الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




السيرة النبوية - ابن كثير ج 2

السيرة النبوية

ابن كثير ج 2


[ 1 ]

السيرة النبوية للامام أبى الفداء إسماعيل بن كثير 701 - 774 ه‍ تحقيق مصطفى عبد الواحد الجزء الثاني 1396 ه‍ - 1976 م دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع هاتف 236769 - 246161 ص. ب 5769 بيروت لبنان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم من الفتنة قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد والاهانة البالغة. وكان الله عزوجل قد حجرهم عن رسوله صلى الله عليه وسلم ومنعه بعمه أبى طالب. كما تقدم تفصيله. ولله الحمد والمنة. وروى الواقدي أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة. وهم: عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبى أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة العنزي، وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وأبو سبرة بن أبى رهم، وحاطب (1) بن عمرو، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود. رضى الله عنهم أجمعين. قال ابن جرير: وقال آخرون: بل كانوا اثنين وثمانين رجلا، سوى نسائهم


(1) في ابن هشام: ويقال بل أبو حاطب. (*)

[ 4 ]

وأبنائهم، وعمار بن ياسر، نشك، فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلا. * * * وقال محمد بن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله عزوجل ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم. فكانت أول هجرة كانت في الاسلام. فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا روى البيهقى من حديث يعقوب بن سفيان، عن عباس العنبري، عن بشر بن موسى، عن الحسن بن زياد البرجمى (1)، حدثتا قتادة، قال: أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان رضى الله عنه. سمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة، يعنى أنس بن مالك، يقول: خرج عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما، فقدمت امرأة من قريش فقالت:


(1) نسبة إلى البراجم، قبيلة من تميم، وهو لقب لخمس بطون. اللباب 1 - 7. 1. (*)

[ 5 ]

يا محمد، قد رأيت ختنك (1) ومعه امرأته. قال: على أي حال رأيتيهما ؟ قالت: رأيته قد حمل امرأته حمار من هذه الدبابة (2) وهو يسوقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صحبهما الله ! إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام. قال ابن إسحاق: وأبو حذيفة بن عتبة، وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو، وولدت له بالحبشة محمد بن أبى حذيفة. والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامراته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، وولدت له بها زينب. وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب، وهو من بنى عنز بن وائل، وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وأبو سبرة بن أبى رهم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، ويقال أبو حاطب بن عمر بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وهو أول من قدمها فيما قيل. وسهيل بن بيضاء فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة، فيما بلغني قال ابن هشام: وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر بعض أهل العلم قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبى طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس، وولدت له بها عبدالله بن جعفر. وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة * * * وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الاولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل


(1) الختن: الصهر. (2) الدبابة: الضعيفة التى تدب في المشى. (*)

[ 6 ]

أبو طالب ومن حالفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب. وفى هذا نظر. والله أعلم. وزعم أن خروج جعفر بن أبى طالب إنما كان في الهجرة الثانية إليها، وذلك بعد عود بعض من كان خرج أولا، حين بلغهم أن المشركين أسلموا وصلوا، فلما قدموا مكة، وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون، فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحا، فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة، وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة وهى الهجرة الثانية. كما سيأتي بيانه. قال موسى بن عقبة: وكان جعفر بن أبى طالب فيمن خرج ثانيا. وما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرعيل الاول أظهر كما سيأتي بيانه. والله أعلم. لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولا، وهو المقدم عليهم والمترجم عنهم عند النجاشي وغيره. وكما سنورده مبسوطا. * * * ثم إن ابن إسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر رضى الله عنهم. وهم: عمرو بن سعيد بن العاص، وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث ابن شق الكنانى. وأخوه خالد، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعى، وولدت له بها سعيدا وأمة التى تزوجها بعد ذلك الزبير فولدت له عمرا وخالدا. قال: وعبد الله بن جحش بن رئاب، وأخوه عبيد الله، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان.

[ 7 ]

وقيس بن عبدالله من بنى أسد بن خزيمة وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبى سفيان. ومعيقيب بن أبى فاطمة، وهو من موالى سعيد بن العاص. قال ابن هشام: وهو من دوس. قال: وأبو موسى [ الاشعري ] عبدالله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة. وسنتكلم معه في هذا. وعتبة بن غزوان، ويزيد بن زمعة بن الاسود، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، وطليب بن عمير بن وهب بن أبى كثير (1) بن عبد، وسويبط بن سعد بن حريملة (2)، وجهم بن قيس العبدوى، ومعه امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بن خزيمة، وولداه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم، وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة، وعامر بن أبى وقاص أخو سعد، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري. وامرأته رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة، وولدت بها عبدالله. وعبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة، والمقداد بن الاسود، والحارث بن خالد بن صخر التيمى، وامرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة (3)، وولدت له بها موسى وعائشة وزينب وفاطمة. وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومى. قال: وإنما سمى شماسا لحسنه، وأصل اسمه عثمان بن عثمان. وهبار بن سفيان بن عبد الاسد المخزومى، وأخوه عبدالله، وهشام بن أبى حذيفة


(1) وتروى: كبير. (2) وتروى: حرملة. (3) في الاستيعاب: ابن جبلة. (*)

[ 8 ]

ابن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وعياش بن أبى ربيعة بن المغيرة، ومعتب بن عوف بن عامر، ويقال له عيهامة، وهو من حلفاء بنى مخزوم. قال: وقدامة وعبد الله أخوا عثمان بن مظعون، والسائب بن عثمان بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر، ومعه امرأته فاطمة بنت المجلل، وابناه منها محمد والحارث، وأخوه خطاب، وامرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب، وامرأته حسنة وابناه منها جابر وجنادة، وابنها من غيره، وهو شرحبيل بن عبدالله، أحد الغوث بن مزاحم بن تميم، وهو الذى يقال له شرحبيل بن حسنة. وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدى، وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم، وهشام بن العاص بن وائل بن سعيد، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدى، وأخوه عبد الله. وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدى، وإخوته: الحارث ومعمر والسائب وبشر وسعيد، أبناء الحارث، و [ أخو ] سعيد بن قيس بن عدى لامه، وهو سعيد بن عمرو التميمي. وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد بن سهم، وحليف لبنى سهم وهو محمية بن جزء (1)، الزبيدى ومعمر بن عبدالله العدوى، وعروة بن عبدالعزى، وعدى بن نضلة بن عبدالعزى، وابنه النعمان، وعبد الله بن مخرمة العامري، وعبد الله بن سهيل ابن عمرو، وسليط بن عمرو، وأخوه السكران، ومعه زوجته سودة بنت زمعة، ومالك بن ربيعة، وامرأته عمرة بنت السعدى، وأبو حاطب (2) بن عمرو العامري وحليفهم سعد بن خولة، وهو من اليمن.


(1) ويروى كما في ابن هشام والاستيعاب: ابن جزاء. (2) ويروى كما في الاستيعاب: حاطب بن عمرو. (*)

[ 9 ]

وأبو عبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح الفهرى، وسهيل بن بيضاء، وهى أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وهو سهيل بن وهب ابن ربيعة بن هلال [ بن أهيب ] (1) بن ضبة، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة بن هلال [ بن أهيب ] (1) بن مالك بن ضبة بن الحارث، وعياض بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة، وعثمان بن عبد غنم بن زهير أخوان، وسعيد بن عبد قيس بن لقيط، وأخوه الحارث، الفهريون. * * * قال ابن إسحق: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها،: ثلاثة وثمانين رجلا إن كان عمار ابن ياسر فيهم، وهو يشك فيه. * * * قلت: وذكر ابن إسحق أبا موسى الاشعري فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة غريب جدا. وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، سمعت حديجا (2) أخا زهير بن معاوية، عن أبى إسحق، عن عبدالله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن نحو (3) من ثمانين رجلا، فيهم عبدالله بن مسعود وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون وأبو موسى، فأتوا النجاشي.


(1) الزيادة من ابن هشام. (2) الاصل خديج بالخاء. وهو تحريف وما أثبته عن المسند. (3) ط: نحوا. وما أثبته عن المسند. (*)

[ 10 ]

وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية. فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرا من بنى عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا عن ملتنا. قال: فأين هم ؟ قالا: في أرضك فابعث إليهم. فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم. فاتبعوه. فسلم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك ؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله عزوجل. قال: وما ذاك ؟ قال: إن الله بعث إلينا رسولا، ثم أمرنا ألا نسجد لاحد إلا لله عزوجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم. قال: فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه. قال: نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التى لم يمسها بشر ولم يفرضها ولد (1). قال: فرفع عودا من الارض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذى نقول (2) فيه ما سوى (3) هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله وأنه الذى نجد في الانجيل، وأنه الرسول الذى بشر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لو لا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أكون أنا الذى أحمل نعليه (4) !


(1) رواية النهاية لابن الاثير: ولم يفترضها ولد. قال: أي لم يؤثر فيها ولم يحزها، يعنى قبل المسيح. ورواية ابن الجوزى في الوفا: ولم يقرعها ذكر. (2) مسند أحمد: يقول. (3) المسند: ما يسوى. (4) زاد في المسند: وأوضئه. (*)

[ 11 ]

وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما. ثم تعجل عبدالله بن مسعود حتى أدرك بدرا. وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته. وهذا إسناد جيد قوى وسياق حسن، وفيه ما يقتضى أن أبا موسى كان فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة، إن لم يكن مدرجا من بعض الرواة. والله أعلم. * * * وقد روى عن أبى إسحق السبيعى من وجه آخر. فقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، حدثنا عبدالله بن رجاء، حدثنا إسرائيل. وحدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا الحسن بن علوية القطان، حدثنا عباد بن موسى الختلى، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا إسرائيل. وحدثنا أبو أحمد، حدثنا عبدالله بن محمد بن شيرويه، حدثنا إسحق بن إبراهيم، هو ابن راهوبه، حدثنا عبيد الله (1) بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن إبى إسحق، عن أبى بردة، عن أبى موسى، قال: أمرنا رسول الله صلى عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبى طالب إلى أرض النجاشي (2). فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية. وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها، وسجدا له.


(1) دلائل النبوة 205: عبدالله. (2) الدلائل أرض الحبشة. (*)

[ 12 ]

ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك. قال لهم النجاشي: في أرضى ؟ ! قالا: نعم. فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم. فانتهينا (1) إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره، والقسيسون جلوس سماطين، وقد قال له عمرو وعماره: إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للمك. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله عزوجل. فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد ؟ قال: لا نسجد إلا لله. فقال له النجاشي: وما ذاك ؟ قال: إن الله بعث فينا رسولا، وهو الرسول الذى بشر به عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من بعده، اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتى الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله. فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم. فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم.


(1) الدلائل: فانتهيت. (*)

[ 13 ]

قال: يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التى لم يقربها بشر ولم يفرضها ولد. فتناول النجاشي عودا من الارض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان: ما يزيدون هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه. مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذى بشر به عيسى، ولو لا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضى ما شئتم. وأمر لنا بطعام وكسوة، وقال: ردوا على هذين هديتهما. وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا، وكان عمارة رجلا جميلا، وكانا أقبلا في البحر فشربا، ومع عمرو امرأته، فلما شربا قال عمارة لعمرو: مر امرأتك فلتقبلنى. فقال له، عمرو: ألا تستحى ! فأخذ عمارة عمرا فرمى به في البحر، فجعل عمرو يناشد عمارة حتى أدخله السفينة. فحقد عليه عمرو في ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك. فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله، فطار مع الوحش (1). وهكذا رواه الحافظ البيهقى في الدلائل عن طريق أبى على الحسن بن سلام السواق، عن عبيد الله بن موسى، فذكر بإسناده مثله، إلى قوله: " فأمر لنا بطعام وكسوة ". قال: وهذا إسناد صحيح، وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبى طالب إلى أرض الحبشة. والصحيح عن يزيد بن عبدالله بن أبى بردة، عن جده أبى بردة، عن أبى موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم باليمن، فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين


(1) الذى في دلائل النبوة لابي نعيم 196 - 207 عدة روايات عن الهجرة إلى الحبشة وليس فيه رواية واحدة كاملة بهذا السياق الذى ذكره ابن كثير، ولعله أدمج بعضها في بعض. (*)

[ 14 ]

رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبى طالب وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالاقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر. قال: وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي فأخبر عنه. قال: ولعل الراوى وهم في قوله: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق ". والله أعلم. * * * وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بريد (1) بن عبدالله، عن أبى بردة، عن أبى موسى، قال: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فركبنا سفينة، فألقتنا سفننا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافينا (2) النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لكم أنتم أهل السفينة هجرتان ". وهكذا رواه مسلم عن أبى كريب وأبى عامر عبدالله بن براد (3)، كلاهما عن أبى أسامة به. وروياه في مواضع أخر مطولا. والله أعلم. * * * وأما قصة جعفر مع النجاشي فإن الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبى طالب من تاريخه، من رواية نفسه ومن رواية عمرو بن العاص، وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود، كما تقدم، وأم سلمة كما سيأتي.


(1) خ ط: يزيد. وهو تحريف وما أثبته من البخاري 2 / 186. (2) ابن يوسف بن أبى بردة بن أبى موسى. (3) البخاري: فوافقنا. (*)

[ 15 ]

فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا، رواها ابن عساكر، عن أبى القاسم السمرقندى، عن أبى الحسين بن النقور، عن أبى طاهر المخلص، عن أبى القاسم بن البغوي، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن الجعفي، عن عبدالله بن عمر بن أبان، حدثنا أسد بن عمرو البجلى، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبى عن عبدالله بن جعفر، عن أبيه قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبى سفيان إلى النجاشي، فقالوا له، ونحن عنده: قد صار إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا، فادفعهم إلينا. قال: لا حتى أسمع كلامهم. قال: فبعث إلينا فقال: ما يقول هؤلاء ؟ قال: قلنا هؤلاء قوم يعبدون الاوثان، وإن الله بعث إلينا رسولا فآمنا به وصدقناه. فقال لهم النجاشي: أعبيد هم لكم ؟ قالوا: لا. فقال: فلكم عليهم دين ؟. قالوا: لا. قال فخلوا سبيلهم. قال: فخرجنا من عنده، فقال عمرو بن العاص: إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول. قال: إن لم يقولوا في عيسى مثل قولى لم أدعهم في أرضى ساعة من نهار. فأرسل إلينا، فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الاولى. قال: ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم ؟ قلنا: يقول: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول. قال: فأرسل فقال: ادعوا لى فلان القس وفلان الراهب، فأتاه ناس منهم، فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم ؟

[ 16 ]

فقالوا: أنت أعلمنا، فما تقول ؟ قال النجاشي، وأخذ شيئا من الارض، قال: ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا. ثم قال: أيؤذيكم أحد ؟ قالوا: نعم. فنادى مناد: من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم. ثم قال: أيكفيكم ؟ قلنا: لا فأضعفها. قال: فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وظهر بها قلنا له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر وهاجر إلى المدينة وقتل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه، فردنا. قال: نعم. فحملنا وزودنا، ثم قال: أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا صاحبي معكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وقل له يستغفر لى. قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة، فتلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنقني، ثم قال: ما أدرى أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر ! ووافق ذلك فتح خيبر. ثم جلس. فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا. فقال: نعم، فعل بنا كذا وكذا، وحملنا وزودنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وقال لى: قل له يستغفر لى. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم دعا ثلاث مرات: اللهم اغفر للنجاشي فقال المسلمون: آمين. ثم قال جعفر: فقلت للرسول: انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 17 ]

ثم قال ابن عساكر: حسن غريب. * * * وأما رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحق، حدثنى الزهري، عن أبى بكر بن عبدالرحمن بن حارث بن هشام، عن أم سلمة رضى الله عنها، أنها قالت: لما ضاقت مكة وأوذى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شئ مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه ". فخرجنا إليها أرسالا، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلما. فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجنا من بلاده وليردنا عليهم. فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيأوا له هدية على حدة، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه، فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقدما عليه، فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم. (2 - السيرة - 2)

[ 18 ]

فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فإشيروا عليه بأن يفعل. فقالوا: نفعل. ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون إليه من مكة الادم (1)، وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا إليه فرسا وجبة ديباج. فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له: أيها الملك، إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجأوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلى بهم عينا، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك. فغضب ثم قال: لا لعمر الله ! لا أردهم حتى أدعوهم فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيرى، فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل بينهم وبينهم، ولم أنعم عينا. وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم، فقال: لا والله حتى أسمع كلامهم وأعلم على أي شئ هم عليه. فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له، فقال: أيها الرهط ألا تحدثوني ما لكم لا تحيوني كما يحيينى من أتانا من قومكم ؟ ! فأخبروني ماذا تقولون في عيسى، وما دينكم ؟ أنصارى أنتم ؟ قالوا: لا. قال: أفيهود أنتم ؟


(1) الادم: الجلد، أو المصبوغ منه. (*)

[ 19 ]

قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم ؟ قالوا: لا. قال: فما دينكم ؟ قالوا: الاسلام. قال: وما الاسلام ؟ قالوا: نعبد الله، لا نشرك به شيئا. قال: من جاءكم بهذا ؟ قالوا: جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفا وأداء الامانة، ونهانا أن نعبد الاوثان، وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له فصدقناه وعرفنا كلام الله، وعلمنا أن الذى جاء به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي الصادق، وكذبوه وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الاوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: والله إن هذا لمن المشكاة التى خرج منها أمر موسى. قال جعفر: وأما التحية: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، وأمرنا بذلك فحييناك بالذى يحيى بعضنا بعضا. وأما عيسى بن مريم، فعبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وابن العذراء البتول. فأخذ عودا وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك.

[ 20 ]

فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا، وما أطاع الله الناس في حين رد على ملكى فأطيع (1) الناس في دين الله، معاذ الله من ذلك. وقال يونس عن ابن إسحاق: فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم، ولم يكن شئ أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة من أن يسمع كلامهم. فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا: ماذا تقولون ؟ فقالوا: وماذا نقول ! نقول والله ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان. فلما دخلوا عليه كان الذى يكلمه منهم جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه. فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذى أنتم عليه ؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلو في يهودية ولا نصرانية. فقال له جعفر: أيها الملك، كنا قوما على الشرك، نعبد الاوثان ونأكل الميتة ونسئ الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئا ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونصل الارحام ونحمى الجوار، ونصلي لله عزوجل ونصوم له ولا نعبد غيره. وقال زياد (2) عن ابن إسحاق: فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الامانة، وصلة الارحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور


(1) المطبوعة: فاطع. وهو تحريف. (2) هو زياد البكائى راوي السيرة عن إبن اسحق، وروايته مقابلة لرواية يونس بن بكير. (*)

[ 21 ]

وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، أمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال: فعدد (1) عليه أمور الاسلام. فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له، ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الاوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال النجاشي: هل معك شئ مما جاء به ؟ فقرأ عليه صدرا من " كهيعص " فبكى والله النجاشي حتى أخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التى جاء بها موسى، انطلقوا راشدين، لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا. فخرجنا من عنده، وكان أبقى الرجلين فينا عبدالله بن ربيعة، فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم، ولاخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذى يعبد عيسى بن مريم، عبد ! فقال له عبدالله بن ربيعة: لا تفعل، فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا.


(1) الاصل: فعدوا. محرفة، وما أثبته عن ابن هشام. (2) هو زياد البكائى راوي السيرة عن ابن إسحاق، وروايته مقابلة لرواية يونس بن بكير. (*)

[ 22 ]

فقال: والله لافعلن. فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عنه. فبعث والله إليهم، ولم ينزل بنا مثلها. فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى إن هو يسألكم عنه ؟ فقالوا: نقول والله الذى قاله الله فيه، والذى أمرنا نبينا أن نقوله فيه. فدخلوا عليه وعنده بطارقته، فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال له جعفر: نقول هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فدلى النجاشي يده إلى الارض فأخذ عودا بين إصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد. فتناخرت بطارقته (1)، فقال: وإن تناخرتم والله ! اذهبوا فأنتم شيوم في الارض. الشيوم: الآمنون في الارض. من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثا. ما أحب أن لى دبرا وأنى آذيت رجلا منكم، والدبر بلسانهم: الذهب. وقال زياد عن ابن إسحاق: ما أحب أن لى دبرا من ذهب. قال ابن هشام: ويقال زبرا. وهو الجبل بلغتهم. ثم قال النجاشي: فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه، ردوا عليهما هداياهم فلا حاجة لى بها، واخرجا من بلادي.


(1) ط: بطراقته وهو تحريف. (*)

[ 23 ]

فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. * * * قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار. فلم ينشب (1) أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه. فو الله ما علمتنا حزنا حزنا قط هو أشد منه، فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتى ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه. فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائرا. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقيعة حتى ينظر على من تكون. فقال الزبير، وكان من أحدثهم سنا: أنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة. فهزم الله ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه. فجاءنا الزبير، فجعل يليح لنا بردائه ويقول: ألا فأبشروا، فقد أظهر الله النجاشي. قالت (2): فو الله ما علمتنا فرحنا بشئ قط فرحنا بظهور النجاشي. ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى مكة وأقام من أقام. * * *


(1) ط: نشب. محرفة. (2) ط: قلت: محرفة. (*)

[ 24 ]

قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: أتدرى ما قوله: ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه ؟ فقلت: لا، ما حدثنى ذلك أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا، ولم يكن لابي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه، فإن له اثنى عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف. فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه. فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه، فلا يدير أمره غيره، وكان لبيبا حازما من الرجال. فلما رأت الحبشة مكانه من عمه، قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا. فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فإما أن تقتله، وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم ! قتلتم أباه بالامس وأقتله اليوم ! بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به.

[ 25 ]

فلما كان العشى هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتله. ففزعوا إلى ولده، فإذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير. فمرج (1) على الحبشة أمرهم. فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله إن ملككم الذى لا يصلح أمركم غيره للذى بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب. فخرجوا في طلبه، فأدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه. فقال التاجر: ردوا على مالى كما أخذتم منى غلامي. فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذا والله لاكلمنه. فمشى إليه فكلمه فقال: أيها الملك، إنى ابتعت غلاما فقبض منى الذين باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدى ولم يردوا على مالى. فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله. فأعطوه إياه. فلذلك يقول: ما أخذ الله منى الرشوة فآخذ الرشوة حين رد على ملكى، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. * * * وقال موسى بن عقبة: كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات والنجاشى غلام صغير، فأوصى إلى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله الملك.


(1) مرج: اضطرب واختلط. (*)

[ 26 ]

فرغب أخوه في الملك، فباع النجاشي من بعض التجار. فمات عمه من ليلته وقضى، فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه. هكذا ذكره مختصرا، وسياق ابن إسحق أحسن وأبسط فالله أعلم. * * * والذى وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة. والذى ذكره موسى بن عقبة والاموى وغير واحد أنهما عمرو بن العاص وعمارة ابن الوليد بن المغيرة. وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة. وهكذا (1) تقدم في حديث ابن مسعود وأبى موسى الاشعري. والمقصود أنهما حين خرجا من مكة، كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شابا حسنا، فاصطحبا في السفينة، وكأن عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص، فألقى عمرا في البحر ليهلكه، فسبح حتى رجع إليها، فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك. فحقد عمرو عليه. فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي، فوشى به عمرو، فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله وساح في البرية مع الوحوش. وقد ذكر الاموى قصته مطولة جدا، وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه، فجعل يقول: أرسلني أرسلني وإلا مت. فلما لم يرسله مات من ساعته فالله أعلم.


(1) أي كونهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد. (*)

[ 27 ]

وقد قيل: إن قريشا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين: الاولى مع عمرو ابن العاص وعمارة، والثانية مع عمرو وعبد الله بن أبى ربيعة. نص عليه أبو نعيم في الدلائل. والله أعلم. وقد قيل إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر. قاله الزهري. لينالوا ممن هناك ثارا، فلم يجبهم النجاشي رضى الله عنه وأرضاه إلى شئ، مما سألوا. فالله أعلم. * * * وقد ذكر زياد عن ابن إسحق أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش، كتب إلى النجاشي أبياتا يحضه فيها على العدل وعلى الاحسان إلى من نزل عنده من قومه: ألا ليت شعرى كيف في النأى جعفر * وعمرو وأعداء العدو الاقارب وما نالت (1) افعال النجاشي جعفرا * وأصحابه، أو عاق ذلك شاغب تعلم أبيت اللعن أنك ماجد * كريم فلا يشقى إليك (2) المجانب ونعلم أن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب (3) * * * وقال يونس عن ابن إسحق: حدثنى يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان رضى الله عنه، والمشهور أن جعفرا هو المترجم رضى الله عنه. وقال زياد البكائى عن ابن إسحق: حدثنى يزيد بن رومان عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها، قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.


(1) وتروى: وهل نالت. (2) وتروى: لديك. (3) لازب: لاصق ملازم. (*)

[ 28 ]

ورواه أبو داود عن محمد بن عمرو الرازي، عن سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحق به: لما مات النجاشي رضى الله عنه كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. * * * وقال زياد عن محمد بن إسحق: حدثنى جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا. وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في قبائه عند المنكب الايمن. وخرج إلى الحبشة وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم ؟ قالوا: بلى. قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم ؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بكم ؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبده ورسوله. قال: فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي، ووضع يده على صدره على قبائه: وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا. وإنما يعنى ما كتب. فرضوا وانصرفوا.

[ 29 ]

فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له. * * * وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذى مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات. وقال البخاري: " موت النجاشي " حدثنا أبو الربيع، حدثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي: مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة ". وروى ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد. وفى بعض الروايات تسميته أصحمة، وفى رواية مصحمة، وهو أصحمة بن بحر (1). وكان عبدا صالحا لبيبا ذكيا، وكان عادلا عالما رضى الله عنه وأرضاه. وقال يونس عن ابن إسحق: اسم النجاشي مصحمة. وفى نسخة صححها البيهقى: أصحم. وهو بالعربية عطية. قال: وإنما النجاشي اسم الملك، كقولك كسرى، هرقل. قلت: كذا، ولعله يريد به قيصر، فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم، وكسرى علم على من ملك الفرس، وفرعون علم لمن ملك مصر كافة، والمقوقس لمن ملك الاسكندرية، وتبع لم ملك اليمن والشحر، والنجاشى لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك اليونان، وقيل الهند، وخاقان لمن ملك الترك.


(1) الاصل: أصحمة بن أبجر. وما أثبته من القاموس. (*)

[ 30 ]

وقال بعض العلماء: إنما صلى عليه لانه كان يكتم إيمانه من قومه، فلم يكن عنده يوم مات من يصلى عليه، فلهذا صلى عليه. قالوا: فالغائب إن كان قد صلى عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى، ولهذا لم يصل [ على ] النبي صلى الله عليه وسلم في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم، وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة، لم ينقل أنه صلى على أحد منهم في غير البلدة التى صلى عليه فيها. فالله أعلم. * * * قلت: وشهود أبى هريرة رضى الله عنه الصلاة على النجاشي دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر [ في السنة ] التى قدم [ فيها ] بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه يوم فتح خيبر. ولهذا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أدرى بأيهما أنا أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر بن أبى طالب ! وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي رضى الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبى موسى الاشعري، وقومه من الاشعريين رضى الله عنهم. ومع جعفر وهدايا النجاشي: ابن أخى النجاشي ذو نختر أو ذو مخمر، أرسله ليخدم النبي صلى عليه وسلم عوضا عن عمه، رضى الله عنهما وأرضاهما. وقال السهيلي: توفى النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة، وفى هذا نظر. والله أعلم. * * *

[ 31 ]

وقال البيهقى: أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسى، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا هلال بن العلاء الرقى، حدثنا أبى العلاء بن مدرك، حدثنا أبو هلال بن العلاء، عن أبيه، عن غالب، عن أبى أمامة قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: " إنهم كانوا لاصحابي مكرمين، وإنى أحب أن أكافئهم ". ثم قال: وأخبرنا أبو محمد عبدالله بن يوسف الاصبهاني، أنبأنا أبو سعيد بن الاعرابي، حدثنا هلال بن العلاء، حدثنا أبى، حدثنا طلحة بن يزيد، عن الاوزاعي، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى قتادة، قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: " إنهم كانوا لاصحابنا مكرمين، وإنى أحب أن أكافئهم ". تفرد به طلحة بن زيد، عن الاوزاعي. وقال البيهقى: حدثنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحق، حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال: لما قدم عمرو ابن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج إليهم، فقالوا: ما شأنه ما له لا يخرج ؟ فقال عمرو: إن أصحمة يزعم أن صاحبكم نبى.

[ 32 ]

[ إسلام عمر بن الخطاب ] قال ابن إسحق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة على قريش، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم، وردهم النجاشي بما يكرهون وأسلم عمر بن الخطاب، وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة، حتى غاظوا (1) قريشا. فكان عبدالله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. قلت: وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: " ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب ". وقال زياد البكائى: حدثنى مسعر بن كدام، عن سعد بن إبراهيم قال: قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. * * * قال ابن إسحق: وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة. حدثنى عبدالرحمن بن الحارث بن عبدالله بن عياش بن أبى ربيعة، عن عبد العزيز ابن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أمه أم عبدالله بنت أبى حثمة قالت: والله إنا


(1) ابن هشام: حتى عازوا قريشا. أي غلبوهم. (*)

[ 33 ]

لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف وهو على شركه، فقالت: وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة غلينا. قالت: فقال: إنه للانطلاق يا أم عبدالله ؟ ! قلت: نعم، والله لنخرجن في أرض من أرض الله، إذ آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجا. قالت: فقال: صحبكم الله ! ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا. قالت: فجاء عامر بحاجتنا تلك، فقلت له: يا أبا عبدالله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا ! قال: أطمعت في إسلامه ؟ قالت: قلت: نعم. قال: لا يسلم الذى رأيت حتى يسلم حمار الخطاب ! قالت: يأسا منه، لما كان يرى من غلظته وقسوته على الاسلام. * * * قلت: هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الاربعين من المسلمين. فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين. اللهم إلا أن يقال: إنه كان تمام الاربعين بعد خروج المهاجرين. ويؤيد هذا ما ذكره ابن إسحاق ههنا في قصة إسلام عمر وحده رضى الله عنه، وسياقها، فإنه قال: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، وكانت عند سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل، كانت قد أسلمت، وأسلم زوجها سعيد بن زيد، وهم مستخفون بإسلامهم من عمر. (3 - السيرة - 2)

[ 34 ]

وكان نعيم بن عبدالله النحام، رجل من بنى عدى، قد أسلم أيضا مستخفيا بإسلامه من قومه. وكان خباب بن الارت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد ذكروا (1) له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين، من بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى عليه وسلم عمه حمزة وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهم، في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة. فلقيه نعيم بن عبدالله فقال: أين تريد يا عمر ؟ قال: أريد محمدا، هذا الصابئ الذى فرق أمر قريش، وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر ! أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الارض وقد قتلت محمدا ؟ ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ قال: وأى أهل بيتى ؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما وتابعا محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه، فعليك بهما. فرجع عمر عائدا إلى أخته فاطمة، وعندها خباب بن الارت معه صحيفة فيها " طه " يقرئها إياها. فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة


(1) الاصل: فذكروا. والتصويب من ابن هشام. (*)

[ 35 ]

بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها. فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التى سمعت ؟ قالا له: ما سمعت شيثا. قال: بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى، وقال لاخته: أعطيني هذه الصحيفة التى كنتم تقرأون آنفا، أنظر ما هذا الذى جاء به محمد. وكان عمر كاتبا. فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافى. وحلف بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها. فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت: يا أخى إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسه إلا المطهرون. فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها " طه ". فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه !. فلما سمع ذلك خباب بن الارت خرج إليه فقال له: والله يا عمر إنى لارجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإنى سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الاسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب. فالله الله يا عمر. فقال عند ذلك فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه.

[ 36 ]

فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فإذا هو بعمر متوشح بالسيف، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف. فقال حمزة فأذن له: فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول صلى الله عليه وسلم: إيذن له. فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة، فقال: ما جاء بك يا بن الخطاب ؟ فو الله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة. فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لاومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله. قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة، فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم. فتفرق أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتصفون بهما من عدوهم. قال ابن إسحق: فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم رضى الله عنه. * * * قال ابن إسحق: وحدثني عبدالله بن أبى نجيح المكى، عن أصحابه عطاء ومجاهد وعمن روى ذلك، أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول:

[ 37 ]

كنت للاسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة (1) فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك، فلم أجد فيه منهم أحدا، فقلت: لو أنى جئت فلانا الخمار لعلى أجد عنده خمرا فأشرب منها. فخرجت فجئته فلم أجده. قال: فقلت: لو أنى جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين. قال: فجئت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الركنين الاسود واليماني. قال: فقلت حين رأيته: والله لو أنى استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول. فقلت: لئن دنوت منه لاستمع منه لاروعنه، فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشى رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بينى وبينه إلا ثياب الكعبة. قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبى وبكيت ودخلني الاسلام. فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبى حسين، وكان مسكنه في الدار الرقطاء التى كانت بيد معاوية. قال عمر: فتبعته، حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع


(1) الحزورة: كانت سوق مكة، ثم دخلت المسجد لما زيد فيه. (*)

[ 38 ]

حسى عرفني، فظن أنى إنما اتبعته لاوذيه، فنهمنى (1) ثم قال: ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة ؟ قال: قلت: جئت لاومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله. قال: فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " قد هداك الله يا عمر " ثم مسح صدري ودعا لى بالثبات. ثم انصرفت ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته. قال ابن إسحق: فالله أعلم أي ذلك كان. قلت: وقد استقصيت كيفية إسلام عمر رضى الله عنه وما ورد في ذلك من الاحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التى أفردتها على حدة. ولله الحمد والمنة. * * * قال ابن إسحق: وحدثني نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحى. فغدا عليه. قال عبدالله: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت. حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أنى أسلمت ودخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر واتبعته أنا، حتى [ إذا ] قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش. وهم في أنديتهم حول الكعبة. ألا إن ابن الخطاب قد صبأ.


(1) نهمنى: زجرني. (*)

[ 39 ]

قال: يقول عمر من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطلح (1) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى، حتى وقف عليهم. فقال: ما شأنكم ؟ فقالوا: صبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بنى عدى يسلمون لكم صاحبكم هكذا ؟ ! خلوا عن الرجل. قال: فو الله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. قال: فقلت لابي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، من الرجل الذى زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك. قال: ذاك أي بنى العاص بن وائل السهمى. وهذا إسناد جيد قوى، وهو يدل على تأخر إسلام عمر، لان ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة، وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين. وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين. والله أعلم. * * *


(1) طلح: تعب وأعيى. (*)

[ 40 ]

وقال البيهقى: حدثنا الحاكم، أخبرنا الاصم، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن ابن إسحق قال: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة، أو قريب من ذلك، من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة، فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه، ورجال قريش في أنديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عزوجل وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال: خيبكم الله من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم ! أو كما قال. قالوا لهم: لا نجاهلكم، سلام عليكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألون أنفسنا خيرا. فيقال: إن النفر من نصارى نجران، والله أعلم أي ذلك كان. ويقال، والله أعلم، أن فيهم نزلت هذه الآيات: " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به، إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرأون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون. وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين (1) ".


(1) سورة القصص 52 - 55 (*)

[ 41 ]

فصل قال البيهقى في الدلائل: باب ما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي: ثم روى عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن ابن إسحق، قال: بسم الله الرحمن الرحيم " هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي الاصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإنى أنا رسوله، فأسلم تسلم: " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا تتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (1) ". فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك " هكذا ذكره البيهقى بعد قصة هجرة الحبشة، وفى ذكره ها هنا نظر، فإن الظاهر أن هذا الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذى كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه. وذلك حين كتب إلى ملوك الارض يدعوهم إلى الله عزوجل قبيل الفتح، كما كتب إلى هرقل عظيم الروم قيصر الشام، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى صاحب مصر، وإلى النجاشي. قال الزهري: كانت كتب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم واحدة، يعنى نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية، وهى من سورة آل عمران، وهى مدنية بلا خلاف، فإنها من صدر السورة.


(1) سورة آل عمران 64. (*)

[ 42 ]

وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وفد نجران، كما قررنا ذلك في التفسير، ولله الحمد والمنة. فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الاول. وقوله فيه: " إلى النجاشي الاصحم " لعل " الاصحم " مقحم من الراوى بحسب ما فهم. والله أعلم. * * * وأنسب من هذا ها هنا ما ذكره البيهقى أيضا، عن الحاكم، عن أبى الحسن محمد بن عبدالله الفقيه، بمرو، حدثنا حماد بن أحمد، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحق، قال: بعث رسول الله صلى عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه، وكتب معه كتابا: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخته، كما خلق آدم بيده ونفخه، وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بى وبالذي جاءني، فإنى رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فاقرهم، ودع التجبر فإنى أدعوك وجنودك إلى الله عزوجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى ". فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى

[ 43 ]

محمد رسول الله من النجاشي الاصحم بن أبجر (1)، سلام عليك يا نبى الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذى هداني إلى الاسلام، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والارض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبى الله بأريحا بن الاصحم بن أبجر، فإنى لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإنى أشهد أن ما تقول حق. فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بنى هاشم وبنى عبدالمطلب في نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحصرهم إياهم في شعب أبى طالب مدة طويلة، وكتابتهم بذلك صحيفة ظالمة فاجرة، وما ظهر في ذلك كله من آيات النبوة ودلائل الصدق. قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا، حتى بلغ المسلمون (2) الجهد واشتد عليهم البلاء، وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية. فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بنى عبدالمطلب، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله. فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا.


(1) الذى في القاموس: ابن بحر. (2) ط: المسلمين. (*)

[ 44 ]

فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا على ذلك، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق: لا يقبلوا من بنى هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل. فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الاسواق، فلا يتركوا لهم طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه. يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد به مكرا أو اغتيالا له، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بنى عمه فاضطجعوا على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه. * * * فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بنى عبد مناف ومن قصى، ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بنى هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق. واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه. وبعث الله على صحيفتهم الارضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق. ويقال: كانت معلقة في سقف البيت، فلم تترك اسما لله فيها إلا لحسته، وبقى ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم. وأطلع الله عزوجل رسوله على الذى صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله

[ 45 ]

عليه وسلم لابي طالب، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني. فانطلق يمشى بعصابته من بنى عبدالمطلب، حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، فأتوهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التى تعاهدتم عليها، فعله أن يكون بيننا وبينكم صلح. وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها. فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوع إليهم، فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم. فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لاعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخى أخبرني، ولم يكذبنى، أن الله برئ من هذه الصحيفة التى في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم. فإن كان الحديث الذى قال ابن أخى كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا حتى يموت من عندنا آخرنا. وإن كان الذى قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم. قالوا: قد رضينا بالذى تقول. ففتحوا الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر خبرها. فلما رأتها قريش كالذى قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحرا من صاحبكم.

[ 46 ]

فارتكسوا وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه. فقال أولئك النفر من بنى عبدالمطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون، فإنا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولو لا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهى في أيديكم، طمس ما كان فيها من اسمه وما كان فيها من بغى تركه، أفنحن السحرة أم أنتم. * * * فقال عند ذلك النفر من بنى عبد مناف وبنى قصى ورجال من قريش ولدتهم نساء من بنى هاشم، منهم أبوالبخترى، والمطعم بن عدى، وزهير بن أبى أمية بن المغيرة، وزمعة ابن الاسود وهشام بن عمرو، وكانت الصحيفة عنده وهو من بنى عامر بن لؤى، في رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن براء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل لعنه الله: هذا أمر قضى بليل. وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمدح النفر الذين تبرأوا منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي. * * * قال البيهقى: وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ، يعنى من طريق ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة بن الزبير، يعنى كسياق موسى بن عقبة رحمه الله. وقد تقدم عن موسى بن عقبة أنه قال: إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشعب، عن أمر رسول الله صلى الله عيله وسلم لهم في ذلك. فالله أعلم. قلت: والاشبه أن أبا طالب إنما قال قصيدته اللامية التى قدمنا ذكرها بعد دخولهم الشعب أيضا، فذكرها ههنا أنسب. والله أعلم.

[ 47 ]

ثم روى البيهقى من طريق يونس، عن محمد بن إسحق قال: لما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذى بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه، وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه، إلا أنهم اتقوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لما قارفه من قومه. فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب، وعرفت قريش ألا سبيل إلى محمد، اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بنى هاشم وبنى عبدالمطلب: ألا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم وألا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة. ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم، واشتد عليهم البلاء وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا. ثم ذكر القصة بطولها في دخولهم شعب أبى طالب وما بلغوا فيه من فتنة الجهد الشديد، حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من رواء الشعب من الجوع. حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة. وذكروا أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الارضة، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أكلته، وبقى فيها الظلم والقطيعة والبهتان، فأخبر الله تعالى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك عمه أبا طالب. ثم ذكر بقية القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم. * * * وقال ابن هشام عن زياد عن محمد بن إسحق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا منه (1)


(1) ابن هشام: أصابوا به. (*)

[ 48 ]

أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الاسلام يفشو في القبائل، فاجتمعوا (1) وائتمروا على أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى عبدالمطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم. وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ابن قصى. قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث. فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه. وقال الواقدي: كان الذى يكتب الصحيفة طلحة بن أبى طلحة العبدرى. قلت: والمشهور أنه منصور بن عكرمة، كما ذكره ابن إسحق، وهو الذى شلت يده فما كان ينتفع بها، وكانت قريش تقول بينها: انظروا إلى منصور بن عكرمة. قال الواقدي: وكانت الصحيفة معلقة في جوف الكعبة. * * * قال ابن إسحق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه. وخرج من بنى هاشم أبو لهب بن عبدالعزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم. وحدثني حسين بن عبدالله أن أبا لهب لقى هند بنت عتبة بن ربيعة حين فارق


(1) ابن هشام: اجتمعوا. وهو الصواب. (*)

[ 49 ]

قومه وظاهر عليهم قريشا فقال: يا بنة عتية، هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقها (1) وظاهر عليها. قالت: نعم، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة. قال ابن إسحق: وحدثت أنه كان يقول في بعض ما يقول: يعدني محمد أشياء لا أراها يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدى بعد ذلك ؟ ! ثم ينفخ في يديه فيقول: تبا لكما، لا أرى فيكما شيئا مما يقول محمد. فأنزل الله تعالى: " تبت يدا أبى لهب وتب ". قال ابن اسحق: فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذى صنعوا قال أبو طالب: ألا أبلغا عنا على ذات بيننا * لؤيا وخصا من لؤى بنى كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصه الله بالحب وأن الذى ألصقتم من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب (2). أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذى الذنب ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب وتستجلبوا حربا عوانا (3) وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب


(1) ابن هشام: فارقهما. (2) راغية السقب: أراد ناقة صالح. والسقب: ولد الناقة: والراغية من الرغاء، وهو صوت الابل. (3) عوانا: مستمرة. (*) (4 - السيرة - 2)

[ 50 ]

ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت بالقساسية الشهب (1) بمعترك ضيق ترى كسر القنا * به والنسور الطخم يعكفن كالشرب (2) كأن مجال (3) الخيل في حجراته * ومعمعة الابطال معركة الحرب (3) أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة من الرعب * * * قال ابن إسحق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا، حتى جهدوا ولم يصل إليهم شئ إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش. وقد كان أبو جهل بن هشام، فيما يذكرون، لقى حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بنى هاشم ؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاءه أبوالبخترى بن هشام بن الحارث بن أسد فقال: ما لك وله ؟. فقال: يحمل الطعام إلى بنى هاشم. فقال له أبوالبخترى: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه، أتمنعه أن يأتيها بطعامها ؟ خل سبيل الرجل. قال: فأبى أبو جهل لعنه الله، حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبوالبخترى لحى بعير فضربه به فشجه ووطئه وطئا شديدا.


(1) تبن: تفصل، والسوالف: صفحات الاعناق. وأترت: قطعت. والقساسية: نوع من السيوف. (2) النسور الطخم: السود الرؤوس. والشرب: الجماعة من القوم يشربون. (3) الاصل: صحال. ولا معنى لها. وما أثبته عن نسخة من ابن هشام. (*)

[ 51 ]

وحمزة بن عبدالمطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتون بهم. [ المستهزئون ] ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، مناديا بأمر الله تعالى لا يتقى فيه أحدا من الناس. فجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بنى هاشم وبنى عبدالمطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه. وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته. منهم من سمى لنا، ومنهم من نزل القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار. فذكر ابن إسحاق أبا لهب ونزول السورة فيه، وأمية بن خلف ونزول قوله تعالى: " ويل لكل همزة لمزة " السورة بكمالها فيه. والعاص بن وائل ونزول قوله " أفرأيت الذى كفر بآياتنا وقال: لاوتين مالا وولدا " (1) فيه. وقد تقدم شئ من ذلك. وأبا جهل بن هشام، وقوله للنبى صلى الله عليه وسلم: لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك (2) [ الذى تعبد ] (3)، ونزول قول الله فيه: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " (4) الآية. والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة، ومنهم من يقول علقمة بن كلدة، قاله السهيلي، وجلوسه بعد النبي صلى الله عليه وسلم في مجالسه، حيث يتلو القرآن ويدعوا إلى


(1) سورة مريم 77. (2) الاصل: آلهتك. وهو تحريف وما أثبته عن ابن هشام. (3) من ابن هشام. (4) سورة الانعام 108. (*)

[ 52 ]

الله، فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم واسفنديار وما جرى بينهم من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا منى، وما حديثه إلا أساطير الاولين اكتتبتها كما اكتتبها. فأنزل الله تعالى: " وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا (1) " وقوله: " ويل لكل أفاك أثيم " (2). * * * قال ابن اسحق: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا، يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد. فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفى المجلس غير واحد من رجال قريش. فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون، لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون، لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون " (3). ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبدالله بن الزبعرى السهمى حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبدالمطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبدالله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكل


(1) سورة الفرقان 5. (2) سورة الجاثية 7. (3) سورة الانبياء 98 - 100. (*)

[ 53 ]

من يعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله صلى عليه وسلم فقال: " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته ". فأنزل الله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون " (1). أي عيسى وعزيز ومن عبد من الاحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، سبحانه، بل عباد مكرمون " (2). والآيات بعدها. ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعرى: " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون. وقالوا أ آلهتنا خير أم هو ؟ ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون " (3). وهذا الجدل الذى سلكوه باطل. وهم يعلمون ذلك، لانهم قوم عرب، ومن لغتهم أن " ما " لما لا يعقل، فقوله " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الاحجار التى كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين


(1) سورة الانبياء. 101، 102 (2) سورة الانبياء. 26 - 29 سورة الزخرف 57، 58. (*)

[ 54 ]

زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيزا، ولا أحدا من الصالحين، لان اللفظ لا يتناولهم لا لفظا ولا معنى. فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى بن مريم من المثل جدل باطل، كما قال الله تعالى: " ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ". ثم قال: " إن هو " أي عيسى " إلا عبد أنعمنا عليه " أي بنبوتنا " وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل " أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء، حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا، وخلقنا سائر بنى آدم من ذكر وأنثى. كما قال في الآية الاخرى: " ولنجعله آية للناس " أي أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة " ورحمة منا " نرحم بها من نشاء. * * * وذكر ابن إسحق الاخنس بن شريق ونزول قوله تعالى فيه: " ولا تطع كل حلاف مهين " (1) الآيات. وذكر الوليد بن المغيرة حيث قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو (2) الثقفى سيد ثقيف، فنحن عظيما القريتين، ونزول قوله فيه: " وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " (3) والتى بعدها. وذكر أبى بن خلف حين قال لعقبة بن أبى معيط: ألم يبلغني أنك جالست محمدا وسمعت منه ؟ وجهى من وجهك حرام إلا أن تتفل في وجهه. ففعل ذلك عدو الله عقبة لعنه الله. فأنزل الله: " ويوم يعض الظالم على يديه يقول: يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتا ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا (4) " والتى بعدها.


(1) سورة نون 10 (2) ابن هشام: عمرو بن عمير. (3) سورة الزخرف 31. (4) سورة الفرقان 27، 28. (*)

[ 55 ]

قال: ومشى أبى بن خلف بعظم بال قد أرم فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم ؟ ! ثم فته بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار. وأنزل الله تعالى: " وضرب لنا مثلا ونسى خلقه، قال: من يحيى العظام وهى رميم. قل: يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (1) إلى آخر السورة. قال: واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني وهو يطوف عند باب الكعبة، الاسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الامر. فأنزل الله فيهم: " قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون " إلى آخرها. ولما سمع أبو جهل بشجرة الزقوم قال: أتدرون ما الزقوم ؟ هو تمر يضرب بالزبد ! ثم قال: هلم فلنتزقم. فأنزل الله تعالى: " إن شجرة الزقوم طعام الاثيم (2) ". قال: ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في إسلامه. فمر به ابن أم مكتوم، عاتكة بنت عبدالله بن عنكثة، الاعمى، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئه القرآن. فشق ذلك عليه حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه. فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا وتركه. فأنزل الله تعالى: " عبس وتولى، أن جاءه الاعمى " إلى قوله: " مرفوعة مطهرة ".


(1) سورة يس 78، 79 (2) سورة الدخان 43، 44. (*)

[ 56 ]

وقد قيل: إن الذى كان يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم: أمية بن خلف. فالله أعلم. * * * ثم ذكر ابن اسحق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة. وذلك حين بلغهم إسلام أهل مكة، وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب. وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما مع المشركين، وأنزل الله عليه: " والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم " يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد، فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والانس. وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (1) ". وذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الاضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضعها، إلا أن أصل القصة في الصحيح. قال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس ". انفرد به البخاري دون مسلم. وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبى إسحق،


(1) سورة الحج 52. (*)

[ 57 ]

سمعت الاسود، عن عبدالله قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " والنجم " بمكة، فسجد فيها، وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصا أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد قتل كافرا ". ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، من حديث شعبة. وقال الامام أحمد: حدثنا إبراهيم، حدثنا رباح، عن معمر، عن ابن طاووس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبى وداعة، عن أبيه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب، فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرؤها إلا سجد معه. وقد رواه النسائي، عن عبدالملك بن عبدالحميد، عن أحمد بن حنبل به. وقد يجمع بين هذا والذى قبله بأن هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارا، وذلك الشيخ الذى استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية. والله اعلم. * * * والمقصود أن الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه ولم يبق نزاع بينهم. فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها، فظنوا صحة ذلك. فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة، وكلاهما محسن مصيب فيما فعل. فذكر ابن إسحق أسماء من رجع منهم: عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة، وامرأته سهلة بنت سهيل، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وعتبة

[ 58 ]

ابن غزوان، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وسويبط بن سعد، وطليب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، وشماس بن عثمان. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، وقد حبسا بمكة حتى مضت بدر وأحد والخندق. وعمار بن ياسر، وهو ممن شك فيه: أخرج إلى الحبشة أم لا. ومعتب بن عوف، وعثمان بن مظعون، وابنه السائب، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وخنيس بن حذافة، وهشام بن العاص بن وائل، وقد حبس بمكة إلى بعد الخندق، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وعبد الله بن مخرمة. وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وقد حبس حتى كان يوم بدر فانحاز إلى المسلمين فشهد معهم بدرا. وأبو سبرة بن أبى رهم، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل. والسكران بن عمرو بن عبد شمس، وامرأته سودة بنت زمعة، وقد مات بمكة قبل الهجرة وخلف على امرأته رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسعد بن خولة، وأبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن الحارث بن زهير، وسهيل ابن بيضاء، وعمرو بن أبى سرح. فجميعهم: ثلاثه وثلاثون رجلا، رضى الله عنهم. * * * وقال البخاري: وقالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين ". فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر إلى الحبشة إلى المدينة.

[ 59 ]

وفيه عن أبى موسى وأسماء رضى الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم حديث أبى موسى، وهو في الصحيحين، وسيأتى حديث أسماء بنت عميس، بعد فتح خيبر حين قدم من كان تأخر من مهاجرة الحبشة، إن شاء الله، وبه الثقة. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن سليمان بن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلى فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، إنا كنا نسلم عليك فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي لم ترد علينا. قال: " إن في الصلاة شغلا ". وقد روى البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق أخر، عن سليمان بن مهران، عن الاعمش به: وهو يقوى تأويل من تأول حديث زيد بن أرقم الثابت في الصحيحين: كنا نتكلم في الصلاة، حتى نزل قوله: " وقوموا لله قانتين " (1 فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ". على أن المراد جنس الصحابة، فإن زيدا أنصارى مدنى، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بمكة، فتعين الحمل على ما تقدم. وأما ذكره الآية وهى مدينة فمشكل، ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك، وإنما كان المحرم له غيرها معها. والله أعلم. * * * قال ابن إسحق: وكان ممن دخل منهم بجوار (2) [ فيما سمى لنا (3) ] عثمان بن


(1) سورة البقرة 238 (2) الاصل: وكان ممن دخل معهم بجوار. وهو تحريف، وما أثبته عن ابن هشام (3) من ابن هشام. (*)

[ 60 ]

مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الاسد في جوار خاله ابى طالب، فإن أمه برة بنت عبدالمطلب (1). فأما عثمان بن مظعون فإن صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف حدثنى عمن حدثه عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يروح ويغدو في أمان من الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوى ورواحى في جوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل دينى يلقون من البلاء والاذى في الله ما لا يصيبني لنقص كثير (1) في نفسي ! فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك. قال: لم يا بن أخى ؟ لعله آذاك أحد من قومي ؟ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله عزوجل، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد على جواري علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلقا، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يرد على جواري. قال: صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان رضى الله عنه، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد: * ألا كل شئ ما خلا الله باطل *


(1) ابن هشام: وأم أبى سلمة برة بنت عبدالمطلب (2) ابن هشام: كبير. (*)

[ 61 ]

فقال عثمان: صدقت. فقال لبيد: * وكل نعيم لا محالة زائل * فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم ؟ ! فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله. فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل ولطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ [ من ] (1) عثمان، فقال: أما والله يابن أخى إن كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة. قال: يقول عثمان: بل والله إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ! وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يابن أخى إلى جوارك فعد. قال: لا. * * * قال ابن إسحق: وأما أبو سلمة بن عبد الاسد، فحدثني أبى إسحق بن يسار، عن سلمة بن عبدالله بن أبى سلمة، أنه حدثه أن أبا سلمة لما استجار بأبى طالب مشى إليه رجال من بنى مخزوم فقالوا له: يا أبا طالب، هذا منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا ؟


(1) من ابن هشام. (*)

[ 62 ]

قال: إنه استجار بى، وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى. فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبقوا على ذلك. فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن امرءا أبو عتيبة عمه * لفى روضة ما إن يسام المظالما أقول له وأين منه نصيحتي * أبا معتب ثبت سوادك قائما ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة * تسب بها إما هبطت المواسما وول سبيل العجز غيرك منهم * فإنك لم تخلق على العجز لازما وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى * أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة * ولم يخذلوك غانما أو مغارما جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما بتفريقهم من بعد ود وألفة * جماعتنا كيما ينالوا المحارما كذبتم وبيت الله نبزى (1) محمدا * ولما تروا يوما لدى الشعب قائما قال ابن هشام: وبقى منها بيت تركناه.


(1) نبزى: نسلب. (*)

[ 63 ]

ذكر عزم الصديق على الهجرة إلى أرض الحبشة قال ابن إسحق: وقد كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، كما حدثنى محمد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الاذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له. فخرج أبو بكر رضى الله عنه مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين، لقيه ابن الدغنة (1)، أخو بنى الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الاحابيش. قال الواقدي: اسمه الحارث بن يزيد، أحد بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة. وقال السهيلي: اسمه مالك. فقال: إلى أين يا أبا بكر ؟ قال: أخرجنى قومي وآذوني وضيقوا على. قال: ولم ؟ والله إنك لتزين العشيرة وتعين على النوائب وتفعل المعروف وتكسب المعدوم، ارجع فإنك في جواري. فرجع معه، حتى إذا دخل مكة قام معه ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت ابن أبى قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير. قال: فكفوا عنه.


(1) ابن الدغنة، بفتح الدال المشددة وكسر الغين المعجمة والنون مخففة مفتوحة، كذا ضبطه الزرقائى، وهو ضبط الرواة، وأهل اللغة يضبطونه بالدال مشددة مضمومة والغين مضمومة والنون مشددة مضمومة ومعنى الدغنة: المسترخية. (*)

[ 64 ]

قالت: وكان لابي بكر مسجد عند باب داره في بنى جمح، فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا أذا قرأ القرآن استبكى. قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء، يعجبون لما يرون من هيئته. قال: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة فقالوا: يا ابن الدغنة، إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وكانت له هيئة، ونحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذي قومك، وقد كرهوا مكانك الذى أنت به وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قال: فاردد على جواري. قال: قد رددته عليك. قال: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جواري، فشأنكم بصاحبكم. * * * وقد روى الامام البخاري هذا الحديث (1) متفردا به، وفيه زيادة حسنة. فقال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب (2) فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبوى (3) قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه


(1) صحيح البخاري باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة 2 / 190 (2) الاصل: قال ابن هشام: وهو تحريف وما أثبته من صحيح البخاري 2 / 190 (3) الاصل: أبواي. وهو خطأ. وما أثبته عن البخاري. (*)

[ 65 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية. فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد (1) لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة (2)، فقال: أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر: أخرجنى قومي فأريد أن أسيح في الارض فأعبد ربى. فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم ويحمل الكل ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق ؟ ! فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل فيها، ولقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ابن الدغنة ذلك لابي بكر. فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لابي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن. فيتقذف (1) نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينه إذا قرأ القرآن.


(1) برك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلى البحر. وقد حكى في الباء الضم والكسر (2) قبيلة تشتهر بالرمي ولهم ما يقال: قد أنصف القارة من راماها. (3) أي يتدافعون فيقذف بعضهم بعضا فيتساقطون عليه. ورواية المواهب: " فيتقصف " أي يزدحم ورواية المروزى والمستملي: فينقذف بالنون. شرح المواهب 1 / 289. (*) (5 - السيرة - 2)

[ 66 ]

فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لابي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذى قد عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلى ذمتي، فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإنى أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله عزوجل. ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبى بكر رضى الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي مبسوطا. قال ابن إسحاق: وحدثني عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، قال: لقيه، يعنى أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابن الدغنة، سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابا، فمر بأبى بكر الوليد ابن المغيرة أو العاص بن وائل، فقال له أبو بكر رضى الله عنه: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه ؟ ! فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك. وهو يقول: أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك ! فصل كل هذه القصص ذكرها ابن إسحق معترضا بها بين تعاقد قريش على بنى هاشم وبنى المطلب، وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة وحصرهم إياهم في الشعب، وبين نقض

[ 67 ]

الصحيفة وما كان من أمرها، وهى أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: من أراد المغازى فهو عيال على ابن إسحق. قال ابن إسحق: هذا وبنو هاشم وبنو المطلب في منزلهم الذى تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التى كتبوها. ثم إنه قام في نقض الصحيفة نفر من قريش. ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وذلك أنه كان ابن أخى نضلة بن هشام بن عبد مناف لامه. وكان هشام لبنى هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه. فكان، فيما بلغني، يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا، قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره برا فيفعل به مثل ذلك. ثم إنه مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبدالمطلب، فقال: يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ؟ أما إنى أحلف بالله لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معى رجل آخر لقمت في نقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو ؟ قال: أنا. قال له زهير: ابغنا ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدى فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من

[ 68 ]

بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه ؟ ! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا. قال: ويحك فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد. قال: وجدت لك ثانيا. قال: من ؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثا. قال قد فعلت قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبى أمية. قال ابغنا رابعا. فذهب إلى أبى البخترى بن هشام فقال نحو ما قال للمطعم بن عدى، فقال: وهل تجد أحدا يعين على هذا ؟ قال: نعم. قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبى أمية والمطعم بن عدى وأنا معك. قال: ابغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الامر الذى تدعوني إليه من أحد ؟ قال: نعم. ثم سمى القوم. فاتعدوا حطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبى أمية عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل الناس فقال: يا أهل مكة أنأ كل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل: وكان في ناحية المسجد: والله لا تشق. قال زمعة بن الاسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت. قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به.

[ 69 ]

قال المطعم بن عدى: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قد قضى بليل وتشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد. وقام المطعم بن عدى إلى الصحفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها إلا " باسمك اللهم " وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة فشلت يده، فيما يزعمون. قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي طالب: يا عم إن الله قد سلط الارضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان. فقال: أربك أخبرك بهذا ؟ قال: نعم. قال: فو الله ما يدخل عليك أحد. ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخى قد أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخى. فقال القوم: قد رضينا. فتعاقدوا على ذلك. ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزادهم ذلك شرا. فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا. قال ابن إسحاق: فلما مزقت وبطل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة يمدحهم:

[ 70 ]

ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا * على نأيهم والله بالناس أرود (1) فيخبرهم أن الصحيفة مزقت * وأن كل ما لم يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع * ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد تداعى لها من ليس فيها بقرقر (2) * فطائرها في رأسها يتردد وكانت كفاء وقعة بأثيمة * ليقطع منها ساعد ومقلد (3) ويظعن أهل المكتين فيهربوا * فرائصهم من خشية الشر ترعد ويترك حراث يقلب أمره * أيتهم فيها عند ذاك وينجد فمن ينش من حضار مكة عزه * فعزتنا في بطن مكة أتلد نشأنا بها والناس فيها قلائل * فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد ونطعم حتى يترك الناس فضلهم * إذا جعلت أيدى المفيضين ترعد جزى الله رهطا بالحجون تجمعوا * على ملا يهدى لحزم ويرشد قعودا لدى حطم الحجون كأنهم * مقاولة بل هم أعز وأمجد أعان عليها كل صقر كأنه * إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد (4) جرئ على جل (5) الخطوب كأنه * شهاب بكفى قابس يتوقد من الاكرمين من لؤى بن غالب * إذا سيم خسفا وجهه يتربد طويل النجاد خارج نصف ساقه * على وجهه يسقى الغمام ويسعد


(1) بحرينا: أراد بهم الذين بأرض الحبشة، نسبهم إلى البحر لركوبهم إياه. كما قال عليه السلام لاسماء بنت عميس حين قدمت من أرض الحبشة: " البحرية الحبشية " وأرود: أرفق. (2) القرقر: أراد الذليل، والقرقر: الارض الموطوءة التى لا تمنع سالكها. ويجوز أن يريد به: ليس بذى هزل. الروض. (3) المقلد: العنق. (4) رفرف الدرع: فضولها. والاحرد: الذى في مشيه تثاقل، وهو من الحرد، وهو عيب في الرجل. (5) وتروى: جلى. (*)

[ 71 ]

عظيم الرماد سيد وابن سيد * يحض على مقرى الضيوف ويحشد ويبنى لابناء العشيرة صالحا * إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد ألظ (1) بهذا الصلح كل مبرإ * عظيم اللواء أمره ثم يحمد قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا * على مهل وسائر الناس رقد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا * وسر أبو بكر بها ومحمد متى شرك الاقوام في حل أمرنا * وكنا قديما قبلها نتودد وكنا قديما لا نقر ظلامة * وندرك ما شئنا ولا نتشدد فيال قصى هل لكم في نفوسكم * وهل لكم فيما يجئ به غد فإنى وإياكم كما قال قائل * لديك البيان لو تكلمت أسود قال السهيلي: أسود اسم جبل قتل به قتيل ولم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول: لديك البيان لو تكلمت أسود. أي يا أسود لو تكلمت لابنت لنا عمن قتله (2). ثم ذكر ابن إسحاق شعر حسان يمدح المطعم بن عدى وهشام بن عمرو لقيامهما في نقض الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة. وقد ذكر الاموى ها هنا أشعارا كثيرة اكتفينا بما أورده ابن إسحاق. وقال الواقدي: سألت محمد بن صالح، وعبد الرحمن بن عبد العزيز: متى خرج بنو هاشم من الشعب ؟ قالا: في السنة العاشرة، يعنى من البعثة، قبل الهجرة بثلاث سنين. قلت: وفى هذه السنة بعد خروجهم توفى أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته خديجة بنت خويلد رضى الله عنها. كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.


(1) ألظ: أخ وطالب. (2) السهيلي: فقال أولياء المقتول هذه المقالة فذهبت مثلا. (*)

[ 72 ]

فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله بعد إبطال الصحيفة قصصا كثيرة تتضمن نصب عداوة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك منه، وإظهار الله المعجزات على يديه، دلالة على صدقه فيما جاءهم به من البينات والهدى، وتكذيبا لهم فيما يرمونه من البغى والعدوان والمكر والخداع، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقول، والله غالب على أمره. * * * فذكر قصة الطفيل بن عمرو الدوسى مرسلة. وكان سيدا مطاعا شريفا في دوس، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه. قال: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا (1) فرقا من أن يبلغني شئ من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة. قال: فقمت منه قريبا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قال: فسمعت كلاما حسنا، قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي ! والله إنى لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذى يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.


(1) الكرسف: القطن. (*)

[ 73 ]

قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته [ فاتبعته حتى إذا دخل بيته (1) ] دخلت عليه فقلت: يا محمد إن قومك قالوا لى كذا وكذا. للذى قالوا. قال: فو الله ما برحوا بى يخوفونني أمرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك. قال: فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام وتلا على القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه. قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبى الله إنى امرؤ مطاع في قومي، وإنى راجع إليهم وداعيهم إلى الاسلام، فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. قال فقال: اللهم اجعل له آية. قال فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع بين عينى نور مثل المصباح. قال: فقلت: اللهم في غير وجهى فإنى أخشى أن يظنوا أنها (2) مثلة وقعت في وجهى لفراقي دينهم. قال: فتحول فوقع في رأس سوطي. قال: فجعل الحاضرون (3) يتراءون ذلك النور في رأس سوطي كالقنديل المعلق وأنا أنهبط (4) عليهم من الثنية، حتى جئتهم فأصبحت فيهم.


(1) سقطت من المطبوعة. (2) الاصل: يظنوا بها وما أثبته من ابن هشام. (3) ابن هشام: الحاضر. (4) ابن هشام: أهبط. (*)

[ 74 ]

فلما نزلت أتانى أبى، وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عنى يا أبت، فلست منك ولست منى. قال: ولم يا بنى ؟ قال: قلت أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم. قال: أي بنى فدينك دينى. فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم ائتنى حتى أعلمك مما علمت. قال: فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الاسلام فأسلم. قال: ثم أتتنى صاحبتي، فقلت: إليك عنى، فلست منك ولست منى. قالت: ولم ؟ بأبى أنت وأمى. قال: قلت: فرق بينى وبينك الاسلام، وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم. قالت: فدينى دينك. قال: فقلت فاذهبي إلى حمى (1) ذى الشرى فتطهري منه. وكان ذو الشرى صنما لدوس، وكان الحمى حمى حموه حوله، به وشل (2) من ماء يهبط من جبل. قالت: بأبى أنت وأمى، أتخشى على الصبية من ذى الشرى شيئا ؟ قلت: لا، أنا ضامن لذلك. قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الاسلام فأسلمت. ثم دعوت دوسا إلى الاسلام فأبطأوا على، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة. فقلت: يا رسول الله، إنه قد غلبنى على دوس الزنا، فادع الله عليهم. قال: " اللهم اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم ".


(1) ويقال له أيضا: حنى (2) الوشل: الماء القليل. (*)

[ 75 ]

قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الاسلام، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معى من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، فلحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين. ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة، فقلت: يا رسول الله ابعثنى إلى ذى الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. قال ابن إسحاق: فخرج إليه، فجعل الطفيل وهو يوقد عليه النار يقول: يا ذا الكفين (1) لست من عبادكا * ميلادنا أقدم من ميلادكا إنى حشوت النار في فؤادكا قال: ثم رجع [ إلى (2) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه بالمدينة، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما ارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين، فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل. فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة، فقال لاصحابه: إنى قد رأيت رؤيا فاعبروها لى، رأيت أن رأسي حلق، وأنه خرج من فمى طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عنى. قالوا: خيرا. قال: أما أنا والله فقد أولتها.


(1) الكفين: أراد الكفين بالتشديد فخفف للضرورة. وذكر السهيلي أنه قد يخفف في غير الشعر، فإن صح هذا فهو تثنية كفء من كفأت الاناء ثم سهلت الهمزة ونقلت حركتها إلى الفاء كالخبء والخب. الروض 1 / 235 (2) من ابن هشام. (*)

[ 76 ]

قالوا: ماذا ؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذى خرج منه فروحي، وأما المرأة التى أدخلتني في فرجها فالارض تحفر لى فأغيب فيها. وأما طلب ابني إياى ثم حبسه عنى فإنى أراه سيجتهد أن يصيبه ما أصابني. فقتل رحمه الله تعالى شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها، ثم قتل عام اليرموك زمن عمر شهيدا. رحمه الله. هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا إسناد. ولخبره شاهد في الحديث الصحيح. * * * قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، قال: لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن دوسا قد استعصت، قال: " اللهم اهد دوسا وائت بهم ". رواه البخاري، عن أبى نعيم، عن سفيان الثوري. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قدم الطفيل بن عمرو الدوسى وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها. قال أبو هريرة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقلت: هلكت دوس ! فقال: " اللهم اهد دوسا، وائت بهم ". إسناده جيد ولم يخرجوه. وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف، عن أبى الزبير، عن جابر، أن الطفيل بن عمرو الدوسى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ قال: حصن كان لدوس في الجاهلية.

[ 77 ]

فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، للذى ذخر الله للانصار. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا (1) المدينة، فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه (2)، فشخبت يداه فما رقأ الدم حتى مات. فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع ربك ؟ فقال: غفر لى بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: فما لى أراك مغطيا يديك ؟ قال: قيل لى لن يصلح منك ما أفسدت ! قال: فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم وليديه فاغفر ". رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن سليمان ابن حرب به. فإن قيل: فما الجمع بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق الحسن، عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عزوجل عبدى بادرنى بنفسه فحرمت عليه الجنة ". فالجواب من وجوه: أحدها: أنه قد يكون ذاك مشركا وهذا مؤمن. ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار، وإن كان شركه مستقلا إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته.


(1) اجتووا المدينة: كرهوا المقام بها لضجر وسقم. (2) المشاقص: جمع مشقص وهو سهم فيه نصل عريض: والبراجم: مفاصل الاصابع. (*)

[ 78 ]

الثاني: قد يكون هذاك عالما بالتحريم، وهذا غير عالم لحداثة عهده بالاسلام. الثالث: قد يكون ذاك فعله مستحلا له، وهذا لم يكن مستحلا بل مخطئا، الرابع: قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه، بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك. الخامس: قد يكون هذاك قليل الحسنات فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور، فدخل النار وهذا قد يكون كثير الحسنات فقاومت الذنب فلم يلج النار، بل غفر له بالهجرة إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. ولكن بقى الشين في يده فقط وحسنت هيئة سائره فغطى الشين منه، فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه قال له: ما لك ؟ قال: قيل لى لن يصلح منك ما أفسدت. فلما قصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: " اللهم وليديه فاغفر " أي فأصلح منها ما كان فاسدا. والمحقق أن الله استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب الطفيل ابن عمرو. قصة أعشى بن قيس قال ابن هشام: حدثنى خلاد بن قرة بن خالد السدوسى وغيره من مشايخ بكر ابن وائل، عن (1) أهل العلم، أن أعشى بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على ابن بكر بن وائل، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الاسلام، فقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:


(1) ابن هشام: من أهل العلم. (*)

[ 79 ]

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا ما ذاك من عشق النساء وإنما * تناسيت قبل اليوم خلة (1) مهددا ولكن أرى الدهر الذى هو خائن * إذا أصلحت كفاى عاد فأفسدا كهولا وشبانا فقدت وثروة * فلله هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع * وليدا وكهلا حين شبت وأمردا وأبتذل العيس المراقيل تعتلى * مسافة ما بين النجير فصرخدا (2) ألا أيهذا السائلى أين يممت * فإن لها في أهل يثرب موعدا فإن تسألي عنى فيارب سائل * حفى عن الاعشى به حيث أصعدا أجدت برجليها النجاء (3) وراجعت * يداها خنافا لينا غير أحردا (4) وفيها أذا ما هجرت عجرفية * أذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا (5) وآليت لا آوى لها من كلالة * ولا من حفى حتى تلاقى محمدا متى ما تناخى عند باب ابن هاشم * تراحى وتلقى من فواضله ندى نبى يرى ما لا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا (6) له صدقات ما تغب ونائل * فليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة محمد * نبى الاله حيث أوصى وأشهدا


(1) وتروى: صحبة. (2) العيس المراقيل: الابل المسرعة. النجير وصرخد: بلدان. (3) ط: النجاء. وهو تحريف. (4) خنفت الناقة ببديها في السير إذا مالت بهما نشاطا. (5) الحرباء: دويبة تستقبل الشمس برأسها، والاصيد: المائل العنق، والمقصود حين تكون الشمس في وسط السماء وذلك أحر ما تكون الرمضاء، يصف ناقته بالنشاط وقوة المشى في ذلك الوقت. (6) رواية ابن دريد في الاشتقاق 1 / 18: نبى يرى ما لا ترون وذكره * لعمري غار في البلاد وأنجدا قال: " ومن روى: " أغار لعمري " فقد لحن وأخطأ ". (*)

[ 80 ]

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله * فترصد للامر الذى كان أرصدا فإياك والميتات لا تقربنها * ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * ولا تعبد الاوثان والله فاعبدا ولا تقربن حرة (1) كان سرها * عليك حراما فانكحن أو تأبدا (2) وذا الرحم القربى فلا تقطعنه * لعاقبة ولا الاسير المقيدا وسبح على حين العشية (3) والضحى * ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة * ولا تحسبن المال للمرء مخلدا قال ابن هشام: فلما كان بمكة أو قريب منها، اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم. فقال له: يا أبا بصير: إنه يحرم الزنا. فقال الاعشى: والله إن ذلك لامر مالى فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير: إنه يحرم الخمر. فقال الاعشى: أما هذه فو الله إن في نفسي منها العلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامى هذا، ثم آتيه فأسلم. فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا أورد ابن هشام هذه القصة ها هنا، وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق رحمه الله، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام رحمه الله ! فإن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة بنى النضير كما سيأتي بيانه.


(1) وتروى: جارة. (2) تأبد: ترهب، لان الراهب أبدا أعزب، فقيل له متأبد، اشتق من لفظ الابد. (3) ابن هشام: العشيات. (*)

[ 81 ]

فالظاهر أن عزم الاعشى على القدوم للاسلام إنما كان بعد الهجرة، وفى شعره ما يدل على ذلك، وهو قوله: ألا أيهذا السائلى أين يممت * فإن لها في أهل يثرب موعدا وكان الانسب والاليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة ولا يوردها ها هنا. والله أعلم. قال السهيلي: وهذه غفلة من ابن هشام ومن تابعه، فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا في المدينة بعد أحد. وقد قال: وقيل إن القائل للاعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة ابن ربيعة. وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس، وهو مقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وقوله: ثم آته فأسلم لا يخرجه عن كفره بلا خلاف والله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق ها هنا قصة الاراشى وكيف استعدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبى جهل في ثمن الجمل الذى ابتاعه منه، وكيف أذل الله أبا جهل وأرغم أنفه حتى أعطاه ثمنة في الساعة الراهنة. وقد قدمنا ذلك في ابتداء الوحى، وما كان من أذية المشركين عند ذلك. (6 - السيرة - 2)

[ 82 ]

قصة مصارعة ركانة وكيف أراه الشجرة التى دعاها فأقبلت صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار قال: كان ركانة بن عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف أشد قريش. فخلا يوما برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ركانة ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه. قال: إنى لو أعلم أن الذى تقول حق لاتبعتك. فقال له رسول الله: " أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق ؟ ". قال: نعم. قال: " فقم حتى أصارعك ". قال: فقام ركانة إليه فصارعه، فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه لا يملك من نفسه شيئا. ثم قال: عد يا محمد. فعاد فصرعه. فقال: يا محمد والله إن هذا للعجب، أتصرعني ؟ ! قال: " وأعجب من ذلك إن شئت أريكه، إن اتقيت الله واتبعت أمرى ". قال: وما هو ؟ قال: " أدعو لك هذه الشجرة التى ترى فتأتيني ". قال: فادعها. فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لها: ارجعي إلى مكانك ! فرجعت إلى مكانها. قال: فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بنى عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الارض، فو الله ما رأيت أسحر منه قط ! ثم أخبرهم بالذى رأى والذى صنع. هكذا روى ابن إسحاق هذه القصة مرسلة بهذا البيان.

[ 83 ]

وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبى الحسن العسقلاني، عن أبى جعفر بن محمد بن ركانة، عن أبيه، أن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال الترمذي: غريب. ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة. قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد، عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن يزيد بن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم، فلما كان في الثالثة قال: يا محمد ما وضع ظهرى إلى الارض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلى منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقام عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه غنمه. وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلت، فسيأتي في كتاب دلائل النبوة بعد السيرة من طرق جيدة صحيحة في مرات متعددة. إن شاء الله وبه الثقة. وقد تقدم عن أبى الاشدين أنه صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر ابن إسحاق قصة قدوم النصارى من أهل الحبشة نحوا من عشرين راكبا إلى مكة فأسلموا عن آخرهم، وقد تقدم ذلك بعد قصة النجاشي. ولله الحمد والمنة. * * * قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد فجلس (1) إليه المستضعفون من أصحابه، خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار (2) مولى صفوان بن أمية، وصهيب، وأشباههم من المسلمين، هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض:


(1) الاصل: يجلس وهو تحريف لا يستقيم به المعنى، وما أثبته من ابن هشام. (2) الاصل: وأبوفكية ويسار. وهو خطأ. وما أثبته من ابن هشام. (*)

[ 84 ]

هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق، لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا. فأنزل الله عزوجل فيهم: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شئ، وما من حسابك عليهم من شئ، فتطردهم فتكون من الظالمين، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا. أليس الله بأعلم بالشاكرين. وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (1) ". قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة (2) غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبنى الحضرمي، وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم " إنما يعلمه بشر. لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربي مبين (3) ". ثم ذكر نزول سورة الكوثر في العاص بن وائل حين قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه أبتر. أي لا عقب له. فإذا مات انقطع ذكره. فقال الله تعالى: " إن شانئك هو الابتر " أي المقطوع الذكر بعده، ولو خلف ألوفا من النسل والذرية، وليس الذكر والصيت ولسان الصدق بكثرة الاولاد والانسال والعقب. وقد تكلمنا على هذه السورة في التفسير. ولله الحمد.


(1) سورة الانعام 52 - 54. (2) الاصل بيعة وما أثبته عن ابن هشام. والمبيعة: مفعلة مثل المعيشة. (3) سورة النحل 103. (*)

[ 85 ]

وقد روى عن أبى جعفر الباقر: أن العاص بن وائل إنما قال ذلك حين مات القاسم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة. ثم ذكر نزول قوله: " وقالوا لو لا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر (1) " وذلك بسبب قول أبى بن خلف وزمعة بن الاسود، والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث: لو لا أنزل عليك ملك يكلم الناس عنك. قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبى جهل ابن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك فأنزل الله تعالى في ذلك من أمرهم " ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون " (1). قلت: وقال الله تعالى " ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين (1) " وقال تعالى " إنا كفيناك المستهزئين (2) ". قال سفيان: عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: المستهزءون: الوليد بن المغيرة، والاسود بن عبد يغوث الزهري، والاسود بن المطلب أبو زمعة، والحارث بن عيطل (3)، والعاص بن وائل السهمى. فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراه الوليد فأشار جبريل إلى أنمله وقال: كفيته. ثم أراه الاسود بن المطلب، فأومأ إلى عنقه وقال: كفيته. ثم أراه الاسود بن عبد يغوث فأومأ إلى رأسه وقال: كفيته.


(1) سورة الانعام (2) سورة الحجر 95. (3) سيأتي أنه ابن الطلاطلة. كما في ابن هشام والروض. (*)

[ 86 ]

ثم أراه الحارث بن عيطل فأومأ إلى بطنه وقال: كفيته. ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه وقال: كفيته. فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فأصاب أنمله فقطعها. وأما الاسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها. وأما الاسود بن المطلب فعمى. وكان سبب ذلك أنه نزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بنى ألا تدفعون عنى ! قد قتلت. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا. وجعل يقول: يا بنى ألا تمنعون عنى قد هلكت، ها هو ذا الطعن بالشوك في عينى. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا. فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الحارث بن عيطل فأخذه الماء الاصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها. وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلات منها فمات منها. وقال غيره في هذا الحديث: فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شبرقة، يعنى شوكة، فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته. رواه البيهقى بنحو من هذا السياق. * * * وقال ابن إسحاق: وكان عظماء المستهزئين كما حدئنى يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير خمسة نفر، وكانوا ذوى أسنان وشرف في قومهم: الاسود بن المطلب أبو زمعة، دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم أعم بصره وأثكله ولده ".

[ 87 ]

والاسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث ابن الطلاطلة. وذكر أن الله تعالى أنزل فيهم " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ". وذكر أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الاسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمى. ومر به الاسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى باطنه فمات منه حبنا. ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه، كان أصابه قبل ذلك بسنين، من مروره برجل يريش نبلا له من خزاعة، فتعلق سهم بإزاره فخدشه خدشا يسيرا، فانتقض بعد ذلك فمات. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطل فأشار إلى رأسه فامتحض قيحا فقتله. * * * ثم ذكر ابن إسحاق: أن الوليد بن المغيرة لما حضره الموت أوصى بنيه الثلاثة وهم خالد وهشام والوليد. فقال لهم: أي بنى، أوصيكم بثلاث: دمى في خزاعة فلا تطلوه (1)، والله إنى لاعلم أنهم منه براء ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم، ورباى في ثقيف فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقرى (2) عند أبى أزيهر الدوسى فلا يفوتنكم به. وكان


(1) لا تطلوه: لا تهدروه. وفى ابن هشام: فلا تطلنه. (2) العقر بالضم في الاصل: دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها، ثم كثر ذلك حتى استعمل في المهر. (*)

[ 88 ]

أبو أزيهر قد زوج الوليد بنتا له ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات، وكان قد قبض عقرها منه، وهو صداقها. فلما مات الوليد وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون منهم عقل الوليد، وقالوا إنما قتله سهم صاحبكم، فأبت عليهم خزاعة ذلك، حتى تقاولوا أشعارا وغلظ بينهم الامر. ثم أعطتهم خزاعة بعض العقل واصطلحوا وتحاجزوا. قال ابن إسحاق: ثم عدا هشام بن الوليد على أبى أزيهر وهو بسوق ذى المجاز فقتله، وكان شريفا في قومه، وكانت ابنته تحت أبى سفيان، وذلك بعد بدر، فعمد يزيد بن أبى سفيان فجمع الناس لبنى مخزوم وكان أبوه غائبا، فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنع ابنه يزيد، فلامه على ذلك وضربه وودى أبا أزيهر وقال لابنه: أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضا في رجل من دوس ؟ ! وكتب حسان بن ثابت قصيدة له يحض أبا سفيان في دم أبى أزيهر، فقال: بئس ما ظن حسان أن يقتل بعضنا بعضا وقد ذهب أشرافنا يوم بدر. ولما أسلم خالد بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله في ربا أبيه من أهل الطائف. قال ابن إسحاق: فذكر لى بعض أهل العلم أن هؤلاء الآيات نزلن في ذلك " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين (1) " وما بعدها. قال ابن إسحاق: ولم يكن في بنى أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الاسلام بين الناس، إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الاسلمي (2) خرج في نفر من قريش إلى أرض


(1) سورة البقرة 278. (2) في ابن هشام: الدوسى. وهو ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب، كان فارس قريش في الجاهلية وأدرك الاسلام، وكان شاعرا فارسا، وهو من رجال بنى فهر أخذ مرباعهم في الجاهلية. الاشتقاق 1 / 103. (*)

[ 89 ]

دوس، فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس، فأرادت دوس قتلهم بأبى أزيهر، فقامت دونه أم غيلان ونسوة كن معها حتى منعتهم. قال السهيلي: يقال إنها أدخلته بين درعها وبدنها. قال ابن هشام: فلما كانت أيام عمر بن الخطاب، أتته أم غيلان وهى ترى أن ضرارا أخوه، فقال لها عمر: لست بأخيه إلا في الاسلام، وقد عرفت منتك عليه. فأعطاها على أنها بنت سبيل. قال ابن هشام: وكان ضرار بن الخطاب لحق عمر بن الخطاب يوم أحد، فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول: انج يا بن الخطاب لا أقتلك. فكان عمر يعرفها له بعد الاسلام. رضى الله عنهما. فصل وذكر البيهقى ها هنا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش حين استعصت عليه بسبع مثل سبع يوسف. وأورد ما أخرجاه في الصحيحين (1) من طريق الاعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق عن ابن مسعود. قال: خمس مضين، اللزام، والروم، والدخان، والبطشة، والقمر. وفى رواية عن ابن مسعود قال: إن قريشا، لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطأوا عن الاسلام، قال: " اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف ".


(1) أورد البخاري هذه الروايات في تفسير سورة الفرقان والدخان في صحيحه 2 / 347، 361، 362. وهى مختلفة عما هنا (*)

[ 90 ]

قال: فأصابتهم سنة حتى حصت (1) كل شئ، حتى أكلوا الجيف والميتة، وحتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، ثم دعا فكشف الله عنهم، ثم قرأ عبدالله هذه الآية " إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون " قال فعادوا فكفروا فأخروا إلى يوم القيامة، أو قال فأخروا إلى يوم بدر، قال عبدالله: إن ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم " يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون " قال: يوم بدر. وفى رواية عنه: قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس إدبارا قال: " اللهم سبع كسبع يوسف " فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا فشكا الناس كثرة المطر، فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا " فانجذب السحاب عن رأسه فسقى الناس حولهم. قال: لقد مضت آية الدخان، وهو الجوع الذى أصابهم، وذلك قوله " إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون " وآية الروم، والبطشة الكبرى، وانشقاق القمر، وذلك كله يوم بدر. قال البيهقى: يريد، والله أعلم، البطشة الكبرى والدخان وآية اللزام كلها حصلت ببدر.


(1) الاصل: فحصت. وهو تحريف والتصويب من البخاري 2 / 262 ولفظ البخاري: فأصابتهم سنة حصت كل شئ. وحصت: أهلكت. والحص: حلق الشعر. (*)

[ 91 ]

قال: وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية، ثم أورد من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال جاء: أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث من الجوع لانهم لم يجدوا شيئا حتى أكلوا العهن، فأنزل الله تعالى: " ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون " قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فرج الله عنهم. ثم قال الحافظ البيهقى: وقد روى في قصة أبى سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة، ولعله كان مرتين. والله أعلم. فصل ثم أورد البيهقى قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى " الم. غلبت الروم في أدنى الارض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين، لله الامر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ". ثم روى من طريق سفيان الثوري، عن حبيب بن أبى عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لانهم أهل كتاب، وكان المشركين يحبون أن تظهر فارس على الروم لانهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لابي بكر، فذكره أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: " أما أنهم سيظهرون " فذكر أبو بكر ذلك للمشركين فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا. فذكر ذلك أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا جعلته أداة ". قال: دون العشر. فظهرت الروم بعد ذلك. وقد أوردنا طرق هذا الحديث في التفسير وذكرنا أن المباحث - أي المراهن - لابي بكر أمية بن خلف، وأن الرهن كان على خمس قلائص، وأنه كان إلى مدة، فزاد

[ 92 ]

فيها الصديق عن أمر رسول الله صلى عليه وسلم وفى الرهن. وأن غلبة الروم على فارس كان يوم بدر، أو كان يوم الحديبية، فالله أعلم. ثم روى من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا أسيد الكلابي، أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه. قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم على الشام والعراق. كل ذلك في خمس عشرة سنة !

[ 93 ]

فصل في الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ثم عروجه من هناك إلى السموات، وما رأى هنالك من الآيات ذكر ابن عساكر أحاديث الاسراء في أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين. وروى البيهقى من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري أنه قال: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى المدينة بسنة. قال: وكذلك ذكره ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة. ثم روى الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدى. أنه قال: فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ببيت المقدس ليلة أسرى به، قبل مهاجره بستة عشر شهرا. فعلى قول السدى يكون الاسراء في شهر ذى القعدة، وعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الاول. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا عثمان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر وابن عباس، قالا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الاول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات. فيه انقطاع. وقد اختاره الحافظ عبد الغنى بن سرور المقدسي في سيرته، وقد أورد حديثا لا يصح سنده، ذكرناه في فضائل شهر رجب، أن الاسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب والله أعلم.

[ 94 ]

ومن الناس من يزعم أن الاسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهى ليلة الرغائب التى أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك. والله أعلم. وينشد بعضهم في ذلك: ليلة الجمعة عرج بالنبي * ليلة الجمعة أول رجب وهذا الشعر عليه ركاكة، وإنما ذكرناه استشهادا لمن يقول به. وقد ذكرنا الاحاديث الواردة في ذلك مستقصاة عند قوله تعالى: " سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا، أنه هو السميع البصير ". فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الاسانيد والعزو، والكلام عليه ومعها. ففيها مقنع وكفاية. ولله الحمد والمنة. * * * ولنذكر ملخص كلام ابن إسحاق رحمه الله: فإنه قال بعد ذكر ما تقدم من الفصول. ثم أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الاسلام بمكة في قريش وفى القبائل كلها. قال: وكان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود، وأبى سعيد، وعائشة، ومعاوية، وأم هانئ بنت أبى طالب رضى الله عنهم، والحسن بن أبى الحسن، وابن شهاب الزهري، وقتادة وغيرهم من أهل العلم، ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر لى من أمره. وكان في مسراه صلى الله عليه وسلم وما ذكر لى منه بلاء وتمحيص، وأمر من أمر الله

[ 95 ]

وقدرته (1) وسلطانه، فيه عبرة لاولى الالباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق وكان من أمر الله على يقين. فأسرى به كيف شاء وكما شاء، ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التى يصنع بها ما يريد. وكان عبدالله بن مسعود فيما بلغني يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالبراق، وهى الدابة التى كانت تحمل عليها الانبياء قبله، تضع حافرها في موضع منتهى طرفها، فحمل عليها. ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والارض. حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى، في نفر من الانبياء قد جمعوا له، فصلى بهم. ثم أتى بثلاثة آنية من لبن وخمر وماء. فذكر أنه شرب إناء اللبن، فقال لى جبريل: هديت وهديت أمتك. * * * وذكر ابن إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا أن جبريل أيقظه، ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام، فأركبه، البراق، وهو دابة أبيض بين البغل والحمار، وفى فخديه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع حافره في منتهى طرفه، ثم حملني عليه ثم خرج معى لا يفوتنى ولا أفوته. قلت: وفى الحديث، وهو عن قتادة فيما ذكره ابن إسحاق، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد ركوب البراق شمس به، فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال


(1) ابن هشام: في قدرته (*)

[ 96 ]

ألا تستحى يا براق مما تصنع ! فو الله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه. قال: فاستحى حتى ارفض عرقا، ثم قر حتى ركبته. قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معه جبريل، حتى انتهى به إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الانبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم. ثم ذكر اختياره إناء اللبن على إناء الخمر، وقول جبريل له: هديت وهديت أمتك، وحرمت عليكم الخمر. قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فأصبح يخبر قريشا بذلك. فذكر أنه كذبه أكثر الناس، وارتدت طائفة بعد إسلامها. وبادر الصديق إلى التصديق وقال: إنى لاصدقه في خبر السماء بكرة وعيشة، أفلا أصدقه في بيت المقدس ! وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس، فذكرها له رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فيومئذ سمى أبو بكر الصديق. قال الحسن: وأنزل الله في ذلك " وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس " الآية. * * * وذكر ابن إسحاق فيما بلغه عن أم هانئ، انها قالت: ما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من بيتى، نام عندي تلك الليلة بعد ما صلى العشاء الآخرة، فلما

[ 97 ]

كان قبيل الفجر أهبنا (1) فلما كان الصبح وصلينا معه، قال: " يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة في هذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت الغداة معكم الآن كما ترين ". ثم قام ليخرج، فأخذت بطرف ردائه فقلت: يا نبى الله لا تحدث بهذا الحديث الناس فيكذبونك ويؤذونك. قال: " والله لاحدثنهموه ". فأخبرهم فكذبوه. فقال: وآية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة، فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان (2) مررت بعير بنى فلان، فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشئ، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم تصوب الآن من ثنية التنعيم البيضاء، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والاخرى برقاء. قال: فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل الذى وصف لهم وسألوهم عن الاناء وعن البعير، فاخبروهم كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه. وذكر يونس بن بكير، عن أسباط، عن إسماعيل السدى، أن الشمس كادت أن تغرب قبل أن يقدم ذلك العير، فدعا الله عزوجل فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم. قال: فلم تحتبس الشمس على أحد إلا عليه ذلك اليوم وعلى يوشع بن نون. رواه البيهيقى. * * *


(1) أهبنا: أيقظنا. (2) ضجنان: جبل بناحية نهامة. وفى الاصل: صحنان محرفة. (*) (7 - السيرة - 2)

[ 98 ]

قال ابن إسحاق: وأخبرني من لا أتهم عن أبى سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتى بالمعراج، ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذى يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر. فأصعدني فيه صاحبي حتى انتهى بى إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة عليه بريد (1) من الملائكة يقال له إسماعيل، تحت يده اثنا عشر ألف ملك، تحت يد كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك. قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا حدث بهذا الحديث: " وما يعلم جنود ربك إلا هو ". ثم ذكر بقية الحديث وهو مطول جدا، وقد سقناه بإسناده ولفظه بكماله في التفسير وتكلمنا عليه، فإنه من غرائب الاحاديث وفى إسناده ضعف. وكذا في سياق حديث أم هانئ، فإن الثابت في الصحيحين من رواية شريك بن أبى نمر، عن أنس، أن الاسراء كان من المسجد من عند الحجر. وفى سياقه غرابة أيضا من وجوه قد تكلمنا عليها هناك. ومنها قوله: " وذلك قبل أن يوحى إليه " والجواب أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شئ، ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى ولم يقل في ذلك: " وذلك قبل أن يوحى إليه " بل جاءه بعد ما أوحى إليه. فكان الاسراء قطعا بعد الايحاء، إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون، وهو الاظهر. وغسل صدره تلك الليلة قبل الاسراء غسلا ثانيا، أو ثالثا على قول، أنه مطلوب إلى الملا الاعلى والحضرة الالهية.


(1) ابن هشام: ملك من الملائكة. (*)

[ 99 ]

ثم ركب البراق رفعة له وتعظيما وتكريما، فلما جاء بيت المقدس ربطه بالحلقة التى كانت تربط بها الانبياء، ثم دخل بيت المقدس فصلى في قبلته تحية المسجد. وأنكر حذيفة رضى الله عنه دخوله إلى بيت المقدس وربطه الدابة وصلاته فيه. وهذا غريب، والنص المثبت مقدم على النافي. ثم اختلفوا في اجتماعه بالانبياء وصلاته بهم: أكان قبل عروجه إلى السماء كما دل عليه ما تقدم، أو بعد نزوله منها كما دل عليه بعض السياقات وهو أنسب. كما سنذكره على قولين. فالله أعلم. وقيل: إن صلاته بالانبياء كانت في السماء. وهكذا تخيره من الآنية اللبن والخمر والماء، هل كانت ببيت المقدس كما تقدم ؟ أو في السماء كما ثبت في الحديث الصحيح. والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج وهو السلم فصعد فيه إلى السماء، ولم يكن الصعود على البراق كما قد يتوهمه بعض الناس، بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة. فصعد من سماء إلى سماء في المعراج، حتى جاوز السابعة، وكلما جاء سماء تلقته منها مقربوها ومن فيها من أكابر الملائكة والانبياء. وذكر أعيان من رآه من المرسلين، كآدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية وإدريس في الرابعة، وموسى في السادسة (1) على الصحيح، وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور، الذى يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه صلاة وطوافا ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.


(1) لم يذكر المؤلف من رأى في الثالثة والخامسة. (*)

[ 100 ]

ثم جاوز مراتبهم كلهم، حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الاقلام ورفعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال هجر، وغشيها عند ذلك أمور عظيمة وألوان متعددة باهرة، وركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجرة كثرة، وفراش من ذهب، وغشيها من نور الرب جل جلاله. * * * ورأى هناك جبريل عليه السلام، له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والارض، وهو الذى يقول الله تعالى: " ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى " أي ما زاغ يمينا ولا شمالا ولا ارتفع عن المكان الذى حد له النظر إليه. وهذا هو الثبات العظيم والادب الكريم. وهذه الرؤيا الثانية لجبريل عليه السلام على الصفة التى خلقه الله تعالى عليها، كما نقله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة رضى الله عنهم أجمعين. والاولى هي قوله تعالى: " علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى. وهو بالافق الاعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى " وكان ذلك بالابطح، تدلى جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سادا عظم خلقه ما بين السماء والارض، حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى. هذا هو الصحيح في التفسير، كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم رضى الله عنهم. فأما قول شريك عن أنس في حديث الاسراء: " ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى " فقد يكون من فهم الراوى فأقحمه في الحديث (1) والله أعلم.


(1) قال السهيلي: " وهذا مع صحة نقله لا يكاد أحد من المفسرين يذكره، لاستحالة ظاهرة أو للغفلة عن موضعه. ولا استحالة فيه " انظر رأيه في الروض 1 / 249 (*)

[ 101 ]

وإن كان محفوظا فليس بتفسير الآية الكريمة، بل هو شئ آخر غير ما دلت عليه الآية الكريمة والله أعلم. وفرض الله سبحانه وتعالى على عبده محمد صلى الله صلى الله عليه وسلم وعلى أمته الصلوات ليلتئذ، خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه عزوجل حتى وضعها الرب، جل جلاه وله الحمد المنة، إلى خمس، وقال: " هي خمس وهى خمسون الحسنة بعشر أمثالها ". فحصل له التكليم من الرب عزوجل ليلتئذ. وأئمة السنة كالمطبقين على هذا. واختلفوا في الرؤية فقال بعضهم: رآه بفؤاده مرتين. قاله ابن عباس وطائفة. وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية، وهو محمول على التقييد. وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل رضى الله عنهما. صرح بعضهم بالرؤية بالعينين. واختاره ابن جرير، وبالغ فيه، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين. وممن نص على الرؤية بعينى رأسه الشيخ أبو الحسن الاشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه. وقالت طائفة: لم يقع ذلك، لحديث أبى ذر في صحيح مسلم: قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك ؟ فقال: " نور أنى أراه " وفي رواية " رأيت نورا ". قالوا: ولم يكن رؤية الباقي بالعين الفانية. ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما روى في بعض الكتب الالهية: يا موسى إنه لايرانى حى إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف. والله أعلم.

[ 102 ]

ثم هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس. الظاهر أن الانبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الالهية العظيمة، كما هي عادة الوافدين، لا يجتمعون بأحد قبل الذى طلبوا إليه. ولهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل عندما يتقدم ذاك للسلام عليه: هذا فلان فسلم عليه. فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية. ومما يدل على ذلك أنه قال: " فلما حانت الصلاة: أممتهم " ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر، فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل، فيما يرويه عن ربه عزوجل. فاستفاد بعضهم من هذا أن الامام الاعظم يقدم في الامامة على رب المنزل، حيث كان بيت المقدس محلتهم ودار إقامتهم. ثم خرج منه فركب البراق وعاد إلى مكة، فأصبح بها وهو في غاية الثبات السكينة والوقار. * * * وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والامور التى لو رآها أو بعضها غيره لاصبح مندهشا أو طائش العقل. ولكنه صلى الله وسلم أصبح واجما، أي ساكنا، يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه. فتلطف بإخبارهم أولا بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة. وذلك أن أبا جهل لعنه الله، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام وهو جالس واجم. فقال له: هل من خبر ؟ فقال: نعم. فقال: وما هو ؟

[ 103 ]

فقال: إنى أسرى بى الليلة إلى بيت المقدس. قال: إلى بيت المقدس ؟ قال: نعم. قال: أرأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم، أتخبرهم بما أخبرتني به ؟ قال: نعم. فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم ليخبرهم ذلك ويبلغهم. فقال أبو جهل: هيا معشر قريش، وقد اجتمعوا من أنديتهم. فقال: أخبر قومك بما أخبرتني به. فقص عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلى فيه. فمن بين مصفق وبين مصفر تكذيبا له واستبعادا لخبره، وطار الخبر بمكة. وجاء الناس إلى أبى بكر رضى الله عنه، فأخبروه أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا. فقال: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: والله إنه ليقوله. فقال: إن كان قاله فلقد صدق. ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله مشركو قريش، فسأله عن ذلك، فأخبره، فاستعلمه عن صفات بيت المقدس، ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به. وفى الصحيح: أن المشركين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: فجعلت أخبرهم عن آياته، فالتبس على بعض الشئ، فجلى الله لى بيت المقدس، حتى جعلت أنظر إليه دون دار عقيل وأنعته لهم. فقال: أما الصفة فقد أصاب.

[ 104 ]

وذكر ابن إسحاق ما تقدم من إخباره لهم بمروره بعيرهم وما كان من شربه ماءهم. فأقام الله عليهم الحجة واستنارت لهم المحجة، فآمن من آمن على يقين من ربه، وكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه. كما قال الله تعالى " وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس " أي اختبارا لهم وامتحانا. قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى عليه وسلم. وهذا مذهب جمهور السلف والخلف، من أن الاسراء كان ببدنه وروحه صلوات الله وسلامه عليه، كما دل على ذلك ظاهر السياقات من ركوبه وصعوده في المعراج وغير ذلك. ولهذا قال: " سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه " والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة، فدل على أنه بالروح والجسد، والعبد عبارة عنهما. وأيضا فلو كان مناما لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به والاستبعاد له، إذ ليس في ذلك كبير أمر، فدل على أنه اخبرهم بأنه أسرى به يقظة لا مناما. وقوله في حديث شريك عن أنس: " ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر " معدود في غلطات شريك، أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة. كما سيأتي في حديث عائشة رضى الله عنها حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فكذبوه، قال: " فرجعت مهموما فلم أستفق إلا بقرن الثعالب ". وفى حديث أبى أسيد حين جاء بابنه إلى رسول الله صلى عليه وسلم ليحنكه فوضعه على فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 105 ]

بالحديث مع الناس، فرفع أبو أسيد ابنه، ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد الصبى، فسأل عنه فقالوا رفع فسماه المنذر. وهذا الحمل أحسن من التغليط. والله أعلم. * * * وقد حكى ابن إسحاق فقال: حدثنى بعض آل أبى بكر، عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أسرى بروحه. قال: وحدثني يعقوب بن عتبة: أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولهما، لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت في ذلك " وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس " وكما قال إبراهيم عليه السلام " يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك " وفى الحديث: " تنام عيناى (1) وقلبي يقظان ". قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله تعالى، على أي حالة كان نائما أو يقظان (2)، كل ذلك حق وصدق. * * * قلت: وقد توقف ابن إسحاق في ذلك وجوز كلا من الامرين من حيث الجملة، ولكن الذى لا يشك فيه ولا يتمارى أنه كان يقظان لا محالة، لما تقدم. وليس مقتضى كلام عائشة رضى الله عنها أن جسده صلى الله عليه وسلم ما فقد وإنما كان الاسراء بروحه، أن يكون مناما كما فهمه ابن إسحاق، بل قد يكون وقع


(1) الاصل: عينى: وما أثبته من ابن هشام. (2) ط: يقظانا. وهو خطأ (*)

[ 106 ]

الاسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم، وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السموات وعاين ما عاين حقيقة ويقظة لا مناما. لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، ومراد من تابعها على ذلك، لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام. والله أعلم. تنبيه: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الاسراء طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحى، أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله، ليكون ذلك من باب الارهاص والتوطئة والتثبت والايناس. والله أعلم. ثم قد اختلف العلماء في أن الاسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة ؟ فمنهم من يزعم أن الاسراء في اليقظة، والمعراج في المنام. وقد حكى المهلب بن أبى صفرة (1) في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الاسراء [ وقع ] مرتين، مرة بروحه مناما، ومرة ببدنه وروحه يقظة. وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيلي عن شيخه أبى بكر بن العربي الفقيه. قال السهيلي: وهذا القول يجمع الاحاديث، فإن في حديث شريك عن أنس: وذلك فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وقال في آخره: " ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر " وهذا منام. ودل غيره على اليقظة. ومنهم من يدعى تعدد الاسراء في اليقظة أيضا، حتى قال بعضهم: إنها أربع إسراءات. وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة. وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله أن يوفق بين اختلاف ما وقع


(1) الذى في السهيلي: " ورأيت المهلب في شرح البخاري " وليس هو المهلب بن أبى صفرة الازدي أمير خرسان (*)

[ 107 ]

في روايات حديث الاسراء بالجمع المتعدد، فجعل ثلاث إسراءات مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماء على البراق أيضا لحديث حذيفة، ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السموات. فنقول: إن كان إنما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات، فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات. ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر فيما جمعناه مستقصى في كتابنا التفسير عند قوله تعالى " سبحان الذى أسرى بعبده ليلا ". وإن كان إنما حمله أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة إلى بيت المقدس وإلى السموات، فلا يلزم من الحصر العقلي الوقوع كذلك في الخارج إلا بدليل. والله أعلم. * * * والعجب أن الامام أبا عبدالله البخاري رحمه الله ذكر الاسراء بعد ذكره موت أبى طالب، فوافق ابن إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الامر، وخالفه في ذكره بعد موت أبى طالب. وابن إسحاق أخر ذكر موت أبى طالب على الاسراء. فالله أعلم أي ذلك كان. والمقصود أن البخاري فرق بين الاسراء وبين المعراج، فبوب لكل واحد منهما بابا على حدة. فقال: " باب حديث الاسراء " وقول الله سبحانه وتعالى " سبحان الذى أسرى بعبده ليلا " حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدثنى

[ 108 ]

أبو سلمة بن عبدالرحمن، قال: سمعت جابر بن عبدالله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لما كذبتني قريش كنت (1) في الحجر، فجلى الله لى بيت المقدس، فطفقت أحدثهم (2) عن آياته وأنا أنظر إليه ". وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري، عن أبى سلمة، عن جابر به. ورواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبدالله بن الفضل، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. * * * ثم قال البخاري: باب حديث المعراج: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسرى به قال: " بينما أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر، مضطجعا (3) إذ أتانى آت، فقد، قال (4): وسمعته يقول: فشق، ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود وهو إلى جنبى، ما يعنى به ؟ قال: من نقرة (5) نحره إلى شعرته، وسمعته يقول من قصه إلى شعرته. " فاستخرج قلبى، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبى ثم حشى، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض ". فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة ؟ قال أنس: نعم. " يضع خطوه عند أقصى طرفه. فحملت عليه، فانطلق بى جبرائيل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح قيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجئ جاء.


(1) البخاري: قمت. (2) البخاري: أخبرهم. (3) الاصل: مضجعا. وما أثبته من البخاري. (4) الاصل: فقال وسمعته. ما أثبته من صحيح البخاري 2 / 187 (5) البخاري: ثغرة. وهى بمعنى نقرة. (*)

[ 109 ]

ففتح، فلما خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح. ثم صعد بى إلى السماء الثانية، فاستفتح قيل من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: من ومعك ؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه ؟ [ قال: نعم. ] قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء. ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما. فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبا بالاخ الصالح والنبى الصالح. ثم صعد بى إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبرائيل قيل: من هذا ؟ قال: حبرائيل. قال: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به. فنعم المجئ جاء. ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه. فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالاخ الصالح والنبى الصالح. ثم صعد بى حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح قيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قال: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم. قيل مرحبا به، فنعم المجئ جاء. فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه. فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالاخ الصالح والنبى الصالح. ثم صعد بى حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح قيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجئ جاء. فلما خلصت إذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه. فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالاخ الصالح والنبى الصالح.

[ 110 ]

ثم صعد بى حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح فقيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجئ جاء. فلما خلصت إذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالاخ الصالح والنبى الصالح. فلما تجاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك ؟ قال: أبكى لان غلاما بعث بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتى. ثم صعد بى إلى السماء السابعة، فاستفتح جبرائيل قيل: من هذا ؟ قال: جبرائيل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجئ جاء. فلما خلصت إذا إبراهيم، قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح. ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان. فقلت: ما هذا يا جبرائيل ؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. ثم رفع لى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن. قال: هي الفطرة التى أنت عليها وأمتك. ثم فرض على الصلوات، خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بم أمرت ؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين

[ 111 ]

صلاة كل يوم، وإنى والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لامتك. فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله. فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم. فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت ؟ فقلت: بخمس صلوات كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإنى قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لامتك. قال: سألت ربى حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت نادانى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ". * * * هكذا روى البخاري هذا الحديث ههنا. وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق، عن قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة. ورويناه من حديث أنس بن مالك عن أبى بن كعب. ومن حديث أنس عن أبى ذر. ومن طرق كثيرة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا ذلك مستقصى بطرقه وألفاظه في التفسير. ولم يقع في هذا السياق ذكر بيت المقدس، وكأن بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه أو يذكر ما هو الاهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الانفع عنده.

[ 112 ]

ومن جعل كل رواية إسراء على حدة كما تقدم عن بعضهم فقد أبعد جدا. وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الانبياء، وفى كل منها يعرفه بهم، وفى كلها يفرض عليه الصلوات، فكيف يمكن أن يدعى تعدد ذلك ؟ ! هذا في غاية البعد والاستحالة. والله اعلم. ثم قال البخاري: حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: " وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس ". قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به إلى بيت المقدس. " والشجرة الملعونة في القرآن " قال: هي شجرة الزقوم. فصل ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبيحة ليلة الاسراء جاءه جبرائيل عند الزوال، فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فاجتمعوا، وصلى به جبرائيل في ذلك اليوم إلى الغد والمسلمون يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقتدى بجبرائيل، كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر: " أمنى جبرائيل عند البيت مرتين ". فبين له الوقتين الاول والآخر، فهما وما بينهما الوقت الموسع، ولم يذكر توسعة في وقت المغرب. وقد ثبت ذلك في حديث أبى موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو، وكلها في صحيح مسلم. وموضع بسط ذلك في كتابنا " الاحكام " ولله الحمد. فأما ما ثبت في صحيح البخاري عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: " فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ".

[ 113 ]

وكذا رواه الاوزاعي، عن الزهري، ورواه الشعبى عن مسروق عنها. وهذا مشكل من جهة أن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر، وكذا عثمان بن عفان، وقد تكلمنا على ذلك عند قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " (1) قال البيهقى: وقد ذهب الحسن البصري إلى أن صلاة الحضر أول ما فرضت أربعا، كما ذكره مرسلا من صلاته عليه السلام صبيحة الاسراء: الظهر أربعا، والعصر أربعا، والمغرب ثلاثا يجهر في الاوليين، والعشاء أربعا يجهر في الاوليين، والصبح ركعتين يجهر فيهما. قلت: فلعل عائشة أرادت أن الصلاة كانت قبل الاسراء تكون ركعتين ركعتين، ثم لما فرضت الخمس فرضت حضرا على ما هي عليه، ورخص في السفر أن يصلى ركعتين كما كان الامر عليه قديما، وعلى هذا لا يبقى إشكال بالكلية. والله أعلم. فصل [ في ] انشقاق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وجعل الله له آية على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الهدى ودين الحق، حيث كان ذلك وقت إشارته الكريمة. قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: " اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر " (2).


(1) سورة النساء 101 (2) سورة القمر 1 - 3 (*) (8 - السيرة - 2)

[ 114 ]

وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الاحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها. ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان، وقد تقصينا ذلك في كتابنا التفسير، فذكرنا الطرق والالفاظ محررة، ونحن نشيرها هنا إلى أطراف من طرقها ونعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته. وذلك مروى عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم أجمعين. أما أنس فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر بمكة مرتين. فقال: " اقتربت الساعة وانشق القمر ". ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به. وهذا من مرسلات الصحابة، والظاهر أنه تلقاه عن الجم الغفير من الصحابة، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الجميع. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شيبان. زاد البخاري: وسعيد ابن أبى عروبة، وزاد مسلم: وشعبة، ثلاثتهم عن قتادة عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما. لفظ البخاري. وأما جبير بن مطعم فقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبدالرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، [ عن أبيه ]. قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل،

[ 115 ]

وفرقة على هذا الجبل. فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به أحمد. وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره، عن حصين به. وقد رواه البيهقى من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم كلاهما عن حصين بن عبدالرحمن، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه عن جده به، فزاد رجلا في الاسناد. * * * وأما حذيفة بن اليمان فروى أبو نعيم في " الدلائل " (1) من طريق عن عطاء بن السائب عن أبى عبدالرحمن السلمى. قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " اقتربت الساعة وانشق القمر " ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق. فلما كانت الجمعة الثانية انطلقت مع أبى إلى الجمعة، فحمد الله وقال مثله وزاد: ألا وإن السابق من سبق إلى الجمعة. فلما كنا في الطريق قلت لابي: ما يعنى بقوله - " غدا السباق " قال: من سبق إلى الجنة. أما ابن عباس فقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير (2)، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: إن القمر انشق في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.


(1) ليس في دلائل النبوة المطبوع. وفيها روايات أخرى عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس 233 - 236. (2) الاصل: ابن كثير. وهو تحريف وما أثبته عن صحيح البخاري 2 / 269 باب التفسير. (*)

[ 116 ]

ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر، وهو ابن نصر، عن جعفر قوله: " اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ". قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه. وهكذا رواه العوفى عن ابن عباس رضى الله عنه وهو من مرسلاته. وقال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا بكر بن سهيل، حدثنا عبد الغنى بن سعيد، حدثنا موسى بن عبدالرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس. وعن مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: " اقتربت الساعة وانشق القمر ". قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والاسود ابن عبد يغوث، والاسود بن المطلب [ بن أسد بن عبدالعزى ] (1)، وزمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم [ كثير ] (1). فقالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبى قبيس ونصقا على قعيقعان. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " إن فعلت تؤمنوا ؟ " قالوا: نعم. وكانت ليلة بدر، فسأل الله عزوجل أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر قد سلب (2) نصفا على أبى قبيس ونصفا على قعيقعان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادى: يا أبا سلمة بن عبد الاسد والارقم بن الارقم اشهدوا. ثم قال أبو نعيم: وحدثنا (3) سليمان بن أحمد، حدثنا الحسن بن العباس الرازي، عن الهيثم بن العمان، حدثنا إسماعيل بن زياد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: انتهى أهل مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله.


(1) من دلائل النبوة 234. (2) دلائل النبوة: قد مثل نصفا. (3) ليس في دلائل النبوة المطبوع. (*)

[ 117 ]

فهبط جبرائيل فقال: يا محمد قل لاهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة فسيروا آية إن انتفعوا بها. فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبرائيل، فخرجوا ليلة الشق ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين، نصفا على الصفا ونصفا على المروة فنظروا، ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا، فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحر راهب. فأنزل الله: " اقتربت الساعة وانشق القمر ". ثم روى الضحاك عن ابن عباس. قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا آية حتى نؤمن بها. فسأل ربه، فأراهم القمر قد انشق بجزئين، أحدهما على الصفا والآخر على المروة، قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب. فقالوا: هذا سحر مفترى. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الرزاز، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سحر القمر فنزلت: " اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ". وهذا إسناد جيد، وفيه أنه كسف تلك الليلة، فلعله حصل له انشقاق في ليلة كسوفه، ولهذا خفى أمره على كثير من أهل الارض، ومع هذا قد شوهد ذلك في كثير من بقاع الارض، ويقال: إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبنى بناء تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر.

[ 118 ]

وأما ابن عمر، فقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد ابن الحسن القاضى، قالا: حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الاعمش، عن مجاهد به. قال مسلم: كرواية مجاهد عن أبى معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما عبدالله بن مسعود فقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن أبى معمر، عن ابن مسعود. قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا. وهكذا أخرجاه من حديث سفيان، وهو ابن عيينة، به. ومن حديث الاعمش عن إبراهيم، عن أبى معمر، عن عبدالله بن سمرة، عن ابن مسعود قال: انشق القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " وذهبت فرقة نحو الجبل. لفظ البخاري (1). ثم قال البخاري: وقال أبو الضحاك، عن مسروق، عن عبدالله بمكة، وتابعه محمد بن مسلم، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن أبى معمر، عن عبدالله رضى الله عنه. وقد أسند أبو داود الطيالسي حديث أبى الضحى، عن مسروق، عن عبدالله بن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبى كبشة. فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يسطيع أن يسحر الناس كلهم.


(1) ليس بلفظ البخاري. (*)

[ 119 ]

قال: فجاء السفار فقالوا ذلك. وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن عبدالله، قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين. فقال كفار قريش لاهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار قال، وقدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا. وهكذا رواه أبو نعيم من حديث جابر، عن الاعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق عن عبدالله به. وقال الامام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الاسود، عن عبدالله، وهو ابن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرجتى القمر. وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسباط عن سماك به. وقال الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو بكر الطلحى، حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين الوادعى، حدثنا يحيى الحمانى، حدثنا يزيد، عن عطاء، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله. قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وانشق القمر حتى صار فرقتين، فرقة خلف الجبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا، اشهدوا ". وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا جعفر بن محمد القلانسى، حدثنا

[ 120 ]

آدم بن أبى إياس، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا هشام بن سعد، عن عتبة، عن عبدالله ابن عتبة، عن ابن مسعود. قال: انشق القمر ونحن بمكة، فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذى بمنى ونحن بمكة. وحدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو بكر بن أبى عاصم، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبدالله، قال: انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين. ثم روى من حديث على بن سعيد بن مسروق، حدثنا موسى بن عمير، عن منصور ابن المعتمر، عن زيد بن وهب، عن عبدالله بن مسعود، قال: رأيت القمر والله منشقا باثنتين بينهما حراء. وروى أبو نعيم من طريق السدى الصغير، عن الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: انشق القمر فلقتين، فلقة ذهبت، وفلقة بقيت. قال ابن مسعود: لقد رأيت جبل حراء بين فلقتى القمر، فذهب فلقة، فتعجب أهل مكة من ذلك، وقالوا: هذا سحر مصنوع سيذهب. وقال ليث بن أبى سليم، عن مجاهد قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين. فقال النبي صلى الله عيله وسلم لابي بكر: " فاشهد يا أبا بكر ". وقال المشركون: سحر القمر حتى انشق. * * * فهذه طرق متعددة قوية الاسانيد تفيد القطع لمن تأملها وعرف عدالة رجالها. وما يذكره بعض القصاص من أن القمر سقط إلى الارض حتى دخل في كم النبي

[ 121 ]

صلى الله عليه وسلم وخرج من الكم الآخر، فلا أصل له، وهو كذب مفترى ليس بصحيح. والقمر حين انشق لم يزايل السماء، غير أنه حين أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم انشق عن إشارته فصار فرقتين، فسارت واحدة حتى صارت من وراء حراء، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه. كما أخبر بذلك ابن مسعود أنه شاهد ذلك. وما وقع في رواية أنس في مسند أحمد: " فانشق القمر بمكة مرتين " فيه نظر، والظاهر أنه أراد فرقتين. والله أعلم.

[ 122 ]

فصل في وفاة أبى طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنها. وقيل: بل هي توفيت قبله. والمشهور الاول. وهذان المشفقان، هذا في الظاهر، وهذه في الباطن، هذاك كافر، وهذه مؤمنة صديقة رضى الله عنها وأرضاها. قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد. فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الابتلاء يسكن إليها (1)، وبهلك عمه أبى طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعة وناصرا على قومه. وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبى طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا. فحدثني هشام بن عروة عن أبيه، قال: فدخل رسول الله صلى عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسله وتبكى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) ابن هشام: وكانت له وزير صدق على الاسلام يسكن إليها (*)

[ 123 ]

يقول: " لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك " ويقول بين ذلك: " ما نالت منى (1) قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ". وذكر ابن إسحاق قبل ذلك: أن أحدهم ربما طرح الاذى في برمته صلى الله عليه وسلم إذا نصبت له. قال: فكان إذا فعلوا ذلك، كما حدثنى عمر بن عبدالله عن عروة، يخرج بذلك الشئ على العود فيقذفه على بابه ثم يقول " يا بنى عبد مناف أي جوار هذا ؟ ! " ثم يلقيه في الطريق. * * * قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريش ثقله، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبدالله بن معيد، عن بعض أهله، عن ابن عباس قال: لما مشوا إلى أبى طالب وكلموه، وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم،. فقالوا: يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك فادعه فخذ لنا منه وخذ له منا ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه. فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال: يا بن أخى، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك.


(1) الاصلى: ما نالتنى. وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 124 ]

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم، كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ". فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات. قال: " تقولون لا إله إلا الله. وتخلعون ما تعبدون من دونه ". فصفقوا بأيديهم. ثم قالوا: يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلهآ واحدا ؟ إن أمرك لعجب. قال: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا. قال: فقال أبو طالب: والله يا بن أخى ما رأيتك سألتهم شططا. قال: فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فجعل يقول له: " أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة ". فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بن أخى والله لو لا مخافة السبة عليك وعلى بنى أبيك من بعدى، وأن تظن قريش أنى إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لاسرك بها. قال فلما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه. قال: فقال: يا بن أخى والله لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها. قال: فقال رسول الله صلى عليه وسلم: " لم أسمع ". قال: وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط " ص والقرآن ذى الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق " الآيات.

[ 125 ]

وقد تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة. * * * وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أن أبا طالب مات مسلما بقول العباس [ في ] هذا الحديث، يا بن أخى لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها. يعنى لا إله إلا الله. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن في السند مبهما لا يعرف حاله وهو قوله " عن بعض أهله " وهذا إبهام في الاسم والحال، ومثله يتوقف فيه لو انفرد. وقد روى الامام أحمد والنسائي وابن جرير نحوا من هذا السياق من طريق أبى أسامة، عن الاعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير. فذكره ولم يذكر قول العباس. ورواه الثوري أيضا، عن الاعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. فذكره بغير زيادة قول العباس. ورواه الترمذي وحسنه، والنسائي وابن جرير أيضا. ولفظ الحديث من سياق البيهقى، فيما رواه من طريق الثوري، عن الاعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب، فجاءت قريش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم [ و ] عند رأس أبى طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كى يمنعه ذاك، وشكوه إلى أبى طالب، فقال: يا بن أخى ما تريد من قومك ؟ فقال: " يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب، وتؤدى إليهم بها الجزية العجم، كلمة واحدة ".

[ 126 ]

قال: ما هي ؟ قال: " لا إله إلا الله ". قال: فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ إن هذا لشئ عجاب. قال: ونزل فيهم: " ص والقرآن ذى الذكر " الآيات إلى قوله: " إلا اختلاق ". * * * ثم قد عارضه، أعنى سياق ابن إسحاق، ما هو أصح منه، وهو ما رواه البخاري قائلا: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه رضى الله عنه. أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل. فقال: " أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبدالمطلب ؟ ! فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر ما كلمهم به: على ملة عبدالمطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لاستغفرن (1) لك ما لم أنه عنك ". فنزلت: " ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (2) " ونزلت: " إنك لا تهدى من أحببت " (3) ورواه مسلم، عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الله، عن عبد الرزاق. وأخرجاه أيضا من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه بنحوه. وقال فيه: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر ما قال: على ملة عبدالمطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما لاستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله


(1) الاصل: لاستغفر. وهو تحريف. (2) سورة التوبة 113 (3) سورة لقصص 56. (*)

[ 127 ]

يعنى بعد ذلك: " ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى ". ونزل في أبى طالب: " إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ". هكذا روى الامام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي، من حديث يزيد بن كيسان عن أبى حازم، عن أبى هريرة، قال: لما حضرت وفاة أبى طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا عماه، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة ". فقال: لو لا أن تعيرني قريش، يقولون ما حمله عليه إلا فزع الموت، لاقررت بها عينك ولا أقولها إلا لاقر بها عينك. فأنزل الله عزوجل: " إنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ". وهكذا قال عبدالله بن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبى وقتادة: أنها نزلت في أبى طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: لا إله إلا الله. فأبى أن يقولها، وقال: هو على ملة الاشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملة عبدالمطلب. ويؤكد هذا كله ما قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبدالملك بن عمير، حدثنى عبدالله بن الحارث، قال: حدثنا العباس بن عبدالمطلب أنه قال: قلت للنبى صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال: " [ هو ] في ضحضاح من نار، ولو لا أنا لكان في الدرك الاسفل (1) ".


(1) زاد في البخاري: من النار. (*)

[ 128 ]

ورواه مسلم في صحيحه من طرق، عن عبدالملك بن عمير به. [ و ] أخرجاه في الصحيحين من حديث الليث، حدثنى ابن الهاد، عن عبدالله بن خباب، عن أبى سعيد، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عنده عمه فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه ". لفظ البخاري. وفى رواية " تغلى منه أم دماغه ". وروى مسلم، عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبى عثمان، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أهون أهل النار عذابا أبو طالب، منتعل بنعلين من النار يغلى منهما دماغه ". وفى مغازى يونس بن بكير " يغلى منهما دماغه حتى يسيل على قدميه " ذكره السهيلي. وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا عمرو، هو ابن اسماعيل بن مجالد، حدثنا أبى، عن مجالد، عن الشعبى، عن جابر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قيل له: هل نفعت أبا طالب ؟ قال: " أخرجته من النار إلى ضحضاح منها ". تفرد به البزار. قال السهيلي: وإنما لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة العباس أخيه أنه قال الكلمة وقال: " لم أسمع " لان العباس كان أذ ذاك كافرا غير مقبول الشهادة. قلت: وعندي أن الخبر بذلك ما صح لضعف سنده. كما تقدم. ومما يدل على ذلك أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن أبى طالب فذكر له ما تقدم.

[ 129 ]

وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة، حين لا ينفع نفسا إيمانها. والله أعلم. * * * وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، سمعت ناجية بن كعب يقول: سمعت عليا يقول: لما توفى أبى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن عمك قد توفى. فقال: " اذهب فواره " فقلت: إنه مات مشركا، فقال: " اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتى ". ففعلت فأتيته، فأمرني أن أغتسل. ورواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان، عن أبى إسحاق، عن ناجية، عن على: لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، فمن يواريه ؟ قال: " اذهب فوار أباك ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني ". فأتيته فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لى بدعوات ما يسرنى أن لى بهن ما على الارض من شئ. وقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو سعد المالينى، حدثنا أبو أحمد بن عدى، حدثنا محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبى رزمة، حدثنا الفضل، عن إبراهيم بن عبدالرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد من (1) جنازة أبى طالب فقال: وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم ".


(1) في الوفا لابن الجوزى: عارض جنازة. وهذا ما يتفق مع قوله بعد: " ولم يقم على قبره ". (*) (9 - السيرة - 2)

[ 130 ]

قال: وروى عن أبى اليمان الهوزنى، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وزاد: ولم يقم على قبره. قال: وإبراهيم بن عبدالرحمن هذا هو الخوارزمي تكلموا فيه. قلت: قد روى عنه غير واحد منهم الفضل بن موسى السينانى (1)، ومحمد بن سلام البيكندى (2). ومع هذا قال ابن عدى: ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة. وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفع عنه وعن أصحابه، وما قاله فيه من الممادح والثناء، وما أظهره له ولاصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التى أسلفناها، وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خالفه وكذبه، بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التى لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقارنتها ولا معارضتها. وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق بار راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه. وفرق بين علم القلب وتصديقه. كما قررنا ذلك في شرح كتاب الايمان من صحيح البخاري. وشاهد ذلك قوله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ". وقال تعالى في قوم فرعون: " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " وقال موسى


(1) كان من أقران ابن المبارك في السن والعلم، ولد سنة 115 ومات سنة 191. ونسب إلى سينان إحدى قرى مرو. (2) نسبة إلى بيكند، بلدة بين بخارى وجيحون. (*)

[ 131 ]

لفرعون: " لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإنى لاظنك يا فرعون مثبورا ". وقول بعض السلف في قوله تعالى: " وهم ينهون عنه وينأون عنه " أنها نزلت في أبى طالب حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق. فقد روى عن ابن عباس، والقاسم بن مخيمرة، وحبيب بن أبى ثابت، وعطاء بن دينار، ومحمد بن كعب، وغيرهم، ففيه نظر. والله أعلم. والاظهر والله أعلم، الرواية الاخرى عن ابن عباس، وهم ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به. وبهذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد. وهو اختيار ابن جرير. وتوجيهه: أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين، حيث كانوا يصدون الناس عن اتباعه ولا ينتفعون هم أيضا به. ولهذا قال: " ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين، وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ". وهذا اللفظ وهو قوله " وهم " يدل على أن المراد بهذا جماعة، وهم المذكورون في سياق الكلام وقوله: " وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون " يدل على تمام الذم. وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة، بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال.

[ 132 ]

ولكن مع هذا لم يقدر الله له الايمان، لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التى يجب الايمان بها والتسليم لها. ولو لا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين، لاستغفرنا لابي طالب وترحمنا عليه ! فصل في موت خديجة بنت خويلد وذكر شئ من فضائلها ومناقبها رضى الله عنها وأرضاها، وجعل جنات الفردوس منقلبها ومثواها. وقد فعل ذلك لا محالة بخبر الصادق المصدوق، حيث بشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب قال: قال عروة بن الزبير: وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة. ثم روى من وجه آخر عن الزهري أنه قال: توفيت خديجة بمكة قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقبل أن تفرض الصلاة. وقال محمد بن إسحاق: ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد. وقال البيهقى: بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام. ذكره عبدالله بن منده في كتاب المعرفة، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ. قال البيهقى: وزعم الواقدي أن خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل أبى طالب بخمس وثلاثين ليلة. قلت: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الاسراء.

[ 133 ]

وكان الانسب بنا أن نذكر وفاة أبى طالب وخديجة قبل الاسراء، كما ذكره البيهقى وغير واحد، ولكن أخرنا ذلك عن الاسراء لمقصد ستطلع عليه بعد ذلك، فإن الكلام به ينتظم ويتسق الباب. كما تقف على ذلك إن شاء الله. وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن عمارة، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة. قال: أتى جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام، أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به. وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: قلت لعبد الله بن أبى أوفى: بشر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة ؟ قال: نعم، ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب. ورواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن إسماعيل بن أبى خالد به. قال السهيلي: وإنما بشرها " ببيت في الجنة من قصب "، يعنى قصب اللؤلؤ، لانها حازت قصب السبق إلى الايمان " لا صخب فيه ولا نصب " لانها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتعبه يوما من الدهر، فلم تصخب عليه يوما ولا آذته أبدا. وأخرجاه في الصحيحين، من حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ما غرت على امرأة للنبى صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة - وهلكت قبل أن يتزوجني - لما كنت أسمعه يذكرها.

[ 134 ]

وأمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدى في خلائلها منها ما يسعهن. لفظ البخاري. وفى لفظ عن عائشة: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه، أو جبرائيل، أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب. وفى لفظ له قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة فيقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ! فيقول: " إنها كانت وكانت، وكان لى منها ولد ". ثم قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا على بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة، فارتاع فقال: اللهم هالة !. [ قالت (1) ] فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر [ قد (1) ] أبدلك الله خيرا منها. وهكذا رواه مسلم، عن سويد بن سعيد، عن على بن مسهر به. وهذا ظاهر في التقرير على أن عائشة خير من خديجة، إما فضلا وإما عشرة، إذ لم ينكر عليها ولا رد عليها ذلك، كما هو ظاهر سياق البخاري رحمه الله.


(1) من البخاري. (*)

[ 135 ]

ولكن قال الامام أحمد: حدثنا مؤمل أبو عبد الرحمن، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبدالملك - هو ابن عمير - عن موسى بن طلحة، عن عائشة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خديجة فأطنب في الثناء عليها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فقلت: لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين. قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرا لم أره تغير عند شئ قط إلا عند نزول الوحى أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذابا. وكذا رواه عن بهز بن أسد، وعثمان بن مسلم، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عبدالملك بن عمير به. وزاد بعد قوله: " حمراء الشدقين ": " هلكت في الدهر الاول ". قال: قالت: فتمعر وجهه تمعرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحى أو عند المخيلة حتى ينظر رحمة أو عذابا. تفرد به أحمد. وهذا إسناد جيد. وقال الامام أحمد أيضا: عن ابن إسحاق، أخبرنا مجالد، عن الشعبى، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء. قالت: فغرت يوما فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها. قال: " ما أبدلني الله خيرا منها، وقد آمنت بى إذ كفر بى الناس، وصدقتني أذ كذبني [ الناس ]، وآستني بمالها أذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء ".

[ 136 ]

تفرد به أحمد أيضا. وإسناده لا بأس به. ومجالد روى له مسلم متابعة، وفيه كلام مشهور. والله أعلم. ولعل هذا، أعنى قوله: " ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء " كان قبل أن يولد إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية، وقبل مقدمها بالكلية وهذا متعين فإن جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم وكما سيأتي، من خديجة إلا إبراهيم، فمن مارية القبطية المصرية رضى الله عنها. وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة رضى الله عنها وأرضاها. وتكلم آخرون في إسناده. وتأوله آخرون على أنها كانت خيرا عشرة، وهو محتمل أو ظاهر، وسببه أن عائشة تمت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها، وليس مرادها بقولها: " قد أبدلك الله خيرا منها " أنها تزكى نفسها وتفضلها على خديجة، فإن هذا أمر مرجعه إلى الله عز وجل، كما قال: " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (1) " وقال تعالى: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم، بل الله يزكى من يشاء (3) " الآية. * * * وهذه مسألة وقع النزاع فيها بين العلماء قديما وحديثا، وبجانبها طرق يقتصر عليها أهل التشيع وغيرهم، لا يعدلون بخديجة أحدا من النساء: لسلام الرب عليها، وكون ولد النبي صلى الله عليه وسلم جميعهم، إلا إبراهيم، منها، وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت إكراما لها وتقدير إسلامها، وكونها من الصديقات، ولها مقام صدق في أول البعثة، وبذلت نفسها ومالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) سورة النجم 32. (2) سورة النساء 49. (*)

[ 137 ]

وأما أهل السنة فمنهم من يغلو أيضا ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق، ولكونها أعلم من خديجة، فإنه لم يكن في الامم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، ولم يكن الرسول يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها، ونزلت براءتها من فوق سبع سموات، وروت بعده عنه عليه السلام علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه، حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور " خذوا شطر دينكم عن الحميراء ". * * * الحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره. والاحسن التوقف في ذلك إلى الله عزوجل. ومن ظهر له دليل يقطع به، أو يغلب على ظنه في هذا الباب، فذاك الذى يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم. ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها، فالطريق الاقوم والمسلك الاسلم أن يقول: الله أعلم. وقد روى الامام أحمد والبخاري ومسلم الترمذي والنسائي، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن جعفر، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " أي خير زمانهما. وروى شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قرة بن إياس، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية أمرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ".

[ 138 ]

رواه ابن مردويه في تفسيره، وهذا إسناد صحيح إلى شعبة بعده. قالوا: والقدر المشترك بين الثلاث نسوة، آسية ومريم وخديجة، أن كلا منهن كفلت نبيا مرسلا، وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته حين بعث. ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين أرسل. وخديجة رغبت في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وبذلت في ذلك أموالها، كما تقدم، وصدقته حين نزل عليه الوحى من الله عزوجل. وقوله: " وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " هو ثابت في الصحيحين من طريق شعبة أيضا، عن عمرو بن مرة، عن مرة الطيب الهمداني، عن أبى موسى الاشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وأن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " والثريد هو الخبر واللحم جميعا، وهو أفخر طعام العرب، كما قال بعض الشعراء: إذا ما الخبز تأدمه بلحم * فذاك أمانة الله الثريد ويحمل قوله: " وفضل عائشة على النساء " أن يكون محفوظا فيعم النساء المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاما فيما عداهن ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوفا يحتمل التسوية بينهن، فيحتاج من رجح واحدة منهن على غيرها إلى دليل من خارج. والله أعلم.

[ 139 ]

فصل في تزويجه عليه السلام بعد خديجة رضى الله عنها بعائشة بنت الصديق، وسودة بنت زمعة رضى الله عنهما الصحيح أن عائشة تزوجها أولا كما سيأتي. قال البخاري في باب تزويج عائشة، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سرقة (1) من حرير، ويقول (2): هذه امرأتك. فأكشف عنها فإذا هي أنت، فأقول إن كان هذا (3) من عند الله يمضه ". قال البخاري: باب نكاح الابكار. وقال ابن أبى مليكة: قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرك. حدثنا إسماعيل بن عبدالله، حدثنى أخى، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك ؟ قال: " في التى لم يرتع منها " تعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها. انفرد به البخاري. ثم قال: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قالت: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريتك في المنام فيجئ


(1) السرقة: القطعة. (2) أي جبريل. وفى رواية: ويقال. (3) البخاري: إن يك هذا. (*)

[ 140 ]

بك الملك في سرقة من حرير فقال لى هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه ". وفى رواية: " أريتك في المنام ثلاث ليال ". وعند الترمذي أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. وقال البخاري: [ باب ] تزويج الصغار من الكبار، حدثنا عبدالله بن يوسف، حدثنا الليث عن يزيد، عن عراك، عن عروة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبى بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال: " أنت أخى في دين الله وكتابه، وهى لى حلال ". هذا الحديث ظاهر سياقه كأنه مرسل، وهو عند البخاري والمحققين متصل، لانه من حديث عروة عن عائشة رضى الله عنها، وهذا من أفراد البخاري رحمه الله. وقال يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه. قال: تزوج رسول الله صلى الله عيله وسلم عائشة بعد خديجة بثلاث سنين، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين، وبنى بها وهى ابنة تسع، ومات رسول الله صلى عليه وسلم وعائشة ابنة ثمانى عشرة سنة. وهذا غريب. وقد روى البخاري عن عبيد بن إسماعيل، عن أبى أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريبا من ذلك، ونكح عائشة وهى بنت ست سنين، ثم بنى بها وهى بنت تسع سنين.

[ 141 ]

وهذا الذى قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا، ولكنه في حكم المتصل في نفس الامر. وقوله: " تزوجها وهى ابنة ست سنين، وبنى بها وهى ابنة تسع " ما لا خلاف فيه بين الناس، وقد ثبت في الصحاح وغيرها. وكان بناؤه بها عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة. وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو من ثلاث سنين ففيه نظر. فإن يعقوب بن سفيان الحافظ قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة وأنا ابنة سبع أو ست سنين، فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب في أرجوحة وأنا مجممة، فهيأننى وصنعننى ثم أتين بى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فبنى بى ]. وأنا ابنة تسع سنين. فقوله في هذا الحديث: " متوفى خديجة ". يقتضى أنه على أثر ذلك قريبا، اللهم إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفى خديجة، فلا ينفى ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه. والله أعلم. وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبى المغراء، حدثنا على بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قالت: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بنى الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزق شعرى وقد وفت لى جميمة، فأتتنى أمي أم رومان وإنى لفى أرجوحة ومعى صواحب لى، فصرخت بى فأتيتها ما أدرى ما تريد منى، فأخذت بيدى حتى أوقفتني على باب الدار، وإنى لانهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمست به وجهى ورأسي، ثم أدخلتني

[ 142 ]

الدار. قال: فإذا نسوة من الانصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر. فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني، فلم يرعنى إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمننى إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين. وقال الامام أحمد في مسند عائشة أم المؤمنين: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا بشر، حدثنا محمد بن عمرو [ حدثنا ] أبو سلمة ويحيى، قالا: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج ؟ قال: من ؟ قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا. قال: فمن البكر ؟ قالت أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبى بكر. قال: ومن الثيب ؟ قالت سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك. قال: فاذهبي فاذكريهما على. فدخلت بيت أبى بكر فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ! قالت: وما ذاك ؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قالت: انظري أبا بكر حتى يأتي. فجاء أبو بكر فقلت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة ! قال: وما ذاك ؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له ؟ إنما هي ابنة أخيه. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له قال: " ارجعي إليه فقولي له: أنا أخوك وأنت أخى في الاسلام وابنتك تصلح لى ". فرجعت فذكرت ذلك له قال: انتظري، وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدى قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه.

[ 143 ]

فدخل أبو بكر على مطعم بن عدى وعنده امرأته أم الصبى. فقالت: يا ابن أبى قحافة لعلك مصبئ صاحبنا تدخله في دينك الذى أنت عليه إن تزوج إليك ؟ ! فقال أبو بكر للمطعم بن عدى أقول هذه تقول ؟ [ قال: ] (1) إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التى وعده. فرجع فقال لخولة: ادعى لى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعته فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين. ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة ؟ ! قالت: وما ذاك ؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك إليه. قالت: وددت، ادخلي إلى أبى بكر فاذكري ذلك له، وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن قد تخلف عن الحج، فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه ؟ قالت: خولة بنت حكيم. قال: فما شأنك ؟ قالت: أرسلني محمد بن عبدالله أخطب عليه سودة. فقال: كفء كريم، ما تقول صاحبتك ؟ قالت: تحب ذلك. قال ادعيها إلى. فدعتها قال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به ؟ قالت: نعم. قال: ادعيه لى. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه. فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجاء يحثى على رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: لعمرك إنى لسفيه يوم أحثى في رأسي التراب أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة ! قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بنى الحارث بن الخزرج في السنح. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال من الانصار


(1) من المسند 6 / 211 (*)

[ 144 ]

ونساء، فجاءتني أمي وإنى لفى أرجوحة بين عذقين يرجح بى، فأنزلتنى من الارجوحة ولى جميمة ففرقتها ومسحت وجهى بشئ من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بى عند الباب، وإنى لانهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بى فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الانصار، فأجلستني في حجره ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك. فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا ما نحرت على جزور، ولا ذبحت على شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دار إلى نسائه. وأنا يومئذ ابنة تسع سنين. وهذا السياق كأنه مرسل، وهو متصل. لما رواه البيهقى من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا عبدالله بن إدريس الازدي، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، قال: قالت عائشة: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم فقالت: يا رسول الله ألا تزوج ؟ قال: ومن ؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا. قال: من البكر ومن الثيب ؟ قالت: أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك، وأما الثيب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك. قال فاذكريهما على وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم. وهذا يقتضى أن عقده على عائشة كان متقدما على تزويجه بسودة بنت زمعة. ولكن دخوله على سودة كان بمكة، وأما دخوله على عائشة فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية كما تقدم وكما سيأتي. وقال الامام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة

[ 145 ]

قالت: لما كبرت سودة وهبت يومها لى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لى بيومها مع نسائه. قالت: وكانت أول امرأة تزوجها بعدى. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبدالحميد، حدثنى شهر، حدثنى عبدالله بن عباس، أن رسول الله صلى عليه وسلم خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكانت مصبية، كان لها خمس صبية أو ست من بعلها مات: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يمنعك منى ؟ " قالت: والله يا نبى الله ما يمنعنى منك أن لا تكون أحب البرية إلى، ولكني أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية. قال: فهل منعك منى غير ذلك ؟ قالت: لا والله. قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله ! إن خير نساء ركبن أعجاز الابل، صالح ؟ نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده. قلت: وكان زوجها قبله عليه السلام السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة كما تقدم، ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة رضى الله عنه. هذه السياقات كلها دالة على أن العقد على عائشة كان متقدما على العقد بسودة، وهو قول عبدالله بن محمد بن عقيل. ورواه يونس عن الزهري. واختار ابن عبد الير أن العقد على سودة قبل عائشة، وحكاه عن قتادة وأبى عبيد. قال: ورواه عقيل عن الزهري. (10 - السيرة - 2)

[ 146 ]

فصل قد تقدم ذكر موت أبى طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان ناصرا له وقائما في صفه ومدافعا عنه بكل ما يقدر عليه من نفس ومال ومقال وفعال. فلما مات اجترأ سفهاء قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونالوا منه ما لم يكونوا يصلون إليه ولا يقدرون عليه. كما قد رواه البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصنعانى، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبدالله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عمن حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عبدالله بن جعفر قال: لما مات أبو طالب عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفيه من سفهاء قريش فألقى عليه ترابا، فرجع إلى بيته فأتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكى، فجعل يقول: " أي بنية لا تبكى، فإن الله مانع أباك ". ويقول ما بين ذلك: " ما نالت قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ثم شرعوا ". وقد رواه زياد البكائى، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلا. والله أعلم. وروى البيهقى أيضا عن الحاكم وغيره، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما زالت قريش كاعين (1) حتى مات أبو طالب ".


(1) كاعين: جبناء (*)

[ 147 ]

ثم رواه عن الحاكم، عن الاصم، عن عباس الدوري، عن يحيى بن معين، حدثنا عقبة المجدر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما زالت قريش كاعة حتى توفى أبو طالب ". وقد روى الحافظ أبو الفرج ابن الجوزى بسنده عن ثعلبة بن صقير (1) وحكيم بن حزام، أنهما قالا: لما توفى أبو طالب وخديجة، وكان بينهما خمسة أيام، اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان، ولزم بيته وأقل الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه. فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد امض لما أردت، وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت. وسب ابن الغيطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل إليه أبو لهب فنال منه، فولى يصيح: يا معشر قريش صبأ أبو عتبة. فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبى لهب فقال: ما فارقت دين عبدالمطلب. ولكني أمنع ابن أخى أن يضام حتى يمضى لما يريد. فقالوا: لقد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أياما يأتي ويذهب لا يعرض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب، إذ جاء عقبة بن أبى معيط وأبو جهل إلى أبى لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك ؟ فقال له أبو لهب: يا محمد أين مدخل عبدالمطلب ؟ قال: مع قومه. فخرج إليها فقال: قد سألته فقال: مع قومه. فقالا: يزعم أنه في النار !


(1) الاصل: صعير. وهو تحريف. وما أثبته من الوفا لابن الجوزى 210. (*)

[ 148 ]

فقال: يا محمد أيدخل عبدالمطلب النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن مات على ما مات عليه عبدالمطلب دخل النار. فقال أبو لهب - لعنه الله -: والله لا برحت لك إلا عدوا (1) أبدا وأنت تزعم أن عبدالمطلب في النار. واشتد عند ذلك أبو لهب وسائر قريش عليه. * * * قال ابن إسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته: أبو لهب، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن أبى معيط، وعدى بن الحمراء، وابن الاصداء الهذلى. وكانوا جيرانه، لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبى العاص. وكان أحدهم، فيما ذكر لى، يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا صلى، فكان إذا طرحوا شيئا من ذلك يحمله على عود ثم يقف به على بابه ثم يقول: يا بنى عبد مناف أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق. قلت: وعندي أن غالب ما روى مما تقدم - من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلى، كما رواه ابن مسعود، وفيه أن فاطمة جاءت فطرحته عنه وأقبلت عليهم فشتمتهم، ثم لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على سبعة منهم كما تقدم. وكذلك ما أخبر به عبدالله بن عمرو بن العاص من خنقهم له عليه السلام خنقا شديدا،


(1) ابن الجوزى: لا برحت لك عدوا، وهى كذلك في طبقات ابن سعد (*)

[ 149 ]

حتى حال دونه أبو بكر الصديق قائلا: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ! وكذلك عزم أبى جهل، لعنه الله، على أن يطأ على عنقه وهو يصلى فحيل بينه وبين ذلك، وما أشبه ذلك - كان بعد وفاة أبى طالب والله أعلم. فذكرها ههنا أنسب وأشبه. فصل في ذهابه عليه السلام إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الله تعالى، وإلى نصرة دينه، فردوا عليه ذلك ولم يقبلوا، فرجع عنهم إلى مكة قال ابن إسحاق: فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبى طالب. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى. فخرج إليهم وحده فحدثني يزيد بن أبى زياد، عن محمد بن كعب القرظى، قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وعمد إلى نفر من ثقيف وهم سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة، عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة ابن عوف بن ثقيف. وعند أحدهم امرأة من قريش من بنى جمح. فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا أرسله غيرك ؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك.

[ 150 ]

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم، فيما ذكر لى، إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا على. وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه. فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فعمد إلى ظل حبلة (1) من عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف. وقد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ذكر لى، المرأة التى من بنى جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك ! فلما اطمأن قال فيما ذكر: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمرى ؟ ! إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى، ولكن عافيتك هي أوسع لى. أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بى غضبك أو تحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة ألا بك ". قال: فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقى تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس [ وقالا له ] خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه.


الحبلة: الكرمة. [ * ]

[ 151 ]

ففعل عداس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له كل. فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه قال: " بسم الله " ثم أكل، ثم نظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس وما دينك ؟ قال: نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذلك أخى كان نبيا وأنا نبى. فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس قالا له: ويلك يا عداس ! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال: يا سيدى ما في الارض شئ خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبى. قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. * * * وقد ذكر موسى بن عقبه نحوا من هذا السياق، إلا أنه لم يذكر الدعاء وزاد: وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموه، فخلص منهم وهما يسيلان الدماء، فعمد إلى ظل نخلة

[ 152 ]

وهو مكروب، وفى ذلك الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله. ثم ذكر قصة عداس النصراني، كنحو ما تقدم. وقد روى الامام أحمد، عن أبى بكر ابن أبى شيبة، حدثنا مروان بن معاوية الفزارى، عن عبدالله بن عبدالرحمن الطائفي، عن عبدالرحمن بن خالد بن أبى جبل العدواني، عن أبيه، أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى، حين أتاهم يبتغى عندهم النصر، فسمعته يقول: " والسماء والطارق " حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الاسلام. قال: فدعتنى ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل ؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه. وثبت في الصحيحين، من طريق عبدالله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟ قال: " ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهى فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أطلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم. ثم نادانى ملك الجبال فسلم على ثم قال: يا محمد قد بعثنى الله، إن الله قد سمع قول

[ 153 ]

قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثنى إليك ربك لتأمرني ما شئت، إن شئت تطبق عليهم الاخشبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ". فصل وقد ذكر محمد بن اسحاق سماع الجن لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنخلة وصلى بأصحابه الصبح، فاستمع الجن الذين صرفوا إليه قراءته هنالك. قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر، وأنزل الله تعالى فيهم قوله: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ". قلت: وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير، وتقدم قطعة من ذلك، والله أعلم. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مرجعه من الطائف في جوار المطعم بن عدى، وازداد قومه عليه حنقا وغيظا وجرأة وتكذيبا وعنادا. والله المستعان وعليه التكلان. وقد ذكر الاموى في مغازيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أريقط إلى الاخنس بن شريق، فطلب منه أن يجيره بمكة، فقال: إن حليف قريش لا يجير على صميمها. ثم بعثه إلى سيهل بن عمرو ليجيره فقال: إن بنى عامر بن لؤى لا تجير على بنى كعب بن لؤى.

[ 154 ]

فبعثه إلى المطعم بن عدى ليجيره فقال: نعم، قل له فليأت. فذهب إليه رسول الله صلى عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة أو سبعة متقلدى السيوف جميعا، فدخلوا المسجد وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طف. واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف. فأقبل أبو سفيان إلى مطعم فقال: أمجير أو تابع ؟ قال: لا بل مجير. قال: إذا لا تخفر. فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه. وذهب أبو سفيان إلى مجلسه. قال: فمكث أياما ثم أذن له في الهجرة. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة توفى مطعم بن عدى بعده بيسير، فقال حسان بن ثابت: والله لارثينه. فقال فيما قال: فلو كان مجد مخلد اليوم واحدا * من الناس نحى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا * عبادك ما لبى محل وأحرما فلو سئلت عنه معد بأسرها * وقحطان أو باقى بقية جرهما لقالوا: هو الموفى بخفرة جاره * وذمت يوما إذا ما تجشما وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم * على مثله فيهم أعز وأكرما إباء إذا يأبى وألين شيمة * وأنوم عن جار إذا الليل أظلما قلت: ولهذا قال النى صلى الله عليه وسلم يوم أسارى بدر: " لو كان المطعم بن عدى حيا ثم سألني في هؤلاء النتنى (1) لوهبتهم له ".


(1) المطبوعة: النقباء. وهو تحريف شنيع أعان عليه كتابتها في الاصل بالالف بلا نقط والرواية كما في الوفا والمواهب: ثم كلمني في هؤلاء النتنى لاطلقتهم له. وسماهم نتنى لكفرهم. كما في النهاية. (*)

[ 155 ]

فصل في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على أحياء العرب في مواسم الحج أن يؤووه وينصروه ويمنعوه ممن كذبه وخالفه، فلم يجبه أحد منهم لما ذخره الله تعالى للانصار من الكرامة العظيمة رضى الله عنهم قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم، إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله عزوجل، ويخبرهم أنه نبى مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به. قال ابن إسحاق: فحدثني من أصحابنا من لا أتهم، عن زيد بن أسلم، عن ربيعة بن عباد الدؤلى (1)، ومن حدثه أبو الزناد عنه، وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبى، قال: إنى لغلام شاب مع أبى بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: " يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الانداد، وأن تؤمنوا بى وتصدقوا بى، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثنى به ".


(1) ويقال فيه الديلى. (*)

[ 156 ]

قال: وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بنى فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال: فقلت لابي: يا أبت من هذا الرجل الذى يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال: هذا عمه عبدالعزى بن عبدالمطلب أبو لهب. وقد روى الامام أحمد هذا الحديث، عن إبراهيم بن أبى العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بنى الديل، وكان جاهليا فأسلم، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذى المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب. فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب. ورواه البيهقى، من طريق محمد بن عبدالله الانصاري، عن محمد بن عمرو، عن محمد ابن المنكدر، عن ربيعة الديلى: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذى المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت: من هذا ؟ قالوا هذا أبو لهب. وكذا رواه أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن أبى ذئب وسعيد بن سلمة بن أبى الحسام، كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه. ثم رواه البيهقى من طريق شعبة، عن الاشعث بن سليم، عن رجل من كنانة

[ 157 ]

قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذى المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وإذا رجل خلفه يسفى عليه التراب، فإذا هو أبو جهل وهو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى. كذا قال في هذا السياق: " أبو جهل " وقد يكون وهما، ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا وتارة يكون ذا، وأنهما كانا يتناوبان على إيذائه صلى الله عليه وسلم * * * قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري أنه عليه السلام أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح، فدعاهم إلى الله عزوجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن [ عبدالله بن ] (1) حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبدالله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول: " يا بنى عبدالله إن الله قد أحسن اسم أبيكم " فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بنى حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم. وحدثني الزهري أنه أتى بنى عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه. فقال له رجل منهم يقال له بيحرة (2) بن فراس: والله لو أنى أخذت هذا الفتى


(1) من ابن هشام. (2) الاصل بحيرة. وما أثبته من ابن هشام والروض الانف. (*)

[ 158 ]

من قريش لاكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال: " الامر لله يضعه حيث يشاء ". قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه. فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بنى عبدالمطلب، يزعم أنه نبى يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بنى عامر هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ والذى نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلى قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم ! * * * وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: " لا أكره أحدا منكم على شئ، من رضى منكم بالذى أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لى من القتل حتى أبلغ رسالة ربى، وحتى يقضى الله لى ولمن صحبني بما شاء. فلم يقبله أحد منهم، وما يأتي أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه !

[ 159 ]

وكان ذلك مما ذخره الله للانصار وأكرمهم به. وقد روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبدالله بن الاجلح ويحيى بن سعيد الاموى، كلاهما عن محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، عن العباس. قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أرى لى عندك ولا عند أخيك منعة، فهل أنت مخرجى إلى السوق غدا حتى نقر في منازل قبائل الناس " وكانت مجمع العرب. قال: فقلت: هذه كندة ولفها، وهى أفضل من يحج البيت من اليمن، وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بنى عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك. قال: فبدأ بكندة فأتاهم فقال: ممن القوم ؟ قالوا: من أهل اليمن. قال: من أي اليمن ؟ قالوا: من كندة قال: من أي كندة ؟ قالوا: من بنى عمرو بن معاوية. قال: فهل لكم إلى خير ؟ قالوا: وما هو ؟ قال: " تشهدون أن لا إله إلا الله وتقيمون الصلاة وتؤمنون بما جاء من عند الله ". قال عبدالله بن الاجلح: وحدثني أبى عن أشياخ قومه، أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الملك لله يجعله حيث يشاء ". فقالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به. وقال الكلبى: فقالوا: أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا وننابذ العرب، الحق بقومك فلا حاجة لنا بك.

[ 160 ]

فانصرف من عندهم فأتى بكر بن وائل فقال: ممن القوم ؟ قالوا: من بكر بن وائل. فقال: من أي بكر بن وائل ؟ قالوا: من بنى قيس بن ثعلبة. قال: كيف العدد ؟ قالوا: كثير مثل الثرى. قال: فكيف المنعة ؟ قالوا: لا منعة، جاورنا فارس، فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم. قال: " فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين، وتكبروه أربعا وثلاثين ؟ ". قالوا: ومن أنت ؟ قال: أنا رسول الله. ثم انطلق. فلما ولى عنهم، قال الكلبى: وكان عمه أبو لهب يتبعه، فيقول للناس لا تقبلوا قوله. ثم مر أبو لهب فقالوا: هل تعرف هذا الرجل ؟ قال: نعم، هذا في الذروة منا، فعن أي شأنه تسألون ؟ فأخبروه بما دعاهم إليه وقالوا: زعم أنه رسول الله. قال: ألا لا ترفعوا برأسه قولا، فإنه مجنون يهذى من أم رأسه. قالوا: قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر ! * * * قال الكلبى: فأخبرني عبدالرحمن العامري (1)، عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بسوق عكاظ، فقال: ممن القوم ؟ قلنا:


(1) الاصل: المعايرى. وما أثبته من دلائل النبوة لابي نعيم 243. (*)

[ 161 ]

من بنى عامر بن صعصعة. قال: من أي بنى عامر بن صعصعة ؟ قالوا (1): بنو كعب بن ربيعة. قال كيف المنعة [ فيكم ] (2) ؟ قلنا: لا يرام ما قبلنا، ولا يصطلى بنارنا. قال: فقال لهم: إنى رسول الله، وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربى، ولا أكره أحدا منكم على شئ. قالوا: ومن أي قريش أنت ؟ قال: من بنى عبدالمطلب. قالوا: فاين أنت من عبد مناف ؟ قال: هم أول من كذبني وطردني. قالوا: ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك. قال: فنزل إليهم والقوم يتسوقون، إذ أتاهم بيحرة (3) بن فراس القشيرى، فقال: من هذا الرجل أراه عندكم أنكره ؟ قالوا: محمد بن عبدالله القرشى. قال: فما لكم وله ؟ قالوا: زعم لنا أنه رسول الله فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه. قال: ماذا رددتم عليه ؟ قالوا: بالترحيب والسعة، نخرجك إلى بلادنا ونمنعك ما نمنع به أنفسنا. قال بيحرة (3): ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشئ أشد من شئ ترجعون به، بدأتم (4) لتنابذوا النا س وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به، لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به، أتعمدون إلى زهيق قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه ؟ فبئس الرأى رأيتم.


(1) الدلائل: قلنا. (2) من الدلائل. (3) الاصل: بحيرة. وما أثبته عن أبن هشام والسهيلى والطبري. (4) المطبوعة: بدءا ثم. وهو تحريف وما أثبته من الدلائل. (*) (11 - السيرة 2)

[ 162 ]

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم فالحق بقومك، فو الله لو لا أنك عند قومي لضربت عنقك. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناقته فركبها، فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها فقمصت برسول الله صلى الله عليه وسلم فألقته. وعند بنى عامر يومئذ ضباعة ابنة عامر بن قرط، كانت من النسوة اللاتى أسلمن مع رسول الله بمكة، جاءت زائرة إلى بنى عمها، فقالت: يا آل عامر، ولا عامر لى ! أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم ! فقام ثلاثة من بنى عمها إلى بيحرة واثنين أعاناه، فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الارض ثم جلس على صدره، ثم علوا وجوههم لطما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء ". قال: فأسلم الثلاثة الذين نصروه وقتلوا شهداء، وهم: غطيف (1) وغطفان ابنا سهل، وعروة، أو عذرة بن عبدالله بن سلمة. رضى الله عنهم. وقد روى هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الاموى في مغازيه، عن أبيه به. وهلك الآخرون وهم، بيحرة بن فراس، وحزن بن عبدالله بن سلمة بن قشير، ومعاوية بن عبادة أحد بنى عقيل، لعنهم الله لعنا كثيرا. وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته. والله أعلم. * * *


(1) الدلائل: غطريف (*)

[ 163 ]

وقد روى أبو نعيم له شاهدا من حديث كعب بن مالك رضى الله عنه، في قصة عامر ابن صعصعة وقبيح ردهم عليه. وأغرب من ذلك وأطول ما رواه أبو نعيم والحاكم والبيهقي، والسياق لابي نعيم رحمهم الله، من حديث أبان بن عبدالله البجلى، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، حدثنى على بن أبى طالب، قال: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى، حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب. فتقدم أبو بكر رضى الله عنه فسلم، وكان أبو بكر مقدما في كل خير، وكان رجلا نسابة، فقال: ممن القوم ؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأى ربيعة أنتم أمن هامها أم لهازمها ؟ قالوا: بل من هامها العظمى. قال أبو بكر: فمن أي هامتها العظمى ؟ فقال: ذهل الاكبر. قال لهم أبو بكر: منكم عوف الذى كان يقال: لا حر بوادي عوف ؟ قالوا: لا. قال: فمنكم بسطام بن قيس أبو اللواء (1) ومنتهى الاحياء ؟ قالوا: لا. قال: فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها أنفسها ؟ قالوا: لا. قال: فمنكم جساس بن مرة بن ذهل، حامى الذمار ومانع الجار ؟ قالوا: لا. قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة ؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة ؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أصهار الملوك من لخم ؟ قالوا: لا. قال لهم أبو بكر رضى الله عنه: فلستم بذهل الاكبر، بل أنتم ذهل الاصغر.


(1) دلائل النبوة لابي نعيم: أبو الملوك. (*)

[ 164 ]

قال: فوثب إليه منهم غلام يدعى دغفل بن حنظلة الذهلى، حين بقل وجهه، فأخذ بزمام ناقة أبى بكر وهو يقول: إن على سائلنا أن نسأله * والعبء لا نعرفه أو نحمله يا هذا إنك سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا، ونحن نريد أن نسألك، فمن أنت ؟ قال: رجل من قريش. فقال الغلام: بخ بخ: أهل السؤدد والرئاسة، قادمة العرب وهاديها (1) فمن أنت من قريش ؟ فقال له: رجل من بنى تيم بن مرة. فقال له الغلام: أمكنت والله الرامى من سواء الثغرة ! أفمنكم قصى بن كلاب الذى قتل بمكة المتغلبين عليها، وأجلى بقيتهم وجمع قومه من كل أوب حتى أوطنهم مكة، ثم استولى على الدار وأنزل قريشا منازلها، فسمته العرب بذلك مجمعا، وفيه يقول الشاعر: أليس أبوكم كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر. فقال أبو بكر: لا قال: فمنكم عبد مناف الذى انتهت إليه الوصايا وأبو الغطاريف السادة ؟ فقال أبو بكر: لا. قال: فمنكم عمرو بن عبد مناف هاشم، الذى هشم الثريد لقومه ولاهل مكة، ففيه يقول الشاعر: عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف سنوا إليه الرحلتين كليهما * عند الشتاء ورحلة الاصياف كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمح خالصة لعبد مناف


(1) الدلائل: أزمة العرب وهداتها. (*)

[ 165 ]

الرائشين وليس يعرف رائش * والقائلين هلم للاضياف والضاربين الكبش يبرق بيضه * والمانعين البيض بالاسياف لله درك لو نزلت بدارهم * منعوك من أزل ومن إقراف (1) فقال أبو بكر: لا. قال: فمنكم عبد المطب شيبة الحمد، وصاحب عير مكة، مطعم طير السماء والوحوش والسباع في الفلا، الذى كأن وجهه قمر يتلالا في الليلة الظلماء ؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الافاضة أنت ؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت ؟ قال: لا. قال: أفمن أهل أهل الندوة أنت ؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت ؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت ؟ قال: لا. قال: فمن المفيضين أنت ؟ قال: لا. ثم جذب أبو بكر رضى الله عنه زمام ناقته من يده، فقال له الغلام: صادف در السيل در يدفعه * يهيضه حينا وحينا يرفعه (3) ثم قال: أما والله يا أخا قريش لو ثبت لخبرتك أنك من زمعات قريش ولست من الذوائب. قال: فأقبل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، قال على: فقلت له: يا أبا بكر لقد وقعت من الاعرابي على باقعة (3): فقال: أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالقول.


(1) الازل: الطيق والشدة. والاقراف: التهمة. (2) الدلائل: صادف درء السيل سيلا يدفعه * يهضبه حينا وحينا يصدعه (3) الباقعة: الرجل الداهية. (*)

[ 166 ]

قال: ثم انتهينا إلى مجلس عليه السكينة والوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلم. قال على: وكان أبو بكر مقدما في كل خير. فقال لهم أبو بكر: ممن القوم ؟ قالوا من بنى شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبى أنت وأمى ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم. وفى رواية: ليس وراء هؤلاء عذر من قومهم، وهؤلاء غرر في قومهم، وهؤلاء غرر الناس. وكان في القوم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان أقرب القوم إلى أبى بكر مفروق بن عمرو، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على صدره، فكان أدنى القوم مجلسا من أبى بكر. فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم ؟ فقال له: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. فقال له: فكيف المنعة فيكم ؟ فقال: علينا الجهد ولكل قوم جد. فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق: إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الاولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرة ويديل علينا [ مرة ] (1)، لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله فها هو هذا. فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك.


(1) من الدلائل. (*)

[ 167 ]

ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فقال: إلام تدعو يا أخا قريش ؟ (1) فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه فقال صلى الله عليه وسلم: " أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله، وأن تؤوونى وتنصروني حتى أؤدى عن الله الذى أمرنى به، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد ". قال له: وإلام ما تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم: ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا " إلى قوله " ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ". فقال له مفروق: وإلام ما تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فو الله ما هذا من كلام أهل الارض، ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى، يعظكم لعلكم تذكرون ". فقال له مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال له هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وصدقت قولك، وإنى أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، لم نتفكر في أمرك وننظر في عاقبة ما تدعو إليه، زلة في الرأى، وطيشة في العقل،


(1) سقطت من الاصل، وأثبتها من دلائل النبوة. (*)

[ 168 ]

وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا. ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمت به، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة، وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا، وإنا إنما نزلنا بين صريين احدهما اليمامة، والآخر السماوة (1). فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما هذان الصريان ؟ فقال له: أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوى محدثا، ولعل هذا الامر الذى تدعونا إليه مما تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلى بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان [ مما ] يلى بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول. فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلى العرب فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم، أتسبحون الله وتقدسونه ؟ فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش ! فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ".


(1) اللسان 19 / 192: " وإنما نزلنا الصريين اليمامة والسمامة هما تثنية صرى. وهو كل ماء مجتمع " (*)

[ 169 ]

ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضا على يدى أبى بكر. قال على: ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا على أية أخلاق للعرب كانت في الجاهلية، ما أشرفها ! بها يتحاجزون في الحياة الدنيا. قال: ثم دفعنا إلى مجلس الاوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم. قال على: وكانوا صدقاء صبراء، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم من معرفة أبى بكر رضى الله عنه بأنسابهم. قال: فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: " احمدوا الله كثيرا، فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس، قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبى نصروا ". قال: وكانت الوقعة بقراقر إلى جنب ذى قار، وفيها يقول الاعشى: فدى لبنى ذهل بن شيبان ناقتي * وراكبها عند اللقاء وقلت هم ضربوا بالحنو حنو قراقر * مقدمة الهامرز حتى تولت فلله عينا من رأى من فوارس * كذهل بن شيبان بها حين ولت فثاروا وثرنا والمودة بيننا * وكانت علينا غمرة فتجلت هذا حديث غريب جدا، كتبناه لما فيه من دلائل النبوة ومحاسن الاخلاق ومكارم الشيم وفصاحة العرب. وقد ورد هذا من طريق أخرى، وفيه أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر، مكان قريب من الفرات، جعلوا شعارهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم فنصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الاسلام.


(1) الحنو: كل منعرج وكل شئ فيه اعوجاج. ويوم الحنو من أيام العرب. (*)

[ 170 ]

وقال الواقدي: أخبرنا عبدالله بن وابصة العبسى، عن أبيه، عن جده قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منازلنا بمنى، ونحن نازلون بإزاء الجمرة الاولى التى تلى مسجد الخيف وهو على راحلته مردفا خلفه زيد بن حارثة، فدعانا فو الله ما استجبنا له ولا خير لنا. قال: وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسى، فقال لنا: أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط بلادنا لكان الرأى، فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ. فقال القوم: دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به. وطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميسرة، فكلمه، فقال ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومي يخالفونني، وإنما الرجل بقومه، فإذا لم يعضدوه فالعدى أبعد. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج القوم صادرين إلى أهليهم. فقال لهم ميسرة: ميلوا نأتى فدك فإن بها يهودا نسائلهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود فأخرجوا سفرا لهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الامي العربي يركب الحمار ويجتزئ بالكسرة، ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالسبط، في عينيه حمرة، مشرق اللون. فإن كان هو الذى دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه، فإنا نحسده ولا نتبعه، وإنا [ منه ] في مواطن بلاء عظيم ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه وإلا قاتله فكونوا ممن يتبعه. فقال ميسرة: يا قوم ألا [ إن ] هذا الامر بين.

[ 171 ]

فقال القوم: نرجع إلى الموسم ونلقاه فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم، فلم يتبعه أحد منهم. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا وحج حجة الوداع لقاه ميسرة فعرفه. فقال: يا رسول الله والله ما زلت حريصا على اتباعك من يوم أنخت بنا حتى كان ما كان، وأبى الله إلا ما ترى من تأخر إسلامى، وقد مات عامة النفر الذين كانوا معى، فأين مدخلهم يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل من مات على غير دين الاسلام فهو في النار. فقال: الحمد لله الذى أنقذني. فأسلم وحسن إسلامه، وكان له عند أبى بكر مكان. وقد استقصى الامام محمد بن عمر الواقدي فقص [ خبر ] القبائل واحدة واحدة فذكر عرضه عليه السلام نفسه على بنى عامر وغسان وبنى فزارة وبنى مرة وبنى حنيفة وبنى سليم وبنى عبس وبنى نضر بن هوازن، وبنى ثعلبة بن عكابة، وكندة وكلب وبنى الحارث بن كعب وبنى عذرة وقيس بن الحطيم وغيرهم. وسياق أخبارها مطولة، وقد ذكرنا من ذلك طرفا صالحا ولله الحمد والمنة. وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، عن عثمان، يعنى ابن المغيرة، عن سالم بن أبى الجعد، عن جابر بن عبدالله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف (1)، فيقول: " هل من رجل يحملنى إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربى عزوجل ؟ ".


(1) أي موقف الناس بعرفة. (*)

[ 172 ]

فأتاه رجل من همدان فقال: ممن أنت ؟ قال الرجل: من همدان. قال: فهل عند قومك من منعة ؟ قال: نعم ! ثم إن الرجل خشى أن يخفره قومه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل. قال نعم. فانطلق، وجاء وفد الانصار في رجب. وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق، عن إسرائيل به، وقال الترمذي: حسن صحيح.

[ 173 ]

فصل [ في ] قدوم وفد الانصار عاما بعد عام حتى بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة بعد بيعة، ثم بعد ذلك تحول إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فنزل بين أظهرهم كما سيأتي بيانه وتفصيله إن شاء الله وبه الثقة. حديث سويد بن صامت الانصاري وهو سويد بن الصامت بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك ابن الاوس وأمه ليلى بنت عمرو النجارية أخت سلمى بنت عمرو أم عبدالمطلب بن هاشم. فسويد هذا ابن خالة عبدالمطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن إسحاق بن يسار: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره، كلما أجتمع الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الاسلام، ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له ودعاه إلى الله تعالى، وعرض عليه ما عنده. قال ابن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه. قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بنى عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا، وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه، وهو الذى يقول: ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفرى مقالته كالشهد ما كان شاهدا * وبالغيب مأثور على ثغرة النحر يسرك باديه وتحت أديمه * تميمة غش تبترى عقب الظهر

[ 174 ]

تبين لك العينان ما هو كاتم * من الغل والبغضاء بالنظر الشزر فرشني بخير طالما قد بريتنى * وخير الموالى من يريش ولا يبرى قال: فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله والاسلام، فقال له سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذى معك ؟ قال مجلة لقمان. يعنى حكمة لقمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها على. فعرضها عليه، فقال: " إن هذا الكلام حسن، والذى معى أفضل من هذا، قرآن أنزله الله على هو هدى ونور ". فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الاسلام، فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قتل وهو مسلم. وكان قتله قبل بعاث. وقد رواه البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق بأخصر من هذا. إسلام إياس بن معاذ قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد قال: لما قدم أبوالحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بنى عبد الاشهل، فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج،

[ 175 ]

سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال: " هل لكم في خير مما جئتم له " ؟ قال قالوا: وما ذاك ؟ قال: أنا رسول الله إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل على الكتاب. ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن. قال: فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: يا قوم هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أبوالحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. قال: فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الاوس والخزرج. قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع. قلت: كان يوم بعاث، وبعاث موضع بالمدينة، كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الاوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل. وقد روى البخاري في صحيحه، عن عبيد بن إسماعيل، عن أبى أمامة، عن هشام، عن أبيه عن عائشة قالت: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد افترق ملؤهم وقتل سراتهم.

[ 176 ]

باب بدء إسلام الانصار رضى الله عنهم قال ابن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذى لقيه فيه النفر من الانصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم. فبينا هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه. قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: " من أنتم ؟. قالوا: نفر من الخزرج قال: أمن موالى يهود ؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم ؟. قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله بهم في الاسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شئ قالوا: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذى توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا

[ 177 ]

إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا. قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لى ستة نفر كلهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار. قال أبو نعيم: وقد قيل إنه أول من أسلم من الانصار من الخزرج. ومن الاوس: أبو الهيثم بن التيهان، وقيل إن أول من أسلم رافع بن مالك، ومعاذ ابن عفراء والله أعلم. وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابن عفراء، النجاريان، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن زريق الزرقى. وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن يزيد (1) بن جشم بن الخزرج السلمى، ثم من بنى سواد، وعقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة السلمى أيضا، ثم من بنى حرام. وجابر بن عبدالله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدى ابن غنم بن كعب بن سلمة السلمى أيضا، ثم من بنى عبيد رضى الله عنهم. وهكذا روى عن الشعبى والزهرى وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج. وذكر موسى بن عقبة فيما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير أن أول اجتماعه عليه السلام بهم كانوا ثمانية وهم: معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك،


(1) ابن هشام: تزيد بالتاء. (*) (12 - السيرة 2)

[ 178 ]

وذكوان، وهو ابن عبد قيس، وعبادة بن الصامت، وأبو عبدالرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة. فأسلموا وواعدوه إلى قابل. فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الاسلام، وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا يفقهنا. فبعث إليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة. وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن اسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة. والله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الاسلام، حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله وسلم. حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الانصار اثنا عشر رجلا وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم ذكره، وعوف بن الحارث المتقدم، وأخوه معاذ وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك المتقدم أيضا، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر ابن زريق الزرقى. قال ابن هشام: وهو أنصارى مهاجري. وعبادة بن الصامت بن قيس ابن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم البلوى، والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني، وعقبة بن عامر بن نابى المتقدم، وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم.

[ 179 ]

فهؤلاء عشرة من الخزرج. ومن الاوس اثنان وهما: عويم بن ساعدة، وأبو الهيثم مالك بن التيهان. قال ابن هشام التيهان يخفف ويثقل كميت وميت. قال السهيلي: أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الاعلم بن عامر بن زعور بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس. قال: وقيل إنه إراشى وقيل بلوى. وهذا لم ينسبه ابن إسحاق ولا ابن هشام. قال: والهيثم فرخ العقاب، وضرب من النبات. والمقصود أن هؤلاء الاثنى عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم فلقوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعة النساء وهى العقبة الاولى. وروى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم من قوله في سورة إبراهيم " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا " إلى آخرها. وقال ابن إسحاق: حدثنى يزيد بن أبى حبيب، عن مرثد بن عبدالله اليزنى، عن عبدالرحمن بن عسيلة الصنابحى، عن عبادة، وهو ابن الصامت، قال: كنت ممن حضر العقبة الاولى، وكنا أثنى عشر رجلا: فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب به نحوه.

[ 180 ]

قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله أبى إدريس الخولانى، أن عبادة بن الصامت حدثه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الاولى ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الزهري به نحوه. وقوله: " على بيعة النساء " يعنى على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة. وليس هذا عجيبا، فإن القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن، كما بيناه في سيرته وفى التفسير. وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحى غير متلو فهو أظهر. والله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين. وقد روى البيهقى عن ابن إسحاق قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مصعبا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم، وهو الذى ذكره موسى بن عقبة كما تقدم، إلا أنه جعل المرة الثانية هي الاولى. قال البيهقى: وسياق ابن إسحاق أتم. وقال ابن إسحاق: فكان عبدالله بن أبى بكر يقول: لا أدرى ما العقبة الاولى. ثم يقول ابن إسحاق: بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة.

[ 181 ]

قالوا كلهم: فنزل مصعب على أسعد بن زرارة، فكان يسمى بالمدينة المقرئ. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلى بهم، وذلك أن الاوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض رضى الله عنهم أجمعين. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبى أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبى حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الاذان بها صلى على أبى أمامة. أسعد بن زرارة. قال: فمكث حينا على ذلك، لا يسمع لاذان الجمعة إلا صلى عليه واستغفر له. قال: فقلت في نفسي والله إن هذا بى لعجز، ألا أسأله ؟ فقلت: يا أبت ما لك إذا سمعت الاذان للجمعة صليت على أبى أمامة ؟ فقال: أي بنى كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت (1) من حرة بنى بياضة في بقيع يقال له: بقيع (2) الخضمات. قال: قلت: وكم أنتم يومئذ ؟ قال: أربعون رجلا. وقد روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق رحمه الله. وقد روى الدار قطني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجمعة، وفى إسناده غرابة والله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبى بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الاشهل ودار بنى ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل


(1) ا: هزم الحرة. وهزم النبيت: جبل على بريد من المدينة. (2) ابن هشام: نقيع وهى رواية أصوب. (*)

[ 182 ]

به حائطا من حوائط بنى ظفر على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم. وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بنى عبد الاشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه. فلما سمعا به قال سعد لاسيد: لا أبا لك ! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارينا، فإنه لو لا أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. وقال موسى بن عقبة: فقال له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد (1) الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه. قال ابن إسحاق: فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال: أنصفت. قال: ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله. ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى.


(1) الاصل: الوعيد. (*)

[ 183 ]

فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد ابن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادى قال له سعد: ما فعلت ؟ قال: كلمت الرجلين، فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك. قال: فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا تخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة، وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا. ثم خرج إليهما سعد، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتما ثم قال لاسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة والله لو لا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا في دارنا بما نكره ؟ قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه [ من ] (1) قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن.


(1) سقطت من المطبوعة. وأثبتها من ا. (*)

[ 184 ]

وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف. قال: فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله. ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين. قالا: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم نصلى ركعتين. قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين. ثم أخذ حربته، فأقبل عائدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن الحضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم. فلما وقف عليهم قال: يا بنى عبد الاشهل كيف تعلمون أمرى فيكم ؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فو الله ما أمسى في دار بنى عبد الاشهل رجل ولا أمرأة إلا مسلما أو مسلمة. ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الاسلام، حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون. إلا ما كان من دار بنى أميه بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس، وهم من الاوس بن حارثة. وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الاسلت واسمه صيفي. وقال الزبير بن بكار: اسمه الحارث. وقيل عبيد الله. واسم أبيه الاسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الاوس. وكذا نسبه الكلبى أيضا وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الاسلام حتى كان بعد الخندق.

[ 185 ]

قلت: وأبو قيس بن الاسلت هذا ذكر له ابن إسحاق أشعارا بائية حسنة تقرب من أشعار أمية بن [ أبى ] الصلت الثقفى. * * * قال ابن إسحاق فيما تقدم: ولما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة، ولم يكن حى من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين ذكر وقبل أن يذكر، من هذا الحى من الاوس والخزرج وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود. فلما وقع أمره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الاسلت أخو بنى واقف. قال السهيلي: هو أبو قيس صرمة بن أبى أنس، واسم أبى أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدى بن عمرو بن غنم بن عدى بن النجار، قال: وهو الذى أنزل فيه وفى عمر " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم (1) " الآية. قال ابن إسحاق: وكان يحب قريشا، وكان لهم صهرا، كانت تحته أرنب بنت أسد ابن عبدالعزى بن قصى، وكان يقيم عندهم السنين بامرأته. قال قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا فيها عن الحرب، ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده، ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة (1) عنى لؤى بن غالب رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأى محزون بذلك ناصب


(1) سورة البقرة 187. (2) المغلغلة: الرسالة. (*)

[ 186 ]

وقد كان عندي للهموم معرس * ولم اقض منها حاجتى ومآربي نبيتكم شرجين كل قبيلة * لها أرمل من بين مذك وحاطب (1) أعيذكم بالله من شر صنعكم * وشر تباغيكم ودس العقارب وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة * كوخز الاشافى (2) وقعها حق صائب فذكرهم بالله أول وهلة * وإحلال أحرام الظباء الشوازب (3) وقل لهم والله يحكم حكمه * ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب متى تبعثوها تبعثوها ذميمة * هي الغول للاقصين أو للاقارب تقطع أرحاما وتهلك أمة * وتبرى السديف من سنام وغارب وتستبدلوا بالاتحمية بعدها * شليلا وأصداء ثياب المحارب (4) وبالمسك والكافور غبرا سوابغا * كأن قتيريها عيون الجنادب (5) فإياكم والحرب لا تعلقنكم * وحوضا وخيم الماء مر المشارب تزين للاقوام ثم يرونها * بعاقبة إذ بينت أم صاحب (6) تحرق لا تشوى ضعيفا وتنتحي * ذوى العز منكم بالحتوف الصوائب ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * فتعتبروا، أو كان في حرب حاطب وكم ذا أصابت من شريف مسود * طويل العماد ضيفه غير خائب عظيم رماد النار يحمد أمره * وذى شيمة محض كريم المضارب وماء هريق في الضلال كأنما * أذاعت به ريح الصبا والجنائب يخبركم عنها امرؤ حق عالم * بأيامها والعلم علم التجارب


(1) شرجين: فريقين مختلفين. والارمل: الصوت المختلط والمذكى: موقد النار. (2) الاشافى: جمع إشفى وهى المخرز (3) الشوازب: الضامرة البطون. (4) الاتحمية: ثياب رقاق تصنع باليمن. والشليل: درع قصيرة والاصداء: جمع صداء الحديد. (5) القتير: حلق الدرع. والجنادب: الجراد. (6) أم صاحب: أي عجوزا، كأم صاحب لك. (*)

[ 187 ]

فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا * حسابكم، والله خير محاسب ولى أمرئ فاختار دينا فلا يكن * عليكم رقيبا غير رب الثواقب أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم * لنا غاية، قد يهتدى بالذوائب وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تؤمون والاحلام غير عوازب وأنتم إذ ما حصل الناس جوهر * لكم سرة البطحاء شم الارانب تصونون أنسابا (1) كراما عتيقة * مهذبة الانساب غير أشائب يرى طالب الحاجات نحو بيوتكم * عصائب هلكى تهتدى بعصائب لقد علم الاقوم أن سراتكم * على كل حال خير أهل الجباجب (2) وأفضله رأيا وأعلاه سنة * وأقوله للحق وسط المواكب فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الاخاشب فعندكم منه بلاء ومصدق * غداة أبى يكسوم هادى الكتائب كتيبته بالسهل تمشى ورجله * على القاذفات في رءوس المناقب فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم * يعاش بها، قول امرئ غير كاذب * * * وحرب داحس التى (3) ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة وكان سببها فيما ذكره أبو عبيد معمر بن المثنى وغيره: أن فرسا يقال لها داحس كانت لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة الغطفانى، أجراها (4) مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو


(1) ابن هشام: أجسادا. (2) الجباجب: المنازل. (3) الاصل: الذى. (4) الاصل: أجراه. وفى ابن هشام بالتذكير في كل المواضع. (*)

[ 188 ]

ابن جؤية الغطفانى أيضا، يقال لها الغبراء، فجاءت داحس سابقا فأمر حذيفة من ضرب وجهها، فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حمل بن بدر فلطم مالكا. ثم إن أبا جنيدب العبسى لقى عوف بن حذيفة فقتله، ثم لقى رجل من بنى فزارة مالكا فقتله، فشبت الحرب بين بنى عبس وفزارة، فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل ابن بدر وجماعات آخرون، وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة يطول بسطها وذكرها. قال ابن هشام: وأرسل قيس داحسا والغبراء، وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء، والاول أصح. قال: وأما حرب حاطب [ فيعنى حاطب ] (1) بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، كان قتل يهوديا جارا للخزرج، فخرج إليه زيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن مالك بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وهو الذى يقال له ابن فسحم (2) في نفر من بنى الحارث بن الخزرج، فقتلوه فوقعت الحرب بين الاوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الظفر للخزرج، وقتل يومئذ الاسود (3) بن الصامت الاوسي قتله المجذر بن ذياد حليف بنى عوف بن الخزرج، ثم كانت بينهم حروب يطول ذكرها أيضا. * * * والمقصود أن أبا قيس بن الاسلت مع علمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الاسلام، فأسلم من أهلها بشر كثير. ولم يبق دار، أي محلة، من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات، غير دار بنى واقف قبيلة أبى قيس، ثبطهم عن الاسلام.


(1) من ابن هشام. (2) الاصل: قسحم بالقاف. وما أثبته عن شرح القاموس. (3) ابن هشام: سويد بن صامت. (*)

[ 189 ]

وهو القائل أيضا: أرب الناس أشياء ألمت * يلف الصعب منها بالذلول أرب الناس إما إن ضللنا * فيسرنا لمعروف السبيل فلو لا ربنا كنا يهودا * وما دين اليهود بذى شكول ولو لا ربنا كنا نصارى * مع الرهبان في جبل الجليل ولكنا خلقنا إذ خلقنا * حنيفا ديننا عن كل جيل نسوق الهدى ترسف مذعنات * مكشفة المناكب في الجلول وحاصل ما يقول: أنه حائر فيما وقع من الامر الذى قد سمعه من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوقف الواقفى في ذلك مع علمه ومعرفته. وكان الذى ثبطه عن الاسلام أولا عبدالله بن أبى بن سلول بعدما أخبره أبو قيس أنه الذى بشر [ به ] يهود فمنعه عن الاسلام. قال ابن إسحاق: ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج. وأنكر الزبير بن بكار أن يكون أبو قيس أسلم. وكذا الواقدي. قال: كان عزم على الاسلام أول ما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلامه عبدالله بن أبى فحلف لا يسلم إلى حول، فمات في ذى القعدة. وقد ذكر غيره فيما حكاه ابن الاثير في كتابه [ أسد ] الغابة، أنه لما حضره الموت دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فسمع يقول: لا إله إلا الله. وقال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الانصار، فقال: " يا خال قل لا إله إلا الله " فقال: أخال أم عم ؟ قال: بل خال. قال: فخير لى أن أقول لا إله إلا الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.

[ 190 ]

تفرد به أحمد رحمه الله. وذكر عكرمة وغيره أنه لما توفى أراد ابنه أن يتزوج امرأته كبيشة بنت معن بن عاصم، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأنزل الله " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء (1) " الآية. * * * وقال ابن إسحاق وسعيد بن يحيى الاموى في مغازيه: كان أبو قيس هذا ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، وفارق الاوثان، واغتسل الجنابة، وتطهر من الحائض من النساء، وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها، ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب، وقال: أعبد إله إبراهيم، حين فارق الاوثان وكرهها. حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم فحسن إسلامه. وكان شيخا كبيرا، وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته، يقول في ذلك أشعارا حسانا، وهو الذى يقول: يقول أبو قيس وأصبح غاديا * ألا ما استطعتم من وصاتى فافعلوا فأوصيكم بالله والبر والتقى * وأعراضكم، والبر بالله أول وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم * وإن كنتم أهل الرياسة فاعدلوا وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم * فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا وإن ناب غرم فادح فارفقوهم * وما حملوكم في الملمات فاحملوا وإن أنتم أمعزتم (2) فتعففوا * وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا وقال أبو قيس أيضا: سبحوا الله شرق كل صباح * طلعت شمسه وكل هلال


(1) سورة النساء 22. (2) أمعزتم: أصابتكم شدة. (*)

[ 191 ]

عالم السر والبيان جميعا (1) * ليس ما قال ربنا بضلال وله الطير تستزيد وتأوى * في وكور من آمنات الجبال وله الوحش بالفلاة تراها * في حقاف (2) وفى ظلال الرمال وله هودت يهود ودانت * كل دين مخافة من عضال (3) وله شمس النصارى وقاموا * كل عيد لربهم واحتفال وله الراهب الحبيس تراه * رهن بؤس وكان أنعم (4) بال يا بنى الارحام لا تقطعوها * وصلوها قصيرة من طوال واتقوا الله في ضعاف اليتامى * ربما يستحل غير الحلال واعلموا أن لليتيم وليا * عالما يهتدى بغير سؤال ثم مال اليتيم لا تأكلوه * إن مال اليتيم يرعاه والى يا بنى التخوم لا تخزلوها * إن خزل التخوم ذو عقال (5) يا بنى الايام لا تأمنوها * واحذروا مكرها ومر الليالى واعلموا أن مرها (6) لنفاد ال‍ * خلق ما كان من جديد وبالى واجمعوا أمركم على البر والتق‍ * وى وترك الخنا أخذ الحلال قال ابن إسحاق: وقال أبو القيس صرمة أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام، وما خصهم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم: ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتبا وسيأتى ذكرها بتمامها فيما بعد إن شاء الله وبه الثقة.


(1) ابن هشام: لدينا. (2) الحقاف: جمع حقف: وهو المعوج من الرمل أو المستدير منه. (3) ابن هشام: إذا ذكرت عضال. (4) ابن هشام. ناعم بال. (5) التخوم: الحدود. وتخزلوها: تقطعوها والعقال ما يمنع الرجل من المشى. (6) الاصل: أمرها. وما أثبته عن أبن هشام. (*)

[ 192 ]

قصة بيعة العقبة الثانية قال ابن إسحاق: إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الانصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الاسلام وأهله [ وإذلال الشرك وأهله ] (1). فحدثني معبد بن كعب بن مالك، أن أخاه عبدالله بن كعب، وكان من أعلم الانصار، حدثه أن أباه كعبا حدثه، وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا. ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء: يا هؤلاء إنى قد رأيت رأيا، والله ما أدرى أتوافقونني عليه أم لا ؟ قلنا: وما ذاك ؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية منى يظهر، يعنى الكعبة، وأن أصلى إليها. قال: فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلى إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فقال: إنى لمصل إليها. قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة [ قال: وقد كنا عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الاقامة على ذلك. فلما قدمنا


(1) من ابن هشام. (*)

[ 193 ]

مكة ] (1) قال لى: يا بن أخى انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه قد وقع في نفسي منه شئ، لما رأيت من خلافكم إياى فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هل تعرفانه ؟ فقلنا: لا. فقال: هل تعرفان العباس بن عبدالمطلب عمه ؟ قال: قلنا: نعم. وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا، قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد، وإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فو الله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر ؟ قال: نعم ؟ فقال له البراء بن معرور: يا نبى الله، إنى خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للاسلام، فرأيت ألا أجعل هذه البنية منى بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شئ، فماذا ترى ؟ قال: " قد كنت على قبلة لو صبرت عليها ". قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى معنا إلى الشام.


(1) من ابن هشام. (*) (13 - السيرة 2)

[ 194 ]

قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. * * * قال كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من سادتنا أخذناه، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا. ثم دعوناه إلى الاسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا. وقد روى البخاري، حدثنى إبراهيم، حدثنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، قال عطاء، قال جابر: أنا وأبى وخالاى (2) من أصحاب العقبة. قال عبدالله بن محمد: قال ابن عيينة: أحدهما (2) البراء بن معرور. حدثنا على بن المدينى، حدثنا سفيان، قال كان عمرو يقول: سمعت جابر بن عبدالله يقول: شهد بى خالاى العقبة. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبى الزبير عن جابر قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، عكاظ (1) ومجنة، في المواسم، يقول: " من يؤوينى ؟ من ينصرني ؟ حتى أبلغ رسالة ربى وله الجنة " فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن


(1) المسند: بعكاظ. (2) الاصل: " خالي " و " أحدهم " وما أثبته من صحيح البخاري. (*)

[ 195 ]

أو من مضر، كذا قال فيه، فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمضى بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالاصابع. حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام. ثم أئتمروا جميعا فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف (1) ويطرد في جبال مكة ويخاف ؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك ؟ قال: " تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فقمنا إليه [ فبايعناه (2) ] وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم. وفى رواية البيهقى: وهو أصغر السبعين إلا أنا، فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الابل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم و [ أن (2) ] تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، فخذوه وأجركم على الله، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة (3) فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله.


(1) ليست في المسند. (2) من المسند. (3) المسند: جبنة. أي جبنا. (*)

[ 196 ]

قالوا أمط (1) عنا يا أسعد، فو الله لا ندع هذه البيعة ولا نسلبها أبدا. قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة. وقد رواه الامام أحمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبدالرحمن العطار. زاد البيهقى عن الحاكم، بسنده إلى يحيى بن سليم، كلاهما عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن أبى إدريس به نحوه. وهذا إسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه. وقال البزار: وروى غير واحد عن ابن خثيم، ولا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبدالرحمن بن أبى الزناد، عن موسى بن عبدالله، عن أبى الزبير، عن جابر، قال: كان العباس آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يواثقنا، فلما فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخذت وأعطيت. وقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، هو الثوري، عن جابر، يعنى الجعفي، عن داود، وهو ابن أبى هند، عن الشعبى، عن جابر، يعنى ابن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء من الانصار: " تؤوونى وتمنعوني ؟ " قال: نعم. قالوا: فما لنا ؟ قال: " الجنة ". ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد عن جابر. * * * ثم قال ابن إسحاق عن معبد، عن عبدالله، عن أبيه كعب بن مالك، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول


(1) الاصل: أبط. وهو تحريف. وما أثبته من المسند. (*)

[ 197 ]

الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بنى مازن بن النجار، وأسماء ابنة عمرو بن عدى بن نابى إحدى نساء بنى سلمة، وهى أم منيع. وقد صرح ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عنه بأسمائهم وأنسابهم وما ورد في بعض الاحاديث أنهم كانوا سبعين، والعرب كثيرا ما تحذف الكسر. وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة: كانوا سبعين رجلا وأمرأة واحدة. قال: منهم أربعون من ذوى أسنانهم، وثلاثون من شبابهم. قال: وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبدالله. قال كعب بن مالك: فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبدالمطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبدالمطلب فقال: يا معشر الخزرج - قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحى من الانصار الخزرج، خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

[ 198 ]

قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام، قال: " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ". قال: فأخذ البراء بن معرور بيده [ و ] قال: نعم، فو الذى بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (1)، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر. قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم بن التيهانى فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها، يعنى اليهود، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم ". قال كعب: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيبا، يكونون على قومهم بما فيهم ". فأخرجوا منهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس. قال ابن إسحاق: وهم: أبو أمامة أسعد بن زراة المتقدم، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج ابن الحارث بن الخزرج، وعبد الله بن رواحة [ بن ثعلبة ] (2) بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، ورافع بن مالك بن العجلان المتقدم، والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدى ابن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن


(1) أزرنا: نساءنا. والعرب تكنى بالازار عن المرأة وتكنى به عن النفس أيضا. (2) من ابن هشام. (*)

[ 199 ]

الخزرج، وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبادة بن الصامت المتقدم، وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن [ أبى ] خزيمة (1) بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. فهؤلاء تسعة من الخزرج. ومن الاوس ثلاثة وهم: أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن جشم بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس، وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة ابن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير (2) بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك ابن الاوس. * * * قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة هذا، وهو كذلك في رواية يونس عن ابن إسحاق، واختاره السهيلي وابن الاثير في الغابة. * * * ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما رواه عن أبى زيد الانصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثنى عشر هذه الليلة، ليلة العقبة الثانية، حين قال: أبلغ أبيا أنه فال (3) رأيه * وحان غداة الشعب والحين واقع أبى الله ما منتك نفسك إنه * بمرصاد أمر الناس راء وسامع


(1) في غريب السيرة لابي ذر: ابن أبى حزيمة. (2) الاستيعاب: ابن زبير. (3) قال: بطل. (*)

[ 200 ]

وأبلغ أبا سفيان أن قد بدالنا * بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترغبن في حشد أمر تريده * وألب وجمع كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا * أباه عليك الرهط حين تبايعوا أباه البراء وابن عمرو كلاهما * وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه الساعدي ومنذر * لانفك إن حاولت ذلك جادع وما ابن ربيع إن تناولت عهده * بمسلمه لا يطمعن ثم طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة * وإخفاره من دونه السم ناقع وفاء به والقوقلى ابن صامت * بمندوحة عما تحاول يافع أبو هيثم أيضا وفى بمثلها * وفاء بما أعطى من العهد خانع (1) وما ابن حضير إن أردت بمطمع * فهل أنت عن أحموقة الغى نازع وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه * ضروح (2) لما حاولت ملامر مانع أولاك نجوم لا يغبك منهم * عليك بنحس في دجى الليل طالع قال ابن هشام: فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان، ولم يذكر رفاعة. قلت: وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة. * * * وروى يعقوب بن سفيان، عن يونس بن عبدالاعلى، عن ابن وهب، عن مالك قال: كان الانصار ليلة العقبة سبعين رجلا، وكان نقباؤهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس. وحدثني شيخ من الانصار أن جبرائيل كان يشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة، وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة.


(1) خانع: خاضع مقر. (2) ضروح: مانع. (*)

[ 201 ]

رواه البيهقى. وقال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبى بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي. قالوا: نعم. وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري أخو بنى سالم بن عوف: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا: نعم قال: إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزى الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الاموال وقتل الاشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الاموال وقتل الاشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا ؟ قال: " الجنة ". قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه. قال عاصم بن عمر بن قتادة: وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشد العقد في أعناقهم. وزعم عبدالله بن أبى بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر البيعة تلك الليلة، رجاء أن يحضرها عبدالله بن أبى بن سلول سيد الخزرج، ليكون أقوى لامر القوم. فالله أعلم أي ذلك كان.

[ 202 ]

قال ابن إسحاق: فبنوا النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده. وبنو عبد الاشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان. قال ابن إسحاق: وحدثني معبد بن كعب، عن أخيه عبدالله، عن أبيه كعب بن مالك قال: فكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع القوم. وقال ابن الاثير في الغابة: وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك. وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبدالرحمن بن عبدالله ابن كعب، عن أبيه عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك. قال: ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت بدرا أكثر (1) في الناس منها. * * * وقال البيهقى: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا بن أبى زائدة، عن عامر الشعبى قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العباس عمه إلى السبعين من الانصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم. فقال قائلهم، وهو أبو أمامة: سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك.


(1) البخاري: بدر أذكر. وفى المطبوعة: بدر اكثير. تحريف. (*)

[ 203 ]

قال: أسألكم لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم. قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك. قال: لكم الجنة. قالوا: فلك ذلك ؟ ثم رواه حنبل عن الامام أحمد، عن يحيى بن زكريا، عن مجالد، عن الشعبى، عن أبى مسعود الانصاري، فذكره قال: وكان أبو مسعود أصغرهم. وقال أحمد عن يحيى، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، قال: فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها. قال البيهقى: أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل الفحام، أخبرنا محمد بن يحيى الذهلى، أخبرنا عمرو بن عثمان الرقى، حدثنا زهير، حدثنا عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة، عن أبيه، قال: قدمت روايا خمر، فأتاها عبادة بن الصامت فخرقها وقال: إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنة. فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى بايعناه عليها. وهذا إسناد جيد قوى ولم يخرجوه. وقد روى يونس عن ابن إسحاق، حدثنى عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت،

[ 204 ]

عن أبيه، عن جده عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا أثرة علينا، وأن لا ننازع الامر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. * * * قال ابن إسحاق في حديثه عن معبد بن كعب، عن أخيه عبدالله بن كعب بن مالك. قال: فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب - والجباجب المنازل - هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب (1) ". قال ابن هشام: ويقال ابن أزيب. " اتسمع أي عدو الله، أما والله لاتفرغن (2) لك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم. قال: فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والذى بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم. قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا. فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج


(1) الاصل: أزبب، وما أثبته من ابن هشام. (2) ابن هشام: لافرغن. (*)

[ 205 ]

إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شئ وما علمناه. قال: وصدقوا، لم يعلموا، قال وبعضنا ينظر إلى بعض. قال: ثم قام القوم، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى وعليه نعلان له جديدان. قال: فقلت له كلمة، كأنى أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلى. قال والله لتنتعلنهما. قال يقول أبو جابر: مه أحفظت والله الفتى فاردد إليه نعليه. قال قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لاسلبنه ! قال ابن إسحاق: وحدثني عبدالله بن أبى بكر أنهم أتوا عبدالله بن أبى بن سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول فقال لهم: إن هذا الامر جسيم ما كان قومي ليتفرقوا (1) على مثل هذا، وما علمته كان. قال فانصرفوا عنه. قال: ونفر الناس من منى، فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم.


(1) ابن هشام: ليتفوتوا على بمثل هذا. (*)

[ 206 ]

فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج وكلاهما كان نقيبا. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع (1) رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير. قال سعد: فو الله إنى لفى أيديهم إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل وضئ أبيض شعشاع حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا. فلما دنا منى رفع يده فلكمنى لكمة شديدة، فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خير !. فو الله إنى لفى أيديهم يسحبونني إذ أوى لى رجل ممن معهم، قال: ويحك ! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟ قال: قلت: بلى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجاره وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس. فقال: ويحك ! فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن ليضرب بالابطح ليهتف بكما. قالا: ومن هو ؟ قال: سعد بن عبادة. قالا: صدق والله، إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده. قال: فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق. وكان الذى لكم سعدا سهيل ابن عمرو.


(1) النسع: الشراك الذى يشد به الرحل. (*)

[ 207 ]

قال ابن هشام: وكان الذى أوى له أبوالبخترى بن هشام. وروى البيهقى بسنده عن عيسى بن أبى عيسى بن جبير قال: سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبى قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى حلاف المخالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان ؟ أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم ؟. فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول: أيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعى الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. { فصل } قال ابن إسحاق: فلما رجع الانصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الاسلام بها. وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك، منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة. وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة، وكان عمرو بن الجموح من سادات بنى سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة، كما كانت الاشراف يصنعون، يتخذه إلها يعظمه ويظهره، فلما أسلم فتيان بنى سلمة، ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض

[ 208 ]

حفر بنى سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة ؟ ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لاخزينه. فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الاذى فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهره وطيبه. ثم جاء بسيفه فعلقه عيله ثم قال له: إنى والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو وعدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذى كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه، فقال حين أسلم، وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره، ويشكر الله الذى أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول: والله لو كنت إلها لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن أف لملقاك إلها مستدن * الآن فتشناك عن سوء الغبن الحمد لله العلى ذى المنن * الواهب الرزاق ديان الدين هو الذى أنقذني من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن

[ 209 ]

فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية وجملتهم على ما ذكره ابن إسحاق ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان فمن الاوس أحد عشر رجلا: أسيد بن حضير أحد النقباء، وأبو الهيثم بن التيهان بدرى أيضا، وسلمة بن سلامة ابن وقش بدرى، وظهير بن رافع، وأبو بردة بن نيار (1)، ونهير بن الهيثم بن نابى بن مجدعة بن حارثة، وسعد بن خيثمة أحد النقباء، بدرى وقتل بها شهيدا، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير نقيب بدرى، وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدرى، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة، ومعن بن عدى بن الجد بن عجلان بن الحارث ابن ضبيعة البلوى حليف للاوس شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدا، وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها. ومن الخزرج اثنان وستون رجلا: أبو أيوب خالد بن زيد، وشهد بدرا وما بعدها ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا، ومعاذ بن الحارث، وأخواه عوف ومعوذوهم بنو عفراء بدريون، وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة، وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء، مات قبل بدر، وسهل بن عتيك، بدرى، وأوس بن ثابت بن المندر بدرى، وأبو طلحة زيد بن سهل، بدرى، وقيس بن أبى صعصعة عمرو بن زيد بن عوف


(1) الاصل: دينار وهو خطأ. والتصويب من الكنى والاسماء للدولابي. وأسمه هانئ بن نيار ابن عمرو بن عبيد بن كلاب. (*) (14 - السيرة 2)

[ 210 ]

ابن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا على الساقة يوم بدر، وعمرو بن غزية، وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد، وخارجة بن زيد شهد بدرا وقتل يوم أحد. وعبد الله بن رواحة أحد النقباء، شهد بدرا وأحدا والخندق، وقتل يوم مؤتة أميرا، وبشير بن سعد، بدرى، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الذى أرى النداء، وهو بدرى. وخلاد بن سويد بدرى أحدى خندقي، وقتل يوم بنى قريظة شهيدا، طرحت عليه رحى فشدخته، فيقال إن رسول الله صلى الله عيله وسلم قال: " إن له لاجر شهيدين ". وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدرى. قال ابن إسحاق: وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا. وزياد بن لبيد، بدرى، وفروة بن عمرو بن وذفة (1) وخالد بن قيس بن مالك بدرى، ورافع بن مالك أحد النقباء، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وهو الذى يقال له مهاجري أنصارى، لانه أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى هاجر منها، وهو بدرى قتل يوم أحد، وعبادة بن قيس بن عامر بن خالد بن عامر بن زريق بدرى، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدرى أيضا. والبراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة، وقد مات قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأوصى له بثلث ماله فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على ورثته.


(1) الاصل: ودفة. وهى رواية. وما أثبته من الاشتقاق لابن دريد 461 قال: والوذفة زعموا الروضة: قال ابن هشام ويقال: ودفة. (*)

[ 211 ]

وابنه بشر بن البراء، وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الشاة المسمومة، رضى الله عنه، وسنان بن صيفي ابن صخر بدرى، والطفيل بن النعمان بن خنساء بدرى، قتل يوم الخندق، ومعقل بن المنذر بن سرح بدرى، وأخوه يزيد بن سنان المنذر بدرى، ومسعود بن زيد بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدرى، ويزيد بن خذام (1) بن سبيع، وجبار بن صخر [ بن أمية ] (2) بن خنساء بن سنان بن عبيد بدرى، والطفيل بن مالك بن خنساء بدرى. وكعب بن مالك، وسليم بن عامر بن حديدة بدرى، وقطبة بن عامر بن حديدة بدرى، وأخوه أبو المنذر يزيد بدرى أيضا، وأبو اليسر كعب بن عمرو بدرى، وصيفى ابن سواد بن عباد. وثعلبة بن غنمة بن عدى بن نابى، بدرى واستشهد بالخندق، وأخوه عمرو بن غنمة بن عدى، وعبس بن عامر بن عدى، بدرى، وخالد بن عمرو بن عدى بن نابى، وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة. وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء، بدرى واستشهد يوم أحد، وابنه جابر ابن عبدالله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدرى، وثابت بن الجذع، بدرى وقتل شهيدا بالطائف، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدرى، وخديج بن سلامة حليف لهم (3) من بلى، ومعاذ بن جبل شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب. وعبادة بن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها، والعباس بن عبادة بن نضلة، وقد أقام بمكة حتى هاجر منها، فكان يقال له مهاجري أنصارى أيضا، وقتل يوم أحد


(1) الاستيعاب: ابن حرام. (2) من ابن هشام. (3) أي لبنى حرام بن كعب. (*)

[ 212 ]

شهيدا، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم حليف لهم [ من بنى غصينة ] (1) من بلى وعمرو بن الحارث بن لبدة (2)، ورفاعة بن عمرو بن زيد بدرى، وعقبة ابن وهب بن كلدة حليف لهم (3) بدرى وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها، فهو ممن يقال له مهاجري أنصارى أيضا، وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء، والمنذر بن عمرو نقيب بدرى أحدى وقتل يوم بئر معونة أميرا وهو الذى يقال له: أعتق ليموت. وأما المرأتان فأم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو ابن غنم بن مازن بن النجار، المازنية النجارية. قال ابن إسحاق: وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معها أختها وزوجها زيد بن عاصم بن كعب، وابناها حبيب (4) وعبد الله. وابنها حبيب (5) هذا هو الذى قتله مسيلمة الكذاب حين جعل يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أنى رسول الله ؟ فيقول: لا أسمع. فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه، لا يزيده على ذلك، فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسلمين حين قتل مسيلمة، ورجعت وبها اثنا عشر جرحا من بين طعنة وضربة. رضى الله عنها. والاخرى أم منيع أسماء ابنة عمرو بن عدى بن نابى بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة. رضى الله عنها.


(1) من ابن هشام. (2) الاصل: كندة والتصويب من ابن هشام. (3) أي لبنى سالم بن عنم (4) كذا ضبطه الزرقائى بفتح النون. (5) الاصل خبيب وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 213 ]

باب بدء الهجرة من مكة إلى المدينة قال الزهري، عن عروة، عن عائشة: قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يومئذ بمكة - للمسلمين: " قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين ". فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين. رواه البخاري. وقال أبو موسى: عن النبي صلى الله عليه وسلم: " رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب ". وهذا الحديث قد أسنده البخاري في مواضع أخر بطوله. وراه مسلم كلاهما عن أبى كريب. زاد مسلم وعبد الله بن مراد، كلاهما عن أبى أسامة، عن يزيد بن عبدالله بن أبى بردة، عن جده أبى بردة، عن أبى موسى عبدالله ابن قيس الاشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله. قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السيارى بمرو، حدثنا إبراهيم بن هلال، حدثنا العامري، عن على بن الحسن بن شقيق، حدثنا عيسى بن عبيد الكندى، عن غيلان بن عبدالله العامري

[ 214 ]

عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أوحى إلى أي هؤلاء البلاد الثلاثة نزلت فهى دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين ". قال أهل العلم: ثم عزم له على المدينة، فأمر أصحابه بالهجرة إليها. هذا حديث غريب (1) جدا، وقد رواه الترمذي في المناقب من جامعه منفردا به عن أبى عمار الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيد، عن غيلان بن عبدالله العامري، عن أبى زرعة بن عمر بن جرير، عن جرير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أوحى إلى أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهى دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين " ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل تفرد به أبو عمار. قلت: وغيلان بن عبدالله العامري هذا ذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه قال: روى عن أبى زرعة حديثا منكرا في الهجرة. والله أعلم. * * * قال ابن اسحاق: لما أذن الله تعالى في الحرب بقوله " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله (2) " الآية. فلما أذن الله في الحرب وتابعه هذا الحى من الانصار على الاسلام والنصرة له، ولمن


(1) قال الزرقائى: صححه الحاكم وأقره الذهبي في تلخيصه، لكنه قال في الميزان: حديث منكر، ما أقدم الترمذي على تحسينه بل قال غريب. وقال الحافظ: في ثبوته نظر، لمخالفته ما في الصحيح. شرح المواهب 1 / 318. (2) سورة الحج 39، 40. (*)

[ 215 ]

اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الانصار وقال: " إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها ". فخرجوا إليها أرسالا. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة. فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش من بنى مخزوم، أبو سلمة عبدالله بن عبد الاسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وكانت هجرته إليها قبل بيعة العقبة بسنة، حين آذته قريش مرجعه من الحبشة، فعزم على الرجوع إليها، ثم بلغه أن بالمدينة لهم إخوانا فعزم إليها. قال ابن إسحاق: فحدثني أبى، عن سلمة بن عبدالله بن عمر بن أبى سلمة، عن جدته أم سلمة قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لى بعيره ثم حملني عليه وجعل معى ابني سلمة بن أبى سلمة في حجري، ثم خرج يقود بى بعيره. فلم رأته رجال بنى المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الاسد رهط أبى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده،

[ 216 ]

وانطلق به بنو عبد الاسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففرق بينى وبين ابني وبين زوجي. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الابطح، فما أزال أبكى حتى أمسى، سنة أو قريبا منها. حتى مر بى رجل من بنى عمى أحد بنى المغيرة، فرأى ما بى فرحمني، فقال لبنى المغيرة: ألا تحرجون من هذه المسكينة ؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ؟ !. قالت: فقالوا لى: الحقى بزوجك إن شئت. قالت: فرد بنو عبد الاسد إلى عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بعيرى، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معى أحد من خلق الله. حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة ابن أبى طلحة أخا بنى عبد الدار، فقال: إلى أين يا ابنة أبى أمية ؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد ؟ قلت: ما معى أحد إلا الله وبنى هذا. فقال: والله ما لك من مترك. فأخذ بخطام البعير فانطلق معى يهوى بى، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بى، ثم استأخر عنى حتى إذا نزلت استأخر ببعيرى فحط عنه ثم قيده في الشجر، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرواح قام إلى بعيرى فقدمه فرحله، ثم استأخر عنى وقال: اركبي. فإذا ركبت فاستويت على بعيرى أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بى. فلم يزل يصنع ذلك بى حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بنى عمرو بن عوف

[ 217 ]

بقباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلا، فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة. فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة. أسلم عثمان بن طلحة بن أبى طلحة العبدرى هذا بعد الحديبية، وهاجر هو وخالد بن الوليد معا، وقتل يوم أحد أبوه وإخوته، الحارث وكلاب ومسافع، وعمه عثمان بن أبى طلحة. ودفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة والد بنى شيبة مفاتيح الكعبة، أقرها عليهم في الاسلام كما كانت في الجاهلية، ونزل في ذلك قوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها (1) ". * * * قال ابن إسحاق: ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبى سلمة، عامر بن ربيعة حليف بنى عدى، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة العدوية. ثم عبدالله بن جحش ابن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف بنى أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد، أبى أحمد، اسمه عبد كما ذكره ابن إسحاق وقيل ثمامة. قال السهيلي: والاول أصح. وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفارعة بنت أبى سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبدالمطلب بن هاشم. فغلقت دار بنى جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبدالمطلب


(1) سورة النساء 58 (*)

[ 218 ]

وأبو جهل بن هشام وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس بها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء وقال: وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها النكباء والحوب قال ابن هشام: وهذا البيت لابي دؤاد الايادي في قصيدة له. قال السهيلي: واسم أبى دؤاد حنظلة بن شرقي وقيل حارثة. ثم قال عتبة: أصبحت دار بنى جحش خلاء من أهلها. فقال أبو جهل: وما تبكى عليه من فل بن فل (1) ثم قال، يعنى للعباس: هذا من عمل ابن أخيك، هذا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وقطع بيننا. * * * قال ابن إسحاق: فنزل أبو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقباء على مبشر بن عبد المنذر ثم قدم المهاجرون أرسالا. قال: وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام قد أوعبوا إلى المدينة هجرة رجالهم ونساؤهم وهم: عبدالله بن جحش، وأخوه أبو أحمد، وعكاشة بن محصن، وشجاع، وعقبة ابنا وهب، وأربد بن جميرة (2) ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، وزيد بن رقيش، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقف بن عمرو، وربيعة بن أكثم، والزبير بن عبيدة، وتمام بن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة، ومحمد بن عبدالله بن جحش. ومن نسائهم زينب بنت جحش، وحمنة بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجد امة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وآمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم.


(1) الفل: الواحد. (2) ويقال فيه: ابن حميرة. وابن حمير. (*)

[ 219 ]

قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة: ولما رأتنى أم أحمد غاديا * بذمة من أخشى بغيب وأرهب تقول فأما كنت لابد فاعلا * فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب فقلت لها: ما يثرب بمظنة (1) * وما يشأ الرحمن فالعبد يركب إلى الله وجهى والرسول ومن يقم * إلى الله يوما وجهه لا يخيب فكم قد تركنا من حميم مناصح * وناصحة تبكى بدمع وتندب ترى أن وترا نأينا (2) عن بلادنا * ونحن نرى أن الرغائب نطلب دعوت بنى غنم لحقن دمائهم * وللحق لما لاح للناس ملحب أجابوا بحمد الله لما دعاهم * إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى * أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا كفوجين أما منهما فموفق * على الحق مهدى وفوج معذب طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم * عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا ورعنا إلى قول النبي محمد * فطاب ولاة الحق منا وطيبوا نمت بأرحام إليهم قريبة * ولا قرب بالارحام إذ لا تقرب فأى ابن أخت بعدنا يأمننكم * واية صهر بعد صهرى يرقب ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا * وزيل أمر الناس للحق أصوب * * * قال ابن إسحاق: ثم خرج عمر بن الخطاب، وعياش بن أبى ربيعة، حتى قدما المدينة.


(1) ابن هشام: فقلت لها: بل يثرب اليوم وجهنا. (2) الاصل: نائيا. وهو تحريف وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 220 ]

فحدثني نافع، عن عبدالله بن عمر، عن أبيه قال: اتعدنا لما أردت الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبى ربيعة وهشام بن العاص التناضب من إضاة بنى غفار فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش عند التناضب، وحبس هشام وفتن فافتتن. فلما قدمنا المدينة نزلنا في بنى عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش، وكان ابن عمهما وأخاهما لامهما، حتى قدما المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك. فرق لها، فقلت له: إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت ! قال: فقال: أبر قسم أمي، ولى هنالك مال فاخذه. قال: قلت: والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما. قال: فأبى على إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من أمر القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخى والله لقد استغلظت بعيرى هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال: بلى. فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالارض عدوا عليه فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن. قال عمر: فكنا نقول: لا يقبل الله ممن افتتن توبة. وكانوا يقولون ذلك لانفسهم.

[ 221 ]

حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنزل الله " قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون " (1). قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتنى جعلت أقرأها بذى طوى أصعد بها وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها، فألقى الله في قلبى أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيرى فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وذكر ابن هشام أن الذى قدم بهشام بن العاص، وعياش ابن أبى ربيعة إلى المدينة الوليد بن المغيرة سرقهما من مكة وقدم بهما يحملهما على بعيره وهو ماش معهما، فعثر فدميت أصبعه فقال: هل أنت إلا إصبع دميت * وفى سبيل الله ما لقيت * * * وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق سمع البراء قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، ثم قدم علينا عمار وبلال. وحدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، سمعت البراء


(1) سورة الزمر 53 - 55. (*)

[ 222 ]

ابن عازب قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جعل الاماء يقلن: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما قدم حتى قرأت " سبح اسم ربك الاعلى " في سور من المفصل. ورواه مسلم في صحيحه من حديث إسرائيل عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب بنحوه. وفيه التصريح بأن سعد بن أبى وقاص هاجر قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زعم موسى بن عقبة عن الزهري أنه إنما هاجر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصواب ما تقدم. قال ابن إسحاق: ولما قدم عمر بن الخطاب المدينة هو ومن لحق به من أهله وقومه وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمى زوج ابنته حفصة، وابن عمه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وواقد بن عبدالله التميمي حليف لهم، وخولى بن أبى خولى، ومالك بن أبى خولى حليفان لهم من بنى عجل، وبنو البكير إياس وخالد وعاقل وعامر، وحلفاؤهم من بنى سعد بن ليث، فنزلوا على رفاعة عبد المنذر بن زنير في بنى عمرو بن عوف بقباء. * * * قال ابن إسحاق: ثم تتابع المهاجرون رضى الله عنهم. فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف أخى بلحارث بن الخزرج بالسنح. ويقال: بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة.

[ 223 ]

قال ابن هشام: وذكر لى عن ابى عثمان النهدي أنه قال: بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذى بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ؟ ! والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى ؟ قالوا: نعم. قال: فإنى قد جعلت لكم مالى. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ربح صهيب، ربح صهيب ". وقد قال البيهقى: حدثنا الحافظ أبو عبد الله، إملاء، أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن ميكال، أخبرنا عبدان الاهوازي، حدثنا زيد بن الجريش، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي بن صهيب، حدثنى أبى وعمومتي، عن سعيد بن المسيب، عن صهيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهرانى حرتين، فإما أن تكون هجر أو تكون يثرب ". قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وخرج معه أبو بكر، وكنت قد هممت معه بالخروج فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتى تلك أقوم لا أقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه. ولم أكن شاكيا، فناموا. فخرجت ولحقني منهم ناس بعد ما سرت يريدون ليردوني، فقلت لهم: إن أعطيتكم أواقى من ذهب وتخلون سبيلى وتوفون لى ؟ ففعلوا فتبعتهم إلى مكة. فقلت: احفروا تحت أسكفة الباب فإن بها أواقى، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء قبل أن يتحول منها،

[ 224 ]

فلما رأني قال: " يا أبا يحيى ربح البيع " فقلت: يا رسول الله ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبرائيل عليه السلام. * * * قال ابن إسحاق: ونزل حمزة بن عبدالمطلب وزيد بن حارثة وأبو مرثد كناز بن الحصين وابنه مرثد الغنويان حليفا حمزة، وأنسة وأبو كبشة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم أخى بنى عمرو بن عوف بقباء، وقيل على سعد بن خيثمة وقيل بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة. والله أعلم. قال: ونزل عبيدة بن الحارث وأخواه الطفيل وحصين، ومسطح بن أثاثة وسويبط ابن سعد بن حريملة أخو بنى عبد الدار، وطليب بن عمير أخو بنى عبد بن قصى، وخباب مولى عتبة بن غزوان على عبدالله بن سلمة أخى بلعجلان بقباء (1)، ونزل عبدالرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع، ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبى رهم على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة دار بنى جحجبى، ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ، ونزل أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولاه على سلمة. قال ابن إسحاق: وقال الاموى: على خبيب بن إساف أخى بنى حارثة. ونزل عتبة بن غزوان على عباد بن بشر بن وقش في بنى عبد الاشهل، ونزل عثمان بن عفان على أوس ابن ثابت بن المنذر أخى حسان بن ثابت في دار بنى النجار.


(1) ابن هشام: أخى بلحارث بن الخزرج. (*)

[ 225 ]

قال ابن إسحاق: ونزل العزاب من المهاجرين على سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا. والله أعلم أي ذلك كان. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنى أحمد بن أبى بكر بن الحارث بن زرارة ابن مصعب بن عبدالرحمن بن عوف، حدثنا عبد العزيز بن محمد بن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: قدمنا [ من ] مكة فنزلنا العصبة (1)، عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبى حذيفة، فكان يؤمهم سالم مولى أبى حذيفة لانه كان أكثرهم قرآنا.


(1) العصبة: موضع بقباء. (*) (15 - السيرة 2)

[ 226 ]

فصل في سبب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة قال الله تعالى " وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطنا نصيرا ". أرشده الله وألهمه أن يدعو بهذا الدعاء، أن يجعل له مما هو فيه فرجا قريبا ومخرجا عاجلا، فأذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبوية، حيث الانصار والاحباب، فصارت له دارا وقرارا، وأهلها له أنصارا. قال أحمد بن حنبل وعثمان بن أبى شيبة، عن جرير، عن قابوس بن أبى ظبيان (1)، عن أبيه، عن أبن عباس، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأمر بالهجرة وأنزل عليه: " وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق، واجعل لى من لدنك سلطنا نصيرا ". وقال قتادة: " أدخلني مدخل صدق " المدينة " وأخرجنى مخرج صدق " الهجرة من مكة " واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا " كتاب الله وفرائضه وحدوده. * * * قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة.


(1) ح: قابوس بن أبى طهمان. (*)

[ 227 ]

ولم يتخلف معه بمكة إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب وأبو بكر بن أبى قحافة رضى الله عنهما. وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له " لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا " فيطمع أبو بكر أن يكونه. فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة. فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم. فاجتمعوا له في دار الندوة، وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبدالله بن أبى نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن عبدالله بن عباس، وغيره ممن لا أتهم، عن عبدالله عباس، قال: لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، غدوا في اليوم الذى اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ جليل عليه بت له (1) فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذى اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا. قالوا: أجل فادخل.


(1) البت: الكساء الغليظ. وفى المطبوعة: بتلة، وهو خطأ. (*)

[ 228 ]

فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش: عتبة وشيبة، وأبو سفيان، وطعيمة ابن عدى، وجبير بن مطعم بن عدى، والحارث بن عامر بن نوفل، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الاسود، وحكيم بن حزام، وأبو جهل ابن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف، ومن كان منهم، وغيرهم ممن لا يعد من قريش. فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا. قال: فتشاوروا، ثم قال قائل منهم، قيل إنه أبوالبخترى بن هشام: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأى، والله لئن حبستموه كما يقولون ليخرجن أمره من وراء الباب هذا الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلاوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى. فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فأذا خرج عنا فو الله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأى، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ؟ ! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حى من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم

[ 229 ]

إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لى فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم ؟ قال: أرى أن نأخذ من كان قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. قال: يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأى ولا رأى غيره. فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبرائيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: نم على فراشي وتسج ببردى هذا الحضرمي الاخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام. وهذه القصة التى ذكرها ابن إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده، عن عائشة وابن عباس وعلى وسراقة بن مالك بن جعشم وغيرهم، دخل حديث بعضهم في بعض، فذكر نحو ما تقدم. * * *

[ 230 ]

قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبى زياد، عن محمد بن كعب القرظى، قال: لما اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل قال وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الاردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: " نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم ". وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: " يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم " إلى قوله: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا. ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ههنا ؟ قالوا: محمدا. فقال: خيبكم الله ! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم ؟ ! قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام على عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذى كان حدثنا.

[ 231 ]

قال ابن إسحاق: فكان مما أنزل الله في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له قوله تعال: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين " (1) وقوله " أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين " (2). قال ابن إسحاق: فأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عند ذلك بالهجرة.


(1) سورة الانفال 30. (3) سورة الطور 31. (*)

[ 232 ]

باب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضى الله عنه وذلك أول التاريخ الاسلامي، كما اتفق عليه الصحابة في الدولة العمرية. كما بيناه في سيرة عمر، رضى الله عنه وعنهم أجمعين. قال البخاري: حدثنا مطر بن الفضل، حدثنا روح، حدثنا هشام، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة، فمكث فيها ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقد كانت هجرته عليه السلام في شهر ربيع الاول، سنة ثلاث عشرة من بعثته عليه السلام، و ذلك في يوم الاثنين. كما رواه الامام أحمد عن ابن عباس، أنه قال: ولد نبيكم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين. * * * قال محمد بن إسحاق: وكان أبو بكر حين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فقال له: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا، قد طمع بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعنى نفسه.

[ 233 ]

فابتاع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك. قال الواقدي: اشتراهما بثمانمائة درهم. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين، أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبى بكر أحد طرفي النهار إما بكرة، وإما عشية. حتى إذا كان اليوم الذى أذن الله فيه رسول الله صلى عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرى قومه أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لامر حدث. قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم أحد إلا أنا وأختى أسماء بنت أبى بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخرج عنى من عندك " قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاى، وما ذاك فداك أبى وأمى ؟ قال: إن الله قد أذن لى في الخروج والهجرة. قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ؟ قال: الصحبة. قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكى ! ثم قال: يا نبى الله إن هاتين راحلتين كنت أعددتهما لهذا.


(1) ابن هشام: وليس عند أبى بكر. (*)

[ 234 ]

فاستأجرا عبدالله بن أرقط (1) قال ابن هشام: ويقال عبدالله بن أريقط. رجلا من بنى الديل بن بكر، وكانت أمه من بنى سهم بن عمرو، وكان مشركا، يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. قال ابن إسحاق: ولم يعلم، فيما بلغني، بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا على بن أبى طالب وأبو بكر الصديق وآل أبى بكر. أما على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتخلف حتى يؤدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته. قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ الخروج ] (2) أتى أبا بكر ابن أبى قحافة، فخرجا من خوخة لابي بكر في ظهر بيته. وقد روى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله يريد المدينة قال. " الحمد الله الذى خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعنى على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالى والايام. اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلى، وبارك لى فيما رزقتني، ولك فذللنى، وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك رب فحببني، وإلى الناس فلا تكلني. رب المستضعفين وأنت ربى، أعوذ بوجهك الكريم الذى أشرقت له السموات


(1) الاصل: أرقد: وما أثبته عن ابن هشام. (2) من ابن هشام. (*)

[ 235 ]

والارض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الاولين والآخرين، أن تحل على غضبك، أو تنزل بى سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك وجميع سخطك. لك العتبى (1) عندي خير ما استطعت، لا حول ولا قوة إلا بك ". * * * قال ابن إسحاق: ثم عمدا إلى غار بثور، جبل بأسفل مكة، فدخلاه. وأمر أبو بكر الصديق ابنه عبدالله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار. فكان عبدالله بن أبى بكر يكون في قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبدالله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر ابن فهيرة أثره بالغنم يعفى عليه. وسيأتى في سياق البخاري ما يشهد لهذا. وقد حكى ابن جرير عن بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق الصديق في الذهاب إلى غار ثور، وأمر عليا أن يدله على مسيره ليلحقه، فلحقه في أثناء الطريق.


(1) الاصل: العقبى (*)

[ 236 ]

وهذا غريب جدا وخلاف المشهور من أنهما خرجا معا. * * * قال ابن إسحاق: وكانت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. قالت أسماء: ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب ابى بكر فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبى بكر ؟ قالت: قلت: لا أدرى والله أين أبى. قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدى لطمة طرح منها قرطي، ثم انصرفوا. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، أن أباه حدثه، عن جدته أسماء قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدى أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لاراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. قالت: وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذى كان أبى يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفى هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك ! * * * وقال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبى الحسن البصري.

[ 237 ]

قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية، بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. وهذا فيه انقطاع من طرفيه. وقد قال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن عمرو الضبى، حدثنا نافع بن عمر الجمحى، عن ابن أبى مليكة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور، فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مرة، وخلفه مرة. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك. حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور، قال أبو بكر: كما أنت حتى أدخل يدى فأحسه وأقصه، فإن كانت فيه دابة أصابتني قبلك. قال نافع: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شئ يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا مرسل. وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق رضى الله عنه. * * * وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أنبأنا موسى بن الحسن، حدثنا عباد، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا السرى بن يحيى، حدثنا محمد بن سيرين، قال: ذكر رجال على عهد عمر، فكأنهم فضلوا عمر على أبى بكر، فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلة من أبى بكر خير من آل عمر، وليوم من أبى بكر خير من آل عمر ! لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل

[ 238 ]

يمشى ساعة بين يديه وساعة خلفه. حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا بكر ما لك تمشى ساعة خلفي وساعة بين يدى ؟ فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: يا أبا بكر لو كان شئ لاحببت أن يكون بك دوني ؟ قال: نعم والذى بعثك بالحق. فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ. فدخل فاستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله. فنزل. ثم قال عمر: والذى نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر. وقد رواه البيهقى من وجه آخر عن عمر وفيه: أن أبا بكر جعل يمشى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة وخلفه أخرى، وعن يمينه وعن شماله. وفيه أنه لما حفيت رجلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله الصديق على كاهله، وأنه لما دخل الغار سدد تلك الاجحرة كلها وبقى منها جحر واحد، فألقمه كعبه، فجعلت الافاعى تنهشه ودموعه تسيل. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تخزن إن الله معنا ". وفى هذا السياق غرابة ونكارة. وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو. قالا: حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا عباس الدوري، حدثنا أسود بن عامر شاذان، حدثنا إسرائيل، عن الاسود، عن جندب بن عبدالله، قال: كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، فأصاب يده حجر فقال: إن أنت إلا إصبع دميت * وفى سبيل الله ما لقيت

[ 239 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزرى، أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك " قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبات على على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم. فقالوا: أين صاحبك هذا ؟ فقال: لا أدرى. فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وهذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روى في قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. [ وقال الحافظ (1) أبو بكر أحمد بن على بن سعيد القاضى في مسند أبى بكر، حدثنا بشار الخفاف، حدثنا جعفر وسليمان (2)، حدثنا أبوعمران الجونى، حدثنا المعلى بن زياد، عن الحسن البصري، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار، وجاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخل أحد.


(1) سقط هذا الخبر من (ا) (2) كذا ولعله جعفر بن سليمان الضبعى. (*)

[ 240 ]

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلى وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أئل (1) ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا ". وهذا مرسل عن الحسن، وهو حسن بحاله من الشاهد. وفيه زيادة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الغار. وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر صلى. وروى هذا الرجل، أعنى أبا بكر أحمد بن على القاضى، [ عن ] عمرو الناقد، عن خلف بن تميم، عن موسى بن مطير، عن أبيه، عن أبى هريرة، أن أبا بكر قال لابنه: يا بنى إذا حدث في الناس حدث فأت الغار الذى اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه، فإنه سيأتيك رزقك فيه بكرة وعشيا ] (2). وقد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول: نسج داود ما حمى صاحب الغا * ر وكان الفخار للعنكبوت وقد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا، وقد نظم ذلك الصرصرى في شعره حيث يقول: فغمى عليه العنكبوت بنسجه * وظل على الباب الحمام يبيض والحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر، من طريق يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا عمرو بن على، حدثنا عون بن عمرو أبو عمرو القيسي، ويلقب بعوين (3)، حدثنى أبو مصعب المكى، قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك،


(1) أئل: أحزن. (2) إلى هنا من (ا). (3) الاصل: عوين. (*)

[ 241 ]

يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فخرجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم تستره، وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا تدفان (1) حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة، وأقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر مائتي ذراع قال الدليل، وهو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى: هذا الحجر ثم لا أدرى أين وضع رجله. فقال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة. حتى إذا أصبحوا (3) قال: انظروا في الغار، فاستبقه القوم حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر خمسين ذراعا، فإذا الحمامتان، فرجع (3) فقالوا: ما ردك أن تنظر في الغار ؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد. فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فعرف أن الله قد درأ عنهما بهما، فسمت عليهما، أي برك عليهما، وأحدرهما الله إلى الحرم فأفرخا كما ترى. وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه، قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره، عن عون بن عمرو، وهو الملقب بعوين، بإسناده مثله. وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تيك الحمامتين. وفى هذا الحديث أن القائف الذى اقتفى لهم الاثر سراقة بن مالك المدلجى. وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه أن الذى اقتفى لهم الاثر كرز بن علقمة.


(1) الدفيف من الطائر: مره فوق الارض أو أن يحرك جناحاه ورجلاه فريق الارض. (2) الاصل: أصبحن. وهو تحريف. (3) الاصل: ترجع. وهو تحريف. (*) (16 - السيرة - 2)

[ 242 ]

قلت: ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الاثر. والله أعلم. * * * وقد قال الله تعالى: " إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا. فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم (1) ". يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول: " إلا تنصروه " أنتم فإن الله ناصره ومؤيده ومظفره، كما نصره " إذ أخرجه الذين كفروا " من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه وصديقه أبى بكر ليس غيره. ولهذا قال " ثانى اثنين إذ هما في الغار " أي وقد لجآ إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما. وذلك لان المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردهما، أو أحدهما مائة من الابل، واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم، وكان الذى يقتص الاثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم، فصعدوا الجبل الذى هما فيه، وجعلوا يمرون على باب الغار، فتحاذي أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما، حفظا من الله لهما. كما قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا ثابت، عن أنس بن مالك، أن أبا بكر حدثه، قال: قلت للنبى صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لابصرنا تحت قدميه.


(1) سورة التوبة: 40. (*)

[ 243 ]

فقال: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام به. وقد ذكر بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو جاءونا من ها هنا لذهبنا من هنا. فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر. وإذا البحر قد اتصل به، وسفينة مشدودة إلى جانبه. وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوى ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا، ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به. والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا خلف بن تميم، حدثنا موسى بن مطير القرشى، عن أبيه، عن أبى هريرة أن أبا بكر قال لابنه: يا بنى إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذى رأيتنى أختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه، فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية. ثم قال البزار: لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم. قالت: وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك، وكذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه. * * * وقد ذكر يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، أن الصديق قال في دخولهما الغار، وسيرهما بعد ذلك، وما كان من قصة سراقة كما سيأتي، شعرا فمنه قوله:

[ 244 ]

قال النبي، ولم أجزع يوقرني * ونحن في سدف (1) من ظلمة الغار لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا * وقد توكل لى منه بإظهار وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد، عن محمد بن إسحاق فذكرها مطول جدا وذكر معها قصيدة أخرى والله أعلم. وقد روى ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة بن الزبير، قال: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج، يعنى الذى بايع فيه الانصار، بقية ذى الحجة والمحرم وصفر. ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يحبسوه، أو يخرجوه، فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه: " وإذ يمكر بك الذين كفروا (2) الآية. فأمر عليا فنام على فراشه، وذهب هو وأبو بكر، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه، وأن خروجه هو وأبو بكر إلى الغار كان ليلا. وقد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك أيضا. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبوى قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة.


(1) ابن هشام: سدفة. (2) سورة الانفال 30. (*)

[ 245 ]

فذكرت ما كان من رده لابي بكر إلى مكة وجواره له. كما قدمناه عند هجرة الحبشة إلى قوله: فقال أبو بكر: فإنى أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قالت: والنبى صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: " إنى أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين " وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة إلى المدينة. وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلك فإنى أرجو أن يؤذن لى " فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى ؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر، وهو الخبط، أربعة أشهر، وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر. قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبى بكر في حر الظهيرة، فقال قائل لابي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبى أمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر ! قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخرج من عندك. فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبى أنت يا رسول الله. قال: فإنه قد أذن لى في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت أمي ! قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. قال أبو بكر: فخذ أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن.

[ 246 ]

قالت عائشة: فجهزناهما أحث (1) الجهاز، فصنعنا لهما سفرة (2) في جراب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبدالله بن أبى بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن (3)، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، لا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما (4)، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث. واستأجر رسول الله صلى الله عيله وسلم وأبو بكر رجلا من بنى الديل، وهو من بنى عبد بن عدى، هاديا خريتا. والخريت: الماهر بالهداية. قد غمس (5) حلفا في آل العاص بن وائل السهمى، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال. وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل. قال ابن شهاب: فأخبرني عبدالرحمن بن مالك المدلجى وهو ابن أخى سراقة، أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش


(1) أحث الجهاز: أسرعه. وتروى: أحب الجهاز. (2) سفرة: زادا. (3) ثقف: حاذق. ولقن: سريع الفهم. (4) الاصل: ورضيعهما. وما أثبته من البخاري. والرضيف: اللبن يغلى بالرضفة (5) غمس حلفا: عقده. وكانوا يغمسون أيديهم في جفنة توكيدا للحلف. (*)

[ 247 ]

يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بنى مدلج، إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سراقة إنى رأيت آنفا أسودة (1) بالساحل أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا. ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهى من وراء أكمة فتحبسها على، وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت بزجه (2) الارض وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها فدفعتها تقرب (3) بى حتى دنوت منهم، فعثرت بى فرسى فخررت عنها، فقمت فأهويت يدى إلى كنانتي فاستخرجت منها الازلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا ؟ فخرج الذى أكره. فركبت فرسى وعصيت الازلام. فجعل فرسى يقرب بى، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتف وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسى في الارض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها فأهويت، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لاثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت الازلام فخرج الذى أكره.


(1) الاسودة: يكنى بها عن الشخص. (2) الزج: حديدة تجعل في طرف الرمح. (3) الاصل: ففرت. وما أثبته من البخاري. (*)

[ 248 ]

فناديتهم بالامان، فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى (1) ولم يسألانى إلا أن قالا: أخف عنا. فسألته أن يكتب لى كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لى رقعة من أدم. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * وقد روى محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه، عن عمه سراقة فذكر هذه القصة، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالازلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذى يكره: لا يضره، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات، وكل ذلك يستقسم بالازلام ويخرج الذى يكره: لا يضره. حتى ناداهم بالامان. وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكتب لى كتابا في عظم، أو رقعة أو خرقة، وذكر أنه جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف، فقال له " يوم وفاء وبر، ادنه " فدنوت منه وأسلمت. قال ابن هشام: هو عبدالرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم. وهذا الذى قاله جيد. ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحد من الطلب إلا رده وقال: كفيتم هذا الوجه.


(1) الاصل: فلم يردانى وهو تصحيف وما أثبته من صحيح البخاري. (*)

[ 249 ]

فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى المدينة، جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان من قصة جواده، واشتهر هذا عنه، فخاف رؤساء قريش معرته، وخشوا أن يكون ذلك سببا لاسلام كثير منهم، وكان سراقة أمير بنى مدلج ورئيسهم، فكتب أبو جهل، لعنه الله، إليهم: بنى مدلج إنى أخاف سفيهكم * سراقة مستغو لنصر محمد عليكم به ألا يفرق جمعكم * فيصبح شتى بعد عز وسؤدد قال: فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا: أبا حكم والله لو كنت شاهدا * لامر جوادي إذ تسوخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا * رسول وبرهان فمن ذا يقاومه (1) عليك فكف القوم عنه فإننى * أخال لنا يوما ستبدو معالمه بأمر تود النصر فيه فإنهم * وإن جميع الناس طرا مسالمه وذكر هذا الشعر الاموى في مغازيه بسنده عن أبى إسحاق، وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق، وزاد في شعر أبى جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا * * * وقال البخاري بسنده إلى ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض.


(1) ا: نبى وبرهان فمن ذا يكلمه. (*)

[ 250 ]

وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا دون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة. فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود إلى أطم (1) من آطامهم لامر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين (2) يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذى تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، يعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بنى عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الاول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الانصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك. فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذى أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ركب راحلته وسار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين. وكان مربدا للتمر * (هاش) * (1) الاطم: الحصن. (2) مبيضين: عليهم الثياب البيض التى كساها إياهم الزبير وطلحة. وقال ابن التين: يحتمل أن معناها مستعجلين، قال ابن فارس: يقال: بائض أي مستعجل شرح المواهب 1 / 350. (*)

[ 251 ]

لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: " هذا إن شاء الله المنزل ". ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما. ثم بناه مسجدا. فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه، وهو يقول حين ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر ويقول لا هم إن الاجر أجر الآخرة * فارحم الانصار والمهاجرة فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لى. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الاحاديث أن رسول صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الابيات. هذا لفظ البخاري، وقد تفرد بروايته دون مسلم، وله شواهد من وجوه أخر، وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية. ولنذكرها هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا. * * * قال الامام أحمد: حدثنا عمرو بن محمد أبو سعيد العنقزى (1)، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى


(1) نسب إلى العنقز وهو الريحان، كان يبيعه أو يزرعه، مات سنة 199 يروى عن إسرائيل والثوري. اللباب 2 / 156. (*)

[ 252 ]

منزلي. فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه. فقال أبو بكر: خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فضربت بصرى هل أرى ظلا نأوى إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية ظلها فسويته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة وقلت: اضطجع يا رسول الله فاضطجع. ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب، فإذا أنا براعى غنم، فقلت: لمن أنت يا غلام ؟ فقال: لرجل من قريش. فسماه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن ؟ قال: نعم ! قلت: هل أنت حالب لى ؟ قال نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، ومعى إداوة على فمها خرقة فحلب لى كثبة (1) من اللبن، فصببت على القدح حتى برد أسفله، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته وقد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم قلت: هل آن الرحيل ؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا. فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ؟ قال: " لا تحزن إن الله معنا ". حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح، أو رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة، قلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ! وبكيت، قال: لم تبكى ؟ قلت: أما والله ما على نفسي أبكى، ولكن أبكى عليك. فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم اكفناه بما شئت " فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد، ووثب عنها وقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك


(1) الكثبة: القليل من اللبن. (*)

[ 253 ]

فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فو الله لاعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بإبلى وغنمى بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا حاجة لى فيها " ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنطلق ورجع إلى أصحابه. ومضى رسول الله صلى عليه وسلم وأنا معه، حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس، فخرجوا في الطرق [ و ] على الاناجير (1)، واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء محمد. قال: وتنازع القوم أيهم ينزل عليه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل الليلة على بنى النجار أخوال عبدالمطلب لاكرمهم بذلك " فلما أصبح غدا حيث أمر. قال البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الاعمى أحد بنى فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا: ما فعل رسول الله ؟ قال: هو على أثرى. ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه. قال البراء: ولم يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قرأت سورا من المفصل. أخرجاه في الصحيحين من حديث إسرائيل بدون قول البراء: أول من قدم علينا. إلخ. فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق إسرائيل به. * * *


(1) الاناجير: السطوح. (*)

[ 254 ]

وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذى استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به. فكان يقال لها: ذات النطاقين لذلك. قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبى وأمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى لا أركب بعيرا ليس لى " قال: فهى لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى. قال: لا ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به ؟ قال: كذا وكذا. قال: أخذتها بذلك. قال: هي لك يا رسول الله. وروى الواقدي بأسانيده أنه عليه السلام أخذ القصواء، قال: وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم. وروى ابن عساكر من طريق أبى أسامة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: وهى الجدعاء. وهكذا حكى السهيلي عن ابن إسحاق أنها الجدعاء والله أعلم. * * * قال ابن إسحاق: فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق. فحدثت عن أسماء أنها قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل، فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من أذنها كما تقدم.

[ 255 ]

قالت: فمكثنا ثلاث ليال ما ندرى أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبغونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروحا * فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة. قال ابن إسحاق: وكانوا أربعة، رسول الله صلى الله عيله وسلم، وأبو بكر، وعامر ابن فهيرة مولى أبى بكر، وعبد الله بن أرقط (1) كذا يقول ابن إسحاق، والمشهور عبدالله بن أريقط الديلى. وكان إذ ذاك مشركا. * * * قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبدالله بن أرقط (1) سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار (2) ثم أجاز بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاج ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذى العضوين، ثم بطن ذى كشر (3)، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الاجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجة


(1) الاصل: أرقد. وهو تحريف والتصويب من ابن هشام. (2) الخرار: واد أو ماء بالمدينة. (3) الاصل: كشد، وما أثبته من معجم البلدان. (*)

[ 256 ]

تعهن، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما القاحة ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له ابن الرداء، إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما [ دليلهما من العرج، فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة، ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام، حتى هبط بهما بطن رئم، ثم قدم بهما (2) ] قباء على بنى عمرو بن عوف، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل. وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل، وخالفه في بعضها والله أعلم. قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن السراج، حدثنا محمد بن عبادة بن موسى العجلى، حدثنى أخى موسى بن عبادة، حدثنى عبدالله بن سيار، حدثنى إياس بن مالك بن الاوس الاسلمي، عن أبيه، قال: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مروا بإبل لنا بالجحفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمن هذه الابل ؟ فقالوا: لرجل من أسلم. فالتفت إلى أبى بكر فقال: سلمت إن شاء الله. فقال: ما اسمك ؟ قال: مسعود. فالتفت إلى أبى بكر فقال: سعدت إن شاء الله. قال: فأتاه أبى فحمله على جمل يقال له ابن الرداء. قلت: وقد تقدم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين.


(1) تعهن: عين على ثلاثة أميال من السقيا بين مكة والمدينة. (2) سقطت من ا. (*)

[ 257 ]

والظاهر أن بين خروجه عليه السلام من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما، لانه أقام بغار ثور ثلاثة أيام، ثم سلك طريق الساحل وهى أبعد من الطريق الجادة. واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بنى كعب بن خزاعة. قال ابن هشام: وقال يونس عن ابن إسحاق: اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد ابن ربيعة بن أصرم. وقال الاموى: هي عاتكة بنت تبيع حليف بنى منقذ بن ربيعة بن أصرم بن صنبيس (1) بن حرام بن خيسة بن كعب بن عمرو. ولهذه المرأة من الولد معبد ونضرة وحنيدة بنو أبى معبد، واسمه أكثم بن عبدالعزى ابن معبد بن ربيعه بن أصرم بن صنبيس. وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا. * * * وهذه قصة أم معبد الخزاعية: قال يونس عن ابن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد واسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم، فأرادوا القرى فقالت: والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله وحلب في العس حتى أرغى وقال: اشربي يا أم معبد. فقالت: اشرب فأنت أحق به. فرده عليها فشربت، ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه، ثم دعا بحائل


(1) في الاصابة: خبيس. (*) (17 - السيرة 2)

[ 258 ]

أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم تروح. وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه، فقالوا: أرأيت محمدا من حليته كذا وكذا ؟ فوصفوه لها. فقالت: ما أدرى ما تقولون، قدمنا فتى حالب الحائل. قالت قريش: فذاك الذى نريد. وقال الحافظ أبو بكر البزار، حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبدالرحمن بن عقبة بن عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله، حدثنا أبى، عن أبيه، عن جابر قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، إذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح، مخافة أن يخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شئ. فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزل بخيمات أم معبد، فأرسلت إليه أم معبد: إنى أرى وجوها حسانا، وإن الحى أقوى على كرامتكم منى. فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اردد الشفرة وهات لنا فرقا " يعنى القدح. فأرسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد. قال: هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت فحلب فملا القدح فشرب وسقى أبا بكر، ثم حلب فبعث فيه إلى أم معبد. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد، وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه إلا يعقوب بن محمد، وإن كان معروفا في النسب. وروى الحافظ البيهقى من حديث يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، حدثنا محمد بن

[ 259 ]

عبدالرحمن بن أبى ليلى، حدثنا عبدالرحمن بن الاصبهاني، سمعت عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن أبى بكر الصديق قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فانتهينا إلى حى من أحياء العرب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبدالله إنما أنا امرأة وليس معى أحد، فعليكما بعظيم الحى إن أردتم القرى. قال: فلم يجبها وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها، فقالت: يا بنى انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمي اذبحا هذه وكلا وأطعمانا. فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم: انطلق بالشفرة وجئنى بالقدح. قال: إنها قد عزبت وليس بها لبن، قال: انطلق، فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ثم حلب حتى ملا القدح، ثم قال: انطلق به إلى أمك. فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: انطلق بهذه وجئنى بأخرى. ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم. فبتنا ليلتنا، ثم انطلقنا. فكانت تسميه المبارك. وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه، فقال: يا أمه هذا الرجل الذى كان مع المبارك. فقامت إليه فقالت: يا عبدالله من الرجل الذى كان معك ؟ قال: أو ما تدرين من هو ؟ قالت: لا. قال: هو نبى الله. قالت فأدخلني عليه. قال: فأدخلها فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها. زاد ابن عبدان في روايته: - قالت: فدلني عليه، فانطلقت معى، وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من أقط ومتاع الاعراب. قال: فكساها وأعطاها. قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت.

[ 260 ]

إسناد حسن. وقال البيهقى: هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد، والظاهر أنها هي. والله أعلم * * * وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضى، قالا: حدثنا أبو العباس الاصم، حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنى أبو أحمد بشر بن محمد السكرى، حدثنا عبد الملك بن وهب المذحجي، حدثنا أبجر بن الصباح، عن أبى معبد الخزاعى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر ودليلهم عبدالله بن أريقط الليثى، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية. وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقى، فسألوها هل عندها لحم أو لبن يشترونه منها ؟ فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك، وقالت: لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاة في كسر (1) خيمتها فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: فهل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: تأذنين لى أن أحلبها ؟ قالت: إن كان بها حلب فاحلبها. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها وذكر اسم الله، ودعا بإناء لها يربض الرهط (2) فتفاجت (3) واجترت فحلب فيه ثجا


(1) كسر الخيمة: جانبها. (2) يربض الرهط: يشبعهم حتى يربضوا. (3) تفاجت: فرجت ما بين رجليها. (*)

[ 261 ]

حتى ملاه، فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال: ساقى القوم آخرهم. ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء، فغادره عندها. ثم ارتحلوا. قال: فقل ما لبث ان جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا لا نقى بهن (1) مخهن قليل، فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين هذا اللبن يا أم معبد، ولا حلوبة في البيت والشاء عازب ؟ ! فقالت: لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. فقال: صفيه لى، فو الله إنى لاراه صاحب قريش الذى تطلب. فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة (2) ولم تزر به صعلة (2)، قسيم وسيم، في عينيه دعج، وفى أشفاره وطف (3)، وفى صوته صحل، أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع (4) وفى لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنأه (5) عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لامره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند. فقال - يعنى بعلها -: هذا والله صاحب قريش الذى تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولاجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.


(1) يتساوكن: يتمايلن. والنقى: المخ. (2) الثجلة: عظم البطن. والصعلة: صغر الرأس. (3) وطف: طول. (4) سطع: طول. (5) الاصل: تنساه. وهو تحريف. وما أثبته عن الوفا لابن الجوزى والمواهب والدلائل لابي نعيم. ومعنى تشنأه: تبغضه. (*)

[ 262 ]

قال: وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والارض يسمعونه ولا يرون من يقول، وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به * فأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقصى ما زوى الله عنكم * به من فعال لا تجازى وسؤدد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت * له بصريح، ضرة الشاة (1) مزبد فغادره رهنا لديها لحالب * يدر لها في مصدر ثم مورد قال: وأصبح الناس، يعنى بمكة، وقد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأجابه حسان بن ثابت: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقد سر (2) من يسرى إليهم ويغتدى ترحل عن قوم فزالت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد وهل يستوى ضلال قوم تسفهوا * عمى وهداة يهتدون بمهتد نبى يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد ويهن بنى كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمسلمين بمرصد قال - يعنى عبدالملك بن وهب -: فبلغني أن أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.


(1) الضرة: أصل الضرع. (2) الوفا ودلائل أبى نعيم: وقدس. (*)

[ 263 ]

وهكذا روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبدالملك بن وهب المذحجي، فذكر مثله سواء. وزاد في آخره: قال عبدالملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم رواه أبو نعيم من طرق، عن بكر بن محرز الكلبى الخزاعى، عن أبيه محرز ابن مهدى، عن حرام بن هشام بن حبيش بن خالد، عن أبيه، عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة خرج منها مهاجرا هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهما عبدالله بن أريقط الليثى، فمروا بخيمة أم معبد، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء القبة، وذكر مثل ما تقدم سواء. قال. وحدثناه، فيما أظن، محمد بن أحمد بن على بن مخلد، حدثنا محمد بن يونس ابن موسى، يعنى الكديمى، حدثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبدالمطلب، حدثنا محمد بن سليمان بن سليط الانصاري، حدثنى أبى، عن أبيه سليط البدرى، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ومعه أبو بكر وعامر أبن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق، مر بأم معبد الخزاعية وهى لا تعرفه فقال لهم: يا أم معبد هل عندك من لبن ؟ قالت: لا والله إن الغنم لعازبة. قال: فما هذه الشاة ؟ قالت: خلفها الجهد عن الغنم ؟ ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدم. * * * ثم قال البيهقى: يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة. ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، إملاء، حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن غالب، حدثنا

[ 264 ]

أبو الوليد، حدثنا عبدالله بن إياد بن لقيط، حدثنا إياد بن لقيط، عن قيس بن النعمان، قال: لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقا (2) حملت أول الشتاء، وقد أخدجت (2) وما بقى لها من لبن. فقال: ادع بها. فدعا بها فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعى، ثم حلب فشرب. فقال الراعى: بالله من أنت ؟ فو الله ما رأيت مثلك قط. قال: أو تراك تكتم على حتى أخبرك ؟ قال: نعم. قال: فإنى محمد رسول الله. فقال: أنت الذى تزعم قريش أنه صابئ ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك. قال: فإنى أشهد أنك نبى، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا فعل ما فعلت إلا نبى، وأنا متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا. ورواه أبو يعلى الموصلي، عن جعفر بن حميد الكوفى، عن عبدالله بن إياد ابن لقيط به. * * * وقد ذكر أبو نعيم ها هنا قصة عبدالله بن مسعود فقال: حدثنا عبدالله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبدالله بن مسعود. قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن معيط بمكة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقالا: يا غلام


(1) العناق: الانثى من ولد المعز. (2) أخدجت: جاءت بولدها ناقص الخلق. (*)

[ 265 ]

عندك لبن تسقينا ؟. فقلت: إنى مؤتمن ولست بساقيكما، فقالا: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع فدعا، فحفل الضرع وجاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر وسقيانى، ثم قال للضرع: اقلص فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: علمني من هذا القول الطيب، يعنى القرآن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك غلام معلم " فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد. فقوله في هذا السياق: " وقد فرا من المشركين " ليس المراد منه وقت الهجرة، إنما ذلك في بعض الاحوال قبل الهجرة. فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم، وقصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح وغيرها. والله أعلم. * * * وقال الامام أحمد (1): حدثنا عبدالله بن مصعب بن عبدالله، هو الزبير، حدثنى أبى، عن فائد مولى عبادل، قال: خرجت مع إبراهيم بن عبدالرحمن بن سعد، حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد، وسعد وهو الذى دل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق ركوبة (2) فقال إبراهيم: ما حدثك أبوك ؟ قال ابن سعد: حدثنى أبى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ومعه أبو بكر، وكانت لابي بكر عندنا بنت


(1) سقط هذا الخبر من (ا). (2) الاصل ركونة. وهو تحريف. وهى ثنية بين مكة والمدينة عند العرج. (*)

[ 266 ]

مسترضعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال له سعد: هذا الغامر من ركوبة، وبه لصان من أسلم يقال لهما المهانان. فإن شئت أخذنا عليهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " خذ بنا عليهما ". قال سعد: فخرجنا حتى إذ أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه: هذا اليماني. فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الاسلام فأسلما، ثم سألهما عن أسمائهما فقالا: نحن المهانان. فقال: " بل أنتما المكرمان " وأمرهما أن يقدما عليه المدينة، فخرجنا حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين أبو أمامة أسعد بن زرارة ؟ " فقال سعد بن خيثمة: إنه أصاب قبلى يا رسول الله أفلا أخبره ذلك ؟ ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع على النخل فإذا الشرب مملوء، فالتفت رسول الله إلى أبى بكر فقال: يا أبا بكر هذا المنزل. رأيتنى أنزل إلى حياض كحياض بنى مدلج. انفرد به أحمد.

[ 267 ]

فصل في دخوله عليه السلام المدينة، وأين استقر منزله بها وما يتعلق به قد تقدم فيما رواه البخاري، عن الزهري، عن عروة، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة عند الظهيرة. قلت: ولعل ذلك كان بعد الزوال، لما ثبت في الصحيحين من حديث إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب، عن أبى بكر في حديث الهجرة قال: فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل على بنى النجار أخوال عبدالمطلب أكرمهم بذلك ". وهذا والله أعلم إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء، فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة وأقام تحت تلك النخلة، ثم سار بالمسلمين فنزل قباء وذلك ليلا، وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا، فإن العشى من الزوال. وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء، كما سيأتي، فسار فما انتهى إلى بنى النجار إلا عشاء. كما سيأتي بيانه. والله أعلم. وذكر البخاري عن الزهري، عن عروة، أنه نزل في بنى عمرو بن عوف بقباء، وأقام فيهم بضع عشرة ليلة، وأسس مسجد قباء في تلك الايام. ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده، وكان مربدا

[ 268 ]

لغلامين يتيمين وهما سهل وسهيل، فابتاعه منهما واتخذه مسجدا. وذلك في دار بنى النجار رضى الله عنهم. * * * وقال محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبدالرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثنى رجال من قومي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لما بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبج إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فو الله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة. حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قيلة هذا جدكم قد جاء. فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وركبه الناس، وما يعرفونه من أبى بكر، حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. وقد تقدم مثل ذلك في سياق البخاري، وكذ ذكر موسى بن عقبة في مغازيه. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: إنى لا سعى في الغلمان يقولون: جاء محمد. فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون: جاء محمد. فأسعى ولا أرى شيئا.

[ 269 ]

قال: حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، فكمنا في بعض خراب المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الانصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الانصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الانصار: انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو ؟ أيهم هو ؟ فما رأينا منظرا شبيها به. قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض فلم أر يومين شبيها بهما. ورواه البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، عن محمد بن إسحاق الصنعانى، عن أبى النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بى المغيرة، عن ثابت، عن أنس بنحوه، أو مثله. وفى الصحيحين من طريق إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء، عن أبى بكر في حديث الهجرة قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله. فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر. وقال البيهقى: أخبرنا أبو عمرو الاديب، أخبرنا أبو بكر الاسماعيلي، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن: طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع

[ 270 ]

وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع * * * قال محمد بن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يذكرون يعنى حين نزل، بقباء على كلثوم بن الهدم أخى بنى عمرو بن عوف ثم أحد بنى عبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة. ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان يقال لبيته بيت العزاب. والله أعلم. ونزل أبو بكر رضى الله عنه على خبيب بن إساف، أحد بنى الحارث بن الخزرج بالسنح، وقيل: على خارجة بن زيد بن أبى زهير أخى بنى الحارث بن الخزرج. قال ابن إسحاق: وأقام على بن أبى طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده. ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن الهدم، فكأن على بن أبى طالب إنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين. يقول: كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه، فيعطيها شيئا معه فتأخذه، فاستربت بشأنه فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الذى يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك ؟. قالت: هذا سهل بن حنيف، وقد عرف أنى امرأة لا أحد لى، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال: احتطبي بهذا. فكان على رضى الله عنه يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.

[ 271 ]

قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجده. ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك. وقال عبدالله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثمانى عشرة ليلة. قلت: وقد تقدم فيما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة، أنه عليه السلام أقام فيهم بضع عشرة ليلة. وحكى موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، يعنى في بنى عمرو بن عوف بقباء، اثنتين وعشرين ليلة. وقال الواقدي: ويقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة. * * * قال ابن إسحاق: فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بنى سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذى في بطن الوادي، وادى رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بنى سالم، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. لناقته فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا وازت دار بنى بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو، رجال من بنى بياضة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها.

[ 272 ]

فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، في رجال من بنى ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا في العدد والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا وازت (1) دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بنى الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مامورة " فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدى بن النجار، وهم أخواله، دنيا، أم عبدالمطلب سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن [ أبى ] (2) خارجة في رجال من بنى عدى بن النجار فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة. قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " فخلوا سبيلها. فانطلقت، حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجده عليه السلام اليوم، وكان يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بنى مالك بن النجار، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، وكانا في حجر معاذ بن عفراء. قلت: وقد تقدم في رواية البخاري من طريق الزهري، عن عروة أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة. والله أعلم. * * * وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في طريقه بعبد الله


(1) ا: دارت وفى ابن هشام وازنت (2) من ابن هشام. (*)

[ 273 ]

ابن أبى بن سلول وهو في بيت، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه إلى المنزل، وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم، فقال عبدالله: انظر الذين دعوك فانزل عليهم. فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الانصار، فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا. قال موسى بن عقبة: وكانت الانصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى عمرو بن عوف، فمشوا حول ناقته، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له. وكلما مر بدار من دور الانصار دعوه إلى المنزل فيقول صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها مأمورة، فإنما أنزل حيث أنزلنى الله. فلما انتهت إلى دار أبى أيوب بركت به على الباب، فنزل فدخل بيت أبى أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه. قال ابن إسحاق: لما بركت الناقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عنها، حتى وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرچعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها. فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد، رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسأل عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل (18 - السيرة 2)

[ 274 ]

ابني عمرو وهما يتيمان لى، وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبى ايوب حتى بنى مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المهاجرين والانصار. وستأتى قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله. * * * وقال البيهقى في الدلائل: وقال أبو عبد الله: أخبرنا أبو الحسن على بن عمرو الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري، حدثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبى الورد، حدثنا إبراهيم بن صرمة، حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبدالله بن أبى طلحة، عن أنس، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما دخلنا جاء الانصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله. فقال " دعوا الناقة فإنها مأمورة ". فبركت على باب أبى أيوب فخرجت جوار من بنى النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن. نحن جوار من بنى النجار * يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أتحبونني ؟ " فقالوا: إى والله يا رسول الله. فقال: " وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم ". هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في مستدركه كما يروى. ثم قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمى، أخبرنا أبو القاسم عبدالرحمن بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد، حدثنا عمر بن الحسن الحلبي، حدثنا أبو خيثمة المصيصى، حدثنا عيسى بن يونس، عن عوف الاعرابي، عن ثمامة، عن أنس.

[ 275 ]

قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بحى من بنى النجار، وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن: نحن جوار من بنى النجار * يا حبذا محمد من جار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يعلم الله أن قلبى يحبكم ". ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس به. وفى صحيح البخاري عن معمر، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين، حسبت أنه قال من عرس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا فقال: " اللهم أنتم من أحب الناس إلى " قالها ثلاث مرات. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنى أبى، حدثنى عبد العزيز ابن صهيب، حدثنا أنس بن مالك. قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف. قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذى بين يديك ؟ فيقول: هذا الرجل يهدينى السبيل. فيحسب الحاسب أنما يهديه الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبى الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اللهم اصرعه " فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم، ثم قال: مرنى يا نبى الله بما شئت. فقال: " قف مكانك ولا تتركن أحدا يلحق بنا ".

[ 276 ]

قال: فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مسلحة (1) له. قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة، ثم بعث إلى الانصار فجاءوا فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح. وقيل في المدينة: جاء نبى الله صلى الله عليه وسلم. فاستشرفوا نبى الله ينظرون إليه ويقولون: جاء نبى الله. قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار ابى أيوب. قال: فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبدالله بن سلام، وهو في نخل لاهله يحترف. لهم، فعجل أن يضع الذى يحترف فيها، فجاء وهى معه، وسمع من نبى الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله. وقال نبى الله: أي بيوت أهلنا أقرب ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبى الله، هذه دارى وهذا بابى. قال: فانطلق فهيى لنا مقيلا. فذهب فهيأ ثم جاء. فقال: يا رسول الله قد هيأت مقيلا، قوما على بركة الله فقيلا. فلما جاء نبى الله صلى الله عليه وسلم جاء عبدالله بن سلام فقال: أشهد أنك نبى الله حقا، وأنك جئت بحق ولقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم. فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فو الله الذى لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقا، وأنى جئت بحق أسلموا ".


(1) المسلحة: قوم ذوو سلاح، وتطلق أيضا على الثغر والمرقب. والمراد أنه كان مدافعا عن الرسول (*)

[ 277 ]

فقالوا: ما نعلمه، ثلاثا. وكذا رواه البخاري منفردا به، عن محمد غير منسوب، عن عبد الصمد به. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب، عن مرثد بن عبدالله اليزنى، عن أبى رهم السماعي، حدثنى أبو أيوب، قال لما نزل على رسول الله صلى عليه وسلم في بيتى نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، إنى أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل. فقال: " يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت ". فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن. فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شئ فيؤذيه. قال: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه، فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغى بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر ليده فيه أثرا، قال: فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ؟ فقال " إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي، فأما أنتم فكلوه " قال: فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد. وكذلك رواه البيهقى، من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب،

[ 278 ]

عن أبى الحسن، أو أبى الخير، مرثد بن عبدالله اليزنى، عن أبى رهم، عن أبى أيوب فذكره. ورواه أبو بكر بن أبى شيبة، عن يونس بن محمد المؤدب، عن الليث. وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عمرو الحيرى، حدثنا عبدالله ابن محمد، حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، حدثنا أبو النعمان، حدثنا ثابت بن يزيد، حدثنا عاصم الاحول، عن عبدالله بن الحارث، عن أفلح مولى أبى أيوب، عن أبى أيوب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فنزل في السفل وأبو أيوب في العلو، فاننتبه أبو أيوب فقال: نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبى صلى الله عليه وسلم، يعنى في ذلك، فقال: " السفل أرفق بنا " فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلو، وأبو أيوب في السفل. فكان يصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما، فإذا جئ به سأل عن موضع أصابعه فيتبع موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: لم يأكل. ففزع وصعد إليه فقال: أحرام ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ولكني أكرهه " قال فإنى أكره ما تكره، أو ما كرهت. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه الملك. رواه مسلم عن أحمد بن سعيد به. وثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك، قال: جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر (1)، وفى رواية بقدر، فيه خضروات من بقول، قال: فسأل فأخبر بما فيها، فلما رآها كره أكلها، قال: " كل فإنى أناجي من لا تناجى ".


(1) ببدر: بطبق مستدير يشبه البدر. (*)

[ 279 ]

وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبى أيوب أخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده. وروى عن زيد بن ثابت أنه قال: أول هدية أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل دار أبى أيوب، أنا جئت بها، قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن، فقلت: أرسلت بهذه القصعة أمي. فقال: " بارك الله فيك " ودعا أصحابه فأكلوا، ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم. وما كانت من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والاربعة يحملون الطعام يتناوبون، وكان مقامه في دار أبى أيوب سبعة أشهر. قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل في دار أبى أيوب مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع، ومعهما بعيران وخمسمائة درهم، ليجيئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان، وزينب عند زوجها بمكة أبى العاص بن الربيع، وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة وخرج معهم عبدالله بن أبى بكر بعيال أبى بكر وفيهم عائشة أم المؤمنين ولم يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * وقال البيهقى: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا خلف بن عمرو العكبرى، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عطاف بن خالد، حدثنا صديق بن موسى، عن عبدالله بن الزبير، أن رسول صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن على وبين دار الحسن ابن زيد، فأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله المنزل. فانبعثت به راحلته فقال: " دعوها فإنها مأمورة ".

[ 280 ]

ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر، فاستناخت ثم تحللت، وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فيه فآوى إلى الظل فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل إليك فأنقل رحلك إلى ؟ قال: نعم. فذهب برحله إلى المنزل، ثم أتاه رجل فقال يا رسول الله أين تحل ؟ قال: " إن الرجل مع رحله حيث كان " وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش اثنتى عشرة ليلة حتى بنى المسجد. وهذه منقبة عظيمة لابي أيوب خالد بن زيد رضى الله عنه، حيث نزل في داره رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روينا من طريق يزيد بن أبى حبيب عن محمد بن على بن عبدالله بن عباس رضى الله عنه، أنه لما قدم أبو أيوب البصرة، وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة على ابن أبى طالب رضى الله عنه، فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها كما أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وملكه كل ما أغلق عليها بابها. ولما أراد الانصراف أعطاه ابن عباس عشرين ألفا، وأربعين عبدا. وقد صارت دار أبى ايوب بعده إلى مولاه أفلح، فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام بألف دينار وأصلح ما وهى من بنيانها، ووهبها لاهل بيت فقراء من أهل المدينة. وكذلك نزوله عليه السلام في دار بنى النجار واختيار الله له ذلك منقبة عظيمة، وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا، كل دار محلة مستقلة بمساكنها ونخيلها وزروعها وأهلها، كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم وهى كالقرى المتلاصقة، فاختار الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم دار بنى مالك بن النجار. * * *

[ 281 ]

وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة، سمعت قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير دور الانصار بنو النجار، ثم بنو عبد الاشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفى كل دور الانصار خير ". فقال سعد بن عبادة: ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد فضل علينا. فقيل: قد فضلكم على كثير. هذا لفظ البخاري. وكذلك رواه البخاري ومسلم من حديث أنس وأبى سلمة، عن أبى أسيد مالك بن ربيعة، ومن حديث عبادة بن سهل عن أبى حميد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله سواء. زاد في حديث أبى حميد: فقال أبو أسيد لسعد بن عبادة: ألم تر أن النبي صلى الله عليه وسلم خير الانصار فجعلنا آخرا، فأدرك سعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله خيرت دور الانصار فجعلتنا آخرا ؟ قال: " أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الاخيار ". [ و ] قد ثبت لجميع من أسلم من أهل المدينة وهم الانصار الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (1) " وقال تعالى: " والذين تبوأوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (2) ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو لا الهجرة لكنت امرءا من الانصار، ولو


(1) سورة التوبة 100. (2) سورة الحشر 90. (*)

[ 282 ]

سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادى الانصار وشعبهم، الانصار شعار والناس دثار ". وقال: " الانصار كرشى وعيبتى ". وقال: " أنا سلم لم سالمهم وحرب لم حاربهم ". وقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة، حدثنى عدى بن ثابت، قال: سمعت البراء بن عازب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الانصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ". وقد أخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث شعبة به. وقال البخاري أيضا: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن عبدالرحمن بن عبد الله بن جبير، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " آية الايمان حب الانصار، وآية النفاق بغض الانصار ". ورواه البخاري أيضا عن أبى الوليد [ و ] الطيالسي ومسلم من حديث خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن مهدى، أربعتهم عن شعبة به. و الآيات والاحاديث في فضائل الانصار كثيرة جدا. وما أحسن ما قال أبو قيس صرمة بن أبى أنس المتقدم ذكره، أحد شعراء الانصار، في قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ونصرهم إياه ومواساتهم له ولاصحابه، رضى الله عنهم أجمعين. قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة بن أبى أنس أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام وما خصهم به من رسوله عليه السلام: ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا

[ 283 ]

ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم ير من يؤوى ولم ير داعيا فلما أتانا واطمأنت به النوى (1) * وأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألفى صديقا واطمأنت به النوى * وكان له عونا من الله باديا يقص لنا ما قال نوح لقومه * وما قال موسى إذ أجاب المناديا فأصبح لا يخشى من الناس واحدا * قريبا ولا يخشى من الناس نائيا (2) بذلنا له الاموال من جل (3) مالنا * وأنفسنا عند الوغى والتآسيا نعادي الذى عادى من الناس كلهم * جميعا ولو كان الحبيب المواسيا ونعلم أن الله لا شئ غيره * وأن كتاب الله أصبح هاديا (4) أقول إذا صليت في كل بيعة * حنانيك لا تظهر علينا الاعاديا أقول إذا جاوزت أرضا مخيفة * تباركت أسم الله أنت المواليا فطأ معرضا إن الحتوف كثيرة * وإنك لا تبقى لنفسك باقيا فو الله ما يدرى الفتى كيف سعيه * إذا هو لم يجعل له الله واقيا ولا تحفل النخل المعيمة (5) ربها * إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا ذكرها ابن إسحاق وغيره، ورواها عبدالله بن الزبير الحميدى وغيره، عن سفيان ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عجوز من الانصار قالت: رأيت عبد الله بن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يروى هذه الابيات. رواه البيهقى.


(1) ابن هشام: فلما أتانا أظهر الله دينه. (2) ح: باغيا. (3) ابن هشام: حل. (4) ابن هشام: ونعلم أن الله أفضل هاديا. (5) المعيمة: العطشى. والاصل: المقيمة، وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 284 ]

فصل وقد شرفت المدينة أيضا بهجرته عليه السلام إليها وصارت كهفا لاولياء الله وعباده الصالحين ومعقلا وحصنا منيعا للمسلمين، ودار هدى للعالمين. والاحاديث في فضلها كثيرة جدا لها موضع آخر نوردها فيه. إن شاء الله. وقد ثبت في الصحيحين من طريق حبيب بن يساف، عن جعفر بن عاصم، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الايمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ". ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن شبابة، عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وفى الصحيحين أيضا من حديث مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع أبا الحباب سعيد بن يسار، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهى المدينة، تنقى الناس كما ينقى الكير خبث الحديد (1) ". وقد انفرد الامام مالك عن بقية الائمة الاربعة بتفضيلها على مكة. وقد قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد وأبو بكر بن عبدالله، قالا حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو موسى الانصاري، حدثنا سعيد بن سعيد، حدثنى أخى، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلى فأسكني أحب البلاد إليك " فأسكنه الله المدينة. وهذا حديث غريب جدا.

[ 285 ]

والمشهور عن الجمهور أن مكة أفضل من المدينة إلا المكان الذى ضم جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة يطول ذكرها ها هنا، ومحلها ذكرناها في كتاب المناسك من الاحكام إن شاء الله تعالى. وأشهر دليل لهم في ذلك ما قال الامام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرنا أبو سلمة بن عبدالرحمن، أن عبدالله بن عدى بن الحمراء أخبره، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحزورة في سوق مكة يقول: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى، ولو لا أنى أخرجت منك ما خرجت ". وكذا رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان عن الزهري به. وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث الليث، عن عقيل عن الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه يونس عن الزهري به. ورواه محمد بن عمرو عن أبى سلمة بن عبدالرحمن، عن أبى هريرة. وحديث الزهري عندي أصح. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبى سلمة بن عبدالرحمن، عن أبى هريرة، قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحزورة فقال: " علمت أنك خير أرض الله وأحب الارض إلى الله، ولو لا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت " وكذا رواه النسائي من حديث معمر به. قال الحافظ البيهقى: وهذا وهم من معمر.

[ 286 ]

وقد رواه بعضهم عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، وهو أيضا وهم، والصحيح رواية الجماعة. وقال أحمد أيضا: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبى سلمة، عن بعضهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في سوق الحزورة: " والله إنك لخير أرض الله وأحب الارض إلى الله، ولو لا أنى أخرجت منك ما خرجت ". ورواه الطبراني، عن أحمد بن خليد الحلبي، عن الحميدى، عن ابن أخى الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبدالله بن عدى بن الحمراء به. فهذه طرق هذا الحديث، وأصحها ما تقدم. والله أعلم.

[ 287 ]

وقائع السنة الاولى من الهجرة ذكر ما وقع في السنة الاولى من الهجرة النبوية من الحوادث والوقائع العظيمة اتفق الصحابة رضى الله عنهم في سنة ست عشرة، وقيل سنة سبع عشرة، أو ثمانى عشرة، في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الاسلامي من سنة الهجرة. وذلك أن أمير المومنين عمر رضى الله عنه رفع إليه صك، أي حجة، لرجل على آخر، وفيه أنه يحل عليه في شعبان، فقال عمر: أي شعبان ؟ أشعبان هذه السنة التى نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية ؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك. فقال قائل: أرخوا كتأريخ الفرس. فكره ذلك. وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحدا بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتأريخ الروم. وكانوا يؤرخون بملك اسكندر بن فلبس المقدونى. فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته عليه السلام. فمال عمر رضى الله عنه إلى التأريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره، واتفقوا معه على ذلك.

[ 288 ]

وقال البخاري في صحيحه: التاريخ ومتى أرخوا التاريخ: حدثنا عبدالله بن مسلم، حدثنا عبد العزيز، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة. وقال الواقدي: حدثنا ابن أبى الزناد عن أبيه. قال: استشار عمر في التاريخ فأجمعوا على الهجرة. وقال أبو داود الطيالسي عن قرة (1) بن خالد السدوسى، عن محمد بن سيرين، قال: قام رجل إلى عمر فقال أرخوا. فقال: ما أرخوا ؟ فقال: شئ تفعله الاعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: حسن فأرخوا. فقالوا: من أي السنين نبدأ ؟ فقالوا: من مبعثه، وقالوا: من وفاته، ثم أجمعوا على الهجرة، ثم قالوا وأى الشهور نبدأ ؟ قالوا: رمضان، ثم قالوا: المحرم، فهو مصرف الناس من حجهم، وهو شهر حرام فاجتمعوا على المحرم. وقال ابن جرير: حدثنا قتيبة، حدثنا نوح بن قيس الطائى، عن عثمان بن محصن، أن ابن عباس كان يقول في قوله تعالى: " والفجر وليال عشر ". هو المحرم فجر السنة. وروى عن عبيد بن عمير قال: إن المحرم شهر الله، وهو رأس السنة يكسى [ فيه ] البيت، ويؤرخ به الناس، ويضرب فيه الورق. قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، قال: إن أول من ورخ الكتب يعلى بن أمية باليمن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في ربيع الاول، وإن الناس أرخوا لاول السنة.


(1) الاصل: فروة. وهو تحريف. (*)

[ 289 ]

وروى محمد بن إسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح، عن الشعبى أنهما قالا: أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم، ثم أرخوا من بنيان إبراهيم واسماعيل البيت، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤى، ثم أرخوا من الفيل، ثم أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة، وذلك سنة سبع عشرة، أو ثمانى عشرة. وقد ذكرنا هذا الفصل محررا بأسانيده وطرقه في السيرة العمرية ولله الحمد. والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الاسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم. وهذا هو قول جمهور الائمة. وحكى السهيلي وغيره عن الامام مالك أنه قال: أول السنة الاسلامية ربيع الاول، لانه الشهر الذى هاجر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. [ وقد استدل السهيلي على ذلك في موضع آخر بقوله تعالى: " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم " أي من أول يوم حلول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو أول يوم من التاريخ كما اتفق الصحابة على أول سنى التاريخ عام الهجرة ] (1). ولا شك أن هذا الذى قاله الامام مالك رحمه الله مناسب، ولكن العمل على خلافه، وذلك لان أول شهور العرب المحرم، فجعلوا السنة الاولى سنة الهجرة. وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف، لئلا يختلط النظام. والله أعلم. * * * فنقول وبالله المستعان: استهلت سنة الهجرة المباركة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة، وقد بايع الانصار بيعة العقبة الثانية كما قدمنا في أوسط أيام التشريق، وهى ليلة الثاني عشر من ذى الحجة قبل سنة الهجرة. ثم رجع الانصار وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة


(1) سقطت من ح. (*) (19 - السيرة - 2)

[ 290 ]

فهاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة حتى لم يبق بمكة من يمكنه الخروج إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه في الطريق كما قدمنا، ثم خرجا على الوجه الذى تقدم بسطه، وتأخر على بن أبى طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأمره ليؤدي ما كان عنده عليه السلام من الودائع، ثم لحقهم بقباء، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قريبا من الزوال وقد اشتد الضحاء. قال الواقدي وغيره: وذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول. وحكاه ابن إسحاق، إلا أنه لم يعرج عليه، ورجح أنه لثنتى عشرة ليلة خلت منه. وهذا هو المشهور الذى عليه الجمهور. وقد كانت مدة إقامته عليه السلام بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة في أصح الاقوال. وهو رواية حماد بن سلمة، عن أبى حمزة الضبى عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة. وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن معمر، عن روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة. وتقدم أن ابن عباس كتب أبيات صرمة بن أبى أنس بن قيس: ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا وقال الواقدي: عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه استشهد بقول صرمة: ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا

[ 291 ]

وهكذا رواه ابن جرير، عن الحارث، عن محمد بن سعد، عن الواقدي، خمس عشرة حجة، وهو قول غريب جدا. وأغرب منه ما قال ابن جرير: حدثت عن روح بن عبادة، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى سنين بمكة، وعشرا بالمدينة. وكان الحسن يقول: عشرا بمكة، وعشرا بالمدينة. وهذا القول الآخر الذى ذهب إليه الحسن البصري من أنه أقام بمكة عشر سنين ذهب إليه أنس بن مالك وعائشة وسعيد بن المسيب وعمرو بن دينار، فيما رواه ابن جرير عنهم. وهو رواية عن ابن عباس رواها أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشرا. وقد قدمنا عن الشعبى أنه قال: قرن إسرافيل برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين يلقى إليه الكلمة والشئ. وفى رواية يسمع حسه ولا يرى شخصه، ثم كان بعد ذلك جبريل. وقد حكى الواقدي عن بعض مشايخه أنه أنكر قول الشعبى هذا. وحاول ابن جرير أن يجمع بين قول من قال: إنه عليه السلام أقام بمكة عشرا، وقول من قال: ثلاث عشرة. بهذا الذى ذكره الشعبى. والله أعلم.

[ 292 ]

فصل ولما حل الركاب النبوى بالمدينة، وكان أول نزوله بها في دار بنى عمرو بن عوف، وهى قباء كما تقدم، فأقام بها أكثر ما قيل، ثنتين وعشرين ليلة. وقيل ثمانى عشرة ليلة. وقيل بضع عشرة ليلة وقال موسى بن عقبة: ثلاث ليال. والاشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه عليه السلام أقام فيهم بقباء من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة. وقد أسس في هذه المدة المختلف في مقدارها، على ما ذكرناه، مسجد قباء. وقد ادعى السهيلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسسه في أول يوم قدم إلى قباء، وحمل على ذلك قوله تعالى " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم " ورد قول من أعربها: من تأسيس أول يوم. وهو مسجد شريف فاضل، نزل فيه قوله تعالى: " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " (1) كما تكلمنا على تقرير ذلك في التفسير. وذكرنا الحديث الذى في صحيح مسلم أنه مسجد المدينة والجواب عنه. وذكرنا الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا حسن بن محمد حدثنا أبو إدريس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة، أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: " إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذى تطهرون به ؟ " قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا، إلا أنه كان


(1) سورة التوبة 108. (*)

[ 293 ]

لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وله شواهد أخر. وروى عن خزيمة بن ثابت ومحمد بن عبدالله بن سلام وابن عباس. وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبى ميمونة، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ". قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه. قلت: ويونس بن الحارث هذا ضعيف. والله أعلم. وممن قال بأنه المسجد الذى أسس على التقوى ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، ورواه على بن أبى طلحة، عن ابن عباس، وحكى عن الشعبى والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير وعطية العوفى، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزوره فيما بعد ويصلى فيه، وكان يأتي قباء كل سبت تارة راكبا وتارة ماشيا. وفى الحديث: " صلاة في مسجد قباء كعمرة ". وقد ورد في حديث أن جبرائيل عليه السلام هو الذى أشار للنبى صلى الله عليه وسلم إلى موضع قبلة مسجد قباء. فكان هذا المسجد أول مسجد بنى في الاسلام بالمدينة، بل أول مسجد جعل لعموم الناس في هذه الملة. واحترزنا بهذا عن المسجد الذى بناه الصديق بمكة عند باب داره يتعبد فيه ويصلى، لان ذاك كان لخاصة نفسه لم يكن للناس عامة، والله أعلم.

[ 294 ]

وقد تقدم إسلام سلمان في البشارات، [ و ] أن سلمان الفارسى لما سمع بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إلى المدينة ذهب إليه وأخذ معه شيئا فوضعه بين يديه وهو بقباء [ و ] قال: هذا صدقة. فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكله، وأمر أصحابه فأكلوا منه، ثم جاء مرة أخرى ومعه شئ فوضعه وقال هذه هدية فأكل منه وأمر أصحابه فأكلوا. تقدم الحديث بطوله ] (1). فصل في إسلام عبدالله بن سلام رضى الله عنه قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن زرارة، عن عبدالله ابن سلام، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل (2) الناس، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شئ سمعته يقول: " أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ". ورواه الترمذي وابن ماجه من طرق، عن عوف الاعرابي، عن زرارة بن أبى أوفى به عنه. وقال الترمذي: صحيح. ومقتضى هذا السياق يقتضى أنه سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ورآه أول قدومه حين أناخ بقباء في بنى عمرو بن عوف. وتقدم في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس، أنه اجتمع به حين أناخ عند دار


(1) سقط من ح. (2) انجفل الناس: انقلعوا فمضوا. (*)

[ 295 ]

أبى أيوب عند ارتحاله من قباء إلى دار بنى النجار كما تقدم، فلعله رآه أول ما رآه بقباء، واجتمع به بعد ما صار إلى دار بنى النجار. والله أعلم. وفى سياق البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم جاء عبدالله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فسلهم عنى قبل أن يعلموا أنى قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أنى قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبى الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فدخلوا عليه، فقال لهم: " يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله، فو الله الذى لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقا وأنى جئتكم بحق فأسلموا " قالوا: ما نعلمه. قالوا: [ ذلك ] للنبى صلى الله عليه وسلم قالها ثلاث مرار. قال: " فأى رجل فيكم عبدالله (1) بن سلام ؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم ؟ قالوا: حاش لله، ما كان ليسلم. قال: " يا بن سلام اخرج عليهم ". فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله، فو الله الذى لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا لفظه. وفى رواية: فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق قالوا شرنا وابن شرنا، وتنقصوه فقال: يا رسول الله هذا الذى كنت أخاف.


(1) ابن هشام: الحصين بن سلام. (*)

[ 296 ]

وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الاصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصنعانى، حدثنا عبدالله بن أبى بكر، حدثنا حميد عن أنس، قال: سمع عبدالله بن سلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في أرض له، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى، ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ وما بال الولد [ ينزع ] إلى أبيه أو إلى أمه. قال: أخبرني بهن جبريل آنفا. قال: جبريل ! قال: نعم. قال: عدو اليهود من الملائكة. ثم قرأ (1): " من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ". قال: " أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق تسوقهم إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت (2)، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد ". فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامى قبل أن تسألهم عنى بهتونى. فجاءت اليهود. فقال: أي رجل عبدالله فيكم ؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم ؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبدالله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. قالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه. قال: هذا الذى كنت أخاف يا رسول الله.


(1) أي الرسول صلوات الله عليه. (2) قال القسطلائى: هي القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد، وهى أهنأ طعام وأمرؤه. (*)

[ 297 ]

ورواه البخاري عن عبد بن حميد (1) عن عبدالله بن أبى بكر به. ورواه عن حامد بن عمر عن بشر بن المفضل عن حميد به. * * * قال محمد بن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر، عن يحيى بن عبدالله، عن رجل من آل عبدالله بن سلام، قال: كان من حديث عبدالله بن سلام حين أسلم وكان حبرا عالما، قال: لما سمعت برسول الله وعرفت صفته واسمه وهيئته و [ زمانه ] الذى كنا نتوكف (2) له، فكنت بقباء مسرا بذلك (3) صامتا عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة. فلما قدم نزل بقباء في بنى عمرو بن عوف، فأقبل (4) رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لى أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة. فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت عمتى حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت. قال: قلت لها: أي عمة، والله هو أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به. قال: فقالت له: يا ابن أخى أهو الذى كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة ؟ قال: قلت لها نعم. قالت: فذاك إذا. قال: فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم رجعت إلى أهل بيتى فأمرتهم فأسلموا، وكتمت إسلامى من اليهود وقلت: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت (5) وإنى أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبني عنهم، ثم تسألهم عنى فيخبروك


(1) الاصل: عبد بن منير وهو خطأ. (2) نتوكف: نترقب وننتظر. وفى الاصل: نتوقف مصحفة. وهو تحريف: وما أثبته عن ابن هشام. (3) ابن هشام: فكنت مسرا لذلك صامتا عليه. (4) ابن هشام: فلما نزل بقباء على بنى عمرو بن عوف أقبل. (5) البهت: جمع بهيت، كقضب وقضيب. والبهيت هو الذى يبهت القول ويختلقه. (*)

[ 298 ]

كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا بإسلامى، فإنهم إن يعلموا بذلك بهتونى وعابوني. وذكر نحو ما تقدم. قال: فأظهرت إسلامى وإسلام أهل بيتى، وأسلمت عمتى خالدة بنت الحارث. وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر، حدثنى محدث عن صفية بنت حيى قالت: لم يكن أحد من ولد أبى وعمى أحب إليهما منى، لم ألقهما في ولد لهما قط أهش إليهما إلا أخذانى دونه، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء، قرية بنى عمرو بن عوف، غدا إليه أبى وعمى أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فو الله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فو الله ما نظر إلى واحد منهما، فسمعت عمى أبا ياسر يقول لابي: أهو هو ؟ قال: نعم والله ! قال: تعرفه بنعته وصفته ؟ قال: نعم والله. قال: فماذا في نفسك منه ؟ قال: عداوته والله ما بقيت ! وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب إليه وسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم أطيعون، فإن الله قد جاءكم بالذى كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه. فانطلق أخوه حيى بن أخطب، وهو يومئذ سيد اليهود، وهما من بنى النضير، فجلس إلى رسول الله وسمع منه، ثم رجع إلى قومه، وكان فيهم مطاعا، فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أم أطعنى في هذا الامر واعصني فيما شئت بعده لا تهلك. قال: لا والله لا أطيعك أبدا، واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه.

[ 299 ]

قلت: أما أبو ياسر واسمه حيى بن أخطب فلا أدرى ما آل إليه أمره، وأما حيى ابن أخطب والد صفية بنت حيى فشرب عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يزل ذلك دأبه لعنه الله حتى قتل صبرا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل مقاتلة بنى قريظة. كما سيأتي إن شاء الله. فصل ولما ارتحل عليه السلام من قباء وهو راكب ناقته القصواء، وذلك يوم الجمعة، أدركه وقت الزوال وهو في دار بنى سالم بن عوف، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك، في واد يقال له وادى رانواناء. فكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين بالمدينة، أو مطلقا، لانه، والله أعلم، لم يكن يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بمواعظة، وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه. ذكر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قال ابن جرير: حدثنى يونس بن عبدالاعلى، أخبرنا ابن وهب، عن سعيد بن عبدالرحمن الجمحى، أنه بلغه عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة في بنى سالم بن عمرو بن عوف رضى الله عنهم: " الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة على

[ 300 ]

فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان: ودنو من الساعة، وقرب من الاجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا. وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله. فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة. ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد. والذى صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك فإنه يقول تعالى: " ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد ". واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنه " من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا " " ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما " وإن تقوى الله توقى مقته، وتوقى عقوبته، وتوقى سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضى الرب، وترفع الدرجة. خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه

[ 301 ]

وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. هكذا أوردها ابن جرير وفى السند إرسال. وقال البيهقى: باب أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثنى المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان والاخنس بن شريق، عن أبى سلمة بن عبدالرحمن بن عوف، قال: كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أن قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال " أما بعد أيها الناس فقدموا لانفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك ؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن أستطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. والسلام على رسول الله (1) ورحمة الله وبركاته ". ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال: " إن الحمد لله أحمده


(1) ابن هشام: والسلام عليكم وعلى رسول الله. (*)

[ 302 ]

وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله [ وحده لا شريك له ] (1)، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الاسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم [ ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسى عنه قلوبكم (1) ] فإنه من [ كل ما يخلق الله ] (1) يختار الله ويصطفى، فقد سماه خيرته من الاعمال وخيرته من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتى الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". وهذه الطريق أيضا مرسلة، إلا أنها مقوية لما قبلها، وإن اختلفت الالفاظ. فصل في بناء مسجده الشريف في مدة مقامه عليه السلام بدار أبى أيوب رضى الله عنه وقد اختلف في مدة مقامه بها، فقال الواقدي: سبعة أشهر، وقال غيره أقل من شهر. والله أعلم. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، قال سمعت أبى يحدث فقال حدثنا أبوالتياح يزيد بن حميد الضبى، حدثنا أنس بن مالك، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل في علو المدينة في حى يقال لهم بنو عمرو بن


(1) من ابن هشام. (*)

[ 303 ]

عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملا بنى النجار فجاءوا متقلدى سيوفهم قال: وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه، وملا بنى النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبى أيوب. قال: فكان يصلى حيث أدركته الصلاة، ويصلى في مرابض الغنم. قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملا بنى النجار فجاءوا فقال: يا بنى النجار ثامنونى بحائطكم هذا. فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عزوجل. قال: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب (1)، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. قال: فصفوا النحل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وثم يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم يقول: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فانصر الانصار والمهاجرة. وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم من حديث أبى عبد الصمد وعبد الوارث ابن سعيد. وقد تقدم في صحيح البخاري عن الزهري، عن عروة، أن المسجد الذى كان مربدا - وهو بيدر التمر - ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة وهما سهل وسهيل، فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. فأبى حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا. قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو ينقل معهم التراب:


(1) الخرب: جمع خربة ككلمة وكلم. (*)

[ 304 ]

هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر ويقول: لا هم إن الاجر أجر الآخره * فارحم الانصار والمهاجره. وذكر موسى بن عقبة أن أسعد بن زرارة عوضهما منه نخلا له في بياضة قال: وقيل ابتاعه منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: وذكر محمد بن إسحاق أن المربد كان لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو. فالله أعلم. * * * وروى البيهقى من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا، حدثنا الحسن بن حماد الضبى، حدثنا عبدالرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، فقال: ابنوه عريشا كعريش موسى. فقلت للحسن: ما عريش موسى ؟ قال: إذا رفع يديه بلغ العريش، يعنى السقف. وهذا مرسل وروى من حديث حماد بن سلمة، عن أبى سنان، عن يعلى بن شداد بن أوس، عن عبادة، أن الانصار جمعوا مالا فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلى تحت هذا الجريد ؟ فقال: ما بى رغبة عن أخى موسى، عريش كعريش موسى. وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عبدالله بن موسى، عن سنان، عن فراس، عن عطية العوفى، عن ابن عمر، أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كانت

[ 305 ]

سواريه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جذوع النخل، أعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها تخربت في خلافة أبى بكر، فبناها بجذوع وبجريد النخل، ثم إنها تخربت في خلافة عثمان فبناها بالآجر، فما زالت ثابتة حتى الآن. وهذا غريب. وقد قال أبو داود أيضا: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنى يعقوب بن إبراهيم، حدثنى أبى، عن أبى صالح، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النحل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا، وغيره عثمان رضى الله عنه وزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة (1) وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج (2). وهكذا رواه البخاري عن على بن المدينى، عن يعقوب بن إبراهيم به. قلت: زاده عثمان بن عفان رضى الله عنه متأولا قوله صلى الله عليه وسلم: " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ". ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد، فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشد الرحال إليه. وقد زيد في زمان الوليد بن عبدالملك بانى جامع دمشق، زاده له بأمره عمر بن


(1) القصة: الجص. (2) في ا: بالسلاح وهو تصحيف. والساج: اسم لنوع من الشجر. (*) (20 - السيرة 2)

[ 306 ]

عبد العزيز حين كان نائبه على المدينة، وأدخل الحجرة النبوية فيه. ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم. * * * قال ابن إسحاق: ونزل رسول الله على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والانصار ودأبوا فيه، فقال قائل من المسلمين: لئن قعدنا والنبى يعمل * لذاك منا العمل المضلل وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون: لا عيش إلا عيش الآخره * اللهم ارحم الانصار والمهاجره فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والانصار ". قال: فدخل عمار بن ياسر، وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله قتلوني يحملون على ما لا يحملون. قالت: أم سلمة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، وهو يقول: " ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية ". وهذا منقطع من هذا الوجه، بل هو معضل بين محمد بن إسحاق وبين أم سلمة، وقد وصله مسلم في صحيحه من حديث شعبة، عن خالد الحذاء، عن سعيد والحسن، يعنى ابني أبى الحسن البصري، عن أمهما خيرة مولاة أم سلمة، عن أم سلمة قالت:

[ 307 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تقتل عمارا الفئة الباغية " ورواه من حديث ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار، وهو ينقل الحجارة: " ويح لك يا ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية ". وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الحسن يحدث عن أمه، عن أم سلمة، قالت: لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد، جعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحمل كل واحد لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ظهره وقال: " ابن سمية، للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن وتقتلك الفئة الباغية ". وهذا إسناد على شرط الصحيحين. وقد أورد البيهقى وغيره من طريق جماعة، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين. فرآه النبي صلى الله عليه سلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول: " ويح عمار ! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. لكن روى هذا الحديث الامام البخاري عن مسدد، عن عبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذاء، وعن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهاب الثقفى، عن خالد الحذاء به، إلا أنه لم يذكر قوله: " تقتلك الفئة الباغية ". قال البيهقى: وكأنه إنما تركها لما رواه مسلم من طريق، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد [ قال: أخبرني من هو خير منى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: " بؤس ابن سمية ! تقتله فئة باغية ".

[ 308 ]

وقد رواه مسلم أيضا من حديث شعبة، عن أبى مسلم، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد (1) ] قال: حدثنى من هو خير منى، أبو قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار بن ياسر " بؤسا لك يا بن سمية تقتلك الفئة الباغية ". وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا وهيب، عن داود بن أبى هند، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حفر الخندق كان الناس يحملون لبنة لبنة، وعمار ناقه من وجع كان به، فجعل يحمل لبنتين لبنتين. قال أبو سعيد: فحدثني بعض أصحابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفض التراب عن رأسه ويقول: " ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية ". قال البيهقى: فقد فرق بين ما سمعه بنفسه وما سمعه من أصحابه. قال: ويشبه أن يكون قوله: " الخندق " وهما، أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفى حفر الخندق. والله أعلم. قلت: حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل. والله أعلم. وهذا الحديث من دلائل النبوة، حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية. وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين، وعمار مع على وأهل العراق. وقد كان على أحق بالامر من معاوية، ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم، كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم، لانهم وإن كانوا بغاة في نفس الامر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيبا، بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر.


(1) سقط من ا. (*)

[ 309 ]

ومن زاد في هذا الحديث بعد: " تقتلك الفئة الباغية ": " لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة " فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم. وأما قوله: " يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الالفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالامر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدى إلى افتراق الكلمة واختلاف الامة، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه. والله أعلم. والمقصود ها هنا إنما هو قصة بناء المسجد النبوى، على بانيه أفضل الصلاة والتسليم. * * * وقد قال الحافظ البيهقى في الدلائل: حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا عبيد بن شريك، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء ولاة الامر بعدى ". ثم رواه من حديث يحيى بن عبدالحميد الحمانى، عن حشرج عن سعيد، عن سفينة. قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وضع حجرا. ثم قال " ليضع أبو بكر حجرا إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبى بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء الخلفاء من بعدى ".

[ 310 ]

وهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا. والمعروف ما رواه الامام أحمد، عن أبى النضر، عن حشرج بن نباتة العبسى، وعن بهز وزيد بن الحباب وعبد الصمد وحماد بن سلمة، كلاهما عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال سمعت رسول الله يقول: " الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك " ثم قال سفينة: أمسك، خلافة أبى بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة، وخلافة على ست سنين. هذا لفظ أحمد. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق، عن سعيد بن جمهان، وقال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه " الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا " وذكر بقيته. * * * قلت: ولم يكن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بنى منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وهو مستند إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلى، فلما اتخذ له عليه السلام المنبر، كما سيأتي بيانه في موضعه، وعدل إليه ليخطب عليه، فلما جاوز ذلك الجذع خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العشار، لما كان يسمع من خطب الرسول عليه السلام عنده، فرجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه حتى سكن كما يسكن المولود الذى يسكت، كما سيأتي تفصيل ذلك من طرق عن سهل بن سعد الساعدي وجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأم سلمة رضى الله عنهم. وما أحسن ما قال الحسن البصري بعد ما روى هذا الحديث، عن أنس بن مالك: يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه، أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه ؟ !

[ 311 ]

تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف والمحل المنيف قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أنيس بن أبى يحيى، حدثنى أبى، قال: سمعت أبا سعيد الخدرى قال: اختلف رجلان، رجل من بنى خدرة ورجل من بنى عمرو بن عوف، في المسجد الذى أسس على التقوى، فقال الخدرى: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال العمرى: هو مسجد قباء. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال: " هو هذا المسجد " لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: " في ذلك خير كثير " يعنى مسجد قباء. ورواه الترمذي عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبى يحيى الاسلمي به وقال: حسن صحيح. وروى الامام أحمد، عن إسحاق بن عيسى، عن الليث بن سعد والترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن الليث عن عمران بن أبى أنس، عن عبدالرحمن بن أبى سعيد، عن أبيه، قال: تمارى رجلان في المسجد الذى أسس على التقوى، وذكر نحو ما تقدم. وفى صحيح مسلم من حديث حميد الخراط، عن أبى سلمة بن عبدالرحمن أنه سأل عبدالرحمن ابن أبى سعيد، كيف سمعت أباك في المسجد الذى أسس على التقوى ؟ قال أبى: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن المسجد الذى أسس على التقوى فأخذ كفا من حصباء فضرب به الارض ثم قال: " هو مسجدكم هذا ". وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التميمي، عن عمران بن أبى أنس، عن سهل بن سعد، قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذى أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال: " هو مسجدي هذا ".

[ 312 ]

وقال الامام أحمد حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبدالله بن عامر الاسلمي، عن عمر لن بن أبى أنس، عن سهل بن سعد، عن أبى بن كعب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المسجد الذى أسس على التقوى مسجدي هذا ". فهذه طرق متعددة لعلها تقرب من إفادة القطع بأنه مسجد الرسول الله صلى الله عليه وسلم. وإلى هذا ذهب عمر، وابنه عبدالله، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير. وقال آخرون: لا منافاة بين نزول الآية في مسجد قباء كما تقدم بيانه، وبين هذه الاحاديث، لان هذا المسجد أولى بهذه الصفة من ذلك، لان هذا أحد المساجد الثلاثة التى تشد الرحال إليها، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس ". وفى صحيح مسلم عن أبى سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " وذكرها. وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ". وفى مسند أحمد بإسناد حسن زياد حسنة وهى قوله " فإن ذلك أفضل ". وفى الصحيحين من حديث يحيى القطان، عن حبيب، عن حفص بن عاصم، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة، ومنبرى على حوضى ".

[ 313 ]

والاحاديث في فضائل هذا المسجد الشريف كثيرة جدا وسنوردها في كتاب المناسك من كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وقد ذهب الامام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام، لان ذاك بناه إبراهيم، وهذا بناه محمدا صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم عليه السلام. وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك، وقرروا أن المسجد الحرام أفضل، لانه في بلد حرمه الله يوم خلق السموات والارض، وحرمه إبراهيم الخليل عليه السلام، ومحمد خاتم المرسلين، فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره، وبسط هذه المسألة موضع آخر وبالله المستعان. فصل وبنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حول مسجده الشريف حجرا لتكون مساكن له ولاهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء قال الحسن بن أبى الحسن البصري، وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة، لقد كنت أنال أطول سقف في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم بيدى. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلا ضخما طوالا. رحمه الله. وقال السهيلي في الروض: كانت مساكنه عليه السلام مبنية من جريد عليه طين، بعضها من حجارة مرضومة، وسقوفها كلها من جريد. وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم. وكانت حجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر.

[ 314 ]

قال: وفى تاريخ البخاري أن بابه عليه السلام كان يقرع بالاظافير، فدل على أنه لم يكن لابوابه حلق. قال: وقد أضيفت الحجر كلها بعد موت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد. * * * قال الواقدي وابن جرير وغيرهما: ولما رجع عبدالله بن أريقط الديلى إلى مكة بعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتوا بأهاليهم من مكة، وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلا من قديد، فذهبوا فجاءوا ببنتى النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وأم كلثوم وزوجتيه سودة وعائشة، وأمها أم رومان، وأهل النبي صلى الله عليه وسلم وآل أبى بكر صحبة عبدالله بن أبى بكر، وقد شرد بعائشة وأمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق، فجعلت أم رومان تقول: وا عروساه، وا بنتاه. قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه، فأرسلت خطامه فوقف بإذن الله وسلمنا الله عزوجل. فتقدموا فنزلوا بالسنح، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي. وقدمت معهم أسماء بنت أبى بكر امرأة الزبير بن العوام وهى حامل متم بعبد الله بن الزبير كما سيأتي بيانه في موضعه من آخر هذه السنة.

[ 315 ]

فصل فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة رضى الله عنهم أجمعين وقد سلم الرسول منها بحول الله وقوته ودعا ربه فأزاحها الله عن مدينته قال البخاري: حدثنا عبدالله بن وهب بن يوسف، حدثنا مالك بن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك ؟ ويا بلال كيف تجدك ؟ قالت وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة * بواد وحولي إذخر وجليل (1) وهل أردن يوما مياه مجنة * وهل يبدون لى شامة وطفيل قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة (2) ". ورواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن هشام مختصرا. وفى رواية البخاري له عن أبى أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، فذكره وزاد بعد شعر بلال. ثم يقول: اللهم العن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء.


(1) الاذخر: الحشيش الاخضر، أو حشيش طيب الرائحة. والجليل: نبت ضعيف. (2) الجحفة: قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلا من مكة. وكان بها حينئذ يهود. (*)

[ 316 ]

فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم بارك لنا في صاعها وفى مدها، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة ". قالت: وقدمنا المدينة وهى أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجرى نجلا، يعنى ماء آجنا. وقال زياد عن محمد بن إسحاق: حدثنى هشام بن عروة وعمر بن عبدالله بن عروة ابن الزبير، عن عائشة قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهى أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبى بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أدعوهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، فدنوت من أبى بكر فقلت: كيف تجدك يا أبت ؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله قالت: فقلت: والله ما يدرى أبى ما يقول. قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر ؟ قال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه * إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهد بطوقه * كالثور يحمى جلده بروقه قال: فقلت: والله ما يدرى ما يقول، قالت: وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة * بفخ وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة * وهل يبدون لى شامة وطفيل

[ 317 ]

قالت عائشة: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم وقلت: إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة، كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة " ومهيعة هي الجحفة. وقال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى بكر بن إسحاق بن يسار، عن عبدالله بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتكى أبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر وبلال، فاستأذنت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم فأذن لها، فقالت لابي بكر: كيف تجدك ؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله وسألت عامرا فقال: إنى وجدت الموت قبل ذوقه * إن الجبان حتفه من فوقه وسألت بلالا فقال: يا ليت شعرى هل أبيتن ليلة * بفخ وحولي إذخر وجليل فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فنظر إلى السماء وقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعها وفى مدها، وانقل وباءها إلى مهيعة " وهى الجحفة فيما زعموا. وكذا رواه النسائي عن قتيبة، عن الليث به. ورواه الامام أحمد، من طريق عبدالرحمن ابن الحارث عنها، مثله. وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو، قالا: حدثنا

[ 318 ]

أبو العباس الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهى أوبأ أرض الله، وواديها بطحان نجل. قال هشام: وكان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان إذا كان الوادي وبيئا فأشرف عليها الانسان قيل له أن ينهق نهيق الحمار، فإذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي. وقد قال الشاعر حين أشرف على المدينة: لعمري لئن عبرت من خيفة الردى * نهيق الحمار إننى لجزوع وروى البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة، وهى الجحفة. فأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهى الجحفة ". هذا لفظ البخاري ولم يخرجه مسلم ورواه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه من حديث موسى بن عقبة. وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهى وبيئة، فذكر الحديث بطوله إلى قوله: " وانقل حماها إلى الجحفة ". قال هشام: فكان المولود يولد بالجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى. ورواه اليهقى في دلائل النبوة. وقال يونس عن ابن إسحاق: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهى وبيئة، فأصاب أصحابه بها بلاء وسقم حتى أجهدهم ذلك، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 319 ]

وأصحابه صبيحة رابعة، يعنى مكة، عام عمرة القضاء، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الاشواط كلها إلا الابقاء عليهم. قلت: وعمرة القضاء كانت في سنة سبع في ذى القعدة، فإما أن يكون تأخر دعاؤه عليه السلام بنقل الوباء إلى قريب من ذلك، أو أنه رفع وبقى آثار منه قليل، أو أنهم بقوا في خمار ما كان أصابهم من ذلك إلى تلك المدة. والله أعلم. وقال زياد عن ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة حتى جهدو مرضا، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كانوا وما يصلون إلا وهم قعود. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك فقال لهم: " اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم " فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم، التماس الفضل ! فصل في عقده عليه السلام الالفة بين المهاجرين والانصار بالكتاب الذى أمر به فكتب بينهم والمؤاخاة التى أمرهم بها وقررهم عليها، وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة وكان بها من أحياء اليهود بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وكان نزولهم بالحجاز قبل الانصار أيام بختنصر حين دوخ بلاد المقدس. فيما ذكره الطبري.

[ 320 ]

ثم لما كان سيل العرم وتفرقت شذر مذر، نزل الاوس والخزرج المدينة عند اليهود، فحالفوهم وصاروا يتشبهون بهم لما يرون لهم عليهم من الفضل في العلم المأثور عن الانبياء. لكن من الله على هؤلاء الذين كانوا مشركين بالهدى والاسلام، وخذل أولئك لحسدهم وبغيهم واستكبارهم عن اتباع الحق. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عاصم الاحول، عن أنس بن مالك، قال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار في دار أنس بن مالك. وقد رواه الامام أحمد أيضا والبخاري ومسلم وأبو داود من طرق متعددة، عن عاصم بن سليمان الاحول، عن أنس بن مالك، قال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والانصار في دارى. وقال الامام أحمد: حدثنا نصر بن باب، عن حجاج، هو ابن أرطاة، قال: وحدثنا سريج، حدثنا عباد، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والانصار أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف والاصلاح بين المسلمين. قال أحمد: وحدثنا سريج، حدثنا عباد، عن حجاج، عن الحكم، عن قاسم، عن ابن عباس مثله. تفرد به الامام أحمد. وفى صحيح مسلم عن جابر: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقولة. وقال محمد بن إسحاق: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والانصار وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط

[ 321 ]

لهم: بسم الله الرحمن الرحيم " هذا كتاب من محمد النبي الامي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم (1) يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسظ، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ثم ذكر كل بطن من بطون الانصار وأهل كل دار: بنى ساعدة، وبنى جشم، وبنى النجار، وبنى عمرو بن عوف، وبنى النبيت. إلى أن قال: وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (2) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء [ أ ] وعقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (3) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعهم، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضعم موالى بعض دون الناس. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. وإن المؤمنين يبئ (4) بعضهم بعضا بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين


(1) ربعتهم: حالحم التى أتى الاسلام وهم عليها. (2) قال ابن هشام: المفرح المثقل بالدين والكثير العيال. قال الشاعر: إذا أنت لم تبرح تؤدى أمانة * وتحمل أخرى أفرحتك الودائع (3) الدسيعة: العظيمة. وفى الاصل. دسيسة. وهو تحريف. (4) يبئ: يمنع. (*) (21 - السيرة - 2)

[ 322 ]

المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلى أن يرضى ولى المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شئ فإن مرده إلى الله عزوجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (1) إلا نفسه وأهل بيته. وإن ليهود بنى النجار وبنى الحارث وبنى ساعدة وبنى جشم وبنى الاوس وبنى ثعلبة وجفنة وبنى الشطيبة (2) مثل ما ليهود بنى عوف، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، ولا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه [ فتك وأهل بيته ] (3) إلا من ظلم، وإن الله على أبر (4) هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن يثرب حرام جوفها (5) لاهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى


(1) يوتغ: يهلك (2) الاصل: الشطنة وهو تحريف، وما أثبته عن ابن هشام. (3) من ابن هشام (4) الاصل: أثر. وهو تحريف. (5) الاصل: حرفها. وما أثبته عن ابن هشام (*)

[ 323 ]

الله وإلى محمد رسول الله، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم. وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى ". كذا أورده ابن إسحاق بنحوه. وقد تكلم عليه أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتاب الغريب وغيره بما يطول.

[ 324 ]

فصل في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار ليرتفق المهاجرى بالانصارى كما قال تعالى: " والذين تبوأوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " (1) وقال تعالى: " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا " (2). قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس " ولكل جعلنا موالى " قال: ورثة " والذين عاقدت أيمانكم " كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجرى الانصار دون ذوى رحمه للاخوة التى آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت " ولكل جعلنا موالى " نسخت ثم قال: " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " من (3) النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. وقال الامام أحمد: قرئ على سفيان: سعمت عاصما عن أنس قال: حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاحرين والانصار في دارنا. قال سفيان: كأنه يقول آخى. * * * وقال محمد بن إسحاق: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والانصار، فقال: - فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - " تأخوا في الله أخوين أخوين ".


(1) سورة الحشر 9. (2) سورة النساء 33 والقراء. (3) البخاري: إلا النصر. (*)

[ 325 ]

ثم أخذ بيد على بن أبى طالب فقال: " هذا أخى ". فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن أبى طالب أخوين. وكان حمزة بن عبدالمطلب أسد الله وأسد رسوله وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد، وجعفر بن أبى طالب ذو الجناحين ومعاذ بن جبل أخوين. قال ابن هشام: كان جعفر يومئذ غائبا بأرض الحبشة. قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر وخارجة بن زيد الخزرجي أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين، وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن الربيع أخوين، والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش أخوين، ويقال: بل كان الزبير وعبد الله بن مسعود أخوين، وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر النجارى أخوين، وطلحة [ بن عبيد الله ] وكعب بن مالك أخوين، وسعيد بن زيد وأبى بن كعب أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب أخوين، وأبو حذيفة ابن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وعمار وحذيفة بن اليمان العبسى حليف عبد الاشهل أخوين. ويقال: بل كان عمار وثابت بن قيس بن شماس أخوين. قلت: وهذا السند من وجهين. قال: وأبو ذر برير بن جنادة، والمنذر بن عمرو المعنق ليموت (1) أخوين، وحاطب بن أبى بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين، وسلمان وأبو الدرداء أخوين، وبلال وأبو رويحة عبدالله بن عبدالرحمن الخثعمي ثم أحد الفزع (2) أخوين.


(1) هو المنذر بن عمرو بن خنيس، قتل يوم بئر معونة أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقال له: أعنق ليموت، أي سار مسرعا. (2) ويروى القزع بالقاف. (*)

[ 326 ]

قال: فهؤلاء من سمى لنا ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم من أصحابه. رضى الله عنهم. * * * قلت: وفى بعض ما ذكره نظر. أما مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى، فإن من العلماء من ينكر ذلك ويمنع صحته، ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخاة إنما شرعت لاجل ارتفاق بعضهم من بعض وليتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لاحد منهم، ولا مهاجري لمهاجري آخر، كما ذكره من مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة. اللهم إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مصلحة على إلى غيره، فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صغره في حياة أبيه أبى طالب، كما تقدم عن مجاهد وغيره. وكذلك يكون حمزة قد التزم بمصالح مولاهم زيد بن حارثة فآخاه بهذا الاعتبار. والله أعلم. وهكذا ذكره لمؤاخاة جعفر ومعاذ بن جبل فيه نظر، كما أشار إليه عبدالملك بن هشام، فإن جعفر بن أبى طالب إنما قدم في فتح خيبر في أول سنة سبع كما سيأتي بيانه، فكيف يؤاخى بينه وبين معاذ بن جبل أول مقدمه عليه السلام إلى المدينة ؟ اللهم إلا أن يقال إنه أرصد لاخوته إذا قدم حين يقدم. وقوله: " وكان أبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين " يخالف ما رواه الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أبى عبيدة بن الجراح وبين أبى طلحة. وكذا وراه مسلم منفردا به، عن حجاج بن الشاعر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به.

[ 327 ]

وهذا أصح مما ذكره ابن إسحاق من مؤاخاة أبى عبيدة وسعد بن معاذ. والله أعلم. * * * وقال البخاري: باب كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه. وقال عبدالرحمن بن عوف: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينى وبين سعد بن الربيع لما قدمنا المدينة. وقال أبو جحيفة: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان الفارسى وأبى الدرداء رضى الله عنهما. حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن حميد، عن أنس، قال: قدم عبدالرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الانصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلنى على السوق. فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مهيم يا عبدالرحمن ؟ قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الانصار. قال: " فما سقت فيها ؟ " قال: وزن نواة من ذهب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أولم ولو بشاة ". تفرد به من هذا الوجه. وقد رواه أيضا في مواضع أخر، ومسلم من طرق عن حميد به. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت وحميد، عن أنس، أن عبدالرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد ابن الربيع الانصاري، فقال له سعد: أي أخى، أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالى فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها.

[ 328 ]

فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه فذهب فاشترى وباع فربح فجاء بشئ من أقط وسمن. ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ودع زعفران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مهيم ؟ " فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، قال: " ما أصدقتها ؟ " قال: وزن نواة من ذهب، قال " أولم ولو بشاة ". قال عبدالرحمن: فلقد رأيتنى ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا وفضة. وتعليق البخاري هذا الحديث عن عبدالرحمن بن عوف غريب، فإنه لا يعرف مسندا إلا عن أنس، اللهم إلا أن يكون أنس تلقاه عنه. فالله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا حميد، عن أنس، قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالاجر كله. قال: " لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم ". هذا حديث ثلاثى الاسناد على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه، وهو ثابت في الصحيح من [ غيره ]. وقال البخاري: أخبرنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، قال: قالت الانصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. قالوا: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا. تفرد به. وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للانصار " إن إخوانكم قد تركوا الاموال والاولاد وخرجوا إليكم " فقالوا: أموالنا بيننا

[ 329 ]

قطائع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أو غير ذلك ؟ " قالوا وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: " هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم. الثمر ". قالوا نعم. وقد ذكرنا ما ورد من الاحاديث والآثار في فضائل الانصار وحسن سجاياهم عند قوله تعالى: " والذين تبوأوا الدار والايمان من قبلهم " الآية. فصل في موت أبى أمامة أسعد بن زرارة ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، أحد النقباء الاثنى عشر ليلة العقبة على قومه بنى النجار، وقد شهد العقبات الثلاث، وكان أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية في قول، وكان شابا، وهو أول من جمع بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم النبيت. كما تقدم قال محمد بن إسحاق: وهلك في تلك الاشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة والمسجد يبنى، أخذته الذبحة أو الشهقة. وقال ابن جرير في التاريخ: أخبرنا محمد بن عبدالاعلى، حدثنا يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة في الشوكة. رجاله ثقات. قال ابن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه

[ 330 ]

وسلم: " بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب، يقولون: لو كان نبيا لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا "، وهذا يقتضى أنه أول من مات بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم. وقد زعم أبو الحسن بن الاثير في الغابة أنه مات في شوال بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أشهر. فالله أعلم. وذكر محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن بنى النجار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم لهم نقيبا بعد أبى أمامة أسعد بن زرارة فقال: " أنتم أخوالى وأنا بما فيكم وأنا نقيبكم " وكره أن يخص يها بعضهم دون بعض، فكان من فضل بنى النجار الذى يعتدون به على قومهم أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبهم. قال ابن الاثير: وهذا يرد قول أبى نعيم وابن منده في قولهما: إن أسعد بن زرارة كان نقيبا على بنى ساعدة، إنما كان على بنى النجار. وصدق ابن الاثير فيما قال. وقد قال أبو جعفر بن جرير في التاريخ: كان أول من توفى بعد مقدمه عليه الصلاة السلام المدينة من المسلمين، فيما ذكر، صاحب منزله كلثوم بن الهدم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات، ثم توفى بعده أسعد بن زرارة وكانت وفاته في سنة مقدمه قبل أن يفرغ بناء المسجد، بالذبحة أو الشهقة. قلت: وكلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف، بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، الانصاري الاوسي، وهو من بنى عمرو بن عوف وكان شيخا كبيرا أسلم قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل بقباء نزل في منزل هذا في الليل،

[ 331 ]

وكان يتحدث بالنهار مع أصحابه في منزل سعد بن الربيع رضى الله عنهما إلى أن ارتحل إلى دار بنى النجار كما تقدم. قال ابن الاثير: وقد قيل إنه أول من مات من المسلمين بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعده أسعد بن زرارة. ذكره الطبري. فصل في ميلاد عبدالله بن الزبير في شوال سنة الهجرة فكان أول مولود ولد في الاسلام من المهاجرين، كما أن النعمان بن بشير أول مولود ولد للانصار بعد الهجرة رضى الله عنهما. وقد زعم بعضهم أن ابن الزبير ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا. قاله أبو الأسود. ورواه الواقدي عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبى حثمة عن أبيه، عن جده. وزعموا أن النعمان ولد قبل الزبير بستة أشهر على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة. والصحيح ما قدمنا. فقال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء، أنها حملت بعبد الله بن الزبير، قالت: فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شئ دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حنكه بتمرة، ثم دعا له وبرك عليه. فكان أول مولود ولد في الاسلام. تابعه خالد بن مخلد، عن على ابن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء أنها هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهى حبلى.

[ 332 ]

حدثنا قتيبة، عن أبى أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أول مولود ولد في الاسلام عبدالله بن الزبير، أتوا به النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم تمرة فلاكها ثم أدخلها في فيه، فأول ما دخل بطنه ريق النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا حجة على الواقدي وغيره، لانه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مع عبدالله بن أريقط لما رجع إلى مكة زيد بن حارثة وأبا رافع ليأتوا بعياله وعيال أبى بكر، فقدموا بهم إثر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء حامل متم، أي مقرب قد دنا وضعها لولدها، فلما ولدته كبر المسلمون تكبيرة عظيمة فرحا بمولده، لانه كان قد بلغهم عن اليهود أنهم سحروهم حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد، فأكذب الله اليهود فيما زعموا. فصل وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة في شوال من هذه السنة قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبدالله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بى في شوال، فأى نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده منى ؟ وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال. ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري.

[ 333 ]

فعلى هذا يكون دخوله بها عليه السلام بعد الهجرة بسبعة أشهر، أو ثمانية أشهر. وقد حكى القولين ابن جرير، وقد تقدم في تزويجه عليه السلام بسودة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة بعد ما قدموا المدينة، وأن دخوله بها كان بالسنح نهارا. وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم، وفى دخوله عليه السلام بها في شوال رد لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشئ لما قالته عائشة رادة على من توهمه من الناس في ذلك الوقت: تزوجني في شوال، وبنى بى في شوال، أي دخل بى في شوال، فأى نسائه كان أحظى عنده منى ؟ فدل هذا على أنها فهمت منه عليه السلام أنها أحب نسائه إليه، وهذا الفهم منها صحيح لما دل على ذلك من الدلائل الواضحة، ولو لم يكن إلا الحديث الثابت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص: قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟ قال: " عائشة " قلت: من الرجال ؟ قال: " أبوها ". فصل قال ابن جرير: وفى هذه السنة، يعنى السنة الاولى من الهجرة، زيد في صلاة الحضر، فيما قيل، ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر من ربيع الآخر لمضى ثنتى عشرة ليلة مضت. وقال: وزعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه. قلت: قد تقدم الحديث الذى رواه البخاري من طريق معمر عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. وروى من طريق الشعبى عن مسروق عنها.

[ 334 ]

وقد حكى البيهقى عن الحسن البصري، أن صلاة الحضر أول ما فرضت فرضت أربعا. والله أعلم. وقد تكلمنا على ذلك في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة (1) " الآية. فصل في الاذان ومشروعيته عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية قال ابن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الانصار، استحكم أمر الاسلام، فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوأ الاسلام بين أظهرهم. وكان هذا الحى من الانصار هم الذين تبوأوا الدار والايمان. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل بوقا كبوق يهود الدى يدعون به لصلاتهم. ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة. فبينما هم على ذلك رأى عبدالله بن زيد بن ثعلية بن عبد ربه أخو بلحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه طاف بى هذه الليلة طائف، مر بى رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت:


(1) سورة النساء 101. (*)

[ 335 ]

يا عبدالله أتبيع هذا الناقوس ؟ فقال: وما تصنع به ؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: ألا أدلك على خير من ذلك ؟ قلت: وما هو ؟ قال: تقول، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حى على الصلاة حى على الصلاة، حى على الفلاح حى على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك ". فلما أذن بها بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه وهو يقول: يا نبى الله والذى بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذى رأى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد. قال ابن إسحاق: فحدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبدالله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، عن أبيه. وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق عن محمد بن إسحاق به، وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما. وعند أبى داود أنه علمه الاقامة، قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حى على الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. وقد روى ابن ماجه هذا الحديث عن أبى عبيد محمد بن عبيد بن ميمون عن محمد بن سلمة الحرانى عن ابن إسحاق كما تقدم.

[ 336 ]

ثم قال: قال أبو عبيد: وأخبرني أبو بكر الحكمى أن عبدالله بن زيد الانصاري قال في ذلك: الحمد لله ذى الجلال وذى الاكرام حمدا على الاذان كبيرا إذ أتانى به البشير من الله فأكرم بن لدى بشيرا في ليال والى بهن ثلاث * كلما جاء زادني توقيرا قلت: وهذا الشعر غريب، وهو يقتضى أنه رأى ذلك ثلاث ليال حتى أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله أعلم. ورواه الامام أحمد، من حديث محمد بن إسحاق قال: وذكر الزهري عن سعيد ابن المسيب عن عبدالله بن زيد به نحو رواية ابن إسحاق. عن محمد بن إبراهيم التيمى ولم يذكر الشعر. وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن خالد بن عبدالله الواسطي، حدثنا أبى عن عبدالرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الناس لما يهمهم من الصلاة، فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى. فأرى النداء تلك الليلة رجل من الانصار يقال له: عبدالله بن زيد وعمر بن الخطاب، فطرق الانصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن به. قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: " الصلاة خير من النوم " مرتين، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله رأيت مثل الذى رأى ولكنه سبقني. وسيأتى تحرير هذا الفصل في باب الاذان من كتاب الاحكام الكبير. إن شاء الله تعالى وبه الثقة.

[ 337 ]

فأما الحديث الذى أورده السهيلي بسنده من طريق البزار، حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد، حدثنا أبى، عن زياد بن المنذر، عن محمد بن على بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن على بن أبى طالب، فذكر حديث الاسراء وفيه: فخرج ملك من وراء الحجاب فأذن بهذا الاذان، وكلما قال كلمة صدقه الله تعالى، ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه، فأم بأهل السماء وفيهم آدم ونوح. ثم قال السهيلي: وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده ويشاكله من حديث الاسراء. فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح، بل هو منكر، تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذى تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين. ثم لو كان هذا قد سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء لاوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة. والله أعلم. * * * قال ابن هشام: وذكر ابن جريج قال: قال لى عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه [ بالناقوس ] للاجتماع للصلاة، فبينا عمر ابن الخطاب يريد أن يشترى خشبتين للناقوس إذ رأى عمر في المنام: لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا للصلاة. فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بما رأى، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحى بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك: " قد سبقك بذلك الوحى ". وهذا يدل على أنه قد جاء الوحى بتقرير ما رآه عبدالله بن زيد بن عبد ربه، كما صرح به بعضهم، والله تعالى أعلم. (22 - السيرة 2)

[ 338 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن امرأه من بنى النجار، قالت: كان بيتى من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يوذن عليه للفجر كل غداة، فيأتى بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة. يعنى هذه الكلمات. ورواه أبو داود من حديثه منفردا به. فصل في سرية حمزة بن عبدالمطلب رضى الله عنه قال ابن جرير: وزعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة في شهر رمضان، على رأس سبعة أشهر من مهاجره، لحمزة بن عبدالمطلب لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين، ليعترض لعيرات قريش، وأن حمزة لقى أبا جهل في ثلاثمائة رجل من قريش، فحجز بينهم مجدي بن عمرو، ولم يكن بينهم قتال. قال: وكان الذى يحمل لواء حمزة أبو مرثد الغنوى. فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب قال ابن جرير: وزعم الواقدي أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة على رأس ثمانية أشهر في شوال لعبيدة بن الحارث لواء أبيض، وأمره بالمسير إلى بطن رابغ.

[ 339 ]

وكان لواؤه مع مسطح بن أثاثة، فبلغ ثنية المرة وهى بناحية الجحفة، في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصارى، وأنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له أحياء، وكان بينهم الرمى دون المسايفة (1). قال الواقدي: وكان المشركون مائتين عليهم أبو سفيان صخر بن حرب وهو المثبت وعندنا، وقيل كان عليهم مكرز بن حفص. فصل قال الواقدي: وفيها، يعنى في السنة الاولى في ذى القعدة، عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبى وقاص إلى الخرار لواء أبيض يحمله المقداد ابن الاسود. فحدثني ابو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد، [ عن أبيه ] قال: خرجت في عشرين رجلا على أقدامنا، أو قال: أحد وعشرين رجلا، فكنا نكمن النهار ونسير الليل، حتى صبحنا الخرار صبح خامسة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى ألا أجاوز الخرار، وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم. قال الواقدي: كانت العير ستين، وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين. قال أبو جعفر بن جرير: وعند ابن إسحاق أن هذه السرايا الثلاث التى ذكرها الواقدي كلها في السنة الثانية من الهجرة من وقت التاريخ. قلت: كلام ابن إسحاق ليس بصريح فيما قاله أبو جعفر لمن تأمله، كما سنورده في أول كتاب المغازى في أول السنة الثانية من الهجرة، وذلك تلو ما نحن فيه إن شاء الله.


(1) المطبوعة: المسابقة. وهو تحريف. (*)

[ 340 ]

ويحتمل أن يكون مراده أنها وقعت هذه السرايا في السنة الاولى، وسنزيدها بسطا وشرحا إذا انتهينا إليها إن شاء الله تعالى. والواقدى عنده زيادات حسنة، وتاريخ محرر غالبا، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار وهو صدوق في نفسه مكثار، كما بسطنا القول في عدالته وجرحه في كتابنا الموسوم " بالتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل " ولله الحمد والمنة. فصل وممن ولد في هذه السنة المباركة، وهى الاولى من الهجرة، عبدالله بن الزبير، فكان أول مولود ولد في الاسلام بعد الهجرة، كما رواه البخاري عن أمه أسماء وخالته عائشة أم المؤمنين ابنتى الصديق رضى الله عنهما. ومن الناس من يقول: ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر، فعلى هذا يكون ابن الزبير أول مولود ولد بعد الهجرة من المهاجرين ومن الناس من يقول إنهما ولدا في السنة الثانية من الهجرة. والظاهر الاول، كما قدمنا بيانه، ولله الحمد والمنة، وسنشير في آخر السنة الثانية إلى القول الثاني إن شاء الله تعالى. قال ابن جرير: وقد قيل إن المختار بن أبى عبيد وزياد بن سمية ولدا في هذه السنة الاولى (1) فالله أعلم. وممن توفى في هذه السنة الاولى من الصحابة، كلثوم بن الهدم الاوسي، الذى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسكنه بقباء إلى حين ارتحل منها إلى دار بنى


(1) الاصل: في هذه السنة الثانية. والتصويب من تاريخ الطبري. (*)

[ 341 ]

النجار كما تقدم، وبعده، فيها، أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بنى النجار، توفى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبنى المسجد، كما تقدم رضى الله عنهما وأرضاهما. قال ابن جرير: وفى هذه السنة، يعنى الاولى من الهجرة، مات أبو أحيحة بماله بالطائف، ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمى فيها بمكة. قلت: وهؤلاء ماتوا على شركهم لم يسلموا لله عزوجل.

[ 342 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر ما وقع في السنة الثانية من الهجرة وقع فيها كثير من المغازى والسرايا، ومن أعظمها وأجلها بدر الكبرى التى كانت في رمضان منها، وقد فرق الله بها بين الحق والباطل، والهدى والغى. وهذا أوان ذكر المغازى والبعوث فنقول وبالله المستعان: كتاب المغازى قال الامام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة، بعد ذكر أحبار اليهود ونصبهم العداوة للاسلام وأهله، وما نزل فيهم من الآيات، فمنهم حيى بن أخطب وأخواه أبو ياسر وجدى، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وسلام بن أبى الحقيق وهو أبو رافع الاعور، تاجر أهل الحجاز وهو الذى قتله الصحابة بأرض خيبر كما سيأتي، والربيع بن الربيع أبى الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الاشرف وهم من طئ ثم أحد بنى نبهان وأمه من بنى النضير، وقد قتله الصحابة قبل أبى رافع كما سيأتي، وحليفاه الحجاج بن عمر وكردم بن قيس لعنهم الله. فهؤلاء من بنى النضير. ومن بنى ثعلبة بن الفطيون (1) عبدالله بن صوريا، ولم يكن بالحجاز بعد أعلم بالتوراة منه، قلت: وقد قيل إنه أسلم.


(1) الفطيون: كلمة عبرانية تطلق على كل من ولى أمر اليهود وملكهم. (*)

[ 343 ]

وابن صلوبا، ومخيريق، وقد أسلم يوم أحد كما سيأتي، وكان حبر قومه. ومن بنى قينقاع زيد بن اللصيت، وسعد بن حنيف، ومحمود بن سيحان (1) وعزيز بن أبى عزيز وعبد الله بن ضيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعمان بن أضا، وبحري بن عمرو، وشأس بن عدى، وشأس بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمرو (2) وسكين بن أبى سكين، وعدى بن زيد، ونعمان بن أبى أوفى، أبو أنس، ومحمود بن دحية، ومالك بن صيف. وكعب بن راشد، وعازر، ورافع بن أبى رافع، وخالد وأزار بن أبى أزار. قال ابن هشام: ويقال آزر بن أبى آزر، ورافع بن حارثة، ورافع بن حريملة، ورافع بن خارجة ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وعبد الله بن سلام. قلت: وقد تقدم إسلامه رضى الله عنه. قال ابن إسحاق: وكان حبرهم وأعلمهم، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله. قال ابن إسحاق: ومن بنى قريظة الزبير بن باطا بن وهب، وعزال بن شمويل (3) وكعب بن أسد، وهو صاحب عقدهم الذى نقضوه عام الاحزاب، وشمويل بن زيد، وحبل بن عمرو بن سكينة، والنحام بن زيد، وكردم (4) بن كعب، ووهب بن زيد ونافع بن أبى نافع، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة، وجبل بن أبى قشير، ووهب بن يهوذا: قال: ومن بنى زريق، لبيد بن أعصم، وهو الذى سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن يهود بنى حارثة: كنانة بن صوريا، ومن يهود بنى عمرو بن عوف قردم ابن عمرو، ومن يهود بنى النجار، سلسلة بن برهام.


(1) الاصل: شيخان. وما أثبته عن ابن هشام. (2) الاصل: عمير. وما أثبته من ابن هشام. (3) ا. شموال. (4) ابن هشام: قردم. (*)

[ 344 ]

قال ابن إسحاق: فهؤلاء أحبار يهود وأهل الشرور والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم، وأصحاب المسألة الذين يكثرون الاسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التعنت والعناد والكفر. قال: وأصحاب النصر لامر الاسلام ليطفئوه، إلا ما كان من عبدالله بن سلام ومخيريق. * * * ثم ذكر إسلام عبدالله بن سلام، وإسلام عمته خالدة، كما قدمناه. وذكر إسلام مخيريق يوم أحد كما سيأتي، وأنه قال لقومه، وكان يوم السبت، يا معشر يهود والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه وخرج وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالى لمحمد يرى فيها ما أراه الله. وكان كثير الاموال. ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتل حتى قتل رضى الله عنه. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بلغني: " مخيريق خير يهود ". فصل ثم ذكر ابن إسحاق من مال إلى هؤلاء الاضداد من اليهود من المنافقين من الاوس والخزرج. فمن الاوس: زوى بن الحارث، وجلاس بن سويد بن الصامت الانصاري، وفيه نزل: " يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم (1) " وذلك أنه قال حين تخلف عن غزوة تبوك: لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر.


(1) سورة التوبة. (*)

[ 345 ]

فنماها ابن امرأته عمير بن سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر الجلاس ذلك وحلف ما قال، فنزل فيه ذلك. قال: وقد زعموا أنه تاب وحسنت توبته حتى عرف منه الاسلام والخير. قال: وأخوه الحارث بن سويد، وهو الذى قتل المجذر بن ذياد البلوى وقيس بن زيد أحد بنى ضبيعة يوم أحد، خرج مع المسلمين وكان منافقا، فلما التقى الناس عدا عليهما فقتلهما ثم لحق بقريش. قال ابن هشام: وكان المجذر قد قتل أباه سويد بن الصامت في بعض حروب الجاهلية، فأخذ بثأر أبيه منه يوم أحد. كذا قال ابن هشام. وقد ذكر ابن إسحاق أن الذى قتل سويد بن الصامت إنما هو معاذ بن عفراء قتله في غير حرب قبل يوم بعاث، رماه بسهم فقتله. وأنكر ابن هشام أن يكون الحارث قتل قيس بن زيد، قال: لان ابن اسحاق لم يذكره في قتلى أحد. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به، فبعث الحارث إلى أخيه الجلاس يطلب له التوبة ليرجع إلى قومه، فأنزل الله، فيما بلغني عن ابن عباس: " كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين (1) " إلى آخر القصة. قال: وبجاد بن عثمان بن عامر، ونبتل بن الحارث، وهو الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحب أن ينظر إلى شيطان فلينظر إلى هذا " وكان جسيما أدلم (2) ثائر شعر الرأس أحمر العينين أسفع (3) الخدين، وكان يسمع الكلام من


(1) سورة آل عمران 86. (2) الادلم: المسترخى الشفتين أو الشديد السواد. (3) السفعة: حمرة تضرب إلى السواد. (*)

[ 346 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينقله إلى المنافقين، وهو الذى قال: إنما محمد أذن، من حدثه بشئ صدقه. فأنزل الله فيه: " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن (1) " الآية. قال: وأبو حبيبة بن الازعر، وكان ممن بنى مسجد الضرار، وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن، ثم نكثا، فنزل فيهما ذلك، ومعتب هو االذى قال يوم أحد: لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ها هنا. فنزلت فيه الآية. وهو الذى قال يوم الاحزاب: كان محمد يعدنا أنا نأكل كنوز كسرى وقيصر. وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط. فنزل فيه: " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (2) ". قال ابن إسحاق: والحارث بن حاطب. قال ابن هشام: ومعتب بن قشير، وثعلبة والحارث ابنا حاطب، وهم (3) من بنى أمية بن زيد، من أهل بدر، وليسوا من المنافقين، فيما ذكر لى من أثق به من أهل العلم. قال: وقد ذكر ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بنى أمية بن زيد، في أسماء أهل بدر. قال ابن إسحاق: وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وبحزج، وكان ممن بنى مسجد الضرار وعمرو بن خذام (4) وعبد الله بن نبتل، وجارية بن عامر بن العطاف، وابناه يزيد (5) ومجمع ابنا جارية، وهم ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع غلاما حدثا قد جمع أكثر القرآن و [ كان ] يصلى بهم فيه، فلما خرب مسجد الضرار كما سيأتي بيانه بعد غزوة تبوك، وكان في أيام عمر سأل أهل قباء عمر أن يصلى بهم مجمع فقال: لا والله، أو ليس إمام المنافقين في مسجد الضرار ؟ !


(1) سورة التوبة 61. (2) سورة الاحزاب. (3) الاصل: وهما. وما أثبته عن ابن هشام. (4) الاصل: حزام. وما أثبته عن ابن هشام. (5) ابن هشام: زيد (*)

[ 347 ]

فحلف بالله ما علمت بشئ من أمرهم. فزعموا أن عمر تركه فصلى بهم. قال: ووديعة بن ثابت، وكان ممن بنى مسجد الضرار، وهو الذى قال: إنما كنا نخوض ونلعب. فنزل فيه ذلك. قال: وخذام بن خالد، وهو الذى أخرج مسجد الضرار من داره. قال ابن هشام، مستدركا على ابن إسحاق في منافقي بنى النبيت من الاوس: وبشر ورافع ابنا زيد. قال ابن إسحاق: ومربع بن قيظى، وكان أعمى، وهو الذى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجاز في حائطه وهو ذاهب إلى أحد: لا أحل لك إن كنت نبيا أن تمر في حائطي. وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك لرميتك بها. فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوه فهذا الاعمى أعمى القلب أعمى البصر (1) " وقد ضربه سعد بن زيد الاشهلى بالقوس فشجه. قال: وأخوه أوس بن قيظى، وهو الذى قال: إن بيوتنا عورة. قال الله: " وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (2) " قال: وحاطب بن أمية بن رافع، وكان شيخا جسيما قد عسا (3) في جاهليته، وكان له ابن من خيار المسلمين يقال له يزيد بن حاطب أصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات، فحمل إلى دار بنى ظفر. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنه اجتمع إليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو يموت، فجعلوا يقولون: أبشر بالجنة يا بن حاطب. قال: فنجم نفاق أبيه فجعل يقول: أجل ! جنة من حرمل، غررتم والله هذا المسكين من نفسه !


(1) ابن هشام: أعمى البصيرة. (2) سورة الاحزاب 13. (3) عسا: أسن وكبر. (*)

[ 348 ]

قال وبشير بن أبيرق أبو طعمة سارق الدرعين، الذى أنزل الله فيه: " ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم (1) " الآيات. قال: وقزمان حليف لبنى ظفر، الذى قتل يوم أحد سبعة نفر، ثم لما آلمته الجراحة قتل نفسه وقال: والله ما قاتلت إلا حمية على قومي. ثم مات لعنه الله. قال ابن إسحاق: ولم يكن في بنى عبد الاشهل منافق ولا منافقة يعلم، إلا أن الضحاك بن ثابت كان يتهم بالنفاق وحب يهود. فهؤلاء كلهم من الاوس. * * * قال ابن إسحاق: ومن الخزرج: رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قيس، وقيس بن عمرو بن سهل، والجد بن قيس، وهو الذى قال: ائذن لى ولا تفتني. وعبد الله بن أبى سلول، وكان رأس المنافقين ورئيس الخزرج والاوس أيضا، كانوا قد أجمعوا على أن يملكوه عليهم في الجاهلية، فلما هداهم الله للاسلام قبل ذلك، شرق اللعين بريقه وغاظه ذلك جدا، وهو الذى قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. وقد نزلت فيه آيات كثيرة جدا، وفيه وفى وديعة، رچل من بنى عوف، ومالك ابن أبى قوقل وسويد وداعس، وهم من رهطه نزل قوله تعالى: " لئن أخرجوا لا يخرجون معهم (2) " الآيات حين مالوا في الباطن إلى بنى النضير.


(1) سورة النساء 107. (2) سورة الحشر 12. (*)

[ 349 ]

فصل ثم ذكر ابن إسحاق من أسلم من أحبار اليهود على سبيل التقية، فكانوا كفارا في الباطن، فأتبعهم بصنف المنافقين، وهم من شرهم: سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، وهو الذى قال حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلنى الله عليها، فهى في هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها " فذهب رجال من المسلمين فوجدوها كذلك. قال: ونعمان بن أوفى، وعثمان بن أوفى، ورافع بن حريملة، وهو الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات - فيما بلغنا -: " قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين ". ورفاعة بن زيد بن التابوت، وهو الذى هبت الريح الشديدة يوم موته عند مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك فقال: " إنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار " فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة قد مات في ذلك اليوم. وسلسلة بن برهام، وكنانة بن صوريا. فهؤلاء من أسلم من منافقي اليهود. * * * قال: فكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد، ويسمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون ويستهزئون بدينهم.

[ 350 ]

فاجتمع في المسجد يوما منهم أناس، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم قد لصق بعضهم إلى بعض، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا. فقام أبو أيوب إلى عمرو بن قيس أحد بنى النجار، وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية، فأخذ برجله فسحبه حتى أخرجه وهو يقول، لعنه الله: أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بنى ثعلبة. ثم أقبل أبو أيوب إلى رافع بن وديعة النجارى فلببه بردائه، ثم نتره نترا شديدا ولطم وجهه فأخرجه من المسجد وهو يقول: أف لك منافقا خبيثا. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان طويل اللحية، فأخذ بلحيته وقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه جميعا فلدمه بهما لدمة (1) في صدره خر منها، قال يقول: خدشتني يا عمارة. فقال عمارة. أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقام أبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار، وكان بدريا، إلى قيس بن عمرو بن سهل، وكان شابا وليس في المنافقين شاب سواه، فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه. وقام رجل من بنى خدرة (2) إلى رجل يقال له الحارث بن عمرو، وكان ذا جمة، فأخذ بجمته فسحبه سحبا عنيفا على ما مر به من الارض حتى أخرجه، فجعل يقول


(1) اللدم: الضرب ببطن الكف. (2) ابن هشام: من بلخدرة. (*)

[ 351 ]

المنافق: قد أغلظت يا أبا الحارث، فقال: إنك أهل لذلك أي عدو الله لما أنزل فيك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك نجس. وقام رجل من بنى عمرو بن عوف إلى أخيه زوى بن الحارث فأخرجه إخراجا عنيفا وأفف منه وقال: غلب عليك الشيطان وأمره. ثم ذكر ابن إسحاق ما نزل فيهم من الآيات من سورة البقرة، ومن سورة التوبة، وتكلم على تفسير ذلك فأجاد وأفاد. رحمه الله.

[ 352 ]

ذكر أول المغازى وهى غزوة الابواء ويقال لها غزوة ودان وأول البعوث وهو بعث حمزة بن عبدالمطلب أو عبيدة بن الحارث كما سيأتي في المغازى. قال البخاري: كتاب المغازى. قال ابن إسحاق: أول ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم الابواء، ثم بواط، ثم العشيرة. ثم روى عن زيد بن أرقم أنه سئل: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: تسع عشرة، شهد منها سبع عشرة أولهن العسيرة، أو العشيرة. وسيأتى الحديث بإسناده ولفظه والكلام عليه عند غزوة العشيرة إن شاء الله وبه الثقة. وفى صحيح البخاري عن بريدة قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة. ولمسلم عنه: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة. وفى رواية له عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة. وقاتل في ثمان منهن. وقال الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا سبع عشرة غزوة وقاتل في ثمان، يوم بدر، وأحد، والاحزاب، والمريسيع، وقديد وخيبر، ومكة، وحنين. وبعث أربعا وعشرين سرية. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي التنوخى، حدثنا الهيثم ابن حميد، أخبرني النعمان، عن مكحول، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثمانى

[ 353 ]

عشرة غزوة، قاتل في ثمانى غزوات، أولهن بدر، ثم أحد، ثم الاحزاب، ثم قريظة، ثم بئر معونة (1)، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة مكة، ثم حنين والطائف. قوله: " بئر معونة " بعد قريظة فيه نظر، والصحيح أنها بعد أحد كما سيأتي. قال يعقوب: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى عشرة غزوة. وسمعته مرة أخرى يقول: أربعا وعشرين. فلا أدرى أكان ذلك وهما أو شيئا سمعه بعد ذلك. وقد روى الطبراني عن الدبرى (2)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين غزوة. وقال عبدالرحمن بن حميد في مسنده: حدثنا سعيد بن سلام، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين غزوة. وقد روى الحاكم من طريق هشام، عن قتادة، أن مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كانت ثلاثا وأربعين. ثم قال الحاكم: لعله أراد السرايا دون الغزوات، فقد ذكرت في " الاكليل " على الترتيب بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه زيادة على المائة. قال: وأخبرني الثقة من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب أبى عبد الله محمد بن نصر، السرايا والبعوث دون الحروب نيفا وسبعين.


(1) بئر معونة لم تكن غزوة ولم يشهدها الرسول صلوات الله عليه، بل وقع فيها العدوان على البعث الذى أرسله إلى نجد في حماية أبى البراء ملاعب الاسنة، ثم غدر بهم عامر بن الطفيل ولعلها أقحمت على الثمانية. (2) هو أبو يعقوب اسحق بن إبراهيم بن عباد الدبرى، راوي كتب عبد الرزاق عنه، روى عنه الطبرنى وغيره. وفى الاصل: الدرى. محرفة. (*) (23 - السيرة - 2)

[ 354 ]

وهذا الذى ذكره الحاكم غريب جدا، وحمله كلام قتادة على ما قال فيه نظر. * * * وقد روى الامام أحمد عن أزهر بن القاسم الراسبى، عن هشام الدستوائى (1) عن قتادة، أن مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ثلاث وأربعون. أربع وعشرون بعثا، وتسع عشرة غزوة، خرج في ثمان منها بنفسه: بدر، وأحد، والاحزاب، والمريسيع، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، [ والطائف ]. وقال موسى بن عقبة، عن الزهري: هذه مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم التى قاتل فيها: يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق، وهو يوم الاحزاب وبنى قريظة، في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بنى المصطلق وبنى لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبر سنة ست، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، ثم قاتل يوم حنين وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان، ثم حج أبو بكر سنة تسع، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر، وغزا ثنتى عشرة غزوة ولم يكن فيها قتال، وكانت أول غزاة غزاها الابواء. وقال حنبل بن هلال، عن إسحاق بن العلاء، عن عبدالله بن جعفر الرقى، عن مطرف بن مازن اليماني، عن معمر، عن الزهري قال: أول آية نزلت في القتال: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " الآية بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. فكان أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان.


(1) هو أبو بكر هشام بن أبى عبدالله الدستوائى البصري البكري، كان يبيع الثياب الدستوائية فنسب إليها. روى عن قتادة وأبى الزبير المكى. مات سنة ثلاث أو أربع وخمسين ومائة. اللباب 1 / 419 (*)

[ 355 ]

إلى أن قال: ثم غزا بنى النضير، ثم غزا أحدا في شوال، يعنى من سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع، ثم قاتل بنى لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم الفتح في شعبان سنة ثمان، وكانت حنين في رمضان سنة ثمان. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة غزوة لم يقاتل فيها، فكانت أول غزوة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم الابواء، ثم العشيرة، ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بنى سليم، ثم غزوة الابواء، ثم غزوة بدر الاولى، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة الصفراء، ثم غزوة تبوك آخر غزوة. ثم ذكر البعوث. هكذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر، وهو غريب جدا، والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله مرتبا. وهذا الفن مما ينبغى الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له، كما رواه محمد بن عمر الواقدي، عن عبدالله بن عمر بن على، عن أبيه، سمعت على بن الحسين يقول: كنا نعلم مغازى النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن. قال الواقدي: وسمعت محمد بن عبدالله يقول: سمعت عمى الزهري يقول: في علم المغازى علم الآخرة والدنيا. * * * وقال محمد بن إسحاق في المغازى، بعد ذكره ما تقدم مما سقناه عنه، من تعيين رءوس الكفر من اليهود والمنافقين، لعنهم الله أجمعين وجمعهم في أسفل سافلين. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ لحربه وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوه وقتال من أمره به ممن يليه من المشركين. قال: وقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين حين أشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل، لثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول، ورسول الله صلى

[ 356 ]

الله عليه وسلم يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه الله بثلاث عشرة سنة. فأقام بقية شهر ربيع الاول وشهر ربيع الآخر وجمادين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة، وولى تلك الحجة المشركون، والمحرم. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا في صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق: حتى بلغ ودان وهى غزوة الابواء. قال ابن جرير: ويقال لها غزوة ودان أيضا. يريد قريشا وبنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذى وادعه منهم مخشى بن عمرو الضمرى، وكان سيدهم في زمانه ذلك. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاول. قال ابن هشام: وهى أول غزوة غزاها عليه السلام. قال الواقدي: وكان لواؤه مع عمه حمزة، وكان أبيض. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد المناف بن قصى في ستين، أو ثمانين، راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الانصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة فلقى بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبى وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمى به في سبيل الله في الاسلام. ثم انصرف القوم عن القوم، وللمسلمين حامية، وفر من المشركين إلى المسلمين

[ 357 ]

المقداد بن عمرو البهرانى حليف بنى زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنى حليف بنى نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار. قال ابن إسحاق: وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبى جهل. وروى ابن هشام عن [ ابن (1) ] أبى عمرو بن العلاء، عن أبى عمرو المدنى أنه قال: كان عليهم مكرز بن حفص. قلت: وقد تقدم عن حكاية الواقدي قولان: أحدهما أنه مكرز، والثانى أنه أبو سفيان صخر بن حرب، وأنه رجح أنه أبو سفيان. فالله أعلم. * * * ثم ذكر ابن إسحاق القصيدة المنسوبة إلى أبى [ بكر ] الصديق في هذه السرية التى أولها: أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث (2) * أرقت وأمر في العشيرة حادث ترى من لؤى فرقة لا يصدها * عن الكفر تذكير ولا بعث باعث رسول أتاهم صادق فتكذبوا * عليه وقالوا لست فينا بماكث إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا * وهروا هرير المجحرات اللواهث (3) القصيدة إلى آخرها، وذكر جواب عبدالله بن الزبعرى في مناقضتها التى أولها: أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث (4) * بكيت بعين دمعها غير لابث ومن عجب الايام، والدهر كله * له عجب من سابقات وحادث


(1) من ابن هشام. (2) الدمائث: اللينة. (3) هروا. وثبوا. والمجحرات: الكلاب التى ألجئت إلى أجحارها. (4) العثاعث: أكداس الرمل، جمع عثعث. (*)

[ 358 ]

لجيش أتانا ذى عرام يقوده * عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث لنترك أصناما بمكة عكفا * مواريث موروث كريم لوارث وذكر تمام القصيدة، وما منعنا من إيرادها بتمامها إلا أن الامام عبد الملك بن هشام رحمه الله وكان إماما في اللغة، ذكر أن كثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين. قال ابن إسحاق: وقال سعد بن أبى وقاص في رميته تلك فيما يذكرون: ألا هل أتى رسول الله أنى * حميت صحابتي بصدور نبلى أذود بها أوائلهم ذيادا * بكل حزونة وبكل سهل فما يعتد رام في عدو * بسهم يا رسول الله قبلى وذلك أن دينك دين صدق * وذو حق أتيت به وفضل (1) ينجى المؤمنون به ويخزى * به الكفار عند مقام مهل (2) فمهلا قد غويت فلا تعبنى * غوى الحى ويحك يا بن جهل قال أبن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد. قال ابن إسحاق: فكانت راية عبيدة، فيما بلغنا أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام لاحد من المسلمين. وقد خالفه الزهري وموسى بن عقبة والواقدى، فذهبوا إلى أن بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث. والله أعلم. وسيأتى في حديث سعد بن أبى وقاص أن أول أمراء السرايا عبدالله بن جحش الاسدي. قال ابن إسحاق: وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من غزوة الابواء قبل أن يصل إلى المدينة. وهكذا حكى موسى بن عقبة عن الزهري.


(1) ابن هشام: وعدل. (2) وتروى: سهل. (*)

[ 359 ]

فصل قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك حمزة بن عبدالمطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الانصار أحد، فلقى أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى، وكان موادعا للفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال. قال ابن إسحاق: وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبه ذلك على الناس. قلت: وقد حكى موسى بن عقبة عن الزهري، أن بعث حمزة قبل عبيدة بن الحارث، ونص على أن بعث حمزة كان قبل غزوة الابواء، فلما قفل عليه السلام من الابواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين. وذكر نحو ما تقدم. وقد تقدم عن الواقدي أنه قال: كانت سرية حمزة في رمضان من السنة الاولى، وبعدها سرية عبيدة في شوال منها. والله أعلم. وقد أورد ابن إسحاق عن حمزة رضى الله عنه شعرا يدل على أن رايته أول راية عقدت في الاسلام، لكن قال ابن إسحاق: فإن كان حمزة قال ذلك فهو كما قال، لم يكن يقول إلا حقا، والله أعلم أي ذلك كان. فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا: فعبيدة أول، والقصيدة هي قوله: ألا يا لقومي للتحلم والجهل * وللنقص من رأى الرجال وللعقل وللراكبينا بالمظالم لم نطأ * لهم حرمات من سوام ولا أهل

[ 360 ]

كأنا تبلناهم ولا تبل (1) عندنا * لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل وأمر بإسلام فلا يقبلونه * وينزل منهم مثل منزلة الهزل فما برحوا حتى انتدبت لغارة * لهم حيث حلوا أبتغى راحة الفضل بأمر رسول الله أول خافق * عليه لواء لم يكن لاح من قبلى لواء لديه النصر من ذى كرامة * إله عزيز فعله أفضل الفعل عشية ساروا حاشدين وكلنا * مراجله من غيظ أصحابه تغلى فلما تراءينا أناخوا فعقلوا * مطايا وعقلنا مدى غرض النبل وقلنا لهم حبل الاله نصيرنا * وما لكم إلا الضلالة من حبل فثار أبو جهل هنالك باغيا * فخاب ورد الله كيد أبى جهل وما نحن إلا في ثلاثين راكبا * وهم مائتان بعد واحدة فضل فيال لؤى لا تطيعوا غواتكم * وفيئوا إلى الاسلام والمنهج السهل فإنى أخاف أن يصب عليكم * عذاب فتدعوا بالندامة والثكل قال: فأجابه أبو جهل بن هشام لعنه الله فقال: عجبت لاسباب الحفيظة والجهل * وللشاغبين بالخلاف وبالبطل وللتاركين ما وجدنا جدودنا * عليه ذوى الاحساب والسؤدد الجزل ثم ذكر تمامها. قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة رضى الله عنه ولابي جهل لعنه الله.


(1) تبلناهم: عاديناهم. وفى الاصل: بتلناهم محرفة. (*)

[ 361 ]

غزوة بواط من ناحية رضوى قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الاول، يعنى من السنة الثانية، يريد قريشا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون. وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي راكب، وكان لواؤه مع سعد بن أبى وقاص وكان مقصده أن يعترض لعير قريش وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل وألفان وخمسمائة بعير. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى [ الاولى ]. غزوة العشيرة ثم غزا قريشا. يعنى (1) بذلك الغزوة التى يقال لها غزوة العشيرة وبالمهملة، والعشير وبالمهملة، والعشيراء وبالمهملة (2). قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد. قال الواقدي: وكان لواؤه مع حمزة بن عبدالمطلب. قال: وخرج عليه السلام يتعرض لعيرات قريش ذاهبة إلى الشام. قال ابن إسحاق: فسلك على نقب بنى دينار، ثم على فيفاء الخيار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها ذات الساق، فصلى عندها فثم مسجده، فصنع له عندها


(1) أي ابن إسحق. (2) يريد حكاية الاقوال التى وردت في اسم تلك الغزوة، فهى: العشيرة مصغرة وتروى بالسين. والعشير مصغرة بدون هاء في آخره وتروى كذلك بالسين. والعشيراء مصغرة ممدودة وتروى بالسين. (*)

[ 362 ]

طعام فأكل منه وأكل الناس معه، فرسوم (1) أثافى البرمة معلوم هناك، واستسقى له من ماء يقال له المشيرب. ثم ارتحل فترك الخلائق (3) بيسار وسلك شعبة عبدالله، ثم صب للشاد (3) حتى هبط يليل (4)، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة، ثم سلك فرش ملل حتى لقى الطريق بصخيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع. فأقام بها جمادى الاولى وليالي من جمادى الآخرة، ووادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا. وقد قال البخاري: حدثنا عبدالله، حدثنا وهب، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة ؟ قال: تسع عشرة. قلت (5): كم غزوة أنت معه ؟ قال: سبع عشرة غزوة. قلت: فأيهن كان أول ؟ قال العشير، أو العسير. فذكرت لقتادة فقال: العشير. وهذا الحديث ظاهر في أن أول الغزوات العشيرة، ويقال بالسين، وبهما مع خذف التاء، وبهما مع المد. اللهم إلا أن يكون المراد [ أول ] غزاة شهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن أرقم العشيرة، وحينئذ لا ينفى أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم، وبهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن إسحاق وبين هذا الحديث. والله أعلم. قال محمد بن إسحاق: ويومئذ (6) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى ما قال.


(1) ابن هشام: فموضع. (2) الخلائق جمع خلية وهى البئر التى لا ماء فيها، وهى آبار معلومة. الروض (3) صوبها الخشنى بأنها: صب لليسار. (4) الاصل: ملل وهو تحريف. وما أثبته عن ابن هشام. ويليل: قرية قرب وادى الصفراء من أعمال المدينة. (5) البخاري: قيل، والقائل هو أبو إسحق السبيعى. (6) ابن هشام: وفى تلك الغزوة قال. (*)

[ 363 ]

فحدثني يزيد بن محمد بن خيثم (1)، عن محمد بن كعب القرظى، حدثنى أبو يزيد محمد ابن خيثم (1)، عن عمار بن ياسر، قال: كنت أنا وعلى بن أبى طالب رفيقين في غزوة العشيرة [ من بطن ينبع (2) ] فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهرا، فصالح بها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة فوادعهم، فقال لى على بن أبى طالب: هل لك يا أبا اليقظان أن نأتى هؤلاء النفر من بنى مدلج يعملون في عين لهم، ننظر كيف يعملون ؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة فغشينا النوم، فعمدنا إلى صور (3) من النخل في دقعاء (4) من الارض فنمنا فيه، فو الله ما أهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا بقدمه، فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى: [ مالك (5) ] يا أبا تراب ؟ لما عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: " ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين ؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. فقال " أحيمر ثمود الذى عقر الناقة، والذى يضربك يا على على هذه، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه (6)، حتى تبل منها هذه، ووضع يده على لحيته ". وهذا حديث غريب من هذا الوجه له شاهد من وجه آخر في تسمية على أبا تراب، كما في صحيح البخاري، أن عليا خرج مغاضبا فاطمة، فجاء المسجد فنام فيه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عنه فقالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه ويقول: " قم أبا تراب قم أبا تراب ".


(1) الاصل: خثيم. وما أثبته عن ابن هشام. (2) ليست في ابن هشام. وبعدها اختلاف كثير عن نص ابن هشام. (3) الصور: صغار النحل. (4) الدقعاء: التراب. (5) من ابن هشام. (6) هامش ابن هشام: على قرنه. (*)

[ 364 ]

غزوة بدر الاولى قال ابن إسحاق: ثم لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليالى قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح (1) المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وهو غزوة بدر الاولى، وفاته كرز فلم يدركه. وقال الواقدي: وكان لواؤه مع على بن أبى طالب. قال ابن هشام والواقدى: وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة. قال ابن إسحاق: فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام جمادى ورجبا وشعبان، وقد كان بعث بين يدى ذلك سعدا في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز. قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة. ثم رجع ولم يلق كيدا. هكذا ذكره ابن إسحاق مختصرا وقد تقدم ذكر الواقدي لهذه البعوث الثلاثة، أعنى بعث حمزة في رمضان، وبعث عبيدة في شوال، وبعث سعد في ذى القعدة كلها في السنة الاولى. وقد قال الامام أحمد: حدثنى عبد المتعال بن عبد الوهاب، حدثنى يحيى بن سعيد، وقال عبدالله بن الامام أحمد: وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد الاموى، حدثنا أبى، حدثنا المجالد، عن زياد بن علاقة، عن سعد بن أبى وقاص، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق حتى


(1) الشرح: ما يرعى من النعم. (*)

[ 365 ]

نأتيك وقومنا، فأوثق لهم، فأسلموا. قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب ولا نكون مائة، وأمرنا أن نغير على حى من بنى كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم وكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة فمنعونا وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام ؟ فقال بعضنا لبعض: ما ترون ؟ فقال بعضنا: نأتى نبى الله فنخبره. وقال قوم: لا بل نقيم ها هنا. وقلت أنا في أناس معى: لا بل نأتى عير قريش فنقطعها. وكان الفئ إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له. فانطلقنا إلى العير وانطلق أصحابنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر فقام غضبان محمر الوجه، فقال: " أذهبتم من عندي جميعا ورجعتم متفرقين ! إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لابعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش ". فبعث علينا عبد الله بن جحش الاسدي، فكان أول أمير في الاسلام. وقد رواه البيهقى في الدلائل من حديث يحيى بن أبى زائدة، عن مجالد به نحوه. وزاد بعد قولهم لاصحابه: لم تقاتلون في الشهر الحرام ؟ فقالوا: نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد الحرام. ثم رواه من حديث أبى أسامة، عن مجالد، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك، عن سعد بن أبى وقاص، فذكر نحوه فأدخل بين سعد وزياد قطبة بن مالك وهذا أنسب. والله أعلم. وهذا الحديث يقتضى أن أول السرايا عبدالله بن جحش الاسدي، وهو خلاف ما ذكره ابن إسحاق أن أول الرايات عقدت لعبيدة بن الحارث بن المطلب، وللواقدي حيث زعم أن أول الرايات عقدت لحمزة بن عبد المطلب. والله أعلم.

[ 366 ]

باب سرية عبدالله بن جحش التى كان سببها (1) لغزوة بدر العظمى، وذلك يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش بن رئاب الاسدي في رجب مقفله من بدر الاولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الانصار أحد، وهم أبو حديفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن بن حرثان حليف بنى أسد بن خزيمة، وعتبة بن غزوان حليف بنى نوفل، وسعد بن أبى وقاص الزهري، وعامر بن ربيعة الوائلي حليف بنى عدى، وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع التميمي حليف بنى عدى أيضا، وخالد بن البكير أحد بنى سعد بن ليث حليف بنى عدى أيضا، وسهل بن بيضاء الفهرى، فهؤلاء سبعة ثامنهم أميرهم عبدالله بن جحش رضى الله عنه. وقال يونس عن ابن إسحاق: كانوا ثمانية وأميرهم التاسع. فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا. فلما سار بهم يومين فتح الكتاب فإذا فيه: " إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم ". فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة. وأخبر أصحابه بما في الكتاب. وقال: قد نهانى أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) كذا، ولعلها: التى كانت سببا. (*)

[ 367 ]

فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه، ومضى عبدالله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة. فمرت عير لقريش فيها عمرو بن الحضرمي، قال ابن هشام: واسم الحضرمي عبدالله ابن عباد [ أحد (1) ] الصدف (2). وعثمان بن عبدالله بن المغيرة المخزومى، وأخوه نوفل والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقال عمار: لا بأس عليكم منهم. وتشاور الصحابة فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب فقالوا: والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم وهابوا الاقدام عليهم. ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبدالله فأعجزهم. وأقبل عبدالله بن جحش وأصحابه بالعير والاسرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر بعض آل عبدالله بن جحش أن عبدالله قال لاصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما غنمنا الخمس. فعزله وقسم الباقي بين أصحابه، وذلك قبل أن ينزل الخمس. قال: ولما نزل الخمس نزل كما قسمه عبدالله بن جحش. كما قاله ابن إسحاق.


(1) من ابن هشام (2) قال ابن هشام: واسم الصدف: عمرو بن مالك. (*)

[ 368 ]

فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " فوقف العير والاسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط (1) في أيدى القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الاموال وأسروا فيه الرجال. فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت يهود: تفائل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبدالله. عمرو: عمرت الحرب، والحضرمى: حضرت الحرب. وواقد أبن عبدالله: وقدت الحرب. فجعل الله ذلك عليهم لا لهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل: قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا (2) ". أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، والفتنة أكبر من القتل. أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين، ولهذا قال الله تعالى: " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا " الآية. * * *


(1) ابن هشام: سقط. (2) سورة البقرة 217. (*)

[ 369 ]

قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا الامر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والاسيرين، وبعثت قريش في فداء عثمان والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا "، يعنى سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان " فإنا نخشاكم عليهما. فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم ". فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبدالله فلحق بمكة فمات بها كافرا. قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبدالله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الاجر، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله فيهم: " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم " (1) فوضعهم (2) الله من ذلك على أعظم الرجاء. قال ابن إسحاق: والحديث في ذلك عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة ابن الزبير. وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، وكذا روى شعيب عن الزهري، عن عروة، نحوا من هذا وفيه: وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين. وقال عبدالملك بن هشام: هو أول قتيل قتله المسلمون، وهذه أول غنيمة غنمها


(1) سورة البقرة 218. (2) الاصل: فوصفهم. وما أثبته عن ابن هشام. (*) (24 - السيرة 2)

[ 370 ]

المسلمون، وعثمان والحكم بن كيسان أول من أسره المسلمون. * * * قلت: وقد تقدم فيما رواه الامام أحمد عن سعد بن أبى وقاص أنه قال: فكان عبدالله بن جحش أول أمير في الاسلام. وقد ذكرنا في التفسير لما أورده ابن إسحاق شواهد مسندة. فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو محمد بن أبى حاتم، حدثنا أبى، حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثنى الحضرمي، عن أبى السوار، عن جندب بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة ابن الجراح، أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس، فبعث عليهم مكانه عبدالله بن جحش وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا. وقال: " لا تكرهن أحدا على المسير معك من أصحابك ". فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله. فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع منهم رجلان وبقى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام ! فأنزل الله: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير " الآية. وقال اسماعيل بن عبدالرحمن السدى الكبير في تفسيره، عن أبى مالك، عن أبى صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، عن جماعة من الصحابة " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير " وذلك أن رسول الله صلى عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبدالله بن جحش، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن أبى وقاص، وعتبة بن غزوان، وسهل بن بيضاء

[ 371 ]

وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبدالله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب. وكتب لابن جحش كتابا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه: أن سر حتى تنزل بطن نخلة. فقال لاصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإننى موص وماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسار، وتخلف عنه سعد وعتبة أضلا راحلة لهما فأقاما يطلبانها، وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله ابن المغيرة. فذكر قتل واقد لعمرو بن الحضرمي، ورجعوا بالغنيمة والاسيرين، فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون. وقال المشركون: إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب. وقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى. قال السدى: وكان قتلهم له في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى الآخرة. * * * قلت: لعل جمادى كان ناقصا فاعتقدوا بقاء الشهر ليلة الثلاثين، وقد كان الهلال رؤى تلك الليلة. فالله أعلم. وهكذا روى العوفى، عن ابن عباس، أن ذلك كان في آخر ليلة من جمادى، وكانت أول ليلة من رجب ولم يشعروا. وكذا تقدم في حديث جندب الذى رواه ابن أبى حاتم. وقد تقدم في سياق ابن إسحاق أن ذلك كان آخر ليلة من رجب، وخافوا إن لم يتداركوا هذه الغنيمة وينتهزوا هذه الفرصة دخل أولئك في الحرم فيعتذر عليهم ذلك، فأقدموا عليهم عالمين بذلك.

[ 372 ]

وكذا قال الزهري عن عروة. رواه البيهقى. فالله أعلم أي ذلك كان. قال الزهري عن عروة: فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله براءة. رواه البيهقى. * * * قال ابن إسحاق: فقال ابو بكر الصديق في غزوة عبدالله بن جحش، جوابا للمشركين فيما قالوا من إحلال الشهر الحرام. قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش: تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد * وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله * لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله * وأرجف بالاسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وابن عبدالله عثمان بيننا * ينازعه غل من القيد عاند فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر وقال بعضهم: كان ذلك في رجب من سنة ثنتين. وبه قال قتادة وزيد بن أسلم وهو رواية عن محمد بن إسحاق. وقد روى أحمد بن ابن عباس ما يدل على ذلك، وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي. والله أعلم. وقيل في شعبان منها. قال ابن إسحاق بعد غزوة عبدالله بن جحش: ويقال صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.

[ 373 ]

وحكى هذا القول ابن جرير من طريق السدى، فسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة. قال الجمهور الاعظم: إنما صرفت في النصف من شعبان، على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة. ثم حكى عن محمد بن سعد، عن الواقدي، أنها حولت يوم الثلاثاء النصف من شعبان، وفى التحديد نظر. والله أعلم. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير عند قوله تعالى: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعلمون ". وما قبلها وما بعدها، من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك، لانه أول نسخ وقع في الاسلام. هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله " ما ننسخ من آية أو ننسها، نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ". وقد قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، سمع زهيرا، عن أبى إسحاق، عن البراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشرا شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة. فداروا كما هم قبل البيت. وكان الذى مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله " وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم "

[ 374 ]

رواه مسلم من وجه آخر. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام ". قال: فوجه نحو الكعبة. قال السفهاء من الناس، وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها ؟ فأنزل الله: " قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم " * * * وحاصل الامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، كما رواه الامام أحمد عن ابن عباس رضى الله عنه، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ان يجمع بينهما، فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وهذا يقتضى أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية. والله أعلم. وكان عليه السلام يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة، قبلة إبراهيم، وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله عزوجل، فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلا ذلك فأنزل الله عزوجل: " قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام " الآية. فلما نزل الامر بتحويل القبلة خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وأعلمهم بذلك، كما رواه النسائي عن أبى سعيد بن المعلى، وأن ذلك كان وقت الظهر. وقال بعض الناس: نزل تحويلها بين الصلاتين. قاله مجاهد وغيره.

[ 375 ]

ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء، أن أول صلاة صلاها عليه السلام إلى الكعبة بالمدينة العصر. والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. وفى صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك * * * والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة، ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس، طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والاغبياء، قالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها ؟ هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله، لما يجدونه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، من أن المدينة مهاجره، وأنه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال: " وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم " الآية. وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم، ونعتهم فقال: " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها. قل: لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم " أي هو المالك المتصرف، الحاكم الذى لا معقب لحكمه، الذى يفعل ما يشاء في خلقه، ويحكم ما يريد في شرعه، وهو الذى يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، ويضل من يشاء عن الطريق القويم، وله في ذلك الحكمة التى يجب لها الرضا والتسليم.

[ 376 ]

ثم قال تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " أي خيارا " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الانبياء، بعد التى كان يصلى بها موسى فمن قبله من المرسلين، كذلك جعلناكم خيار الامم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لاجماعهم عليكم وإشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم. كما ثبت في صحيح البخاري، عن أبى سعيد مرفوعا، من استشهاد نوح بهذه الامة يوم القيامة، وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الاولى والاحرى. ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة، وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة، فقال: " وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ". قال ابن عباس: إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. " وإن كانت لكبيرة " أي وإن كانت هذه الكائنة لعظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الامر، إلا على الذى هدى الله، أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها، لا يشكون ولا يرتابون، بل يرضون ويؤمنون ويعملون، لانهم عبيد للحاكم العظيم، القادر المقتدر الحليم الخبير، اللطيف العليم. وقوله: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه: " إن الله بالناس لرءوف رحيم ". والاحاديث والآثار في هذه كثيرة جدا يطول استقصاؤها، وذلك مبسوط في التفسير، وسنزيد بذلك بيانا في كتابنا " الاحكام الكبير ".

[ 377 ]

وقد روى الامام أحمد، حدثنا على بن عاصم، حدثنا حصين بن عبدالرحمن، عن عمرو بن قيس، عن محمد بن الاشعث، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعنى في أهل الكتاب: " إنهم لم يحسدونا على شئ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التى هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التى هدانا الله لها وضلوا، وعلى قولنا خلف الامام آمين ". فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين، قبل وقعة بدر قال ابن جرير: وفى هذه السنة فرض صيام شهر رمضان. وقد قيل: إنه فرض في شعبان منها، ثم حكى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عنه فقالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى. فقال: " نحن أحق بموسى منكم " فصامه وأمر الناس بصيامه. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن ابن عباس. وقد قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات، فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر (1) " الآية. وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية، من إيراد الاحاديث المتعلقة بذلك


(1) سورة البقرة 183 - 185. (*)

[ 378 ]

والآثار المروية في ذلك والاحكام المستفادة منه. ولله الحمد. * * * وقد قال الامام أحمد. حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال. فذكر أحوال الصلاة. قال: وأما أحوال الصيام: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء. ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل: " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم " إلى قوله: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الاخرى: " شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن " إلى قوله: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " فأثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الاطعام للكبير الذى لا يستطيع الصيام. فهذا حولان. قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا. ثم إن رجلا من الانصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائما، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهد جهدا شديدا فقال: " ما لى أراك قد جهدت جهدا شديدا ؟ " فأخبره قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، هن لباس لكم " إلى قوله " ثم أتموا الصيام إلى الليل (1) ".


(1) سورة البقرة 187. (*)

[ 379 ]

ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه، من حديث المسعودي نحوه وفى الصحيحين من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وللبخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله. ولتحرير هذا موضع آخر من التفسير ومن الاحكام الكبير. وبالله المستعان. * * * قال ابن جرير: وفى هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل الفطر بيوم أو يومين، وأمرهم بذلك. قال: وفيها صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى، فكان أول صلاة عيد صلاها، وخرجوا بين يديه بالحربة، وكانت للزبير وهبها له النجاشي، فكانت تحمل بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعياد. قلت: وفى هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب (1): كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر. إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.


(1) أي زكاة المال. (*)

[ 380 ]

بسم الله الرحمن الرحيم غزوة بدر العظمى، يوم الفرقان يوم التقى الجمعان قال الله تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (1) ". وقال الله تعالى " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون. يجادلونك في الحق بعد ما تبين، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون " وما بعدها إلى تمام القصة من سورة الانفال. وقد تكلمنا عليها هنالك. وسنوردها هنا في كل موضع ما يناسبه. قال ابن إسحاق رحمه الله بعد ذكره سرية عبدالله بن جحش: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبى سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة، وفيها ثلاثون رجلا، أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص. قال موسى بن عقبة: عن الزهري، كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرمي بشهرين. قال: وكان في العير ألف بعير تحمل أموال قريش بأسرها إلا حويطب بن عبدالعزى، فلهذا تخلف عن بدر. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب، وعاصم بن عمر بن قتادة


(1) سورة آل عمران 123. (*)

[ 381 ]

وعبد الله بن أبى بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، وغيرهم من علمائنا، عن ابن عباس، كل قد حدثنى بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال: " هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ". فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس (1) من لقى من الركبان تخوفا على أمر (2) الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان: أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك. فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم، عن عكرمة، عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير. قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبدالمطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب فقالت له: يا أخى والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم على ما أحدثك. قال لها: وما رأيت ؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث. فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه: فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث. ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة.


(1) ابن هشام: يتحسس. (2) ح: على أموال الناس. (*)

[ 382 ]

قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها لا تذكريها لاحد. ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة، وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لابنه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت لاطوف بالبيت، وأبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رأني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال أبو جهل: يا بنى عبدالمطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قال: قلت: وما ذاك ؟ قال: تلك الرؤيا التى رأت عاتكة. قال: قلت: وما رأت ؟ قال: يا بنى عبدالمطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث. فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فو الله ما كان منى إليه كبير شئ، إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا. قال: ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبدالمطلب إلا أتتنى فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشئ مما سمعت ؟ قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان منى إليه من كبير، وايم الله لا تعرضن له، فإذا عاد لاكفيكنه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب، أرى أنى قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إنى لامشى نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه، حديد اللسان حديد النظر، قال:

[ 383 ]

إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، قال: قلت في نفسي، ما له لعنه الله ؟ أكل هذا فرق منى أن أشاتمه ؟ ! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عنى ما جاء من الامر. فتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ؟ ! [ كلا ] (1) والله ليعلمن غير ذلك. وذكر موسى بن عقبة رؤيا عاتكة كنحو من سياق ابن إسحاق. قال: فلما جاء ضمضم بن عمرو على تلك الصفة، خافوا من رؤيا عاتكة فخرجوا على الصعب والذلول. قال ابن إسحاق: فكانوا بين رجلين: إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بن عبدالمطلب بعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني ابن أبى نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه عقبة بن أبى معيط، وهو جالس في المسجد بين ظهرانى قومه، بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر، حتى وضعها بين يديه ثم قال: يا أبا على استجمر فإنما أنت من النساء !


(1) من ابن هشام. (*)

[ 384 ]

قال: قبحك الله، وقبح ما جئت به. قال: ثم تجهز وخرج مع الناس. هكذا قال ابن إسحاق في هذه القصة. وقد رواها البخاري (1) على نحو آخر فقال: حدثنى أحمد بن عثمان، حدثنا شريح ابن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبى إسحاق، حدثنى عمرو بن ميمون، أنه سمع عبدالله بن مسعود حدث عن سعد بن معاذ، أنه كان صديقا لامية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بمكة، قال سعد لامية: انظر لى ساعة خلوة لعلى أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال: يا صفوان من هذا معك ؟ قال: هذا سعد. قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أو يتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لو لا أنك مع أبى صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد، ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لامنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة. فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبى الحكم، فإنه سيد أهل الوادي. قال سعد: دعنا عنك يا أمية، فو الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنهم قاتلوك " قال: بمكة ؟ قال: لا أدرى. ففزع لذلك أمية فزعا شديدا فلما رجع إلى أهله قال: يا أم صفوان ألم ترى ما قال لى سعد ؟ قالت: وما قال لك ؟.


(1) في أول كتاب المغازى، باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ببدر. (*)

[ 385 ]

قال: زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له: بمكة ؟ قال: لا أدرى فقال أمية: والله لا أخرج من مكة. فلما كان يوم بدر، استنفر أبو جهل الناس، فقال: أدركوا عيركم. فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي، تخلفوا معك. فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني (1) فو الله لاشترين أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي ؟ قال: لا، وما أريد أن أجوز معهم إلا قربيا. فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره، فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر. وقد رواه البخاري في موضع آخر (2)، عن محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق به نحوه. تفرد به البخاري. وقد رواه الامام أحمد، عن خلف بن الوليد، وعن أبى سعيد، كلاهما عن إسرائيل وفى رواية إسرائيل قالت له امرأته: والله إن محمدا لا يكذب * * * قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير ذكروا ما كان (3) بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا


(1) الاصل: عبتني. وهو تحريف، وما أثبته من صحيح البخاري. (2) في باب علامات النبوة. (3) الاصل: ما كانوا. وما أثبته عن ابن هشام. (*) (25 - السيرة - 2)

[ 386 ]

من خلفنا. وكانت الحرب التى كانت بين قريش وبين بنى بكر في ابن لحفص بن الاخيف من بنى عامر بن لؤى، قتله رجل من بنى بكر، بإشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفص، فقتل عامرا وخاض بسيفه في بطنه، ثم جاء من الليل فعلقه بأستار الكعبة، فخافوهم بسبب ذلك الذى وقع بينهم. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذى كان بينها وبين بنى بكر، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى، وكان من أشراف بنى كنانة، فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه. فخرجوا سراعا قلت: وهذا معنى قوله تعالى: " ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط. وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال: إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله والله شديد العقاب (1) ". غرهم لعنه الله حتى ساروا وسار معهم منزلة منزلة، ومعه جنوده وراياته، كما قاله غير واحد منهم، فأسلمهم لمصارعهم، فلما رأى الجد والملائكة تنزل للنصر وعاين جبريل نكص على عقبيه وقال: إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله. وهذا كقوله تعالى: " كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر. فلما كفر قال إنى برئ منك إنى أخاف الله رب العالمين " (2): وقد قال الله تعالى: " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (3).


(1) سورة الانفال 47، 48 (2) سورة الحشر 16. (3) سورة الاسراء 81. (*)

[ 387 ]

فإبليس لعنه الله لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر فر ذاهبا، فكان أول من هرب يومئذ، بعد أن كان هو المشجع لهم المجير لهم، كما غرهم ووعدهم ومناهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. وقال يونس عن ابن إسحاق: خرجت قريش على الصعب والذلول في تسعمائة وخمسين مقاتلا معهم مائتا فرس يقودونها، ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين. وذكر المطعمين لقريش يوما يوما. وذكر الاموى: أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل، نحر لهم عشرا، ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا، ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر فظلوا (1) فيها وأقاموا بها يوما. فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعا، ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا، ثم أصبحوا بالابواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا، ونحر لهم العباس بن عبدالمطلب عشرا، ونحر لهم على ماء بدر أبوالبخترى عشرا، ثم أكلوا من أزوادهم. قال الاموى: حدثنا أبى، حدثنا أبو بكر الهذلى، قال: كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسان وستون درعا. هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكة ومسيرهم إلى بدر. * * * وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة.


(1) في شرح المواهب: فضلوا فأقاموا يوما. (*)

[ 388 ]

ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير وكان أبيض، وبين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع على بن أبى طالب يقال لها: العقاب، والاخرى مع بعض الانصار. قال ابن هشام: كانت راية الانصار مع سعد بن معاذ. وقال الاموى: كانت مع الحباب بن المنذر. قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار. وقال الاموى: وكان معهم فرسان، على إحداهما مصعب ابن عمير، وعلى الاخرى الزبير بن العوام، ومن [ الميمنة ] سعد بن خيثمة ومن [ الميسرة ] المقداد ابن الاسود. وقد روى الامام أحمد من حديث أبى إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن على، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد. وروى البيهقى من طريق ابن وهب، عن أبى صخر، عن أبى معاوية البلخى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن عليا قال له: ما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد بن الاسود، يعنى يوم بدر وقال الاموى: حدثنا أبى، حدثنا إسماعيل بن أبى خالد، عن التيمى قال: كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فارسان، الزبير بن العوام على الميمنة، والمقداد أبن الاسود على الميسرة. قال أبن إسحاق: وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ومرثد بن أبى مرثد يعتقبون بعيرا، وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة [ موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (1) يعتقبون بعيرا.


(1) من ابن هشام. (*)

[ 389 ]

كذا قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، عن حماد بن سلمة، حدثنا عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبدالله بن مسعود، قال كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلى زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن نمشي عنك. فقال: " ما أنتما بأقوى منى، ولا أنا بأغنى عن الاجر منكما ". وقد رواه النسائي، عن الفلاس، عن ابن مهدى، عن حماد بن سلمة به. قلت: ولعل هذا كان قبل أن يرد أبا لبابة من الروحاء، ثم كان زميلاه على ومرثد بدل أبى لبابة. والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أبى أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالاجراس أن تقطع من أعناق الابل يوم بدر. وهذا على شرط الصحيحين. وإنما رواه النسائي، عن أبى الاشعث، عن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة به. قال شيخنا الحافظ المزى في الاطراف: وتابعه سعيد بن بشر عن قتادة. وقد رواه هشام عن قتادة، عن زرارة، عن أبى هريرة. فالله أعلم. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك، أن عبدالله بن كعب قال: سمعت كعب ابن مالك يقول: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أنى تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها، إنما

[ 390 ]

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. تفرد به. * * * قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه من المدينة إلى مكة على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذى الحليفة، ثم على أولات الجيش، ثم مر على تربان، ثم على ملل، ثم على غميس الحمام، ثم على صخيرات اليمامة، ثم على السيالة، ثم على فج الروحاء، ثم على شنوكة، وهى الطريق المعتدلة. حتى إذا كان بعرق الظبية لقى رجلا من الاعراب، فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس، سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أوفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: نعم. فسلم عليه، ثم قال: لئن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه. قال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل على فأنا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها ففى بطنها منك سخلة (1). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه أفحشت على الرجل. ثم أعرض عن سلمة. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سجسج، وهى بئر الروحاء، ثم ارتحل منها، حتى إذا كان منها بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على النازية، يريد بدرا، فسلك في ناحية منها حتى إذا جزع واديا (2) يقال له رحقان (3) بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم على المضيق، ثم انصب منه، حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث


(1) السخلة: ولد الضأن أو الماعز، واستعارها هنا لولد الناقة (2) جزع واديا: قطعه عرضا. (3) الاصل: وحقان. وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 391 ]

بسبس (1) بن عمرو الجهنى حليف بنى ساعدة وعدى بن أبى الزغباء حليف بنى النجار إلى بدر، يتجسسان الاخبار عن أبى سفيان صخر بن حرب وعيره. وقال موسى بن عقبة: بعثهما قبل أن يخرج من المدينة، فلما رجعا فأخبراه بخبر العير استنفر الناس إليها. فإن كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق محفوظا فقد بعثهما مرتين. والله أعلم. قال ابن إسحاق رحمه الله: ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمها، فلما استقبل الصفراء، وهى قرية بين جبلين، سأل عن جبليها ما اسماهما (2) ؟ فقالوا: يقال لاحدهما مسلح وللآخر مخرئ، وسأل عن أهلهما فقيل: بنو النار، وبنو حراق، بطنان من غفار. فكرههما رسول الله صلى عليه وسلم والمرور بينهما وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما، فتركهما والصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران، فجزع فيه ثم نزل. * * * وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم. فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن.


(1) قال الزرقائى: ويقال له بسبسة، كما وقع لجميع رواة مسلم وبعض رواة أبى داود. والاصح ما ذكره ابن إسحق. قال ابن الكلبى: إنه الذى أراده الشاعر بقوله: أقم لها صدورها يا بسبس * إن مطايا القوم لا تحسس (2) الاصل: ما أسماؤهما وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 392 ]

ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (1) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشيروا على أيها الناس " وإنما يريد الانصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الانصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال: " أجل " قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله. قال: فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه، ثم قال: " سيروا


(1) برك الغماد: قال الحازمى: موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن. وقال البكري: هي أفاصى هجر. وقال الهمداني: هو في أقصى اليمن من شرح المواهب 1 / 412. (*)

[ 393 ]

وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم ". هكذا رواه ابن إسحاق رحمه الله. وله شواهد من وجوه كثيرة. فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الاسود مشهدا لان أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين. فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون. ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره. انفرد به البخاري دون مسلم، فرواه في مواضع من صحيحه من حديث مخارق به، ورواه النسائي من حديثه، وعنده: وجاء المقداد بن الاسود يوم بدر على فرس. فذكره. وقال الامام أحمد: حدثنا عبيدة، هو ابن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم مخرجه إلى بدر، فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقال بعض الانصار: إياكم يريد رسول الله يا معشر الانصار. فقال بعض الانصار: يا رسول الله، إذا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن والذى بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك. وهذا إسناد ثلاثى صحيح على شرط الصحيح.

[ 394 ]

وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقال سعد بن عبادة: إيانا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذى نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لاخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس. قال: فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبنى الحجاج فأخذوه، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبى سفيان وأصحابه فيقول: ما لى علم بأبى سفيان، ولكن هذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف. فإذا قال ذلك ضربوه، فإذا ضربوه. قال: نعم، أنا أخبركم، هذا أبو سفيان. فإذا تركوه فسألوه قال: ما لى بأبى سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية. فإذا قال هذا أيضا ضربوه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى، فلما رأى ذلك انصرف فقال: والذى نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذبكم. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا مصرع فلان، يضع يده على الارض ها هنا وها هنا، فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم عن أبى بكر، عن عفان به نحوه. وقد روى ابن أبى حاتم في تفسيره وابن مردويه، واللفظ له، من طريق عبدالله ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أسلم، عن أبى عمران، أنه سمع أبا أيوب الانصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: " إنى أخبرت عن عير أبى سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها ؟ " فقلنا: نعم.

[ 395 ]

فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: " ما ترون في القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم ؟ " فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، ولكنا أردنا العير. ثم قال: " ما ترون في قتال القوم ؟ " فقلنا مثل ذلك. فقام المقداد بن عمرو [ فقال ]: إذا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون. قال: فتمنينا معشر الانصار لو أنا قلنا مثل ما قال المقداد، أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، فأنزل الله عزوجل على رسوله: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون " وذكر تمام الحديث. روى ابن مردويه أيضا، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثى، عن أبيه عن جده، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: " كيف ترون ؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بكذا وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون ؟ " فقال عمر مثل قول أبى بكر. ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون ؟ ". فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إيانا تريد ؟ فو الذى أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لى بها علم، ولئن سرت حتى تأتى برك الغماد من ذى يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعل أن تكون خرجت لامر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذى أحدث الله إليك فامض، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت.

[ 396 ]

فنزل القرآن على قول سعد: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون " الآيات. وذكره الاموى في مغازيه، وزاد بعد قوله: " وخذ من أموالنا ما شئت ": " وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لامرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ". * * * قال ابن إسحاق: ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران، فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدابة، وترك الحنان بيمين، وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه. قال ابن هشام: هو أبو بكر. قال ابن إسحاق، كما حدثنى محمد بن يحيى بن حبان، حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني مما أنتما ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك. فقال: أو ذاك بذاك ؟ قال: نعم. قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا. للمكان الذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا. للمكان الذى به قريش. فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن من ماء " ثم انصرف عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء ؟ أمن ماء العراق ؟

[ 397 ]

قال ابن هشام: يقال لهذا الشيخ سفيان الضمرى. قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص، في نفر من أصحابه، إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له، كما حدثنى يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير. فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بنى الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بنى العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى، فقالوا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لابي سفيان فضربوهما، فلما أذلقوهما (1) قالا: نحن لابي سفيان. فتركوهما. وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه وسلم. وقال: " إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما ! صدقا والله إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش ؟ قالا: هم [ والله (2) ] وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى، والكثيب العقنقل. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم القوم قالا: كثير، قال: ما عدتهم ؟ قالا: لا ندرى. قال: كم ينحرون كل يوم ؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القوم ما بين التسعمائة إلى الالف ". ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدى بن نوفل، والنضر


(1) أذلقوهما: آذوهما. (2) عن ابن هشام. (*)

[ 398 ]

ابن الحارث، وزمعة بن الاسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود. قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ". * * * قال ابن إسحاق: وكان بسبس بن عمرو وعدى بن أبى الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه، ومجدى بن عمرو الجهنى على الماء، فسمع عدى وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان (1) على الماء والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتى العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذى لك. قال مجدي: صدقت. ثم خلص بينهما. وسمع ذلك عدى وبسبس فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبراه بما سمعا. وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا ؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أنى قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع. وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى رأيت فيما يرى النائم، وإنى لبين النائم واليقظان، إذ


(1) يتلازمان: يتقاضيان. (*)

[ 399 ]

نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف وفلان وفلان، فعد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. فبلغت أبا جهل لعنه الله فقال: هذا أيضا نبى آخر من بنى المطلب ! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا. * * * قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا. فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام، فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور (1) ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا. وقال الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى، وكان حليفا لبنى زهرة، وهم بالجحفة: يا بنى زهرة قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا (2) بى جبنها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة، لا ما يقول هذا. قال: فرجعوا فلم يشهدها زهرى واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا. ولم يكن بقى بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بنى عدى، لم يخرج منهم


(1) ابن هشام: الجزر. (2) ابن هشام: فاجعلوا لى. (*)

[ 400 ]

رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الاخنس، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. قال: ومضى القوم، وكان بين طالب بن أبى طالب، وكان في القوم، وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: والله لقد عرفنا يا بنى هاشم، وإن خرجتم معنا، أن هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وقال في ذلك: لا هم إما يغزون طالب * في عصبة محالف محارب في مقنب من هذه المقانب (1) * فليكن المسلوب غير السالب وليكن المغلوب غير الغالب * * * قال ابن إسحاق: ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل الكثيب الذى خلفه قريش، والقليب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة. قلت: وفى هذا قال تعالى " إذا أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم " أي من ناحية الساحل " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا " (2) الآيات. وبعث الله السماء، وكان الوادي دهسا (3) فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ماء لبد لهم الارض ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.


(1) المقنب: الجماعة من الخيل مقدارها ثلاثمائة أو نحوها. (2) سورة الانفال 42 (3) دهسا: لينا. (*)

[ 401 ]

قلت: وفى هذا قوله تعالى " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام " (1). فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا، وأنه ثبت أقدامهم وشجع قلوبهم وأذهب عنهم تخذيل الشيطان وتخويفه للنفوس ووسوسته الخواطر، وهذا تثبيت الباطن والظاهر، وأنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله: " إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم، فثبتوا الذين آمنوا، سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الاعناق " أي على الرؤوس " واضربوا منهم كل بنان " أي لئلا يستمسك منهم السلاح " ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب، ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار " (2). قال ابن جرير: حدثنى هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن على بن أبى طالب، قال: أصابنا من من الليل طش (3) من المطر، يعنى الليلة التى كانت في صبيحتها وقعة بدر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف (4) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى قائما يصلى، وحرض على القتال. وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، عن شعبة عن ابى إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن على، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلى ويبكى حتى أصبح. وسيأتى هذا الحديث مطولا.


(1) سورة الانفال 12. (2) سورة الانفال 13، 14. (3) الطش: المطر الضعيف، وهو فوق الرذاذ. (4) الحجف: جمع حجفة وهى الترس الصغير يطارق بين جلدين. (*) (26 - السيرة - 2)

[ 402 ]

ورواه النسائي عن بندار، عن غندر، عن شعبة به. وقال مجاهد: أنزل عليهم المطر فأطفأ به الغبار وتلبدت به الارض وطابت به أنفسهم وثبتت به أقدامهم. قلت: وكانت ليلة بدر ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان، سنة ثنتين من الهجرة، وقد بات رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلى إلى جذم شجرة هناك، ويكثر في سجوده أن يقول: " يا حى يا قيوم " يكرر ذلك ويلظ به عليه السلام. * * * قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر نزل به. قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بنى سلمة، أنهم ذكروا أن الحباب ابن منذر بن الجموح قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأى والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فامض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أشرت بالرأى ". قال الاموى: حدثنا أبى، قال: وزعم الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الاقباص (1) وجبريل عن يمينه إذا أتاه ملك من الملائكة فقال: يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) بالاصل غير منقوطة. ولم أجد هذا النص، والقبص: الجماعة من الناس. (*)

[ 403 ]

" هو السلام ومنه السلام وإليه السلام " فقال الملك: إن الله يقول لك: إن الامر الذى أمرك به الحباب بن المنذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل هل تعرف هذا ؟ فقال: ما كل أهل السماء أعرف، وإنه لصادق وما هو بشيطان. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية. وذكر بعضهم أن الحباب بن المنذر لما أشار بما اشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل ملك من السماء وجبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الملك: يا محمد، ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن الرأى ما أشار به الحباب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل فقال: ليس كل الملائكة أعرفهم، وإنه ملك وليس بشيطان. وذكر الاموى أنهم نزلوا على القليب الذى يلى المشركين نصف الليل، وأنهم نزلوا فيه واستقوا منه وملاوا الحياض حتى أصبحت ملاء وليس للمشركين ماء. قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبى بكر، أنه حدث أن سعد بن معاذ قال يا نبى الله ألا نبنى لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك.

[ 404 ]

فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير، ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش كان فيه. * * * قال ابن إسحاق: وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت. فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذى جاءوا منه إلى الوادي، قال: " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتني، اللهم أحنهم (1) الغداة ". وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم وهو على جمل له أحمر: إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر، إن يطيعوه يرشدوا. قال: وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة، أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري، بعث إلى قريش ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا قال: فأرسلوا إليه مع ابنه: أن وصلتك رحم، وقد قضيت الذى عليك، فلعمري إن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد، فما لاحد بالله من طاقة ! قال: فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذى نجاني يوم بدر. قلت: وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر


(1) أحنهم: أهلكهم. (*)

[ 405 ]

رجلا كما سيأتي بيان ذلك في فصل نعقده بعد الوقعة ونذكر أسماءهم على حروف المعجم إن شاء الله. * * * ففى صحيح البخاري عن البراء، قال: كنا نتحدث (1) أن أصحاب بدر ثلثمائة وبضعة عشر، على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزا معه النهر، وما جاوزه معه إلا مؤمن. وللبخاري أيضا عنه قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، والانصار نيف وأربعون ومائتان. وروى الامام أحمد عن نصر بن رئاب، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: كان أهل بدر ثلثمائة وثلاثة عشر، وكان المهاجرون ستة وسبعين وكانت هزيمة أهل بدر لسبع عشرة مضين من شهر رمضان يوم الجمعة. وقال الله تعالى: " إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر، ولكن الله سلم " (2) الآية. وكان ذلك في منامه تلك الليلة. وقيل: إنه نام في العريش، وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم، فدنا القوم منهم فجعل الصديق يوقظه ويقول: يا رسول الله دنوا منا فاستيقظ. وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا. ذكره الاموى وهو غريب جدا. وقال تعالى: " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم، ليقضى الله أمرا كان مفعولا " (3).


(1) البخاري. سمعت البراء رضى الله عنه يقول: حدثنى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من شهد بدرا أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت. (2) سورة الانفال 43. (1) سورة الانفال 44. (*)

[ 406 ]

فعندما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء، لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وليس هذا معارضا لقوله تعالى في سورة آل عمران: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء ". فإن المعنى في ذلك على أصح القولين: أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلى عدد الكافرة على الصحيح أيضا، وذلك عند التحام الحرب والمسايفة (1) أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا، فاستدرجهم أولا، بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلا، ثم أيد المؤمنين بنصره، فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا. ولهذا قال: " والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لاولى الابصار ". قال إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن أبى عبيد وعبد الله، لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى أنى لاقول لرجل إلى جنبى: أتراهم سبعين ؟ فقال: أراهم مائة ! * * * قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الانصار قالوا: لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا احزر لنا القوم أصحاب محمد. قال: فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر: أللقوم كمين أو مدد. قال: فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع،


(1) الاصل: والمسابقة وهو تحريف. (*)

[ 407 ]

قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ! ؟ فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها المطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال: وما ذلك يا حكيم ؟ قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو ابن الحضرمي. قال: قد فعلت، أنت على بذلك، إنما هو حليفي فعلى عقله وما أصيب من ماله. فأت ابن الحنظلية، يعنى أبا جهل، فإنى لا أخشى أن يشجر (1) أمر الناس غيره. ثم قال عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذى أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا فهو يهنئها (2) فقلت له: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا. فقال: انتفخ والله سحره (3) حين رأى محمدا وأصحابه، فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه، فقد تخوفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع الناس، وقد


(1) يشجر: يخالف ويفسد. وفى الاصل: يسجر. وما أثبته عن ابن هشام (2) نئل: أخرج. ويهنئها: يهيئها ويصلحها (3) انتفخ سحره: جبن والسحر: الرئة. (*)

[ 408 ]

رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه واعمراه. قال: فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة. فلما بلغ عتبة قول أبى جهل: انتفخ والله سحره، قال: سيعلم مصفر استه (4) من انتفخ سحره أنا أم هو ! ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم رأسه، فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له. * * * وقد روى ابن جرير من طريق مسور بن عبدالملك اليربوعي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال: حكيم بن حزام يستأذن. قال: ائذن له. فلما دخل قال: مرحبا يا أبا خالد ادن، فحال عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة ثم استقبله فقال: حدثنا حديث بدر. فقال: خرجنا حتى إذا كنا بالجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها، فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التى قال الله تعالى، فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت ؟ قال: أفعل ماذا ؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي وهو حليفك، فتحمل بديته ويرجع الناس. فقال: أنت على بذلك، واذهب إلى ابن الحنظلية، يعنى أبا جهل، فقل له:


(1) مصفر استه: أراد مصفر بدنه بالصفرة وهى الطيب. ولكنه قصد المبالغة بالذم فذكر ما يسوؤه أن يذكر. (*)

[ 409 ]

هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك ؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن خلفه، وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول: فسخت عقدى من عبد شمس، وعقدي اليوم إلى بنى مخزوم. فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك ؟ قال: أما وجد رسولا غيرك ؟ قلت: لا، ولم أكن لاكون رسولا لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادرا إلى عتبة لئلا يفوتنى من الخبر شئ، وعتبة متكئ على أيماء بن رحضة الغفاري، وقد أهدى إلى المشركين عشرة جزائر. فطلع أبو جهل الشر في وجهه فقال لعتبة: انتفخ سحرك ؟ فقال له عتبة: ستعلم. فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال أيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا. فعند ذلك قامت الحرب. وقد صف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وعباهم أحسن تعبية. فروى الترمذي عن عبدالرحمن بن عوف، قال: صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ليلا. ورى الامام أحمد من حديث ابن لهيعة، حدثنى يزيد بن أبى حبيب، أن أسلم أبا عمران حدثه، أنه سمع أبا أيوب يقول: صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فبدرت منا بادرة أمام الصف، فنظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " معى معى ". تفرد به أحمد. وهذا إسناد حسن. * * * وقال ابن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان، عن أشياخ من قومه، أن

[ 410 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفى يده قدح (1) يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بنى عدى بن النجار وهو مستنتل (2) من الصف. فطعن في بطنه بالقدح وقال: " استو يا سواد ". فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدنى. فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال: استقد. قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقاله. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، قال: يا رسول الله ما يضحك (3) الرب من عبده ؟ قال: " غمسه يده في العدو حاسرا ". فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل رضى الله عنه. قال ابن إسحاق: ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره. وقال ابن إسحاق وغيره: وكان سعد بن معاذ رضى الله عنه واقفا على باب العريش متقلدا بالسيف ومعه رجال من الانصار، يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا عليه من أن يدهمه العدو من المشركين، والجنائب النجائب مهيأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن احتاج إليها ركبها ورجع إلى المدينة، كما أشار به سعد بن معاذ. وقد روى البزار في مسنده من حديث محمد بن عقيل، عن على أنه خطبهم فقال: يا أيها الناس من أشجع الناس ؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين.


(1) القدح السهم. (2) مستنتل: متقدم. (3) يضحك: يرضى. (*)

[ 411 ]

فقال: أما إنى ما بارزنى أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا: من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوى إليه أحد من المشركين ؟ فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوى إليه أحد إلا أهوى إليه. فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش، فهذا يحاده، وهذا يتلتله، ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلها واحدا، فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم ! أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله. ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال: أنشدكم الله: أمؤمن آل فرعون خير أم هو ؟ فسكت القوم، فقال على: فو الله لساعة من أبى بكر خير من ملء الارض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. فهذه خصوصية للصديق، حيث هو مع الرسول في العريش، كما كان معه في الغار رضى الله عنه وأرضاه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الابتهال والتضرع والدعاء، ويقول فيما يدعو به: " اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الارض " وجعل يهتف بربه عزوجل ويقول: " اللهم أنجز لى ما وعدتني، اللهم نصرك ". ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر رضى الله عنه

[ 412 ]

يلتزمه من ورائه ويسوى عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. هكذا حكى السهيلي عن قاسم بن ثابت، أن الصديق إنما قال: بعض مناشدتك ربك، من باب الاشفاق لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال: بعض هذا يا رسول الله. أي: لم تتعب نفسك هذا التعب، والله قد وعدك بالنصر. وكان رضى الله عنه رقيق القلب شديد الاشفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكى السهيلي عن شيخة أبى بكر بن العربي بأنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف، والصديق في مقام الرجاء، وكان مقام الخوف في هذا الوقت، يعنى أكمل. قال: لان لله أن يفعل ما يشاء، فخاف أن لا يعبد في الارض بعدها، فخوفه ذلك عبادة. قلت: وأما قول بعض الصوفية: إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار. فهو قول مردود على قائله، إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال ولا لازمه ولا ما يترتب عليه. والله أعلم. * * * هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان، وحضر الخصمان بين يدى الرحمن، واستغاث بربه سيد الانبياء، وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الارض والسماء، سامع الدعاء وكاشف البلاء. فكان أول من قتل من المشركين الاسود بن عبد الاسد المخزومى. قال ابن إسحاق: وكان رچلا شرسا سيئ الخلق فقال: أعاهد الله لاشربن من حوضهم أو لاهدمنه أو لاموتن دونه. فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب، فلما

[ 413 ]

التقيا ضربه حمزة فأطن (1) قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد، زعم، أن تبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. قال الاموى: فحمى عند ذلك عتبة بن ربيعة، وأراد أن يظهر شجاعته، فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز، فخرج إليهم فتيه من الانصار ثلاثة، وهم عوف ومعاذ ابنا الحارث وأمهما غفراء، والثالث عبدالله بن رواحة فيما قيل، فقالوا: من أنتم ؟ قالوا رهط من الانصار. فقالوا: ما لنا بكم حاجة. وفى رواية فقالوا: أكفاء كرام، ولكن أخرجوا إلينا من بنى عمنا، ونادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على ". وعند الاموى أن النفر من الانصار لما خرجوا كره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، لانه أول موقف واجه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءه، فأحب أن يكون أولئك من عشيرته، فأمرهم بالرجوع وأمر أولئك الثلاثة بالخروج. قال ابن إسحاق: فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم ؟ وفى هذا دليل أنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح، فقال عبيدة: عبيدة. وقال حمزة: حمزة. وقال على: على. قالوا: نعم، أكفاء كرام. فبارز عبيدة، وكان أسن القوم، عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز على الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما على فلم يمهل الوليد أن قتله، وأختلف


(1) أطن: أطار. (*)

[ 414 ]

عبيدة وعبتة بينهما بضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلى بأسيافهما على عتبة فذففا (1) عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما (2). رضى الله عنه. * * * وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبى مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبى ذر: أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية " هذان خصمان اختصموا في ربهم " (3) نزلت في حمزة وصاحبه، وعتبة وصاحبه، يوم برزوا في بدر. هذا لفظ البخاري في تفسيرها. وقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبى، حدثنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن على بن أبى طالب، أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدى الرحمن عزوجل في الخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: " هذان خصمان اختصموا في ربهم " قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: على وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. تفرد به البخاري. وقد أوسعنا الكلام عليها في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. وقال الاموى: حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبى إسحاق، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن عبدالله البهى، قال: برز عتبة وشيبة والوليد، وبرز إليهم حمزة وعبيدة وعلى، فقالوا: تكلموا نعرفكم. فقال حمزة: أنا أسد الله وأسد رسول الله أنا حمزة بن عبدالمطلب. فقال كفء كريم. وقال على: أنا عبدالله وأخو رسول الله. وقال عبيدة: أنا الذى في الحلفاء، فقام كل رجل إلى رجل فقاتلوم فقتلهم الله.


(1) ذففا عليه: أجهزا. (2) ابن هشام: إلى أصحابه. (3) سورة الحج 19. (*)

[ 415 ]

فقالت هند في ذلك: أعيني جودى بدمع سرب * على خير خندف لم ينقلب تداعى له رهطه غدوة * بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حد أسيافهم * يعلونه بعد ما قد عطب ولهذا نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة. قلت: وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، ولما جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشرفه (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه فوضع خده على قدمه الشريفة وقال: يا رسول الله لو رأني أبو طالب لعلم أنى أحق بقوله: ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم مات رضى الله عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشهد أنك شهيد ". رواه الشافعي رحمه الله. وكان أول قتيل من المسلمين في المعركة مهجع مولى عمر بن الخطاب رمى بسهم فقتله. قال ابن إسحاق: فكان أول من قتل، ثم رمى بعده حارثة بن سراقة أحد بنى عدى بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فمات. وثبت في الصحيحين، عن أنس، أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر وكان في النظارة، أصابه سهم غرب فقتله، فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت وإلا فليرين الله ما أصنع، يعنى من النياح، وكانت لم تحرم


(1) كذا وفى إنسان العيون: فأفرشه. (*)

[ 416 ]

بعد. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويحك أهبلت، إنها جنان ثمان، وإن ابنك أصاب الفردوس الاعلى ! ". * * * قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض. وقد (1) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل. وفى صحيح البخاري عن أبى أسيد، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: إذا أكثبوكم، يعنى المشركين، فارموهم واستبقوا نبلكم. وقال البيهقى: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن أبى إسحاق، حدثنى عبدالله بن الزبير، قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعار المهاجرين يوم بدر: يا بنى عبدالرحمن. وشعار الخزرج: يا بنى عبدالله. وشعار الاوس: يا بنى عبيد الله، وسمى خيله خيل الله. قال ابن هشام: كان شعار الصحابة يوم بدر: أحد أحد. قال ابن إسحاق: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر رضى الله عنه، يعنى وهو يستغيث الله عزوجل، كما قال تعالى: " إذ يستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم " (2). قال الامام أحمد: حدثنا أبو نوح قراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثنى ابن عباس، حدثنى عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدر


(1) الاصل: وقال. وهو تحريف. وما أثبته عن ابن هشام. (2) سورة الانفال 9، 10. (*)

[ 417 ]

نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: " اللهم أنجز لى ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد بعد في الارض أبدا ". فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا رسول الله كفاك (1) مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله: " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين ". وذكر تمام الحديث كما سيأتي. وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وغيرهم من حديث عكرمة بن عمار اليماني، وصححه على ابن المدينى والترمذي. وهكذا قال غير واحد، عن ابن عباس والسدى وابن جرير وغيرهم، أن هذه الآية نزلت في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وقد ذكر الاموى وغيره أن المسلمين عجوا إلى الله عزوجل في الاستغاثة بجنابه والاستعانة به. وقوله تعالى: " بألف من الملائكة مردفين " أي ردفا لكم ومددا لفئتكم. رواه العوفى عن ابن عباس. وقاله مجاهد وابن كثير وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم. وقال أبو كدينة، عن قابوس، عن ابن عباس " مردفين " وراء كل ملك ملك


(1) الاصل: كذاك. وهو تحريف. (*) (27 - السيرة - 2)

[ 418 ]

وفى رواية عنه بهذا الاسناد " مردفين " بعضهم على أثر بعض وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة. وقد روى على بن أبى طلحة الوالبى عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنبة وميكائيل في خمسمائة مجنبة، وهذا هو المشهور. ولكن قال ابن جرير: حدثنى المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنى عبد العزيز بن عمران، عن الربعي، عن أبى الحويرث عن محمد بن جبير، عن على، قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة على ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة على ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا في الميسرة. ورواه البيهقى في الدلائل، من حديث محمد بن جبير، عن على، فزاد: ونزل إسرافيل في ألف من الملائكة. وذكر أنه طعن يومئذ بالحربة حتى اختضبت إبطه من الدماء، فذكر أنه نزلت ثلاثة آلاف من الملائكة. وهذا غريب وفى إسناده ضعف، ولو صح لكان فيه تقوية لما تقدم من الاقوال. ويؤيدها قراءة من قرأ: " بألف من الملائكة مردفين " بفتح الدال. والله أعلم. وقال البيهقى: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الاصم، حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا عبيد الله بن عبدالمجيد أبو على الحنفي، حدثنا عبيد الله بن عبدالرحمن بن موهب، أخبرني إسماعيل بن عوف بن عبدالله بن أبى رافع، عن عبدالله بن محمد بن عمر ابن على بن ابى طالب، عن أبيه عن جده، قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا لانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل، قال: فجئت فإذا هو

[ 419 ]

ساجد يقول " يا حى يا قيوم يا حى يا قيوم " لا يزيد عليها. فرجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، فذهبت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، حتى فتح الله على يده. وقد رواه النسائي في اليوم والليلة، عن بندار، عن عبيد الله بن عبد المجيد أبى على الحنفي. وقال الاعمش: عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، عن عبدالله بن مسعود، قال: ما سمعت مناشدا يشند أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر، جعل يقول: " اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " ثم التفت وكأن شق وجهه القمر وقال: كأنى أنظر إلى مصارع القوم عشية. رواه النسائي من حديث الاعمش به. وقال: لما التقينا يوم بدر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت مناشدا ينشد حقا له أشد مناشدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكره. وقد ثبت إخباره عليه السلام بمواضع مصارع رءوس المشركين يوم بدر في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك كما تقدم، وسيأتى في صحيح مسلم أيضا عن عمر بن الخطاب. ومقتضى حديث ابن مسعود أنه أخبر بذلك يوم الوقعة. وهو مناسب، وفى الحديثين الآخرين عن أنس وعمر ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم. ولا مانع من الجمع بين ذلك، بأن يخبر به قبل بيوم وأكثر، وأن يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة. والله أعلم. وقد روى البخاري من طرق، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر " اللهم أنشدك عهدك ووعدك،

[ 420 ]

اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا " فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك. فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: " سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ". وهذه الآية مكية. وقد جاء تصديقها يوم بدر، كما رواه ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة قال: لما نزلت: " سيهزم الجمع ويولون الدبر " قال عمر: أي جمع يهزم وأى جمع يغلب ؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: " سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " فعرفت تأويلها يومئذ. وروى البخاري من طريق ابن جريج، عن يوسف بن ماهان، سمع عائشة تقول: نزل على محمد بمكة - وإنى لجارية ألعب - " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ". * * * قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد " وأبو بكر يقول: يا نبى الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وقد خفق النبي صلى الله عليه وسلم [ خفقة ] وهو في العريش، ثم انتبه فقال: " أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع " يعنى الغبار. قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال: " والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ".

[ 421 ]

قال عمير بن الحمام، أخو بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهن: بخ بخ ! أفما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء ؟ قال: ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. رحمه الله. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بسبسا عينا ينظر ما صنعت عير أبى سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيرى وغير النبي صلى الله عليه وسلم. قال: لا أدرى ما استثنى من بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث. قال: فخرج رسول الله فتكلم فقال " إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا " فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة قال: " لا إلا من كان ظهره حاضرا ". وانطلق رسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يتقدمن أحد منكم إلى شئ حتى أكون أنا دونه ". فدنا المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قوموا إلى جنة عرضها السموات والارض ". قال يقول عمير بن الحمام الانصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والارض ؟ ! قال: نعم. قال: بخ بخ ؟ فقال رسول الله: " ما يحملك على قول بخ بخ ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة ! قال: فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله.

[ 422 ]

ورواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة وجماعة، عن أبى النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة به. وقد ذكر ابن جرير أن عميرا قاتل وهو يقول رضى الله عنه: ركضا إلى الله بغير زاد * إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد * وكل زاد عرضه النفاد غير التقى والبر والرشاد * * * وقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن على، قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحيز عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين: رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبى معيط، فأما القرشى فانفلت، وأما المولى فوجدناه، فجعلنا نقول له: كم القوم ؟ فيقول: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه. حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: كم القوم ؟ قال: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم. فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم فأبى. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: كم ينحرون من الجزر ؟ فقال: عشرا كل يوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " القوم ألف، كل جزور لمائة وتبعها ". ثم إنه أصابنا من الليل طش من من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقول " اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد ".

[ 423 ]

فلما طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله. فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال ثم قال: " إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل ". فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا على ناد حمزة "، وكان أقربهم من المشركين، من صاحب الجمل الاحمر ؟ فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة. وهو ينهى عن القتال ويقول لهم: يا قوم اعصبوها برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة. وقد علمتم أنى لست بأجبنكم. فسمع بذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك، والله لو غيرك يقوله لاعضضته، قد ملات رئتك جوفك رعبا. فقال: إياى تعير يا مصفر استه ؟ ستعلم اليوم أينا الجبان. فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا: من يبارز ؟ فخرج فتية من الانصار مشببة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن نبارز من بنى عمنا من بنى عبدالمطلب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قم يا حمزة، وقم يا على، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب ". فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين. وجاء رجل من الانصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: يا رسول الله الله إن هذا ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الانصاري: أنا أسرته يا رسول الله.

[ 424 ]

فقال: " اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم ". قال: فأسرنا من بنى عبدالمطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث. هذا سياق حسن، وفيه شواهد لما تقدم ولما سيأتي، وقد تفرد بطوله الامام أحمد، وروى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل به. * * * ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش وحرض الناس على القتال، والناس على مصافهم صابرين ذاكرين الله كثيرا، كما قال الله تعالى آمرا لهم " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا (1) " الآية. وقال الاموى: حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبى إسحاق، قال: قال الاوزاعي: كان يقال: قلما ثبت قوما قياما، فمن استطاع عند ذلك أن يحلس أو يغض طرفه ويذكر الله رجوت أن يسلم من الرياء. وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لاصحابه: ألا ترونهم، يعنى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جثيا على الركب كأنهم حرس، يتلمظون كما تتلمظ الحيات، أو قال الافاعى. قال الاموى في مغازيه: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين حرض المسلمين على القتال قد نفل كل امرئ ما أصاب، وقال: " والذى نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل [ فيقتل ] صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ". وذكر قصة عمير ابن الحمام كما تقدم. وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق، كما كانا


(1) سورة الانفال 45. (*)

[ 425 ]

في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال، وقاتلا بالابدان جمعا بين المقامين الشريفين. قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن حارثة ابن مضرب، عن على، قال: قد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا. ورواه النسائي من حديث أبى إسحاق عن حارثة، عن على قال: كنا إذا حمى البأس ولقى القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر، عن أبى عون، عن أبى صالح الحنفي، عن على، قال: قيل لعلى ولابي بكر رضى الله عنهما يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل. أو قال: يشهد الصف. وهذا يشبه ما تقدم من الحديث: أن أبا بكر كان في الميمنة، ولما تنزل الملائكة يوم بدر تنزيلا، كان جبريل على أحد المجنبتين في خمسمائة من الملائكة، فكان في الميمنة من ناحية أبى بكر الصديق، وكان ميكائيل على المجنبة الاخرى في خمسمائة من الملائكة فوقفوا في الميسرة، وكان على بن أبى طالب فيها. [ وفى حديث رواه أبو يعلى، من طريق محمد بن جبير بن مطعم، عن على، قال كنت أسبح على القليب يوم بدر، فجاءت ريح شديدة ثم أخرى ثم أخرى، فنزل ميكائل في ألف من الملائكة فوقف على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك أبو بكر، وإسرافيل في ألف في الميسرة وأنا فيها، وجبريل في ألف قال: ولقد طفت يومئذ حتى بلغ إبطى ] (1).


(1) سقط من ا (*)

[ 426 ]

وقد ذكر صاحب العقد وغيره أن أفخر بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت: وببئر بدر إذ يكف مطيهم * جبريل تحت لوائنا ومحمد * * * وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقى، عن أبيه، وكان أبوه من أهل بدر، قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة. انفرد به البخاري. وقد قال الله تعالى: " إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الاعناق - يعنى الرؤوس - واضربوا منهم كل بنان ". وفى صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن أبى زميل، حدثنى ابن عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس [ يقول: ] (1) أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه قد خر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو [ قد ] (1) حطم [ أنفه ] (1) وشق وجهه بضربة (2) السوط فاخضر (3) ذلك أجمع، فجاء الانصاري فحدث ذاك (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. " فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين. قال ابن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر بن حزم، عمن حدثه، عن ابن عباس، عن رجل من بنى غفار، قال: حضرت أنا وابن عم لى بدرا ونحن على شركنا،


(1) من صحيح مسلم. (2) صحيح مسلم: كضربة السوط. (3) الاصل: وحضر. بالحاء والضاد. وما أثبته عن صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 86 (4) مسلم: بذلك. (*)

[ 427 ]

وإنا لفى جبل ننتظر الوقعة على من تكون الدائرة (1)، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا منها حمحمة الخيل، وسمعنا قائلا يقول: أقدم حيزوم: فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا لكدت (2) أن أهلك ثم انتعشت (3) بعد ذلك. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبدالله بن أبى بكر، عن بعض بنى ساعدة، عن أبى أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرا، قال، بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لاريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى. فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله إليهم: " أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا ". وتثبيتهم: أن الملائكة كانت تأتى الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له: أبشروا فإنهم ليسوا بشئ والله معكم، كروا عليهم. وقال الواقدي: حدثنى ابن أبى حبيبة، عن دواد بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون فيقول: إنى قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا. ليسوا بشئ. إلى غير ذلك من القول. فذلك قوله: " إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا " الآية. ولما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال: " إنى برئ منكم، إنى أرى ما لا ترون " وهو في صورة سراقة. وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه. ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى تفرق محمدا واصحابه في الجبال، فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا.


(1) ابن هشام وأبو نعيم: الدبرة. (2) ابن هشام وأبو نعيم: فكدت. (3) ابن هشام وأبو نعيم: ثم تماسكت. (*)

[ 428 ]

وروى البيهقى من طريق سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال أبو أسيد، بعد ما ذهب بصره: يا ابن أخى والله لو كنت أنا وأنت ببدر، ثم أطلق الله بصرى، لاريتك الشعب الذى خرجت علينا منه الملائكة من غير شك ولا تمار. وروى البخاري، عن إبراهيم بن موسى، عن عبد الوهاب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: " هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه أداة الحرب ". وقال الواقدي: حدثنا ابن أبى حبيبة، عن دواد بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخبرني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمى، عن أبيه، وحدثني عابد بن يحيى، عن ابى الحويرث، عن عمارة بن أكيمة الليثى، عن عكرمة، عن حكيم بن حزام، قالوا: لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه يسأل الله النصر وما وعده يقول " اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين " وأبو بكر يقول: والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك. فأنزل الله ألفا من الملائكة مردفين عند اكتناف العدو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والارض، فلما نزل إلى الارض تغيب عنى ساعة ثم طلع وعلى ثناياه النقع يقول: أتاك نصر الله إذ دعوته ". وروى البيهقى عن أبى أمامة بن سهل، عن أبيه، قال: يا بنى لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. وقال ابن إسحاق: حدثنى والدى، حدثنى رجال من بنى مازن، عن أبى واقد الليثى، قال: إنى لاتبع رجلا من المشركين لاضربه، فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى، فعرفت أن غيرى قد قتله.

[ 429 ]

وقال يونس بن بكير، عن عيسى بن عبدالله التيمى، عن الربيع بن أنس، قال: كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الاعناق وعلى البنان مثل سمة النار وقد أحرق به. وقال ابن إسحاق: حدثنى من لا أتهم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل، فإنه كانت عليه عمامة صفراء. وقد قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الايام، وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون. وقال الواقدي: حدثنى عبدالله بن موسى بن أبى أمية، عن مصعب بن عبدالله، عن مولى لسهيل بن عمرو، سمعت سهيل بن عمرو يقول: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض معلمين يقتلون ويأسرون. وكان أبو أسيد يحدث بعد أن ذهب بصره، قال: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى، لاريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمترى. قال: وحدثني خارجة بن إبراهيم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: " من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم ؟ " فقال جبريل: يا محمد ما كل أهل السماء أعرف. قلت: وهذا الاثر مرسل، وهو يرد قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل، كما قاله السهيلي وغيره. والله أعلم. وقال الواقدي: حدثنى إسحاق بن يحيى، عن حمزة بن صهيب، عن أبيه قال: فما أدرى كم يد مقطوعة وضربة جائفة لم يدم كلمها قد رأيتها يوم بدر ! وحدثني محمد بن يحيى، عن أبى عقيل، عن أبى بردة بن نيار، قال: جئت يوم

[ 430 ]

بدر بثلاثة أرؤس فوضعتهن بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإنى رأيت رجلا طويلا [ قتله ] فأخذت رأسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك فلان من الملائكة ". وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان السائب بن أبى حبيش يحدث في زمن عمر يقول: والله ما أسرني أحد من الناس. فيقال: فمن ؟ يقول: لما انهزمت قريش انهزمت معها، فأدركني رجل أشعر طويل على فرس أبيض فأوثقني رباطا، وجاء عبدالرحمن بن عوف فوجدني مربوطا فنادى في العسكر: من أسر هذا ؟ حتى انتهى بى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أسرك ؟ قلت: لا أعرفه. وكرهت أن أخبره بالذى رأيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسرك ملك من الملائكة اذهب يا بن عوف بأسيرك ". وقال الواقدي: حدثنى عابد بن يحيى، حدثنا أبو الحويرث، عن عمارة بن أكيمة، عن حكيم بن حزام، قال: لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بجاد (1) من السماء قد سد الافق، فإذا الوادي يسيل نهلا، فوقع في نفسي أن هذا شئ من السماء أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة ولقى الملائكة. [ وقال إسحاق بن راهوية، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنى أبى، عن محمد بن إسحاق، حدثنى أبى، عن جبير بن مطعم، قال: رأيت قبل هزيمة القوم، والناس يقتتلون، مثل البجاد الاسود قد نزل من السماء مثل النمل الاسود، فلم أشك أنها الملائكة فلم يكن إلا هزيمة القوم ] (2). * * * ولما تنزلت الملائكة للنصر ورآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أغفى إغفاءة


(1) البجاد: كساء مخطط. (2) سقط من ا (*)

[ 431 ]

ثم استيقظ، وبشر بذلك أبا بكر وقال " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع " يعنى من المعركة. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش في الدرع فجعل يحرض على القتال، ويبشر الناس بالجنة ويشجعهم بنزول الملائكة، والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم، حصل لهم السكينة والطمأنينة. وقد حصل النعاس الذى هو دليل على الطمأنينة والثبات والايمان، كما قال: " إذ يغشيكم النعاس أمنة منه " وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أحد بنص القرآن. ولهذا قال ابن مسعود: النعاس في المصاف من الايمان، والنعاس في الصلاة من النفاق. وقال الله تعالى: " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، وإن تنتهوا فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين (1) ". قال الامام أحمد، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنى الزهري، عن عبدالله بن ثعلبة، أن أبا جهل قال، حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة: فكان هو المستفتح. وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة، ورواه النسائي من طريق صالح بن كيسان عن الزهري، ورواه الحاكم من حديث الزهري أيضا. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الاموى: حدثنا أسباط بن محمد القرشى، عن عطية، عن مطرف، في قوله:


(1) سورة الانفال 19. (*)

[ 432 ]

" إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " قال: قال أبو جهل: اللهم [ أعن ] أعز الفئتين، وأكرم القبيلتين، وأكثر الفريقين. فنزلت: " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ". وقال على بن أبى طلحة، عن ابن عباس في قوله: " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " قال: أقبلت عير أهل مكة تريد الشام، فبلغ ذلك أهل المدينة فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون العير. فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا إليها لكيلا يغلب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الله قد وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا يحبون أن يلقوا العير. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم، وكره القوم مسيرهم لشوكة القوم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وبينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمون ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم كذا (2) فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، فأذهب الله عنهم رجز الشيطان، فصار الرمل لبدا ومشى الناس عليه والدواب. فساروا إلى القوم وأيد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة. وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه ذريته وهم في صورة رجال من بنى مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وقال الشيطان للمشركين: " لا غالب لكم اليوم من الناس، وإنى جار لكم ".


(1) الدعصة: المستدير من الرمل. (2) في الروايات أن بعضهم كانوا محدثين من الاحتلام. (*)

[ 433 ]

فلما اصطف الناس قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره. ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الارض أبدا ". فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب. فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين. وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أما زعمت أنك لنا جار ؟ قال: إنى أرى ما لا ترون، إنى أخاف الله والله شديد العقاب. وذلك حين رأى الملائكة. وراه البيهقى في الدلائل. * * * [ وقال الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعد العطار حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا هشام بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس الانصاري، عن رفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص إليه، فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال: اللهم إنى أسألك نظرتك إياى، وخاف أن يخلص القتل إليه. وأقبل أبو جهل فقال يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك، فإنه كان على معياد من محمد، ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنهم قد عجلوا، فو اللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالجبال، فلا ألفين رجلا منكم قتل رجلا، ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم، من مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى. (28 - السيرة 2)

[ 434 ]

ثم قال أبو جهلا متمثلا: ما تنقم الحرب الشموس منى * بازل عامين حديث سنى لمثل هذا ولدتني أمي ] (1) وروى الواقدي، عن موسى بن يعقوب الزمعى، عن أبى بكر بن أبى سليمان، عن أبى حتمة، سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر، فجعل الشيخ يكره ذلك، فألح عليه فقال حكيم: التقينا فاقتتلنا، فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الارض مثل وقعة الحصاة في الطست، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم القبضة التراب فرمى بها فانهزمنا. قال الواقدي: وحدثنا إسحاق بن محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله، عن عبدالله بن ثعلبة بن صقير (2)، سمعت نوفل بن معاوية الديلى يقول: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس في أفئدتنا ومن خلفنا، وكان ذلك من أشد الرعب علينا. وقال الاموى: حدثنا أبى، حدثنا ابن أبى إسحاق، حدثنى الزهري، عن عبدالله ابن ثعلبة بن صقير، أن أبا جهل حين التقى القوم قال: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح. فبينما هم على تلك الحال، وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة في العريش ثم انتبه فقال: " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وعدته ".


(1) سقط من ا (2) المطبوعة: صعير. وهو خطأ. (*)

[ 435 ]

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفا من الحصى بيده، ثم خرج فاستقبل القوم فقال: " شاهت الوجوه " ثم نفحهم بها، ثم قال لاصحابه: احملوا. فلم تكن إلا الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم. وقال زياد عن ابن إسحاق: ثم إن رسول صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال: " شاهت الوجوه " ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال: " شدوا " فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم. وقال السدى الكبير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى يوم بدر: " أعطني حصباء من الارض " فناوله حصباء عليها تراب، فرمى به في وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ، ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله في ذلك: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ". وهكذا قال عروة وعكرمة ومجاهد ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس وقتادة وابن زيد وغيرهم: إن هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدر. وقد فعل عليه السلام مثل ذلك في غزوة حنين. كما سيأتي في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله وبه الثقة. وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرض أصحابه على القتال ورمى المشركين بما رماهم به من التراب وهزمهم الله تعالى، صعد إلى العريش أيضا ومعه أبو بكر، ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الانصار على باب العريش ومعهم السيوف خيفة أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: ولما وضع القوم أيديهم يأسرون، رأى رسول الله صلى الله

[ 436 ]

عليه وسلم، فيما ذكر لى، في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: " كأنى بك يا سعد تكره ما يصنع القوم ؟ " قال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الاثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال. قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبدالله بن معبد، عن بعض أهله، عن عبدالله ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يومئذ " إنى قد عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البخترى بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها ". فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس، والله لئن لقيته لالحمنه بالسيف. فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر: " يا أبا حفص " قال عمر: والله إنه لاول يوم كنانى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى حفص، " أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ! ". فقال عمر: يا رسول الله دعني فلاضرب عنقه بالسيف فو الله لقد نافق. فقال أبو حذيفة: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عنى الشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدا. رضى الله عنه. مقتل أبى البخترى بن هشام قال ابن إسحاق: وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبى البخترى

[ 437 ]

لانه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة. كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة، فلقيه المجذر بن ذياد البلوى حليف الانصار فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتلك. ومع أبى البخترى زميل له خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة وهو من بنى ليث. قال: وزميلي ؟ فقال له المجذر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك، قال: لا والله إذا لاموتن أنا وهو جميعا، لا يتحدث عنى نساء قريش بمكة أنى تركت زميلي حرصا على الحياة ! وقال أبوالبخترى وهو ينازل المجذر: لن يترك (1) ابن حرة زميله * حتى يموت أو يرى سبيله قال: فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد. وقال في ذلك: إما جهلت أو نسيت نسبي * فأثبت النسبة إنى من بلى الطاعنين برماح اليزنى * والطاعنين (2) الكبش حتى ينحنى بشر بيتم من أبوه البخترى * أو بشرن بمثلها منى بنى أنا الذى يقال أصلى من بلى * أطعن بالصعدة (3) حتى تنثني وأعبط القرن بعضب مشرفى * أرزم للموت كإرزام المرى (4) فلا ترى مجذرا يفرى فرى (5) ثم أتى المجذر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذى بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فأتيك به فأبى إلا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته.


(1) ابن هشام: لن يسلم (2) ابن هشام: الضاربين (3) الصعدة: الرمح. (4) أعبط: أقتل. والقرن: النظير في الحرب. والعضب: السيف القاطع. وأرزم: أحن. والمرى: الناقة التى يستنزل لبنها على عسر. (5) يفرى فرى: يصنع صنعى. (*)

[ 438 ]

فصل في مقتل أمية بن خلف قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه وحدثنيه أيضا عبدالله بن أبى بكر وغيرهما، عن عبدالرحمن بن عوف، قال: كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة، وكان اسمى عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبدالرحمن، فكان يلقانى ونحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك ؟ قال: فأقول: نعم. قال (1): فإنى لا أعرف الرحمن، فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيبني باسمك الاول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه. قال: فقلت له: يا أبا على اجعل ما شئت. قال: فأنت عبد الاله. قال: قلت: نعم. قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الاله. فأجيبه فأتحدث معه. حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه على وهو آخذ بيده، قال: ومعى أدراع لى قد استلبتها فأنا أحملها، فلما رأني قال: يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال: يا عبد الاله. فقلت: نعم. قال: هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التى معك ؟ قال: قلت: نعم ها الله (2). قال: فطرحت الادرع من يدى وأخذت بيده وبيد ابنه، وهو يقول ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن (3) ؟ ثم خرجت أمشى بهما. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الواحد بن أبى عون، عن سعد بن إبراهيم، عن


(1) ابن هشام: فيقول. (2) ابن هشام: ها الله ذا. وها: حرف تنبيه ولفط الجلالة مجرور بحرف قسم مضمر قام التنبيه مقامه. (3) قال ابن هشام: يريد باللبن أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن. (*)

[ 439 ]

أبيه، عن عبدالرحمن بن عوف، قال: قال لى أمية ابن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما: يا عبد الاله من الرجل منكم المعلم بريشه نعامة في صدره ؟ قال: قلت: حمزة قال: ذاك الذى فعل بنا الافاعيل. قال عبدالرحمن: فو الله إنى لاقودهما إذ رآه بلال معى، وكان هو الذى يعذب بلالا بمكة على الاسلام، فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال قلت: أي بلال، أسيرى، قال: لا نجوت إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة (1) فأنا أذب عنه، قال: فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط. قال: قلت: انج بنفسك ولا نجاء [ بك ] (2)، فو الله ما أغنى عنك شيئا. قال: فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبدالرحمن يقول: يرحم الله بلالا، فجعني بأدراعى وبأسيرى ! وهكذا رواه البخاري في صحيحه قريبا من هذا السياق، فقال في الوكالة: حدثنا عبد العزيز، هو ابن عبدالله، حدثنا يوسف، هو ابن الماجشون، عن صالح بن ابراهيم ابن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبدالرحمن بن عوف، قال: كاتبت أمية ابن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتى (3) بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت الرحمن قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذى كان في الجاهلية. فكاتبته عبد عمرو، فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لاحرزه حين نام الناس فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس [ من ] الانصار فقال: أمية بن خلف ؟ ! لا نجوت إن نجا أمية بن خلف. فخرج معه فريق من الانصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه


(1) المسكة: السوار، أي أحد قوابهم. (2) من ابن هشام. (3) صاغيتى: خاصتي. (*)

[ 440 ]

لاشغلهم فقتلوه، ثم أتوا حتى تبعونا وكان رجلا ثقيلا، فلما أدركونا قلت له: ابرك. فبرك فألقيت عليه نفسي لامنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلى بسيفه، فكان عبدالرحمن بن عوف يرينا ذلك في ظهر قدمه. سمع يوسف صالحا وإبراهيم أباه. تفرد به البخاري من بينهم كلهم. وفى مسند رفاعة بن رافع أنه هو الذى قتل أمية بن خلف. مقتل أبى جهل لعنه الله قال ابن هشام: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز [ وهو يقاتل ] (1) ويقول: ما تنقم الحرب العوان منى * بازل عامين حديث سنى لمثل هذا ولدتني أمي قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بأبى جهل أن يلتمس في القتلى. وكان أول من لقى أبا جهل كما حدثنى ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس وعبد الله بن أبى بكر أيضا، قد حدثنى ذلك، قالا: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (2) وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت (3) قدمه بنصف ساقه، فو الله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. قال: وضربنى ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدى


(1) من ابن هشام. (2) قال ابن هشام: الحرجة: الشجر الملتف. (3) أطنت: أطارت. (*)

[ 441 ]

فتعلقت بجلدة من جنبى، وأجهضني (1) القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومى وإنى لاسحبها خلفي، فلما آذتنى وضعت عليها قدمى ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان. ثم مر بأبى جهل، وهو عقير، معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل. فمر عبدالله بن مسعود بأبى جهل، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني: انظروا إن خفى عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته، فإنى ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش (2) في أحدهما جحشا لم يزل أثره به. قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلى على عنقه. قال: وقد كان ضبث بى (3) مرة بمكة فأذاني ولكزنى، ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال: وبماذا أخزاني [ قال (4) ] أعمد من رجل قتلتموه (5). أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال: قلت لله ولرسوله. قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بنى مخزوم أن ابن مسعود كان يقول: قال لى: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعى الغنم. ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدو الله. فقال: " آ لله الذى لا إله غيره ؟ ". وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: نعم والله الذى لا إله غيره. ثم ألقيت رأسه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله.


(1) أجهضني: غلبنى. (2) جحش: انخدش. (3) ضبث: قبض عليه ولزمه. (4) ليست في ابن هشام. (5) ابن هشام: أعمد من رجل قتله قومه. (*)

[ 442 ]

هكذا ذكر ابن إسحاق رحمه الله. وقد ثبت في الصحيحين من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون، عن صالح ابن ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن عوف، قال: إنى لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يمينى وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أظلع (1) منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم أتعرف أبا جهل ؟ فقلت: نعم وما حاجتك إليه ؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذى نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الاعجل منا. فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لى أيضا مثلها. فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان ؟ هذا صاحبكم الذى تسألان عنه. فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: " أيكما قتله ؟ ". قال كل منهما: أنا قتلته. قال: " هل مسحتما سيفيكما ؟ " قالا: لا قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال: " كلاهما قتله " وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والآخر معاذ بن عفراء. وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابراهيم بن سعد، عن أبيه عن جده، قال: قال عبدالرحمن: إنى لفى الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يمينى وعن يسارى فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لى أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرنى أبا جهل. فقلت: يا بن أخى ما تصنع به ؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. وقال لى الآخر سرا من صاحبه مثله. قال: فما سرنى إننى بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه هما ابنا عفراء.


(1) أظلع: أضعف. (*)

[ 443 ]

وفى الصحيحين أيضا من حديث أبى سليمان التيمى، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى عليه الله وسلم " من ينظر ماذا صنع أبو جهل ؟ " قال ابن مسعود: أنا يا رسول الله. فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد. قال: فأخذ بلحيته قال فقلت: أنت أبو جهل ؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه. أو قال: قتله قومه ! وعند البخاري، عن أبى أسامة، عن إسماعيل بن قيس، عن ابن مسعود، أنه أتى أبا جهل فقال: هل أخزاك الله ؟ فقال: هل اعمد من رجل قتلتموه ! وقال الاعمش، عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، عن عبدالله، قال: انتهيت إلى أبى جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد، ومعى سيف ردئ، فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة حتى ضعفت (1) يده، فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال: على من كانت الدائرة، لنا أو علينا ؟ ألست رويعينا بمكة ؟ قال: فقتلته، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: قتلت أبا جهل. فقال: آلله الذى لا إله إلا هو ؟ فاستحلفني ثلاث مرات. ثم قام معى إليهم فدعا عليهم. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، قال: قال عبدالله: انتهيت إلى أبى جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو يذب الناس عنه بسيف له، فقلت: الحمد لله الذى أخزاك الله يا عدو الله. قال: هل هو إلا رجل قتله قومه ! فجعلت أتناوله بسيف لى غير طائل، فأصبت يده، فندر (2) سيفه، فأخذته فضربته حتى قتلته. قال: ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أقل (3) من الارض فأخبرته فقال: " آلله الذى لا إله إلا هو ؟ " فرددها ثلاثا. قال: قلت: آلله الذى لا إله إلا هو.


(1) ا: صفقت. (2) ندر: سقط. (3) أقل: أحمل. (*)

[ 444 ]

قال: فخرج يمشى معى حتى قام عليه فقال: " الحمد لله الذى قد أخزاك الله يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الامة ". وفى رواية أخرى قال ابن مسعود " فنفلنى سيفه. وقال أبو إسحاق الفزارى، عن الثوري، عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، عن ابن مسعود قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقلت: قد قتلت أبا جهل فقال: " آلله الذى لا إله إلا هو ؟ " فقلت: آلله الذى لا إله إلا هو مرتين، أو ثلاثا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر، الحمد لله الذى صدق وعده، ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده " ثم قال: " انطلق فأرنيه، فانطلقت فأريته، فقال: " هذا فرعون هذه الامة ". ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبى إسحاق السبيعى به. وقال الواقدي: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصرع ابني عفراء فقال: " رحم الله ابني عفراء، فهما شركاء في قتل فرعون هذه الامة ورأس أئمة الكفر " فقيل: يا رسول الله ومن قتله معهما ؟ قال: " الملائكة، وابن مسعود قد شرك في قتله ". رواه البيهقى. وقال البيهقى: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الازهر، عن أبى إسحاق، قال: لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البشير يوم بدر بقتل أبى جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذى لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا ؟ فحلف له، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا. ثم روى البيهقى من طريق أبى نعيم، عن سلمة بن رجاء، عن الشعثاء، امرأة من بنى أسد، عن عبدالله بن أبى أوفى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين حين بشر بالفتح وحين جئ برأس أبى جهل.

[ 445 ]

وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بشر بكر بن خلف، حدثنا سلمة بن رجاء، قال حدثتني شعثاء، عن عبدالله بن أبى أوفى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبى جهل ركعتين. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا أبى، حدثنا هشام، أخبرنا مجالد، عن الشعبى، أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الارض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الارض، ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أبو جهل بن هشام، يعذب إلى يوم القيامة ". وقال الاموى في مغازيه: سمعت أبى، حدثنا المجالد بن سعيد، عن عامر، قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال إنى رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد حتى يغيب في الارض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك أبو جهل وكل به ملك يفعل به كلما خرج، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ". وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بعنزة فطعنته في عينه فمات. قال هشام: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلى عليه ثم تمطيت، فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سألها إياه عمر بن الخطاب فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل على فطلبها عبدالله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل.

[ 446 ]

وقال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي، أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص، ومر به، إنى أراك كأن في نفسك شيئا، أراك تظن أنى قتلت أباك ؟ إنى لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإنى مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه، فحدت عنه وقصد له ابن عمه على فقتله. * * * قال ابن إسحاق " وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الاسدي حليف بنى عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب فقال: " قاتل بهذا يا عكاشة ". فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله طليحة الاسدي أيام الردة، وأنشد طليحة في ذلك قصيدة منها قوله: عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة الغنمى عند مجال وقد أسلم بعد ذلك طليحة، كما سيأتي بيانه. قال ابن إسحاق: وعكاشة هو الذى قال حين بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: ادع الله أن يجعلني منهم قال: " اللهم اجعله منهم ". وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرهما. قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - " منا خير فارس في العرب " قالوا: ومن هو يا رسول الله ؟ قال " عكاشة بن محصن " فقال ضرار

[ 447 ]

ابن الازور: ذاك رجل منا يا رسول الله. قال " ليس منكم، ولكنه منا للحلف. وقد روى البيهقى، عن الحاكم، من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثنى عمر بن عثمان الخشنى، عن أبيه، عن عمته، قالت: قال عكاشة بن محصن: انقطع سيفى يوم بدر فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم الله المشركين، ولم يزل عنده حتى هلك. وقال الواقدي: وحدثني أسامة بن زيد، عن داود بن الحصين، عن رجال من بنى عبد الاشهل، عدة، قالوا: انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر، فبقى أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب (1) فقال: اضرب به. فإذا سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبى عبيدة. رده عليه السلام عين قتادة قال البيهقى في الدلائل: أخبرنا أبو سعد المالينى، أخبرنا أبو أحمد بن عدى، حدثنا أبو يعلى، حدثنا يحيى الحمانى، حدثنا عبد العزيز بن سليمان بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لا " فدعاه فغمز حدقته براحته، فكان لا يدرى أي عينيه أصيب ! وفى رواية: فكانت أحسن عينيه. وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم ابن عمر بن قتادة وأنشد مع ذلك:


(1) ابن طاب: ضرب من الرطب. (*)

[ 448 ]

أنا ابن الذى سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أيما رد فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند ذلك، منشدا قول أمية بن أبى الصلت في سيف بن ذى يزن، فأنشده عمر في موضعه حقا: تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا فصل في قصة أخرى شبيهة بها قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن صالح، أخبرنا الفضل بن محمد الشعرانى، حدثنا إبراهيم بن المنذر، أخبرنا عبد العزيز بن عمران، حدثنى رفاعة بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رافع بن مالك، قال: لما كان يوم بدر تجمع الناس على أبى بن خلف، فأقبلت إليه فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت إبطه، قال: فطعنته بالسيف فيها طعنة، ورميت بسهم يوم بدر، ففقئت عينى، فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لى، فما آذانى منها شئ. وهذا غريب من هذا الوجه، وإسناده جيد ولم يخرجوه. ورواه الطبراني من حديث إبراهيم بن المنذر. * * * قال ابن هشام: ونادى أبو بكر ابنه عبدالرحمن، وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد، فقال: أين مالى يا خبيث ؟ فقال عبدالرحمن: لم يبق إلا شكة ويعبوب * وصارم يقتل ضلال الشيب يعنى لم يبق إلا عدة الحرب وحصان وهو اليعبوب، يقاتل عليه شيوخ الضلالة. هذا يقوله في حال كفره. وقد روينا في مغازى الاموى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشى هو

[ 449 ]

وأبو بكر الصديق بين القتلى: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " نفلق هاما ": فيقول الصديق: من رجال أعزة * علينا، وهم كانوا أعق وأظلما ! ذكر طرح رءوس الكفر في بئر يوم بدر قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملاها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل [ لحمه ] فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم فقال: " يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا ؟ ". قالت فقال له أصحابه " يا رسول الله أتكلم قوما موتى ؟ ! فقال: " لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق ". قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم. وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد علموا. قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول " يا أهل القليب، يا عتبة ابن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام، فعدد من كان منهم في القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا. فقال المسلمون: يا رسول الله أتنادى قوما قد جيفوا ؟. (29 - السيرة 2)

[ 450 ]

فقال: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني ". وقد رواه الامام أحمد عن ابن أبى عدى، عن حميد، عن أنس. فذكر نحوه. وهذا على شرط الشيخين. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا ". قلت: وهذا مما كانت عائشة رضى الله عنها تتأوله من الاحاديث، كما قد جمع ما كانت تتأوله من الاحاديث في جزء، وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات. وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله: " وما أنت بمسمع من في القبور " وليس هو بمعارض له، والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم، للاحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت إليه رضى الله عنها وأرضاها. وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله. فقالت: رحمه الله ! إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن ". قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال، قال: إنهم ليسمعون ما أقول. وإنما قال: " إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق " ثم قرأت: " إنك لا تسمع الموتى " و " ما أنت بمسمع من في القبور " تقول: حين تبوأوا مقاعدهم من النار. وقد رواه مسلم عن أبى كريب عن أبى أسامة به.

[ 451 ]

وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث، كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من الاحكام الكبير إن شاء الله. ثم قال البخاري: حدثنى عثمان، حدثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقا " ثم قال: " إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم ". وذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم الآن ليعلمون أن الذى كنت أقول لهم هو الحق. ثم قرأت: " إنك لا تسمع الموتى " حتى قرأت الآية. وقد رواه مسلم عن أبى كريب، عن أبى أسامة، وعن أبى بكر بن أبى شيبة، عن وكيع، كلاهما عن هشام بن عروة. * * * وقال البخاري: حدثنا (1) عبدالله بن محمد، سمع روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبى طلحة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى (2) من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة (3) ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته. حتى قام على شفة الركى، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، يسركم (4) أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ! ". فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ؟


(1) البخاري: حدثنى. (2) الطوى: البئر المبنية بالحجارة (3) العرصة: الموضع الواسع لا بناء فيه. (4) البخاري: أيسركم. (*)

[ 452 ]

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذى نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما. وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن سعيد بن أبى عروبة. ورواه الامام أحمد، عن يونس بن محمد المؤدب، عن شيبان بن عبدالرحمن، عن قتادة، قال: حدث أنس بن مالك. فذكر مثله. فلم يذكر أبا طلحة. وهذا إسناد صحيح، ولكن الاول أصح وأظهر. والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: " يا أمية ابن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا ". قال: فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون ؟ يقول الله تعالى: " إنك لا تسمع الموتى " فقال: " والذى نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا ". ورواه مسلم، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به. * * * وقال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت: عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحى في الورق القشيب (1) تداولها الرياح وكل جون * من الوسمى (2) منهمر سكوب فأمسى رسمها خلقا وأمست * يبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكر كل يوم * ورد حرارة القلب الكئيب (3)


(1) الوحى: الكتابة. (2) الوسمى: مطر الخريف. (3) ابن هشام: الصدر الكئيب. (*)

[ 453 ]

وخبر بالذى لا عيب فيه * بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدر * لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حراء * بدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منا بجمع * كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد وازروه * على الاعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفات * وكل مجرب خاطى الكعوب بنو الاوس الغطارف وازرتها * بنو النجار في الدين الصليب فغادرنا أبا جهل صريعا * وعتبة قد تركنا بالجبوب (1) وشيبة قد تركنا في رجال * ذوى حسب إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول الله لما * قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا كلامي كان حقا * وأمر الله يأخذ بالقلوب فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا * صدقت وكنت ذا رأى مصيب قال ابن إسحاق: ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب في القليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - في وجه أبى حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير لونه فقال: " يا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شئ ؟ " أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبى ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبى رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنت أرجو له، أحزنني ذلك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا.


(1) الجبوب: وجه الارض. (*)

[ 454 ]

وقال البخاري: حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: " الذين بدلوا نعمة الله كفرا " قال: هم والله كفار قريش. قال عمرو: هم قريش، ومحمد نعمة الله: " وأحلوا قومهم دار البوار " قال: النار يوم بدر. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت: قومي الذين هم آووا نبيهم * وصدقوه وأهل الارض كفار إلا خصائص أقوام هم سلف * للصالحين من الانصار أنصار مستبشرين بقسم الله قولهم * لما أتاهم كريم الاصل مختار أهلا وسهلا ففى أمن وفى سعة * نعم النبي ونعم القسم والجار [ فأنزلوه بدار لا يخاف بها * من كان جارهم دارا هي الدار (1) ] وقاسموهم بها الاموال إذ قدموا * مهاجرين وقسم الجاحد (2) النار سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا والاهم (3) بغرور ثم أسلمهم * إن الخبيث لمن والاه غرار وقال إنى لكم جار فأوردهم * شر الموارد فيه الخزى والعار ثم التقينا فولوا عن سراتهم * من منجدين ومنهم فرقة غاروا وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أبى بكر وعبد الرزاق، قالا: حدثنا إسرائيل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتلى قيل له: عليك العير ليس دونها شئ. فناداه العباس وهو في الوثاق: إنه لا يصلح لك. قال: لم ؟ قال: لان الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أنجز لك ما وعدك. * * *


(1) من ابن هشام. (2) الاصل: الجاهل. وما أثبته عن ابن هشام. (3) ابن هشام: دلاهم. (*)

[ 455 ]

وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين، هذا مع حضور ألف من الملائكة. وكان قدر الله السابق فيمن بقى منهم أن سيسلم منهم بشر كثير، ولو شاء الله لسلط عليهم ملكا واحدا فأهلكهم عن آخرهم، ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية. وقد كان في الملائكة جبريل الذى أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط، وكن سبعا فيهن من الامم والدواب والاراضي والمزروعات، وما لا يعلمه إلا الله، فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه، ثم قلبهن منكسات وأتبعهن بالحجارة التى سومت لهم. كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط. وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين، وبين تعالى حكمه في ذلك فقال: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، حتى أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء، حتى تضع الحرب أوزارها، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض " (1) الآية. وقال تعالى: " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدرو قوم مؤمنين. ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء " (2) الآية. فكان قتل أبى جهل على يدى شاب من الانصار، ثم بعد ذلك يوقف عليه عبدالله بن مسعود ومسك بلحيته وصعد على صدره حتى قال له: لقد رقيت مرتقى صعبا يا رويعى الغنم. ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدى رسول الله.


(1) سورة محمد 4. (2) سورة التوبة 14، 15. (*)

[ 456 ]

فشفى الله به قلوب المؤمنين، كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة أو أن يسقط عليه سقف منزله أو يموت حتف أنفه ! والله أعلم. * * * وقد ذكر ابن إسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين، ممن كان مسلما ولكنه خرج معهم تقية منهم، لانه كان فيهم مضطهدا قد فتنوه عن إسلامه، جماعة منهم: الحارث بن زمعة بن الاسود، وأبو قيس بن الفاكه، [ وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ] (1) وعلى بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج. قال: وفيهم نزل قوله تعالى: " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم. قالوا: كنا مستضعفين في الارض. قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها. فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا " (2). وكان جملة الاسارى يومئذ سبعين أسيرا، كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله، منهم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمه العباس بن عبدالمطلب، وابن عمه عقيل بن أبى طالب، ونوفل بن الحارث بن عبدالمطلب. وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه، وعارضوا به حديث الحسن، عن أبن سمرة في ذلك. فالله أعلم. وكان فيهم أبو العاص ابن الربيع بن عبد شمس بن أمية زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم.


(1) من ابن هشام. (2) سورة النساء 97. (*)

[ 457 ]

فصل وقد اختلف الصحابة في الاسارى: أيقتلون أو يفادون على قولين. كما قال الامام أحمد: حدثنا على بن عاصم، عن حميد، عن أنس، وذكر رجل، عن الحسن، قال: استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الاسارى يوم بدر فقال: " إن الله قد أمكنكم منهم ". قال: فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، قال: فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم عاد النبي فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء. قال وأنزل الله تعالى: " لو لا كتاب من الله سبق لمسكم " الآية. انفرد به أحمد. وقد روى الامام أحمد، واللفظ له، ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وكذا على ابن المدينى وصححه، من حديث عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثنى ابن عباس، حدثنى عمر بن الخطاب قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه يوم بدر وهم ثلاثمة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة. فذكر الحديث كما تقدم إلى قوله: فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا. واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان، وإنى أرى أن تأخذ منهم الفدية،

[ 458 ]

فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ترى يا بن الخطاب ؟ " قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان، قريب لعمر، فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوداة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وهما يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للذى عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، قد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة ". لشجرة قريبة. وأنزل الله تعالى: " ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض، تريدون عرض الدينا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم " من الفداء، ثم احل لهم الغنائم. وذكر تمام الحديث. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبيدة، عن عبدالله، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الاسرى ؟ قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله أخرجوك وكذبوك، قربهم فأضرب أعناقهم.

[ 459 ]

قال: وقال عبدالله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا. قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا. فقال ناس: يأخذ بقول أبى بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول عبدالله بن رواحة. فخرج عليهم فقال: " إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: " فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم " ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: " إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: " رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا " وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: " ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم " أنتم عالة فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق. قال عبدالله: فقلت: يا رسول إلا سهيل بن بيضاء فإنى قد سمعته يذكر الاسلام. قال: فسكت. قال: فما رأيتنى في يوم أخوف أن تقع على حجارة من السماء من ذلك اليوم. حتى قال: " إلا سهيل بن بيضاء ". قال: فأنزل الله: " ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض، تريدون عرض الدينا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم، لو لا كتاب من الله سبق لمسكم " إلى آخر الآيتين. وهكذا رواه الترمذي والحاكم من حديث أبى معاوية، وقال الحاكم: صحيح الاسناد ولم يخرجاه. ورواه ابن مردويه من طريق عبدالله بن عمر وأبى هريرة بنحو ذلك. وقد روى عن أبى أيوب الانصاري بنحوه. وقد روى ابن مردويه والحاكم في المستدرك، من حديث عبيد الله بن موسى،

[ 460 ]

حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: لما أسر الاسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الانصار. قال: وقد أوعدته الانصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إنى لم أنم الليلة من أجل عمى العباس، وقد زعمت الانصار أنهم قاتلوه " قال عمر: أفآتيهم ؟ قال: نعم. فأتى عمر الانصار فقال لهم: أرسلوا العباس. فقالوا: لا والله لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله رضا ؟ قالوا فإن كان له رضا فخذه. فأخذه عمر، فلما صار في يده قال له عمر: يا عباس أسلم، فو الله لئن تسلم أحب إلى من أن يسلم الخطاب. وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه إسلامك. قال: واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فقال أبو بكر: عشيرتك فأرسلهم. واستشار عمر فقال: اقتلهم. ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: " ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض " الآية. ثم قال الحاكم في صحيحه: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث سفيان الثوري، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن على، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خير أصحابك في الاسارى إن شاءوا الفداء وإن شاءوا القتل، على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم. قالوا: الفداء أو يقتل منا. وهذا حديث غريب جدا، ومنهم من رواه مرسلا عن عبيدة. والله أعلم. وقد قال ابن إسحاق، عن ابن أبى نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: " لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " يقول: لو لا أنى لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. وهكذا روى عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد أيضا. واختاره ابن إسحاق وغيره.

[ 461 ]

وقال الاعمش: سبق منه ألا يعذب أحدا شهد بدرا. وهكذا روى عن سعد بن أبى وقاص وسعيد بن جبير وعطاء بن أبى رباح. وقال مجاهد والثوري: " لو لا كتاب من الله سبق " أي لهم بالمغفرة. وقال الوالبى: عن ابن عباس، سبق في أم الكتاب الاول أن المغانم وفداء الاسارى حلال لكم، ولهذا قال بعده: " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ". وهكذا روى عن أبى هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة والاعمش، واختاره ابن جرير. وقد ترجح هذا القول بما ثبت في الصحيحين، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الانبياء قبلى، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا، وحلت لى الغنائم ولم تحل لاحد قبلى، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة ". وروى الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم " لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا ". ولهذا قال تعالى: " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " فأذن الله تعالى في أكل الغنائم وفداء الاسارى. وقد قال أبو داود: حدثنا عبدالرحمن بن المبارك العبسى، حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا شعبة، عن أبى العنبس، عن أبى الشعثاء، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة، وهذا كان أقل ما فودى به أحد منهم من المال، وأكثر ما فودى به الرجل منهم أربعة آلاف درهم. * * *

[ 462 ]

وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم " الآية. وقال الوالبى، عن ابن عباس، نزلت في العباس ففادي نفسه بالاربعين أوقية من ذهب. قال العباس: فأتاني الله أربعين عبدا. يعنى كلهم يتجر له. قال: وأنا أرجو المغفرة التى وعدنا الله جل ثناؤه. وقال ابن إسحاق: حدثنى العباس بن عبدالله بن معبد (1)، عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر والاسارى محبوسون بالوثاق، بات النبي صلى الله عليه وسلم ساهرا أول الليل، فقال له أصحابه: ما لك لا تنام يا رسول الله ؟ فقال: " سمعت أنين عمى العباس في وثاقه " فأطلقوه، فسكت، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وكان رجلا موسرا ففادي نفسه بمائة أوقية من ذهب. قلت: وهذه المائة كانت عن نفسه وعن ابني أخويه عقيل ونوفل، وعن حليفه عتبة بن عمرو أحد بنى الحارث بن فهر، كما أمره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ادعى أنه كان قد أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ظاهرك فكان علينا، والله أعلم بإسلامك وسيجزيك " فادعى أنه لا مال عنده. قال: " فأين المال الذى دفنته أنت وأم الفضل وقلت لها: إن أصبت في سفري فهذا لبنى الفضل وعبد الله وقثم ؟ ". فقال: والله إنى لاعلم أنك رسول الله، إن هذا شئ ما علمه إلا أنا وأم الفضل. رواه ابن إسحاق، عن ابن أبى نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس. وثبت في صحيح البخاري من طريق موسى بن عقبة، قال الزهري: حدثنى أنس


(1) الاصل: معقل. وهو تحريف. وهو العباس بن عبدالله بن معبد بن العباس بن عبدالمطلب الهاشمي المدنى. (*)

[ 463 ]

ابن مالك، قال: إن رجالا من الانصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إيذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه. فقال: " لا والله لا تذرون منه درهما ". قال البخاري: وقال ابراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتى بمال من البحرين فقال: " انثروه في المسجد " فكان أكثر مال أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله أعطني، إنى فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال: خذ. فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال مر بعضهم يرفعه إلى. قال: لا. قال: فارفعه أنت على. قال: لا. فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إلى. قال: لا. قال: فارفعه أنت على. قال: لا. فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق. فما زال يتبعه بصره حتى خفى علينا عجبا من حرصه ! فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم. وقال البيهقى: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل بن عبدالرحمن السدى، قال: كان فداء العباس وابنى أخويه عقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، كل رجل أربعمائة دينار، ثم توعد تعالى الآخرين فقال: " وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ". فصل والمشهور أن الاسارى يوم بدر كانوا سبعين، والقتلى من المشركين سبعين كما ورد في غير ما حديث مما تقدم وسيأتى إن شاء الله، وكما في حديث البراء بن عازب في صحيح البخاري أنهم قتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين. وقال موسى بن عقبة: قتل يوم بدر من المسلمين من قريش ستة ومن الانصار

[ 464 ]

ثمانية، وقتل من المشركين تسعة وأربعون، وأسر منهم تسعة وثلاثون. هكذا رواه البيهقى عنه. قال: وهكذا ذكر ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة، في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين. ثم قال: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الاصم، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: واستشهد من المسلمين يوم بدر احد عشر رجلا. أربعة من قريش وسبعة من الانصار، وقتل من المشركين بضعة وعشرون رجلا. وقال في موضع آخر: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعون أسيرا، وكانت القتلى مثل ذلك. ثم روى البيهقى، من طريق أبى صالح، كاتب الليث، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، قال: وكان أول قتيل من المسلمين مهجع مولى عمر، ورجل من الانصار وقتل يومئذ من المشركين زيادة على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك. قال: ورواه ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: قال البيهقى: وهو الاصح فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم. ثم استدل على ذلك بما ساقه هو والبخاري أيضا من طريق أبى إسحاق، عن البراء ابن عازب، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبدالله بن جبير، فأصابوا منا سبعين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسير، وسبعين قتيلا. قلت: والصحيح أن جملة المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الالف. وقد صرح قتادة بأنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا، وكأنه أخذه من هذا الذى ذكرناه. والله أعلم.

[ 465 ]

وفى حديث عمر المتقدم أنهم كانوا زيادة على الالف، والصحيح الاول، لقوله عليه السلام " القوم ما بين التسعمائة إلى الالف ". وأما الصحابة يومئذ فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، كما سيأتي التنصيص على ذلك وعلى، أسمائهم إن شاء الله. وتقدم في حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وقاله أيضا عروة بن الزبير وقتادة وإسماعيل والسدى الكبير وأبو جعفر الباقر. وروى البيهقى، من طريق قتيبة، عن جرير، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن الاسود عن عبدالله بن مسعود في ليلة القدر، قال: " تحروها لاحدى عشرة بقين فإن صبيحتها يوم بدر ". قال البيهقى: وروى عن زيد بن أرقم، أنه سئل عن ليلة القدر فقال: ليلة تسع عشرة ما شك. وقال: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان. قال البيهقى: والمشهور عن أهل المغازى أن ذلك لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان. ثم قال البيهقى: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن عثمان، سمعت موسى بن طلحة يقول: سئل أبو أيوب الانصاري عن يوم بدر، فقال: إما لسبع عشرة خلت، أو ثلاث عشرة خلت، أو لاحدى عشرة بقيت، وإما لسبع عشرة بقيت. وهذا غريب جدا. [ وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة قباث بن أشيم الليثى، من طريق الواقدي (30 - السيرة 2)

[ 466 ]

وغيره بإسنادهم إليه، أنه شهد يوم بدر مع المشركين، فذكر هزيمتهم مع قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجعلت أقول في نفسي: ما رأيت مثل هذا الامر فر منه إلا النساء، والله لو خرجت نساء قريش بالسهاء (1) ردت محمدا وأصحابه. فلما كان بعد الخندق قلت: لو قدمت المدينة فنظرت إلى ما يقول محمد. وقد وقع في نفسي الاسلام، قال فقدمتها فسألت عنه، فقالوا: هو ذاك في ظل المسجد في ملا من أصحابه. فأتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه، فسلمت فقال: يا قباث بن أشيم، أنت القائل يوم بدر: ما رأيت مثل هذا الامر فر منه إلا النساء ؟ فقلت: أشهد أنك رسول الله فإن هذا الامر ما خرج منى إلى أحد قط ولا تزمزمت به، إلا شيئا حدثت به نفسي، فلو لا أنك نبى ما أطلعك عليه، هلم أبايعك على الاسلام فأسلمت (2) ]. فصل وقد اختلفت الصحابة رضى الله عنهم يوم بدر في المغانم من المشركين يومئذ لمن تكون منهم. وكانوا ثلاثة أصناف حين ولى المشركون: ففرقة أحدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم تحرسه، خوفا من أن يرجع أحد من المشركين إليه. وفرقة ساقت وراء المشركين يقتلون منهم ويأسرون. وفرقة جمعت المغانم من متفرقات الاماكن. فادعى كل فريق من هؤلاء أنه أحق بالمغنم من الآخرين لما صنع من الامر المهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالرحمن بن الحارث وغيره عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبى أمامة الباهلى قال: سألت عبادة بن الصامت، عن الانفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا


(1) السهاء: جمع سهوة. وهى القوس المواتية. (2) سقط من ا. (*)

[ 467 ]

فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه بين المسلمين عن بواء. يقول: عن سواء. وهكذا رواه أحمد عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به. ومعنى قوله: " على السواء " أي ساوى فيها بين الذين جمعوها، وبين الذين اتبعوا العدو، وبين الذين ثبتوا تحت الرايات، لم يخصص بها فريقا منهم ممن ادعى التخصيص بها ولا ينفى هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه، كما قد يتوهمه بعض العلماء، منهم أبو عبيدة وغيره، والله أعلم. بل قد تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار من مغانم بدر. قال ابن جرير: وكذا اصطفى جملا لابي جهل كان في أنفه برة من فضة، وهذا قبل إخراج الخمس أيضا. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا ابن إسحاق، عن عبدالرحمن ابن الحارث بن عبدالله بن عباس بن أبى ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبى سلام، عن أبى أمامة، عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وليس لاحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن نفينا منها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به. فأنزل الله: " يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ".

[ 468 ]

فقسمها رسول الله بين المسلمين: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، فإذا أقبل راجعا نفل الثلث، وكان يكره الانفال. وقد روى الترمذي وابن ماجه، من حديث الثوري، عن عبدالرحمن بن الحارث آخره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبدالرحمن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه. وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من طرق، عن داود بن أبى هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا. فسارع في ذلك شبان الرجال وبقى الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنائم جاءوا يطلبون الذى جعل لهم، قال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءا لكم لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: " يسألونك عن الانفال، قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ". وقد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية آثارا أخر يطول بسطها ها هنا. ومعنى الكلام: أن الانفال مرجعها إلى حكم الله ورسوله يحكمان فيها بما فيه المصلحة للعباد في المعاش والمعاد، ولهذا قال تعالى: " قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ". ثم ذكر ما وقع في قصة بدر، وما كان من الامر حتى انتهى إلى قوله: " واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " الآية فالظاهر أن هذه الآية مبينة لحكم الله في الانفال الذى جعل مرده إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فبينه تعالى وحكم فيه بما أراد تعالى، وهو قول أبى زيد. وقد زعم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 469 ]

قسم غنائم بدر على السواء بين الناس، ولم يخمسها. ثم نزل بيان الخمس بعد ذلك ناسخا لما تقدم. وهكذا روى الوالبى، عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدى، وفى هذا نظر. والله أعلم. فإن في سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها كلها في غزوة بدر، فيقتضى أن أن ذلك نزل جملة في وقت واحد غير متفاصل بتأخر يقتضى نسخ بعضه بعضا. ثم في الصحيحين عن على رضى الله عنه، أنه قال في قصة شارفيه اللذين اجتب أسنمتهما حمزة، أن إحداهما كانت من الخمس يوم بدر، ما يرد صريحا على أبى عبيد أن غنائم بدر لم تخمس. والله أعلم. بل خمست كما هو قول البخاري وابن جرير وغيرهما، وهو الصحيح الراجح. والله أعلم. فصل في رجوعه عليه السلام من بدر إلى المدينة، وما كان من الامور في مسيره إليها مؤيدا منصورا، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام وقد تقدم أن الوقعة كانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة. وثبت في الصحيحين أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة أيام، وقد أقام عليه السلام بعرصة بدر ثلاثة أيام كما تقدم، وكان رحيله منها ليلة الاثنين، فركب ناقته ووقف على قليب بدر، فقرع أولئك الذين سحبوا إليه كما تقدم ذكره. ثم سار عليه السلام ومعه الاسارى والغنائم الكثيرة، وقد بعث عليه السلام بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر، أحدهما عبدالله بن رواحة إلى أعالي المدينة، والثانى زيد بن حارثة إلى السافلة.

[ 470 ]

قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها عثمان بن عفان رضى الله عنه قد احتبس عندها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ضرب له رسول الله بسهمه وأجره في بدر. قال أسامة: فلما قدم أبى زيد بن حارثه جئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الاسود، وأبو البختري العاص بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. قال: قلت: يا أبة أحق هذا ؟ قال: إى والله يا بنى. وروى البيهقى من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة ابن زيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف عثمان وأسامة بن زيد على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشارة، قال أسامة: فسمعت الهيعة فخرجت، فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فو الله ما صدقت حتى رأينا الاسارى. وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بسهمه. * * * وقال الواقدي: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من بدر العصر بالاثيل، فلما صلى ركعة تبسم، فسئل عن تبسمه فقال: يرى ميكائيل وعلى جناحه النقع فتبسم إلى وقال: إنى كنت في طلب القوم. وأتاه جبريل حين فرغ من قتال أهل بدر على فرس أنثى معقود الناصية وقد عصم ثنييه الغبار فقال: يا محمد إن ربى بعثنى إليك وأمرني ألا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت ؟ قال: نعم. قال الواقدي: قالوا: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله ابن رواحة من الاثيل فجاءا يوم الاحد حين اشتد الضحى، وفارق عبدالله بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق، فجعل عبدالله بن رواحة ينادى على راحلته: يا معشر الانصار أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وأبو جهل، وقتل زمعة بن الاسود، وأمية بن خلف، وأسر سهيل بن عمرو.

[ 471 ]

قال عاصم بن عدى: فقمت إليه فنحوته فقلت: أحقا يا بن رواحة ؟ فقال: إى والله، وغدا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاسرى مقرنين. ثم تتبع دور الانصار بالعالية يبشرهم دارا دارا، والصبيان ينشدون معه يقولون: قتل أبو جهل الفاسق، حتى إذا انتهى إلى دار بنى أمية وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء يبشر أهل المدينة، فلما جاء المصلى صاح على راحلته: قتل عتية وشيبة ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وقتل أمية بن خلف وأبو جهل وأبو البختري وزمعة بن الاسود، وأسر سهيل ابن عمرو ذو الانياب، في أسرى كثير. فجعل بعض الناس لا يصدقون زيدا ويقولون: ما جاء زيد بن حارثة إلا فلا (1) حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا. وقدم زيد حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع، وقال رجل من المنافقين لاسامة: قتل صاحبكم ومن معه. وقال آخر لابي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون فيه أبدا، وقد قتل عليه أصحابه، قتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدرى ماذا يقول من الرعب، وجاء فلا. فقال أبو لبابة: يكذب الله قولك. وقالت اليهود: ما جاء زيد إلا فلا. قال أسامة: فجئت حتى خلوت بأبى فقلت: أحق ما تقول ؟ فقال: إى والله حق ما أقول يا بنى. فقويت نفسي، ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت: أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين لنقدمنك إلى رسول الله إذا قدم فليضربن عنقك. فقال: إنما هو شئ سمعته من الناس يقولونه. قال: فجئ بالاسرى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد شهد معهم بدرا، وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا.


(1) فلا: منهزما. (*)

[ 472 ]

قال الواقدي: وهم سبعون في الاصل مجتمع عليه لا شك فيه. قال: ولقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الروحاء رءوس الناس يهنئون بما فتح الله عليه. فقال له أسيد بن الحضير: يا رسول الله الحمد لله الذى أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت. فقال له رسول الله: " صدقت ". * * * قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ومعه الاسارى، وفيهم عقبة بن أبى معيط، والنضر بن الحارث، وقد جعل على النفل عبدالله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار. فقال راجز من المسلمين. قال ابن هشام: [ يقال إنه ] هو عدى بن أبى الزغباء: أقم لها صدورها يا بسبس * ليس بذى الطلح لها معرس (1) ولا بصحراء عمير محبس * إن مطايا القوم لا تحبس فحملها على الطريق أكيس * قد نصر الله وفر الاخنس قال: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة به، فقسم هنالك النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل، حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش، كما حدثنى عاصم بن عمر ويزيد بن رومان: ما الذى تهنئوننا به ؟ ! والله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " أي ابن أخى أولئك الملا ".


(1) معرس: مقام. (*)

[ 473 ]

قال ابن هشام: يعنى الاشراف والرؤساء. مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط لعنهما الله قال ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر ابن الحارث، قتله على بن أبى طالب، كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبى معيط. قال ابن إسحاق: فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله: فمن للصبية يا محمد ؟ قال: " النار ! ". وكان الذى قتله عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح، أخو بنى عمرو بن عوف، كما حدثنى أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. وكذا قال موسى بن عقبة في مغازيه، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل من الاسارى أسيرا غيره. قال: ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت قال: يا معشر قريش، علام أقتل من بين من ها هنا ؟ قال: على عداوتك الله ورسوله. وقال حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبى، قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة قال: أتقتلني يا محمد من بين قريش ؟ قال: نعم أتدرون ما صنع هذا بى ؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام، فوضع رجله على عنقي وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عينى ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي. قال ابن هشام: ويقال بل قتل عقبة على بن أبى طالب، فيما ذكره الزهري وغيره من أهل العلم.

[ 474 ]

قلت: كان هذان الرجلان من شر عباد الله، وأكثرهم كفرا وعنادا وبغيا وحسدا وهجاء للاسلام وأهله. لعنهما الله، وقد فعل ! قال ابن هشام: فقالت قتيلة بنت الحارث، أخت النضر بن الحارث، في مقتل أخيها (1) يا راكبا إن الاثيل (2) مظنة * من صبح خامسة وأنت موفق أبلغ بها ميتا بأن تحية * ما إن تزال بها النجائب تخفق منى إليك وعبرة مسفوحة * جادت بوابلها وأخرى تخنق هل يسمعن النضر إن ناديته * أم كيف يسمع ميت لا ينطق أمحمد يا خير ضئى كريمة * من قومها والفحل فحل معرق (3) ما كان ضرك لو مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلينفقن * بأعز ما يغلو به ما ينفق (4) والنضر أقرب من أسرت قرابة * وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه * لله أرحام هنالك (5) تشقق صبرا يقاد إلى المنية متعبا * رسف المقيد وهو عان موثق قال ابن هشام: ويقال، والله أعلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال: " لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه ! ". * * * قال ابن إسحاق: وقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الموضع أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضى حجامه عليه السلام، ومعه زق خمر (6) مملوء حيسا،


(1) ابن هشام تبكيه. (2) الاثيل، موضع قرب المدينة بين بدر ووادى الصفراء. (3) الضئى: الاصل. وتروى: ضنء. والمعرق الكريم (4) الاغانى 1 / 19: لو كنت قابل فدية فلنأتين * بأعز ما يغلو لديك وينفق (5) ابن هشام: هناك (6) ابن هشام: ولقى رسول الله. بحميت مملوء حيسا. والحميت: الزق (*)

[ 475 ]

وهو التمر والسويق بالسمن، هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله منه ووصى به الانصار. قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني نبيه بن وهب أخو بنى عبد الدار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالاسارى فرقهم بين أصحابه وقال: " استوصوا بهم خيرا ". قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لابيه وأمه في الاسارى، قال أبو عزيز: مر بى أخى مصعب بن عمير ورجل من الانصار يأسرنى فقال: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. قال أبو عزيز: فكنت في رهط من الانصار حين أقبلوا بى من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها فأستحي فأردها فيردها على ما يمسها ! قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، ولما قال أخوه مصعب لابي اليسر، وهو الذى أسره ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخى هذه وصاتك بى ! فقال له مصعب: إنه أخى دونك. فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها. قلت: وأبو عزيز هذا اسمه زرارة، فيما قاله ابن الاثير في غابة الصحابة، وعده خليفة بن خياط في أسماء الصحابة. وكان أخا مصعب بن عمير لابيه، وكان لهما أخ آخر

[ 476 ]

لابويهما وهو أبو الروم بن عمير، وقد غلط من جعله قتل يوم أحد كافرا، ذاك أبو عزة، كما سيأتي في موضعه. والله أعلم. قال ابن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر، أن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن ابن سعد بن زرارة قال: قدم بالاسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، قال: وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب. قال: تقول سودة: والله إنى لعندهم إذ أتينا فقيل: هؤلاء الاسارى قد أتى بهم. قالت: فرجعت إلى بيتى ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قالت: فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متم كراما ؟ ! فو الله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت: " يا سودة أعلى الله وعلى رسوله تحرضين ! ! " قال: قلت: يا رسول الله والذى بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت. ثم كان من قصة الاسارى بالمدينة ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد، من كيفية فدائهم وكميته. إن شاء الله. ذكر فرح النجاشي بوقعة بدر رضى الله عنه قال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو القاسم عبدالرحمن بن عبيد الله الحرفى ببغداد، حدثنا أحمد بن سلمان النجاد، حدثنا عبدالله بن أبى الدنيا، حدثنا حمزة بن العباس، حدثنا عبدان بن عثمان، حدثنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا عبدالرحمن بن يزيد، عن جابر، عن عبدالرحمن، رجل من أهل صنعاء، قال أرسل النجاشي ذات يوم إلى

[ 477 ]

جعفر بن أبى طالب وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان ثياب جالس على التراب. قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما أن رأى ما في وجوهنا قال: إنى أبشركم بما يسركم، إنه جاءني من نحو أرضكم عين لى فأخبرني أن الله قد نصر نبيه وأهلك عدوه وأسر فلان وفلان وقتل فلان وفلان، التقوا بواد يقال له بدر كثير الاراك كأنى أنظر إليه، كنت أرعى لسيدي رجل من بنى ضمرة إبله. فقال له جعفر: ما بالك جالسا على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الاخلاط ؟ قال: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى: إن حقا على عباد الله أن يحدثوا الله تواضعا عند ما يحدث لهم من نعمة. فلما أحدث الله لى نصر نبيه صلى الله عليه وسلم أحدثت له هذا التواضع (1). فصل في وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة قال ابن إسحاق: وكان أول من قدم من مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبدالله الخزاعى فقالوا له: ما وراءك ؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم ابن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الاسود، ونبيه ومنبه، وأبو البختري ابن هشام. فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية: والله لن (2) يعقل هذا، فسلوه عنى. فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال: هو ذاك جالسا في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا. قال موسى بن عقبة: ولما وصل الخبر إلى أهل مكة وتحققوه قطعت النساء شعورهن وعقرت خيول كثيرة ورواحل.


(1) يبدو على هذا الخبر الافتعال والصنعة. وفى سنده من هو مجهول الحال. وأبو القاسم الحرفى كان مضطرب السماع. (2) ابن هشام: والله إن يعقل. (*)

[ 478 ]

وذكر السهيلي عن كتاب الدلائل لقاسم بن ثابت أنه قال لما كانت وقعة بدر سمع أهل مكة هاتفا من الجن يقول: أزار الحنيفيون بدرا وقيعة * سينقض منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالا من لؤى وأبرزت * خرائد يضربن الترائب حسرا فيا ويح من أمسى عدو محمد * لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا * * * قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاما للعباس بن عبدالمطلب، وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاص ابن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف منهم رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، قال: وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل الاقداح أنحتها في حجرة زمزم، فو الله إنى لجالس فيها أنحت أقداحى وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب (1) الحجرة فكان ظهره إلى ظهرى، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان، واسمه المغيرة بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم. قال: فقال أبو لهب: هلم إلى، فعندك لعمري الخبر. قال: فجلس إليه والناس قيام عليه فقال: يا ابن أخى أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا،


(1) الطنب: الطرف. (*)

[ 479 ]

ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض، والله ما تليق (1) شيئا ولا يقوم لها شئ. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدى ثم قلت: تلك والله الملائكة ! قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، قال وثاورته (2) فاحتملني وضرب بى الارض ثم برك على يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فبلغت في رأسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده ! فقام موليا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة (3) فقتلته. زاد يونس عن ابن إسحاق: فلقد تركه ابناه بعد موته ثلاثا ما دفناه حتى أنتن. وكانت قريش تتقى هذه العدسة كما تتقى الطاعون، حتى قال لهم رجل من قريش: ويحكما ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تدفنانه ؟ فقالا: إنا نخشى عدوة هذه القرحة، فقال: انطلقا فأنا أعينكما عليه. فو الله ما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه بالحجارة. [ قال يونس عن ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين، أنها كانت لا تمر على مكان أبى لهب هذا إلا تسترت بثوبها حتى تجوز (4) ] * * * قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا:


(1) تليق: تبقى. (2) ثاورته: واثبته. وفى ا: بادرته. (3) العدسة: قرحه قاتلة كانت تتشاءم بها العرب. (4) سقط من ا. (*)

[ 480 ]

لا تفعلوا يبلغ (1) محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا بهم لا يأرب (2) عليكم محمد وأصحابه في الفداء. قلت: وكان هذا من تمام ما عذب الله به أحياءهم في ذلك الوقت وهو تركهم النوح على قتلاهم، فإن البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين. قال ابن إسحاق: وكان الاسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده، زمعة وعقيل والحارث، وكان يحب أن يبكى على بنيه قال: فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له، وكان قد ذهب بصره، انظر هل أحل النحب ؟ هل بكت قريش على قتلاها ؟ لعلى أبكى على أبى حكيمة، يعنى ولده زمعة، فإن جوفى قد احترق ! قال: فلما رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكى على بعير لها أضلته. قال: فذاك حين يقول الاسود: أتبكى أن أضل (3) لها بعير * ويمنعها من النوم السهود فلا تبكى على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود (4) على بدر سراة بنى هصيص * ومخزوم ورهط أبى الوليد وبكى إن بكيت أبا عقيل (5) * وبكى حارثا أسد الاسود وبكيهم ولا تسمى جميعا * وما لابي حكيمة من نديد (6) ألا قد ساد بعدهم رجال * ولو لا يوم بدر لم يسودوا (7)


(1) ابن هشام: فيبلغ. (2) لا يأرب: لا يشتد. (3) ابن هشام: أن يضل. (4) البكر. الفتى من الابل. والجدود: الحظوظ. (5) ابن هشام: على عقيل. (6) تسمى: تسامى. والنديد. الشبيه. (7) هنا إقواء. (*)

[ 481 ]

فصل في بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء أسراهم قال ابن إسحاق: وكان في الاسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه " فلما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه، قال المطلب بن أبى وداعة، وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى: صدقتم لا تعجلوا. وانسل من الليل وقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به. قلت: وكان هذا أول أسير فدى ثم بعثت قريش في فداء أسراهم فقدم مكرز ابن حفص بن الاخيف في فداء سهيل بن عمرو، وكان الذى أسره مالك بن الدخشم أخو بنى سالم بن عوف، فقال في ذلك: أسرت سهيلا فلا أبتغى * أسيرا به من جميع الامم وخندف تعلم أن الفتى * فتاها سهيل إذا يظلم ضربت بذى الشفر حتى انثنى * وأكرهت نفسي على ذى العلم قال ابن إسحاق: وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بنى عامر بن لؤى، أن عمر ابن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أمثل به فيمثل الله بى وإن كنت نبيا ". (31 - السيرة 2)

[ 482 ]

قلت: هذا حديث مرسل بل معضل. قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا: " إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه ". قلت: وهذا هو المقام الذى قامه سهيل بمكة حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب، ونجم النفاق بالمدينة وغيرها، فقام بمكة فخطب الناس وثبتهم على الدين الحنيف. كما سيأتي في موضعه. قال ابن إسحاق: فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضائهم، قالوا: هات الذى لنا. قال: اجعلوا رجلى مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه، فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا عندهم. وأنشد له ابن إسحاق في ذلك شعرا أنكره ابن هشام، فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وحدثني عبدالله بن أبى بكر قال: وكان في الاسارى عمرو بن أبى سفيان صخر بن حرب. قال ابن إسحاق: وكانت أمه بنت عقبة بن أبى معيط. قال ابن هشام: بل كانت أمه أخت أبى معيط. قال ابن هشام: وكان الذى أسره على بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وحدثني عبدالله بن أبى بكر قال: فقيل لابي سفيان: أفد عمرا ابنك، قال: أيجتمع على دمى ومالى ! قتلوا حنظلة وأفدى عمرا ؟ دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال، أخو بنى عمرو بن عوف ثم أحد بنى معاوية، معتمرا ومعه مرية (1) له، وكان شيخا مسلما، في


(1) مرية: تصغير امرأة. (*)

[ 483 ]

غنم له بالبقيع، فخرج من هنالك معتمرا، ولم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا، وقد كان عهد قريش أن قريشا لا يعرضون لاحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو، وقال في ذلك: أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه * تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا فإن بنى عمرو لئام أذلة * لئن لم يكفوا (1) عن أسيرهم الكبلا قال: فأجابه حسان بن ثابت يقول: لو كان سعد يوم مكة مطلقا * لاكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا بعضب حسام أو بصفراء نبعة * تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا (2) قال: ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفكوا به صاحبهم، فأعطاهم النبي، فبعثوا به إلى أبى سفيان فخلى سبيل سعد. * * * قال ابن إسحاق: وقد كان في الاسارى أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس بن أمية، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب. قال ابن هشام: وكان الذى أسره خراش بن الصمة أحد بنى حرام. قال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكانت أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، وكانت خديجة هي التى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بابنتها زينب وكان لا يخالفها، وذلك قبل الوحى. وكان عليه السلام قد زوج ابنته رقية، أو أم كلثوم، من عتبة بن أبى لهب، فلما جاء الوحى قال أبو لهب: اشغلوا محمدا بنفسه. وأمر ابنه عتبة فطلق ابنة رسول الله صلى


(1) وتروى: يفكوا. (2) الصفراء: القوس. والنبع: شجر تصنع منه القسى. تحن: يصوت وترها. أنبضت: حركت. (*)

[ 484 ]

الله عليه وسلم قبل الدخول، فتزوجها عثمان بن عفان رضى الله عنه. ومشوا إلى أبى العاص فقالوا: فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأى امرأة من قريش شئت. قال: لا والله إذا لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لى بامرأتي امرأة من قريش. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثنى عليه في صهره فيما بلغني. قلت: الحديث بذلك في الثناء عليه في صهره ثابت في الصحيح، كما سيأتي. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره، وكان الاسلام قد فرق بين زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبى العاص، وكان لا يقدر على أن يفرق بينهما. قلت: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة. كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال أبن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله في فداء أبى العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى عليها. قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال: " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذى لها فافعلوا ". قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذى لها. * * * قال ابن إسحاق: فكان ممن سمى لنا ممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاسارى بغير فداء من بنى أمية: أبو العاص بن الربيع، ومن بنى مخزوم المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم أسره بعض بنى الحارث بن الخزرج، فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله فلحق بقومه. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلى

[ 485 ]

سبيل زينب، يعنى أن تهاجر إلى المدينة، فوفى أبو العاص بذلك كما سيأتي. وقد ذكر ذلك ابن إسحاق ها هنا فأخرناه لانه أنسب. والله أعلم. وقد تقدم ذكر افتداء العباس بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعقيلا ونوفلا ابني أخويه بمائة أوقية من الذهب. وقال ابن هشام: كان الذى أسر أبا العاص أبو أيوب خالد بن زيد. قال ابن إسحاق: وصيفى بن أبى رفاعة بن عائذ بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، ترك في أيدى أصحابه، فأخذوا عليه ليبعثن لهم بفدائه فخلوا سبيله ولم يف لهم. قال حسان بن ثابت في ذلك ما كان صيفي ليوفى أمانة * قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد قال ابن إسحاق: وأبو عزة عمرو بن عبدالله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح كان محتاجا ذا بنات، قال: يا رسول الله لقد عرفت مالى من مال، وإنى لذو حاجة وذو عيال فامنن على، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه ألا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك: من مبلغ عن الرسول محمدا * بأنك حق والمليك حميد وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى * عليك من الله العظيم شهيد وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة * لها درجات سهلة وصعود فإنك من حاربته لمحارب * شقى ومن سالمته لسعيد ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله * تأوب ما بى حسرة وقعود قلت: ثم إن أبا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه، ولعب المشركون بعقله، فرجع إليهم، فلما كان يوم أحد أسر أيضا، فسأل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه أيضا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا أدعك تمسح عارضيك وتقول: خدعت محمدا مرتين ! " ثم أمر به فضربت. عنقه كما سيأتي في غزوة أحد.

[ 486 ]

ويقال: إن فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " وهذا من الامثال التى لم تسمع إلا منه عليه السلام. * * * قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: جلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية في الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر. قال ابن هشام: والذى أسره رفاعة بن رافع أحد بنى زريق. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر، عن عروة فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله ما إن في العيش [ بعدهم ] خير. قال له عمير: صدقت، أما والله لو لا دين على ليس عندي قضاؤه وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لى فيهم علة، ابني أسير في ايديهم. قال: فاغتنمها صفوان بن أمية فقال: على دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعنى شئ ويعجز عنهم. فقال له عمير: فاكتم على شأني وشأنك. قال: سأفعل. قال: ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم في عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ على باب المسجد متوشحا السيف. فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، وهو الذى حرش بيننا وحزرنا (1) للقوم يوم بدر.


(1) حرزنا: قدرنا. (*)

[ 487 ]

ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبى الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه. قال: فأدخله على. قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال لمن كان معه من الانصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: " أرسله يا عمر، ادن يا عمير " فدنا ثم قال: أنعم صباحا. وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم. فقال رسول الله: " قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة " قال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد. قال: " فما جاء بك يا عمير ؟ " قال: جئت لهذا الاسير الذى في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: " فما بال السيف في عنقك ؟ " قال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا !. قال: " اصدقني ما الذى جئت له ؟ " قال: ما جئت إلا لذلك. قال: " بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لو لا دين على وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك " فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إنى لاعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هداني للاسلام وساقني هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن وأطلقوا أسيره " ففعلوا. ثم قال: يا رسول الله إنى كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الاذى لمن كان

[ 488 ]

على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذى أصحابك في دينهم. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحق بمكة. وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا. قال ابن إسحاق: فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الاسلام ويؤذى من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير. قال ابن إسحاق: وعمير بن وهب، أو الحارث بن هشام، هو الذى رأى عدو الله إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر وفر هاربا وقال: إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون، وكان إبليس يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم أمير مدلج. فصل ثم إن الامام محمد بن إسحاق رحمه الله تكلم على ما نزل من القرآن في قصة بدر، وهو من أول سورة الانفال إلى آخرها، فأجاد وأفاد، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير فمن أراد الاطلاع على ذلك فلينظره ثم، ولله الحمد والمنة. فصل ثم شرع ابن إسحاق في تسمية من شهد بدرا من المسلمين، فسرد أسماء من شهدها من المهاجرين أولا، ثم أسماء من شهدها من الانصار أوسها وخزرجها إلى أن قال: فجميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والانصار، من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره، ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا.

[ 489 ]

من المهاجرين ثلاثة وثمانون. ومن الاوس: أحد وستون رجلا. ومن الخزرج: مائة وسبعون رجلا. وقد سردهم البخاري في صحيحه (1) مرتبين على حروف المعجم بعد البداءة برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بأبى بكر وعثمان وعلى رضى الله عنهم. وهذه تسمية من شهد بدرا من المسلمين مرتبين على حروف المعجم وذلك من كتاب الاحكام الكبير للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي وغيره، بعد البداءة باسم رئيسهم وفخرهم وسيد ولد آدم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) ذكر البخاري منهم أربعة وثلاثين غير رسول الله. (*)

[ 490 ]

أسماء أهل بدر مرتبة على حروف المعجم حرف الالف أبى بن كعب النجارى سيد القراء، الارقم بن أبى الارقم، وأبو الارقم عبد مناف ابن أسد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم المخزومى، أسعد بن يزيد بن الفاكه بن يزيد بن خلدة بن عامر بن العجلان. أسود بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن غنم، كذا قال موسى بن عقبة. وقال موى: سواد بن رزام بن ثعلبة بن عبيد بن عدى شك فيه، وقال سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق: سواد بن زريق بن ثعلبة، وقال ابن عائذ: سواد بن زيد. أسير بن عمرو الانصاري أبو سليط، وقيل أسير بن عمرو بن أمية بن لوذان بن سالم بن ثابت الخزرجي، ولم يذكره موسى بن عقبة أنس بن قتادة بن ربيعة بن خالد بن الحارث الاوسي، كذا سماه موسى بن عقبة، و [ سماه ] الاموى في السيرة: أنيس. قلت: وأنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم، لما روى عمر بن شبة النميري حدثنا محمد بن عبدالله الانصاري، عن أبيه، عن ثمامة بن أنس، قال: قيل لانس بن مالك أشهدت بدرا ؟ قال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك ! وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عبدالله الانصاري، حدثنا أبى، عن مولى لانس ابن مالك، أنه قال لانس: شهدت بدرا ؟ قال: لا أم لك ! وأين أغيب عن بدر. قال محمد بن عبدالله الانصاري: خرج أنس بن مالك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وهو غلام يخدمه.

[ 491 ]

قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى في تهذيبه: هكذا قال الانصاري، ولم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازى. أنس بن معاذ بن أنس بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أنسة الحبشى مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوس بن نابت بن المنذر النجارى. أوس بن خولى بن عبدالله بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج الخزرجي. وقال موسى بن عقبة: أوس بن عبدالله بن الحارث بن خولى، أوس بن الصامت الخزرجي أخو عبادة بن الصامت، إياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر حليف بنى عدى بن كعب. حرف الباء بجير بن أبى بجير حليف بنى النجار، بحاث (1) بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة البلوى حليف الانصار، بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن زيد ابن عمرو بن سعيد بن ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهنى حليف بنى ساعدة، وهو أحد العينين هو وعدى بن أبى الزغباء كما تقدم، بشر بن البراء بن معرور الخزرجي الذى مات بخيبر من الشاة المسمومة، بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي والد النعمان بن بشير، ويقال إنه أول من بايع الصديق، بشير بن عبد المنذر أبو لبابة الاوسي، رده عليه السلام من الروحاء واستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره. حرف التاء تميم بن يعار بن قيس بن عدى بن أمية بن جدارة بن عوف بن الحارث بن


(1) ويقال له: نحاب وهى رواية ابن إسحاق. وما هنا قول ابن هشام. (*)

[ 492 ]

الخزرج، تميم مولى خراش بن الصمة، تميم مولى بنى غنم بن السلم. وقال ابن هشام: هو مولى سعد بن خيثمة. حرف الثاء ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدى بن العجلان، ثابت بن ثعلبة، ويقال لثعلبة هذا: الجذع بن زيد بن الحارث بن حرام بن غنم بن كعب بن سلمة. ثابت بن خالد بن النعمان بن خنساء بن عسيرة بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك ابن النجار النجارى، ثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدى بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار النجارى. ثابت بن عمرو بن زيد بن عدى بن سواد بن مالك بن غنم بن عدى بن النجار النجارى، ثابت بن هزال الخزرجي، ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الاوس، ثعلبة بن عمرو بن عبيد بن مالك النجارى، ثعلبة بن عمرو بن محصن الخزرجي، ثعلبة بن عنمة (1) بن عدى بن نابى السلمى، ثقف بن عمرو من بنى حجر آل بنى سليم، وهو من حلفاء بنى كثير بن غنم بن دودان بن أسد. حرف الجيم جابر بن خالد بن [ مسعود بن ] عبد الاشهل بن حارثة بن دينار بن النجار النجارى، جابر بن عبدالله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة السلمى أحد الذين شهدوا العقبة. قلت: فأما جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام السلمى أيضا، فذكره البخاري فيهم في مسند عن سعيد بن منصور عن أبى معاوية عن الاعمش، عن أبى سفيان عن جابر، قال: كنت أمتح لاصحابي الماء يوم بدر.


(1) ويقال: ابن غنمة كما في الاستيعاب. (*)

[ 493 ]

وهذا الاسناد على شرط مسلم، لكن قال محمد بن سعد: ذكرت لمحمد بن عمر يعنى الواقدي، هذا الحديث فقال: هذا وهم من أهل العراق. وأنكر أن يكون جابر شهد بدرا. وقال الامام أحمد بن حنبل: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدرا ولا أحدا، منعنى أبى، فلما قتل أبى يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة. ورواه مسلم عن أبى خيثمة عن روح. جبار بن صخر السلمى، جبر بن عتيك الانصاري، جبير بن إياس الخزرجي. حرف الحاء الحارث بن أنس بن رافع الخزرجي، الحارث بن أوس بن معاذ بن أخى سعد بن معاذ الاوسي، الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الاوس، رده عليه السلام من الطريق وضرب له بسهمه وأجره، الحارث بن خزمة بن عدى بن أبى غنم ابن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج حليف لبنى زعورا بن عبد الاشهل، الحارث بن الصمة الخزرجي، رده عليه السلام لانه كسر من الطريق، وضرب له بسهمه وأجره، الحارث بن عرفجة الاوسي، الحارث بن قيس بن خلدة أبو خالد الخزرجي، الحارث ابن النعمان بن أمية الانصاري، حارثة بن سراقة النجارى أصابه سهم غرب وهو في النظارة فرفع إلى الفردوس، حارثة بن النعمان بن رافع الانصاري حاطب بن ابى بلتعة اللخمى حليف بنى أسد بن عبدالعزى بن قصى. حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية الاشجعى من بنى دهمان. هكذا ذكره ابن هشام عن غير ابن إسحاق. وقال الواقدي: حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود،

[ 494 ]

كذا ذكره ابن عائذ في مغازيه. وقال ابن أبى حاتم: حاطب بن عمرو بن عبد شمس، سمعته من أبى وقال: هو رجل مجهول. الحباب بن المنذر الخزرجي، ويقال كان لواء الخزرج معه يومئذ. حبيب بن أسود مولى بنى حرام من بنى سلمة، وقال موسى بن عقبة: حبيب ابن سعد بدل أسود، وقال ابن أبى حاتم: حبيب بن أسلم مولى آل جشم بن الخزرج، أنصارى بدرى. حريث بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الانصاري، أخو عبدالله بن زيد الذى أرى النداء، الحصين بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، حمزة بن عبدالمطلب بن هاشم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. حرف الخاء خالد بن البكير أخو إياس المتقدم. خالد بن زيد أبو أيوب النجارى، خالد بن قيس بن مالك بن العجلان الانصاري، خارجة بن الحمير حليف بنى خنساء من الخزرج، وقيل اسمه حارثة بن الحمير وسماه ابن عائذ خارجة. فالله أعلم. خارجة بن زيد الخزرجي صهر الصديق، خباب بن الارت حليف بنى زهرة، وهو من المهاجرين الاولين وأصله من بنى تميم ويقال من خزاعة، خباب مولى عتبة بن غزوان من المهاجرين الاولين، خراش بن الصمة السلمى، خبيب بن إساف بن عنبة الخزرجي، خريم بن فاتك ذكره البخاري فيهم، خليفة بن عدى الخزرجي، خليد بن قيس بن النعمان بن سنان بن عبيد الانصاري السلمى، خنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى السهمى، قتل يومئذ فتأيمت منه حفصة بنت عمر بن الخطاب، خوات بن جبير الانصاري ضرب له بسهمه وأجره لم يشهدها بنفسه، خولى بن أبى خولى العجلى حليف بنى عدى من المهاجرين الاولين،

[ 495 ]

خلاد بن رافع، وخلاد بن سويد، وخلاد بن عمرو بن الجموح الخزرجيون. حرف الذال ذكوان بن عبد قيس الخزرجي، ذو الشمالين بن عبد بن عمرو بن نضلة من غبشان ابن سليم بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من بنى خزاعة حليف لبنى زهرة قتل يومئذ شهيدا. قال ابن هشام: واسمه عمير وإنما قيل له ذو الشمالين لانه كان أعسر. حرف الراء رافع بن الحارث الاوسي، رافع بن عنجدة. قال ابن هشام: هي أمه، رافع بن المعلى بن لوذان الخزرجي قتل يومئذ، ربعى بن رافع بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن عجلان بن ضبيعة وقال موسى بن عقبة: ربعى بن أبى رافع، ربيع بن إياس الخزرجي، ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن لكيز بن عامر بن غنم دودان ابن أسد بن خزيمة حليف لبنى عبد شمس بنى عبد مناف وهو من المهاجرين الاولين، رخيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة بن عامر بن بياضة الخزرجي، رفاعة بن رافع الزرقى أخو خلاد بن رافع، رفاعة بن عبد المنذر بن زنير الاوسي أخو أبى لبابة، رفاعة بن عمرو بن زيد الخزرجي. حرف الزاى الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى، ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه. زياد بن عمرو. وقال موسى بن عقبة: زياد بن الاخرس بن عمرو الجهنى. وقال الواقدي: زياد بن كعب بن عمرو بن عدى بن رفاعة بن كليب بن برذعة بن

[ 496 ]

عدى بن عمرو بن الزبعرى بن رشدان بن قيس بن جهينة. زياد بن لبيد الزرقى، زياد بن المزين بن قيس الخزرجي، زيد بن أسلم بن ثعلبة ابن عدى بن عجلان بن ضبيعة، زيد بن حارثة بن شرحبيل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضى الله عنه، زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، زيد بن سهل بن الاسود بن حرام النجارى أبو طلحة رضى الله عنه. حرف السين سالم بن عمير الاوسي، سالم بن [ غنم بن ] عوف الخزرجي، سالم بن معقل مولى أبى حذيفة، السائب بن عثمان بن مظعون الجمحى، شهد مع أبيه، سبيع بن قيس بن عيشة الخزرجي، سبرة بن فاتك ذكره البخاري، سراقة بن عمرو النجارى، سراقة بن كعب النجارى أيضا، سعد بن خولة مولى بنى عامر بن لؤى من المهاجرين الاولين، سعد بن خيثمة الاوسي قتل يومئذ شهيدا، سعد بن الربيع الخزرجي الذى قتل يوم أحد شهيدا، سعد بن زيد بن مالك الاوسي، وقال الواقدي: سعد بن زيد بن الفاكه الخزرجي، سعد بن سهيل بن عبد الاشهل النجارى، سعد بن عبيد الانصاري، سعد بن عثمان بن خلدة الخزرجي أبو عبادة، وقال ابن عائذ: أبو عبيدة. سعد بن معاذ الاوسي وكان لواء الاوس معه. سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي، ذكره غير واحد منهم عروة والبخاري وابن أبى حاتم والطبراني فيمن شهد بدرا، ووقع في صحيح مسلم ما يشهد بذلك حين شاور النبي صلى الله عليه وسلم في ملتقى النفير من قريش، فقال سعد بن عبادة: كأنك تريدنا يا رسول الله الحديث. والصحيح أن ذلك سعد بن معاذ. والمشهور أن أسعد بن عبادة رده من الطريق، قيل: لاستنابته على المدينة وقيل لذعته حية فلم يتمكن من الخروج إلى بدر.

[ 497 ]

حكاه السهيلي عن بن قتيبة فالله أعلم. سعد بن أبى وقاص. مالك بن أهيب الزهري أحد العشرة، سعد بن مالك أبو سهل، قال الواقدي: تجهز ليخرج فمرض فمات قبل الخروج سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوى ابن عم عمر بن الخطاب، يقال: قدم من الشام بعد مرجعه من بدر فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره. سفيان بن بشر بن عمرو الخزرجي، سلمة بن أسلم بن حريش الاوسي، سلمة بن ثابت بن وقش بن زغبة، سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة، سليم بن الحارث النجارى، سليم بن عمرو السلمى، سليم بن قيس بن فهد الخزرجي، سليم بن ملحان أخو حرام بن ملحان النجارى، سماك بن أوس بن خرشة أبو دجانة، ويقال سماك بن خرشة، سماك بن سعد بن ثعلبة الخزرجي وهو أخو بشير بن سعد المتقدم. سهل بن حنيف الاوسي، سهل بن عتيك النجارى، سهل بن قيس السلمى، سهيل بن رافع النجارى الذى كان له ولاخيه موضع المسجد النبوى كما تقدم، سهيل بن وهب الفهرى، وهو ابن بيضاء وهى أمه، سنان بن أبى سنان بن محصن بن حرثان من المهاجرين حليف بنى عبد شمس بن عبد مناف، سنان بن صيفي السلمى، سواد بن زريق بن زيد الانصاري. وقال الاموى: سواد بن رزام. سواد بن غزية بن أهيب البلوى، سويبط بن سعد بن حرملة العبدرى، سويد بن مخشى أبو مخشى الطائى حليف بنى عبد شمس، وقيل اسمه أزيد بن حمير. حرف الشين شجاع بن وهب بن ربيعة الاسدي، أسد بن خزيمة حليف بنى عبد شمس من المهاجرين الاولين. شماس بن عثمان المخزومى. قال ابن هشام: واسمه عثمان بن عثمان وإنما (32 - السيرة 2)

[ 498 ]

سمى شماسا لحسنه وشبهه شماسا كان في الجاهلية، شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الواقدي: لم يسهم له وكان على الاسرى فأعطاه كل رجل ممن له في الاسرى شيئا، فحصل له أكثر من سهم. حرف الصاد صهيب بن سنان الرومي من المهاجرين الاولين، صفوان بن وهب بن ربيعة الفهرى أخو سهيل بن بيضاء، قتل شهيدا يومئذ، صخر بن أمية بن خنساء السلمى. حرف الضاد ضحاك بن حارثة بن زيد السلمى، ضحاك بن عبد عمرو النجارى، ضمرة بن عمرو الجهنى. وقال موسى بن عقبة: ضمرة بن كعب بن عمرو حليف الانصار، وهو أخو زياد بن عمرو. حرف الطاء طلحة بن عبيد الله التيمى أحد العشرة قدم من الشام بعد مرجعهم من بدر، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، طفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف من المهاجرين، وهو أخو حصيب وعبيدة، طفيل بن مالك بن خنساء السلمى طفيل بن النعمان بن خنساء السلمى ابن عم الذى قبله، طليب بن عمير بن وهب بن أبى كبير بن عبد بن قصى. ذكره الواقدي. حرف الظاء ظهير بن رافع الاوسي ذكره البخاري.

[ 499 ]

حرف العين عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح الانصاري، الذى حمته الدبر (1) حين قتل بالرجيع عاصم بن عدى بن الجد بن عجلان، رده عليه السلام من الروحاء وضرب له بسهمه وأجره، عاصم بن قيس بن ثابت الخزرجي، عاقل بن البكير أخو إياس وخالد وعامر، وعامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس النجارى، عامر بن الحارث الفهرى كذا ذكره سلمة عن ابن اسحاق وابن عائذ. وقال موسى بن عقبة وزياد عن ابن إسحاق: عمرو بن الحارث، عامر بن ربيعة بن مالك العنزي حليف بنى عدى من المهاجرين، عامر بن سلمة بن عامر ابن عبدالله البلوى القضاعى حليف بنى سالم بن مالك بن سالم بن غنم. قال ابن هشام: ويقال عمر بن سلمة، عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر أبو عبيدة بن الجراح أحد العشرة من المهاجرين الاولين، عامر بن فهيرة مولى أبى بكر، عامر بن مخلد النجارى، عائذ بن ماعض بن قيس الخزرجي، عباد بن بشر بن وقش الاوسي، عباد بن قيس بن عامر الخزرجي، عباد بن قيس بن عيشة الخزرجي أخو سبيع المتقدم، عباد بن الخشخاش القضاعى، عبادة بن الصامت الخزرجي، عبادة بن قيس بن كعب بن قيس، عبدالله بن أمية بن عرفطة، عبدالله بن ثعلبة بن خزمة أخو بحاث المتقدم، عبدالله بن جحش بن رئاب الاسدي، عبدالله بن جبير ابن النعمان الاوسي. عبدالله بن الجد بن قيس السلمى، عبدالله بن حق بن أوس الساعدي. وقال موسى بن عقبة والواقدى وابن عائذ: عبد رب بن حق، وقال ابن هشام: عبد ربه بن حق.


(1) الدبر: النحل. (*)

[ 500 ]

عبدالله بن الحمير حليف لبنى حرام، وهو أخو خارجة بن الحمير من أشجع، عبدالله ابن الربيع بن قيس الخزرجي، عبدالله بن رواحة الخزرجي عبدالله بن زيد بن عبد ربه ابن ثعلبة الخزرجي، الذى أرى النداء. عبدالله بن سراقة العدوى لم يذكره موسى بن عقبة ولا الواقدي ولا ابن عائذ، وذكره ابن إسحاق وغيره. عبدالله بن سلمة بن مالك العجلان حليف الانصار، عبدالله بن سهل بن رافع أخو بنى زعورا، عبدالله بن سهيل بن عمرو خرج مع أبيه والمشركين ثم فر من المشركين إلى المسلمين فشهدها معهم، عبدالله بن طارق بن مالك القضاعى حليف الاوس، عبدالله بن عامر من بلى، ذكره ابن إسحاق. عبدالله بن عبدالله بن أبى بن سلول الخزرجي وكان أبوه رأس المنافقين، عبدالله ابن عبد الاسد بن هلال بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم أبو سلمة زوج أم سلمة، قتل يومئذ، عبدالله بن عبد مناف بن النعمان السلمى، عبدالله بن عبس، عبدالله بن عثمان ابن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة بن كعب أبو بكر الصديق رضى الله عنه، عبدالله بن عرفطة بن عدى الخزرجي. عبدالله بن عمر بن حرام السلمى أبو جابر، عبدالله بن عمير بن عدى الخزرجي، عبدالله بن قيس بن خالد النجارى، عبدالله بن قيس بن صخر بن حرام السلمى. عبدالله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، جعله النبي صلى الله عليه وسلم مع عدى بن أبى الزغباء على النفل يوم بدر. عبدالله بن مخرمة بن عبدالعزى من المهاجرين الاولين، عبدالله بن مسعود الهذلى حليف بنى زهرة من المهاجرين الاولين، عبدالله بن مظعون الجمحى من المهاجرين الاولين، عبدالله بن النعمان بن بلدمة السلمى، عبدالله بن أنيسة بن النعمان السلمى،

[ 501 ]

عبد الرحمن بن جبر بن عمرو أبو عبيس الخزرجي، عبدالرحمن بن عبدالله بن ثعلبة أبو عقيل القضاعى البلوى. عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري أحد العشرة رضى الله عنهم، عبس بن عامر بن عدى السلمى، عبيد بن التيهان أخو أبو الهيثم بن التيهان، ويقال عتيك بدل عبيد. عبيد بن ثعلبة من بنى غنم بن مالك، عبيد بن زيد بن عامر بن عمرو بن العجلان بن عامر، عبيد بن أبى عبيد. عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف أخو الحصين والطفيل، وكان أحد الثلاثة الذين بارزوا يوم بدر فقطعت يده ثم مات بعد المعركة، رضى الله عنه. عتبان بن مالك بن عمرو الخزرجي، عتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية البهرانى حليف بنى أمية بن لوذان، عتبة بن عبدالله بن صخر السلمى، عتبة بن غزوان بن جابر من المهاجرين الاولين. عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الاموى أمير المؤمنين أحد الخلفاء الاربعة وأحد العشرة، تخلف على زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره. عثمان بن مظعون الجمحى أبو السائب، أخو عبدالله وقدامة من المهاجرين الاولين عدى بن أبى الزغباء الجهنى، وهو الذى أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسبس بن عمرو بين يديه عينا. عصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان، عصيمة حليف لبنى الحارث بن سوار من أشجع، وقيل من بنى أسد بن خزيمة، عطية بن نويرة بن عامر بن عطية الخزرجي، عقبة بن عامر بن نابى السلمى، عقبة بن عثمان بن خلدة الخزرجي أخو سعد بن عثمان.

[ 502 ]

عقبة بن عمرو أبو مسعود البدرى، وقع في صحيح البخاري أنه شهد بدرا وفيه نظر عند كثير من أصحاب المغازى، ولهذا لم يذكروه. عقبة بن وهب بن ربيعة الاسدي، أسد خزيمة، حليف لبنى عبد شمس وهو أخو شجاع بن وهب من المهاجرين الاولين، عقبة بن وهب بن كلدة حليف بنى غطفان. عكاشة بن محصن الغنمى من المهاجرين الاولين، وممن لا حساب عليه. على بن أبى طالب الهاشمي أمير المؤمنين، أحد الخلفاء الاربعة، وأحد الثلاثة الذين بارزوا يومئذ رضى الله عنه. عمار بن ياسر العنسى المذحجي من المهاجرين الاولين، عمارة بن حزم بن زيد النجارى. عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أحد الخلفاء الاربعة وأحد الشيخين المقتدى بهما رضى الله عنهما. عمر بن عمرو بن إياس من أهل اليمن حليف لبنى لوذان بن عمرو بن سالم، وقيل هو أخو ربيع وورقة، عمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدى بن مالك بن عدى بن عامر أبو حكيم. عمرو بن الحارث بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبشة بن الحارث بن فهر الفهرى، عمرو بن سراقة العدوى من المهاجرين، عمرو بن أبى سرح الفهرى من المهاجرين. وقال الواقدي وابن عائذ: معمر بدل عمرو. عمرو بن طلق بن زيد بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم، وهو في بنى حرام، عمرو ابن الجموح بن حرام الانصاري، عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم. ذكره الواقدي والاموى. عمرو بن قيس بن مالك بن عدى بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدى بن عامر أبو خارجة، ولم يذكره موسى بن عقبة.

[ 503 ]

عمرو بن عامر بن الحارث الفهرى ذكره موسى بن عقبة، عمرو بن معبد بن الازعر الاوسي، عمرو بن معاذ الاوسي أخو سعد بن معاذ، عمير بن الحارث بن ثعلبة ويقال عمرو بن الحارث بن لبدة بن ثعلبة السلمى، عمير بن حرام بن الجموح السلمى، ذكره ابن عائذ والواقدى. عمير بن الحمام بن الجموح ابن عم الذى قبله، قتل يومئذ شهيدا، عمير بن عامر بن مالك ابن الخنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن أبو داود المازنى. عمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو، وسماه الاموى وغيره: عمرو بن عوف. وكذا وقع في الصحيحين في حديث بعث أبى عبيدة إلى البحرين. عمير بن مالك بن أهيب الزهري أخو سعد بن أبى وقاص قتل يومئذ شهيدا، عنترة مولى بنى سليم وقيل إنه منهم، فالله أعلم. عوف بن الحارث بن رفاعة بن الحارث النجارى وهو ابن عفراء بنت عبيد بن ثعلبة النجارية قتل يومئذ شهيدا، عويم بن ساعدة الانصاري من بنى أمية بن زيد، عياض بن غنم الفهرى من المهاجرين الاولين. رضى الله عنهم أجمعين. حرف الغين غنام بن أوس الخزرجي. ذكره الواقدي وليس بمجمع عليه. حرف الفاء الفاكه بن بشر بن الفاكه الخزرجي، فروة بن عمرو بن ودفة (1) الخزرجي. حرف القاف قتادة بن النعمان الاوسي. قدامة بن مظعون الجمحى من المهاجرين أخو عثمان وعبد الله


(1) في الاشتقاق 461: ابن وذقة. قال: والوذقة زعموا الروضة. (*)

[ 504 ]

قطبة بن عامر بن حديدة السلمى. قيس بن السكن النجارى، قيس بن أبى صعصعة عمرو بن زيد المازنى كان على الساقة يوم بدر. قيس بن محصن بن خالد الخزرجي، قيس ابن مخلد بن ثعلبة النجارى. حرف الكاف كعب بن حمان (1) ويقال جمار ويقال جماز. وقال ابن هشام: كعب بن غبشان (2) ويقال: كعب بن مالك بن ثعلبة بن جماز. وقال الاموى: كعب بن ثعلبة بن حبالة بن غنم الغساني من حلفاء بنى الخزرج بن ساعدة. كعب بن زيد بن قيس النجارى، كعب بن عمرو أبو اليسر السلمى، كلفة بن ثعلبة أحد البكائين ذكره موسى بن عقبة، كناز بن حصين بن يربوع أبو مرثد الغنوى، من المهاجرين الاولين. حرف الميم مالك بن الدخشم ويقال ابن الدخشن الخزرجي، مالك بن أبى خولى الجعفي حليف بنى عدى، مالك بن ربيعة أبو أسيد الساعدي، مالك بن قدامة الاوسي، مالك بن عمرو أخو ثقف بن عمرو وكلاهما مهاجري، وهما من حلفاء بنى تميم بن دودان بن أسد، مالك بن قدامة الاوسي، مالك بن مسعود الخزرجي، مالك بن ثابت بن نميلة المزني حليف لبنى عمرو بن عوف، مبشر بن عبد المنذر بن زنبر الاوسي أخو أبى لبابة ورفاعة، قتل يومئذ شهيدا، المجذر بن ذياد (3) البلوى مهاجري، محرز بن عامر النجارى، محرز ابن نضلة الاسدي حليف بنى عبد شمس مهاجري، محمد بن مسلمة حليف بنى عبد


(1) ابن هشام: ابن حمار. (2) ابن هشام: ويقال: كعب بن جماز وهو من غبشان. (3) الاصل زياد. وهو تحريف وما أثبته عن الاشتقاق لابن دريد 550. (*)

[ 505 ]

الاشهل، مدلج ويقال مدلاج بن عمرو أخو ثقف بن عمرو مهاجري، مرثد بن أبى مرثد الغنوى، مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف من المهاجرين الاولين، وقيل اسمه عوف، مسعود بن أوس الانصاري النجارى، مسعود بن خلدة الخزرجي، مسعود بن ربيعة القارى حليف بنى زهرة مهاجري، مسعود بن سعد ويقال ابن عبد سعد بن عامر بن عدى بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث، مسعود بن سعد بن قيس الخزرجي، مصعب بن عمير العبدرى مهاجري كان معه اللواء يومئذ، معاذ بن جبل الخزرجي، معاذ بن الحارث النجارى وهذا هو ابن عفراء أخو عوف ومعوذ، معاذ بن عمرو بن الجموح الخزرجي، معاذ بن ماعض الخزرجي أخو عائذ. معبد بن عباد بن قشير بن القذم (1) بن سالم بن غنم، ويقال معبد بن عبادة بن قيس وقال الواقدي: قشعر بدل قشير. وقال ابن هشام: قشعر أبو خميصة. معبد بن قيس بن صخر السلمى أخو عبدالله بن قيس، معتب بن عبيد بن إياس البلوى القضاعى، معتب بن عوف الخزاعى، حليف بنى مخزوم من المهاجرين، معتب بن قشير الاوسي، معقل بن المنذر السلمى، معمر بن الحارث الجمحى من المهاجرين، معن ابن عدى الاوسي، معوذ بن الحارث الجمحى وهو ابن عفراء، أخو معاذ بن عوف، معوذ ابن عمرو بن الجموح السلمى لعله أخو معاذ بن عمرو، المقداد بن عمرو البهرانى، وهو المقداد ابن الاسود من المهاجرين الاولين وهو ذو المقال المحمود، ابن المتقدم ذكره وكان أحد الفرسان يومئذ، مليل بن وبرة الخزرجي، المنذر بن عمرو بن خنيس الساعدي، المنذر بن قدامة بن عرفجة الحزرجى، المنذر بن محمد بن عقبة الانصاري من بنى جحجبى مهجع مولى عمر بن الخطاب أصله من اليمن وكان أول قتيل من المسلمين يومئذ.


(1) الاصل: الفدم. وما أثبته من الاشتقاق 459. والقذم: السيد المعطاء. (*)

[ 506 ]

حرف النون نصر بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر بن كعب، نعمان بن عبد عمرو النجارى، وهو أخو الضحاك. نعمان بن عمرو بن رفاعة النجارى، نعمان بن عصر بن الحارث حليف لبنى الاوس، نعمان بن مالك بن ثعلبة الخزرجي، ويقال له قوقل، نعمان بن يسار مولى لبنى عبيد، ويقال نعمان بن سنان. نوفل بن عبيد الله بن نضلة الخزرجي. حرف الهاء هانئ بن نيار أبو بردة البلوى، خال البراء بن عازب. هلال بن أمية الواقفى، وقع ذكره في أهل بدر في الصحيحين في قصة كعب بن مالك، ولم يذكره أحد من أصحاب المغازى. هلال بن المعلى الخزرجي، أخو رافع بن المعلى. حرف الواو واقد بن عبدالله التميمي، حليف بنى عدى من المهاجرين، وديعة بن عمرو بن جراد الجهنى، ذكره الواقدي وابن عائذ، ورقة بن إياس بن عمرو الخزرجي أخو ربيع بن إياس، وهب بن سعد بن أبى سرح، ذكره موسى بن عقبة وابن عائذ والواقدى في بنى عامر بن لؤى ولم يذكره ابن اسحاق. حرف الياء يزيد بن الاخنس بن جناب بن حبيب بن جرة السلمى. قال السهيلي: شهد هو وأبوه وابنه يعنى بدرا، ولا يعرف لهم نظير في الصحابة، ولم يذكرهم ابن إسحاق والاكثرون، لكن شهدوا معه بيعة الرضوان.

[ 507 ]

يزيد بن الحارث بن قيس الخزرجي، وهو الذى يقال له ابن فسحم (1) وهى أمه، قتل يومئذ شهيدا ببدر، يزيد بن عامر بن حديدة أبو المنذر السلمى، يزيد بن المنذر بن سرح السلمى وهو أخو معقل بن المنذر. باب الكنى أبو أسيد مالك بن ربيعة تقدم، أبو الأعور بن الحارث بن ظالم النجارى، وقال ابن هشام: أبو الأعور الحارث بن ظالم. وقال الواقدي: أبو الأعور كعب بن الحارث ابن جندب بن ظالم، أبو بكر الصديق عبدالله بن عثمان، تقدم، أبو حبة بن عمرو بن ثابت، أحد بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف الانصاري. أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من المهاجرين وقيل اسمه مهشم، أبو الحمراء مولى الحارث بن رفاعة بن عفراء، أبو خزيمة ابن أوس بن أصرم النجارى، أبو سبرة مولى أبى رهم بن عبدالعزى من الهاجرين، أبو سنان بن محصن بن حرثان، أخو عكاشة ومعه ابنه سنان من المهاجرين. أبو الصياح بن النعمان وقيل: عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس ابن ثعلبة، رجع من الطريق وقتل يوم خيبر، رجع لجرح أصابه من حجر فضرب له بسهمه، أبوعرفجة من حلفاء بنى جحجبى، أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو لبابة بشير بن عبد المنذر، تقدم، أبو مرثد الغنوى كناز بن حصين تقدم، أبو مسعود البدرى عقبة بن عمرو تقدم، أبو مليل بن الازعر بن زيد الاوسي. فصل فكان جملة من شهد بدرا من المسلمين ثلثمائة وأربعة عشر رجلا، منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) الاصل: قسحم. وصوابه عن القاموس. وفسحم أمه. (*)

[ 508 ]

كما قال البخاري: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، سمعت البراء بن عازب يقول: حدثنى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم ممن شهد بدرا، أنهم كانو عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، بضعة عشر وثلاثمائة. قال البراء: لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن. ثم رواه البخاري من طريق إسرائيل وسفيان الثوري، عن أبى إسحاق عن البراء نحوه. قال ابن جرير: وهذا قول عامة السلف أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا. وقال أيضا: حدثنا محمود، حدثنا وهب، عن شعبة، عن أبى إسحاق، عن البراء، قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، والانصار نيفا وأربعين ومائتين. هكذا وقع في هذه الرواية. وقال ابن جرير: حدثنى محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو مالك الجبنى، عن الحجاج، وهو ابن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان المهاجرون يوم بدر سبعين رجلا، وكان الانصار مائتين وستة وثلاثين رجلا، وكان حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، وحامل راية الانصار سعد بن عبادة. وهذا يقتضى أنهم كانوا ثلثمائة وستة رجال. قال ابن جرير: وقيل: كانوا ثلثمائة وسبعة رجال. قلت: وقد يكون هذا عد معهم النبي صلى الله عليه وسلم والاول عدهم بدونه فالله أعلم. وقد تقدم عن ابن إسحاق أن المهاجرين كانوا ثلاثة وثمانين رجلا، وأن الاوس أحد وستون رجلا. والخزرج مائة وسبعون رجلا وسردهم.

[ 509 ]

وهذا مخالف لما ذكره البخاري، ولما روى عن ابن عباس فالله أعلم. وفى الصحيح، عن أنس أنه قيل له: شهدت بدرا ؟ فقال: وأين أغيب. وفى سنن أبى داود عن سعيد بن منصور، عن أبى معاوية، عن الاعمش، عن أبى سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام أنه قال: كنت أمتح لاصحابي الماء يوم بدر. وهذان لم يذكرهما البخاري ولا الضياء. فالله أعلم. * * * قلت: وفى الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وإنه لم يحضرها، تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببها، وكانوا ثمانية أو تسعة وهم: عثمان بن عفان تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كان بالشام فضرب له بسهمه وأجره. وطلحة بن عبيد الله كان بالشام أيضا فضرب له بسهمه وأجره. وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر رده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة، فاستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره. والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا من الطريق وضرب له بسهمه وأجره. والحارث بن الصمة، كسر بالروحاء فرجع فضرب له بسهمه زاد الواقدي: وأجره. وخوات بن جبير لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره. وأبو الصياح بن ثابت، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب ساقه فصيل حجر فرجع وضرب له بسهمه وأجره. قال الواقدي: وسعد أبو مالك، تجهز ليخرج فمات وقيل: إنه مات بالروحاء فضرب له بسهمه وأجره.

[ 510 ]

وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا، من المهاجرين ستة وهم: عبيدة بن الحارث بن المطلب، قطعت رجله فمات بالصفراء رحمه الله، وعمير بن أبى وقاص، أخو سعد بن أبى وقاص الزهري قتله العاص بن سعيد وهو ابن ست عشرة سنة، ويقال إنه كان قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع لصغره فبكى فأذن له في الذهاب فقتل رضى الله عنه، وحليفهم ذو الشمالين ابن عبد عمرو الخزاعى، وصفوان بن بيضاء، وعاقل بن البكير الليثى حليف بنى عدى، ومهجع مولى عمر بن الخطاب وكان أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ. ومن الانصار ثمانية وهم: حارثة بن سراقة رماه حبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فمات، ومعوذ وعوف ابنا عفراء، ويريد بن الحارث، ويقال: ابن فسحم، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلى بن لوذان، وسعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر رضى الله عن جميعهم. وكان مع المسلمين سبعون بعيرا كما تقدم. قال ابن إسحاق: وكان معهم فرسان على أحدهما المقداد بن الاسود واسمها بعزجة، ويقال سبحة، وعلى الاخرى الزبير بن العوام واسمها اليعسوب. وكان معهم لواء يحمله مصعب بن عمير، ورايتان يحمل إحداهما للمهاجرين على ابن أبى طالب، والتى للانصار يحملها سعد بن عبادة. وكان رأس مشورة للمهاجرين أبو بكر الصديق، ورأس مشورة الانصار سعد ابن معاذ. * * * وأما جمع المشركين: فأحسن ما يقال فيهم: إنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الالف وقد نص عروة وقتادة أنهم كانوا تسعمائة وثلاثين رجلا.

[ 511 ]

وقال الواقدي: كانوا تسعمائة وثلاثين رجلا. وهذا التحديد يحتاج إلى دليل، وقد تقدم في بعض الاحاديث أنهم كانوا أزيد من ألف، فلعله عدد أتباعهم معهم والله أعلم. وقد تقدم الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنه قتل منهم سبعون وأسر سبعون. وهذا قول الجمهور، ولهذا قال كعب بن مالك في قصيدة له: فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون عتبة منهم والاسود وقد حكى الواقدي الاجماع على ذلك. وفيما قاله نظر، فإن موسى بن عقبة وعروة ابن الزبير قالا خلاف ذلك، وهما من أئمة هذا الشأن، فلا يمكن حكاية الاتفاق بدون قولهما، وإن كان قولهما مرجوحا بالنسبة إلى الحديث الصحيح. والله أعلم. وقد سرد أسماء القتلى والاسارى ابن إسحاق وغيره، وحرر ذلك الحافظ الضياء في أحكامه جيدا. وقد تقدم في غضون سياقات القصة ذكر أول من قتل منهم، وهو الاسود بن عبد الاسد المخزومى، وأول من فر وهو خالد بن الاعلم الخزاعى، أو العقيلى، حليف بنى مخزوم، وما أفاده ذلك، فإنه أسر، وهو القائل في شعره: ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدم فما صدق في ذلك. وأول من أسروا عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث، قتلا صبرا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الاسارى، وقد اختلف في أيهما قتل أولا على قولين. وأنه عليه السلام أطلق جماعة من الاسارى مجانا بلا فداء، منهم أبو العاص بن

[ 512 ]

الربيع الاموى، والمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومى، وصيفى بن أبى رفاعة كما تقدم، وأبو عزة الشاعر، ووهب بن عمير بن وهب الجمحى كما تقدم، وفادى بقيتهم حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الاسرى، لئلا يحابيه لكونه عمه، مع أنه قد سأله الذين أسروه من الانصار أن يتركوا له فداءه فأبى عليهم ذلك، وقال: لا تتركوا منه درهما. وقد كان فداؤهم متفاوتا، فأقل ما أخذ أربعمائة، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب. قال موسى بن عقبة: وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب. ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه كما قال الامام أحمد: حدثنا على بن عاصم، قال: قال داود: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ناس من الاسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الانصار الكتابة، قال: فجاء غلام يوما يبكى إلى أمه فقالت: ما شأنك ؟ فقال: ضربني معلمي فقالت: الخببث يطلب بذحل (1) بدر ! والله لا تأتيه أبدا. انفرد به أحمد وهو على شرط السنن. وتقدم بسط ذلك كله ولله الحمد والمنة. فصل في فضل من شهد بدرا من المسلمين قال البخاري في هذا الباب: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن حميد، سمعت أنسا يقول: أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة منى فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الاخرى فترى ما أصنع. فقال: " ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي ؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس ".


(1) الذحل: الثأر. وفى الاصل: بدخل. محرفة. (*)

[ 513 ]

تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقد روى من غير هذا الوجه من حديث ثابت وقتادة عن أنس، وأن حارثة كان في النظارة وفيه: " إن ابنك أصاب الفردوس الاعلى ". وفى هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا الذى لم يكن في بحبوحة القتال (1) ولا في حومة الوغى، بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التى هي أعلى الجنان وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة التى أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها. فإذا كان هذا حال هذا، فما ظنك بمن كان واقفا في نحر العدو، وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا ؟ ! ثم روى البخاري ومسلم جميعا عن إسحاق بن راهويه، عن عبدالله بن إدريس، عن حصين بن عبدالرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبى عبد الرحمن السلمى، عن على بن أبى طالب قصة حاطب بن أبى بلتعة وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح، وأن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". ولفظ البخاري: " أليس من أهل بدر ؟ ولعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرت لكم ". فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم.


(1) تبحبح: تمكن في المقام والحلول. وبحبوحة المكان وسطه. وفى الاصل: بحبحة. محرفة (*) (33 - السيرة 2)

[ 514 ]

وروى مسلم عن قتيبة، عن الليث، عن أبى الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذبت، لا يدخلها، إنه شهد بدرا والحديبية ". وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنى الاعمش، عن أبى سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن يدخل النار رجل شهد بدرا أو الحديبية ". تفرد به أحمد وهو على شرط مسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبى النجود، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم " قال: إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". ورواه أبو داود عن أحمد بن سنان، وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن يزيد ابن هارون به. وروى البزار في مسنده: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى لارجو أن لا يدخل النار من شهد بدرا إن شاء الله ". ثم قال: لا نعلمه يروى عن أبى هريرة إلا من هذا الوجه. قلت: وقد تفرد البزار بهذا الحديث ولم يخرجوه، وهو على شرط الصحيح. والله أعلم. وقال البخاري في باب شهود الملائكة بدرا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم،

[ 515 ]

حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقى، عن أبيه، وكان أبوه من أهل بدر، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها. قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة انفرد به البخاري.

[ 516 ]

فصل في قدوم زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة من مكة إلى المدينة بعد وقعة بدر بشهر، بمقتضى ما كان شرط زوجها أبو العاص للنبى صلى الله عليه وسلم كما تقدم قال ابن إسحاق: ولما رجع أبو العاص إلى مكة وقد خلى سبيله، يعنى كما تقدم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الانصار مكانه فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها فتأتياني بها. فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه (1). فلما قدم ابو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز. قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبى بكر، قال: حدثت عن زينب أنها قالت: بينا أنا أتجهز لقيتني هند بنت عتبة فقالت: يا ابنة محمد، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟ قالت: فقلت: ما أردت ذلك. فقالت: أي ابنة عم، لا تفعلي، إن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تضطنى (2) منى فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت: والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل. قالت: ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك. قال ابن إسحاق: فتجهزت، فلما فرغت من جهازها قدم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارا يقود بها وهى في هودج لها، وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طوى، وكان أول


(1) شيعه: قريب منه. (2) لا تضطنى: لا تنقبضي منى. وأصله: اضطنأ. (*)

[ 517 ]

من سبق إليها هبار بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى الفهرى، فروعها هبار بالرمح وهى في الهودج، وكانت حاملا فيما يزعمون فطرحت، وبرك حموها كنانة ونثر كنانته ثم قال: والله لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما. فتكركر الناس عنه. وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال: يا أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك. فكف، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذ خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين إظهرنا، أن ذلك عن ذل أصابنا، وأن ذلك ضعف منا ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها من أبيها من حاجة وما لنا من ثؤرة (1)، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الاصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سرا وألحقها بأبيها. قال: ففعل. وقد ذكر ابن إسحاق أن أولئك النفر الذين ردوا زينب لما رجعوا إلى مكة قالت هند تذمهم على ذلك: أفى السلم أعيارا جفاء وغلظة * وفى الحرب أشباه النساء العوارك (2) وقد قيل إنها قالت ذلك للذين رجعوا من بدر بعد ما قتل منهم الذين قتلوا. قال ابن إسحاق: فأقامت ليالى، حتى إذا هدأت الاصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها ليلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * وقد روى البيهقى في الدلائل من طريق عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير، عن


(1) الثؤرة: طلب الثأر. (2) العوارك: الحوائض. (*)

[ 518 ]

عروة، عن عائشة فذكر قصة خروجها وردهم لها ووضعها ما في بطنها، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه لتجئ معه فتلطف زيد فأعطاه راعيا من مكة فأعطى الخاتم لزينب، فلما رأته عرفته فقالت: من دفع إليك هذا ؟ قال: رجل في ظاهر مكة. فخرجت زينب ليلا فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " هي أفضل بناتى أصيبت في ". قال: فبلغ ذلك على بن الحسين بن زين العابدين، فأتى عروة فقال: ما حديث بلغني أنك تحدثته ؟ فقال عروة: والله ما أحب أن لى ما بين المشرق والمغرب وأنى أنتقص فاطمة حقا هو لها، وأما بعد ذلك أن لا أحدث به أبدا. قال ابن إسحاق: فقال في ذلك عبدالله بن رواحة أو أبو خيثمة أخو بنى سالم بن عوف. قال ابن هشام: هي لابي خيثمة: أتانى الذى لا يقدر الناس قدره * لزينب فيهم من عقوق ومأثم وإخراجها لم يخز فيها محمد * على مأقط وبيننا عطر منشم (1) وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم * ومن حربنا في رغم أنف ومندم قرنا ابنه عمرا ومولى يمينه * بذى حلق جلد الصلاصل محكم (2) فأقسمت لا تنفك منا كتائب * سراة خميس من لهام مسوم (3) نروع قريش الكفر حتى نعلها (4) * بخاطمة فوق الانوف بميسم


(1) المأقط: معترك الحرب، وعطر منشم: كناية عن شدة الحرب. ومنشم: كانت امرأة تبيع العطر فيشترى منها للموتى، حتى تشاءموا بها. (2) ذو حلق: أراد به الغل. والصلاصل جمع صلصلة، وهى صلصلة الحديد. (3) اللهام: الكثير. والمسوم: المعلم. (4) نروع: نفزع. ونعلها: نذيقها الحرب مرة بعد مرة. (*)

[ 519 ]

ننزلهم أكناف نجد ونخلة * وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم يد (1) الدهر حتى لا يعوج سربنا * ونلحقهم آثار عاد وجرهم ويندم قوم لم يطيعوا محمدا * على أمرهم وأى حين تندم فأبلغ أبا سفيان إما لقيته * لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم فأبشر بخزى في الحياة معجل * وسربال قار خالدا في جهنم قال ابن إسحاق: ومولى يمين أبى سفيان الذى عناه الشاعر هو عامر بن الحضرمي. وقال ابن هشام: إنما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي، فأما عامر بن الحضرمي فإنه قتل يوم بدر. * * * قال ابن إسحاق: وقد حدثنى يزيد بن أبى حبيب، عن بكير بن عبدالله بن الاشج، عن سليمان بن يسار، عن أبى إسحاق الدوسى، عن أبى هريرة. قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها فقال: " إن ظفرتم بهبار بن الاسود والرجل الذى سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار ". فلما كان الغد بعث إلينا فقال: إنى قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموها، ثم رأيت أنه لا ينبغى لاحد أن يحرق بالنار إلا الله عزوجل، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما ". تفرد به ابن إسحاق وهو على شرط السنن ولم يخرجوه. وقال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا الليث، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبى هريرة أنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: " إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار " ثم قال حين أردنا الخروج: إنى أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما.


(1) يد الدهر: مد زمانه. وفى الاصل: يدى. وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 520 ]

وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا العاص أقام بمكة على كفره واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية فأخذوا ما معه وأعجزهم هربا، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح وكبر وكبر الناس صرخت من صفة النساء: أيها الناس أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال: " أيها الناس هل سمعتم الذى سمعت ؟ " قالوا: نعم. قال: " أما والذى نفس محمد بيده ما علمت بشئ حتى سمعت ما سمعتم، وإنه يجير على المسلمين أدناهم ". ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته زينب فقال: " أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له " قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه، فردوه بأسره لا يفقد منه شيئا. فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة، فأعطى كل إنسان ما كان له ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لاحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا: لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما. قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعنى عن الاسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فحدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الاول ولم يحدث شيئا.

[ 521 ]

وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث محمد ابن إسحاق، وقال الترمذي: ليس بإسناده بأس. ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين وقال السهيلي: لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت. وفى لفظ: ردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين، وفى رواية: بعد سنتين بالنكاح الاول، رواه ابن جرير. وفى رواية: لم يحدث نكاحا. وهذا الحديث قد أشكل على كثير من العلماء، فإن القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر، فإن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة، وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم فيها استمر على نكاحها، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها وزينب رضى الله عنها أسلمت حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد بدر بشهر، وحرم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمان فمن قال: ردها عليه بعد ست سنين، أي من حين هجرتها فهو صحيح. ومن قال: بعد سنتين. أي من حين حرمت المسلمات على المشركين فهو صحيح أيضا. وعلى كل تقدير فالظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة التى أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها، فكيف ردها عليه بالنكاح الاول ؟ * * * فقال قائلون: يحتمل أن عدتها لم تنقض، وهذه قصة يمين يتطرق إليها الاحتمال. وعارض آخرون هذا الحديث بالحديث الاول الذى رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد بنته على أبى العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد.

[ 522 ]

قال الامام أحمد: هذا حديث ضعيف واه ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمى، والعرزمى لا يساوى حديثه شيئا، والحديث الصحيح الذى روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على النكاح الاول. وهكذا قال الدار قطني: لا يثبت هذا الحديث، والصواب حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الاول. وقال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال. و [ الذى ] العمل عليه عند أهل العلم، أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنه أحق بها ما كانت في العدة، وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال آخرون: بل الظاهر انقضاء عدتها، ومن روى أنه جدد لها نكاحا فضعيف. * * * ففى قضية زينب، والحالة هذه، دليل على أن المرأة إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها حتى انقضت عدتها، فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك، بل يبقى بالخيار إن شاءت تزوجت غيره وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي وقت كان، وهى امرأته ما لم تتزوج. وهذا القول فيه قوة وله حظ من جهة. الفقه والله أعلم. ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري حيث قال: نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس، كان المشركون على منزلتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كانوا مشركي أهل الحرب يقاتلونهم ويقاتلونه، ومشركى أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه، وإن هاجر عبد منهم أو

[ 523 ]

أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين. ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد. هذا لفظه بحروفه. فقوله: " فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر " يقتضى أنها كانت تستبرئ بحيضة لا تعتد بثلاثة قروء، وقد ذهب قوم إلى هذا. وقوله: فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه، يقتضى أنه وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة أنها ترد إلى زوجها الاول ما لم تنكح زوجا غيره، كما هو الظاهر من قصة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء. والله أعلم.

[ 524 ]

فصل فيما قيل من الاشعار في غزوة بدر العظمى (1) فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق، عن حمزة بن عبدالمطلب، وأنكرها ابن هشام: ألم تر أمرا كان من عجب الدهر * وللحين أسباب مبينة الامر وما ذاك إلا أن قوما أفادهم (2) * فحانوا (3) تواص بالعقوق وبالكفر عشية راحوا نحو بدر بجمعهم * وكانوا رهونا للركية من بدر (4) وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها * فساروا إلينا فالتقينا على قدر فلما التقينا لم تكن مثنوية (5) * لنا غير طعن بالمثقفة السمر وضرب ببيض يختلى الهام حدها * مشهرة الالوان بينة الاثر (6) ونحن تركنا عتبة الغى ثاويا * وشيبة في قتلى تجرجم في الجفر (7) وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم * فشقت جيوب النائحات على عمرو جيوب نساء من لؤى بن غالب * كرام تفرعن الذوائب من فهر أولئك قوم قتلوا في ضلالهم * وخلوا لواء غير محتضر النصر لواء ضلال قاد إبليس أهله * فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر وقال لهم إذ عاين الامر واضحا * برئت إليكم ما بى اليوم من صبر


(1) أكثر ما ذكره ابن اسحق من الاشعار التى قيلت في غزوة بدر مصنوع مختلق، لا تبدو عليه مسحة ذلك العصر، كما نبه على ذلك ابن هشام، وهو من صنع بعض النظامين الذين كانوا يتصورون الحادث ثم يصوغون الاشعار على مقتضاه. (2) أفادهم: أهلكهم. (3) الاصل: فخافوا. وما أثبته عن ابن هشام. (4) رهونا: جمع رهن، والركبة: البئر التى لم تطو بالحجارة. (5) المثنوية: أراد الرجوع. (6) يختلى: يقطع. والاثر: فرند السيف. (7) تجرجم: تسقط. والجفر: البئر لم تطو. (*)

[ 525 ]

فإنى أرى ما لا ترون وإنني * أخاف عقاب الله والله ذو قسر فقدمهم للحين حتى تورطوا * وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا * ثلاث مئين كالمسدمة (1) الزهر وفينا جنود الله حين يمدنا * بهم في مقام ثم مستوضح الذكر فشد بهم جبريل تحت لوائنا * لدا مأزق فيه مناياهم تجرى وقد ذكر ابن إسحاق جوابها من الحارث بن هشام تركناها عمدا. * * * وقال على بن أبى طالب وأنكرها ابن هشام: ألم تر أن الله أبلى رسوله * بلاء عزيز ذى اقتدار وذى فضل بما أنزل الكفار دار مذلة * فلاقوا هوانا من أسار ومن قتل فأمسى رسول الله قد عز نصره * وكان رسول الله أرسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل * مبينة آياته لذوى العقل فآمن أقوام بذاك وأيقنوا * فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم * فزادهم ذو العرش خبلا على خبل وأمكن منهم يوم بدر رسوله * وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل بأيديهم بيض خفاف عصوا بها * وقد حادثوها بالجلاء والصقل فكم تركوا من ناشئ ذى حمية * صريعا ومن ذى نجدة منهم كهل تبيت عيون النائحات عليهم * تجود بأسبال الرشاش وبالوبل (2) نوائح تنعى عتبة الغى وابنه * وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل وذا الرجل (3) تنعى وابن جدعان فيهم * مسلبة حرى مبينة الثكل


(1) المسدم: الفحل الهائج. والزهر: المشرقة اللون. (2) الرشاش: المطر الضعيف. والوبل: الكثير. استعاره للدمع. (3) يريد بذى الرجل الاسود بن عبد الاسد الذى قطعت رجله وهو يقتحم الحوض. (* (

[ 526 ]

ثوى منهم في بئر بدر عصابة * ذوو نجدات في الحروب وفى المحل دعا الغى منهم من دعا فأجابه * وللغى أسباب مرمقة الوصل (1) فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل * عن الشغب والعدوان في أسفل السفل (2) وقد ذكر ابن إسحاق نقيضتها من الحارث أيضا تركناها قصدا. * * * وقال كعب بن مالك: عجبت لامر الله والله قادر * على ما أراد ليس لله قاهر قضى يوم بدر أن نلاقى معشرا * بغوا وسبيل البغى بالناس جائر وقد حشدوا واستنفروا من يليهم * من الناس حتى جمعهم متكاثر وسارت إلينا لا تحاول غيرنا * بأجمعها كعب جميعا وعامر وفينا رسول الله والاوس حوله * له معقل منهم عزيز وناصر وجمع بنى النجار تحت لوائه * يمشون في الماذى (3) والنقع ثائر فلما لقيناهم وكل مجاهد * لاصحابه مستبسل النفس صابر شهدنا بأن الله لا رب غيره * وأن رسول الله بالحق ظاهر وقد عريت بيض خفاف كأنها * مقاييس يزهيها لعينيك شاهر بهن أبدنا جمعهم فتبددوا * وكان يلاقى الحين من هو فاجر فكب أبو جهل صريعا لوجهه * وعتبة قد غادرته وهو عاثر وشيبة والتيمي غادرت في الوغى * وما منهم إلا بذى العرش كافر فأمسوا وقود النار في مستقرها * وكل كفور في جهنم صائر


(1) مرمقة: ضعيفة واهية. (2) ابن هشام: في أشغل الشغل. (3) الماذى: الدرع اللينة السهلة، وتطلق على السلاح كله. (*)

[ 527 ]

تلظى عليهم وهى قد شب حميها * بزبر الحديد والحجارة ساجر وكان رسول الله قد قال أقبلوا * فولوا وقالوا إنما أنت ساحر لامر أراد الله أن يهلكوا به * وليس لامر حمه الله زاجر وقال كعب في يوم بدر: ألا هل أتى غسان في نأى دارها * وأخبر شئ بالامور عليمها بأن قد رمتنا عن قسى عداوة * معد معا جهالها وحليمها لانا عبدنا الله لم نرج غيره * رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها نبى له في قومه إرث عزة * وأعراق صدق هذبتها أرومها فساروا وسرنا فالتقينا كأننا * أسود لقاء لا يرجى كليمها ضربناهم حتى هوى في مكرنا * لمنخر سوء من لؤى عظيمها فولوا ودسناهم ببيض صوارم * سواء علينا حلفها وصميمها وقال كعب أيضا: لعمر أبيكا يا بنى لؤى * على زهو لديكم وأنتحاء لما حامت فوارسكم ببدر * ولا صبروا به عند اللقاء وردناه ونور الله يجلو * دجى الظلماء عنا والغطاء رسول الله يقدمنا بأمر * من امر الله أحكم بالقضاء فما ظفرت فوارسكم ببدر * وما رجعوا إليكم بالسواء فلا تعجل أبا سفيان وارقب * جياد الخيل تطلع من كداء بنصر الله روح القدس فيها * وميكال فيا طيب الملاء * * * وقال حسان بن ثابت، قال ابن هشام ويقال هي لعبد الله بن الحارث السهمى:

[ 528 ]

مستشعرى حلق الماذى يقدمهم * جلد النحيزة ماض غير رعديد (1) أعنى رسول إله الخلق فضله * على البرية بالتقوى وبالجود وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم * وماء بدر زعمتم غير مورود [ ثم وردنا ولم نسمع لقولكم * حتى شربنا رواء غير تصريد (2) ] مستعصمين بحبل غير منجذم * مستحكم من حبال الله ممدود فينا الرسول وفينا الحق نتبعه * حتى الممات ونصر غير محدود واف وماض شهاب يستضاء به * بدر أنار على كل الاماجيد وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا ليت شعرى هل أتى أهل مكة * إبادتنا الكفار في ساعة العسر قتلنا سراة القوم عند مجالنا * فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر قتلنا أبا جهل وعتبة قبله * وشيبة يكبو لليدين وللنحر قتلنا سويدا ثم عتبة بعده * وطعمة أيضا عند ثائرة القتر (3) فكم قد قتلنا من كريم مسود (4) * له حسب في قومه نابه الذكر تركناهم للعاويات ينبنهم (5) * ويصلون نارا بعد حامية القعر لعمرك ما حامت فوارس مالك * وأشياعهم يوم التقينا على بدر وقال عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب في يوم بدر، في قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعلى مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة. وأنكرها ابن هشام: ستبلغ عنا أهل مكة وقعة * يهب لها من كان عن ذاك نائيا


(1) الماذى: الدروع اللينة. والمستشعر: اللابس على جسمه بغير حاجز. والنحيزة: الطبيعة. والرعديد: الجبان. (2) من ابن هشام. (3) القتر: الغبار. (4) ابن هشام: مرزأ. (5) ينبنهم: يعاودنهم. (*)

[ 529 ]

بعتبة إذ ولى وشيبة بعده * وما كان فيها بكر عتبة راضيا فإن تقطعوا رجلى فإنى مسلم * أرجى بها عيشا من الله دانيا مع الحور أمثال التماثيل أخلصت * من الجنة العليا لمن كان عاليا وبعت بها عيشا تعرفت صفوه * وعاجلته حتى فقدت الا دانيا فأكرمني الرحمن من فضل منه * بثوب من الاسلام غطى المساويا وما كان مكروها إلى قتالهم * غداة دعا الاكفاء من كان داعيا ولم يبغ إذ سألوا النبي سواءنا * ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا لقيناهم كالاسد تخطر بالقنا * نقاتل في الرحمن من كان عاصيا فما برحت أقدامنا من مقامنا * ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا (1) * * * وقال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا يذم الحارث بن هشام على فراره يوم بدر وتركه قومه لا يقاتل دونهم: تبلت فؤادك في المنام خريدة (2) * تشفى (3) الضجيع ببارد بسام كالمسك تخلطه بماء سحابة * أو عاتق كدم الذبيح مدام نفج الحقيبة بوصها متنضد * بلهاء غير وشيكة الاقسام (4) بنيت على قطن أجم كأنه * فضلا إذا قعدت مداك رخام (5) وتكاد تكسل أن تجئ فراشها * في جسم خرعبة (6) وحسن قوام


(1) المنائيا: المنايا، فزيدت فيه الهمزة. (2) الخريدة: الحسناء الناعمة. (3) رواية الديوان: تسقى. (4) نفج: عالية. وأراد بالحقيبة الارداف. والبوص: الردف. ومتنضد: يعلو بعضه بعضا. والبلهاء: الغافلة. والاقسام: جمع قسم. أي أنها لا تمضى قسمها. (5) القطن: الوسط. والاجم: الذى لا عظام فيه. وفضلا: نصب على الحال. والمداك: مدق الطيب. (6) الخرعبة: الحسنة القوام. (*) (34 - السيرة 2)

[ 530 ]

أما النهار فلا أفتر ذكرها * والليل توزعني بها أحلامي أقسمت أنساها وأترك ذكرها * حتى تغيب في الضريح عظامي بل من لعاذلة تلوم سفاهة * ولقد عصيت على الهوى لوامى بكرت إلى بسحرة بعد الكرى * وتقارب من حادث الايام زعمت بأن المرء يكرب عمره * عدم لمعتكر من الاصرام (1) إن كنت كاذبة الذى حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الاحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام (2) يذر العناجيج الجياد بقفرة * مر الدموك بمحصد ورجام (3) ملات به الفرجين فارمدت به * وثوى أحبته بشر مقام وبنو أبيه ورهطه في معرك * نصر الاله به ذوى الاسلام طحنتهم والله ينفذ أمره * حرب يشب سعيرها بضرام لو لا الاله وجريها لتركنه * جزر السباع ودسنه بحوامى (4) من بين مأسور يشد وثاقه * صقر إذا لاقى الاسنة حامى ومجدل لا يستجيب لدعوة * حتى تزول شوامخ الاعلام بالعار والذل المبين إذا رأى * بيض السيوف تسوق كل همام بيدى أغر إذا انتمى لم يخزه * نسب القصار سميدع (5) مقدام بيض إذا لاقت حديدا صممت * كالبرق تحت ظلال كل غمام


(1) يكرب: يحزن. والاصرام: جمع الجمع لصرمة، وهى القطعة من الابل ما بين العشرين إلى الاربعين. والمعتكر: المختلط لا يستطاع عده. (2) الطمرة: الفرس الجواد. (3) العناجيج: جياد الخيل. والدموك: البكرة السريعة المر يسقى بها على السانية. والمحصد: الحبل المفتول. والرجام: حجر يشد بطرف الدلو لتسرع في البئر. يصف الفرس بسرعة الجرى. هذا وفى الاصل: " مر الذمول " وهو تحريف. صوابه من ابن هشام والديوان. (4) الحوامى: ميامن الحافر ومياسره. (5) السميدع: السيد. (*)

[ 531 ]

قال ابن هشام: تركنا في آخرها ثلاث أبيات أقذع فيها. قال ابن هشام: فأجابه الحارث بن هشام أخو أبى جهل عمرو بن هشام فقال: القوم (1) أعلم ما تركت قتالهم * حتى رموا فرسى (2) بأشقر مزبد وعرفت أنى إن أقاتل واحدا * أقتل ولا ينكى عدوى مشهدى فصددت عنهم والاحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد وقال حسان أيضا: يا حار قد عولت غير معول * عند الهياج وساعة الاحساب إذ تمتطي سرح اليدين نجيبة * مرطى الجراء طويلة الاقراب (3) والقوم خلفك قد تركت قتالهم * ترجو النجاء وليس حين ذهاب ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى * قعص الاسنة (4) ضائع الاسلاب عجل المليك له فأهلك جمعه * بشنار مخزية وسوء عذاب وقال حسان أيضا: لقد علمت قريش يوم بدر * غداة الاسر والقتل الشديد بأنا حين تشتجر العوالي * حماة الحرب يوم أبى الوليد قتلنا أبنى ربيعة يوم سارا * إلينا في مضاعفة الحديد وفر بها حكيم يوم جالت * بنو النجار تخطر كالاسود وولت عند ذاك جموع فهر * وأسلمها الحويرث من بعيد لقد لاقيتم ذلا وقتلا * جهيزا نافذا تحت الوريد وكل القوم قد ولوا جميعا * ولم يلووا على الحسب التليد


(1) ابن هشام: الله أعلم. (2) ابن هشام: حتى حبوا مهرى. (3) السرح: السريعة. ومرطى الجراء: سريعة الجرى. والاقراب جمع قرب وهو الخاصرة، أو من الشاكلة إلى مراق البطن. (4) القعص: أن يصاب برمية فيموت مكانه. (*)

[ 532 ]

وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثى عبيدة بن الحارث بن المطلب: لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا * وحلما أصيلا وافر اللب والعقل عبيدة فابكيه لاضياف غربة * وأرملة تهوى لاشعث كالجذل وبكية للاقوام في كل شتوة * إذا احمر آفاق السماء من المحل وبكية للايتام والريح زفزف * وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلى فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها * فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل لطارق ليل أو لملتمس القرى * ومستنبح أضحى لديه على رسل * * * وقال الاموى في مغازيه: حدثنى سعيد بن قطن قال: قالت: عاتكة بنت عبدالمطلب في رؤياها التى رأت وتذكر بدرا: ألما تكن رؤياي حقا ويأتكم * بتأويلها فل من القوم هارب رأى فأتاكم باليقين الذى رأى * بعينيه ما تفرى السيوف القواضب فقلتم ولم أكذب عليكم وإنما * يكذبنى بالصدق من هو كاذب وما جاء إلا رهبة الموت هاربا * حكيم وقد اعيت عليه المذاهب أقامت سيوف الهند دون رءوسكم * وخطية (1) فيها الشبا والتغالب كأن حريق النار لمع ظبانها * إذا ما تعاطتها الليوث المشاغب ألا بأبى يوم اللقاء محمدا * إذا عض من عون الحروب الغوارب مرى بالسيوف المرهفات نفوسكم * كفاحا كما تمرى السحاب الجنائب (2) فكم بردت أسيافه من مليكة * وزعزع ورد بعد ذلك صالب


(1) الخطية: الرماح (2) الجنائب: الرياح التى تهب جنوبا، وهو تمرى السحاب تستنزل مطره. وأصل المرى مسح ضرع الناقة ليدر لبنها. (*)

[ 533 ]

فما بال قتلى في القليب ومثلهم * لدى ابن أخى أسرى له ما يضارب فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم * من الله حين ساق والحين حالب فكيف رأى عند اللقاء محمدا * بنو عمه والحرب فيها التجارب ألم يغشكم ضربا يحار لوقعة الجبان وتبذو بالنهار الكواكب حلفت لئن عادوا لنصطلينهم * بحارا تردى تجر فيها (1) المقانب كأن ضياء الشمس لمع ظباتها * لها من شعاع النور قرن وحاجب وقالت عاتكة أيضا فيما نقله الاموى: هلا صبرتم للنبى محمد * ببدر ومن يغشى الوغى حق صابر ولم ترجعوا عن مرهفات كأنها * حريق بأيدى المؤمنين بواتر ولم تصبروا للبيض حتى أخذتم * قليلا بأيدى المؤمنين المشاعر ووليتم نفرا وما البطل الذى * يقاتل من وقع السلاح بنافر أتاكم بما جاء النبيون قبله * وما ابن أخى البر الصدوق بشاعر سيكفى الذى ضيعتم من نبيكم * وينصره الحيان عمرو وعامر * * * وقال طالب بن أبى طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرثى أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا يومئذ من قومه، وهو بعد على دين قومه إذ ذاك: ألا إن عينى أنفدت دمعها سكبا * تبكى على كعب وما إن ترى كعبا ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا * وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا وعامر تبكى للملمات غدوة * فيا ليت شعرى هل أرى (2) لهم قربا


(1) المطبوعة: تجربتها. وهو تحريف. (2) ابن هشام: لهما. (*)

[ 534 ]

[ هما أخواى لن يعدا لغية * تعد ولن يستام جارهما غصبا (1) ] فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا (2) * فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا ولا تصبحوا من بعد ود وألفة * أحاديث فيها كلكم يشتكى النكبا ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * وحرب (3) أبى يكسوم إذ ملا والشعبا فلو لا دفاع الله لا شئ غيره * لاصبحتم لا تمنعون لكم سربا فما إن جنينا في قريش عظيمة * سوى أن حمينا خير من وطى التربا أخا ثقة في النائبات مرزا * كريما نثاه لا بخيلا ولا ذربا (4) يطيف به العافون يغشون بابه * يؤمون نهرا لا نزورا ولا صربا (5) فو الله لا تنفك نفسي حزينة * تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا فصل وقد ذكر ابن إسحاق أشعارا من جهة المشركين قوية الصنعة يرثون بها قتلاهم يوم بدر. فمن ذلك قول ضرار بن الخطاب بن مرداس أخى بنى محارب بن فهر، وقد أسلم بعد ذلك، والسهيلى في روضه يتكلم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك: عجبت لفخر الاوس والحين دائر * عليهم غدا والدهر فيه بصائر وفخر بنى النجار إن كان معشر * أصيبوا ببدر كلهم ثم صائر فإن تك قتلى غودرت من رجالنا * فإنا رجالا بعدهم سنغادر


(1) من ابن هشام. (2) الاصل: ونوفل. وهو تحريف. (3) ابن هشام: وجيش أبى يكسوم. (4) النثا: العطاء. والذرب: الفاسد. (5) الصرب: المنقطع. (*)

[ 535 ]

وتردى بنا الجرد العناجيج (1) وسطكم * بنى الاوس حتى يشفى النفس ثائر ووسط بنى النجار سوف نكرها * لها بالقنا والدارعين زوافر فنترك صرعى تعصب الطير حولهم * وليس لهم إلا الامانى ناصر وتبكيهم من أرض يثرب نسوة * لهن بها ليل عن النوم ساهر وذلك أنا لا تزال سيوفنا * بهن دم ممن يحاربن مائر (2) فإن تظفروا في يوم بدر فإنما * بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر وبالنفر الاخيار هم أولياؤه * يحامون في اللاواء (3) والموت حاضر يعد أبو بكر وحمزة فيهم * ويدعى على وسط من أنت ذاكر أولئك لا من نتجت من ديارهم * بنو الاوس والنجار حين تفاخر ولكن أبوهم من لؤى بن غالب * إذ عدت الانساب كعب وعامر هم الطاعنون الخيل في كل معرك * غداة الهياج الاطيبون الاكابر فأجابه كعب بن مالك بقصيدته التى أسلفناها وهى قوله: عجبت لامر الله والله قادر * على ما أراد ليس لله قاهر قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر واسمه شداد بن الاسود بن شعوب. قلت: وقد ذكر البخاري أنه خلف على امرأة أبى بكر الصديق حين طلقها الصديق وذلك لما حرم الله المشركات على المسلمين واسمها أم بكر: تحيى بالسلامة أم بكر * وهل لى بعد قومي من سلام فماذا بالقليب قليب بدر * من القينات والشرب الكرام


(1) العناجيج: جياد الخيل. (2) المائر: السائل. (3) اللاواء: شدة البأس. (*)

[ 536 ]

وماذا بالقليب قليب بدر * من الشيزى تكلل بالسنام (1) وكم لك بالطوى طوى بدر * من الحومات والنعم المسام (2) وكم لك بالطوى طوى بدر * من الغايات والدسع (3) العظام وأصحاب الكريم أبى على * أخى الكأس الكريمة والندام وإنك لو رأيت أبا عقيل * وأصحاب الثنية من نعام (4) إذا لظللت من وجد عليهم * كأم السقب جائله المرام (5) يخبرنا الرسول لسوف نحيا * وكيف حياة أصداء وهام قلت: وقد أورد البخاري بعضها في صحيحه ليعرف به حال قائلها. * * * قال ابن إسحاق: وقال أمية بن أبى الصلت يرثى من قتل من قريش يوم بدر: ألا بكيت على الكرا * م بنى الكرام أولى الممادح كبكا الحمام على فرو * ع الايك في الغصن الجوانح (6) يبكين حرى مستكي‍ * نات يرحن مع الروائح أمثالهن الباكيا * ت المعولات من النوائح من يبكيهم يبكى على * حزن ويصدق كل مادح ماذا ببدر فالعقن‍ * قل من مرازبة جحاجح (7) فمدافع البرقين فالحنان من طرف الاواشح (8)


(1) الشيزى: جفان من خشب. والسنام لحم ظهر البعير. وأراد أصحابها المطعمين فيها. (2) الحومات: جمع حومة، وهو القطعة من الابل. (3) الدسع: العطايا. (4) النعام: موضع. (5) السقب: ولد الناقة حين تضعه. (6) الجوانح: الموائل. (7) العقنقل: الكثيب المنعقد من الرمل. والمرازبة: الرؤساء. والجحاجح: السادة. (8) البرقين والحنان والاواشح: مواضع. (*)

[ 537 ]

شمط وشبان بها * ليل مغاوير وحاوح (1) ألا ترون لما أرى * ولقد أبان لكل لامح أن قد تغير بطن مكة فهى موحشة الاباطح من كل بطريق لبطريق نقى الود (2) واضح دعموص أبواب الملو * ك وجائب للخرق فاتح (3) ومن السراطمة الخلا * جمة الملاوثة المناجح (4) القائلين الفاعل‍ * ين الآمرين بكل صالح المطعمين الشحم فو * ق الخبز شحما كالانافح (5) نقل الجفان مع الجفا * ن إلى جفان كالمناضح (6) ليست بأصفار لمن * يعفو ولا رح رحارح (7) للضيف ثم الضيف بعد الضيف والبسط السلاطح (8) وهب المئين من المئي‍ * ن إلى المئين من اللواقح سوق المؤبل للمؤبل صادرات عن بلادح (9) لكرامهم فوق الكرا * م مزية وزن الرواجح كمثاقل الارطال بال‍ * قسطاس بالايدي الموائح خذلتهم فئة وهم * يحمون عورات الفضائح


(1) الوحاوح: جمع وحواح وهو القوى. (2) ابن هشام: نقى اللون. (3) الدعموص: دويبة تغوص في الماء. يصفهم بكثرة الدخول على الملوك. والخرق: الفلاة الواسعة. (4) السرامطة: جمع سرطم وهو الواسع الحلق. والخلاجمة: جمع خلجم وهو الضخم الطويل. (5) الانافح جمع إنفحة. وهو شجر كالباذنجان. والانفحة أيضا: شئ يستخرج من بطن الجدى الرضيع أصفر فيعصر في صوفة فيغلظ كالجبن. (6) المناضح: الحياض. (7) الرح: الجفان الواسعة. والرحارح: جمع رحراح، وهو الواسع المنبسط، يريد أنها عميقة. (8) السلاطح: العريضة. (9) بلادح: موضع. (*)

[ 538 ]

الضاربين التقدمي‍ * ة بالمهندة الصفائح (1) ولقد عناني صوتهم * من بين مستسق وصائح لله در بنى على أيم منهم وناكح إن لم يغيروا غارة * شعواء تحجر كل نابح بالمقربات المبعدا * ت الطامحات مع الطوامح مردا على جرد إلى * أسد مكالبة كوالح (2) ويلاق قرن قرنه * مشى المصافح للمصافح بزهاء ألف ثم أل‍ * ف بين ذى بدن ورامح قال ابن هشام: تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. * * * قلت: هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس، الذى حمله كثرة جهله وقلة عقله على أن مدح المشركين وذم المؤمنين. واستوحش بمكة من أبى جهل بن هشام وأضرابه من الكفرة اللئام والجهلة الطغام ولم يستوحش بها من عبدالله ورسوله وحبيبه وخليله، فخر البشر ومن وجهه أنور من القمر، ذى العلم الاكمل والعقل الاشمل، ومن صاحبه الصديق المبادر إلى التصديق، والسابق إلى الخيرات وفعل المكرمات، وبذل الالوف والمئات في طاعة رب الارض والسموات. وكذلك بقية أصحابه الغر الكرام، الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى


(1) التقدمية: المقدمة. يصفهم بالتقدم في القتال أول الجيش. (2) المكالبة: بهم الشرة والحدة. والكوالح: جمع كالح. وهو المتجهم العابس. (*)

[ 539 ]

دار العلم والاسلام. رضى الله عن جميعهم ما اختلط الضياء والظلام. وما تعاقبت الليالى والايام. وقد تركنا أشعارا كثيرة أوردها ابن إسحاق رحمه الله خوف الاطالة وخشية الملالة. وفيما أوردنا كفاية. ولله الحمد والمنة. وقد قال الاموى في مغازيه: سمعت أبى، حدثنا سليمان بن أرقم، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عن شعر الجاهلية. قال سليمان: فذكر ذلك الزهري فقال: عفا عنه إلا قصيدتين، كلمة أمية التى ذكر فيها أهل بدر، وكلمة الاعشى التى يذكر فيها الاخوص. وهذا حديث غريب، وسليمان بن أرقم هذا متروك. والله أعلم. فصل في غزوة بنى سليم في سنة ثنتين من الهجرة النبوية قال ابن إسحاق: وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب شهر رمضان، أو في شوال. ولما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بنى سليم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، أو ابن أم مكتوم الاعمى. قال ابن إسحاق: فبلغ ماء من مياههم يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وأفدى في إقامته تلك جل الاسارى من قريش.

[ 540 ]

فصل [ في ] غزوة السويق في ذى الحجة منها، وهى غزوة قرقرة الكدر قال السهيلي: والقرقرة: الارض الملساء. والكدر: طير في ألوانها كدرة. قال ابن إسحاق: وكان أبو سفيان كما حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان، ومن لا أتهم، عن عبدالله بن كعب بن مالك، وكان من أعلم الانصار، حين رجع إلى مكة ورجع فل قريش من بدر، نذر ألا يمس رأسة ماء من جنابة حتى يغزو محمدا. فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له نيب من المدينة على بريد أو نحوه. ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل فأتى حيى بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بنى النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس. ثم خرج في عقب ليله حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا من قريش، فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا رجلا من الانصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما، وانصرفوا راجعين. فنذر بهم الناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر. قال ابن إسحاق: فبلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه.

[ 541 ]

ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أزوادا كثيرة قد ألقاها المشركون يتخففون منها وعامتها سويق، فسميت غزوة السويق. قال المسلمون: يا رسول الله أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة ؟ قال: نعم. قال ابن إسحاق: وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا، ويمدح سلام بن مشكم اليهودي: وإنى تخيرت المدينة واحدا * لحلف فلم أندم ولم أتلوم سقاني فروانى كميتا (1) مدامة * على عجل منى سلام (2) بن مشكم ولما تولى الجيش قلت ولم أكن * لافرحه (3): أبشر بعز ومغنم تأمل فإن القوم سر وإنهم * صريح لؤى لا شماطيط (4) جرهم وما كان إلا بعض ليلة راكب * أتى ساعيا من غير خلة معدم فصل في دخول على بن أبى طالب رضى الله عنه على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر، لما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن على بن الحسين، عن أبيه الحسين بن على، عن على بن أبى طالب قال: كانت لى شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا مما أفاء الله من الخمس يومئذ، فلما أردت أبتنى فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم واعدت رجلا


(1) الكميت: الخمر التى فيها سواد وحمرة. (2) خففت اللام لضرورة الشعر. (3) لافرحه: لاثقل عليه. (4) الشماطيط: القوم المفرقة. (*)

[ 542 ]

صواغا من بنى قينقاع أن يرتحل معى فنأتي بإذخر، فأردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفى من الاقتاب والغرائر والحبال، وشارفاى مناختان إلى جنب حجرة رجل من الانصار حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشار في قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عينى حين رأت المنظر، فقلت: من فعل هذا ؟ قالوا: فعله حمزة بن عبدالمطلب، وهو في هذا البيت وهو في شرب من الانصار وعنده قينته وأصحابه، فقالت في غنائها: * ألا يا حمز للشرف النواء * فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما. قال على: فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذى لقيت، فقال: ما لك ؟ فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم ! عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما، وها هو ذا في البيت معه شرب. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشى واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذى فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم، صعد النطر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لابي ! فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه. هذا لفظ البخاري في كتاب المغازى، وقد رواه في أماكن أخر من صحيحه بألفاظ كثيرة.

[ 543 ]

وفى هذا دليل على ما قدمناه من أن غنائم بدر قد خمست، لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الاموال " من أن الخمس إنما نزل بعد قسمتها، وقد خالفه في ذلك جماعة منهم البخاري وابن جرير، وبينا غلطه في ذلك في التفسير وفيما تقدم والله أعلم. وكان هذا الصنع من حمزة وأصحابه رضى الله عنهم قبل أن تحرم الخمر، بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي، وذلك قبل تحريم الخمر. والله أعلم. وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن عبارة السكران مسلوبة لا تأثير لها لا في طلاق ولا إقرار ولا غير ذلك، كما ذهب إليه من ذهب من العلماء، كما هو مقرر في كتاب الاحكام. * * * وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن أبيه، عن رجل سمع عليا يقول: أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فقلت: ما لى من شئ، ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبتها إليه، فقال: " هل لك من شئ ؟ " قلت: لا قال: " فأين درعك الحطمية (1) التى أعطيتك يوم كذا وكذا ؟ قال: هي عندي. قال فأعطنيها. قال: فأعطيتها إياه. هكذا رواه أحمد في مسنده، وفيه رجل مبهم. وقد قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، حدثنا عبدة، حدثنا سعيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما تزوج على فاطمة رضى الله عنهما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطها شيئا. قال: ما عندي شئ. قال: أين درعك الحطمية ؟ ورواه النسائي، عن هارون بن إسحاق، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبى عروبة عن أيوب السختيانى به.


(1) منسوبة إلى بطن من عبدالقيس يقال لهم حطمة بن محارب كانوا يعملون الدروع. (*)

[ 544 ]

وقال أبو داود: حدثنا كثير بن عبيد الحمصى، حدثنا أبو حيوة، عن شعيب بن ابى حمزة، حدثنى غيلان بن أنس، من أهل حمص، حدثنى محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن عليا لما تزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله ليس لى شئ. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطها درعك " فأعطاها درعه ثم دخل بها. وقال البيهقى في الدلائل: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثنى عبدالله بن أبى نجيح، عن مجاهد، عن على، قال: خطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت مولاة لى: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: لا. قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك. فقلت: وعندي شئ أتزوج به ! فقالت: إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك. قال: فو الله ما زالت ترجينى حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أن قعدت بين يديه أفحمت فو الله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما جاء بك ؟ ألك حاجة ؟ " فسكت فقال: " لعلك جئت تخطب فاطمة ؟ "، فقلت: نعم. فقال: " وهل عندك من شئ تستحلها به ؟ " فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال " ما فعلت درع سلحتكها ؟ ". فو الذى نفس على بيده إنها لحطمية ما قيمتها أربعة دراهم، فقلت: عندي. فقال: " قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها ". فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فولدت فاطمة لعلى حسنا وحسينا ومحسنا - مات صغيرا - وأم كثلوم وزينب.

[ 545 ]

ثم روى البيهقى من طريق عطاء بن السائب، عن أبيه عن على قال: جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها إذخر. ونقل البيهقى عن كتاب المعرفة لابي عبدالله بن منده، أن عليا تزوج فاطمة بعد سنة من الهجرة وابتنى بها بعد ذلك بسنة أخرى. قلت: فعلى هذا يكون دخوله بها في أوئل السنة الثالثة من الهجرة، فظاهر سياق حديث الشارفين يقتضى أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير، فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية. والله أعلم. فصل في ذكر جمل من الحوادث في سنة ثنتين من الهجرة تقدم ما ذكرناه من تزويجه عليه السلام بعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة، وقد تضمن ذلك وفيات أعيان من المشاهير من المؤمنين والمشركين. فكان ممن توفى فيها: الشهداء يوم بدر، وهم أربعة عشر ما بين مهاجري وأنصاري، تقدم تسميتهم، والرؤساء من مشركي قريش وقد كانوا سبعين رجلا على المشهور، وتوفى بعد الوقعة بيسير أبو لهب عبدالعزى بن عبدالمطلب، لعنه الله. كما تقدم. ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بما أحل الله بالمشركين وبما فتح على المؤمنين، وجدوا رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفيت وساروا عليها التراب. وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرضها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك. ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة. (35 - السيرة - 2)

[ 546 ]

ثم زوجه بأختها الاخرى أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان ذو النورين. ويقال: إنه لم يغلق أحد على ابنتى نبى واحدة بعد الاخرى غيره رضى الله عنه وأرضاه. وفيها حولت القبلة كما تقدم، وزيد في صلاة الحضر، على ما سلف. وفيها فرض الصيام، صيام رمضان، كما تقدم. وفيها فرضت الزكاة ذات النصب وفرضت زكاة الفطر. وفيها خضع المشركون من أهل المدينة واليهود الذين هم بها من بنى قينقاع وبنى النضير وبنى قريظة ويهود بنى حارثة وصانعوا المسلمين، وأظهر الاسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود وهم في الباطن منافقون، منهم من هو على ما كان عليه، ومنهم من انحل بالكلية فبقى مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما وصفهم الله في كتابه. قال ابن جرير: وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل (1) وكانت معلقة بسيفه. قال ابن جرير: وقيل إن الحسن بن على ولد فيها. قال: وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبى سبرة حدثه عن إسحاق بن عبدالله عن أبى جعفر، أن على بن أبى طالب بنى بفاطمة في ذى الحجة منها. قال: فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الاول باطل. وإلى هنا ينتهى الجزء الثاني من السيرة النبوية لابن كثير

[ 546 ]

ثم زوجه بأختها الاخرى أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان ذو النورين. ويقال: إنه لم يغلق أحد على ابنتى نبى واحدة بعد الاخرى غيره رضى الله عنه وأرضاه. وفيها حولت القبلة كما تقدم، وزيد في صلاة الحضر، على ما سلف. وفيها فرض الصيام، صيام رمضان، كما تقدم. وفيها فرضت الزكاة ذات النصب وفرضت زكاة الفطر. وفيها خضع المشركون من أهل المدينة واليهود الذين هم بها من بنى قينقاع وبنى النضير وبنى قريظة ويهود بنى حارثة وصانعوا المسلمين، وأظهر الاسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود وهم في الباطن منافقون، منهم من هو على ما كان عليه، ومنهم من انحل بالكلية فبقى مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما وصفهم الله في كتابه. قال ابن جرير: وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل (1) وكانت معلقة بسيفه. قال ابن جرير: وقيل إن الحسن بن على ولد فيها. قال: وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبى سبرة حدثه عن إسحاق بن عبدالله عن أبى جعفر، أن على بن أبى طالب بنى بفاطمة في ذى الحجة منها. قال: فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الاول باطل. وإلى هنا ينتهى الجزء الثاني من السيرة النبوية لابن كثير ويليه الجزء الثالث، وأوله سنة ثلاث من الهجرة


(1) كتب الرسول بين قريش والانصار كتابا فيه: أنهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الاولى، أي يكونون على ما كانوا عليه في الديات. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية