله ابن أبى. كما تقدم.

[ 233 ]

قال ابن إسحاق: فلما كلمته الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الاوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده وكانت تداوى الجرحى، فلما حكمه في بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم ! فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الاشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد عن كلمته التى سمع منه. فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم. فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد الانصار، وأما الانصار فيقولون: قد عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين. فقاموا إليه. فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا. في الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى الذرارى والنساء. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن عمر بن سعد ابن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.

[ 234 ]

وقال ابن هشام: حدثنى من أثق به من أهل العلم أن على بن أبى طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة: يا كتيبة الايمان. وتقدم هو والزبير بن العوام وقال: والله لاذوقن ما ذاق حمزة أو أقتحم حصنهم. فقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ. * * * وقد قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت أبا أمامة بن سهل، سمعت أبا سعيد الخدرى، قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ. قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتاه على حمار، فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا لسيدكم أو خيركم ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: نقتل مقاتلتهم ونسبي ذريتهم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضيت بحكم الله. وربما قال: قضيت بحكم الملك. وفى رواية الملك. أخرجاه في الصحيحين من طرق عن شعبة. وقال الامام أحمد: حدثنا حجين ويونس، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله أنه قال: رمى يوم الاحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار فانتفخت يده فنزفه، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عينى من بنى قريظة. فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم يستعين بهم المسلمون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبت حكم الله فيهم. وكانوا أربعمائة. فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن الليث به. وقال الترمذي: حسن صحيح.

[ 235 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير، عن هشام، أخبرني أبى، عن عائشة قالت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وعلى رأسه الغبار فقال: قد وضعت السلاح فوالله ما وضعتها اخرج إليهم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين ؟ قال: هاهنا. وأشار إلى بنى قريظة. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. قال هشام: فأخبرني أبى أنهم نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فرد الحكم فيهم إلى سعد قال: فإنى أحكم أن تقتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية وتقسم أموالهم. قال هشام: قال أبى: فأخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد حكمت فيهم بحكم الله. وقال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا عبدالله بن نمير، حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان ابن العرقة، رماه في الاكحل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح ؟ والله ما وضعته اخرج إليهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين ؟ فأشار إلى بنى قريظة. فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد. قال: فإنى أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم. قال هشام: فأخبرني أبى عن عائشة أن سعدا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلى أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإنى أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقى من حرب قريش شئ فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتى فيها. فانفجرت من لبته فلم يرعهم وفى

[ 236 ]

المسجد خيمة من بنى غفار إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذى يأتينا من قبلكم ؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها. وهذا رواه مسلم من حديث عبدالله بن نمير به. قلت: كان دعا أولا بهذا الدعاء قبل أن يحكم في بنى قريظة، ولهذا قال فيه: ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة. فاستجاب الله له، فلما حكم فيهم وأقر الله عينه أي قرار دعا ثانيا بهذا الدعاء فجعلها الله له شهادة رضى الله عنه وأرضاه. وسيأتى ذكر وفاته قريبا إن شاء الله. * * * وقد رواه الامام أحمد من وجه آخر عن عائشة مطولا جدا وفيه فوائد فقال: حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص، قال: أخبرتني عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس فسمعت وئيد الارض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه قالت: فجلست إلى الارض فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول: لبث قليلا يدرك الهيجا حمل * ما أحسن الموت إذا حان الاجل قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا نفر من المسلمين، فإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة له، تعنى المغفر، فقال عمر: ما جاء بك والله إنك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز. فما زال يلومني حتى تمنيت أن الارض فتحت ساعتئذ فدخلت فيها فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا هو طلحة بن عبيد الله فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله عزوجل. قالت: ويرمى سعدا رجل من قريش يقال له ابن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة.

[ 237 ]

فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله سعد فقال: اللهم لا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قالت فرقأ كلمه وبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا. فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد. ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد في المسجد. قالت: فجاء جبريل وإن على ثناياه لنقع الغبار فقال: أقد وضعت السلاح ! لا والله ما وضعت الملائكة السلاح بعد، اخرج إلى بنى قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمر على بنى غنم، وهم جيران المسجد حوله فقال: من مر بكم ؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبى، وكان دحية الكلبى تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل عليه السلام. فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستشاروا أبا لبابة ابن عبد المنذر فأشار إليهم أنه الذبح قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأتى به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية، ومن قد علمت. قالت: ولا يرجع إليهم شيئا ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لى ألا أبالى في الله لومة لائم ! قالت: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه. قال عمر: سيدنا الله. قال: أنزلوه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احكم فيهم فقال سعد: فإنى أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم

[ 238 ]

أموالهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله. ثم دعا سعد فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. قالت: فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى منه إلا مثل الخرص (1)، ورجع إلى قبته التى ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إنى لاعرف بكاء عمر من بكاء أبى بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله: " رحماء بينهم (2) ". قال علقمة: فقلت: يا أمه فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد. ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته. وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة، وفيه التصريح بدعاء سعد مرتين، مرة قبل حكمه في بنى قريظة ومرة بعد ذلك، كما قلناه أولا ولله الحمد والمنة. وسنذكر كيفية وفاته ودفنه وفضله في ذلك رضى الله عنه وأرضاه بعد فراغنا من القصة. * * * قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث امرأة من بنى النجار. قلت: هي نسيبة ابنة الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس، وكانت تحت مسيلمة الكذاب، ثم خلف عليها عبدالله بن عامر ابن كريز.


(1) الخرص: الحلقة الصغيرة من الحلى. (2) سورة الفتح الآية 29. (*)

[ 239 ]

ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، فخرج بهم إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيى بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول: كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة. قلت: وقد تقدم فيما رواه الليث عن أبى الزبير عن جابر أنهم كانوا أربعمائة فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا ؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون ! ألا ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب به منكم لا يرجع، هو والله القتل ! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم، وأتى بحيى بن أخطب وعليه حلة له فقاحية (1) قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله مالمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل ! ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل ! ثم جلس فضربت عنقه. فقال جبل بن جوال الثعلبي: لعمرك مالام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل (2)


(1) الفقاح: الزهر إذا انشقت أكمته. والمراد أنها كانت تضرب إلى الحمرة. قال ابن هشام: فقاحبة: ضرب من الوشى. (2) قلقل: سعى وتحرك. (*)

[ 240 ]

وذكر ابن إسحاق قصة الزبير بن باطا، وكان شيخا كبيرا قد عمى، وكان قد من يوم بعاث على ثابت بن قيس بن شماس وجز ناصيته، فلما كان هذا اليوم أراد أن يكافئه فجاءه فقال: هل تعرفني يا أبا عبدالرحمن ؟ قال: وهل يجهل مثلى مثلك. فقال له ثابت: أريد أن أكافئك. فقال: إن الكريم يجزى الكريم. فذهب ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستطلقه فأطلقه له، ثم جاءه فأخبره فقال: شيخ كبير لا أهل [ له (1) ] ولا ولد، فما يصنع بالحياة ! فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستطلق له امرأته وولده، فأطلقهم له. ثم جاءه فقال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك ؟ فأتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستطلق مال الزبير بن باطا، فأطلقه له. ثم جاءه فأخبره فقال له: يا ثابت ما فعل الذى كان وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى حى (2)، كعب بن أسد ؟ قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب ؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا: عزال بن شموال (3) ؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان ؟ يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة. قال: ذهبوا قتلوا. قال: فإنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فيلة (4) دلو ناضح حتى ألقى الاحبة.


(1) من ابن هشام. (2) ابن هشام: عذارى الحى. (3) ابن هشام: سموال بالسين. (4) المذكور في ابن هشام والروض الانف للسهيلي: فتلة بالتاء. ولعله تحريف فيهما، ما دام ابن كثير قد ضبطه بالحروف. (*)

[ 241 ]

فقدمه ثابت فضربت عنقه. فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله: " ألقى الاحبة " قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا ! قال ابن إسحاق: " فيلة " بالفاء والياء المثناة من أسفل وقال ابن هشام، بالقاف والباء الموحدة. وقال ابن هشام: الناضح: البعير الذى يستقى عليه الماء لسقى النخل. وقال أبو عبيدة: معناه إفراغة دلو. * * * قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. فحدثني شعبة بن الحجاج، عن عبدالملك بن عمير، عن عطية القرظى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يقتل من بنى قريظة كل من أنبت منهم، وكنت غلاما، فوجدوني لم أنبت فخلوا سبيلى. ورواه أهل السنن الاربعة من حديث عبدالملك بن عمير، عن عطية القرظى نحوه. وقد استدل به من ذهب من العلماء إلى أن إنبات الشعر الخشن حول الفرج دليل على البلوغ، بل هو بلوغ في أصح قولى الشافعي. ومن العلماء من يفرق بين صبيان أهل الذمة، فيكون بلوغا في حقهم دون غيرهم، لان المسلم قد يتأذى بذلك لمقصد. وقد روى إسحاق عن أيوب بن عبد الرحمن، أن سلمى بنت قيس أم المنذر استطلقت من رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن شموال، وكان قد بلغ فلاذ بها، وكان يعرفهم قبل ذلك فأطلقه لها، وكانت قالت: يا رسول الله إن رفاعة يزعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل. فأجابها إلى ذلك فأطلقه. (16 - السيرة 3)

[ 242 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت: والله إنها لعندى تحدث معى تضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة ؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت لها: ويلك مالك ؟ قالت: أقتل ! قلت: ولم ؟ قالت: لحدث أحدثته. قالت: فانطلق بها فضربت عنقها. وكانت عائشة تقول: فوالله ما أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل ! وهكذا رواه الامام أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق به. قال ابن إسحاق: هي التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته. يعنى فقتلها رسول الله صلى الله عليه وسلم به. قال ابن إسحاق في موضع آخر: وسماها نباتة امرأة الحكم القرظى. * * * قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعد ما أخرج الخمس، وقسم للفارس ثلاثة أسهم، سهمين للفرس وسهما لراكبه وسهما للراجل، وكانت الخيل يومئذ ستا وثلاثين. قال: وكان أول فئ وقعت فيه السهمان وخمس. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيد بن زيد بسبايا من بنى قريظة إلى نجد فابتاع بها خيلا وسلاحا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة، وكان عليها حتى توفى عنهما وهى في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها الاسلام فامتنعت ثم أسلمت بعد ذلك فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامها

[ 243 ]

وقد عرض عليها أن يعتقها ويتزوجها فاختارت أن تستمر على الرق ليكون أسهل عليها فلم تزل عنده حتى توفى عليه الصلاة والسلام. ثم تكلم ابن إسحاق على ما نزل من الآيات في قصة الخندق من أول سورة الاحزاب، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسيرها ولله الحمد والمنة. وقد قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم بنى قريظة خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الخزرجي طرحت عليه رحا فشدخته شدخا شديدا، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن له لاجر شهيدين ". قلت: كان الذى ألقى عليه الرحى تلك المرأة التى لم يقتل من بنى قريظة امرأة غيرها كما تقدم. والله أعلم. قال ابن إسحاق: ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان من بنى أسد بن خزيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بنى قريظة فدفن في مقبرتهم اليوم. وفاة سعد بن معاذ رضى الله عنه قد تقدم أن حبان بن العرقة لعنه الله رماه بسهم فأصاب أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيا بالنار فاستمسك الجرح، وكان سعد قد دعا الله ألا يميته حتى يقر عينه من بنى قريظة، وذلك حين نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهود والمواثيق والذمام ومالوا عليه مع الاحزاب، فلما ذهب الاحزاب وانقشعوا عن المدينة وباءت بنو قريظة بسواد الوجه والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، وسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحاصرهم كما تقدم، فلما ضيق عليهم وأخذهم من كل جانب أنابوا أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحكم فيهم بما أراده الله، فرد الحكم فيهم إلى رئيس الاوس وكانوا حلفاءهم في الجاهلية،

[ 244 ]

وهو سعد بن معاذ، فرضوا بذلك. ويقال: بل نزلوا ابتداء على حكم سعد لما يرجون من حنوه عليهم وإحسانه وميله إليهم، ولم يعلموا بأنهم أبغض إليه من أعدادهم من القردة والخنازير لشدة إيمانه وصديقيته رضى الله عنه وأرضاه. فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في خيمة في المسجد النبوي، فجئ به على حمار تحته إكاف قد وطئ تحته لمرضه، ولما قارب خيمة الرسول صلى الله عليه وسلم أمر عليه السلام من هناك بالقيام له. قيل: لينزل من شدة مرضه، وقيل توقيرا له بحضرة المحكوم عليهم ليكون أبلغ في نفوذ حكمه. والله أعلم. فلما حكم فيهم بالقتل والسبي وأقر الله عينه وشفى صدره منهم وعاد إلى خيمته من المسجد النبوي صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الله عزوجل أن تكون له شهادة، واختار الله له ما عنده فانفجر جرحه من الليل، فلما يزل يخرج منه الدم حتى مات رضى الله عنه. قال ابن إسحاق: فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات منه شهيدا. حدثني معاذ بن رفاعة الزرقي قال: حدثني من شئت من رجال قومي: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق، فقال: يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش ؟ قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سربعا يجر ثوبه إلى سعد فوجده قد مات رضى الله عنه. هكذا ذكره ابن إسحاق رحمه الله.

[ 245 ]

وقد قال الحافظ البيهقي في الدلائل: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبدالله بن عبد الحكم، حدثنا أبي وشعيب بن الليث، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر بن عبدالله قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش ؟ قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سعد بن معاذ، قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره وهو يدفن، فبينما هو جالس إذ قال: " سبحان الله " مرتين، فسبح القوم، ثم قال: " الله أكبر الله أكبر " فكبر القوم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عجبت لهذا العبد الصالح شدد عليه في قبره حتى كان هذا حين فرج له ". وروى الامام أحمد والنسائي من طريق يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد، ويحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد يوم مات وهو يدفن: " سبحان الله لهذا الصالح الذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء، شدد عليه ثم فرج الله عنه ". وقال محمد بن إسحاق: حدثني معاذ بن رفاعة، عن محمود بن عبدالرحمن بن عمرو ابن الجموح، عن جابر بن عبدالله قال: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبح الناس معه، ثم كبر فكبر الناس معه فقالوا: يا رسول الله مم سبحت ؟ قال: " لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه ". وهكذا رواه الامام أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق به.

[ 246 ]

قال ابن هشام: ومجاز هذا الحديث قول عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن للقبر ضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ ". قلت: وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيا منها لنجا سعد بن معاذ ". وهذا الحديث سنده على شرط الصحيحين، إلا أن الامام أحمد رواه عن غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن إنسان، عن عائشة به. ورواه الحافظ البزار عن نافع، عن ابن عمر، قال: حدثنا عبدالاعلى بن حماد، حدثنا داود، عن عبدالرحمن، حدثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ سبعون ألف ملك إلى الارض لم يهبطوا قبل ذلك، ولقد ضمه القبر ضمة. ثم بكى نافع ! وهذا إسناد جيد، لكن قال البزار: رواه غيره عن عبيدالله عن نافع مرسلا. ثم رواه البزار، عن سليمان بن سيف، عن أبي عتاب، عن سكين بن عبدالله بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك ما وطئوا الارض قبلها " وقال حين دفن: " سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد ". وقال البزار: حدثنا إسماعيل بن حفص، عن محمد بن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: اهتز العرش لحب لقاء الله سعد بن معاذ. فقيل: إنما يعني السرير " ورفع أبويه على العرش " قال: تفتحت أعواده. قال: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبره فاحتبس فلما خرج قيل له: يا رسول الله ما حبسك ؟ قال: ضم سعد في القبر ضمة فدعوت الله فكشف عنه.

[ 247 ]

قال البزار: تفرد به عطاء بن السائب. قلت: وهو متكلم فيه. وقد ذكر البيهقي رحمه الله بعد روايته ضمة سعد رضى الله عنه في القبر أثرا غريبا فقال: حدثنا. أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، حدثني أمية بن عبدالله،. أنه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ؟ فقالوا: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول. وقال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الفضل بن مساور، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. وعن الاعمش، حدثنا أبو صالح، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. فقال رجل لجابر ؟ فإن البراء بن عازب يقول: اهتز السرير ؟ [ فقال ] إنه كان بين هذين الحيين ضغائن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. ورواه مسلم، عن عمرو الناقد، عن عبدالله بن إدريس وابن ماجه، عن علي بن محمد، عن أبي معاوية، كلاهما عن الاعمش به. وليس عندهما زيادة قول الاعمش عن أبي صالح عن جابر. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر ابن عبدالله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: اهتز لها عرش الرحمن. ورواه مسلم عن عبد بن حميد، والترمذي عن محمود بن غيلان كلاهما عن عبد الرزاق به. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا أبو نضرة، سمعت

[ 248 ]

أبا سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى به. وقال أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، قال قتادة: حدثنا أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وجنازته موضوعة: اهتز لها عرش الرحمن. ورواه مسلم عن محمد بن عبدالله الازدي، عن عبد الوهاب به. وقد روى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن البصري، قال: اهتز عرش الرحمن فرحا بروحه. وقال الحافظ البزار: حدثنا زهير بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: لما حملت جنازة سعد قال المنافقون: ما أخف جنازته ! وذلك لحكمه في بني قريظة. فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا ولكن الملائكة تحملته. إسناد جيد. وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت البراء بن عازب يقول: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال: " أتعجبون من لين هذه ؟ لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين ". ثم قال: رواه قتادة والزهري، سمعنا أنسا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، هو ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها فعجب الناس منها فقال: " والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه ".

[ 249 ]

وهذا إسناد على شرط الشيخين ولم يخرجوه، وإنما ذكره البخاري تعليقا. وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، حدثني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قال محمد: وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم، قال: دخلت على أنس بن مالك فقال لي: من أنت ؟ قلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ. فقال: إنك بسعد لشبيه. ثم بكى وأكثر البكاء وقال: رحمة الله على سعد ! كان من أعظم الناس وأطولهم. ثم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى أكيدر دومة، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة من ديباج منسوج فيها الذهب، فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر وجلس فلم يتكلم ثم نزل، فجعل الناس يلمسون الجبة وينظرون إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتعجبون منها ؟ لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن مما ترون ". وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عمرو به. وقال الترمذي: حسن صحيح. * * * قال ابن إسحاق بعد ذكر اهتزاز العرش لموت سعد ابن معاذ: وفي ذلك يقول رجل من الانصار: وما اهتز عرش الله من موت هالك * سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو قال: وقالت أمه، يعني كبيشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة الخدرية الخزرجية حين احتمل سعد على نعشه تندبه: ويل أم سعد سعدا * صرامة وحدا وسؤددا ومجدا * وفارسا معدا سد به مسدا * يقدها ماقدا

[ 250 ]

قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ ! " قلت: كانت وفاته بعد انصراف الاحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة، إذ كان قدوم الاحزاب في شوال سنة خمس كما تقدم فأقاموا قريبا من شهر ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحصار بني قريظة، فأقام عليهم خمسا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد فمات بعد حكمه عليهم بقليل، فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة من سنة خمس والله أعلم. وهكذا قال محمد بن إسحاق: إن فتح بني قريظة كان في ذي القعدة وصدر ذي الحجة. قال: وولى تلك الحجة المشركون. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يرثي سعد بن معاذ رضى الله عنه: لقد سجمت من دمع عيني عبرة * وحق لعيني أن تفيض على سعد (1) قتيل ثوى في معرك فجعت به * عيون ذواري الدمع دائمة الوجد (2) على ملة الرحمن وارث جنة * مع الشهداء وفدها أكرم الوفد فإن تك قد وعدتنا وتركتنا * وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد فأنت الذي يا سعد أبت بمشهد * كريم وأثواب المكارم والمجد بحكمك في حيى قريظة بالذي * قضى الله فيهم ما قضيت على عمد فوافق حكم الله حكمك فيهم * ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد فإن كان ريب الدهر أمضاك في الالى * شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد فنعم مصير الصادقين إذا دعوا * إلى الله يوما للوجاهة والقصد


(1) سجمت: فاضت. (2) ذواري الدمع: غزيرته. (*)

[ 251 ]

فصل فيما قيل من الاشعار في الخندق وبني قريظة قال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة، حدثنا عدي بن ثابت، أنه سمع البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: اهجهم أو هاجهم وجبريل معك. قال البخاري: وزاد إبراهيم بن طهمان، عن الشيباني، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت: اهج المشركين فإن جبريل معك. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة بدون الزيادة التي ذكرها البخاري يوم بني قريظة. قال ابن إسحاق رحمه الله: وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بني محارب ابن فهر في يوم الخندق. قلت: وذلك قبل إسلامه: ومشفقة تظن بنا الظنونا * وقد قدنا عرندسة طحونا (1) كأن زهاءها أحد إذا ما * بدت أركانه للناظرينا ترى الابدان فيها مسبغات * على الابطال واليلب الحصينا (2) وجردا كالقداح مسومات * نؤم بها الغواة الخاطئينا (3) كأنهم إذا صالوا وصلنا * بباب الخندقين مصافحونا أناس لا نرى فيهم رشيدا * وقد قالوا ألسنا راشدينا فأحجرناهم شهرا كريتا * وكنا فوقهم كالقاهرينا (4)


(1) العرندس: القوي. والطحون: المهلكة. يريد الكتيبة. (2) الابدان: جمع بدن وهي الدرع القصيرة. واليلب. محركة: الترسة أو الدروع من الجلد. (3) الجرد: جمع أجرد وهو من الخيل: السباق. والمسومات: المعلمات أو المرسلات. (4) أحجرناهم: حصرناهم. والكريت: التام. (*)

[ 252 ]

نراوحهم ونغدو كل يوم * عليهم في السلاح مدججينا بأيدينا صوارم مرهفات * نقد بها المفارق والشئونا (1) كأن وميضهن معريات * إذا لاحت بأيدي مصلتينا وميض عقيقة لمعت بليل * ترى فيها العقائق مستبينا (2) فلولا خندق كانوا لديه * لدمرنا عليهم أجمعينا ولكن حال دونهم وكانوا * به من خوفنا متعوذينا فإن نرحل فإنا قد تركنا * لدى أبياتكم سعدا رهينا إذا جن الظلام سمعت نوحا * على سعد يرجعن الحنينا وسوف نزوركم عما قريب * كما زرناكم متوازرينا بجمع من كنانة غير عزل * كأسد الغاب إذ حمت العرينا قال: فأجابه كعب بن مالك أخو بني سلمة رضى الله عنه فقال: وسائلة تسائل ما لقينا * ولو شهدت رأتنا صابرينا صبرنا لا نرى لله عدلا * على ما نابنا متوكلينا وكان لنا النبي وزير صدق * به نعلو البرية أجمعينا نقاتل معشرا ظلموا وعقوا * وكانوا بالعداوة مرصدينا نعالجهم إذا نهضوا إلينا * بضرب يعجل المتسرعينا ترانا في فضافض سابغات * كغدران الملا متسربلينا (3) وفي أيماننا بيض خفاف * بها نشفي مراح الشاغبينا


(1) الشئون: جمع شأن: مجمع العظام في الرأس. (2) العقيقة: من البرق ما يبقى في السحاب من شعاعه. (3) الفضافض: جمع فضفاضة وهي الدرع الواسعة. والغدران: جمع غدير. والملا: الصحراء. (*)

[ 253 ]

بباب الخندقين كأن أسدا * شوابكهن يحمين العرينا فوارسنا إذا بكروا وراحوا * على الاعداء شوسا معلمينا (1) لننصر أحمدا والله حتى * نكون عباد صدق مخلصينا ويعلم أهل مكة حين ساروا * وأحزاب أتوا متحزبينا بأن الله ليس له شريك * وأن الله مولى المؤمنينا فإما تقتلوا سعدا سفاها * فإن الله خير القادرينا سيدخله جنانا طيبات * تكون مقامة للصالحينا كما قد ردكم فلا شريدا * بغيظكم خزايا خائبينا خزايا لم تنالوا ثم خيرا * وكدتم أن تكونوا دامرينا بريح عاصف هبت عليكم * فكنتم تحتها متكمهينا (2) * * * قال ابن إسحاق: وقال عبدالله بن الزبعري السهمي في يوم الخندق. قلت: وذلك قبل أن يسلم: حي الديار محا معارف رسمها * طول البلى وتراوح الاحقاب فكأنما كتب اليهود رسومها * إلا الكنيف ومعقد الاطناب (3) قفرا كأنك لم تكن تلهو بها * في نعمة بأوانس أتراب فاترك تذكر ما مضى من عيشة * ومحلة خلق المقام يباب واذكر بلاء معاشر واشكرهم * ساروا بأجمعهم من الانصاب (4)


(1) متكمهينا: عميا لا تبصرون. (2) الشوس: جمع أشوس وهو الذي ينظر بمؤخر عينه كبرا. والمعلم: الذي جعل لنفسه علامة في الحرب. يعرف بها. (3) الكنيف: الحظيرة. والاطناب: جمع طنب وهو الحبل الذي تشد به الخيمة ونحوها. (4) الانصاب هنا: الحجارة التي يعلم بها الحرم. (*)

[ 254 ]

أنصاب مكة عامدين ليثرب * في ذي غياطل جحفل جبجاب (1) يدع الحزون مناهجا معلومة * في كل نشز ظاهر وشعاب (2) فيها الجياد شوازب مجنوبة * قب البطون لواحق الاقراب (3) من كل سلهبة وأجرد سلهب * كالسيد بادر غفلة الرقاب (4) جيش عيينة قاصد بلوائه * فيه وصخر قائد الاحزاب قرمان كالبدرين أصبح فيهما * غيث الفقير ومعقل الهراب حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا * للموت كل مجرب قضاب شهرا وعشرا قاهرين محمدا * وصحابه في الحرب خير صحاب نادوا برحلتهم صبيحة قلتم * كدنا نكون بها مع الخياب لولا الخنادق غادروا من جمعهم * قتلى لطير سغب وذئاب قال: فأجابه حسان ن بن ثابت رضى الله عنه فقال: هل رسم دارسة المقام يباب * متكلم لمحاور بجواب قفر عفا رهم السحاب رسومه * وهبوب كل مطلة مرباب (5) ولقد رأيت بها الحلول يزينهم * بيض الوجوه ثواقب الاحساب فدع الديار وذكر كل خريدة * بيضاء آنسة الحديث كعاب واشك الهموم إلى الاله وما ترى * من معشر ظلموا الرسول غضاب ساروا بأجمعهم إليه وألبوا * أهل القرى وبوادي الاعراب


(1) الغياطل: الاصوات المختلطة. يريد كثرة الجيش والجحفل: الجيش الكثير. والجبجاب: الكثير. (2) الحزون: جمع حزن وهو ما ارتفع من الارض. والنشز كذلك. والمناهج: جمع منهج وهو الطريق الواضح. (3) الشوازب: الضوامر. والمجنوبة: التي تقاد. والقب: جمع أقب وهو الضامر من الخيل. واللواحق: الضامرة. والاقراب: جمع قرب، وهو الخاصرة. (4) السلهبة: الطويلة. (5) الرهم: جمع رهمة، وهو المطر الضعيف الدائم. والمرباب: الدائمة. (*)

[ 255 ]

جيش عيينة وابن حرب فيهم * متخمطون بحلبة الاحزاب (1) حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا * قتل الرسول ومغنم الاسلاب وغدوا علينا قادرين بأيدهم * ردوا بغيظهم على الاعقاب (2) بهبوب معصفة تفرق جمعهم * وجنود ربك سيد الارباب فكفى الاله المؤمنين قتالهم * وأثابهم في الاجر خير ثواب من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم * تنزيل نصر مليكنا الوهاب وأقر عين محمد وصحابه * وأذل كل مكذب مرتاب عاتى الفؤاد موقع ذي ريبة * في الكفر ليس بطاهر الاثواب علق الشقاء بقلبه ففؤاده * في الكفر آخر هذه الاحقاب * * * قال: وأجابه كعب بن مالك رضى الله عنه أيضا فقال: أبقى لنا حدث الحروب بقية * من خير نحلة ربنا الوهاب بيضاء مشرفة الذرى ومعاطنا * حم الجذوع غزيرة الاحلاب (3) كاللوب يبذل جمها وحفيلها * للجار وابن العم والمنتاب (4) ونزائعا مثل السراج نمى بها * علف الشعير وجزة المقضاب (5) عرى الشوى منها وأردف نحضها * جرد المتون وسائر الآراب (6)


(1) متخمطون: مختلطون. (2) الايد: القوة. (3) المعاطن: قال السهيلي: يعني منابت النخل عند الماء شبهها بمعاطن الابل وهي مباركها عند الماء. وقوله: حم الجذوع: وصفها بالحمة وهي السواد لانها تضرب إلى السواد من الخضرة والنعمة، وشبه ما يجتنى منها بالحلب فقال: غزيرة الاحلاب. الروض 2 / 204. (4) اللوب: جمع لوبة وهي الحرة، وهي أرض ذات حجارة سود. واللوب أيضا: النحل، ويجوز أن يكون شبهها بالنحل في كثرتها. وجمها وحفيلها: أراد الكثير منها. والمنتاب: الزائر الملم. (5) النزائع: الخيل التي تجلب إلى غير بلادها، يريد أنهم استلبوها من الاعداء. والمقضاب: مزرعة كما قال السهيلي، وجزتها: ما يجز منها للخيل. (6) الشوى: القوائم. والنحض: اللحم. والآراب: المفاصل واحدها إرب. (*)

[ 256 ]

قودا تراح إلى الصياح إذا غدت * فعل الضراء تراح للكلاب (1) وتحوط سائمة الديار وتارة * تردى العدى وتؤوب بالاسلاب حوش الوحوش مطارة عند الوغى * عبس اللقاء مبينة الانجاب (2) علفت على دعة فصارت بدنا * دخس البضيع خفيفة الاقصاب (3) يغدون بالزغف المضاعف شكه * وبمترصات في الثقاف صياب (4) وصوارم نزع الصياقل علبها * وبكل أروع ماجد الانساب (5) يصل اليمين بمارن متقارب * وكلت وقيعته إلى خباب (6) وأغر أزرق في القناة كأنه * في طخية الظلماء ضوء شهاب (7) وكتيبة ينفى القران قتيرها * وترد حد قواحز النشاب (8) جأوى ململمة كأن رماحها * في كل مجمعة صريمة غاب (9) تأوى إلى ظل اللواء كأنه * في صعدة الخطى فئ عقاب (10) أعيت أبا كرب وأعيت تبعا * وأبت بسالتها على الاعراب (11) ومواعظ من ربنا نهدى بها * بلسان أزهر طيب الاثواب


(1) القود: الطوال الاعناق. والضراء: الكلاب الضاربة. والكلاب: جمع كالب وهو صاحب الكلاب الذي يصيد بها. (2) الحوش: الوحشية، وأصله من الابل الحوشية وهي التي يزعمون أن فحول نعم الجن قد ضربت فيها ويسمونها الحوش. قال رؤبة: * جرت رحانا من بلاد الحوش * والمطارة: المستخفة. والعبس: جمع عبوس. (3) البضيع: اللحم المستطيل. والدخيس من اللحم: الكثير. والاقصاب: جمع قصب وهو المعي. (4) الزغف: الدروع الواسعة. والشك: الخلق والنسج. والمترصات: المحكمة، يعني الرماح المثقفة. والصياب: المصيبة. (5) علبها: خشونتها وتثلمها. (6) المارن: اللين. ووقيعته: صقله. وخباب: اسم صيقل. (7) أغر أزرق: يريد الرمح. وطخية الظلماء: شدتها. (8) القران: اقتران النبل واجتماعه. والقتير: رءوس مسامير الدرع. القواحز: قحز السهم إذا رماه فوقع بين يديه. (9) الجأوى: التي يخالط غبرتها حمرة. والململمة: المجتمعة. (10) الصعدة: القناة المستوية. والخطى: الرماح المنسوبة إلى الخط، موضع كانت تباع فيه. والفئ: الظل. (11) أبو كرب وتبع: من ملوك اليمن قبل الاسلام. (*)

[ 257 ]

عرضت علينا فاشتهينا ذكرها * من بعد ما عرضت على الاحزاب حكما يراها المجرمون برعمهم * حرجا ويفهمها ذوو الالباب جاءت سخينة كي تغالب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب ! قال ابن هشام: حدثني من أثق به، حدثني عبدالملك بن يحيى بن عباد بن عبدالله ابن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لما سمع منه هذا البيت: " لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا ". قلت: ومراده بسخينة قريش، وإنما كانت العرب تسميهم بذلك لكثرة أكلهم الطعام السخن الذي لا يتهيأ لغيرهم غالبا من أهل البوادي. فالله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك أيضا: من سره ضرب يمعمع بعضه * بعضا كمعمعة الاباء المحرق (1) فليأت مأسدة تسن سيوفها * بين المذاد وبين جذع الخندق (2) دربوا بضرب المعلمين وأسلموا * مهجات أنفسهم لرب المشرق في عصبة نصر الاله نبيه * بهم وكان بعبده ذا مرفق في كل سابغة تخط فضولها * كالنهي هبت ريحه المترقرق (3) بيضاء محكمة كأن قتيرها * حدق الجنادب ذات شك موثق (4) جدلاء يحفزها نجاذ مهند * صافي الحديدة صارم ذي رونق (5)


(1) المعمعة: صوت النار فيما عظم وكثف من القصباء. والاباء: القصب واحدتها إباءة. وفي الاصل: الاناء. وما أثبته عن ابن هشام. (2) المذاد: موضع بالمدينة حيث حفر الخندق. (3) السابغة: الدرع الوافية. وفضولها: أطرافها. والنهي: الغدير. والمترقرق: صفة للنهي. (4) القتير: رءوس مسامير الدرع. والجنادب: الجراد. والشك: النسج. (5) الجدلاء: الدرع القوية الفتل. ويحفزها: يرفعها، وذلك أن الدرع إذا طالت فضولها ربطوها بنجاد سيف. والنجاد: حمائل السيف. (17 - السيرة 3) (*)

[ 258 ]

تلكم مع التقوى تكون لباسنا * يوم الهياج وكل ساعة مصدق نصل السيوف إذا قصرن بخطونا * قدما ونلحقها إذا لم تلحق فترى الجماجم ضاحيا هاماتها * بله الاكف كأنها لم تخلق نلقي العدو بفخمة ملمومة * تنفى الجموع كقصد رأس المشرق ونعد للاعداء كل مقلص * ورد ومحجول القوائم أبلق (1) تردى بفرسان كأن كماتهم * عند الهياج أسود طل ملثق (2) صدق يعاطون الكماة حتوفهم * تحت العماية بالوشيج المزهق (3) أمر الاله بربطها لعدوه * في الحرب إن الله خير موفق لتكون غيظا للعدو وحيطا * للدار إن دلفت خيول النزق ويعيننا الله العزيز بقوة * منه وصدق الصبر ساعة نلتقي ونطيع أمر نبينا ونجيبه * وإذا دعا لكريهة لم نسبق ومتى ينادي للشدائد نأتها * ومتى نرى الحومات فيها نعنق من يتبع قول النبي فإنه * فينا مطاع الامر حق مصدق فبذاك ينصرنا ويظهر عزنا * ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق إن الذين يكذبون محمدا * كفروا وضلوا عن سبيل المتقي قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك أيضا: لقد علم الاحزاب حين تألبوا * علينا وراموا ديننا ما نوادع أضاميم من قيس بن عيلان أصفقت * وخندف لم يدروا بما هو واقع (4)


(1) المقلص: الفرس الخفيف. (2) تردى: تسرع. والطل: المطر الضعيف. واللثق: ما يكون عن الطل من زلق وطين، والاسد أجوع ما تكون وأجرأ في ذلك الحين. (3) العماية: ظلمة الغبار. والوشيج: الرماح. والمزهق: القاتل. (4) الاضاميم: واحدتها أضمامة، وهو كل شئ مجتمع. وأصفقت: اجتمعت. (*)

[ 259 ]

يذودوننا عن ديننا ونذودهم * عن الكفر والرحمن راء وسامع إذا غايظونا في مقام أعاننا * على غيظهم نصر من الله واسع وذلك حفظ الله فينا وفضله * علينا ومن لم يحفظ الله ضائع هدانا لدين الحق واختاره لنا * ولله فوق الصانعين صنائع (1) قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له - يعني طويلة - * * * قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في مقتل بني قريظة: لقد لقيت قريظة ما ساءها * وما وجدت لذل من نصير أصابهم بلاء كان فيه * سوى ما قد أصاب بني النضير غداة أتاهم يهوى إليهم * رسول الله كالقمر المنير له خيل مجنبة تعادى * بفرسان عليها كالصقور تركناهم وما ظفروا بشئ * دماؤهم عليها كالعبير فهم صرعى تحوم الطير فيهم * كذاك يدان ذو العند الفجور فأنذر مثلها نصحا قريشا * من الرحمن إن قبلت نذيري قال: وقال حسان بن ثابت أيضا في بني قريظة: تعاقد معشر نصروا قريشا * وليس لهم ببلدتهم نصير هم أوتوا الكتاب فضيعوه * وهم عمي من التوراة بور كفرتم بالقران وقد أتيتم * بتصديق الذي قال النذير فهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب فقال: أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في طوائفها السعير


(1) الاصل: صانع. وما أثبته عن ابن هشام. (*).

[ 260 ]

ستعلم أينا منها بنزه * وتعلم أي أرضينا تضير (1) فلو كان النخيل بها ركابا * لقالوا لا مقام لكم فسيروا قلت: وهذا قاله أبو سفيان بن الحارث قبل أن يسلم، وقد تقدم في صحيح البخاري بعض هذه الابيات. وذكر ابن إسحاق جواب حسان في ذلك لجبل بن جوال الثعلبي تركناه قصدا. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا يبكي سعدا وجماعة ممن استشهد يوم بني قريظة: ألا يالقومي هل لما حم دافع * وهل ما مضى من صالح العيش راجع تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت * بنات الحشا وانهل مني المدامع صبابة وجد ذكرتني إخوة * وقتلى مضى فيها طفيل ورافع وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت * منازلهم فالارض منهم بلاقع (2) وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم * ظلال المنايا والسيوف اللوامع دعا فأجابوه بحق وكلهم * مطيع له في كل أمر وسامع فما نكلوا حتى توالوا جماعة * ولا يقطع الآجال إلا المصارع لانهم يرجون منه شفاعة * إذا لم يكن إلا النبيون شافع فذلك يا خير العباد بلاؤنا * إجابتنا لله والموت ناقع لنا القدم الاولى إليك وخلفنا * لاولنا في ملة الله تابع ونعلم أن الملك لله وحده * وأن قضاء الله لا بد واقع


(1) النزه: العبد. وتضير: تضيره (2) البلاقع: المقفرة. (*)

[ 261 ]

مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي لعنه الله في قصر له في أرض خيبر، وكان تاجرا مشهورا بأرض الحجاز قال ابن إسحاق: ولما انقضى شأن الخندق وأمر بني قريظة، وكان سلام بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع، فيمن حزب الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الاوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الاشرف فاستأذن الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر فأذن لهم. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبدالله بن كعب بن مالك، قال: وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الانصار: الاوس والخزرج، كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين، لا تصنع الاوس شيئا فيه غناء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها. وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مثل ذلك. قال: ولما أصابت الاوس كعب بن الاشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا قال: فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الاشرف ؟ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر، فاستأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم. فخرج من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر: عبدالله بن عتيك، ومسعود بن سنان،

[ 262 ]

وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم، فخرجوا وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة. فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار حتى أغلقوه على أهله. قال: وكان في علية له إليها عجلة (1) قال: فأسندوا إليها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته، فقالت: من أنتم ؟ قالوا: أناس من العرب نلتمس الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه. فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته فنوهت بنا، فابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية (2) ملقاة. قال: فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده، ولو لا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني. أي حسبي حسبي. قال: وخرجنا وكان عبدالله بن عتيك سيئ البصر، قال: فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا (3)، وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه. فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا، حتى إذا يئسوا رجعوا إليه فاكتنفوه وهو يقضى. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات ؟ قال: فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل في الناس قال: فوجدتها - يعني امرأته -


(1) العلية: الغرفة: والعجلة: الدرج من النخل. (2) القبطية: ثياب بيض كانت تصنع بمصر. (3). وثئت: فكت، أو أصابها وجع بلا كسر. وفي الاصل: وثبت. وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 263 ]

ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله قد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي وقلت: أنى ابن عتيك بهذه البلاد ! ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه فقالت: فاظ (1) وإله يهود. فما سمعت كلمة كانت ألذ على نفسي منها. قال: ثم جاءنا فأخبرنا فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه. قال: فقال: هاتوا أسيافكم. فجئنا بها فنظر إليها، فقال لسيف عبدالله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك: لله در عصابة لاقيتهم * يا ابن الحقيق وأنت يابن الاشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم * مرحا كأسد في عرين مغرف (2) حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف هكذا أورد هذه القصة الامام محمد بن إسحاق رحمه الله. * * * وقد قال الامام أبو عبد الله البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم رهطا إلى أبي رافع فدخل عليه عبدالله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله. قال البخاري: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبدالله بن موسى، عن


(1) فاظ: مات. (2) مغرف: ذو شجر كثير ملتف. (*)

[ 264 ]

إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الانصار وأمر عليهم عبدالله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال عبدالله: اجلسوا مكانكم فإني منطلق متلطف للبواب لعلي أن أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبدالله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب. فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الاغاليق على ود (1) قال: فقمت إلى الاقاليد وأخذتها وفتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي له: فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل، فقلت: إن القوم نذروا بي (2) لم يخلصوا إلي حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت قلت: أبا رافع. قال: من هذا ؟. فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف ضربة وأنا دهش، فما أغنيت شيئا، وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟ فقال: لامك الويل إن رجلا في البيت [ ضربني (4) ] قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت صبيب (3) السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الابواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أنى قد انتهيت، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة حتى انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته. فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع ناصر أهل


(1) الود: الوتد، أدغم التاء بعد قلبها دالا. (2) نذروا: علموا. وفي الاصل: سدروا لي. وما أثبته عن صحيح البخاري 2 / 214. (3) الصبيب: طرف السيف. (4) من صحيح البخاري 2 / 215. (*)

[ 265 ]

الحجاز. فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء فقد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: ابسط رجلك. فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط. * * * قال البخاري: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الاودي، حدثنا شريح، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق سمعت البراء، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع عبدالله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن، فقال لهم عبدالله بن عتيك: امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر. قال: فتلطفت حتى أدخل الحصن، ففقدوا حمارا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه. قال: فخشيت أن أعرف قال: فغطيت رأسي وجلست كأني أقضي حاجة فقال (1): من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه. فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهب ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم. فلما هدأت الاصوات ولا أسمع حركة خرجت. قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة، فأخذته. ففتحت به باب الحصن قال: قلت: إن نذر بي القوم انطلقت على مهل. ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر. ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه، فلم أدر أين الرجل، فقلت: يا أبا رافع. قال: من هذا ؟ فعمدت نحو الصوت فأضربه، وصاح فلم تغن شيئا. قال: ثم جئته كأني أغيثه فقلت: مالك يا أبا رافع. وغيرت صوتي قال: لا أعجبك (2) لامك الويل ! دخل علي رجل فضربني بالسيف. قال: فعمدت إليه


(1) البخاري: فنادى صاحب الباب. (2) البخاري: ألا أعجبك. (*)

[ 266 ]

أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا، فصاح وقام أهله. ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم أنكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه، فانخلعت رجلي فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل. فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية. فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع. قال: فقمت أمشي ما بي قلبة (1) فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشرته. تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة. ثم قال: قال الزهري: قال أبي بن كعب: فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: أفلحت الوجوه. قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله. قال: أفتكتموه ؟ قالوا: نعم. قال: ناولني السيف. فسله فقال: أجل هذا طعامه في ذباب السيف. قلت: يحتمل أن عبدالله بن عتيك لما سقط من تلك الدرجة انفكت قدمه وانكسرت ساقه ووثئت (2) رجله، فلما عصبها استكن ما به لما هو فيه من الامر الباهر، ولما أراد المشي أعين على ذلك لما هو فيه من الجهاد النافع، ثم لما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقرت نفسه ثاوره الوجع في رجله، فلما بسط رجله ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ماكان بها من بأس في الماضي ولم يبق بها وجع يتوقع حصوله في المستقبل، جمعا بين هذه الرواية والتي تقدمت. والله أعلم. هذا، وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه مثل سياق محمد بن إسحاق، وسمى الجماعة الذين ذهبوا إليه كما ذكره ابن إسحاق وإبراهيم وأبو عبيد.


(1) القلبة: العلة والداء. (2) الاصل: وثبت. وهو تحريف. (*)

[ 267 ]

مقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي ذكره الحافظ البيهقي في الدلائل تلو مقتل أبي رافع. قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبدالله بن أنيس، عن أبيه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة، فائته فاقتله. قال: قلت: يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه. قال: إذا رأيته وجدت له قشعريرة. قال: فخرجت متوشحا سيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلا وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه، أومئ برأسي للركوع والسجود، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل ؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك. قال: أجل أنا في ذلك. قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجث وتركت ظعائنه مكبات عليه. فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني قال: أفلح الوجه. قال: قلت: قتلته يا رسول الله. قال: صدقت. قال: ثم قام معي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل في بيته فأعطاني عصا فقال: أمسك هذه عندك يا عبدالله بن أنيس. قال: فخرجت بها على الناس فقالوا: ما هذه العصا ؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أمسكها. قالوا: أو لا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله عن ذلك. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني

[ 268 ]

هذه العصا ؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة إن أقل الناس المتخصرون (1) يومئذ. قال: فقرنها عبدالله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعا. ثم رواه الامام أحمد عن يحيى بن آدم، عن عبدالله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن بعض ولد عبدالله بن أنيس، أو قال: عن عبدالله بن عبدالله بن أنيس، عن عبدالله بن أنيس فذكر نحوه. وهكذا رواه أبو داود، عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبدالله بن أنيس، عن أبيه. فذكر نحوه. ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبدالله ابن عبدالله بن أنيس، عن أبيه. فذكره. وقد ذكر قصته عروة بن الزبير وموسى لن عقبة في مغازيهما مرسلة. فالله أعلم. قال ابن هشام: وقال عبدالله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان: تركت ابن ثور كالحوار وحوله * نوائح تفرى كل جيب مقدد (2) تناولته والظعن خلفي وخلفه * بأبيض من ماء الحديد المهند عجوم لهام الدارعين كأنه * شهاب غضي من ملهب متوقد (3) أقول له والسيف يعجم رأسه * أنا ابن أنيس فارس غير قعدد أنا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره * رحيب فناء الدار غير مزند (4) وقلت له خذها بضربة ماجد * خفيف على دين النبي محمد وكنت إذا هم النبي بكافر * سبقت إليه باللسان وباليد


(1) المتخصرون: المتكئون على المخاصر، جمع مخصرة، وهي ما يمسكه الانسان بيده من عصا ونحوها. (2) الحوار: ولد الناقة إلى أن يفصل عن أمه. وتفرى: تقطع. (3) عجوم: مختبر. والقعدد: الجبان. (4) المزند: البخيل الضيق. (*)

[ 269 ]

قلت: عبدالله بن أنيس بن حرام أبويحيى الجهني صحابي مشهور كبير القدر، كان فيمن شهد العقبة، وشهد أحدا والخندق وما بعد ذلك، وتأخر موته بالشام إلى سنة ثمانين على المشهور. وقيل توفى سنة أربع وخمسين. والله أعلم. وقد فرق على بن الزبير وخليفة بن خياط بينه وبين عبدالله بن أنيس أبي عيسى الانصاري، الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا يوم أحد بإداوة فيها ماء فحل فمها وشرب منها، كما رواه أبو داود والترمذي من طريق عبدالله العمري، عن عيسى بن عبدالله بن أنيس عن أبيه. ثم قال الترمذي: وليس إسناده يصح، وعبد الله العمري (1) ضعيف من قبل حفظه.


(1) هو عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، العمري. وهو ضعيف غلب عليه الصلاح فلم يحفظ وكثر الخطأ في روايته. اللباب 2 / 153. (*)

[ 270 ]

قصة عمرو بن العاص مع النجاشي بعد وقعة الخندق وإسلامه قال محمد بن إسحاق بعد مقتل أبي رافع. وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أوس الثقفي، عن حبيب ابن أوس، حدثني عمرو بن العاص من فيه قال: لما انصرفنا يوم الاحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الامور علوا منكرا، وإني لقد رأيت أمرا فما ترون فيه ؟ قالوا: وما رأيت ؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا إن نكن تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إن هذا لرأي. قلت: فاجمعوا لنا ما نهدى له. فكان (1) أحب ما يهدى إليه من أرضنا الادم (2)، فجمعنا له أدما كثيرا. ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لاصحابي: هذا عمرو بن أمية،


(1) ابن هشام: وكان. (2) الادم: الجلد أو أحمره، أو المصبوغ منه. (*)

[ 271 ]

لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصبغ. فقال: مرحبا بصديقي، هل أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا. قال: ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له: أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لاقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت الارض لدخلت فيها فرقا ! ثم قلت: أيها الملك والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى فتقتله ؟ قال: قلت: أيها الملك أكذاك هو ؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده. قال: قلت: أفتبايعني له على الاسلام ؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الاسلام. ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله صلى عليه وسلم لاسلم، فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة فقلت: أين أبا سليمان ؟ فقال: والله لقد استقام الميسم (1)


(1) الميسم: المكواة. وهو أثر الحسن أيضا. ورواية أبي ذر: في شرح السيرة: المنسم بالنون. قال: ومعناه: تبين الطريق ووضح ". (*)

[ 272 ]

وإن الرجل لنبي، أذهب والله أسلم فحتى متى ! قال: قلت: والله ما جئت إلا لاسلم. قال: فقدمنا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمرو بايع فإن الاسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها. قال: فبايعته ثم انصرفت. قال ابن إسحاق: وقد حدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما، فقال عبدالله بن أبي الزبعري السهمي: أنشد عثمان بن طلحة خلفنا * وملقى نعال القوم عند المقبل (1) وما عقد الآباء من كل حلفة * وما خالد من مثلها بمحلل أمفتاح بيت غير بيتك تبتغي * وما تبتغي من بيت مجد مؤثل (2) فلا تأمنن خالدا بعد هذه * وعثمان جاءا بالدهيم المعضل (3) قلت: كان إسلامهم بعد الحديبية، وذلك أن خالد بن الوليد كان يومئذ في خيل المشركين كما سيأتي بيانه، فكان ذكر هذا الفصل في إسلامهم بعد ذلك أنسب، ولكن ذكرنا ذلك تبعا للامام محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى، لان أول ذهاب عمرو ابن العاص إلى النجاشي كان بعد وقعة الخندق، [ و ] الظاهر أنه ذهب بقية سنة خمس والله أعلم.


(1) خلفنا: كذا بالاصل، ولعلها: حلفنا. (2) ابن هشام: من مجد بيت مؤثل. (3) الدهيم: الداهية. (*)

[ 273 ]

فصل في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان ذكر البيهقي بعد وقعة الخندق من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: " عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة " قال: هو تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين. ثم قال البيهقي: أنبأنا أبو عبدالله الحافظ، حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا يحيى ابن عبدالحميد، أنبأنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة أنها كانت عند عبيد الله بن جحش، وكان رحل إلى النجاشي فمات، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بأم حبيبة وهي بأرض الحبشة وزوجها إياه النجاشي ومهرها أربعة آلاف درهم، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهزها من عنده وما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ. قال: وكان مهور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة. قلت: والصحيح أن مهور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت ثنتى عشرة أوقية ونشا، والوقية أربعون درهما، والنش النصف. وذلك يعدل خمسمائة درهم. ثم روى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الاسود، عن عروة أن عبيد الله بن جحش مات بالحبشة نصرانيا، فخلف على زوجته أم حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوجها منه عثمان بن عفان رضى الله عنه. قلت: أما تنصر عبيد الله بن جحش فقد تقدم بيانه، وذلك على أثر ما هاجر مع (18 - لسيرة 3)

[ 274 ]

المسلمين إلى أرض الحبشة استزله الشيطان فزين له دين النصارى فصار إليه حتى مات، عليه لعنة الله. وكان يعير المسلمين فيقول لهم: أبصرنا وصأصأتم. وقد تقدم شرح ذلك في هجرة الحبشة (1). وأما قول عروة: إن عثمان زوجها منه. فغريب، لان عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك، ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية كما تقدم. والله أعلم. والصحيح ما ذكره يونس، عن محمد بن إسحاق قال: بلغني أن الذي ولى نكاحها ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص. قلت: وكان وكيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبول العقد أصحمة النجاشي ملك الحبشة، كما قال يونس عن محمد بن إسحاق، حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وساق عنه أربعمائة دينار. * * * وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الحسن، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو بن زهير، عن إسماعيل بن عمرو، أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي، جارية يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فاستأذنت علي فأذنت لها، فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أوزجكه. فقلت: بشرك الله بالخير. وقالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك. قالت: فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته، وأعطيت أبرهة سوارين


(1) تقدم ذلك في الجزء الثاني. (*)

[ 275 ]

من فضة وخذمتين (1) من فضة كانتا علي وخواتيم من فضة في كل أصابع رجلي، سرورا بما بشرتني به. فلما أن كان من العشى أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن كان هناك من المسلمين أن يحضروا، وخطب النجاشي وقال: الحمد لله الملك القدوس المؤمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم. أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصدقها أربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم. فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد، فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن من سنة الانبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا. قلت: فلعل عمرو بن العاص لما رأى عمرو بن أمية خارجا من عند النجاشي بعد الخندق إنما كان في قضية أم حبيبة. فالله أعلم. لكن قال الحافظ البيهقي: ذكر أبو عبدالله بن منده أن تزويجه عليه السلام بأم حبيبة كان في سنة ست، وأن تزويجه بأم سلمة كان في سنة أربع.


(1) الخذمة في الاصل: سمة للابل. (*)

[ 276 ]

قلت: وكذا قال خليفة وأبو عبيد الله معمر بن المثنى وابن البرقي، وأن تزويج أم حبيبة كان في سنة ست. وقال بعض الناس: سنة سبع. قال البيهقي: هو أشبه. قلت: قد تقدم تزويجه عليه السلام بأم سلمة في أواخر سنة أربع، وأما أم حبيبة فيحتمل أن يكون قبل ذلك، ويحتمل أن يكون بعده، وكونه بعد الخندق أشبه، لما تقدم من ذكر عمرو بن العاص أنه رأى عمرو بن أمية عند النجاشي، فهو في قضيتها والله أعلم. وقد حكى الحافظ ابن الاثير في الغابة عن قتادة، أن أم حبيبة لما هاجرت من الحبشة إلى المدينة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها. وحكى عن بعضهم أنه تزوجها بعد إسلام أبيها بعد الفتح، واحتج هذا القائل بما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار اليماني عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن. قال: نعم. قال: تؤمرني على أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: نعم. قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. الحديث بتمامه. قال ابن الاثير: وهذا الحديث مما أنكر على مسلم، لان أبا سفيان لما جاء يجدد العقد قبل الفتح دخل على ابنته أم حبيبة فثنت عنه فراش النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أدري أرغبت بي عنه أو به عني ؟ قالت: بل هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك. فقال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر. وقال ابن حزم: هذا الحديث وضعه عكرمة بن عمار، وهذا القول منه لا يتابع عليه. وقال آخرون: أراد أن يجدد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه. وقال بعضهم: لانه اعتقد انفساخ نكاح ابنته بإسلامه.

[ 277 ]

وهذه كلها ضعيفة، والاحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته الاخرى عمرة لما رأى في ذلك من الشرف له واستعان بأختها أم حبيبة كما في الصحيحين. وإنما وهم الراوي في تسميته أم حبيبة وقد أوردنا لذلك خبرا مفردا. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: توفيت قبل معاوية بسنة. وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين. تزويجه عليه السلام بزينب بنت جحش ابن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الاسدية أم المؤمنين. وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة رضى الله عنه. قال قتادة والواقدي وبعض أهل المدينة: تزوجها عليه السلام سنة خمس، زاد بعضهم في ذي القعدة. قال الحافظ البيهقي: تزوجها بعد بني قريظة. وقال خليفة بن خياط وأبو عبيدة معمر بن المثنى وابن منده: تزوجها سنة ثلاث. والاول أشهر وهو الذي سلكه ابن جرير وغير واحد من أهل التاريخ. وقد ذكر غير واحد من المفسرين والفقهاء وأهل التاريخ في سبب تزويجه إياها عليه السلام حديثا ذكره أحمد بن حنبل في مسنده تركنا إيراده قصدا لئلا يضعه من لا يفهم على غير موضعه. وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في. أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا. ما كان على

[ 278 ]

النبي من حرج فيما فرض الله له، سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا " (1). وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية. فالمراد بالذي أنعم الله عليه هاهنا زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنعم الله عليه بالاسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعتق وزوجه بابنة عمه زينب بنت جحش. قال مقاتل بن حبان: وكان صداقه لها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وخمسين مدا وعشرة أمداد من تمر، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما فجاء زوجها يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان صلى الله عليه وسلم يقول له: اتق الله وأمسك عليك زوجك. قال الله: " وتخفي في نفسك ما الله مبديه " قال على بن الحسين زين العابدين والسدى: كان [ رسول ] الله قد علم أنها ستكون من أزواجه، فهو الذي كان في نفسه عليه السلام. وقد تكلم كثير من السلف هاهنا بآثار غريبة، وبعضها فيه نظر تركناها. * * * قال الله تعالى: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " ذلك أن زيدا طلقها، فلما انقضت عدتها بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها إلى نفسها ثم تزوجها، وكان الذي زوجها منه رب العالمين تبارك وتعالى، كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس ابن مالك، أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وفي رواية من طريق عيسى بن طهمان عن أنس، قال: كانت زينب تفخر على


(1) سورة الاحزاب: 37، 38. (*)

[ 279 ]

نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: أنكحني الله من السماء وفيها أنزلت آية الحجاب " يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه " الآية. وروى البيهقي من حديث حماد، بن زيد عن ثابت، عن أنس، قال: جاء زيد يشكو زينب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك. قال أنس: فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه، فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. ثم قال: رواه البخاري عن أحمد، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن حماد بن زيد. ثم روى البيهقي من طريق عفان، عن حماد بن زيد، عن ثابت عن أنس، قال: جاء زيد يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك أهلك. فنزلت: " وتخفي في نفسك ما الله مبديه ". ثم قال: [ رواه ] البخاري: عن محمد بن عبدالرحيم، عن معلى بن منصور، عن محمد مختصرا. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن مغيرة، عن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لادل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن، أن جدي وجدك واحد، تعني عبدالمطلب، فإنه أبو أبي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو أمها أميمة بنت عبدالمطلب، وأني أنكحنيك الله عزوجل من السماء، وأن السفير جبريل عليه السلام. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم - يعني ابن القاسم - حدثنا النضر، حدثنا سليمان ابن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها علي. فانطلق حتى أتاها وهى تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها

[ 280 ]

عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبى. وقلت: يا زينب أبشري، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عزوجل ثم قامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. قال أنس: ولقد رأيتنا حين دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقى رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك ؟ فما أدرى أنا أخبرته والقوم قد خرجوا أو أخبر. قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل لحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به: " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " الآية. وكذا رواه مسلم والنسائي من طريق سليمان بن المغيرة. ذكر نزول الحجاب صبيحة عرسها الذي ولى الله عقد نكاحه فناسب نزول الحجاب في هذا العرس صيانة لها ولاخواتها من أمهات المؤمنين، وذلك وفق الرأي العمري. قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاش، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي حدثنا أبو مجلز، عن أنس بن مالك، قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا وجلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم

[ 281 ]

قد انطلقوا، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي " الآية. وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن معتمر. ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس نحوه. وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: بنى على النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجئ قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجئ قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه. قال: ارفعوا طعامكم، وبقى ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته. قالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، كيف وجدت أهلك بارك الله لك ! فتقرى حجر نسائه كلهن ويقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع لنبي صلى الله عليه وسلم فإذا رهط ثلاثة في البيت يتحدثون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجو، فخرج حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب وأخرى خارجه أرخى لستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب. تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه منفردا به أيضا عن إسحاق. هو نصر، عن عبد الله بن بكبر السهمي، عن حميد بن أنس بنحو ذلك، وقال: رجلان، بدل ثلاثة، فالله أعلم. قال البخاري: وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس فذكر نحوه.

[ 282 ]

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان اليشكري:، عن أنس بن مالك، قال: أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسا ثم حطته في تور فقالت: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره أن هذا منا له قليل. قال أنس: والناس يومئذ في جهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله بعثت بهذا أم سليم إليك وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا منا له قليل فنظر إليه ثم قال: ضعه في ناحية البيت. ثم قال: اذهب فادع لي فلانا وفلانا. فسمى رجالا كثيرا قال: ومن لقيت من المسلمين. فدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين. فجئت والبيت والصفة والحجرة ملاء من الناس. فقلت: يا أبا عثمان كم كانوا ؟ قال: كانوا زهاء ثلاثمائة. قال أنس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئ. فجئت به إليه فوضع يده عليه ودعا وقال ما شاء الله. ثم قال: ليتحلق عشرة عشرة ويسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه. فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعه. قال: فجئت فأخذت التور فنظرت فيه، فلا أدري أهو حين وضعته أكثر أم حين رفعته ! قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أشد الناس حياء، ولو علموا كان ذلك عليهم عزيزا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يسيرا وأنزل الله القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا

[ 283 ]

لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث، إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيى منكم والله لا يستحيى من الحق، وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن، وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما. إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما (1) ". قال أنس: فقرأهن علي قبل الناس وأنا أحدث الناس بهن عهدا. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الجعد أبي عثمان به. وقد روى هذا الحديث البخاري والترمذي والنسائي من طرق، عن أبي بشر الاحمسي الكوفي، عن أنس بنحوه. ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي نضرة العبدي عن أنس بنحوه، ولم يخرجوه. ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد ومن حديث الزهري عن أنس نحو ذلك. * * * قلت: كانت زينب بنت جحش رضى الله عنها من المهاجرات الاول، وكانت كثيرة الخير والصدقة، وكان اسمها أولا برة فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب، وكانت تكنى بأم الحكم. قالت عائشة رضى الله عنها: ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة.


(1) سورة الاحزاب الآيتان: 53، 54. (*)

[ 284 ]

وثبت في الصحيحين كما سيأتي في حديث الافك عن عائشة أنها قالت: وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عني زينب بنت جحش وهي التي كانت تسامينى من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع فقالت: يا رسول الله أحمى سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا. وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا محمود بن عيلان، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا. قالت: فكنا نتطاول أينا أطول يدا. قالت: فكانت زينب أطولنا يدا، لانها كانت تعمل بيدها وتتصدق. انفرد به مسلم. قال الواقدي وغيره من أهل السير والمغازي والتواريخ: توفيت سنة عشرين من الهجرة، وصلى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ودفنت بالبقيع وهي أول امرأة صنع لها النعش.

[ 285 ]

سنة ست من الهجرة النبوية قال البيهقي: كان يقال: في المحرم منها سرية محمد بن مسلمة قبل نجد، وأسروا فيها ثمامة بن أثال اليمامي. قلت: لكن في سياق ابن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، أنه شهد ذلك. وهو إنما هاجر بعد خيبر فيؤخر إلى ما بعدها. والله أعلم. وهي السنة التي كان في أوائلها غزوة بني لحيان على الصحيح. قال ابن إسحاق: وكان فتح بني قريظة في ذي القعدة وصدر من ذي الحجة، وولى تلك الحجة المشركون، يعني في سنة خمس. كما تقدم. قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع، وخرج في جمادي الاولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. والمقصود أنه عليه السلام لما انتهى إلى منازلهم هربوا من بين يديه، فتحصنوا في رؤوس الجبال فمال إلى عسفان فلقى بها جمعا من المشركين وصلى بها صلاة الخوف. وقد تقدم ذكر هذه الغزوة في سنة أربع وهنالك ذكرها البيهقي. والاشبه ما ذكره ابن إسحاق أنها كانت بعد الخندق. وقد ثبت أنه صلى بعسفان يوم بني لحيان، فلتكتب هاهنا وتحول من هناك، اتباعا لامام أصحاب المغازي في زمانه وبعده، كما قال الشافعي رحمه الله: من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق. وقد قال كعب بن مالك في غزوة بنى لحيان:

[ 286 ]

لو ان بني لحيان كانوا تناظروا * لقوا عصبا في دارهم ذات مصدق لقوا سرعانا يملا السرب روعه * أمام طحون كالمجرة فيلق (1) ولكنهم كانوا وبارا تتبعت * شعاب حجاز غير ذي متنفق (2) غزوة ذي قرد قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يقم بها إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل من غطفان على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم بالغابة، وفيها رجل من بني غفار ومعه امرأته، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة و عبدالله بن أبي بكر ومن لا أتهم، عن عبدالله بن كعب بن مالك - كل قد حدث في غزوة ذي قرد بعض الحديث - أنه كان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الاكوع الاسلمي، غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ: واصباحاه ! ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع، حتى لحق بالقوم فجعل يردهم بالنبل ويقول: خذها وأنا ابن الاكوع * اليوم يوم الرضع فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمى رمى ثم قال: خذها وأنا ابن الاكوع * اليوم يوم الرضع قال: فيقول قائلهم: أو يكعنا (3) هو أول النهار.


(1) السرعان: أوائل الخيل. والسرب: القلب. والطحون: الكتيبة العظيمة. والمجرة: باب السماء. والفيلق: الكتيبة. (2) الوبار: جمع وبر وهي دويبة كالسنور. والشعاب: جمع شعب. والمتنفق: المخرج. (3) يكعنا: يخوفنا، أو يصرفنا عن غايتنا. (*)

[ 287 ]

قال: وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الاكوع فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن الاسود، ثم عباد بن بشر وسعد بن زيد وأسيد بن ظهير - يشك فيه - وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة أخو بني أسد بن خزيمة وأبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة *، وأبو عياش عبيد بن زيد بن صامت أخو بني زريق قال: فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد ثم قال: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابي عياش فيما بلغني عن رجال من بني زريق: يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم. قال أبو عياش: فقلت يا رسول الله أنا أفرس الناس. ثم ضربت الفرس فوالله ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت من ذلك، فزعم رجال من زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة، وكان ثامنا. قال: وبعض الناس يعد سلمة بن الاكوع ثامنا ويطرح أسيد بن ظهير. فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ولم يكن سلمة بن الاكوع يومئذ فارسا، قد كان أول من لحق بالقوم على رجليه. قال: فخرج الفرسان حتى تلاحقوا، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة وكان يقال له الاخرم ويقال له قمير، وكانت الفرس التي تحته لمحمود بن مسلمة، وكان يقال للفرس ذو اللمة فلما انتهى إلى العدو قال لهم: قفوا معشر بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والانصار. قال: فحمل عليه رجل منهم فقتله وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على آريه من بني عبد الاشهل، أي رجع إلى مربطه الذي كان فيه بالمدينة. قال ابن إسحاق: ولم يقتل يومئذ من المسلمين غيره. قال ابن هشام:

[ 288 ]

وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه قد قتل معه أيضا وقاص بن مجزز المدلجي. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا أتهم عن عبدالله بن كعب بن مالك أن محرزا كان على فرس لعكاشة بن محصن يقال له الجناح، فقتل محرز واستلب جناح. فالله أعلم. قال: ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة وغشاه برده ثم لحق بالناس، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. فإذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأبى قتادة ولكنه قتيل لابي قتادة. ووضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه. قال: وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنقذوا بعض اللقاح. قال: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذي قرد، وتلاحق به الناس فأقام عليه يوما وليلة، وقال له سلمة بن الاكوع: يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: إنهم الآن ليغبقون في غطفان. فقسم رسول الله صلى الله وعليه وسلم في أصحابه في كل مائة رجل جزورا وأقاموا عليها، ثم رجع قافلا حتى قدم المدينة. قال: وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة من إبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدمت عليه المدينة فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله إني قد نذرت لله أن أنحرها إن نجاني الله عليها. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " بئسما جزيتها

[ 289 ]

أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لانذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة الله ". قال ابن إسحاق: والحديث في ذلك عن أبي الزبير المكي عن الحسن البصري. * * * هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة بما ذكر من الاسناد والسياق. وقد قال البخاري رحمه الله بعد قصة الحديبية وقبل خيبر: غزوة ذي قرد، وهي الغزوة التي أغاروا على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم قبل خيبر بثلاث. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد، سمعت سلمة بن الاكوع يقول: خرجت قبل أن يؤذن بالاولى (1)، وكانت لقاح النبي صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت: من أخذها ؟ قال: غطفان. قال: فصرخت ثلاث صرخات: واصباحاه ! قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة. ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميا، وأقول،: أنا ابن الاكوع اليوم يوم الرضع (2). وأرتجز. حتى استنقذت اللقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة. قال: وجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس فقلت: يا رسول الله قد حميت القوم الماء وهم عطاش فابعث إليهم الساعة. فقال: " يا ابن الاكوع، ملكت فأسجح (3) " ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى قدمنا المدينة. وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به، ورواه البخاري عن أبي عاصم السهلي، عن يزيد ابن أبي عبيدة، عن مولاه سلمة بنحوه. * * *


(1) الاولى: صلاة الصبح. (2) يوم الرضع: يوم هلاك اللئام. (3) أسجح: اعف (19 - السيرة 3) (*)

[ 290 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه، قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت أنا ورباح غلام النبي صلى الله عليه وسلم بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيدالله أريد أن أنديه مع الابل، فلما كان بغلس أغار عبدالرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أغير على سرحه. قال. وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه ! قال: ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت، فلا يقبل إلي فارس إلا عقرت به، فجعلت أرميهم وأنا أقول: أنا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع قال: فألحق برجل منهم فأرميه وهو على راحلته فيقع سهمي في الرجل حتى انتظم كتفه فقلت: خذها وأنا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل، فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة، فما زال ذاك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهرى فاستنقذته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنية ضيقة، ثم علوت

[ 291 ]

الجبل فأنا فوقهم، فقال عيينة: ما هذا الذي أرى ؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شئ بأيدينا وجعله وراء ظهره. فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم. فقام إلي نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل، فلما أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفونني ؟ قالوا: ومن أنت ؟ قلت: أنا ابن الاكوع، والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجل منهم: إن أظن. قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يخللون الشجر وإذا أولهم الاخرم الاسدي، وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أثره المقداد بن الاسود الكندي، فولى المشركون مدبرين، وأنزل من الجبل فأخذ عنان فرسه، فقلت: يا أخرم ائذن القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ! قال: فخليت عنان فرسه، فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبدالرحمن، فاختلفا طعنتين، فعقر الاخرم بعبد الرحمن وطعنه عبدالرحمن فقتله. فتحول عبد الرحمن على فرس الاخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الاخرم. ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدوا وراءهم فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي بئر وغربت الشمس، وألحق رجلا فأرميه فقلت: خذها وأنا ابن الاكوع واليوم يوم الرضع. قال: فقال: ياثكل أم أكوع بكرة. فقلت: نعم أي عدو نفسه. وكان الذي رميته بكرة (1)،


(1) صحيح مسلم: " قال: يا ثكلته أمه أكوعه بكرة. قال. قلت: يا عدو نفسه أكوعك بكرة ". (*)

[ 292 ]

وأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان، ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، ذو قرد، وإذا بنبي الله صلى الله عليه وسلم في خمسمائة، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت فهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله خلني فانتخب من أصحابك مائة فاخذها على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فقال: أكنت فاعلا ذلك يا سلمة ؟ قال: قلت: نعم والذي أكرمك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه في ضوء النار، ثم قال: إنهم يقرون الآن بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابا. فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة. فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل جميعا، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة. فلما كان بيننا وبينها قريب من ضحوة، وفي القوم رجل من الانصار كان لا يسبق جعل ينادي: هل من مسابق، ألا رجل يسابق إلى المدينة ؟ فأعاد ذلك مرارا وأنا وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم مرد في، فقلت له: أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا ؟ قال: لا، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلاسابق الرجل. قال: إن شئت. قلت: أذهب إليك. فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة، ثم إني ربطت عليه شرفا أو شرفين، يعني استبقيت من نفسي، ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي قلت: سبقتك والله. أو كلمة نحوها. قال: فضحك وقال: إن أظن. حتى قدمنا المدينة.

[ 293 ]

وهكذا رواه مسلم من طرق عن عكرمة بن عمار بنحوه، وعنده: فسبقته إلى المدينة، فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر. ولاحمد هذا السياق. ذكر البخاري والبيهقي هذه الغزوة بعد الحديبية وقبل خيبر، وهو أشبه مما ذكره ابن إسحاق والله أعلم. فينبغي تأخيرها إلى أوائل سنة سبع من الهجرة، فإن خيبر كانت في صفر منها. وأما قصة المرأة التي نجت على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ونذرت نحرها لنجاتها عليها فقد أوردها ابن إسحاق بروايته عن أبي الزبير، عن الحسن البصري مرسلا. وقد جاء متصلا من وجوه أخر. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، قال: كانت العضباء لرجل من بني عقيل وكانت من سوابق الحاج فأخذت العضباء معه. قال: فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في وثاق ورسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار عليه قطيفة، فقال: يا محمد علام تأخذوني وتأخذون سابقة الحاج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف. قال: وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال فيما قال: [ إني ] مسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح. قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إني جائع فأطعمني وإني ظمآن فاسقني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه حاجتك. ثم فدى بالرجلين وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لرحله. قال: ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به، وكانت العضباء فيه، وأسروا امرأة من المسلمين. قال: وكانوا إذا نزلوا أراحوا إبله بأفنيتهم. قال: فقامت المرأة ذات ليلة بعد ما نوموا فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء، فأتت

[ 294 ]

على ناقة ذلول مجرسة (1) فركبتها ثم وجهتها قبل المدينة. قال: ونذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فقيل: ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنذرها أو أتته فأخبرته، فقال: بئس ما جزيتيها أو بئس ما جزتها إن أنجاها الله عليها لتنحرنها. قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ". ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد. * * * قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الاشعار في غزوة ذي قرد قول حسان بن ثابت رضى الله عنه: لولا الذي لاقت ومس نسورها * بجنوب ساية أمس في التقواد (2) للقينكم يحملن كل مدجج * حامي الحقيقة ماجد الاجداد ولسر أولاد اللقيطة أننا * سلم غداة فوارس المقداد كنا ثمانية وكانوا جحفلا * لجبا فشكوا بالرماح بداد (3) كنا من القوم الذين يلونهم * ويقدمون عنان كل جواد كلا ورب الراقصات إلى منى * يقطعن عرض مخارم الاطواد (4) حتى نبيل الخيل في عرصاتكم * ونؤوب بالملكات والاولاد (5)


(1) المجرسة: المدربة في الركوب والسير. (2) لاقت: يريد الخيل. ونسورها: النسر كالنواة في بطن الحافر، وفي الفرس عشرون عضوا كل عضو منها باسم طائر. وساية: موضع. (3) الجحفل: الجيش الكثير. واللجب: ذو الجلبة والصياح. وبداد: متفرقين. (4) المخارم: الطرق. والاطواد: الجبال. (5) نبيل: نجعلها تبول. والعرصات: جمع عرصة وهي البقعة الواسعة بين الدور. والملكات: النساء. (*)

[ 295 ]

رهوا بكل مقلص وطمرة * في كل معترك عطفن وواد (1) أفنى دوابرها ولاح متونها * يوم تقاد به ويوم طراد فكذاك إن جيادنا ملبونة * والحرب مشعلة بريح غواد (2) وسيوفنا بيض الحدائد تجتلى * جنن الحديد وهامة المرتاد أخذ الاله عليهم لحرامه * ولعزة الرحمن بالاسداد كانوا بدار ناعمين فبدلوا * أيام ذي قرد وجوه عناد قال ابن إسحاق: فغضب سعد بن زيد أمير سرية الفوارس المتقدمين أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسان وحلف لا يكلمه أبدا، وقال: انطلق إلى خيلي وفوارسي فجعلها للمقداد. فاعتذر إليه حسان بأنه وافق الروى اسم المقداد ! ثم قال أبياتا يمدح بها سعد بن زيد: إذا أردتم الاشد الجلدا * أو ذا غناء فعليكم سعدا سعد بن زيد لا يهد هدا قال: فلم تقع منه بموقع. وقال حسان بن ثابت في يوم ذي قرد: أظن عيينة إذ زارها * بأن سوف يهدم فيها قصورا فأكذبت ما كنت صدقته * وقلتم سنغنم أمرا كبيرا فعفت المدينة إذ زرتها * وآنست للاسد فيها زئيرا وولوا سراعا كشد النعام * ولم يكشفوا عن ملط حصيرا (3) أمير علينا رسول المليك * أحبب بذاك إلينا أميرا


(1) رهوا: سريعا. والمقلص: المشمر. والطمرة: الفرس السريع. (2) ملبونة: تسقى اللبن. (3) الملط: الناقة، من قولهم: ألطت الناقة بذنبها إذا أدخلته بين رجليها. والحصير ما يكنف به حول الابل من عيدان الحظيرة. (*)

[ 296 ]

رسول يصدق ما جاءه * ويتلوا كتابا مضيئا منيرا وقال كعب بن مالك في يوم ذي قرد يمدح الفرسان يومئذ من المسلمين: أيحسب أولاد اللقيطة أننا * على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس وإنا أناس لا نرى القتل سبة * ولا ننثني عند الرماح المداعس (1) وإنا لنقرى الضيف من قمع الذرى * ونضرب رأس الابلج المتشاوس (2) نرد كماة المعلمين إذا انتحوا * بضرب يسلى نخوة المتقاعس (3) بكل فتى حامى الحقيقة ماجد * كريم كسرحان العضاه مخالس (4) يذودون عن أحسابهم وبلادهم * ببيض تقد الهام تحت القوانس (5) فسائل بني بدر إذا ما لقيتهم * بما فعل الاخوان يوم التمارس (6) إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم * ولا تكتموا أخباركم في المجالس وقولوا زللنا عن مخالب خادر * به وحر في الصدر ما لم يمارس (7)


(1) المداعس: الرماح التي لا تنثني. (2) القمع: جمع قمعة وهي أعلى سنام البعير. والابلج: المشرق. والمتشاوس: المتكبر. وفي ابن هشام: الابلخ. (3) الكماة: الفوارس. والمتقاعس: الذي لا يلين. (4) السرحان: الذئب. والعضاه: شجر ضخم. (5) القوانس: أعالي بيض الحديد. (6) التمارس: المجالدة في الحرب. (7) الخادر: الاسد الذي يلزم أجمته. والوحر: الحقد. (*)

[ 297 ]

غزوة بني المصطلق من خزاعة قال البخاري: وهي غزوة المريسيع. قال محمد بن إسحاق: وذلك في سنة ست. وقال موسى بن عقبة سنة أربع. وقال النعمان بن راشد عن الزهري: كان حديث الافك في غزوة المريسيع. هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها كانت في سنة أربع. والذي حكاه عنه وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس. وقال الواقدي: كانت لليلتين من شعبان سنة خمس في سبعمائة من أصحابه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، بعد ما أورد قصة ذي قرد: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعض جمادي الآخرة ورجب، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ويقال نميلة بن عبدالله الليثي. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحيى ابن حبان، كل قد حدثني بعض حديث بني المصطق قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا، فلما سمع بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحم الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم، ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه. وقال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لليلتين مضتا من شعبان سنة خمس من الهجرة في سبعمائة من أصحابه إلى بني المصطلق، وكانوا حلفاء بني مدلج، فلما انتهى إليهم دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ويقال إلى عمار بن ياسر، وراية الانصار إلى سعد بن عبادة، ثم أمر عمر بن

[ 298 ]

الخطاب فنادى في الناس أن قولوا: لا إله إلا الله. تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم. فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد، وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد. وثبت في الصحيحين من حديث عبدالله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فقال: قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون في أنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم فأصاب يومئذ - أحسبه قال - جويرية بنت الحارث. وأخبرني عبدالله بن عمر بذلك، وكان بذلك الجيش. قال ابن إسحاق: وقد أصيب رجل من المسلمين يقال له هشام بن صبابة، أصابه رجل من الانصار وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ. * * * وذكر ابن إسحاق أن أخاه مقيس بن صبابة قدم من مكة مظهرا للاسلام فطلب دية أخيه هشام من رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه قتل خطأ، فأعطاه ديته، ثم مكث يسيرا ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ورجع مرتدا إلى مكة وقال في ذلك: شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاخادع (1) وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم فتحميني وطاء المضاجع حللت به وترى وأدركت ثؤرتي * وكنت إلى الاوثان أول راجع ثأرت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع (2) قلت: ولهذا كان مقيس هذا من الاربعة الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وم الفتح دماءهم وإن وجدوا معلقين بأستار الكعبة.


(1) الاخادع: جمع أخدع، وهو عرق في المحجمتين، وهو شعبة من الوريد. (2) فارع: حصن بالمدينة. (*)

[ 299 ]

قال ابن إسحاق: فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الانصار. وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبدالله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حدث فقال: أوقد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ؟ والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الاول: " سمن كلبك يأكلك ! " أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا ولكن أذن بالرحيل. وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها. فارتحل الناس. وقد مشى عبدالله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم بلغه ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به. وكان في قومه شريفا عظيما، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل. حدبا على ابن أبي ودفعا عنه. فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه وقال: يا رسول الله والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح

[ 300 ]

في مثلها ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ قال: أي صاحب يا رسول الله ؟ قال: عبدالله بن أبي. قال: وما قال ؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الاعز منها الاذل. قال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله ارفق، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا. ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الارض فوقعوا نياما. وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالامس من حديث عبدالله بن أبي، ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له بقعاء. فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة فآذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخوفوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار. فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين، مات ذلك اليوم. وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي. وروى مسلم من طريق الاعمش، عن أبي سفيان، عن جابر نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين. قال: هبت ريح شديدة والنبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال: هذه لموت منافق. فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. قال ابن إسحاق: ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ومن كان على مثل أمره، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم وقال:

[ 301 ]

هذا الذي أوفى لله بأذنه. قلت: وقد تكلمنا على تفسيرها بتمامها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا، وسردنا طرق هذا الحديث عن زيد بن أرقم ولله الحمد والمنة، فمن أراد الوقوف عليه أو أحب أن يكتبه هاهنا فليطلبه من هناك. وبالله التوفيق. * * * قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن عبدالله بن عبدالله بن أبي بن سلول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمر لي به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده منى، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبدالله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا. وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لارعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر: قد والله علمت لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري. وقد ذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن ابنه عبدالله رضى الله عنه وقف لابيه عبدالله بن أبي بن سلول عند مضيق المدينة فقال: قف فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنه في ذلك فأذن له فأرسله حتى دخل المدينة.

[ 302 ]

قال ابن إسحاق: وأصيب يومئذ من بني المصطلق ناس، وقتل علي بن أبي طالب منهم رجلين: مالكا وابنه. قال ابن هشام: وكان شعار المسلمين: يا منصور أمت أمت. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب منهم سبيا كثيرا فقسمهم في المسلمين. وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، أخبرني إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، أنه قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست إليه فسألته عن العزل، فقال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزوبة، وأحببنا العزل وقلنا نعزل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: " ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا كائنة " وهكذا رواه [ مسلم ]. * * * قال ابن إسحاق: وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة عن عائشة قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت ابن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتستعينه في كتابتها. قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس

[ 303 ]

أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت: وما هو يا رسول الله ؟ قال: أقضى عنك كتابك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت. قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها. ثم ذكر ابن إسحاق قصة الافك بتمامها في هذه الغزوة، وكذلك البخاري وغير واحد من أهل العلم، وقد حررت طرق ذلك كله في تفسير سورة النور، فليلحق بكماله إلى هاهنا وبالله المستعان. وقال الواقدي: حدثنا حرام، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت جويرية بنت الحارث: رأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر به أحدا من الناس حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سبينا رجوت الرؤيا، قالت: فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني، والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر، فحمدت الله تعالى. قال الواقدي: ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل صداقها عتق أربعين من بني المصطلق. وذكر موسى بن عقبة عن بني المصطلق أن أباها طلبها وافتداها، ثم خطبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه إياها.

[ 304 ]

قصة الافك وهذا سياق محمد بن إسحاق حديث الافك: قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن علقمة بن وقاص وسعيد بن المسيب (1) وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبدالله (2) بن عتبة، قال الزهري: وكل قد حدثني بهذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت كل الذي (3) حدثني القوم. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عن عائشة، و عبدالله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة عن نفسها حين قال فيها أهل الافك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها بما سمع قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كان غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن العلق (4) لم يهجهن اللحم فيثقلن، وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين كانوا يرحلون لي فيحملونني ويأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به.


(1) ابن هشام: سعيد بن جبير. (2) الاصل: و عبدالله بن عبيد الله. وما أثبته عن ابن هشام. (3) ابن هشام: لك الذي. (4) العلق: جمع علقة، وهي كل ما يتبلغ به من العيش. (*)

[ 305 ]

قالت: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل، ثم أذن مؤذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار (1) فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون لي البعير وقد كانوا فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به. فرجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب، قد انطلق الناس. قالت: فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أن لو افتقدت لرجع الناس إلي. قالت: فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ! ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وأنا متلففة في ثيابي. قال: ما خلفك يرحمك الله ؟ قالت: فما كلمته. ثم قرب إلي البعير فقال: اركبي. واستأخر عني. قالت: فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت، ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الافك ما قالوا، وارتج العسكر ووالله ما أعلم بشئ من ذلك. ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة لا يبلغني من ذلك شئ.


(1) الجزع: الخرز. وظفار: مدينة باليمن. (20 - السيرة 3) (*)

[ 306 ]

وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي، لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا، إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي، كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي في شكواي ذلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال: كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وجدت في نفسي فقلت: يا رسول الله، حين رأيت ما رأيت من جفائه لي: لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني. قال: لا عليك. قالت: فانقلبت إلى أمي ولا علم لي بشئ مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الاعاجم نعافها ونكرهها، إنما كنا نخرج في فسح المدينة وإنما كانت النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي رهم بن المطلب، قالت: فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح. ومسطح لقب واسمه عوف. قالت: فقلت: بئس لعمرو الله ما قلت لرجل من المهاجرين، وقد شهد بدرا. قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قالت: قلت: وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الافك. قلت: أو قد كان هذا ؟ قالت: نعم. والله لقد كان. قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضى حاجتي، ورجعت، فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي. قالت: وقلت لامي: يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ! قالت: أي بنية خففي (1) عليك الشأن فوالله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.


(1) ابن هشام: خفضي. (*)

[ 307 ]

قالت: وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبهم، ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا: ولا يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي. قالت: وكان كبر ذلك عند عبدالله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن امرأة من نسائه تناصبني في المنزلة عنده غيرها. فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لاختها فشقيت بذلك. فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير: يا رسول الله إن يكونوا من الاوس نكفيكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك، فوالله إنهم لاهل أن تضرب أعناقهم. قالت: فقام سعد بن عبادة، وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال: كذبت لعمر الله ما تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: وتساور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الاوس والخزرج شر. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل علي فدعا علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا وقاله، ثم قال: يا رسول الله أهلك وما نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما علي فإنه قال: يا رسول الله إن النساء

[ 308 ]

لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة يسألها. قالت: فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا ويقول: أصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فأمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله ! قالت: ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الانصار وأنا أبكي وهي تبكي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقي الله، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده. قالت: فوالله إن هو إلا أن قال لي ذلك فقلص (1) دمعي حتى ما أحس منه شيئا، وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتكلما. قالت: وايم الله لانا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به ويصلى به، ولكني كنت أرجو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب الله به عني لما يعلم من براءتي ويخبر خبرا، وأما قرآنا ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك. قالت: فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالا: والله ما ندري بما نجيبه. قالت: ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الايام. قالت: فلما استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إني لاعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لاقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت


(1) قلص: ارتفع. (*)

[ 309 ]

ما يقولون لا تصدقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " قالت: فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجى بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ماسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس. قالت: ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وإنه ليتحدر من وجهه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: أبشري يا عائشة، قد أنزل الله عزوجل براءتك. قالت: قلت: الحمد لله. ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عزوجل من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين عن الزهري، وهذا السياق فيه فوائد جمة. وذكر حد القذف لحسان ومن معه، رواه أبو داود في سننه. قال ابن إسحاق: وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه: لقد ذاق حسان الذي كان أهله * وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح (1) تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم * وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا (2) وآذوا رسول الله فيها فجللوا * مخازي تبقى عممومها وفضحوا


(1) الهجير: الفاحش من القول. (2) أترحوا: أحزنوا، من الترح. (*)

[ 310 ]

وصبت عليهم محصدات كأنها * شآبيب قطر في ذرا المزن تسفح (1) وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان بن ثابت قال شعرا يهجو فيه صفوان بن المعطل وجماعة من قريش ممن تخاصم على الماء (2) من أصحاب جهجهاه كما تقدم أوله هي: أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا * وابن الفريعة أمسى بيضة البلد (3) قد ثكلت أمه من كنت صاحبه * أو كان منتشبا في برثن الاسد ما لقتيلي الذي أغدو فاخذه * من دية فيه يعطاها ولا قود ما البحر حين تهب الريح شامية * فيغطئل ويرمى العبر بالزبد (4) يوما بأغلب مني حين تبصرني * ملغيظ أفرى كفري العارض البرد (5) أما قريش فإني لا أسالمها * حتى ينيبوا من الغيات للرشد ويتركوا اللات والعزى بمعزلة * ويسجدوا كلهم للواحد الصمد ويشهدوا أن ما قال الرسول لهم * حق فيوفوا بحق الله والوكد (6) قال: فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف وهو يقول: تلق ذباب السيف عني فإنني * غلام إذا هو جيت لست بشاعر وذكر أن ثابت بن قيس بن شماس أخذ صفوان حين ضرب حسان فشده وثاقا، فلقيه عبدالله بن رواحة فقال: ماهذا ؟ فقال: ضرب حسان بالسيف. فقال عبدالله: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ من ذلك ؟ قال: لا. فأطلقه ثم أتوا كلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني


(1) المحصدات: السياط الشديدة الفتل. والشآبيب: جمع شؤبوب وهي الدفعة من المطر. والمزن: السحاب (2) ابن هشام: يعرض بابن المعطل فيه، وبمن أسلم من العرب من مضر. (3) الجلابيب: الغرباء. (4) يغطئل: يركب بعضه بعضا. والعبر: جانب البحر. (5) أفرى: أقطع. والعارض: السحاب. (6) الوكد: العهود والمواثيق. (*)

[ 311 ]

الغضب فضربته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حسان أتشوهت على قومي إذ هداهم الله. ثم قال: أحسن يا حسان فيما أصابك. فقال: هي لك يا رسول الله. فعوضه منها بيرحاء (1) التي تصدق بها أبو طلحة وجارية قبطية يقال لها سيرين جاءه منها ابنه عبدالرحمن. قال: وكانت عائشة تقول: سئل عن ابن المعطل فوجد رجلا حصورا ما يأتي النساء. ثم قتل بعد ذلك شهيدا رضى الله عنه. قال ابن إسحاق: ثم قال حسان بن ثابت يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة: حصان رزان ما تزن برببة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (2) عقيلة حي من لؤي بن غالب * كرام المساعي مجدهم غير زائل وأن الذي قد قيل ليس بلائط * بك الدهر بل قيل امرئ بي ماحل (3) فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم * فلا رفعت سوطي إلي أناملي فكيف وودي ما حييت ونصرتي * لآل رسول الله زين المحافل وإن لهم عزا ترى الناس دونه * قصارا وطال العز كل التطاول ولتكتب هاهنا الآيات من سورة النور، وهي من قوله: " إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم " إلى: " مغفرة ورزق كريم " وما أوردناه هنالك من الاحاديث والطرق والآثار عن السلف والخلف. وبالله التوفيق.


(1) جاء: اسم رجل أضيفت إليه البئر وفي ابن هشام: وهي قصر بني جديلة اليوم بالمدينة. (2) تزن: تتهم والغرثى: الجائعة. (3) لائط: لاصق. والماحل: الواشي. (*)

[ 312 ]

غزوة الحديبية وقد كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف. وممن نص على ذلك الزهري، ونافع مولى ابن عمر، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم. وهو الذي رواه ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة، أنها كانت في ذي القعدة سنة ست. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا إسماعيل بن الخليل، عن علي بن مسهر، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه: قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان، وكانت الحديبية في شوال: وهذا غريب جدا عن عروة. وقد روى البخاري ومسلم جميعا عن هدبة، عن همام، عن قتادة، أن أنس بن مالك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر في ذي القعدة إلا العمرة التي مع حجته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، ومن الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجته. وهذا لفظ البخاري. * * * وقال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة رمضان وشوالا وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة ابن عبدالله الليثي. قال ابن إسحاق: واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الاعراب ليخرجوا

[ 313 ]

معه، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الاعراب. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والانصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا، وساق معه الهدى سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، وكانت كل بدنة عن عشرة نفر: وكان جابر ابن عبدالله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. * * * قال الزهري: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر (1) بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل (2)، قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش ! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش ؟ فوالله لا أزال أجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة. (3) ثم


(1) ويقال له: بسر. كما قال ابن هشام. (2) العوذ المطافيل: النوق ذوات اللبن معها أولادها. وهى كناية عن النساء معها الاطفال. (3) السالفة: صفحة العنق. وأراد بذلك الموت. (*)

[ 314 ]

قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟ قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر أن رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله. فسلك بهم طريقا وعرا أجرل (1) بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين فأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله: قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه. فقالوا ذلك. فقال: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها. قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمض. في طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس: خلات (2). فقال: ما خلات وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. * * * ثم قال للناس: انزلوا. قيل له: يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه. فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب، فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن (3).


(1) الاجرل: الكثير الحجارة. (2) خلات: حرنت وبركت من غير علة. (3) ضرب الناس بعطن: أناخوا حول الماء بعد السقي (*).

[ 315 ]

قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب (1)، سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وقد زعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم أي ذلك كان. ثم استدل ابن إسحاق للاول أن جارية من الانصار جاءت البئر وناجية أسفله يميح (2) فقالت: يا أيها المائح دلوي دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا يثنون خيرا ويمجدونكا فأجابها فقال: قد علمت جارية يمانيه * أني أنا المائح واسمي ناجيه وطعنة ذات رشاش واهيه * طعنتها عند صدور العاديه * * * قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه ما الذي جاء به ؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته. ثم قال لهم نحو ما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت. فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن جاء ولا يريد قتالا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة ولا تحدث بذلك عنا العرب. قال الزهري: وكانت خزاعة عيبة (3) نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة.


(1) ذكر ابن هشام بقية نسبه. (2) يميح: يملا الدلاء. (3) العيبة: موضع السر والخاصة. (*).

[ 316 ]

قال: ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الاخيف أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: هذا رجل غادر. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بعثوا بحليس بن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الاحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه. فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاهدناكم، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له ؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لانفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد. قالوا: مه كف عنا حتى نأخذ لانفسنا ما نرضى به. * * * قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم.

[ 317 ]

فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد أجمعت أو شاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم ؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال: وأبو بكر الصديق رضى الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: امصص بظر اللات ! أنحن ننكشف عنه ؟ قال: من هذا يا محمد ؟ قال: هذا ابن أبي قحافة. قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بهذه. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذ يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك. قال: فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك !. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد ؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالامس ! قال الزهري: فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه ! ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا، فروا رأيكم.

[ 318 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب: ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله، فمنعه الاحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس، أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، أمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل. ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدى أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني. عثمان بن عفان. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته. فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال: ما كنت لافعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم. واحتبسته قريش عندها. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد

[ 319 ]

قتل. قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم. * * * ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، وكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة وكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت. وكان جابر بن عبدالله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على ألا نفر. فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، وكان جابر بن عبدالله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضبأ (1) إليها يستتر من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل. قال ابن هشام: ودكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الاسدي. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان فضرب بإحدى يديه الاخرى. وهذا الحديث الذي ذكره ابن هشام بهذا الاسناد ضعيف، لكنه ثابت في الصحيحين. قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ائت محمدا وصالحه، ولا يكن في صلحه


(1) ضبأ: لصق. (*)

[ 320 ]

إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام، وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح. فلما التأم الامر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله ؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال: أبو بكر: يا عمر الزم غرزه (1) فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى. قال أو ليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال: أنا عبدالله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني وكان عمر رضى الله عنه يقول: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرا. * * * قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضى الله عنه فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم قال فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم. فكتبها. ثم قال: اكتب: " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو ". قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.


(1) الغرز: ركاب من جلد توضع فيه الرجل. والمراد: اتبع أمره ولا تخالفه. (*)

[ 321 ]

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب: " هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة (1) مكفوفة، وأنه لا إسلال (2) ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ". فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وإنك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب: السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها. قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت. فجعل ينتره بتلبيبه ويجره


(1) العيبة: موضع السر ومكفوفة: مطوية. (2) الاسلال: السرقة الخفية. والاغلال: الخيانة. (21 - السيرة 3) (*)

[ 322 ]

يعني يرده (1) إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني. فزاد ذلك الناس إلى ما بهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم ". قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدنى قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه ! قال: فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب اشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن ابن عوف، و عبدالله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص، وهو يومئذ مشرك، وعلي بن أبي طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. * * * وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا في الحل (2)، وكان يصلي في الحرم، فما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وكان الذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي، فلما رأى الناس أن رسول الله وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون.


(1) ابن هشام: ليرده. (2) مضطربا: كانت خيامه مقامة في الحل. (*)

[ 323 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يرحم الله المحلقين " قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ قال: " يرحم الله المحلقين " قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ قال: " يرحم الله المحلقين " قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ قال: " والمقصرين ". قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين ؟ قال: لم يشكوا. وقال عبدالله بن أبي نجيح: حدثني مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لابي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين. هذا سياق محمد بن إسحاق رحمه الله لهذه القصة، وفي سياق البخاري كما سيأتي مخالفة في بعض الاماكن لهذا السياق كما ستراها إن شاء الله وبه الثقة. ولنوردها بتمامها، ونذكر في الاحاديث الصحاح والحسان ما فيه [ غناء ]. إن شاء الله تعالى وعليه التكلان وهو المستعان. * * * قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبدالله، عن زيد بن خالد، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: " أتدرون ماذا قال ربكم " ؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. فقال: قال الله تعالى: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من

[ 324 ]

قال: مطرنا برحمة وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بي ". وهكذا رواه في غير موضع من صحيحه،. ومسلم من طرق عن الزهري، وقد روى عن الزهري عن عبيد الله بن عبدالله عن أبي هريرة. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. انفرد به البخاري. وقال ابن إسحاق في قوله تعالى: " فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ": صلح الحديبية. قال الزهري: فما فتح في الاسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد في الاسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الاسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على ما قاله الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة رجل في قول جابر، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. وقال البخاري: حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا ابن فضيل، حدثنا حصين، عن سالم، عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين

[ 325 ]

يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكم ؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا ما نشرب إلا ما في ركوتك. فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال: فشربنا وتوضأنا. فقلنا لجابر: كم كنتم يومئذ ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد عن جابر به. وقال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبدالله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة. فقال لي سعيد: حدثني جابر: كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. تابعه أبو داود، حدثنا قرة عن قتادة. تفرد به البخاري. ثم قال البخاري: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان، قال عمرو: سمعت جابرا قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: " أنتم خير أهل الارض " وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لاريتكم مكان الشجرة. وقد روى البخاري أيضا ومسلم من طرق، عن سفيان بن عيينة به. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: إن عبدا لحاطب جاء يشكوه فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذبت لا يدخلها، شهد بدرا والحديبية ". رواه مسلم. وعند مسلم أيضا من طرق [ عن ] ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرا

[ 326 ]

يقول: أخبرتني أم ميسر أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: " لايدخل أحد النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها " فقالت حفصة: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة " وإن منكم إلا واردها " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قال تعالى: " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ". قال البخاري: وقال عبيد الله بن معاذ: حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، حدثني عبدالله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين. تابعه محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة. هكذا رواه البخاري معلقا عن عبدالله. وقد رواه مسلم عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه عن شعبة به. وعن محمد بن المثنى، عن أبى داود، عن إسحق بن إبراهيم، عن النضر. ابن شميل كلاهما عن شعبة به. ثم قال البخاري: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن مروان والمسور بن مخرمة، قالا: خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعر وأحرم منها. تفرد به البخاري وسيأتي هذا السياق بتمامه. * * * والمقصود أن هذه الروايات كلها مخالفة لما ذهب إليه ابن إسحاق من أن أصحاب الحديبية كانوا سبع مائة. وهو والله أعلم إنما قال ذلك تفقها من تلقاء نفسه من حيث إن البدن كن سبعين بدنة، وكل منها عن عشرة على اختياره، فيكون المهلون سبعمائة. ولا يلزم أن يهدى كلهم ولا أن يحرم كلهم أيضا، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله

[ 327 ]

عليه وسلم بعث طائفة منهم فيهم أبو قتادة ولم يحرم أبو قتادة حتى قتل ذلك الحمار الوحشي فأكل منه هو وأصحابه، وحملوا منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الطريق فقال: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقى من الحمار. وقد قال البخاري: حدثنا شعبة بن الربيع، حدثنا على بن المبارك، عن يحيى عن عبدالله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال: انطلقنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم. * * * وقال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا شبابة بن سوار الفزارى، حدثنا شعبة، عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. حدثنا موسى، حدثنا أبو عوانة، حدثنا طارق، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه أنه كان فيمن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا. وقال البخاري أيضا: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن طارق بن عبد الرحمن، قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، فقلت: ما هذا المسجد ؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما كان من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. ثم قال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها، وعلمتموها أنتم ! فأنتم أعلم ؟ ورواه البخاري ومسلم من حديث الثوري وأبي عوانة وشبابة عن طارق. وقال البخاري: حدثنا سعيد، حدثني أخي، عن سليمان، عن عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم قال: لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال ابن

[ 328 ]

زيد: على ما يبايع ابن حنظلة الناس ؟ قيل له: على الموت. فقال: لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شهد معه الحديبية. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن عمرو بن يحيى به. وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد قلت لسلمة بن الاكوع: على أي شئ بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ؟ قال: على الموت. ورواه مسلم من حديث يزيد بن أبي عبيد. وفي صحيح مسلم عن سلمة أنه بايع ثلاث مرات في أوائل الناس ووسطهم وأواخرهم. وفي الصحيح عن معقل بن يسار أنه كان آخذا بأغصان الشجرة عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس، وكان أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أبو سنان، وهو وهب بن محصن أخو عكاشة بن محصن، وقيل سنان ابن أبي سنان. وقال البخاري: حدثني شجاع بن الوليد، سمع النضر بن محمد، حدثنا صخر بن الربيع، عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبدالله إلى فرس له عند رجل من الانصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبدالله، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجرة، فإذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عبدالله انظر

[ 329 ]

ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع. تفرد به البخاري من هذين الوجهين. ذكرى سياق البخاري لعمرة الحديبية قال في كتاب المغازي: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا سفيان، سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه، قالا: خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدى وأشعره (1) وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الاشطاط أتاه عينه قال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الاحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك. فقال: أشيروا أيها الناس على، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله. هكذا رواه هاهنا ووقف ولم يزد شيئا على هذا. وقال في كتاب الشهادات (2): حدثني عبدالله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه


(1) أشعره: ألبسه الشعار تمييزا له. (2) هو في كتاب الشروط صحيح البخاري 2 / 10 (*)

[ 330 ]

وسلم زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد ابن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل (1)، فألحت، فقالوا: خلات القصواء خلات القصواء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماخلات القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت. فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه (2) [ الناس (3) ] تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذا جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا،


(1) حل: كلمة تقال للناقة إذا بركت. (2) يتبرضه: يأخذونه قليلا قليلا. (3) من صحيح البخاري 2 / 10 (*)

[ 331 ]

وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن أمر الله. قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشئ. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألست بالوالد ؟ قالوا: بلى. قال: أو لستم بالولد ؟ قالوا بلى. قال: فهل تتهموني ؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا (1) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه، فقالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن الاخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لارى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات ! أنحن نفر عنه وندعه ؟ ! قال: من ذا ؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لاجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر


(1) بلحوا: أبطأوا. (*)

[ 332 ]

يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه فقال. من هذا ؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك ! وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الاسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شئ. ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده (1). وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. * * * فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له. فبعثت له واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت.


(1) لعل هذا الوصف مبالغة في الحب والتعظيم، كان فيه مخالفة لمبادئ الاسلام التي تدعو إلى النظافة وتحث على التطهر، ولعل هذا لا يتناسب مع ما كان عليه المسلمون من وضاءة وطهر. ونحن لا ننكر الرواية ولكننا نحملها على المبالغة والتجوز. (*)

[ 333 ]

فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آتيه. قالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر. فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد سهل لكم من أمركم ". قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل فقال: هات فاكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبدالله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد ابن عبدالله. قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. قال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وأن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما.

[ 334 ]

فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله إذا لم أصالحك على شئ أبدا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي. قال ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. فقال عمر رضى الله عنه: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا ؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية ؟ في ديننا إذن ؟. قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: " بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام " ؟ قال: قلت: لا. قال: " فإنك آتيه ومطوف به ". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل. قال: بلى. قال: قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن. قال: أيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام. فقلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا.

[ 335 ]

قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن " حتى بلغ " بعصم الكوافر " فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والاخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لاحد الرجلين: والله إني لارى سيفك هذا يا فلان جيدا. فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: " لقد رأى هذا ذعرا ". فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبى الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ويل أمه ! مسعر حرب لو كان له أحد ! فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون

[ 336 ]

بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. فأنزل الله تعالى: " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم " حتى بلغ: " الحمية حمية الجاهلية ". وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. فهذا سياق فيه زيادات وفوائد حسنة ليست في رواية ابن إسحاق عن الزهري، فقد رواه عن الزهري عن جماعة منهم سفيان بن عيينة ومعمر ومحمد بن إسحاق، كلهم عن الزهري عن عروة عن مروان ومسور، فذكر القصة. * * * وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط عن يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن عقيل عن الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر القصة. وهذا هو الاشبه، فإن مروان ومسورا كانا صغيرين يوم الحديبية، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة رضى الله عنهم أجمعين. وقال البخاري: حدثنا الحسن بن إسحاق، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك ابن مغول، سمعت أبا حصين قال: قال أبو وائل،: لما قدم سهيل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا

[ 337 ]

عن عواتقنا لامر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، قبل هذا الامر ما نسد منها خصما إلا انفجر علينا خصم (1) ما ندري كيف نأتي له. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وكان عمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شئ فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يا عمر، نزرت (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن. فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال: " لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس " ثم قرأ: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ". قلت: وقد تكلمنا على سورة الفتح بكمالها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة ومن أحب أن يكتب ذلك هنا فليفعل.


(1) الخصم: الجانب. ويريد بهذا الامر: الفتنة التي حدثت بين على ومعاوية. (2) نزرت: ألحححت عليه. (22 - السيرة 3) (*)

[ 338 ]

فصل في ذكر السرايا والبعوث التي كانت في سنة ست من الهجرة وتلخيص ذلك ما أورده الحافظ البيهقي عن الواقدي: في ربيع الاول منها أو الآخر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى [ غرو مرزوق ] (1) فهربوا منه ونزل على مياههم وبعث في آثارهم وأخذ منهم مائتي بعير فاستاقها إلى المدينة. وفيها كان بعث أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة بأربعين رجلا أيضا، فساروا إليهم مشاة حتى أتوها في عماية الصبح، فهربوا منه في رءوس الجبال، فأسر منهم رجلا فقدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه محمد بن مسلمة في عشرة نفر وكمن القوم لهم حتى باتوا [ فقتل (2) ] أصحاب محمد بن مسلمة كلهم وأفلت هو جريحا. وفيها كان بعث زيد بن حارثة بالجموم (3) فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم على محلة من محال بني سليم فأصابوا منها نعما وشاء وأسروا [ جماعة من المشركين ] (4) وكان فيهم زوج حليمة هذه فوهبه رسول الله صلى عليه وسلم لزوجها وأطلقهما. وفيها كان بعث زيد بن حارثة أيضا في جمادي الاولى إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فهربت منه الاعراب، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا ثم رجع بعد أربع ليال.


(1) سقطت من الاصل وأثبتها من المواهب. (2) سقطت من الاصل. (3) الاصل: الحموم. وما أثبته من المواهب. (4) سقطت من الاصل وأثبتها من المواهب. (*)

[ 339 ]

وفيها خرج زيد بن حارثة في جمادي الاولى إلى العيص. قال: وفيها أخذت الاموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع، فاستجار بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجارته. وقد ذكر ابن إسحاق قصته حين أخذت العير التي كانت معه وقتل أصحابه وفر هو من بينهم حتى قدم المدينة، وكانت امرأته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هاجرت بعد بدر، فلما جاء المدينة استجار بها فأجارته بعد صلاة الصبح، فأجاره لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس برد ما أخذوا من عيره، فردوا كل شئ كانوا أخذوه منه حتى لم يفقد منه شيئا، فلما رجع بها إلى مكة وأدى إلى أهلها ما كان لهم معه من الودائع أسلم، وخرج من مكة راجعا إلى المدينة، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته بالنكاح الاول ولم يحدث نكاحا ولا عقدا كما تقدم بيان ذلك. وكان بين إسلامه وهجرتها ست سنين، ويروى سنتين. وقد بينا أنه لا منافاة بين الروايتين، وأن إسلامه تأخر عن وقت تحريم المؤمنات على الكفار بسنتين، وكان إسلامه في سنة ثمان في سنة الفتح لا كما تقدم في كلام الواقدي من أنه سنة ست. فالله أعلم. وذكر الواقدي في هذه السنة أن دحية بن خليفة الكلبي أقبل من عند قيصر، قد أجازه بأموال وخلع، فلما كان بحسمى لقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا معه شيئا، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة أيضا رضى الله عنه. قال الواقدي: حدثني عبدالله بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة، قال: خرج علي رضى الله عنه في مائة رجل إلى أن نزل إلى حي من بني أسد بن بكر، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فسار إليهم بالليل

[ 340 ]

وكمن بالنهار وأصاب عينا لهم، فأقر له أنه بعث إلى خيبر يعرض عليهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر. قال الواقدي رحمه الله تعالى: وفي سنة ست في شعبان كانت سرية عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هم أطاعوا فتزوج بنت ملكهم، فأسلم القوم وتزوج عبدالرحمن بنت ملكهم تماضر بنت الاصبع الكلبية، وهي أم أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف * * * قال الواقدي: في شوال سنة ست كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم كرز بن جابر في عشرين فارسا فردوهم. وكان من أمرهم ما أخرجه البخاري ومسلم، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رهطا من عكل وعرينة - وفي رواية: من عكل أو عرينة - أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا أناس أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف فاستوخمنا المدينة. فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود (1) وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر (2) أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا وهم كذلك. قال قتادة: فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب بعد ذلك حض على الصدقة ونهى عن المثلة.


(1) الذود: القطيع من الابل بين الثلاث إلى العشر. (2) سمر: فقأ. (*)

[ 341 ]

وهذا الحديث قد رواه جماعة عن قتادة ورواه جماعة عن أنس بن مالك. وفي رواية مسلم عن معاوية بن قرة عن أنس، أن نفرا من عرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم - وهو البرسام (1) - فقالوا: هذا الموم قد وقع يا رسول، لو أذنت لنا فرجعنا إلى الابل. قال: نعم فاخرجوا فكونوا فيها. فخرجوا فقتلوا الراعيين وذهبوا بالابل. وعنده: سار من الانصار قريب عشرين فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم. وفي صحيح البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، أنه قال: قدم رهط من عكل فأسلموا واجتووا المدينة، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: الحقوا بالابل واشربوا من أبوالها وألبانها. فذهبوا وكانوا فيها ما شاء الله، فقتلوا الراعي واستاقوا الابل فجاء الصريخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ترتفع الشمس حتى أتى بهم فأمر بمسامير فأحميت فكواهم بها وقطع أيديهم وأرجلهم، وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا ولم يحمهم. وفي رواية عن أنس قال: فلقد رأيت أحدهم يكدم الارض بفيه من العطش. قال أبو قلابة: فهؤلاء قتلوا وسرقوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقد روى البيهقي من طريق عثمان بن أبي شيبة، عن عبدالرحمن بن سليمان، عن محمد بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث في آثارهم قال: اللهم عم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك جمل، قال: فعمى الله عليهم السبيل: فأدركوا فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. وفي صحيح مسلم: إنما سملهم لانهم سملوا أعين الرعاء.


(1) البرسام: ذات الجنب. وهو التهاب في الغشاء المحيط بالرئة. (*)

[ 342 ]

فصل فيما وقع من الحوادث في هذه السنة أعنى سنة ست من الهجرة. فيها نزل فرض الحج، كما قرره الشافعي رحمه الله زمن الحديبية في قوله تعالى " وأتموا الحج والعمرة لله ". ولهذا ذهب إلى أن الحج على التراخي لا على الفور، لانه صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في سنة عشر. وخالفه الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد، فعندهم أن الحج يحب على كل من استطاعه على الفور، ومنعوا أن يكون الوجوب مستفادا من قوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله " وإنما في هذه الآية الامر بالاتمام بعد الشروع فقط، واستدلوا بأدلة قد أوردنا كثيرا منها عند تفسير هذه الآية من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة بما فيه كفاية. وفي هذه السنة حرمت المسلمات على المشركين، تخصيصا لعموم ما وقع به الصلح عام الحديبية على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته علينا، فنزل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن " الآية. وفي هذه السنة كانت غزوة المريسيع التي كان فيها قصة الافك ونزول براءة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها كما تقدم. وفيها كانت عمرة الحديبية، وما كان من صد المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف وقع الصلح بينهم على وضع الحرب بينهم عشر سنين، فأمن الناس فيهن

[ 343 ]

بعضهم بعضا، وعلى أنه لا إغلال ولا إسلال. وقد تقدم كل ذلك مبسوطا في أماكنه ولله الحمد والمنة. وولى الحج في هذه السنة المشركون. قال الواقدي: وفيها في ذي الحجة منها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر مصطحبين حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية. وشجاع بن وهب ابن أسد بن جذيمة شهد بدرا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يعني ملك عرب النصارى، ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، وهو هرقل ملك الروم، و عبدالله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك النصارى بالحبشة وهو أصحمة بن الحر.

[ 344 ]

بسم الله الرحمن الرحيم سنة سبع من الهجرة غزوة خيبر في أولها قال شعبة عن الحاكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى في قوله: " وأثابهم فتحا قريبا " قال: خيبر. وقال موسى بن عقبة: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية مكث عشرين يوما أو قريبا من ذلك ثم خرج إلى خيبر، وهي التي وعده الله إياها. وحكى موسى عن الزهري أن افتتاح خيبر في سنة ست والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع. كما قدمنا. قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن الزهري، عن عروة عن مروان والمسور قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر فنزل بالرجيع: واد بين [ خيبر و ] غطفان فتخوف أن تمدهم غطفان، حتى أصبح فغدا عليهم. قال البيهقي: وبمعناه رواه الواقدي عن شيوخه في خروجه أول سنة سبع من الهجرة.

[ 345 ]

وقال عبدالله بن إدريس: عن إسحاق، حدثني عبدالله بن أبي بكر، قال: لما كان افتتاح خيبر في عقيب المحرم، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر صفر. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبدالله الليثي. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خثيم يعني ابن عراك، عن أبيه أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي صلى الله عليه وسلم في خيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة يعني الغطفاني على المدينة. قال: فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الاولى كهيعص وفي الثانية ويل للمطففين، فقلت في نفسي: ويل لفلان إذا اكتال [ اكتال ] بالوافي وإذا كال كال بالناقص. قال: فلما صلى رددنا شيئا حتى أتينا خيبر وقد افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، قال: فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم. وقد رواه البيهقي من حديث سليمان بن حرب، عن وهيب، عن خثيم بن عراك، عن أبيه عن نفر من بني غفار قال: إن أبا هريرة قدم المدينة فذكره. * * * قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر وبنى له فيها مسجدا ثم على الصهباء، ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، كانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغني أن غطفان لما سمعوا بذلك جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا اليهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أموالهم وأهليهم وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن

[ 346 ]

بشير أن سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي من أدنى خيبر - صلى العصر ثم دعا بالازواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثرى فأكل وأكلنا: ثم قام إلى المغرب فمضمض ثم صلى ولم يتوضأ. * * * وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن زيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الاكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ وكان عامر رجلا شاعرا. فنزل يحدو بالقوم يقول: لا هم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما أبقينا * وألقين سكينة علينا وثبت الاقدام إن لاقينا * إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عولوا علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق ؟ قالوا: عامر بن الاكوع قال: يرحمه الله ! فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا به ! فأتينا خيبر فناصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة. ثم إن الله فتحها عليهم فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذه النيران على أي شئ توقدون ؟ قالوا: على لحم. قال: على أي لحم ؟ قالوا: لحم الحمر الانسية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أهريقوها واكسروها. فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها ؟ فقال: أو ذاك. فلما تصاف الناس كان سيف عامر قصيرا فتناول به ساق يهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، فلما قفلوا قال سلمة: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي قال: مالك ؟ قلت: فداك أبي وأمي

[ 347 ]

زعموا أن عامرا حبط عمله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله، إن له لاجرين - وجمع بين إصبعيه - إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله. ورواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل وغيره عن يزيد بن أبى عبيد مثله. ويكون [ مثله ] منصوبا على الحالية من نكرة، وهو سائغ إذا دلت على تصحيح معنى، كما جاء في الحديث " فصلى وراءه رجال قياما ". * * * وقد روى ابن إسحاق قصة عامر بن الاكوع من وجه آخر فقال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الاسلمي، أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الاكوع، وهو عم سلمة بن عمرو بن الاكوع: " انزل يا بن الاكوع فخذ لنا من هناتك ". قال: فنزل يرتجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا إنا إذا قوم بغوا علينا * وإن أرادو فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك ربك. فقال عمر بن الخطاب: وجبت يا رسول الله لو أمتعتنا به. فقتل يوم خيبر شهيدا. ثم ذكر صفة قتله كنحو ما ذكره البخاري. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي مروان الاسلمي، عن أبيه عن أبي معتب بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لاصحابه وأنا فيهم: قفوا، ثم قال: " اللهم رب السموات وما أظللن ورب الارضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية

[ 348 ]

وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله ". وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ البيهقي، عن الحاكم، عن الاصم، عن العطاردي، عن يونس ابن بكير، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن صالح بن كيسان، عن أبي مروان الاسلمي، عن أبيه عن جده قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر حتى إذا كنا قريبا وأشرفنا عليها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس:، قفوا. فوقف الناس فقال: " اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الارضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله الرحمن الرحيم ". * * * قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار، فنزلنا خيبر ليلا فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركبنا معه وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش قالوا: محمد والخميس معه ! فأدبروا هرابا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قال ابن إسحاق: حدثنا هرون عن حميد عن أنس بمثله. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن يوسف، حدثنا مالك، عن حميد الطويل، عن

[ 349 ]

أنس بن مالك أن رسول الله أتى خيبر ليلا وكان إذا أتى قوما بليل لم يغربهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. تفرد به دون مسلم. وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا أبو عيينة، حدثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: صبحنا خيبر بكرة فخرج أهلها بالمساحي، فلما بصروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد والله، محمد والخميس ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قال: فأصبنا من لحوم الحمر فنادى منادى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس. تفرد به البخاري دون مسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا فرجعوا إلى حصنهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. تفرد به أحمد وهو على شرط الصحيحين. وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال صلى رسول الله عليه وسلم الصبح قريبا من خيبر بغلس، ثم قال: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فخرجوا يسعون بالسكك فقتل النبي صلى الله عليه وسلم المقاتلة وسبى الذرية

[ 350 ]

وكان في السبي صفية، فصارت إلى دحية الكلبي، ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز بن صهيب لثابت: يا أبا محمد، أأنت قلت لانس: ما أصدقها ؟ فحرك ثابت رأسه تصديقا له. تفرد به دون مسلم. وقد أورد البخاري ومسلم النهي عن لحوم الحمر الاهلية من طرق تذكر في كتاب الاحكام. * * * وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو طاهر الفقيه، أنبأنا خطاب بن أحمد الطوسي، حدثنا محمد بن حميد الابيوردي، حدثنا محمد بن الفضل، عن مسلم الاعور الملائي، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، وكان يوم بني قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف وتحته إكاف من ليف. وقد روى هذا الحديث بتمامه الترمذي، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، وابن ماجه، عن محمد بن الصباح، عن سفيان، وعن عمر بن رافع عن جرير، كلهم عن مسلم، وهو ابن كيسان الملائي الاعور الكوفي، عن أنس به. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه وهو يضعف. قلت: والذي ثبت في الصحيح عند البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى في رفاق خيبر حتى انحسر الازار عن فخذه، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس لا على حمار. ولعل هذا الحديث إن كان صحيحا محمول على أنه ركبه في بعض الايام وهو محاصرها. والله أعلم. وقال البخاري: حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي، حدثنا زياد بن الربيع، عن

[ 351 ]

أبى عمران الجوني، قال: نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة فرأى طيالسة فقال: كأنهم الساعة يهود خيبر. وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة، حدثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الاكوع قال: كان علي بن أبي طالب تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر وكان رمدا، فقال: أنا أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فلحق به. فلما بتنا الليلة التي فتحت خيبر قال: لاعطين الراية غدا، أو ليأخذن الراية غذا رجل يحبه الله ورسوله يفتح عليه. فنحن نرجوها، فقيل: هذا علي. فأعطاه ففتح عليه. وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن حاتم به. ثم قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن، عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لاعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون (1) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسل إليه فأتى، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم.


(1) يدوكون: يختلفون ويسألون. (*)

[ 352 ]

وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة به. وفي صحيح مسلم والبيهقي من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله وسوله يفتح الله عليه ". قال عمر: فما أحببت الامارة إلا يومئذ ! فدعا عليا فبعثه ثم قال: " اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت " قال علي: على ما أقاتل الناس ؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ". لفظ البخاري. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا مصعب بن المقدام وجحش بن المثنى، قالا: حدثنا إسرائيل، حدثنا عبدالله بن عصمة العجلي، سمعت أبا سعيد الخدري رضى الله عنه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها ؟ فجاء فلان فقال: أنا. قال: امض. ثم جاء رجل آخر فقال: امض. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي كرم وجه محمد لاعطينها رجلا لا يفر " فقال: هاك يا علي. فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتها وقديدها. تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به، وفيه غرابة. وعبد الله به عصمة، ويقال ابن أعصم، وهكذا يكنى بأبى علوان العجلي، وأصله من اليمامة سكن الكوفة، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال

[ 353 ]

أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ كثيرا. وذكره في الضعفاء، وقال: يحدث عن الاثبات مما لا يشبه حديث الثقات حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي، عن أبيه، عن سلمة بن عمرو بن الاكوع رضى الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضى الله عنه إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد. ثم بعث عمر رضى الله عنه فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، وليس بفرار. قال سلمة: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وهو يومئذ أرمد، فتفل في عينيه ثم قال: " خذ الراية وامض بها حتى يفتح الله عليك ". فخرج بها والله يأنح (1) يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رايته في رضم (2) من حجارة تحت الحصن، فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: غلبتم وما أنزل على موسى. فما رجع حتى فتح الله على يديه. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا العطاردي، عن يونس بن بكير، عن الحسين بن واقد، عن عبدالله بن بريدة، أخبرني أبي، قال: لما كان يوم خيبر أخذ اللواء


(1) يأنح: من لانيح وهو علو النفس من شدة العدو. وتروى: يصول. (2) الرضم: حجارة بعضها فوق بعض، من غير بناء. (23 - السيرة 3) (*)

[ 354 ]

أبو بكر، فرجع ولم يفتح له، وقتل محمود بن مسلمة ورجع الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لادفعن لوائي غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لن يرجع حتى يفتح الله له " فبتنا طيبة نفوسنا أن الفتح غدا، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، ثم دعا باللواء وقام قائما، فما منا من رجل له منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولت أنا لها ورفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه، فدعا علي بن أبي طالب وهو يشتكي عينيه. قال: فمسحها ثم دفع إليه اللواء ففتح له، فسمعت عبدالله بن بريدة يقول: حدثني أبي أنه كان صاحب مرحب. قال يونس: قال ابن إسحاق: كان أول حصون خيبر فتحا حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته. * * * ثم روى البيهقي، عن يونس بن بكير، عن المسيب بن مسلمة الازدي، حدثنا عبدالله بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أخذته الشقيقة (1) فلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، وإن أبا بكر أخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الاول ثم رجع، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لاعطينها غدا [ رجلا ] يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة " وليس ثم علي، فتطاولت لها قريش، ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك، فأصبح وجاء علي بن أبي طالب على بعير له حتى أناخ قريبا وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد


(3) الشقيقة: وجع يأخذ نصف الرأس والوجه. (*)

[ 355 ]

قطرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك ؟ قال: رمدت بعدك. قال: ادن مني. فتفل في عينه فما وجعها حتى مضى لسبيله. ثم أعطاه الراية فنهض بها وعليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها، فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب * شاك سلاحي بطل مجرب إذا الليوث أقبلت تلهب * وأحجمت عن صولة المغلب فقال على رضى الله عنه: أنا الذي سمتني أمي حيدره * كليث غابات شديد القسوره أكيلكم بالصاع كيل السندره (1) قال: فاختلفا ضربتين، فبدره علي بضربة فقد الحجر والمغفر ورأسه، ورقع في الاضراس، وأخذ المدينة. * * * وقد روى الحافظ البزار عن عباد بن يعقوب، عن عبدالله بن بكر، عن حكيم ابن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قصة بعث أبي بكر ثم عمر يوم خيبر ثم بعث علي فكان الفتح على يديه. وفي سياقه غرابة ونكارة وفي إسناده من هو متهم بالتشيع. والله أعلم. وقد روى مسلم والبيهقي واللفظ له، من طريق عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة ابن الاكوع عن أبيه، فذكر حديثا طويلا وذكر فيه رجوعهم عن غزوة بني فزارة. قال: فلم نمكث إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر. قال: وخرج عامر فجعل يقول:


(1) السندرة: ضرب من الكيل غراف جراف. (*)

[ 356 ]

والله لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن من فضلك ما استغنينا * فأنزلن سكينة علينا وثبت الاقدام إن لاقينا قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا القائل ؟ فقالوا: عامر. فقال: غفر لك ربك. قال: وما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم قط أحدا به إلا استشهد. فقال عمر وهو على جمل: لولا متعتنا بعامر ! قال: فقدمنا خيبر فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول: قد عملت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال: فبرز له عامر رضى الله عنه وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامر * شاكي السلاح بطل مغامر قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر فذهب يسعل له (1)، فرجع على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه ! قال:، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: مالك ؟ فقلت: قالوا: أن عامرا بطل عمله. فقال: من قال ذلك ؟ فقلت: نفر من أصحابك. فقال: كذب أولئك، بل له الاجر مرتين. قال: وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي رضى الله عنه يدعوه وهو أرمد وقال: لاعطين الراية اليوم رجلا يحبه الله ورسوله. قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينه فبرأ، فأعطاه الراية، فبرز مرحب وهو يقول:


(1) يسعل: ينشط. (*)

[ 357 ]

قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال: فبرز له علي وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره * كليث غابات كريه المنظره أو فيهم بالصاع كيل السندره قال: فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله. وكان الفتح. هكذا وقع في هذا السياق أن عليا هو الذي قتل مرحبا اليهودي لعنه الله. وقال أحمد:، حدثنا حسين بن حسن الاشقر، حدثني قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عن جده عن علي قال: لما قتلت مرحبا جئت برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري، أن الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة. وكذلك قال محمد بن إسحاق: حدثني عبدالله بن سهل أحد بني حارثة، عن جابر بن عبدالله، قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب * إذا الليوث أقبلت تلهب إن حماي للحمى لا يقرب قال: فأجابه كعب بن مالك: قد علمت خيبر أني كعب * مفرج الغماء جرى صلب إذ شبت الحرب وثار (1) الحرب * معي حسام كالعقيق عضب يطأكم حتى يذل الصعب * بكف ماض ليس فيه عيب قال: وجعل مرحب يرتجز ويقول: هل من مبارز ؟ فقال رسول الله صلى الله


(1) ابن هشام: تلتها الحرب (*)

[ 358 ]

عليه وسلم: من لهذا ؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يارسول الله، أنا والله الموتور والثائر، قتلوا أخي بالامس. فقال: قم إليه اللهم أعنه عليه. قال: فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية (1) من شجر العشر (2) المسد (3)، فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها فعضت [ به ]، فاستله وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. وقد رواه الامام أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن إسحاق بنحوه. قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس أن محمدا ارتجز حين ضربه وقال: قد علمت خيبر أني ماض * حلو إذا شئت وسم قاض وهكذا رواه الواقدي عن جابر وغيره من السلف، أن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا. ثم ذكر الواقدي أن محمدا قطع رجلي مرحب فقال له: أجهز علي. فقال: لا، ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة. فمر به علي وقطع رأسه، فاختصما في سلبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته. قال: وكان مكتوبا على سيفه: هذا سيف مرحب * من يذقه يعطب


(1) العمرية: القديمة. (2) العشر: شجر فيه حراق لم يقتدح الناس في أجود منه. (3) المسد: الشديد الفتل. ولم ترد هذه الكلمة في ابن هشام. (*)

[ 359 ]

ثم ذكر ابن إسحاق أن أخا مرحب وهو ياسر خرج بعده وهو يقول: هل من مبارز ؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير خرج له، فقالت أم صفية بنت عبدالمطلب: يقتل ابني يا رسول الله. فقال: بل ابنك يقتله إن شاء الله فالتقيا فقتله الزبير. قال: فكان الزبير إذا قيل له: والله إن كان سيفك يومئذ صار ما يقول: والله ما كان بصارم ولكني أكرهته. وقال يونس عن ابن إسحاق، عن بعض أهله عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خرجنا مع علي إلى خيبر، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل منهم من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي باب الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه. وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر. ولكن روى الحافظ البيهقي والحاكم من طريق مطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر الباقر، عن جابر، أن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها، وإنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا ! وفيه ضعف أيضا. وفي رواية ضعيفة عن جابر: ثم اجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم أن أعادوا الباب. وقال البخاري: حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة ؟ قال: هذه ضربة أصابتني

[ 360 ]

يوم خيبر فقال الناس: أصيب سلمة. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة. * * * ثم قال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة، حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه عن سهل، قال: التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا، فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل: يا رسول الله ما أجزا منا أحد ما أجزأ فلان. قال: إنه من أهل النار. فقالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار ؟ ! فقال رجل من القوم: لاتبعنه فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالارض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله قال: وما ذاك ؟ فأخبره فقال: " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وإنه من أهل الجنة. رواه أيضا عن قتيبة عن يعقوب، عن أبي حازم، عن سهل. فذكره مثله أو نحوه. ثم قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سعيد ابن المسيب أن أبا هريرة قال: شهدنا خيبر فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الاسلام: هذا من أهل النار. فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة، حتى كاد بعض الناس يرتاب. فوجد الرجل ألم جراحه فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: قم يا فلان فأذن: إنه لا يدخل

[ 361 ]

الجنة إلا مؤمن، وإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر ! ". * * * وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري قصة العبد الاسود الذي رزقه الله الايمان والشهادة في ساعة واحدة. وكذلك رواها ابن لهيعة عن أبي الاسود، عن عروة قالا: وجاء عبد حبشي أسود من أهل خيبر كان في غنم لسيده، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم قال: ما تريدون ؟ قالوا: نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي. فوقع في نفسه ذكر النبي فأقبل بغنمه حتى عمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إلى ما تدعو ؟ قال: أدعوك إلى الاسلام، إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وألا تعبد إلا الله. قال: فقال العبد: فماذا يكون لي إن شهدت بذلك وآمنت بالله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجنة إن مت على ذلك. فأسلم العبد فقال: يا نبي الله إن هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصا، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك. ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها، فعرف اليهودي أن غلامه قد أسلم. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظ الناس فذكر الحديث في إعطائه الراية عليا ودنوه من حصن اليهود وقتله مرحبا، وقتل مع علي ذلك العبد الاسود، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم فأدخل في الفسطاط، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع في الفسطاط ثم اطلع على أصحابه فقال: " لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، قد كان الاسلام في قلبه حقا، وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين ! ". وقد روى الحافظ البيهقي من طريق ابن وهب، عن حيوة بن شريح عن ابن الهاد، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر بن عبدالله، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 362 ]

في غزوة خيبر، فخرجت سرية فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها فذكر نحو قصة هذا العبد الاسود وقال فيه: قتل شهيدا وما سجد لله سجدة ! ثم قال البيهقي: حدثنا محمد بن محمد بن محمد الفقيه، حدثنا أبو بكر القطان، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أني رجل أسود اللون قبيح الوجه لا مال لى، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة ؟ قال: نعم. فتقدم فقاتل حتى قتل، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال: لقد حسن الله وجهك وطيب ريحك وكثر مالك وقال: " لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه، يدخلان فيما بين جلده وجبته ". ثم روى البيهقي من طريق ابن جريج، أخبرني عكرمة بن خالد، عن ابن أبي عمار، عن شداد بن الهاد، أن رجلا من الاعراب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه فقال: أهاجر معك. فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا ؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت فأدخل الجنة. فقال: " إن تصدق الله يصدقك ". ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو هو ؟ قالوا: نعم. قال: " صدق الله فصدقه ". وكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى

[ 363 ]

عليه وكان مما ظهر من صلاته: " اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد ". وقد رواه النسائي عن سويد بن نصر، عن عبدالله بن المبارك عن ابن جريج به نحوه. فصل قال ابن إسحاق: وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاموال بأخذها مالا مالا ويفتتحها حصنا حصنا، وكان أول حصونهم فتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى منه فقتلته. ثم القموص حصن بني أبي الحقيق. وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا، منهم صفية بنت حيى بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وبنتي عم لها، فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، وكان دحية بن خليفة قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها. قال: وفشت السبايا من خيبر في المسلمين، وأكل الناس لحوم الحمر فذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عن أكلها. وقد اعتنى البخاري بهذا الفصل، فأورد النهي عنها من طرق جيدة. وتحريمها مذهب جمهور العلماء سلفا وخلفا وهو مذهب الائمة الاربعة. وقد ذهب بعض السلف، منهم ابن عباس إلى إباحتها، وتنوعت أجوبتهم عن الاحاديث الواردة في النهي عنها. فقيل: لانها كانت ظهرا يستعينون بها في الحمولة. وقيل: لانها لم تكن خمست بعد. وقيل: لانها كانت تأكل العذرة، يعني جلالة.

[ 364 ]

والصحيح أنه نهى عنها لذاتها، فإن في الاثر الصحيح أنه نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس. فأكفأوها والقدور تفور بها. وموضع تقرير ذلك في كتاب الاحكام. قال ابن إسحاق: حدثني سلام بن كركرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبدالله، ولم يشهد جابر خيبر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل. وهذا الحديث أصله ثابت في الصحيحين، من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر رضى الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في الخيل. لفظ البخاري. قال ابن إسحاق: وحدثنا عبدالله بن أبي نجيح، عن مكحول، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم يومئذ عن أربع: عن إتيان الحبالى من النساء، وعن أكل الحمار الاهلي، وعن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم. وهذا مرسل. * * * وقال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيب، عن حنش الصنعاني، قال: غزونا مع رويفع بن ثابت الانصاري المغرب، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جربة، فقام فينا خطيبا فقال: أيها الناس إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينا يوم خيبر، قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع

[ 365 ]

غيره، يعني إتيان الحبالى من السبي، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس يوما من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه. وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن إسحاق. ورواه الترمذي عن حفص بن عمرو الشيباني، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن بشر بن عبيد الله، عن رويفع بن ثابت مختصرا. وقال: حسن. وفي صحيح البخاري عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الاهلية وعن أكل الثوم. وقد حكى ابن حزم عن علي وشريك بن الحنبل أنهما ذهبا إلى تحريم البصل والثوم النئ. والذي نقله الترمذي عنهما الكراهة. فالله أعلم. * * * وقد تكلم الناس في الحديث الوارد في الصحيحين من طريق الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما، عن أبيه علي بن أبي طالب رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الاهلية. هذا لفظ الصحيحين من طريق مالك وغيره، عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر. وهو مشكل من وجهين: أحدهما أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن، إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة.

[ 366 ]

الثاني: أنه قد ثبت في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة، عن معبد عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم في المتعة زمن الفتح، ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها وقال: إن الله قد حرمها إلى يوم القيامة. فعلى هذا يكون قد نهى عنها ثم أذن فيها ثم حرمت، فيلزم النسخ مرتين وهو بعيد. ومع هذا فقد نص الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم، ثم أبيح ثم حرم، غير نكاح المتعة. وما حداه على هذا رحمه الله إلا اعتماده على هذين الحديثين كما قدمناه (1). وقد حكى السهيلي وغيره عن بعضهم أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات، وحرمت ثلاث مرات. وقال آخرون: أربع مرات. وهذا بعيد جدا. والله أعلم. واختلفوا أي وقت أول ما حرمت، فقيل: في خيبر. وقيل: في عمرة القضاء. وقيل: في عام الفتح. وهذا يظهر. وقيل: في أوطاس. وهو قريب من الذي قبله. وقيل: في تبوك. وقيل: في حجة الوداع. رواه أبو داود. وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث علي رضى الله عنه بأنه وقع فيه تقديم وتأخير. وإنما المحفوظ فيه ما رواه الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن الحسن و عبدالله ابني محمد عن أبيهما، وكان حسن أرضاهما في أنفسهما، أن عليا قال لابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية زمن خيبر.


(1) بالاصل بياض بمقدار سطر. (*)

[ 367 ]

قالوا: فاعتقد الراوي أن قوله خيبر ظرف للمنهى عنهما، وليس كذلك إنما هو ظرف للنهى عن لحوم الحمر، فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا، وإنما جمعه معه لان عليا رضى الله عنه بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ولحوم الحمر الاهلية كما هو المشهور عنه، فقال له أمير المؤمنين علي: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة ولحوم الحمر الاهلية يوم خيبر. فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الاباحة. وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي تغمده الله برحمته آمين. ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب [ إليه ] من [ إباحة ] الحمر والمتعة. أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم، وأما المتعة فإنما كان يبيحها عند الضرورة في الاسفار، وحمل النهي على ذلك في حال الرفاهية والوجدان، وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم، ولم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز إلى زمن ابن جريج وبعده. وقد حكى عن الامام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس، وهي ضعيفة. وحاول بعض من صنف في الحلال نقل رواية عن الامام بمثل ذلك. ولا يصح أيضا والله أعلم. وموضع تحرير ذلك في كتاب الاحكام. وبالله المستعان. * * * قال ابن إسحاق: ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والاموال. فحدثني عبدالله بن أبي بكر، أنه حدثه بعض من أسلم (1) أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا شئ فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه، فقال: " اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست لهم قوة وأن ليس بيدي شئ أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء (2)


(1) ابن هشام: بعض أسلم (2) الاصل: غنى. وما أثبته من ابن هشام. (*)

[ 368 ]

وأكثرها طعاما وودكا ". فغدا الناس ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه. قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح وحاز من الاموال ما حاز انتهوا إلى حصنهم الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة. قال ابن هشام: وكان شعارهم يوم خيبر: يا منصور أمت أمت. قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان الاسدي الاسلمي، عن بعض رجال بني سلمة، عن أبى اليسر كعب بن عمرو، قال: إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يطعمنا من هذه الغنم ؟ قال أبو اليسر: فقلت: أنا يا رسول الله. قال: فافعل. قال: فخرجت أشتد مثل الظليم، فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال: اللهم أمتعنا به. قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أولها الحصن، فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معي شئ، حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوهما فأكلوهما. فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا. وكان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال: أمتعوا بي لعمري ! حتى كنت من آخرهم. وقال الحافظ البيهقى في الدلائل: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الاصبهاني، حدثنا أبو سعيد بن الاعرابي، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الاحول، عن أبي عثمان النهدي، أو عن أبي قلابة، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قدم والثمرة خضرة، قال: فأسرع الناس إليها فحموا فشكوا ذلك إليه. فأمرهم

[ 369 ]

أن يقرسوا الماء في الشنان (1) ثم يجرونه عليهم إذا أتى الفجر ويذكرون اسم الله عليه، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل. * * * قال البيهقي: ورويناه عن عبدالرحمن بن رافع موصولا، وعنه: بين صلاتي المغرب والعشاء. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى وبهز، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، حدثنا عبدالله بن مغفل، قال: دلى جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت: لا أعطي أحدا منه شيئا. قال: فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم. وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبدالله بن مغفل، قال: كنا نحاصر قصر خيبر، فألقى إلينا جراب فيه شحم، فذهبت فأخذته فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت. وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة. ورواه مسلم أيضا عن شيبان بن فروخ، عن عثمان بن المغيرة. وقال ابن إسحق:، وحدثني من لاأتهم عن عبدالله بن مغفل المزني قال: أصبت من فئ خيبر جراب شحم، قال: فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي. قال: فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها، فأخذ بناحيته وقال: هلم حتى تقسمه بين المسلمين. قال: وقلت: لا والله لا أعطيكه. قال: وجعل يجاذبني الجراب، قال: فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا، ثم قال لصاحب المغانم: خل بينه وبينه. قال: فأرسله فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه.


(1) يقرسوا: يبردوا. والشنان: القرب. (24 - السيرة 3) (*)

[ 370 ]

وقد استدل الجمهور بهذا الحديث على الامام مالك في تحريمه شحوم ذبائح اليهود وما كان غلبهم عليه غيرهم من المسلمين، لان الله تعالى قال: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " قال: " لكم " قال: وليس هذا من طعامهم. فاستدلوا عليه بهذا الحديث وفيه نظر. وقد يكون هذا الشحم مما كان حلالا لهم والله أعلم. وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يخمس، ويعضد ذلك ما رواه الامام أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو معاوية، حدثنا إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبدالله بن أبي أوفى قال: قلت: كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أصبنا طعاما يوم خيبر، وكان الرجل يجئ فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف. تفرد به أبو داود وهو حسن.

[ 371 ]

ذكر قصة صفية بنت حيى بن أخطب النضرية رضى الله عنها كان من شأنها أنه لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير من المدينة كما تقدم، فذهب عامتهم إلى خيبر وفيهم حيى بن أخطب وبنو أبي الحقيق، وكانوا ذوى أموال وشرف في قومهم، وكانت صفية إذ ذاك طفلة دون البلوغ، ثم لما تأهلت للتزويج تزوجها بعض بني عمها، فلما زفت إليه وأدخلت إليه بنى بها ومضى على ذلك ليال، رأت في منامها كأن قمر السماء قد سقط في حجرها، فقصت رؤياها على ابن عمها فلطم وجهها وقال: أتتمنين ملك يثرب أن يصير بعلك !. فما كان إلا مجئ رسول الله صلى عليه وسلم وحصاره إياهم، فكانت صفية في جملة السبي، وكان زوجها في جملة القتلى. ولما اصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت في حوزه وملكه كما سيأتي، وبنى بها بعد استبرائها وحلها وجد أثر تلك اللطمة في خدها، فسألها ما شأنها فذكرت له ما كانت رأت من تلك الرؤيا الصالحة رضى الله عنها وأرضاها. * * * قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال: " الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ". فخرجوا يسعون في السكك، فقتل النبي صلى الله عليه وسلم المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي، ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عتقها صداقها.

[ 372 ]

ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن زيد، وله طرق عن أنس. وقال البخاري: حدثنا آدم، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سبى النبي صلى الله عليه وسلم صفية فأعتقها وتزوجها. قال ثابت لانس: ما أصدقها ؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها. تفرد به البخاري من هذا الوجه. قال البخاري: حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن ح. وحدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا وهب، أخبرني يعقوب بن عبدالرحمن الزهري، عن عمرو مولى المطلب، عن أنس بن مالك قال: قدمنا خيبر فلما فتح صلى الله عليه وسلم الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيى بن أخطب، وقد قتل زوجها وكانت عروسا، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، فخرج بها حتى بلغ بها سد الصهباء (1) حلت فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صنع حيسا في نطع (2) صغير ثم قال لي: آذن من حولك. فكانت تلك وليمته على صفية. ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. تفرد به دون مسلم. وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حميد، أنه سمع أنسا يقول: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمد ثلاث ليال يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته وما كان فيها من خبز ولحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالا بالانطاع فبسطت فألقى عليها التمر والاقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه ؟ فقالوا: إن حجبها فهي إحدى


(1) الصهباء: موضع بينه وبين خيبر مرحلة. والسد: الحاجز. (2) النطع: بساط من الاديم. (*)

[ 373 ]

أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب. انفرد به البخاري. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: صارت صفية لدحية الكلبي، ثم صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو داود: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: جمع السبى - يعني بخيبر - فجاء دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي قال: اذهب فخذ جارية. فأخذ صفية بنت حيى، فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أعطيت دحية. قال يعقوب: صفية بنت حيى سيدة قريظة والنضير، ما تصلح إلا لك. قال: ادعوا بها. فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ جارية من السبي غيرها. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وتزوجها. وأخرجاه من حديث ابن علية. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن خلاد الباهلي، حدثنا بهز بن أسد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت عن أنس، قال: وقع في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سلمة تصنعها وتهيئها. قال حماد: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها، صفية بنت حيى. تفرد به أبو داود. * * * قال ابن إسحاق: فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص حصن بني أبي

[ 374 ]

الحقيق أتى بصفية بنت حيى بن أخطب وأخرى معها، فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعزبوا (1) عني هذه الشيطانة. وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال، فيما بلغني، حين رأى بتلك اليهودية ما رأى: أنزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما !. وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا. فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها. فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منه، فسألها ما هذا، فأخبرته الخبر. قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه. فأتى رسول لله صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة، أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك ؟ قال: نعم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقى فأبى أن يؤديه فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده. وكان الزبير يقدح بزنده (2) في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.


(1) أعزبوا: أبعدوا. (2) ابن هشام: زند. (*)

[ 375 ]

فصل قال ابن إسحاق: وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم. ففعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الاموال كلها الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم، إلا ما كان من ذينك الحصنين، فلما سمع [ بهم ] أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسيرهم ويحقن دماءهم ويخلوا له الاموال ففعل. وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة. فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الاموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها. فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. وعامل أهل فدك بمثل ذلك. فصل في فتح حصونها وقسمة أرضها. قال الواقدي: لما تحولت اليهود من حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ إلى قلعة الزبير حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له عزال فقال: يا أبا القاسم تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة وتخرج إلى أهل الشق، فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك ؟ قال: فأمنه رسول الله على أهله وماله فقال له اليهودي: إنك لو أقمت شهرا تحاصرهم ما بالوا بك، إن لهم تحت الارض دبولا (1) يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم.


(1) الدبول: الجداول. (*)

[ 376 ]

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع دبولهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، وقتل من المسلمين يومئذ نفر وأصيب من اليهود عشرة، وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر حصون النطاة. وتحول إلى الشق، وكان به حصون ذوات عدد، فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلعة يقال لها سموان فقاتل عليها أشد القتال، فخرج منهم رجل يقال له عزول فدعا إلى البراز فبرز إليه الحباب بن المنذر، فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه ووقع السيف من يده، وفر اليهودي راجعا فاتبعه الحباب فقطع عرقوبه. وبرز منهم آخر فقام إليه رجل من المسلمين فقتله اليهودي، فنهض إليه أبو دجانة فقتله وأخذ سلبه، وأحجموا عن البراز فكبر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه وأمامهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب من كان فيه من المقاتلة وتقحموا الجزر كأنهم الضباب حتى صاروا إلى حصن البزاة بالشق، وتمنعوا أشد الامتناع، فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتراموا ورمى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة، حتى أصاب نبلهم بنانه عليه الصلاة والسلام فأخذ عليه السلام كفا من الحصا فرمى حصنهم بها فرجف بهم حتى ساخ في الارض وأخذهم المسلمون أخذا باليد. قال الواقدي: ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الاخبية والوطيح والسلالم، حصني أبي الحقيق، وتحصنوا أشد التحصن وجاء إليهم كل من كان انهزم من النطاة إلى الشق، فتحصنوا معهم في القموص وفي الكتيبة، وكان حصنا منيعا وفي الوطيح والسلالم وجعلوا لا يطلعون من حصونهم، حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم. فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يوما نزل إليه ابن أبي الحقيق فصالحه على حقن دمائهم ويسيرهم ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 377 ]

وبين ما كان لهم من الارض والاموال والصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى البز، إلا ما كان على ظهر إنسان، يعني لباسهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتم شيئا. فصالحوه على ذلك. قلت: ولهذا لما كتموا وكذبوا وأخفوا ذلك المسك الذي كان فيه أموال جزيلة، تبين أنه لا عهد لهم، فقتل ابني أبي الحقيق وطائفة من أهله، بسبب نقض العهود منهم والمواثيق. * * * وقال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المقري الاسفراييني، حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا عبد الواحد بن غياث، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبيد الله بن عمر، فيما يحسب أبو سلمة، عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الارض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء، ويخرجون منها، واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد. فغيبوا مسكا (1) فيه مال وحلي لحيى بن أخطب، وكان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ: ما فعل مسك حيى الذي جاء به من النضير ؟ فقال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير فمسه بعذاب، وقد كان حيى قبل ذلك دخل خربة، فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا. فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة. فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج صفية بنت


(1) المسك: الجلد. (*)

[ 378 ]

حيى بن أخطب، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا. وأراد إجلاءهم منها، فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الارض نصلحها ونقوم عليها. ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لاصحابه غلال يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخيل وشئ، ما بد الرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان عبدالله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرجها عليهم، ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه فقال: يا أعداء الله تطمعوني السحت ! والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولانتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والارض ! قال: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين صفية خضرة، فقال: يا صفية ما هذه الخضرة ؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرا وقع في حجري، فأخبرته بذلك فلطمني وقال: تتمنين ملك يثرب. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إلى، قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إلي ويقول: إن أباك ألب علي العرب وفعل ما فعل، حتى ذهب ذلك من نفسي. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام وعشرين وسقا من شعير، فلما كان في زمان عمر غشوا المسلمين وألقوا ابن

[ 379 ]

عمر من فوق بيت ففدعوا (1) يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها. فقسمها. بينهم. فقال رئيسهم: لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. فقال عمر: أتراني سقط علي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف بك إذا وقصت (2) بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما ثم يوما ". وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية. وقد رواه أبو داود مختصرا من حديث حماد بن سلمة. قال البيهقي: وعلقه البخاري في كتابه فقال: ورواه حماد بن سلمة. قلت: ولم أره في الاطراف فالله أعلم. * * * وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة ابن زيد الليثي، عن نافع، عن عبدالله بن عمر، قال: لما فتحت خيبر سألت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقركم فيها على ذلك ما شئنا. فكانوا على ذلك، وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر ويأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس، وكان أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق من تمر وعشرين وسقا من شعير. فلما أراد عمر إخراج اليهود أرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهن: من أحب منكن أن أقسم لها مائة وسق فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها، ومن الزرع مزرعة عشرين وسقا من شعير فعلنا، ومن أحب أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو فعلنا.


(1) الفدع: اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل. (2) وقصت: أسرعت. (*)

[ 380 ]

وقد روى أبو داود من حديث محمد بن إسحاق حدثني نافع، عن عبدالله بن عمر، أن عمر قال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء، فمن كان له مال فليلحق به، فإني مخرج يهود. فأخرجهم. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن جبير بن مطعم أخبره قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك. فقال: " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد ". قال جبير بن مطعم،: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا. تفرد به دون مسلم. وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن بني هاشم وبني عبدالمطلب شئ واحد، إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام ". قال الشافعي: دخلوا معهم في الشعب وناصروهم في إسلامهم وجاهليتهم. قلت: وقد ذم أبو طالب بني عبد شمس ونوفلا حيث يقول: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل وقال البخاري: حدثنا الحسن بن إسحاق، حدثنا محمد بن ثابت، حدثنا زائدة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما. قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن معه فرس فله سهم. وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد،

[ 381 ]

عن أبيه، أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا (1) ليس لهم شئ ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها. وقد رواه البخاري أيضا من حديث مالك، وأبو داود عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر به. وهذا السياق يقتضي أن خيبر بكمالها قسمت بين الغانمين. وقد قال أبو داود: حدثنا ابن السرح، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال وترك من ترك من أهلها بعد القتال. وبهذا قال الزهري: خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها. وفيما قاله الزهري نظر، فإن الصحيح أن خيبر جميعها لم تقسم، وإنما قسم نصفها بين الناس كما سيأتي بيانه. وقد احتج بهذا مالك ومن تابعه على أن الامام مخير في الاراضي المغنومة، إن شاء قسمها وإن شاء أرصدها لمصالح المسلمين، وإن شاء قسم بعضها وأرصد بعضها لما ينوبه في الحاجات والمصالح (2). قال أبو داود: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى ابن زكريا، حدثني سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين، نصفا لنوائبه، ونصفا بين المسلمين: قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما.


(1) ببانا: أي على طريقة واحدة، وهي كلمة غير عربية. (2) ت: " إن شاء قسمها، وإن شاء قسم بعضها، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، فإنه خمسها ثم قسم نصفها في الغانمين، وأرصد نصفها لما ينوبه في الحاجات والمصالح ". (*)

[ 382 ]

تفرد به أبو داود. ثم رواه أبو داود من حديث بشير بن يسار مرسلا، فعين نصف النوائب الوطيح والكتيبة والسلالم وما حيز معها، ونصف المسلمين الشق والنطاة وما حيز معهما، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حيز معهما. وقال أيضا: حدثنا حسين بن علي، حدثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار مولى الانصار، عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر فقسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الثاني لمن نزل به من الوفود والامور ونوائب الناس. تفرد به أبو داود. قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الانصاري، سمعت أبي يعقوب بن مجمع يقول عن عمه عبدالرحمن بن يزيد الانصاري، عن عمه مجمع بن حارثة الانصاري - وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن - قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس، سهمين وأعطى الراجل سهما. تفرد به أبو داود. وقال مالك عن الزهري، أن سعيد بن المسيب أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بعض خيبر عنوة. ورواه أبو داود. ثم قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد، أخبركم ابن وهب، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب أن خيبر بعضها كان عنوة وبعضها صلحا، والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح، قلت لمالك: وما الكتيبة ؟

[ 383 ]

قال: أرض خيبر، وهي أربعون ألف عذق. قال أبو داود: والعذق: النخلة. والعذق العرجون. ولهذا قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا حرمى، حدثنا شعبة، حدثنا عمارة، عن عكرمة، عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر. حدثنا الحسن، حدثنا قرة بن حبيب، حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر قال: ما شبعنا - يعني من التمر - حتى فتحنا خيبر. وقال محمد بن إسحاق: كانت الشق والنطاة في سهمان المسلمين، الشق: ثلاثة عشر سهما ونطاة خمسة أسهم، قسم الجميع على ألف وثمانمائة سهم، ودفع ذلك إلى من شهد الحديبية من حضر خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عن خيبر ممن شهد الحديبية إلا جابر ابن عبدالله فضرب له بسهمه. قال: وكان أهل الحديبية ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان، فصرف إلى كل مائة رجل سهم من ثمانية عشر سهما، وزيد المائتا فارس أربعمائة سهم لخيولهم. وهكذا رواه البيهقي من طريق سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن صالح بن كيسان أنهم كانوا ألفا وأربعمائة معهم مائتا فرس. قلت: وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بسهم وكان أول سهم من سهمان الشق مع عاصم بن عدي. قال ابن إسحاق: وكانت الكتيبة خمسا لله تعالى (1)، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وطعمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وطعمة أقوام مشوا في صلح أهل فدك، منهم محيصة بن مسعود أقطعه رسول الله


(1) ابن هشام: خمس الله. (*)

[ 384 ]

صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقا من تمر وثلاثين وسقا من شعير. قال: وكان وادياها اللذان قسمت عليه يقال لهما وادي السرير ووادي خاص. ثم ذكر ابن إسحاق تفاصيل الاقطاعات منها، فأجاد وأفاد رحمه الله. قال: وكان الذي ولى قسمتها وحسابها جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بنى سلمة وزيد بن ثابت رضى الله عنهما. قلت: وكان الامير على خرص نخيل خيبر عبدالله بن رواحة فخرصها سنتين، ثم لما قتل رضى الله عنه في يوم مؤتة ولى بعده جبار بن صخر رضى الله عنه. وقد قال البخاري: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبدالمجيد بن سهيل، عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكل تمر خيبر هكذا ؟ " قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: " لا تفعل بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا ". قال البخاري: وقال الدراوردي، عن عبدالمجيد، عن سعيد بن المسيب، أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بنى عدى من الانصار إلى خيبر وأمره عليها. وعن عبدالمجيد عن أبي صالح السمان، عن أبي سعيد وأبي هريرة مثله. * * * قلت: كان سهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي أصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر وفدك بكمالها، وهي طائفة كبيرة من أرض خيبر، نزلوا من شدة رعبهم منه صلوات الله وسلامه عليه فصالحوه، وأموال بني النضير المتقدم ذكرها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب.

[ 385 ]

فكانت هذه الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة، ثم يجعل ما بقى مجعل مال الله يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين. فلما مات صلوات الله وسلامه عليه اعتقدت فاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم - أو أكثرهن - أن هذه الاراضي تكون موروثة عنه، ولم يبلغهن ما ثبت عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: " نحن معشر الانبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة ". ولما طلبت فاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم والعباس نصيبهم من ذلك وسألوا الصديق أن يسلمه إليهم، ذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نورث ما تركنا صدقة " وقال: أنا أعول من كان يعول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي. وصدق رضى الله عنه وأرضاه، فإنه البار الراشد في ذلك التابع للحق. وطلب العباس وعلي على لسان فاطمة، إذ قد فاتهم الميراث، أن ينظرا في هذه الصدقة وأن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفها فيها، فأبى عليهم الصديق ذلك، ورأى أن حقا عليه أن يقوم فيما كان يقوم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يخرج من مسلكه ولا عن سننه. فتغضبت فاطمة رضى الله عنها عليه في ذلك ووجدت في نفسها بعض الموجدة. ولم يكن لها ذلك، والصديق من قد عرفت هي والمسلمون محله ومنزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامه في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته، فجزاه الله عن نبيه وعن الاسلام وأهله خيرا. وتوفيت فاطمة رضى الله عنها بعد ستة أشهر ثم جدد علي البيعة بعد ذلك، فلما كان أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة إلى علي والعباس، وثقلوا (25 - السيرة 3)

[ 386 ]

عليه بجماعة من سادات الصحابة، ففعل عمر رضى الله عنه ذلك، وذلك لكثرة أشغاله واتساع مملكته وامتداد رعيته. فتغلب علي على عمه العباس فيها، ثم تساوقا يختصمان إلى عمر، وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة وسألا منه أن يقسمها بينهما فينظر كل منهما فيما لا ينظر فيه الآخر. فامتنع عمر من ذلك أشد الامتناع وخشى أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث وقال: انظرا فيها وأنتما جميع، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، والذي تقوم السماء والارض بأمره لا أقضى فيها قضاء غير هذا. فاستمرا فيها ومن بعدهما إلى ولدهما إلى أيام بني العباس، تصرف في المصارف التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفها فيها، أموال بني النضير وفدك وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر. فصل وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء فرضخ (1) لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنيمة ولم يسهم لهم. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا بشر بن المفضل، عن محمد بن زيد، حدثني عمير مولى آبى اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بي فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشئ من طريق المتاع. ورواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن بشر بن المفضل به. وقال الترمذي:


(1) الرضخ: عطاء من الغنيمة غير محدد. (*)

[ 387 ]

حسن صحيح. ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع عن هشام بن سعد عن محمد بن زيد بن المهاجر، عن منقذ عن عمير به. وقال محمد بن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء فرضخ لهن [ من الفئ (1) ] ولم يضرب لهن بسهم. حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت، عن امرأة من بني غار قد سماها لي، قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا فقال: " على بركة الله ". قالت: فخرجنا معه، قالت: وكنت جارية حدثة السن، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله، قالت: [ فوالله لنزل رسول صلى الله عليه وسلم إلى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله (1) ] قالت: وإذا بها دم مني وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: " مالك ؟ لعلك نفست " قالت: قلت: نعم، قال: " فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك ". قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفئ، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا. وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها. قالت: وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت. وهكذا رواه الامام أحمد وأبو داود من حديث محمد بن إسحاق به.


(1) من ابن هشام. (*)

[ 388 ]

قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه: ورواه الواقدي، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن أم علي بنت أبي الحكم، عن أمية بنت أبي الصلت عن النبي صلى الله عليه وسلم به. وقال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا رافع بن سلمة الاشجعي، حدثني حشرج بن زياد، عن جدته أم أبيه، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت: فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن معه نساء، قالت: فأرسل إلينا فدعانا، قالت: فرأينا في وجهه الغضب فقال: " ما أخرجكن وبأمر من خرجتن ؟ " قلنا: خرجنا نناول السهام ونسقي السويق، ومعنا دواء للجرحى ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله. قال: فمرن فانصرفن. قالت: فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال، فقلت لها: يا جدة وما الذي أخرج لكن ؟ قالت: تمرا. قلت: إنما أعطاهن من الحاصل، فأما أنه أسهم لهن في الارض كسهام الرجال فلا ! والله أعلم. وقال الحافظ البيهقي: وفي كتابي عن أبي عبدالله الحافظ، أن عبدالله الاصبهاني أخبره، حدثنا الحسين بن الجهم، حدثنا الحسين بن الفرج، حدثنا الواقدي، حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير، عن أبيه عن جده، عن عبدالله بن أنيس قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ومعي زوجتي وهي حبلى فنفست في الطريق، فأخبرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: " انقع لها تمرا فإذا انغمر فأمر به لتشربه " ففعلت فما رأت شيئا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أجدى (1) النساء ولم يسهم لهن، فأجدى زوجتي وولدي الذي ولد. قال عبد السلام: لست أدري غلام أو جارية.


(1) أجدى: أعطى. (*)

[ 389 ]

ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب رضى الله عنه ومن كان بقى بالحبشة ممن هاجر إليها من المسلمين، ومن انضم إليهم من أهل اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مخيم بخيبر. قال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة والآخر أبورهم، إما قال: في بضع، وإما قال: في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي. فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لاهل السفينة -: سبقناكم بالهجرة. ودخلت أسماء بنت عميس - وهي ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال حين رأى أسماء: من هذه ؟ قالت: أسماء ابنة عميس. قال عمر: الحبشية هذه ؟ البحرية هذه ؟ قالت أسماء: نعم. قال سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم. فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا. قالت: قال:

[ 390 ]

" فما قلت له ؟ " قالت: قلت كذا وكذا. قال: " ليس بأحق بي منكم، وله ولاصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان ". قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأهل السفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني. وقال أبو بردة عن أبي موسى: قال النبي صلى الله عليه وسلم " إني لاعرف أصوات رفقة الاشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم بن حزام إذا لقى العدو - أو قال الخيل - قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم ". وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وعبد الله بن براد عن أبي أسامة به. ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا بريد [ ابن عبدالله (1) ] عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا ولم يقسم لاحد لم يشهد الفتح غيرنا. تفرد به البخاري دون مسلم ورواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث بريد به. وقد ذكر محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يطلب منه من بقى من أصحابه بالحبشة، فقدموا صحبة جعفر وقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر. قال: وقد ذكر سفيان بن عيينة عن الاجلح عن الشعبي، أن جعفر بن أبي طالب قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه وقال: " ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ".


(1) من صحيح البخاري. (*)

[ 391 ]

وهكذا رواه سفيان الثوري عن الاجلح، عن الشعبي مرسلا. وأسند البيهقي من طريق حسن بن حسين العرزمي، عن الاجلح، عن الشعبي عن جابر قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قدم جعفر من الحبشة، فتلقاه وقبل جبهته وقال: " والله ما أدري بأيهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ". ثم قال البيهقي، حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الحسين بن أبي إسماعيل العلوي، حدثنا أحمد بن محمد البيروتي، حدثنا محمد بن أحمد بن أبي طيبة، حدثني مكي بن إبراهيم الرعيني، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر جعفر إليه حجل - قال مكي: يعني مشى على رجل واحدة - إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه. ثم قال البيهقي: في إسناده من لا يعرف إلى الثوري. * * * قال ابن إسحاق: وكان الذين تأخروا مع جعفر من أهل مكة إلى أن قدموا معه خيبر ستة عشر رجلا. وسرد أسماءهم وأسماء نسائهم وهم: جعفر بن أبي طالب الهاشمي، وأمرأته أسماء بنت عميس، وابنه عبدالله ولد بالحبشة، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمرأته أمينة بنت خلف بن أسعد، وولداه سعيد، وأمة بنت خالد ولدا بأرض الحبشة، وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وكان إلى آل سعيد بن العاص. قال: وأبو موسى الاشعري عبدالله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة، وأسود ابن نوفل بن خويلد بن أسد الاسدي، وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل العبدري، وقد ماتت امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بأرض الحبشة، وابنه عمرو، وابنته خزيمة ماتا بها رحمهم الله، وعامر بن أبي وقاص الزهري، وعتبة بن مسعود حليف لهم من

[ 392 ]

هذيل، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وقد هلكت بها امرأته ريطة بنت الحارث رحمها الله، وعثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحي، ومحمية بن جزء الزبيدي حليف بني سهم، ومعمر بن عبدالله بن نضلة العدوي، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، ومالك ابن ربيعة بن قيس بن عبد شمس العامريان، ومع مالك هذا امرأته عمرة بنت السعدي، والحارث بن عبد شمس بن لقيط الفهري. قلت: ولم يذكر ابن إسحاق أسماء الاشعريين الذين كانوا مع أبي موسى الاشعري وأخويه أبا بردة وأبا رهم وعمه أبا عامر، بل لم يذكر من الاشعريين غير أبي موسى ولم يتعرض لذكر أخويه وهما أسن منه كما تقدم في صحيح البخاري. وكأن ابن إسحاق رحمه الله لم يطلع على حديث أبي موسى في ذلك. والله أعلم. قال: وقد كان معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك من المسلمين هنالك وقد حرر هاهنا شيئا كثيرا حسنا. * * * قال البخاري: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان، سمعت الزهري، وسأله إسماعيل بن أمية قال: أخبرني عنبسة بن سعيد، أن أبا هريرة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله - يعني أن يقسم له - فقال بعض بني سعيد بن العاص: لا تعطه. فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قوقل. فقال: واعجبا لوبر تدلى من قدوم الضأن (1). تفرد به دون مسلم. قال البخاري: ويذكر عن الزبيدي عن الزهري، أخبرني عنبسة بن سعيد، أنه


(1) الوبر: فراء دويبة تشبه السنور، وتسمى غنم بني إسرائيل. وتدلى: أنحدر. وقدوم الضأن: جبل بأرض دوس قوم أبي هريرة. أراد بذلك تحقيره. ورواية صحيح البخاري: قدوم الضأل باللام. وما هنا رواية الاصل وأبى ذر. (*)

[ 393 ]

سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبانا على سرية من المدينة قبل نجد. قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد ما افتتحها، وإن حزم خيلهم لليف. قال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله لا تقسم لهم. فقال أبان: وأنت بهذا ياوبر تحدر من رأس ضأل. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبان اجلس " ولم يقسم لهم. وقد أسند أبو داود هذا الحديث، عن سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي به نحوه. ثم قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، أخبرني جدي وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، أن أبان بن سعيد أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال أبو هريرة: يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل. فقال أبان لابي هريرة: واعجبا لك ياوبر (1) تردى من قدوم ضأن، تنعى علي امرءا أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده ؟. هكذا رواه منفردا به هاهنا (2). وقال في الجهاد بعد حديث الحميدي، عن سفيان، عن الزهري عن عنبسة بن سعيد، عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد ما افتتحها، فقلت: يا رسول الله أسهم لي. فقال بعض آل سعيد ابن العاص: لا تقسم له. فقلت: يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل. الحديث. قال سفيان: حدثنيه السعيدي - يعني عمرو بن يحيى بن سعيد - عن جده عن أبي هريرة بهذا. ففي هذا الحديث التصريح من أبي هريرة بأنه لم يشهد خيبر وتقدم في أول هذه


(1) صحيح البخاري: واعجبا لك وبر تدأدأ. (2) من هنا إلى أول خبر الحجاج علاط ساقطة من (أ). (*)

[ 394 ]

الغزوة. رواه الامام أحمد من طريق عراك بن مالك، عن أبي هريرة وأنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما افتتح خيبر فكلم المسلمين فأشركونا في أسهامهم. وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن يزيد، عن عمار بن أبي عمار، قال: ما شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغنما قط إلا قسم لي، إلا خيبر فإنها كانت لاهل الحديبية خاصة. قلت: وكان أبو هريرة وأبو موسى جاءا بين الحديبية وخيبر. وقد قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن مالك بن أنس، حدثني ثور، حدثني سالم مولى [ عبدالله ] بن مطيع، أنه سمع أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة، إنما غنمنا الابل والبقر والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له بعض بني الضبيب، فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عاثر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئا له الشهادة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ". فجاء رجل حين سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين فقال: هذا شئ كنت أصبته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " شراك أو شراكين من نار ". ذكر قصة الشاة المسمومة وما كان من أمر البرهان الذي ظهر عندها والحجة البالغة فيها قال البخاري: رواه عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:

[ 395 ]

حدثنا عبدالله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني سعيد، عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم. هكذا أورده هاهنا مختصرا. وقد قال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجمعوا لي من كان هاهنا من يهود " فجمعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني سائلكم عن شئ فهل أنتم صادقي عنه ؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أبوكم ؟ " قالوا: أبونا فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذبتم بل أبوكم فلان " قالوا: صدقت وبررت. فقال: " هل أنتم صادقي عن شئ إذا سألتكم عنه ؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أهل النار ؟ " فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " والله لا نخلفكم فيها أبدا ". ثم قال لهم: " هل أنتم صادقي عن شئ إذا سألتكم ؟ " فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: " هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟ " فقالوا: نعم. قال: " ما حملكم على ذلك ؟ ". قالوا أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك. وقد رواه البخاري في الجزية عن عبدالله بن يوسف، وفي المغازي أيضا عن قتيبة، كلاهما عن الليث به. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبدالله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، أن امرأة من يهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فقال لاصحابه: " أمسكوا فإنها مسمومة " وقال لها:

[ 396 ]

" ما حملك على ما صنعت ؟ " قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك. قال: فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود عن هارون بن عبدالله، عن سعيد بن سليمان به. ثم روى البيهقي عن طريق عبدالملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله نحو ذلك. وقال الامام أحمد: حدثنا شريح، حدثنا عباد، عن هلال - هو ابن خباب - عن عكرمة، عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة، فأرسل إليها فقال: " ما حملك على ما صنعت ؟ " قالت: أحببت - أو أردت - إن كنت نبيا فإن الله سيطلعك عليه، وإن لم تكن نبيا أريح الناس منك. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد من ذلك شيئا احتجم، قال: فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم. تفرد به أحمد وإسناده حسن. وفي الصحيحين من حديث شعبة عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك، أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجئ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك، قالت: أردت لاقتلك. فقال: " ما كان الله ليسلطك علي " أو قال: " على ذلك ". قالوا: ألا تقتلها ؟ قال: " لا ". قال أنس: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر بن عبدالله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة

[ 397 ]

مصلية (1) ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفعوا أيديكم ". وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فدعاها فقال لها " أسممت هذه الشاة ؟ " قالت اليهودية: من أخبرك ؟ قال: " أخبرتني هذه التي في يدي " وهي الذراع، قالت: [ نعم ]. قال: " فما أردت بذلك ؟ " قالت: قلت: إن كنت نبيا فلن تضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك. فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفى بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الانصار. * * * ثم قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية نحو حديث جابر. قال: فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية فقال: " ما حملك على الذي صنعت ؟ " فذكر نحو حديث جابر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت ولم يذكر أمر الحجامة. قال البيهقي: ورويناه من حديث حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها. وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبدالرحمن


(1) مصلية: مشوية. (*)

[ 398 ]

ابن كعب بن مالك، أن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر، فقال: " ما هذه ؟ " قالت: هدية. وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل. قال: فأكل وأصحابه ثم قال: " أمسكوا " ثم قال للمرأة: " هل سممت ؟ " قالت: من أخبرك هذا ؟ قال: " هذا العظم " لساقها وهو في يده، قالت: نعم. قال: " لم " قالت: أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك. قال: فاحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكاهل وأمر أصحابه فاحتجموا. ومات بعضهم. قال الزهري: فأسلمت فتركها النبي صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: هذا مرسل، ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبدالله رضى الله عنه. وذكر ابن لهيعة عن أبي الاسود، عن عروة، وكذلك موسى بن عقبة عن الزهري قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقتل منهم من قتل، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاة مصلية وسمتها، وأكثرت في الكتف والذراع، لانه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور، وهو أحد بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف وانتهش منها، وتناول بشر عظما فانتهش منه، فلما استرط (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت فيها " فقال بشر بن البراء:


(1) استرط: ابتلع. (*)

[ 399 ]

والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمتك أن أبغضك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعى. فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحول حتى يحول. قال الزهري: قال جابر: واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال: " ما زلت أجد من الاكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا (1) حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري ". فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا. * * * وقال محمد بن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها الذراع. فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ثم قال: " إن هذا العظ يخبرني أنه مسموم " ثم دعا بها فاعترفت، فقال: " ما حملك على ذلك " قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان كذابا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر. قال: فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر من أكلته التي أكل.


(1) عدادا: معاودة للالم. (*)

[ 400 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفى فيه - ودخلت عليه أخت بشر بن البراء بن معرور -: " يا أم بشر إن هذا الاوان وجدت [ فيه ] انقطاع أبهري من الاكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر ". قال ابن هشام: الابهر: العرق المعلق بالقلب. قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة. * * * وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هلال بن بشر وسليمان بن يوسف الحراني، قالا: حدثنا أبو غياث سهل بن حماد، حدثنا عبدالملك بن أبي نضرة عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، أن يهودية أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة سميطا، فلما بسط القوم أيديهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمسكوا فإن عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة " فأرسل إلى صاحبتها: " أسممت طعامك ؟ " قالت: نعم. قال: " ما حملك على ذلك ؟ " قالت: إن كنت كذابا أن أريح الناس منك، وإن كنت صادقا علمت أن الله سيطلعك عليه. فبسط يده وقال: " كلوا بسم الله ". قال: فأكلنا وذكرنا اسم الله فلم يضر أحدا منا. ثم قال: لا يروى عن عبدالملك بن أبي نضرة إلا من هذا الوجه. قلت: وفيه نكارة وغرابة شديدة. والله أعلم. وذكر الواقدي أن عيينة بن حصن قبل أن يعلم رأى في منامه رؤيا ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر، فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 401 ]

فيظفر به، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وجده قد افتتحها، فقال: يا محمد أعطني ما غنمت من حلفائي - يعني أهل خيبر - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذبت رؤياك " وأخبره بما رأى. فرجع عيينة فلقيه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل إنك توضع في غير شئ، والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب، وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، إنه لمرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا. ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر. قال الحارث: قلت لسلام: يملك الارض ؟ قال: نعم والتوراة التي أنزلت على موسى وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه. فصل قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهلها ليالي ثم انصرف راجعا إلى المدينة. ثم ذكر من قصة مدعم وكيف جاءه سهم غارب فقتله، وقال الناس: هنيئا له الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ". وقد تقدم في صحيح البخاري نحو ما ذكره ابن إسحاق والله أعلم. وسيأتي ذكر قتاله عليه السلام بوادي القرى. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد الجهني، أن رجلا من أشجع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى يوم خيبر، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " صلوا على صاحبكم " (26 - السيرة 3)

[ 402 ]

فتغير وجوه الناس من ذلك، فقال: " إن صاحبكم غل في سبيل الله " ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود ما يساوي درهمين. وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى بن سعيد القطان. ورواه أبو داود وبشر بن المفضل وابن ماجه من حديث الليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الانصاري به. وقد ذكر البيهقي أن بني فزارة أرادوا أن يقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من خيبر وتجمعوا لذلك فبعث إليهم يواعدهم موضعا معينا فلما تحققوا ذلك هربوا كل مهرب، وذهبوا من طريقه كل مذهب. وتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلت صفية من استبرائها دخل بها بمكان يقال له سد الصهباء في أثناء طريقه إلى المدينة، وأولم عليها بحيس، وأقام ثلاثة أيام يبنى عليه بها، وأسلمت فأعتقها وتزوجها وجعل عتاقها صداقها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين كما فهمه الصحابة لما مد عليها الحجاب وهو مردفها وراءه رضى الله عنها. وذكر محمد بن إسحاق في السيرة قال: لما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بخيبر - أو ببعض الطريق - وكانت التي جملتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، وبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له وبات أبو أيوب متوشحا بسيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيف بالقبة حتى أصبح، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه قال: " مالك يا أبا أيوب ؟ " قال: خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني ".

[ 403 ]

ثم قال: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب، فذكر نومهم عن صلاة الصبح مرجعهم من خيبر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولهم استيقاظا فقال: " ماذا صنعت بنا يا بلال ؟ " قال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: " صدقت " ثم اقتاد ناقته غير كثير ثم نزل فتوضأ وصلى كما كان يصليها قبل ذلك. وهكذا رواه مالك عن الزهري عن سعيد مرسلا. وهذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر، فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرس وقال لبلال: " اكلا لنا الليل " قال: فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: " يا بلال " قال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بلالا فأقام الصلاة وصلى لهم الصبح، فلما أن قضى الصلاة قال: " من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري ". قال يونس: وكان ابن شهاب يقرأها كذلك. وهكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن عبدالله بن وهب به، وفيه أن ذلك كان مرجعهم من خيبر. وفي حديث شعبة عن جامع بن شداد، عن عبدالرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من الحديبية، ففي رواية عنه أن بلالا هو الذي كان يكلؤهم، وفي رواية عنه أنه هو الذي كان يكلؤهم.

[ 404 ]

قال الحافظ البيهقي: فيحتمل أن ذلك كان مرتين. قال: وفي حديث عمران بن حصين وأبي قتادة نومهم عن الصلاة، وفيه حديث الميضأة، فيحتمل أن ذلك إحدى هاتين المرتين أو مرة ثالثة. قال: وذكر الواقدي في حديث أبي قتادة أن ذلك كان مرجعهم من غزوة تبوك. قال: وروى زافر بن سليمان، عن شعبة، عن جامع بن شداد، عن عبدالرحمن، عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من تبوك. فالله أعلم. ثم أورد البيهقي ما رواه صاحب الصحيح من قصة عوف الاعرابي، عن أبي رجاء عن عمران بن حصين، في قصة نومهم عن الصلاة وقصة المرأة صاحبة السطيحتين وكيف أخذوا منهما ماء روى الجيش بكماله ولم ينقص ذلك منهما شيئا. ثم ذكر ما رواه مسلم من حديث ثابت البناني، عن عبدالله بن رباح، عن أبي قتادة، وهو حديث طويل وفيه نومهم عن الصلاة وتكثير الماء من تلك الميضأة. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، عن عاصم عن أبي عثمان، عن أبي موسى الاشعري قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبرا، وقال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم ". وأنا خلف دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: يا عبدالله بن قيس. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: " ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة ؟ " قلت: بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي. قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ".

[ 405 ]

وقد رواه بقية الجماعة من طرق، عن عبدالرحمن بن مل أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الاشعري. والصواب أنه كان مرجعهم من خيبر، فإن أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر. كما تقدم. * * * قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - قد أعطى ابن لقيم العبسي حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة أو داجن، وكان فتح خيبر في صفر، فقال ابن لقيم في فتح خيبر: رميت نطاة من الرسول بفيلق * شهباء ذات مناكب وفقار (1) واستيقنت بالذل لما شيعت * ورجال أسلم وسطها وغفار صبحت بني عمرو بن زرعة غدوة * والشق أظلم أهله بنهار جرت بأبطحها الذيول فلم تدع * إلا الدجاج تصيح بالاسحار ولكل حصن شاغل من خيلهم * من عبد الاشهل أو بني النجار ومهاجرين قد أعلموا سيماهم * فوق المغافر لم ينوا لفرار ولقد علمت ليغلبن محمد * وليثوين بها إلى أصفار (2) فرت يهود عند ذلك في الوغى * تحت العجاج غمائم الابصار (3)


(1) نطاة: حصن بخيبر. والفيلق الكتيبة. والشهباء: الكثيرة السلاح وذات مناكب وفقار: شديدة. (2) أصفار: جمع صفر وهو الشهر المعروف. (3) الغمائم: جفون العين. قال السهيلي: وهو بيت مشكل، غير أن في بعض النسخ وهي قليلة عن ابن هشام أنه قال: فرت: فتحت، من قولك: فرت الدابة، إذا فتحت فاها، وغمائم الابصار: هي مفعول فرت، وهي جفون أعينهم. انظر الروض الانف. (*)

[ 406 ]

فصل في ذكر من استشهد بخيبر من الصحابة رضى الله عنهم على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار رحمه الله وغيره من أصحاب المغازي فمن خير المهاجرين ربيعة بن أكثم بن سخبرة الاسدي مولى بني أمية، وثقيف بن عمرو ورفاعة بن مسروح حلفاء بني أمية، وعبد الله بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة من بني سعد بن ليث حليف بني أسد وابن أختهم. ومن الانصار بشر بن البراء ابن معرور من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وفضيل ابن النعمان السلميان، ومسعود بن سعد بن قيس بن خالد بن عامر بن زريق الزرقي، ومحمود بن مسلمة الاشهلي، وأبو ضياح حارثة بن ثابت بن النعمان العمري، والحارث بن حاطب، وعروة بن مرة بن سراقة، وأوس [ بن ] الفائد (1) وأنيف بن حبيب، وثابت بن أثلة وطلحة، وعمارة بن عقبة رمى بسهم فقتله، وعامر بن الاكوع ثم سلمة ابن عمرو بن الاكوع أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله رحمه الله كما تقدم، والاسود الراعي. وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ولله الحمد والمنة. قال ابن إسحاق: وممن استشهد بخيبر فيما ذكره ابن شهاب من بني زهرة مسعود ابن ربيعة حليف لهم من القارة، ومن الانصار ثم من بني عمرو بن عوف أوس بن قتادة رضى الله عنهم أجمعين.


(1) الاصل: وأوس الفارض. وما أثبته عن الاصابة. (*)

[ 407 ]

خبر الحجاج بن علاط البهزي رضى الله عنه قال ابن إسحاق: ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الححاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال: يا رسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده له منها معرض بن الحجاج - ومالا متفرقا في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله. فأذن له، فقال: إنه لابد لي يا رسول الله من أن أقول. قال: قل. قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش يستمعون الاخبار ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا، وهم يتجسسون الاخبار من الركبان (1). فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط - قال: ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده والله الخبر، أخبرنا يا أبا محمد فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز. قال: قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم. فالتبطوا (2) بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج ؟ قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقد قتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله ؟ ؟ نبعث به إلى مكة [ فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا وصاحوا بمكة ] (3) وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم.


(1) ابن هشام: يتحسسون الاخبار ويسألون الركبان. (2) التبطوا: مشوا بجانبها ولازموها. (3) من ابن هشام. (*)

[ 408 ]

قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي، فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك. قال: فقاموا فجمعوا لي ما كان لى كأحث جمع سمعت به، قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي، وكان [ لي ] (1) عندها مال موضوع، فلعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار. قال: فلما سمع العباس بن عبدالمطلب الخبر وما جاءه عني أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيم التجار، فقال: يا حجاج ما هذا الذي جئت به ؟ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك ؟ قال: نعم. قال: قلت: فاستأخر حتى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف حتى أفرغ. قال: حتى إذا فرغت من جمع كل شئ كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت. قال: أفعل. قلت: فإني والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعني صفية بنت حيى - وقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولاصحابه. قال: ما تقول يا حجاج ؟ قال: قلت: إي والله فاكتم عني، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا عليه من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وتخلق (2) وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة ! قال: كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر ونزل عروسا على بنت ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها، وأصبحت له ولاصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر ؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ أمواله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه


(1) من ابن هشام. (2) تخلق: تطيب بالخلوق. (*)

[ 409 ]

فيكون معه، فقالوا: يالعباد الله ! انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن. قال: ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك. * * * وهكدا ذكر ابن إسحاق هذه القصة منقطعة. وقد أسند ذلك الامام أحمد بن حنبل فقال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، سمعت ثابتا يحدث عن أنس قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال الحجاج ابن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالا وإن لي بها أهلا، وإني أريد أن آتيهم، أفأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا ؟ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم. قال: وفشا ذلك بمكة، فانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحا وسرورا. قال: وبلغ الخبر العباس فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم. قال معمر: فأخبرني عثمان الخزرجي عن مقسم قال: فأخذ ابنا يقال له قثم واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول. حبي قثم * شبه ذي الانف الاشم بنى ذي النعم * برغم من زعم قال ثابت بن أنس: ثم أرسل غلاما له إلى حجاج بن علاط فقال: ويلك ما جئت به وماذا تقول ؟ فما وعد الله خير مما جئت به. فقال: حجاج بن علاط: اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له فليخل لي في بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره. فجاء غلامه فلما بلغ الدار قال: أبشر يا أبا الفضل. قال: فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه، فأخبره ما قال حجاج فأعتقه. قال: ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر وغنم

[ 410 ]

أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيى واتخذها لنفسه، وخيرها أن يعتقها وتكون زوجه أو تلحق بأهلها، فأختارت أن يعتقها وتكون زوجته. قال: ولكني جئت لمال كان هاهنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف على ثلاثا ثم اذكر ما بدا لك. قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي أو متاع فجمعته ودفعته إليه ثم انشمر به، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك ؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل لا يحزنني الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقا ؟ قال: فإني صادق والامر على ما أخبرتك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثا، وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شئ هاهنا ثم يذهب. قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئبا حتى أتى العباس فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون ورد ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين. وهذا الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق به نحوه. ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق. ورواه أيضا من طريق يعقوب بن سفيان، عن زيد بن المبارك، عن محمد بن ثور عن معمر به نحوه.

[ 411 ]

وكذلك ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أن قريشا كان بينهم تراهن عظيم وتبايع، منهم من يقول: يظهر محمد وأصحابه. ومنهم من يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر. وكان الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي قد أسلم وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر، وكان تحته أم شيبة أخت عبد الدار بن قصي، وكان الحجاج مكثرا من المال، وكانت له معادن أرض بني سليم، فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر استأذن الحجاج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى مكة يجمع أمواله، فأذن له نحو ما تقدم. والله أعلم. [ قال السهيلي رحمه الله: روينا في سبب إسلام الحجاج هذا أمرا عجيبا مع الجن. قال: وهو والد نصر بن حجاج الذي نفاه عمر بن الخطاب رضى الله عنه من المدينة بسبب افتتان بعض جواري المدينة. وفيه تقول الفريعة بنت همام أم الحجاج بن يوسف الثقفي: ألا سبيل إلى خمر فأشربها * ولا سبيل إلى نصر بن حجاج قال: فلما ذهب إلى الشام فهوى امرأة أبي الاسود السلمي وأضنى من حبها، وكان يقال له الضني. ومات بذلك ] (1). قال ابن إسحاق: ومما قيل من الشعر في غزوة خيبر قول حسان: بئس ما قاتلت خيابر عما * جمعوا من مزارع ونخيل كرهوا الموت فاستبيح حماهم * وأقروا فعل الذميم الذليل أمن الموت يهربون فإن المو * ت موت الهزال غير جميل وقال كعب بن مالك فيما ذكره ابن هشام عن أبي زيد الانصاري: ونحن وردنا خيبرا وفروضه * بكل فتى عاري الاشاجع مذود (2)


(1) سقط من المطبوعة. (2) الفروض: مواضع الشرب من الانهار. والاشاجع: عروق ظاهر الكف. والمذود:، الحامي المدافع. (*)

[ 412 ]

جواد لدى الغايات لا واهن القوى * جرئ على الاعداء في كل مشهد عظيم رماد القدر في كل شتوة * ضروب بنصل المشرفي المهند يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة * من الله يرجوها وفوزا بأحمد يذود ويحمى عن ذمار محمد * ويدفع عنه باللسان وباليد وينصره من كل أمر يريبه * يجود بنفس دون نفس محمد يصدق بالانباء بالغيب مخلصا * يريد بذاك العز والفوز في غد فصل في مروره عليه السلام بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ومصالحته يهود على ما ذكره الواقدي قال الواقدي: حدثني عبدالرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له مدعم، فكان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود وقدم إليها ناس من العرب، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا ولم نكن على تعبية، وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا " فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شراك من نار

[ 413 ]

أو شراكان من نار " وهذا الحديث في الصحيحين من حديث مالك عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. قال الواقدي: فعبى رسول الله أصحابه للقتال وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد ابن بشر، ثم دعاهم إلى الاسلام وأخبرهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله. قال: فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا، كلما قتل منهم رجلا دعى من بقى منهم إلى الاسلام. ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلى بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الاسلام وإلى الله عزوجل ورسوله، وقاتلهم حتى أمسى (1)، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة وغنمهم الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، فقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الارض والنخيل في أيدي اليهود وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفدك ووادي القرى صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية، وأقاموا بأيديهم أموالهم. فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء ووادى القرى لانهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، ومن وراء ذلك من الشام. قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى وغنمه الله عزوجل.


(1) ا: أمسوا. (*)

[ 414 ]

قال الواقدي: حدثني يعقوب بن محمد، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي صعصعة، عن الحارث بن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف وهو يقول: " لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء " قالت: فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره، فخلى سبيلها ولم يهجر، وضن بزوجته أن يفارقها وكان له منها أولاد وكان يحبها، فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ما يكره. فصل ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر عامل يهودها عليها على شطر ما يخرج منها من تمر أو زرع. وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث على أن يعملوها من أموالهم، وفي بعضها: وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " نقركم فيها ما شئنا ". وفي السنن أنه كان يبعث عليهم عبد الله بن رواحة يخرصها عليهم عند استواء ثمارها ثم يضمنهم إياه، فلما قتل عبد الله بن رواحة بمؤتة بعث جبار بن صخر كما تقدم. وموضع تحرير ألفاظه وبيان طرقه كتاب المزارعة من كتاب الاحكام إن شاء الله وبه الثقة. وقال محمد بن إسحاق: سألت ابن شهاب كيف أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخلهم ؟ فأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء الله عليه، خمسها وقسمها بين المسلمين ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن شئتم

[ 415 ]

دفعت إليكم هذه الاموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم، فأقركم ما أقركم الله ". فقبلوا وكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبدالله ابن رواحة فيقسم ثمرها ويعدل عليهم في الخرص. فلما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفى، ثم أقرهم عمر بن الخطاب صدرا من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان " ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله أذن لي في إجلائكم. وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجتمعن في جزيرة العرب دينان " فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز للجلاء. فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: قد ادعى يهود خيبر في أزمان متأخرة بعد الثلاثمائة أن بأيديهم كتابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أنه وضع الجزية عنهم. وقد اغتر بهذا الكتاب بعض العلماء حتى قال بإسقاط الجزية عنهم، من الشافعية الشيخ أبو على بن خيرون، وهو كتاب مزور [ مكذوب مفتعل لا أصل له، وقد بينت بطلانه من وجوه عديدة في كتاب مفرد ] (1) وقد تعرض لذكره وإبطاله جماعة من الاصحاب في كتبهم كابن الصباغ في مسائله، والشيخ أبي حامد في تعليقته، وصنف فيه ابن المسلمة جزءا منفردا للرد عليه، وقد تحركوا به بعد السبعمائة وأظهروا كتابا فيه نسخة ما ذكره الاصحاب في كتبهم، وقد وقفت عليه فإذا هو مكذوب، فإن فيه شهادة سعد بن معاذ، وقد كان مات قبل زمن


(1) سقط من ا. (*)

[ 416 ]

خيبر، وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يومئذ، وفي آخره: وكتبه علي ابن أبي طالب. وهذا لحن وخطأ، وفيه وضع الجزية ولم تكن شرعت بعد، فإنها إنما شرعت أول ما شرعت وأخذت من أهل نجران. وذكروا أنهم وفدوا في حدود سنة تسع. والله أعلم. * * * ثم قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبدالله بن عمر، عن ابن عمر قال: خرجت أنا والزبير بن العوام والمقداد بن الاسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا، قال: فعدى علي تحت الليل وأنا نائم على فراشي ففدعت يداي من مرفقي، فلما استصرخ على صاحباي فأتياني فسألاني من صنع هذا بك ؟ فقلت: لا أدري، فأصلحا من يدي، ثم قدما بي على عمر، فقال: هذا عمل يهود خيبر. ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبدالله بن عمر ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم على الانصاري قبله، لا نشك أنهم كانوا أصحابه ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال من خيبر فليلحق به فإني مخرج يهود. فأخرجهم. قلت: كان لعمر بن الخطاب سهمه الذي بخيبر، وقد كان وقفه في سبيل الله وشرط في الوقف ما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو ثابت في الصحيحين، وشرط أن يكون النظر فيه للارشد فالارشد من بناته وبنيه. قال الحافظ البيهقي في الدلائل: جماع أبواب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر وقبل عمرة القضية، وإن كان تاريخ بعضها ليس بالواضح عند أهل المغازي.

[ 417 ]

سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة قال الامام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إياس بن سلمة، حدثني أبي، قال: خرجنا مع أبي بكر ابن أبي قحافة وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فغزونا بني فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة، فقتلنا على الماء من مر قبلنا. قال سلمة: ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع (1) من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب، قال: فنفلني أبو بكر بنتها، قال: فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة، ثم بت فلم أكشف لها ثوبا، قال: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال لي " يا سملة هب لي المرأة " قال: فقلت: والله يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال: " يا سلمة هب لي المرأة ". قال: فقلت: يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال: " يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك " قال: قلت: يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله. قال: بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة. وقد رواه مسلم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار به.


(1) القشع: الفرو الخلق. (27 - السيرة 3) (*)

[ 418 ]

سرية عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى تربة من أرض هوازن وراء مكة بأربعة أميال ثم أورد البيهقي من طريق الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه في ثلاثين راكبا ومعه دليل من بني هلال، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فلما انتهوا إلى بلادهم هربوا منهم وكر عمر راجعا إلى المدينة، فقيل له: هل لك في قتال خثعم ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرني إلا بقتال هوازن في أرضهم. سرية عبدالله بن رواحة إلى يسير بن رزام اليهودي ثم أورد من طريق إبراهيم بن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة، ومن طريق موسى بن عقبة عن الزهري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبدالله بن راحة إلى يسير بن رزام اليهودي حتى أتوه بخيبر، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملك على خيبر. فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قرقرة نيار وهي من خيبر على ستة أميال ندم يسير بن رزام فأهوى بيده إلى سيف عبدالله بن رواحة، ففطن له عبدالله بن رواحة فزجر بعيره ثم اقتحم يسوق بالقوم، حتى استمكن من يسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم يسير وفي يده مخراش من شوحط (1) فضرب به وجه عبدالله بن رواحة فشجه شجة مأمومة (2). وانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا ولم يصب من المسلمين أحد،


(1) المخراش المجن، وهو عصا معقوفة. والشوحط: شجر من النبع. (2) مأمومة: في أم رأسه. (*)

[ 419 ]

وبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شجة عبدالله بن رواحة فلم تقيح ولم تؤذه حتى مات. سريه أخرى مع بشير بن سعد روى من طريق الواقدي بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشير بن سعد في ثلاثين راكبا إلى بني مرة من أرض فدك فاستاق نعمهم، فقاتلوه وقتلوا عامة من معه وصبر هو يومئذ صبرا عظيما، وقاتل قتالا شديدا، ثم لجأ إلى فدك فبات بها عند رجل من اليهود، ثم كر راجعا إلى المدينة. قال الواقدي: ثم بعث إليهم رسول لله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبدالله، ومعه جماعة من كبار الصحابة، فذكر منهم أسامة بن زيد، وأبا مسعود البدري، وكعب بن عجرة. ثم ذكر مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك حليف بني مرة، وقوله حين علاه بالسيف: لا إله إلا الله، وأن الصحابة لاموه على ذلك حتى سقط في يده وندم على ما فعل. وقد ذكر هذه القصة يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ من بني سلمة، عن رجال من قومه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غالب بن عبدالله الكلبي إلى أرض بني مرة فأصاب مرداس بن نهيك [ حليفا لهم من الحرقة فقتله أسامة. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة بن زيد ؟ قال: أدركته أنا ورجل من الانصار - يعني مرداس بن نهيك (1) ] فلما شهرنا عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه.


(1) من ا. (*)

[ 420 ]

فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه فقال " يا أسامة من لك بلا إله إلا الله " فقلت: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل. قال: " فمن لك يا أسامة بلا إله إلا الله ". فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله. فقلت: إني أعطى الله عهدا ألا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا. فقال: " بعدي يا أسامة " فقلت بعدك. وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم بن بشير، أنبأنا حصين، عن أبي ظبيان، قال: سمعت أسامة بن زيد يحدث قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحناهم وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال: فغشيته أنا ورجل من الانصار، فلما تغشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف عنه الانصاري وقتلته، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ ! " قال: فقلت: يا رسول الله إنما كان متعوذا من القتل. قال: فكررها علي، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث هشيم به نحوه. * * * وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبدالله الجهني، عن جندب بن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبدالله الكلبي كلب ليث إلى بني الملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم، وكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد (1) لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إني إنما جئت لاسلم، فقال له غالب بن عبدالله: إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضيرك


(1) ابن هشام: بقديد. (*)

[ 421 ]

رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك. قال: فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود كان معنا، وقال: امكث معه حتى نمر عليك، فإن نازعك فاحتز رأسه. ومضينا حتى أتينا بطن الكديد، فنزلنا عشية بعد العصر، فبعثني أصحابي إليه فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر، فانبطحت عليه وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل فقال لامرأته: إني لارى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك. فنظرت فقالت: والله ما أفقد منها شيئا، قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، فناولته فرماني بسهم في جنبي أو قال في جبيني، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سهماي ولو كان ربيئة (1) ربيئة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما علي الكلاب. قال: فأملهنا حتى إذا راحت روائحهم وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا وذهبت عتمة من الليل، شننا عليهم الغارة، فقتلنا واستقنا النعم ووجهنا قافلين به، وخرج صريخ القوم إلى قومهم بقربنا، قال: وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا وأتانا صريخ الناس فجاءنا مالا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد بعث الله من حيث شاء ماء ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا، وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه، ونحن نجذبها أو نحدوها - شك النفيلي - فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك، ثم حدرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا. وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق في روايته عبدالله بن غالب، والصواب غالب بن عبدالله كما تقدم.


(1) الربيئة: طليعة القوم. وفي المطبوعة: ريبة. وهو تحريف. (*)

[ 422 ]

وذكر الواقدي هذه القصة بإسناد آخر وقال فيه: وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا. ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير بن سعد أيضا إلى ناحية خيبر، فلقوا جمعا من العرب وغنموا نعما كثيرا، وكان بعثه في هذه السرية بإشارة أبي بكر وعمر رضى الله عنهما، وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ودليله حسيل بن نويرة وهو الذي كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، قاله الواقدي. سرية أبي حدرد إلى الغابة قال يونس عن محمد بن إسحاق: كان من حديث قصة أبي حدرد وغزوته إلى الغابة ما حدثني جعفر بن عبدالله بن أسلم عن أبي حدرد قال: تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي. فقال: " كم أصدقت ؟ " فقلت: مائتي درهم، فقال " سبحان الله والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زدتم، والله ما عندي ما أعينك به " فلبثت أياما ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس - أو قيس بن رفاعة - في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذا اسم وشرف في جشم، قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من المسلمين فقال: " اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم ". وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليه أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت، وقال: " تبلغوا على هذه ". فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم،

[ 423 ]

وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا معي. فوالله إنا كذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم وتخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه فقال: والله لاتيقنن أمر راعينا ولقد أصابه شر، فقال نفر ممن معه: والله لا تذهب نحن نكفيك. فقال: لا إلا أنا. قالوا: نحن معك. فقال: والله لا يتبعني منكم أحد. وخرج حتى مر بي، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم فوثبت إليه فاحتززت رأسه، ثم شددت ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا، فوالله ما كان إلا النجا ممن كان فيه عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئت برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الابل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إلى أهلي. السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الاضبط قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبدالله بن قسيط، عن ابن عبدالله (1) بن أبي حدرد، عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم في نفر من المسلمين منهم، أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الاضبط الاشجعي على قعود له معه متيع له ووطب (2) من لبن، فسلم علينا بتحيه الاسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشئ كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه الخبر فنزل فينا القرآن " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم


(1) ابن هشام: عن القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد. (2) المتيع: المتاع القليل. والوطب وعاء اللبن. (*)

[ 424 ]

السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا، فعند الله مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (1) ". هكذا رواه الامام أحمد، عن يعقوب عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسيط، عن القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد عن أبيه. فذكره. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر، سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري (2) يحدث عن عروة بن الزبير، عن أبيه وعن جده قالا - وكانا شهدا حنينا - قالا: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فقام إلى ظل شجرة فقعد فيه فقام إليه عيينة بن بدر فطلب بدم عامر بن الاضبط الاشجعي وهو سيد عامر: هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي. فقام رجل من بني ليث يقال له ابن مكيل وهو قصير من الرجال، فقال: يا رسول الله ما أجد لهذا القتيل شبها في غرة الاسلام إلا كغنم وردت فرميت (3) أولاها فنفرت أخراها، اسنن (4) اليوم وغير غدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة ؟ " فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، فقال قوم محلم بن جثامة: إبتوا به حتى يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: فجاء رجل طوال ضرب (5) اللحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل، فقام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا تغفر لمحلم " قالها ثلاثا. فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه. قال محمد بن إسحاق: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك.


(1) سورة النساء 94. (2) ابن هشام: السلمي. (3) غير ا: فشربت. (4) اسنن: ضع الاحكام والسنن. (5) ضرب اللحم: خفيفه. (*)

[ 425 ]

وهكذا رواه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن ابن إسحاق، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الاحمر عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن زيد بن ضميرة عن أبيه وعمه، فذكر بعضه. والصواب كما رواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة (1) عن أبيه وعن جده. وهكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب، عن عبدالرحمن بن أبي الزناد، وعن عبدالرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه وجده بنحوه كما تقدم. وقال ابن إسحاق: حدثني سالم أبو النضر أنه قال (2): لم يقبلوا الدية حتى قام الاقرع بن حابس فخلا بهم وقال: يا معشر قيس، سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب الله لغضبه، ويلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلعنكم الله بلعنته لكم، لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلى قط فلا يطلبن (3) دمه. فلما قال ذلك لهم أخذوا الدية. وهذا منقطع معضل. وقد روى ابن إسحاق عمن لا يتهم عن الحسن البصري، أن محلما لما جلس بين يديه عليه الصلاة والسلام قال له: " أمنته ثم قتلته ؟ " ثم دعا عليه. قال الحسن: فوالله ما مكث محلم إلا سبعا حتى مات فلفظته الارض ثم دفنوه فلفظته الارض ثم دفنوه فلفظته الارض، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه، فبلغ


(1) ابن هشام: زياد بن ضميرة بن سعد. (2) ابن هشام: وأخبرنا سالم أبو النضر أنه حدث أن عيينة بن حصن... (3) ابن هشام: فلا طلبن. (*)

[ 426 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الارض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم لما أراكم منه ". وقال ابن جرير: حدثنا وكيع، حدثنا جرير، عن ابن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر، قال: بعث رسول الله صلى عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الاضبط فحياهم بتحية الاسلام - وكانت بينهم هنة في الجاهلية - فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فيه عيينة والاقرع، فقال الاقرع: يا رسول الله سن اليوم وغير غدا، فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما أذاق نسائي محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا غفر الله لك " فذكروا ذلك له فقال: " إن الارض لتقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم " ثم طرحوه في جبل فألقوا عليه من الحجارة ونزلت: " يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا " الآية. وقد ذكره موسى بن عقبة عن الزهري، ورواه شعيب عن الزهري عن عبدالله بن وهب، عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم محلم بن جثامة ولا عامر بن الاضبط، وكذلك رواه البيهقي عن الحسن البصري بنحو هذه القصة وقال: وفيه نزل قوله تعالى: " يأيها الذين آمنو إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا " الآية. قلت: وقد تكلمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في التفسير بما فيه الكفاية. ولله الحمد والمنة. سرية عبدالله بن حذافة السهمي ثبت في الصحيحين من طريق الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبدالرحمن

[ 427 ]

الحبلى، عن علي بن أبي طالب قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الانصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شئ فقال: اجمعوا لي حطبا. فجمعوا. فقال: أوقدوا نارا. فأوقدوا. ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار. قال: فسكن غضبه وطفئت النار. فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال: " لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف ". وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين من طريق يعلى بن مسلم، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، وقد تكلمنا على هذه بما فيه كفاية في التفسير ولله الحمد والمنة.

[ 428 ]

بسم الله الرحمن الرحيم عمرة القضاء ويقال القصاص. ورجحه السهيلي. ويقال عمرة القضية، فالاولى قضاء عما كان أحصر عام الحديبية والثاني من قوله تعالى: " والحرمات قصاص " والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها على أن يرجع عنهم عامه هذا ثم يأتي في العام القابل ولا يدخل مكة إلا في جلبان (1) السلاح وألا يقيم أكثر من ثلاثة أيام. وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة الفتح المباركة: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آءمين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون " الآية. وقد تكلمنا عليها مستقصى في كتابنا التفسير بما فيه كفاية. وهي الموعود بها في قوله عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب حين قال له: ألم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: " بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ " قال: لا. قال: " فإنك آتية ومطوف به ". وهي المشار إليها في قول عبدالله بن رواحة حين دخل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يوم عمرة القضاء وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضر بكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله


(1) الجلبان: شبه الجراب من الجلد يوضع فيه السيف. (*)

[ 429 ]

أي هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت مثل فلق الصبح. * * * قال ابن إسحاق،: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا، يبعث فيما بين ذلك سراياه. ثم خرج من ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عويف بن الاضبط الدؤلي. ويقال لها عمرة القصاص، لانهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست، فافتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع. بلغنا عن ابن عباس أنه قال: فأنزل الله تعالى في ذلك " والحرمات قصاص ". وقال معتمر بن سليمان عن أبيه في مغازيه: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر أقام بالمدينة وبعث سراياه حتى استهل ذو القعدة، فنادى في الناس: أن تجهزوا للعمرة. فتجهزوا وخرجوا إلى مكة. وقال ابن إسحاق: وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك وهي سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه وتحدثت قريش بينها أن محمدا في عسرة وجهد وشدة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم، عن عبدالله بن عباس قال: صفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد

[ 430 ]

اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: " رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة ". ثم استلم الركن، ثم خرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الاسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها. فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها. وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد - هو ابن زيد - عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد وهنهم حمى يثرب. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الاشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الاشواط كلها إلا الابقاء عليهم. قال أبو عبد الله: وزاد بن سلمة - يعني حماد بن سلمة - عن أيوب، عن سعيد عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامهم الذي استأمن قال: " ارملوا ليرى المشركون قوتهم، والمشركون من قبل قعيقعان. ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد. وأسنده البيهقي طريق حماد بن سلمة. وقال البخاري: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 431 ]

وسيأتي بقية الكلام على هذا المقام. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني عبدالله بن أبي بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها و عبدالله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله * أعرف حق الله في قبوله نحن قتلناكم على تأويله * كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله قال ابن هشام: نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر الابيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم - يعني يوم صفين - قاله السهيلي. قال ابن هشام: والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقروا بالتنزيل، وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل. وفيما قاله ابن هشام نظر، فإن الحافظ البيهقي روى من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء مشى عبدالله بن رواحة بين يديه، وفي رواية وهو آخد بغرزه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * قد نزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله * نحن قتلناكم على تأويله وفي رواية بهذا الاسناد بعينه: خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله

[ 432 ]

وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام القضية مكة فطاف بالبيت على ناقته واستلم الركن بمحجنه. قال ابن هشام: من غير علة، والمسلمون يشتدون حوله، و عبدالله بن رواحة يقول: باسم الذي لا دين إلا دينه * باسم الذي محمد رسوله خلوا بني الكفار عن سبيله * * * قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام القابل من عام الحديبية معتمرا في ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده المشركون عن المسجد الحرام، حتى إذا بلغ يأجج وضع الاداة كلها الحجف والمجان والرماح والنبل، ودخلوا بسلاح الراكب السيوف، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه جعفر بن أبى طالب إلى ميمونة بنت الحارث العامرية فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس وكان تحته أختها أم الفضل بنت الحارث، فزوجها العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه قال: " اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف ". ليرى المشركون جلدهم وقوتهم، وكان يكايدهم بكل ما استطاع، فاستكف (1) أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، و عبدالله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله صلى عليه وسلم متوشحا بالسيف وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * أنا الشهيد أنه رسوله


(1) استكف: أحاطوا به. (*)

[ 433 ]

قد أنزل الرحمن في تنزيله * في صحف تتلى على رسوله فاليوم نضربكم على تأويله * كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيظا وحنقا، ونفاسة وحسدا. وخرجوا إلى الخندمة (1)، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأقام ثلاث ليال، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية. فلما أتى الصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبدالعزى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس الانصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب بن عبدالعزى: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث. فقال سعد بن عبادة: كذبت لا أم لك ليس بأرضك ولا بأرض آبائك والله لا يخرج. ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيلا وحويطبا فقال: " إني قد نكحت فيكم امرأة فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا " فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل ببطن سرف وأقام المسلمون وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع ليحمل ميمونة، وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة، وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين ومن صبيانهم، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف فبنى بها ثم أدلج فسار حتى أتى المدينة. وقدر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فماتت حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(2) الخندمة: جبل بمكة (28 - السيرة 3) (*)

[ 434 ]

ثم ذكر قصة ابنة حمزة إلى أن قال: وأنزل الله عزوجل في تلك العمرة " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص " فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صد فيه. * * * وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير نحوا من هذا السياق، ولهذا السياق شواهد كثيرة من أحاديث متعددة. ففي صحيح البخاري من طريق فليح بن سليمان، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج. وقال الواقدي: حدثني عبدالله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: لم تكن هذه عمرة قضاء وإنما كانت شرطا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الذي صدهم فيه المشركون. وقال أبو داود: حدثنا النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن ميمون، سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أن ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة، وبعث معي رجال من قومي بهدي. قال: فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، قال: فنحرت الهدي مكاني ثم أحللت ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لاقضي عمرتي، فأتيت بن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه

[ 435 ]

أن يبدلوا الهدى الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء. تفرد به أبو داود من حديث أبي حاضر عثمان بن حاضر الحميري، عن ابن عباس فذكره. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عمرو بن ميمون قال: كان أبي يسأل كثيرا: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدل هديه الذي نحر حين صده المشركون عن البيت ؟ ولا يجد في ذلك شيئا، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك فقال له: على الخبير سقطت ! حججت عام ابن الزبير في الحصر الاول، فأهديت هديا فحالوا بيننا وبين البيت، فنحرت في الحرم ورجعت إلى اليمن وقلت: لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، فلما كان العام المقبل حججت فلقيت ابن عباس فسألته عما نحرت علي بدله أم لا ؟ قال: نعم فأبدل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدهم المشركون فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء، فعزت الابل عليهم فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقر. وقال الواقدي: حدثني غانم بن أبي غانم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب الاسلمي على هديه يسير بالهدي أمامه يطلب الرعي في الشجر معه أربعة فتيان من أسلم، وقد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ستين بدنة. فحدثني محمد بن نعيم المجمر، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كنت مع صاحب البدن أسوقها. قال الواقدي: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران، فيجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله. ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا

[ 436 ]

من السلاح والخيل، ففزعت قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا، وإنا على كتابنا وهدنتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه ؟ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الاحنف في نفر من قريش، حتى لقوه ببطن يأجج ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه والهدي والسلاح قد تلاحقوا، فقالوا: يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت لهم ألا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لا أدخل عليهم السلاح " فقال مكرز بن حفص: هذا الذي تعرف به، البر والوفاء، ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة. فلما أن جاء مكرز بن حفص بخبر النبي صلى الله عليه وسلم خرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال وخلوا مكة وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو على ناقته القصواء وهم محدقون به يلبون وهم متوشحون السيوف، فلما انتهى إلى ذي طوى وقف على ناقته القصواء وابن رواحة آخذ بزمامها وهو يرتجز بشعره ويقول: خلوا بني الكفار عن سبيله * إلى آخره وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة - يعني من ذي القعدة سنة سبع - فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنهم حمى يثرب. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا

[ 437 ]

الاشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الاشواط كلها إلا الابقاء عليهم. قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عبدالله ابن عثمان، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران من عمرته بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف (1). فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة (2)، فقال: " لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم " فجمعوا له وبسطوا الانطاع فأكلوا حتى تركوا، وحشا كل واحد منهم في جرابه. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع بردائه ثم قال: " لا يرى القوم فيكم غميزة " فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الاسود، فقالت قريش: ما يرضون بالمشي أما إنهم لينفرون نفر الظباء ! ففعل ذلك ثلاثة أطواف فكانت سنة. قال أبو الطفيل: وأخبرني ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أبو داود، حدثنا أبو سلمة موسى، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - انبأنا أبو عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت وأن ذلك سنة ؟ فقال: صدقوا وكذبوا. قلت: ما صدقوا وما كذبوا ؟ قال: صدقوا، رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبوا ليس بسنة، إن قريشا زمن الحديبية قالت: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت


(1) العجف: الهزال. (2) جمامة: بقية من قوة. (*)

[ 438 ]

النغف (1)، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " ارملوا بالبيت ثلاثا " قال: وليس بسنة. وقد رواه مسلم من حديث سعيد الجريري، و عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين و عبدالملك بن سعيد بن أبجر، ثلاثتهم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن ابن عباس به نحوه. وكون الرمل في الطواف سنة مذهب الجمهور، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في عمرة القضاء وفي عمرة الجعرانة أيضا، كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبدالله ابن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل عن ابن عباس فذكره. وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره أنه عليه السلام رمل في حجة الوداع في الطواف، ولهذا قال عمر بن الخطاب: فيم الرملان وقد أطال الله الاسلام ؟ ومع هذا لا نترك شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وموضع تقرير هذا كتاب الاحكام. وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سنة، كما ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إنما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركين قوته. لفظ البخاري. وقال الواقدي: لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكه في القضاء دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول ! وقال صفوان بن أمية: الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا. وقال


(1) النغف: دود في أنوف الابل والغنم، ويقال للمحتقر: نغفة. (*)

[ 439 ]

خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حتى يقوم بلال ينهق فوق البيت. وأما سهيل بن عمر ورجال معه لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم. قال الحافظ البيهقي: قد أكرم الله أكثرهم بالاسلام. قلت: كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي أن هذا كان في عمرة القضاء، والمشهور أن ذلك كان في عام الفتح. والله أعلم. وأما قصة تزويجه عليه السلام بميمونة فقال ابن إسحاق: حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبدالمطلب. قال ابن هشام: كانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدقها عنه أربعمائة درهم. وذكر السهيلي أنه لما انتهت إليها خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهي راكبة بعيرا قالت: الجمل وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وفيها نزلت الآية: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " (2). وقد روى البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف. قال السهيلي (1) وروى الدارقطني من طريق أبي الاسود يتيم عروة، ومن طريق مطر


(1) سورة الاحزاب 50 (2) كذا في ا وفي ت: البيهقي. (*)

[ 440 ]

الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال. قال: وتأولوا رواية ابن عباس الاولى أنه كان محرما، أي في شهر حرام، كما قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما * فدعا فلم أر مثله مخذولا أي في شهر حرام. قلت: وفي هذا التأويل نظر، لان الروايات متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك، ولا سيما [ من ] (1) قوله: " تزوجها وهو محرم وبنى بها وهو حلال " وقد كان في شهر ذي القعدة أيضا وهو شهر حرام. وقال محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا عبد الرزاق، قال: قال لي الثوري: لا يلتفت (2) إلى قول أهل المدينة. أخبرني عمرو عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم. قال أبو عبد الله: قلت لعبد الرزاق: روى سفيان الحديثين جميعا، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس وابن خثيم (3)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نعم، أما حديث ابن خثيم فحدثنا هاهنا - يعني باليمن - وأما حديث عمرو فحدثنا ثم - يعني بمكة -. وأخرجاه (4) في الصحيحين من حديث عمرو بن دينار به. وفي صحيح البخاري من طريق الاوزاعي، حدثنا عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم. فقال سعيد بن المسيب: وهم


(1) من ا (2) ا: لا تلتفت. (3) ا خيثم وهو تحريف. (4) ا: أخرجاه. (*)

[ 441 ]

ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها إلا بعد ما أحل. وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثني بقية، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: هذا عبدالله بن عباس يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم فذكر كلمته، إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فكان الحل والنكاح جميعا، فشبه ذلك على ابن عباس (1) وروى مسلم وأهل السنن من طرق عن يزيد بن الاصم العامري، عن خالته ميمونة بنت الحارث، قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان (2) بسرف. لكن قال الترمذي: روى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الاصم مرسلا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبدالله الاصفهاني الزاهد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى (3) بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما. وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن حماد بن زيد به، ثم قال الترمذي: حسن ولا نعلم أحدا أسنده عن حماد عن مطر. ورواه مالك عن ربيعة عن سليمان مرسلا. [ ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا. قلت: وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين، ويقال: سنة ستين، رضى الله عنها ] (4)


(1) ا: على الناس. (2) غير ا: حلال. (3) ا: وبنى. (4) سقطت من ا. (*)

[ 442 ]

ذكر خروجه عليه السلام من مكة بعد قضاء عمرته قد تقدم ما ذكره موسى بن عقبة أن قريشا بعثوا إليه حويطب بن عبدالعزى بعد مضي أربعة أيام ليرحل عنهم كما وقع به الشرط، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عرسه بميمونة عندهم، وإنما أراد تأليفهم بذلك، فأبوا عليه وقالوا: بل اخرج عنا. فخرج. وكذلك ذكره ابن إسحاق (1) وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. قالوا: لا نقر بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن أنت محمد بن عبدالله. قال: " أنا رسول الله وأنا محمد بن عبدالله " ثم قال لعلي ابن أبي طالب: " امح رسول الله " قال: لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد ابن عبدالله لا يدخل مكة [ السلاح (2) ] إلا السيف في القراب، وألا تخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وألا يمنع من أصحابه أحدا أراد أن يقيم بها. فلما دخل (2) ومضى الاجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الاجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم. فتناولها علي فأخذها بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك. فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر (3)، فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: " الخالة بمنزلة الام " وقال


(1) في ابن هشام: ثلاثة أيام وأتاه حويطب في اليوم الثالث. (2) من صحيح البخاري. (3) ا: دخلها ! (4) ا: وحفص. وهو تحريف ! (*)

[ 443 ]

لعلي: " أنت مني وأنا منك " وقال لجعفر: " أشبهت خلقي وخلقي " وقال لزيد: " أنت أخونا ومولانا " قال (1) على: ألا تتزوج ابنة حمزة، قال: " إنها ابنة أخي من الرضاعة ". تفرد به البخاري من هذا الوجه. * * * وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة فقال: حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عمارة ابنة حمزة بن عبدالمطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم علي بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين ؟ فلم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن إخراجها، فخرج بها، فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال: أنا أحق بها، ابنة أخي، فلما سمع بذلك جعفر قال: الخالة والدة، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس. وقال علي: ألا أراكم تختصمون ! هي ابنة عمي وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها سبب دوني، وأنا أحق بها منكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا أحكم بينكم، أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله، وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أولى بها، تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها " فقضى بها لجعفر. قال الواقدي: فلما قضى بها لجعفر [ قام جعفر (2) ] فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ما هذا يا جعفر ؟ " فقال: يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: تزوجها فقال: " ابنة أخي من


(1) ا: فقال ورواية البخاري: وقال. (2) سقطت من ا. (*)

[ 444 ]

الرضاعة ". فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " هل جزيت أبا سلمة ". قلت: لانه ذكر الواقدي وغيره أنه هو الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمه أم سلمة، لانه كان أكبر من أخيه عمر بن أبي سلمة. والله أعلم. قال ابن إسحاق: ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذي الحجة. وتولى (1) المشركون تلك الحجة. قال ابن هشام: وأنزل الله في هذه العمرة فيما حدثني أبو عبيدة قوله تعالى: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا " [ يعني خيبر (2) ]. فصل ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم. ثم ساق بسنده عن الواقدي: حدثني محمد بن عبدالله بن مسلم، عن الزهري قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية رجع في ذي الحجة من سنة سبع، فبعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين فارسا، فخرج العين إلى قومه فحذرهم وأخبرهم فجمعوا جمعا كثيرا وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون، فلما أن رآهم (3) أصحاب رسول الله صلى لله عليه وسلم ورأوا جمعهم دعوهم إلى الاسلام، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه. فرموهم ساعة وجعلت الامداد


(1) ا: وولى. (2) من ابن هشام. (3) غير ا: رأوهم. (*)

[ 445 ]

تأتى حتى أحدقوا بهم من كل جانب، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة، فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقى معه من أصحابه في أول يوم من شهر صفر سنة ثمان. فصل: قال الواقدي: في الحجة (1) من هذه السنة - يعني سنة سبع - رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع، وقد قدمنا الكلام على ذلك (2)، وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين، وقد أسلمتا في الطريق، وغلام خصى. قال الواقدي: وفيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منبره درجتين ومقعده، قال: والثابت عندنا أنه عمل في سنة ثمان.


(1) ا: في المحرم. (2) في الجزء الثاني. (*)

[ 446 ]

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بحولك وقوتك سنة ثمان من الهجرة النبوية فصل في إسلام عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة (1) رضى الله عنهم وكان قدومهم في أوائل سنة ثمان على ما سيأتي قد تقدم طرف من ذلك (2) فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهودي، وذلك في سنة خمس من الهجرة. وإنما ذكره الحافظ البيهقي هاهنا بعد عمرة القضاء، فروى من طريق الواقدي: أنبأنا عبدالحميد بن جعفر، عن أبيه، قال عمرو بن العاص: كنت للاسلام مجانبا معاندا، حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت. قال: فقلت في نفسي: كم أوضع (3) ! والله ليظهرن محمد على قريش. فلحقت بمالي بالرهط (4)، وأقللت من الناس - أي من لقائهم -. فلما حضر الحديبية وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح، ورجعت


(1) ا: وطلحة بن أبي طلحة وهو تحريف. (2) تقدم ذلك في هذا الجزء. (3) أوضع: أدبر وأحارب. (4) الرهط: موضع في شعر هذيل. المراصد: 2 / 645 (*)

[ 447 ]

قريش إلى مكة. جعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل ولا الطائف، ولا شئ خير من الخروج، وأنا بعد ناء عن الاسلام، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم. فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي، وكانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم ؟ قالوا: ذو رأينا ومدرهنا (1) في يمن نقيبة (2) وبركة أمر. قال: قلت: تعلمون إني والله لارى أمر محمد أمرا يعلو الامور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا. قالوا: وما هو ؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون معه، فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي [ فإنا أن ] نكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا. قالوا: هذا الرأي. قال: قلت: فاجمعوا ما نهديه له - وكان أحب ما يهدي إليه من أرضنا الادم - فجمعنا له (3) أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي، فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لاصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش (4) وكنت قد أجزأت عنها حين (5) قتلت رسول محمد. فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئا ! قال: قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا. ثم قدمته فأعجبه وفرق منه شيئا ؟ بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع وأمر أن يكتب ويحتفظ به.


(1) ا: ذا رأى. والمدره: المدافع. (2) المطبوعة: نفسه وهو تحريف (3) غير ا: فحملنا أدما. (4) ا: سررت قريشا. (5) المطبوعة: حتى. وهو تحريف. (*)

[ 448 ]

فلما رأيت ريب نفسه قلت: أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا، فأعطنيه فأقتله. فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي (1) ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي، فأصابني من الذل مالو انشقت بي الارض دخلت فيها فرقا منه. ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك. قال: فاستحيا وقال: يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى لتقتله. قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب والعجم، وتخالف أنت ! ثم قلت: أتشهد أيها الملك بهذا ؟ قال: نعم أشهد به عند الله يا عمرو، فأطعني واتبعه، فوالله إنه لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت: أتبايعني له على الاسلام ؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعني على الاسلام، ثم دعا بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا. وكانت ثيابي قد امتلات بالدم فألقيتها. ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت ؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود إليه. فقالوا: الرأي ما رأيت. قال: ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة، فعمدت إلى موضع السفن فأجد سفينة قد شحنت تدفع، قال: فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة وخرجت من السفينة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران، ثم


(1) في الروايات الاخرى: أنفه. (*)

[ 449 ]

ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا، وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين، قال: فنظرت فإذا خالد بن الوليد، قال: قلت: أين تريد ؟ قال: محمدا، دخل الناس في الاسلام فلم يبق أحد به طعم (5)، والله لو أقمت لاخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها. قلت: وأنا والله قد أردت محمدا وأردت الاسلام. فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي، فنزلنا جميعا في المنزل. ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح يا رباح يا رباح. فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين. فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولى مدبرا إلى المسجد سريعا، فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا، فكان كما ظننت. وأنخنا بالحرة، فلبسنا من صالح ثيابنا، ثم نودي بالعصر فانطلقنا حتى اطلعنا عليه، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه. قال: فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر، فقال: " إن الاسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها ". قال: فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة، وكان عمر على خالد كالعاتب. قال عبدالحميد بن جعفر شيخ الواقدي: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن حبيب


(1) الطعم: القدرة. (29 - السيرة 3) (*)

[ 450 ]

فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي، عن مولاه حبيب، عن عمرو ابن العاص نحو ذلك. قلت: كذلك رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن راشد، عن مولاه حبيب [ قال: ] حدثني عمرو بن العاص من فيه، فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع. وسياق الواقدي أبسط وأحسن. قال الواقدي عن شيخه عبدالحميد: فقلت ليزيد بن أبي حبيب: وقت لك متى قدم عمرو وخالد ؟ قال: لا، إلا أنه قال قبل الفتح. قلت: فإن أبي فأخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان. وفي صحيح مسلم ما يشهد لسياق إسلامه وكيفية حسن صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته، وكيف مات وهو يتأسف على ما كان منه في مدة مباشرته الامارة بعده عليه الصلاة والسلام، وصفة موته رضى الله عنه. طريق إسلام خالد بن الوليد قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، قال سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الاسلام وحضرني رشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد صلى الله عليه وسلم، فليس في مواطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شئ، وأن محمدا سيظهر. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خيرة - فأطلع على

[ 451 ]

ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا وقلت: الرجل ممنوع، فاعتزلنا، وعدل عن سنن (1) خيلنا وأخذ ذات اليمين. فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي: أي شئ بقى ؟ أين أذهب ؟ إلى النجاشي ؟ فقد اتبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية ؟ فأقيم في عجم (2)، فأقيم في داري بمن بقى ؟ فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضية [ فتغيبت ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية (3) ] فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام وعقلك عقلك ! ومثل الاسلام جهله أحد ؟ وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك وقال: أين خالد ؟ فقلت: يأتي الله به، فقال: " مثله جهل الاسلام ؟ ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين كان خيرا له، ولقد مناه على غيره " فاستدرك يا أخي ما قد فاتك [ من ] مواطن صالحة. قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الاسلام، وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة فخرجت في بلاد خضراء واسعة، فقلت: إن هذه لرؤيا. فلما أن قدمت المدينة قلت: لاذكرنها لابي بكر، فقال: مخرجك الذي هداك الله للاسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك. قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: من أصاحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب أما ترى


(1) السنن: الجهة. (2) ا: مع عجم. (3) سقط من ا. (*)

[ 452 ]

ما نحن فيه ؟ إنما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف ؟ فأبى أشد الاباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا. فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية. قلت: فاكتم علي. قال: لا أذكره. فخرجت لي منزلي فأمرت براحلتي فخرجت بها، إلى أن لقيت عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لي صديق، فلو ذكرت له ما أرجو. ثم ذكرت من قتل من آبائه، فكرهت أن أذكره، ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي. فذكرت له ما صار الامر إليه، فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج، وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي، فأسرع الاجابة، وقلت له: إني غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفج مناخة. قال: فاتعدت أنا وهو يأجج، إن سبقني أقام وأن سبقته أقمت عليه. قال: فأدلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها، قال: مرحبا بالقوم. فقلنا: وبك. فقال: إلى أين مسيركم ؟ فقلنا: وما أخرجك ؟ فقال: وما أخرجكم ؟ قلنا: الدخول في الاسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم. قال: وذاك الذي أقدمني. فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة، فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أخي: فقال أسرع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم.

[ 453 ]

فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: " تعال " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير " قلت: يا رسول الله إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق فادع الله أن يغفرها لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الاسلام يجب ما كان قبله " قلت: يا رسول الله على ذلك. قال: " اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله ". قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان، قال: والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه. سرية شجاع بن وهب الاسدي إلى نفر من هوازن قال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن، وأمره أن يغير عليهم، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى جاءهم وهم غارون، وقد أوعز إلى أصحابه ألا تمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء فاستاقوا ذلك حتى إذا قدموا المدينة فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا كل رجل وزعم غيره أنهم أصابوا سبيا أيضا، وأن الامير اصطفى عنهم جارية وضيئة ثم قدم أهلوهم مسلمين، فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أميرهم في ردهن إليهم، فقال: نعم فردوهن، وخير الجارية التي عنده فاختارت المقام عنده. وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن

[ 454 ]

ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد فكان فيهم عبدالله بن عمر، قال فأصبنا إبلا كثيرا فبلغت سهامنا اثنى عشر بعيرا ونفلنا رسول لله (1) صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، ورواه مسلم أيضا من حديث الليث ومن حديث عبدالله كلهم عن نافع عن ابن عمر بنحوه. وقال أبو داود: حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد فخرجت فيها فأصبنا نعما كثيرا، فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا أثنا عشر بعيرا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله. سرية كعب بن عمير إلى بني قضاعة من أرض الشام قال الواقدي: حدثنا محمد بن عبدالله [ عن (2) ] الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الاسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، فارتث (3) منهم رجل جريح في القتلى، فلما أن برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم بالبعثة إليهم فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر.


(1) البخاري: ونفلنا بعيرا بعيرا. بالبناء للمجهول. (2) من ا. (3) ارتث: جرح وبه رمق. (*)

[ 455 ]

غزوة مؤتة وهي سرية زيد بن حارثة في نحو من ثلاثة آلاف إلى أرض البلقاء من أطراف (1) الشام قال محمد بن إسحاق بعد قصة عمرة القضية: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم وصفرا وشهري ربيع وبعث في جمادي الاولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة. فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادي الاولى من سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: " إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس ". فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج وهم ثلاثة آلاف. وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمرو بن الحكم، عن أبيه قال: جاء النعمان بن فنحص اليهودي فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن قتل عبدالله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم ". فقال النعمان: أبا القاسم إن كنت نبيا فلو سميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، إن الانبياء من بني إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم فقالوا: إن أصيب فلان


(1) غير ا: من أرض. (*)

[ 456 ]

ففلان، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا. ثم جعل يقول لزيد: اعهد فإنك لا ترجع أبدا، إن كان محمد نبيا. فقال زيد: أشهد أنه نبي صادق بار صلى الله عليه وسلم. رواه البيهقي. * * * قال ابن إسحاق: فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم، فلما ودع عبدالله بن رواحة [ مع (1) ] من ودع بكى، فقالوا: ما يبكيك يابن رواحة. فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا " (2) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود ؟ !. فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقال عبدالله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا (3) أو طعنة بيدي حران مجهزة * بحربة تنفذ الاحشاء والكبدا (4) حتى يقال إذا مروا على جدثي * أرشده الله من غاز وقد رشدا قال ابن إسحاق: ثم إن القوم تهيأوا للخروج، فأتى عبدالله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلة * الله يعلم أني ثابت البصر


(1) ليست في ا. (2) سورة مريم الآية 71. (3) الفرغ: السعة. (4) الحران: الشديد. (*)

[ 457 ]

أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر قال بن إسحاق: ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعهم، حتى إذا ودعهم وانصرف، قال عبدالله بن رواحة: خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خير مشيع وخليل * * * [ وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مؤتة فاستعمل زيدا، فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فابن رواحة، فتخلف ابن رواحة فجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم، فرآه فقال: " ما خلفك ؟ " فقال أجمع معك. قال: " لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها (1) " ]. وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة (2)، قال: فقدم أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ألحقهم. قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال: " ما منعك أن تغدو مع أصحابك ؟ " فقال: أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أنفقت ما في الارض جميعا ما أدركت غدوتهم ". وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن أبي معاوية، ثم قال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.


(1) هذا الجزء مؤخر في ا. (2) ا: يوم جمعة. (*)

[ 458 ]

وقال شعبة: لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة أحاديث - وعدها شعبة - وليس هذا الحديث منها (1). [ قلت: والحجاج بن أرطاة في روايته نظر والله أعلم (2) ] والمقصود من إيراد هذا الحديث أنه يقتضي أن خروج الامراء إلى مؤتة كان في يوم جمعة. والله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، ثم أحد إراشة يقال له مالك بن زافلة. وفي رواية يونس عن ابن إسحاق: فبلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة. [ وقيل: كان الروم مائتي ألف ومن أعداهم خمسون ألفا. وأقل ما قيل: إن الروم كانوا مائة ألف ومن العرب خمسون ألفا. حكاه السهيلي (3) ] فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. قال: فشجع الناس عبدالله بن رواحة وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة،


(1) غير ا: " وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أبي معاوية عن الحجاج - وهو ابن أرطاة. ثم علله الترمذي بما حكاه عن شعبة أنه قال: لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة أحاديث وليس هذا منها ". (2) ليس في ا. (3) من ا. (*)

[ 459 ]

ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس. فقال عبدالله بن رواحة في محبسهم ذلك: جلبنا الخيل من أجأ وفرع * تعر من الحشيش إلى العكوم (1) حذوناها من الصوان سبتا * أزل كأن صفحته أديم (2) أقامت ليلتين على معان * فأعقب بعد فترتها جموم (3) فرحنا والجياد مسومات * تنفس في مناخرها سموم (4) فلا وأبى مآب لنأتينها * وإن كانت بها عرب وروم فعبأنا أعنتها فجاءت * عوابس والغبار لها بريم (5) بذي لجب كأن البيض فيه * إذا برزت قوانسها النجوم (6) فراضية المعيشة طلقتها * أسنتنا فتنكح أو تئيم (7) قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت (8) يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مرد في


(1) أجأ: أحد جبلي طئ والآخر سلمى. وفرع: أطول جبل بأجأ وأوسطه. وتعر: تطعم وتشبع. والرواية عند السهيلي: تقر. بالقاف، وقال: تقر أي يجمع بعضها إلى بعض. والعكوم: جمع عكم وهو الجانب. (2) حذوناها: جعلنا لها نعالا من حديد. والصوان: حجارة ملس، والسبت: النعال التي تصنع من الجلود المدبوغة. والازل: الاملس. والاديم: الجلد. (3) معان: موضع بالشام. والفترة: السكون والضعف. والجموم: اجتماع القوة. (4) سموم، بضم السين، جمع سم وهما عرقان في خيشوم الفرس. والسموم بفتح السين: ريح حارة. وفي ابن هشام: في مناخرها السموم. (5) البريم: كل ما فيه لونان مختلطان، والدمع المختلط بالاثمد. (6) اللجب: اختلاط الاصوات من كثرة الجيش. والقوانس: جمع قونس وهو أعلى بيضة الحديد. (7) راضية المعيشة: العيشة اللينة المطمئنة. تئيم: تبقى دون زوج - يريد أنهم قد تجافوا عن الدعة والراحة. (8) أ: كان. (*)

[ 460 ]

على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه: إذا أدنيتني وحملت رحلي * مسيرة أربع بعد الحساء (1) فشأنك أنعم وخلاك ذم * ولا أرجع إلى أهلى ورائي (2) وجاء المسلمون وغادروني * بأرض الشام مشتهى الثواء (3) وردك كل ذي نسب قريب * إلى الرحمن منقطع الاخاء هنالك لا أبالي طلع بعل * ولا نخل أسافلها رواء (4) قال: فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرة وقال: ما عليك يالكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل ؟ ثم قال عبدالله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز: يا زيد زيد اليعملات الذبل * تطاول الليل هديت فانزل (5) * * * قال ابن إسحاق: ثم مضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها، فتعبي لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الانصار يقال له عباية بن مالك.


(1) الحساء: سهل من الارض يستنقع فيه الماء، أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر. (2) شأنك أنعم: يريد أنه يريحها ولا يكلفها عناء السفر بعد ذلك. ولا أرجع: مجزوم على الدعاء. (3) مشتهى الثواء: لا يريد رجوعا. وقد روى: مستنهى الثواء. قال السهيلي: مستنهى الثواء: مستفعل من النهاية والانتهاء، أي حيث انتهى مثواه. (4) البعل: ما يشرب بعروقه من الارض. وأسافلها رواء: كذا في ابن هشام، وغير أ. وفي أ: أساقيها ورائي. (5) اليعملات: النوق السريعة. والذبل: التي أوهنها السير. (*)

[ 461 ]

وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة فلما دنا منا المشركون رأينا مالا قبل لاحد به من العدة والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصرى، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة ؟ قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد بدرا معنا، إنا لم ننصر بالكثرة. رواه البيهقي. قال إين إسحاق: ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل القوم حتى قتل، وكان جعفر أول [ رجل من ] (1) المسلمين عقر في الاسلام. وقال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد، حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول: ياحبذا الجنة واقترابها * طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها * [ كافرة بعيدة أنسابها ] (2) * علي إن لاقيتها ضرابها * وهذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث أبي إسحاق ولم يذكر الشعر. وقد استدل به من جوز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو، كما يقول أبو حنيفة في الاغنام إذا لم تتبع في السير ويخشى من لحوق العدو وانتفاعهم بها أنها تذبح وتحرق ليحال (3) بينهم وبين ذلك. والله أعلم. قال السهيلي: ولم ينكر على جعفر أحد فدل على جوازه إلا إذا أمن أخذ العدو له،


(1) من أ. (2) ليست في أ (3) أ: فيحال. (*)

[ 462 ]

ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثا. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، قال: فلما قتل جعفر أخذ عبدالله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ويقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه * لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه * مالى أراك تكرهين الجنه ! قد طال ما قد كنت مطمئنه * هل أنت إلا نطفة في شنه وقال أيضا: يا نفس إن لا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت. فأخذه من يده فانتهش منه نهشة. ثم سمع الحطمة (1) في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا ! ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه ثم تقدم، فقاتل حتى قتل رضى الله عنه. قال: ثم أخذ الراية ثابت ين أقرم أخو بني العجلان. فقال: يا معشر المسلمين


(1) الحطمة: النزال والمضاربة. (*)

[ 463 ]

اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى (1) بهم، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس. * * * قال ابن إسحاق: ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني -: " أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا " قال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الانصار وظنوا أنه قد كان في عبدالله بن رواحة بعض ما يكرهون. ثم قال: أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيدا. ثم قال: لقد رفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبدالله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا ؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبدالله بن رواحة بعض التردد ثم مضى. هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعا. وقد قال البخاري: حدثنا أحمد بن واقد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان. حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم. تفرد به البخاري. ورواه في موضع آخر وقال فيه وهو على المنبر: " وما يسرهم أنهم عندنا ".


(1) خاشي: حجز بينهم وبين الروم. (*)

[ 464 ]

وقال البخاري: حدثنا أحمد بن أبي بكر، حدثنا مغيرة بن عبدالرحمن المخزومي (1)، وليس بالحزامي، عن عبدالله بن سعيد، عن نافع، عن عبدالله بن عمر، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال عبدالله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية. تفرد به البخاري أيضا. وقال البخاري أيضا: حدثنا أحمد، حدثنا ابن وهب، عن عمرو [ عن ] ابن أبي هلال [ هو سعيد بن أبي هلال الليثي (2) ] قال: وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شئ في دبره. وهذا أيضا من أفراد البخاري. ووجه الجمع بين هذه الرواية والتي قبلها أن ابن عمر اطلع على هذا العدد، وغيره اطلع على أكثر من ذلك، أو أن هذه في قبله أصيبها قبل أن يقتل، فلما صرع إلى الارض ضربوه أيضا ضربات في ظهره، فعد ابن عمر ما كان في قبله وهو من وجوه الاعداء قبل أن يقتل رضى الله عنه. ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء ثم شماله، ما رواه البخاري: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عمر بن علي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال: كان ابن عمر إذا حيى ابن جعفر قال: السلام عليك يابن ذي الجناحين.


(1) وليس للمخزومي في البخاري سوى هذا الحديث، وهو بطريق المتابعة عنده. وكان فقيه أهل المدينة بعد مالك. إرشاد الساري 6 / 383. (2) ليست في أ. (*)

[ 465 ]

ورواه أيضا في المناقب، والنسائي من حديث يزيد بن هرون، عن إسماعيل بن أبي خالد. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقى في يدي إلا صفيحة يمانية. ثم رواه عن محمد بن المثنى، عن يحيى عن إسماعيل، حدثني قيس، سمعت خالد ابن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وصبرت في يدي صفيحة يمانية انفرد به البخاري. * * * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا أبو نصر بن قتادة، حدثنا أبو عمرو مطر، حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، حدثنا (1) سليمان بن حرب، حدثنا الاسود ابن شيبان، عن خالد بن سمير، قال: قدم علينا عبدالله بن رباح الانصاري، وكانت الانصار تفقهه، فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه، فقال: حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الامراء وقال: عليكم زيد بن حارثة. فإن (2) أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله ابن رواحة، قال: فوثب جعفر وقال: يا رسول الله ما كنت أرغب أن تستعمل زيدا (3) علي. قال: امض فإنك لا تدري أي ذلك خير. فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فأمر فنودي:


(1) أ: أنبأنا. (2) غير أ: وقال إن. (3) أ: أن يستعمل زيد. (30 - السيرة 3) (*)

[ 466 ]

الصلاة جامعة. فاجتمع الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أخبركم عن جيشكم هذا، إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا. فاستغفر له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا، شهد له بالشهادة واستغفر له، ثم أخذ اللواء عبدالله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الامراء هو أمر نفسه (1). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إنه سيف من سيوفك أنت (2) تنصره " فمن يومئذ سمى خالد سيف الله. ورواه النسائي من حديث عبدالله بن المبارك، عن الاسود بن شيبان به نحوه، وفيه زيادة حسنة وهو أنه عليه السلام لما اجتمع إليه الناس قال: باب خير باب خير. وذكر الحديث. وقال الواقدي: حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عمرو بن حزم، قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف الله له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معتركهم، فقال: أخذ الراية زيد ابن حارثة فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت، وحبب إليه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الايمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا ! فمضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: استغفروا له، فقد دخل الجنة وهو شهيد. قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الايمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا ! ثم مضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه


(1) أ: أمير نفسه. (2) أ: فأنت. (*)

[ 467 ]

وسلم. وقال: استغفروا لاخيكم فإنه شهيد دخل الجنة، وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة. قال: ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحة فاستشهد: ثم دخل الجنة معترضا فشق ذلك على الانصار، فقيل: يا رسول الله ما اعتراضه ؟ قال: لما أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه فتشجع واستشهد ودخل الجنة. فسرى عن قومه. * * * قال الواقدي: وحدثني عبدالله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمى الوطيس. قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد، قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد ابن الوليد فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقة وساقته مقدمة وميمنته ميسرة وميسرته ميمنة. قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة رحمه الله في مغازيه، فإنه قال، بعد عمرة الحديبية: ثم صدر (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فمكث بها ستة أشهر، ثم إنه بعث جيشا إلى مؤتة وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم، فانطلقوا حتى إذا لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع (2) من نصارى العرب والروم، بها تنوخ وبهراء، فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم التقوا (3) على


(1) أ: ثم صد. (2) أ: جمع. (3) أ: ثم خرجوا فالتقوا. (*)

[ 468 ]

زرع (1) أحمر فاقتتلوا قتالا شديدا، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر فقتل، ثم أخذه عبدالله بن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله العدو وأظهر المسلمين. قال: وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادي الاولى - يعني من سنة ثمان -. قال موسى بن عقبة: وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مر علي جعفر في الملائكة يطير كما يطيرون وله جناحان. قال: وزعموا - والله أعلم - أن يعلى بن أمية قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرك. قال: أخبرني يا رسول الله. قال: فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم كله ووصفه لهم، فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله رفع لي الارض حتى رأيت معتركهم ". فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق من أن خالدا إنما حاشى بالقوم حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط. وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع (2) الروم والعرب الذين معهم، وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا: " ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه ". رواه البخاري، وهذا هو الذي رجحه ومال إليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين، لما ذكرناه من الحديث.


(1) أ: ردع. وهو الزعفران. (2) أ: جميع. (*)

[ 469 ]

[ قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين، وهو أن خالدا لما أخذ الراية حاشى بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة. فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة، كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم ] (1). * * * وقد قال (2) ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر، عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه [ قال: ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر. فأتى بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه (3) ] فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله عزوجل). وهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة. [ وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور الجيش، وإنما كان الذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وهو على المنبر في قوله: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه، فما كان المسلمون ليسمونهم فرارا بعد ذلك، وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما، وإنما كان التأنيب وحثى التراب للذين فروا وتركوهم هنالك، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ] (4). [ وقد (5) ] قال الامام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد،


(1) سقطت من أ. (2) أ: لكن قال. (3) من ابن هشام. (4) سقطت من أ. (5) من أ. (*)

[ 470 ]

عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن عبدالله بن عمر، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة قتلنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا. فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم ؟ قال: قلنا: نحن الفرارون (1). فقال: " لا بل أنتم العكارون (2) أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين ". قال: فأتيناه حتى قبلنا يده. ثم رواه عن غندر عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى عن ابن عمر، قال: كنا في سرية ففررنا فأردنا أن نركب البحر، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون. فقال: لا بل أنتم العكارون. ورواه [ أبو داود (3) و ] الترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن أبي زياد، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه. وقال أحمد (4): حدثنا إسحاق بن عيسى وأسود بن عامر، قالا: حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية، فقدمنا المدينة في نفر ليلا، فاختفينا ثم قلنا: لو خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذرنا إليه. فخرجنا إليه فلما لقيناه (5) قلنا: نحن الفرارون يا رسول الله. قال: " بل أنتم العكارون وأنا فئتكم " قال الاسود: " وأنا فئة كل مسلم (6) ". قال ابن إسحاق: حدثني عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عامر بن


(1) غيرا: فرارون. (2) غيرا: الكرارون. (3) من. (4) أ ثم قال أحمد. (5) المطبوعة: ثم التقيناه. وهو تحريف. (6) ا: لكل مسلم. (*)

[ 471 ]

عبد الله بن الزبير، أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين ؟ قالت: ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرار فررتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته ما يخرج وكان في غزاة مؤتة. قلت: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع [ الروم، وكانوا على أكثر من أضعاف الاضعاف فإنهم كانوا ثلاثة آلاف وكان (1) ] العدو على ما ذكروه مائتي ألف، ومثل هذا يسوغ الفرار على ما قد تقرر، فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم وفتح الله عليهم وتخلصوا من أيدي أولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، كما ذكره الواقدي وموسى بن عقبة من قبله. و [ مما (2) ] يؤيد ذلك أيضا ويزيده قوة ويشهد له (3) بالصحة ما رواه الامام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني صفوان بن عمرو، عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الاشجعي قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مؤتة، ووافقني مددي (4) من اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المددي طابقة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغرى بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه (5) فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث


(1) سقطت من المطبوعة. (2) من أ. (3) غير أ: ويؤيد ذلك ويشاكله بالصحة. (4) الاصل: مدوى وهو تحريف. والمددى: يعني رجلا من المدد الذين جاءوا يمدون المسلمين. (5) غير أ: فعرقبه. (*)

[ 472 ]

إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ؟ قال: بلى ولكني استكثرته. فقلت: لتردنه إليه أو لاعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأبى أن يرد عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا خالد رد عليه ما أخذت منه " قال عوف: فقلت: دونك يا خالد ألم أف لك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك ؟ فأخبرته، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا خالد لا ترد عليه، هل أنتم تاركوا أمرائي ؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره ". قال الوليد: سألت ثورا عن هذا الحديث، فحدثني عن خالد بن معدان، عن جبير ابن نفير، عن عوف بنحوه. ورواه مسلم وأبو داود من حديث جبير بن نفير عن عوف بن مالك به نحوه. وهذا يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم. وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا رضى الله عنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية. وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم. وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم. وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي، وحكاه ابن هشام عن الزهري. قال البيهقي رحمه الله: اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، فمنهم من ذهب إلى ذلك ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين وأن المشركين انهزموا. قال: وحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ثم أخذها خالد ففتح الله عليه " يدل على ظهورهم عليهم. والله أعلم.

[ 473 ]

قلت: وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري - وكان رأس ميمنة المسلمين - حمل على مالك بن زافلة قال ابن هشام (1): ويقال رافلة. وهو أمير أعراب النصارى فقتله، وقال يفتخر بذلك: طعنت ابن زافلة بن الاراش * برمح مضى فيه ثم انحطم ضربت على جيده ضربة * فمال كما مال غصن السلم وسقنا نساء بني عمه * غداة رقوقين سوق النعم (2) وهذا يؤيد ما نحن فيه، لان من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثم إنه صرح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم، وهذا واضح فيما ذكرناه. والله أعلم. * * * وأما ابن إسحاق فإنه ذهب إلى أنه لم يكن إلا المخاشاة والتخلص من أيدي الروم، وسمى هذا نصرا وفتحا، أي باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو بهم وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم، وكان مقتضى العادة (3) أن يصطلموا (4) بالكلية، فلما تخلصوا منهم وانحازوا عنهم كان هذا غاية المرام في هذا المقام. وهذا محتمل، لكنه خلاف الظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام: " ففتح الله عليهم ". والمقصود أن ابن إسحاق يستدل على ما ذهب إليه فقال: وقد قال فيما كان أمر الناس وأمر خالد بن الوليد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس بن المحسر اليعمري يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس يقول: فوالله لا تنفك نفسي تلومني * على موقفي والخيل قابعة قبل (5)


(1) من. (2) رقوقين: موضع. (3) غيرا: فكان مقتضى العادات. (4) المطبوعة: يصطلحوا. وهو تحريف. (5) قابعة: منقبضة. وقبل جمع أقبل وقبلاء وهو الذي يميل عينه في النظر إلى جهة العين الاخرى. (*)

[ 474 ]

وقفت بها لا مستحيزا فنافذا * ولا مانعا من كان حم له القتل (1) على أنني آسيت نفسي بخالد * ألا خالد في القوم ليس له مثل وجاشت إلى النفس من نحو جعفر * بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل وضم إلينا حجزتيهم كليهما * مهاجرة لا مشركون ولا عزل قال ابن إسحاق: فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره، أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: وأما الزهري فقال - فيما بلغنا عنه - أمر المسلمون عليهم خالد ابن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة (2). فصل قال ابن إسحاق: حدثني عبدالله بن أبي بكر، عن أم عيسى الخزاعية، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت أربعين منا (3) وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائتني ببني جعفر " فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ! ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شئ ؟ قال: " نعم أصيبوا هذا اليوم " قالت: فقمت أصيح، واجتمع إلي النساء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: " لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم ".


(1) مستحيزا: متحيزا إلى طائفة. (2) ابن هشام: حتى قفل إلى النبي. (3) المنا: الرطل الذي يوزن به، تعني أربعين رطلا من دباغ. (*)

[ 475 ]

وهكذا وراه الامام أحمد من حديث ابن إسحاق، ورواه ابن إسحاق من طريق عبدالله بن أبي بكر، عن أم عيسى، عن أمر عون بنت محمد بن جعفر، عن أسماء، فذكر الامر بعمل الطعام، والصواب أنها أم جعفر وأم عون. وقال الامام أحمد: حدثنا سقيان، حدثنا جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبدالله ابن جعفر، قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم ". وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، عن جعفر ابن خالد بن سارة المخزومي المكي، عن أبيه، عن عبدالله بن جعفر. وقال الترمذي: حسن. ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أتى نعى جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن. قالت: فدخل عليه رجل فقال: يا رسول الله [ إن النساء ] عنيننا وفتننا، قال: " ارجع إليهن فأسكتهن ". قالت: فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك، قالت: وربما ضر التكلف - يعني أهله - قالت: قال: " فاذهب فأسكتهن فإن أبين فاحث في أفواههن التراب " قالت: [ وقلت ] في نفسي: أبعدك الله ! فوالله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وعرفت أنه لا يقدر يحثي في أفواههن التراب. انفرد به ابن إسحاق من هذا الوجه، وليس في شئ من الكتب. وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الوهاب، سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرتني عمرة قالت: سمعت عائشة تقول: لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب و عبدالله

[ 476 ]

ابن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن، قالت عائشة: وأنا أطلع من صائر الباب - شق (1) - فأتاه رجل فقال: أي رسول الله، إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن قالت: فذهب الرجل ثم أتى فقال: والله لقد غلبننا، فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فاحث في أفواههن من التراب ". قالت عائشة رضى الله عنها: فقلت: أرغم الله أنفك ! فوالله ما أنت تفعل ذلك وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق، عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عنها. وقال الامام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبدالله بن جعفر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: " إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبدالله بن رواحة " فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه. وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: " إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه " قال: ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: " لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي " قال: فجئ بنا كأننا أفرخ، فقال " ادعوا


(1) البخاري: تعني من شق الباب. (*)

[ 477 ]

لى الحلاق " فجئ بالحلاق فحلق رؤوسنا، ثم قال: " أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبدالله فشبيه خلقي وخلقي " ثم أخذ بيدي فأشالها (1) وقال: " اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه " قالها ثلاث مرات. قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح (2) له فقال: " العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ؟ ". وهذا يقتضى أنه عليه الصلاة والسلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها ولعله معنى الحديث الذى رواه الامام أحمد من حديث الحكم بن عبدالله ابن شداد، عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لما أصيب جعفر: " تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت ". تفرد به أحمد. فيحتمل أنه أذن لها في التسلب، وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا لشدة حزنها على جعفر أبى أولادها، وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب وهو المبالغة في الاحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الاحداد المعتاد. والله أعلم. ويروى: تسلى ثلاثا - أي تصبري - وهذا بخلاف الرواية الاخرى والله أعلم. فأما الحديث الذى قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا الحكم بن عيينة، عن عبدالله بن شداد عن أسماء بنت عميس، قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدى بعد يومك هذا. فإنه من أفراد أحمد أيضا وإسناده لا بأس به، ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره، لانه قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله


(1) شالها: رفعها. (2) تفرح له: تحزنه. (*)

[ 478 ]

واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ". فإن كان ما رواه الامام أحمد محفوظا فتكون مخصوصة بذلك، أو هو أمر بالمبالغة في الاحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم. والله أعلم. قلت: ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها: فآليت لا تنفك نفسي حزينة * عليك ولا ينفك جلدى أغبرا فلله عينا من رأى مثله فتى * أكر وأحمى في الهياج وأصبرا ثم لم تنشب أن انقضت عدتها، فخطبها أبو بكر الصديق رضى الله عنه فتزوجها فأولم وجاء الناس للوليمة، فكان فيهم على بن أبى طالب، فلما ذهب الناس استأذن على أبا بكر رضى الله عنهما في أن يكلم أسماء من وراء الستر فأذن له، فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها فقال لها على: - على وجه البسط - من القائلة في شعرها: فآليت لا تنفك نفسي حزينة * عليك ولا ينفك جلدى أغبرا ؟ قالت: دعنا منك يا أبا الحسن فإنك امرؤ فيك دعابة ! فولدت للصديق محمد بن أبى بكر، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى حجة الوداع، فأمرها أن تغتسل وتهل وسيأتى في موضعه، ثم لما توفى الصديق تزوجها بعده على بن أبى طالب، وولدت له أولادا رضى الله عنه وعنها وعنهم أجمعين. فصل قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: فلما دنوا من المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون.

[ 479 ]

قال: ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: " خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر " فأتى بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه، قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله ! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله ". وهذا مرسل. وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عاصم، عن مؤرق العجلى، عن عبدالله بن جعفر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقى الصبيان من أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بى إليه، قال: فحملني بين يديه ثم قال: " جئ بأحد بنى فاطمة " إما حسن وإما حسين، فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة. وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عاصم الاحول عن مؤرق به. وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، حدثنا خالد بن سارة، أن أباه أخبره أن عبدالله بن جعفر قال: لو رأيتنى وقثما وعبيد الله ابني العباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال: " ارفعوا هذا إلى " فحملني أمامه وقال لقثم: " ارفعوا هذا إلى " فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم، فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه. قال: ثم مسح على رأسه ثلاثا وقال كلما مسح: " اللهم اخلف جعفرا في ولده ". قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم ؟ قال: استشهد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير. قال: أجل.

[ 480 ]

ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج به. [ وهذا كان بعد الفتح، فإن العباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، فأما الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا حبيب بن الشهيد، عن عبدالله بن أبى مليكة، قال: قال عبدالله بن جعفر لابن الزبير: أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس ؟ قال: نعم فحملنا وتركك. وبهذا اللفظ أخرجه البخاري ومسلم من حديث حبيب بن الشهيد وهذا يعد من الاجوبة المسكتة، ويروى أن عبدالله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضا، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح كما قدمنا بيانه. والله أعلم (1) ]. فصل في فضل هؤلاء الامراء الثلاثة: زيد وجعفر و عبدالله رضى الله عنهم أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر ابن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة الكلبى القضاعى، [ فهو ] مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها فأغارت عليهم خيل فأخذوه، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، وقيل اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فوهبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه، فكان يقال له زيد بن محمد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا.


(1) سقط من ت. (*)

[ 481 ]

وكان أول من أسلم من الموالى، ونزل فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى: " وما جعل أدعياءكم أبناءكم " وقوله تعالى: " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله " وقوله تعالى: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " وقوله: " وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " الآية. أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعنى: " أنعم الله عليه " أي بالاسلام " وأنعمت عليه " أي بالعتق، وقد تكلمنا عليها في التفسير. والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره، وهداه إلى الاسلام، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه مولاته أم أيمن واسمها بركة فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له الحب بن الحب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش، وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبدالمطلب وقدمه في الامرة على ابن عمه جعفر بن أبى طالب يوم مؤتة كما ذكرناه. وقد قال الامام أحمد والامام الحافظ أبو بكر بن أبى شيبة - وهذا لفظه -: حدثنا محمد بن عبيد، عن وائل بن داود: سمعت البهى يحدث أن عائشة كانت تقول: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقى بعد لاستخلفه. ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان، عن محمد بن عبيد الطنافسى به. وهذا إسناد جيد قوى على شرط الصحيح، وهو غريب جدا. والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان، حدثنا إسماعيل، أخبرني ابن دينار، عن ابن عمر رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد،

[ 482 ]

فطعن بعض الناس في إمرته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس إلى، وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده ". وأخرجاه في الصحيحين، عن قتيبة عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبى كثير المدنى - عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه. ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر، عن عبيد الله بن عمر العمرى، عن نافع، عن ابن عمر، ثم استغربه من هذا الوجه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبى، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما أصيب زيد بن حارثة وجئ بأسامة بن زيد وأوقف بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخر، ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال: " ألاقى منك اليوم ما لقيت منك أمس ". وهذا الحديث فيه غرابة والله أعلم. وقد تقدم في الصحيحين أنه لما ذكر مصابهم وهو عليه السلام فوق المنبر جعل يقول " أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليه ". قال: وإن عينيه لتذرفان، وقال: " وما يسرهم أنهم عندنا " وفى الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة، فهم ممن يقطع لهم بالجنة. وقد قال حسان بن ثابت يرثى زيد بن حارثة وابن رواحة: عين جودى بدمعك المبزور * واذكري في الرخاء أهل القبور واذكري مؤتة وما كان فيها * يوم راحوا في وقعة التغوير

[ 483 ]

حين راحوا وغادروا ثم زيدا * نعم مأوى الضريك والمأسور (1) حب خير الانام طرا جميعا * سيد الناس حبه في الصدور ذاكم أحمد الذى لا سواه * ذاك حزنى له معا وسروري إن زيدا قد كان منا بأمر * ليس أمر المكذب المغرور ثم جودى للخزرجي بدمع * سيدا كان ثم غير نزور قد أتانا من قتلهم ما كفانا * فبحزن نبيت غير سرور * * * وأما جعفر بن أبى طالب بن عبدالمطلب بن هاشم، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أكبر من أخيه عليه بعشر سنين، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين. أسلم جعفر قديما وهاجر إلى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة (2) ولله الحمد. وقد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقال عليه الصلاة والسلام: " ما أدرى أنا بأيهما أسر، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر " وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية: " أشبهت خلقي وخلقي " فيقال: إنه حجل عند ذلك فرحا. كما تقدم في موضعه ولله الحمد والمنة. ولما بعثه إلى مؤتة جعل في الامرة مصليا - أي نائبا - لزيد بن حارثة، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في


(1) الضريك: والفقير السئ الحال. (2) تقدم ذلك في الجزء الثاني 14 - 26. (*)

[ 484 ]

ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للواء، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك. فيقال: إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين، رضى الله عن جعفر ولعن قاتله. وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد فهو ممن يقطع له بالجنة. وجاء بالاحاديث تسميته بذى الجناحين. وروى البخاري عن ابن عمر، أنه كان إذا سلم على ابنه عبدالله بن جعفر يقول: السلام عليك يابن ذى الجناحين. وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه، والصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر. قالوا: لان الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة وقد تقدم بعض ما روى في ذلك. قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا على بن حجر، حدثنا عبدالله بن جعفر، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: " رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة ". وتقدم في حديث أنه رضى الله عنه قتل وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وقال ابن لاثير في الغابة: كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين. قال: وقيل غير ذلك. قلت: وعلى ما قيل إنه كان أسن من على بعشر سنين، يقتضى أن عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة، لان عليا أسلم وهو ابن ثمانى سنين على المشهور فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر وعمره إحدى وعشرون سنة، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة والله أعلم.

[ 485 ]

وقد كان يقال لجعفر بعد قتله الطيار، لما ذكرنا، وكان كريما جوادا ممدحا، وكان لكرمه يقال له: أبا المساكين، لاحسانه إليهم. قال الامام أحمد: وحدثنا عفان بن وهيب، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن أبى هريرة، قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبى طالب. وهذا إسناد جيد إلى أبى هريرة، وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه، وأما أخوه على رضى الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو على أفضل منه. وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم، بدليل ما رواه البخاري: حدثنا أحمد بن أبى بكر، حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهنى، عن ابن أبى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة، أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة وإنى كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني خبزا لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لاستقرئ الرجل الآية هي معى كى ينقلب بى فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التى ليس فيها شئ فنشقها فنلعق ما فيها. تفرد به البخاري. وقال حسان بن ثابت يرثى جعفرا: ولقد بكيت وعز مهلك جعفر * حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لى * من للجلاد لدى العقاب وظلها بالبيض حين تسل من أغمادها * ضربا وإنهال الرماح وعلها

[ 486 ]

بعد ابن فاطمة المبارك جعفر * خير البرية كلها وأجلها رزءا وأكرمها جميعا محتدا * وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل * كذبا وأنداها يدا وأقلها فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى * فضلا وأنداها يدا وأبلها بالعرف غير محمد لا مثله * حى من احياء البرية كلها * * * وأما ابن رواحة فهو عبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الاكبر بن مالك بن الاغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، أبو محمد ويقال: أبو رواحة، ويقال: أبو عمرو، الانصاري الخزرجي، وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة. أسلم قديما وشهد العقبة، وكان أحد النقباء ليلتئذ لبنى الحارث بن الخزرج، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وكان يبعثه على خرصها، كما قدمنا، وشهد عمرة القضاء ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل بغرزها - يعنى الركاب - وهو يقول: * خلوا بنى الكفار عن سبيله * الابيات كما تقدم. وكان أحد الامراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم، وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك، وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعد ما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول الجنة. ويروى أنه لما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره حين ودعه الذى يقول فيه: فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذى نصروا

[ 487 ]

قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنت فثبتك الله " قال. هشام بن عروة: فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة. وروى حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، أن عبدالله بن رواحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول: " اجلسوا ". فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ الناس من خطبته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله ". وقال البخاري في صحيحه: وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة (1). وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك عن عبدالله بن رواحة بنحو ذلك، فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، عن عمارة، عن زياد النحوي، عن أنس قال: كان عبدالله ابن رواحة إذا لقى الرجل من أصحابه يقول: تعالى نؤمن بربنا ساعة. فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل فجاء فقال: يا رسول الله ألا ترى ابن رواحة ؟ يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " رحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التى تتباهى بها الملائكة ". وهذا حديث غريب جدا. وقال البيهقى: حدثنا الحاكم، حدثنا أبو بكر، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا أحمد ابن يونس، حدثنا شيخ من أهل المدينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، أن عبدالله بن رواحة قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، قال: أو لسنا بمؤمنين ؟ قال: بلى ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا. وقد روى الحافظ أبو القاسم اللكى (2) من حديث أبى اليمان، عن صفوان بن سليم، عن شريح بن عبيد، أن عبدالله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه


(1) صحيح البخاري 1 / 5 (2) نسبة إلى الملك وهى بليدة من أعمال برقة الغرب. وفى الاصل: اللاكائى. وما أثبته عن اللباب 3 / 70 (*)

[ 488 ]

فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر. وهذا مرسل من هذين الوجهين وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة. وفى صحيح البخاري عن أبى الدرداء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة رضى الله عنه. وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين، ومما نقله البخاري من شعره في رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفينا رسول الله نتلو كتابه * إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافى جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا * به موقنات أن ما قال واقع وقال البخاري: حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عامر عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبدالله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى، واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لى: أنت كذلك ؟ حدثنا قتيبة، حدثنا خيثمة، عن حصين، عن الشعبى عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبدالله بن رواحة، بهذا. فلما مات لم تبك عليه. وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره. وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع رضى الله عنهم: كفى حزنا أنى رجعت وجعفر * وزيد وعبد الله في رمس أقبر قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغير وسيأتى إن شاء الله تعالى بقية ما رثى به هؤلاء الامراء الثلاثة من شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك رضى الله عنهما وأرضاهما.

[ 489 ]

فصل في ذكر من استشهد يوم مؤتة من المسلمين فمن المهاجرين جعفر بن أبى طالب، ومولاهم زيد بن حارثة الكلبى، ومسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة العدوى، ووهب بن سعد بن أبى سرح، فهؤلاء أربعة نفر. ومن الانصار عبدالله بن رواحة، وعباد بن قيس الخزرجيان، والحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة النجارى، وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء المازنى، أربعة نفر. فمجموع من قتل من المسلمين يومئذ هؤلاء الثمانية، على ما ذكره ابن إسحاق، لكن قال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكره ابن شهاب الزهري: أبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيان، وهما شقيقان لاب وأم، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. فهؤلاء أربعة من الانصار أيضا، فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلا. وهذا عظيم جدا، أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهو الفئة التى تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين الا اثنا عشر رجلا، وقد قتل من المشركين خلق كثير ! هذا خالد وحده يقول: لقد اندقت في يدى يومئذ تسعة أسياف وما صبرت في يدى إلا صفيحة يمانية، فماذا ترى قد قتل بهذه الاسياف كلها ! دع غيره من الابطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن، في ذلك الزمان وفى كل أوان.

[ 490 ]

وهذا مما يدخل في قوله تعالى: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لاولى الابصار ". حديث فيه فضيلة عظيمة لامراء هذه السرية (1) وهم: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبى طالب، وعبد الله بن رواحة رضى الله عنهم. قال الامام العالم الحافظ أبو زرعة عبدالله بن عبد الكريم الرازي، نضر الله وجهه، في كتابه دلائل النبوة - وهو كتاب جليل -: حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد، حدثنا ابن جابر. وحدثنا عبدالرحمن بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا الوليد وعمرو - يعنى ابن عبد الواحد - قالا: حدثنا ابن جابر، سمعت سليم بن عامر الخبائرى يقول: أخبرني أبو أمامة الباهلى، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بينا أنا نائم إذ أتانى رجلان فأخذا بضبعى، فأتيا بى جبلا وعرا فقالا: اصعد، فقلت: لا أطيقه. فقالا: إنا سنسهله لك. قال: فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هؤلاء الاصوات ؟ فقالا: عواء أهل النار. ثم انطلقا بى فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دما، فقلت: ما هؤلاء ؟ فقالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. فقال: خابت اليهود والنصارى " قال سليم: سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من رأيه ؟ " ثم انطلقا بى، فإذا قوم أشد شئ انتفاخا وأنتن شئ ريحا كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء قتلى الكفار. ثم انطلقا بى فإذا بقوم أشد انتفاخا وأنتن


(1) سقط هذا الفصل من ا. (*)

[ 491 ]

شئ ريحا كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء الزانون. والزوانى. ثم انطلقا بى فإذا بنساء ينهش ثديهن الحيات، فقلت: ما بال هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء اللاتى يمنعن أولادهن ألبانهن. ثم انطلقا بى فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين قلت: من هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء ذرارى المؤمنين. ثم أشرفا بى شرفا فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت: من هؤلاء ؟ قالا: هذا جعفر بن أبى طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة. ثم أشرفا بى شرفا آخر فإذا أنا بنفر ثلاثة، فقلت: من هؤلاء ؟ قالا: هذا إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وهم ينتظرونك. فصل فيما قيل من الاشعار في غزوة مؤتة قال ابن إسحاق: وكان مما بكى به أصحاب مؤتة قول حسان: تأوبنى ليل بيثرب أعسر * وهم إذا ما نوم الناس مسهر لذكرى حبيب هيجت لى عبرة * سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان الحبيب بلية * وكم من كريم يبتلى ثم يصبر رأيت خيار المسلمين تواردوا * شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا (1) * بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا (1) * جميعا وأسباب المنية تخطر غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم * إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبى إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير مؤسد * بمعترك فيه القنا متكسر


(1) الاصل: تبايعوا. وما أثبته من ابن هشام. (*)

[ 492 ]

فصار مع المستشهدين ثوابه * جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد * وفاء وأمرا حازما حين يأمر وما زال في الاسلام من آل هاشم * دعائم عز لا يزلن ومفخر هم جبل الاسلام والناس حولهم * رضام (1) إلى طود يروق ويبهر (2) بهاليل منهم جعفر وابن أمه * على ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهم * عقيل وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللاواء في كل مأزق * عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر (3) هم أولياء الله أنزل حكمه * عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر وقال كعب بن مالك رضى الله عنه: نام العيون ودمع عينك يهمل * سحا كما وكف الطباب المخضل (4) في ليلة وردت على همومها * طورا أحن وتارة أتململ واعتادني حزن فبت كأننى * ببنات نعش والسماك (5) موكل وكأنما بين الجوانح والحشا * مما تأوبنى شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلى الاله عليهم من فتية * وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للاله نفوسهم * حذر الردى ومخافة أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم * فنق عليهن الحديد المرفل (6) إذ يهتدون بجعفر ولوائه * قدام أولهم فنعم الاول


(1) الرضام: صخور عظام يوضع بعضها فوق بعض. (2) في ا: ويقهر. (3) العماس: المظلم. (4) الطباب: جمع طبابة وهى سير في أسفل القربة يين الخرزتين في المزادة. وفى ا: الضباب. وفى غيرها: الظباء. وهو تحريف. (5) ا: الشمال. (6) الفنق: جمع فنيق، وهو الفحل المكرم الذى لا يركب. والمرفل: السابغ. (*)

[ 493 ]

حتى تفرجت الصفوف وجعفر * حيث التقى وعث الصفوف مجدل (1) فتغير القمر المنير لفقده * والشمس قد كسفت وكادت تأفل قرم علا بنيانه من هاشم * فرعا أشم وسؤددا ما ينقل قوم بهم عصم الاله عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل فضلوا المعاشر عزة وتكرما * وتغمدت أحلامهم من يجهل لا يطلقون إلى السفاه حباهم * ويرى خطيبهم بحق يفصل (2) بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى إذا اعتذر الزمان الممحل وبهديهم رضى الاله لخلقه * وبحدهم نصر النبي المرسل


(1) الوعث: الاختلاط والالتحام. (2) إطلاق الحباء: كناية عن النهضة للنجدة. (*)

[ 494 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم يدعوهم إلى الله عزوجل وإلى الدخول في دين الاسلام ذكر الواقدي أن ذلك كان في آخر سنة ست في ذى الحجة بعد عمرة الحديبية، وذكر البيهقى هذا الفصل في هذا الموضع بعد غزوة مؤتة. والله أعلم. ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبية، لقول أبى سفيان لهرقل حين سأله: هل يغدر ؟ فقال: لا، ونحن منه في مدة لا ندرى ما هو صانع فيها. وفى لفظ البخاري: وذلك في المدة التى ماد فيها أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن إسحاق: كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته عليه السلام. ونحن نذكر ذلك هاهنا وإن كان قول الواقدي محتملا. والله أعلم. وقد روى مسلم عن يوسف بن حماد المعنى، عن عبدالاعلى، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل مؤتة إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله عزوجل، وليس بالنجاشى الذى صلى عليه. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثنى الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن عبدالله بن عباس، حدثنى أبو سفيان من فيه إلى في قال:

[ 495 ]

كنا قوما تجارا، وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبية - بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم (1) نأمن إن وجدنا أمنا، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملني بضاعة، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين. فخرجنا حتى قدمناها وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس فأخرجهم منها، ورد عليه صليبه الاعظم وقد كان استلبوه إياه، فلما أن بلغه ذلك وقد كان منزله بحمص من الشام فخرج منها يمشى متشكرا إلى بيت المقدس ليصلى فيه تبسط له البسط ويطرح عليها الرياحين، حتى انتهى إلى إيلياء فصلى بها. فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلب طرفه إلى السماء، فقالت [ له ] (2) بطارقته: أيها الملك لقد أصبحت مهموما ؟ فقال: أجل. فقالوا: وما ذاك ؟ فقال: أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر، فقالوا: والله ما نعلم أمة من الامم تختتن إلا اليهود وهم تحت يديك وفى سلطانك فإن كان قد وقع [ ذلك ] (3) في نفسك منهم فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودى إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم. فإنهم في ذلك من رأيهم يديرونه بينهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والابل يحدثك عن حدث كان ببلاده فاسأله عنه. فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الذى كان في بلاده ؟ فسأله فقال: هو رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبى وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن، فخرجت من بلادي وهم على ذلك.


(1) غير ا: لا. (2) ليست في ا. (3) ا: هذا. (*)

[ 496 ]

فلما أخبره الخبر قال: جردوه. فإذا هو مختتن فقال: هذا والله الذى قد أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه، انطلق لشأنك. ثم إنه دعا صاحب شرطته فقال له: قلب لى الشام ظهرا لبطن حتى تأتى برجل من قوم هذا أسأله (1) عن شأنه. * * * قال أبو سفيان: فوالله إنى وأصحابي لبغزة إذ هجم علينا فسألنا: ممن أنتم ؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا. فلما انتهينا إليه قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الاغلف - يريد هرقل - قال: فلما انتهينا إليه قال: أيكم أمس به رحما ؟ فقلت: أنا. قال: أدنوه منى. قال: فأجلسني بين يديه ثم أمر أصحابي فأجلسهم خلفي وقال: إن كذب فردوا عليه، قال أبو سفيان: فلقد عرفت أنى لو كذبت ما ردوا على، ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم وأستحي من الكذب، وعرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عنى ثم يتحدثوا به عنى بمكة، فلم أكذبه. فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذى خرج فيكم. فزهدت له شأنه وصغرت له أمره [ فوالله ما التفت إلى ذلك منى وقال لى: أخبرني عما أسألك عنه من أمره (2) ] فقلت: سلنى عما بدا لك. فقال: كيف نسبه فيكم ؟ فقلت: محضا من أوسطنا نسبا. قال: فأخبرني، هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به ؟ فقلت: لا.


(1) ا: فأسأله. (2) سقط من المطبوعة. (*)

[ 497 ]

قال: فأخبرني هل له ملك فاستلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه ! فقلت: لا. قال: فأخبرني عن أتباعه، من هم ؟ فقلت: الاحداث والضعفاء والمساكين، فأما أشرافهم وذوو الانساب [ منهم (1) ] فلا. قال: فأخبرني عمن صحبه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه ؟ قلت: ما صحبه رجل ففارقه. قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه ؟ فقلت: سجال يدال علينا وندال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر ؟ فلم أجد شيئا أغره به إلا هي، قلت: لا ونحن منه في مدة ولا نأمن غدره فيها. فوالله ما التفت إليها منى. قال: فأعاد على الحديث، قال: زعمت أنه من أمحضكم نسبا، وكذلك يأخذ الله النبي، لا يأخذه إلا من أوسط قومه. وسألتك: هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به ؟ فقلت: لا. وسألتك: هل كان له من ملك فاستلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه ؟ فقلت: لا. وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الاحداث والضعفاء والمساكين. وكذلك أتباع الانبياء في كل زمان. وسألتك عمن يتبعه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه ؟ فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه. وكذلك حلاوة الايمان لا تدخل قلبا فتخرج منه. وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه ؟ فزعمت أنها سجال يدال عليكم وتدالون عليه، وكذلك يكون حرب الانبياء ولهم تكون العاقبة. سألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر.


(1) ليست في ا. (*)

[ 498 ]

فلئن كنت صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمى هاتين، ولوددت أنى عنده فأغسل عن قدميه ! ثم قال: الحق بشأنك. قال: فقمت وأنا أضرب إحدى يدى على الاخرى وأقول: يا عباد الله لقد أمر أمر ابن أبى كبشة، وأصبح ملوك بنى الاصفر يخافونه في سلطانهم. قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري قال: حدثنى أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان قال: قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإن إثم الاكارين (1) عليك. قال: فلما انتهى إليه كتابه وقرأه أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته، ثم كتب إلى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره عما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه، إنه النبي الذى ينتظر لا شك فيه فاتبعه. فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم أمر بها فأشرجت (2) عليهم، واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف، فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءني كتاب أحمد، وإنه والله النبي الذى كنا ننتظر (3) ومجمل ذكره في كتابنا، نعرفه بعلاماته وزمانه (4)، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم. فنخروا نخرة رجل واحد، وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم. فخافهم وقال: ردوهم على. فردوهم عليه فقال لهم: يا معشر الروم، إنى إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها لانظر كيف صلابتكم في دينكم ؟ فلقد رأيت منكم ما سرنى. فوقعوا له سجدا، ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا.


(1) الاكار: الحراث. (2) أشرجت: أغلقت. (3) ا: الذى ينتظر. (4) ا: بعلامات زمانة. (*)

[ 499 ]

وقد روى البخاري قصة أبى سفيان مع هرقل بزيادات أخر، أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من الصحيح ليعلم ما بين السياقين من التباين وما فيهما من الفوائد. قال البخاري قبل الايمان من صحيحه: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، أن عبدالله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا. قال: أدنوه منى وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إنى سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه. [ قال (2) ] فوالله لولا [ الحياء من ] (2) أن يأثروا عنى كذبا لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت (1): هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر ؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها. قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه ؟ قلت: نعم. قال: فكيف (3) كان قتالكم إياه ؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم ؟


(1) ا: فقلت. (2) من صحيح البخاري 1 / 4 (3) ا: كيف. (*)

[ 500 ]

قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم (1) ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله ؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك ؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ! وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاءهم ؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون ؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الايمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا. وكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر ؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بم يأمركم ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الاوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمى هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج،


(1) ا: منكم. (*)

[ 501 ]

لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بدعاية الاسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الاريسيين و " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ". قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الاصوات وأخرجنا، فقلت لاصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر ابن أبى كبشة إنه يخافه ملك بنى الاصفر ! فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله على الاسلام. * * * قال: وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أسقف على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إنى رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الامة (1) ؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود ولا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود.


(1) غير ا: الامم. (*)

[ 502 ]

فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان فخبرهم عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الامة قد ظهر. ثم كتب إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم. وسار هرقل إلى حمص فلم يرم (1) حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأى هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبى، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة (2) له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت. ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح (3) والرشد وأن يثبت لكم ملككم ؟ فتبايعوا لهذا (4) النبي. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الابواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الايمان قال: ردوهم على. وقال: إنى إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه. فكان ذلك آخر شأن هرقل. قال البخاري: ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري. وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ يطول استقصاؤها. وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الزهري. وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية، وذكرنا ما فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ولله تعالى الحمد والمنة. * * * وقال ابن لهيعة عن الاسود، عن عروة قال: خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام


(1) لم يرم: لم يبرح. وفى الاصل بحمص. وما أثبته عن البخاري. (2) الدسكرة: بناء كالقصر حوله بيوت. (3) ا: الصلاح. (4) الاصل: فتتابعوا. وما أثبته عن صحيح البخاري 1 / 5 (*)

[ 503 ]

تاجرا في نفر من قريش، وبلغ هرقل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يعلم ما يعلم من شأن (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى صاحب العرب الذى بالشام في ملكه يأمره (2) أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه، فأرسل إليه ثلاثين رجلا منهم أبو سفيان بن حرب، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التى في جوفها، فقال هرقل: أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذى بمكة ما أمره ؟ قالوا: ساحر كذاب وليس بنبى. قال: فأخبروني من أعلمكم به وأقربكم منه رحما ؟ قالوا: هذا أبو سفيان ابن عمه وقد قاتله. فلما أخبروه ذلك أمر بهم فأخرجوا عنه، ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره، قال: أخبرني يا أبا سفيان ؟ فقال: هو ساحر كذاب. فقال هرقل: إنى لا أريد شتمه ولكن كيف نسبه فيكم ؟ قال: هو والله من بيت قريش. قال: كيف عقله ورأيه ؟ قال: لم نعب له رأيا (3) قط. قال هرقل: هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره ؟ قال: لا والله ما كان كذلك. قال: لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لاحد من أهل بيته قبله ؟ قال أبو سفيان: لا. ثم قال: من يتبعه منكم. هل يرجع إليكم منهم أحد ؟ قال: لا. قال هرقل: هل يغدر إذا عاهد ؟ قال: لا إلا أن يغدر مدته هذه. فقال هرقل: وما تخاف من مدته هذه ؟ قال: إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة. قال هرقل: إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر.


(1) ا: أمر. (2) ا: فأمره (3) غير ا: لم يغب له رأى. (*)

[ 504 ]

فغضب أبو سفيان وقال: لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب، وهو يوم بدر، ثم غزوته مرتين في بيوتهم نبقر البطون ونجدع الآذان والفروج. فقال هرقل: كاذبا تراه أم صادقا ؟ فقال: بل هو كاذب. فقال: إن كان فيكم نبى فلا تقتلوه. فإن أفعل الناس لذلك اليهود. ثم رجع أبو سفيان. ففى هذا السياق غرابة، وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق ولا البخاري. وقد أورد موسى بن عقبة في مغازيه قريبا مما ذكره عروة بن الزبير. والله أعلم. * * * وقال ابن جرير في تاريخه: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم قال: إن هرقل قال لدحية بن خليفة الكلبى حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إنى لاعلم أن صاحبك نبى مرسل، وأنه الذى كنا ننتظر ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى صغاطر الاسقف فاذكر له أمر صاحبكم، فهو والله في الروم أعظم منى وأجوز قولا عندهم منى، فانظر ماذا يقول لك ؟ قال: فجاء دحية فأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وبما يدعو إليه، فقال صغاطر: صاحبك والله نبى مرسل نعرفه بصفته ونجده في كتابنا باسمه. ثم دخل وألقى ثيابا كانت عليه سودا وليس بياضا ثم أخذ عصاه، فخرج على الروم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا فيه إلى الله وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله. قال: فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فضربوه حتى قتلوه. قال: فلما رجع دحية إلى هرقل فأخبره الخبر قال: قد قلت لك، إنا نخافهم على أنفسنا، فصغاطر والله كان أعظم عندهم وأجوز قولا منى.

[ 505 ]

[ وقد روى الطبراني من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه عن عبدالله بن شداد عن دحية الكلبى قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر صاحب الروم بكتاب فقلت: استأذنوا لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتى قيصر فقيل له: إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله: ففزع لذلك وقال: أدخله، فأدخله عليه وعنده بطارقته فأعطيته الكتاب فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم. فنخر ابن أخ له أحمر أزرق سبط (1) فقال: لا تقرأ الكتاب اليوم فإنه بدأ بنفسه وكتب: صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم. قال: فقرئ الكتاب حتى فرغ منه، ثم أمرهم فخرجوا من عنده ثم بعث إلى فدخلت عليه، فسألني فأخبرته، فبعث إلى الاسقف فدخل عليه - وكان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله - فلما قرأ الكتاب قال الاسقف: هو والله الذى بشرنا به موسى وعيسى الذى كنا ننتظر. قال قيصر: فما تأمرني ؟ قال الاسقف: أما أنا فإنى مصدقه ومتبعه، فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، أن فعلت ذهب ملكى وقتلني الروم (2) ]. * * * وبه قال محمد بن إسحاق، عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام قال: لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية لما بلغه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم جمع الروم فقال: يا معشر الروم إنى عارض عليكم أمورا فانظروا فيما أردت بها. قالوا: ما هي ؟ قال: تعلمون والله أن هذا الرجل لنبى مرسل، نجده نعرفه بصفته التى وصف (3) لنا، فهلم فلنتبعه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا (4).


(1) السبط: الطويل. (2) سقط من ا. (3) ا: وصفت. (4) ا: وأخرانا. (*)

[ 506 ]

فقالوا: نحن نكون تحت أيدى العرب ونحن أعظم الناس ملكا، وأكثره رجالا وأقصاه بلدا ! قال: فهلم أعطيه الجزية كل سنة، أكسر عنى شوكته وأستريح من حربه بما أعطيه إياه. قالوا: نحن نعطى العرب الذل والصغار بخرج يأخذونه منا، ونحن أكثر الناس عددا، وأعظمه ملكا، وأمنعه بلدا ! لا والله لا نفعل هذا أبدا. قال: فهلم فلاصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعنى وأرض الشام. قال: وكانت أرض سورية فلسطين والاردن ودمشق وحمص، وما دون الدرب [ من أرض (1) ] سورية، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام. فقالوا: نحن نعطيه أرض سورية، وقد عرفت أنها سرة (2) الشام، لا نفعل هذا أبدا. فلما أبوا عليه قال: أما والله لترون (3) أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم. قال: ثم جلس على بغل له فانطلق، حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام ثم قال: السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع. ثم ركض حتى دخل إلى القسطنطينية والله أعلم. ذكر إرساله عليه السلام إلى ملك العرب من النصارى الذين بالشام قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخا بنى أسد بن خزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبى شمر الغساني صاحب دمشق (4). قال الواقدي: وكتب معه: " سلام على من اتبع الهدى وآمن به، وأدعوك (5) إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك ".


(1) سقطت من المطبوعة. (2) الاصل: أنها أرض سورية الشام. وما أثبته عن الطبري 3 / 651. (3) الاصل: لتودن. والتصويب من الطبري. (4) ابن هشام: بعث شجاع بن وهب الاسدي إلى الحارث بن أبى شمر الغساني ملك تخوم الشام. (5) ا: إنى أدعوك. (*)

[ 507 ]

فقدم شجاع بن وهب فقرأه عليه فقال: ومن ينزع ملكى ! إنى سأسير إليه. ذكر بعثه إلى كسرى ملك الفرس روى البخاري من حديث الليث، عن يونس، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه (1) مع رجل إلى كسرى وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه. قال: فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق. وقال عبدالله بن وهب: عن يونس عن الزهري، حدثنى عبدالرحمن بن القارى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: " أما بعد فإنى أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الاعاجم، فلا تختلفوا على كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى بن مريم ". فقال المهاجرون: يا رسول الله إنا لا نختلف عليك في شئ أبدا فمرنا وابعثنا. فبعث شجاع بن وهب إلى كسرى، فأمر كسرى بإيوانه أن يزين ثم أذن لعظماء فارس، ثم أذن لشجاع بن وهب، فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض منه، فقال شجاع بن وهب: لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال كسرى: ادنه. فدنا فناوله الكتاب. ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة فقرأه فإذا فيه: " من محمد عبدالله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس " قال: فأغضبه حين بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصاح وغضب ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بشجاع بن وهب فأخرج،


(1) ا: كتابه. (*)

[ 508 ]

فلما رأى ذلك قعد على راحلته ثم سار، ثم قال: والله ما أبالى على أي الطريقين أكون إذا أديت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال: ولما ذهب عن كسرى سورة (1) غضبه بعث إلى شجاع ليدخل عليه، فالتمس فلم يوجد، فطلب إلى الحيرة فسبق. فلما قدم شجاع على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه لكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مزق كسرى ملكه ". وروى محمد بن إسحاق، عن عبدالله بن أبى بكر، عن أبى سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن حذافة [ بكتابه (2) ] إلى كسرى. فلما قرأه مزقه، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مزق ملكه ". * * * وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد (3)، حدثنا سلمة، حدثنا ابن إسحاق، عن يزيد بن أبى حبيب قال: وبعث عبدالله بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه: " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين. فإن تسلم تسلم وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك ". قال: فلما قرأه شقه (4) وقال: يكتب إلى بهذا وهو عبدى ؟ !


(1) ا: ثورة. (2) ليست في ا. (3) غير ا: حدثنا أحمد ابن حميد. (4) الطبري: مزقه. (*)

[ 509 ]

قال: ثم كتب كسرى إلى باذام وهو نائبه على اليمن: أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به. فبعث باذام (1) قهرمانه - وكان كاتبا حاسبا بكتاب فارس - وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخرة (2)، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى وقال: لاباذويه (3): إيت بلاد هذا الرجل وكلمه وائتنى بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف، فوجدا رجلا من قريش في أرض الطائف فسألوه عنه، فقال: هو بالمدينة. واستبشر أهل الطائف - يعنى وقريش - بهما وفرحوا. وقال بعضهم لبعض: أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل ! فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أبا ذويه فقال: شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذام يأمره أن يبعث إليه من يأتيه بك، وقد بعثنى إليك لتنطلق معى، فإن فعلت كتب لك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك. ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما وقال: " ويلكما من أمركما بهذا ؟ ! " قالا: أمرنا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولكن ربى أمرنى بإعفاء لحيتى وقص شاربى " ثم قال: " ارجعا حتى تأتياني غدا ". قال: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله.


(1) ا: باذانه. وفى الطبري 2 / 655: باذان (2) في الطبري: خرخسرة. (3) الطبري: بابويه. (*)

[ 510 ]

[ في شهر كذا وكذا في ليلة كذا وكذا من الليل سلط عليه ابنه شيرويه فقتله (1) ] قال: فدعاهما فأخبرهما فقالا: هل تدرى ما تقول ؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، فنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذام ؟ قال: " نعم أخبراه ذاك عنى، وقولا له: إن دينى وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهى إلى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الابناء ". ثم أعطى خرخرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها إليه بعض الملوك. فخرجا من عنده حتى قدما على باذام فأخبراه الخبر فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإنى لارى الرجل نبيا كما يقول، وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقا فهو نبى مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا. فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه: أما بعد، فإنى قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم ونحرهم (2) في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لى الطاعة ممن قبلك، وانطلق إلى الرجل الذى كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه. فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذام قال: إن هذا الرجل لرسول. فأسلم وأسلمت الابناء من فارس من كان منهم باليمن. قال: وقد قال باذويه لباذام: ما كلمت أحدا أهيب عندي منه. فقال له باذام: هل معه شرط ؟ قال: لا. * * * قال الواقدي رحمه الله: وكان قتل كسرى على يدى ابنه شيرويه ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الآخرة، من سنة سبع من الهجرة لست ساعات مضت منها.


(1) ليست في ا. (2) ا: وغيرهم. وفى الطبري 2 / 656 وتجميرهم. أي حبسهم. (*)

[ 511 ]

قلت: وفى شعر بعضهم ما يرشد أن قتله كان في شهر حرام وهو قول بعض الشعراء: قتلوا كسرى بليل محرما * فتولى لم يمتع بكفن وقال بعض شعراء العرب (1): وكسرى إذا تقاسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم * أتى (2) ولكل حاملة تمام وروى الحافظ البيهقى من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن أبى بكرة، أن رجلا من أهل فارس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربى قد قتل الليلة ربك ". قال: وقيل له: - يعنى النبي صلى الله عليه وسلم -: إنه قد استخلف ابنته. فقال: " لا يفلح قوم تملكهم امرأة ". قال البيهقى: وروى في حديث دحية بن خليفة أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رسل كسرى، وذلك أن كسرى بعث يتوعد صاحب صنعاء ويقول له: ألا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك يدعوني إلى دينه ؟ ! لتكفينه أو لافعلن بك. فبعث إليه، فقال لرسله: " أخبروه أن ربى قد قتل ربه الليلة " فوجدوه كما قال. قال: وروى داود بن أبى هند، عن عامر الشعبى نحو هذا. ثم روى البيهقى من طريق أبى بكر بن عياش، عن داود بن أبى هند، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: أقبل سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن في وجه


(1) ورد هذان البيتان في الجزء الاول من هذا الكتاب ص 49 منسوبين إلى خالد بن حق الشيباني. (2) سبقت الرواية: ألا. انظر الجزء الاول ص 49. (*)

[ 512 ]

سعد خبرا " فقال: " يا رسول الله هلك كسرى " فقال: " لعن الله كسرى، أول الناس هلاكا فارس ثم العرب ". قلت: الظاهر أنه لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك كسرى لذينك الرجلين، يعنى الاميرين اللذين قدما من نائب اليمن باذام، فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به عليه السلام وشاع في البلاد وكان سعد بن أبى وقاص أول من سمع، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بوفق إخباره عليه السلام. وهكذا بنحو هذا التقرير ذكره البيهقى رحمه الله. * * * ثم روى البيهقى من غير وجه عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه بلغه أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بعث له - أو قيض له - عارض يعرض عليه الحق فلم يفجأ كسرى إلا برجل (1) يمشى وفى يده عصا فقال: يا كسرى هل لك في الاسلام قبل أن أكسر هذه العصا ؟ فقال كسرى: نعم لا تكسرها. فولى الرجل. فلما ذهب أرسل كسرى إلى حجابه فقال: من أذن لهذا الرجل على ؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد. فقال: كذبتم، قال: فغضب عليهم وتهددهم ثم تركهم. قال: فلما كان رأس الحول أتى ذلك الرجل ومعه العصا، فقال: يا كسرى هل لك في الاسلام قبل أن أكسر هذه العصا ؟ قال: نعم لا تكسرها. فلما انصرف عنه دعا حجابه فقال لهم كالمرة الاولى. فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل معه العصا فقال له: هل لك يا كسرى في الاسلام قبل أن أكسر العصا ؟ فقال: لا تكسرها لا تكسرها. فكسرها (2).


(1) أ: بالرجل. (2) أ: لا تكسرها. فكسرها (*)

[ 513 ]

فأهلك الله كسرى عند ذلك. * * * وقال الامام الشافعي: أنبأنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذى (1) نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ". أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة وأخرجاه من حديث الزهري به. قال الشافعي: ولما أتى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يمزق ملكه " وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه في مسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثبت ملكه ". قال الشافعي وغيره من العلماء: ولما كانت العرب تأتى الشام والعراق للتجارة فأسلم من أسلم منهم، شكوا خوفهم من ملكى العراق والشام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ". قال: فباد ملك الاكاسرة بالكلية، وزال ملك قيصر عن الشام بالكلية، وإن ثبت لهم ملك في الجملة، ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم حين عظموا كتابه. والله أعلم. قلت: وفى هذا بشارة عظيمة بأن ملك الروم لا يعود أبدا إلى أرض الشام. وكانت العرب تسمى قيصر لمن ملك الشام مع الجزيرة من الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشى لمن ملك الحبشة، والمقوقس لمن ملك الاسكندرية، وفرعون


(1) غير أ: فوالذي. (33 - السيرة 3) (*)

[ 514 ]

لمن ملك مصر كافرا، وبطليموس لمن ملك الهند. ولهم أعلام أجناس غير ذلك، وقد ذكرناها في غير هذا الموضع (1) والله أعلم. وروى مسلم عن قتيبة وغيره عن أبى عوانة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لتفتحن عصابة من المسلمين كنوز كسرى في القصر الابيض ". وروى أسباط، عن سماك، عن جابر بن سمرة مثل ذلك وزاد: وكنت أنا وأبى فيهم فأصبنا من ذلك ألف درهم. بعثه عليه السلام إلى المقوقس صاحب مدينة الاسكندرية، واسمه جريج بن مينا القبطى قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثنى الزهري، عن عبدالرحمن بن عبد القارى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسنكدرية، فمضى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فقبل الكتاب وأكرم حاطبا وأحسن نزله وسرحه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين إحداهما أم إبراهيم، وأما الاخرى فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحمد بن قيس العبدى. رواه البيهقى. ثم روى من طريق عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه حدثنا يحيى بن عبدالرحمن ابن حاطب، عن أبيه، عن جده حاطب بن أبى بلتعة قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الاسكندرية، قال: فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلني في منزله وأقمت عنده، ثم بعث إلى وقد جمع بطارقته وقال: إنى سائلك عن كلام فأحب أن تفهم عنى. قال: قلت: هلم قال أخبرني عن صاحبك أليس هو نبى ؟ قلت: بلى


(1) تقدم ذلك في الجزء الثاني 29. (*)

[ 515 ]

هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها ؟ قال: فقلت: عيسى بن مريم أليس تشهد أنه رسول الله ؟ قال: بلى. قلت: فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه، ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حيث رفعه الله إلى السماء الدنيا ؟ فقال لى: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم، هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد، وأرسل معك ببذرقة (1) يبذرقونك إلى مأمنك. قال: فأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جوار منهن أم ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواحدة وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان ابن ثابت الانصاري، وأرسل إليه بطرف من طرفهم. وذكر ابن إسحاق أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار إحداهن مارية أم إبراهيم، والاخرى سيرين التى وهبها لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن بن حسان قلت: وكان في جملة الهدية غلام أسود خصى اسمه مأبور، وخفان ساذجان أسودان وبغلة بيضاء اسمها الدلدل. وكان مابور هذا خصيا ولم يعلموا بأمره (2) بادئ الامر، فصار يدخل على مارية، كما كان من عاداتهم ببلاد مصر، فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك ولا يعلمون بحقيقة الحال وأنه خصى، حتى قال بعضهم: إنه الذى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب بقتله فوجده خصيا فتركه. والحديث في صحيح مسلم من طريق [ حماد بن سلمة ] قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سليط بن عمرو بن عبد ود أخا بنى عامر بن لؤى إلى هوذة بن على صاحب اليمامة. وبعث العلاء بن الحضرمي إلى جيفر ابن الجلندى وعمار بن الجلندى الازديين صاحبي عمان (3).


(1) البذرقة: الخفارة. (2) انظر الاصابة 6 / 13. (3) ابن هشام: بعث العلاء بن الحضرى إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين. وبعث عمرو بن العاص السهمى إلى جيفر وعبد ابني الجلندى. وبعث سليط بن عمرو.. إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن على. (*)

[ 516 ]

غزوة ذات السلاسل ذكرها الحافظ البيهقى هاهنا قبل غزوة الفتح، فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلى و عبدالله ومن يليهم من قضاعة. قال عروة بن الزبير: وبنو بلى أخوال العاص بن وائل، فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الاولين فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين رضى الله عنهم أجمعين، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة ابن الجراح. قال موسى بن عقبة: فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم وأنا أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستمده بكم. فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين. فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددته. فلما رأى ذلك أبو عبيدة - وكان رجلا حسن الخلق لين الشيمة - قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: " إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا " وإنك إن عصيتني لاطيعنك. فسلم أبو عبيدة الامارة لعمرو ابن العاص. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الحصين التميمي، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الاسلام (1)


(1) ابن هشام: إلى الشام. ولعله تحريف. (*)

[ 517 ]

وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بنى بلى، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يتألفهم بذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل - وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل - قال: فلما كان عليه وخاف بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الاولين، فيهم أبو بكر وعمر، وقال لابي عبيدة حين وجهه " لا تختلفا ". فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مددا لى، فقال له أبو عبيدة: لا ولكني على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه. وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا. فقال له عمرو: [ بل ] (1) أنت مددى. فقال له أبو عبيدة: يا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لى: " لا تختلفا " وإنك إن عصيتني أطعتك فقال له عمرو: فإنى أمير عليك وإنما أنت مدد لى. قال: فدونك. فصلى عمرو بن العاص بالناس. * * * وقال الواقدي: حدثنى ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رومان، أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلى ودوخها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك (2) تفرقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة وبلقين، ولقى في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير فاقتتلوا ساعة، وتراموا بالنبل ساعة، ورمى يومئذ عامر بن ربيعة وأصيبت ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهزموا وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا، ودوخ عمرو ما هناك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، فكانوا ينحرون ويذبحون ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم.


(1) من ابن هشام. (2) ا: " بذلك ". (*)

[ 518 ]

وقال أبو داود، حدثنا ابن المثنى، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبى، سمعت يحيى ابن أيوب يحدث عن يزيد بن أبى حبيب، عن عمران بن أبى أنس، عن عبدالرحمن ابن جبير، عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، قال: فتيممت ثم صليت بأصحابى الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ " قال: فأخبرته بالذى منعنى من الاغتسال وقلت: إنى سمعت الله يقول: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " فضحك نبى الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. حدثنا محمد بن سلمة [ أخبرنا ابن وهب ] (1) حدثنا ابن لهيعة (2) وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عمران بن أنس، عن عبدالرحمن بن جبير (3)، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص - وكان على سرية (4) فذكر الحديث بنحوه - قال: فغسل مغابنه وتوضأ (5) وضوءه للصلاة ثم صلى بهم. فذكر نحوه ولم يذكر التيمم. قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الاوزاعي، عن حسان بن عطية، وقال فيه: فتيمم. وقال الواقدي: حدثنى أفلح بن سعيد، عن أبى عبدالرحمن بن رقيش، عن أبى بكر بن حزم قال: كان عمرو بن العاص حين قفلوا احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد، فقال لاصحابه: ما ترون والله، احتلمت فإن اغتسلت مت. فدعا بماء فتوضأ وغسل فرجه وتيمم، ثم قام فصلى بهم، فكان أول من بعث عوف بن مالك بريدا.


(1) من سنن أبى داود 1 / 56. (2) سنن أبى داود: عن ابن لهيعة. (3) قال أبو داود: عبدالرحمن بن جبير مصرى مولى خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير. (4) أبو داود: أن عمرو بن العاص كان على سرية. (5) المغابن: بواطن الافخاذ. (*)

[ 519 ]

قال عوف: فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر وهو يصلى في بيته، فسلمت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عوف بن مالك ؟ " فقلت: عوف بن مالك يا رسول الله. قال: " صاحب الجزور ؟ " قلت: نعم. ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئا. ثم قال: " أخبرني " فأخبرته بما كان من مسيرنا وما كان بين أبى عبيدة وعمرو ومطاوعة أبى عبيدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح ". قال: ثم أخبرته أن عمرا صلى بالناس وهو جنب ومعه ماء، لم يزد على أن غسل فرجه وتوضأ. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن صلاته فأخبره فقال: والذى بعثك بالحق إنى لو اغتسلت لمت، لم أجد بردا قط مثله، وقد قال تعالى: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ". قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغنا أنه قال شيئا. * * * وقال ابن إسحاق: حدثنى يزيد بن أبى حبيب، عن عوف بن مالك الاشجعى، قال: كنت في الغزوة التى بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص، وهى غزوة ذات السلاسل، فصحبت أبا بكر وعمر، فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يبعضوها، وكنت امرءا جازرا، فقلت لهم: تعطوني منها عشرا (1) على أن أقسمها بينكم ؟ قالوا: نعم. فأخذت الشفرة فجزأتها مكاني، وأخذت منها جزءا فحمتله إلى أصحابي فاطبخناه وأكلناه، فقال أبو بكر وعمر: أنى لك


(1) العشر: النصيب من لحم الجزور. وفى ا: عشيرا. (*)

[ 520 ]

هذا اللحم يا عوف ؟ فأخبرتهما فقالا: لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا. ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما منه. فلما أن قفل الناس من ذلك السفر كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته وهو يصلى في بيته، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال: " أعوف بن مالك ؟ " فقلت: نعم بأبى أنت وأمى. فقال: " صاحب الجزور ؟ " ولم يزد على ذلك شيئا. هكذا رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عوف بن مالك، وهو منقطع بل معضل. قال الحافظ البيهقى: وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبى أيوب، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن مالك بن زهدم، أظنه عن عوف بن مالك فذكر نحوه إلا أنه قال: فعرضته على عمر فسألني عنه فأخبرته فقال: قد تعجلت أجرك ولم يأكله. ثم حكى عن أبى عبيدة مثله، ولم يذكر فيه أبا بكر، وتمامه كنحو ما تقدم. * * * وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم، حدثنا يحيى بن أبى طالب، حدثنا على بن عاصم، حدثنا خالد الحذاء، عن أبى عثمان النهدي، سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل، وفى القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثنى على أبى بكر وعمر إلا لمنزلة لى عنده، قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك ؟ قال: " عائشة " ؟ قلت: إنى لست أسألك عن أهلك. قال: " فأبوها " قلت: ثم من ؟ قال: " عمر " قلت: ثم من ؟ حتى عدد رهطا. قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا.

[ 521 ]

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق خالد بن مهران الحذاء، عن أبى عثمان النهدي، واسمه عبدالرحمن بن مل، حدثنى عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك ؟ قال: " عائشة " قلت: فمن الرجال ؟ قال: " أبوها " قلت: ثم من ؟ قال: " ثم عمر بن الخطاب " فعدد رجالا. وهذا لفظ البخاري. وفى رواية قال عمرو: فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم. سرية أبى عبيدة إلى سيف البحر قال الامام مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة. قال جابر: وأنا فيهم. فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فنى الزاد فأمر (1) أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع كله، فكان مزودى تمرا، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فنى ولم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، قال: فقلت: وما تغنى تمرة ؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت ! قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب (2). قال: فأكل منه ذلك الجيش ثمانى عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلته فرحلت ثم مر تحتهما فلم يصبهما. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك بنحوه. وهو في الصحيحين أيضا من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر


(1) غير ا: فأتوا أبا عبيدة. (2) الظرب: الجبل المنبسط أو الصغير. (*)

[ 522 ]

قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط (1)، فسمى ذلك الجيش جيش الخبط. قال: ونحر رجل ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم ثلاثا. فنهاه أبو عبيدة. قال: وألقى البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منها نصف شهر وادهنا حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت. ثم ذكر قصة الضلع. فقوله في الحديث: " نرصد عيرا لقريش " دليل على أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية. والله أعلم. والرجل الذى نحر لهم الجزائر هو قيس بن سعد بن عبادة رضى الله عنهما. * * * وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو خيثمة، وهو زهير بن معاوية، عن أبى الزبير، عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال فقلت: كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال: كنا نمصها كما يمص الصبى ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل. وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله. قال: فانطلقنا إلى ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا به دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، ولقد كنا نغرف من وقب (2) عينه بالقلال الدهن،


(1) الخبط: ورق الشجر. (2) الوقب: كل نقرة في الجسد كنقرة العين والكتف. (*)

[ 523 ]

ونقتطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير منها فمر تحتها، وتزودنا من لحمها وشائق (1)، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: " هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شئ من لحمه تطعمونا ؟ " قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، وأحمد بن يونس وأبو داود عن النفيلى، ثلاثتهم عن أبى خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفى، عن أبى الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكى عن جابر بن عبدالله الانصاري به. قلت: ومقتضى أكثر هذه السياقات أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية، ولكن أوردناها ها هنا تبعا للحافظ البيهقى رحمه الله، فإنه أوردها بعد مؤتة وقبل غزوة الفتح. والله أعلم. وقد ذكر البخاري بعد غزوة مؤتة سرية أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة فقال: حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا هشيم، أنبأنا حصين بن جندب، حدثنا أبو ظبيان، قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الانصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف الانصاري وطعنته برمحى حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ " قلت: كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه فيما سلف.


(1) الوشائق: جمع وشيقة، وهى لحم يقدد حتى ييبس. (*)

[ 524 ]

ثم روى البخاري من حديث يزيد بن أبى عبيد، عن سلمة بن الاكوع قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، علينا مرة أبو بكر ومرة أسامة بن زيد رضى الله عنهما. * * * ثم ذكر الحافظ البيهقى هاهنا موت النجاشي صاحب الحبشة على الاسلام ونعى رسول الله صلى الله عليه وسلم له إلى المسلمين وصلاته عليه. فروى من طريق مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى إلى الناس النجاشي في اليوم الذى مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات. أخرجاه من حديث مالك، وأخرجاه أيضا من حديث الليث عن عقيل، عن الزهري، عن سعيد وأبى سلمة، عن أبى هريرة بنحوه. وأخرجاه من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مات اليوم رجل صالح فصلوا على أصحمة ". وقد تقدمت (1) هذه الاحاديث أيضا والكلام عليها ولله الحمد. قلت: والظاهر أن موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير، فإن في صحيح مسلم أنه لما كتب إلى ملوك الآفاق كتب إلى النجاشي، وليس هو بالمسلم. وزعم آخرون كالواقدي أنه هو والله أعلم. وروى الحافظ البيهقى من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن موسى بن عقبة،


(1) تقدم ذلك في الجزء الثاني 29. (*)

[ 525 ]

عن أبيه، عن أم كلثوم قالت: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال: " قد أهديت إلى النجاشي أواقى من مسك وحلة وإنى لاراه قد مات، ولا أرى الهدية إلا سترد على، فإن ردت على - أظنه قال - قسمتها بينكن، أو فهى لك ". قال: فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات النجاشي وردت الهدية، فلما ردت عليه أعطى أمرأة من نسائه أوقية، من ذلك المسك، وأعطى سائره أم سلمة، وأعطاها الحلة. والله أعلم.

[ 526 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم غزوة الفتح الاعظم وكانت في رمضان سنة ثمان. وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع فقال تعالى: " لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى (1) " الآية. وقال تعالى: " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ". وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن إسحاق: حدثنى الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أنهما حدثاه جميعا قالا: كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم [ دخل (2) ]. فتواثبت خزاعة وقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم. فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا، ثم إن بنى بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء يقال له الوتير، وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا من أحد. فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبنى بكر بالوتير حتى قدم على


(1) سورة الحديد 10. (2) ابن هشام: ومن أحب أن يدخل. فليدخل. (*)

[ 527 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر الخبر وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدها إياه: يا رب إنى ناشد محمدا * حلف أبيه وأبينا الا تلدا (1) قد كنتم ولدا وكنا والدا * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا أبدا * وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا * إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجرى مزبدا * إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا * وجعلوا لى في كداء رصدا (2) وزعموا أن لست أدعو أحدا * فهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نصرت يا عمرو بن سالم " فما برح حتى مرت بنا عنانة (3) في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب ". وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمى على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم. * * * قال ابن إسحاق: وكان السبب الذى هاجهم أن رجلا من بنى الحضرمي اسمه مالك ابن عباد، من حلفاء الاسود بن رزن، خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بنى خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة


(1) الا تلد: القديم. (2) كداء: جبل بأعلى مكة. (3) العنان: السحاب. (*)

[ 528 ]

قبيل الاسلام على بنى الاسود بن رزن الدئلى، وهم مفخر بنى كنانة وأشرافهم، سلمى وكلثوم وذؤيب، فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من الديل قال: كان بنو الاسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين [ ونودى دية دية لفضلهم فينا ] (1). قال ابن إسحاق: فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك إذ حجز بينهم الاسلام، فلما كان يوم الحديبية ودخل بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الهدنة، اغتنمها بنو الديل من بنى بكر وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا من أولئك النفر، فخرج نوفل بن معاوية الديلى في قومه وهو يومئذ سيدهم وقائدهم وليس كل بنى بكر تابعه، فبيت خزاعة وهم على الوتير - ماء لهم - فأصابوا رجلا منهم وتحاوزوا واقتتلوا، ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حاوزوا (2) خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك ! فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم يا بنى بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم ! ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء بمكة وإلى دار مولى لهم يقال له رافع، وقد قال الاخزر بن لعط الديلى في ذلك: ألا هل أتى قصوى الاحابيش أننا * رددنا بنى كعب بأفوق ناصل (3) حبسناهم في دارة العبد رافع * وعند بديل محبسا غير ط ؟ ؟ ؟ بدار الذليل الآخذ الضيم بعد ما * شفينا النفوس منهم بالمناصل


(1) من ابن هشام. (2) حاوزوا: ساقوا. (3) الافوق: السهم الذى وضع فوقه في الوتر. والناصل: ماله نصل وهو حد السهم. (*)

[ 529 ]

حبسناهم حتى إذا طال يومهم * نفحنا لهم من كل شعب بوابل (1) نذبحهم ذبح التيوس كأننا * أسود نبارى فيهم بالقواصل (2) هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم * وكانوا لدى الانصاب أول قاتل كأنهم بالجزع إذ يطردونهم * قفا ثور حفان النعام الجوافل (3) قال: فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الاجب، وكان يقال له بديل ابن أم أصرم فقال: تعاقد قوم يفخرون ولم ندع * لهم سيدا يندوهم غير نافل أمن خيفة القوم الاولى تزدريهم * تجيز الوتير خائفا غير آيل وفى كل يوم نحن نحبو حباءنا * لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل ونحن صبحنا بالتلاعة داركم * بأسيافنا يسبقن لوم العواذل (4) ونحن منعنا بين بيض وعتود * إلى خيف رضوى من مجر القبائل (5) ويوم الغميم قد تكفت ساعيا * عبيس فجعناه بجلد حلاحل (6) أإن أجمرت في بيتها أم بعضكم * بجعموسها تنزون إن لم نقاتل (7) كذبتم وبيت الله ما إن قتلتم * ولكن تركنا أمركم في بلابل قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبى سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة ".


(1) الشعب: المطمئن بين جبلين. والوابل: المطر الشديد. (2) القواصل: السيوف القواطع. (3) ثور: جبل بمكة ومنعه من الصرف لانه أراد به البقعة. وقفاه: وراءه. وتروى: بفاثور. قال أبو ذر: ظاهره أنه اسم موضع. والحفان: صغار النعام. والجوافل: الهاربة المسرعة. (4) التلاعة: ماء لبنى كنانة بالحجاز. (5) بيض: من منازل بنى كنانة بالحجاز. وعتود: ماء لكنانة. (6) تكفت: حاد عن طريقه. والجلد: القوى. والحلاحل: السيد الشجاع. (7) الجعموس: الرجيع. وأجمرت: رمت به بسرعة. يريد: الفزع والحذر. (*) (34 - السيرة 3)

[ 530 ]

قال ابن إسحاق: ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا للذى صنعوا، فلما لقى أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل في بطن هذا الوادي. قال: فعمد أبو سفيان إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى. فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته، فقال: يا بنية ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أو رغبت به عنى ؟ فقالت: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه. فقال: يا بنية والله لقد أصابك بعدى شر ! ثم ذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر (1) لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على على ابن أبى طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندها حسن غلام يدب بين يديهما، فقال: يا على إنك أمس القوم بى رحما وأقربهم منى قرابة، وقد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ويحك أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس


(1) الذر: النمل. وهو كالمثل، لان الذر لا يقاتل به. (*)

[ 531 ]

فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ فقالت: والله ما بلغ بنى ذلك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا أبا الحسن إنى أرى الامور قد اشتدت على فانصحني. قال: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك، ولكنك سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك. فقال: أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا ؟ قال: لا والله ما أظن، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق، فلما أن قدم على قريش قالوا: ما وراءك ؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد على شيئا، ثم جئت ابن أبى قحافة فوالله ما وجدت فيه خيرا، ثم جئت عمر فوجدته أعدى عدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار على بأمر صنعته فوالله ما أدرى هل يغنى عنا شيئا أم لا ؟ قالوا: بماذا أمرك ؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس ففعلت: قالوا: هل أجاز ذلك محمد ؟ قال: لا. قالوا: ويحك ما زادك الرجل على أن لعب بك فما يغنى عنا ما قلت. فقال: لا والله ما وجدت غير ذلك. [ فائدة ذكرها السهيلي. فتكلم على قول فاطمة في هذا الحديث: " وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم " على ما جاء في الحديث: " ويجير على المسلمين أدناهم " قال: وجه الجمع بينهما بأن المراد بالحديث من يجير واحدا أو نفرا يسيرا، وقول فاطمة: فمن يجير عددا من غزو الامام إياهم فليس له ذلك. قال: كان سحنون وابن الماجشون يقولان: إن أمان المرأة موقوف على إجازة الامام لقوله لام هانئ: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قال: ويروى هذا عن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد وفى قوله عليه السلام: " ويجير عليهم أدناهم " ما يقتضى دخول العبد والمرأة. والله أعلم ] (1).


(1) سقط من ح. (*)

[ 532 ]

وقد روى البيهقى من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: قالت بنو كعب: اللهم إنى ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الا تلدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا (1) وقال موسى بن عقبة في فتح مكة: ثم إن بنى نفاثة من بنى الديل أغاروا على بنى كعب، وهم في المدة التى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش، فأعانت بنو بكر بنى نفاثة، وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق، واعتزلتهم بنو مدلج ووفوا بالعهد الذى كانوا عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى بنى الديل رجلان هما سيداهم، سلمى بن الاسود وكلثوم بن الاسود، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية وشيبة بن عثمان وسهيل بن عمرو. فأغارت بنو الديل على بنى عمرو وعامتهم، زعموا، نساء وصبيان وضعفاء الرجال فألجأوهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بديل بن ورقاء بمكة. فخرج ركب من بنى كعب حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له الذى أصابهم وما كان من أمر قريش عليهم في ذلك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارجعوا فتفرقوا في البلدان ". وخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخوف الذى كان، فقال: يا محمد اشدد العقد وزدنا في المدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولذلك قدمت ؟ هل كان من حدث قبلكم ؟ " فقال معاذ الله ! نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل.


(1) الاعتد: الحاضر. (*)

[ 533 ]

فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى أبا بكر فقال: جدد العقد وزدنا في المدة. فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لاعنتها عليكم. ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر بن الخطاب: ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله، وما كان منه مثبتا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله ! فقال له أبو سفيان: جزيت من ذى رحم شرا. ثم دخل على عثمان فكلمه فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم فكلهم يقول: عقدنا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما يئس مما عندهم دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها فقالت: إنما أنا امرأة، وإنما ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لها: فأمري أحد ابنيك. فقالت: إنهما صبيان ليس مثلهما يجير. قال: فكلمي عليا. فقالت: أنت فكلمه. فكلم عليا فقال له: يا أبا سفيان إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها فأجر بين عشيرتك. قال: صدقت وأنا كذلك. فخرج فصاح: ألا إنى قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرنى أحد. ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنى قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرنى أحد ولا يرد جواري. فقال: " أنت تقول يا أبا حنظلة " فخرج أبو سفيان على ذلك. فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أدبر ؟ ؟

[ 534 ]

أبو سفيان: " اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة ". وقدم أبو سفيان مكة فقالت له قريش: ما وراءك ؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد ؟ قال: لا والله لقد أبى على، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن على بن أبى طالب قد قال لى: التمس جوار الناس عليك ولا تجر أنت عليه وعلى قومك، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها ألا تخفر جواره. فقمت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أنى قد أجرت بين الناس وقلت: ما أظن أن تخفرنى. فقال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة. فقالوا مجيبين له: رضيت بغير رضى، وجئتنا بمالا يغنى عنا ولا عنك شيئا، وإنما لعب بك على لعمر الله ! ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين. ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت: قبحك الله من وافد قوم ! فما جئت بخير. قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سحابا فقال: " إن هذه السحاب لتبض بنصر بنى كعب ". فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعد ما خرج أبو سفيان، ثم أخذ في الجهاز وأمر عائشة أن تجهزه وتخفى ذلك. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنقى، فقال لها: يا بنية لم تصنعين هذا الطعام ؟ فسكتت. فقال: أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو ؟ فصمتت، فقال: يريد بنى الاصفر - وهم الروم - ؟ فصمتت، فقال: فلعله يريد أهل نجد ؟ فصمتت. قال: فلعله يريد قريشا ؟ فصمتت.

[ 535 ]

قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله أتريد أن تخرج مخرجا ؟ قال: نعم. قال: فلعلك تريد بنى الاصفر ؟ قال: لا. قال: أتريد أهل نجد ؟ قال: لا. قال: فلعلك تريد قريشا ؟ قال: نعم. قال أبو بكر: يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة ؟ قال: " ألم يبلغك ما صنعوا ببنى كعب ؟ ". قال: وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالغزو، وكتب حاطب بن أبى بلتعة إلى قريش، وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الكتاب. وذكر القصة كما سيأتي. * * * وقال محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة وهى تغربل حنطة فقال: ما هذا ؟ أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز ؟ قالت: نعم فتجهز. قال: وإلى أين ؟ قالت: ما سمى لنا شيئا غير أنه قد أمرنا بالجهاز. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمر بالجد والتهيؤ وقال: " اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها " فتجهز الناس. فقال حسان يحرض الناس ويذكر مصاب خزاعة: عناني ولم أشهد ببطحاء مكة * رجال بنى كعب تحز رقابها بأيدى رجال لم يسلوا سيوفهم * وقتلى كثير لم تجن ثيابها (1) ألا ليت شعرى هل تنالن نصرتي * سهيل بن عمرو حرها وعقابها (2)


(1) لم تجن: لم تستر. يريد أنهم قتلوا ولم يدفنوا. (2) ابن هشام: وخزها. وكذلك رواية الديوان. (*)

[ 536 ]

وصفوان عودا حز من شفر استه * فهذا أوان الحرب شد عصابها (1) فلا تأمننا يابن أم مجالد * إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها (2) ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا * لها وقعة بالموت يفتح بابها قصة حاطب بن أبى بلتعة قال محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الامر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لى غيره أنا سارة مولاة لبعض بنى عبدالمطلب وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام فقال: " أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبى بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم ". فخرجا حتى أدركاها بالحليفة حليفة بنى أبى أحمد، فاستنزلاها فالتمساه في رحلها فلم يجدا فيه شيئا، فقال لها على: إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال: " يا حاطب ما حملك على هذا ؟ "


(1) ابن هشام: وصفوان عودحن. (2) الصرف: الخالص. وأعصل: اعوج. يريد اشتداد الحرب. وابن أم مجالد: عكرمة بن أبى جهل. (*)

[ 537 ]

فقال: يا رسول الله أما والله إنى لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت، ولكننى كنت امرءا ليس لى في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني فلاضرب عنقه فإن الرجل قد نافق ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". وأنزل الله في حاطب: " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " إلى آخر القصة. هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة مرسلة. وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب: أن رسول الله قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده. قال: وفى تفسير ابن سلام أن حاطبا كتب: إن محمدا قد نفر فإما إليكم وإما إلى غيركم فعليكم الحذر. * * * وقد قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني الحسن بن محمد، أنه سمع عبيدالله بن أبى رافع، سمعت عليا يقول: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها " فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معى. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من

[ 538 ]

حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا حاطب ما هذا ؟ " فقال: يا رسول الله لا تعجل على، إنى كنت امرءا ملصقا في قريش، يقول: كنت حليفا ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن دينى ولا رضا بالكفر بعد الاسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إنه قد صدقكم " فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ! فقال: " إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". فأنزل الله سورة: " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء " إلى قوله: " فقد ضل سواء السبيل ". وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه، من حديث سفيان بن عيينة. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا حجين ويونس قالا: حدثنا ليث بن سعد، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله، أن حاطب بن أبى بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم، فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرأة التى معها الكتاب، فأرسل إليها فأخذ كتابها من رأسها وقال: " يا حاطب أفعلت ؟ " قال: نعم. قال: أما إنى لم أفعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقا، قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره، غير أنى كنت غريبا بين ظهرانيهم وكانت والدتى معهم، فأردت أن أتخذ يدا عندهم. فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا ؟ فقال:

[ 539 ]

" أتقتل رجلا من أهل بدر ؟ وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم ". تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الامام أحمد وإسناده على شرط مسلم. ولله الحمد. فصل قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين. وقال عروة بن الزبير: كان معه اثنا عشر ألفا. وكذا قال الزهري وموسى بن عقبة. فسبعت سليم وبعضهم يقول ألفت سليم، وألفت مزينة وفى كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب (1) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والانصار فلم يتخلف عنه منهم أحد. وروى البخاري، عن محمود، عن (2) عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري نحوه. وقد روى البيهقى من حديث عاصم بن على، عن الليث بن سعد، عن عقيل عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبدالله، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان. قال: وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك، لا أدرى أخرج في ليال من شعبان فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعد ما دخل ؟ غير أن عبيد الله بن عبدالله أخبرني


(1) ا: وأرغب. (2) ا: ابن عبد الرازق وهو تحريف. (*)

[ 540 ]

أن ابن عباس قال: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الكديد - الماء الذى بين قديد وعسفان - أفطر، فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر. ورواه البخاري، عن عبدالله بن يوسف، عن الليث، غير أنه لم يذكر الترديد بين شعبان ورمضان. * * * وقال البخاري: حدثنا على بن عبدالله، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس عن ابن عباس قال: سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فشرب بها (1) ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة. قال: وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر. وقال يونس: عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفرة الفتح واستعمل على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام وصام الناس معه، حتى أتى الكديد بين عسفان وأمج فأفطر، ودخل مكة مفطرا فكان الناس يرون أن آخر الامر (2) من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر، وأنه نسخ ما كان قبله. قال البيهقى: فقوله: " خرج لعشر من رمضان " مدرج في الحديث، وكذلك ذكره عبيدالله بن إدريس، عن ابن إسحاق. ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان، عن جابر، عن يحيى، عن صدقة، عن ابن إسحاق أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان. سنة ثمان.


(1) غير ا: نهارا. (2) غير ا: يرون آخر الامرين. (*)

[ 541 ]

ثم روى البيهقى من حديث أبى إسحاق الفزارى، عن محمد بن أبى حفصة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس قال: كان الفتح لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان. قال البيهقى: وهذا الادراج وهم، إنما هو من كلام الزهري. ثم روى من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح - فتح مكة - فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمانى سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان. وروى البيهقى من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبدالله، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان ومعه عشرة آلاف من المسلمين، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر. قال (1) الزهري: وإنما يؤخذ بالاحدث فالاحدث (2). قال الزهري: فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان. ثم عزاه إلى (3) الصحيحين من طريق عبد الرزاق. فالله أعلم. وروى البيهقى من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخى، عن عطية بن قيس، عن أبى سعيد الخدرى قال: آذننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر فأصبح الناس مرضى (4) منهم الصائم ومنهم المفطر، حتى إذا بلغنا المنزل الذى نلقى العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين. وقد رواه الامام أحمد، عن أبى المغيرة، عن سعيد بن عبد العزيز، حدثنى عطية بن


(1) المطبوعة: فقال. خطأ. (2) البخاري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله الآخر فالآخر. (3) المطبوعة: في. خطأ. (4) المطبوعة: مرحى. خطأ. (*)

[ 542 ]

قيس، عمن حدثه، عن أبى سعيد الخدرى، قال: آذننا رسول الله بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد، فأمرنا رسول الله بالفطر، فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر، حتى إذا بلغ أدنى منزل يلقى العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون. * * * قلت: فعلى ما ذكره الزهري، من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان، وما ذكره أبو سعيد من أنهم خرجوا من المدينة في ثانى شهر رمضان، يقتضى أن مسيرهم كان بين (1) مكة والمدينة في إحدى عشرة ليلة. ولكن روى البيهقى، عن أبى الحسين بن الفضل، عن عبدالله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان، عن الحسن بن الربيع، عن ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري ومحمد بن على بن الحسين، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبى بكر، وغيرهم. قالوا: كان فتح مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا وهيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائما حتى أتى كراع الغميم والناس معه مشاة وركبانا، وذلك في شهر رمضان (2). فقيل: يا رسول الله إن الناس قد اشتد عليهم الصوم وإنما ينظرون كيف فعلت ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فرفعه فشرب والناس ينظرون، فصام بعض الناس وأفطر البعض، حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بعضهم صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أولئك العصاة ".


(1) ا: من. (2) ا: في رمضان. (*)

[ 543 ]

وقد رواه مسلم من حديث الثقفى والدراوردى، عن جعفر بن محمد. وروى الامام أحمد من حديث محمد بن إسحاق، حدثنى بشير بن يسار، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان فصام وصام المسلمون معه، حتى إذا كان بالكديد دعا بماء في قعب وهو على راحلته، فشرب والناس ينظرون، يعلمهم أنه قد أفطر، فأفطر المسلمون. تفرد به أحمد. فصل في إسلام العباس بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأبى سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى أخى أم سلمة أم المؤمنين. وهجرتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه في أثناء الطريق وهو ذاهب إلى فتح مكة. قال ابن إسحاق: وقد كان العباس بن عبدالمطلب لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق. قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض، فيما ذكره ابن شهاب الزهري. قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب وعبد الله بن أبى أمية قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بنيق العقاب (1) فيما بين مكة والمدينة والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: " لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى، وأما ابن عمتى فهو الذى قال لى بمكة ما قال " (2).


(1) ا: بنيق العقيق. (2) قال له: " والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلما إلى السماء فتعرج فيه وأنا أنظر، ثم تأتى بصك وأربعة من الملائكة يشهدون أن الله قد أرسلك " الروض الانف 2 / 267. (*)

[ 544 ]

قال: فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبى سفيان بنى له فقال: والله ليأذنن لى أو لآخذن بيد بنى هذا ثم لنذهبن في الارض حتى (1) نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما، وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذر إليه مما كان مضى منه: لعمرك إنى يوم أحمل راية * لتغلب خيل اللات خيل محمد لكا لمدلج (2) الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدى وأهتدى هداني هاد غير نفسي ونالني * مع (3) الله من طردت كل مطرد أصد وأنأى جاهدا عن محمد * وأدعى وإن لم أنتسب من محمد هم ما هم من لم يقل بهواهم * وإن كان ذا رأى يلم ويفند أريد لارضيهم ولست بلائط * مع القوم ما لم أهد في كل مقعد فقل لثقيف لا أريد قتالها * وقل لثقيف تلك: غيرى أوعدى فما كنت في الجيش الذى نال عامرا * ولا (4) كان عن جرا لساني ولا يدى قبائل جاءت من بلاد بعيدة * نزائع جاءت من سهام وسردد (5) قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ونالني مع الله من طردت كل مطرد " ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في صدره وقال: " أنت طردتني كل مطرد ".


(1) غير ا: ثم نموت. (2) ا: إن المدلج. (3) ا: من. (4) غير ا: وما كان. (5) سهام وسردد: موضعان من أرض عك. (*)

[ 545 ]

فصل ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مر الظهران نزل فيه فأقام، كما روى البخاري عن يحيى بن بكير، عن الليث ومسلم، عن أبى الطاهر، عن ابن وهب، كلاهما عن يونس، عن الزهري، عن أبى سلمة عن جابر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجتنى الكباث، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بالاسود منه فإنه أطيب " قالوا: يا رسول الله أكنت ترعى الغنم ؟ قال: " نعم، وهل من نبى إلا وقد رعاها ". وقال البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سنان بن إسماعيل، عن أبى الوليد سعيد بن مينا، قال: لما فرغ أهل مكة ورجعوا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى مكة، فلما انتهى إلى مر الظهران نزل بالعقبة فأرسل الجناة يجتنون الكباث، فقلت لسعيد: وما هو ؟ قال: ثمر الاراك. قال: فانطلق ابن مسعود فيمن يجتنى، قال: فجعل أحدهم إذا أصاب حبة طيبة قذفها في فيه، وكانوا ينظرون إلى دقة ساقى ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة فيضحكون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعجبون من دقة ساقيه ؟ فوالذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد ! ". وكان ابن مسعود ما اجتنى من شئ جاء به وخياره فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في ذلك: هذا جناى وخياري فيه * إذ كل جان يده إلى فيه (35 - السيرة 3)

[ 546 ]

وفى الصحيحين عن أنس قال: أنفجنا (1) أرنبا ونحن بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا وأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها. وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذيها فقبله. * * * وقال ابن إسحاق: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران وقد عميت الاخبار على (2) قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعل، وخرج في تلك الليالى أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الاخبار وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به. وذكر ابن لهيعة عن أبى الاسود عن عروة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بين يديه [ عيونا ] (3) خيلا يقتصون العيون، وخزاعة لا تدع أحدا يمضى وراءها فلما جاء أبو سفيان وأصحابه أخذتهم خيل المسلمين وقام إليه عمر يجأ في عنقه، حتى أجاره العباس بن عبدالمطلب وكان صاحبا لابي سفيان. قال ابن إسحاق: وقال العباس حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران قلت: واصباح قريش ! والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الاراك فقلت: لعلى أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي


(1) أنفجنا: أثرنا. (2) غير ا: عن. (3) ليست في ا. (*)

[ 547 ]

مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها (1) عليهم عنوة. قال: فوالله إنى لاسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة ؟ فعرف صوتي. فقال: أبو الفضل ؟ قال: قلت: نعم. قال: مالك فدى لك أبى وأمى ! قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان ! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس. فقال: واصباح قريش والله ! فما الحيلة فداك أبى وأمى ؟ قال: قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه. وقال عروة: بل ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما وجعل يستخبرهما عن أهل مكة. وقال الزهري وموسى بن عقبة: بل دخلوا مع العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * [ قال: فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا ؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: غم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا ؟


(1) غير ا: يدخل. (*)

[ 548 ]

وقام إلي. فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله ! الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد. وزعم عروة بن الزبير أن عمر وجأ في رقبة أبى سفيان وأراد قتله فمنعه منه العباس. وهكذا ذكر موسى بن عقبة، عن الزهري، أن عيون رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوهم بأزمة جمالهم فقالوا: من أنتم ؟ قالوا: وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلقيهم العباس فدخل بهم على رسول الله فحادثهم عامة الليل ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فشهدوا، وأن محمدا رسول الله. فشهد حكيم وبديل وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك ثم أسلم بعد الصبح. ثم سألوه أن يؤمن قريشا فقال: " من دخل دار أبى سفيان فهو آمن - وكانت بأعلى مكة - ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن. وكانت بأسفل مكة - ومن أغلق بابه فهو آمن " قال العباس: ] (1) ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطئ. قال: فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلاضرب عنقه ؟ قال: قلت: يا رسول إنى قد أجرته. ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل. فلما أكثر عمر في شأنه قال قلت: مهلا يا عمر ! فوالله أن لو كان من رجال (2) بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بنى عبد مناف. فقال: مهلا يا عباس، فوالله لاسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم ! وما بى إلا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه


(1) من ا. (2) ا: لو كان معى رجل من بنى عدى. (*)

[ 549 ]

وسلم من إسلام الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به ". * * * قال: فذهبت به إلى رحلى فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله قال: " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ " فقال: بأبى أنت وأمى ! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئا بعد ! قال: " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله ؟ " قال: بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا ! فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك ؟ قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. قال العباس: فقلت يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا. قال: " نعم، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن " زاد عروة: " ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن " وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهري. " ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ". فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم (1) الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ": وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا سفيان وبديلا وحكيم بن حزام


(1) خطم الجبل: أنفه (*)

[ 550 ]

كانوا وقوفا مع العباس عند خطم الجبل، وذكر أن سعد لما قال لابي سفيان. اليوم يوم الملحمه: * اليوم تستحل الحرمه فشكا أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزله عن راية الانصار وأعطاها الزبير بن العوام فدخل بها من أعلى مكة وغرزها بالحجون، ودخل خالد من أسفل مكة فلقيه بنو بكر وهذيل، فقتل من بنى بكر عشرين ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا فقتلوا بالحزورة (1) حتى بلغ قتلهم باب المسجد. قال العباس: فخرجت بأبى سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه. قال: ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هؤلاء ؟ فأقول: سليم. فيقول: مالى ولسليم. ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء ؟ فأقول: مزينة. فيقول: مالى ولمزينة. حتى نفدت القبائل ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: مالى ولبنى فلان. حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والانصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس ! من هؤلاء ؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والانصار، قال: ما لاحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ! قال: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قال: قلت النجاء إلى قومك. * * * حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل


(1) الحزورة: كانت سوق مكة. (*)

[ 551 ]

لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة [ فأخذت بشاربه (1) ] فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الاحمس (2) قبح من طليعة قوم. فقال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم مالا قبل لكم به، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله ! وما تغنى عنا دارك ؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. [ وذكر عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بأبى سفيان قال له: إنى لارى وجوها كثيرة لا أعرفها، لقد كثرت هذه الوجوه على ؟ فقال له رسول الله: " أنت فعلت هذا وقومك، إن هؤلاء صدقوني إذ كذبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني ". ثم شكا إليه قول سعد بن عبادة حين مر عليه فقال: يا أبا سفيان: اليوم يوم الملحمه * اليوم تستحل الحرمه فقال رسول الله: " كذب سعد، بل هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة ". وذكر عروة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التى كان عند العباس، ورأى الناس يجنحون للصلاة وينتشرون في استعمال الطهارة خاف وقال للعباس: ما بالهم ؟ قال: إنهم قد سمعو النداء فهم ينتشرون للصلاة. فلما حضرت الصلاة ورآهم يركعون


(1) ليست في أ. (2) الحميت: الزق. أو وعاء السمن. والدسم: السمين. والاحمس: الكثير اللحم. (*)

[ 552 ]

ويسجدون بسجوده قال: يا عباس ما يأمرهم بشئ إلا فعلوه ؟ قال: نعم والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لاطاعوه. وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أنه لما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلوا يتكففون، فقال: يا عباس ما رأيت كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر ! ] (1). * * * وقد روى الحافظ البيهقى عن الحاكم وغيره عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثنى الحسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس. فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكائى عن ابن إسحاق منقطعة. فالله أعلم. على أنه قد روى البيهقى من طريق أبى بلال الاشعري، عن زياد البكائى، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال: جاء العباس بأبى سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر القصة. إلا أنه ذكر أنه أسلم من ليلته قبل أن يصبح بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دخل دار أبى سفيان فهو آمن " قال أبو سفيان: وما تسع دارى ؟ فقال: " ومن دخل الكعبة فهو آمن " قال: وما تسع الكعبة ؟ فقال: " ومن دخل المسجد فهو آمن " قال: وما يسع المسجد ؟ فقال: " ومن أغلق عليه بابه فهو آمن " فقال أبو سفيان: هذه واسعة. وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هدم، عن أبيه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان ابن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله


(1) من أ. (*)

[ 553 ]

عليه وسلم، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه ؟ كأنها نيران عرفة ؟ فقال بديل بن ورقاء: نيران بنى عمرو. فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان. فلما سار قال للعباس: " احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين " فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تمر كتيبة كتيبة على أبى سفيان، فمرت كتيبة فقال: يا عباس من هذه ؟ قال: هذه غفار. قال: مالى ولغفار. ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ومرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال: من هذه ؟ قال: هؤلاء الانصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة. اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار. ثم جاءت كتيبة وهى أقل الكتائب، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وراية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة ؟ فقال: ما قال ؟ قال: كذا وكذا. فقال: " كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة " وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون. قال عروة: وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: هاهنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية ؟ قال: نعم. قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كدى، فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان حبيش بن الاشعر وكرز بن جابر الفهرى. وقال أبو داود: حدثنا

[ 554 ]

عثمان بن أبى شيبة، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح جاءه العباس بن عبدالمطلب بأبى سفيان بن حرب فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فلو جعلت له شيئا ؟ قال: " نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ". صفة دخوله عليه الصلاة والسلام مكة ثبت في الصحيحين من حديث مالك [ عن الزهري (1) ] عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: " اقتلوه ". قال مالك: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نرى والله أعلم محرما. وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا أبو الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء. ورواه أهل السنن الاربعة من حديث حماد بن سلمة. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه مسلم عن قتيبة، ويحيى بن يحيى، عن معاوية بن عمار الدهنى، عن أبى الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام. وروى مسلم من حديث أبى أسامة، عن مساور الوراق، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه قال: كأنى أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة حرقانية (2) سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه.


(1) سقطت من ا. (2) الحرقانية: على لون ما أحرقته النار. (*)

[ 555 ]

وروى مسلم في صحيحه، والترمذي والنسائي من حديث عمار الدهنى، عن أبى الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء. وروى أهل السنن الاربعة من حديث يحيى بن آدم، عن شريك القاضى، عن عمار الدهنى، عن أبى الزبير، عن جابر قال: كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة أبيض. وقال ابن إسحاق، عن عبدالله بن أبى بكر، عن عائشة: كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء تسمى العقاب، وكانت قطعة من مرط مرجل (1). وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن عبدالله بن قرة، قال: سمعت عبدالله بن مغفل يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجع. وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذى طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء (2)، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه (3) ليكاد يمس واسطة الرحل. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا دعلج بن أحمد، حدثنا أحمد ابن على الابار، حدثنا عبدالله بن أبى بكر المقدسي، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنه على رحله (4) متخشعا.


(1) المرط: كساء من صوف. والمرجل: الذى فيه صور الرجال. وتروى مرحل بالحاء أي فيه صور الرحال. (2) ا: بشقة برد حمراء. (3) العثنون: اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين. (4) غير ا: راحلته. (*)

[ 556 ]

وقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن بالويه، حدثنا أحمد بن صاعد، حدثنا إسماعيل بن أبى الحارث، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس، عن ابن مسعود، أن رجلا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة، فقال: " هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد ". قال: وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس وأحمد بن يحيى بن زهير، عن إسماعيل ابن أبى الحارث موصولا. ثم رواه عن أبى زكريا المزكى، عن أبى عبدالله محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الوهاب، عن جعفر بن عون، عن إسماعيل بن قيس مرسلا. وهو المحفوظ. وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله صلى الله عليه وسلم مكة في مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم، بخلاف ما اعتمده سفهاء بنى إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود - أي ركع - يقولون حطة فدخلوا يزحفون على أستاهم وهم يقولون: حنطة في شعرة ! وقال البخاري: حدثنا القاسم بن خارجة، حدثنا حفص بن ميسرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كداء التى بأعلى مكة. تابعه أبو أسامة ووهب في كداء. حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من أعلى مكة من كداء. وهو أصح إن أراد أن المرسل أصح من المسند المتقدم انتظم الكلام، وإلا فكداء بالمد هي المذكورة في الروايتين وهى في أعلى مكة، وكدى مقصور في أسفل مكة. وهذا هو المشهور والانسب. وقد تقدم أنه عليه السلام بعث خالد بن الوليد من أعلى مكة، ودخل هو عليه

[ 557 ]

السلام من أسفلها من كدى وهو في صحيح البخاري. والله أعلم. وقد قال البيهقى: أنبأنا أبو الحسين بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار [ حدثنا عبدالله بن إبراهيم بن المنذر الخزامى، حدثنا معن، حدثنا عبدالله بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر (1) ] قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح رأى (2) النساء يلطمن وجوه الخيل، فتبسم إلى أبى بكر وقال: " يا أبا بكر كيف قال حسان ؟ " فأنشده أبو بكر رضى الله عنه: عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع من كتفي كداء ينازعن الاعنة (3) مسرجات * يلطمهن بالخمر النساء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادخلوها من حيث قال حسان ! ". * * * وقال محمد بن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبى بكر قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية اظهري بى على أبى قبيس. قالت: وقد كف بصره. قالت: فأشرفت به عليه فقال: أي بنية ماذا ترين ؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدى ذلك السواد مقبلا ومدبرا. قال: أي بنية ذلك الوازع - يعنى الذى يأمر الخيل ويتقدم إليها - ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: قد والله إذا دفعت الخيل فأسرعي بى إلى بيتى. فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته. قالت: وفى عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها.


(1) سقطت من ا. (2) غير ا: وأتى النساء. (3) ا: الاسنة. ولعلها تحريف. (*)

[ 558 ]

قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟ ! " قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت إليه. قال: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره ثم قال: أسلم. فأسلم. قالت: ودخل به أبو بكر وكان رأسه كالثغامة (1) بياضا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غيروا هذا من شعره ". ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته وقال: أنشد الله والاسلام طوق أختى ؟ فلم يجبه أحد قال: فقال: أي أخية احتسبي طوقك، فوالله إن الامانة في الناس اليوم لقليل ! يعنى به الصديق ذلك اليوم على التعيين (2)، لان الجيش فيه كثرة، ولا يكاد أحد. يلوى على أحد، مع انتشار الناس، ولعل الذى أخذه تأول أنه من حربى والله أعلم. وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا عبدالله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم، أنبأنا بحر بن نصر، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، عن أبى الزبير، عن جابر، أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبى قحافة فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " غيروه ولا تقربوه سوادا ". قال ابن وهب: وأخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنأ أبا بكر بإسلام أبيه. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى نجيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذى طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كداء، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدى.


(1) الثغامة: واحدة الثغام، وهو نبت أبيض. (2) أ: يعنى الصديق ذلك اليوم على العين. (*)

[ 559 ]

قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمه. اليوم تستحل الحرمه. فسمعها رجل. قال ابن هشام: يقال: إنه عمر بن الخطاب. فقال: يا رسول الله أتسمع ما يقول سعد بن عبادة ؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى: " أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها ". قلت: وذكر غير محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مر به، وقال: يا أبا سفيان: اليوم يوم الملحمه اليوم تستحل الحرمة - يعنى الكعبة -. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة " وأمر بالراية - راية الانصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، ويقال: إنها دفعت إلى ابنه قيس بن سعد. وقال موسى بن عقبة، عن الزهري: دفعها إلى الزبير بن العوام. فالله أعلم. * * * وذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار، حدثنا عبدالله بن السرى الانطاكي، حدثنا عبدالرحمن بن أبى الزناد، وحدثني موسى بن عقبة، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة إلى سعد بن عبادة فجعل يهزها ويقول: اليوم يوم الملحمه: يوم تستحل الحرمه. قال: فشق ذلك على قريش وكبر في نفوسهم، قال: فعارضت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره وأنشأت تقول (1): يا نبى الهدى إليك لجاحى قريش ولات حين لجاء


(1) نسب السهيلي هذه الابيات إلى ضرار بن الخطاب. الروض 2 / 271. (*)

[ 560 ]

حين ضاقت عليهم سعة الار * ض وعاداهم إله السماء [ والتقت حلقتا البطان على القو * م ونودوا بالصيلم الصلعاء ] (1) إن سعدا يريد قاصمة الظه‍ * ر بأهل الحجون والبطحاء خزرجي لو يستطيع من الغي‍ * ظ رمانا بالنسر والعواء (2) فانهينه فإنه الاسد الاس‍ * ود والليث والغ في الدماء فلئن أقحم اللواء ونادى * يا حماة اللواء أهل اللواء لتكونن بالبطاح قريش * بقعة القاع في أكف الاماء (3) إنه مصلت يريد لها الرأ * ى صموت كالحية الصماء (4) قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفة بهم، وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد. قال: فيروى أنه عليه الصلاة والسلام أحب ألا يخيبها إذ رغبت إليه واستغاثت به، وأحب ألا يغضب سعد، فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه (5). * * * قال ابن إسحاق: وذكر ابن أبى نجيح في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة ابن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لاهل مكة (6) بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة فضربت له هنالك قبة.


(1) من الروض الانف. والبطان: حزام القتب. والصيلم: الداهية. والصلعاء: المشهورة. (2) العواء: الكلب. (3) القاع: الارض السهلة المنبسطة. (4) المصلت: الرجل الماضي (5) سقط من أ. (6) غير أ: لمكة. (*)

[ 561 ]

وروى البخاري من حديث الزهري، عن على بن الحسين، عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد، أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله أين تنزل غدا ؟ فقال: " وهل ترك لنا عقيل من رباع (1) " ثم قال: " لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر ". ثم قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزبير، عن عبدالرحمن، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف، حيث تقاسموا على الكفر ". وقال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ابراهيم - يعنى ابن سعد - عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر ". ورواه البخاري من حديث إبراهيم بن سعد به نحوه. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبدالله بن أبى نجيح و عبدالله بن أبى بكر، أن صفوان ابن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وكان حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يعد سلاحا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى ؟ قال: لمحمد وأصحابه. فقالت: والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شئ ! قال: والله إنى لارجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لى عله * هذا سلاح كامل وأله (2) وذو غرارين سريع السلة (3) قال: ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب


(1) الرباع: جمع ربع، وهى الدار. (2) الالة: جميع أداة الحرب. (3) الغرار: حد الرمح والسيف والسهم. يريد: سيفا. (36 - السيرة 3) (*)

[ 562 ]

خالد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر أحد بنى محارب بن فهر وحبيش (1) بن خالد بن ربيعة بن أصرم حليف بنى منقذ، وكانا في جيش خالد، فشذا عنه فسلكا غير طريقه فقلا جميعا، وكان قتل كرز قبل حبيش. قالا: وقتل من خيل خالد أيضا سلمة بن الميلاء الجهنى، وأصيب من المشركين قريب من اثنى عشر أو ثلاثة عشر. ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامرأته: أغلقى على بابى. قالت: فأين ما كنت تقول ؟ فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمه * إذ فر صفوان وفر عكرمه وأبو يزيد قائم كالمؤتمه * واستقبلتهم بالسيوف المسلمه (2) يقطعن كل ساعد وجمجمه * ضربا فلا يسمع إلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه (3) قال ابن هشام: وتروى هذه الابيات للرعاش الهذلى. قال: وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف: " يا بنى عبدالرحمن " وشعار الخزرج: " يا بنى عبدالله " وشعار الاوس: " يا بنى عبيد الله ". وقال الطبراني: حدثنا على بن سعيد الرازي، حدثنا أبو حسان الزيادي، حدثنا شعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن طاووس، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والارض، وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر، وما حياله من السماء حرام، وإنه لا يحل لاحد قبلى، وإنما حل لى ساعة من نهار ثم عاد كما كان ".


(1) الاصل: حنيش. وهو تحريف وما أثبته عن الروض الانف. (2) أبو يزيد: يريد سهيل بن عمرو، وكان خطيب قريش. والمؤتمة: الاسطوانة، من قولهم وتم وأتم إذا ثبت. وتروى الموتمة. بالواو بدل الهمز، ومعناها: الايم التى مات عنها زوجها. الروض 2 / 272 (3) النهيت: الزئير. (*)

[ 563 ]

فقيل له: هذا خالد بن الوليد يقتل ؟ فقال: " قم يا فلان فأت خالد بن الوليد فقل له فليرفع يديه من القتل ". فأتاه الرجل فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اقتل من قدرت عليه ! فقتل سبعين إنسانا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأرسل إلى خالد فقال: " ألم أنهك عن القتل ؟ " فقال: جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه. فأرسل إليه: " ألم آمرك ؟ " قال: أردت أمرا وأراد الله أمرا فكان أمر الله فوق أمرك، وما استطعت إلا الذى كان. فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فما رد عليه شيئا. * * * قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمرائه ألا يقاتلوا (1) إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سماهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم: عبدالله بن سعد بن أبى سرح، كان قد أسلم وكتب الوحى ثم ارتد، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد أهدر دمه فر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: " نعم ". فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رأني قد صمت فيقتله " فقالوا: يا رسول الله هلا أومأت إلينا ؟ فقال: " إن النبي لا يقتل بالاشارة ". وفى رواية (2): " إنه لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الاعين ". قال ابن هشام: وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله ثم ولاه عثمان.


(1) ا: يقتلوا. (2) ا: وفى رواية لهذا. (*)

[ 564 ]

قلت: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح أو بعد انقضاء صلاتها في بيته. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل رجل من بنى تيم بن غالب. قلت: ويقال إن اسمه عبدالعزى بن خطل، ويحتمل أنه كان كذلك ثم لما أسلم سمى عبدالله. ولما أسلم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا (1) وبعث معه رجلا من الانصار، وكان معه مولى له فغضب عليه غضبة فقتله (2)، ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان فرتنى وصاحبتها، فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلهذا أهدر دمه ودم قينتيه، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، اشترك في قتله أبوبرزة الاسلمي وسعيد بن حريث المخزومى، وقتلت إحدى قينتيه واستؤمن للاخرى. قال: والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصى، وكان ممن يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولما تحمل العباس بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة يلحقهما برسول الله صلى الله عليه وسلم أول الهجرة نخس بهما الحويرث هذا الجمل الذى هما عليه فسقطتا إلى الارض، فلما أهدر دمه قتله على بن أبى طالب. قال: ومقيس بن صبابة (3) لانه قتل قاتل أخيه خطأ بعد ما أخذ الدية، ثم ارتد مشركا، قتله رجل من قومه يقال له نميلة بن عبدالله. قال: وسارة مولاة لبنى عبدالمطلب ولعكرمة بن أبى جهل، لانها كانت تؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى (4) بمكة. قلت: وقد تقدم عن بعضهم أنها التى تحملت الكتاب من حاطب بن أبى بلتعة، وكأنها عفى عنها أو هربت ثم أهدر دمها. والله أعلم. فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها فعاشت إلى زمن


(1) مصدقا: جابيا للصدقات (2) ا: ثم قتله. (3) في القاموس: ابن حبابة. (4) كذا ولعلها: وهو. (*)

[ 565 ]

عمر، فأوطأها رجل [ فرسا (1) ] فماتت. وذكر السهيلي أن فرتنى أسلمت أيضا. قال ابن إسحاق: وأما عكرمة بن أبى جهل فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام واستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، فذهبت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم. * * * وقال البيهقى: أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمس الفقيه، أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنبأنا أحمد بن يوسف السلمى، حدثنا أحمد بن المفضل، حدثنا أسباط بن نصر الهمداني. قال: زعم السدى عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: " اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " وهم: عكرمة بن أبى جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح. فأما عبدالله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله. وأما مقيس فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم قاصف، فقال أهل السفينة لاهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا هاهنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينج في البحر إلا الاخلاص فإنه لا ينجى في البر غيره ! اللهم إن لك على عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدى في يده فلاجدنه عفوا كريما [ فجاء (2) ] فأسلم. وأما عبدالله بن سعد بن أبى سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم


(1) سقطت من ا. (2) سقطت من ا. (*)

[ 566 ]

فقال: يا رسول الله بايع عبدالله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رأني كففت يدى عن بيعته فيقتله ؟ " فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك ؟ فقال: " إنه لا ينبغى أن يكون لنبى خائنة أعين (1) ". ورواه أبو داود والنسائي من حديث أحمد بن المفضل به نحوه. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم، أنبأنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا الحسن بن بشر الكوفى، حدثنا الحكم بن عبدالملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة إلا أربعة: عبدالعزى بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، وأم سارة. فأما عبدالعزى بن خطل فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة. قال: ونذر رجل أن يقتل عبدالله بن سعد بن أبى سرح إذا رآه، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له، فلما أبصر به الانصاري اشتمل على السيف، ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتردد ويكره أن يقدم عليه، فبسط النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه، ثم قال للانصاري: " قد انتظرتك أن توفى بنذرك ؟ " قال: يا رسول الله هبتك، أفلا أومضت إلى ؟ قال: " إنه ليس للنبى أن يومض ". وأما مقيس بن صبابة، فذكر قصته، في قتله رجلا مسلما بعد إسلامه ثم ارتداده بعد ذلك. قال: وأما أم سارة فكانت مولاة لقريش، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فشكت


(1) غير ا: لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الاعين. (*)

[ 567 ]

إليه الحاجة فأعطاها شيئا، ثم بعث معها رجل بكتاب إلى أهل مكة. فذكر قصة حاطب ابن أبى بلتعة. * * * وروى محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن مقيس ابن صبابة قتل أخوه هشام يوم بنى المصطلق، قتله رجل من المسلمين وهو يظنه مشركا، فقدم مقيس مظهرا للاسلام ليطلب دية أخيه، فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع إلى مكة مشركا، فلما أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه قتل وهو بين الصفا والمروة. وقد ذكر ابن إسحاق والبيهقي شعره حين قتل قاتل أخيه وهو قوله: شفى النفس من قد بات (1) بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم وتنسيني وطاء المضاجع قتلت به فهرا (2) وغرمت عقله * سراة بنى النجار أرباب فارع حللت به نذري (3) وأدركت ثؤرتى * وكنت إلى الاوثان أول راجع قلت: وقيل: إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لمقيس بن صبابة هذا، وأن ابن عمه قتله بين الصفا والمروة. وقال بعضهم: قتل ابن خطل الزبير بن العوام رضى الله عنه. * * * وقال ابن إسحاق: حدثنى سعيد بن أبى هند، عن أبى مرة مولى عقيل بن أبى طالب أن أم هانئ ابنة أبى طالب قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إلى رجلان من أحمائي [ من بنى مخزوم (4) ].


(1) سبقت الرواية ص 298 أن قد بات. (2) سبقت الرواية: ثأرت به. (3) سبقت الرواية: حللت به وترى. (4) سقطت من ا. (*)

[ 568 ]

قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية بن المغيرة. قال ابن إسحاق: وكانت عند هبيرة بن أبى وهب المخزومى، قالت: فدخل على أخى على بن أبى طالب فقال: والله لاقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتى، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لاثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثمانى ركعات من الضحى ثم انصرف إلى فقال: " مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك ؟ " فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي، فقال: " قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا نقتلهما (1) ". وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبى ليلى، قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلى الضحى غير أم هانئ، فإنها ذكرت أنه يوم فتح مكة اغتسل في بيتها ثم صلى ثمانى ركعات، قالت: ولم أره صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود. وفى صحيح (2) مسلم من حديث الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن سعد بن أبى هند، أن أبا مرة مولى عقيل حدثه أن أم هانئ بنت أبى طالب حدثته أنه لما كان عام الفتح فر إليها رجلان من بنى مخزوم فأجارتهما، قالت: فدخل علي علي فقال: أقتلهما، فلما سمعته أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فلما رأني رحب وقال: " ما جاء بك ؟ " قلت: يا نبى الله كنت أمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قتلهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غسله فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبا فالتحف به، ثم صلى ثمانى ركعات سبحة (3) الضحى.


(1) غير ا: يقتلهما. (2) ا: وفى حديث مسلم. (3) السبحة: النافلة. (*)

[ 569 ]

وفى رواية أنها دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فقال: " من هذه ؟ " قالت: أم هانئ. قال: " مرحبا بأم هانئ " قالت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي ابن أبى طالب أنه قاتل رجلين قد أجرتهما ؟ ! فقال: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قالت: ثم صلى ثمانى ركعات.. وذلك ضحى فظن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى. وقال آخرون: بل كانت هذه صلاة الفتح، وجاء التصريح بأنه كان يسلم من كل ركعتين. وهو يرد على السهيلي وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيا بتسليمة واحدة، وقد صلى سعد بن أبى وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى ثمانى ركعات يسلم من كل ركعتين. ولله الحمد. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبدالله بن أبى ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، [ فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف (1) له الناس في المسجد ] (2). وقال موسى بن عقبة: ثم سجد سجدتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، ودعا بماء فشرب منها وتوضأ، والناس يبتدرون وضوءه، والمشركون يتعجبون من ذلك ويقولون: ما رأينا ملكا قط ولا سمعنا به - يعنى مثل هذا - وأخر المقام إلى مكانه اليوم وكان ملصقا بالبيت.


(1) استكف: اجتمع. (2) هذه الجملة مؤخرة في: أ بعد قوله: وكان ملصقا بالبيت. (*)

[ 570 ]

قال محمد بن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الابل، أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس (1) من آدم وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " الآية كلها. ثم قال: " يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم ؟ " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ". ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبى طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين عثمان بن طلحة ؟ " فدعى له فقال: " هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء ". وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة: " الحمد لله الذى صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الابل ". وقال مرة [ أخرى (2) ]: " مغلظة فيها أربعون خلفة في بطونها أولادها، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى " وقال مرة: " ومال تحت قدمى هاتين، إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإنهما أمضيتهما لاهلهما على ما كانت ".


(1) أ: الناس ابن آدم. (2) ليست في أ. (*)

[ 571 ]

وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث على بن [ زيد بن (1) ] جدعان عن القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفانى، عن ابن عمر به. * * * قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم مصورا في يده الازلام يستقسم بها، فقال: " قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالازلام [ ما شأن إبراهيم والازلام (1) ]: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان، أنبأنا عبدالرحمن، عن موسى بن عقبة، عن أبى الزبير، عن جابر قال: كان في الكعبة صور، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عمر بن الخطاب (1) ] أن يمحوها فبل عمر ثوبا ومحاها به. فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها منها شئ. وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن أبى معمر، عن عبدالله - هو ابن مسعود - قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ". وقد رواه مسلم من حديث ابن عيينة. وروى البيهقى، عن ابن إسحاق، عن عبدالله بن أبى بكر، عن على بن عبدالله ابن عباس، عن أبيه، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مكة وعلى


(1) سقطت من المطبوعة. (*)

[ 572 ]

الكعبة ثلثمائة صنم، فأخذ قضيبه، فجعل يهوى به إلى الصنم وهو يهوى حتى مر عليها كلها. ثم روى من طريق سويد بن [ سعيد ] عن القاسم بن عبدالله، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وجد بها ثلثمائة وستين صنما، فأشار إلى كل صنم بعصا وقال: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " فكان لا يشير إلى صنم إلا ويسقط من غير أن يمسه بعصاه. ثم قال: وهذا وإن كان ضعيفا فالذي قبله يؤكده. وقال حنبل بن إسحاق: أنبأنا أبو الربيع، عن يعقوب القمى، حدثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءت عجوز شمطاء حبشية تخمش وجهها وتدعو بالويل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا ". وقال ابن هشام: حدثنى من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة [ عن ابن عباس (2) ] أنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الاصنام ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقى منها صنم إلا وقع، فقال تميم بن أسد الخزاعى: وفى الاصنام معتبر وعلم * لمن يرجو الثواب أو العقابا وفى صحيح مسلم عن شيبان بن فروخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن


(1) من ابن هشام. (*)

[ 573 ]

عبد الله بن رباح، عن أبى هريرة، في حديث فتح مكة قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحجر فاستلمه وطاف بالبيت، وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، وفى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس وهو آخذ بسيتها (1) فلما أتى على الصنم فجعل يطعن في عينه ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبى، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وفى أيديهما الازلام (2)، فقال: " قاتلهم الله ! لقد علموا ما استقسما بها قط ". ثم دخل البيت فكبر في نواحى البيت وخرح ولم يصل. تفرد به البخاري دون مسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، حدثنا عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها ست سوار، فقام إلى كل سارية فدعا ولم يصل فيه. ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن همام بن يحيى العوذى، عن عطاء به. وقال الامام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، أن بكيرا حدثه عن كريب، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال: " أما


(1) السية: ما عطف من طرفي القوس. (2) أ: من الازلام. (*)

[ 574 ]

هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، هذا إبراهيم مصورا، فما باله يستقسم ؟ ! ". وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب به. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، أخبرني عثمان الخزرجي، أنه سمع مقسما يحدث عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فدعا في نواحيه، ثم خرج فصلى ركعتين. تفرد به أحمد. وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، أنبأنا ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين. قال البخاري: وقال الليث، حدثنا يونس، أخبرني نافع، عن عبدالله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفا أسامة ابن زيد، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمر أن يؤتى بمفتاح الكعبة، فدخل ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فمكث فيه نهارا طويلا، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبدالله بن عمر أول من دخل فوجد بلالا وراء الباب قائما، فسأله: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشار له إلى المكان الذى صلى فيه. قال عبدالله: ونسيت أن أسأله كم صلى من سجدة. ورواه الامام أحمد عن هشيم، حدثنا غير واحد وابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الفضل بن عباس وأسامة بن زيد وعثمان ابن طلحة وبلال فأمر بلالا فأجاف (1) عليهم الباب فمكث فيه ما شاء الله ثم خرج.


(1) أجاف: أغلق. (*)

[ 575 ]

قال ابن عمر: فكان أول من لقيت منهم بلالا فقلت: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: هاهنا بين الاسطوانتين. قلت: وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أنه عليه السلام صلى في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره، فجعل عمودين عن يمينه، وعمودا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع. * * * قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فسمع منه ما يغيظه ! فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لاخبرت عنى هذه الحصا. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قد علمت الذى قلتم " ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ! ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثنى والدى، حدثنى بعض آل جبير ابن مطعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة، فقال بعض بنى سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدا إذ قبضه قبل أن يسمع هذا الاسود على ظهر الكعبة ! وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال ابن أبى مليكة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن يوم الفتح فوق الكعبة، فقال رجل من قريش للحارث

[ 576 ]

ابن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد ؟ فقال: دعه فإن يكن الله يكرهه فسيغيره. وقال يونس بن بكير وغيره، عن هشام بن عرون، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا عام الفتح فأذن على الكعبة ليغيظ به (1) المشركين. * * * وقال محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن حرب، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى إسحاق، أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا فقال في نفسه: لو جمعت لمحمد جمعا ؟ فإنه ليحدث نفسه بذلك إذ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كتفيه وقال: " إذا يخزيك الله ! " قال: فرفع رأسه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسه فقال: ما أيقنت أنك نبى حتى الساعة. قال البيهقى: وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - إجازة - أنبأنا أبو حامد أحمد بن الحسن المقرى، أنبأنا أحمد بن يوسف السلمى، حدثنا محمد بن يوسف الفريابى، حدثنا يونس ابن أبى إسحاق عن أبى السفر، عن ابن عباس، قال: رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى والناس يطأون عقبيه، فقال بينه وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال ؟ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب بيده في صدره فقال: " إذا يخزيك الله ". فقال: أتوب إلى الله وأستغفر الله مما تفوهت به. ثم روى البيهقى من طريق ابن خزيمة وغيره، عن أبى حامد بن الشرقي، عن أبى محمد ابن يحيى الذهلى، حدثنا موسى بن أعين الجزرى، حدثنا أبى، عن إسحاق بن راشد، عن سعيد بن المسيب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح، لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند: أترى هذا من الله ؟


(1) ا: بهم. (*)

[ 577 ]

قالت: نعم هذا من الله. قال: ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قلت لهند: أترى هذا من الله ؟ قالت: نعم هذا من الله " فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبدالله ورسوله، والذى يحلف به ما سمع قولى هذا أحد من الناس غير هند. وقال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني حسن ابن مسلم، عن مجاهد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض فهى حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لا تحل لاحد قبلى ولا تحل لاحد بعدى، ولم تحلل لى إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاؤها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " فقال العباس بن عبدالمطلب: إلا الاذخر يا رسول الله، فإنه لابد منه للدفن والبيوت ؟ فسكت ثم قال: " إلا الاذخر فإنه حلال ". وعن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزرى - عن عكرمة، عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا ورواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. تفرد به البخاري من هذا الوجه الاول، وهو مرسل، ومن هذا الوجه الثاني أيضا. * * * وبهذا وأمثاله استدل من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة، وللوقعة التى كانت في الخندمة كما تقدم. وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسا من المسلمين والمشركين، وهى ظاهرة في ذلك، وهو مذهب جمهور العلماء. والمشهور عن الشافعي أنها فتحت صلحا، لانها لم تقسم، ولقوله صلى الله عليه وسلم (37 - السيرة 3)

[ 578 ]

ليلة الفتح: " من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن دخل الحرم فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ". وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب الاحكام الكبيز إن شاء الله تعالى. وقال البخاري: حدثنا سعيد بن شرحيبل، حدثنا الليث، عن المقبرى، عن أبى شريح الخزاعى، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لى أيها الامير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناى ووعاه قلبى وأبصرته عيناى حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لى فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس، فليبلغ الشاهد الغائب ". فقيل لابي شريح: ماذا قال لك عمرو ؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بجزية. وروى البخاري أيضا، ومسلم عن قتيبة، عن الليث بن سعد به نحوه. وذكر ابن إسحاق أن رجلا يقال له ابن الاثوع قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له احمر بأسا (1)، فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الاثوع (1) وهو بمكة، قتله خراش بن أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، لقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم رجلا لادينه ". قال ابن إسحاق: وحدثني عبدالرحمن بن حرملة الاسلمي، عن سعيد بن المسيب قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال: " إن خراشا


(1) احمر بأسا: اسم مركب، كتأبط شرا. (*)

[ 579 ]

لقتال ". وقال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن أبى شريح الخزاعى (1) قال: لما قدم عمرو بن الزبير (2) مكة لقتال أخيه عبدالله بن الزبير جئته فقلت له: يا هذا إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فقال: " يأيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والارض، فهى حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا، لم تحل لاحد كان قبلى ولا تحل لاحد يكون بعدى، ولم تحل لى إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالامس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل فيها فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لادينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاءوا فدم قاتله وإن شاءوا فعقله. " ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذى قتلته خزاعة. فقال عمرو لابي شريح: انصرف أيها الشيخ فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية. فقال أبو شريح: إنى كنت شاهدا وكنت غائبا، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد أبلغتك فأنت وشأنك. * * * قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم


(1) ا: العدوى. (2) قال السهيلي: هذا وهم وصوابه عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية وهو الاشدق. الروض 2 / 277. (*)

[ 580 ]

الفتح جنيدب بن الاكوع، قتلته بنو كعب فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة (1) ناقة. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كفوا السلاح إلا خزاعة من بنى بكر " فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال: " كفوا السلاح " فلقى رجل من خزاعة رجلا من بنى بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا. فقال، فرأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة قال: " إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول (2) الجاهلية " وذكر تمام الحديث. وهذا غريب جدا. وقد روى أهل السنن بعض هذا الحديث. فأما ما فيه من أنه رخص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بنى بكر إلى العصر من يوم الفتح فلم أره إلا في هذا الحديث، وكأنه، إن صح، من باب الاختصاص لهم مما كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير. والله أعلم. وروى الامام أحمد، عن يحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة ويزيد بن عبيد، كلهم عن زكريا بن أبى زائدة عن عامر الشعبى، عن الحارث بن مالك بن البرصاء الخزاعى، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة: " لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة ". ورواه الترمذي عن بندار، عن يحيى بن سعيد القطان به. وقال: حسن صحيح.


(1) أ: فوداه مائة ناقة. (2) الذحول: جمع ذحل، وهو الثأر. (*)

[ 581 ]

قلت: فإن كان نهيا فلا إشكال، وإن كان نفيا فقال البيهقى: معناه على كفر أهلها. وفى صحيح مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة، عن عامر الشعبى، عن عبدالله ابن مطيع، عن أبيه مطيع بن الاسود العدوى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: " لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم إلى يوم القيامة " والكلام عليه كالاول سواء. * * * قال ابن هشام: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الانصار فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها ؟ فلما فرغ من دعائه قال: " ماذا قلتم ؟ " قالوا: لا شئ يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " معاذ الله ! المحيا محياكم والممات مماتكم ". وهذا الذى علقه ابن هشام قد أسنده الامام أحمد بن حنبل في مسنده فقال: حدثنا بهز وهاشم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت، وقال هاشم: حدثنى ثابت البنانى، حدثنا عبدالله بن رباح قال: وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة، وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال: وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا، قال هاشم: يكثر أن يدعونا إلى رحله. قال: فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلى ؟ قال: فأمرت بطعام يصنع، فلقيت أبا هريرة من العشاء قال: قلت: يا أبا هريرة الدعوة (2) عندي الليلة. قال: استبقتني (1) ؟ قال هاشم: قلت: نعم فدعوتهم فهم عندي.


(1) الاصل: استبقني. (2) الاصل: الدعوى. (*)

[ 582 ]

فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الانصار ؟ فذكر فتح مكة، قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة، قال: فبعث الزبير على أحد المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الاخرى وبعث أبا عبيدة على الجسر، وأخذوا بطن الوادي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته وقد وبشت (1) قريش أوباشها، قال: قالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شئ كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذى سألنا. قال أبو هريرة: فنظر فرأني فقال: " يا أبا هريرة " فقلت: لبيك رسول الله، فقال: " اهتف لى بالانصار ولا يأتنى إلا أنصارى " فهتفت بهم فجاءوا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ؟ " ثم قال بيديه إحداهما على الاخرى: " احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا ". قال: فقال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء واحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يوجه إلينا منهم شيئا. قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم ! قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن " قال: فغلق الناس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت قال: وفى يده قوس آخذ بسية القوس، قال: فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه. قال: فجعل يطعن بها في عينه ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ".


(1) وبشت: جمعت. (*)

[ 583 ]

قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه. قال: والانصار تحت. قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحى، وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضى. قال هاشم: فلما قضى الوحى رفع رأسه، ثم قال: " يا معشر الانصار، أقلم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته ؟ قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: " فما أسمى إذا ؟ ! كلا إنى عبدالله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم ". قال: فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذى قلنا إلا الضن بالله ورسوله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم " وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة. زاد النسائي: وسلام ابن مسكين. ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة ثلاثتهم عن ثابت، عن عبدالله بن رباح الانصاري نزيل البصرة، عن أبى هريرة به نحوه. * * * وقال ابن هشام: وحدثني - يعنى بعض أهل العلم - أن فضالة بن عمير بن الملوح - يعنى الليثى - أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضالة ؟ " قال: نعم فضالة يا رسول الله. قال: " ماذا كنت تحدث به نفسك ؟ قال: لا شئ، كنت أذكر الله. قال: فضحك

[ 584 ]

النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: " استغفر الله " ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شئ أحب إلى منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلى فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث ؟ فقال: لا وانبعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا * يأبى عليك الله والاسلام لو ما رأيت محمدا وقبيله * بالفتح يوم تكسر الاصنام لرأيت دين الله أضحى بينا * والشرك يغشى وجهه الاظلام قال ابن إسحق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة [ عن عائشة (1) ] قالت: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبى الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه يا رسول الله صلى الله عليك. فقال: " هو آمن ". فقال: يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التى دخل فيها مكة. فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر، فقال: يا صفوان فداك أبى وأمى الله الله في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جئتك به. قال: ويلك اعزب عنى فلا تكلمني. قال: أي صفوان فداك أبى وأمى أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس، ابن عمك عزه عزك وشرفه


(1) سقط من ا. (*)

[ 585 ]

شرفك وملكه ملكك. قال: إنى أخافه على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتنى ؟ قال: " صدق " قال: فاجعلني بالخيار فيه شهرين. قال: " أنت بالخيار أربعة أشهر ". ثم حكى ابن إسحاق عن الزهري أن فاختة بنت الوليد امرأة صفوان وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبى جهل وقد ذهبت وراءه إلى اليمن فاسترجعته فأسلم، فلما أسلما أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتهما بالنكاح الاول. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبدالرحمن بن حسان بن ثابت قال: رمى حسان ابن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه: لاتعد من رجلا أحلك بغضه * نجران في عيش أحذ لئيم (1) فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال حين أسلم: يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أبارى الشيطان في سنن الغى * ومن مال ميله مغرور (2) آمن اللحم والعظام لربى * ثم قلبى الشهيد أنت النذير إننى عنك زاجر ثم حيا * من لؤى وكلهم مغرور قال ابن إسحاق: وقال عبدالله بن الزبعرى أيضا حين أسلم: منع الرقاد بلابل وهموم * والليل معتلج الرواق بهيم مما أتانى أن أحمد لامنى * فيه فبت كأننى محموم


(1) الاحذ: القليل المنقطع. (2) غير أ: مثبور. (*)

[ 586 ]

يا خير من حملت على أوصالها * عيرانة سرح اليدين غشوم (1) إنى لمعتذر إليك من الذى * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطة * سهم وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى ويقودنى * أمر الغواة وأمرهم مشئوم فاليوم آمن بالنبي محمد * قلبى ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها * ودعت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والدى كلاهما * زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة * نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه * شرفا وبرهان الاله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق * حق وأنك في المعاد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى * مستقبل في الصالحين كريم قرم علا بنيانه من هاشم * فرع تمكن في الذرى وأروم قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. قلت: كان عبدالله بن الزبعرى السهمى من أكبر أعداء الاسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم من الله عليه بالتوبة والانابة والرجوع إلى الاسلام والقيام بنصره والذب عنه. فصل قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، من بنى سليم سبعمائة. ويقول بعضهم: ألف، ومن بنى غفار أربعمائة [ ومن أسلم أربعمائة ]


(1) العيرانة من الابل: الناجية في نشاط. (*)

[ 587 ]

ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والانصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد. وقال عروة والزهرى وموسى بن عقبة: كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر ألفا. فالله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت: عفت ذات الاصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء (1) ديار من بنى الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء (2) وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا ولكن من لطيف * يؤرقني إذا ذهب العشاء لشعثاء التى قد تيمته * فليس لقلبه منها شفاء كأن خبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء (3) إذا ما الاشربات ذكرن يوما * فهن لطيب الراح الفداء نوليها الملامة إن ألمنا * إذا ما كان مغت أو لحاء (4) ونشر بها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهها اللقاء عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء ينازعن الاعنة مصغيات * على أكتافها الاسل الظماء (5) تظل جيادنا متمطرات * يلطمهن بالخمر النساء


(1) الجواء والعذراء: مواضع بالشام. (2) الروامس: الرياح. والسماء: المطر. (3) الخبيئة: الخمر المصونة. وبيت رأس: موضع بالاردن. (4) ألمنا: فعلنا ما نستحق عليه اللوم. والمغت: الضرب باليد. واللحاء: الملاحاة باللسان. (5) مصغيات: موائل منحرفات. والاسل: الرماح. (*)

[ 588 ]

فإما تعرضوا عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم * يعز الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء وقال الله قد أرسلت عبدا * يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدقوه * فقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد سيرت جندا * هم الانصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافى من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عنى * مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا * وعبد الدار سادتها الاماء هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء فإن أبى ووالده وعرضى * لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء قال ابن هشام: قالها حسان قبل الفتح. قلت: والذى قاله متوجه لما في أثناء هذه القصيدة، مما يدل على ذلك، وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب. قال ابن هشام: وبلغني عن الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم إلى أبى بكر رضى الله عنه.

[ 589 ]

قال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم الديلى يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعى - يعنى لما جاء يستنصر عليهم - كما تقدم: أأنت الذى تهدى معد بأمره * بل الله يهديهم وقال لك اشهد وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسبغ نائلا * إذا راح كالسيف الصقيل المهند وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله * وأعطى لرأس السابق المتجرد (1) تعلم رسول الله أنك مدركى * وأن وعيدا منك كالاخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر * على كل صرم متهمين ومنجد (2) تعلم بأن الركب ركب عويمر * هم الكاذبون المخلفو كل موعد ونبوا رسول الله أنى هجوته * فلا حملت سوطي إلى إذن يدى سوى أننى قد قلت ويل ام فتية * أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد (3) أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء فعزت عبرتي وتبلدى وإنك قد أخبرت أنك ساعيا * بعبد بن عبدالله وابنة مهود (4) ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا * جميعا فإن لا تدمع العين أكمد وسلمى وسلمى ليس حى كمثله * وإخوته وهل ملوك كأعبد فإنى لا ذنبا (5) فتقت ولا دما * هرقت تبين عالم الحق واقصد قال ابن إسحاق: وقال بجير بن زهير بن أبى سلمى في يوم الفتح: نفى أهل الحبلق (1) كل فج * مزينة غدوة وبنو خفاف ضربناهم بمكة يوم فتح النبي * الخير بالبيض الخفاف صبحناهم بسبع من سليم * وألف من بنى عثمان واف نطا أكتافهم ضربا وطعنا * ورشقا بالمريشة اللطاف


(1) الخال: برد من برود اليمن، وهو من رفيع الثياب. (2) الصرم: الطائفة من البيوت. (3) الطلق: الايام الطيبة. (4) ابن هشام: فإنك قد أخفرت إن كنت ساعيا. (5) ابن هشام: فإنى لا دينا. (6) الحبلق: أرض يسكنها قبائل من مزينة وقيس. والحبلق. الغنم الصغار ولعله أراد أصحاب الغنم. (*)

[ 590 ]

ترى بين الصفوف لها حفيفا * كما انصاع الفواق من الرصاف فرحنا والجياد تجول فيهم * بأرماح مقومة الثقاف فأبنا غانمين بما اشتهينا * وآبوا نادمين على الخلاف وأعطينا رسول الله منا * مواثقنا على حسن التصافى وقد سمعوا مقالتنا فهموا * غداة الروع منا بانصراف وقال ابن هشام: وقال عباس بن مرداس السلمى في فتح مكة: منا بمكة يوم فتح محمد * ألف تسيل به البطاح مسوم نصروا الرسول وشاهدوا آياته (1) * وشعارهم يوم اللقاء مقدم في منزل ثبتت به أقدامهم * ضنك كأن الهام فيه الحنتم (2) جرت سنابكها بنجد قبلها * حتى استقام لها الحجاز الادهم الله مكنه له وأذله * حكم السيوف لنا وجد مزحم عود الرياسة شامخ عرنينه * متطلع ثغر المكارم خضرم (3) وذكر ابن هشام في سبب إسلام عباس بن مرداس أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له ضمار، فلما حضرته الوفاة أوصاه به، فبينما هو يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول: قل للقبائل من سليم كلها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى أودى ضمار وكان يعبد مدة * قبل الكتاب إلى النبي محمد قال: فحرق عباس ضمار ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان (4)، مع أمثالها وأشكالها ولله الحمد والمنة.


(1) ابن هشام: وشاهدوا أيامه. (2) الحنتم: الحنظل. (3) العود: يريد الرجل المسن والعرنين: الانف. والخضرم: الجواد المعطاء. (4) تقدم ذلك في الجزء الاول ص 385، 359. (*)

[ 591 ]

بعثه عليه السلام خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بنى جذيمة من كنانة قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبى جعفر محمد بن على، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا. ومعه قبائل من العرب وسليم بن منصور ومدلج ابن مرة، فوطئوا بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بنى جذيمة قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بنى جذيمة إنه خالد ! والله ما بعد وضع السلاح إلا الاسار، وما بعد الاسار إلا ضرب الاعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا. قال: فأخذه رجال من قومه فقالوا: يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا ؟ ! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وآمن الناس. فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد. قال ابن إسحاق: فقال حكيم بن حكيم عن أبى جعفر قال: فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال. " اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ". قال ابن هشام: حدثنى بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله

[ 592 ]

صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل أنكر عليه أحد ؟ " فقال: نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه (1) خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فاشتدت مراجعتهما. فقال عمر بن الخطاب: أما الاول يا رسول الله فابنى عبدالله، وأما الآخر فسالم مولى أبى حذيفة. قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم، عن أبى جعفر قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب فقال: " يا على اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ". فخرج على حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الاموال، حتى إنه ليدى ميلغة (2) الكلب ! حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال، فقال لهم على حين فرغ منهم: هل بقى لكم دم أو مال لم يود لكم ؟ قالوا: لا. قال: فإنى أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون. ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: " أصبت وأحسنت ". ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: " اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ثلاث مرات. قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه قال: ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبدالله بن حذافة السهمى وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الاسلام. قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدينى: لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا: صبأنا صبأنا.


(1) نهمه: زجره. (2) الميلغة: ما يحفر من الخشب ليلغ فيه الكلب، ويكون عند أصحاب الغنم. (*)

[ 593 ]

وهذه مرسلات ومنقطعات. * * * وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بنى - أحسبه قال - جذيمة فدعاهم إلى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ بهم أسرا وقتلا. قال: ودفع إلى كل رجل منا أسيرا، حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره. قال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيرى ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره. قال: فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا صنيع خالد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ورفع يديه: " اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد " مرتين. ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه. قال ابن إسحاق: وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع خالد: يا بنى جذيمة ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم مما وقعتم فيه. قال ابن إسحاق: وقد كان بين خالد وبين عبدالرحمن بن عوف - فيما بلغني - كلام في ذلك، فقال له عبدالرحمن: عملت بأمر الجاهلية في الاسلام ؟ فقال: إنما ثأرت بأبيك. فقال عبدالرحمن: كذبت قد قتلت قاتل أبى، ولكنك ثأرت لعمك الفاكه بن المغيرة. حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مهلا يا خالد دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته ". * * * (38 - السيرة 3)

[ 594 ]

ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم عم خالد ابن الوليد، في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، ومعه ابنه عبدالرحمن وعفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه ابنه عثمان، في تجارة إلى اليمن ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بنى جذيمة كان هلك باليمن، فحملوه إلى ورثته فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام ولقيهم بأرض بنى جذيمة فطلبه منهم [ قبل أن يصلوا إلى أهل الميت ] فأبوا عليه فقاتلهم فقاتلوه حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما. وقتل عبدالرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام وفر منهم عفان ومعه ابنه عثمان إلى مكة، فهمت قريش بغزو بنى جذيمة، فبعث بنو جذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملا منهم وودوا لهم القتيلين وأموالهما ووضعوا الحرب بينهم. يعنى فلهذا قال خالد لعبد الرحمن: إنما ثأرت بأبيك، يعنى حين قتلته بنو جذيمة. فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله، ورد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله. والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك، وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة، فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الاسلام وأهله، وإن كان قد أخطأ في أمر واعتقد أنهم ينتقصون الاسلام بقولهم: صبأنا صبأنا. ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الاسرى أيضا، ومع هذا لم يعزله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل استمر به أميرا، وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك وودى ما كان جناه خطأ من دم أو مال. ففيه دليل لاحد القولين بين العلماء في أن خطأ الامام يكون في بيت المال لا في ماله. والله أعلم. ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة، وتأول عليه ما تأول

[ 595 ]

حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم، فقال له عمر بن الخطاب: اعزله فإن في سيفه رهقا. فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله الله على المشركين. وقال ابن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، عن الزهري، عن ابن أبى حدرد الاسلمي قال: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد فقال فتى من بنى جذيمة، وهو في سنى وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى. قلت: ما تشاء ؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردتى بعد فتصنعوا ما بدا لكم. قال: قلت: والله ليسير ما طلبت. فأخذت برمته فقدته بها حتى وقفته عليهن فقال اسلمي حبيش على نفد (1) العيش: أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق (2) ألم يك أهلا أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق (3) فلا ذنب لى قد قلت إذ أهلنا معا * أثيبي بود قبل إحدى الصفائق (4) أثيبي بود قبل أن تشحط النوى * وينأى الامير بالحبيب المفارق (5) فإنى لا ضيعت سر أمانة * ولا راق عينى عنك بعدك رائق (6) سوى أن ما نال العشيرة شاغل * عن الود إلا أن يكون التوامق (7) قالت: وأنت فحييت عشرا وتسعا وترا وثمانية تترى. قال: ثم انصرفت (8) به فضربت عنقه. قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبى سنبلة الاسلمي، عن أشياخ منهم،


(1) النفد: الانقضاء. (2) حلية والخوانق: موضعان بتهامة. (3) السرى: سير عامة الليل. والودائق: جمع وديقة وهى شدة الحر في نصف النهار. (4) الصفائق: الدواهي. (5) تشحط: تبعد. (6) وتروى: فإنى لاسر لدى أضعته. ذم الهوى لابن الجوزى: 496. (7) التوامق: التحاب. (8) ت: ثم قالت: انصرف به. فضربت عنقه. (*)

[ 596 ]

عمن كان حضرها منهم قالوا: فقامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده ! وروى الحافظ البيهقى من طريق الحميدى، عن سفيان بن عيينة، عن عبدالملك بن نوفل بن مساحق، أنه سمع رجلا من مزينة يقال له ابن عصام عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال: " إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا ". قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا بذلك، فخرجنا قبل تهامة، فأدركنا رجلا يسوق بظعائن فقلنا له: أسلم. فقال: وما الاسلام ؟ فأخبرناه به، فإذا هو لا يعرفه، قال: أفرأيتم إن لم أفعل ما أنتم صانعون ؟ قال: قلنا نقتلك. فقال: فهل أنتم منظري حتى أدرك الظعائن ؟ قال: قلنا نعم ونحن مدركوك. قال: فأدرك الظعائن فقال: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش. فقالت الاخرى: اسلم عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترى. ثم ذكر الشعر المتقدم إلى قوله: وينأى الامير بالحبيب المفارق. ثم رجع إلينا فقال: شأنكم. قال: فقدمناه فضربنا عنقه. قال: فانحدرت الاخرى من هودجها فجثث عليه حتى ماتت. ثم روى البيهقى من طريق أبى عبدالرحمن النسائي، حدثنا محمد بن على بن حرب المروزى، حدثنا على بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا وفيهم رجل، فقال لهم: إنى لست منهم، إنى عشقت امرأة فلحقتها فدعوني أنظر إليها نظرة ثم اصنعوا بى ما بدا لكم. فإذا امرأة أدماء طويلة فقال لها: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش. ثم ذكر البيتين بمعناهما. قال: فقالت: نعم فديتك ! قال: فقدموه فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت.

[ 597 ]

فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال: " أما كان فيكم رجل رحيم ! ". بعث خالد بن الوليد لهدم العزى قال ابن جرير: وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ. قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى، وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجابها من بنى شيبان من بنى سليم حلفاء بنى هاشم، فلما سمع حاجبها (1) السلمى بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها ثم اشتد (2) في الجبل الذى هي فيه وهو يقول: أيا عز شدى شدة لا شوى لها * على خالد ألقى القناع وشمرى (3) أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا * فبوئى بإثم عاجل أو تنصري قال: فلما انتهى خالد إليها هدمها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى الواقدي وغيره أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما رأيت ؟ " قال: لم أر شيئا. فأمره بالرجوع، فلما رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول فعلاها بالسيف وجعل يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك * إنى رأيت الله قد أهانك ثم خرب ذلك البيت الذى كانت فيه، وأخذ ما كان فيه من الاموال رضى الله عنه وأرضاه، ثم رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى ولا تعبد أبدا ".


(1) ابن هشام: صاحبها. (2) ابن هشام: أسند. (3) الشوى: أن يصيب غير المقاتل يريد أنها لا تبقى على شئ. (*)

[ 598 ]

وقال البيهقى: أنبأنا محمد بن أبى بكر الفقيه، أنبأنا محمد بن أبى جعفر، أنبأنا أحمد ابن على، حدثنا أبو كريب، عن ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبى الطفيل قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذى كان عليها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: " ارجع فإنك لم تصنع شيئا ". فرجع خالد فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، وإلا فموتى برغم ! قال: فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، ووجهها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: " تلك العزى ". فصل في مدة إقامته عليه السلام بمكة لا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام أقام بقية شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر. وهذا دليل من قال من العلماء إن المسافر إذا لم يجمع الاقامة فله أن يقصر ويفطر إلى ثمانى عشر يوما في أحد القولين، وفى القول الآخر كما هو مقرر في موضعه. قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان ح. وحدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن يحيى بن أبى إسحاق، عن أنس بن مالك قال: أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة. وقد رواه بقية الجماعة من طرق متعددة، عن يحيى بن أبى إسحاق الحضرمي البصري، عن أنس به نحوه.

[ 599 ]

ثم قال البخاري: حدثنا عبدان، حدثنا عبدالله، أنبأنا عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما يصلى ركعتين. ورواه البخاري أيضا من وجه آخر، زاد البخاري وأبو حصين كلاهما. وأبو داود الترمذي وابن ماجه، من حديث عاصم بن سليمان الاحول، عن عكرمة، عن ابن عباس به. في لفظ لابي داود: سبعة عشر يوما. وحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أحمد بن شهاب، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. قال ابن عباس: فنحن نقصر ما بيننا وبين (1) تسع عشرة، فإذا زدنا (2) أتممنا. وقال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن علية، أنبأنا على بن زيد، عن أبى نضرة، عن عمران بن حصين ما قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح، فأقام ثمانى عشرة ليلة لا يصلى إلا ركعتين يقول: " يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر ". وهكذا رواه الترمذي من حديث على بن زيد بن جدعان، وقال: هذا حديث حسن. ثم روى أبو داود من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. ثم قال: رواه غير واحد، عن ابن إسحاق لم يذكروا ابن عباس.


(1) غير أ: نقصر ما بقينا بين تسع عشرة. (2) ت: فإذا أردنا. (*)

[ 600 ]

وقال ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، ومحمد بن على بن الحسين، وعاصم بن عمرو بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر وعمرو بن شعيب وغيرهم قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة. فصل ومما حكم عليه السلام بمكة من الاحكام قال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة (1)، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الليث: حدثنى يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: كان عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة، وقال عتبة: إنه ابني: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح أخذ سعد بن أبى وقاص ابن وليدة زمعة فأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد بن أبى وقاص: هذا ابن أخى عهد إلى أنه ابنه قال عبد بن زمعة: يا رسول الله: هذا أخى، هذا ابن زمعة، ولد على فراشه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبى وقاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراشه ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتجبي منه يا سودة " لما رأى من شبه عتبة بن أبى وقاص. قال ابن شهاب: قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". قال ابن شهاب: وكان أبو هريرة يصرح (2) بذلك. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والترمذي جميعا عن قتيبة عن الليث به. وابن ماجه من حديثه. وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك عن الزهري. * * *


(1) الاصل: ابن مسلم. وما أثبته عن صحيح البخاري. (2) البخاري: يصيح. (*)

[ 601 ]

ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبدالله، أنبأنا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " أتكلمني في حد من حدود الله ؟ " فقال أسامة: استغفر لى يا رسول الله. فلما كان العشى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ! ". ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت. قالت عائشة: كانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رواه البخاري في موضع آخر، ومسلم من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به. وفى صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهنى قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة، ثم لم يخرج حتى نهى عنها. وفى رواية فقال: " ألا إنها حرام حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ". وفى رواية في مسند أحمد والسنن، أن ذلك كان في حجة الوداع. فالله أعلم. وفى صحيح مسلم، عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن يونس بن محمد، عن عبد الواحد ابن زياد، عن أبى العميس عن إياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه أنه قال: رخص

[ 602 ]

لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ثم نهانا عنه. قال البيهقى: وعام أوطاس هو عام الفتح. فهو وحديث سبرة سواء. قلت: من أثبت النهى عنها في غزوة خيبر قال: إنها أبيحت مرتين، وحرمت مرتين. وقد نص على ذلك الشافعي وغيره. وقد قيل: إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين. فالله أعلم. وقيل: إنها إنما حرمت مرة واحدة، وهى هذه المرة في غزوة الفتح. وقيل: إنها إنما أبيحت للضرورة، فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت. وهذا رواية عن الامام أحمد. وقيل: بل لم تحرم مطلقا، وهى على الاباحة. هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة. وموضع تحرير ذلك في الاحكام. فصل قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، أنبأنا عبدالله بن عثمان ابن خثيم، أن محمد بن الاسود بن خلف أخبره أن أباه الاسود رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح، قال: جلس عند قرن مستقبله، فبايع الناس على الاسلام والشهادة. قلت: وما الشهادة ؟ قال: أخبرني محمد بن الاسود بن خلف أنه بايعهم على الايمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. تفرد به أحمد. وعند البيهقى: فجاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الاسلام والشهادة. وقال ابن جرير: ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على

[ 603 ]

الاسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا. قال: فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة بحديثها (1) لما كان من صنيعها بحمزة. [ فهى تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعهن قال: " بايعننى على ألا تشركن بالله شيئا " فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال. " ولا تسرقن " فقالت: والله إنى كنت أصبت من مال أبى سفيان الهنة بعد الهنة، وما كنت أدرى أكان ذلك علينا حلالا أم لا ؟ فقال أبو سفيان - وكان شاهدا لما تقول -: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وإنك لهند بنت عتبة ؟ " قالت: نعم فاعف عما سلف، عفا الله عنك. ثم قال: " ولا يزنين " فقالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة ! ثم قال: " ولا تقتلن أولادكن " قالت: قد ربيناهم صغارا أفنقتلهم كبارا ؟ فأنت وهم أعلم ! فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرق. ثم قال: " ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل. ثم قال: " ولا يعصيننى " فقالت: في معروف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " بايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم ".


(1) ت: لحدثها. (*)

[ 604 ]

فبايعهن عمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء ولا يمس إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه. وثبت في الصحيحين، عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت: لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط. وفى رواية: ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول: " إنما قولى لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة ". وفى الصحيحين عن عائشة، أن هندا بنت عتبة امرأة أبى سفيان أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينى من النفقة ما يكفيني ويكفى بنى، فهل على من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه ؟ قال: خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك ] (1). [ وروى البيهقى من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله ما كان مما على وجه الارض أخباء أو خباء - الشك من أبى بكر - أحب إلى من أن يذلوا من أهل أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الارض أهل أخباء أو خباء أحب إلى من أن يعزوا من أهل أخبائك أو خبائك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأيضا والذى نفس محمد بيده " قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل على حرج أن أطعم من الذى له ؟ قال: " لا، بالمعروف ". ورواه البخاري، عن يحيى بن بكير بنحوه. وتقدم ما يتعلق بإسلام أبى سفيان ] (2). * * * وقال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن


(1) سقط من ا. (2) من ت. (*)

[ 605 ]

مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: " لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ". ورواه البخاري، عن عثمان بن أبى شيبة، ومسلم، عن يحيى بن يحيى عن جرير. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهب، حدثنا ابن طاووس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية، أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر. فقلت له: لا أدخل منزلي حتى أسأل رسول الله ما سأله. فأتيته فذكرت له فقال: " لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ". تفرد به أحمد. وقال البخاري: حدثنا محمد بن أبى بكر، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا عاصم، عن أبى عثمان النهدي، عن مجاشع بن مسعود، قال: انطلقت بأبى معبد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الهجرة فقال: " مضت الهجرة لاهلها، أبايعه على الاسلام والجهاد ". فلقيت أبا معبد فسألته فقال: صدق مجاشع. وقال خالد، عن أبى عثمان، عن مجاشع، أنه جاء بأخيه مجالد. وقال البخاري: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا عاصم، عن أبى عثمان، قال: حدثنى مجاشع قال: أتيت رسول الله بأخى بعد يوم الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخى لتبايعه على الهجرة، قال: " ذهب أهل الهجرة بما فيها " فقلت: على أي شئ تبايعه ؟ قال: " أبايعه على الاسلام والايمان والجهاد ". فلقيت أبا معبد بعد وكان أكبرهما سنا فسألته فقال: صدق مجاشع. وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبى بشر،

[ 606 ]

عن مجاهد، قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام ؟ فقال: لا هجرة ولكن انطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئا وإلا رجعت. وقال أبو النضر: أنبأنا شعبة، أنبأنا أبو بشر، سمعت مجاهدا قال: قلت لابن عمر فقال: لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - مثله. حدثنا إسحاق بن يزيد، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنى أبو عمرو الاوزاعي، عن عبدة بن أبى لبابة، عن مجاهد بن جبير، أن عبد الله بن عمر قال: لا هجرة بعد الفتح. وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن يزيد، أنبأنا يحيى بن حمزة، أنبأنا الاوزاعي، عن عطاء بن أبى رباح، قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألها عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم. ولا المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله عزوجل وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الاسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء، ولكن جهاد ونية. * * * وهذه الاحاديث والآثار دالة على أن الهجرة، إما الكاملة أو مطلقا، قد انقطعت بعد فتح مكة، لان الناس دخولا في دين الله أفواجا وظهر الاسلام وثبتت أركانه ودعائمه، فلم تبق هجرة. اللهم إلا أن يعرض حال يقتضى الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم، فتجب الهجرة إلى دار الاسلام. وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء. ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلا من الجهاد والانفاق في

[ 607 ]

سبيل الله مشروع ورغب فيه إلى يوم القيامة، وليس كالانفاق ولا الجهاد قبل الفتح فتح مكة. قال الله تعالى: " لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى (1) " الآية. وقد قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبى البخترى الطائى، عن أبى سعيد الخدرى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما نزلت هذه السورة " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله حتى ختمها وقال: " الناس خير وأنا وأصحابي خير " وقال: " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ". فقال له مروان: كذبت. وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة ! فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرد به أحمد. * * * وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عزوجل: " إذا جاء نصر الله والفتح " ؟ فقال بعضهم: أمرنا * (هامس) * (1) سورة الحديد. (*)

[ 608 ]

أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا. فقال لى: أكذاك تقول يا بن عباس ؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول ؟ فقلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: " إذا جاء نصر الله والفتح " فذلك علامة أجلك " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " قال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما يقول. تفرد به البخاري. وهكذا روى من غير وجه عن ابن عباس، أنه فسر ذلك بنعى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجله، وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد، كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما. فأما الحديث الذى قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: " إذا جاء نصر الله والفتح " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعيت إلى نفسي " بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرد به الامام أحمد وفى إسناده عطاء بن أبى مسلم الخراساني، وفيه ضعف تكلم فيه غير واحد من الائمة، وفى لفظه نكارة شديدة وهو قوله: بأنه مقبوض في تلك السنة. وهذا باطل، فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها كما تقدم بيانه، وهذا مالا خلاف فيه. وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الاول من سنة إحدى عشرة بلا خلاف أيضا. وهكذا الحديث الذى رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني رحمه الله، حدثنا إبراهيم ابن أحمد بن عمر الوكيعى، حدثنا أبى، حدثنا جعفر بن عون، عن أبى العميس، عن

[ 609 ]

أبى بكر بن أبى الجهم، عن عبدالله بن عبيدالله بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: " إذا جاء نصر الله والفتح ". فيه نكارة أيضا، وفى إسناده نظر أيضا، ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعا كما قال والله أعلم. وقد تكلمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن أبى قلابة، عن عمرو بن سلمة - قال لى أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله ؟ فلقيته فسألته - قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يغرى (1) في صدري، وكانت العرب تلوم (2) بإسلامهم الفتح فيقولون: أتركوه وقومه، فإن إن ظهر عليهم فهو نبى صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبى قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا. قال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا منى لما كنت أتلقى من الركبان. فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت على بردة إذا سجدت تقلصت عنى، فقلت امرأة من الحى: ألا تغطون عنا است قارئكم ؟ فاشتروا فقطعوا لى قميصا، فما فرحت بشى فرحى بذلك القميص. تفرد به البخارث دون مسلم.


(1) يغرى: يلصق. (2) تلوم: تنتظر. (39 - السيرة 3) (*)

[ 610 ]

بسم الله الرحمن الرحيم غزوة هوازن يوم حنين قال الله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين. ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ". وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه: أن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه إليهم خمس عشرة ليلة. وهكذا روى عن ابن مسعود. وبه قال عروة بن الزبير واختاره أحمد وابن جرير في تاريخه. وقال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن لست خلون من شوال، فانتهى إلى حنين في عاشره. وقال أبو بكر الصديق: لن نغلب اليوم من قلة ! فانهزموا فكان أول من انهزم بنو سليم، ثم أهل مكة ثم بقية الناس. قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمعها ملكها مالك بن عوف النصرى، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها واجتمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بنى هلال، وهم قليل، ولم

[ 611 ]

يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء. وغاب عنها ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفى بنى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وفى ثقيف سيدان لهم، وفى الاحلاف قارب بن الاسود بن مسعود بن معتب، وفى بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرى. فلما أجمع المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحضر (1) مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار (2) له يقاد به، فلما نزل قال: بأى واد أنتم ؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل لاحزن ضرس ولا سهل دهس (3)، مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالك ؟ قالوا: هذا مالك. ودعى له. قال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كأن له ما بعده من الايام، مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم وأموالهم. قال: ولم ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. قال: فانقض (4) به، ثم قال: راعى ضأن والله ! هل يرد المنهزم شئ ؟ ! إنها إن كانت لك لم ينفعك (5) إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليا فضحت في أهلك ومالك.


(1) ت: حط مع الناس. (2) الشجار: مركب شبه الهودج. (3) الحزن: ما غلظ من الارض، والضرس: الخشن. والدهس: اللين (4) انقض به: زجره. (5) ت: لا ينفعك. (*)

[ 612 ]

ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب ؟ قال: لم يشهدها منهم أحد. قال: غاب الحد والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم ؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران. ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا. ثم قال دريد لمالك بن عوف: ارفعهم إلى متمنع (1) بلادهم وعلياء قومهم ثم الق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك ! ثم قال مالك: والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا لسيف حتى يخرج من ظهرى. وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأى. فقالوا: أطعناك. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى: يا ليتنى فيها جذع * أخب فيها وأضع (2) أقود وطفاء الزمع * كأنها شاة صدع (3) ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني أمية بن عبدالله بن عثمان، أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم فقال: ويلكم ما شأنكم ؟ قالوا:


(1) ا: ممتنع. (2) الجذع: الشاب. وأخب: أسرع. (3) الوطفاء: الطويلة الشعر. والزمع: جمع زمعة وهى هنة زائدة وراء الظلف. والشاة: حمار الوحش. والصدع: الفتى القوى. (*)

[ 613 ]

رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم نبى الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبدالله ابن أبى حدرد الاسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم. فانطلق ابن أبى حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان ابن أمية أدراعا له وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: " يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدا ". فقال صفوان: أغصبا يا محمد ؟ قال: " بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك " قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل. هكذا أورد هذا ابن إسحاق من غير إسناد. وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله، عن أبيه، وعن عمرو بن شعيب والزهرى وعبد الله (1) ابن أبى بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم قصة حنين فذكر نحو ما تقدم، وقصة الادراع كما تقدم، وفيه أن ابن أبى حدرد لما رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) ا: عن ابن أبى بكر. (*)

[ 614 ]

خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب، فقال له ابن أبى حدرد: لئن (1) كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق. فقال عمر: ألا تسمع ما يقول يا رسول الله ؟ فقال: " قد كنت ضالا فهداك الله ". وقد قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من أمية يوم حنين أدراعا فقال: أغصبا يا محمد ؟ فقال: " بل عارية مضمونة " قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الاسلام أرغب. ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هارون به. وأخرجه النسائي من رواية إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبى مليكة عن عبدالرحمن بن صفوان بن أمية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان دروعا. فذكره. ورواه من حديث هشيم، عن حجاج، عن عطاء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان أدراعا وأفراسا. وساق الحديث. وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من آل عبدالله بن صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا صفوان هل عندك من سلاح ؟ " قال: عارية أم غصبا ؟ قال: " بل عارية " فأعاره ما بين الثلاثين إلى الاربعين درعا، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) ت: ولئن. (*)

[ 615 ]

لصفوان: " قد فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك ؟ " قال: لا يا رسول الله إن في قلبى ما لم يكن يومئذ. وهذا مرسل أيضا. * * * قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثنى عشر ألفا. قلت: وعلى قول عروة والزهرى وموسى بن عقبة يكون مجموع الجيشين (1) اللذين سار بهم إلى هوازن أربعة عشر ألفا، لانه قدم باثنى عشر ألفا إلى مكة على قولهم، وأضيف إليهم ألفان من الطلقاء. وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال. قال: واستخلف على أهل مكة عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس الاموى. قلت: وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة. قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد لقاء هوازن. ثم ذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمى [ في ذلك منها قوله: (2) ] أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها * منى رسالة نصح فيه تبيان إنى أظن رسول الله صابحكم * جيشا له في فضاء الارض أركان فيهم سليم أخوكم غير تارككم * والمسلمون عباد الله غسان وفى عضادته اليمنى بنو أسد * والاجربان بنو عبس وذبيان تكاد ترجف منه الارض رهبته * وفى مقدمه أوس وعثمان


(1) ت: الجيش الذى سار بهم. (2) سقط من ا. (*)

[ 616 ]

قال ابن إسحاق: أوس وعثمان قبيلا مزينة. * * * قال: وحدثني الزهري، عن سنان بن أبى سنان الديلى، عن أبى واقد الليثى، أن الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية. قال: فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر ! قلتم والذى نفسي (1) بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون. إنها السنن ! لتركبن سنن من كان قبلكم ". وقد روى هذا الحديث الترمذي، عن سعيد بن عبدالرحمن المخزومى عن سفيان، والنسائي عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر كلاهما عن الزهري، كما رواه ابن إسحاق عنه، وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه ابن أبى حاتم في تفسيره، من طريق كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، مرفوعا. وقال أبو داود: حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام عن السلولى، أنه حدثه سهل بن الحنظلية، أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان العشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله


(1) ا: والذى نفس محمد. (*)

[ 617 ]

صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله إنى انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله " ثم قال: " من يحرسنا الليلة ؟ " قال أنس بن أبى مرثد: أنا يا رسول الله. قال: فاركب. فركب فرسا له وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة ". فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: " هل أحسستم فارسكم ؟ " قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه. فثوب (1) بالصلاة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ويلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال: " أبشروا فقد جاءكم فارسكم " فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى انطلقت حتى إذا كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل نزلت الليلة ؟ " قال: لا، إلا مصليا أو قاضى حاجة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد أوجبت، فلا عليك ألا تعمل بعدها ! ". وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن كثير الحرانى، عن أبى توبة الربيع بن نافع به.


(1) ثوب: دعا إلى الصلاة. (*)

[ 618 ]

فصل في كيفية الوقعة، وما كان في أول الامر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين قال يونس بن بكير وغيره عن محمد بن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله عن أبيه قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه. وأقبل رسول الله وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوهم الخيل فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد. وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول: " أين أيها الناس ؟ هلموا إلى أنا رسول الله، أنا رسول الله أنا محمد بن عبدالله ". قال: فلا شئ، وركبت الابل بعضها بعضا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته: على بن أبى طالب، وأبو سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، والفضل بن العباس. وقيل الفضل بن أبى سفيان، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد، ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس، ورهط من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر، والعباس آخذ بحكمة (1) بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها (2)، قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن (3) برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه.


(1) الحكمة: ما أحاط بحنكى الفرس. (2) شجر الدابة: ضرب لجامها فيكفها حتى فتحت فاها. (3) ا: طفر برمحه. (*)

[ 619 ]

قال: فبينما هو كذلك إذ هوى له على بن أبى طالب ورجل من الانصار يريدانه، قال: فيأتى على من خلفه فضرب عرقوبى الجمل فوقع على عجزه، ووثب الانصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله. قال: واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الاسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه الامام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق. * * * قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب، وكان ممن صبر يومئذ وكان حسن الاسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر (1) بغلة (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من هذا ؟ " قال ابن أمك يا رسول الله. قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الاعراب بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان صخر بن حرب - يعنى وكان إسلامه بعد مدخولا وكانت الازلام بعد معه يومئذ - قال: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر ! وصرخ (3) كلدة جبلة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعنى لامه - وهو مشرك، في المدة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا بطل السحر اليوم، فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لان يربنى (4) رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا إسحاق بن


(1) الثفر: السير في مؤخر السرج. (2) ا: بغلته فقال. (3) ت: وخرج جبلة بن الحنبل كما في ابن هشام (4) يربنى: يملكني. (*)

[ 620 ]

عبدالله بن أبى طلحة، عن أنس بن مالك، أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والابل والغنم، فجعلوها صفوفا، يكثرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عباد الله أنا عبدالله ورسوله " ثم قال: " يا معشر الانصار، أنا عبدالله ورسوله ". قال: فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: " من قتل كافرا فله سلبه ". قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم. وقال أبو قتادة: يا رسول الله إنى ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له فأجهضت عنه فانظر من أخذها. قال: فقام رجل فقال: أنا أخذتها فأرضه منها وأعطنيها، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا ألا أعطاه أو سكت. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أسد من أسد الله (1) ويعطيكها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر ". قال ولقى أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا ؟ فقالت: إن دنا منى بعض المشركين أن أبعج في بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أم سليم ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله أقتل من بعدنا (2) من الطلقاء انهزموا بك، فقال: " إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم ". وقد روى مسلم منه قصة خنجر أم سليم، وأبو داود قوله: " من قتل قتيلا فله سلبه " كلاهما من حديث حماد بن سلمة به. وقول عمر في هذا مستغرب، والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا أبى حدثنا نافع


(1) ا: أسده. (2) ت: من بعدها. (*)

[ 621 ]

أبو غالب، شهد أنس بن مالك فقال العلاء بن زياد العدوى: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بعث ؟ فقال: ابن أربعين سنة قال: ثم كان ماذا ؟ قال: ثم كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة، ثم قبضه الله إليه. قال: بسن أي الرجال هو يومئذ ؟ قال: كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه. قال: يا أبا حمزة وهل غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا وفى المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فهزمهم الله فولوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى الفتح فجعل يجاء بهم أسارى رجلا رجلا فيبايعونه على الاسلام، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن على نذرا لئن جئ بالرجل الذى كان منذ اليوم يحطمنا لاضربن عنقه، قال: فسكت نبى الله صلى الله عليه وسلم وحئ بالرجل، فلما رأى نبى الله صلى الله عليه وسلم قال: يا نبى الله تبت إلى الله. قال: وأمسك نبى الله صلى الله عليه وسلم أن يبايعه ليوفى الآخر نذره، قال: وجعل ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليأمره بقتله ويهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصنع شيئا بايعه، فقال: يا نبى الله نذري ؟ قال: " لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفى نذرك " فقال: يا رسول الله ألا أومأت إلى ؟ قال: " إنه ليس لنبى أن يومئ ". تفرد به أحمد. وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين: اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الارض بعد اليوم ". إسناده ثلاثى على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.

[ 622 ]

وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق سمع البراء بن عازب - وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ - فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، كانت هوازن رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام. ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب. ورواه البخاري عن أبى الوليد عن شعبة به وقال: أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبدالمطلب قال البخاري: وقال إسرائيل وزهير يعنى عن أبى إسحاق، عن البراء، ثم نزل عن بلغته. ورواه مسلم والنسائي عن بندار. زاد مسلم: وأبى موسى. كلاهما عن غندر به. وروى مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: ثم نزل فاستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبدالمطلب " اللهم نزل نصرك " قال البراء: ولقد كنا إذا حمى البأس نتقى برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشجاع الذى يحاذي به. وروى البيهقى من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: " أنا ابن العواتك ". [ وقال الطبراني: حدثنا عباس بن الفضل الاسفاطى، حدثنا عمرو بن عوف الواسطي، حدثنا هشيم، أنبأنا يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، عن شبابة، عن

[ 623 ]

ابن عاصم السلمى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: " أنا ابن العواتك " ] (1) وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير بن أفلح، عن أبى محمد مولى أبى قتادة، عن أبى قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل على فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر، فقلت: ما بال الناس ؟ فقال: أمر الله. ورجعوا وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " فقمت فقلت: من يشهد لى ؟ ثم جلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله. فقلت: من يشهد لى ؟ ثم جلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله. فقلت: من يشهد لى ثم جلست: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله. فقمت فقال: " مالك يأبا قتادة ؟ " فأخبرته فقال رجل: صدق، سلبه عندي فأرضه منى. فقال أبو بكر: لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " صدق فأعطه ". فأعطانيه فابتعت به مخرفا (2) في بنى سلمة فإنه لاول مال تأثلته في الاسلام. ورواه بقية الجماعة إلا النسائي، من حديث يحيى بن سعيد به. قال البخاري: وقال الليث بن سعد: حدثنى يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير ابن أفلح، عن أبى محمد مولى أبى قتادة، أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين نظرت


(1) من ت. (2) المخرف: السكة بين صفين من النخل. (*)

[ 624 ]

إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذى يختله فرفع يده ليضربني فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت، ثم نزل (1) فتحلل فدفعته، ثم قتلته، وانهزم المسلمون فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له: ما شأن الناس ؟ قال: أمر الله ! ثم تراجع الناس إلى رسول الله فقال رسول الله: " من أقام بينة على قتيل فله سلبه " فقمت لالتمس بينة على قتيلى فلم أر أحدا يشهد لى فجلست، ثم بدا لى فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذى يذكر عندي فأرضه منى. فقال أبو بكر: كلا لا يعطه أضيبع (2) من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله. قال: فقام رسول الله فأداه إلى فاشتريت به مخرفا، فكان أول مال تأثلته. وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم، كلاهما عن قتيبة، عن الليث ابن سعد به. وقد تقدم من رواية نافع أبى غالب، عن أنس، أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله قاله متابعة لابي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراوى. والله أعلم. * * * وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عاصم بن عمر عن عبدالرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين حين رأى


(1) ت: ترك. (2) الاضيبع: تصغير أضبع، وهو القصير الضبع، ويكنى به عن الضعيف. وتروى: أصيبغ. وهو نوع من الطيور. القسطلانى 6 / 407. (*)

[ 625 ]

من الناس ما رأى: " يا عباس ناد: يا معشر الانصار يا أصحاب الشجرة " فأجابوه: لبيك لبيك. فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه عن عنقه ويأخذ سيفه وترسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت للانصار، ثم جعلت آخر للخزرج، وكانو صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: " الآن حمى الوطيس ". قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والاسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أموالهم وأبناءهم. * * * وقال ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة. وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة، حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قالوا: وكان (1) معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية، وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما. قالوا: وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصرى ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبى حدرد عينا، فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لاصحابه: إذا


(1) ت: وقالوا: كان. (40 - السيرة 3) (*)

[ 626 ]

أصبحتم فاحملو عليهم حملة رجل واحد، واكسروا أغماد سيوفكم، واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا. فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة، وصف الناس بعضهم لبعض، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة له شهباء، فاستقبل الصفوف فأمرهم وحضهم على القتال وبشرهم بالفتح - إن صبروا - فبينما هم كذلك إذ حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدبر الناس فقلت: مائة رجل. قالوا: ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجتبرونها أبدا. فقال له صفوان: تبشرني بظهور الاعراب ؟ فوالله لرب من قريش أحب إلى من رب من الاعراب. وغضب صفوان لذلك. قال عروة: وبعث صفوان غلاما له فقال: اسمع لمن الشعار ؟ فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بنى عبدالرحمن يا بنى عبدالله، يا بنى عبيدالله. فقال: ظهر محمد. وكان ذلك شعارهم في الحرب. قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعوه ويقول: " اللهم إنى أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغى لهم أن يظهروا علينا " ونادى أصحابه وزمرهم (1): " يا أصحاب البيعة يوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم " ويقال حرضهم فقال: " يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بنى الخزرج يا أصحاب سورة البقرة " وأمر من أصحابه من ينادى بذلك.


(1) زمرهم: أغراهم بأعدائهم. (*)

[ 627 ]

وقالوا: وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلها وقال: " شاهت الوجوه ". وأقبل أصحابه إليه سراعا يبتدرون، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الآن حمى الوطيس " فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم منها، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنمهم الله نساءهم وذراريهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف هو وأناس من أشراف قومه. وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وإعزازه دينه. رواه البيهقى. وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن الزهري، أخبرني كثير بن العباس بن عبدالمطلب، قال: قال العباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث لا نفارقه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أي عباس، ناد أصحاب السمرة " قال: فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ! فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه !. قال: فاقتتلوا هم والكفار، والدعوة في الانصار يقولون: يا معشر الانصار. ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بنى الحارث بن الخزرج.

[ 628 ]

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: " هذا حين حمى الوطيس " ثم أخذ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: " انهزموا ورب محمد " قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلى أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا. ورواه مسلم عن أبى الطاهر، عن ابن وهب به نحوه. ورواه أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري نحوه. وروى مسلم من حديث عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، وتوارى عنى فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرجع منهزما وعلى بردتان متزر بإحداهما مرتد بالاخرى، قال: فاستطلق إزارى فجمعتهما جميعا، ومررت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا منهزم وهو على بغلته الشهباء، فقال: " لقد رأى ابن الاكوع فزعا ". فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الارض واستقبل به وجوههم وقال: " شاهت الوجوه " فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملا عينيه ترابا من تلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن أبى عبدالرحمن الفهرى قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في

[ 629 ]

حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسى، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح يا رسول الله ؟ قال: " أجل " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بلال " فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك ! فقال: " أسرج لى فرسى " فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر. قال: فركب فرسه فسرنا يومنا فلقينا العدو وتسامت الخيلان فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله " واقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه، وحدثني من كان أقرب إليه منى أنه أخذ حفنة من التراب فحثا بها وجوه العدو وقال: " شاهت الوجوه ". قال يعلى بن عطاء: فحدثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقى أحد إلا امتلات عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد، فهزمهم الله عزوجل. ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به نحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصين، حدثنا القاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه قال: قال عبدالله ابن مسعود: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والانصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يمضى قدما، فحادت به بغلته فمال عن السرج فقلت له: ارتفع رفعك الله. فقال: " ناولنى

[ 630 ]

كفا من تراب " فضرب به وجوههم فامتلات أعينهم ترابا. قال: " أين المهاجرون والانصار ؟ " قلت: هم أولاء. قال: " اهتف بهم " فهتفت بهم فجاءوا سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم. تفرد به أحمد. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطرى، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن الطائفي، أخبرني عبدالله بن عياض بن الحارث الانصاري، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى هوازن في اثنى عشر ألفا، فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، قال: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا. ورواه البخاري في تاريخه ولم ينسب عياضا. وقال مسدد: حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف بن عبدالرحمن مولى أم برثن، عن من شهد حنينا كافرا قال: لما التقينا نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا غشيناه فإذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه فارجعوا. فهزمنا من ذلك الكلام. رواه البيهقى. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو سفيان، حدثنا أبو سعيد عبدالرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنى محمد بن عبدالله الشعبى، عن الحارث بن بدل النصرى، عن رجل من قومه شهد ذلك يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفى قالا: انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عباس وأبو سفيان بن الحارث.

[ 631 ]

قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم. قال: فانهزمنا فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، قال الثقفى: فأعجرت (1) على فرسى حتى دخلت الطائف. وروى يونس بن بكير في مغازيه، عن يوسف بن صهيب بن عبدالله، أنه لم يبق مع رسول الله يوم حنين إلا رجل واحد اسمه زيد. وروى البيهقى من طريق الكديمى، حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي، عن السائب بن يسار، عن يزيد بن عامر السوائى أنه قال عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين: فتبعهم الكفار وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الارض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها وجوههم وقال: " ارجعوا شاهت الوجوه " فما أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو قذى في عينيه. ثم روى من طريقين آخرين عن أبى حذيفة، حدثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي، حدثنى أبى السائب بن يسار، سمعت يزيد بن عامر السوائى - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد - قال: فنحن نسأله عن الرعب الذى ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين: كيف كان ؟ قال: فكان يأخذ لنا بحصاة فيرمى بها في الطست فيطن، قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا. * * * وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد بن بكير الحضرمي، حدثنا أبو أيوب ابن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه قال: خرجت مع


(1) أعجرت: أسرعت (*)

[ 632 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والله ما أخرجنى إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش ! فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إنى أرى خيلا بلقا، فقال: " يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر " فضرب يده في صدري ثم قال: " اللهم اهد شيبة " ثم ضربها الثانية فقال: " اللهم اهد شيبة " ثم ضربها الثالثة ثم قال: " اللهم اهد شيبة ". قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلى منه. ثم ذكر الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى هزم الله المشركين. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبدالله المزني، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنى عبدالله ابن المبارك، عن أبى بكر الهذلى، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عرى، ذكرت أبى وعمى وقتل على وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت لاجيئه عن يمينه، فإذا بالعباس بن عبدالمطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بينى وبينه كأنه برق، فخفت أن يمحشنى (1)، فوضعت يدى على بصرى ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا شيب ادن منى، اللهم أذهب عنه


(1) يمحشنى: يحرقنى. (*)

[ 633 ]

الشيطان " قال: فرفعت إليه بصرى ولهو أحب إلى من سمعي وبصرى. فقال: " يا شيب قاتل الكفار ". وقال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار قلت: اليوم أدرك ثأري - وكان أبوه قد قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمد. قال: فأدرت برسول الله صلى الله عليه وسلم لاقتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادى فلم أطق ذاك وعلمت أنه ممنوع منى. وقال محمد بن إسحاق: وحدثني والدى إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن جبير ابن مطعم قال: إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والناس يقتتلون إذ نظرت إلى مثل البجاد (1) الاسود يهوى من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملا الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة. ورواه البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق به. وزاد فقال: خديج بن العرجاء (2) النصرى - يعنى في ذلك -: ولما دنونا من حنين ومائه * رأينا سوادا منكر اللون أخصفا (3) بملمومة شهباء لو قذفوا بها * شماريخ من عروى إذا عاد صفصفا (4) ولو أن قومي طاوعتني سراتهم * إذا ما لقينا العارض المتكشفا إذا ما لقينا جند آل محمد * ثمانين ألفا واستمدوا بخندفا


(1) البجاد: كساء من صوف. (2) ت: العوجاء. (3) الاخصف: الذى فيه بياض (4) الملمومة: الكتيبة. والبيضاء: الكثيرة السلاح. والشماريخ: الاعالى. وفى ابن هشام: شماريخ من عزوى. (*)

[ 634 ]

وقد ذكر ابن إسحاق من شعر مالك بن عوف النصرى رئيس هوازن يوم القتال وهو في حومة الوغا يرتجز ويقول: أقدم محاج إنه يوم نكر * مثلى على مثلك يحمى ويكر إذا أضيع الصف يوما والدبر * ثم احزألت زمر بعد زمر (1) كتائب يكل فيهن البصر * قد أطعن الطعنة تقذى بالسبر (2) حين يذم المستكن المنجحر * وأطعن النجلاء تعوى وتهر (3) لها من الجوف رشاش منهمر * تفهق تارات وحينا تنفجر وثعلب العامل فيها منكسر * يا زيد يابن همهم أين تفر (4) قد نفد الضرس وقد طال العمر * قد علم البيض الطويلات الخمر أنى في أمثالها غير غمر * إذ تخرج الحاصن من تحت الستر وذكر البيهقى من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق أنه أنشد من شعر مالك أيضا حين ولى أصحابه منهزمين وذلك قوله بعد ما أسلم وقيل هي لغيره: اذكر مسيرهم والناس كلهم * ومالك فوقه الرايات تختفق ومالك مالك ما فوقه أحد * يوم حنين عليه التاج يأتلق حتى لقوا الناس حين البأس يقدمهم * عليهم البيض والابدان والدرق فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا * حول النبي وحتى جنه الغسق حتى تنزل جبريل بنصرهم * فالقوم منهزم منا ومعتلق


(1) احزألت: ارتفعت. والزمر: الجماعات. (2) تقذى: تقذف: والسبر: جمع سبار وم الفتيل يسبر به الجرح. (3) المنجحر: المستتر. والنجلاء: الطعنة المتسعة. تعوى وتهر: ينزف منها الدم بصوت. (4) الثعلب: ما دخل من عصا الرمح في جبة السنان. والعامل: أعلى الرمح. (*)

[ 635 ]

منا ولو غير جبريل يقاتلنا * لمنعتنا إذا أسيافنا الفلق وقد وفى عمر الفاروق إذ هزموا * بطعنة كان منها سرجه العلق قال ابن إسحاق: ولما هزم المشركون وأمكن الله رسوله منهم قالت امرأة من المسلمين: قد غلبت خيل الله خيل اللات * والله أحق بالثبات قال ابن هشام: وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر: قد غلبت خيل الله خيل اللات * وخيله أحق بالثبات قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بنى مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، وكانت مع ذى الخمار، فلما قتل أخذها عثمان ابن عبدالله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب فقاتل بها حتى قتل، فأخبرني عامر بن وهب بن الاسود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتله قال: " أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا ". وذكر ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة، أنه قتل مع عثمان هذا غلام له نصراني، فجاء رجل من الانصار ليسلبه فإذا هو أغرل، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب إن ثقيفا غرل ! قال المغيرة بن شعبة الثقفى: فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل كذلك فداك أبى وأمى، إنما هو غلام لنا نصراني. ثم جعلت أكشف له القتلى فأقول له: ألا تراهم مختتنين كما ترى ؟ قال ابن إسحاق: وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الاسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه وقومه، فلم يقتل من الاحلاف غير رجلين: رجل من بنى غيرة يقال له وهب، ورجل من كبة يقال له الجلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه

[ 636 ]

وسلم حين بلغه قتل الجلاح: " قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما كان من ابن هنيدة " يعنى الحارث بن أوبس. قال ابن إسحاق: فقال العباس بن مرداس يذكر قارب بن الاسود وفراره من بنى أبيه وذا الخمار وحبسه نفسه وقومه للموت: ألا من مبلغ غيلان عنى * وسوف إخال يأتيه الخبير وعروة إنما أهدى جوابا * وقولا غير قولكما يسير بأن محمدا عبد رسول * لرب لا يضل ولا يجور وجدناه نبيا مثل موسى * فكل فتى يخايره مخير (1) وبئس الامر أمر بنى قسى * بوج إذا تقسمت الامور أضاعوا أمرهم ولكل قوم * أمير والدوائر قد تدور فجئنا أسد غابات إليهم * جنود الله ضاحية تسير نؤم الجمع جمع بنى قسى * على حنق نكاد له نطير وأقسم لو هم مكثوا لسرنا * إليهم بالجنود ولم يغوروا فكنا أسد لية ثم حتى * أبحناها وأسلمت النصور (2) ويوم كان قبل لدى حنين * فأقلع والدماء به تمور من الايام لم تسمع كيوم * ولم يسمع به قوم ذكور قتلنا في الغبار بنى حطيط * على راياتها والخيل زور (3) ولم يك ذو الخمار رئيس قوم * لهم عقل يعاقب أو نكير أقام بهم على سنن المنايا * وقد بانت لمبصرها الامور


(1) يخايره: يزعم أنه خير منه. ومخير: مغلوب في مخايرته. (2) لية: موضع قريب من الطائف. والنصور: رهط مالك بن عوف النصرى. (3) زور: جمع أزور وهو المائل. (*)

[ 637 ]

فأفلت من نجا منهم حريضا * وقتل منهم بشر كثير (1) ولا يغنى الامور أخو التوانى * ولا الغلق الصريرة الحصور (2) أحانهم وحان وملكوه * أمورهم وأفلتت الصقور بنو عوف تميح بهم جياد * أهين لها الفصافص والشعير (3) فلولا قارب وبنو أبيه * تقسمت المزارع والقصور ولكن الرياسة عمموها * على يمن أشار به المشير أطاعوا قاربا ولهم جدود * وأحلام إلى عز تصير فإن يهدوا إلى الاسلام يلفوا * أنوف الناس ما سمر السمير فإن لم يسلموا فهم أذان * بحرب الله ليس لهم نصير كما حكت بنى سعد وجرت * برهط بنى غزية عنقفير (4) كأن بنى معاوية بن بكر * إلى الاسلام ضائنة تخور فقلنا أسلموا إنا أخوكم * وقد برئت من الاحن الصدور كأن القوم إذ جاءوا إلينا * من البغضاء بعد السلم عور فصل ولما انهزمت هوازن وقف ملكهم مالك بن عوف النصرى على ثنية مع طائفة من أصحابه فقال: قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أخراكم. قال ابن إسحاق: فبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على التثنية فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: نرى قوما واضعى رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم (5). فقال:


(1) الحريض: المشرف على الهلاك. (2) الغلق: القليل الحيلة. (3) الفصافص: جمع فصفصة وهى البقلة التى تأكلها الدواب. (4) العنققير: الداهية. (5) البواد: جمع باد وهو بطن الفخذ. (*)

[ 638 ]

هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم. فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: نرى قوما عارضي رماحهم أغفالا على خيلهم. فقال: هؤلاء الاوس والخزرج، ولا بأس عليكم منهم. فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بنى سليم، ثم طلع فارس فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ فقالوا: نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء. قال: هذا الزبير ابن العوام، وأقسم باللات ليخالطنكم فاثبتوا له. فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها. فصل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت من الابل والغنم والرقيق، وأمر أن تساق إلى الجعرانة فتحبس هناك. قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري. فصل قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر يومئذ بامرأة قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون (1) عليها، فقال لبعض أصحابه " أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا ". هكذا رواه ابن إسحاق منقطعا.


(1) متقصفون: مجتمعون. (*)

[ 639 ]

وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر عبدالملك بن عمرو، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبى الزناد، حدثنى المرقع بن صيفي، عن جده رباح بن ربيع أخى بنى حنظلة الكاتب، أنه أخبره أنه رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما كانت هذه لتقاتل ! " فقال لاحدهم: " الحق خالدا فقل له: " لا يقتلن ذرية ولا عسيفا ". وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المرقع بن صيفي به نحوه.

[ 640 ]

غزوة أوطاس وكان سببها أن هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم فيهم الرئيس مالك بن عوف النصرى فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من أصحابه عليهم أبو عامر الاشعري فقاتلوهم فغلبوهم، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة فحاصر أهل الطائف. كما سيأتي. قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون يوم حنين أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك الثنايا. قال: فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهان السلمى ويعرف بابن الدغنة - وهى أمه - دريد ابن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه في شجار لهم، فإذا برجل، فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بى ؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمى. ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، قال: بئس ما سلحتك أمك ! خذ سيفى هذا من مؤخر رحلى في الشجار، ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإنى كذلك كنت أضرب الرجال ! ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم منعت فيه نساءك ! فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه (1) وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل إعراء.


(1) العجان: ما بين الخصية والدبر. (*)

[ 641 ]

فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا. ثم ذكر ابن إسحاق ما رثت به عمرة بنت دريد أباها فمن ذلك قولها: قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا * فظل دمعى على السربال ينحدر (1) لولا الذى قهر الاقوام كلهم * رأت سليم وكعب كيف يأتمر إذن لصبحهم غبا وظاهرة * حيث استقرت نواهم جحفل ذفر (2) قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الاشعري، فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال فرمى أبو عامر فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الاشعري وهو ابن عمه فقاتلهم ففتح الله عليه وهزمهم الله عزوجل، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر الاشعري بسهم فأصاب ركبته فقتله وقال: إن تسألوا عنى فإنى سلمه * ابن سمادير لمن توسمه (3) أضرب بالسيف رءوس المسلمه قال ابن إسحاق: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه أن أبا عامر الاشعري لقى يوم أوطاس عشرة إخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقتله أبو عامر. ثم حمل عليه آخر فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد. عليه. فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه وهو يقول ذلك حتى قتل تسعة وبقى العاشر،


(1) السربال: القميص. (2) غبا: يوما بعد يوم. والظاهرة: أن يصبحهم كل يوم. والجحفل: الجيش الكثيف. والذفر: المتغير الرائحة من صدأ الحديد. (3) السمادير: ضعف البصر أو شئ يتراءى للانسان من ضعف بصره. (41 - السيرة - 3) (*)

[ 642 ]

فحمل على أبى عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقال الرجل: اللهم لا تشهد على. فكف عنه أبو عامر فأفلت فأسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: " هذا شريد أبى عامر ". قال: ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث من بنى جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه، وولى الناس أبو موسى فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بنى جشم [ بن معاوية ] (1) يرثيهما: إن الرزية قتل العلا * ء وأوفى جميعا ولم يسندا هما القاتلان أبا عامر * وقد كان داهية أربدا (2) هما تركاه لدى معرك * كأن على عطفه مجسدا (3) فلم ير في الناس مثليهما * أقل عثارا وأرمى يدا وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، وحدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبى بردة، عن أبى موسى قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقى دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثنى مع أبى عامر، فرمى أبو عامر في ركبته، رماه جشمى بسهم فأثبته في ركبته. قال: فانتهيت إليه فقلت: يا عم من رماك ؟ فأشار إلى أبى موسى فقال: ذاك قاتلي الذى رماني. فقصدت له فلحقته، فلما رأني ولى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحى ألا تثبت ؟ فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لابي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانتزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء. قال: يابن أخى أقرئ


(1) من ابن هشام. (2) الاربد: الاسد أو الحية الخبيثة. (3) المجسد: الثوب المصبوغ بالزعفران. (*)

[ 643 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وقل له: استغفر لى. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات. فرجعت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مزمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبى عامر وقوله: قل له: استغفر لى. قال: فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: " اللهم اغفر لعبيد أبى عامر " ورأيت بياض إبطيه ثم قال: " اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس " فقلت: ولى فاستغفر. فقال: " اللهم اغفر لعبدالله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما ". قال أبو بردة: إحداهما لابي عامر والاخرى لابي موسى رضى الله عنهما. ورواه مسلم عن أبى كريب محمد بن العلاء، وعبد الله بن أبى براد، عن أبى أسامة به نحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان - هو الثوري - عن عثمان البتى، عن أبى الخليل، عن أبى سعيد الخدرى، قال: أصبنا نساء من سبى أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " قال: فاستحللنا بها فروجهن. وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عثمان البتى به. وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث شعبة، عن قتادة عن أبى الخليل، عن أبى سعيد الخدرى. وقد رواه الامام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبى عروبة، زاد مسلم وشعبة والترمذي من حديث همام عن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة، عن أبى الخليل، عن أبى علقمة الهاشمي عن أبى سعيد، أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن

[ 644 ]

أزواج من أهل الشرك، فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن، فنزلت هذه الآية في ذلك: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ". وهذا لفظ أحمد بن حنبل. فزاد في هذا الاسناد أبا علقمة الهاشمي، وهو ثقة وكان هذا هو المحفوظ والله أعلم. وقد استدل جماعة من السلف بهذه الآية الكريمة على أن بيع الامة طلاقها. روى ذلك عن ابن مسعود وأبى بن كعب وجابر بن عبدالله وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري. وخالفهم الجمهور مستدلين بحديث بريرة حيث بيعت ثم خيرت في فسخ نكاحها أو إبقائه، فلو كان بيعها طلاقا لها لما خيرت. وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير بما فيه كفاية. وسنذكره إن شاء الله في الاحكام الكبير. وقد استدل جماعة من السلف على إباحة الامة المشركة بهذا الحديث في سبايا أوطاس. وخالفهم الجمهور وقالوا: هذه قضية عين، فلعلهن أسلمن أو كن كتابيات. وموضع تقرير ذلك في الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى. فصل فيمن استشهد يوم حنين وبسرية أوطاس أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أيمن بن عبيد، وزيد بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد، جمح به فرسه الذى يقال له الجناح فمات، وسراقة ابن مالك بن الحارث بن عدى الانصاري من بنى العجلان، وأبو عامر الاشعري أمير سرية أوطاس، فهؤلاء أربعة رضى الله عنهم.

[ 645 ]

فصل فيما قيل من الاشعار في غزوة هوازن فمن ذلك قول بجير بن زهير بن أبى سلمى: لولا الاله وعبده وليتم * حين استخف الرعب كل جبان بالجزع يوم حيالنا أقراننا * وسوابح يكبون للاذقان من بين ساع ثوبه في كفه * ومقطر بسنابك ولبان (1) والله أكرمنا وأظهر ديننا * وأعزنا بعبادة الرحمن والله أهلكهم وفرق جمعهم * وأذلهم بعبادة الشيطان قال ابن هشام: ويروى فيها بعض الرواة: إذ قام عم نبيكم ووليه * يدعون يالكتيبة الايمان أين الذين هم أجابوا ربهم * يوم العريض وبيعة الرضوان وقال عباس بن مرداس السلمى: فإنى والسوابح يوم جمع * وما يتلو الرسول من الكتاب لقد أحببت ما لقيت ثقيف * بجنب الشعب أمس من العذاب هم رأس العدو من أهل نجد * فقتلهم ألذ من الشراب هزمنا الجمع جمع بنى قسى * وحكت بركها ببنى ئاب (2) وصرما من هلال غادرتهم * بأوطاس تعفر بالتراب ولو لاقين جمع بنى كلاب * لقام نساؤهم والنقع كابى (3) ركضنا الخيل فيهم بين بس * إلى الاورال تنحط بالنهاب (4)


(1) المقطر: الملقى على أحد قطريه، أي أحد جانبيه. والسنابك: أطراف الحوافر. واللبان: الصدر. (2) البرك: الصدر. وحكت بركها: كناية عن شدة الحرب. (3) النقع: الغبار. والكابى: المرتفع. (4) بس: جبل قرب ذات عرق. والاورال: أجبل ثلاثة سود في جوف الرمل وتنحط: تخرج صوتا من الثقل والاعياء والنهاب: الغنائم. (*)

[ 646 ]

بذى لجب رسول الله فيهم * كتيبته تعرض للضراب وقال عباس بن مرداس أيضا: يا خاتم النباء إنك مرسل * بالحق كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى عليك محبة * في خلقه ومحمدا سماكا ثم الذين وفوا بما عاهدتهم * جند بعثت عليهم الضحاكا رجلا به ذرب السلاح كأنه * لما تكنفه العدو يراكا (1) يغشى ذوى النسب القريب وإنما * يبغى رضا الرحمن ثم رضاكا أنبئك أنى قد رأيت مكره * تحت العجاجة يدمغ الاشراكا طورا يعانق باليدين وتارة * يفرى الجماجم صارما فتاكا [ يغشى به هام الكماة ولو ترى * منه الذى عاينت كان شفاكا ] (2) وبنو سليم معنقون أمامه * ضربا وطعنا في العدو دراكا (3) يمشون تحت لوائه وكأنهم * أسد العرين أردن ثم عراكا ما يرتجون من القريب قرابة * إلا لطاعة ربهم وهواكا هذى مشاهدنا التى كانت لنا * معروفة وولينا مولاكا وقال عباس بن مرداس أيضا (4): عفا مجدل من أهله فمتالع * فمطلى أريك قد خلا فالمصانع (5) ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا * رخى وصرف الدهر للحى جامع حبيبة ألوت بها غربة النوى * لبين فهل ماض من العيش راجع


(1) الذرب: الحدة والمضاء. وتكنفه: أحاط به. (2) من ابن هشام. (3) معنقون: مسرعون. والدراك: الطعن المتتابع. (4) من هنا إلى آخر هذا الفصل سقط من ت. (5) مجدل ومتالع: موضعان. والمطلى، يقصر ويمد: مسيل ضيق من الارض. أو الارض السهلة وأريك: واد. (*)

[ 647 ]

فإن تبتغى الكفار غير ملومة * فإنى وزير للنبى وتابع دعانا إليه خير وفد علمتهم * خزيمة والمرار منهم وواسع فجئنا بألف من سليم عليهم * لبوس لهم من نسج داود رائع نبايعه بالاخشبين وإنما * يد الله بين الاخشبين نبايع فجسنا مع المهدى مكة عنوة * بأسيافنا والنقع كاب وساطع علانية والخيل يغشى متونها * حميم وآن من دم الجوف ناقع ويوم حنين حين سارت هوازن * إلينا وضاقت بالنفوس الاضالع صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا * قراع الاعادي منهم والوقائع أمام رسول الله يخفق فوقنا * لواء كخذروف السحابة لامع (1) عشية ضحاك بن سفيان معتص * بسيف رسول الله والموت كانع (2) نذود أخانا عن أخينا ولو نرى * مصالا لكنا الاقربين نتابع (3) ولكن دين الله دين محمد * رضينا به فيه الهدى والشرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا * وليس لامر حمه الله دافع وقال عباس أيضا: تقطع باقى وصل أم مؤمل * بعاقبة واستبدلت نية خلفا (4) وقد حلفت بالله لا تقطع القوى * فما صدقت فيه ولا برت الحلفا خفافية بطن العقيق مصيفها * وتحتل في البادين وجرة فالعرفا (5) فإن تتبع الكفار أم مؤمل * فقد زودت قلبى على نأيها شغفا


(1) الخذروف: برق لامع في السحاب. (2) معتص: ضارب. والكانع: القريب. (3) يريد أنه من بنى سليم، وسليم من قيس كما أن هوازن من قيس. والمصال: مفعل من الصولة. (4) نية: من النوى وهو البعد. (5) الخفافية: نسبة إلى خفاف: حى من سليم والبادون: المقيمون في البادية. (*)

[ 648 ]

وسف ينبئها الخبير بأننا * أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا وأنا مع الهادى النبي محمد * وفينا ولم يستوفها معشر ألفا بفتيان صدق من سليم أعزة * أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا خفاف وذكوان وعوف تخالهم * مصاعب زافت في طروقتها كلفا كأن نسيج الشهب والبيض ملبس * أسودا تلاقت في مراصدها غضفا (1) بنا عز دين الله غير تنحل * وزدنا على الحى الذى معه ضعفا بمكة إذ جئنا كأن لواءنا * عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا على شخص الابصار تحسب بينها * إذا هي جالت في مراودها عزفا غداة وطئنا المشركين ولم نجد * لامر رسول الله عدلا ولا صرفا بمعترك لا يسمع القوم وسطه * لنا زجمة إلا التذامر والنقفا (2) ببيض نطير الهام عن مستقرها * وتقطف أعناق الكماة بها قطفا فكائن تركنا من قتيل ملحب * وأرملة تدعو على بعلها لهفا (3) رضا الله ننوى لا رضا الناس نبتغى * ولله ما يبدو جميعا وما يخفى وقال عباس أيضا رضى الله عنه: ما بال عينك فيها عائر سهر * مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر (4) عين تأوبها من شجوها أرق * فالماء يغمرها طورا وينحدر كأنه نظم در عند ناظمه * تقطع السلك منه فهو منتثر يا بعد منزل من ترجو مودته * ومن أتى دونه الصمان فالحفر (5)


(1) الغصف: المسترخية أجفانها على أعينها غضبا وكبرا. (2) الزجمة: النبسة بكلمة. والنقف: كسر الهامة عن الدماغ أو ضربها أشد الضرب. (3) الملحب: المقطع (4) العائر: كل ما أعل العين: والحماطة: عشب خشن المس أو تبن الذرة. والشفر: أصل منبت الشعر في الجفن (5) الصمان والحفر موضعان. (*)

[ 649 ]

دع ما تقدم من عهد الشباب فقد * ولى الشباب وزار الشيب والزعر (1) واذ كربلاء سليم في مواطنها * وفى سليم لاهل الفخر مفتخر قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم * ولا تخاور في مشتاهم البقر (2) إلا سوابح كالعقبان مقربة * في دارة حولها الاخطار والعكر (3) تدعى خفاف عوف في جوانبها * وحى ذكوان لا ميل ولا ضجر الضاربون جنود الشرك ضاحية * ببطن مكة والارواح تبتدر حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم * نخل بظاهرة البطحاء منقعر ونحن يوم حنين كان مشهدنا * للدين عزا وعند الله مدخر إذ نركب الموت مخضرا بطائنه * والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا * كما مشى الليث في غاباته الخدر في مأزق من مجر الحرب كلكلها * تكاد تأفل منه الشمس والقمر وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا * لله ننصر من شئنا وننتصر حتى تأوب أقوام منازلهم * لولا المليك ولولا نحن ما صدروا فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا * إلا قد اصبح منا فيهم أثر وقال عباس أيضا رضى الله عنه: يا أيها الرجل الذى تهوى به * وجناء مجمرة المناسم عرمس (4)


(1) الزعر: قلة الشعر. (2) الفسيل: صغار النخل: والتحاور: ارتفاع أصوات البقر من الخوار. (3) المقربة: التى تدنى وتقرب وتكرم ولا تترك. والدارة: العرصة، وكل أرض واسعة بين جبال والعكر والاخطار: الابل الكثيرة. (4) الوجناء: البارزة الوجنات، والمناسم: أطراف خف البعير والمجمرة: المستوية. والعرمس: الناقة الشابة. (*)

[ 650 ]

إما أتيت على النبي فقل له * حقا عليك إذا اطمأن المجلس يا خير من ركب المطى ومن مشى * فوق التراب إذا تعد الانفس إنا وفينا بالذى عاهدتنا * والخيل تقدع بالكماة وتضرس (1) إذ سال من أفناء بهثة كلها * جمع تظل به المخارم ترجس (2) حتى صبحنا أهل مكة فيلقا * شهباء يقدمها الهمام الاشوس (3) من كل أغلب من سليم فوقه * بيضاء محكمة الدخال وقونس (4) يروى القناة إذا تجاسر في الوغى * وتخاله أسدا إذا ما يعبس يغشى الكتيبة معلما وبكفه * عضب يقد به ولدن مدعس (5) وعلى حنين قد وفى من جمعنا * ألف أمد به الرسول عرندس كانوا أمام المؤمنين دريئة * والشمس يومئذ عليهم أشمس (6) نمضى ويحرسنا الاله بحفظه * والله ليس بضائع من يحرس ولقد حبسنا بالمناقب محبسا * رضى الاله به فنعم المحبس وغداة أوطاس شددنا شدة * كفت العدو وقيل منها يا احبسوا تدعو هوازن بالاخوة بيننا * ثدى تمد به هوازن أيبس حتى تركنا جمعهم وكأنه * عير تعاقبه السباع مفرس وقال أيضا رضى الله عنه: من مبلغ الاقوام أن محمدا * رسول الاله راشد حيث يمما


(1) تقدع: تكبح. وتضرس: تجرح. (2) بهثة: حى من سليم. والمخارم: الطرق في الجبال. وترجس: تهتز. (3) الاشوس: المتكبر. (4) الدخال: نسج الدرع. (5) المدعس: السريع الطعن. (6) الدريئة: الكتيبة المدافعة. (*)

[ 651 ]

دعا ربه واستنصر الله وحده * فأصبح قد وفى إليه وأنعما سرينا وواعدنا قديدا محمدا * يؤم بنا أمرا من الله محكما تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا * مع الفجر فتيانا وغابا مقوما على الخيل مشدودا علينا دروعنا * ورجلا كدفاع الاتى عرمرما (1) فإن سراة الحى إن كنت سائلا * سليم وفيهم منهم من تسلما وجند من الانصار لا يخذلونه * أطاعوا فما يعصونه ما تكلما فإن تك قد أمرت في القوم خالدا * وقدمته فإنه قد تقدما بجند هداه الله أنت أميره * تصيب به في الحق من كان أظلما حلفت يمينا برة لمحمد * فأكملتها ألفا من الخيل ملجما وقال نبى المؤمنين تقدموا * وحب إلينا أن نكون المقدما وبتنا بنهي المستدير ولم يكن * بنا الخوف إلا رغبة وتحزما (2) أطعناك حتى أسلم الناس كلهم * وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما يضل الحصان الابلق الورد وسطه * ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما سمونا لهم ورد القطا زفه ضحى * وكل تراه عن أخيه قد احجما لدن غدوة حتى تركنا عشية * حنينا وقد سالت دوامعه دما إذا شئت من كل رأيت طمرة * وفارسها يهوى ورمحا محطما (3) وقد أحرزت منا هوازن سربها * وحب إليها أن نخيب ونحرما هكذا أورد الامام محمد بن إسحاق هذه القصائد من شعر عباس بن مرداس السلمى رضى الله عنه، وقد تركنا بعض ما أورده من القصائد خشية الاطالة وخوف الملالة، ثم أورد من شعر غيره أيضا، وقد حصل ما فيه كفاية من ذلك. والله أعلم.


(1) الرجل: المشاة. والاتي: السيل الغريب والدفاع: ما يدفعه السيل. (2) النهى: الغدير. (3) الطمرة: الفرس السريعة الجرى. (*)

[ 652 ]

بسم الله الرحمن الرحيم غزوة الطائف قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وحاصر الطائف في شوال سنة ثمان. وقال محمد بن إسحاق: ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال. ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور (1). قال: ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين، فقال كعب بن مالك في ذلك: قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجممنا السيوفا نخيرها ولو نطقت لقالت * قواطعهن: دوسا أو ثقيفا فلست لحاضن إن لم تروها * بساحة داركم منا ألوفا وننتزع العروش ببطن وج * وتصبح دوركم منكم خلوفا ويأتيكم لنا سرعان خيل * يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم * لها مما أناخ بها رجيفا بأيديهم قواضب مرهفات * يزرن المصطلين بها الحتوفا


(1) الضبور: الدبابات التى تقرب للحصون لتنقب من تحتها (*)

[ 653 ]

كأمثال العقائق أخلصتها * قيون الهند لم تضرب كتيفا (1) تخال جدية الابطال فيها * غداة الزحف جاديا مدوفا (2) أجدهم أليس لهم نصيح * من الاقوام كان بنا عريفا يخبرهم بأنا قد جمعنا * عتاق الخيل والنجب الطروفا (3) وأنا قد أتيناهم بزحف * يحيط بسور حصنهم صفوفا رئيسهم النبي وكان صلبا * نقى القلب مصطبرا عزوفا رشيد الامر ذا حكم وعلم * وحلم لم يكن نزقا خفيفا نطيع نبينا ونطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤوفا فإن تلقوا إلينا السلم نقبل * ونجعلكم لنا عضدا وريفا وإن تابوا نجاهدكم ونصبر * ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا نجالد ما بقينا أو تنيبوا * إلى الاسلام إذعانا مضيفا نجاهد لا نبالي ما لقينا * أأهلكنا التلاد أم الطريفا (4) وكم من معشر ألبوا علينا * صميم الجذم منهم والحليفا (5) أتونا لا يرون لهم كفاء * فجدعنا المسامع والانوفا بكل مهند لين صقيل * نسوقهم بها سوقا عنيفا لامر الله والاسلام حتى * يقوم الدين معتدلا حنيفا وتنسى اللات والعزى وود * ونسلبها القلائد والشنوفا فأمسوا قد أقروا واطمأنوا * ومن لا يمتنع يقبل خسوفا


(1) الكتيف: الضبة. قال السهيلي: وهى صفيحة صغيرة. (2) الجدية: الدم السائل. والجادى: الزعفران. والمدوف: المبلول. (3) الطروف: الكرام من الخيل. (4) التلاد: القديم. والطريف: الجديد. (5) الجذم: الاصل. (*)

[ 654 ]

وقال ابن إسحاق: فأجابه كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفى: قلت: قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في وفد ثقيف فأسلم معهم. قاله موسى بن عقبة وأبو إسحاق وأبو عمر بن عبد البر وابن الاثير وغير واحد، وزعم المدائني أنه لم يسلم بل صار إلى بلاد الروم فتنصر ومات بها: من كان يبغينا يريد قتالنا * فإنا بدار معلم لا نريمها (1) وجدنا بها الآباء من قبل ما ترى * وكانت لنا أطواؤها وكرومها (2) وقد جربتنا قبل عمرو بن عامر * فأخبرها ذو رأيها وحليمها وقد علمت - إن قالت الحق - أننا * إذا ما أتت صعر الخدود نقيمها نقومها حتى يلين شريسها * ويعرف للحق المبين ظلومها علينا دلاص من تراث محرق * كلون السماء زينتها نجومها (3) نرفعها عنا ببيض صوارم * إذا جردت في غمرة لا نشيمها (4) قال ابن إسحاق: وقال شداد بن عارض الجشمى في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف: لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصر من هو ليس ينتصر إن التى حرقت بالسد فاشتعلت * ولم تقاتل لدى أحجارها هدر إن الرسول متى ينزل بلادكم * يظعن وليس بها من أهلها بشر قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى من حنين إلى الطائف - على نخلة اليمانية، ثم على قرن ثم على المليح ثم على بحرة الرغاء من لية، فابتنى بها مسجدا فصلى فيه.


(1) المعلم: المشهورة. (2) أطواؤها: آبارها، جمع طوى. (3) الدلاص: الدروع الملساء اللينة. ومحرق: يريد عمرو بن عامر وهو أول من حرق العرب بالنار. (4) لا نشيمها: لا نغمدها. (*)

[ 655 ]

قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب، أنه عليه السلام أقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، وهو أول دم أقيد به في الاسلام، رجل من بنى ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم. قال ابن إسحاق: ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة، فلما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن اسمها فقال: ما اسم هذه الطريق ؟ فقيل: الضيقة. فقال: بل هي اليسرى. ثم خرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن تخرج إلينا وإما أن نخرب عليك حائطك. فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخرابه. وقال ابن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبى بجير، سمعت عبدالله بن عمرو، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا قبر أبى رغال وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه ". قال: فابتدره الناس فاستخرجوا معه الغصن. ورواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب ابن جرير بن حازم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق به. ورواه البيهقى من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن إسماعيل بن أمية به. * * *

[ 656 ]

قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قريبا من الطائف فضرب به عسكره، فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فتأخروا إلى موضع مسجده عليه السلام اليوم بالطائف الذى بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه عمرو بن أمية بن وهب، وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم إلا سمع لها نقيض فيما يذكرون. قال: فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة. قال ابن هشام: ويقال سبع عشرة ليلة. وقال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وترك السبى بالجعرانة وملئت عرش (1) مكة منهم، فنزل رسول الله صلى عليه وسلم بالاكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم ويقاتلونه من وراء حصنهم، ولم يخرج إليه أحد منهم غير أبى بكرة بن مسروح أخى زياد لامه، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثرت الجراح وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت لهم ثقيف: لا تفسدوا الاموال فإنها لنا أو لكم. وقال عروة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات وخمس حبلات (2)، وبعث مناديا ينادى: من خرج إلينا فهو حر. فاقتحم إليه نفر منهم فيهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد بن أبى سفيان لامه، فأعتقهم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يعوله ويحمله. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين. وقال أحمد: حدثنا عبد القدوس بن بكر بن خنيس، حدثنا الحجاج، عن الحكم،


(1) العرش: الخيام والبيوت التى يستظل بها. (2) الحبلة: الكرمة. (*)

[ 657 ]

عن مقسم عن ابن عباس، قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، فخرج إليه عبدان فأعتقهما، أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق العبيد إذا خرجوا إليه. وقال أحمد أيضا: حدثنا نصر بن رئاب، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف: " من خرج إلينا من العبيد فهو حر ". فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث تفرد به أحمد، ومداره على الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. لكن ذهب الامام أحمد إلى هذا، فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب إلى دار الاسلام عتق حكما شرعيا مطلقا عاما. وقال آخرون: إنما كان هذا شرطا لا حكما عاما. ولو صح الحديث لكان التشريع العام أظهر، كما في قوله عليه السلام: " من قتل قتيلا فله سلبه ". وقد قال يونس [ بن بكير ] (1)، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عبدالله بن المكرم الثقفى، قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم، أبو بكرة عبد للحارث بن كلدة، والمنبعث، وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبعث، ويحنس، ووردان، في رهط من رقيقهم فأسلموا، فلما قدم وفد أهل الطائف فأسلموا قالوا: يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك. قال: " لا، أولئك عتقاء الله " ورد على ذلك الرجل ولاء عبده فجعله إليه. وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عاصم، سمعت أبا عثمان قال: سمعت سعدا - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة، وكان


(1) سقطت من ا. (42 - السيرة 3) (*)

[ 658 ]

تسور حصن الطائف في أناس فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام ". ورواه مسلم من حديث عاصم به. قال البخاري: وقال هشام: أنبأنا معمر، عن عاصم، عن أبى العالية، أو أبى عثمان النهدي، قال: سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال عاصم: قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما. قال: أجل: أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف. * * * قال محمد بن إسحاق: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة فضرب لهما قبتين، فكان يصلى بينهما، فحاصرهم وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل. قال ابن هشام: ورماهم بالمنجنيق. فحدثني من أثق به أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من رمى في الاسلام بالمنجنيق، رمى به أهل الطائف. وذكر ابن إسحاق أن نفرا من الصحابة دخلوا تحت دبابة ثم زحفوا ليحرقوا جدار أهل الطائف، فأرسلت عليهم سكك الحديد محماة، فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا، فحينئذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون. قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فناديا ثقيفا بالامان حتى يكلموهم فأمنوهم فدعوا نساء من قريش وبنى كنانة ليخرجن إليهم، وهما يخافان عليهن السباء إذا

[ 659 ]

فتح الحصن، فأبين، فقال لهما أبو الأسود بن مسعود: ألا أدلكما على خير مما جئتما له ؟ إن مال أبى الاسود حيث قد علمتما. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بواد يقال له العقيق، وهو بين مال بنى الاسود وبين الطائف، وليس بالطائف مال أبعد رشاء (1) ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة منه، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لهم. وقد روى الواقدي عن شيوخه نحو هذا وعنده أن سلمان الفارسى هو الذى أشار بالمنجنيق وعمله بيده. وقيل قدم به وبدبابتين فالله أعلم. وقد أورد البيهقى من طريق ابن لهيعة عن أبى الاسود، عن عروة، أن عيينة بن حصن استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يأتي أهل الطائف فيدعوهم إلى الاسلام فأذن له، فجاءهم فأمرهم بالثبات في حصنهم وقال: لا يهولنكم قطع ما قطع من الاشجار في كلام طويل. فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما قلت لهم " ؟ قال: دعوتهم إلى الاسلام وأنذرتهم النار وذكرتهم بالجنة. فقال: " كذبت بل قلت لهم كذا وكذا " فقال: صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك من ذلك. وقد روى البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس ابن بكير، عن هشام الدستوائى، عن قتادة، عن سالم بن أبى الجعد، عن معدان ابن أبى طلحة، عن ابن أبى نجيح السلمى، وهو عمرو بن عبسة رضى الله عنه قال: حاصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطائف فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من بلغ بسهم فله درجة في الجنة " فبلغت يومئذ ستة عشر سهما.


(1) الرشاء: الحبل (*)

[ 660 ]

وسمعته يقول: " من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة، وأيما رجل أعتق رجلا مسلما فإن الله جاعل كل عظم من عظامه وقاء كل عظم بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها من النار ". ورواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث قتادة به. * * * وقال البخاري: حدثنا الحميدى، سمع سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث فسمعه يقول لعبدالله بن أبى أمية: أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يدخلن هؤلاء عليكن ". قال ابن عيينة: وقال ابن جريج: المخنث هيت. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه به. وفى لفظ: " وكانوا يرونه من غير أولى الاربة من الرجال " وفى لفظ: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا ؟ لا يدخلن عليكن هؤلاء ". يعنى إذا كان ممن يفهم ذلك، فهو داخل في قوله تعالى: " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء (1) ". والمراد بالمخنث في عرف السلف الذى لا همة له إلى النساء، وليس المراد به الذى يؤتى، إذ لو كان كذلك لوجب قتله حتما، كما دل عليه الحديث، وكما قتله أبو بكر الصديق رضى الله عنه.


(1) سورة النور 31 (*)

[ 661 ]

ومعنى قوله: " تقبل بأربع وتدبر بثمان " يعنى بذلك عكن بطنها، فإنها تكون أربعا إذا أقبلت ثم تصير كل واحدة ثنتين إذا أدبرت، وهذه المرأة هي بادية بنت غيلان ابن سلمة من سادات ثقيف. وهذا المخنث قد ذكر البخاري عن ابن جريج أن اسمه هيت، وهذا هو المشهور لكن قال يونس عن ابن إسحاق قال: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته بنت عمرو بن عايد مخنث يقال له ماتع، يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ولا يرى أنه يفطن لشئ من أمور النساء مما يفطن إليه الرجال، ولا يرى أن له في ذلك أربا، فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد، يا خالد إن افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلا تنفلتن منكم بادية بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع هذا منه: " ألا أرى هذا يفطن لهذا " الحديث. ثم قال لنسائه: " لا يدخلن عليكن " فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * وقال البخاري: حدثنا على بن عبدالله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبى العباس الشاعر الاعمى، عن عبدالله بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلم ينل منهم شيئا قال: " إنا قافلون غدا إن شاء الله " فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتح ؟ فقال: " اغدوا على القتال " فغدوا فأصابهم جراح فقال: " إنا قافلون غدا إن شاء الله " فأعجبهم فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان مرة: فتبسم. ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به وعنده عن عبدالله بن عمر بن الخطاب واختلف في نسخ البخاري، ففى نسخة كذلك وفى نسخة عن عبدالله بن عمرو بن العاص فالله أعلم. وقال الواقدي: حدثنى كثير بن زيد بن الوليد بن رباح، عن أبى هريرة قال:

[ 662 ]

لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلى فقال: " يا نوفل ما ترى في المقام عليهم ؟ " قال: يا رسول ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك. قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر وهو محاصر ثقيفا: " يا أبا بكر، إنى رأيت أنى أهديت لى قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها " فقال أبو بكر رضى الله عنه: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنا لا أرى ذلك ". قال: ثم إن خولة بنت حكيم السلمية، وهى امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك حلى بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلى الفارعة بنت عقيل - وكانت من أحلى نساء ثقيف - فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: " وإن كان لم يؤذن في ثقيف يا خويلة ؟ ". فخرجت خولة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة، زعمت أنك قلته ؟ قال: " قد قلته " قال: أو ما أذن فيهم ؟ قال: لا. قال: أفلا أؤذن بالرحيل ؟ قال: بلى. فأذن عمر بالرحيل، فلما استقبل الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبى عمرو ابن علاج: ألا إن الحى مقيم. قال: يقول عيينة بن حصن: أجل، والله مجدة كراما. فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة ! أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصره ؟ فقال: إنى والله ما جئت لاقاتل ثقيفا معكم، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أطؤها لعلها تلد لى رجلا، فإن ثقيفا مناكير (1). * * *


(1) المناكير: ذوو الدهاء. (*)

[ 663 ]

وقد روى ابن لهيعة عن أبى الاسود، عن عروة قصة خولة بنت حكيم، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال: وتأذين عمر بالرحيل. قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ألا يسرحوا ظهرهم، فلما أصبحوا ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودعا حين ركب قافلا فقال: " اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم ". وروى الترمذي من حديث عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن أبى الزبير، عن جابر قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم. فقال: " اللهم اهد ثقيفا ". ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وروى يونس عن ابن إسحاق، حدثنى عبدالله بن أبى بكر وعبد الله بن المكرم، عمن أدركوا من أهل العلم: قالوا: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرفوا عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم المدينة فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا. وسيأتى ذلك مفصلا في رمضان من سنة تسع إن شاء الله. * * * وهذه تسمية من استشهد من المسلمين بالطائف فيما قاله ابن إسحاق: فمن قريش، سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية، وعرفطة بن جناب حليف لبنى أمية بن الاسد بن الغوث، وعبد الله بن أبى بكر الصديق رمى بسهم فتوفى منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى من رمية رميها يومئذ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة حليف لبنى عدى، والسائب بن الحارث بن قيس ابن عدى السهمى، وأخوه عبدالله، وجليحة بن عبدالله من بنى سعد بن ليث. ومن الانصار ثم من الخزرج ثابت بن الجذع الاسلمي، والحارث بن سهل بن أبى صعصعة المازنى،

[ 664 ]

والمنذر بن عبدالله من بنى ساعدة. ومن الاوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية فقط. فجميع من استشهد يومئذ اثنا عشر رجلا، سبعة من قريش وأربعة من الانصار، ورجل من بنى ليث رضى الله عنهم أجمعين. * * * قال ابن إسحاق: ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا عن الطائف قال بجير بن زهير بن أبى سلمى يذكر حنينا والطائف: كانت علالة يوم بطن حنين * وغداة أوطاس ويوم الابرق جمعت بإغواء هوازن جمعها * فتبددوا كالطائر المتمزق لم يمنعوا منا مقاما واحدا * إلا جدارهم وبطن الخندق ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا * فاستحصنوا منا بباب مغلق ترتد حسرانا إلى رجراجة * شهباء تلمع بالمنايا فيلق (1) ملمومة خضراء لو قذفوا بها * حصنا لظل كأنه لم يخلق مشى الضراء على الهراس كأننا * قدر تفرق في القياد ويلتقى (2) في كل سابغة إذا ما استحصنت * كالنهي هبت ريحه المترقرق جدل تمس فضولهن نعالنا * من نسج داود وآل محرق وقال أبو داود: حدثنا عمر بن الخطاب أبو حفص، حدثنا الفريابى، حدثنا أبان، حدثنا عمرو - هو ابن عبد الله بن أبى حازم - حدثنا عثمان بن أبى حازم، عن أبيه، عن جده صخر - هو أبو العيلة الاحمسي - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثقيفا،


(1) الرجراجة: الكثيرة. (2) الضراء: الكلاب. والهراس: شجر شائك كالنيق. (*)

[ 665 ]

فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمد النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر حينئذ عهدا وذمة لا أفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب إليه صخر: أما بعد فإن ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله وأنا مقبل بهم وهم في خيلى. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة جامعة فدعا لاحمس عشر دعوات: " اللهم بارك لاحمس في خيلها ورجالها ". وأتى القوم فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا رسول الله إن صخرا أخذ عمتى ودخلت فيما دخل فيه المسلمون فدعاه فقال: " يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته " فدفعها إليه. وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء لبنى سليم قد هربوا عن الاسلام وتركوا ذلك الماء، فقال: يا رسول الله أنزلنيه أنا وقومي. قال: " نعم " فأنزله وأسلم - يعنى الاسلميين، فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع إليهم الماء فأبى، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا. فقال: " يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إليهم ماءهم " قال: نعم يا نبى الله. فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير عند ذلك حمرة، حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء ! تفرد به أبو داود وفى إسناده اختلاف. قلت: وكانت الحكمة الالهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلا، لانه قد تقدم أنه عليه السلام لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى

[ 666 ]

يبلغ رسالة ربه عزوجل، وذلك بعد موت عمه أبى طالب فردوا عليه قوله وكذبوه فرجع مهموما فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل، فناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام، وقد سمع قول قومك لك وماردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا ". فناسب قوله: " بل أستأني بهم " ألا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل. كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

[ 667 ]

فصل في مرجعه عليه السلام من الطائف، وقسمة غنائم هوازن التى أصابها يوم حنين قبل دخوله مكة معتمرا من الجعرانة قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف على دحنا حتى نزل الجعرانة فيمن معه من المسلمين ومعه من هوازن سبى كثير، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله ادع عليهم. فقال: " اللهم اهد ثقيفا وائت بهم ". قال: ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبى هوازن ستة آلاف من الذرارى والنساء ومن الابل والشاء مالا يدرى عدته. قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب، وفى رواية يونس بن بكير عنه قال عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا لابن أبى شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذى أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت رسول الله خير المكفولين. ثم أنشأ يقول: امنن علينا رسول الله في كرم * فإنك المرء نرجوه وننتظر


(1) ملحنا: أرضعنا. (*)

[ 668 ]

امنن على بيضة قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير أبقت لنا الدهر هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركها نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك تملؤه من محضها الدرر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتى وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر آلاء وإن كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم ؟ " فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا ؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ما كان لى ولبنى عبدالمطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا. فإنى سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم ". فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أما ما كان لى ولبنى عبدالمطلب فهو لكم " فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت الانصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الاقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال العباس بن مرداس السلمى: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال يقول عباس بن مرداس لبنى سليم: وهنتموني ؟

[ 669 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستة فرائض من أول فئ نصيبه. فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم. ثم كب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا. حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه فقال: " أيها الناس ردوا على ردائي، فوالذي نفسي في يده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ". ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال: " أيها الناس والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة ". فجاء رجل من الانصار بكبة (1) من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه لاخيط بها برذعة بعير لى دبر (2). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما حقى منها فلك " فقال الرجل: أما إذ بلغ الامر فيها فلا حاجة لى بها. فرمى بها من يده. وهذا السياق يقتضى أنه عليه السلام رد إليهم سبيهم قبل القسمة، كما ذهب إليه محمد ابن إسحاق بن يسار، خلافا لموسى بن عقبة وغيره. * * * وفى صحيح البخاري من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد إليهم أموالهم ونساؤهم، فقال لهم رسول الله صلى الله


(1) الكبة: الخيوط المجتمعة. (2) الدبر: المقروح (*)

[ 670 ]

عليه وسلم: " معى من ترون، وأحب الحديث إلى أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبى وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم أموالهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: إنا نختار سبينا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: " أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين، وإنى قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفئ الله علينا فليفعل ". فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله. فقال لهم: " إنا لا ندرى من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا. فهذا ما بلغنا عن سبى هوازن. ولم يتعرض البخاري لمنع الاقرع وعيينة، وقومهما، بل سكت عن ذلك، والمثبت مقدم على النافي فكيف الساكت. وروى البخاري من حديث الزهري: أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أخبره جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفله من حنين علقت الاعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه، حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " أعطوني ردائي فلو كان عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدونى بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا ". تفرد به البخاري.

[ 671 ]

وقال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجرة يزيد بن عبيد السعدى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى على بن أبى طالب جارية يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة، وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان، وأعطى عمر جارية فوهبها من ابنه عبدالله. وقال ابن إسحاق: فحدثني نافع، عن عبدالله بن عمر قال: بعثت بها إلى أخوالى من بنى جمح ليصلحوا لى منها ويهيئوها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال: فجئت من المسجد حين فرغت فإذا الناس يشتدون فقلت: ما شأنكم ؟ قالوا رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وأبناءنا. قلت: تلكم صاحبتكم في بنى جمح فاذهبوا فخذوها. فذهبوا إليها فأخذوها. قال ابن إسحاق: وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن وقال حين أخذها: أرى عجوزا إنى لاحسب لها في الحى نسبا وعسى أن يعظم فداؤها. فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (1)، إنك ما أخذتها والله بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة. فردها بست فرائض. * * * قال الواقدي: ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الابل وأربعون شاة. وقال سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبى بكر أن رجلا ممن شهد حنينا قال:


(1) الماكد: الغزير. (*)

[ 672 ]

والله إنى لاسير إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة لى وفى رجلى نعل غليظة إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوجعه، فقرع قدمى بالسوط وقال: " أوجعتني فتأخر عنى " فانصرفت فلما كان الغد إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسني قال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالامس. قال: فجئته وأنا أتوقع، فقال: " إنك أصبت رجلى بالامس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لاعوضك منها " فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التى ضربني. والمقصود من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره. وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الذى أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة، ولهذا لما رد السبى وركب علقت الاعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون له: اقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فقال: " ردوا على ردائي أيها الناس، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدونى بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ". كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه. وكأنهم خشوا أن يرد إلى هوازن أموالهم كما رد إليهم نساءهم وأطفالهم، فسألوه نسمة ذلك فقسمها عليه الصلاة والسلام بالجعرانة كما أمره الله عزوجل، وآثر أناسا في القسمة وتألف أقواما من رؤساء القبائل وأمرائهم، فعتب عليه أناس من الانصار حتى خطبهم وبين لهم وجه الحكمة فيما فعله تطبيبا لقلوبهم.

[ 673 ]

وتنقد بعض من لا يعلم من الجهلة والخوارج كذى الخويصرة وأشباهه قبحه الله، كما سيأتي تفصيله وبيانه في الاحاديث الواردة في ذلك وبالله المستعان. * * * قال الامام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبى يقول حدثنا السميط السدوسى، عن أنس بن مالك قال: فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، قال: فلم نلبث أن انكشف خيلنا وفرت الاعراب ومن نعلم من الناس، قال فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا للمهاجرين يا للمهاجرين يا للانصار ؟ قال أنس: هذا حديث عمته (1) قال: قلنا لبيك يا رسول الله. قال: وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة. قال: فنزلنا فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى الرجل المائة ويعطى الرجل المائتين. قال: فتحدث الانصار بينها: أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه ؟ ! فرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بسراة المهاجرين والانصار أن يدخلوا عليه ثم قال: " لا يدخلن على إلا أنصارى، أو الانصار " قال: فدخلنا القبة

[ 674 ]

حتى ملاناها، قال نبى الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الانصار " أو كما قال: " ما حديث أتانى ؟ " قالوا: ما أتاك يا رسول الله ؟ قال: " ما حديث أتانى " قالوا: ما أتاك يا رسول الله ؟ قال: " ألا ترضون أن يذهب الناس بالاموال وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم ؟ " قالوا: رضينا يا رسول الله، قال: فرضوا أو كما قال. وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان. وفيه من الغريب قوله: أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف وإنما كانوا اثنى عشر ألفا، وقوله: " إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة " وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون العشرين ليلة. فاالله أعلم. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، حدثنا معمر، عن الزهري، حدثنى أنس بن مالك، قال: قال ناس من الانصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطى رجالا المائة من الابل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ! قال أنس بن مالك: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الانصار فجمعهم في قبة أدم ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما حديث بلغني عنكم ؟ " قال فقهاء الانصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنى لاعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب

[ 675 ]

الناس بالاموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " فستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإنى على الحوض " قال أنس: فلم يصبروا. تفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عوف، عن هشام بن زيد، عن جده أنس بن مالك، قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا، فقال: " يا معشر الانصار " قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أنا عبدالله ورسوله " فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الانصار شيئا، فقالوا، فدعاهم فأدخلهم في قبته فقال: " أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ؟ " صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ". وفى رواية للبخاري من هذا الوجه قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بن عمهم وذراريهم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقى وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال: " يا معشر الانصار " قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك. ثم التفت عن يساره فقال: " يا معشر الانصار " فقالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: " أنا عبدالله ورسوله ".

[ 676 ]

فانهزم المشركون وأصاب يومئذ مغانم كثيرة فقسم بين المهاجرين والطلقاء ولم يعط الانصار شيئا، فقالت الانصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا ! فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: " يا معشر الانصار ما حديث بلغني ؟ " فسكتوا فقال: " يا معشر الانصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم ؟ " قالوا: بلى فقال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ". قال هشام: قلت: يا أبا حمزة وأنت شاهد ذلك ؟ قال: وأين أغيب عنه ؟ ثم رواه البخاري ومسلم أيضا من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار فقال: " إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإنى أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ؟ " قالوا: بلى. قال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت وادى الانصار أو شعب الانصار ". وأخرجاه أيضا من حديث شعبة عن أبى التياح يزيد بن حميد، عن أنس بنحوه وفيه فقالوا: والله إن هذا لهو العجب ! إن سيوفنا لتقطر من دمائهم والغنائم تقسم فيهم، فخطبهم وذكر نحو ما تقدم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان وعيينة والاقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الانصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم ؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فجمعهم في قبة له حتى فاضت فقال: " فيكم أحد من

[ 677 ]

غيركم ؟ " قالوا: لا إلا ابن أختنا، قال: " ابن أخت القوم منهم " ثم قال: " أقلتم كذا وكذا ؟ " قالوا: نعم. قال: " أنتم الشعار والناس الدثار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول صلى الله عليه وسلم إلى دياركم ؟ " قالوا: بلى. قال: الانصار كرشى وعيبتى، لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار ". وقال: قال حماد: أعطى مائة من الابل فسمى كل واحد من هؤلاء. تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا ابن أبى عدى، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر الانصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بى ؟ ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بى، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله قال: " أفلا تقولون: جئتنا خائفا فأمناك، وطريدا فآويناك، ومخذولا فنصرناك ؟ " قالوا: بل لله المن علينا ولرسوله. وهذا إسناد ثلاثى على شرط الصحيحين. * * * فهذا الحديث كالمتواتر عن أنس بن مالك. وقد روى عن غيره من الصحابة. قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد بن عاصم، قال: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الانصار شيئا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: " يا معشر الانصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بى ؟ وعالة فأغناكم الله بى ؟ " كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن.

[ 678 ]

قال: " لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا. أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ؟ لولا الهجرة لكنت إمرءا من الانصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادى الانصار وشعبها، الانصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ". ورواه مسلم من حديث عمرو بن يحيى المازنى به. وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبى سعيد الخدرى قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الانصار منها شئ قليل ولا كثير، وجد هذا الحى من الانصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقى والله رسول الله قومه ! فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا الحى من الانصار قد وجدوا عليك في أنفسهم. فقال: " فيم ؟ " قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفى سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شئ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ " قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فاجمع لى قومك في هذه الحظيرة فإذا اجتمعوا فأعلمني " فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فأذن له فدخلوا، وجاء آخرون فردهم حتى إذا لم يبق من الانصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحى من الانصار حيث أمرتنى أن أجمعهم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " يا معشر الانصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا: بلى. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[ 679 ]

" ألا تجيبون يا معشر الانصار ؟ " قالوا: وما نقول يا رسول الله ؟ وبماذا نجيبك ؟ المن لله ولرسوله. قال: " والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفا فأمناك، ومخذولا فنصرناك " فقالوا: المن لله ولرسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أوجدتم في نفوسكم يا معشر الانصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الاسلام، أفلا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار، اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار ". قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما. ثم انصرف وتفرقوا. وهكذا رواه الامام أحمد من حديث ابن إسحاق، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه، وهو صحيح. وقد رواه الامام أحمد، عن يحيى بن بكير، عن الفضل بن مرزوق، عن عطية بن سعد العوفى، عن أبى سعيد الخدرى، قال رجل من الانصار لاصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو استقامت الامور قد آثر عليكم، قال: فردوا عليه ردا عنيفا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " وكنتم لا تركبون الخيل " وكلما قال لهم شيئا قالوا: بلى يا رسول الله ثم ذكر بقية الخطبة كما تقدم. تفرد به أحمد أيضا. وهكذا رواه الامام أحمد منفردا به من حديث الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى

[ 680 ]

سعيد بنحوه. ورواه أحمد أيضا عن موسى بن عقبة عن ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر مختصرا. * * * وقال سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رافع بن خديج، عن جده رافع بن خديج، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبى حنين مائة من الابل، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى الاقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، ولم يبلغ به أولئك فأنشأ يقول: أتجعل نهبى ونهب العبيد بين عيينة والاقرع (1) فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تخفض اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرأ * فلم أعط شيئا ولم أمنع (2) قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة. رواه مسلم من حديث ابن عيينة بنحوه وهذا لفظ البيهقى. وفى رواية ذكرها موسى بن عقبة وعروة بن الزبير وابن إسحاق فقال: كانت نهابا تلافيتها * بكرى على المهر في الاجرع (3) وإيقاظي الحى أن يرقدوا * إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبى ونهب العبيد بين عيينة والاقرع


(1) النهب: العطاء من الغنيمة. (2) ذا تدرأ: ذا دفع. (3) النهاب: جمع نهب. والاجرع: الارض ذات الحزونة. (*)

[ 681 ]

وقد كنت في الحرب ذا تدرأ * فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفائل أعطيتها * عديد قوائمها الاربع (1) وما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " أنت القائل أصبح نهبى ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة ؟ " فقال أبو بكر: ما هكذا قال يا رسول الله، ولكن والله ما كنت بشاعر وما ينبغى لك. فقال: " كيف قال ؟ " فأنشده أبو بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هما سواء ما يضرك بأيهما بدأت " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقطعوا عنى لسانه " فخشى بعض الناس أن يكون أراد المثلة به وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم العطية. قال: وعبيد فرسه. * * * وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أسامة، عن بريد بن عبدالله، عن أبى بردة، عن أبى موسى قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة (2) ومعه بلال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: ألا تنجز لى ما وعدتني ؟ فقال له " أبشر " فقال: قد أكثرت على من أبشر ! فأقبل على أبى موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: " رد البشرى فاقبلا أنتما " ثم دعا


(1) الافائل: الضعاف من الابل. (2) قال القسطلانى: قال الداودى: وهو وهم والصواب بين مكة والطائف، وبه جزم النووي وغيره إرشاد السارى 6 / 410. (*)

[ 682 ]

بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه، ثم فال " اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا " فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لامكما. فأفضلاها منه طائفة. هكذا رواه. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبدالله، عن أنس بن مالك قال: كنت أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية. فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لى من مال الله الذى عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء. * * * وقد ذكر ابن إسحاق الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مائة من الابل، وهم: أبو سفيان صخر بن حرب، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن كلدة أخو بنى عبد الدار، وعلقمة بن علاثة، والعلاء بن حارثة الثقفى حليف بنى زهرة، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم، ومالك بن عوف النصرى، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبدالعزى، وعيينة بن حصن، وصفوان بن أمية، والاقرع ابن حابس. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه: يا رسول الله أعطيت عيينة والاقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمرى ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والذى نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الارض كلهم مثل عيينة والاقرع، ولكن تألفتهما ليسلما،

[ 683 ]

ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه. ثم ذكر ابن إسحاق من أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون المائة ممن يطول ذكره. وفى الحديث الصحيح عن صفوان بن أمية أنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينى من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلى حتى ما خلق الله شيئا أحب إلى منه. ذكر قدوم مالك بن عوف النصرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن وسألهم عن مالك ابن عوف: ما فعل ؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال: " أخبروه إنه إن أتانى مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الابل ". فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة - أو بمكة - فأسلم وحسن إسلامه، فرد عليه أهله وماله. ولما أعطاه مائة قال مالك بن عوف رضى الله عنه: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى * ومتى تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عردت أنيابها * بالسمهرى وضرب كل مهند (1) فكأنه ليث على أشباله * وسط الهباءة خادر في مرصد (2) قال: واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه وتلك القبائل ثمالة وسلمة (3) وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى


(1) عردت: اشتدت وضريت. (2) الهباءة: غبار الحرب. والخادر: المقيم في عرينه. (3) هكذا ضبطه السهيلي وقال: والمعروف في قبائل قيس سلمة بالفتح، إلا أن يكونوا من الازد. (*)

[ 684 ]

ضيق عليهم. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن، حدثنى عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال: " إنى أعطى قوما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب ". قال عمرو: فما أحب أن لى بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم. زاد أبو عاصم، عن جرير، سمعت الحسن حدثنا عمرو بن تغلب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بمال - أو سبى - فقسمه بهذا. وفى رواية للبخاري قال: أتى رسول الله بمال - أو بشئ - فأعطى رجالا وترك رجالا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد " فذكر مثله سواء. تفرد به البخاري (1). وقد ذكر ابن هشام أن حسان بن ثابت رضى الله عنه قال فيما كان من أمر الانصار وتأخرهم عن الغنيمة: زاد الهموم فماء العين منحدر * سحا إذا حفلته عبرة درر (2) وجدا بشماء إذ شماء بهكنة * هيفاء لا ذنن فيها ولا خور (3) دع عنك شماء إذ كانت مودتها * نزرا وشر وصال الواصل النزر وائت الرسول وقل يا خير مؤتمن * للمؤمنين إذا ما عدد البشر علام تدعى سليم وهى نازحة * قدام قوم هم آووا وهم نصروا


(1) هذا الحديث مؤخر في ت بعد القصيدة. (2) ابن هشام: زادت هموم. (3) الهكنة: الشابة الغضة. والذنن: القذر. والخور: الضعف. وفى ا: شنباء (*)

[ 685 ]

سماهم الله أنصارا بنصرهم * دين الهدى وعوان الحرب تستعر وسارعوا في سبيل الله واعترضوا * للنائبات وما خانوا وما ضجروا والناس إلب علينا فيك ليس لنا * إلا السيوف وأطراف القنا وزر نجالد الناس لا نبقى على أحد * ولا نضيع ما توحى به السور ولا تهر جناة الحرب نادينا * ونحن حين تلظى نارها سعر (1) كما رددنا ببدر دون ما طلبوا * أهل النفاق وفينا ينزل الظفر ونحن جندك يوم النعف من أحد * إذ حزبت بطرا أحزابها مضر (2) فما ونينا وما خمنا وما خبروا * منا عثارا وكل الناس قد عثروا


(1) تهر: تكره. وجناة الحرب: أبطالها. والسعر، من يوقدون الحرب. (2) النعف: أسفل الجبل. (*)

[ 686 ]

ذكر اعتراض بعض الجهلة من أهل الشقاق والنفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في القسمة العادلة بالاتفاق قال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبى وائل، عن عبدالله قال: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة حنين قال رجل من الانصار: ما أراد بها وجه الله. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فتغير وجهه ثم قال: " رحمة الله على موسى، قد أوذى بأكثر من هذا فصبر ". ورواه مسلم من حديث الاعمش به. ثم قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبى وائل عن عبد الله قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم ناسا: أعطى الاقرع بن حابس مائة من الابل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله فقلت: لاخبرن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر ". وهكذا رواه من حديث منصور عن المعتمر به. وفى رواية للبخاري فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله. فقلت: والله لاخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته فأخبرته فقال: " من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ؟ ! رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر ". وقال محمد بن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مقسم أبى القاسم مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثى حتى أتينا عبدالله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلقا نعله بيده، فقلنا له: هل

[ 687 ]

حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين ؟ قال: نعم جاء رجل من بنى تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف عليه وهو يعطى الناس فقال له: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أجل فكيف رأيت ؟ " قال: لم أرك عدلت. قال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ! " فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله ؟ فقال: " دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يوجد شئ ثم في القدح فلا يوجد شئ ثم في الفوق فلا يوجد شئ سبق الفرث والدم ". وقال الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله قال: أتى رجل بالجعرانة النبي صلى الله عليه وسلم منصرفه من حنين وفى ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطى الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال " ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل " فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق ؟ فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية ". ورواه مسلم عن محمد بن رمح، عن الليث. وقال أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا قرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مغانم حنين إذ قام إليه رجل فقال: اعدل. فقال: " لقد شقيت إذا لم أعدل ". ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن قرة بن خالد السدوسى به.

[ 688 ]

وفى الصحيحين من حديث الزهري، عن أبى سلمة، عن أبى سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بنى تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويلك ومن يعدل إن لم أعدل لقد خبت وخسرت، إذا لم أعدل فمن يعدل ؟ " فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إيذن لى فيه فأضرب عنقه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم إلى رصافه (1) فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى نضيه (2) - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى قذذه (3) فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم (4)، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة تدردر (5) ويخرجون على حين فرقة من الناس ". قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس، فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى نعت. ورواه مسلم أيضا من حديث القاسم بن الفضل عن أبى نضرة، عن أبى سعيد به نحوه. ذكر مجئ أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وهو بالجعرانة واسمها الشيماء قال ابن إسحاق: وحدثني بعض بنى سعد بن بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) الرصاف: جمع رصفة، وهى عقبة تلوى على مدخل النصل في السهم. (2) النضى: القدح قبل أن يبحث. (3) القذذ: ريش السهم. (4) المعنى: أنه مرق عاجلا فلم يعلق به دم. (5) تدردر: تتحرك وتذهب وتجئ. (*)

[ 689 ]

قال يوم هوازن: " إن قدرتم على نجاد - رجل من بنى سعد بن بكر - فلا يفلتنكم " وكان قد أحدث حدثا. فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبدالعزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. قال: فعنفوا عليها في السوق فقالت للمسلمين: تعلمون والله إنى لاخت صاحبكم من الرضاعة. فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبيد السعدى - هو أبو وجزة - قال: فلما انتهى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إنى أختك من الرضاعة. قال " وما علامة ذلك ؟ " قالت: عضة عضضتنيها في ظهرى وأنا متوركتك. قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها وقال: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت. قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي. فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية. وروى البيهقى من حديث الحكم بن عبدالملك، عن قتادة قال: لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أنا أختك، أنا شيماء بنت الحارث. فقال لها: " إن تكوني صادقة فإن بك منى أثرا لا يبلى " قال: فكشفت عن عضدها فقالت: نعم يا رسول الله وأنت صغير فعضضتني هذه العضة. قال: فبسط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ثم قال: " سلى تعطى واشفعي تشفعي ". وقال البيهقى: أنبأنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا عمرو بن إسماعيل بن عبد السلمى، حدثنا مسلم، حدثنا أبو عاصم، حدثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان، أخبرني عمى عمارة بن (44 - السيرة 3)

[ 690 ]

ثوبان، أن أبا الطفيل أخبره قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم نعما بالجعرانة. قال: فجاءته امرأة فبسط لها رداءه فقلت: من هذه ؟ قالوا: أمه التى أرضعته. هذا حديث غريب ولعله يريد أخته، وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية وإن كان محفوظا فقد عمرت حليمة دهرا، فإن من وقت أن أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقت الجعرانة أزيد من ستين سنة، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك. وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه. والله أعلم بصحته. قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فجاءه أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم جاءه أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه. وقد تقدم أن هوازن بكمالها متوالية برضاعته من بنى سعد بن بكر وهم شرذمة من هوازن، فقال خطيبهم زهير بن صرد: يا رسول الله إنما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا من الله عليك. وقال فيما قال: امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك يملؤه من محضها درر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتى وما تذر فكان هذا سبب إعتاقهم من بكرة أبيهم، فعادت فواضله عليه السلام عليهم قديما وحديثا خصوصا وعموما.

[ 691 ]

وقد ذكر الواقدي عن إبراهيم بن محمد بن شرحبيل، عن أبيه قال: كان النضير ابن الحارث بن كلدة من أجمل الناس فكان يقول: الحمد لله الذى من علينا بالاسلام، ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولم نمت على ما مات عليه الآباء وقتل عليه الاخوة وبنو العم. ثم ذكر عداوته للنبى صلى الله عليه وسلم وأنه خرج مع قومه من قريش إلى حنين وهم على دينهم بعد، قال: ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه، فلم يمكنا ذلك، فلما صار بالجعرانة فوالله إنى لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أنضير ؟ " قلت: لبيك، قال: " هل لك إلى خير مما أردت يوم حنين مما خال الله بينك وبينه ؟ " قال: فأقبلت إليه سريعا فقال: " قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع " قلت: قد أدرى أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم زده ثباتا " قال النضير: فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبى حجر ثباتا في الدين، وتبصرة بالحق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذى هداه ".

[ 692 ]

عمرة الجعرانة في ذى القعدة قال الامام أحمد: حدثنا بهز و عبد الصمد المعنى قالا: حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع مرات. عمرته زمن الحديبية وعمرته في ذى القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذى القعدة، حيث قسم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته. ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق عن همام بن يحيى به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا داود - يعنى العطار - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التى مع حجته. ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن عبدالرحمن العطار المكى، عن عمرو بن دينار به وحسنه والترمذي. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، حدثنا حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر، كل ذلك في ذى القعدة يلبى حتى يستلم الحجر. غريب من هذا الوجه. وهذه الثلاث عمر اللاتى وقعن في ذى القعدة ما عدا عمرته مع حجته، فإنها وقعت في ذى الحجة مع الحجة، وإن أراد ابتداء الاحرام بهن في ذى القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية لانه صد عنها ولم يفعلها. والله أعلم.

[ 693 ]

قلت: وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما قال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إنه كان على اعتكاف يوم في الجاهلية.. فأمره أن يفى به. قال: وأصاب عمر جاريتين من سبى حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال: فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبى حنين فجعلوا يسعون في السكك، فقال عمر: يا عبدالله انظر ما هذا ؟ قال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبى. قال: اذهب فأرسل الجاريتين. قال نافع: ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، ولو اعتمر لم يخف على عبدالله. وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختيانى، عن نافع عن ابن عمر به. ورواه مسلم أيضا عن أحمد بن عبدة الضبى، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها. وهذا غريب جدا عن ابن عمرو عن مولاه نافع، في إنكارهما عمرة الجعرانة، وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازى والسنن كلهم. وهذا أيضا كما ثبت في الصحيحين من حديث عطاء بن أبى رباح، عن عروة عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب. وقالت: يغفر الله لابي عبدالرحمن ! ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط.

[ 694 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا الاعمش، عن مجاهد، قال: سأل عروة ابن الزبير ابن عمر: في أي شهر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: في رجب. فسمعتنا عائشة، فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن ! ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها وما اعتمر عمرة قط إلا في ذى القعدة. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير، عن منصور، عن مجاهد به نحوه. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير، عن أبى إسحاق، عن مجاهد، سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: مرتين. فقالت عائشة، لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التى قرنها بحجة الوداع. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مفضل، عن منصور، عن مجاهد قال: دخلت مع عروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس يصلون الضحى. فقال عروة: أبا عبدالرحمن ما هذه الصلاة ؟ قال: بدعة. فقال له عروة: أبا عبدالرحمن كم اعتمر رسول الله ؟ فقال: أربعا إحداهن في رجب. قال: وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال لها عروة: إن أبا عبدالرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا إحداهن في رجب ؟ فقالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن، ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط. وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن منصور وقال: حسن صحيح غريب. وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني مزاحم بن أبى مزاحم، عن عبد العزيز بن عبدالله، عن مخرش الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا فدخل مكة ليلا يقضى عمرته، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف،

[ 695 ]

حتى جاء مع الطريق - طريق المدينة - بسرف قال مخرش: فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس. ورواه الامام أحمد عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج كذلك وهو من أفراده. * * * والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابثة بالنقل الصحيح الذى لا يمكن منعه ولا دفعه، ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها. والله أعلم. ثم هم كالمجمعين على أنها كانت في ذى القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين. وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير قائلا: حدثنا الحسن بن إسحاق التسترى، حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا محمد بن الحسن الاسدي، حدثنا إبراهيم ابن طهمان، عن أبى الزبير، عن عمير مولى عبدالله بن عباس، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال. فإنه غريب جدا وفى إسناده نظر. والله أعلم. وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل، حدثنا ابن جريج، أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول: ليتنى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه. قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به معه فيه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمخ بطيب. قال: فأشار عمر بن الخطاب إلى يعلى بيده: أن تعال. فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرى عنه فقال: " أين الذى يسألنى عن العمرة آنفا ؟ " فالتمس الرجل فأتى به، قال: " أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات،

[ 696 ]

وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ". ورواه مسلم من حديث ابن جريج. وأخرجاه من وجه آخر عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى بن أمية به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كدى. وقال أبو داود: حدثنا موسى أبو سلمة، حدثنا حماد، عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى. تفرد به أبو داود. ورواه أيضا ابن ماجه من حديث ابن خثيم، عن أبى الطفيل، عن ابن عباس مختصرا. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثنى الحسن بن مسلم، عن طاوس، أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص. أو قال: رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج به. ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس، عن معاوية به. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس عن أبيه به. وقال عبدالله بن الامام أحمد: حدثنى عمرو بن محمد الناقد، حدثنا أبو أحمد الزبيري،

[ 697 ]

حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس، عن معاوية قال: قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة. * * * والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة. وذلك أن عمرة الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها بل صد عنها كما تقدم بيانه، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه عليه السلام بها تلك الثلاثة الايام، وعمرته التى كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق، فتعين أن هذا التقصير الذى تعاطاه معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا. والله تعالى أعلم. وقال محمد بن إسحاق رحمه الله: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا وأمر ببقاء الفئ فحبس بمجنة بناحية مر الظهران. قلت: الظاهر أنه عليه السلام إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الاعراب فيما بين مكة والمدينة. قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن. وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه إلى هوازن، ثم خلفهما بها حين رجع إلى المدينة. وقال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال: لما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: أيها

[ 698 ]

الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم ! فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم، فليست لى حاجة إلى أحد. قال ابن إسحاق: وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة، وقدم المدينة في بقية ذى القعدة أو في أول ذى الحجة. قال ابن هشام: قدمها لست بقين من ذى القعدة فيما قال أبو عمرو المدينى. قال ابن إسحاق: وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهى سنة ثمان. قال: وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذى القعدة إلى رمضان من سنة تسع.

[ 699 ]

إسلام كعب بن زهير بن أبى سلمى وأبوه هو صاحب إحدى المعلقات السبع، الشاعر ابن الشاعر، وذكر قصيدته التى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى بانت سعاد قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبى سلمى إلى أخيه لابويه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقى من شعراء قريش: ابن الزبعرى وهبيرة بن أبى وهب هربوا (1) في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الارض. وكان كعب قد قال: ألا بلغا عنى بجيرا رسالة * فويحك (2) فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل * على أي شئ غير ذلك دلكا على خلق لم ألف يوما أبا له * عليه وما تلفى عليه أبا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعا لكا (3) سقاك بها المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا (4) قال ابن هشام: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر: من مبلغ عنى بجيرا رسالة * فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا شربت مع المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا


(1) ابن هشام: قد هربوا. (2) ابن هشام: فهل لك. (3) كلمة تقال للعاثر، دعاء له بالاقالة من عثرته. (4) أنهلك: سقاك أولا. وعلك سقاك ثانيا. والمأمون: يريد به النبي صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 700 ]

وخالفت أسباب الهدى واتبعته * على أي شئ ويب غيرك (1) دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعا لكا قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع: " سقاك بها المأمون ": " صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون " ولما سمع: " على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه " قال: " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه ". قال: ثم كتب بجير إلى كعب يقول له: من مبلغ كعبا فهل لك في التى * تلوم عليها باطلا وهى أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده * فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت * من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شئ دينه * ودين أبى سلمى على محرم قال: فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الارض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، وقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شئ بدا قال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لى، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه. فذكر لى أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إليه ووضع يده في يده،


(1) ويب غيرك: هلكت هلاك غيرك. (*)

[ 701 ]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن جئتك به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم " فقال: إذا أنا (1) يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الانصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعه عنك، فإنه جاء تائبا نازعا ". قال: فغضب كعب بن زهير على هذا الحى من الانصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. فقال في قصيدته التى قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها لم يفد مكبول (2) وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول (3) [ هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة * لا يشتكى قصر منها ولا طول ] (4) تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت * كأنه منهل بالراح معلول (4) شجت بذى شبم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول (5) تنفى الرياح القذى عنه وأفرطه * من صوب غادية بيض يعاليل (6) فيالها خلة لو أنها صدقت * بوعدها أو لو ان النصح مقبول


(1) ابن هشام: فقال أنا. (2) بانت: بعدت. والمتبول: السقيم من الحب. والمكبول: المقيد. (3) الاغن: الظبى. (4) عن ابن هشام. (4) تجلو: تكشف، والظلم: بريق الاسنان وبياضها. (5) شجت: مزجت. والشبم الشديد البرد. والمحنية: منعطف الوادي. والمشمول: الذى ضربته ريح شمال حتى برد. (6) أفرطه: سبق إليه. والصوب: المطر. والغادية: السحابة تمطر غدوة. واليعاليل: السحب البيض (*)

[ 702 ]

لكنها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع وإخلاف وتبديل (1) فما تدوم على حال تكون بها * كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالعهد الذى زعمت * إلا كما يمسك الماء الغرابيل فلا يغرنك ما منت وما وعدت * إن الامانى والاحلام تضليل كانت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيدها إلا الاباطيل أرجو وآمل أن تدنو مودتها * ومالهن إخال الدهر تعجيل (2) أمست سعاد بأرض لا تبلغها * إلا العتاق النجيبات المراسيل ولن يبلغها إلا عذافرة * فيها على الاين إرقال وتبغيل (3) من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول (4) ترمى الغيوب بعينى مفرد لهق * إذا توقدت الحزان والميل (5) ضخم مقلدها فعم مقيدها * في خلقها عن بنات الفحل تفضيل (6) حرف أخوها أبوها من مهجنة * وعمها خالها قوداء شمليل (7) يمشى القراد عليها ثم يزلقه * منها لبان وأقراب زهاليل (8)


(1) الخلة: الصحبة. وسيط: خلط. (2) ابن هشام: وما إخال لدينا منك تنويل. (3) العذافرة: العظيم الشديد من الابل. والاين: التعب. والارقال: الاسراع. والتبغيل: ضرب من سير الابل. (4) النضاخة: الغزيرة. والذفرى: العظم الشاخص خلف الاذن. وعرضتها: وجهتها. وطامس الاعلام: المتغير الذى لا يهتدى فيه. (5) اللهق: الثور الابيض والحزان: جمع حزيز وهو المكان الغليظ المنقاد. والميل: ما اتسع من الارض (6) المقلد: موضع القلادة من العنق. والفعم: الممتلئ. (7) الحرف: الناقة الضامرة أو العظيمة. والقوداء: الشديدة العنق. والشمليل: السريعة. (8) القراد: دويبة. واللبان: الصدر. والاقراب: جمع قرب وهو الخاصرة. والزهاليل: جمع زهلول وهو الاملس (*)

[ 703 ]

عيرانة قذفت بالنحض عن عرض * مرفقها عن بنات الزور مفتول (1) قنواء في حرتيها للبصير بها * عتق مبين وفى الخدين تسهيل (2) كأنما فات عينيها ومذبحها * من خطمها ومن اللحيين برطيل (3) تمر مثل عسيب النخل ذا خصل * في غارز لم تخونه الاحاليل (4) تهوى على يسرات وهى لاهية * ذوابل مسهن الارض تحليل (5) يوما يظل به الحرباء مصطخدا * كأن ضاحيه بالشمس محلول (6) وقال للقوم حاديهم وقد جعلت * ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا (7) أوب يدى فاقد شمطاء معولة * قامت فجاوبها نكد مثاكيل (8) نواحة رخوة الضبعين ليس لها * لما نعى بكرها الناعون معقول (9) تفرى اللبان بكفيها ومدرعها * مشقق عن تراقيها رعابيل (10) تسعى الغواة جنابيها وقولهم * إنك يابن أبى سلمى لمقتول (11) وقال كل صديق كنت آمله * لا ألهينك إنى عنك مشغول


(1) العيرانة من الابل، الناجية في نشاط. والنحض: اللحم المكتنز. والعرض: الجانب. (2) القنواء: المرتفعة الانف، وهو عيب في الفرس. (3) البرطيل: حجر أو حديد طويل صلب خلقة، ينقر به الرحى. وهو المعول أيضا (4) عسيب النخل: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها. والغارز: الضرع. وتخونه: ننقصه. والاحاليل: جمع إحليل وهو مخرج اللبن. (5) ابن هشام: تخدى. اليسرات: الخفاف السهلة. والتحليل: الجرى. حل: عدا. (6) الحرباء: دويبة تستقبل الشمس برأسها. والمصطخد: المحترق من حرارة الشمس. والضاحى: ما برز منه للشمس. والمحلول: المذاب. (7) الجنادب: الجراد. والورق: التى يضرب لونها إلى السواد. (8) الاوب: رجع القوائم في السير. والشمطاء: التى خالطها الشيب. والمعولة: الصائحة بالبكاء والنكد: جمع نكداء وهى التى لا يبقى لها ولد. والمثاكيل: جمع مثكلة وهى التى لزمها الثكل. (9) الرخوة: المسترخية والضبع: العضد. (10) اللبان: الصدر. والمدرع: القميص. والرعابيل: الممزق.. (11) جنابيها: حولها (*)

[ 704 ]

فقلت خلوا سبيلى لا أبا لكم * فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته * يوما على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدنى * والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال‍ * قرآن فيه مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم * أذنب ولو كثرت في الاقاويل لقد أقوم مقاما لو يقوم به * أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد إلا أن يكون له * من الرسول بإذن الله تنويل (1) حتى وضعت يمينى ما أنازعها * في كف ذى نقمات قوله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه * وقيل إنك منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الارض مخدره * في بطن عثر غيل دونه غيل (2) يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما * لحم من الناس معفور خراديل (3) إذا يساور قرنا لا يحل له * أن يترك القرن إلا وهو مغلول منه تظل حمير الوحش نافرة * ولا تمشى بواديه الاراجيل (4) ولا يزال بواديه أخو ثقة * مضرج البز والدرسان مأكول (5) إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم * ببطن مكة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل (6)


(1) الاصل: لظل يرعد من وجد موارده من الرسول. وما أثبته عن ابن هشام (2) الضراء: الارض المستوية. (3) المعفور: الملقى في التراب. والخراديل: القطع الصغار. (4) الاراجيل: جماعات الرجال. (5) البز: السلاح. والدرسان: الثياب الخلقة. (6) الانكاس: جمع نكس وهو الجبان. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم. (*)

[ 705 ]

يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم * ضرب إذا عرد السود التنابيل (1) شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها خلق * كأنها حلق القفعاء مجدول (2) ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم * قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم * ولا لهم عن حياض الموت تهليل قال ابن هشام: هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسنادا. وقد رواها الحافظ البيهقى في دلائل النبوة بإسناد متصل، فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو القاسم عبدالرحمن بن الحسن بن أحمد الاسدي بهمذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنا الحجاج بن ذى الرقيبة بن عبدالرحمن ابن كعب بن زهير بن أبى سلمى، عن أبيه، عن جده قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: اثبت في هذا المكان حتى آتى هذا الرجل - يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأسمع ما يقول: فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الاسلام فأسلم. فبلغ ذلك كعبا فقال: ألا أبلغا عنى بجيرا رسالة * على أي شئ ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا سقاك أبو بكر بكأس روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا فلما بلغت الابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه وقال: " من لقى كعبا فليقتله ". فكتب بذلك بجير إلى أخيه، وذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه ويقول له: النجاء وما أراك تنفلت. ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله صلى الله


(1) عرد: هرب. والتنابيل: القصار. (2) القفعاء: ضرب من الحسك تشبه به حلق الدر (*)

[ 706 ]

عليه وسلم لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا قبل ذلك منه وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل. قال: فأسلم كعب وقال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل المسجد ورسول الله مع أصحابه كالمائدة بين القوم متحلقون معه حلقة خلف حلقة، يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم. قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة حتى جلست إليه فأسلمت وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله الامان يا رسول الله. قال: " ومن أنت ؟ " قال: كعب بن زهير. قال: " الذى يقول " ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " كيف قال يا أبا بكر ؟ " فأنشده أبو بكر: سقاك بها المأمون كأسا روية * وأنهلك المأمور منها وعلكا قال: يا رسول الله ما قلت هكذا قال: " فكيف قلت ؟ " قال قلت: سقاك بها المأمون كأسا روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مأمون والله. ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها وهى هذه القصيدة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها لم يفد مكبول وقد تقدم ما ذكرناه من الرمز لما اختلف فيه إنشاد ابن إسحاق والبيهقي رحمهما الله عزوجل وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن كعبا لما انتهى إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول نبئت أن رسول الله أوعدنى * والعفو عند رسول الله مأمول

[ 707 ]

قال: فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من معه أن اسمعوا. وقد ذكر ذلك قبله موسى بن عقبة في مغازيه. ولله الحمد والمنة. قلت: ورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه بردته حين أنشده القصيدة، وقد نظم ذلك الصرصرى في بعض مدائحه، وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة، قال: وهى البردة التى عند الخلفاء. قلت: وهذا من الامور المشهورة جدا، ولكن لم أر ذلك في شئ من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه. فالله أعلم. وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له، لما قال بانت سعاد: ومن سعاد ؟ قال: زوجتى يا رسول الله. قال: لم تبن. ولكن لم يصح ذلك. وكأنه على ذلك توهم أن بإسلامه تبين امرأته، والظاهر أنه إنما أراد البينونة الحسية لا الحكمية. والله تعالى أعلم. * * * قال ابن إسحاق: وقال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب - يعنى في قصيدته - " إذا عرد السود التنابيل " وإنما يريدنا معشر الانصار لما كان صاحبنا صنع به، وخص المهاجرين من قريش بمدحته، غضبت عليه الانصار فقال بعد أن أسلم يمدح الانصار ويذكر بلاءهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعهم من اليمن: من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقنب من صالحي الانصار (1) ورثوا المكارم كابرا عن كابر * إن الخيارهم بنو الاخيار المكرهين السمهرى بأذرع * كسوالف الهندي غير قصار


(1) المقنب: الجماعة من الخيل. (*)

[ 708 ]

والناظرين بأعين محمرة * كالجمر غير كليلة الابصار والبائعين نفوسهم لنبيهم * للموت يوم تعانق وكرار يتطهرون يرونه نسكا لهم * بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت بطون خفية * غلب الرقاب من الاسود ضوارى وإذا حللت ليمنعوك إليهم * أصبحت عند معاقل الاعفار (1) ضربوا عليا يوم بدر ضربة * دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الاقوام علمي كله * فيهم لصدقني الذين أمارى قوم إذا خوت النجوم فإنهم * للطارقين النازلين مقارى قال ابن هشام: ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده بانت سعاد: " لولا ذكرت الانصار بخير فإنهم لذلك أهل ؟ " فقال كعب هذه الابيات وهى في قصيدة له. قال: وبلغني عن على بن زيد بن جدعان أن كعب بن زهير أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. وقد رواه الحافظ البيهقى بإسناده المتقدم إلى إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنى معن بن عيسى، حدثنى محمد بن عبدالرحمن الافطس، عن ابن جدعان. فذكره وهو مرسل. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في كتاب " الاستيعاب في معرفة الاصحاب " بعد ما أورد طرفا من ترجمة كعب بن زهير إلى أن قال: وقد كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير، وكعب أشعرهما، وأبوهما زهير فوقهما، ومما يستجاد من شعر كعب بن زهير قوله: لو كنت أعجب من شئ لاعجبني * سعى الفتى وهو مخبوء له القدر


(1) الاعفار: جمع عفر وهو ولد الوعل (*)

[ 709 ]

يسعى الفتى لامور ليس يدركها * فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل * لا تنتهى العين حتى ينتهى الاثر ثم أورد له ابن عبد البر أشعارا كثيرة يطول ذكرها، ولم يؤرخ وفاته، وكذا لم يؤرخها أبو الحسن بن الاثير في كتاب الغابة في معرفة الصحابة، ولكن حكى أن أباه توفى قبل المبعث بسنة. فالله أعلم. وقال السهيلي: ومما أجاد فيه كعب بن زهير قوله يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجرى به الناقة الادماء معتجرا * بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم ففى عطافيه أو أثناء بردته * ما يعلم الله من دين ومن كرم

[ 710 ]

فصل فيما كان من الحوادث المشهورة في سنة ثمان والوفيات فكان من جمادى منها وقعة مؤتة، وفى رمضان غزوة فتح مكة، وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين، وبعده كان حصار الطائف، ثم كانت عمرة الجعرانة في ذى القعدة، ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة. قال الواقدي: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لليال بقين من ذى الحجة في سفرته هذه. قال الواقدي: وفى هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندى من الازد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الاعراب. قال: وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذى القعدة، فاستعاذت منه عليه السلام ففارقها، وقيل بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها. قال: وفى ذى الحجة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية، فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا، وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إلى أبى رافع فأخبرته فذهب فبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه مملوكا، ودفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم برة بنت المنذر بن أسيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول.

[ 711 ]

وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع. وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذى كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف، وذلك لخمس بقين من رمضان منها. قال الواقدي: وفيها كان هدم سواع الذى كانت تعبده هذيل برهاط، هدمه عمرو بن العاص رضى الله عنه ولم يجد في خزانته شيئا، وفيها هدم مناة بالمشلل، وكانت الانصار أوسها وخزرجها يعظمونه، هدمه سعد بن زيد الاشهلى رضى الله عنه. وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير سورة النجم عند قوله تعالى: " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى ". قلت: وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذى كانت تعبده ويسمونه الكعبة اليمانية مضاهية للكعبة التى بمكة، ويسمون التى بمكة الكعبة الشامية وتلك الكعبة اليمانية، فقال البخاري: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس، عن جرير قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تريحنى من ذى الخلصة ؟ " فقلت: بلى. فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " قال: فما وقعت عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية. قال: فأتاها فحرقها في النار وكسرها. قال: فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالازلام فقيل له: إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها إذ

[ 712 ]

وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لاضربن عنقك. فكسرها وشهد. ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك. قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله والذى بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. قال: فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات. ورواه مسلم من طرق متعددة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبدالله البجلى بنحوه. " وإلى هنا ينتهى الجزء الثالث من السيرة النبوية لابن كثير وتلك الكعبة اليمانية، فقال البخاري: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس، عن جرير قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تريحنى من ذى الخلصة ؟ " فقلت: بلى. فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " قال: فما وقعت عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية. قال: فأتاها فحرقها في النار وكسرها. قال: فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالازلام فقيل له: إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها إذ

[ 712 ]

وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لاضربن عنقك. فكسرها وشهد. ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك. قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله والذى بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. قال: فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات. ورواه مسلم من طرق متعددة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبدالله البجلى بنحوه. " وإلى هنا ينتهى الجزء الثالث من السيرة النبوية لابن كثير ويتلوه الجزء الرابع وأوله ذكر غزوة تبوك "

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية