الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




السيرة النبوية - ابن كثير ج 1

السيرة النبوية

ابن كثير ج 1


[ 1 ]

السيرة النبوية للامام أبى الفداء اسماعيل بن كثير 701 - 747 ه‍ تحقيق مصطفى عبد الواحد الجزء الاول 1396 ه‍ - 1971 م دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع هاتف 236769 - 246161 ص. ب 5769 بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوظة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وبعد: فهذا كتاب السيرة النبوية للامام الحافظ، أبى الفداء إسماعيل بن كثير، أقدمه للامة الاسلامية راجيا أن يكون في نشره من الخير ما يحقق الفائدة وما يقدم سيرة الرسول الكريم في صورة دانية إلى الكمال قريبة إلى الحقيقة دقيقة في العرض ممحصة الروايات والاخبار. إن الامام ابن كثير وهو الحافظ المتقن قد جمع كل الاخبار عن حياة الرسول ودعوته وما سبقها من فترة الجاهلية، وقد بذل جهدا في تمحيص الاخبار ونقد أسانيدها، وإن كان قد ترخص في رواية بعض الاخبار الواهية كما سنذكر. وعمله هذا يضع أمام القارئ كل ما يمكن الالمام به في هذا المجال، ويجعله على بصيرة في تفهم السيرة النبوية ووعى أحداثها. وقد آسفنى أن تظل طبعة هذه السيرة الكريمة مليئة بالتشويه والتحريف بعيدة عن الدقة والضبط، فآثرت عرضها صحيحة بريئة من التحريف والتصحيف قدر الامكان، وضبطها وشرح الغريب فيها، والتعليق على ما يستبعد من الاخبار والآثار.

[ 4 ]

وسأعود إلى قصة هذا الكتاب وعملى فيه بعد الحديث عن مؤلفه والالمام بشئ من أخباره (1). ابن كثير: هو أبو الفداء عماد الدين إسماعيل، بن عمر، بن كثير، بن ضوء، ابن كثير، ابن زرع، القرشى، الشافعي. كان أصله من البصرة، ولكنه نشأ بدمشق وتربى بها. ولد بمجدل القرية من أعمال مدينة بصرى شرقي دمشق، سنة سبعمائة أو إحدى وسبعمائة. وتوفى بعد أن فقد بصره، في يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، عن أربع وسبعين سنة. نشأته: كان أبوه خطيبا لقريته،، وبعد مولد ابن كثير بأربع سنين توفى والده، فرباه أخوه الشيخ عبد الوهاب. وعلى هذا الاخ تلقى ابن كثير علومه في مبدأ أمره. ثم انتقل إلى دمشق سنة 706 في الخامسة من عمره. شيوخه: كانت دراسة ابن كثير متجهة إلى الفقه والحديث وعلوم السنة، إذ كانت الوجهة الغالبة في عصره، وشيوخه في هذا المجال كثيرون.


(1) ترجمته في شذرات الذهب 6 / 231. والدرر الكامنة 1 / 374 وذيل تذكرة الحفاظ للحسيني 58. وديل الطبقات للسيوطي. (*)

[ 5 ]

فقد تفقه بالشيخ برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الفزارى الشهير بابن الفركاح، المتوفى سنة 729. وسمع بدمشق من عيسى بن المطعم، ومن أحمد بن أبى طالب المعمر الشهير بابن الشحنة المتوفى سنة 730 ; ومن القاسم ابن عساكر، وابن الشيرازي، وإسحاق ابن الآمدي، ومحمد بن زراد. ولازم الشيخ جمال يوسف بن المزكى المزى، صاحب تهذيب الكمال، المتوفى سنة 742. وقد انتفع به ابن كثير، وتخرج به، وتزوج بابنته. كما قرأ كثيرا على شيخ الاسلام تقى الدين بن تيمية، المتوفى سنة 728، ولازمه وأحبه وتأثر بآرائه. وفى ذلك يقول ابن العماد: (كانت له خصوصية بابن تيمية ومناضلة عنه واتباع له في كثير من آرائه، وكان يفتى برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذى). ويقول ابن حجر: (وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن بسببه). كما قرأ على الشيخ الحافظ المؤرخ شمس الدين الذهبي محمد بن أحمد بن قايماز المتوفى سنة 748. وأجاز له من مصر أبو موسى القرافى، والحسيني، وأبو الفتح الدبوسي، وعلى بن عمر الوانى، ويوسى الختنى. وغير واحد. وقد ولى ابن كثير مشيخة أم الصالح والتنكزية بعد إمامه الذهبي. كما ذكره الذهبي في مسودة طبقات الحفاظ. (1)


(1) ذيل تذكرة الحقاظ للحسيني 58: (*)

[ 6 ]

عصره: عاش ابن كثير في القرن الثامن الهجرى، من بداية هذا القرن إلى قرب منتهاه، في ظل دولة المماليك التى كانت تبسط سلطانها على مصر والشام. وكانت في عصره نكبات شديدة شهدها العالم الاسلامي، ممثلة في هجوم التتار، وفى كثرة المجاعات والاوبئة، وفى تقلب السلطة بين أمراء المماليك الذين كانوا يوالون الانتقاض بعضهم على بعض... ويكاد الانسان لا يفتح سنة من سنوات حياة ابن كثير في كتب التراجم والتاريخ إلا ويجد فيها أنباء المجاعات والاوبئة وهجوم الافرنج والتتار ومصارع الامراء، مما لا يوصف بأنه حياة سياسية مستقرة. ولكن تلك الحقبة التى عاشها ابن كثير من عصر المماليك كان يسودها نشاط علمي، تمثل في كثرة المدارس واتساع نطاق التعليم وكثرة التأليف، ولذلك اسباب مذكورة في التاريخ من تنافس الامراء وكثرة الاوقاف على العلماء وبناء المدارس واتصال الاقطار الاسلامية بعضها ببعض، وغير ذلك. ولكن ذلك النشاط كان محصورا في دائرة ضيقة دائرة الاتباع والتقليد والتلخيص والاختصار والشرح، كذلك كان هذا النشاط منصرفا في كثرته إلى العلوم الشرعية وما يخدمها. ويبدو طابع ذلك العصر واضحا في ابن كثير، إذ كان انصرافه إلى علوم السنة والفقه، أو العلوم الشرعية بوجه عام وكانت مؤلفاته يغلب عليها طابع التأليف في عصره، وهو الميل إلى اختصار كتب الاقدمين، أو إدماج بعضها في بعض أو شرحها والتعليق عليها.

[ 7 ]

وإذا كان لابن كثير طابع تجديد تميز به، فإنه قد اكتسبه من علاقته بابن تيمية وحبه له وتأثره بآرائه، فقد كان ابن كثير كأستاذه ابن تيمية ينفر من الخرافات ويميل إلى الرجوع إلى السنة ويعتمد على التحقيق والتدقيق بوسيلته التى يملكها، وهى نقد الاسانيد وتمحيص الاخبار. كذلك كان ابن كثير في تفسيره إماما وصاحب مدرسة، إذ نفر من الاسرائيليات والاخبار الواهية، كما نفر من التفلسف وإقحام الرأى في كتاب الله، وآثر منهج تفسير القرآن بالقرآن ثم بالحديث والاثر. منزلته وآراء العلماء فيه: احتل ابن كثير منزلة عالية في الفقه والتفسير والحديث والفتوى.. يقول عنه الذهبي: (الامام المفتى المحدث البارع، فقيه متفنن، ومفسر نقال، وله تصانيف مفيدة. ويقول عنه ابن حجر: (اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله، وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في حياته، وانتفع الناس بها بعد وفاته). ويقول عنه ابن تغرى بردى: (لازم الاشتغال ودأب وحصل وكتب، وبرع في الفقه والتفسير والحديث، وجمع وصنف، ودرس وحدث وألف، وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية، وغير ذلك. وأفتى ودرس إلى أن توفى). وقد اشتهر ابن كثير بالضبط والتحرى والاستقصاء، وانتهت إليه في عصره الرياسة في التاريخ والحديث والتفسير. يقول عنه ابن حجى، أحد تلامذته: (أحفظ من أدركناه لمتون الاحاديث ورجالها، وأعرفهم بجرحها وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك،

[ 8 ]

وما أعرف أنى اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه). ويصفه ابن العماد الحنبلى فيقول: (كان كثير الاستحضار قليل النسيان، جيد الفهم يشارك في العربية وينظم نظما وسطا. قال فيه ابن حبيب: سمع وجمع وصنف، وأطرب الاسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاوية إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير) ويقول عنه ابن حجر: (ولم يكن على طريق المحدثين في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النازل ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء). ولكن السيوطي يجيب على كلام ابن حجر بقوله: (العمدة في علم الحديث على معرفة صحيح الحديث وسقيمه وعلله واختلاف طرقه ورجاله جرحا وتعديلا، وأما العالي والنازل ونحو ذلك فهو من الفضلات، لا من الاصول المهمة). شعره: كان ابن كثير - كما قال ابن العماد - (ينظم نظما وسطا) ولا يذكر له إلا القليل من النظم، مثل قوله: تمر بنا الايام تترى وإنما * نساق إلى الآجال والعين تنظر فلا عائد ذاك الشباب الذى مضى * ولا زائل هذا المشيب المكدر وعلى كل فهو لم يشتهر بقول الشعر.

[ 9 ]

أسلوبه: كان ابن كثير يشارك في العربية، وثقافته الادبية جيدة، ولكن أسلوبه كان على مقتضى عصره من إيثار السجع والميل إلى المحسنات، ويشتمل أسلوبه في بعض الاحيان على ألفاظ لا تناسب مستوى ابن كثير. وفي كتابه الذى نقدمه نماذج لذلك، مثل استعماله كلمة (الاذية) وكلمة (مشترى) وغير ذلك من أساليب غير متناسقة وجمل غير متناسبة. والحقيقة أن ابن كثير لم يكن ممن يهتمون بالعبارة أو يتجملون في الاسلوب، وإن كان أسلوبه في التفسير قويا متناسبا، وإنما هو إمام مفسر وفقيه محدث، ولم يكن أديبا متفننا يحرص على جمال العبارة وتناسق الاسلوب. كتبه: اشتغل ابن كثير بالتأليف والتصنيف، وأكثر كتبه في الحديث وعلومه، ومؤلفاته معدودة، وأهمها: 1 - تفسير القرآن الكريم الذى قال فيه السيوطي: (لم يؤلف على نمطه مثله). وهو يعتمد على التفسير بالرواية، فيفسر القرآن بالقرآن، ثم بالاحاديث المشتهرة يسوقها بأسانيدها، ثم ينقد تلك الاسانيد ويحكم عليها، ثم يذكر الآثار المروية عن الصحابة والتابعين. وهو مطبوع مشهور. 2 - (البداية والنهاية) في التاريخ. وهو موسوعة ضخمة، ابتدأ فيه بذكر قصص الانبياء وأخبار الامم الماضية، وفقا

[ 10 ]

لما ورد في القرآن والاحاديث الصحيحة، ويكشف زيف الاسرائيليات والغرائب والمناكير. ثم يذكر أخبار العرب وأحداث الجاهلية، ثم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وفاته، ثم يتابع أحداث التاريخ الاسلامي منذ خلافة أبى بكر حتى عصر ابن كثير في القرن الثامن الهجرى. ثم يختمه بأشراط الساعة والفتن والملاحم وأحوال الآخرة. وتاريخ ابن كثير هذا مرجع دقيق موفق لا يزال عليه التعويل. قال عنه ابن تغرى بردى: (وهو في غاية الجودة). وهو مطبوع، وإن كانت طبعة رديئة. 3 - اختصار علوم الحديث لابن الصلاح. وهو كتاب نافع أضاف فيه ابن كثير فوائد كثيرة، ورتبه واختصره. وهو مطبوع مع تعليقات للمرحوم الشيخ أحمد شاكر باسم (الباعث الحثيث). 4 - مختصر كتاب (المدخل إلى كتاب السنن) للبيهقي ذكره في مقدمة اختصار علوم الحديث. وهو مخطوط. 5 - رسالة في الجهاد. مطبوعة. 6 - (التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل) جمع فيه كتابي (تهذيب الكمال) للمزى و (ميزان الاعتدال) للذهبي. وزاد عليهما زيادات مفيدة في الجرح والتعديل. وهو مخطوط. 7 - (الهدى والسنن في أحاديث المسانيد والسنن) وهو المعروف بجامع المسانيد، جمع فيه بين مسند أحمد والبزار وابى يعلى وابن أبى شيبة، مع الكتب الستة الصحيحين والسنن الاربعة. ورتبه على أبواب وهو مخطوط

[ 11 ]

8 - مسند الشيخين أبى بكر وعمر. وفيه - كما قال ابن كثير في سيرته التى بأيدينا صفحة 433 - ذكر كيفية إسلام أبى بكر وأورد فضائله وشمائله وأتبع ذلك بسيرة الفاروق رضى الله عنه، وأورد ما رواه كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاحاديث وما روى عنه من الآثار والاحكام والفتاوى، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات ولله الحمد والمنة ! كما قال ابن كثير. وهو مخطوط أيضا لا ندري أين هو. 9 - السيرة النبوية مطولة ومختصرة ذكرها في تفسيره في سورة الاحزاب في قصة غزوة الخندق. ولم تنشر قبل. 10 - طبقات الشافعية. مجلد وسط، ومعه مناقب الشافعي. مخطوط. 11 - تخريج أحاديث أدلة التنبيه في فقه الشافعية. 12 - وخرج أحاديث مختصر ابن الحاجب. 13 - كتاب المقدمات. ذكره في اختصاره مقدمة ابن الصلاح وأحال عليه. 14 - ويذكر ابن حجر أنه شرع في شرح للبخاري ولم يكمله. 15 - وشرع في كتاب كبير في الاحكام، لم يكمل، وصل فيه إلى الحج. وهكذا نجد اتجاه ابن كثير نحو السنة وعلومها يتضح في كتبه، وتغلب عليه روح عصره فيتجه إلى المختصرات والشروح ونحوها، وظهر ابتكاره في كتابته لتاريخه الفذ: (البداية والنهاية) وفى تفسيره للقرآن الكريم. ولم يخرج في تأليفه عن النطاق الذى دارت حوله دراسته وأفنى فيه عمره، وهو الحديث والتاريخ والتفسير والاحكام. وقد شاع الانتفاع بالقدر القليل الذى عرف طريقه إلى الناس من كتب هذا الامام

[ 12 ]

العظيم، ولكن الاسى يغشانا حين نسأل: أين هذه الكتب التى تذكر له ولا يهتدى إلى مكانها ؟ ! والتى نعتقد أنها لو عثر عليها وقدمت إلى الناس لسدت فراغا وحققت نفعا. إن من المؤسف أن يبدد تراث عزيز وتحرم منه أمة محتاجة. ونحن ندعو من هنا كل الذين يعنون بأمر الثراث الاسلامي، وخاصة المسئولين عن ذلك في الدولة، أن يبحثوا عن آثار هذا الامام العظيم، وأن يهيئوا لكتبه النافعة السبيل كى تأخذ طريقها إلى أيدى الناس، وأن يعاد تقديم كتبه المطبوعة في صورة صحيحة لائقة، بعيدة عن التجارة والاستغلال. هذا الكتاب: ولكتابنا هذا الذى نقدمه اليوم قصة. فلقد كان الخيط الذى أمسكنا به هو أن ابن كثير ذكر في تفسيره في سورة الاحزاب في قصة غزوة الخندق، أنه قد كتب السيرة النبوية مطولة ومختصرة، حيث يقول: (وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة الذى أفردناه موجزا وبسيطا ولله الحمد والمنة). ومعنى ذلك أن كتابته للسيرة النبوية قد عرفت طريقها إلى أيدى الناس في عصره، ولكن البحث في ناحية المخطوطات لم يدل على وجود تلك السيرة ككتاب مستقل، ويبدو أنه حينما ألف كتابه الضخم (البداية والنهاية) قد أدمج تلك السيرة فيه، وأن شهرة ذلك الكتاب وانتشاره في الانحاء، قد جعل الناس يقرأون تلك السيرة فيه، ولم يعد لها كيان مستقل ككتاب، وإذا كان ابن كثير قد ذكر أنه له السيرة النبوية

[ 13 ]

مبسوطة، أي مطولة، فإنه لا يعقل أن يكتب فيها أكثر من ذلك القسم الموجود بكتابه (البداية والنهاية). ومن هنا فقد اتجهت إلى نشر (السيرة النبوية لابن كثير) وهى ذلك القسم الذى أفرده ابن كثير لاخبار العرب في الجاهلية وسيرة النبي صلوات الله وسلامه عليه وتاريخ دعوته حتى وفاته. على اعتبار أن هذا القسم هو السيرة النبوية المطولة التى أشار إليها ابن كثير في تفسيره. والذى دعاني إلى ذلك اسباب منها: 1 - أن تلك السيرة قد شغلت نحو ثلاثة أجزاء من كتاب البداية والنهاية، من أواخر الجزء الثاني حتى أواخر الجز الخامس، وهى بذلك موزعة بين أربعة أجزاء. 2 - أن هذه الاجزاء من البداية والنهاية مرتفعة الثمن جدا، حتى لقد بلغ ثمن الجزء الثالث وحده أربعة جنيهات مصرية إن وجد ! ! تبعا لاحتكار التجارة في المراجع وقلة النسخ الموجودة. 3 - أن هذه الطبعة المشار إليها مليئة بالتحريف والتشويه بصورة فظيعة، ولا أدرى كيف ظلت هذه الطبعة تتداول في أيدى العلماء والطلاب مع أنها لاتكاد تخلو صفحة منها من تحريف أو تصحيف أو سقط. تلك الاسباب جعلتني أرى في نشر السيرة النبوية لابن كثير تحقيقا لفوائد كثيرة... أهمها تعميم النفع بها بعد أن كانت محصورة في أيدى قلة ممن يقدرون على شراء البداية والنهاية كلها بثمنها المرتفع.

[ 14 ]

وكذلك تحقيق قصد ابن كثير حين كتب تلك السيرة المطولة وأراد أن تشيع وحدها بين الناس. وكذلك إنصاف ذلك العمل الجليل من أن يظل في صورته الشائهة المليئة بالتحريف. سيرة ابن كثير: ونقف هنا مستعرضين كتابة ابن كثير في سيرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، متأملين في خصائصه باحثين عن منهجه. 1 - إن أول ما نلمسه في سيرة ابن كثير أنه اهتم بالرواية بالاسانيد، تمشيا مع صبغته الغالبة عليه كإمام محدث، وأكثر مروياته عن الامام أحمد والبيهقي، وأبى نعيم. فلم يكتف بنقل ما كتبه أهل السير أمثال ابن إسحاق وموسى ابن عقبة، ولكنه جمع ما رواه أهل الحديث وبذلك اكتسب مزية يتفرد بها بين من كتبوا في السيرة. وقد نقد ابن كثير بعض الاسانيد عند ما يكون المتن غريبا، ليحكم على بعض الاحاديث، وأحيانا يبين درجة الحديث دون أن ينقد السند 2 - ثم نجد ابن كثير يمتاز بأنه ينقل عن بعض كتب السير المفقودة مثل كتاب موسى بن عقبة، ومثل كتاب الاموى في المغازى، كما ينقل عن بعض شروح السيرة مثل الروض الانف للسهيلي، والشفا للقاضى عياض. 3 - وفى مجال الاستشهاد بالشعر لا يهمل ابن كثير هذه الناحية، ولكنه لا يتابع ابن هشام في كل مروياته من الشعر فيختصر بعضها ويهمل البعض الآخر. 4 - وبالجملة فإن ابن كثير يحرص على جمع كل ما كتب في الموضوع الذى يتناوله،

[ 15 ]

ولكنه لا يدمج الاحاديث والاخبار بعضها في بعض، بل يحتفظ لكل نقل بطابعه ومكانه، وكثيرا ما يعوزه الترتيب في النقل، فلا ينسق الاخبار التى ينقلها حتى تكون وحدة منسجمة فأحيانا يبدأ بالخبر المطول، ثم يذكر بعده أخبارا تحتوى على جانب من هذا الخبر أو تكرره 5 - فإذا تتبعنا نقول ابن كثير عن غيره وجدنا فيها ظاهرة عجيبة.. هي: أنه يكاد لا يلتزم نص أي شئ ينقله.. ! فنقوله عن ابن إسحاق أغلبها بالمعنى، وقد تتبعت ذلك في بعض الصفحات، ورأيت أن إثبات الفروق بين ابن كثير وابن إسحاق شئ يطول مداه، فابن كثير يقدم ويؤخر ويزيد وينقص، ويغير ويبدل ويفوت بهذا التغيير والتبديل كثير من جمال عبارة ابن إسحاق وتناسقها كذلك نجد روايات ابن كثير للاحاديث تختلف بعض الاختلاف عما في أيدى الناس من الكتب التى ينقل ابن كثير عنها. فأحاديث البخاري التى يرويها ابن كثير بقوله: (وقال البخاري) لا تنطبق حرفيا مع صحيح البخاري الذى بأيدينا. كذلك القول في روايته عن صحيح مسلم وعن مسند أحمد وعن دلائل النبوة لابي نعيم وعن دلائل النبوة للبيهقي، وعن الشفا للقاضى عياض وعن الروض الانف للسهيلي... تكاد لاتجد خبرا مطابقا بحروفه لما في الكتب المتداولة، فلا يخلو الامر من تغيير أو نقص أو اختصار. وحين نقف أمام هذه الظاهرة نبحث عن أسبابها فإن هناك أحد احتمالين:

[ 16 ]

1) إما أن يكون ابن كثير - وهو الامام الحافظ المتقن - كان يعتمد على حفظه وروايته ولا ينقل عن النسخ المتداولة 2) وإما أنه كانت هناك نسخ أخرى تختلف عما وصل إلينا من هذه الكتب. وعلى كل فإن مثل ابن كثير حجة في باب الحديث ولكنها على أي حال ظاهرة تستلفت النظر أن تكون روايات ابن كثير للاحاديث ونقوله عن الكتب مخالفة لما في أيدينا من هذه الكتب... وهى مخالفة لفظية يسيرة في بعض الاحيان. 6 - فإذا ما تفحصنا منهج ابن كثير في الروايات، رأيناه لا يبالي برواية كثير من الاخبار الواهية وخاصة في أخبار الجاهلية وهتاف الجان وقصصه. وقد كان بإمكانه ألا يلتفت إلى هذه الاخبار التى لا تتمالك أمام النقد، لكنه كان يبرئ نفسه بأمرين: 1) ذكر السند في كل خبر يثبته، وبذلك يلقى التبعة على غيره. ب) أنه كان يعلق على بعض هذه الاخبار بأنه (غريب جدا) أو (لم يخرجوه) ونحو ذلك مما يضعف جانب الخبر. لكننا مع ذلك نود أن لو أهمل ابن كثير هذه الاخبار التى ليس لها سند من العقل أو الحقيقة، والتى تزحم الاذهان وتشوش على الحقائق. وخاصة فيما يتصل بحياة الرسول الكريم صلوات الله عليه، فمثلا الحديث الذى يرويه عن البيهقى عن العباس أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيتك في المهد تناغى القمر وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال) ! ثم يذكر موافقة الرسول على ذلك حديث لا يتفق مع العقل أو مع حقائق الوجود، ولا يغنينا بعد ذلك أن يقول ابن كثير: (تفرد به أحمد بن إبراهيم الحلبي وهو مجهول). إن مثل هذا الحديث يفتح ثغرة أمام أعداء الاسلام ليهجموا على السيرة النبوية من

[ 17 ]

باب أمثال هذا الحديث من الواهيات والموضوعات. كذلك خبر خالد بن سنان، وهتاف الجان وأساطيره، سار فيها ابن كثير شوطا بعيدا ممتلئا بالخرافات والاساطير. لكننا مع ذلك ننتحل العذر لابن كثير في إثبات مثل هذه الاخبار، إذ كان عصره يحتفل بها ويهتم بروايتها، وإذا كان قصده في كتابه الجمع والاستقصاء وما دام قد أخلى تبعته بإسناد كل خبر إلى روايه واهتم بالتخريج والحكم، فإنه بذلك يكون قد أدى واجبه وقام بما عليه. 7 - إن المطالع للسيرة النبوية لابن كثير يحمد لهذا الرجل جهده الذى قام به، إذ مزج أخبار السيرة بروايات الاحاديث فسن بذلك نهجا جديدا لم يكن من قبله يهتمون به. وإذ جمع كل ما يمكن في هذا المجال، فوضع أمام المطالع لكتابه مادة وافية تمكنه من الدراسة والاحاطة والاستيفاء. وقد أعان ابن كثير على ذلك عصره المتأخر وإحاطته بالاحاديث وإجادته للروايات والاخبار. منهج التحقيق: اعتمدت في إخراج السيرة النبوية لابن كثير على ما يأتي: 1 - نسخة مصورة من البداية والنهاية لابن كثير تحمل رقم 1110 تاريخ بدار الكتب المصرية، وهى مصورة عن مكتبة ولى الدين 2347 بالآستانه. وإليها الاشارة بالحرف (ا). 2 - نسخة مخطوطة من البداية والنهاية بالمكتبة التيمورية تحمل رقم 2443 تاريخ وهى ناقصة من أولها.

[ 18 ]

3 - النسخة المطبوعة من البداية والنهاية سنة 1351 بمطبعة السعادة وقد قوبلت على أصلين الاصل المصور المشار إليه في هوامشها بالنسخة المصرية. وعلى نسخة محفوظة بالمدرسة الاحمدية بحلب وعلى كان فإن مخطوطات البداية والنهاية المذكورة لا تتسم بالدقة، إذ أن فيها أخطاء أشرت إلى كثير منها في هوامش هذا الجزء، ويبدو أنها كتبت في عصور متأخرة، أو تولى نسخها من لا يعول على التحقيق. وقد كان جهدي في إخراج هذه السيرة متجها إلى ضبطها وتنقيتها من الاخطاء التى خرجت بها إلى الناس في النسخة المطبوعة الشائعة من البداية والنهاية وتشارك في أكثرها النسخ المخطوطة، فرجعت إلى الاصول التى أشار إليها ابن كثير، مثل كتب السير وكتب الحديث، عدا بعض ما لم يتيسر الرجوع إليه مثل معجم الطبراني وهواتف الجان للخرائطي ودلائل النبوة للبيهقي. ولم أحاول إثبات الفروق بين ابن كثير وبين كل ما ينقل عنه، إذ تبينت - كما أشرت إلى ذلك قريبا - أن ابن كثير يخالف في كتابه النصوص التى بأيدى الناس من الكتب التى ينقل عنها، فلا يخلو الامر من زيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل، ولكني أثبت بعض الفروق على سبيل المثال، مثل الفروق بينه وبين البخاري ودلائل النبوة لابي نعيم ومكارم الاخلاق للخرائطي، والروض الانف للسهيلي، ومسند أحمد وسيرة ابن هشام والشفاء ونحو ذلك، ولو أنى التزمت إثبات كل الفروق بينه وبين إسحق أو البخاري أو أحمد وغير ذلك، لطال الامر واتسع المدى، وليس في ذلك كبير فائدة. كذلك أثبت أهم الفروق بين النسخ المخطوطة والمطبوعة على ندرة ذلك. ولم أعول في التعليق إلا على تصويب الاخطاء وشرح ما يغمض من المفردات، ولم أتوسع في التعريف بالاعلام، لان ذلك لا فائدة منه في مثل هذا الكتاب، وحتى لا يخرج

[ 19 ]

بنا الامر إلى أن يصير الكتاب حاشية من الحواشى القديمة، إذ لا فائدة في التعليق على كل ما يمكن التعليق عليه، بل الفائدة في التعليق ما يجب التعليق عليه، وقد يلمس القارئ أن أسانيد الروايات والاحاديث لم تظفر بما ينبغى لها من التعريف بهؤلاء الرجال وذكر وفياتهم، ولو أنى فعلت ذلك لخرجنا بكتاب في رجال الحديث ما أرى قارئ السيرة النبوية بحاجة إليه، وفى هذا الباب كتب متخصصة ميسرة لمن أرادها. ويلحظ أنى تدخلت بنقد بعض الاخبار التى ذكرها ابن كثير، ولم أملك أمامها سوى الاستبعاد العقلي، وقد رأيت ذلك واجبا حتى يتنبه القارئ إلى أنه ليس مطالبا بتصديق كل ما أثبته ابن كثير في كتابه هذا مادام ليس ثابتا بدليل شرعى صحيح أو ليس له سند من العقل، وخاصة الاشعار التى تبدو عليها الصفة والتكلف، والاخبار الاسطورية التى لا تناسب يقظة البشرية وارتقاءها، وليس جانب السند هو الذى يهمنا في الخبر فحسب، بل يطلب أن يكون المتن أيضا منتسبا إلى الحقيقة بعيدا عن التزوير. وقد نقد ابن خلدون، وهو الامام الحجة، كثيرا من الاخبار بهذا المنهج، منهج الاستبعاد العقلي وبيان منافاة الخبر للسنن الكونية والظروف التاريخية، كما أشار إلى ذلك في أول مقدمته. ولم أر فائدة في تخريج الاخبار، أي ذكر أماكن وجودها في الكتب، إذ أن أكثر أخبار السيرة مشترك بين الكتب التى تتناولها، فلا يفيد القارئ أن نذكر أن هذا الخبر مثلا موجود في سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وشرح المواهب والشفاء والروض الانف ودلائل النبوة لابي نعيم وعيون الاثر والاكتفا للكلاعي والوفا لابن الجوزى والسيرة الحلبية وما إلى ذلك من كتب السيرة بالاضافة إلى ما يمكن أن يوجد فيه الخبر من كتب الحديث، وفى كل ذلك نذكر أرقام الصفحات، إن ذلك كان يملا حيزا كبيرا لا حاجة

[ 20 ]

إليه، ويكفى أن يعلم القارئ أن أكثر أخبار السيرة النبوية وما قبلها من فترة الجاهلية مشترك بين هذه الكتب التى ذكرناها وغيرها من كتب الحديث والسيرة. إن الذى عنيت به هو أن تخرج هذه السيرة الكريمة مضبوطة بريئة من التحريف والتشويه الذى كان يحيط بها في طبعة البداية والنهاية، وأن أشرح ما يحتاج إلى الشرح من المفردات وأن أشير إلى ما أصلحته من أخطاء، وما عثرت عليه من أهم الفروق، وأن أنبه إلى ما يستبعد من الاخبار. ولا أزعم أنى أديت كل ما يجب على في إخراج هذ الكتاب، ولكني بذلت ما أمكن حسب الطاقة والظرف. وإنى اليوم وأنا أقدم الجزء الاول من هذه السيرة، أخلص النية في بذل ما يمكن في سبيل إخراج بقيتها في أقرب ثوب إلى الصحة والكمال. إن الظروف التى طبع فيها هذا الجزء، ولم أكن فيها قريبا من المطبعة، بل اضطرتني ظروف العمل إلى أن أكون بعيدا عنها، قد جعلت فرصة لوقوع بعض الاخطاء التى تداركتها في آخر الكتاب، وبعضها مطبعى بحت، والآخر سهو ونقص، ومنها قسم هو من أخطاء أصول الكتاب تبينته من المراجع ونبهت إليه حتى يكون القارئ على بصيرة من أمره. وحسبي في هذا العمل نيتى وقصدي، ولكل امرئ ما نوى... راجيا من الله سبحانه أن ينفع به وأن يهيئ لى إتمامه بما يرضيه، إنه واهب الرشد ومانح التوفيق، له الحمد في الاولى والآخرة، نعم المولى ونعم النصير. القاهرة 23 من ذى الحجة سنة 1383 5 من مايو سنة 1964 مصطفى عبد الواحد

[ 1 ]

ذكر أخبار العرب (1 / 1 السيرة)

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قيل: إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام والتحية والاكرام. والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل، ومنهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق، وأمم آخرون لا يعلمهم إلا الله، كانوا قبل الخليل عليه الصلاة والسلام وفى زمانه أيضا. فأما العرب المستعربة، وهم عرب الحجاز، فمن ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وأما عرب اليمن وهم حمير فالمشهور أنهم من قحطان، واسمه مهزم. قاله ابن ماكولا. وذكروا أنهم كانوا أربعة إخوة: قحطان وقاحط ومقحط وفالغ. وقحطان بن هود، وقيل هو هود. وقيل هود أخوه. وقيل من ذريته. وقيل إن قحطان من سلالة إسماعيل، حكاه ابن إسحاق وغيره. فقال بعضهم: هو قحطان [ ابن الهميسع (1) ] بن تيمن بن قيذر [ بن نبت (1) ] بن إسماعيل. وقيل غير ذلك في نسبه إلى إسماعيل والله أعلم. وقد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال: (باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام) حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن يزيد بن أبى عبيد، حدثنا سلمة رضى الله عنه


(1) من المخطوطة (*)

[ 4 ]

قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال: " ارموا بنى إسماعيل وأنا مع بنى فلان " لاحد الفريقين، فأمسكوا بأيديهم، فقال: مالكم ؟ قالوا: وكيف نرمى وأنت مع بنى فلان، فقال: " ارموا وأنا معكم كلكم (1) ". تفرد به البخاري. وفى بعض ألفاظه: " ارموا بنى إسماعيل فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع ابن الادرع " فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم. قال البخاري: وأسلم (2) بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة. يعنى: وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم. كما سيأتي بيانه. وكانت الاوس والخزرج منهم، وقد قال لهم عليه الصلاة والسلام: " ارموا بنى إسماعيل " فدل على أنهم من سلالته. وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب، لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل. لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل. وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية وعدنانية. فالقحطانية شعبان: سبأ وحضرموت. والعدنانية شعبان أيضا: ربيعة ومضر، ابنا نزار بن معد بن عدنان، والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم، فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبد البر: وعليه الاكثرون. ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم، وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام. وقد ورد في حديث: " قضاعة بن معد " ولكنه لا يصح. قاله ابن عبد البر وغيره.


(1) صحيح البخاري ج 2 ص 133. (2) البخاري: ومنهم أسلم. (*)

[ 5 ]

ويقال: إنهم لم (1) يزالوا في جاهليتهم وصدر من الاسلام ينتسبون إلى عدنان، فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية، وكانو أخواله، انتسبوا إلى قحطان، فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدة له: أبلغ قضاعة في القرطاس أنهم * لولا خلائف آل الله ما عنقوا قالت قضاعة إنا من ذوى يمن * والله يعلم ما بروا ولا (2) صدقوا قد ادعوا والدا ما نال أمهم * قد يعلمون ولكن ذلك الفرق وقد ذكر أبو عمرو السهيلي أيضا من شعر العرب ما فيه إبداع في تعيير (3) قضاعة في في انتسابهم إلى اليمن. والله أعلم. والقول الثاني أنهم من قحطان، وهو قول ابن إسحاق والكلبي وطائفة من أهل النسب. قال ابن إسحاق: وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقد قال بعض شعرائهم وهو عمرو بن مرة، صحابي له حديثان: - يا أيها الداعي ادعنا وأبشر * وكن قضاعيا ولا تنزر - نحن بنو الشيخ الهجان الازهر (4) * قضاعة بن مالك بن حمير النسب المعروف غير المنكر * في الحجر المنقوش تحت المنبر قال بعض أهل النسب: هو قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن حمير. وقال ابن لهيعة: عن معروف بن سويد، عن أبى عشابة (5) محمد بن موسى، عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله أما نحن من معد ؟ قال لا. قلت: فمن نحن ؟ قال: أنتم من قضاعة بن مالك بن حمير.


(1) في الاصل: لن، وهو خطأ (2) المطبوعة: وما (3) المطبوعة: تفسير. وهو خطأ (4) الهجان: الرجل الحسيب. والازهر: المشرق الوجه. (5) كذا بالمطبوعة وفى المخطوطة: مشابة ولا وجود لهما. ولعله أبوعشانة حى بن يؤمن. (*)

[ 6 ]

قال أبو عمر بن عبد البر: ولا يختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن الحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجهنى، فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبأ. وقد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير فولدت له قضاعة، ثم خلف عليها معد بن عدنان، وابنها صغير، وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه، كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه (1) والله أعلم. وقال محمد بن سلام البصري النسابة: العرب ثلاثة جراثيم: العدنانية والقحطانية وقضاعة. قيل له: فأيهما أكثر العدنانية أو القحطانية ؟ فقال: ما شاءت قضاعة، إن تيامنت فالقحطانية أكثر وإن تعدننت فالعدنانية أكثر. وهذا يدل على أنهم يتلونون في نسبهم، فإن صح حديث ابن لهيعة المتقدم فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم. وقد قال الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (2). قال علماء النسب: يقال شعوب، ثم قبائل، ثم عمائر، ثم بطون، ثم أفخاذ، ثم فصائل، ثم عشائر، والعشيرة أقرب الناس إلى الرجل وليس بعدها شئ. ولنبدأ أولا بذكر القحطانية، ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز وهم العدنانية وما كان من أمر الجاهلية، ليكون ذلك متصلا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى وبه الثقة.


(1) قال الجوانى في كتابه أصول الاحساب: " فجاءت بقضاعة على فراش مالك بن مرة، فنسبته العرب إلى زوج أمه مالك بن مرة، وهى عادة للعرب فيمن يولد على فراش زوج أمه. وقيل إن اسم الجرهمية. قضاعة، فلما جاءت بولدها سمته باسمها، وقيل: بل كان اسمه عمرا، فلما تقضع عن قومه أي بعد سمى قضاعة " (2) سورة الحجرات 13. (*)

[ 7 ]

وقد قال البخاري (باب ذكر قحطان) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان ابن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبى الغيث، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه " (1) وكذا رواه مسلم، عن قتيبة عن الدراوردى، عن ثور بن زيد به. قال السهيلي: وقحطان أول من قيل له " أبيت اللعن " وأول من قيل له " أنعم صباحا ". وقال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، عن جرير حدثنى راشد بن سعد المقرائى عن أبى حى، عن ذى فجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كان هذا الامر في حمير فنزعه الله منهم فجعله في قريش (وس ى ع ود إ ل ى ه‍ م) قال عبد الله: كان هذا في كتاب أبى وحيث حدثنا به تكلم به على الاستواء، يعنى: " وسيعود إليهم ".


(1) صحيح البخاري 2 / 135 (*)

[ 8 ]

قصة سبأ قال الله تعالى (لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل. ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازى إلا الكفور. وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى وأياما آمنين. فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) (1). قال علماء النسب منهم محمد بن إسحاق: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب ابن قحطان. قالوا: وكان أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك. وكان يقال له الرائش، لانه كان يعطى الناس الاموال من متاعه. قال السهيلي: ويقال إنه أول من تتوج. وذكر بعضهم أنه كان مسلما، وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قوله: سيملك بعدنا ملكا عظيما * نبى لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك * يدينون العباد بغير ذام ويملك بعدهم منا ملوك * يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبى * تقى، مخبت (2) خير الانام يسمى أحمدا يا ليت أنى * أعمر بعد مبعثه بعام


(1) سورة سبأ 15 - 19 (2) الاصل: جبينه. وما أثبته من التفسير. (*)

[ 9 ]

فأعضده وأحبوه بنصري * بكل مدجج وبكل رامى متى يظهر فكونوا ناصريه * ومن يلقاه يبلغه سلامى حكاه ابن دحية في كتابه " التنوير في مولد البشير النذير ". وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله [ بن هبيرة السبائى عن عبد الرحمن بن وعلة قال (1) ] سمعت عبد الله بن عباس يقول: إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو ؟ أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال: " بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون فمذحج وكندة والازد والاشعريون وأنمار وحمير [ عربا كلها (2) ] وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان (3) ". وقد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفى هو السائل عن ذلك، كما استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك ولله الحمد. والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها، وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع، وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم، كما كانت الاكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك، وكانت العرب تسمى كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت تبعا، كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك مصر فرعون، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الهند بطليموس، وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس. وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارة وثمار وزروع كثيرة، وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد، فلما بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار.


(1) سقط من المطبوعة ! وكان فيها: حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن دعلة. (2) من المسند (3) المسند حديث رقم 2900 (*)

[ 10 ]

قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا. وزعم السدى أنه أرسل إليهم اثنى عشر ألف نبى ! فالله أعلم. والمقصود أنهم عدلوا عن الهدى إلى الضلال وسجدوا للشمس من دون الله وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا، واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم كما قال تعالى (فأعرضوا فارسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل. ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازى إلا الكفور). ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته أن المياه تجرى من بين جبلين، فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا، حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين، وغرسوا فيهما البساتين والاشجار المثمرة الانيقة، وزرعوا الزروع الكثيرة، ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب وسلط إليه سبعين واديا يفد إليه وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء، ومات ولم يكمل بناؤه، فكملته حمير بعده، وكان اتساعه فرسخا في فرسخ، وكانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة، حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فيمتلئ من الثمار مما يتساقط فيه من نضجه وكثرته، وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شئ من البراغيث ولا الدواب المؤذية، لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى (لقد كان لسبا في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم، واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) وكما قال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد). فلما عبدوا غير الله وبطروا نعمته، وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها من البساتين وأمن الطرقات، سألوا أن يباعد بين أسفارهم وأن يكون سفرهم في مشاق

[ 11 ]

وتعب، وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا، كما سأل بنو إسرائيل بدل المن والسلوى البقول والقثاء والفوم والعدس والبصل، فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشتات على وجوه العباد، كما قال تعالى (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم). قال غير واحد: أرسل الله على أصل السد الفأر وهو الجرذ ويقال له الخلد، فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا، إذ قد حم القدر ولم ينفع الحذر كلا لا وزر، فلما تحكم في أصله الفساد سقط وانهار، فسلك الماء القرار، فقطعت تلك الجداول والانهار وانقطعت تلك الثمار، وبادت تلك الزروع والاشجار، وتبدلوا بعدها بردئ الاشجار والاثمار، كما قال العزيز الجبار " وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل " قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو الاراك وثمره البرير، وأثل وهو الطرفاء. وقيل يشبهه، وهو حطب لا ثمر له " وشئ من سدر قليل " وذلك لانه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير وثمره بالنسبة إليه، كما يقال في المثل: لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى. ولهذا قال تعالى " ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازى إلا الكفور " أي إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذب رسلنا وخالف أمرنا وانتهك محارمنا. وقال تعالى: " فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق " وذلك أنهم لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها وينتقلوا عنها، فتفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدى سبأ شذر مذر، فنزلت طوائف منهم الحجاز، ومنهم خزاعة، نزلوا ظاهر مكة، وكان من أمرهم ما سنذكره، ومنهم المدينة المنورة اليوم، فكانوا أول من سكنها، ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير، فحالفوا الاوس والخزرج وأقاموا عندهم، وكان من أمرهم ما سنذكره، ونزلت طائفة

[ 12 ]

أخرى منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد، وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم. قال محمد بن إسحاق: حدثنى أبو عبيدة قال: قال الاعشى بن قيس بن ثعلبة، وهو ميمون بن قيس: - وفى ذاك للمؤتسى أسوة * ومأرب (1) عفى عليها العرم رخام بنته لهم حمير * إذا جاء مواره (2) لم يرم فأروى الزروع (3) وأعنابها * على سعة ماؤهم إذ قسم فصاروا أيادى (4) لا يقدرون * على شرب طفل إذا ما فطم وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمى، ولخم هو ابن عدى بن الحارث بن مرة بن أدد (5) بن زيد بن هميسع (6) بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ. ويقال لخم بن عدى بن عمرو بن سبأ. قاله ابن هشام. قال ابن إسحاق: وكان سبب خروجه من اليمن، فيما حدثنى أبو زيد الانصاري، أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذى كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهى فيه أصغر ولدى. وعرض أمواله. فقال أشراف من


(1) المطبوعة: ومأرم. وهو خطأ (2) مواره: ماؤه الذى يضطرب ويتموج. (3) المطبوعة: الزرع، وهو خطأ (4) ابن هشام: ما يقدرون (5) المطبوعة: أزد، وهو تحريف (6) المطبوعة: مهع، وهو تحريف. (*)

[ 13 ]

أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله. وانتقل في ولده وولد ولده. وقالت الازد لا نتخلف عن عمرو بن عامر. فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، فكانت حربهم سجالا، ففى ذلك قال عباس بن مرداس: وعك بن عدنان الذين تلعبوا (1) * بغسان حتى طردوا كل مطرد قال: فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد، فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزل الاوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا (2)، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان. ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفى ذلك أنزل الله هذه الآيات. وقد روى عن السدى قريب من هذا. وعن محمد بن إسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنا. وقال غيره: كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم، وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذى سلط على سدهم ففعلوا ما فعلوا والله أعلم. وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبى حاتم في التفسير. فصل: وليس جميع سبأ خرجوا من اليمن لما أصيبوا بسيل العرم، بل أقام أكثرهم بها، وذهب أهل مأرب الذين كان لهم السد فتفرقوا في البلاد، وهو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبأ لم يخرجوا من اليمن، بل إنما تشاءم ومنهم أربعة وبقى


(1) في أصول الاحساب للجوانى ص 111: تلقبوا (2) هو الذى يعرف بمر الظهران، على مرحلة من مكة. (*)

[ 14 ]

باليمن ستة، وهم مذحج وكندة وأنمار والاشعريون. وأنمار هو أبو خثعم وبجيلة وحمير، فهؤلاء ست قبائل من سبأ أقاموا باليمن، واستمر فيهم الملك والتبابعة، حتى سلبهم ذلك ملك الحبشة بالجيش الذى بعثه صحبة أميريه أبرهة وأرياط نحوا من سبعين سنة، ثم استرجعه سيف بن ذى يزن الحميرى، وكان ذلك قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقليل، كما سنذكره مفصلا قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان. ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن عليا وخالد بن الوليد، ثم أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل، وكانوا يدعون إلى الله تعالى ويبينون لهم الحجج، ثم تغلب على اليمن الاسود العنسى وأخرج نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فلما قتل الاسود استقرت اليد الاسلامية عليها في أيام أبى بكر الصديق رضى الله عنه. قصة ربيعة بن نصر بن أبى حارثة بن عمرو بن عامر المتقدم ذكره اللخمى. كذا ذكره ابن اسحاق. وقال السهيلي: ونساب اليمن تقول: نصر بن ربيعة (1). وهو ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم. وقال الزبير ابن بكار: ربيعة بن نصر بن مالك بن شعوذ بن ملك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم. ولخم أخو جذام، وسمى لخما لانه لخم أخاه على خده أي لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها، فسمى جذاما. وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة، وخبره (2) مع شق وسطيح الكاهنين وإنذارهما بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن


(1) الذى في السهيلي: وبعضهم يقول فيه نصر بن ربيعة وهو في قول نساب اليمن ربيعة بن نصر (؟) عطفها على قوله: قصة ربيعة. (*)

[ 15 ]

غسان. وأما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس (1) بن عبقر ابن أنمار بن نزار. ومنهم من يقول أنمار بن إراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نابت (2) بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. ويقال إن سطيحا كان لا أعضاء له، وإنما كان مثل السطيحة، ووجهه في صدره، وكان إذا غضب انتفخ وجلس. وكان شق نصف إنسان، ويقال إن خالد بن عبد الله القسرى كان من سلالته. وذكر السهيلي أنهما ولدا في يوم واحد، وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية، ويقال إنها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها، وهى امرأة عمرو بن عامر المتقدم ذكره. والله أعلم. قال محمد بن إسحاق: وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، فرأى رؤيا هالته وفظع بها (3)، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبروني بها وبتأويلها. فقالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. فقال: إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها، لانه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه. فبعث إليهما، فقدم إليه سطيح قبل شق، فقال له: إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. فقال أفعل. رأيت


(1) في ا: قسر. (2) وتروى: نبت، كما في الاشتقاق لابن دريد (3) فظع بها: اشتدت عليه. (*)

[ 16 ]

حممة (1) خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تهمة (2)، فأكلت منها كل ذات جمحمة. فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك في تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش (3). فقال له الملك: يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن أفى زماني أم بعده ؟ فقال: لا وأبيك بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين. قال: أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين. قال ومن يلى ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال يليه (4) إرم ذى يزن (5)، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن. قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع. قال ومن يقطعه ؟ قال: نبى زكى، يأتيه الوحى من قبل العلى. قال وممن هذا النبي ؟ قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الاولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال أحق ما تخبرني ؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق. قال: ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان. قال: نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد، إلا أن سطيحا قال " وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة " وقال شق: " وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة " فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا، فما عندك


(1) الحممة: قطعة النار. (2) تهمة: منخفضة ومنه سميت تهامة. (3) ؟ ن وجرش: مخلافان من مخاليف اليمن. (4) المطبوعة: يليهم وهو خطأ. (5) إنما قال: ارم ذى يزن، واسمه سيف، لانه شبهه بعاد إرم في عظم الخلق والقوة. (*)

[ 17 ]

في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. فقال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن أفى زماني أم بعده ؟ قال: لا بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذوشان، ويذيقهم أشد الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشان ؟ قال غلام ليس بدنى ولا مدن (1) يخرج عليهم من بيت ذى يزن. قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، من أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال وما يوم الفصل ؟ قال: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات تسمع منها الاحياء والاموات، ويجمع الناس فيه للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال أحق ما تقول ؟ قال إى ورب السماء والارض، وما بينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض (2). قال ابن اسحاق: فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة. قال ابن إسحاق: فمن بقية ولد ربيعة بن نصر: النعمان بن المنذر، بن النعمان بن المنذر، بن عمرو بن عدى، بن ربيعة بن نصر، يعنى الذى كان نائبا على الحيرة لملوك الاكاسرة، وكانت العرب تفد إليه وتمتدحه. وهذا الذى قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس. وقد روى ابن إسحاق أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جئ بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان ؟ فقال من أشلاء (3) قنص بن معد بن عدنان. قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان.


(1) المدن: المقصر في الامور (2) الامض: الشك، بلسان حمير (3) الاشلاء: البقايا (*)

[ 18 ]

قصة تبع أبى كرب تبان أسعد، ملك اليمن مع أهل المدينة وكيف أراد غزو البيت الحرام، ثم شرفه وعظمه وكساه الحلل فكان أول من كساه قال ابن إسحاق. فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبى كرب. وتبان أسعد هو تبع الآخر ابن كلكى كرب (1) بن زيد، وزيد تبع الاول بن عمرو ذى الاذعار، بن أبرهة ذى المنار، بن الرائش (2)، بن عدى، بن صيفي، بن سبأ الاصغر، بن كعب كهف الظلم، بن زيد، بن سهل، بن عمرو، بن قيس (3)، بن معاوية، بن جشم، بن عبد شمس، بن وائل، بن الغوث، ابن قطن، بن عريب، بن زهير بن أيمن (4) بن الهميسع بن العرنجج (5) والعرنجج هو حمير بن سبأ الاكبر، بن يعرب بن يشجب بن قحطان. قال عبد الملك بن هشام: سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان (6). قال ابن إسحاق: وتبان أسعد أبو كرب هو الذى قدم المدينة وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه، وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر، وكان قد جعل طريقه حين رجع من غزوة بلاد المشرق (7) على المدينة، وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لا خرابها


(1) كذا في الروض الانف، وفى ابن هشام: كلى كرب. (2) ويقال الريش، كما في ابن هشام (3) الاصل: " قس " وهو خطأ. (4) الاصل: أنس والتصويب من ابن هشام 1 / 20 (5) المطبوعة: العربحج وهو خطأ. وليست النون في العرنجج زائدة، وهو من قولهم اعرنجج الرجل في أمره: إذا جد فيه، كأنه افعنلل. الاشتقاق 362. (6) الذى في ابن هشام: يشجب بن يعرب ؟ بدون ذكر سبأ. (7) ابن هشام: حين أقبل من المشرق. (*)

[ 19 ]

واستئصال اهلها وقطع نخلها، فجمع له هذا الحى من الانصار ورئيسهم عمرو بن طلة (1) أخو بنى النجار ثم أحد بنى عمرو بن مبذول، واسم مبذول عامر بن مالك ابن النجار، واسم النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر. وقال ابن هشام: عمرو بن طلة (1) هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار، وطلة أمه، وهى بنت عامر بن زريق الخزرجية. قال ابن اسحاق: وقد كان رجل من بنى عدى بن النجار، يقال له أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع وجده يجد عذقا له فضربه بمنجله فقتله وقال: إنما التمر لمن أبره. فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم فاقتتلوا. فتزعم الانصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك منهم ويقول: والله إن قومنا لكرام ! وحكى ابن اسحاق عن الانصار أن تبعا إنما كان حنقه على اليهود وأنهم (2) منعوهم منه. قال السهيلي: ويقال إنه إنما جاء لنصرة الانصار أبناء عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم. والله أعلم. قال ابن اسحاق: فبينا تبع على ذلك من قتالهم إذا جاءه حبران من أحبار اليهود من بنى قريظة عالمان راسخان، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا (3) له: أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك


(1) الاصل: طلحة وهو خطأ (2) المطبوعة أنهم. (3) المطبوعة: فقالوا. (*)

[ 20 ]

عاجل (1) العقوبة. فقال لهما ولم ذلك ؟ قالا هي مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره. فتناهى [ عن ذلك ] ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما. قال ابن اسحاق: وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فتوجه إلى مكة وهى طريقه إلى اليمن، حتى إذا كان بين عسفان وأمج (2) أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، فقالوا له: أيها الملك، ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؟ قال: بلى. قالوا: بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده. وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، ما نعلم بيتا لله عزوجل اتخذه في الارض لنفسه غيره، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا. قال: فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه ؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه، وتحلق رأسك عنده وتذلل له حتى تخرج من عنده. قال فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم عليه السلام، وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالاوثان التى. نصبوها حوله وبالدماء التى يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك. أو كما قالا له.


(1) المطبوعة: جل، وهو تحريف. (2) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. وأمج: بلد من أعراض المدينة. (*)

[ 21 ]

فعرف نصحهما وصدق حديثهما، وقرب (1) النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم مضى حتى قدم مكة، فطاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل، وارى في المنام أن يكسو البيت، فكساه الخصف (2)، ثم أرى في المنام أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر (3) ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل (4)، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت، وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مثلاة وهى المحايض، وجعل له بابا ومفتاحا. ففى ذلك قالت سبيعة بنت الاحب تذكر ابنها خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب وتنهاه عن البغى بمكة وتذكر له ما كان من أمر تبع فيها: أبنى لا تظلم بمك‍ * كة لا الصغير ولا الكبير واحفظ محارمها بن‍ * ي ولا يغرنك الغرور أبنى من يظلم بمك‍ * كة يلق أطراف الشرور أبنى يضرب وجهه * ويلح بخديه السعير أبنى قد جربتها * فوجدت ظالمها يبور الله آمنها وما * بنيت بعرصتها قصور والله آمن طيرها * والعصم تأمن في ثبير ولقد غزاها تبع * فكسا بنيتها الحبير


(1) ابن هشام: فقرب (2) الخصف: حصر تنسج من خوص النخل ومن الليف. (3) المعافر: ثياب تنسب إلى قبيلة من اليمن. (4) الملاء: جمع ملاءة، والوصائل: ثياب مخططة يمنية يوصل بعضها ببعض. (*)

[ 22 ]

وأذل ربى ملكه * فيها فأوفى بالنذور يمشى إليها حافيا * بفنائها ألفا بعير ويظل يطعم أهلها * لحم المهارى والجزور يسقيهم العسل المصف‍ * في والرحيض من الشعير والفيل أهلك جيشه * يرمون فيها بالصخور والملك في أقصى البلا * د وفى الاعاجم والخزير (1) فاسمع إذا حدثت واف‍ * هم كيف عاقبة الامور قال ابن إسحاق: ثم خرج تبع متوجها إلى اليمن بمن معه من الجنود وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التى كانت باليمن. قال ابن اسحاق: حدثنى أبو مالك بن ثعلبة بن أبى مالك القرظى، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. فدعاهم إلى دينه وقال إنه خير من دينكم. قالوا: تحاكمنا (2) إلى النار ؟ قال: نعم. قال: وكانت باليمن، فيما يزعم أهل اليمن، نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج منه، فخرجت النار إليهم فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها فذمرهم (3) من حضرهم من الناس


(1) الخزير: أمة من العجم، ويقال لهم الخزر أيضا. وفى المطبوعة: الخزور وهو تحريف. (2) ابن هشام: فحاكمنا (3) ذمرهم: حضهم. وفى المطبوعة: فزجرهم. (*)

[ 23 ]

وأمروهم بالصبر لها، فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الاوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرهما فأصفقت (1) عند ذلك حمير على دينهما، فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن. قال ابن اسحاق: وقد حدثنى محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها، وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق. فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها، فدنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وهى تنكص (2) عنهما حتى رداها إلى مخرجها الذى خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما. والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن اسحاق: وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم بذلك، فحل بيننا وبينه. قال. فشأنكما به. فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه، ثم هدما ذلك البيت، فبقياه اليوم - كما ذكر لى - بها آثار الدماء التى كانت تهراق عليه. وقد ذكرنا في التفسير الحديث الذى ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم " قال السهيلي: وروى معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا أسعد الحميرى فإنه أول من كسى الكعبة ". قال السهيلي: وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرا: شهدت على أحمد أنه * رسول من الله بارى النسم


(1) أصفقت: اجتمعت. (2) المطبوعة: تنقص، وهو تحريف. (*)

[ 24 ]

فلو مد عمرى إلى عمره * لكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه * وفرجت عن صدره كل هم قال: ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الانصار ويحفظونه بينهم، وكان عند أبى أيوب الانصاري رضى الله عنه وأرضاه قال السهيلي: وذكر ابن أبى الدنيا في كتاب القبور أن قبرا حفر بصنعاء، فوجد فيه امرأتان معهما لوح من فضة مكتوب بالذهب وفيه: هذا قبر لميس وحبى ابنتى تبع، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تبان أسعد، وهو أخو اليمامة الزرقاء التى صلبت على باب مدينة " جو " فسميت من يومئذ اليمامة. قال ابن إسحاق: فلما ملك ابنه حسان بن أبى كرب تبان أسعد، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض الاعاجم، حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم، فكلموا أخا له يقال له عمرو، وكان معه في جيشه، فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملكك علينا وترجع بنا إلى بلادنا. فأجابهم، فاجتمعوا على ذلك إلا ذارعين الحميرى، فإنه نهى عمرا عن ذلك فلم يقبل منه، فكتب ذو رعين رقعة فيها هذان البيتان: ألا من يشترى سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين فإما حمير غدرت وخانت (1) * فمعذرة الاله لذى رعين


(1) رواية البيت في الاشتقاق 225: * فإن تك حمير غدرت وحانت * (*)

[ 25 ]

ثم استودعها عمرا. فلما قتل عمر وأخاه حسان ورجع إلى اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر، فسأل الاطباء والحزاة (1) من الكهان والعرافين عما به، فقيل له: إنه والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر. فعند ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه، فلما خلص إلى ذى رعين قال له: إن لى عندك براءة. قال وما هي ؟ قال: الكتاب الذى دفعته إليك. فأخرجه فإذا فيه البيتان فتركه ورأى أنه قد نصحه. وهلك عمرو فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا. وثوب لخنيعة ذى شناتر على ملك اليمن وقد ملكها سبعا وعشرين سنة. قال ابن إسحاق: فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك (2) يقال له لخنيعة (3) ينوف ذو شناتر، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، وكان مع ذلك امرأ فاسقا يعمل عمل قوم لوط، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة (4) له قد صنعها لذلك، لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده قد أخذ مسواكا فجعله في فيه، ليعلمهم أنه قد فرغ منه. حتى بعث إلى زرعة ذى نواس بن تبان أسعد أخى حسان، وكان صبيا صغيرا حين قتل أخوه حسان، ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه، فأخذ سكينا حديدا لطيفا فخبأه بين قدميه ونعله، ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله، ثم حز رأسه فوضعه في الكوة التى كان يشرف منها،


(1) الحزاة: جمع حاز وهو الذى ينظر في النجوم ويقضى بها. وفى المطبوعة: الحذاق. (2) ابن هشام: المملكة. (3) قال ابن دريد: المعروف فيه لخيعة بغير نون، وهو مشتق من اللخع وهو استرخاء اللحم - الاشتقاق (4) المشربة: الغرفة المرتفعة. (*)

[ 26 ]

ووضع مسواكه في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذا نواس أرطب أم يباس ؟ فقال ؟ ل نخماس استرطبان لا باس (1) فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع، فخرجوا في أثر ذى نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغى أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث. فملكوه عليهم، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير، وتسمى يوسف، فأقام في ملكه زمانا، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الانجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له عبد الله ابن الثامر. ثم ذكر ابن إسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى، وأن ذلك كان على يدى رجل يقال له فيميون، كان من عباد النصارى بأطراف الشام، وكان مجاب الدعوة، وصحبه رجل يقال له صالح، فكانا يتعبدان يوم الاحد ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء، وكان يدعو للمرضى والزمنى وأهل العاهات فيشفون، ثم استأسره وصاحبه بعض الاعراب فباعوهما بنجران، فكان الذى اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذى هو فيه في الليل يمتلئ عليه البيت نورا، فأعجبه ذلك من أمره. وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلقون عليها حلى نسائهم ويعكفون عندها، فقال فيميون لسيده: أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذى أنتم عليه باطل ؟ قال: نعم. فجمع له أهل نجران، وقام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها، فأرسل الله عليها قاصفا فجعفها (2) من أصلها ورماها إلى الارض، فاتبعه أهل نجران على


(1) نخماس الرأس بلغة حمير. ومعنى استرطبان: أخذته النار، وهى كلمة فارسية. (2) جعفها: اقتلعها. (*)

[ 27 ]

دين النصرانية، وحملهم على شريعة الانجيل حتى حدثت فيهم الاحداث التى دخلت على أهل دينهم بكل أرض. فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب. ثم ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر حين تنصر على يدى فيميون، وكيف قتله وأصحابه ذو نواس وخدلهم الاخدود. قال ابن هشام: وهو الحفر المستطيل في الارض مثل الخندق. وأجج فيه النار وحرقهم بها، وقتل آخرين حتى قتل قريبا من عشرين ألفا. كما هو مستقصى في تفسير سورة (والسماء ذات البروج) من كتابنا التفسير ولله الحمد. ذكر خروج الملك باليمن من حمير وصيرورته إلى الحبشة السودان كما أخبر بذلك شق وسطيح الكاهنان. وذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر ملك الروم، فاستنصره على ذى نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، وذلك لانه نصراني على دينهم. فقال له بعدت بلادك منا، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك. فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره. فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر، فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط، ومعه في جنده أبرهة الاشرم، فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس، وسار إليه ذو نواس في حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن.

[ 28 ]

فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى به إلى غمره. فأدخله فيها، فكان آخر العهد به، ودخل أرياط اليمن وملكها. وقد ذكر ابن إسحاق هاهنا أشعارا للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة، وفيها فصاحة وحلاوة وبلاغة وطلاوة، ولكن تركنا إيرادها خشية الاطالة وخوف الملالة. والله المستعان. ذكر خروج ابرهة الاشرم على أرياط واختلافهما واقتتالهما وصيرورة ملك اليمن إلى أبرهة بعد قتله أرياط قال ابن إسحاق: فأقام أرياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه أبرهة حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل منهما طائفة، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا، فابرز لى وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه أرياط: أنصفت. فخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحيما، وكان ذا دين في النصرانية، وخرج إليه ارياط وكان رجلا جميلا عظيما طويلا، وفى يده حربة له، وخلف أبرهة غلام يقال له عتودة يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته، فبذلك سمى أبرهة الاشرم، وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وودى أبرهة أرياط.

[ 29 ]

فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الذى بعثهم إلى اليمن غضب غضبا شديدا على أبرهة، وقال: عدا على أميرى فقتله بغير أمرى ! ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته. فحلق أبرهة رأسه، وملا جرابا من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشي ثم كتب إليه: أيها الملك، إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكل طاعته لك، إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب تراب من أرضى ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه في. فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضى عنه وكتب إليه أن اثبت برأض اليمن حتى يأتيك أمرى. فأقام أبرهة باليمن. ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه الله عاجلا غير آجل كما قال الله تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول). قيل: أول من ذلل الفيلة إفريدون بن أثفيان الذى قتل الضحاك. قاله الطبري. وهو أول من اتخذ للخيل السرج. وأما أول من سخر الخيل وركبها فطهمورث، وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا، ويقال إن أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب. والله تعالى أعلم.

[ 30 ]

ويقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر، وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة. قال ابن إسحاق: ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء، كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشئ من الارض، وكتب إلى النجاشي: إنى قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. فذكر السهيلي أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة، وسخرهم فيها أنواعا من السخر، وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة، وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاما وأحجارا وأمتعة عظيمة، وركب فيها صلبانا من ذهب وفضة، وجعل فيها منابر من عاج وأبنوس، وجعل ارتفاعها عظيما جدا واتساعها باهرا، فلما هلك بعد ذلك أبرهة وتفرقت الحبشة كان من يتعرض لاخذ شئ من بنائها وأمتعتها أصابته الجن بسوء، وذلك لانها كانت مبنية على اسم صنمين، كعيب وامرأته، وكان طول كل منهما ستون ذراعا، فتركها أهل اليمن على حالها. فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بنى العباس، فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم فنقضوها حجرا حجرا ودرست آثارها إلى يومنا هذا. قال ابن إسحاق: فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة، الذين ينسئون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم، كما قررنا ذلك عند قوله: (إنما النسئ زيادة في الكفر). قال ابن إسحاق: فخرج الكنانى حتى أتى القليس فقعد فيها (1)، أي أحدث حيث لا يراه أحد، ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر أبرهة بذلك، فقال من صنع هذا ؟ فقيل له: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذى تحجه العرب بمكة، لما سمع بقولك أنك


(1) المطبوعة: فيه. (*)

[ 31 ]

تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك (1) هذا، فغضب فجاء فقعد فيها، أي أنه ليس لذلك بأهل. فغضب أبرهة عند ذلك، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت. ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه، وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله. فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما. ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلى (2) خثعم وهما شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا، فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني، فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلى خثعم، شهران وناهس، بالسمع والطاعة. فخلى سبيله وخرج به معه يدله. حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو ابن سعد بن عوف بن ثقيف، في رجال ثقيف، فقالوا له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذى تريد،


(1) عبارة ابن اسحق مختلفة عما أورده المؤلف. (2) المطبوعة: قبيلتي. (*)

[ 32 ]

يعنون اللات، إنما تريد البيت الذى بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه. فتجاوز عنهم. قال ابن إسحاق: واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة. قال: فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذى يرجم الناس بالمغمس. وفى قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلا منهم وكان يمتنع بالحرم، فلما خرج منه أصابه حجر فقتله، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه: " وآية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب " فحفروا فوجدوهما. قال وهو أبو ثقيف. قلت: والجمع بين هذا وبين ما ذكر ابن إسحاق، أن أبا رغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الاعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الاول أيضا والله أعلم. وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه * كرجمكم لقبر أبى رغال الظاهر أنه الثاني. قال ابن إسحاق: فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الاسود بن مقصود (1) على خيل له، حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك. وبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له إن الملك يقول إنى لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت،


(1) الاصل: مفصود. والتصويب من ابن هشام (*)

[ 33 ]

فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب فلا حاجة لى بدمائكم. فإن هو لم يرد حربى فائتني به. فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه ومالنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام. أو كما قال. فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته، وإن يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: فانطلق معى إليه فإنه قد أمرنى أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذى نفر، وكان له صديقا، حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدى ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ! ما عندي غناء في شئ مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لى، فسأرسل إليه وأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. فقال: حسبى. فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين (1) مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك،


(1) الطبري: عير. والمقصود بعين مكة زمزم التى حفرها عبد المطلب. (*)

[ 34 ]

وهو صاحب عين مكة، وهو الذى يطعم الناس بالسهل والوحوش في رءوس الجبال. فائذن له عليك فليكلمك في حاجته، فأذن له أبرهة. قال: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم (1)، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال حاجتى أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لى. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لاهدمه لا تكلمني فيه ! ؟ فقال له عبد المطلب: إنى أنا رب الابل، وإن للبيت ربا سيمنعه. فقال: ما كان ليمتنع منى. قال: أنت وذاك. فرد على عبد المطلب إبله. قال ابن إسحاق: ويقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة ابن عدى بن الديل (2) بن بكر بن عبد مناة بن كنانة سيد بنى بكر، وخويلد بن وائلة سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك. فالله أعلم أكان ذلك أم لا. فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رءوس الجبال، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:


(1) وتروى: أوسم الناس وأجمله وأعظمه. (2) الطبري: الدئل، بضم الدال وبكسر الهمزة. (*)

[ 35 ]

- لا هم إن العبد يم‍ * نع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم (1) غدوا محالك إن كنت تاركهم وقب‍ * لتنا فأمر ما بدا لك قال ابن هشام: هذا ما صح له منها. قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه، وكان اسم الفيل محمودا. فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمود وارجع راشدا من حيث أتيت، فإنك في بلد الله الحرام. وأرسل أذنه، فبرك الفيل. قال السهيلي: أي سقط إلى الارض، وليس من شأن الفيلة أن تبرك، وقد قيل إن منها ما يبرك كالبعير. فالله أعلم. وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه (2) بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان (3) مع كل طائر منها


(1) محالهم: قوتهم وبأسهم. وغدوا: غدا. استعملت تامة ولا تستعمل كذلك إلا في الشعر. (2) الطبرزين: آلة معقفة من حديد. والمحاجن جمع محجن وهو عصا معوجة قد يجعل فيها حديدة، وتبزغوه: ضربوه حتى أدموه، ومراق البطن: مارق منه ولان، جمع مرق، أولا واحد لها. (3) قال ابن الاثير: قال عباد بن موسى: أظنها الزرازير. النهاية 1 / 111 (*)

[ 36 ]

ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التى منها جاءوا، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل في ذلك: ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الاصباح عينا ردينة لو رأيت فلا تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت أمرى * ولم تأسى على ما فات بينا (1) حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا وكل القوم يسأل عن نفيل * كأن على للحبشان دينا قال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة تمث (2) قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤى بها مرائر الشجر: الحرمل والحنظل والعشر، ذلك العام. قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال تعالى:


(1) بينا: نصب نصب المصدر المؤكد لما قبله إذ كان في معناه ولم يكن على لفظه. (2) تمث ترشح. (*)

[ 37 ]

(ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول). ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتى بعدها. وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وله الحمد والمنة. قال ابن هشام: الابابيل: الجماعات، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه. قال: وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب. قال: وزعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وأنها سنج وجل فالسنج: الحجر، والجل: الطين. يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين. قال: والعصف: ورق الزرع الذى لم يقصب. وقال الكسائي (1): سمعت بعض النحويين يقول واحد الابابيل إبيل. وقال كثيرون من السلف: الابابيل: الفرق من الطير التى يتبع بعضها بعضا من ههنا وههنا. وعن ابن عباس: كان لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب. وعن عكرمة كانت رؤوسها كرءوس السباع خرجت عليهم من البحر وكانت خضرا. وقال عبيد بن عمير: كانت سودا بحرية، في مناقيرها وأكفها الحجارة. وعن ابن عباس: كانت أشكالها كعنقاء مغرب. وعن ابن عباس كان أصغر


(1) من هنا ليس عن ابن هشام. (*)

[ 38 ]

حجر منها كرأس الانسان. ومنها ما هو كالابل. وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق. وقيل: كانت صغارا والله أعلم. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبى شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبى سفيان، عن عبيد بن عمير، قال لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار: حجرين في رجليه وحجرا في منقاره، قال فجاءت حتى صفت على رؤوسهم، ثم صاحت وألقت ما في رجليها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شئ من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة، فأهلكوا جميعا. وقد تقدم أن ابن إسحاق قال: وليس كلهم أصابته الحجارة. يعنى بل رجع منهم راجعون إلى اليمن حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال. وذكروا أن أبرهة رجع وهو يتساقط أنملة أنملة، فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره فمات لعنه الله. وروى ابن إسحاق قال: حدثنى عبد الله بن أبى بكر، عن عمرة (1) عن عائشة، قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيسا، فأما قائده فلم يسم. والله أعلم. وذكر النقاش في تفسيره أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر. قال السهيلي: وكانت قصة الفيل أول المحرم من سنة ست وثمانين وثمانمائة (2) من تاريخ ذى القرنين.


(1) المطبوعة: سمرة. وهو تحريف. وهى عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، كانت في حجر عائشة رضى الله عنها فحفظت عنها، توفيت سنة 98 ه‍ وقيل سنة 106. (2) والذى في السهيلي: سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة. (*)

[ 39 ]

قلت: وفي عامها ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهور، وقيل كان قبل مولده بسنين، كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة. ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الاشعار في هذه الكائنة العظيمة التى نصر الله فيها بيته الحرام، الذى يريد أن يشرفه ويعظمه، ويطهره ويوقره ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما يشرع له من الدين القويم، الذى أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه، وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة، ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة، فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش، وإنما كان النصر للبيت الحرام، وإرهاصا وتوطئة لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم. فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعرى السهمى: تنكلوا (1) عن بطن مكة إنها * كانت قديما لا يرام حريمها لم تخلق الشعرى ليالى حرمت * إذ لا عزيز من الانام يرومها سائل أمير الحبش (2) عنها ما رأى * فلسوف ينبى الجاهلين عليمها ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم * بل لم يعش بعد الاياب سقيمها كانت بها عاد وجرهم قبلهم * والله من فوق العباد يقيمها ومن ذلك قول أبى قيس بن الاسلت الانصاري المدنى: ومن صنعه يوم فيل الحبو * ش إذ كلما بعثوه رزم (3) محاجنهم تحت أقرابه * وقد شرموا أنفه فانخرم (4) وقد جعلوا سوطه مغولا * إذا يمموه قفاه كلم (5) فولى وأدبر أدراجه * وقد باء بالظلم من كان ثم


(1) رويت أيضا: تنكبوا بالباء. ومعناها على كلا الروايتين: انصرفوا وارجعوا خوفا وهيبة. (2) ابن هشام: أمير الجيش. (3) رزم: أقام في مكانه لم يتحرك. (4) الاقراب جمع قرب بضمتين، وهو الخاصرة، أو من الشاكلة إلى مراق البطن. (5) المغول: سكين كبيرة. (*)

[ 40 ]

فأرسل من فوقهم حاصبا * فلفهم مثل لف القزم (1) تحض على الصبر أحبارهم * وقد ثأجوا كثؤاج الغنم (2) ومن ذلك قول أبى الصلت ربيعة بن أبى ربيعة وهب بن علاج الثقفى، قال ابن هشام: ويروى لامية ابن أبى الصلت: إن آيات ربنا ثاقبات * ما يمارى فيهن إلا الكفور خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابه مقدور ثم يجلو النهار رب رحيم * بمهاة شعاعها منشور حبس الفيل بالمغمس حتى * صار يحبو كأنه معقور لازما حلقة الجران كما ق‍ * - د من صخر كبكب محدور (3) حوله من ملوك كندة أبطا * ل ملاويث في الحروب صقور (4) خلفوه ثم ابذعروا جميعا * كلهم عظم ساقه مكسور (5) كل دين يوم القيامة عند الل‍ * - ه إلا دين الحنيفة (6) بور ومن ذلك قول أبى قيس بن الاسلت أيضا: فقوموا فصلوا ربكم (7) وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الاخاشب فعندكم منه بلاء مصدق * غداة أبى يكسوم هادى الكتائب (8) كتيبته بالسهل تمشى ورجله * على القاذفات في رأس المناقب (9) فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب (10)


(1) القزم: جمع قزم، وهو الضئيل الجسم. (2) ثأجوا: صاحوا. (3) ابن هشام: كما قطر. وكبكب: جبل (4) الملاويث جمع ملاث، وهو الشريف. (5) ابذعروا: تفرقوا وفروا (6) أي الامة الحنيفة، وهو دين التوحيد دين ابراهيم (7) صلوا ربكم: ادعوا ربكم. (8) أبو يكسوم: هو أبرهة. (9) وتروى تمسى (10) السافى: الذى يرمى بالتراب والحاصب: الذى يرمى بالحصباء. (*)

[ 41 ]

فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب (1) ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء: كاده الاشرم الذى حاء بالفي‍ * ل فولى وجيشه مهزوم واستهلت عليهم الطير بالجن‍ * دل حتى كأنه مرجوم ذاك من يغزه من الناس يرجع * وهو فل من الجيوش ذميم (2) قال ابن إسحاق وغيره: فلما هلك أبرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق ابن أبرهة، وهو آخر ملوكهم، وهو الذى انتزع سيف بن ذى يزن الحميرى الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان. كما سيأتي بيانه. وكانت قصة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذى القرنين، وهو الثاني اسكندر ابن فلبس المقدونى الذى يؤرخ له الروم. ولما هلك ابرهة وابناه، وزال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الذى كان بناه أبرهة وأراد صرف حج العرب إليه، لجهله وقلة عقله، وأصبح يبابا لا أنيس به. وكان قد بناه على صنمين، وهما كعيب وامرأته، وكانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعا في السماء، وكانا مصحوبين من الجان، ولهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شئ من بناء القليس وأمتعته إلا أصابوه بسوء، فلم يزل كذلك إلى أيام السفاح أول خلفاء بنى العباس فذكر له أمره وما فيه من الامتعة والرخام الذى كان أبرهة نقله إليه من صرح بلقيس


(1) ملحبش: أصلها من الحبش. (2) الفل: المهزوم (*)

[ 42 ]

الذى كان باليمن، فبعث إليه من خربه حجرا حجرا، وأخذ جميع ما فيه من الامتعة والحواصل. (1) هكذا ذكره السهيلي. والله أعلم. ذكر خروج الملك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذى يزن الحميرى كما أخبر بذلك الكاهنان لربيعة بن نصر اللخمى قال محمد بن إسحاق رحمه الله: فلما هلك أبرهة ملك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، فلما هلك يكسوم ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة. قال: فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذى يزن الحميرى. وهو سيف بن ذى يزن بن ذى أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن ابن الهميسع بن العرنجج، وهو حمير بن سبأ (2) وكان سيف يكنى أبا مرة. حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا إليه ما هم (3) فيه، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو، ويخرج إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه (4). فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمر الحبشة، فقال له النعمان: إن لى على كسرى وفادة في كل عام، فأقم عندي حتى يكون ذلك. ففعل. ثم خرج معه فأدخله على كسرى.


(1) سبق أن ذكر المؤلف هذا القول آنفا ص 30. (2) ليست في ابن هشام (3) المطبوعة: هو. (4) أي لم يستجب لشكواه (*)

[ 43 ]

وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذى فيه تاجه، وكان تاجه مثل القنقل (1) العظيم، فيما يزعمون، يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له. فلما دخل عليه طأطأ رأسه، فقال الملك: إن هذا لاحمق يدخل على من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه ! فقيل ذلك لسيف، فقال: إنما فعلت هذا لهمى لانه يضيق عنه كل شئ. ثم قال له: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الاغربة. قال كسرى: أي الاغربة، الحبشة أم السند ؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني ويكون ملك بلادي لك. فقال له كسرى: بعدت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لاورط جيشا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لى بذلك. ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة. فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس، فبلغ ذلك الملك فقال: إن لهذا لشأنا. ثم بعث إليه فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس ! قال وما أصنع بحبائك (2) ما جبال أرضى التى جئت منها إلا ذهب وفضة. يرغبه فيها. فجمع كسرى مرازبته فقال لهم: ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له ؟


(1) القنقل: المكيال. (2) ابن هشام: وما أصنع بهذا. (*)

[ 44 ]

فقال قائل: أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذى أردت بهم، وإن ظفروا كان ملكا ازددته. فبعث معه كسرى من كان في سجونه، وكانوا ثمانمائة رجل واستعمل عليهم [ رجلا منهم يقال له ] وهرز، وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا، فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن. فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له: رجلى ورجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا. فقال له وهرز: أنصفت. وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنده، فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم. فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز: أرونى ملكهم. فقالوا له: أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوته حمراء. قال: نعم. قالوا: ذلك ملكهم. فقال اتركوه. قال فوقفوا طويلا ثم قال علام هو ؟ قالوا قد تحول على الفرس. قال: اتركوه. فتركوه طويلا، ثم قال: علام هو ؟ قالوا على البغلة. قال وهرز: بنت الحمار، ذل وذل ملكه، إنى سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإنى قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاثوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم. ثم أوتر قوسه، وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها، وأمر بجاجبيه فعصبا له، ثم رماه فصك الياقوتة التى بين عينيه وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه، ونكس عن دابته، واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه.

[ 45 ]

وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتى منكسة أبدا، اهدموا هذا الباب. فهدم، ثم دخلها ناصبا رايته. فقال سيف بن ذى يزن الحميرى: يظن الناس بالملكي‍ * ن أنهما قد التأما ومن يسمع بلامهما * فإن الخطب قد فقما (1) قتلنا القيل مسروقا * وروينا الكثيب دما وإن القيل قيل النا * س وهرز مقسم قسما يذوق مشعشعا (2) حتى * يفئ السبى والنعما ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه وامتدحوه، فكان من جملة من وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم (3)، فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما يعلم من أمره، وسيأتى ذلك مفصلا في باب البشارات به عليه الصلاة والسلام. قال ابن إسحاق: وقال أبو الصلت بن ربيعة الثقفى، قال ابن هشام: وتروى لامية ابن أبى الصلت. ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن * ريم في البحر للاعداء أحوالا (4) يمم قيصر لما حان رحلته * فلم يجد عنده بعض الذى سالا ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة * من السنين يهين النفس والمالا


(1) فقم: اشتد وعظم. (2) يذوق: يريد لا يذوق. والمشعشع: الشراب الممزوج بالماء. (3) المخطوطة ا: فكان من جملة وفد قريش عبد المطلب. (4) كذا في ابن هشام وفى نسخة من الاكتفاء للكلاعي: مذأم. أي ابتدأ يطلب الوتر منذ غادر يلاده واتجه في البحر يطلب العون من قيصر وكسرى. والمعنى على الرواية المثبتة: أنه أقام في البحر، أو غاب زمانا وأحوالا ثم رجع للاعداء. (*)

[ 46 ]

حتى أتى ببنى الاحرار يحملهم * إنك عمرى لقد أسرعت قلقالا (1) لله درهم من عصبة خرجوا * ما إن أرى لهم في الناس أمثالا غلبا مرازبة بيضا أساورة * أسدا تربب في الغيضات أشبالا (2) يرمون عن شدف كأنها غبط * بزمخر يعجل المرمى إعجالا (3) أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد * أضحى شريدهم في الارض فلالا (4) فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا * في رأس غمدان دارا منك محلالا (5) واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * وأسبل اليوم في برديك إسبالا تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا يقال: إن غمدان قصر باليمن بناه يعرب بن قحطان، وملكه (6) بعده واحتله وائلة ابن حمير بن سبأ، ويقال كان ارتفاعه عشرين طبقة. فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وقال عدى بن زيد الحيرى (7) وكان أحد بنى تميم: ما بعد صنعاء كان يعمرها * ولاة ملك جزل مواهبها رفعها من بنى لدى قزع ال‍ * مزن وتندى مسكا محاربها (8) محفوظة بالجبال دون عرى ال‍ * كائد ما ترتقى غواربها (9) يأنس فيها صوت النهام إذا * جاوبها بالعشى قاصبها (10) ساقت إليها الاسباب جند بنى ال‍ * أحرار فرسانها مواكبها


(1) القلقال: شدة الحركة. (2) ابن هشام: بيضا مرازبة غلبا أساورة. والغلب: الشجعان (3) الشدف: جمع شدفاء، وهى القوس العوجاء الفارسية. كما في القاموس، وقد اضطرب السهيلي في تفسيرها إذ فسرها بالشخص ئم تكلف تكلفا بعيدا. والغبط: الهوادج. والزمخر: النشاب. (4) الفلال: المنهزمون. (5) غمدان: قصر كان باليمن بناه يشرح بن يحصب. (6) المخطوطة ا: وأكمله. (7) المطبوعة والاصل: الحميرى وهو خطأ. (8) قزع المزن: السحاب المتفرق. (9) عرى الكائد: يريد عرى السماء وأسبابها. (10) النهام: ذكر البوم. والقاصب: الذى يزمر في القصب. (*)

[ 47 ]

وفوزت بالبغال توسق بال‍ * - حتف وتسعى بها توالبها (1) حتى رآها الاقوال من طرف ال‍ * منقل مخضرة كتائبها (2) يوم ينادون آل بربر وال‍ * - يكسوم لا يفلحن هاربها فكان يوما (3) باقى الحديث وزا * لت إمة (4) ثابت مراتبها وبدل الفيج بالزرافة (5) والاي‍ * - ام خون جم عجائبها بعد بنى تبع نخاورة (6) * قد اطمأنت بها مرازبها قال ابن هشام: وهذا الذى عنى سطيح بقوله: " يليه إرم ذى يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن " والذى عنى شق بقوله: " غلام ليس بدنى ولا مدن، يخرج من بيت ذى يزن ". قال ابن إسحاق: فأقام وهرز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الابناء (7) الذين باليمن اليوم. وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق ابن أبرهة وأخرجت الحبشة، اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة.


(1) فوزت: ركبت المفاوز. وتوسق بالحتف: أي وسقها الحتوف. والتوالب: جمع تولب وهو ولد الحمار، والتاء فيه بدل من واو. (2) الاقوال: الملوك. والمنقل: الحصن. ومخضرة كتائبها: يعنى من الحديد، ومنه الكتيبة الخضراء. (3) ابن هشام: وكان يوم. (4) إمة: أي نعمة (5) الفج: المنفرد في مشيته، والزرافة: الجماعة. (6) النخاورة: الكرام. (7) قال في النهاية: ويقال لاولاد فارس الابناء، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذى يزن. فقيل لاولادهم الابناء وغلب عليهم هذا الاسم، لان أمهاتهم من غير جنس آبائهم. (*)

[ 48 ]

ذكر ما آل إليه أمر الفرس باليمن قال ابن هشام: ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان، ثم مات فأمر ابن التينجان، ثم عزله عن اليمن وأمر عليها باذان، وفى زمنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: فبلغني عن الزهري أنه قال: كتب كسرى إلى باذان: إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبى، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إلى برأسه. فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا " فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر، وقال: إن كان نبيا فسيكون ما قال. فقتل الله كسرى في اليوم الذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: على يدى ابنه شيرويه. قلت. وقال بعضهم: بنوه تمالاوا على قتله. وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ، وهو الذى غلب الروم في قوله تعالى: " ألم غلبت الروم في أدنى الارض " كما سيأتي بيانه. قال السهيلي: وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الاولى سنة تسع (1) من الهجرة. وكان، والله أعلم، لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الاسلام فغضب ومزق كتابه، كتب إلى نائبه باليمن يقول له ما قال.


(1) الذى في السهيلي: سنة سبع. (*)

[ 49 ]

وفى بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرسول باذان: " إن ربى قد قتل الليلة ربك " فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قتل تلك الليلة بعينها، قتله بنوه لظلمه بعد عدله، بعد ما خلعوه وولوا ابنه شيرويه فلم يعش بعد قتله اباه إلا ستة أشهر أو دونها. وفى هذا يقول خالد بن حق الشيباني: وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم * ألا ولكل حاملة تمام قال الزهري: فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الرسل [ من الفرس ] (1): إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال: " أنتم منا وإلينا أهل البيت ". قال الزهري: ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سلمان منا أهل البيت ". قلت: والظاهر أن هذا كان بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولهذا بعث الامراء إلى اليمن لتعليم الناس الخير ودعوتهم إلى الله عزوجل، فبعث أولا خالد بن الوليد وعلى بن أبى طالب، ثم أتبعهما أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل، ودانت اليمن وأهلها للاسلام. ومات باذان فقام بعده ولده شهر بن باذان، وهو الذى قتله الاسود العنسى حين تنبأ وأخذ زوجته، كما سيأتي بيانه، وأجلى عن اليمن نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قتل الاسود عادت اليد الاسلامية عليها. قال ابن هشام: وهذا هو الذى (2) عنى به سطيح بقوله: " نبى زكى، يأتيه


(1) من ابن هشام (2) ابن هشام: فهو الذى (*)

[ 50 ]

الوحى من قبل العلى " والذى عنى شق بقوله: " بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل ". قال ابن إسحاق: وكان في حجر باليمن، فيما يزعمون، كتاب بالزبور كتب في الزمان الاول: لمن ملك ذمار ؟ لحمير الاخيار، لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الاشرار. لمن ملك ذمار ؟ لفارس الاحرار، لمن ملك ذمار ؟ لقريش التجار ". وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي: حين شيدت (1) ذمار قيل لمن أن‍ * - ت ؟ فقالت لحمير الاخيار ثم سيلت من بعد ذاك فقالت * أنا للحبش أخبث الاشرار ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن‍ * - ت فقالت لفارس الاحرار ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن‍ * - ت فقالت إلى قريش التجار ويقال: إن هذا الكلام الذى ذكره محمد بن إسحاق، وجد مكتوبا عند قبر هود عليه السلام، حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن، وذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذى المنار، أخى عمرو ذى الاذعار بن ذى المنار. ويقال كان مكتوبا على قبر هود أيضا وهو من كلامه عليه السلام. حكاه السهيلي. والله أعلم. قصة الساطرون صاحب الحضر وقد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام لاجل ما قاله بعض علماء النسب: أن النعمان بن المنذر الذى تقدم ذكره في ورود سيف بن ذى يزن عليه، وسؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن إليه، أنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر.


(1) شدت. وهو خطأ. (*)

[ 51 ]

وقد قدمنا عن ابن إسحاق أن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر، وأنه روى عن جبير بن مطعم أنه من أشلاء قنص (1) بن معد بن عدنان. فهذه ثلاثة أقوال في نسبه فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر. والحضر حصن عظيم بناه هذا الملك، وهو الساطرون، على حافة الفرات، وهو منيف مرتفع البناء، واسع الرحبة والفناء، دوره بقدر مدينة عظيمة. وهو في غاية الاحكام والبهاء والحسن والسناء، وإليه يجبى ما حوله من الاقصار والارجاء. واسم الساطرون: الضيزن بن معاوية بن عبيد بن أجرم من بنى سليح (2) بن حلوان ابن الحاف بن قضاعة. كذا نسبه ابن الكلبى. وقال غيره: كان من الجرامقة، وكان أحد ملوك الطوائف، وكان يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم، وكان حصنه بين دجلة والفرات. قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الاكتاف غزا الساطرون (3) ملك الحضر. وقال غير ابن هشام: إنما الذى غزا صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بنى ساسان، أذل ملوك الطوائف ورد الملك إلى الاكاسرة. وأما سابور ذو الاكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل. والله أعلم. ذكره السهيلي. قال ابن هشام: فحصره سنتين. وقال غيره: أربع سنين. وذلك لانه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق. فأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج وعلى رأسه تاج


(1) المطبوعة: قيصر. وهو خطأ. (2) المخطوطة ا: بن عبيد بن سليح. (3) ابن هشام: ساطرون. (*)

[ 52 ]

من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، [ وكان جميلا ] (1)، فدست إليه: أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال: نعم. فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر، وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه وبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب. ويقال: بل دلتهم على نهر يدخل منه الماء متسع فولجوا منه إلى الحضر. ويقال: بل دلتهم على طلسم كان في الحضر، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فبفتح الباب. ففعل ذلك فانفتح الباب. فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحضر وخربه وسار بها معه فتزوجها. فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها، فوجد عليه ورقة آس، فقال لها سابور: أهذا الذى أسهرك ؟ قالت: نعم. قال: فما كان أبوك يصنع بك. قالت: كان يفرش لى الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ ويسقيني الخمر. قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعت به ! أنت إلى بذلك أسرع. فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها. ففيه يقول أعشى بنى قيس بن ثعلبة: - ألم تر للحضر إذ أهله * بنعمى وهل خالد من نعم أقام به شاهبور الجنو * د حولين تضرب فيه القدم


(1) ليست في ا. (*)

[ 53 ]

فلما دعا ربه دعوة * أناب إليه فلم ينتقم (1) فهل زاده ربه قوة * ومثل مجاوره لم يقم وكان دعا قومه دعوة * هلموا إلى أمركم قد صرم فموتوا كراما بأسيافكم * أرى الموت يجشمه من جشم وقال عدى بن زيد في ذلك: والحضر صابت عليه داهية * من فوقه، أيد مناكبها (2) ربية لم توق والدها * لحينها إذ أضاع راقبها (3) إذ غبقته صهباء صافية * والخمر وهل يهيم شاربها (4) فأسلمت أهلها بليلتها * تظن أن الرئيس خاطبها فكان حظ العروس إذ جشر الص‍ * - بح دماء تجرى سبائبها (5) وخرب الحضر واستبيح وقد * أحرق في خدرها مشاجبها (6) وقال عدى بن زيد أيضا: أيها الشامت المعير بالده‍ * - ر أأنت المبرء الموفور ! أم لديك العهد الوثيق من الاي‍ * - ام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم من * ذا عليه من أن يضام خفير ؟ ! أين كسرى كسرى الملوك أنوشر * وان أم أين قبله سابور ! وبنو الاصفر الكرام ملوك ال‍ * - روم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج‍ * - لة تجبى إليه والخابور


(1) اقتصر ابن هشام على هذه الابيات. (2) صاب السهم من باب باع، لغة في أصاب. والايد: القوى. والمعنى أنها هائلة. (3) ربية: فعيل بمعنى مفعول، أي مرباة. والحين: الهلاك. والراقب: المراقب. (4) غبقته: سقته الغبوق، وهو ما يشرب بالعشى. والوهل: الوهم. (5) جشر الصبح: طلع. (6) المشاجب: جمع مشجب. ما تعلق به الثياب. (*)

[ 54 ]

شادة مرمرا وجلله كل‍ * سا فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فبان ال‍ * - ملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذ أش‍ * - رف يوما وللهدى تفكير (1) سره ماله وكثرة ما يم‍ * لك والبحر معرضا والسدير (2) فارعوى قلبه وقال: وما غب‍ * - طة حى إلى الممات يصير ثم أضحوا كأنهم ورق ج‍ * - ف فألوت به الصبا والدبور (3) قلت: ورب الخورنق الذى ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين، وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذى كان قد أسرف فيه وعتا (4) وتمرد فيه وأتبع نفسه هواها ولم يراقب فيها مولاها، فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول، وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد، وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى من بعده، فأخذته موعظته وبلغت منه كل مبلغ، فارعوى لنفسه، وفكر في يومه وأمسه، وخاف من ضيق رمسه، فتاب وأناب ونزع عما كان فيه، وترك الملك ولبس زى الفقراء، وساح في الفلوات وحظي بالخطوات، وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات وعصيان رب السموات. وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الامام موفق بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب " التوابين " وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب " الروض الانف " المرتب أحسن ترتيب وأوضح تبيين.


(1) ا: تذكير. (2) ا: معرض. (3) ألوت به: ا: ذهبت به، والصبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. والدبور ريح تقابل الصبا. (4) ا: وعق. (*)

[ 55 ]

خبر ملوك الطوائف وأما صاحب الحضر وهو ساطرون، فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف، وكان من زمن اسكندر بن فلبيس المقدونى اليونانى، وذلك لانه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا، وأذل مملكته وخرب بلاده واستباح بيضة قومه ونهب حواصله، ومزق شمل الفرس شذر مذر، عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ولا يلتئم لهم أمر. فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في إقليم من أقاليم الارض ما بين عربها وأعاجمها، فاستمر كل ملك منهم يحمى حوزنه ويحفظ حصته ويستغل محلته، فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه، فاستمر الامر كذلك قريبا من خمسمائة سنة. حتى كان أردشير بن بابك من بنى ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب، فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه، ورجعت الممالك برمتها إليه، وأزال ممالك ملوك الطوائف، ولم يبق منهم تالد ولا طارف، وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذى كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم، فلما مات أردشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه، كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 56 ]

باب ذكر بنى إسماعيل وهم عرب الحجاز وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة ذكرنا إسماعيل نفسه عليه السلام مع الانبياء (1)، وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أمه هاجر فأسكنها بوادي مكة بين جبال فاران، حيث لا أنيس به ولا حسيس، وكان إسماعيل رضيعا، ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك، ليس عند أمه سوى جراب فيه تمر ووكاء فيه ماء، فلما نفد ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التى هي طعام طعم وشفاء سقم، كما في حديث ابن عباس الطويل الذى رواه البخاري رحمه الله. ثم نزلت جرهم، وهم طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الاقدمين عند هاجر بمكة، على أن ليس لهم في الماء شئ إلا ما يشربون منه وينتفعون به، فاستأنست هاجر بهم. وجعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين. يقال إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه. ثم لما ترعرع الغلام وشب وبلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح، والذبيح هو إسماعيل على الصحيح. ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة ثم فارقها وتزوج غيرها، وتزوج بالسيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى وجاءته بالبنين الاثنى عشر كما تقدم ذكرهم وهم: نابت وقيذر [ وأذبل (2) ]. ومشا، ومسمع، وماشى، ودما، وأذر، ويطور، ونبش، وطيما،


(1) وذلك في الجزء الاول من البداية والنهاية للمؤلف. (2) من ابن هشام.. (*)

[ 57 ]

وقيذما. هكذا ذكره محمد بن إسحاق وغيره عن كتب أهل الكتاب، وله ابنة واحدة اسمها نسمة، وهى التى زوجها من ابن أخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم، فولد له منها الروم وفارس (1) والاشبان أيضا في أحد القولين. ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت وقيذر. وكان الرئيس بعده والقائم بالامور الحاكم في مكة، والناظر في أمر البيت وزمزم، نابت بن إسماعيل وهو ابن أخت الجرهميين. ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بنى أختهم، فحكموا بمكة وما والاها عوضا عن بنى إسماعيل مدة طويلة، فكان أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن عيبر (2) بن نبت بن جرهم. وجرهم بن قحطان، ويقال: جرهم بن يقطن بن عيبر (2) بن شالخ بن أرفخشذ بن سام ابن نوح الجرهمى. وكان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان. وكان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل مكة، وكل منهما يعشر (3) من مر به مجتازا إلى مكة. ثم وقع بين جرهم وقطوراء فاقتتلوا، فقتل السميدع واستوثق الامر لمضاض وهو الحاكم بمكة والبيت، لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتشارهم (4) بمكة وبغيرها وذلك لخؤولتهم له ولعظمة البيت الحرام. ثم صار الملك بعده إلى ابنه الحارث، ثم إلى عمرو بن الحارث. ثم بغت جرهم بمكة وأكثرت فيها الفساد، وألحدوا بالمسجد الحرام، حتى ذكر


(1) ا: واليونان. (2) ا: هيبر (3) يعشر: يأخذ عشر الاموال (4) المطبوعة وانتشارهم. وهو خطأ. (*)

[ 58 ]

أن رجلا منهم يقال له إساف بن بغى وامرأة يقال لها نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة فكان منه إليها الفاحشة، فمسخهما الله حجرين، فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما، فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة. كما سيأتي بيانه في موضعه. فكانا صنمين منصوبين يقال لهما إساف ونائلة. فلما أكثرت جرهم البغى بالبلد الحرام تمالات عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم، وكانوا من ذرية عمرو بن عامر الذى خرج من اليمن لاجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم. وقيل إن خزاعة من بنى إسماعيل. فالله أعلم. والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا. واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين. فغلبت خزاعة، وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان، وأجلوهم عن البيت. فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى، وهو سيدهم، إلى غزالي الكعبة، وهما من ذهب، وحجر الركن وهو الحجر الاسود، وإلى سيوف محلاة وأشياء أخر، فدفنها في زمزم وطم زمزم، وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن. وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض: وقائلة والدمع سكب مبادر * وقد شرقت بالدمع منها المحاجر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر فقلت لها والقلب منى كأنما * يلجلجه بين الجناحين طائر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا * صروف الليالى والجدود العواثر وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر

[ 59 ]

ونحن ولينا البيت من بعد نابت * بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا * فليس لحى غيرنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته * فأبناؤه منا ونحن الاصاهر فإن تنثن الدنيا علينا بحالها * فإن لها حالا وفيها التشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك يا للناس تجرى المقادر أقول إذا نام الخلى ولم أنم * أذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منها أوجها لا أحبها * قبائل منها حمير ويحابر وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة * بذلك عضتنا السنون الغوابر فسحت دموع العين تبكى لبلدة * بها حرم أمن وفيها المشاعر وتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه * يظل به أمنا وفيه العصافر وفيه وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منه فليست تغادر قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضا يذكر بنى بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة: يا أيها الناس سيروا إن قصركم (1) أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا حثوا المطى وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا كنا أناسا كما كنتم فغيرنا * دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا قال ابن هشام: هذا ما صح له منها. وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الابيات أول شعر قيل في العرب، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم قائلها.


(1) المطبوعة: قصاركم. وهو خطأ. وقصركم: أي نهايتكم. (*)

[ 60 ]

وذكر السهيلي لهذه الابيات إخوة، وحكى عندها حكاية معجبة وإنشادات مغربة. قال: وزاد أبو الوليد الازرقي في كتابه " فضائل مكة " على هذه الابيات المذكورة المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض: قد مال دهر علينا ثم أهلكنا * بالبغى فيه (1) وبز الناس ناسونا واستخبروا في صنيع الناس قبلكم * كما استبان طريق عنده الهونا كنا زمانا ملوك الناس قبلكم * بمسكن في حرام الله مسكونا قصة خزاعة، وخبر عمرو بن لحى، وعبادة الاصنام بأرض العرب قال ابن إسحاق: ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة وكان الذى يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشانى. وقريش إذ ذاك حلول وصرم (2) وبيوتات متفرقون في قومهم من بنى كنانة. قالوا: وإنما سميت خزاعة خزاعة لانهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلوا بمر الظهران فأقاموا به. قال عون بن أيوب الانصاري ثم الخزرجي في ذلك: فلما هبطنا بطن مر تخزعت * خزاعة منا في حلول كراكر (3)


(1) المطبوعة: فينا. (2) الحلول: جمع حال بتشديد اللام. والصرم بكسر الصاد وسكون الراء: الطائفة من القوم ينزلون بإبلهم ناحية من الماء والجمع أصرام. (3) الكراكر: جمع كركرة بكسر الكاف وسكون الراء وهى الجماعة من الناس. (*)

[ 61 ]

حمت كل واد من تهامة واحتمت * بصم القنا والمرهفات البواتر وقال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الانصاري الاوسي: فلما هبطنا بطن مكة أحمدت * خزاعة دار الآكل المتحامل فحلت أكاريسا وشتت قنابلا * على كل حى بين نجد وساحل (1) نفو اجرهما عن بطن مكة واحتبوا * بعز خزاعي شديد الكواهل فوليت خزاعة البيت، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل ابن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعى، الذى تزوج قصى بن كلاب ابنته حبى، فولدت له بنيه الاربعة: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا، ثم صار أمر البيت إليه. كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من ثلاثمائة سنة، وقيل خمسمائة سنة والله أعلم. وكانوا مشئومين (2) في ولايتهم، وذلك لان في زمانهم كان أول عبادة الاوثان بالحجاز. وذلك بسبب رئيسم عمرو بن لحى لعنه الله، فإنه أول من دعاهم إلى ذلك. وكان ذا مال جزيل جدا. يقال: إنه فقأ أعين عشرين بعيرا، وذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير. وكان من عادة العرب أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها، لانه يدفع بذلك العين عنها. وممن ذكر ذلك الازرقي.


(1) الاكاريس: جمع الجمع للكرس وهو أبيات من الناس مجتمعة. والقنابل جمع قنبل، وهو الطائفة من الناس والخيل. (2) المطبوعة: سوس. وهى تحريف بالاصل عما أثبتناه. (*)

[ 62 ]

وذكر السهيلي: أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة في كل سنة، يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق. قالوا: وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع، لشرفه فيهم ومحلته عندهم وكرمه عليهم. قال ابن هشام: حدثنى بعض أهل العلم أن عمرو بن لحى خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق، ويقال ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الاصنام، فقال لهم: ما هذه الاصنام التى أراكم تعبدون ؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه (1) فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بنى إسماعيل عليه السلام، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم. فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة. حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه. وفي الصحيح عن أبى رجاء العطاردي، قال: كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها.


(1) كذا بالاصول. والقياس: فيعبدوه (*)

[ 63 ]

قال ابن إسحاق. واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام غيره، فعبدوا الاوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الامم قبلهم من الضلالات. وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم عليه السلام يتمسكون بها من تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفات والمزدلفة، وهدى البدن والاهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (1) " أي ما يوحدونني لمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقي. وقد ذكر السهيلي وغيره: أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحى وأن إبليس تبدى له في صورة شيخ، فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه ويقول كما يقول، واتبعه العرب في ذلك. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمعهم يقولون: لبيك لا شريك لك: يقول: " قد قد " أي حسب حسب. وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبى حفص عن أبى هريرة. عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: " إن أول من سيب السوائب وعبد الاصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإنى رأيته يجر أمعاءه في النار ".


(1) سورة يوسف 106. (*)

[ 64 ]

تفرد به أحمد من هذا الوجه. وهذا يقتضى أن عمرو بن لحى هو أبو خزاعة الذى تنسب إليه القبيلة بكمالها، كما زعمه بعضهم من أهل النسب، فيما حكاه ابن إسحاق وغيره. ولو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرا في ذلك بل كالنص، ولكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه. فقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، قال: سمعت سعيد ابن المسيب قال: البحيرة: التى يمنح (1) درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس. والسائبة: التى كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شئ. قال: وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن عامر الخزاعى يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب ". وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة به. ثم قال البخاري: ورواه ابن الهاد عن الزهري. قال الحاكم: أراد البخاري: رواه ابن الهاد عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري. كذا قال. وقد رواه أحمد عن عمرو بن سلمة الخزاعى، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبى هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة ".


(؟) المطبوعة: يمنع. وهو خطأ (*)

[ 65 ]

ولم يذكر بينهما عبد الوهاب بن بخت كما قال الحاكم. فالله أعلم. وقال أحمد أيضا: حدثنا عبد الرازق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رأيت عمرو بن عامر الخزاعى يجر قصبه في النار، وهو أول من سيب السوائب (1) ". وهذا منقطع من هذا الوجه. والصحيح: الزهري عن سعيد عنه كما تقدم. وقوله في هذا الحديث والذى قبله: " الخزاعى " يدل على أنه ليس والد القبيلة، بل منتسب إليها، مع ما وقع في الرواية من قوله أبو خزاعة تصحيف من الراوى من: " أخو خزاعة " أو أنه كان يكنى بأبى خزاعة، ولا يكون ذلك من باب الاخبار بأنه أبو خزاعة كلهم. والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى، أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لاكثم بن الجون الخزاعى: " يا أكثم، رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه ". فقال أكثم: عسى أن يضرنى شبهه يا رسول الله. قال: " لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الاوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامى ". ليس في الكتب من هذا الوجه. وقد رواه ابن جرير عن هناد بن عبدة، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه أو مثله، وليس في الكتب أيضا.


(1) المسند حديث رقم 7696 (*)

[ 66 ]

وقال البخاري: حدثنى محمد بن أبى يعقوب أبو عبد الله الكرماني، حدثنا حسان ابن إبراهيم، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجر قصبه، وهو أول من سيب السوائب ". تفرد به البخاري. وروى الطبراني من طريق صالح، عن ابن عباس، مرفوعا في ذلك. والمقصود أن عمرو بن لحى لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل، فاتبعه العرب في ذلك، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا بينا فظيعا شنيعا. وقد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز في غير ما آية منه. فقال تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) (1) الآية. وقال تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون) (2). وقد تكلمنا على هذا كله مبسوطا وبينا اختلاف السلف في تفسير ذلك، فمن أراده فليأخذه من ثم، ولله الحمد والمنة. وقال تعالى: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم، تالله لتسئلن عما كنتم تفترون) (3). وقال تعالى: (وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل


(1) سورة النحل (116) (2) سورة المائدة (153) (3) سورة النحل 56. (*)

[ 67 ]

إلى شركائهم ساء ما يحكمون. وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون. وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) (1). وقال البخاري في صحيحه: (باب جهل العرب) (2): حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الانعام: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين). وقد ذكرنا تفسير هذه الآية، وما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة، التى ظنها كبيرهم عمرو بن لحى قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم، وهو كاذب مفتر في ذلك. ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام فيه. بل قد تابعوه فيها هو أطم من ذلك وأعظم بكثير، وهو عبادة الاوثان مع الله عزوجل.


(1) سورة الانعام: 136 - 140 (2) البخاري: باب قصة زمزم وجهل العرب. (*)

[ 68 ]

وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم، من توحيد عبادة الله وحده لا شريك له وتحريم الشرك. وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف. واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من الامم المشركين. وشابهوا قوم نوح، وكانوا أول من أشرك بالله وعبد الاصنام ولهذا بعث الله إليهم نوحا، وكان أول رسول بعث ينهى عن عبادة الاصنام، كما في قصة نوح (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) (1). قال ابن عباس: كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، فلما طال عليهم الامد عبدوهم، وقد بينا كيفية ما كان من أمرهم في عبادتهم بما أغنى عن إعادته ها هنا. قال ابن إسحاق وغيره: ثم صارت هذه الاصنام في العرب بعد تبديلهم دين إسماعيل، فكان ود لبنى كلب بن وبرة (2) بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة. وكان منصوبا بدومة الجندل. وكان سواع لبنى هذيل بن الياس بن مدركة بن مضر. وكان منصوبا بمكان يقال له رهاط. وكان يغوث لبنى أنعم من طيئ ولاهل جرش من مذحج. وكان منصوبا بجرش. وكان يعوق منصوبا بأرض همدان من اليمن لبنى خيوان بطن من همدان.


(1) سورة نوح: 23، 24 (2) المطبوعة: مرة. وهو خطأ. (*)

[ 69 ]

وكان نسر منصوبا بأرض حمير لقبيلة يقال لها ذو الكلاع. قال ابن إسحاق: وكان لخولان بأرضهم صنم يقال له عم أنس (1) يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله، فيما يزعمون (2)، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذى قسموه (3) له تركوه له، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه، وفيهم أنزل الله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا). قال: وكان لبنى ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له سعد، صخرة بفلاة من أرضهم طويلة، فأقبل رجل منهم بإبل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته، فيما يزعم، فلما رأته الابل، وكانت مرعية لا تركب وكان الصنم يهراق عليه الدماء، نفرت منه فذهبت في كل وجه، وغضب ربها فأخذ حجرا فرماه به ثم قال: لا بارك الله فيك نفرت على إبلى. ثم خرج في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له قال: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا * فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفة * من الارض لا يدعو لغى ولا رشد قال ابن إسحاق: وكان في دوس صنم لعمرو بن حممة الدوسى. قال: وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل. وقد تقدم فيما ذكره ابن هشام أنه أول صنم نصبه عمرو بن لحى لعنه الله. قال ابن إسحاق: واتخذوا إسافا ونائلة، على موضع زمزم ينحرون عندهما، ثم ذكر أنهما كانا رجلا وامرأة فوقع عليهما في الكعبة فمسخهما الله حجرين. ثم قال: حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة أنها قالت: سمعت عائشة تقول: مازلنا نسمع أن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله عزوجل حجرين. والله أعلم.


(1) في الاصنام لابن الكلبى: عميانس. (2) ابن هشام: بزعمهم. (3) ابن هشام: سموه (*)

[ 70 ]

وقد قيل إن الله لم يمهلهما حتى فجرا فيها، بل مسخهما قبل ذلك، فعند ذلك نصبا عند الصفا والمروة. فلما كان عمرو بن لحى نقلهما فوضعهما على زمزم وطاف الناس بهما. وفى ذلك يقول أبو طالب: وحيث ينيخ الاشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إساف ونائل وقد ذكر الواقدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل والثبور. وقد ذكر السهيلي: أن أجا وسلمى وهما جبلان بأرض الحجاز، إنما سميا باسم رجل اسمه أجا بن عبد الحى، فجر بسلمى بنت حام، فصلبا في هذين الجبلين فعرفا بهما. قال: وكان بين أجا وسلمى صنم لطيئ يقال له قلس. قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله. قال: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد قالت قريش: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب. قال ابن إسحاق: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهى بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب، وتهدى لها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها

[ 71 ]

بها وتنحر عندها. وهى [ مع ذلك ] (1) تعرف فضل الكعبة عليها، لانها بناء إبراهيم الخليل عليه السلام ومسجده. وكانت لقريش وبنى كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بنى شيبان من سليم حلفاء بنى هاشم، وقد خربها خالد بن الوليد زمن الفتح. كما سيأتي. قال: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بنى معتب من ثقيف، وخربها أبو سفيان والمغيرة بن شعبة بعد مجئ أهل الطائف. كما سيأتي. قال: وكانت مناة للاوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل المدينة (2) على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، وقد خربها أبو سفيان أيضا، وقيل على بن أبى طالب كما سيأتي. قال: وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة، وكان يقال له الكعبة اليمانية، ولبيت مكة الكعبة الشامية. وقد خربه جرير بن عبد الله البجلى كما سيأتي. قال: وكان قلس لطيئ ومن يليها بجبلى طيئ، يعنى (3) أجأ وسلمى. وهما جبلان مشهوران كما تقدم. قال: وكان رئام بيتا لحمير وأهل اليمن كما تقدم ذكره في قصة تبع أحد ملوك حمير وقصة الحبرين حين خرباه وقتلا منه كلبا أسود. قال: وكانت رضاء بيتا لبنى ربيعة بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر، واسمه كعب بن ربيعة بن كعب: ولقد شددت على رضاء شدة * فتركتها قفرا بقاع أسحما (4)


(1) ليست في ابن هشام. (2) ابن هشام يثرب. (3) المطبوعة: ببن. وهو خطأ. (4) الاسحم: الاسود (*)

[ 72 ]

وأعان عبد الله في مكروهها * وبمثل عبد الله أغشى المحرما (1) ويقال إن المستوغر هذا عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة، وكان أطول مضر كلها عمرا، وهو الذى يقول: ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من عدد السنين مئينا مائة حدتها بعدها مائتان لى * وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقى إلا كما قد فاتنا * يوم يمر وليلة تحدونا قال ابن هشام: وتروى هذه الابيات لزهير بن جناب بن هبل (2). قال السهيلي: ومن المعمرين الذين جازوا المائتين والثلاثمائة: زهير هذا، وعبيد إبن شرية، ودغفل بن حنظلة النسابة، والربيع بن ضبع الفزارى، وذو الاصبع العدواني، ونصر بن دهمان بن أشجع بن ريث بن غطفان، وكان قد اسود شعره بعد ابيضاضه وتقوم ظهره بعد اعوجاجه. قال (3): وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني (4) وائل وإياد بسنداد، وله يقول أعشى بنى قيس بن ثعلبة: بين (5) الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذى الشرفات من سنداد (6) وأول هذه القصيدة: ولقد علمت وإن تطاول بى المدى * أن السبيل سبيل ذى الاعواد ماذا أؤمل بعد آل محرق * تركوا منازلهم، وبعد إياد نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجئ من أطواد أرض الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذى الكعبات من سنداد


(1) لم يرد هذا البيت في ابن هشام. (2) ابن هشام: بن جناب الكلبى. (3) أي ابن اسحق (4) المطبوعة: ابن. وهو خطأ. (5) ابن هشام: أهل الخورنق. (6) السنداد: منازل لاياد أسفل سواد الكوفة، وراء نجران الكوفة. (*)

[ 73 ]

جرت الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد وأرى النعيم وكل ما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد قال السهيلي: الخورنق: قصر بناه النعمان الاكبر لسابور ليكون ولده فيه عنده، وبناه رجل يقال له سنمار في عشرين سنة، ولم ير بناء أعجب منه، فخشى أن يبنى لغيره مثله، فألقاه من أعلاه فقتله، ففى ذلك يقول الشاعر: جزاني، جزاه الله شر جزائه * جزاء سنمار وما كان ذا ذنب سوى رضفه البنيان عشرين حجة * يعد عليه بالقرامد والسكب (1) فلما انتهى البنيان يوما تمامه * وآض كمثل الطود والباذخ الصعب رمى بسنمار على حق رأسه * وذاك لعمر الله من أقبح الخطب قال السهيلي: أنشده الجاحظ في كتاب الحيوان. والسنمار من أسماء القمر. والمقصود أن هذه البيوت كلها هدمت لما جاء الاسلام، جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل بيت من هذه سرايا تخربه، وإلى تلك الاصنام من كسرها، حتى لم لم يبق للكعبة ما يضاهيها، وعبد الله وحده لا شريك له. كما سيأتي بيانه وتفصيله في مواضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.


(1) القرامد: حجارة لها خروق تنضج ويبنى بها، والآجر، وما طلى به كالزعفران والجص. والسكب: النحاس أو الرصاص. (*)

[ 74 ]

خبر عدنان جد عرب الحجاز، وهو الذى ينتهى إليه نسب النبي صلى الله عليه وسلم لا خلاف أن عدنان من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام. واختلفوا في عدة الآباء بينه وبين إسماعيل على أقوال كثيرة. فأكثر ما قبل أربعون أبا، وهو الموجود عند أهل الكتاب، أخذوه من كتاب رخيا كاتب أرميا بن حلقيا. على ما سنذكره. وقيل بينهما ثلاثون. وقيل عشرون. وقيل خمسة عشر. وقيل عشرة. وقيل تسعة. وقيل سبعة. وقيل إن أقل ما قيل في ذلك أربعة، لما رواه موسى بن يعقوب، عن عبد الله بن وهب بن زمعة الزمعى، عن عمته، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " معد بن عدنان ابن أدد بن زند بن اليرى بن أعراق الثرى ". قالت أم سلمة: فزند هو الهميسع. واليرى هو نابت، وأعراق الثرى هو إسماعيل. لانه ابن إبراهيم، وإبراهيم لم تأكله النار كما أن النار لا تأكل الثرى. قال الدارقطني: لا نعرف زندا إلا في هذا الحديث، وزند بن الجون، وهو أبو دلامة الشاعر. قال الحافظ أبو القاسم السهيلي وغيره من الائمة: مدة ما بين عدنان إلى زمن إسماعيل أكثر من أن يكون بينهما أربعة آباء أو عشرة أو عشرون، وذلك أن معد ابن عدنان كان عمره زمن بختنصر اثنتى عشرة سنة. وقد ذكر أبو جعفر الطبري وغيره أن الله تعالى أوحى في ذلك الزمان إلى أرمياء بن

[ 75 ]

حلقيا أن اذهب إلى بختنصر فأعلمه أنى قد سلطته على العرب. وأمر الله أرمياء أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كى لا تصيبه النقمة فيهم، فإنى مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل. ففعل أرمياء ذلك واحتمل معدا على البراق إلى أرض الشام، فنشأ مع بنى إسرائيل ممن بقى منهم بعد خراب بيت المقدس، وتزوج هناك امرأة اسمها معانة بنت جوشن من بنى دب بن جرهم، قبل أن يرجع إلى بلاده، ثم عاد بعد أن هدأت الفتن وتمحضت جزيرة العرب، وكان رخيا كاتب أرمياء قد كتب نسبه في كتاب عنده ليكون في خزانة أرمياء فيحفظ نسب معد كذلك. والله أعلم. ولهذا كره مالك رحمة الله رفع النسب إلى ما بعد عدنان. قال السهيلي: وإنما تكلمنا في رفع هذه الانساب على مذهب من يرى ذلك ولم يكرهه، كابن إسحاق والبخاري، والزبير بن بكار، والطبري، وغيرهم من العلماء. وأما مالك رحمه الله فقد سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك، وقال له: من أين له علم ذلك ؟ ! فقيل له: فإلى إسماعيل ؟ فأنكر ذلك أيضا، وقال: ومن يخبره به ! وكره أيضا أن يرفع في نسب الانبياء، مثل أن يقال: إبراهيم بن فلان بن فلان. هكذا ذكره المعيطى في كتابه. قال: وقول مالك هذا نحو ما روى عن عروة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل. وعن ابن عباس أنه قال: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. وروى عن ابن عباس أيضا أنه كان إذا بلغ عدنان يقول: كذب النسابون. مرتين أو ثلاثا. والاصح عن ابن مسعود مثله.

[ 76 ]

وقال عمر بن الخطاب: إنما ننسب إلى عدنان. وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه: " الانباه في معرفة قبائل الرواة ": روى ابن لهيعة عن أبى الاسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا ما وراء قحطان إلا تخرصا. وقال أبو الأسود: سمعت أبا بكر سليمان بن أبى خيثمة، وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم، يقول: ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم. قال أبو عمر: وكان قوم من السلف منهم عبد الله بن مسعود وعمرو بن ميمون الازدي ومحمد بن كعب القرظى إذا تلوا (والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) (1) قالوا: كذب النسابون. قال أبو عمر رحمه الله: والمعنى عندنا في هذا غير ما ذهبوا، والمراد أن من ادعى إحصاء بنى آدم فإنهم لا يعلمهم إلا الله الذى خلقهم، وأما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك. قال أبو عمر: والذى عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا: عدنان بن أدد، ابن مقوم، بن ناحور بن تيرح، بن يعرب، بن يشجب، بن نابت، بن إسماعيل، ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام. وهكذا ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة. قال ابن هشام: ويقال عدنان بن أد. يعنى عدنان بن أد، بن أدد. ثم ساق أبو عمر بقية النسب إلى آدم.


(1) سورة إبراهيم 9 (*)

[ 77 ]

وأما الانساب إلى عدنان من سائر قبائل العرب فمحفوظة شهيرة جدا، لا يتمارى فيها اثنان. والنسب النبوى إليه أظهر وأوضح من فلق الصبح، وقد ورد حديث مرفوع بالنص عليه، كما سنورده في موضعه بعد الكلام على قبائل العرب وذكر أنسابها وانتظامها في سلك النسب الشريف والاصل المنيف. إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وما أحسن ما نظم النسب النبوى الامام أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ في قصيدته المشهورة المنسوبة إليه وهى قوله: مدحت رسول الله أبغى بمدحه * وفور حظوظي من كريم المآرب مدحت امرأ فاق المديح موحدا * بأوصافه عن مبعد ومقارب نبيا تسامى في المشارق نوره * فلاحت هواديه لاهل المغارب أتتنا به الانباء قبل مجيئه * وشاعت به الاخبار في كل جانب وأصبحت الكهان تهتف باسمه * وتنفى به رجم الظنون الكواذب وأنطقت الاصنام نطقا تبرأت * إلى الله فيه من مقال الاكاذب وقالت لاهل الكفر قولا مبينا: * أتاكم نبى من لؤى بن غالب ورام استراق السمع جن فزيلت * مقاعدهم منها رجوم الكواكب هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له * لطول العمى من واضحات المذاهب وجاء بآيات تبين أنها * دلائل جبار مثيب معاقب فمنها انشقاق البدر حين تعممت * شعوب الضيا منه رءوس الاخاشب ومنها نبوع الماء بين بنانه * وقد عدم الوراد قرب المشارب

[ 78 ]

فروى به جما غفيرا وأسهلت * بأعناقه طوعا أكف المذانب وبئر طغت بالماء من مس سهمه * ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب وضرع مراه فاستدر ولم يكن * به درة تصغي إلى كف حالب ونطق فصيح من ذراع مبينة * لكيد عدو للعداوة ناصب وإخباره بالامر من قبل كونه * وعند بواديه بما في العواقب ومن تلكم الآيات وحى أتى به * قريب المآتى مستجم العجائب تقاصرت الافكار عنه فلم يطع * بليغا ولم يخطر على قلب خاطب حوى كل علم واحتوى كل حكمة * وفات مرام المستمر الموارب أتانا به لا عن روية مرتئ * ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب يواتيه طورا في إجابة سائل * وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب وإتيان برهان وفرض شرائع * وقص أحاديث ونص مآرب وتصريف أمثال وتثبيت حجة * وتعريف ذى جحد وتوقيف كاذب وفى مجمع النادى وفى حومة الوغى * وعند حدوث المعضلات الغرائب فيأتى على ما شئت من طرقاته * قويم المعاني مستدر الضرائب يصدق منه البعض بعضا كأنما * يلاحظ معناه بعين المراقب وعجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما * وصفناه معلوم بطول التجارب تأبى بعبد الله أكرم والد * تبلج منه عن كريم المناسب وشيبة ذى الحمد الذى فخرت به * قريش على أهل العلا والمناصب ومن كان يستسقى الغمام بوجهه * ويصدر عن آرائه في النوائب وهاشم البانى مشيد افتخاره * بغر المساعى وامتنان المواهب وعبد مناف وهو علم قومه اش‍ * تطاط الامانى واحتكام الرغائب

[ 79 ]

وإن قصيا من كريم غراسه * لفى منهل لم يدن من كف قاضب (1) به جمع الله القبائل بعدما * تقسمها نهب الاكف السوالب وحل كلاب من ذرى المجد معقلا * تقاصر عنه كل دان وغائب ومرة لم يحلل مريرة عزمه * سفاه سفيه أو محوبة حائب (2) وكعب علا عن طالب المجد كعبه * فنال بأدنى السعي أعلا المراتب وألوى لؤى بالعداة فطوعت * له همم الشم الانوف الاغالب وفى غالب بأس أبى البأس دونهم * يدافع عنهم كل قرن مغالب وكانت لفهر في قريش خطابة * يعوذ بها عند اشتجار المخاطب وما زال منهم مالك خير مالك * وأكرم مصحوب وأكرم صاحب وللنضر طول يقصر الطرف دونه * بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب لعمري لقد أبدى كنانة قبله * محاسن تأبى أن تطوع لغالب ومن قبله أبقى خزيمة حمده * تليد تراث عن حميد الاقارب ومدركة لم يدرك الناس مثله * أعف وأعلى عن دنى المكاسب وإلياس كان اليأس منه مقارنا * لاعدائه قبل اعتداد الكتائب وفى مضر يستجمع الفخر كله * إذا اعتركت يوما زحوف المقانب (3) وحل نزار من رياسة أهله * محلا تسامى عن عيون الرواقب وكان معد عدة لوليه * إذا خاف من كيد العدو المحارب وما زال عدنان إذا عد فضله * توحد فيه عن قرين وصاحب وأد تأدى الفضل منه بغاية * وإرث حواه عن قروم أشايب


(1) القاضب: الغارس. (2) الحائب: الآثم. (3) المقانب: جمع المقناب، الطائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى أربعين. (*)

[ 80 ]

وفى أدد حلم تزين بالحجا * إذا الحلم أزهاه قطوب الحواجب وما زال يستعلى هميسع بالعلا * ويتبع آمال البعيد المراغب ونبت بنته دوحة العز وابتنى * معاقله في مشمخر الاهاضب وحيزت لقيذار سماحة حاتم * وحكمة لقمان وهمة حاجب هم نسل إسماعيل صادق وعده * فما بعده في الفخر مسعى لذاهب وكان خليل الله أكرم من عنت * له الارض من ماش عليها وراكب وتارح ما زالت له أريحية * تبين منه عن حميد المضارب وناحور نحار العدى حفظت له * مآثر لما يحصها عد حاسب وأشرع في الهيجاء ضيغم غابة * يقد الطلا (1) بالمرهفات القواضب وأرغو ناب في الحروب محكم * ضنين على نفس المشح المغالب وما فالغ في فضله تلو قومه * ولا عابر من دونهم في المراتب وشالخ وارفخشذ وسام سمت بهم * سجايا حمتهم كل زار وعائب وما زال نوح عند ذى العرش فاضلا * يعدده في المصطفين الاطايب ولمك أبوه كان في الروع رائعا * جريئا على نفس الكمى المضارب ومن قبل لمك لم يزل متوشلخ * يذود العدى بالذائدات الشوازب (2) وكانت لادريس النبي منازل * من الله لم تقرن بهمة راغب ويارد بحر عند آل سراته * أبى الخزايا مستدق المآرب وكانت لمهلاييل فهم فضائل * مهذبة من فاحشات المثالب وقينان من قبل اقتنى مجد قومه * وفاد بشأو الفضل وخد الركائب وكان أنوش ناش للمجد نفسه * ونزهها عن مرديات المطالب


(1) الطلا: الشخص. (2) الشوازب: الخشنة. (*)

[ 81 ]

وما زال شيث بالفضائل فاضلا * شريفا بريئا من ذميم المعائب وكلهم من نور آدم أقبسوا * وعن عوده أجنوا ثمار المناقب وكان رسول الله أكرم منجب * جرى في ظهور الطيبين المناجب مقابلة آباؤه أمهاته * مبرأة من فاضحات المثالب عليه سلام الله في كل شارق * ألاح لنا ضوءا وفى كل غارب هكذا أورد القصيدة الشيخ أبو عمر بن عبد البر وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى في تهذيبه، من شعر الاستاذ أبى العباس عبد الله بن محمد الناشئ المعروف بابن شرشير. أصله من الانبار ورد بغداد ثم ارتحل إلى مصر، فأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وكان متكلما معتزليا، يحكى عنه الشيخ أبو الحسن الاشعري في كتابه " المقالات " فيما يحكى عن المعتزلة. وكان شاعرا مطبقا حتى أن من جملة اقتداره على الشعر كان يعاكس الشعراء في المعاني، فينظم في مخالفتهم ويبتكر مالا يطيقونه من المعاني البديعة والالفاظ البليغة، حتى نسبه بعضهم إلى التهوس والاختلاط. وذكر الخطيب البغدادي أن له قصيدة على قافية واحدة قريبا من أربعة آلاف بيت ذكرها الناجم، وأرخ وفاته كما ذكرنا. قلت: وهذه القصيدة تدل على فضيلته وبراعته وفصاحته وبلاغته وعلمه وفهمه وحفظه وحسن لفظه وإطلاعه واضطلاعه، واقتداره على نظم هذا النسب الشريف في سلك شعره وغوصه على هذه المعاني التى هي جواهر نفيسة من قاموس بحره. فرحمه الله وأثابه وأحسن مصيره وإيابه.

[ 82 ]

ذكر أصول أنساب قبائل عرب الحجاز إلى عدنان وذلك لان عدنان ولد له ولدان معد وعك. قال السهيلي: ولعدنان أيضا ابن اسمه الحارث، وآخر يقال له المذهب. قال: وقد ذكر أيضا في بنيه الضحاك. وقيل إن الضحاك ابن لمعد لا ابن عدنان. قال: وقيل إن عدن الذى تعرف به مدينة عدن، وكذلك أبين، كانا ابنين لعدنان. حكاه الطبري. فتزوج عك في الاشعريين وسكن في بلادهم من اليمن، فصارت لغتهم واحدة، فزعم بعض أهل اليمن أنهم منهم، فيقولون: عك بن عدنان بن عبد الله بن الازد بن يغوث. ويقال: عك بن عدنان بن الذيب بن عبد الله بن الاسد. ويقال: الريث بدل الذيب. والصحيح ما ذكرنا من أنهم من عدنان. قال عباس بن مرداس: وعك بن عدنان الذين تلعبوا * بغسان حتى طردوا كل مطرد وأما معد فولد له أربعة: نزار وقضاعة وقنص وإياد. وكان قضاعة بكره وبه كان يكنى. وقد قدمنا الخلاف في قضاعة، ولكن هذا هو الصحيح عند ابن إسحاق وغيره. والله أعلم. وأما قنص: فيقال إنهم هلكوا ولم يبق لهم بقية، إلا أن النعمان بن المنذر الذى كان نائبا لكسرى على الحيرة كان من سلالته، على قول طائفة من السلف. وقيل: بل كان من حمير، كما تقدم. والله أعلم. وأما نزار فولد له ربيعة ومضر وأنمار. قال ابن هشام: وإياد بن نزار، كما قال الشاعر:

[ 83 ]

وفتو (1) حسن أوجهم * من إياد بن نزار بن معد قال: وإياد ومضر شقيقان، أمهما سودة بنت عك بن عدنان. وأم ربيعة وأنمار شقيقة بنت عك بن عدنان. ويقال جمعة بنت عك بن عدنان. قال ابن إسحاق: فأما أنمار فهو والد خثعم وبجيلة (2)، قبيلة جرير ابن عبد الله البجلى. قال: وقد تيامنت فلحقت باليمن. قال ابن هشام: وأهل اليمن يقولون أنمار بن إراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. قلت: والحديث المتقدم في ذكر سبأ يدل على هذا. والله أعلم. قالوا: وكان مضر أول من حدا، وذلك لانه كان حسن الصوت فسقط يوما عن بعيره فوثبت يده، فجعل يقول وايدياه وايدياه فأعنقت الابل لذلك. قال ابن إسحاق: فولد مضر بن نزار رجلين: الياس (3) وعيلان. وولد لالياس مدركة وطابخة وقمعة، وأمهم خندف بنت عمران بن الحاف ابن قضاعة. قال ابن إسحاق: وكان اسم مدركة عامرا، واسم طابخة عمرا، ولكن اصطادا صيدا، فبينا هما يطبخانه إذ نفرت الابل، فذهب عامر في طلبها حتى أدركها، وجلس الآخر يطبخ، فلما راحا على أبيهما ذكرا له ذلك فقال لعامر: أنت مدركة. وقال لعمرو: أنت


(1) فتو: جمع فتى. (2) لا يراعى ابن كثير الحرفية في نقله عن ابن هشام في مواضع كثيرة بل ينقل بالمعنى. فمثلا نص كلام ابن إسحق هنا: فأنمار أبو خثعم وبجيلة. وغالب نقل ابن كثير عن ابن إسحق وابن هشام ليس بالنص. (3) قال ابن دريد: يمكن أن يكون اشتقاق إلياس من قولهم يئس ييئس يأسا ثم أدخلوا على اليأس الالف واللام. ويمكن أن يكون من قولهم رجل أليس من قوم ليس، أي شجاع، وهو غاية ما يوصف به الشجاع، هذا لمن يهمز إلياس. والتفسير الاول أحب إلى. الاشتقاق 30 (*)

[ 84 ]

طابخة. قال: وأما قمعة فيزعم نساب مضر أن خزاعة من ولد عمرو بن لحى بن قمعة بن الياس. قلت: والاظهر أنه منهم لا والدهم وأنهم من حمير كما تقدم. والله أعلم. قال ابن إسحاق: فولد مدركة خزيمة وهذيلا وأمهما امرأة من قضاعة. وولد خزيمة كنانة وأسدا وأسدة والهون. قال: وولد كنانة النضر ومالكا وعبد مناة وملكان وزاد أبو جعفر الطبري في أبناء كنانة على هؤلاء الاربعة: عامرا والحارث والنضير. وغنما وسعدا وعوفا وجرولا والجرال وغزوان. الكلام على قريش نسبا واشتقاقا وفضلا، وهم بنو النضر بن كنانة قال ابن إسحاق: وأم النضر برة بنت مر بن أد بن طابخة [ بن الياس بن مضر ] (1) وسائر بنيه لامرأة أخرى. وخالفه ابن هشام فجعل برة بنت مر أم النضر ومالك وملكان. وأم عبد مناة هالة بنت سويد بن الغطريف من أزد شنوءة. قال ابن هشام: النضر هو قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. قال: ويقال فهر بن مالك هو قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. وهذان القولان قد حكاهما غير واحد من أئمة النسب كالشيخ أبى عمر بن عبد البر والزبير بن بكار ومصعب وغير واحد. قال أبو عبيد وابن عبد البر: والذى عليه الاكثرون أنه النضر بن كنانة، لحديث


(1) عن ابن هشام. (*)

[ 85 ]

الاشعث (1) بن قيس. قلت: وهو الذى نص عليه هشام بن محمد بن السائب الكلبى وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وهو جادة مذهب الشافعي رضى الله عنه. ثم اختار أبو عمر أنه فهر بن مالك، واحتج بأنه ليس أحد اليوم ممن ينتسب إلى قريش إلا وهو يرجع في نسبه إلى فهر بن مالك. ثم حكى اختيار هذا القول عن الزبير ابن بكار ومصعب الزبيري وعلى بن كيسان. قال: وإليهم المرجع في هذا الشأن، وقد قال الزبير بن بكار: وقد أجمع نساب قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرقت من فهر بن مالك. والذى عليه من أدركت من نساب قريش أن ولد فهر بن مالك قرشي، وأن من جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش. ثم نصر هذا القول نصرا عزيزا وتحامى له بأنه ونحوه أعلم بأنساب قومهم وأحفظ لمآثرهم. وقد روى البخاري من حديث كليب بن وائل قال: قلت لربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، يعنى زينب، [ بنت أبى سلمة ] (2)، في حديث ذكره: أخبريني عن النبي صلى الله عليه وسلم أكان من مضر ؟ قالت: فممن كان إلا من مضر من بنى النضر بن كنانة (3). وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة الاصبهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلى، حدثنا الحسن بن صالح، عن أبيه، عن الجشيش الكندى قال: جاء قوم من كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنت منا. وادعوه، فقال: " لا، نحن بنو النضر ابن كنانة لا نقفوا (4) أمنا ولا ننتفى من أبينا ". وقال الامام أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد: حدثنا أبى، حدثنا الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: جاء رجل من كندة يقال له الجشيش إلى النبي صلى الله


(1) المطبوعة: الاسعد. وهو خطأ (2) من البخاري. (3) البخاري 2 / 132. (4) لا تقفوا أمنا: لا نتهمها ولا نقذفها، يقال قفا فلان فلانا إذا قذفه بما ليس فيه، وقيل معناه لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب إلى الامهات. النهاية 2 / 303. (*)

[ 86 ]

عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نزعم أن عبد مناف منا. فأعرض عنه. ثم عاد فقال مثل ذلك ثم أعرض عنه. ثم عاد فقال مثل ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نحن بنو النظر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفى من أبينا ". فقال الاشعث: ألا كنت سكت من المرة الاولى ! فأبطل ذلك قولهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا غريب أيضا من هذا الوجه، والكلبي ضعيف. والله أعلم. وقد قال الامام أحمد: حدثنا بهز وعفان، قالا حدثنا حماد بن سلمة، قال حدثنى عقيل بن أبى طلحة. وقال عفان: عقيل بن طلحة السلمى، عن مسلم بن الهيصم، عن الاشعث بن قيس أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة، قال عفان: لا يرونى أفضلهم. قال فقلت: يا رسول الله إنا نزعم أنكم منا. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفى من أبينا ". قال فقال الاشعث بن قيس: فو الله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. وهكذا رواه ابن ماجة من طرق عن حماد ابن سلمة به. وهذا إسناد جيد قوى، وهو فيصل في هذه المسألة فلا التفات إلى قول من خالفه. والله أعلم. ولله الحمد والمنة. وقد قال جرير بن عطية التميمي يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان: فما الام التى ولدت قريشا * بمقرفة النجار (1) ولا عقيم


(1) المقرفة: التى تأتى بما يشين النسب. (*)

[ 87 ]

وما قرم بأنجب من أبيكم * ولا خال بأكرم من تميم قال ابن هشام: يعنى أم النضر بن كنانة، وهى برة بنت مر أخت تميم بن مر. وأما اشتقاق قريش فقيل من التقرش وهو التجمع بعد التفرق، وذلك في زمن قصى بن كلاب، فإنهم كانوا متفرقين فجمعهم بالحرم، كما سيأتي بيانه. وقد قال حذافة ابن غانم العدوى: أبوكم قصى كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر وقال بعضهم: كان قصى يقال له قريش. قيل: من التجمع، والتقرش التجمع كما قال أبو خلدة اليشكرى: إخوة قرشوا الذنوب علينا * في حديث من دهرنا (1) وقديم وقيل: سميت قريش من التقرش، وهو التكسب والتجارة. حكاه ابن هشام رحمه الله. وقال الجوهرى: القرش: الكسب والجمع، وقد قرش يقرش. قال الفراء: وبه سميت قريش، وهى قبيلة وأبوهم النضر بن كنانة، فكل من كان من ولده فهو قرشي دون ولد كنانة فما فوقه. وقيل: من التفتيش، قال هشام بن الكلبى: كان النضر بن كنانة يسمى قريشا لانه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسدها بماله، والتقريش هو التفتيش، وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم. فسموا بذلك من فعلهم وقرشهم قريشا.


(1) ابن هشام: من عمرنا. (*)

[ 88 ]

وقد قال الحارث بن حلزة في بيان أن التقرش التفتيش: أيها الناطق المقرش عنا * عند عمرو فهل له إبقاء حكى ذلك الزبير بن بكار. وقيل: قريش تصغير قرش وهو دابة في البحر. قال بعض الشعراء: وقريش هي التى تسكن البح‍ * ر بها سميت قريش قريشا قال البيهقى: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو الحسن على بن عيسى المالينى، حدثنا محمد بن الحسن بن الخليل النسوي، أن أبا كريب حدثهم، حدثنا وكيع ابن الجراح، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن أبى ركانة العامري، أن معاوية قال لابن عباس: فلم سميت قريش قريشا ؟ فقال: لدابة تكون في البحر، تكون أعظم دوابه يقال لها القرش، لا تمر بشئ من الغث والسمين إلا أكلته. قال: فأنشدني في ذلك شيئا. فأنشده شعر الجمحى إذ يقول: وقريش هي التى تسكن البح‍ * ر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا * تتركن لذى الجناحين ريشا هكذا في البلاد حى قريش * يأكلون البلاد أكلا كميشا (1) ولهم آخر الزمان نبى * يكثر القتل فيهم والخموشا (2) وقيل سموا بقريش بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة، وكان دليل بنى النضر وصاحب ميرتهم، فكانت العرب تقول: قد جاءت عير قريش. قالوا: وابنه (3) بدر بن قريش هو الذى حفر البئر المنسوبة إليه التى كانت عندها الوقعة العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله أعلم.


(1) الكميش: الشديد. (2) هذا البيت غير صادق وعليه مسحة الوضع، ومن الواضح أن قريشا لم تفقد في قتالها للنبى إلا عددا قليلا، في بدر وأحد والخندق، وفى فتح مكة. فالمظنون أن القافية هي التى حكمت على واضع هذا البيت بأن يهذى بهذا الكلام. (3) المطبوعة: وابن (*)

[ 89 ]

ويقال في النسبة إلى قريش: قرشي وقريشي. قال الجوهرى: وهو القياس. قال الشاعر. لكل قريشي عليه مهابة * سريع إلى داعى الندى والتكرم قال: فإذا أردت بقريش الحى صرفته، وإن أردت القبيلة منعته. قال الشاعر في ترك الصرف: * وكفى قريش المعضلات وسادها * وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبى عمر والاوزاعي قال: حدثنى شداد أبو عمار، حدثنى واثلة بن الاسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفانى من بنى هاشم ". قال أبو عمر بن عبد البر: يقال: بنو عبد المطلب فصيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنو هاشم فخذه، وبنو عبد مناف بطنه، وقريش عمارته، وبنو كنانة قبيلته، ومضر شعبه، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. ثم قال ابن إسحاق: فولد النضر بن كنانة مالكا ويخلدا. قال ابن هشام: والصلت. وأمهم جميعا بنت سعد بن الظرب العدواني. قال كثير بن عبد الرحمن، وهو كثير عزة أحد بنى مليح بن عمرو من خزاعة: أليس أبى بالصلت أم ليس إخوتى * لكل هجان من بنى النضر أزهرا رأيت ثياب العصب مختلط السدى * بنا وبهم والحضرمى المخصرا

[ 90 ]

فإن لم تكونوا من بنى النضر فاتركوا * أراكا بأذناب الفوائج (1) أخضرا قال ابن هشام: وبنو مليح بن عمرو يعزون إلى الصلت بن النضر. قال ابن إسحاق: فولد مالك بن النضر فهر بن مالك. وأمه جندلة بنت الحارث ابن مضاض الاصغر. وولد فهر غالبا ومحاربا والحارث وأسدا. وأمهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة. قال ابن هشام: وأختهم لابيهم جندلة بنت فهر. قال ابن إسحاق: فولد غالب بن فهر لؤى بن غالب، وتيم بن غالب، وهم الذين يقال لهم بنو الادرم. وأمهما سلمى بنت عمرو الخزاعى. قال ابن هشام: وقيس بن غالب وأمه سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعى، وهى أم لؤى [ وتيم ابن غالب (2) ] قال ابن إسحاق: فولد لؤى بن غالب أربعة نفر: كعبا وعامرا وسامة و ؟ وفا. قال ابن هشام: ويقال والحارث. وهم جشم بن الحارث في هزان من ربيعة. وسعد بن لؤى وهم بنانة في شيبان بن ثعلبة. وبنانة حاضنة لهم. وخزيمة بن لؤى وهم عائذة في شيبان بن ثعلبة. ثم ذكر ابن إسحاق خبر سامة بن لؤى، وأنه خرج إلى عمان فكان بها، وذلك لشنآن كان بينه وبين أخيه عامر، فأخافه عامر، فخرج عنه هاربا إلى عمان، وأنه مات بها غريبا، وذلك أنه كان يرعى ناقته فعلقت حية بمشفرها فوقعت لشقها،


(1) الفوائج: متسع ما بين كلا مرتفعين من غلظ أو رمل واحدتها فائجة. (2) عن ابن هشام. (*)

[ 91 ]

ثم نهشت الحية سامة حتى قتلته، فيقال إنه كتب بإصبعه على الارض: عين فابكى لسامة بن لؤى * علقت ما بسامة (1) العلاقه لا أرى مثل سامة بن لؤى * يوم حلوا به قتيلا لناقه بلغا عامرا وكعبا رسولا * أن نفسي إليهما مشتاقه إن تكن في عمان دارى فإنى * غالبى خرجت من غير فاقه (2) رب كأس هرقت يا ابن لؤى * حذر الموت لم تكن مهراقه رمت دفع الحتوف يا بن لؤى * ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه وخروس السرى (3) تركت رزيا * بعد جد وحدة ورشاقه قال ابن هشام: وبلغني أن بعض ولده أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فانتسب إلى سامة بن لؤى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشاعر " ؟ فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله: رب كأس هرقت يا بن لؤى * حذر الموت لم تكن مهراقه فقال أجل. وذكر السهيلي عن بعضهم أنه لم يعقب. وقال الزبير: ولد سامة بن لؤى غالبا والنبيت والحارث. قالوا: وكانت له ذرية بالعراق يبغضون عليا، ومنهم على بن الجعد، كان يشتم أباه لكونه سماه عليا. ومن بنى سامة بن لؤى محمد بن عرعرة ابن اليزيد شيخ البخاري. قال ابن إسحاق: وأما عوف بن لؤى فإنه خرج، فيما يزعمون، في ركب من قريش، حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أبطئ به فانطلق


(1) في الاغانى: علقت ساق سامة العلاقة. (2) ابن هشام من غير ناقة. وما هنا أوضح. (3) خروس السرى صامة صابرة. (*)

[ 92 ]

من كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد وهو أخوه في نسب بنى ذبيان فحبسه وزوجه والتاطه (1) وآخاه، فشاع نسبه في ذبيان. وثعلبة فيما يزعمون [ الذى يقول لعوف حين أبطئ به فتركه قومه: احبس على ابن لؤى جملك * تركك القوم ولا مترك لك ] (2) قال ابن اسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين، أن عمر بن الخطاب قال لو كنت مدعيا حيا من العرب أو ملحقهم بنا لادعيت بنى مرة بن عوف، إنا لنعرف منهم (3) الاشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع. يعنى عوف بن لؤى. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم أن عمر بن الخطاب قال لرجال [ منهم (4) ] من بنى مرة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه. قال ابن إسحاق: وكان القوم أشرافا في غطفان، هم سادتهم وقادتهم، قوم لهم صيت في غطفان وقيس كلها، فأقاموا على نسبهم. قال وكانوا يقولون إذا ذكر لهم نسبهم: ما ننكره وما نجحده، وإنه لاحب النسب إلينا، ثم ذكر أشعارهم في انتمائهم إلى لؤى. قال ابن إسحاق: وفيهم كان البسل، وهو تحريم ثمانية أشهر لهم من كل سنة من بين العرب، وكانت العرب تعرف لهم ذلك ويأمنونهم فيها ويؤمنونهم أيضا. قلت: وكانت ربيعة ومضر إنما يحرمون أربعة أشهر من السنة، وهى ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، واختلفت ربيعة ومضر في الرابع وهو رجب، فقالت: مضر: هو


(1) التاطه: ألصقه به. (2) سقطت من المطبوعة. (3) ابن هشام: فيهم. (4) ليست في ابن هشام (*)

[ 93 ]

الذى بين جمادى وشعبان. وقالت ربيعة: هو الذى بين شعبان وشوال. وقد ثبت في الصحيحين عن أبى بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان " فنص على ترجيح قول مضر لا بيعة. وقد قال الله عزوجل " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم " (1) فهذا رد على بنى عوف بن لؤى في جعلهم الاشهر الحرم ثمانية، فزادوا على حكم الله وأدخلوا فيه ما ليس منه. وقوله في الحديث: " ثلاث متواليات " رد على أهل النسئ الذين كانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر. وقوله فيه: " ورجب مضر " رد على ربيعة. قال ابن إسحاق: فولد كعب بن لؤى ثلاثة، مرة، وعديا، وهصيصا. وولد مرة، ثلاثة أيضا: كلاب بن مرة، وتيم بن مرة، ويقظة بن مرة، من أمهات ثلاث. قال: وولد كلاب رجلين: قصى بن كلاب وزهرة بن كلاب، وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل أحد الجدرة من جعثمة الاسد من اليمن حلفاء بنى الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وفى أبيها يقول الشاعر: ما نرى في الناس شخصا واحدا * من علمناه كسعد بن سيل


(1) سورة التوبة 36 (*)

[ 94 ]

فارسا أضبط فيه عسرة (1) * وإذا ما واقف القرن نزل فارسا يستدرج الخيل كما اس‍ * تدرج الحر القطامى الحجل (2) قال السهيلي: سيل اسمه خير بن جمالة وهو أول من طليت له السيوف بالذهب والفضة. قال ابن إسحاق: وإنما سموا الجدرة لان عامر بن عمرو بن خزيمة بن جعثمة تزوج بنت الحارث بن مضاض الجرهمى، وكانت جرهم إذ ذاك ولاة البيت، فبنى للكعبة جدارا، فسمى عامر بذلك الجادر فقيل لولده الجدرة لذلك. خبر قصى بن كلاب، وما كان من أمره في ارتجاعه ولاية البيت إلى قريش، وانتزاعه ذلك من خزاعة، واجتماع قريش إلى الحرم الذى جعله الله أمنا للعباد، بعد تفرقها في البلاد وتمزقها في الجبال والمهاد وذلك أنه لما مات أبوه كلاب تزوج أمه ربيعة بن حرام من عذرة، وخرج بها وبه إلى بلاده، ثم قدم قصى مكة وهو شاب، فتزوج حبى ابنة رئيس خزاعة حليل ابن حبشية. فأما خزاعة فتزعم أن حليلا أوصى إلى قصى بولاية البيت لما رأى من كثرة نسله من ابنته، وقال أنت أحق بذلك منى. قال ابن إسحاق: ولم نسمع ذلك إلا منهم، وأما غيرهم فإنهم يزعمون أنه استغاث بإخوته من أمه وكان رئيسهم رزاح بن ربيعة وإخوته، وبنى كنانة وقضاعة ومن حول مكة من قريش وغيرهم، فأجلاهم عن البيت واستقل هو بولاية البيت.


(1) الاضبط: الاعسر اليسر الذى يعمل بكلتا يديه. (2) الحر القطامى: الصقر. والحجل جمع حجلة وهى القبجة. (*)

[ 95 ]

لان إجازة الحجيج كانت إلى صوفة، وهم بنو الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر، فكان الناس لا يرمون الجمار حتى يرموا، ولا ينفرون من منى حتى ينفروا، فلم يزل كذلك فيهم حتى انقرضوا. فورثهم ذلك بالقعدد (1) بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، فكان أولهم صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وكان ذلك في بيته حتى قام على آخرهم الاسلام، وهو كرب بن صفوان. وكانت الاجازة من المزدلفة في عدوان، حتى قام الاسلام على آخرهم وهو أبو سيارة عميلة بن الاعزل، وقيل اسمه العاص واسم الاعزل خالد، وكان يجيز بالناس على أتان له عوراء، مكث يدفع عليها في الموقف أربعين سنة، وهو أول من جعل الدية مائة، وأول من كان يقول: أشرق ثبير كيما نغير. حكاه السهيلي. وكان عامر بن الظرب العدواني لا يكون بين العرب نائرة إلا تحاكموا إليه فيرضون بما يقضى به. فتحاكموا إليه مرة في ميرات خنثى، فبات ليلته ساهرا يتروى ماذا يحكم به، فرأته جارية له كانت ترعى عليه غنمه اسمها سخيلة، فقالت له: مالك لا أبالك الليلة ساهرا ؟ فذكر لها ما هو مفكر فيه، وقال لعلها يكون عندها في ذلك شئ فقالت: أتبع القضاء المبال. فقال: فرجتها والله يا سخيلة. وحكم بذلك. قال السهيلي: وهذا الحكم من باب الاستدلال بالامارات والعلامات، وله أصل في الشرع، قال الله تعالى: (وجاءوا على قميصه بدم كذب (2)) حيث لا أثر لانياب الذئب فيه، وقال تعالى: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (3)) وفي الحديث: " أنظروها، فإن جاءت به أورق جعدا جماليا فهو للذى رميت به ".


(1) القعدد: قرب النسب. (2) سورة يوسف 18. (3) سورة يوسف 26، 27 (*)

[ 96 ]

قال ابن إسحاق: وكان النسئ في بنى فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. قال ابن إسحاق: وكان أول من نسأ الشهور على العرب القلمس، وهو حذيفة ابن عبد بن فقيم ابن عدى، ثم قام بعده ابنه عباد ثم قلع بن عباد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم كان آخرهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن قلع بن عباد بن حذيفة، وهو القلمس، فعلى أبو ثمامة قام الاسلام. وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فخطبهم فحرم الاشهر الحرم فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم وجعل مكانه صفرا، ليواطئوا عدة ما حرم الله فيقول: اللهم إنى أحللت أحد الصفرين الصفر الاول وأنسأت الآخر للعام المقبل. فتتبعه العرب في ذلك، ففى ذلك يقول عمير بن قيس أحد بنى فراس بن غنم بن مالك ابن كنانة ويعرف عمير بن قيس هذا بجذل الطعان: لقد علمت معد أن قومي * كرام الناس إن لهم كراما فأى الناس فاتونا بوتر * وأى الناس لم نعلك لجاما ألسنا الناسئين على معد * شهور الحل نجعلها حراما ؟ وكان قصى في قومه سيدا رئيسا مطاعا معظما، والمقصود أنه جمع قريشا من متفرقات مواضعهم من جزيرة العرب، واستعان بمن أطاعه من أحياء العرب على حرب خزاعة وإجلائهم عن البيت وتسليمه إلى قصى، فكان بينهم قتال كثير ودماء غزيرة، ثم تداعوا إلى التحكيم، فتحاكموا إلى يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فحكم بأن قصيا أولى بالبيت من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصى من خزاعة وبنى بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابته خزاعة

[ 97 ]

وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصى وبين مكة والكعبة. فسمى يعمر يومئذ الشداخ. قال ابن إسحاق: فولى قصى البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، إلا أنه أقر العرب على ما كانوا عليه لانه يرى ذلك دينا في نفسه لا ينبغى تغييره، فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الاسلام فهدم الله به ذلك كله. قال: فكان قصى أول بنى كعب أصاب ملكا أطاع له به قومه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة رباعا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة. قلت: فرجع الحق إلى نصابه، ورد شارد العدل بعد إيابه، واستقرت بقريش الدار، وقضت من خزاعة المراد والاوطار، وتسلمت بيتهم العتيق القديم، لكن بما أحدثت خزاعة من عبادة الاوثان ونصبها إياها حول الكعبة، ونحرهم لها وتضرعهم عندها، واستنصارهم بها وطلبهم الرزق منها. وأنزل قصى قبائل قريش أباطح مكة، وأنزل طائفة منهم ظواهرها، فكان يقال قريش البطاح، وقريش الظواهر. فكانت لقصى بن كلاب جميع الرئاسة، من حجابة البيت وسدانته واللواء، وبنى دارا لازاحة الظلمات وفصل الخصومات سماها دار الندوة، إذا أعضلت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة فاشتوروا فيها وفصلوها، ولا يعقد عقد لواء ولا عقد نكاح إلا بها، ولا تبلغ جارية أن تدرع فتدرع إلا بها.

[ 98 ]

وكان باب هذه الدار إلى المسجد الحرام، ثم صارت هذه الدار فيما بعد إلى حكيم بن حزام بعد بنى عبد الدار، فباعها في زمن معاوية بمائة ألف درهم، فلامه على بيعها معاوية وقال: بعت شرف قومك بمائة ألف. فقال: إنما الشرف اليوم بالتقوى، والله لقد ابتعتها في الجاهلية بزق خمر، وها أنا قد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أن ثمنها صدقة في سبيل الله، فأينا المغبون !. ذكره الدارقطني في أسماء رجال الموطأ. وكانت إليه سقاية الحجيج، فلا يشربون إلا من ماء حياضه، وكانت زمزم إذ ذاك مطموسة من زمن جرهم قد تناسوا أمرها من تقادم عهدها ولا يهتدون إلى موضعها. قال الواقدي: وكان قصى أول من أحدث وقيد النار بالمزدلفة ليهتدى إليها من يأتي من عرفات. والرفادة وهى إطعام الحجيج أيام الموسم إلى أن يخرجوا راجعين إلى بلادهم. قال ابن إسحاق: وذلك أن قصيا فرضه عليهم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنكم جيران الله، وأهل مكة وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق بالضيافة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم. ففعلوا، فكانوا يخرجون لذلك في كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية حتى قام الاسلام، ثم جرى في الاسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذى يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضى الحج. قلت: ثم انقطع هذا بعد ابن إسحاق. ثم أمر بإخراج طائفة من بيت المال فيصرف في حمل زاد وماء لابناء السبيل القاصدين إلى الحج، وهذا صنيع حسن من وجوه يطول ذكرها، ولكن الواجب أن يكون ذلك من خالص بيت المال من أحل ما فيه، والاولى أن يكون من جوالى الذمة لانهم لا يحجون البيت العتيق، وقد جاء في الحديث:

[ 99 ]

" من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا ". وقال قائلهم في مدح قصى وشرفه في قومه: قصى لعمري كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر هم ملاوا البطحاء مجدا وسؤددا * وهم طردوا عنا غواة بنى بكر قال ابن إسحاق: ولما فرغ قصى من حربه انصرف أخوه رزاح بين ربيعة إلى بلاده بمن معه وإخوته من أبيه الثلاثة، وهم حن ومحمود وجلهمة. وقال رزاح في إجابته قصيا: ولما أتى من قصى رسول * فقال الرسول أجيبوا الخليلا نهضنا إليه نقود الجياد * ونطرح عنا الملول الثقيلا نسير بها الليل حتى الصباح * ونكمى (1) النهار لئلا نزولا فهن سراع كورد القطا * يجبن بنا من قصى رسولا جمعنا من السر من أشذين (2) * ومن كل حى ؟ ا قبيلا فيا لك حلبة ما ليلة * تزيد على الالف سيبا رسيلا (3) فلما مررن على عسجر * وأسهلن من مستناخ سبيلا وجاوزن بالركن من ورقان * وجاوزن بالعرج حيا حلولا مررن على الحلى (4) ما ذقنه * وعالجن من مر ليلا طويلا ندنى من العوذ أفلاءها (5) * إرادة أن يسترقن الصهيلا فلما انتهينا إلى مكة * أبحنا الرجال قبيلا قبيلا نعاورهم ثم حد السيوف * وفى كل أوب خلسنا العقولا


(1) نكمى: نستتر ونختبئ (2) الاشمذان: قبيلتان أو جبلان بين المدينة وخيبر (3) أي عددا كثيرا. (4) الحلى: مدينة باليمن على ساحل البحر، وذكر السهيلي أن الحلى نبت وتروى: الحل وهى بقلة شاكة (5) العوذ: الحديثات النتاج. والافلاء: جمع فلو وهو المهر الفطيم. (*)

[ 100 ]

نخبزهم بصلاب النسو * ر خبز القوى العزيز الذليلا (1) قتلنا خزاعة في دارها * وبكرا قتلنا وجيلا فجيلا نفيناهم من بلاد المليك * كما لا يحلون أرضا سهولا فأصبح سبيهم في الحديد * ومن كل حى شفينا الغليلا قال ابن إسحاق: فلما رجع رزاح إلى بلاده نشره الله ونشر حنا، فهما قبيلا عذرة إلى اليوم. قال ابن إسحاق: وقال قصى بن كلاب في ذلك (2): أنا ابن العاصمين بنى لؤى * بمكة منزلي وبها ربيت إلى البطحاء قد علمت معد * ومروتها رضيت بها رضيت فلست لغالب إن لم تأثل * بها أولاد قيذر والنبيت رزاح ناصرى وبه أسامي * فلست أخاف ضيما ما حييت وقد ذكر الاموى عن الاشرم، عن أبى عبيدة، عن محمد بن حفص، أن رزاحا إنما قدم بعدما نفى قصى خزاعة. والله أعلم. فصل: ثم لما كبر قصى فوض أمر هذه الوظائف التى كانت إليه، من رئاسات قريش وشرفها من الرفادة والسقاية والحجابة واللواء والندوة إلى ابنه عبد الدار، وكان أكبر ولده. وإنما خصه بها كلها لان بقية إخوته عبد مناف وعبد شمس وعبد كانوا قد شرفوا


(1) نخبزهم: نسوقهم سوقا شديدا. وصلاب النسور: الخيل (2) هذا مما كان يصنع من الشعر ويدس في السيرة، وقصى ما كان يعلم نسبته السريانية، وليت ابن اسحق عافانا من هذه الاشعار المهلهلة النسج التى يدرك الذوق أنها مختلقة مصنوعة. (*)

[ 101 ]

في زمن أبيهم وبلغوا في قوتهم شرفا كبيرا، فأحب قصى أن يلحق بهم عبد الدار في السؤدد فخصه بذلك، فكان إخوته لا ينازعونه في ذلك. فلما انقرضوا تشاجر أبناؤهم في ذلك وقالوا إنما خص قصى عبد الدار بذلك ليلحقه بإخوته، فنحن نستحق ما كان آباؤنا يستحقونه. وقال بنو عبد الدار: هذا أمر جعله لنا قصى، فنحن أحق به. واختلفوا اختلافا كثيرا، وانقسمت بطون قريش فرقتين، ففرقة بايعت عبد الدار وحالفتهم، وفرقة بايعت بنى عبد مناف وحالفوهم على ذلك، ووضعوا أيديهم عند الحلف في جفنة فيها طيب، ثم لما قاموا مسحوا أيديهم بأركان الكعبة فسموا حلف المطيبين. وكان منهم من قبائل قريش بنو أسد بن عبد العزى بن قصى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، وكان مع بنى عبد الدار بنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدى. واعتزلت بنو عامر ابن لؤى ومحارب بن فهر الجميع، فلم يكونوا مع واحد منهما. ثم اصطلحوا واتفقوا على أن تكون الرفادة والسقاية لبنى عبد مناف، وأن تستقر الحجابة واللواء والندوة في بنى عبد الدار، فانبرم الامر على ذلك واستمر. وحكى الاموى عن الاشرم، عن أبى عبيدة قال: وزعم قوم من خزاعة أن قصيا لما تزوح حى بنت حليل وثقل حليل عن ولاية البيت جعلها إلى ابنته حبى واستناب عنها أبا غبشان سليم بن عمرو بن لؤى ابن ملكان بن قصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، فاشترى قصى ولاية البيت منه بزق خمر وقعود، فكان يقال: " أخسر من صفقة أبى غبشان ". ولما رأت خزاعة ذلك اشتدوا على قصى، فاستنصر أخاه فقدم بمن معه، وكان ما كان. ثم فوض قصى هذه الجهات التى كانت إليه من السدانة والحجابة واللواء

[ 102 ]

والندوة والرفادة والسقاية إلى ابنه عبد الدار كما سيأتي تفصيله وإيضاحه، وأقر الاجازة من مزدلفة في بنى عدوان، وأقر النسئ في فقيم، وأقر الاجازة وهو النفر في صوفة، كما تقدم بيان ذلك كله مما كان بأيديهم قبل ذلك. قال ابن إسحاق: فولد قصى أربعة نفر وامرأتين: عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى وعبدا، وتخمر، وبرة، وأمهم كلهم حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو الخزاعى، وهو آخر من ولى البيت من خزاعة، ومن يده أخذ البيت قصى بن كلاب. قال ابن هشام (1): فولد عبد مناف بن قصى أربعة نفر: هاشما وعبد شمس والمطلب، وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال. ونوفل بن عبد مناف، وأمه واقدة بنت عمرو المازنية. قال ابن هشام: وولد لعبد مناف أيضا: أبو عمرو وتماضر وقلابة وحية وريطة وأم الاخثم وأم سفيان. قال ابن هشام: وولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة: عبد المطلب، وأسدا، وأبا صيفي ونضلة والشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وحية. فأم عبد المطلب ورقية سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار من المدينة. وذكر أمهات الباقين. قال: وولد عبد المطلب عشرة نفر وست نسوة، وهم: العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، لا عمران (2)، والزبير، والحارث وكان بكر أبيه وبه كان يكنى، وجحل، ومنهم من يقول حجل (2)، وكان يلقب بالغيداق لكثرة خيره (2)،


(1) في ابن هشام: قال ابن إسحق. (2) هذه الجمل تعليقات من ابن كثير أدخلها في كلام ابن إسحق. (*)

[ 103 ]

والمقوم، وضرار، وأبو لهب واسمه عبد العزى، وصفية، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة، وأميمة وأروى، وبرة، وذكر أمهاتهم. إلى أن قال: وأم عبد الله وأبى طالب والزبير وجميع النساء إلا صفية، فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. قال: فولد عبد الله محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم. وأمه آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤى. ثم ذكر أمهاتها فأغرق. إلى أن قال: فهو أشرف ولد آدم حسبا وأفضلهم نسبا، من قبل أبيه وأمه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. وقد تقدم حديث الاوزاعي عن شداد أبى عمار، عن واثلة بن الاسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفانى من بنى هاشم ". رواه مسلم. وسيأتى بيان مولده الكريم وما ورد فيه من الاخبار والآثار، وسنورد عند سرد النسب الشريف فوائد أخر ليست هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.

[ 104 ]

ذكر جمل من الاحداث الواقعة في زمن الجاهلية قد تقدم ما كان من أخذ جرهم ولاية البيت من بنى إسماعيل، طمعوا فيهم لانهم أبناء بناتهم، وما كان من توثب خزاعة على جرهم وانتزاعهم ولاية البيت منهم، ثم ما كان من رجوع ذلك إلى قصى وبنيه واستمرار ذلك في أيديهم إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فأقر تلك الوظائف على ما كانت عليه. باب ذكر جماعة مشهورين كانوا في الجاهلية خبر خالد بن سنان العبسى الذى كان في زمن الفترة وقد زعم بعضهم أنه كان نبيا. والله أعلم قال الحافظ ابو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التسترى، حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور الرازي، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا قيس بن الربيع، عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاءت بنت خالد بن سنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبسط لها ثوبه وقال " بنت نبى ضيعه قومه ". وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يحيى بن المعلى بن منصور، عن محمد بن الصلت، عن قيس، عن سالم، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: ذكر خالد بن سنان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ذاك نبى ضيعه قومه ". ثم قال. ولا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وكان قيس بن الربيع ثقة في نفسه إلا أنه كان ردئ الحفظ، وكان له ابن يدخل في أحاديثه ما ليس منها. والله أعلم.

[ 105 ]

قال البزار: وقد رواه الثوري عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير مرسلا. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا المعلى بن مهدى الموصلي، قال حدثنا أبو عوانة، عن أبى يونس، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلا من عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه: " إنى أطفئ عنكم نار الحرتين " فقال له رجل من قومه: والله يا خالد ما قلت لنا قط إلا حقا، فما شأنك وشأن نار الحرتين تزعم أنك تطفئها ! فخرج خالد ومعه أناس من قومه، فيهم عمارة بن زياد، فأتوها فإذا هي تخرج من شق جبل، فخط لهم خالد خطة فأجلسهم فيها فقال: إن أبطأت عليكم فلا تدعوني باسمى. فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضا، فاستقبلها خالد، فجعل يضربها بعصاه وهو يقول: بدا بدا بدا كل هدى زعم ابن راعية المعزى أنى لا أخرج منها وثيابى بيدى. حتى دخل معها الشق فأبطأ عليهم، فقال لهم عمارة بن زياد: والله إن صاحبكم لو كان حيا لقد خرج إليكم بعد. قالوا فادعوه باسمه. قال: فقالوا: إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه. فدعوه باسمه فخرج وهو آخذ برأسه، فقال ألم أنهكم أن تدعوني باسمى، فقد والله قتلتموني فادفنوني فإذا مرت بكم الحمر فيها حمار أبتر فانبشوني فإنكم تجدونى حيا. فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر فقلنا انبشوه فإنه أمرنا أن ننبشه. فقال لهم عمارة: لا تنبشوه لا والله لا تحدث مضر أنا ننبش موتانا. وقد كان قال لهم خالد: إن في عكن امرأته لوحين، فإن أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما فإنكم ستجدون ما تسألون عنه. قال ولا يمسهما حائض. فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما إليهم وهى حائض فذهب ما كان فيهما من علم (1). قال أبو يونس: قال سماك بن حرب: سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك نبى أضاعه قومه. قال أبو يونس: قال سماك بن حرب: إن ابن خالد بن سنان أتى النبي


(1) هذه أسطورة ضخمة ليس إلى تصديقها سبيل.. (*)

[ 106 ]

صلى الله عليه وسلم فقال: مرحبا بابن أخى. فهذا السياق موقوف على ابن عباس، وليس فيه أنه كان نبيا، والمرسلات التى فيها أنه نبى لا يحتج بها هاهنا. والاشبه أنه كان رجلا صالحا له أحوال وكرامات، فإنه إن كان في زمن الفترة فقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن أولى الناس بعيسى بن مريم أنا، لانه ليس بينى وبينه نبى ". وإن كان قبلها فلا يمكن أن يكون نبيا لان الله تعالى قال: (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) (1). وقد قال غير واحد من العلماء: إن الله تعالى لم يبعث بعد إسماعيل نبيا في العرب، إلا محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء الذى دعا به إبراهيم الخليل، بانى الكعبة المكرمة التى جعلها الله قبلة لاهل الارض شرعا، وبشرت به الانبياء لقومهم حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم عليه السلام. وبهذا المسلك بعينه يرد ما ذكره السهيلي وغيره من إرسال نبى من العرب يقال له شعيب بن ذى مهذم بن شعيب بن صفوان صاحب مدين، وبعث إلى العرب أيضا حنظلة بن صفوان فكذبوهما فسلط الله على العرب بختنصر، فنال منهم من القتل والسبي نحو ما نال من بنى إسرائيل، وذلك في زمن معد بن عدنان. والظاهر أن هؤلاء كانوا قوما صالحين يدعون إلى الخير والله أعلم. وقد تقدم ذكر عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف في أخبار خزاعة بعد جرهم.


(1) سورة السجدة 3. (*)

[ 107 ]

ذكر حاتم الطائى أحد أجواد الجاهلية وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدى بن أحزم بن أبى أحزم، واسمه هرومة بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث، بن طئ أبو سفانة الطاطئ، والد عدى، بن حاتم الصحابي، كان جوادا ممدحا في الجاهلية، وكذلك كان ابنه في الاسلام. وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة وأخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها، ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمعة والذكر. قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا عبيد بن واقد القيسي، حدثنا أبو نصر هو الناجى، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: ذكر: حاتم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ذاك أراد أمرا فأدركه ". حديث غريب. قال الدار قطني تفرد به عبيد بن واقد، عن أبى نصر الناجى، ويقال إن اسمه حماد. قال ابن عساكر: وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين أبى نصر الناجى وبين أبى نصر حماد ولم يسم الناجى، ووقع في بعض روايات الحافظ ابن عساكر: عن أبى نصر شيبة الناجى والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن مرى بن قطرى، عن عدى بن حاتم، قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبى كان يصل الرحم ويفعل ويفعل، فهل له في ذلك ؟ يعنى من أجر قال: " إن أباك طلب شيئا فأصابه " وهكذا رواه أبو يعلى، عن القواريرى، عن غندر، عن شعبة،

[ 108 ]

عن سماك به. وقال: " إن أباك أراد أمرا فأدركه " يعنى الذكر. وهكذا رواه أبو القاسم البغوي، عن على بن الجعد، عن شعبة به سواء. وقد ثبت في الصحيح في الثلاثة الذين تسعر بهم جهنم، منهم الرجل الذى ينفق ليقال إنه كريم، فيكون جزاؤه أن يقال ذلك في الدنيا، وكذا في العالم والمجاهد. وفي الحديث الآخر في الصحيح أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة فقالوا له: كان يقرى الضيف ويعتق ويتصدق، فهل ينفعه ذلك ؟ فقال: " إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين " هذا وقد كان من الاجواد المشهورين أيضا المطعمين في السنين الممحلة والاوقات المرملة. وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنى أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف العماني، حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفى، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا عاصم بن حميد، عن أبى حمزة الثمالى، عن عبد الرحمن بن جندب، عن كميل بن زياد النخعي، قال قال على بن أبى طالب: " يا سبحان الله ! ما أزهد كثيرا من الناس في خير ! عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغى له أن يسارع في مكارم الاخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح. فقام إليه رجل وقال: فداك أبى وأمى يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم ! وما هو خير منه، لما أتى بسبايا طيئ وقعت جارية حمراء لعسا زلفاء عيطاء (1) شماء الانف، معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلجة الساقين (2)، لفاء الفخدين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين.


(1) اللعساء: الجارية في لونها أدنى سواد مشربة من الحمرة. والزلفاء: الملساء والعيطاء: طويلة العنق. (2) الدرماء: التى لا تستبين كعوبها. والخدلجة: الممتلئة (*)

[ 109 ]

قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعلها في فيئى، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلى عنى ولا تشمت بى أحياء العرب، فإنى ابنة سيد قومي، وإن أبى كان يحمى الذمار، ويفك العانى، ويشبع الجائع، ويكسو العارى، ويقرى الضيف، ويطعم الطعام ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، وأنا ابنة حاتم طيئ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الاخلاق، والله تعالى يحب مكارم الاخلاق ". فقام أبو بردة بن نيار (1) فقال يا رسول الله: والله يحب مكارم الاخلاق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذى نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق ". وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنى عمر بن بكر، عن أبى عبد الرحمن الطائى - هو القاسم بن عدى - عن عثمان، عن عركى بن حليس الطائى، عن أبيه، عن جده، وكان أخا عدى بن حاتم لامه قال: قيل للنوار امرأة حاتم: حدثينا عن حاتم. قالت: كل أمره كان عجبا ! أصابتنا سنة حصت (2) كل شئ، فاقشعرت لها الارض واغبرت لها السماء، وضنت المراضع على أولادها، وراحت الابل حدبا حدابير ما تبض بقطرة (3)، و ؟ لقت (4) المال. وإنا لفى ليلة صنبر (5) بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى الا صبية من الجوع،


(1) واسمه هاني بن نيار. الكنى والاسماء للدولابي 17. وفى المطبوعة ينار. وهو خطأ. (2) الحص: حلق الشعر - والمعنى: أهلكت كل شئ (3) الحدب: التى بدت حراقيفها. والحدابير: النوق الضامرة. (4) الشعر والشعراء: جلفت. (5) صنبر: باردة. (*)

[ 110 ]

عبد الله وعدى، وسفانة، فو الله إن وجدنا شيئا نعللهم به، فقام إلى أحد الصبيان فحمله، وقمت إلى الصبية فعللتها، فو الله إن سكتا إلا بعد هدأة من الليل، ثم عدنا إلى الصبى الآخر فعللناه حتى سكت وما كاد. ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فأضجعنا الصبيان عليها، ونمت أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا، ثم أقبل على يعللنى لانام، وعرفت ما يريد فتناومت، فقال مالك أنمت ؟ فسكت فقال: ما أرها إلا قد نامت. وما بى نوم. فلما ادلهم الليل وتهورت النجوم وهدأت الاصوات وسكنت الرجل، إذا جانب البيت قد رفع، فقال من هذا ؟ فولى. حتى قلت إذا قد أسحرنا أو كدنا عاد فقال من هذا ؟ قالت: جارتك فلانة يا أبا عدى، ما وجدت على أحد معولا غيرك، أتيتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع. قال أعجليهم على. قالت النوار: فوثبت فقلت ماذا صنعت ؟ اضطجع والله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم، فكيف بهذه وبولدها ؟ فقال: اسكتي، فو الله لاشبعنك إن شاء الله. قالت: فأقبلت تحمل اثنين وتمشى جنبتيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها (1)، فقام إلى فرسه فوجأ بحربته في لبته، ثم قدح زنده وأورى ناره، ثم جاء بمدية فكشط عن جلده، ثم دفع المدية إلى المرأة ثم قال دونك. ثم قال: ابعثى صبيانك. فبعثهم. ثم قال: سوءة، أتأكلون شيئا دون أهل الصرم ! فجعل يطوف فيهم حتى هبوا وأقبلوا عليه والتفع في ثوبه، ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا، والله ما ذاق مزعة، وإنه لاحوجهم إليه، فأصبحنا وما على الارض منه إلا عظم أو حافر ! وقال الدارقطني: حدثنى القاضى أبو عبد الله المحاملى، حدثنا عبد الله بن أبى سعد،


(1) الرئال: جمع رأل، ولد الظبية. (*)

[ 111 ]

وحدثنا عثيم بن ثوابة بن حاتم الطائى، عن أبيه، عن جده قال: قالت امرأة حاتم لحاتم: يا أبا سفانة أشتهى أن آكل أنا وأنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد. فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ، وأمر بالطعام فهيئ وهى مرخاة ستورها عليه وعليها، فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال: فلا تطبخي قدري وسترك دونها * على إذن ما تطبخين حرام ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي * بجزل إذا أوقدت لا بضرام قال: ثم كشف الستور وقدم الطعام ودعا الناس، فأكل وأكلوا. فقالت: ما أتممت لى ما قلت. فأجابها: فإنى لا تطاوعني نفسي، ونفسي أكرم على من أن يثنى على هذا وقد سبق لى السخاء. ثم أنشأ يقول: أمارس (1) نفس البخل حتى أعزها * وأترك نفس الجود ما أستثيرها ولا تشتكينى جارتي غير أنها * إذا غاب عنها بعلها لا أزورها سيبلغها خيرى ويرجع بعلها * إليها ولم تقصر عليها ستورها ومن شعر حاتم: إذا ما بت أشرب فوق رى * لسكر في الشراب فلا رويت إذا ما بت أختل عرس جارى * ليخفيني الظلام فلا خفيت أأفضح جارتي وأخون جارى ؟ ! * فلا والله أفعل ما حييت ومن شعره أيضا: ما ضر جارا لى أجاوره * أن لا يكون لبابه ستر أغضى إذا ما جارتي برزت * حتى يوارى جارتي الخدر (2)


(1) أمارس: أعالج. وأعزها: أغلبها (2) ينسب هذان البيتان باختلاف لمسكين الدارمي في أبيات أخرى وهو الصحيح انظر الشعر والشعراء 1 / 530 (*)

[ 112 ]

ومن شعر حاتم أيضا: وما من شيمتي شتم ابن عمى * وما أنا مخلف من يرتجينى وكلمة حاسد من غير جرم * سمعت وقلت مرى فانقذيني وعابوها على فلم تعبنى * ولم يعرق لها يوما جبيني وذى وجهين يلقانى طليقا * ولبس إذا تغيب يأتسينى ظفرت بعيبه فكففت عنه * محافظة على حسبى وديني ومن شعره: سلى البائس المقرور يا أم مالك * إذا ما أتانى بين نارى ومجزري أأبسط وجهى إنه أول القرى * وأبذل معروفى له دون منكري وقال أيضا: وإنك إن أعطيت بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وقال القاضى أبو الفرج المعافى بن زكرياء الجريرى: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبى، حدثنا أبو العباس المبرد، أخبرني الثوري، عن أبى عبيدة، قال لما بلغ حاتم طيئ قول المتلمس: قليل المال تصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير على الفساد وحفظ المال خير من فناه * وعسف في البلاد بغير زاد قال: ماله قطع الله لسانه حمل الناس على البخل ؟ ! فهلا قال: فلا الجود يفنى المال قبل فنائه * ولا البخل في مال الشحيح يزيد فلا تلتمس مالا بعيش مقتر * لكل غد رزق يعود جديد

[ 113 ]

ألم تر أن المال غاد ورائح * وأن الذى يعطيك غير بعيد (1) قال القاضى أبو الفرج: وقد أحسن في قوله: " وأن الذى يعطيك غير بعيد " ولو كان مسلما لرجى له الخير في معاده، وقد قال الله في كتابه: (واسألوا الله من فضله (2). وقال تعالى: (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) (3). وعن الوضاح بن معبد الطائى قال: وفد حاتم الطائى على النعمان بن المنذر، فأكرمه وأدناه، ثم زوده عند انصرافه جملين ذهبا وورقا غير ما أعطاه من طرائف بلده، فرحل فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيئ، فقالت: يا حاتم أتيت من عند الملك وأتينا من عند أهالينا بالفقر ! فقال حاتم: هلم فخذوا ما بين يدى فتوزعوه. فوثبوا إلى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه، فخرجت إلى حاتم طريفة جاريته، فقالت له: اتق الله وأبق على نفسك، فما يدع هؤلاء دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا. فأنشأ يقول: قالت طريفة: ما تبقى دراهمنا * وما بنا سرف فيها ولا خرق إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا * ممن سوانا ولسنا نحن نرتزق ما يألف الدرهم الكارى خرقتنا * إلا يمر عليها ثم ينطلق إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا * ظلت إلى سبل المعروف تستبق وقال أبو بكر بن عياش: قيل لحاتم: هل في العرب أجود منك ؟ فقال: كل العرب أجود منى. ثم أنشأ يحدث قال: نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة، وكانت له مائة من الغنم، فذبح لى شاة منها وأتانى بها، فلما قرب إلى دماغها قلت: ما أطيب هذا


(1) في البيت إقواء (2) سورة النساء 32 (3) سورة البقرة 186 (*)

[ 114 ]

الدماغ ! قال: فذهب فلم يزل يأتيني منه حتى قلت قد اكتفيت. فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المائة شاة وبقى لا شئ له ! فقيل: فما صنعت به ؟ فقال: ومتى أبلغ شكره ولو صنعت به كل شئ ! قال: على كل حال أعطيته مائة ناقة من خيار إبلى. وقال محمد بن جعفر الخرائطي في كتاب " مكارم الاخلاق ": حدثنا العباس بن الفضل الربعي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنى حماد الراوية ومشيخة من مشيخة طيئ، قالوا: كانت عنترة (1) بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم طيئ لا تمسك شيئا سخاء وجودا، وكان إخوتها يمنعونها فتأبى، وكانت امرأة موسرة، فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها لعلها تكف عما تصنع، ثم أخرجوها بعد سنة، وقد ظنوا أنها قد تركت ذلك الخلق، فدفعوا إليها صرمة من مالها وقالوا استمتعي بها. فأتتها امرأة من هوازن وكانت تغشاها فسألتها، فقالت: دونك هذه الصرمة، فقد والله مسنى من الجوع ما آليت أن لا أمنع سائلا، ثم أنشأت تقول: لعمري لقدما عضني الجوع عضة * فآليت ألا أمنع الدهر جائعا فقولا لهذا اللائمى اليوم أعفنى * وإن أنت لم تفعل فعض الاصابعا فماذا عساكم أن تقولوا لاختكم * سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا وماذا ترون اليوم إلا طبيعة * فكيف بتركي يا بن أمي الطبائعا وقال الهيثم بن عدى: عن ملحان بن عركى بن عدى بن حاتم، عن أبيه، عن جده، قال: شهدت حاتما يكيد بنفسه (2)، فقال لى: أي بنى، إنى أعهد من نفسي ثلاث خصال: والله ما خاتلت جارة لريبة قط، ولا اؤتمنت على أمانة إلا أديتها، ولا أتى أحد من قبلى بسوء.


(1) مكارم الاخلاق: غنية (2) يكيد بنفسه: يجود (*)

[ 115 ]

وقال أبو بكر الخرائطي: حدثنا على بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى العدوى، حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى، عن أبى مسكين - يعنى جعفر بن المحرر بن الوليد - عن المحرر مولى أبى هريرة، قال: مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيئ، فنزلوا قريبا منه، فقام إليه بعضهم يقال له أبو الخيبرى فجعل يركض قبره برجله ويقول: يا أبا جعد اقرنا. فقال له بعض أصحابه: ما تخاطب من رمة وقد بليت ؟ ! وأجنهم الليل فناموا، فقام صاحب القول فزعا يقول: يا قوم عليكم بمطيكم فإن حاتما أتانى في النوم وأنشدني شعرا وقد حفظته، يقول: أبا الخيبرى وانت امرؤ * ظلوم العشيرة شتامها أتيت بصحبك تبغى القرى * لدى حفرة قد صدت هامها أتبغى لى الذنب عند المبي‍ * ت وحولك طيئ وأنعامها وإنا لنشبع أضيافنا * وتأتى المطى فنعتامها (1) قال: وإذا ناقة صاحب القول تكوس (2) عقيرا، فنحروها وقاموا يشتوون ويأكلون. وقالوا: والله لقد أضافنا حاتم حيا وميتا ! قال: وأصبح القوم وأردفوا صاحبهم وصاروا، فإذا رجل ينوه بهم راكبا جملا ويقود آخر، فقال: أيكم أبو الخيبرى ؟ قال: أنا. قال: إن حاتما أتانى في النوم فأخبرني أنه قرى أصحابك ناقتك وأمرني أن أحملك، وهذا بعير فخذه. ودفعه إليه.


(1) نعتامها: نأخذها (2) كاس البعير: مشى على ثلاث قوائم وهو معرقب، كما في القاموس. وقال الزمخشري: كوسه الله في النار: قلبه على رأسه.. وكاس العقير كوسا لانه يسقط على رأسه. الاساس. (*)

[ 116 ]

ذكر شئ من أخبار عبد الله بن جدعان هو عبد الله بن جدعان، بن عمرو، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة، سيد بنى تيم، وهو ابن عم والد أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وكان من الكرماء الاجواد في الجاهلية المطعمين للمسنتين. وكان في بدء أمره فقيرا مملقا، وكان شريرا يكثر من الجنايات، حتى أبغضه قومه وعشيرته وأهله وقبيلته، وأبغضه حتى أبوه. فخرج ذات يوم في شعاب مكة حائرا بائرا فرأى شقا في جبل، فظن أن يكون به شئ يؤذى، فقصده لعله يموت فيستريح مما هو فيه. فلما اقترب منه إذا ثعبان يخرج إليه ويثب عليه، فجعل يحيد عنه ويثب فلا يغنى شيئا، فلما دنا منه إذا هو من ذهب وله عينان هما ياقوتتان، فكسره وأخذه ودخل الغار فإذا فيه قبور لرجال من ملوك جرهم، ومنهم الحارث بن مضاض الذى طالت غيبته فلا يدرى أين ذهب، ووجد عند رؤوسهم لوحا من ذهب فيه تاريخ وفاتهم ومدد ولايتهم، وإذا عندهم من الجواهر والآلئ والذهب والفضة شئ كثير، فأخذ منه حاجته، ثم خرج وعلم باب الغار، ثم انصرف إلى قومه فأعطاهم حتى أحبوه وسادهم، وجعل يطعم الناس، وكلما قل ما في يده ذهب إلى ذلك الغار فأخذ حاجته ثم رجع. فممن ذكر هذا عبد الملك بن هشام في كتاب " التيجان (1) " وذكره أحمد بن عمار في كتاب " رى العاطش وأنس الواحش " وكانت له جفنة يأكل منها الراكب على بعيره، ووقع فيها صغير فغرق.


(1) كتاب التيجان لمعرفة ملوك الزمان. وهو يتضمن بعض قصص أهل الكتاب، وأخبار اليمن. (*)

[ 117 ]

وذكر ابن قتيبة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقد كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمى (1) " أي وقت الظهيرة. وفى حديث مقتل أبى جهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه: " تطلبوه بين القتلى وتعرفوه بشجة في ركبته، فإنى تزاحمت أنا وهو على مأدبة لابن جدعان فدفعته فسقط على ركبته فانهشمت فأثرها باق في ركبته " فوجدوه كذلك. وذكروا أنه كان يطعم التمر والسويق ويسقى اللبن، حتى سمع قول أمية بن أبى الصلت: ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم * فرأيت أكرمهم بنى الديان البريلبك بالشهاد طعامهم * لا ما يعللنا بنو جدعان فأرسل ابن جدعان إلى الشام ألفى بعير [ جاءت ] تحمل البر والشهد والسمن، وجعل مناديا ينادى كل ليلة على ظهر الكعبة: أن هلموا إلى جفنة ابن جدعان. فقال أمية في ذلك: له داع بمكة مشمعل (2) * وآخر فوق كعبتها ينادى إلى ردح من الشيزى ملاء (3) * لباب البر يلبك بالشهاد ومع هذا كله فقد ثبت في الصحيح لمسلم أن عائشة قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقرى الضيف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة ؟ فقال: " لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين ".


(1) الصكة: شدة الهاجرة، وتضاف إلى عمى، رجل من العمالقة أغار على قوم في الظهيرة فاجتاحهم (2) مشمعل: مبادر مجتهد. (3) الردح: جمع ردحة وهى الجفنة العظيمة. والشيزى خشب أسود للقصاع. (*)

[ 118 ]

ذكر امرئ القيس بن حجر الكندى صاحب إحدى المعلقات وهى أفخرهن وأشهرهن التى أولها: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * قال الامام أحمد: حدثنا هشيم (1)، حدثنا أبو الجهم الواسطي، عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار (2) ". وقد روى هذا الحديث عن هشيم جماعة كثيرون، منهم بشر بن الحكم، والحسن بن عرفة، وعبد الله بن هارون أمير المؤمنين المأمون أخو الامين، ويحيى بن معين، وأخرجه ابن عدى من طريق عبد الرزاق عن الزهري به، وهذا منقطع وردئ من وجه آخر عن أبى هريرة، ولا يصح من غير هذا الوجه. وقال الحافظ ابن عساكر: هو امرؤ القيس بن حجر، بن الحارث، بن عمرو، بن حجر آكل المرار، بن عمرو، بن معاوية، بن الحارث، بن يعرب، بن ثور، بن مرتع بن معاوية بن كندة. أبو يزيد ويقال أبو وهب. ويقال أبو الحارث الكندى. كان بأعمال دمشق، وقد ذكر مواضع منها في شعره فمن ذلك قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمأل


(1) المطبوعة: هشام، وما أثبته عن المسند (2) المسند حديث رقم 7127 وانظر فيه تخريج الحديث (*)

[ 119 ]

ثم روى من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبى، حدثنى فروة بن سعيد بن عفيف بن معدى كرب، عن أبيه، عن جده قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل وفد من اليمن، فقالوا يا رسول الله لقد أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس. قال: وكيف ذاك ؟ قالوا: أقبلنا نريدك، حتى إذا كنا ببعض الطريق أخطأنا الطريق فمكثنا ثلاثا لا نقدر على الماء، فتفرقنا إلى أصول طلح وسمر ليموت كل رجل منا في ظل شجرة، فبينا نحن بآخر رمق إذا راكب يوضع على بعير، فلما رآه بعضنا قال والراكب يسمع: ولما رأت أن الشريعة همها * وأن البياض من فرائصها دامى (1) تيممت العين التى عند ضارج * يفئ عليها الظل عرمضها طامى (2) فقال الراكب: ومن يقول هذا الشعر ؟ وقد رأى ما بنا من الجهد قال: قلنا: امرؤ القيس بن حجر. قال والله ما كذب، هذا ضارج عندكم. فنظرنا فإذا بيننا وبين الماء نحو من خمسين ذراعا، فحبونا إليه على الركب، فإذا هو كما قال امرؤ القيس عليه العرمض يفئ عليه الظل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك رجل مذكور في الدنيا منسى في الآخرة، شريف في الدنيا خامل في الآخرة، بيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار " (3). وذكر الكلبى: أن امرأ القيس أقبل براياته يريد قتال بنى أسد حين قتلوا أباه، فمر بتبالة وبها ذو الخلصة، وهو صنم، وكانت العرب تستقسم عنده، فاستقسم


(1) الشريعة: مشرعة الماء. والفرائص: جمع فريصة. وهما فريصتان ترتعدان عند الخوف. (2) ضارج: موضع ببلاد عبس. والعرمض: الطحلب. يريد أن الحمر لما أرادت شريعة الماء خافت على أنفسها من الرماة وأن تدمى فرائصها من سهامهم عدلت إلى ضارج لعدم الرماة على العين التى فيه، انظر اللسان 3 / 139 (3) وردت هذه القصة في الشعر والشعراء 1 / 58، 59، 74، 75. وهى كذلك في اللسان وعيون الاخبار 1 / 143، 144، والاغانى 7 / 123 (*)

[ 120 ]

فخرج القدح الناهي، ثم الثانية، ثم الثالثة كذلك، فكسر القداح وضرب بها وجه ذى الخلصة وقال: عضضت بأير أبيك، لو كان أبوك المقتول لما عوقتني ! ثم أغار على بنى أسد فقتلهم قتلا ذريعا. قال ابن الكلبى: فلم يستقسم عند ذى الخلصة حتى جاء الاسلام. وذكر بعضهم أنه امتدح قيصر ملك الروم يستنجده في بعض الحروب ويسترفده، فلم يجد ما يؤمله عنده فهجاه بعد ذلك، فيقال إنه سقاه سما فقتله، فألجأه الموت إلى جنب قبر امرأة عند جبل يقال له عسيب فكتب هنالك. أجارتنا إن المزار قريب * وإنى مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان ههنا * وكل غريب للغريب نسيب وذكروا أن المعلقات السبع كانت معلقة بالكعبة، وذلك أن العرب كانوا إذا عمل أحدهم قصيدة عرضها على قريش، فإن أجازوها علقوها على الكعبة تعظيما لشأنها، فاجتمع من ذلك هذه المعلقات السبع. فالاولى لامرئ القيس بن حجر الكندى كما تقدم، وأولها: قفا نبك من ذكرى حببب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل والثانية للنابغة الذبيانى، واسمه زياد بن معاوية، ويقال زياد بن عمرو بن معاوية ابن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض وأولها: يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الامد والثالثة لزهير بن أبى سلمى ربيعة بن رياح المزني وأولها: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم * بحومانة الدراج فالمتثلم

[ 121 ]

والرابعة لطرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل وأولها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد * تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد والخامسة لعنترة بن شداد بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب ابن قطيعة ابن عبس العبسى وأولها: هل غادر الشعراء من متردم * أم هل عرفت الدار بعد توهم والسادسة لعلقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بنى تميم وأولها: طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب والسابعة - ومنهم من لا يثبتها في المعلقات، وهو قول الاصمعي وغيره - وهى للبيد ابن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر وأولها: عفت الديار محلها فمقامها * بمنى تأبد غولها فرجامها فأما القصيدة التى لا يعرف قائلها، فيما ذكره أبو عبيدة والاصمعى والمبرد وغيرهم، فهى قوله: هل بالطلول لسائل رد * أم هل لها بتكلم عهد وهى مطولة، وفيها معان حسنة كثيرة.

[ 122 ]

ذكر شئ من أخبار أمية بن أبى الصلت الثقفى، كان من شعراء الجاهلية وقد أدرك زمن الاسلام قال الحافظ ابن عساكر: هو أمية بن أبى الصلت، عبد الله بن أبى ربيعة بن عوف ابن عقدة بن عزة بن عوف بن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن، أبو عثمان، ويقال أبو الحكم الثقفى. شاعر جاهلي قدم دمشق قبل الاسلام، وقيل إنه كان مستقيما (1)، وإنه كان في أول أمره على الايمان، ثم زاغ عنه، وإنه هو الذى أراده الله تعالى بقوله " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ". قال الزبير بن بكار: فولدت رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف أمية الشاعر، ابن أبى الصلت، واسم أبى الصلت ربيعة بن وهب بن علاج بن أبى سلمة بن ثقيف. وقال غيره: كان أبوه من الشعراء المشهورين بالطائف، وكان أمية أشعرهم. وقال عبد الرزاق: قال الثوري: أخبرني حبيب بن أبى ثابت أن عبد الله بن عمرو قال في قوله تعالى " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين " هو أمية بن أبى الصلت. وكذا رواه أبو بكر بن مردويه، عن أبى بكر الشافعي، عن معاذ بن المثنى، عن مسدد، عن أبى عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن عاصم بن مسعود قال: إنى لفى حلقة فيها عبد الله بن عمرو فقرأ رجل من القوم الآية التى في الاعراف " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها " فقال: هل تدرون من هو ؟ فقال بعضهم:


(1) الذى في ابن عساكر، وقيل إنه كان نبيا. (*)

[ 123 ]

هو صيفي بن الراهب. وقال آخر: بل هو بلعم رجل من بنى إسرائيل. فقال: لا قال فمن ؟ قال هو أمية بن أبى الصلت. وهكذا قال أبو صالح والكلبي وحكاه قتادة عن بعضهم وقال الطبراني: حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن شبيب الربعي، حدثنا محمد بن مسلمة بن هشام المخزومى، حدثنا إسماعيل ابن الطريح بن إسماعيل الثقفى، حدثنى أبى، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن معاوية بن أبى سفيان، عن أبيه، قال: خرجت أنا وأمية بن أبى الصلت الثقفى تجارا إلى الشام، فكلما نزلنا منزلا أخذ أمية سفرا له يقرؤه علينا، فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاءوه وأكرموه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيوتهم. ثم رجع في وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما، وقال لى: هل لك يا أبا سفيان في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب تسأله ؟ قلت: لا إرب لى فيه، والله لئن حدثنى بما أحب لا أثق به، ولئن حدثنى بما أكره لاجدن منه. قال: فذهب وخالفه شيخ من النصارى فدخل على، فقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ ؟ قلت: لست على دينه. قال: وإن، فإنك تسمع منه عجبا وتراه. ثم قال لى: أثقفى أنت ؟ قلت: لا ولكن قرشي. قال: فما يمنعك من الشيخ، فو الله إنه ليحبكم ويوصى بكم. قال فخرج من عندنا، ومكث أمية عندهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ثم أنجدل على فراشه، فو الله ما نام ولا قام.

[ 124 ]

حتى أصبح كئيبا حزينا ساقطا غبوقه على صبوحه، ما يكلمنا ولا نكلمه. ثم قال: ألا ترحل ؟ قلت: وهل بك من رحيل ؟ قال نعم. فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين، ثم قال في الليلة الثالثة: ألا تحدث يا أبا سفيان ؟ قلت وهل بك من حديث ؟ والله ما رأيت مثل الذى رجعت به من عند صاحبك. قال: أما إن ذلك لشئ لست فيه، إنما ذلك لشئ وجلت منه من منقلبي. قلت: وهل لك من منقلب ؟ قال: إى والله، لاموتن ثم لاحيين. قال: قلت: هل أنت قابل أمانى (1) ؟ قال: على ماذا ؟ قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب. قال: فضحك ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان، لنبعثن ثم لنحاسبن وليدخلن فريق الجنة وفريق النار. قلت: فنفى أيهما أنت أخبرك صاحبك ؟ قال لا علم لصاحبي بذلك، لا في ولا في نفسه. قال: فكنا في ذلك ليلتين، يعجب منى وأضحك منه، حتى قدمنا غوطة دمشق، فبعنا متاعنا وأقمنا بها شهرين. فارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاءوه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيعتهم، فما جاء إلا بعد منتصف النهار، فلبس ثوبيه وذهب إليهم، حتى جاء بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه، فو الله ما نام ولا قام. وأصبح حزينا كئيبا لا يكلمنا ولا نكلمه، ثم قال: ألا ترحل ؟ قلت: بلى إن شئت.


(1) المطبوعة: أمانتى، وهو خطأ. (*)

[ 125 ]

فرحلنا كذلك من بنه وحزنه ليالى، ثم قال لى: يا أبا سفيان، هل لك في المسير لنتقدم أصحابنا ؟ قلت: هل لك فيه ؟ قال نعم. فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة، ثم قال: هيا صخر. فقلت. ما تشاء ؟ قال حدثنى عن عتبة بن ربيعة، أيجتنب المظالم والمحارم ؟ قلت: إى والله. قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها ؟ قلت: إى والله. قال: وكريم الطرفين وسط في العشيرة ؟ قلت: نعم. قال: فهل تعلم قرشيا أشرف منه ؟ قلت: لا والله، لا أعلم. قال: أمحوج هو ؟ قلت: لا بل هو ذو مال كثير. قال: وكم أتى عليه من السن ؟ فقلت: قد زاد على المائة. قال: فالشرف والسن والمال أزرين (1) به. قلت: ولم ذاك يزرى به، لا والله بل يزيده خيرا. قال: هو ذاك، هل لك في المبيت ؟ قلت: لى فيه. قال فاضطجعنا حتى مر الثقل. قال: فسرنا حتى نزلنا في المنزل وبتنا به، ثم ارتحلنا منه.


(1) في الاكتفا للكلاعي، والوفا لابن الجوزى، ودلائل النبوة: فالشرف والسن أزريا به. (*)

[ 126 ]

فلما كان الليل قال لى: يا أبا سفيان. قلت: ما تشاء ؟ قال هل لك في مثل البارحة. قلت: هل لك فيه ؟ قال: نعم. فسرنا على ناقتين بختيتين، حتى إذا برزنا قال: هيا صخر، هيه عن عتبة بن ربيعة. قال قلت: هيها فيه. قال: أيجتنب المحارم والمظالم ويصل الرحم ويأمر بصلتها ؟ قلت: إى والله إنه ليفعل. قال وذو مال ؟ قلت: وذو مال. قال: أتعلم قرشيا أسود منه ؟ قلت: لا والله ما أعلم. قال: كم أتى له من السن ؟ قلت قد زاد على المائة. قال: فإن السن والشرف والمال أزرين به. قلت: كلا والله ما أزرى به ذلك، وأنت قائل شيئا فقله. قال: لا، تذكر حديثى يأتي منه ما هو آت. ثم قال: فإن الذى رأيت أصابني أنى جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، ثم قلت أخبرني عن هذا النبي الذى ينظر. قال: هو رجل من العرب. قلت: قد علمت أنه من العرب، فمن أي العرب هو ؟ قال: من أهل بيت تحجه العرب. قلت وفينا بيت تحجه العرب. قال: هو من إخوانكم من قريش. فأصابني والله شئ ما أصابني

[ 127 ]

مثله قط، وخرج من يدى فوز الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون إياه. قلت: فإذ كان ما كان فصفه لى. قال: رجل شاب حين دخل في الكهولة، بدء أمره [ أنه ] يجتنب المظالم والمحارم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قلت: وما آية ذلك ؟ قال: قد رجفت الشام منذ هلك عيسى بن مريم عليه السلام ثمانين رجفة، كلها فيها مصيبة، وبقيت رجفة عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: فقلت هذا والله الباطل، لئن بعث الله رسولا لا يأخذه إلا مسنا شريفا. قال أمية: والذى حلفت به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان، يقول إن قول النصراني حق. هل لك في المبيت ؟ قلت: نعم لى فيه. قال فبتنا حتى جاءنا الثقل، ثم خرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة مرحلتان [ أو ] ليلتان أدركنا راكب من خلفنا، فسألناه فإذا هو يقول أصابت أهل الشام بعدكم رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمة. قال أبو سفيان: فأقبل على أمية فقال: كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان ؟ قلت أرى واظن والله أن ما حدثك به صاحبك حق. قال أبو سفيان: فقدمنا مكة، فقضيت ما كان معى، ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرا فكنت بها خمسة أشهر، ثم قدمت مكة. فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون على ويسألون عن بضائعهم، حتى جاءني محمد بن عبد الله وهند عندي تلاعب صبيانها، فسلم على ورحب بى، وسألني عن سفري ومقامى ولم يسألنى عن بضاعته، ثم قام. فقلت لهند: والله إن هذا ليعجبنى،

[ 128 ]

ما من من أحد من قريش له معى بضاعة إلا وقد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته. فقالت لى هند: أو ما علمت شأنه. فقلت وأنا فزع: ما شأنه ؟ قالت يزعم أنه رسول الله. فوقذتنى، وتذكرت قول النصراني، فرجفت حتى قالت لى هند: مالك ؟ فانتبهت فقلت: إن هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا. قالت: بلى والله إنه ليقول ذلك ويدعو إليه، وإن له لصحابة على دينه. قلت: هذا هو الباطل. قال: وخرجت، فبينا أنا أطوف بالبيت إذ بى قد لقيته، فقلت له: إن بضاعتك قد بلغت كذا وكذا وكان فيها خير، فأرسل من يأخذها ولست آخذ منك فيها ما آخذ من قومي. فأبى على وقال: إذن لا آخذها. قلت: فأرسل فخذها وأنا آخذ منك مثل ما آخذ من قومي. فأرسل إلى بضاعته فأخذها وأخذت منه ما كنت آخذ من غيره. قال أبو سفيان: فلم أنشب أن خرجت إلى اليمن. ثم قدمت الطائف فنزلت على أمية بن أبى الصلت، فقال لى: يا أبا سفيان. [ قلت ]: ما تشاء [ قال ]: هل تذكر قول النصراني ؟ فقلت أذكره وقد كان. فقال: ومن ؟ قلت: محمد بن عبد الله. قال: ابن عبد المطلب ؟ قلت: ابن عبد المطلب. ثم قصصت عليه خبر هند. قال: فالله يعلم. وأخذ يتصبب عرقا.

[ 129 ]

ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله، إن صفته لهى، ولئن ظهر وأنا حى لاطلبن من الله عزوجل في نصره عذرا. قال: ومضيت إلى اليمن فلم أنشب أن جاءني هنالك استهلاله، وأقبلت حتى نزلت على أمية بن أبى الصلت بالطائف فقلت: يا أبا عثمان قد كان من أمر الرجل ما قد بلغك وسمعته. فقال: قد كان لعمري. قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان ؟ فقال: والله ما كنت لاومن برسول من غير ثقيف أبدا ! قال أبو سفيان: وأقبلت إلى مكة، فو الله ما أنا ببعيد حتى جئت مكة فوجدت أصحابه يضربون ويحقرون. قال أبو سفيان: فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة ؟ فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة. وقد رواه الحافظ البيهقى في كتاب " الدلائل " من حديث إسماعيل بن طريح به، ولكن سياق الطبراني الذى أوردناه أتم وأطول. والله أعلم. وقال الطبراني: حدثنا بكر بن أحمد بن نفيل، حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا مجاشع بن عمرو الاسدي، حدثنا ليث بن سعد، عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن معاوية بن أبى سفيان، عن أبى سفيان بن حرب، أن أمية بن أبى الصلت كان بغزة أو بإيلياء، فلما قفلنا قال لى أمية: يا أبا سفيان هل لك أن تتقدم على الرفقة فنتحدث ؟ قلت: نعم. قال: ففعلنا.

[ 130 ]

فقال لى: يا أبا سفيان إيه عن عتبة بن ربيعة ؟ قلت: كريم الطرفين. [ قال ]: ويجتنب المحارم والمظالم ؟ قلت: نعم. قال: وشريف مسن ؟ قلت: وشريف مسن. قال: الشرف والسن أزريابه. فقلت له: كذبت، ما ازداد سنا إلا ازداد شرفا. قال: يا أبا سفيان إنها كلمة ما سمعت أحدا يقولها لى منذ تبصرت، فلا تعجل على حتى أخبرك. قال قلت: هات. قال: إنى كنت أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه، فكنت أظن بل كنت لا أشك أنى أنا هو، فلما دارست أهل العلم إذا هو من بنى عبد مناف، فنظرت في بنى عبد مناف فلم أجد أحدا يصلح لهذا الامر غير عتبة بن ربيعة، فلما أخبرتني بسنه عرفت أنه ليس به، حين جاوز الاربعين ولم يوح إليه. قال أبو سفيان: فضرب الدهر ضربه، فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة، فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبي الذى كنت تنعته قال: أما إنه حق فاتبعه. قلت: ما يمنعك من اتباعه ؟ قال: ما يمنعنى إلا الاستحياء من نساء ثقيف، إنى كنت أحدثهن أنى هو، ثم يريننى تابعا لغلام من بنى عبد مناف ! ! ثم قال أمية: كأنى بك يا أبا سفيان قد خالفته ثم قد ربطت كما يربط الجدى حتى يؤتى بك إليه فيحكم فيك بما يريد.

[ 131 ]

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الكلبى، قال: بينا أمية راقد ومعه ابنتان له إذ فزعت إحداهما فصاحت عليه، فقال لها: ما شأنك ؟ قالت رأيت نسرين كشطا سقف البيت فنزل أحدهما إليك فشق بطنك، والآخر واقف على ظهر البيت، فناداه فقال: أوعى ؟ قال: نعم. قال: أزكا ؟ قال: لا. فقال: ذاك خير أريد بأبيكما فلم يفعله. وقد روى من وجه آخر بسياق آخر، فقال إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، قال: قدمت الفارعة أخت أمية بن أبى الصلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة (1)، وكانت ذات لب وعقل وجمال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بها معجبا. فقال لها ذات يوم: يا فارعة، هل تحفظين من شعر أخيك شيئا ؟ فقالت: نعم، وأعجب من ذلك ما قد رأيت. قالت: كان أخى في سفر، فلما انصرف بدأنى فدخل على فرقد على سريري وأنا أحلق أديما في يدى، إذ أقبل طائران أبيضان أو كالطيرين أبيضين، فوقع على الكوة أحدهما ودخل الآخر فوقع عليه، فشق الواقع عليه ما بين قصه (2) إلى عانته ثم أدخل يده في جوفه فأخرج قلبه فوضعه في كفه ثم شمه، فقال له الطائر الآخر: أوعى ؟ قال: وعى. قال: أزكا ؟ قال: أبى. ثم رد القلب إلى مكانه فالتأم الجرح أسرع من طرفة عين. ثم ذهبا. فلما رأيت ذلك دنوت منه فحركته، فقلت هل تجد شيئا ؟ قال: لا إلا توهينا في جسدي. وقد كنت ارتعبت مما رأيت، فقال: مالى أراك مرتاعة ؟ قالت: فأخبرته


(1) الارجح أنه بعد فتح الطائف، كما في أسد الغابة والاصابة والاستيعاب. لان أمية كان يقيم بالطائف. (2) القص: الصدر (*)

[ 132 ]

الخبر. فقال: خير أريد بى ثم صرف عنى. ثم أنشأ يقول: باتت همومى تسرى طوارقها * أكف عينى والدمع سابقها مما أتانى من اليقين ولم * أوت براة يقص ناطقها أممن تلظى عليه واقدة الن‍ * - ار محيط بهم سرادقها أم أسكن الجنة التى وعد ال‍ * - أبرار مصفوفة نمارقها لا يستوى المنزلان ثم ولا ال‍ * - أعمال لا تستوى طرائقها هما فريقان فرقة تدخل الجن‍ * ة حفت بهم حدائقها وفرقة منهم قد أدخلت الن‍ * ار فساءتهم مرافقها تعاهدت هذه القلوب إذا * همت بخير عاقت عوائقها وصدها للشقاء عن طلب ال‍ * - جنة دنيا الله ما حقها عبد دعا نفسه فعاتبها * يعلم أن البصير رامقها ما رغب النفس في الحياة ؟ وإن * تحيا قليلا فالموت لاحقها يوشك من فر من منيته * يوما على غرة يوافقها إن لم تمت غبطة تمت هرما * للموت كأس والمرء ذائقها قال: ثم انصرف إلى رحله، فلم يلبث إلا يسيرا حتى ظعن في جنازته (1)، فأتاني الخبر فانصرفت إليه فوجدته منعوشا قد سجى عليه، فدنوت منه فشهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف ورفع صوته وقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيفدينى ولا ذو أهل فتحميني. ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة، فقلت قد هلك الرجل.


(1) كذا في تاريخ ابن عساكر 3 / 125. وكان الاصل: طعن في حيارته. وهو تحريف. (*)

[ 133 ]

فشق بصره نحو السقف فرفع صوته. فقال: لبيكا لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فانتصر. ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف فقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، بالنعم محفود وبالذنب محصود. ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما. إن تغفر اللهم تغفر جما * وأى عبد لك لا ألما ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة فقال: كل عيش وإن تطاول دهرا * صائر مرة إلى أن يزولا ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى * في قلال الجبال أرعى الوعولا قالت: ثم مات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الذى آتاه الله آياته فانسلخ منها " الآية. وقد تكلم الخطابى على غريب هذا الحديث. وروى الحافظ ابن عساكر عن الزهري أنه قال: قال أمية بن أبى الصلت: ألا رسول لنا منا يخبرنا * ما بعد غايتنا من رأس مجرانا قال: ثم خرج أمية بن أبى الصلت إلى البحرين، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام أمية بالبحرين ثمانى سنين، ثم قدم الطائف فقال لهم: ما يقول محمد بن عبد الله ؟ قالوا: يزعم أنه نبى، هو الذى كنت تتمنى. قال: فخرج حتى قدم عليه مكة فلقيه، فقال: يا ابن عبد المطلب ما هذا الذى تقول ؟ قال: أقول إنى رسول الله وأن لا إله إلا هو. قال: إنى أريد أن أكلمك

[ 134 ]

فعدني غدا. قال فموعدك غدا. قال فتحب أن آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابي، وتأتيني وحدك أو في جماعة من أصحابك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ذلك شئت. قال: فإنى آتيك في جماعة، فأت في جماعة. قال: فلما كان الغد غدا أمية في جماعة من قريش. قال: وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم معه نفر من أصحابه، حتى جلسوا في ظل الكعبة. قال: فبدأ أمية فخطب ثم سجع ثم أنشد الشعر، حتى إذا فرغ الشعر قال: أجبني يا ابن عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم. يس والقرآن الحكيم) حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه. قال: فتبعته قريش يقولون: ما تقول يا أمية ؟ قال: أشهد أنه على الحق. فقالوا: هل تتبعه ؟ قال: حتى أنظر في أمره. قال: ثم خرج أمية إلى الشام وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما قتل أهل بدر قدم أمية من الشام حتى نزل بدرا، ثم ترحل يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائل: يا أبا الصلت ما تريد ؟ قال: أريد محمدا. قال: وما تصنع ؟ قال: أو من به وألقى إليه مقاليد هذا الامر. قال: أتدرى من في القليب ؟ قال: لا. قال: فيه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك - وأمه ربيعة بنت عبد شمس - قال: فجدع أذنى ناقته وقطع ذنبها، ثم وقف على القليب يقول: ما ذا ببدر فالعقن‍ * - قل من مرازبة جحاجح القصيدة إلى آخرها، كما سيأتي ذكرها بتمامها في قصة بدر إن شاء الله. ثم رجع إلى مكة والطائف وترك الاسلام. ثم ذكر قصة الطيرين وقصة وفاته كما تقدم، وأنشد شعره عند الوفاة: كل عيش وإن تطاول دهرا * صائر مرة إلى أن يزولا ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى * في قلال الجبال أرعى الوعولا

[ 135 ]

فاجعل الموت نصب عينيك واحذر * غولة الدهر إن للدهر غولا نائلا ظفرها القساور والصد * عان والطفل في المنار الشكيلا وبغاث النياف واليعفر النا * فر والعوهج البرام الضئيلا فقوله: القساور جمع قسورة وهو الاسد. والصدعان: ثيران الوحش واحدها صدع. والطفل الشكيل: من الشكلة وهى حمرة في العين (1)، والبغاث: الرخم. والنياف: الجبال: واليعفر: الظبى. والعوهج: ولد النعامة. يعنى أن الموت لا ينجو منه الوحوش في البراري ولا الرخم الساكنة في رءوس الجبال، ولا يترك صغيرا لصغره ولا كبيرا لكبره. وقد تكلم الخطابى وغيره على غريب هذه الاحاديث. وقد ذكر السهيلي في كتابه " التعريف والاعلام " أن أمية بن أبى الصلت أول من قال " باسمك اللهم " وذكر عند ذلك قصة غريبة. وهو أنهم خرجوا في جماعة من قريش في سفر، فيهم حرب بن أمية والد أبى سفيان. قال: فمروا في مسيرهم بحية فقتلوها، فلما أمسوا جاءتهم امرأة من الجان فعاتبتهم في قتل تلك الحية، ومعها قضيب فضربت به الارض ضربة نفرت الابل عن آخرها، فذهبت وشردت كل مذهب، وقاموا فلم يزالوا في طلبها حتى ردوها، فلما اجتمعوا جاءتهم أيضا فضربت الارض بقضيبها فنفرت الابل فذهبوا في طلبها، فلما أعياهم ذلك قالوا: والله هل عندك لما نحن فيه من مخرج ؟ فقال: لا والله، ولكن سأنظر في ذلك. قال: فساروا في تلك المحلة لعلهم يجدون أحدا يسألونه عما قد حل بهم من العناء، إذا نار تلوح على بعد، فجاءوها فإذا شيخ على باب خيمة يوقد نارا، وإذا هو من الجان في غاية الضآلة والدمامة، فسلموا عليه فسألهم عما هم فيه، فقال: إذا جاءتكم فقل باسمك اللهم. فإنها تهرب، فلما اجتمعوا وجاءتهم الثالثة أو الرابعة قال في وجهها أمية: باسمك اللهم


(1) الاصل: والطفل الشكل من حمرة العين. وما أثبته من ابن عساكر. (*)

[ 136 ]

فشردت ولم يقر لها قرار، لكن عدت الجن على حرب بن أمية فقتلوه بتلك الحية، فقبره أصحابه هنالك حيث لا جار ولا دار، ففى ذلك يقول الجان: وقبر حرب بمكان قفر * وليس قرب قبر حرب قبر وذكر بعضهم: أنه كان يتفرس في بعض الاحيان في لغات الحيوانات، فكان يمر في السفر على الطير فيقول لاصحابه: إن هذا يقول كذا وكذا. فيقولون لا نعلم صدق ما يقول. حتى مروا على قطيع غنم قد انقطعت منه شاة ومعها ولدها، فالتفتت إليه فثغت كأنها تستحثه. فقال: أتدرون ما تقول له ؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: أسرع بنا لا يجئ الذئب فيأكلك، كما أكل الذئب أخاك عام أول. فأسرعوا حتى سألوا الراعى: هل أكل له الذئب عام أول حملا بتلك البقعة ؟ فقال: نعم. قال: ومر يوما على بعير عليه امرأة راكبة وهو يرفع رأسه إليها ويرغو، فقال: إنه يقول لها: إنك رحلتيني وفى الحداجة (1) مخيط. فأنزلوا تلك المرأة وحلوا ذلك الرحل فإذا فيه مخيط كما قال. وذكر ابن السكيت: أن أمية بن أبى الصلت بينما هو يشرب يوما إذ نعب غراب، فقال: له بفيك التراب مرتين. فقيل له: ما يقول ؟ فقال إنه يقول: إنك تشرب هذا الكأس الذى في يدك ثم تموت. ثم نعب الغراب فقال: إنه يقول: وآية ذلك أنى أنزل على هذه المزبلة فآكل منها فيعلق عظم في حلقى فأموت. ثم نزل الغراب على تلك المزبلة فأكل شيئا فعلق في حلقه عظم فمات. فقال أمية: أما هذا فقد ضدق في نفسه، ولكن سأنظر هل صدق في أم لا. ثم شرب ذلك الكأس الذى في يده ثم اتكأ فمات.


(1) الحداجة: مركب للنساء كالمحفة. (*)

[ 137 ]

وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مهدى، عن الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: * ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم ". وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا زكرياء بن إسحاق، حدثنا إبراهيم ابن ميسرة، أنه سمع عمرو بن الشريد يقول: قال الشريد: كنت ردفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى: " أمعك من شعر أمية بن أبى الصلت شئ " ؟ قلت نعم قال: فأنشدني. فأنشدته بيتا، فلم يزل يقول لى كلما أنشدته بيتا: إيه. حتى أنشدته مائة بيت. قال: ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم وسكت. وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، عن أبى تمپم بن ميسرة به. ومن غير وجه عن عمرو بن الشريد، عن أبيه الشريد بن سويد الثقفى، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفى بعض الروايات فقال رسول الله: " إن كاد يسلم ". وقال يحيى بن محمد بن صاعد: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى، حدثنا أبو أسامة، حدثنا حاتم بن أبى صفرة، عن سماك بن حرب، عن عمرو بن نافع، عن الشريد الهمداني، وأخواله ثقيف، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فبينا أنا أمشى ذات يوم إذا وقع ناقة خلفي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الشريد ؟ فقلت: نعم. قال: ألا أحملك ؟ قلت: بلى. وما بى من إعياء ولكني أردت البركة في ركوبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأناخ فحملني فقال: أمعك من شعر أمية بن أبى الصلت ؟ قلت: نعم. قال هات. فأنشدته. قال أظنه قال مائة بيت. فقال: " عند الله علم أمية بن أبى الصلت ".

[ 138 ]

ثم قال ابن صاعد: هذا حديث غريب. فأما الذى يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أمية: " آمن شعره وكفر قلبه " فلا أعرفه. والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبى شيبة - حدثنا عبدة ابن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أمية في شئ من شعره قال: رجل (1) وثور تحت رجل يمينه * والنسر للاخرى وليث مرصد والشمس تبدو كل آخر ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها * إلا معذبة وإلا تجلد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق (2). وفى رواية أبى بكر الهذلى، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: إن الشمس لا تطلع حتى ينخسها سبعون ألف ملك يقولون (3) لها: اطلعي اطلعي. فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله. فإذا همت بالطلوع أتاها شيطان يريد أن يثبطها فتطلع بين قرنيه وتحرقه، فإذا تضيفت للغروب عزمت لله عزوجل، فيأتيها شيطان يريد أن يثبطها عن السجود فتغرب بين قرنيه وتحرقه. أورده ابن عساكر مطولا. ومن شعره في حملة العرش: فمن حامل إحدى قوائم عرشه * ولولا إله الخلق كلوا وأبلدوا قيام على الاقدام عانون تحته * فرائصهم من شدة الخوف ترعد


(1) في المطبوعة: زحل وهو كذلك في الاصابة ومجمع الزوائد وما أثبته عن نسخة ! ومسند أحمد. والمراد أن هناك ملائكة في صورة الرجال وآخرين في صورة الثيران كما ذكر الجاحظ في الحيوان 6 / 221 - 222 (2) المسند حديث رقم 2314 (3) الاصل والمطبوعة: يقول. (*)

[ 139 ]

رواه ابن عساكر. وروى عن الاصمعي أنه كان ينشد من شعر أمية: مجدوا الله فهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الاعلى الذى سبق الن‍ * - اس وسوى فوق السماء سريرا شرجعا (1) [ ما ] يناله بصر العي‍ * - ن ترى دونه الملائك صورا ثم يقول الاصمعي: الملائك جمع ملك، والصور جمع أصور وهو المائل العنق، وهؤلاء حملة العرش. ومن شعر أمية بن أبى الصلت يمدح عبد الله بن جدعان التيمى: أأذكر حاجتى أم قد كفانى * حياؤك إن شيمتك الحياء وعملك بالحقوق وأنت فرع * لك الحسب المهذب والسناء كريم لا يغيره صباح * عن الخلق الجميل ولا مساء يبارى الريح مكرمة وجودا * إذا ما الكلب أحجره الشتاء وأرضك أرض مكرمة بنتها * بنو تيم وأنت لها سماء إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء وله فيه مدائح أخر. وقد كان عبد الله بن جدعان هذا من الكرماء الاجواد الممدحين المشهورين، وكان له جفنة يأكل الراكب منها وهو على بعيره من عرض حافتها وكثرة طعامها، وكان يملاها لباب البر يلبك بالشهد والسمن، وكان يعتق الرقاب ويعين على النوائب، وقد سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم أينفعه ذلك ؟ فقال: إنه لم يقل يوما من الدهر: (رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين).


(1) الشرجع: الطويل. (*)

[ 140 ]

ومن شعر أمية البديع: لا ينكثون الارض عند سؤالهم * كتطلب العلات بالعيدان بل يسفرون وجوههم فترى لها * عند السؤال كأحسن الالوان وإذا المقل أقام وسط رحالهم * ردوه رب صواهل وقيان وإذا دعوتهم لكل ملمة * سدوا شعاع الشمس بالفرسان آخر ترجمة أمية بن أبى الصلت. بحير الراهب الذى توسم في رسول الله صلى الله عليه وسلم النبوة وهو مع عمه أبى طالب، حين قدم الشام في تجار من أهل مكة، وعمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، فرأى الغمامة تظله من بينهم، فصنع لهم طعاما ضيافة، واستدعاهم. كما سيأتي بيان ذلك في السيرة. وقد روى الترمذي في ذلك حديثا بسطنا الكلام عليه هنالك، وقد أورد له الحافظ ابن عساكر شواهد وسائغات في ترجمة بحيرا، ولم يورد ما رواه الترمذي وهذا عجب. وذكر ابن عساكر أن بحيرا كان يسكن قرية يقال لها الكفر بينها وبين بصرى ستة أميال، وهى التى يقال لها " دير بحيرا " قال ويقال: إنه كان يسكن قرية يقال لها منفعة بالبلقاء وراء زيرا. والله أعلم.

[ 141 ]

ذكر قس بن ساعدة الايادي قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب " هواتف الجان ": حدثنا داود القنطرى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى أبو عبد الله المشرقي، عن أبى الحارث الوراق، عن ثور بن يزيد، عن مورق العجلى، عن عبادة بن الصامت. قال: لما قدم وفد إياد على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر وفد إياد، ما فعل قس بن ساعدة الايادي ؟ قالوا: هلك يا رسول الله. قال: لقد شهدته يوما بسوق عكاظ على جمل أحمر يتكلم بكلام معجب مونق لا أجدني أحفظه. فقام إليه أعرابي من أقاصى القوم فقال: أنا أحفظه يا رسول الله. قال: فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. قال: فكان بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: يا معشر الناس اجتمعوا، فكل من فات فات، وكل شئ آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحر عجاج، نجوم تزهر، وجبال مرساة (1)، وأنهار مجراة (2)، إن في السماء لخبرا، وإن في الارض لعبرا، مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالاقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا. أقسم قس بالله قسما لا ريب فيه، إن لله دينا هو أرضى من دينكم هذا. ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الاولي‍ * - ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يمضى الاصاغر والاكابر لا من مضى يأتي إلي‍ * - ك ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر


(1) الاصل والمطبوعة: مرسية وهو خطأ (2) الاصل والمطبوعة: مجرية وهو خطأ. (*)

[ 142 ]

وهذا إسناد غريب من هذا الوجه، وقد رواه الطبراني من وجه آخر فقال في كتابه " المعجم الكبير ": حدثنا محمد بن السرى بن مهران بن الناقد البغدادي، حدثنا محمد بن حسان السهمى، حدثنا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبى، عن ابن عباس. قال: قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يعرف القس بن ساعدة الايادي ؟ قالوا: كلنا يعرفه يا رسول الله. قال: فما فعل ؟ قالوا هلك. قال: " فما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام وهو على جمل أحمر، وهو يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس اجتمعوا واستمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الارض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور. وأقسم قس قسما حقا لئن كان في الامر رضى ليكون بعده سخط، إن لله لدينا هو أحب إليه من دينكم الذى أنتم عليه. مالى أرى الناس يذهبون ولا يرجعون ؟ ! أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفيكم من بروى شعره ؟ فأنشده بعضهم: في الذاهبين الاولي‍ * - ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يسعى الاصاغر والاكابر لا يرجع الماضي إلى ولا * من الباقين غابر أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر وهكذا أورده الحافظ البيهقى في كتابه " دلائل النبوة " من طريق محمد بن حسان السهمى به. وهكذا رويناه في الجزء الذى جمعه الاستاذ أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه في أخبار قس، قال: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم

[ 143 ]

الديرعاقولى (1)، عن سعيد بن شبيب، عن محمد بن الحجاج أبو (2) إبراهيم الواسطي نزيل بغداد، ويعرف بصاحب الهريسة، وقد كذبه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي والدارقطني، واتهمه غير واحد منهم ابن عدى بوضع الحديث. وقد رواه البزار وأبو نعيم من حديث محمد بن الحجاج هذا، ورواه ابن درستويه وأبو نعيم من طريق الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، وهذه الطريق أمثل من التى قبلها. وفيه أن أبا بكر هو الذى أورد القصة بكمالها نظمها ونثرها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث أحمد بن موسى بن إسحاق الخطمى (3) حدثنا على بن الحسين بن محمد المخزومى، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا وهب بن جرير، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس، قال: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: " ما فعل حليف لكم يقال له قس بن ساعدة الايادي " وذكر القصة مطولة. وأخبرنا الشيخ المسند الرحلة أحمد بن أبى طالب الحجار، إجازة إن لم يكن سماعا، قال: أجاز لنا جعفر بن على الهمداني، قال أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السلفي سماعا. وقرأت على شيخنا الحافظ أبى عبد الله الذهبي، أخبرنا أبو على الحسن بن على بن أبى بكر الخلال سماعا، قال أنبأنا جعفر بن على سماعا، قال أنبأنا السلفي سماعا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، أنبأنا أبو الفضل محمد بن أحمد


(1) هو أبويحيى عبد الكريم بن الهيثم بن زياد بن عمران القطان: نسب إلى دير العاقول هو قرية من أعمال بغداد، روى عنه البغوي والترمذي وغيرهما، وكان ثقة، توفى في شعبان سنة 278. (2) خ ط: عن ابراهيم الواسطي وهو خطأ شنيع. وكان محمد بن الحجاج هذا يصنع الهريسة، ووضع حديثا في شأنها. ميزان الاعتدال 3 / 40، وفى خ ط: الفريسة وهو تحريف. (3) ينسب إلى بطن من الانصار، وهم بنو خطمة بن جشم بن مالك بن الاوس بن حارثة. وفي الاصل والمطبوعة الحطمى وهو تحريف. (*)

[ 144 ]

ابن عيسى السعدى، أنبأنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن على المقرئ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أحمد السعدى قاضى فارس، حدثنا أبو داود سليمان بن سيف بن يحيى بن درهم الطائى من أهل حران، حدثنا أبو عمرو سعيد بن يربع، عن محمد بن إسحاق، حدثنى بعض أصحابنا من أهل العلم عن الحسن بن أبى الحسن البصري أنه قال: كان الجارود بن المعلى بن حنش بن معلى العبدى نصرانيا حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها، عالما بسير الفرس وأقاويلها، بصيرا بالفلسفة والطب، ظاهر الدهاء والادب، كامل الجمال ذا ثروة ومال، وإنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وافدا في رجال من عبد القيس ذوى آراء وأسنان وفصاحة وبيان وحجج وبرهان، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وقف بين يديه وأشار إليه وأنشأ يقول: يا نبى الهدى أتتك رجال * قطعت فدفدا وآلا فآلا (1) وطوت نحوك الصحاصح تهوى (2) * لا تعد الكلال فيك كلالا كل بهماء قصر الطرف عنها * أرقلتها قلاصنا إرقالا (3) وطوتها العتقا يجمع فيها، بكماة كأنجم تتلألأ تبتغى دفع بأس يوم عظيم * هائل أوجع القلوب وهالا ومزادا لمحشر الخلق طرا * وفراقا لمن تمادى ضلالا نحو نور من الاله وبرها * ن وبر ونعمة أن تنالا خصك الله يا ابن آمنة الخ‍ * ير بها إذ أتت سجالا سجالا فاجعل الحظ منك يا حجة الل‍ * ه جزيلا لا حظ خلف أحالا


(1) الفدفد: الفلاة. والآل: السراب. (2) الصحاصح: جمع صحصح وهو ما استوى من الارض (3) الارقال: الاسراع. (*)

[ 145 ]

قال: فأدناه النبي صلى الله عليه وسلم وقرب مجلسه وقال له: يا جارود لقد تأخر الموعد (1) بك وبقومك. فقال الجارود: فداك أبى وأمى، أما من تأخر عنك فقد فاته حظه وتلك أعظم حوبة وأغلظ عقوبة، وما كنت فيمن رآك أو سمع بك فعداك واتبع سواك وإنى الآن على دين قد علمت به، قد جئتك وها أنا تاركه لدينك، أفذلك مما يمحص الذنوب والمآثم والحوب، ويرضى الرب عن المربوب ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ضامن لك ذلك، وأخلص الآن لله بالوحدانية ودع عنك دين النصرانية. فقال الجارود: فداك أبى وأمى مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك محمد عبده ورسوله. قال: فأسلم وأسلم معه أناس من قومه. فسر النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، وأظهر من إكرامهم ما سروا به وابتهجوا به. ثم أقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الايادي ؟ فقال الجارود: فداك أبى وأمى كلنا نعرفه، وإنى من بينهم لعالم بخبره واقف على أمره. كان قس يا رسول الله سبطا من أسباط العرب، عمر ستمائة سنة تقفر منها خمسة


(1) الاصل والمطبوعة: الموعود. وهو خطأ. (*)

[ 146 ]

أعمار في البراري والقفار، يضج بالتسبيح على مثال المسيح، لا يقره قرار ولا تكنه دار ولا يستمتع به جار، كان يلبس الامساح ويفوق السياح، ولا يفتر من رهبانيته، يتحسى في سياحته بيض النعام ويأنس بالهوام، ويستمتع بالظلام، يبصر فيعتبر، ويفكر فيختبر. فصار لذلك واحدا تضرب بحكمته الامثال، وتكشف به الاهوال، أدرك رأس الحواريين سمعان. وهو أول رجل تأله من العرب ووحد، وأقر وتعبد، وأيقن بالبعث والحساب، وحذر سوء المآب، وأمر بالعمل قبل الفوت، ووعظ بالموت، وسلم بالقضا، على السخط والرضا، وزار القبور، وذكر النشور، وندب بالاشعار، وفكر في الاقدار، وأنبأ عن السماء والنماء، وذكر النجوم وكشف الماء، ووصف البحار، وعرف الآثار، وخطب راكبا، ووعظ دائبا، وحذر من الكرب ومن شدة الغضب، ورسل الرسائل، وذكر كل هائل، وأرغم في خطبه، وبين في كتبه، وخوف الدهر، وحذر الازر، وعظم الامر، وجنب الكفر، وشوق إلى الحنيفية، ودعا إلى اللاهوتية. وهو القائل في يوم عكاظ: شرق وغرب، ويتم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وإناث وذكور، وبرار وبحور، وحب ونبات، وآباء وأمهات، وجمع وأشتات، وآيات في إثرها آيات، ونور وظلام، ويسر وإعدام، ورب وأصنام، لقد ضل الانام، نشو مولود، ووأد مفقود، وتربية محصود، وفقير وغنى، ومحسن ومسئ، تبا لارباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقدن الآمل أمله، كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وأمات وأحيا، وخلق الذكر والانثى، رب الآخرة والاولى.

[ 147 ]

أما بعد: فيا معشر إياد، أين ثمود وعاد ؟ وأين الآباء والاجداد ؟ وأين العليل والعواد ؟ كل له معاد، يقسم قس برب العباد، وساطح المهاد، لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، إذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، وأشرقت الارض، ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ، فويل لمن صدف عن الحق الاشهر، والنور الازهر، والعرض الاكبر، في يوم الفصل، وميزان العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير. وبعد النصير، وظهر التقصير، ففريق في الجنة وفريق في السعير ". وهو القائل: ذكر القلب من جواه ادكار * وليال خلالهن نهار وسجال هو اطل من غمام * ثرن ماء وفى جواهن نار ضوءها يطمس العيون وأرعا * د شداد في الخافقين تطار وقصور مشيدة حوت الخي‍ * ر وأخرى خلت فهن قفار وجبال شوامخ راسيات * وبحار مياهن غزار ونجوم تلوح في ظلم اللي‍ * ل نراها في كل يوم تدار ثم شمس يحثها قمر اللي‍ * ل وكل متابع موار وصغير وأشمط وكبير * كلهم في الصعيد يوما مزار وكثير مما يقصر عنه * حدسه الخاطر (1) الذى لا يحار فالذي قد ذكرت دل على الل‍ * ه نفوسا لها هدى واعتبار قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهما نسيت فلست أنساه بسوق عكاظ، واقفا على جمل أحمر يخطب الناس: اجتمعوا فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر


(1) في اللآلئ المصنوعة: الناظر. (*)

[ 148 ]

ونبات، وأحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وضوء وضلام، وليل وأيام، وبر وآثام، إن في السماء خبرا، وإن في الارض عبرا، يحار فيهن البصرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور، وبحار لا تغور، ومنايا دوان، ودهر خوان، كحد النسطاس، ووزن القسطاس، أقسم قس قسما، لا كاذبا فيه ولا آثما، لئن كان في هذا الامر رضى، ليكونن سخط. ثم قال: أيها الناس إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم هذا الذى أنتم عليه، وهذا زمانه وأوانه. ثم قال: مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا. والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى بعض أصحابه فقال: أيكم يروى شعره لنا ؟ فقال أبو بكر الصديق: فداك أبى وأمى أنا شاهد له في ذلك اليوم حيث يقول: في الذاهبين الاولي‍ * ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يمضى الاصاغر والاكابر لا يرجع الماضي إل‍ * ي ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر قال: فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخ من عبد القيس عظيم الهامة، طويل القامة، بعيد ما بين المنكبين فقال: فداك أبى وأمى، وأنا رأيت من قس عجبا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذى رأيت يا أخا بنى عبد القيس ؟ فقال: خرجت في شيبتي أربع بعيرا لى ند عنى أقفو أثره في تنائف قفاف، ذات ضغابيس، وعرصات جثجاث بين صدور جذعان، وغمير حوذان، ومهمه ظلمان، ورصيع أيهقان، فبينا أنا في تلك الفلوات أجول بسبسبها، وأرنق فدفدها، إذا أنا بهضبة

[ 149 ]

في نشزاتها أراك كباث مخضوضلة وأغصانها متهدلة، كأن بريرها حب الفلفل وبواسق أقحوان، وإذا بعين خرارة وروضة مدهامة (1)، وشجرة عارمة، وإذا أنا بقس بن ساعدة في أصل تلك الشجرة وبيده قضيب، فدنوت منه وقلت له: أنعم صباحا. فقال: وأنت فنعم صباحك. وقد وردت العين سباع كثيرة، فكان كلما ذهب سبع منها يشرب من العين قبل صاحبه ضربه قس بالقضيب الذى بيده. وقال: اصبر حتى يشرب الذى قبلك. فذعرت من ذلك ذعرا شديدا، ونظر إلى فقال: لا تخف. وإذا بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القبران ؟ قال: قبرا أخوين كانا يعبدان الله عزوجل بهذا الموضع. فأنا مقيم بين قبريهما أ عبد الله بين قبريهما أ عبد الله حتى ألحق بهما. فقلت له: أفلا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وتباينهم على شرهم ؟ فقال لى: ثكلتك أمك ! أو ما علمت أن ولد إسماعيل تركوا دين أبيهم واتبعوا الاضداد وعظموا الانداد ؟ ! ثم أقبل على القبرين وأنشأ يقول: خليلي هبا طالما قد رقدتما * أجدكما لا تقضيان كراكما أرى النوم بين الجلد والعظم منكما * كأن الذى يسقى العقار سقاكما أمن طول نوم لا تجيبان داعيا * كأن الذى يسقى العقار سقاكما ألم تعلما أنى بنجران مفردا * ومالى فيه من حبيب سواكما مقيم على قبريكما لست بارحا * إياب الليالى أو يجيب صداكما أبكيكما طول الحياة وما الذى * يرد على ذى لوعة أن بكاكما فلو جعلت نفس لنفس امرئ فدى * لجدت بنفسى أن تكون فداكما


(1) التنائف: جمع تنوفة وهى المفازة. والقفاف: جمع قف، وهو حجارة غاص بعضها ببعض لا تخالطها سهولة. والضغابيس: أغصان التمام والشوك التى تؤكل. والجثجاث: نبت. والجذعان: صغار الجبال. والحوذان: نبت. والظلمان: جمع ظليم وهو ذكر النعام. والايهقان: عشب يطول وله وردة حمراء وورقه عريض ويؤكل أو الجرجير البرى. والكباث: النضيج من ثمار الاراك. والمخضوضلة: المبتلة. والبرير: الاول من ثمر الاراك. والمدهامة: الخضراء تضرب إلى السواد نعمة وريا. (*)

[ 150 ]

كانكما والموت أقرب غاية * بروحى في قبريكما قد أتاكما قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله قسا، أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده. وهذا الحديث غريب جدا من هذا الوجه وهو مرسل، إلا أن يكون الحسن سمعه من الجارود. والله أعلم. وقد رواه البيهقى، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر من وجه آخر من حديث محمد ابن عيسى بن محمد بن سعيد القرشى الاخباري: حدثنا أبى، حدثنا على بن سليمان بن على، عن على بن عبد الله، وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما. قال: قدم الجارود بن عبد الله فذكر مثله أو نحوه مطولا بزيادات كثيرة في نظمه ونثره، وفيه ما ذكره عن الذى ضل بعيره فذهب في طلبه قال: فبت في واد لا آمن فيه حتفى، ولا أركن إلى غير سيفى، أرقب الكواكب، وأرمق الغيهب، حتى إذا الليل عسعس، وكاد الصبح أن يتنفس، هتف بى هاتف يقول: يا أيها الراقد في الليل الاجم * قد بعث الله نبيا في الحرم من هاشم أهل الوفاء والكرم * يجلو دجيات الدياجى والبهم قال: فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا ولا سمعت له فحصا، قال فأنشأت أقول: يا أيها الهاتف في داجى الظلم * أهلا وسهلا بك من طيف ألم بين هداك الله في لحن الكلم * ماذا الذى تدعو إليه يغتنم ؟ قال: فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول: ظهر النور، وبطل الزور، وبعث الله محمدا بالمور، صاحب النجيب الاحمر، والتاج والمغفر، والوجه الازهر، والحاجب الاقمر،

[ 151 ]

والطرف الاحور، صاحب قول شهادة أن لا إله إلا الله، وذلك محمد المبعوث إلى الاسود والابيض أهل المدر والوبر. ثم أنشأ يقول: الحمد لله الذى * لم يخلق الخلق عبث لم يخلنا يوما سدى * من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمدا * خير نبى قد بعث صلى عليه الله ما * حج له ركب وحث وفيه من إنشاء قس بن ساعدة: يا ناعى الموت والملحود في جدت * عليهم من بقايا ثوبهم (1) خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * فهم إذا انتبهوا من نومهم أرقوا حتى يعودوا بحال غير حالهم * خلقا جديدا كما من قبله خلقوا منهم عراة ومنهم في ثيابهم * منها الجديد ومنها المنهج (2) الخلق ثم رواه البيهقى عن أبى محمد (3) بن عبد الله بن يوسف بن أحمد الاصبهاني حدثنا أبو بكر أحمد بن سعيد بن فرضخ الاخميمى بمكة (4)، حدثنا القاسم بن عبد الله بن مهدى، حدثنا أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومى، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبى حمزة الثمالى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. فذكر القصة وذكر الانشاد قال فوجدوا عند رأسه صحيفة فيها: يا ناعى الموت والاموات في جدث * عليهم من بقايا ثوبهم (1) خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * كما ينبه من نوماته الصعق


(1) المطبوعة: نومهم، وهو خطأ. (2) المنهج: الثوب الذى أسرع فيه البلى. (3) المطبوعة: محمد، وهو خطأ. (4) ذكر الدارقطني أن أحمد بن سعيد بن فرضخ روى عن القاسم بن عبد الله بن مهدى أحاديث موضوعة كلها كذب لا تحل روايتها، والحمل فيها على ابن فرضخ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ المتهم بها فإنه كان يركب الاسانيد ويضع عليها الاحاديث. انظر اللآلئ المصنوعة 1 / 186. (*)

[ 152 ]

منهم عراة وموتى في ثيابهم * منها الجديد ومنها الازرق الخلق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذى بعثنى بالحق لقد آمن قس بالبعث ". وأصله مشهور، وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة. وقد تكلم أبو محمد بن درستويه على غريب ما وقع في هذا الحديث، وأكثره ظاهر إن شاء الله تعالى، وما كان فيه غرابة شديدة نبهنا عليه في الحواشى. وقال البيهقى: أنبأنا أبو سعد (1) سعيد بن محمد بن أحمد الشعيثى، حدثنا أبو عمرو ابن أبى طاهر المحمد أباذى لفظا، حدثنا أبو لبابة محمد بن المهدى الابيوردى (2) حدثنا أبى، حدثنا سعيد بن هبيرة، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال: قدم وفد إياد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل قس بن ساعدة ؟ قالوا هلك. قال: أما إنى سمعت منه كلاما ما أرى أنى أحفظه. فقال بعض القوم نحن نحفظه يا رسول الله. قال: هاتوا. فقال قائلهم: إنه وقف (3) بسوق عكاظ فقال: يا أيها الناس استمعوا، واسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة (4) وأنهار مجراة (4) إن في السماء لخبرا، وإن في الارض لعبرا، أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا بالاقامة فأقاموا، أم تركو فناموا ؟ ! أقسم قس قسما بالله لا آثم فيه، إن لله دينا هو أرضى مما أنتم عليه ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الاول‍ * ين من القرون لنا بصائر لما رأيت مصارعا * للقوم ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يمضى الاكابر والاصاغر


(1) ط خ: أبو سعد بن محمد، وهو خطأ والتصويب من اللآلئ.. (2) ط خ: الاموردى، وهو خطأ. (3) ط خ: إنى واقف، وهو خطأ. (4) ط خ: مرسية. مجرية، وهو خطأ. (*)

[ 153 ]

أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر ثم ساقه البيهقى من طرق أخر قد نبهنا عليها فيما تقدم. ثم قال بعد ذلك كله: وقد روى هذا الحديث عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس بزيادة ونقصان. وروى من وجه آخر عن الحسن البصري منقطعا. وروى مختصرا من حديث سعد بن أبى وقاص وأبى هريرة. قلت: وعبادة بن الصامت كما تقدم، وعبد الله بن مسعود كما رواه أبو نعيم في كتاب " الدلائل " عن عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي، عن أبى الوليد طريف ابن عبيد الله مولى على أبى طالب بالموصل عن يحيى بن عبد الحميد الحمانى، عن أبى معاوية عن الاعمش عن أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود فذكره. وروى أبو نعيم أيضا حديث عبادة المتقدم وسعد بن أبى وقاص. ثم قال البيهقى: وإذا روى الحديث من أوجه أخر وإن كان بعضها ضعيفا دل على أن للحديث أصلا (1) والله أعلم. ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رضى الله عنه هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح ابن عدى بن كعب بن لؤى القرشى العدوى. وكان الخطاب والد عمر بن الخطاب عمه وأخاه لامه، وذلك لان عمرو بن نفيل كان كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه، وكان لها من نفيل أخوه الخطاب. قاله الزبير ابن بكار ومحمد بن إسحاق.


(1) حديث قس ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة واستعرض طرقه كلها 1 / 183 - 192، وذكر علل الطرق جميعا، ونقل عن ابن حجر قوله: " قد أفرد بعض الرواة طرق حديث قس بن ساعدة وهو في الطوالات للطبراني وغيرها، وطرقه كلها ضعيفة ". (*)

[ 154 ]

وكان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الاوثان وفراق دينهم، وكان لا يأكل إلا ما ذبح على اسم الله وحده. قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثنى هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذى نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيرى. ثم يقول: اللهم إنى لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم. ثم يسجد على راحلته. وكذا رواه أبو أسامة عن هشام به. وزاد: وكان يصلى إلى الكعبة ويقول: إلهى إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم. وكان يحيى الموءودة، ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، ادفعها إلى أكفلها، فإذا ترعرعت فخذها وإن شئت فادفعها. أخرجه النسائي من طريق أبى أسامة، وعلقه البخاري فقال: وقال الليث: كتب إلى هشام بن عروة عن أبيه به. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو ابن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحويرث بن أسد ابن عبد العزى، وعبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة (1) بن كبير ابن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. وأمه أميمة بنت عبد المطلب. وأخته زينب بنت جحش التى تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مولاه زيد بن حارثة. كما سيأتي بيانه. حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض. فقال


(1) المطبوعة: برة، وهو تحريف. (*)

[ 155 ]

قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شئ، لقد أخطأوا دين إبراهيم وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع ؟ ! فابتغوا لانفسكم (1). فخرجوا يطلبون ويسيرون في الارض يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. فأما ورقة بن نوفل فتنصر واستحكم في النصرانية وابتغى الكتب من أهلها حتى علم علما كثيرا من أهل الكتاب. ولم يكن فيهم أعدل أمرا وأعدل ثباتا من زيد بن عمرو بن نفيل، اعتزل الاوثان وفارق الاديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين الحنيفية دين إبراهيم، يوحد الله ويخلع من دونه ولا يأكل ذبائح قومه فأذاهم بالفراق لما هم فيه. قال: وكان الخطاب قد آذاه أذى كثيرا حتى خرج منه إلى أعلى مكة، ووكل به الخطاب شبابا من قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال: لا تتركوه يدخل [ مكة ] فكان لا يدخلها إلا سرا منهم فإذا علموا به أخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم أو يتابعه أحد إلى ما هو عليه. وقال موسى بن عقبة: سمعت من أرضى يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الارض، لم تذبحوها على غير اسم الله ؟ ! إنكارا لذلك وإعظاما له. وقال يونس عن ابن إسحاق: وقد كان زيد بن عمرو بن نفيل قد عزم على الخروج من مكة ليضرب (2) في الارض يطلب الحنيفية دين إبراهيم، وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض للخروج وأراده آذنت الخطاب بن نفيل. فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الاول دين إبراهيم


(1) ابن هشام: ؟ ا قوم التمسوا لانفسكم. (2) خ ط: فضرب. (*)

[ 156 ]

ويسأل عنه، ولم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها، حتى أتى راهبا ببيعة من أرض البلقاء كان ينتهى إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال له الراهب: إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس من علمه وذهب من كان يعرفه، ولكنه قد أظل خروج نبى وهذا زمانه. وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منها، فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة، حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه، فقال ورقة يرثيه: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الارض سبعين واديا وقال محمد بن عثمان بن أبى شيبة: حدثنا أحمد بن طارق الوابشى، حدثنا عمرو بن عطية، عن أبيه، عن ابن عمر، عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يتأله في الجاهلية، فانطلق حتى أتى رجلا من اليهود فقال له أحب أن تدخلني معك في دينك. فقال له اليهودي: لا أدخلك في دينى حتى تبوء بنصيبك من غضب الله. فقال: من غضب الله أفر. فانطلق حتى أتى نصرانيا، فقال له: أحب أن تدخلني معك في دينك. فقال: لست أدخلك في دينى حتى تبوء بنصيبك من الضلالة. فقال: من الضلالة أفر. قال له النصراني: فإنى أدلك على دين إن تبعته اهتديت. قال: أي دين ؟ قال: دين إبراهيم. قال: فقال اللهم إنى أشهدك أنى على دين إبراهيم عليه أحيا وعليه أموت. قال: فذكر شأنه للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: هو أمة وحده يوم القيامة.

[ 157 ]

وقد روى موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر نحو هذا. وقال محمد بن سعد: حدثنا على بن محمد بن عبد الله بن سيف القرشى، عن إسماعيل، عن مجالد عن الشعبى، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: شاممت اليهودية والنصرانية فكرهتهما، فكنت بالشام وما والاها، حتى أتيت راهبا في صومعة فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الاوثان واليهودية والنصرانية. فقال له: أراك تريد دين إبراهيم يا أخا أهل مكة، إنك لتطلب دينا ما يوجد اليوم أحد يدين به، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، كان يصلى ويسجد إلى هذا البيت الذى ببلادك، فالحق ببلدك فإن الله يبعث من قومك في بلدك من يأتي بدين إبراهيم الحنيفية وهو أكرم الخلق على الله. وقال يونس عن ابن إسحاق حدثنى بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل: أن زيدا كان إذا دخل الكعبة قال: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم [ مستقبل القبلة ] (1) وهو قائم، إذ قال إلهى أنفى لك عان راغم، مهما تجشمنى فإنى جاشم، البر أبغى لا الخال (2)، ليس مهجر كمن قال (3). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل العدوى، عن أبيه عن جده، أن زيد بن عمرو وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو: من أين أقبلت يا صاحب البعير ؟ فقال: من بنية إبراهيم. فقال: وما تلتمس ؟ قال: ألتمس الدين. قال: ارجع فإنه يوشك أن يظهر في أرضك.


(1) من ابن هشام (2) الخال: الخيلاء والكبر. وفى المطبوعة: أتحال، وهو تحريف. (3) المهجر: من يسير في الهاجرة وهى شدة الحر. ومن قال: من نام في القائلة. وفى ابن هشام: ليس مهجر. (*)

[ 158 ]

قال: فأما ورقة فتنصر، وأما أنا فعزمت على النصرانية فلم يوافقني فرجع وهو يقول: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، البر أبغى لا الخال، فهل مهجر كمن قال ؟ ! آمنت بما آمن به إبراهم وهو يقول: أنفى لك عان راغم، مهما تجشمنى فإنى جاشم، ثم يخر فيسجد. قال وجاء ابنه يعنى سعيد بن زيد أحد العشرة رضى الله عنه فقال: يا رسول الله إن أبى كما رأيت وكما بلغك، فاستغفر له، قال: " نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده (1) ". قال: وأتى زيد بن عمرو بن زيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة، وهما يأكلان من سفرة لهما، فدعواه لطعامهما فقال زيد بن عمرو: يا ابن أخى أنا لا آكل مما ذبح على النصب (2). وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمرو، حدثنى أبو بكر بن أبى سبرة، عن موسى ابن ميسرة، عن ابن أبى مليكة، عن حجر بن أبى إهاب. قال: رأيت زيد بن عمرو وأنا عند صنم بوانة بعدما رجع من الشام، وهو يراقب الشمس فإذا زالت استقبل الكعبة فصلى ركعة سجدتين ثم يقول: هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل، لا أعبد حجرا ولا أصلى له ولا آكل ما ذبح له ولا أستقسم الازلام، وإنما أصلى لهذا البيت حتى أموت. وكان يحج


(1) خ ط: واحدة (2) هنا يأتي اعتراض: كيف وفق الله زيدا إلى ترك أكل ما ذبح على النصب وما لم يذكر اسم الله عليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية ؟ وقد أجاب السهيلي بوجهين: الاول أنه ليس في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل منها وإنما في الحديث أن زيدا قال حين قدمت السفرة: لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه. والثانى: أن زيدا إنما فعل ذلك برأى رآه لا بشرع متقدم، وإنما تقدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذبح لغير الله، وإنما نزل تحريم ذلك في الاسلام، وبعض الاصوليين يقولون الاشياء قبل ورود الشرع على الاباحة. انظر الروض الانف 1 / 147 (*)

[ 159 ]

فيقف بعرفة، وكان يلبى فيقول: لبيك لا شريك لك ولا ندلك ثم يدفع من عرفة ماشيا وهو يقول: لبيك متعبدا مرقوقا. وقال الواقدي: حدثنى على بن عيسى الحكمى، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بنى عبد المطلب، ولا أرانى أدركه، وأنا أو من به وأصدقه وأشهد أنه نبى، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه منى السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك. قلت: هلم. قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإنى طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكان من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك. وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبى غيره. قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول زيد بن عمرو وإقرائه منه السلام، فرد عليه السلام وترحم عليه وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا. وقال البخاري في صحيحه: ذكر زيد بن عمرو بن نفيل: حدثنى محمد بن أبى بكر، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثنى سالم، عن عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لقى زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (1) قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحى، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل


(1) بلدح: واد قبل مكة من جهة المغرب قال ابن قيس الرقيات: فمنى فالجمار من عبد شمس * مقفرات فبلدح فحراء (*)

[ 160 ]

إلا ما ذكر اسم الله عليه. وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الارض، ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له. قال موسى بن عقبة: وحدثني سالم بن عبد الله، ولا أعلمه إلا تحدث به عن ابن عمر، أن زيد بن عمرو ابن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقى عالما من اليهود فسأله عن دينهم، فقال: إنى لعلى أن أدين دينكم (1) فأخبرني. فقال: إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله: قال زيد: وما أفر إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمل من غضب الله شيئا ولا أستطيعه (2)، فهل تدلني على غيره ؟ قال: ما أعلمه، إلا أن تكون حنيفا. قال زيد: وما الحنيف ؟ قال دين إبراهيم عليه السلام، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد، فلقى عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك [ من لعنة الله. قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، ولا أستطيع، فهل تدلني ] (3) على غيره ؟ قال: ما أعلمه، إلا أن تكون حنيفا. قال: وما الحنيف ؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إنى أشهدك أنى على دين إبراهيم. قال: وقال الليث: كتب إلى هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول:


(1) أي عازم عليه ومتهيئ له. (2) الذى في البخاري 2 / 178 طبعة الاميرية: " وأنا أستطيعه ". (3) سقط من المطبوعة. (*)

[ 161 ]

يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيرى. وكان يحيى الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها. فيأخذها فإذا ترعرعت قال لابيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها. انتهى ما ذكره البخاري (1). وهذا الحديث الاخير قد أسنده الحافظ ابن عساكر، من طريق أبى بكر بن أبى داود عن عيسى بن حماد، عن الليث، عن هشام، عن أبيه عن أسماء فذكر نحوه. وقال عبد الرحمن بن أبى الزناد: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالت: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش إياكم والزنا فإنه يورث الفقر. وقد ساق ابن عساكر هاهنا أحاديث غريبة جدا، وفى بعضها نكارة شديدة. ثم أورد من طرق متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يبعث يوم القيامة أمة وحده. فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن أبى شيبة، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا يحيى بن سعيد الاموى، عن مجالد عن الشعبى، عن جابر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول: إلهى إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يحشر ذاك أمة وحده بينى وبين عيسى بن مريم ". إسناده جيد حسن. وقال الواقدي: حدثنى موسى بن شيبة، عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال سمعت سعيد بن المسيب يذكر زيد بن عمرو بن نفيل فقال: توفى وقريش


(1) صحيح البخاري 2 / 178 - 179. (*)

[ 162 ]

تبنى الكعبة، قبل أن ينزل الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين ولقد نزل به (1) وإنه ليقول أنا على دين إبراهيم. فأسلم ابنه سعيد بن زيد واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتى عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم. قال: فكان المسلمون بعد ذلك اليوم لا يذكره ذاكر منهم إلا ترحم عليه واستغفر له، ثم يقول سعيد بن المسيب: رحمه الله وغفر له. وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثنى زكريا بن يحيى السعدى، عن أبيه قال: مات زيد بن عمرو بن نفيل بمكة ودفن بأصل حراء. وقد تقدم أنه مات بأرض البلقاء من الشام لما عدا عليه قوم من بنى لخم فقتلوه بمكان يقال له ميفعة. والله أعلم. وقال الباغندى: عن أبى سعيد الاشج، عن أبى معاوية، عن هشام عن أبيه، عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين " وهذا إسناد جيد، وليس هو في شئ من الكتب. ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله: إلى الله أهدى مدحتي وثنائيا * وقولا رضيا لا ينى الدهر باقيا إلى الملك الاعلى الذى ليس فوقه * إله ولا رب يكون مدانيا وقد قيل إنها لامية بن أبى الصلت. والله أعلم. ومن شعره في التوحيد ما حكاه محمد بن إسحاق والزبير بن بكار وغيرهما: وأسلمت وجهى لمن أسلمت * له الارض تحمل صخرا ثقالا


(1) أي الموت. (*)

[ 163 ]

دحاها فلما استوت شدها * سواء وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهى لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهى لمن أسلمت * له الريح تصرف ؟ حالا فحالا وقال محمد بن إسحاق: حدثنى هشام بن عروة قال: روى أبى أن زيد بن عمرو قال: أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الامور عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بنى عمرو أزور ولا غنما أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي يسير عجبت وفى الليالى معجبات * وفى الايام يعرفها البصير بأن الله قد أفنى رجالا * كثيرا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم * فيربل منهم الطفل الصغير وبينا المرء يعثر ثاب يوما * كما يتروح الغصن النضير ولكن أ عبد الرحمن ربى * ليغفر ذنبي الرب الغفور فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوها لا تبوروا ترى الابرار دارهم جنان * وللكفار حامية سعير وخزى في الحياة وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به الصدور هذا تمام ما ذكره محمد بن إسحاق من هذه القصيدة. وقد رواه أبو القاسم البغوي عن مصعب بن عبد الله، عن الضحاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد

[ 164 ]

قال: قال هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبى بكر قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل: عزلت الجن والجنان عنى * كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بنى طسم أدير ولا غنما أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي صغير أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الامور ألم تعلم بأن الله أفنى * رجالا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم * فيربو منهم الطفل الصغير وبينا المرء يعثر ثاب يوما * كما يتروح الغصن النضير قالت: فقال ورقة بن نوفل: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا لدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك جنان الجبال كما هيا أقول إذا أهبطت أرضا مخوفة * جنانيك لا تظهر على الاعاديا حنانيك إن الجن أنت (1) رجاؤهم * وأنت إلهى ربنا ورجائيا لتدركن المرء رحمة ربه * وإن كان تحت الارض سبعين واديا (2) أدين لرب يستجيب ولا أرى * أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا أقول إذا صليت في كل بيعة * تباركت قد أكثرت باسمك داعيا تقدم أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام هو وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش، فتنصروا إلا زيدا فإنه لم يدخل في شئ من الاديان،


(1) ط: كانت (2) رواية ابن هشام: وقد تدرك الانسان رحمة ربه * وإن كان تحت الارض سبعين واديا وهى أولى، وقد ذكرها المؤلف قبل. ونصب سبعين على تقدير فعل مثل: بعد تحت الارض سبعين واديا. (*)

[ 165 ]

بل بقى على فطرته من عبادة الله وحده لا شريك له، متبعا ما أمكنه من دين إبراهيم. على ما ذكرناه. وأما ورقة بن نوفل فسيأتي خبره في أول المبعث وأما عثمان بن الحويرث فأقام بالشام حتى مات فيها عند قيصر. وله خبر عجيب ذكره الاموى، ومختصره: أنه لما قدم على قيصر فشكا إليه ما لقى من قومه، كتب له إلى ابن جفنة ملك عرب الشام ليجهز معه جيشا لحرب قريش، فعزم على ذلك، فكتبت إليه الاعراب تنهاه عن ذلك لما رأوا من عظمة مكة وكيف فعل الله بأصحاب الفيل، فكساه ابن جفنة قميصا مصبوغا مسموما فمات من سمه، فرثاه زيد بن عمرو بن نفيل بشعر ذكره الاموى، تركناه اختصارا. وكانت وفاته قبل المبعث بثلاث سنين أو نحوها. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 166 ]

ذكر شئ مما وقع من الحوادث في زمن الفترة فمن ذلك بنيان الكعبة وقد قيل: إن أول من بناه آدم. وجاء في ذلك حديث مرفوع عن عبد الله بن عمرو وفى سنده ابن لهيعة وهو ضعيف. وأقوى الاقوال أن أول من بناه الخليل عليه السلام. كما تقدم. وكذلك رواه سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن على بن أبى طالب. قال: ثم تهدم فبنته العمالقة، ثم تهدم فبنته جرهم، ثم ثهدم فبنته قريش. قلت: سيأتي بناء قريش له، وذلك قبل المبعث بخمس سنين، وقيل بخمس عشرة سنة. وقال الزهري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الحلم. وسيأتى ذلك كله في موضعه إن شاء الله وبه الثقة. ذكر كعب بن لؤى روى أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة، عن محمد بن طلحة التيمى، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبى سلمة قال: كان كعب بن لؤى يجمع قومه يوم الجمعة، وكانت قريش تسميه العروبة، فيخطبهم فيقول: أما بعد فاسمعوا وتعلموا، وافهموا واعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح والارض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، والاولون كالآخرين، والانثى والذكر، والزوج (1) وما يهيج إلى بلى، فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم. فهل رأيتم من هالك رجع ؟


(؟) خ ط: والروح. وهو خطأ. والذى في دلائل النبوة لابي نعيم: والانثى والذكر والزوج إلى بلى صائرون. (*)

[ 167 ]

أو ميت نشر ؟ الدار أمامكم، والظن غير ما تقولون، حرمكم زينوه وعظموه وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبى كريم ثم يقول: نهار وليل كل يوم بحادث * سواء علينا ليلها ونهارها يؤوبان بالاحداث حين تأوبا * وبالنعم الضافى علينا ستورها على غفلة يأتي النبي محمد * فيخبر أخبارا صدوق خبيرها ثم يقول: والله لو كنت فيها ذا سمع وبصر، ويد ورجل، لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولارقلت فيها إرقال الفحل (1). ثم يقول: يا ليتنى شاهدا فحواء (2) دعوته * حين العشيرة تبغى الحق خذلانا قال: وكان بين موت كعب بن لؤى ومبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة عام وستون سنة. ذكر تجديد حفر زمزم على يدى عبد المطلب بن هاشم التى كان قد درس رسمها بعد طم جرهم لها إلى زمانه. قال محمد بن إسحاق: ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم في الحجر [ إذ أتى فأمر بحفر زمزم ] (3) وكان أول ما ابتدى به عبد المطلب من حفرها، كما حدثنى يزيد بن أبى حبيب المصرى عن مرثد بن عبد الله اليزنى (4)، عن عبد الله بن ذرير (5) الفافقى أنه سمع


(1) العجل. وهو خطأ. (2) نجواء. وهو خطأ. (3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. (4) المطبوعة: المزني، وهو تحريف: (5) المطبوعة: رزين، وهو تحريف. (*)

[ 168 ]

على بن أبى طالب رضى الله عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها قال: قال عبد المطلب: إنى لنائم في الحجر إذ أتانى آت فقال لى: احفر طيبة. قال: قلت وما طيبة ؟ قال: ثم ذهب عنى. قال: فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة. قال: قلت وما برة ؟ قال: ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة. قال قلت: وما المضنونة ؟ قال ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذم (1)، تسقى الحجيج الاعظم، وهى بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الاعصم، عند قرية النمل (2). قال: فلما بين له (3) شأنها ودل على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطى (4) كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الامر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. قالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بينى وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بنى سعد بن هذيم (5) قال: نعم. وكانت بأشراف الشام.


(1) بئر ذمة وذميم وذميمة: قليلة الماء. فهو من أذممت البئر، أي وجدتها ذمة، كما تقول: أجبنت الرجل إذا وجدته جبانا. وفى المطبوعة: تزم، وهو تحريف. (2) ذكر السهيلي عللا لهذه العلامات من أحوال زمزم. (3) المطبوعة: لى، وهو خطأ. (4) الطى: ما طوى به البئر من الحجارة. وفى المطبوعة: الطمى وهو تحريف. (5) الطبري: سعد هذيم. وهو الصواب. (*)

[ 169 ]

فركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفر. فخرجوا والارض إذ ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبد المطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم فأبوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فقال عبد المطلب: إنى أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه. فقالوا: نعم ما أمرت به. فحفر كل رجل لنفسه حفرة ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا. ثم إن عبد المطلب قال لاصحابه: والله إن إلقاءنا (1) بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الارض ولا نبتغى لانفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا. فأرتحلوا، حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستسقوا حتى ملاوا أسقيتهم ثم دعا قبائل قريش وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الاحوال فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله. فجاءوا فشربوا واستقوا كلهم، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذى سقاك هذا الماء بهذه الفلاوة هو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم. قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغني عن على بن أبى طالب في زمزم. قال ابن إسحاق: وقد سمعت من يحدث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم:


(1) ط خ: قال لاصحابه: ألقينا بأيدينا الخ. وهو تحريف - وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 170 ]

ثم ادع باالماء الروى غير الكدر * يسقى حجيج الله في كل مبر (1) ليس يخاف منه شئ ما عمر قال: فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلموا أنى قد أمرت أن أحفر زمزم. قالوا: فهل بين لك أين هي ؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع ونام فأتى فقيل له: احفر زمزم، وإنك إن حفرتها لن تندم، وهى تراث من أبيك الاعظم، لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقى الحجيج الاعظم، مثل نعام جافل (2) لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم (3). تكون ميراثا وعقدا محكم. ليست كبعض (4) ما قد تعلم، وهى بين الفرث والدم. قال ابن إسحاق: فزعموا أن عبد المطلب حين قيل له ذلك قال: وأين هي ؟ قيل له عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا. فالله أعلم أي ذلك كان. قال: فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره. زاد الاموى: ومولاه أصرم. فوجد قرية النمل، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين إساف ونائلن اللذين كانت قريش تنحر عندهما، فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش وقالت: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما. فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عنى حتى أحفر، فو الله لامضين لما أمرت به. فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطى فكبر


(1) مبر: مفعل من البر، أي مناسك الحج ومواضع الطاعة. (2) الجافل: من جفلت الغنم إذا انقلعت بجملتها. ولم يقسم: لم يتوزع ولم يتفرق. (3) المطبوعة: بمنعم. وهو خطأ. (4) المطبوعة: لبعض، وهو خطأ. (*)

[ 171 ]

وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب اللذين كانت جرهم قد دفنتهما، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق. قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بينى وبينكم، نضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع ؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولى قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شئ كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شئ له. قالوا: أنصفت. فجعل للكعبة قدحين أصفرين وله أسودين ولهم أبيضين، ثم أعطوا القداح للذى يضرب عند هبل - وهبل أكبر أصنامهم ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد: اعل هبل. يعنى هذا الصنم - وقام عبد المطلب يدعو الله. وذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن عبد المطلب جعل يقول: اللهم أنت الملك المحمود * ربى أنت المبدئ المعيد وممسك الراسية الجلمود * من عندك الطارف والتليد إن شئت ألهمت كما تريد * لموضع الحلية والحديد فبين اليوم لما تريد * إنى نذرت العاهد المعهود اجعله رب لى فلا أعود قال وضرب صاحب القداح، فخرج الاصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الاسودان على الاسياف والادراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الاسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة (1) فيما يزعمون. ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج وذكر ابن إسحاق وغيره أن مكة كان


(1) المطبوعة: حلية للكعبة، وهو تحريف. (*)

[ 172 ]

فيها بئار كثيرة قبل ظهور زمزم في زمن عبد المطلب، ثم عددها ابن إسحاق وسماها وذكر أماكنها من مكة وحافريها، إلى أن قال: فعفت زمزم على البئار كلها وانصرف الناس كلهم إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولانها بئر إسماعيل بن إبراهيم، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب. وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث إسلام أبى ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زمزم: " إنها لطعام طعم. وشفاء سقم ". وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن عبد الله بن المؤمل، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ماء زمزم لما شرب منه ". وقد رواه ابن ماجة من حديث عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا فيه ولفظه: " ماء زمزم لما شرب له ". ورواه سويد بن سعيد، عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن أبى الموالى، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ماء زمزم لما شرب له " ولكن سويد بن سعيد ضعيف. والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم. وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا " ماء زمزم لما شرب له " وفيه نظر. والله أعلم. وهكذا روى ابن ماجه أيضا والحاكم عن ابن عباس أنه قال لرجل: إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثا وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من ماء زمزم ".

[ 173 ]

وقد ذكر عن عبد المطلب أنه قال: اللهم إنى لا أحلها لمغتسل، وهى لشارب حل وبل. وقد ذكره بعض الفقهاء عن العباس بن عبد المطلب، والصحيح أنه عن عبد المطلب نفسه، فإنه هو الذى جدد حفر زمزم كما قدمنا والله أعلم. وقد قال الاموى في مغازيه: حدثنا أبو عبيد، أخبرني يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن حرملة، سمعت سعيد بن المسيب يحدث أن عبد المطلب بن هاشم حين احتفر زمزم. قال: لا أحلها لمغتسل وهى لشارب حل وبل. وذلك أنه جعل لها حوضتين حوضا للشرب، وحوضا للوضوء. فعند ذلك قال: لا أحلها لمغتسل، لينزه المسجد عن أن يغتسل فيه. قال أبو عبيد: قال الاصمعي: قوله " وبل " إتباع. قال أبو عبيد: والاتباع لا بكون بواو العطف، وإنما هو كما قال معتمر بن سليمان أن " بل " بلغة حمير: مباح. ثم قال أبو عبيد: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبى النجود، أنه سمع زرا أنه سمع العباس يقول: لا أحلها لمغتسل، وهى لشارب حل وبل. وحدثنا عبد الرحمن ابن مهدى، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن علقمة، أنه سمع ابن عباس يقول ذلك. وهذا صحيح إليهما، وكأنهما يقولان ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ والاعلام بما اشترطه عبد المطلب عند حفره لها، فلا ينافى ما تقدم. والله أعلم. وقد كانت السقاية إلى عبد المطلب أيام حياته، ثم صارت إلى ابنه أبى طالب مدة، ثم اتفق أنه أملق في بعض السنين فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف إلى الموسم الآخر، وصرفها أبو طالب في الحجيج في عامه فيما يتعلق بالسقاية، فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبى طالب شئ، فقال لاخيه العباس: أسلفني أربعة عشر ألفا أيضا إلى العام المقبل أعطيك جميع مالك، فقال له العباس: بشرط إن لم تعطنى تترك السقاية لى أكفكها. فقال: نعم.

[ 174 ]

فلما جاء العالم الآخر لم يكن مع أبى طالب ما يعطى العباس، فترك له السقاية فصارت إليه، ثم بعده صارت إلى عبد الله ولده ثم إلى على بن عبد الله بن عباس، ثم إلى داود بن على، ثم إلى سليمان بن على، ثم إلى عيسى بن على، ثم أخذها المنصور واستناب عليها مولاه أبا رزين. ذكره الاموى. ذكر نذر عبد المطلب ذبح أحد ولده قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب، فيما يزعمون، نذر حين لقى من قريش ما لقى عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم لله عند الكعبة. فلما تكامل بنوه عشرة. وعرف أنهم سيمنعونه، وهم: الحارث، والزبير، وحجل، وضرار، والمقوم، وأبو لهب، والعباس، وحمزة، وأبو طالب، وعبد الله، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله عزوجل بذلك. فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع ؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتونى. ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التى يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة، وهى الازلام التى يتحاكمون إليها إذا أعضل عليهم أمر من عقل أو نسب أو أمر من الامور، جاءوه فاستقسموا بها فما أمرتهم به أو نهتهم عنه امتثلوه. والمقصود أن عبد المطلب لما جاء يستقسم بالقداح عند هبل خرج القدح على ابنه عبد الله وكان أصغر ولده وأحبهم إليه، فأخذ عبد المطلب بيد ابنه عبد الله وأخذ الشفرة ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا: ما تريد

[ 175 ]

يا عبد المطلب ؟ قال أذبحه، فقالت له: قريش وبنوه إخوة عبد الله: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يجئ بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا ؟ ! وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن العباس هو الذى اجتذب عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال إنه شج وجهه شجا لم يزل في وجهه إلى أن مات. ثم أشارت قريش على عبد المطلب أن يذهب إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع، فيسألها عن ذلك، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه فاذبحه، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته. فانطلقوا حتى أتوا المدينة فوجدوا العرافة وهى سجاح، فيما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق، بخيبر، فركبوا حتى جاءوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، فقالت لهم: ارجعوا عنى اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله. فرجعوا من عندها، فلما خرجوا قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها فقالت لهم قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم ؟ قالوا: عشر من الابل. وكانت كذلك. قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الابل. ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الابل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الابل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا على ذلك الامر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الابل، ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا فلم يزالوا يزيدون عشرا ويخرج القدح على عبد الله حتى بلغت الابل مائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الابل،

[ 176 ]

فقالت عند ذلك قريش لعبد المطلب، وهو قائم عند هبل يدعو الله: قد انتهى رضى ربك يا عبد المطلب. فعندها زعموا أنه قال: لا حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات. فضربوا ثلاثا ويقع القدح فيها على الابل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع. قال ابن هشام ويقال: ولا سبع. وقد روى أنه لما بلغت الابل مائة خرج القدح على عبد الله أيضا، فزادوا مائة أخرى حتى بلغت مائتين، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا مائة أخرى فصارت الابل ثلاثمائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الابل فنحرها عند ذلك عبد المطلب. والصحيح الاول. والله أعلم. وقد روى ابن جرير عن يونس بن عبد الاعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، أن ابن عباس سألته امرأة أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة، فأمرها بذبح مائة من الابل وذكر لها هذه القصة عن عبد المطلب. وسألت عبد الله بن عمر فلم يفتها بشئ بل توقف. فبلغ ذلك مروان بن الحكم، وهو أمير على المدينة، فقال: إنهما لم يصيبا الفتيا. ثم أمر المرأة أن تعمل ما استطاعت من خير، ونهاها عن ذبح ولدها ولم يأمرها بذبح الابل، وأخذ الناس بقول مروان بذلك. والله أعلم. ذكر تزويج عبد المطلب ابنه عبد الله من آمنة بنت وهب الزهرية قال ابن إسحاق: ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله، فمر به، فيما يزعمون، على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى، وهى أم قتال أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى وهى عند الكعبة، فنظرت إلى وجهه فقالت: أين تذهب

[ 177 ]

يا عبد الله ؟ قال: مع أبى. قالت: لك مثل الابل التى نحرت عنك وقع على الآن. قال: أنا مع أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه. فخرج به عبد المطلب حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، وهو يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهى يومئذ سيدة نساء قومها. فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه، فوقع عليها، فحملت منه برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين على اليوم ما كنت عرضت بالامس ؟ قالت له: فارقك النور الذى كان معك بالامس فليس لى بك حاجة (1) وكانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب، أنه كائن في هذه الامة نبى، فطمعت أن يكون منها، فجعله الله تعالى في أشرف عنصر وأكرم محتد وأطيب أصل، كما قال تعالى " الله أعلم حيث يجعل رسالته " وسنذكر المولد مفصلا. ومما قالت أم قتال بنت نوفل من الشعر، تتأسف على ما فاتها من الامر الذى رامته، وذلك فيما رواه البيهقى من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق رحمه الله: عليك بآل زهرة حيث كانوا * وآمنة التى حملت غلاما ترى المهدى حين نزا عليها * ونورا قد تقدمه أماما


(1) الواضح من الرواية أنها طلبت من عبد الله الفاحشة فأبى، وفى اليوم التالى عرض هو عليها فأبت، وعللت إباءها بأن النور الذى كان في وجهه قد زال، وفى هذا اتهام لعبدالله، وفلسفة للفاحشة بأنها كانت رغبة في النور.. ! وليس نور النبوة إفراز عضو ولا إشراقة وجه، والرواية ظاهرة الاختلاق، وهى ذم في صورة مدح ! هذا وقد جاء بعد أنها طلبت منه الزواج. (*)

[ 178 ]

[ إلى أن قالت ]: فكل الخلق يرجوه جميعا * يسود الناس مهتديا إماما براه الله من نور صفاه * فأذهب نوره عنا الظلاما وذلك صنع ربك إذ حباه * إذا ما سار يوما أو أقاما فيهدى أهل مكة بعد كفر * ويفرض بعد ذلكم الصبياما (1) وقال أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي: حدثنا على بن حرب، حدثنا محمد ابن عمارة القرشى، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس قال: لما انطلق عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من أهل تبالة متهودة قد قرأت الكتب، يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت يا فتى هل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الابل ؟ فقال عبد الله: أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه فكيف بالامر الذى تبغينه ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثا. ثم إن نفسه دعته إلى ما دعته إليه الكاهنة فأتاها فقالت: ما صنعت بعدى ؟ فأخبرها. فقالت: والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في، وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد. ثم أنشأت فاطمة تقول: إنى رأيت مخيلة لمعت * فتلالات بحناتم (2) القطر


(1) هذا أيضا ظاهر الاختلاق، وعليه ركاكة الصنع وتفاهة الوضع، ولا أدرى لم خص الصيام من بين شعائر الاسلام ! !. (2) الحناتم: السحائب السود. (*)

[ 179 ]

فلمأتها (1) نورا يضئ له * ما حوله كإضاءة البدر ورجوتها فخرا أبوء به * ما كل قادح زنده يورى لله ما زهرية سلبت * ثوبيك ما استلبت وما تدرى وقالت فاطمة أيضا: بنى هاشم قد غادرت من أخيكم * أمينة إذ للباه يعتركان كما غادر المصباح عند خموده * فتائل قد ميثت (2) له بدهان وما كل ما يحوى الفتى من تلاده * بحزم ولا ما فاته لتواني فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * سيكفيكه جدان يعتلجان سيكفيكه إما يد مقفعلة (3) * وإما يد مبسوطة ببنان ولما حوت منه أمينة ما حوت * حوت منه فخرا ما لذلك ثان وروى الامام أبو نعيم الحافظ في كتاب " دلائل النبوة " من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن جعفر، عن ابن عون، عن المسور بن مخرمة، عن ابن عباس قال: إن عبد الملب قدم اليمن في رحلة الشتاء، فنزل على حبر من اليهود. قال: فقال لى رجل من أهل الديور - يعنى أهل الكتاب -: يا عبد المطلب أتأذن لى أن أنظر إلى بعضك ؟ قال: نعم إذا لم يكن عورة. قال: ففتح إحدى منخرى فنظر فيه ثم نظر في الآخر، فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكا وفى الاخرى نبوة، وإنا نجد ذلك في بنى زهرة فكيف ذلك ؟ قلت: لا أدرى. قال:


(1) رواية أبى نعيم: فلما بها نور. وتروى: فلمائها نور. ومعنى لمأتها: لمحتها (2) ميثت: خلطت. ورواية أبى نعيم: مئنت بدهان. (3) مقفعلة: متشنجة متقبضة (*)

[ 180 ]

هل لك من شاعة ؟ قلت وما الشاعة ؟ قال: زوجة. قلت: أما اليوم فلا. قال: فإذا رجعت فتزوج فيهم. فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت حمزة وصفية، ثم تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب فولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش حين تزوج عبد الله بآمنة: فلج، أي فاز وغلب، عبد الله على أبيه عبد المطلب.

[ 181 ]

كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه وشمائله وفضائله ودلائله الدالة عليه

[ 183 ]

باب ذكر نسبه الشريف وطيب أصله المنيف قال الله تعالى: " الله أعلم حيث يجعل رسالته ". ولما سأل هرقل ملك الروم لابي سفيان تلك الاسئلة عن صفاته عليه الصلاة والسلام، قال: كيف نسبه فيكم ؟ قال: هو فينا ذو نسب. قال: كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها. يعنى في أكرمها أحسابا وأكثرها قبيلة. صلوات الله عليهم أجمعين. فهو سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة. أبو القاسم، وأبو إبراهيم، محمد، وأحمد، والماحي الذى يمحى به الكفر، والعاقب الذى ما بعده نبى، والحاشر الذى يحشر الناس على قدميه (1)، والمقفى، ونبى الرحمة، ونبى التوبة، ونبى الملحمة، وخاتم النبيين، والفاتح، وطه، ويس، وعبد الله. قال البيهقى: وزاد بعض العلماء فقال: سماه الله في القرآن رسولا، نبيا، أميا (2)، شاهدا، مبشرا، نذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ورؤوفا رحيما، ومذكرا، وجعله رحمة ونعمة وهاديا. وسنورد الاحاديث المروية في أسمائه عليه الصلاة والسلام في باب نعقده بعد فراغ السيرة، فإنه قد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، اعتنى بجمعها الحافظان الكبيران أبو بكر البيهقى، وأبو القاسم بن عساكر، وأفرد الناس في ذلك


(1) يحشر الناس على قدميه: على أثره. أو على عهده وزمانه. (2) ط: أمينا وهو خطأ. (*)

[ 184 ]

مؤلفات، حتى رام بعضهم أن يجمع له عليه الصلاة والسلام ألف اسم، وأما الفقيه الكبير أبو بكر بن العربي المالكى شازح الترمذي بكتابه الذى سماه " عارضة الاحوذي " فإنه ذكر من ذلك أربعة وستين اسما والله أعلم. وهو ابن عبد الله، وكان أصغر ولد أبيه عبد المطلب، وهو الذبيح الثاني المفدى بمائة من الابل كما تقدم. قال الزهري: وكان أجمل رجال قريش، وهو أخو الحارث، والزبير، وحمزة، وضرار وأبى طالب، واسمه عبد ماف، وأبى لهب، واسمه عبد العزى، والمقوم، واسمه عبد الكعبة، وقيل هما اثنان، حجل واسمه المغيرة، والغيداق وهو كثير الجود، واسمه ؟ وفل، ويقال إنه حجل. فهؤلاء أعمامه عليه الصلاة والسلام. وعماته ست، وهن: أروى، وبرة، وأميمة، وصفية، وعاتكة، وأم حكيم - وهى البيضاء - وسنتكلم على كل منهم فيما بعد إن شاء الله تعالى. كلهم أولاد عبد المطلب، واسمه شيبة، يقال: لشيبة كانت في رأسه، ويقال له شيبة الحمد لجوده، وإنما قيل له عبد المطلب لان أباه هاشما لما مر بالمدينة في تجارته إلى الشام نزل على عمرو بن زيد بن لبيد بن حرام بن خداش بن خندف بن عدى بن النجار الخزرجي النجارى، وكان سيد قومه، فأعجبته ابنته سلمى فخطبها إلى أبيها، فزوجها منه واشترط عليه مقامها عنده، وقيل: بل اشترط عليه أن لا تلد إلا عنده بالمدينة. فلما رجع من الشام بنى بها وأخذها معه إلى مكة، فلما خرج في تجارة أخذها معه وهى حبلى، فتركها بالمدينة ودخل الشام فمات بغزة، ووضعت سلمى ولدها فسمته شيبة، فأقام عند أخواله بنى عدى بن النجار سبع سنين. ثم جاء عمه المطلب بن عبد مناف فأخذه خفية من أمه فذهب به إلى مكة، فلما رآه

[ 185 ]

الناس ورأوه على الراحلة قالوا: من هذا معك ؟ فقال: عبدى. ثم جاءوا فهنئوه به وجعلوا يقولون له عبد المطلب لذلك. فغلب عليه. وساد في قريش سيادة عظيمة وذهب بشرفهم ورئاستهم، فكان جماع أمرهم عليه، وكانت إليه السقاية والرفادة بعد المطلب، وهو الذى جدد حفر زمزم بعد ما كانت مطمومة من عهد جرهم، وهو أول من طلى الكعبة بذهب في أبوابها من تينك الغزالتين من ذهب اللتين وجدهما في زمزم مع تلك الاسياف القلعية. قال ابن هشام (1): وعبد المطلب أخو أسد ونضلة (2) وأبى صيفي وحية وخالدة ورقية والشفاء وضعيفة. كلهم أولاد هاشم، واسمه عمرو، وإنما سمى هاشما لهشمه الثريد مع اللحم لقومه في سنى المحل، كما قال مطرود بن كعب الخزاعى في قصيدته، وقيل للزبعرى والد عبد الله: عمرو الذى (3) هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما * سفر الشتاء ورحلة الاصياف وذلك لانه أول من سن رحلتي الشتاء والصيف وكان أكبر ولد أبيه. وحكى ابن جرير أنه كان توأم أخيه عبد شمس، وأن هاشما خرج ورجله ملتصقة برأس عبد شمس، فما تخلصت حتى سال بينهما دم، فقال الناس: بذلك يكون بين أولادهما حروب، فكانت وقعة بنى العباس مع بنى أمية بن عبد شمس سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة.


(1) ابن هشام: " فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر، وخمس نسوة... " ثم ذكرهم. وهذه طريقة ابن كثير في النقل بالمعنى. (2) المطبوعة: وفضلة. وهو تحريف. (3) ويروى: عمرو العلى. (*)

[ 186 ]

وشقيقهم الثالث المطلب، وكان المطلب أصغر ولد أبيه، وأمهم عاتكة بنت مرة ابن هلال. ورابعهم نوفل من أم أخرى، وهى واقدة بنت عمرو المازنية، وكانوا قد سادوا قومهم بعد أبيهم وصارت إليهم الرياسة، وكان يقال لهم المجيرون. وذلك لانهم أخذوا لقومهم قريش الامان من ملوك الاقاليم ليدخلوا في التجارات إلى بلادهم، فكان هاشم قد أخذ أمانا من ملوك الشام والروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس من النجاشي الاكبر ملك الحبشة، وأخذ لهم نوفل من الاكاسرة، وأخذ لهم المطلب أمانا من ملوك حمير. ولهم يقول الشاعر: يا أيها الرجل المحول رحله * إلا نزلت بآل عبد مناف وكان إلى هاشم السقاية والرفادة بعد أبيه، وإليه وإلى أخيه المطالب نسب ذوى القربى، وقد كانوا شيئا واحدا في حالتى الجاهلية والاسلام لم يفترقوا، ودخلوا معهم في الشعب، وانخذل عنهم بنو عبد شمس ونوفل. ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل ولا يعرف بنو أب تباينوا في الوفاة مثلهم، فإن هاشما مات بغزة من أرض الشام، وعبد شمس مات بمكة، ونوفل مات بسلمان (1) من أرض العراق، ومات المطلب، وكان يقال له القمر لحسنه، بردمان (2) من طريق اليمن. فهؤلاء الاخوة الاربعة المشاهير وهم هاشم، وعبد شمس، ونوفل، والمطلب. ولهم أخ خامس ليس بمشهور وهو أبو عمرو واسمه عبد، وأصل اسمه عبد قصى. فقال الناس عبد بن قصى، درج ولا عقب له. قاله الزبير بن بكار وغيره.


(2) خ ط: بريمان. وهو خطأ. وما أثبته عن ابن هشام (1) خ ط: بسلامان. وهو خطأ. وما أثبته عن ابن هشام (*)

[ 187 ]

وأخوات ست وهن، تماضر، وحية، وريطة، وقلابة، وأم الاخثم وأم سفيان. كل هؤلاء أولاد عبد مناف، ومناف اسم صنم، وأصل اسم عبد مناف المغيرة. وكان قد رأس في زمن والده، وذهب به الشرف كل مذهب. وهو أخو عبد الدار الذى كان أكبر ولد أبيه وإليه أوصى بالمناصب كما تقدم. عبد العزى وعبد وبرة وتخمر، وأمهم كلهم حبى بنت حليل بن حبشية (1) بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى، وأبوها آخر ملوك خزاعة وولاة البيت منهم. وكلهم أولاد قصى واسمه زيد، وإنما سمى بذلك لان أمه تزوجت بعد أبيه بربيعة بن حرام بن عذرة فسافر بها إلى بلاده وابنها صغير فسمى قصيا لذلك. ثم عاد إلى مكة وهو كبير ولم شعث قريش وجمعها من متفرقات البلاد، وأزاح يد خزاعة عن البيت، وأجلاهم عن مكة ورجع الحق إلى نصابه، وصار رئيس قريش على الاطلاق، وكانت إليه الرفادة (2) والسقاية، وهو سنها، والسدانة والحجابة واللواء، وداره دار الندوة كما تقدم بسط ذلك كله. ولهذا قال الشاعر: قصى لعمري كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر وهو أخو زهرة، كلاهما ابن كلاب أخى تيم، ويقظة أبى مخزوم. ثلاثتهم أبناء مرة أخى عدى وهصيص. وهم أبناء كعب، وهو الذى كان يخطب قومه كل جمعة ويبشرهم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد في ذلك أشعارا كما قدمنا. وهو أخو عامر وسامة وخزيمة وسعد والحارث وعوف، سبعتهم أبناء لؤى أخى تيم الادرم. وهما أبناء غالب أخى الحارث


(1) المطبوعة: حبشي، وهو خطأ. (2) ط: الوفادة. وهو خطأ. (*)

[ 188 ]

ومحارب. ثلاثتهم أبناء فهر، وهو أخو الحارث، وكلاهما ابن مالك. وهو أخو الصلت ويخلد، وهم بنو النضر الذى إليه جماع قريش على الصحيح كما قدمنا الدليل عليه، وهو أخو مالك وملكان وعبد مناة وغيرهم، كلهم أولاد كنانة أخى أسد وأسدة والهون، أولاد خزيمة، وهو أخو هذيل. وهما ابنا مدركة، واسمه عمرو، أخو طابخة واسمه عامر، وقمعة، ثلاثتهم أبناء الياس، وأخو الياس هو عيلان والد قيس كلها، وهما ولدا مضر أخى ربيعة. ويقال لهما الصريحان من ولد إسماعيل، وأخواهما أنمار وإياد تيامنا، أربعتهم أبناء نزار أخى قضاعة، في قول طائفة ممن ذهب إلى أن قضاعة حجازية عدنانية، وقد تقدم بيانه. كلاهما أبناء معد بن عدنان. وهذا النسب بهذه الصفة لا خلاف فيه بين العلماء، فجميع قبائل عرب الحجاز ينتهون إلى هذا النسب، ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ": لم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نسب يتصل بهم. وصدق ابن عباس رضى الله عنه فيما قال وأزيد مما قال. وذلك أن جميع قبائل العرب العدنانية تنتهى إليه بالآباء وكثير منهم بالامهات أيضا، كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره في أمهاته وأمهات آبائه وأمهاتهم ما يطول ذكره. وقد حرره ابن إسحاق رحمه الله والحافظ ابن عساكر. وقد ذكرنا في ترجمة عدنان نسبه وما قيل فيه، وأنه من ولد إسماعيل لا محالة، وإن اختلف في كم أب بينهما ؟ على أقوال قد بسطناها فيما تقدم. والله أعلم. وقد ذكرنا بقية النسب من عدنان إلى آدم، وأوردنا قصيدة أبى العباس الناشئ المتضمنة ذلك، كل ذلك في أخبار عرب الحجاز ولله الحمد.


(1) خ ط: كم بينهما أبا. وهو لا يستقيم عربية. (*)

[ 189 ]

وقد تكلم الامام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في أول تاريخه على ذلك كلاما مبسوطا جيدا محررا نافعا (1). وقد ورد حديث في انتسابه عليه السلام إلى عدنان وهو على المنبر، ولكن الله أعلم بصحته، كما قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ، ببغداد، حدثنا أبو عيسى بكار بن أحمد بن بكار، حدثنا أبو جعفر أحمد ابن موسى بن سعد، إملاء سنة ست وتسعين ومائتين، حدثنا أبو جعفر محمد بن أبان القلانسى، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامى، حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس، وعن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجالا من كندة يزعمون أنهم منه وأنه منهم فقال " إنما كان يقول ذلك العباس وأبو سفيان بن حرب فيأمنا بذلك، وإنا لن ننتفى من آبائنا، نحن بنو النضر ابن كنانة ". قال: وخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوى فلم يصبنى شئ من عهر الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبى وأمى، فأنا خيركم نفسا، وخيركم أبا ". وهذا حديث غريب جدا من حديث مالك. تفرد به القدامى وهو ضعيف. ولكن سنذكر له شواهد من وجوه أخر.


(1) وذلك في الجزء الثاني. (*)

[ 190 ]

فمن ذلك قوله " خرجت من نكاح لا من سفاح " قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أبى جعفر الباقر في قوله تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " قال: لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنى خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ". وهذا مرسل جيد. وهكذا رواه البيهقى عن الحاكم عن الاصم، عن محمد بن إسحاق الصنعانى، عن يحيى بن أبى بكير، عن عبد الغفار بن القاسم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أخرجنى من النكاح ولم يخرجني من السفاح ". وقد رواه ابن عدى موصولا فقال: حدثنا أحمد بن حفص، حدثنا محمد بن أبى عمرو العدنى المكى، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين، قال أشهد على أبى حدثنى عن أبيه، عن جده، عن على بن أبى طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدنى أبى وأمى، ولم يصبنى من سفاح الجاهلية شئ ". هذا غريب من هذا الوجه ولا يكاد يصح. وقال هشيم: حدثنا المدينى، عن أبى الحويرث، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ولدنى من نكاح أهل الجاهلية شئ، ما ولدنى إلا نكاح كنكاح الاسلام ". وهذا أيضا غريب أورده الحافظ ابن عساكر، ثم أسنده من حديث أبى هريرة، في إسناده ضعف والله أعلم.

[ 191 ]

وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثنى محمد بن عبد الله بن مسلم، عن عمه الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولدت من نكاح غير سفاح ". ثم أورد ابن عساكر من حديث أبى عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: " وتقلبك في الساجدين " قال: من نبى إلى نبى حتى أخرجت نبيا ". ورواه عن عطاء. وقال محمد بن سعد: أخبرنا هشام بن محمد الكلبى، عن أبيه، قال: كتبت للنبى صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية. وثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذى كنت فيه ". وفى صحيح مسلم من حديث الاوزاعي عن شداد أبى عمار، عن واثلة بن الاسقع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بنى إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم ". وقال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبى وداعة قال: قال العباس: بلغه صلى الله عليه وسلم وبعض ما يقول الناس قال: " فصعد المنبر فقال: من أنا ؟ " قالوا: أنت رسول الله قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير

[ 192 ]

خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا " (1) صلوات الله وسلامه عليه دائما أبدا إلى يوم الدين. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت يا رسول الله إن قريشا إذا التقوا لقى بعضهم بعضا بالبشاشة، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك غضبا شديدا ثم قال: " والذى نفس محمد بيده لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ولرسوله ". فقلت: يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة (2) من الارض. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم، ثم لما فرقهم [ قبائل ] جعلني في خيرهم قبيلة، ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا ". ورواه أبو بكر بن أبى شيبة، عن ابن فضيل، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ربيعة بن الحارث قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحو ما تقدم ولم يذكر العباس. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنى يحيى بن عبد الحميد، حدثنى قيس بن عبد الله، عن الاعمش، عن عليلة بن ربعى، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما. قسما، فذلك قوله: " وأصحاب


(1) مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر حديث رقم 1788 (2) رواها ابن الجوزى. في كبا. وروى عن شمر أنه لم يسمع كبوة. (*)

[ 193 ]

اليمين " " وأصحاب الشمال "، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني خيرها ثلثا، فذلك قوله " وأصحاب الميمنة " " والسابقون السابقون " فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين. ثم جعل الا ثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، فذلك قوله: " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر. ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا، وذلك قوله: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (1) " فأنا وأهل بيتى مطهرون من الذنوب ". وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة. وروى الحاكم والبيهقي من حديث محمد بن ذكوان، خال ولد حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر قال: إنا لقعود بفناء النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت به امرأة، فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو سفيان: مثل محمد في بنى هاشم مثل الريحانة في وسط النتن. فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب. فقال " ما بال أقوال تبلغني عن أقوام ؟ ! إن الله خلق السماوات سبعا فاختار العلياء منها فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بنى آدم، واختار من بنى آدم العرب،


(1) سورة الاحزاب 33. (*)

[ 194 ]

واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بنى هاشم، واختارني من بنى هاشم، فأنا خيار من خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم ". هذا أيضا حديث غريب. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ". وروى الحاكم والبيهقي أيضا من حديث موسى بن عبيدة، حدثنا عمرو بن عبد الله بن نوفل، عن الزهري، عن أبى أسامة أو أبى سلمة، عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال لى جبريل: قلبت الارض من مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد، وقلبت الارض مشارقها ومغاربها فلم أجد بنى أب أفضل من بنى هاشم ". قال الحافظ البيهقى: وهذه الاحاديث وإن كان في رواتها من لا يحتج به فبعضها يؤكد بعضا، ومعنى جميعها يرجع إلى حديث واثلة بن الاسقع. والله أعلم. قلت: وفى هذا المعنى يقول أبو طالب يمتدح النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها فإن حصلت أشراف عبد منافها * ففى هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها ونحمى حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أجحارها من يرومها

[ 195 ]

بنا انتعش العود الذواء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها وقال أبو السكن زكريا بن يحيى الطائى في الجزء المنسوب إليه المشهور: حدثنى عمر بن أبى زحر بن حصين، عن جده حميد بن منهب، قال: قال جدى خريم بن أوس: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت عليه منصرفه من تبوك، فأسلمت، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إنى أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل، لا يفضض الله فاك. فأنشأ يقول: من قبلها طبت في الظلال وفى * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر أن‍ * - ت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صلب (1) إلى رحم * إدا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق (2) وأنت لما ولدت أشرقت الار * ض وضاءت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفى ال‍ * نور وسبل الرشاد نخترق وقد روى هذا الشعر لحسان بن ثابت. فروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر من طريق أبى الحسن بن أبى الحديد: أخبرنا محمد بن أبى نصر، أنبأنا عبد السلام بن محمد بن أحمد القرشى، حدثنا أبو حصين محمد ابن إسماعيل بن محمد التميمي، حدثنا محمد بن عبد الله الزاهد الخراساني. حدثنى إسحاق ابن إبراهيم بن سنان، حدثنا سلام بن سليمان أبو العباس المكفوف المدائني، حدثنا ورقاء بن عمر، عن ابن أبى نجيح، عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس قال: سألت


(1) الشفا والبدء والتاريخ: من صالب. (2) النطق: جمع ناطق. (*)

[ 196 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: فداك أبى وأمى، أين كنت وآدم في الجنة ؟ قال: فتبسم حتى بدت نواجذه ثم قال: " كنت في صلبه، وركب بى السفينة في صلب أبى نوح، وقذف بى في صلب أبى إبراهيم، لم يلتق أبواي على سفاح قط، لم يزل الله ينقلني من الاصلاب الحسيبة إلى الارحام الطاهرة صفيا مهذبا (1) لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما، وقد أخذ الله بالنبوة ميثاقي وبالاسلام عهدي، ونشر في التوراة والانجيل ذكرى، وبين كل نبى صفتي، تشرق الارض بنورى والغمام بوجهي، وعلمني كتابه وزادني [ شرفا ] في سمائه، وشق لى اسما من أسمائه، فذو العرش محمود وأنا محمد وأحمد، ووعدني أن يحبوني بالحوض والكوثر، وأن يجعلني أول شافع وأول مشفع، ثم أخرجنى من خير قرن لامتي، وهم الحمادون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ". قال ابن عباس: فقال حسان بن ثابت في النبي صلى الله عليه وسلم: من قبلها طبت في الظلال وفى * مستودع يوم يخصف الورق ثم سكنت البلاد لا بشر أن‍ * - ت ولا نطفة ولا علق مطهر تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صلب إلى رحم * إذا مضى طبق بدا طبق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله حسانا " فقال على بن أبى طالب: وجبت الجنة لحسان ورب الكعبة. ثم قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث غريب جدا.


(1) المطبوعة: صفتي مهدى، وهو تحريف. (*)

[ 197 ]

قلت: بل منكر جدا. والمحفوظ أن هذه الابيات للعباس رضى الله عنه. ثم أوردها من حديث أبى السكن زكريا بن يحيى الطائى كما تقدم. قلت: ومن الناس من يزعم أنها للعباس بن مرداس السلمى. فالله أعلم. تنبيه: قال القاضى عياض في كتابه " الشفاء ": " وأما أحمد الذى أتى في الكتب وبشرت به الانبياء فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك. وكذلك محمد [ أيضا ] لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم، إلى أن شاع قبيل وجوده وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو والله أعلم حيث يجعل رسالته. وهم: محمد بن أحيحة بن الجلاح الاوسي، ومحمد بن مسلمة (1) الانصاري، ومحمد بن براء البكري (2)، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعفي، ومحمد بن خزاعي السلمى لا سابع لهم. ويقال إن أول من سمى محمدا محمد بن سفيان (بن مجاشع) (3) واليمن تقول: بل محمد بن اليحمد من الازد. ثم إن الله حمى كل من تسمى به أن يدعى النبوة أو يدعيها له أحد، أو يظهر عليه سبب يشكك (4) أحدا في أمره، حتى تحققت الشيمتان له صلى الله عليه وسلم لم ينازع فيهما " (5) هذا لفظه.


(1) المطبوعة: سلمة، وهو خطأ. (2) كذا في الشفاء. وكان الاصل: ابن البراء الكندى. (3) ليست في الشفاء. (4) المطبوعة: يشكل وهو خطأ. (5) الشفاء 190 الطبعة العثمانية. (*)

[ 198 ]

باب مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد صلوات الله عليه وسلامه يوم الاثنين. لما رواه مسلم في صحيحه من حديث غيلان بن جرير عن (1) عبد الله بن معبد الزمانى (2)، عن أبى قتادة أن أعرابيا قال: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين ؟ فقال: " ذاك يوم ولدت فيه وأنزل على فيه ". وقال الامام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبى عمران، عن حنش الصنعانى، عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم الاثنين. تفرد به أحمد، ورواه عمرو بن بكير عن ابن لهيعة، وزاد: نزلت سورة المائدة يوم الاثنين " اليوم أكملت لكم دينكم ". وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به، وزاد أيضا: وكانت وقعة بدر يوم الاثنين. وممن قال هذا يزيد بن حبيب. وهذا منكر جدا. قال ابن عساكر: والمحفوظ أن بدرا ونزول " اليوم أكملت لكم دينكم " يوم الجمعة وصدق ابن عساكر. وروى عبد الله بن عمر، عن كريب، عن ابن عباس: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وتوفى يوم الاثنين. وهكذا روى من غير هذا الوجه عن ابن عباس أنه ولد يوم الاثنين.


(1) ط: جرير بن عبد الله، وهو خطأ فاحش. (2) نسبة إلى زمان بن مالك بطن من ربيعة. (*)

[ 199 ]

وهذا مالا خلاف فيه أنه ولى صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين. وأبعد بل أخطأ من قال: ولد يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من ربيع الاول. نقله الحافظ ابن دحية فيما قرأه في كتاب " إعلام الروى بأعلام الهدى " لبعض الشيعة. ثم شرع ابن دحية في تضعيفه وهو جدير بالتضعيف إذ هو خلاف النص. ثم الجمهور على أن ذلك كان في شهر ربيع الاول، فقيل: لليلتين خلتا منه. قاله ابن عبد البر في الاستيعاب، ورواه الواقدي عن أبى معشر نجيح بن عبد الرحمن المدنى. وقيل لثمان خلون منه. حكاه الحميدى عن ابن حزم. ورواه مالك وعقيل ويونس ابن يزيد وغيرهم عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم. ونقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ أنهم صححوه وقطع به الحافظ الكبير محمد ابن موسى الخوارزمي. ورجحه الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه: " التنوير في مولد البشر النذير ". وقيل لعشر خلون منه نقله ابن دحية في كتابه. ورواه ابن عساكر عن أبى جعفر الباقر ورواه مجالد عن الشعبى كما مر. وقيل لثنتى عشرة خلت منه. نص عليه ابن إسحاق. ورواه ابن أبى شيبة في مصنفه عن عفان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الاول وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر وفيه مات. وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم. وقيل لسبعة عشر خلت منه: كما نقله ابن دحية عن بعض الشيعة. وقيل لثمان بقين منه: نقله ابن دحية من خط الوزير أبى رافع بن الحافظ أبى محمد

[ 200 ]

ابن حزم عن أبيه. والصحيح عن ابن حزم الاول أنه لثمان مضين منه، كما نقله عنه الحميدى وهو أثبت. والقول الثاني: أنه ولد في رمضان. نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار، وهو قول غريب جدا، وكان مستنده أنه عليه الصلاة والسلام أوحى إليه في رمضان بلا خلاف، وذلك على رأس أربعين سنة من عمره، فيكون مولده في رمضان وهذا فيه نظر والله أعلم. وقد روى خيثمة بن سليمان الحافظ، عن خلف بن محمد كردوس الواسطي، عن المعلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين في ربيع الاول، وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في أول شهر ربيع الاول، وأنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الاول. وهذا غريب جدا. رواه ابن عساكر. قال الزبير بن بكار: حملت به أمه في أيام التشريق في شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى. وولد بمكة بالدار المعروفة بدار محمد بن يوسف أخى الحجاج بن يوسف لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عثمان بن عقبة بن مكرم، عن المسيب ابن شريك. عن شعيب بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء في المحرم، وولد يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وذكر غيره أن الخيزران، وهى أم هارون الرشيد، لما حجت أمرت ببناء هذه الدار مسجدا. فهو يعرف بها اليوم.

[ 201 ]

وذكر السهيلي أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في العشرين من نيسان. وهذا أعدل الزمان والفصول، وذلك لسنة اثنتين وثمانين وثمانمائة لذى القرنين فيما ذكر أصحاب الزيج. وزعموا أن الطالع كان لعشرين درجة من الجدى، وكان المشترى وزحل مقترنين في ثلاث درج من العقرب وهى درجة وسط السماء. وكان موافقا من البروج الحمل، وكان ذلك عند طلوع القمر أول الليل. نقله كله ابن دحية والله أعلم. قال ابن إسحاق: وكان مولده عليه الصلاة والسلام عام الفيل. وهذا هو المشهور عن الجمهور. قال إبراهيم بن المنذر الحزامى (1): وهو الذى لا يشك فيه أحد من علمائنا أنه عليه الصلاة والسلام ولد عام الفيل، وبعث على رأس أربعين سنة من الفيل. وقد رواه البيهقى من حديث أبى إسحاق السبيعى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة، قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، كنا لدين (2). قال: وسأل عثمان رضى الله عنه قباث بن أشيم أخا بنى يعمر بن ليث، أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منى، وأنا أقدم منه في الميلاد. ورأيت خزق الفيل (3) أخضر محيلا. ورواه الترمذي والحاكم من حديث محمد بن إسحاق به.


(1) نسبة إلى جده الاعلى خالد بن حزام. (2) ابن هشام: فنحن لدان. (3) خزق الفيل: روثه. (*)

[ 202 ]

قال إبن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عام عكاظ ابن عشرين سنة. وقال ابن إسحاق: كان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة، وكان بناء الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة، والمبعث بعد بنائها بخمس سنين. وقال محمد بن جبير بن مطعم: كانت عكاط بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وبناء الكعبة بعد عكاظ بعشر سنين، والمبعث بعد بنائها بخمس عشرين سنة. وروى الحافظ البيهقى من حديث عبد العزيز بن أبى ثابت المدينى: حدثنا الزبير ابن موسى، عن أبى الحويرث قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكنانى ثم الليثى: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منى، وأنا أسن. ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، ووقفت بى أمي على روث الفيل محيلا أعقله، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين سنة. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا نعيم، يعنى ابن ميسرة، عن بعضهم، عن سويد بن غفلة أنه قال: أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت عام الفيل. قال البيهقى: وقد روى عن سويد بن غفلة أنه قال: أنا أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين. قال يعقوب: وحدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد العزيز بن أبى ثابت، حدثنى عبد الله بن عثمان بن أبى سليمان النوفلي، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم. قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وكانت بعده عكاظ (1) بخمس عشرة سنة،


(1) عكاظ: يوم من أيام العرب. (*)

[ 203 ]

وبنى البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين سنة من الفيل. والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل على قول الجمهور. فقيل بعده بشهر، وقيل بأربعين يوما، وقيل بخمسين يوما، وهو أشهر. وعن أبى جعفر الباقر: كان قدوم الفيل للنصف من المحرم، ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة. وقال آخرون: بل كان عام الفيل قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين. قاله ابن أبزى. وقيل بثلاث وعشرين سنة رواه شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده كما تقدم. وقيل: بعد الفيل بثلاثين سنة. قاله موسى بن عقبة عن الزهري رحمه الله. واختاره موسى بن عقبة أيضا رحمه الله. وقال أبو زكريا العجلاني: بعد الفيل بأربعين عاما، رواه ابن عساكر وهذا غريب جدا. وأغرب منه ما قاله خليفة بن خياط: حدثنى شعيب بن حبان، عن عبد الواحد ابن أبى عمرو عن الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفيل بخمس عشرة سنة. وهذا حديث غريب ومنكر وضعيف أيضا. قال خليفة بن خياط: والمجمع عليه أنه عليه السلام ولد عام الفيل.

[ 204 ]

صفة مولده الشريف عليه الصلاة والسلام قد تقدم أن عبد المطلب لما ذبح تلك الابل المائة عن ولده عبد الله، حين كان نذر ذبحه فسلمه الله تعالى، لما كان قدر في الازل من ظهور النبي الامي صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وسيد ولد آدم من صلبه، ذهب كما تقدم فزوجه أشرف عقيلة في قريش، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهرية، فحين دخل بها وأفضى إليها حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كانت أم قتال رقيقة بنت نوفل، أخت ورقة بن نوفل، توسمت ما كان بين عينى عبد الله قبل أن يجامع آمنة من النور، فودت أن يكون ذلك متصلا بها لما كانت تسمع من أخيها من البشارات بوجود محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه قد أزف زمانه فعرضت نفسها عليه. قال بعضهم: ليتزوجها وهو أظهر. والله أعلم، فامتنع عليها، فلما انتقل ذلك النور الباهر إلى آمنة بمواقعته إياها كأنه ندم على ما كانت عرضت عليه. فتعرض لها لتعاوده. فقالت: لا حاجة لى فيك. وتأسفت على ما فاتها من ذلك وأنشدت في ذلك ما قدمناه من الشعر الفصيح البليغ. وهذه الصيانة لعبد الله ليست له وإنما هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كما قال تعالى " الله أعلم حيث يجعل رسالته ". وقد تقدم الحديث المروى من طريق جيد أنه قال عليه الصلاة والسلام: " ولدت من نكاح لا من سفاح ". والمقصود أن أمه حين حملت به توفى أبوه عبد الله وهو حمل في بطن أمه على المشهور. قال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر، هو الواقدي، حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدى،

[ 205 ]

وحدثنا سعيد بن أبى زيد، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة، قال: خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيران قريش يحملونه تجارات، ففرغوا من تجاراتهم، ثم انصرفوا فمروا بالمدينة، وعبد الله بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال أتخلف عند أخوالى بنى عدى بن النجار. فأقام عندهم مريضا شهرا ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبد الله، فقالوا: خلفناه عند أخواله بنى عدى بن النجار وهو مريض. فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث، فوجده قد توفى ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه فأخبره. فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا شديدا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حمل، ولعبد الله بن عبد المطلب يوم توفى خمس وعشرون سنة. قال الواقدي: هذا هو أثبت الاقاويل في وفاة عبد الله وسنه عندنا. قال الواقدي: وحدثني معمر عن الزهري، أن عبد المطلب بعث عبد الله إلى المدينة يمتار لهم تمرا فمات. قال محمد بن سعد: وقد أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه، وعن عوانه بن الحكم. قالا: توفى عبد الله بن عبد المطلب بعدما أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرون شهرا، وقيل سبعة أشهر. وقال محمد بن سعد: والاول أثبت، أنه توفى ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل. وقال الزبير بن بكار: حدثنى محمد بن حسن، عن عبد السلام، عن ابن خربوذ،

[ 206 ]

قال: توفى عبد الله بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن شهرين، وماتت أمه وهو ابن أربع سنين، ومات جده وهو ابن ثمان سنين فأوصى به إلى عمه أبى طالب. والذى رجحه الواقدي وكاتبه الحافظ محمد بن سعد أنه عليه الصلاة والسلام توفى أبوه وهو جنين في بطن أمه. وهذا أبلغ اليتم وأعلى مراتبه. وقد تقدم في الحديث " ورؤيا أمي الذى رأت حين حملت بى كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ". وقال محمد بن إسحاق: فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الامة، فإذا وقع إلى الارض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد (1) وكل عبد رائد، يذود عنى ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد. وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملا قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الارض، واسمه في الانجيل أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الارض، واسمه في القرآن محمد. وهذا وذاك يقتضى أنها رأت حين حملت به عليه السلام كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، ثم لما وضعته رأت عيانا تأويل ذلك كما رأته قبل ذلك هاهنا. والله أعلم.


(1) الذى في ابن هشام إلى قوله: حاسد. وهذه الزيادة باختلاف في الوفا والدلائل. (*)

[ 207 ]

وقال محمد بن سعد: أنبأنا محمد بن عمر، هو الواقدي، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم، عن الزهري. وقال الواقدي: حدثنا موسى بن عبدة، عن أخيه، ومحمد بن كعب القرظى، وحدثني عبد الله بن جعفر الزهري، عن عمته أم بكر بنت المسور عن أبيها. وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم المزني وزياد ابن حشرج، عن أبى وجزة. وحدثنا معمر، عن أبى نجيح، عن مجاهد. وحدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس. دخل حديث بعضهم في حديث بعض: أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به - تعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل منى خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع إلى الارض معتمدا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء. وقال بعضهم: وقع جاثيا على ركبتيه، وخرج معه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها، حتى رؤيت أعناق الابل ببصرى، رافعا رأسه إلى السماء. وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، وأنبانا محمد بن إسماعيل أنبأنا محمد بن إسحاق، حدثنا يونس بن مبشر بن الحسن، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا عبد العزيز بن عمران حدثنا عبد الله بن عثمان بن أبى سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن أبى سويد الثقفى، عن عثمان بن أبى العاص، حدثتني أمي: أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ولدته، قالت: فما شئ أنظره في البيت إلا نور، وإنى أنظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لاقول لتقعن على. وذكر القاضى عياض عن الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف أنها كانت قابلته، وأنها أخبرت به حين سقط على يديها واستهل سمعت قائلا يقول: يرحمك الله. وإنه سطع منه نور رئيت منه قصور الروم.

[ 208 ]

قال محمد بن إسحاق: فلما وضعته بعثت إلى عبد المطلب جاريتها، وقد هلك أبوه وهى حبلى، ويقال إن عبد الله هلك والنبى صلى الله عليه وسلم ابن ثمانية وعشرين شهرا، فالله أعلم أي ذلك كان - فقالت: قد ولد لك غلام فانظر إليه. فلما جاءها أخبرته وحدثته بما كانت رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميه. فأخذه عبد المطلب فأدخله على هبل في جوف الكعبة، فقام عبد المطلب يدعو ويشكر الله عزوجل ويقول: الحمد لله الذى أعطاني * هذا الغلام الطيب الاردان قد ساد في المهد على الغلمان * أعيذه بالبيت ذى الاركان حتى يكون بلغة الفتيان * حتى أراه بالغ البنيان أعيذه من كل ذى شنآن * من حاسد مضطرب العنان ذى همة ليس له عينان * حتى أراه رافع اللسان أنت الذى سميت في القرآن * في كتب ثابتة المثانى * أحمد مكتوب على اللسان * وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبانا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم الدرابردى (1) - بمرو - حدثنا أبو عبد الله البوشنجى، حدثنا أبو أيوب سليمان بن سلمة الخبائرى، حدثنا يونس بن عطاء بن عثمان ين ربيعة بن زياد بن الحارث الصدائى بمصر، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه العباس ابن عبد المطلب رضى الله عنه. قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا


(1) كذا ولعلها نسبة إلى دراورد. (*)

[ 209 ]

مسرورا. قال: فأعجب جده عبد المطلب وحظي عنده، وقال: ليكونن لابنى هذا شأن. فكان له شأن. وهذا الحديث في صحته نظر. وقد رواه الحافظ ابن عساكر، من حديث سفيان بن محمد المصيصى، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كرامتي على الله أنى ولدت مختونا ولم ير سوأتي أحد ". ثم أورده من طريق الحسن بن عرفة عن هشيم به. ثم أورده من طريق محمد بن محمد بن سليمان - هو الباغندى - حدثنا عبد الرحمن ابن أيوب الحمصى، حدثنا موسى بن أبى موسى المقدسي، حدثنى خالد بن سلمة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا مختونا. وقال أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفى، حدثنا الحسين بن أحمد بن عبد الله المالكى، حدثنا سليمان بن سلمة الخبائرى، حدثنا يونس بن عطاء، حدثنا الحكم ابن أبان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه العباس، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا، فأعجب ذلك جده عبد المطلب وحظي عنده، وقال ليكونن لابنى هذا شأن. فكان له شأن. وقد ادعى بعضهم صحته لما ورد له من الطرق، حتى زعم بعضهم أنه متواتر. وفى هذا كله نظر. ومعنى مختونا: أي مقطوع الختان. ومسرورا: أي مقطوع السرة من بطن أمه.

[ 210 ]

وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن عيينة البصري، حدثنا على ابن محمد المدائني السلمى، حدثنا سلمة بن محارب بن مسلم بن زياد، عن أبيه، عن أبى بكرة، أن جبريل ختن النبي صلى الله عليه وسلم حين طهر قلبه. وهذا غريب جدا. وقد روى أن جده عبد المطلب ختنه وعمل له دعوة جمع قريشا عليها. والله أعلم. وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأني محمد بن كامل القاضى - شفاها - أن محمد بن إسماعيل حدثه - يعنى السلمى - حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثنى معاوية بن صالح، عن أبى الحكم التنوخى. قال: كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة من قريش إلى الصبح يكفأن عليه برمة، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه عبد المطلب إلى نسوة فكفأن عليه برمة، فلما أصبحن أتين فوجدن البرمة قد انفلقت عنه باثنتين، ووجدنه مفتوح العينين شاخصا ببصره إلى السماء. فأتاهن عبد المطلب فقلن له: ما رأينا مولودا مثله، وجدناه قد انفلقت عنه البرمة، ووجدناه مفتوحا عينيه شاخصا ببصره إلى السماء. فقال: احفظنه فإنى أرجو أن يكون له شأن، أو أن يصيب خيرا. فلما كان اليوم السابع ذبح عنه ودعا له قريشا، فلما أكلوا قالوا: يا عبد المطلب، أرأيت ابنك هذا الذى أكرمتنا على وجهه، ما سميته ؟ قال: سميته محمدا. قالوا: فما رغبت به عن أسماء أهل بيته ؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الارض. قال أهل اللغة: كل جامع لصفات الخير يسمى محمدا، كما قال بعضهم: إليك - أبيت اللعن - أعملت ناقتي * إلى الماجد القرم الكريم المحمد

[ 211 ]

وقال بعض العلماء: ألهمهم الله عزوجل أن سموه محمدا لما فيه من الصفات الحميدة، ليلتقي الاسم والفعل، ويتطابق الاسم والمسمى في الصورة والمعنى، كما قال عمه أبو طالب، ويروى لحسان: وشق له من إسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وسنذكر أسماءه عليه الصلاة والسلام وشمائله، وهى صفاته الظاهرة وأخلاقه الطاهرة ودلائل نبوته وفضائل منزلته في آخر السيرة إن شاء الله. قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الحبلى، حدثنا الهيثم ابن جميل، حدثنا زهير، عن محارب بن دثار، عن عمرو بن يثربى، عن العباس بن عبد المطلب، قال قلت: يا رسول الله، دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغى القمر وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال. قال: " إنى كنت أحدثه ويحدثني ويلهينى عن البكاء، واسمع وجبته حين يسجد تحت العرش ". ثم قال: تفرد به [ أحمد بن إبراهيم الحبلى ] وهو مجهول (1). فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده عليه الصلاة والسلام قد ذكرنا في باب هواتف الجان ما تقدم من خرور كثير من الاصنام ليلتئذ لوجوهها وسقوطها عن أماكنها، وما رآه النجاشي ملك الحبشة، وظهور النور معه


(1) الاصل: تفرد به الليثى. وما أثبته عن الخصائص. وليس في السند الليثى. وهذا الخبر أخرجه أيضا الخطيب وابن عساكر في تاريخهما. وهو غريب الاسناد والمتن (*)

[ 212 ]

حتى أضاءت له قصور الشام حين ولد، وما كان من سقوطه جاثيا رافعا رأسه إلى السماء، وانفلاق تلك البرمة عن وجهه الكريم، وما شوهد من النور في المنزل الذى ولد فيه ودنو النجوم منهم وغير ذلك. حكى السهيلي عن تفسير بقى بن مخلد الحافظ، أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين أنزلت الفاتحة. قال محمد بن إسحاق: وكان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودى قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس قريش: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ فقال القوم: والله ما نعلمه. فقال الله أكبر، أما إذا أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبى هذه الامة الاخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتا من الجن أدخل أصبعه في فمه فمنعه الرضاع. فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون ؟ ؟ من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: قد والله ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا. فالتقى القوم فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي وهل بلغكم مولد هذا الغلام ؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي فأخبروه الخبر. قال فاذهبوا معى حتى أنظر إليه. فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة فقالوا: أخرجي إلينا ابنك. فأخرجته وكشفوا له عن ظهره. فرأى تلك الشامة، فوقع اليهودي مغشيا عليه، فلما أفاق قالوا له: مالك ويلك ؟ قال: قد ذهبت والله

[ 213 ]

النبوة من بنى إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش ؟ والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب (1). وقال محمد بن إسحاق: حدثنى صالح بن إبراهيم [ بن عبد الرحمن بن عوف ] (2) عن يحيى [ بن عبد الله ] (2) بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: حدثنى من شئت من رجال قومي [ ممن لا أتهم ] (3) عن حسان بن ثابت. قال: إنى لغلام يفعة ابن سبع سنين - أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت (4) إذا بيهودي في يثرب يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود. فاجتمعوا إليه - وأنا أسمع - فقالوا ويلك مالك ؟ قال: قد طلع نجم أحمد الذى يولد به في هذه الليلة. وروى الحافظ أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة " من حديث أبى بكر بن عبد الله العامري، عن سليمان بن سحيم وذريح (5) بن عبد الرحمن، كلاهما عن عبد الرحمن ابن أبى سعيد عن أبيه، قال: سمعت أبى مالك بن سنان يقول: جئت بنى عبد الاشهل يوما لاتحدث فيهم، ونحن يومئذ في هدنة من الحرب، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبى يقال له أحمد يخرج من الحرم. فقال له خليفة بن ثعلبة الاشهلى، كالمستهزئ به: ما صفته ؟ فقال رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يلبس الشملة ويركب الحمار، سيفه على عاتقه وهذا البلد مهاجره. قال: فرجعت إلى قومي


(1) كان الرسول نبى رحمة ولم يكن نبى عذاب، " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " لذلك لابد من الاحتراس في فهم هذه النصوص التى تكررت مثل قوله فيما سبق: ولهم آخر الزمان نبى * يكثر القتل فيهم والخموشا ولعلها من تزيد الرواة. (2) سقطت من المطبوعة. (3) ليست في ابن هشام. (4) ابن هشام: " أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب: يا معشر يهود حتى إذا اجتمعوا إليه.. " وهذا مثل على عدم التزام المؤلف للنص فيما ينقل. (5) دلائل النبوة: ورميح بن عبد الرحمن (*)

[ 214 ]

بنى خدرة وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع، فأسمع رجلا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده ؟ ! كل يهود يثرب يقولون هذا. قال أبى مالك بن سنان: فخرجت حتى جئت بنى قريظة فأجد جمعا، فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الاحمر الذى لم يطلع إلا لخروج نبى أو ظهوره، ولم يبق أحد إلا أحمد، وهذا مهاجره. قال أبو سعيد: فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أبى هذا الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أسلم الزبير لاسلم ذووه من رؤساء اليهود، إنما هم له تبع ". وقال أبو نعيم: حدثنا عمر بن محمد، حدثنا إبراهيم بن السندي، حدثنا النضر بن سلمة، حدثنا إسماعيل بن قيس بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن إبراهيم بن يحيى بن ثابت، سمعت زيد بن ثابت يقول: كان أحبار يهود بنى قريظة والنضير يذكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما طلع الكوكب الاحمر أخبروا أنه نبى وأنه لا نبى بعده، واسمه أحمد ومهاجره إلى يثرب، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا. وقد أورد هذه القصة الحافظ أبو نعيم في كتابه من طرق أخرى ولله الحمد. وقال أبو نعيم ومحمد بن حبان: حدثنا أبو بكر بن أبى عاصم، حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: قال لى حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبى، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه.

[ 215 ]

ذكر ارتجاس الايوان وسقوط الشرفات، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وغير ذلك من الدلالات قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب هواتف الجان: حدثنا على بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران، من آل جرير بن عبد الله البجلى، حدثنى مخزوم بن هانئ المخزومى، عن أبيه - وأتت عليه خمسون ومائة سنة - قال: لما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة. ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك عن مرازبته، فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره. ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده. قال: أتدرون فيم بعثت إليكم ؟ قالوا: لا إلا أن يخبرنا الملك. فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله. فقال الموبذان: وأنا، أصلح الله الملك، قد رأيت في هذه الليلة رؤيا. ثم قص عليه رؤياه في الابل. فقال: أي شئ يكون هذا يا موبذان ؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب. وكان أعلمهم من أنفسهم. فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فوجه إلى برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه. فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة (1). الغساني، فلما ورد عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه ؟ فقال: لتخبرنى أو ليسلني الملك عما أحب، فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلم. فأخبره بالذى


(1) المطبوعة: نفيلة وهو خطأ. (*)

[ 216 ]

وجه به إليه فيه. قال: علم ذلك عند خال لى يسكن مشارف الشام يقال له سطيح. قال فائته فاسأله عما سألتك عنه ثم ائتنهى بتفسيره. فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح وقد أشفى على الضريح، فسلم عليه وكلمه فلم يرد إليه سطيح جوابا فأنشأ يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن * أم فاد فازلم به شأو العنن (1) يا فاصل الخطة أعيت من ومن * أتاك شيخ الحى من آل سنن وأمه من آل ذئب بن حجن * أزرق نهم الناب صرار الاذن (2) أبيض فضفاض الرداء والبدن * رسول قيل العجم يسرى للوسن (3) تجوب بى الارض علنداة شزن * لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن (4) ترفعني وجنا وتهوى بى وجن * حتى أتى عارى الجآجى والقطن (5)


(1) فاد: مات. قال: رعى خرزات الملك عشرين حجة * وعشرين حتى فاد والشيب شامل وازلم: ذهب مسرعا. والاصل فيه ازلام فحذفت الهمزة تخفيفا. وقيل: أصلها ازلام، كاشهاب فحذفت الالف تخفيفا أيضا. وشأو العنن: اعتراض الموت على الخلق. وقيل: ازلم: قبض. والعنن: الموت. أي عرض له الموت فقبضه. وقد تصحفت الرواية في النهاية: أن فار. انظر النهاية 2 / 139. (2) صرار الاذن: ينصبها للاستماع. (3) وتروى: ينمى للوسن. والوسن: أول النوم. (4) العلنداة: القوية من النوق. والشزن: التى تمشى من نشاطها على جانب. شزن فلان إذا نشط. وقيل: الشزن: المعي من الحفاء. هذا والمشهور في رواية البيت: تجوب بى الارض علنداة شزن * ترفعني وجنا وتهوى بى وجن أما الشطر الثاني هنا فيروى: رسول قيل العجم ينمى للوسن * لا يرهب الوغد ولا ريب الزمن (5) الوجن بفتح فسكون وبفتحتين: الارض الغليظة الصلبة. ويروى بالضم جمع وجين. والجآجى: جمع جؤجؤ، وهو عظام الصدر. والقطن بفتح الطاء: أسفل الظهر. وقيل: الصواب القطن بكسر الطاء جمع قطنة وهى ما بين الفخذين. (*)

[ 217 ]

تلفه في الريح بوغاء الدمن * كأنما حثحث من حضنى ثكن (1) قال: فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح، على جمل مشيح، أتى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الايوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها. يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادى السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما. يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات وكلما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه. فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول: شمر فإنك ماضى العزم شمير * لا يفزعنك تفريق وتغيير إن يمس ملك بنى ساسان أفرطهم * فإن ذا الدهر أطوار دهارير فربما ربما اضحوا بمنزلة * يخاف صولهم الاسد المهاصير منهم أخو الصرح بهرام وإخوته * والهرمزان وسابور وسابور والناس أولاد علات فمن علموا * أن قد أقل فمحقور ومهجور ورب قوم لهم صحبان ذى أذن * بدت تلهيهم فيه المزامير وهم بنو الام إما إن رأوا نشبا * فذاك بالغيب محفوظ ومنصور


(1) البوغاء: التراب الناعم. والدمن: ما تدمن منه، أي تجمع وتلبد. وتشهد له الرواية الاخرى: * تلفحه الريح ببوغاء الدمن * وحثحث: حرك. والثكن: جبل. وقد وردت هذه القصة في لسان العرب 3 / 312، وفى الاكتفا للكلاعي بتحقيقي باختلاف وزيادة ونقص قال الازهرى وهو حديث حسن غريب. (*)

[ 218 ]

والخير والشر مقرونان في قرن * فالخير متبع والشر محذور قال: فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بما قال له سطيح، فقال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور ! فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضى الله عنه. ورواه البيهقى من حديث عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، عن على بن حرب الموصلي بنحوه. قلت: كان آخر ملوكهم - الذى سلب منه الملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان وهو الذى انشق الايوان في زمانه. وكان لاسلافه في الملك ثلاثة آلاف سنة ومائة وأربعة وستون سنة. وكان أول ملوكهم جيومرت (1) بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح [ وقد تقدم ترجمة شق وسطيح في أخبار أهل اليمن ] (2). أما سطيح هذا فقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه: هو الربيع بن ربيعة بن مسعود ابن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن بن الازد. ويقال الربيع بن مسعود وأمه ردعا بنت سعد بن الحارث الحجورى. وذكر غير ذلك في نسبه. قال: وكان يسكن الجابية. ثم روى عن أبى حاتم السجستاني قال: سمعت المشيخة منهم أبو عبيدة وغيره قالوا: وكان من بعد لقمان بن عاد. ولد في زمن سيل العرم وعاش إلى ملك ذى نواس وذلك نحو من ثلاثين قرنا، وكان مسكنه البحرين وزعمت عبد القيس أنه منهم وتزعم الازد أنه منهم وأكثر المحدثين يقولون هو من الازد ولا ندرى ممن هو غير أن ولده يقولون إنه من الازد.


(1) ويقال له: كيومرث. ؟ في ط: خيومرث (2) من المخطوطة ا. (3) من هنا إلى قوله وقال أبو نعيم مكتوب بحاشية الحلبية لم يرد في النسخة ا واكتفى بقوله: وقد تقدم.. (*)

[ 219 ]

وروى عن ابن عباس أنه قال: لم يكن شئ من بنى آدم يشبه سطيحا، إنما كان لحما على وضم ليس فيه عظم ولا عصب إلا في رأسه وعينيه وكفيه، وكان يطوى كما يطوى الثوب من رجليه إلى عنقه، ولم يكن فيه شئ يتحرك إلا لسانه. وقال غيره: إنه كان إذا غضب انتفخ وجلس. ثم ذكر ابن عباس أنه قدم مكة فتلقاه جماعة من رؤسائهم منهم عبد شمس وعبد مناف أبناء قصى، فامتحنوه في أشياء فأجابهم فيها بالصدق، فسألوه عما يكون في آخر الزمان، فقال: خذوا منى ومن إلهام الله إياى: أنتم الآن يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم فيكسرون الصنم، ويتبعون الردم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم. ثم قال: والباقى الابد، والبالغ الامد ليخرجن من ذا البلد، نبى مهتد، يهدى إلى الرشد، يرفض يغوث والفند، يبرأ عن عبادة الضد، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه الله بخير دار محمودا، من الارض مفقودا، وفي السماء مشهودا، ثم يلى أمره الصديق، إذا قضى صدق، وفي رد الحقوق لا خرق ولا نزق، ثم يلى أمره الحنيف، مجرب غطريف، قد أضاف المضيف، وأحكم التحنيف. ثم ذكر عثمان ومقتله وما يكون بعد ذلك من أيام بنى أمية ثم بنى العباس. وما بعد ذلك من الفتن والملاحم. ساقه ابن عساكر بسنده عن ابن عباس بطوله. وقد قدمنا قوله لربيعة بن نصر ملك اليمن حين أخبره برؤياه قبل أن يخبره بها، ثم ما يكون في بلاد اليمن من الفتن وتغيير الدول، حتى يعود إلى سيف بن ذى يزن فقال له: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه ؟ قال نبى زكى يأتيه الوحى من قبل العلى. قال: وممن هذا النبي ؟ قال: من ولد غالب بن فهر، بن مالك

[ 220 ]

ابن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الاولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال أحق ما تخبرني ؟ قال: نعم والشفق والغسق والقمر إذا اتسق إن ما أنبأتك عليه لحق. ووافقه على ذلك شق سواء بسواء بعبارة أخرى كما تقدم. ومن شعر سطيح قوله: عليكم بتقوى الله في السر والجهر * ولا تلبسوا صدق الامانة بالغدر وكونوا لجار الجنب خصنا وجنة * إذا ما عرته النائبات من الدهر وروى ذلك الحافظ ابن عساكر، ثم أورد ذلك المعافى بن زكريا الجريرى فقال: وأخبار سطيح كثيرة وقد جمعها غير واحد من أهل العلم. والمشهور أنه كان كاهنا، وقد أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن نعته ومبعثه. وروى لنا بإسناد الله به أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سطيح فقال: " نبى ضيعه قومه ". قلت: أما هذا الحديث فلا أصل له في شئ من كتب الاسلام المعهودة، ولم أره بإسناد أصلا، ويروى مثله في خبر خالد بن سنان العبسى ولا يصح أيضا. وظاهر هذه العبارات تدل على علم جيد لسطيح، وفيها روائح التصديق، لكنه لم يدرك الاسلام كما قال الجريرى. فإنه قد ذكرنا في هذا الاثر أنه قال لابن أخته: يا عبدالمسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادى السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه وكان ذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر - أو شيعه (1) - أي أقل منه. * (هامش) (1) المطبوعة: أوشية. وهو تحريف. (*)

[ 221 ]

وكانت وفاته بأطراف الشام مما يلى أرض العراق. فالله أعلم بأمره وما صار إليه. وذكر ابن طرار الجريرى (1) أنه عاش سبعمائة سنة. وقال غيره خمسمائة سنة، وقيل ثلاثمائة سنة فالله أعلم. وقد روى ابن عساكر أن ملكا سأل سطيحا عن نسب غلام اختلف فيه، فأخبره على الجلية في كلام طويل مليح فصيح. فقال له الملك يا سطيح ألا تخبرني عن علمك هذا ؟ فقال: إن علمي هذا ليس منى ولا بجزم ولا بظن، ولكن أخذته عن أخ لى قد سمع الوحى بطور سيناء. فقال له أرأيت أخاك هذا الجنى أهو معك لا يفارقك ؟ فقال: إنه ليزول حيث أزول، ولا أنطلق إلا بما يقول. وتقدم أنه ولد هو وشق بن مصعب بن يشكر بن رهم بن بسر بن عقبة الكاهن الآخر، ولدا في يوم واحد، فحملا إلى الكاهنة طريفة بنت الحسين الحميدية فتفلت في أفواههما فورثا منها الكهانة، وماتت من يومها. وكان نصف إنسان ويقال إن خالد بن عبد الله القسرى من سلالته، وقد مات شق قبل سطيح بدهر. وأما عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة (2) الغساني النصراني فكان من المعمرين. وقد ترجمه الحافظ بن عساكر في تاريخه وقال هو الذى صالح خالد بن الوليد على [ الحيرة (3) ] وذكر له معه قصة طويلة وأنه أكل من يده سم ساعة فلم يصبه سوء، لانه لما أخذه قال: بسم الله وبالله رب الارض والسماء الذى لا يضر مع اسمه أذى. ثم أكله


(1) ابن طرار الجريرى: هو الامام المشهور أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريرى النهرواني. وقد ذكره ابن كثير قريبا باسمه. اللباب 1 / 224. (2) المطبوعة: نفيلة. وهو خطأ. (3) سقطت من الاصل وهى من الاشتقاق لابن دريد 485. (*)

[ 222 ]

فعلته غشية فضرب بيديه على صدره، ثم عرق وأفاق رضى الله عنه وذكر لعبد المسيح أشعارا غير ما تقدم (1). وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا المسيب بن شريك، حدثنا محمد بن شريك، عن شعيب بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيصا من أهل الشام، وكان متخفرا بالعاص بن وائل، وكان الله قد آتاه علما كثيرا وجعل فيه منافع كثيرة لاهل مكة من طيب ورفق وعلم. وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة في كل سنة فيلقى الناس ويقول: إنه يوشك أن أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة يدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه، ومن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن أدركه فخالفه أخطأ حاجته، وبالله ما تركت أرض الخمر والخمير والامن ولا حللت بأرض الجوع والبؤس والخوف إلا في طلبه. وكان لا يولد بمكة مولد إلا يسأل عنه، فيقول ما جاء بعد. فيقال له: فصفه. فيقول لا. ويكتم ذلك للذى قد علم أنه لاق من قومه، مخافة على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يكون إليه من الاذى يوما. ولما كان صبيحة اليوم الذى ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد الله ابن عبد المطلب حتى أتى عيصا، فوقف في أصل صومعته ثم نادى: يا عيصاه. فناداه من هذا ؟ فقال: أنا عبد الله. فأشرف عليه فقال: كن أباه فقد ولد المولود الذى كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث يوم الاثنين، ويموت الاثنين.


(1) إلى هنا آخر الحاشية التى أثبتتها المطبوعة عن النسخة الحلبية (*)

[ 223 ]

قال: فإنه قد ولد لى مع الصبح مولود. قال فما سميته ؟ قال: محمدا قال: والله لقد كنت أشتهى أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت لثلاث خصال نعرفه بها، منها أن نجمه طلع البارحة، وأنه ولد اليوم، وأن اسمه محمد. انطلق إليه فإن الذى كنت أخبركم عنه ابنك. قال فما يدريك أنه ابني ؟ ولعله أن يولد في هذا اليوم مولود غيره ؟ قال: قد وافق ابنك الاسم، ولم يكن الله ليشبه علمه على العلماء فإنه حجة. وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكى أياما ثلاثة، فيظهر به الجوع ثلاثا ثم يعافى. فاحفظ لسانك، فإنه لم يحسد أحد حسده قط، ولم يبغ على أحد كما يبغى عليه، إن تعش حتى يبدو مقاله ثم يدعو لظهر لك من قومك ما لا تحتمله إلا على صبر وعلى ذل، فاحفظ لسانك ودار عنه. قال: فما عمره ؟ قال: إن طال عمره وإن قصر لم يبلغ السبعين، يموت في وتر دونها من الستين في إحدى وستين أو ثلاث وستين في أعمار جل أمته. قال: وحمل برسول الله صلى الله عليه وسلم في عاشر المحرم. وولد يوم الاثنين لثنتى عشرة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. هكذا رواه أبو نعيم (1) وفيه غرابة. ذكر حواضنه ومراضعه عليه الصلاة والسلام كانت أم أيمن واسمها بركة تحضنه، وكان قد ورثها عليه الصلاة والسلام من أبيه فلما كبر أعتقها وزوجها مولاه زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد رضى الله عنهم. وأرضعته مع أمه عليه الصلاة والسلام مولاة عمه أبى لهب ثويبة قبل حليمة السعدية.


(1) ورواه أيضا ابن عساكر (*)

[ 224 ]

أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديت الزهري عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة بنت أبى سفيان، قالت: يا رسول الله انكح أختى بنت أبى سفيان ولمسلم: " عزة بنت أبى سفيان ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أو تحبين ذلك ؟ " قلت: نعم لست لك بمخلية وأحب من شاركني في خير أختى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإن ذلك لا يحل لى ". قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبى سلمة، وفى رواية: " درة بنت أبى سلمة " قال: " بنت أم سلمة ؟ " قلت: نعم. قال: " إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لى، إنها لابنة أخى من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثوبية، فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن ". زاد البخاري: قال عروة: وثويبة مولاة لابي لهب أعتقها فأرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة، فقال له: ماذا لقيت ؟ فقال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا، غير أنى سقيت في هذه بعتاقتى ثويبة. أشار إلى النقرة التى بين الابهام والتى تليها من الاصابع. وذكر السهيلي وغيره: أن الرائى له هو أخوه العباس. وكان ذلك بعد سنة من وفاة أبى لهب بعد وقعة بدر. وفيه إن أبا لهب قال للعباس: إنه ليخفف على في مثل يوم الاثنين. قالوا: لانه لما بشرته ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله أعتقها من ساعته، فجوزي بذلك لذلك.

[ 225 ]

ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام من حليمة بنت أبى ذؤيب السعدية وما ظهر عليه من البركة وآيات النبوة قال محمد بن إسحاق: فاسترضع له عليه الصلاة والسلام من حليمة بنت أبى ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة [ بن فصية بن نصر ] (1) ابن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة (2) بن قيس عيلان ابن مضر. قال: واسم أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أرضعه - يعنى زوج حليمة. الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن. وإخوته عليه الصلاة والسلام من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وخدامة (3) بنت الحارث، وهى الشيماء، وذكروا أنها كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه إذ كان عندهم. قال ابن إسحاق: وحدثني جهم بن أبى جهم [ مولى لامرأة من بنى تميم كانت عند الحارث بن حاطب، ويقال له ] (4) مولى الحارث بن حاطب، قال: حدثنى من سمع عبد الله بن جعفر بن أبى طالب قال: حدثت عن حليمة بنت الحارث أنها قالت: قدمت مكة في نسوة - وذكر الواقدي بإسناده أنهن كن عشرة نسوة من بنى سعد بن بكر يلتمسن بها الرضعاء - من بنى سعد نلتمس بها الرضعاء في سنة شهباء (5)، فقدمت


(1) من ابن هشام. (2) المطبوعة: حفصة، وهو خطأ. (3) قال السهيلي: وقال غيره حذافة بالحاء المضمومة وبالفاء مكان الميم. (4) ليست في ابن هشام. (5) شهباء: مجدبة. (*)

[ 226 ]

على أتان لى قمراء كانت أذمت بالركب (1)، ومعى صبى لنا، وشارف لنا والله ما تبض (2) بقطرة، وما ننام لينا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، ما نجد (3) في ثدى ما يغنيه ولا في شارفنا ما يغذيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا. فقدمنا مكة، فو الله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل إنه يتيم، تركناه قلنا: ماذا عسى أن تصنع إلينا أمه ؟ إنما نرجو المعروف من أبى الولد، فأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا ! فو الله ما بقى من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيرى. فلما لم نجد غيره وأجمعنا الانطلاق قلت لزوجي الحارث بن عبد العزى: والله إنى لاكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معى رضيع، لانطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال: لا عليك أن تفعلي، فعسى أن يجعل الله لنا فيه بركة. فذهبت فأخذته، فوالله ما أخذته إلا أنى لم أجد غيره. فما هو إلا أن أخذته فجئت به رحلى فأقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى وشرب أخوه حتى روى، وقام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا، فبتنا بخير ليلة.


(1) القمراء التى يميل لونها إلى الخضرة. وقد ذكرها السهيلي أولا: أذممت وقال: تريد أنها حبستهم وكأنه من الماء الدائم وهو الواقف. ويروى: " حتى أذمت " أي أذمت الاتان أي جاءت بما تذم عليه " والمعنى أنها أبطأت عليهم حتى حبستهم. (2) ما تبض: ما ترشح. (3) العجب أن ابن كثير رحمه الله يعدل عن لفظ ابن إسحاق ويخلطه بما يفسد المعنى، ولو أنه أثبته بنصه لكفى وأغنى، وإليك نص ابن إسحاق: " وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذى معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديى... الخ " ولو ذهبنا نتتبع مفارقات المؤلف في نقله عن ابن إسحاق لطال بنا الامر، ويكفى أن نعلم أن ابن كثير يخلص المعنى بعبارته ويزيد ويحذف ولا يلتزم النص إلا قليلا. (*)

[ 227 ]

فقال صاحبي حين أصبحنا: يا حليمة والله إنى لاراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه ؟ ! فلم يزل الله عزوجل يزيدنا خيرا. ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا فو الله لقطعت أتانى بالركب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى أن صواحبي ليقلن: ويلك يا بنت أبى ذؤيب ! هذه أتانك التى خرجت عليها معنا ؟ فأقول: نعم والله إنها لهى. فيقلن: والله إن لها لشأنا. حتى قدمنا أرض بنى سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فإن كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعا لبنا فنحلب ما شئنا، وما حوالينا أو حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن، وإن أغنامهم لتروح جياعا، حتى إنهم ليقولون لرعاتهم أو لرعيانهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبى ذؤيب فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح، فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن، وتروح أغنامي شباعا لبنا نحلب ما شئنا. فلم يزل الله يرينا البركة نتعرفها. حتى بلغ سنتين فكان يشب شبابا لا تشبه الغلمان، فو الله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا (1) فقدمنا به على أمه ونحن أضن شئ به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه، قلت لها: دعينا نرجع بابننا هذه السنة الاخرى، فإنا نخشى عليه وباء مكة. فو الله مازلنا بها حتى قالت: نعم. فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة. فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاء أخوه ذلك يشتد، فقال: ذاك أخى القرشى جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه.


(1) الجفر: الغليظ. (*)

[ 228 ]

فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائما منتقعا لونه، فاعتنقه أبوه وقال: يا بنى ما شأنك ؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، أضجعاني وشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه ثم رداه كما كان. فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف. قالت حليمة: فاحتملناه فلم ترع أمه إلا به، فقدمنا به عليها فقالت: ما رد كما به ياظئر، فقد كنتما عليه حريصين ؟ فقالا: لا والله، إلا أن الله قد أدى عنا وقضينا الذى علينا وقلنا نخشى الاتلاف والاحداث نرده إلى أهله. فقالت: ما ذاك بكما، فاصدقاني شأنكما. فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان ؟ ! كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، والله إنه لكائن لابنى هذا شأن، ألا أخبركما خبره ؟ قلنا: بلى. قالت: حملت به فما حملت حملا قط أخف منه (1)، فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج منى نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود، معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما. وهذا الحديث قد روى من طرق أخر، وهو من الاحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازى. وقال الواقدي: حدثنى معاذ بن محمد، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس، قال: خرجت حليمة تطلب النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجدت البهم تقيل، فوجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر ؟ فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخى حرا، رأيت غمامة تظل عليه، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، حتى انتهى إلى هذا الموضع. وقال ابن إسحاق: حدثنى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك. قال: " نعم أنا دعوة أبى إبراهيم


(1) يوهم ذلك أنها حملت بغيره، وهو غير ثابت. (*)

[ 229 ]

وبشرى عيسى عليهما السلام، ورأت أمي حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، واسترضعت في بنى سعد بن بكر، فبينا أنا في بهم لنا أتانى رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء ثلجا، فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبى فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها، ثم غسلا قلبى وبطني بذلك الثلج، حتى إذا أنقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه. زنه بعشرة من أمته. فوزننى بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته. فوزننى بمائة فوزنتهم. ثم قال زنه بألف من أمته. فوزننى بألف فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فو وزنته بأمته لوزنهم ". وهذا إسناد جيد قوى. وقد روى أبو نعيم الحافظ في الدلائل من طريق عمر بن الصبح، وهو أبو نعيم، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن شداد بن أوس هذه القصة مطولة جدا، ولكن عمر بن صبح هذا متروك كذاب متهم بالوضع. فلهذا لم نذكر لفظ الحديث إذ لا يفرح به. ثم قال: وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن نفير، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن ابن عمرو السلمى، عن عتبة بن عبد الله، أنه حدثه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله ؟ قال: " كانت حاضنتى من بنى سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادا، فقلت: يا أخى اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا. فانطلق أخى ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصحابه: أهو هو ؟ فقال نعم ! فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا فشفا بطني ثم استخرجا قلبى فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه:

[ 230 ]

ائتنى بماء ثلج. فغسلا به جوفى. ثم قال: ائتنى بماء برد. فغسلا به قلبى. ثم قال: ائتنى بالسكينة فذرها في قلبى. ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه. فخاطه وختم على قلبى بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة. فإذا أنا أنظر إلى الالف فوقى أشفق أن يخر على بعضهم. فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم. ثم انطلقا فتركاني وفرقت فرقا شديدا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذى لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبس بى، فقالت: أعيذك بالله. فرحلت بعيرا لها وحملتني على الرحل. وركبت خلفي، حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتى وذمتي. وحدثتها بالذى لقيت، فلم يرعها، وقالت: إنى رأيت خرج منى نور أضاءت منه قصور الشام ". ورواه أحمد من حديث بقية بن الوليد به. وهكذا رواه عبد الله بن المبارك وغيره عن بقية بن الوليد به. وقد رواه ابن عساكر من طريق أبى داود الطيالسي، حدثنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشى، أخبرني عمير بن عمر بن عروة بن الزبير، قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبى ذر الغفاري قال: قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبى حين علمت ذلك واستيقنت أنك نبى ؟ قال: " يا أبا ذر، أتانى ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة، فوقع أحدهما على الارض، وكان الآخر بين السماء والارض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو ؟ قال: هو هو. قال زنه برجل. فوزننى برجل فرجحته " وذكر تمامه، وذكر شق صدره وخياطته وجعل الخاتم بين كتفيه قال: " فما هو إلا أن وليا عنى فكأنما أعاين الامر معاينة ". ثم أورده ابن عساكر عن أبى بن كعب بنحو ذلك، ومن حديث شداد بن أوس بأبسط من ذلك.

[ 231 ]

وثبت في صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لامه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعنى ظئره - فقالوا: إن محمدا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. وقد رواه ابن عساكر من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث عن عبد ربه ابن سعيد، عن ثابت البنانى، عن أنس، أن الصلاة فرضت بالمدينة، وأن ملكين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبا به إلى زمزم فشقا بطنه فأخرجا حشوته في طست من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم لبسا جوفه حكمة وعلما. ومن طريق ابن وهب أيضا، عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه عن عبد الرحمن بن عامر بن عتبة بن أبى وقاص، عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال: قال خذوا خيرهم وسيدهم، فأخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمد به إلى زمزم، فشق جوفه ثم أتى بتور من ذهب فغسل جوفه ثم ملئ حكمة وإيمانا. وثبت من رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. وفي الصحيحين من طريق شريك بن أبى نمر، عن أنس، وعن الزهري عن أنس، عن أبى ذر وقتادة عن أنس، وعن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الاسراء كما سيأتي قصة شرح الصدر ليلتئذ وأنه غسل بماء زمزم. ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين، مرة وهو صغير، ومرة ليلة الاسراء ليتأهب للوفود إلى الملا الاعلى ولمناجاة الرب عزوجل والمثول بين يديه تبارك وتعالى.

[ 232 ]

وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لاصحابه: " أنا أعربكم، أنا قرشي واسترضعت في بنى سعد بن بكر ". وذكر ابن إسحاق: أن ؟ لمية لما أرجعته إلى أمه بعد فطامه مرت به على ركب من النصارى فقاموا إليه عليه الصلاة والسلام فقلبوه وقالوا إنا سنذهب بهذا الغلام إلى ملكنا فإنه كائن له شأن. فلم تكد تنفلت منهم إلا بعد جهد. وذكر أنها لما ردته حين تخوفت عليه أن يكون أصابه عارض، فلما قربت من مكة افتقدته فلم تجده، فجاءت جده عبد المطلب فخرج هو وجماعة في طلبه، فوجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش فأتيا به جده، فأخذه على عاتقه وذهب فطاف به يعوذه ويدعو له ثم رده إلى أمه آمنة. وذكر الاموى من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى، وهو ضعيف، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قصة مولده عليه الصلاة والسلام ورضاعه من حليمة على غير سياق محمد بن إسحاق. وذكر أن عبد المطلب أمر ابنه عبد الله أن يأخذه فيطوف به في أحياء العرب ليتخذ له مرضعة، فطاف حتى استأجر حليمة على رضاعه، وذكر أنه أقام عندها ست سنين تزيره جده في كل عام، فلما كان من شق صدره عندهم ما كان ردته إليهم، فأقام عند أمه حتى كان عمره ثمانى سنين ماتت، فكفله جده عبد المطلب فمات وله عليه الصلاة والسلام عشر سنين، فكفله عماه شقيقا أبيه الزبير وأبو طالب، فلما كان له بضع عشرة سنة خرج مع عمه الزبير إلى اليمن. فذكر أنهم رأوا منه آيات في تلك السفرة، منها أن فحلا من الابل كان قد قطع بعض الطريق في واد ممرهم عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم برك حتى حك بكلكله الارض، فركبه عليه الصلاة والسلام، ومنها أنه خاض بهم سيلا عرما فأيبسه الله تعالى حتى جاوزوه، ثم مات عمه الزبير وله أربع عشرة سنة فانفرد به أبو طالب.

[ 233 ]

والمقصود أن بركته عليه الصلاة والسلام حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير، ؟ م عادت على هوازن بكمالهم فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر. فمتوا إليه برضاعه فأعتقهم وتحنن عليهم وأحسن إليهم، كما سيأتي مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى. قال محمد بن إسحاق في وقعة هوازن: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فلما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا يا رسول الله إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، فلو أنا ملحنا (1) ابن أبى شمر، أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذى أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشد: امنن علينا رسول الله في كرم * فإنك المرء نرجوه وندخر امنن على بيضة قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير أبقت لنا الدهر هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركها نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك يملؤه من محضها درر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتى وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر وقد رويت هذه القصة من طريق عبيد الله بن رماحس الكلبى الرملي


(1) يعنى أرضعنا. وابن أبى شمر هو الحارث الغساني. (*)

[ 234 ]

عن زياد بن طارق الجشمى، عن أبى صرد زهير بن جرول، وكان رئيس قومه، قال لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فبينا هو يميز بين الرجال والنساء وثبت حتى قعدت بين يديه وأسمعته شعرا، أذكره حين شب ونشأ في هوازن حيث أرضعوه: امنن علينا رسول الله في دعة * فإنك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضة قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير أبقت لنا الحرب هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركها نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك تملؤه من محضها الدرر إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتى وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه * من أمهاتك إن العفو مشتهر إنا نؤمل عفوا منك تلبسه * هذى البرية إذ تعفو وتنتصر فاغفر عفا الله عما أنت راهبه * يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لله ولكم " فقالت الانصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وسيأتى أنه عليه الصلاة والسلام أطلق لهم الذرية، وكانت ستة آلاف ما بين صبى وامرأة، وأعطاهم أنعاما وأناسى كثيرا. حتى قال أبو الحسين بن فارس: فكان قيمة ما أطلق لهم يومئذ خمسمائة ألف ألف درهم. فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة ؟ !

[ 235 ]

فصل قال ابن إسحاق بعد ذكر رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى أمه آمنة بعد رضاعة حليمة له. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا، لما يريد به من كرامته، فلما بلغ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت وهو ابن ست سنين بالابواء بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بنى عدى بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهى راجعة به إلى مكة. وذكر الواقدي بأسانيده أن النبي صلى الله عليه وسلم خرجت به أمه إلى المدينة ومعها أم أيمن وله ست سنين، فزارت أخواله. قالت أم أيمن: فجاءني ذات يوم رجلان من يهود المدينة فقالا لى: أخرجي إلينا أحمد ننظر إليه فنظرا إليه وقلباه، فقال أحدهما لصاحبه: هذا نبى هذه الامة وهذه دار هجرته، وسيكون بها من القتل والسبي أمر عظيم. فلما سمعت أمه خافت وانصرفت به، فماتت بالابواء وهى راجعة. وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أيوب بن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله

[ 236 ]

عليه وسلم حتى إذا كنا بودان قال " مكانكم حتى آتيكم " فانطلق ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال: " إنى أتيت قبر أم محمد فسألت ربى الشفاعة - يعنى لها - فمنعنيها، وإنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، وكنت نهيتكم عن لحوم الاضاحي بعد ثلاثة أيام فكلوا وأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن الاشربة في هذه الاوعية فاشربوا ما بدا لكم ". وقد رواه البيهقى من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن يزيد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، ثم بكى. فاستقبله عمر فقال ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال: " هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربى في أن أزور قبرها فأذن لى، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى على، وأدركتني رقتها فبكيت ". قال: فما رؤيت ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة. تابعه محارب بن دثار عن بريدة عن أبيه. ثم روى البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، عن بحر بن نصر، عن عبد الله بن وهب، حدثنا ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الاجدع، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في المقابر، وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها - فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا، فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل علينا فتلقاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ما الذى أبكاك ؟ لقد أبكانا وأفزعنا.

[ 237 ]

فجاء فجلس إلينا فقال: " أفزعكم بكائى " ؟ قلنا نعم ! قال: " إن القبر الذى رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب، وإنى استأذنت ربى في زيارتها فأذن لى، واستأذنت ربى في الاستغفار لها فلم يأذن لى فيه، ونزل على (ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لاواه حليم (1)) فأخذني ما يأخذني الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذى أبكاني ". غريب ولم يخرجوه. وروى مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبى حازم، عن أبى هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله ثم قال: " استأذنت ربى في زيارة قبر أمي فأذن لى، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لى، فزوروا القبور تذكركم الموت ". وروى مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلا قال يا رسول الله أين أبى ؟ قال: " في النار " فلما قفا دعاه فقال: " إن أبى وأباك في النار ". وقد روى البيهقى من حديث أبى نعيم الفضل بن دكين، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبى كان يصل الرحم، وكان وكان، فأين هو ؟ قال: " في النار ". قال: فكأن الاعرابي وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله أين أبوك ؟ قال: " حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ".


(1) سورة التوبة 113، 114. (*)

[ 238 ]

قال: فأسلم الاعرابي بعد ذلك. فقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار ! غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد - هو ابن أبى أيوب - حدثنا ربيعة بن سيف المعافرى، عن أبى عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو، قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بإمرأة لا يظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما أخرجك من بيتك يا فاطمة ؟ " فقالت: أتيت أهل هذا البيت فترحمت إليهم ميتهم وعزيتهم. قال: " لعلك بلغت معهم الكدى " قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر. قال: " لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك. ثم رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي من حديث ربيعة بن سيف بن مانع المعافرى الصنمى الاسكندرى، وقد قال البخاري عنده مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرة: صدوق، وفى نسخة ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ كثيرا. وقال الدارقطني: صالح. وقال ابن يونس في تاريخ مصر: في حديثه مناكير. توفى قريبا من سنة عشرين ومائة. والمراد بالكدى: القبور. وقيل: النوح. والمقصود أن عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية خلافا لفرقة الشيعة فيه وفى ابنه أبى طالب. على ما سيأتي في وفاة أبى طالب. وقد قال البيهقى - بعد روايته هذه الاحاديث في كتابه " دلائل النبوة ": وكيف

[ 239 ]

لا يكون أبواه وجده عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة، وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا دين عيسى بن مريم عليه السلام، وكفرهم لا يقدح في نسبه عليه الصلاة والسلام، لان أنكحة الكفار صحيحة. ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن، إذا كان مثله يجوز في الاسلام. وبالله التوفيق. انتهى كلامه. قلت: وإخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافى الحديث الوارد عنه من طرق متعددة أن أهل الفترة والاطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة، كما بسطناه سندا ومتنا [ في تفسيرنا ] عند قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب. فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب فلا منافاة. ولله الحمد والمنة. وأما الحديث الذى ذكره السهيلي وذكر أن في إسناده مجهولين إلى ابن أبى الزناد، عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيى أبويه، فأحياهما وآمنا به، فإنه حديث منكر جدا. وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة الله تعالى. لكن الذى ثبت في الصحيح يعارضه. والله أعلم. فصل قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بن هاشم يعنى بعد موت أمه آمنة بنت وهب - فكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له.

[ 240 ]

قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب: إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فو الله إن له لشأنا. ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع. وقال الواقدي: حدثنى محمد بن عبد الله، عن الزهري. وحدثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله. وحدثنا هاشم بن عاصم الاسلمي، عن المنذر بن جهم. وحدثنا معمر عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد. وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبى الحويرث. وحدثنا ابن أبى سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن نافع، عن ابن جبير - دخل حديث بعضهم في بعض - قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون مع أمه آمنة بنت وهب، فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقر به منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام. وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني إنه يؤسس ملكا. وقال قوم من بنى مدلج لعبد المطلب: احتفظ به، فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم الذى في المقام منه. وقال عبد المطلب لابي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء ! فكان أبو طالب يحتفظ به. وقال عبد المطلب لام أيمن - وكانت تحضنه -: يا بركة لا تغفلي عن ابني، فإنى وجدته مع غلمان قريب من السدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبى هذه الامة. وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا يقول: على بابنى. فيؤتى به إليه. فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياطته.

[ 241 ]

ثم مات عبد المطلب ودفن بالحجون. وقال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين هلك جده عبد المطلب بن هاشم. ثم ذكر جمعه بناته وأمره إياهن أن يرثينه. وهن: أروى، وأميمة، وبرة، وصفية، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء. وذكر أشعارهن وما قلن في رثاء أبيهن وهو يسمع قبل موته، وهذا أبلغ النوح. وبسط القول في ذلك. وقد قال ابن هشام: ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر. قال ابن إسحاق: فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولى السقاية وزمزم بعده ابنه العباس، وهو من أحدث إخوته سنا. فلم تزل إليه حتى قام الاسلام وأقرها في يده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده عبد المطلب مع عمه أبى طالب لوصية عبد المطلب له به، ولانه كان شقيق أبيه عبد الله، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. قال: فكان أبو طالب هو الذى يلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إليه ومعه. وقال الواقدي: أخبرنا معمر، عن ابن نجيح، عن مجاهد. وحدثنا معاذ بن محمد الانصاري، عن عطاء، عن ابن عباس. وحدثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر

[ 242 ]

وإبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: لما توفى عبد المطلب قبض أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يكون معه. وكان أبو طالب لا مال وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه. وصب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشئ قط. وكان يخصه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبى طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا. فكان إذا أراد أن يغديهم قال كما أنتم حتى يأتي ولدى. فيأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. وكان الصبيان يصبحون رمصا شعثا ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهينا كحيلا. وقال الحسن بن عرفة: حدثنا على بن ثابت، عن طلحة بن عمرو، سمعت عطاء ابن أبى رباح، سمعت ابن عباس يقول: كان بنو أبى طالب يصبحون رمصا عمصا ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صقيلا دهينا. وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم أول البكرة، فيجلسون وينتهبون، ويكف رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فلا ينتهب معهم. فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة. وقال ابن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه أن رجلا من لهب كان عائفا، فكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم.

[ 243 ]

قال: فأتى أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام مع من يأتيه. قال: فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شغله عنه شئ. فلما فرغ قال: الغلام على به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه، فجعل يقول: ويلكم ردوا على الغلام الذى رأيته آنفا فو الله ليكونن له شأن. قال: وانطلق به أبو طالب. فصل في خروجه عليه الصلاة والسلام مع عمه أبى طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام. فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يزعمون. فرق له أبو طالب وقال: والله لاخرجن به معى ولا أفارقه ولا يفارقنى أبدا. أو كما قال. فخرج به. فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له. وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب فيها إليه يصير علمهم عن كتاب، فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر. فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى - وكانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 244 ]

في الركب حتى أقبل وغمامة تظلله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إنى صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم، عبدكم وحركم. فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم ! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرى: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم. فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما رآهم بحيرى لم ير الصفة التى يعرف ويجده عنده فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغى له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدثنا سنا فتخلف في رحالنا. قال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها

[ 245 ]

عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له: يا غلام: أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرى ذلك لانه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئا، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؟ فقال له: سلنى عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره. فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التى عنده. فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب فقال: ما هذا الغلام منك ؟ قال: ابني. قال بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ابن أخى. قال فما فعل أبوه ؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. قال ابن إسحاق: فزعموا فيما روى الناس أن زريرا، وتماما ودريسا (1) - وهم نفر من أهل الكتاب - قد كانوا رأوا [ من (2) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما رأى بحيرى في ذلك السفر الذى كان فيه مع عمه أبى طالب، فأرادوه فردهم عنه بحيرى، فذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم [ إن (2) ] أجمعوا لما أردوا به لم يخلصوا


(1) محرفة بالاصل: تماما ودريسما. وما أثبته من ابن هشام. (2) سقطت من الاصل. (*)

[ 246 ]

إليه. حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا عنه. وقد ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن أبا طالب قال في ذلك ثلاث قصائد. هكذا ذكر ابن إسحاق هذا السياق من غير إسناد منه. وقد ورد نحوه من طريق مسند مرفوع. فقال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عباس بن محمد الدوري، حدثنا قراد أبو نوح، حدثنا يونس، عن ابن (1) إسحاق، عن أبى بكر بن أبى موسى، عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب - يعنى بحيرى - هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال: فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين. وفى رواية البيهقى زيادة: هذا رسول رب العالمين، بعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: وما علمك ؟ فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدون إلا لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه. ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به - وكان هو في رعية الابل - فقال: أرسلوا إليه. فأقبل وغمامة تظله. فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة. فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فئ الشجرة فلما جلس مال فئ الشجرة عليه. قال: انظروا إلى فئ الشجرة مال عليه.


(1) الاصل أبى وهو تحريف. (*)

[ 247 ]

قال فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا. قال: فاستقبلهم فقال ما جاء بكم ؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: فهل خلفكم أحد هو خير منكم ؟ قالوا: لا إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده ؟ فقالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه عنده. قال: فقال الراهب: أنشدكم الله أيكم وليه ؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت. هكذا رواه الترمذي عن أبى العباس الفضل بن سهل الاعرج عن قراد أبى نوح به. والحاكم والبيهقي وابن عساكر من طريق أبى العباس محمد بن يعقوب الاصم عن عباس بن محمد الدوري به. وهكذا رواه غير واحد من الحفاظ من حديث أبى نوح عبد الرحمن بن غزوان الخزاعى مولاهم، ويقال له الضبى ويعرف بقراد، سكن بغداد وهو من الثقات الذين أخرج لهم البخاري، ووثقه جماعة من الائمة والحفاظ ولم أر أحدا جرحه. ومع هذا في حديثه هذا غرابة. قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال عباس الدوري: ليس في الدنيا أحد يحدث به غير قراد أبى نوح، وقد سمعه منه أحمد بن حنبل رحمه الله ويحيى بن معين لغرابته وانفراده. حكاه البيهقى وابن عساكر.

[ 248 ]

قلت: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة، فإن أبا موسى الاشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة. ولا يلتفت إلى قول ابن إسحاق في جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة. وعلى كل تقدير فهو مرسل، فإن هذه القصة كانت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة رضى الله عنهم، أو كان هذا مشهورا مذكورا أخذه من طريق الاستفاضة. الثاني: أن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا. الثالث: أن قوله: " وبعث معه أبو بكر بلالا " إن كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك ثنتى عشرة سنة فقد كان عمر أبى بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة، وعمر بلال أقل من ذلك، فأين كان أبو بكر إذ ذاك ؟ ثم أين كان بلال ؟ كلاهما غريب، اللهم إلا أن يقال إن هذا كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرا، إما بأن يكون سفره بعد هذا، أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك ثنتى عشرة سنة غير محفوظ، فإنه إنما ذكره مقيدا بهذا الواقدي. وحكى السهيلي عن بعضهم أنه كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك تسع سنين والله أعلم. قال الواقدي: حدثنى محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة، عن داود بن الحصين. قالوا: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة سنة خرج به عمه أبو طالب إلى الشام في العير التى خرج فيها للتجارة ونزلوا بالراهب بحيرى. فقال لابي طالب بالسر ما قال. وأمره أن يحتفظ به فرده معه أبو طالب إلى مكة.

[ 249 ]

وشب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبى طالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوط من أمور الجاهلية معائبها لما يريد من كرامته. حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما وأمانة، وأصدقهم حديثا، وأبعدهم من الفحش والاذى. ما رؤى ملاحيا ولا مماريا أحدا، حتى سماه قومه الامين، لما جمع الله فيه من الامور الصالحة. فكان أبو طالب يحفظه ويحوطه وينصره ويعضده حتى مات. وقال محمد بن سعد: أخبرنا خالد بن معدان، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبى يحدث عن أبى مجلز أن عبد المطلب أو أبا طالب - شك خالد - قال: لما مات عبد الله عطف على محمد، فكان لا يسافر سفرا إلا كان معه فيه. وإنه توجه نحو الشام فنزل منزلا فأتاه فيه راهب، فقال إن فيكم رجلا صالحا. ثم قال: أين أبو هذا الغلام ؟ قال: فقال ها أنا ذا وليه - أو قيل هذا وليه - قال: احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام، إن اليهود حسد وإنى أخشاهم عليه. قال: ما أنت تقول ذلك، ولكن الله يقوله. فرده وقال: اللهم إنى أستودعك محمدا. ثم إنه مات. قصة بحيرى حكى السهيلي عن سير الزهري أن بحيرى كان حبرا من أحبار يهود. قلت: والذى يظهر من سياق القصة أنه كان راهبا نصرانيا والله أعلم.

[ 250 ]

وعن المسعودي أنه كان من عبد القيس، وكان اسمه جرجيس. وفى كتاب " المعارف " لابن قتيبة: سمع هاتف في الجاهلية قبل الاسلام بقليل يهتف ويقول: ألا إن خير أهل الارض ثلاثة، بحيرى، ورئاب بن البراء الشنى، والثالث المنتظر. وكان الثالث المنتظر هو الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن قتيبة: وكان قبر رئاب الشنى وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عندهما طش، وهو المطر الخفيف. فصل في منشئه عليه الصلاة والسلام ومرباه وكفاية الله له، وحياطته وكيف كان يتيما فآواه وعائلا فأغناه قال محمد بن إسحاق: فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلؤه الله ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جورا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والاخلاق التى تدنس الرجال، تنزها وتكرما. حتى ما اسمه في قومه إلا الامين، لما جمع الله فيه من الامور الصالحة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ذكر لى، يحدث عما كان يحفظه به في صغره وأمر جاهليته أنه قال: " لقد رأيتنى في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لاقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك

[ 251 ]

إزارك. قال فأخذته فشددته على، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزارى على من بين أصحابي ". وهذه القصة شبيهة بما في الصحيح عند بناء الكعبة، حين كان ينقل هو وعمه العباس فإن لم تكنها فهى متقدمة عليها كالتوطئة لها. والله أعلم. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة، فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل فخر إلى الارض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: " إزارى " فشد عليه إزاره. أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق. وأخرجاه أيضا من حديث روح ابن عبادة، عن زكرياء بن أبى إسحاق، عن عمرو بن دينار عن جابر بنحوه. وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو، قالا: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغانى، حدثنا محمد بن بكير الحضرمي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكى، حدثنا عمرو بن أبى قيس، عن سماك، عن عكرمة، حدثنى ابن عباس عن أبيه أنه كان ينقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، قال: وأفردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشيد (1). قال: فكنت أنا وابن أخى، وكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس ائتزرنا. فبينما أنا أمشى ومحمد أمامى قال فخر وانبطح على وجهه، فجئت أسعى وألقيت حجري وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك ؟ فقام وأخذ إزاره قال: " إنى نهيت أن أمشى عريانا ". قال: وكنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون. وروى البيهقى من حديث يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى محمد


(1) الشيد: ما طلى به حائط من جص ونحوه. (*)

[ 252 ]

ابن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن على بن أبى طالب، عن أبيه، عن جده على بن أبى طالب. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء، إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله عزوجل فيهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة - ونحن في رعاء غنم أهلها - فقلت لصاحبي: أبصر لى غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان. فقال بلى. قال: فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير، فقلت ما هذا ؟ قالوا: تزوج فلان فلانة. فجلست أنظر وضرب الله على أذنى فو الله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت ؟ فقلت: ما فعلت شيئا. ثم أخبرته بالذى رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى أبصر لى غنمي حتى أسمر. ففعل، فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذى سمعت تلك الليلة، فسألت فقيل نكح فلان فلانة، فجلست أنظر وضرب الله على أذنى، فو الله ما أيقظني إلا مس الشمس. فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت ؟ فقلت: لا شئ. ثم أخبرته الخبر. فو الله ما هممت ولا عدت بعدهما لشئ من ذلك حتى أكرمنى الله عزوجل بنبوته ". وهذا حديث غريب جدا، وقد يكون عن على نفسه ويكون قوله في آخره: " حتى أكرمنى الله عزوجل بنبوته " مقحما والله أعلم. وشيخ ابن إسحاق هذا ذكره ابن حبان في الثقات. وزعم بعضهم أنه من رجال الصحيح. قال شيخنا في تهذيبه: ولم أقف على ذلك. والله أعلم. وقال الحافظ البيهقى: حدثنى أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن على بن عفان العامري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا محمد بن عمرو، عن

[ 253 ]

أبى سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة، قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف ونائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تمسه ". قال زيد: فطفنا فقلت في نفسي لامسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألم تنه " قال البيهقى: زاد غيره عن محمد بن عمرو بإسناده قال زيد: فو الذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنما قط حتى أكرمه الله تعالى بالذى أكرمه وأنزل عليه. وتقدم قوله عليه الصلاة والسلام لبحيرى حين سأله باللات والعزى " لا تسألني بهما فو الله ما أبغضت شيئا بغضهما ". فأما الحديث الذى قاله الحافظ أبو بكر البيهقى، أخبرنا أبو سعد المالينى، أنبأنا أبو أحمد ابن عبد الحافظ، حدثنا إبراهيم بن أسباط، حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا جرير، عن سفيان الثوري، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يشهد مع المشركين مشاهدهم قال: فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الاصنام ؟ !. قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم. فهو حديث أنكره غير واحد من الائمة على عثمان أبى شيبة، حتى قال الامام أحمد فيه: لم يكن أخوه يتلفظ بشئ من هذا. وقد حكى البيهقى عن بعضهم أن معناه أنه شهد مع من يستلم الاصنام، وذلك قبل قبل أن يوحى إليه والله أعلم. وقد تقدم في حديث زيد بن حارثة أنه اعتزل شهود مشاهد المشركين حتى أكرمه الله برسالته.

[ 254 ]

وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة بل كان لا يقف مع الناس بعرفات. كما قال يونس بن بكير. عن محمد بن إسحاق، حدثنى عبد الله بن أبى بكر، عن عثمان ابن أبى سليمان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير. قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على دين قومه، وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم، توفيقا من الله عزوجل له. قال البيهقى: معنى قوله: " على دين قومه " ما كان بقى من إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولم يشرك بالله قط صلوات الله وسلامه عليه دائما. قلت: ويفهم من قوله هذا أيضا أنه كان يقف بعرفات قبل أن يوحى إليه. وهذا توفيق من الله له. ورواه الامام أحمد عن يعقوب، عن محمد بن إسحاق به. ولفظه " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه وإنه لواقف على بعير له مع الناس بعرفات حتى يدفع معهم توفيقا من الله. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أضللت بعيرا لى بعرنة (1) فذهبت أطلبه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف فقلت إن هذا من الحمس (2) ما شأنه هاهنا ؟ وأخرجاه من حديث سفيان بن عيينة به.


(1) عرنة: واد بحذاء عرفات. (2) الحمس: جمع أحمس. وكان يسمى به قريش، لما ابتدعوا في شعائر الحج (*)

[ 255 ]

ذكر شهوده عليه الصلاة والسلام حرب الفجار قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة. وإنما سمى يوم الفجار، بما استحل فيه هذان الحيان - كنانة وقيس عيلان - من المحارم بينهم. وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس. وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس. وقال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة - أو خمس عشرة سنة - فيما حدثنى به أبو عبيدة النحوي، عن أبى عمرو بن العلاء، هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان. وكان الذى هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أجاز لطيمة - أي تجارة - للنعمان بن المنذر. فقال البراض بن قيس، أحد بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة،: أتجيزها على كنانة ؟ قال: نعم وعلى الخلق. فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته، حتى إذا كان بتيمن ذى طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمى الفجار، وقال البراض في ذلك: وداهية تهم الناس قبلى * شددت لها بنى بكر ضلوعي هدمت بها بيوت بنى كلاب * وأرضعت الموالى بالضروع رفعت له بذى طلال كفى * فخر يميد كالجذع الصريع

[ 256 ]

وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب: وأبلغ - إن عرضت - بنى كلاب * وعامر والخطوب لها موالى وأبلغ - إن عرضت - بنى نمير * وأخوال القتيل بنى هلال بأن الوافد الرحال أمسى * مقيما عند تيمن ذى طلال قال ابن هشام: فأتى آت قريشا فقال: إن البراض قد قتل عروة، وهو في الشهر الحرام بعكاظ. فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم. ثم بلغهم الخبر فاتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم. فاقتتلوا حتى جاء الليل فدخلوا الحرم فأمسكت هوازن عنهم. ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما والقوم متساندون على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم، وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم. قال: وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم. أخرجه أعمامه معهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كنت أنبل على أعمامي " أي أرد عليهم نبل عدوهم إدا رموهم بها. قال ابن هشام: وحديث الفجار طويل هو أطول مما ذكرت، وإنما منعنى من استقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السهيلي: والفجار بكسر الفاء على وزن قتال. وكانت الفجارات في العرب أربعة ذكرهن المسعودي. وآخرهن، فجار البراض هذا. وكان القتال فيه في أربعة أيام، يوم شمطة، ويوم العبلاء، وهما عند عكاظ، ويوم الشرب - وهو أعظمها يوما - وهو الذى حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قيد رئيس قريش وبنى كنانة وهما حرب بن أمية وأخوه سفيان أنفسهما لئلا يفروا. وانهزمت يومئذ قيس إلا بنى نضر فإنهم ثبتوا. ويوم

[ 257 ]

الحريرة عند نخلة. ثم تواعدوا من العام المقبل إلى عكاظ. فلما توافوا الموعد ركب عتبة ابن ربيعة جمله ونادى: يا معشر مضر علام تقاتلون ؟ فقالت له هوازن: ما تدعو إليه ؟ قال: الصلح. قالوا وكيف ؟ قال ندى قتلاكم ونرهنكم رهائن عليها، ونعفو عن دياتنا. قالوا: ومن لنا بذلك ؟ قال أنا. قالوا: ومن أنت ؟ قال: عتبة بن ربيعة. فوقع الصلح على ذلك وبعثوا إليهم أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام، فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن دياتهم وانقضت حرب الفجار. وقد ذكر الاموى حروب الفجار وأيامها واستقصاها مطولا فيما رواه عن الاثرم، وهو المغيرة بن على، عن أبى عبيدة معمر بن المثنى فذكر ذلك. فصل (في شهوده عليه الصلاة والسلام حلف الفضول) قال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو سعد المالينى، أنبأنا أبو أحمد بن عيد الحافظ، حدثنا يحيى بن على بن هاشم الخفاف، حدثنا اسماعيل بن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: " شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه - أو كلمة نحوها - وإن لى حمر النعم ". قال: وكذلك رواه بشر بن المفضل عن عبد الرحمن. قال: وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، حدثنا أبو عمرو بن مطر، حدثنا أبو بكر بن

[ 258 ]

أحمد بن داود السمنانى، حدثنا معلى بن مهدى، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبى سلمة، عن أبيه، عن أبى هريرة. قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: " ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لى حمر النعم وأنى كنت نقضته ". قال: والمطيبون هاشم، وأمية، وزهرة، ومخزوم. قال البيهقى: كذا روى هذا التفسير مدرجا في الحديث ولا أدرى قائله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين. قلت: هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشا تحالفوا بعد موت قصى وتنازعوا في الذى كان جعله قصى لابنه عبد الدار من السقاية، والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش وتحالفوا على النصرة لحزبهم. فأحضر أصحاب بنى عبد مناف جفنة فيها طيب، فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا. فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت. فسموا المطيبين كما تقدم وكان هذا قديما. ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدى، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله، عن محمد وعبد الرحمن ابني أبى بكر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الاسلام لاجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعز (1) ظالم مظلوما ". قالوا: وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة في شهر ذى القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر. وذلك لان الفجار كان في شعبان من هذه السنة.


(1) الاصل: يعد وما أثبته من الروض الانف. ومعنى يعز: يغلب. (*)

[ 259 ]

وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب. وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدى الاحلاف عبد الدار ومخزوما وجمحا وسهما وعدى بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل وزبروه - أي انتهروه - فلما رأى الزبيدى الشر أوفى على أبى قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته * ببطن مكة نائى الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته * يا للرجال وبين الحجر والحجر إن الحرام لمن تمت كرامته * ولا حرام لثوب الفاجر الغدر فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما، وتحالفوا في ذى القعدة في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة، وما رسى ثبير وحراء مكانهما، وعلى التأسى في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وقالو: لقد دخل هؤلاء في فضل من الامر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سامة الزبيدى فدفعوها إليه. وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك: حلفت لنعقدن حلفا عليهم * وإن كنا جميعا أهل دار نسميه الفضول إذا عقدنا * يعز به الغريب لذى الجوار ويعلم من حوالى البيت أنا * أباة الضيم نمنع كل عار

[ 260 ]

وقال الزبير أيضا: إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا * ألا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا * فالجار والمعتر فيهم سالم وذكر قاسم بن ثابت - في غريب الحديث -: أن رجلا من خثعم قدم مكة حاجا أو معتمرا، ومعه ابنة له يقال لها القتول من أوضأ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه. فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل ؟ فقيل له عليك بحلف الفضول. فوقف عند الكعبة ونادى يال حلف الفضول. فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما لك ؟ فقال: إن نبيها ظلمنى في بنتى وانتزعها منى قسرا. فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم فقالوا له: أخرج الجارية، ويحك فقد علمت من نحن وما تعاقدنا عليه، فقال: أفعل، ولكن متعونى بها الليلة. فقالوا لا والله ولا شخب لقحة (1)، فأخرجها إليهم وهو يقول: راح صحبى ولم أحيى القتولا * لم أودعهم وداعا جميلا إذ أجد الفضول أن يمنعوها * قد أرانى ولا أخاف الفضولا لا تخالى أنى عشية راح الرك‍ * ب هنتم على أن لا يزولا (2) وذكرا أبياتا أخر غير هذه. وقد قيل إنما سمى هذا حلف الفضول لانه أشبه حلفا تحالفته جرهم على مثل هذا من نصر المظلوم على ظالمه. وكان الداعي إليه ثلاثة من أشرافهم، اسم كل واحد منهم:


(1) الشخب: ما خرج من الضرع من اللبن - واللقحة الناقة الحلوب. (2) الروس لانف: ألا أقولا. (*)

[ 261 ]

فضل، وهم الفضل بن فضالة، والفضل بن وادعة، والفضل بن الحارث. هذا قول ابن قتيبة. وقال غيره: الفضل بن شراعة، والفضل بن بضاعة، والفضل بن قضاعة. وقد أورد السهيلي هذا رحمه الله. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: وتداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه. وكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه وكانوا على من ظلمه حتى يرد عليه مظلمته. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. قال محمد بن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر [ بن ] (1) قنفذ التيمى (2)، أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم ولو دعى به في الاسلام لاجبت ". قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادى (3) الليثى (4)، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى حدثه أن كان بين الحسين بن على بن أبى طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان - والوليد يومئذ أمير المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبى سفيان. - منازعة في مال كان بينهما بذى المروة (5)، فكأن الوليد تحامل على


(1) سقطت من المطبوعة. (2) هو محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمى الجدعانى المدنى. (3) ط: الهاد. (4) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادى الليثى المدنى أبو عبد الله، توفى بالمدينة سنة 139. وكان ثقة كثير الحديث. (5) ذو المروة: قرية بوادي القرى. (*)

[ 262 ]

الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقى أو لآخذن سيفى ثم لاقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لادعون بحلف الفضول. قال: فقال عبد الله بن الزبير - وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال - وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفى ثم لاقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. قال وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمى فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضى. فصل في تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصبى قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال على مالها مضاربة. فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطى غيره من التجار. مع غلام لها يقال له ميسرة. فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذاك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى نزل الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذى نزل تحت الشجرة ؟ فقال ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم.

[ 263 ]

فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى (1). ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته - يعنى تجارته - التى خرج بها، واشترى ما أراد أن يشترى، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة. فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره. فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملائكة إياه. وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من كرامتها. فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له فيما يزعمون، يا ابن عم إنى قد رغبت فيك لقرابتك ووسطتك (2) في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثم عرضت نفسها عليه. وكانت أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا،: كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه. فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لاعمامه، فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه، فتزوجها عليه الصلاة والسلام. قال ابن هشام: فأصدقها عشرين بكرة، وكانت أول امرأة تزوجها، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت. قال ابن إسحاق: فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم: القاسم وكان به يكنى، والطيب والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.


(1) يريد: ما نزل الآن، وإلا فلم يخل أن ينزل تحتها كثير من الناس غير أنبياء. (2) وسطتك: توسطك في قومك وكونك من أعرقهم. وتروى: وصيتك. (*)

[ 264 ]

قال ابن هشام: أكبرهم القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر. وأكبر بناته رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. قال البيهقى عن الحاكم قرأت بخط أبى بكر بن أبى خيثمة: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: أكبر ولده عليه الصلاة والسلام القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. وكان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد الله. وبلغت خديجة خمسا وستين سنة، ويقال خمسين. وهو أصح. وقال غيره: بلغ القاسم أن يركب الدابة والنجيبة ثم مات بعد النبوة. وقيل: مات وهو رضيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن له مرضعا في الجنة يستكمل رضاعه ". والمعروف أن هذا في حق إبراهيم. وقال يونس بن بكير: حدثنا إبراهيم بن عثمان، عن القاسم، عن ابن عباس قال: ولدت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين وأربع نسوة: القاسم، وعبد الله، وفاطمة، وأم كلثوم، وزينب ورقية. وقال الزبير بن بكار: عبد الله هو الطيب وهو الطاهر، سمى بذلك لانه ولد بعد النبوة. [ وأما الباقون ] فماتوا قبل البعثة. وأما بناته فأدركن البعثة ودخلن في الاسلام وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وأما إبراهيم فمن مارية القبطية التى أهداها له المقوقس صاحب اسكندرية من كورة أنضاء (1).


(1) مدينة بالصعيد شرقي النيل. (*)

[ 265 ]

وسنتكلم على أزواجه وأولاده عليه الصلاة والسلام في باب مفرد لذلك في آخرة السيرة إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قال ابن هشام: وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، فيما حدثنى غير واحد من أهل العلم، منهم أبو عمرو المدنى. وقال يعقوب بن سفيان: كتبت عن إبراهيم بن المنذر: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، حدثنى غير واحد أن عمرو بن أسد زوج خديجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره خمس وعشرون سنة وقريش تبنى الكعبة. وهكذا نقل البيهقى عن الحاكم أنه كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، وكان عمرها إذ ذاك خمسا وثلاثين. وقيل خمسا وعشرين سنة. وقال البيهقى: " باب ما كان يشتغل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج خديجة ". أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن أبى يحيى بن سعيد القرشى، عن جده سعيد عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بعث الله نبيا إلا راعى غنم " فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله ؟ قال: " وأنا رعيتها لاهل مكة بالقراريط ". رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكى عن عمرو بن يحيى به. ثم روى البيهقى من طريق الربيع بن بدر، وهو ضعيف، عن أبى الزبير عن

[ 266 ]

جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص ". وروى البيهقى من طريق حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن عمار بن أبى عمار، عن ابن عباس: أن أبا خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو - أظنه قال - سكران. ثم قال البيهقى: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنبأنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، قال حدثنى إبراهيم بن المنذر، حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى حدثنى عبد الله بن أبى عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه، عن مقسم بن أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن عبد الله بن الحارث حدثه أن عمار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وما يكثرون فيه يقول: أنا أعلم الناس بتزويجه إياها، إنى كنت له تربا وكنت له إلفا وخدنا، وإنى خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة أجزنا على أخت خديجة وهى جالسة على أدم تبيعها، فنادتني فانصرفت إليها ووقف لى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة ؟. قال عمار: فرجعت إليه فأخبرته فقال: " بلى لعمري ". فذكرت لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: اغدوا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا أبا خديجة حلة، وصفرت لحيته، وكلمت أخاها فكلم أباه وقد سقى خمرا، فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه، وسأله أن يزوجه فزوجه خديجة، وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه ونام أبوها ثم

[ 267 ]

استيقظ صاحيا. فقال: ما هذه الحلة وما هذه الصفرة وهذا الطعام ؟ فقالت له ابنته التى كانت قد كلمت عمارا: هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك، وبقرة أهداها لك، فذبحناها حين زوجته خديجة. فأنكر أن يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءوه فكلموه. فقال: أين صاحبكم الذى تزعمون أنى زوجته خديجة ؟ فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه قال: إن كنت زوجته فسبيل ذاك، وإن لم أكن فعلت فقد زوجته. وقد ذكر الزهري في سيره أن أباها زوجها منه وهو سكران. وذكر نحو ما تقدم. حكاه السهيلي. قال المؤملى: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذى زوجها منه. وهذا هو الذى رجحه السهيلي. وحكاه عن ابن عباس وعائشة. قالت: وكان خويلد مات قبل الفجار، وهو الذى نازع تبعا حين أراد أخذ الحجر الاسود إلى اليمن، فقام في ذلك خويلد وقام معه جماعة من قريش، ثم رأى تبع في منامه ما روعه، فنزع عن ذلك وترك الحجر الاسود مكانه. وذكر ابن إسحاق في آخر السيرة أن أخاها عمرو بن خويلد هو الذى زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم. فصل قال ابن إسحاق: وقد كانت خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى وكان ابن عمها - وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم

[ 268 ]

الناس، ما ذكر لها غلامها من قو الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يضلانه. فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبى هذه الامة، قد عرفت أنه كائن لهذه الامة نبى ينتظر هذا زمانه. أو كما قال. فجعل ورقة يستبطئ الامر ويقول حتى متى ؟ وقال في ذلك: لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لهم طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين (1) على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود يوما (2) ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم (3) به البرية أن تموجا فليقى من يحاريه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا (4) فياليتى إذا ما كان ذاكم * شهدت وكنت (5) أولهم ولوجا ولوجا في الذى كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا أرجى بالذى كرهوا جميعا * إلى ذى العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفالة غير كفر * بمن يختار، من سمك البروجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور * يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى * من الاقدار متلفة حروجا (6)


(1) المكتين: جانبا مكة، أو بطاحها وظواهرها (2) ط: قوما وهو خطأ. وفى ابن هشام: سيسود فينا. (3) خ ط: يقوم وهو خطأ، وما أثبته عن ابن هشام. (4) الفلوج: النجاح والظفر. (5) ابن هشام: فكنت. (6) ط: خروجا. وهو خطأ. (*)

[ 269 ]

وقال ورقة أيضا فيما رواه يونس بن بكير (1) عن ابن إسحاق عنه. أتبكر أم أنت العشية رائح * وفى الصدر من إضمارك الحزن قادح ؟ لفرقة قوم لا أحب فراقهم * كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبرت عن محمد * يخبرها عنه إذا غاب ناصح أتاك (2) الذى وجهت يا خير حرة * بغور وبالنجدين حيث الصحاصح (3) إلى سوق بصرى في الركاب التى غدت * وهن من الاحمال قعص ؟ والح (4) فيخبرنا عن كل خير بعلمه * وللحق أبواب لهن مفاتح بأن ابن عبد الله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الاباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الذكر واضح ويتبعه حيا لؤى وغالب * شبابهم والاشيبون الجحاجح فإن أبق حتى يدرك الناس دهره * فإنى به مستبشر الود فارح وإلا فإنى يا خديجة فاعلمي * عن ارضك في الارض العريضة سائح وزاد الاموى: فمتبع دين الذى أسس البنا * وكان له فضل على الناس راجح وأسس بنيانا بمكة ثابتا * تلالا فيه بالظلام المصابح مثابا لافناء القبائل كلها * تخب إليه اليعملات الطلائح (5) حراجيج (6) أمثال القداح من السرى * يعلق في أرساغهن السرائح


(1) ليست في ابن هشام، لان ابن هشام أثبت رواية زياد البكائى (2) الاكتفا: فتاك. (3) الصحاصح: جمع صحصح وهى الارض المستوية (4) أي بطيئات مثقلات الخطو. (5) اليعملات: جمع يعملة، وهى الناقة النجيبة. والطلائح: المتعبات. (6) الحراجيج: الطوال (*)

[ 270 ]

ومن شعره أورده أبو القاسم السهيلي في روضه: لقد نصحت لاقوام وقلت لهم * أنا النذير فلا يغرركم أحد لا تعبدن إلها غير خالقكم * فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد (1) سبحان ذى العرش سبحانا يدوم له * وقبلنا سبح الجودى والجمد مسخر كل ما تحت السماء له * لا ينبغى أن يناوى ملكه أحد لا شئ مما ترى تبقى بشاشته * يبقى الاله ويودى المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه * والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجرى الرياح به * والجن والانس فيما بينها مرد أين الملوك التى كانت لعزتها * من كل أوب إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب * لا بد من ورده يوما كما وردوا ثم قال: هكذا نسبه أبو الفرج إلى ورقة. قال: وفيه أبيات تنسب إلى أمية ابن أبى الصلت. قلت: وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كان يستشهد في بعض الاحيان بشئ من هذه الابيات. والله أعلم. فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين ذكر البيهقى بناء الكعبة قبل تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة. والمشهور أن بناء قريش الكعبة بعد تزويج خديجة كما ذكرناه بعشر سنين.


(1) الحدد: الخصومة. (*)

[ 271 ]

ثم شرع البيهقى في ذكر بناء الكعبة في زمن إبراهيم كما قدمناه في قصته، وأورد حديث ابن عباس المتقدم في صحيح البخاري، وذكر ما ورد من الاسرائيليات في بنائه في زمن آدم. ولا يصح ذلك، فإن ظاهر القرآن يقتضى أن إبراهيم أول من بناه مبتدئا، وأول من أسسه، وكانت بقعته معظمة قبل ذلك معتنى بها مشرفة في سائر الاعصار والاوقات. قال الله تعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " (1). وثبت في الصحيحين عن أبى ذر قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول ؟ قال: " المسجد الحرام " قلت ثم أي ؟ قال " المسجد الاقصى " قلت كم بينهما ؟ قال: أربعون سنة " وقد تكلمنا على هذا (2) وأن المسجد الاقصى أسسه إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام. وفى الصحيحين " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والارض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ". وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا أحمد ابن مهران، حدثنا عبيد الله، حدثنا إسرائيل، عن أبى يحيى، عن مجاهد، عن عبد الله ابن عمرو. قال: كان البيت قبل الارض بألفى سنة، " وإذا الارض مدت ". قال: من تحته مدت. قال: وقد تابعه منصور عن مجاهد.


(1) سورة آل عمران. (2) وذلك في الجزء الاول من البداية والنهاية للمؤلف. (*)

[ 272 ]

قلت: وهذا غريب جدا، وكأنه من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، وكان فيهما إسرائيليات يحدث منها، وفيهما منكرات وغرائب ثم قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الله البغدادي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبو صالح الجهنى، حدثنى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما ابنيا لى بيتا، فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل، حتى أجابه الماء نودى من تحته حسبك يا آدم. فلما بنيا أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به، وقيل له أنت أول الناس، وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه ". قال البيهقى: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا. قلت: وهو ضعيف، ووقفه على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت. والله أعلم. وقال الربيع: أنبأنا الشافعي، أنبأنا سفيان، عن ابن أبى لبيد، عن محمد بن كعب القرظى - أو غيره - قال: حج آدم فلقيته الملائكة فقالوا: بر نسكك يا آدم، لقد حججنا قبلك بألفى عام. وقال يونس بن بكير: عن ابن اسحاق حدثنى بقية - أو قال ثقة من أهل المدينة - عن عروة بن الزبير أنه قال: ما من نبى إلا وقد حج البيت، إلا ما كان من هود وصالح. قلت: وقد ذكرنا حجهما إليه (1). المقصود الحج إلى محله وبقعته،، وإن لم يكن ثم بناء. والله أعلم.


(1) وذلك في الجزء الاول من البداية والنهاية للمؤلف. (*)

[ 273 ]

ثم أورد البيهقى حديث ابن عباس المذكور في قصة إبراهيم عليه السلام بطوله وتمامه وهو في صحيح البخاري. ثم روى البيهقى من حديث سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة. قال: سأل رجل عليا عن قوله تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين) أهو أول بيت بنى في الارض ؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة للناس والهدى، ومقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا. وإن شئت نبأتك كيف بناؤه ! إن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم أن ابن لى بيتا في الارض. فضاق به ذرعا فأرسل إليه السكينة وهى ريح خجوج (1) لها رأس، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت ثم تطوقت في موضع البيت تطوق الحية، فبنى إبراهيم حتى بلغ مكان الحجر، قال لابنه: ابغنى حجرا. فالتمس حجرا حتى أتاه به، فوجد الحجر الاسود قد ركب. فقال لابيه: من أين لك هذا ؟ قال: جاء به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل من السماء. فأنمه. قال: فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم. ثم انهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ رجل شاب. فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الاسود اختصموا فيه فقالوا: نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم، فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط (2) ثم ترفعه جميع القبائل كلهم. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة وقيس وسلام كلهم عن سماك ابن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن على بن أبى طالب قال: لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه.


(1) الخجوج: الريح الشديدة المر أو الملتوية في هبوبها. (2) المرط: كساء من صوف أو خز. (*)

[ 274 ]

فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بنى شيبة فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب. فرفعوه وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه. قال يعقوب بن سفيان: أخبرني أصبغ بن فرج، أخبرني ابن وهب، عن يونس عن ابن شهاب، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم جمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت، فهدموها، حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن: أي القبائل تلى رفعه. فقالوا: تعالوا نحكم أول من يطلع علينا، فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وشاح نمرة، فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه. فكان لا يزداد على السن إلا رضى حتى دعوه الامين قبل أن ينزل عليه الوحى، فطفقوا لا ينحرون جزورا إلا التمسوه فيدعو لهم فيها. وهذا سياق حسن، وهو من سير الزهري. وفيه من الغرابة قوله: " فلما بلغ الحلم " والمشهور أن هذا كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم عمره خمس وثلاثون سنة، وهو الذى نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله. وقال موسى بن عقبة: كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة. وهكذا قال مجاهد، وعروة، ومحمد بن جبير بن مطعم، وغيرهم. فالله أعلم. وقال موسى بن عقبة: كان بين الفجار وبين بناء الكعبة خمس عشرة سنة.

[ 275 ]

قلت: وكان الفجار وحلف الفضول في سنة واحدة، إذ كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون سنة وهذا يؤيد ما قال محمد بن إسحاق والله أعلم. قال موسى بن عقبة: وإنما حمل قريشا على بنائها أن السيول كانت تأتى من فوقها، من فوق الردم الذى صفوه فخربه، فخافوا أن يدخلها الماء. وكان رجل يقال له مليح سرق طيب الكعبة. فأرادوا أن يشيدوا بنيانها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا. فأعدوا لذلك نفقة وعمالا، ثم غدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر أن يمنعهم [ الله ] (1) الذى أرادوا. فكان أول رجل طلعها وهدم منها شيئا الوليد بن المغيرة، فلما رأوا الذى فعل الوليد تتابعوا فوضعوها فأعجبهم ذلك. فلما أرادوا أن يأخذوا في بنيانها أحضروا عمالهم فلم يقدر رجل منهم أن يمضى أمامه موضع قدم. فزعموا أنهم رأوا حية قد أحاطت بالبيت، رأسها عند ذنبها، فأشفقوا منها شفقة شديدة، وخشوا أن يكونوا قد وقعوا مما عملوا في هلكة. وكانت الكعبة حرزهم ومنعتهم من الناس وشرفا لهم، فلما سقط في أيديهم والتبس عليهم أمرهم قام فيهم المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، فذكر ما كان من نصحه لهم وأمره إياهم أن لا يتشاجروا ولا يتحاسدوا في بنائها، وأن يقتسموها أرباعا، وأن لا يدخلوا في بنائها مالا حراما. وذكر أنهم لما عزموا على ذلك ذهبت الحية في السماء وتغيبت عنهم ورأوا أن ذلك من الله عزوجل.


(1) من ابن هشام (*)

[ 276 ]

قال: ويقول بعض الناس: إنه اختطفها طائر وألقاها نحو أجياد. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنما كانت رضما (1) فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها. وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان [ يكون ] (2) في بئر في جوف الكعبة. وكان الذى وجد عند الكنز دويك مولى لبنى مليح بن عمرو بن (3) خزاعة. فقطعت قريش يده. وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت. فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها. قال الاموى: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام والخشب والحديد، سرحها قيصر مع باقوم الرومي إلى الكنيسة التى احرقها الفرس للحبشة، فلما بلغت مرساها من جدة بعث الله عليها ريحا فحطمتها. قال ابن إسحاق: وكان بمكة رجل قبطى نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها. وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التى كانت تطرح فيها ما يهدى إليها كل يوم، فتتشرق (4) على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد


(1) أي حجارة نضد بعضها على بعض من غير ملاط. (2) من ابن هشام. (3) ابن هشام: من خزاعة. (4) تتشرق: تبرز للشمس. وفى ط: تتشرف، وهو خطأ. (*)

[ 277 ]

إلا احزألت وكشت (1) وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضى ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية. وحكى السهيلي عن رزين، أن سارقا دخل الكعبة في أيام جرهم ليسرق كنزها، فانهار البئر عليه حتى جاءوا فأخرجوه وأخذوا منه ما كان أخذه، ثم سكنت هذا البئر حية رأسها كرأس الجدى، وبطنها أبيض وظهرها أسود، فأقامت فيها خمسمائة عام. وهى التى ذكرها محمد بن اسحاق. قال محمد ابن اسحاق: فلما أجمعوا أمرهم لهدمها (2) وبنيانها قام أبو وهب [ بن (3) ] عمرو بن عائذ (4) بن عبد بن عمران بن مخزوم - وقال ابن هشام: عائذ (4) بن عمران بن مخزوم - فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من گسبكم إلا طيبا، لا يدخل (5) فيها مهر بغى ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر (6) بن مخزوم. ثم رجح ابن اسحاق أن قائل ذلك أبو وهب ابن عمرو. قال: وكان خال أبى النبي صلى الله عليه وسلم وكان شريفا ممدحا. قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تجزأت الكعبة. فكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وما بين الركن الاسود والركن اليماني لبنى مخزوم وقبائل من قريش انضموا


(1) احزألت: رفعت رأسها. وكشت: صوتت من جلدها لا من فيها. (2) ابن هشام: في هدمها. (3) سقطت من ط. (4) ط: عايد، وهو خطأ. (5) ابن هشام: لا تدخلوا. (6) ط: عمرو، وهو خطأ. (*)

[ 278 ]

إليهم. وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وسهم. وكان شق الحجر لبنى عبد الدار بن قصى، ولبنى أسد بن عبد العزى ولبنى عدى بن كعب رهو (1) الحطيم. ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها. فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع (2)، اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شئ فقد رضى الله ما صنعنا [ من هدمها (3) ]. فأصبح الوليد غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الاساس، أساس إبراهيم عليه السلام، أفضوا إلى حجارة خضر كالاسنة آخذ بعضها بعضا. ووقع في صحيح البخاري عن يزيد بن رومان " كأسنمة الابل " قال السهيلي: وأرى رواية السيرة " كالاسنة (4) " وهما والله أعلم. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض من يروى الحديث: أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر انتفضت (5) مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الاساس. وقال موسى بن عقبة: وزعم عبد الله بن عباس أن أولية قريش كانوا يحدثون أن رجلا من قريش لما اجتمعوا لينزعوا الحجارة إلى تأسيس إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، عمد رجل منهم إلى حجر من الاساس الاول فرفعه وهو لا يدرى أنه من


(1) الرهو: ما اطمأن من الارض وارتفع ما حوله. وفى المطبوعة: وهو، وهذا تحريف. (2) أي لم نفزع الكعبة. ويروى: اللهم لم نزغ. (3) ليست في ابن هشام. (4) ط: كالاسنة وهو تحريف. (5) ابن هشام: نقضت. (*)

[ 279 ]

الاساس الاول، فأبصر القوم برقة تحت الحجر كادت تلتمع بصر الرجل ونزا الحجر من يده فوقع في موضعه، وفزع الرجل والبناة. فلما ستر الحجر عنهم ما تحته إلى مكانه عادوا إلى بنيانهم، وقالوا لا تحركوا هذا الحجر ولا شيئا بحذائه. قال ابن اسحاق: وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يعرفوا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السماوات والارض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها - قال ابن هشام: يعنى جبلاها - مبارك لاهلها في الماء واللبن. قال ابن اسحاق: وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة [ بيت (1) ] الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها. قال: وزعم ليث بن أبى سليم أنهم وجدوا [ حجرا (2) ] في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، إن كان ما ذكر حقا، مكتوبا فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، تعملون السيئات وتجزون الحسنات ؟ ! أجل كما [ لا (3) ] يجتنى من الشوك العنب. وقال سعيد بن يحيى الاموى: حدثنا المعتمر بن سليمان الرقى، عن عبد الله بن بشر الزهري - يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم - قال: " وجد في المقام ثلاثة أصفح، في الصفح الاول: إنى أنا الله ذو بكة، صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، وباركت لاهلها في اللحم واللبن.


(1) سقطت من المطبوعة. (2) سقطت من المطبوعة. (3) من ابن هشام. (*)

[ 280 ]

وفى الصفح الثاني: إنى أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها من اسمى، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته ؟. وفى الصفح الثالث: إنى أنا الله ذو بكة، خلقت الخير والشر وقدرته، فطوبى لمن أجريت الخير على يديه، وويل لمن أجريت الشر على يديه. قال ابن اسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة. ثم بنوها حتى بلغ البناء موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى. حتى تحاوروا (1) وتحالفوا، وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى بن كعب بن لؤى على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة. فسموا لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا. فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (2) بن مخزوم - وكان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم فيه، ففعلوا. فكان أول داخل دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الامين رضينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هلموا إلى ثوبا ". فأتى به وأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: " لتأخذ كل قبيلة


(1) وتروى: تحاوزوا بالزاى. أي انحازت كل قبيلة إلى جهة. وفى ط: تحاوروا أو تحالفوا وهو خطأ (2) ط: عمرو، وهو خطأ. (*)

[ 281 ]

بناحية من الثوب. ثم ارفعوه جميعا " ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم. ثم بنى عليه. وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الامين. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت - يعنى أبا يزيد - حدثنا هلال يعنى ابن حبان، عن مجاهد عن مولاه - وهو السائب بن عبد الله - أنه حدثه أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية قال: وكان لى حجر أنا نحته أعبده من دون الله، قال: وكنت أجئ باللبن الخاثر الذى آنفه على نفسي فأصبه عليه فيجئ الكلب فيلحسه ثم يشغر فيبول عليه، قال: فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر ولا يرى الحجر أحد. فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكما. فقالوا: أول رجل يطلع من الفج. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتاكم الامين. فقالوا له، فوضعه في ثوب. ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه فوضعه هو صلى الله عليه وسلم (1). قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثمانى عشرة ذراعا وكانت تكسى القباطى (2). ثم كسيت بعد البرود (2) وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. قلت: وقد كانوا أخرجوا منها الحجر - وهو ستة أذرع أو سبعة أذرع من ناحية الشام - قصرت بهم النفقة، أي لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم. وجعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية الشرق. وجعلوه مرتفعا لئلا يدخل إليها كل أحد فيدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا.


(1) القباطى: نوع من الثياب كان ينسج بمصر. (2) المطبوعة: البرور وهو خطأ. (*)

[ 282 ]

وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: " ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة. ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، وأدخلت فيها الحجر ". ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت في غاية البهاء والحسن والسناء كاملة على قواعد الخليل، لها بابان ملتصقان بالارض شرقيا وغربيا، يدخل الناس من هذا ويخرجون من الآخر. فلما قتل الحجاج ابن الزبير كتب إلى عبد الملك بن مروان، وهو الخليفة يومئذ، فيما صنعه ابن الزبير، اعتقدوا أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه. فأمر بإعادتها إلى ما كانت عليه فعمدوا إلى الحائط الشامي فحصوه وأخرجوا منه الحجر ورصوا حجارته في أرض الكعبة، فارتفع باباها وسدوا الغربي، واستمر الشرقي على ما كان عليه، فلما كان في زمن المهدى - أو ابنه المنصور - استشار مالكا في إعادتها على ما كان صنعه ابن الزبير. فقال مالك رحمه الله: إنى أكره أن يتخذها الملوك ملعبة فتركها على ما هي عليه. فهى إلى الآن كذلك وأما المسجد الحرام: فأول من أخر البيوت من حول الكعبة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، اشتراها من أهلها وهدمها، فلما كان عثمان اشترى دورا وزادها فيه، فلما ولى ابن الزبير أحكم بنيانه، وحسن جدرانه وأكثر أبوابه. ولم يوسعه شيئا آخر. فلما استبد بالامر عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع جدرانه، وأمر بالكعبة فكسيت الديباج. وكان الذى تولى ذلك بأمره الحجاج بن يوسف. وقد ذكرنا قصة بناء البيت والاحاديث الواردة في ذلك في تفسير سورة البقرة عند

[ 283 ]

قوله (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) وذكرنا ذلك مطولا مستقصى، فمن شاء كتبه هاهنا. ولله الحمد والمنة. قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا قال الزبير بن عبد المطلب (1)، فيما كان من أمر الحية التى كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها: عجبت لما تصوبت العقاب * إلى الثعبان وهى لها اضطراب وقد كانت تكون لها كشيش * وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا إلى التأسيس شدت * تهيبنا البناء وقد نهاب فلما أن خشينا الزجر جاءت * عقاب تتلئب (2) لها انصباب فضمتها إليها ثم خلت لنا البنيان ليس لها حجاب فقمنا حاشدين إلى بناء * لنا منه القواعد والتراب غداة يرفع التأسيس منه * وليس على مساوينا ثياب أعز به المليك بنى لؤى * فليس لاصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدى * ومرة قد تقدمها كلاب فبوأنا المليك بذاك عزا * وعند الله يلتمس الثواب وقد قدمنا في فصل ما كان الله يحوط به رسوله صلى الله عليه وسلم من أقذار الجاهلية، أنه كان هو والعباس عمه ينقلان الحجارة، وأنه عليه الصلاة والسلام لما وضع إزاره تحت الحجارة على كتفه نهى عن خلع إزاره، فأعاده إلى سيرته الاولى.


(1) يبدو على تلك الابيات الصنعة والتكلف، ولا تصح نسبتها إلى الزبير. (2) تتلئب: تقيم صدرها ورأسها. والفعل: اتلاب. (*)

[ 284 ]

فصل وذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس، وهو الشدة في الدين والصلابة. وذلك لانهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة. وكانوا يقولون: نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله. فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها مشاعر إبراهيم عليه السلام، حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة. وكانوا لا يدخرون من اللبن أقطا ولا سمنا ولا يسلون شحما وهم حرم. ولا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون إن استظلوا إلا ببيت من أدم. وكانوا يمنعون الحجيج والعمار - ما داموا محرمين - أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس، وهم قريش وما ولدوا ومن دخل معهم من كنانة وخزاعة، طاف عريانا، ولو كانت امرأة، ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله فإن تكرم أحد ممن يجد ثوب أ ؟ مس فطاف في ثياب نفسه فعليه إذا فرغ من الطواف أن يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك. وليس له ولا لغيره أن يمسها. وكانت العرب تسمى تلك الثياب: " اللقى " قال بعض الشعراء. كفى حزنا كرى عليه كأنه * لقى بين أيدى الطائفين حريم قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل

[ 285 ]

عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " (1) أي جمهور العرب من عرفات " واستغفروا الله إن غفور رحيم " (2). وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من الله له. وأنزل الله عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس " يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين: قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق " (2) الآية. وقال زياد البكائى (3)، عن ابن إسحاق: ولا أدرى أكان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده.


(1) سورة البقرة 199. (2) سورة الاعراف 31، 32 (3) هو: أبو محمد زياد. ابن عبد الله بن طفيل القيسي العامري البكائى راوي السيرة عن ابن إسحاق. توفى سنة 183 ه‍. (*)

[ 286 ]

كتاب مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا وذكر شئ من البشارات بذلك قال محمد إسحاق رحمه الله: وكانت الاحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب (1) قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب زمانه. أما الاحبار من اليهود والرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه. قال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون (2)). وقال الله تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد) (3). وقال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطاه فآزره غلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله


(1) العبارة محرفة ؟ في المطبوعة والمخطوطة: " وكانت الاحبار من اليهود والكهان من النصارى ومن العرب " وما أثبته من ابن هشام. (2) سورة الاعراف 157. (3) سورة الصف 6. (*)

[ 287 ]

الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (1). وقال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى ؟ قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (2)). وفى صحيح البخاري عن ابن عباس قال: " ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمد وهو حى ليؤمنن ولينصرنه. وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه ". ؟ علم من هذا أن جميع الانبياء بشروا وأمروا باتباعه. وقد قال إبراهيم عليه السلام فيما دعا به لاهل مكة: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) * (3) وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر، سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان بدء أمرك. قال: " دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام ". وقد روى محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه مثله. ومعنى هذا أنه أراد: بدء أمره بين الناس واشتهار ذكره وانتشاره، فذكر دعوة إبراهيم الذى تنسب إليه العرب، ثم بشرى عيسى الذى هو خاتم أنبياء بنى إسرائيل كما تقدم. يدل هذا على أن من بينهما من الانبياء بشروا به أيضا.


(1) سورة الفتح 29 (2) سورة آل عمران 81 (3) سورة البقرة 129. (*)

[ 288 ]

أما في الملا الاعلى فقد كان أمره مشهورا مذكورا معلوما من قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام. كما قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبى عن عبد الاعلى بن هلال السلمى، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى عند (1) الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى بى، ورؤيا أمي التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين ". وقد رواه الليث عن معاوية بن صالح وقال: إن أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام. وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا منصور بن سعد، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". تفرد بهن أحمد. وقد رواه عمر بن أحمد بن شاهين في كتاب " دلائل النبوة " من حديث أبى هريرة فقال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز - يعنى أبا القاسم البغوي - حدثنا أبو همام الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي، حدثنى يحيى، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة ؟ قال: " بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ". ورواه من وجه آخر عن الاوزاعي به. وقال: " وآدم منجدل في طينته ". وروى عن البغوي أيضا عن أحمد بن المقدام، عن بقية بن سعيد بن بشير، عن


(1) ط: عبد. وهو خطأ. (*)

[ 289 ]

قتادة، عن أبى هريرة - مرفوعا - في قول الله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح (1) " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ". ومن حديث أبى مزاحم، عن قيس بن الربيع، عن جابر، عن الشعبى، عن ابن عباس قيل: يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع، إذ كانت وهى لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما بعض ذكر أموره (2)، ولا يلقى العرب لذلك فيه بالا. حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الامور التى كانوا يذكرون فعرفوها. فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر زمان مبعثه حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التى كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الشياطين أن ذلك لامر حدث من أمر الله عزوجل. قال: وفى ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم " قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا " إلى آخر السورة. وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا التفسير، وكذا قوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا، فلما قضى ولوا


(1) سورة الاحزاب. (2) الضمير يرجع إلى الرسول صلوات الله عليه. (*)

[ 290 ]

إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم " الآيات، ذكرنا تفسير ذلك كله هناك. قال محمد بن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمى بها - هذا الحى من ثقيف - وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بنى علاج، وكان أدهى العرب وأنكرها (1)، فقالوا له: يا عمرو ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم ؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التى يهتدى بها في البر والبحر، ويعرف بها الانواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس في معايشهم هي التى يرمى بها، فهو والله طى الدنيا، وهلاك هذا الخلق، وإن كانت نجوما غيرها وهى ثابتة على حالها فهذا لامر أراد الله به هذا الخلق فما هو ؟. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن امرأة من بنى سهم - يقال لها الغيطلة - كانت كاهنة في الجاهلية، جاءها صاحبها ليلة من الليالى فانقض تحتها، ثم قال: أدر ما أدر (2)، يوم عقر ونحر ؟ قالت قريش حين بلغها ذلك: ما يريد ؟ ثم جاءها ليلة أخرى فانقض تحتها ثم قال: شعوب (3) ما شعوب ؟ تصرع فيه كعب لجنوب. فلما بلغ ذلك قريشا قالوا: ماذا يريد ؟ إن هذا لامر هو كائن فانظروا ما هو.


(1) أنكرها: من النكر بمعنى الدهاء. وفى ط خ: وأمكرها وهو تحريف. (2) في الاكتفاء للكلاعي: بدر ما بدر. وهو أصح. (3) شعوب: جمع شعب. ويشير إلى ذلك قوله: فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب. (*)

[ 291 ]

فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب، فعرفوا أنه كان الذى جاء به إلى صاحبته. قال ابن إسحاق: وحدثني على بن نافع الجرشى أن جنبا - بطنا من اليمن - كان لهم كاهن في الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب، قالت له جنب: انظر لنا في أمر هذا الرجل. واجتمعوا له في أسفل جبله. فنزل إليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له فرفع رأسه إلى السماء طويلا، ثم جعل ينزو، ثم قال: أيها الناس إن الله أكرم محمدا واصطفاه، وطهر قلبه وحشاه، ومكثه فيكم أيها الناس قليل. ثم اشتد في جبله راجعا من حيث جاء. ثم ذكر ابن إسحاق قصة سواد بن قارب. وقد أخرناها إلى هواتف الجان. فصل قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا إن مما دعانا إلى الاسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه لنا - أن كنا نسمع من رجل من يهود (1) - كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الآن نقلتكم معه قتل عاد وإرم. فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به. فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به. ففينا وفيهم نزلت هذه الآية. " ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما


(1) ابن هشام: لما كنا نسمع من رجال من يهود. (*)

[ 292 ]

معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " (1). وقال ورقاء: عن ابن أبى نجيح، عن على الازدي: كانت اليهود تقول: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس يستفتحون به - أي يستنصرون به. رواه البيهقى. ثم روى من طريق عبد الملك ابن هارون بن عنبرة، عن أبيه، عن جده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت اليهود بخيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالوا: اللهم نسألك بحق محمد النبي الامي الذى وعدتنا أن تخرجه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به. فأنزل الله عزوجل " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا " الآية. وروى عطية عن ابن عباس نحوه. وروى عن عكرمة من قوله نحو ذلك أيضا. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود ابن لبيد، عن سلمة بن سلام (2) بن وقش، وكان من أهل بدر، قال: كان لنا جار من يهود في بنى عبد الاشهل، قال فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بنى عبد الاشهل. قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا على فروة لى مصطجع فيها بفناء أهلى.


(1) سورة البقرة (2) ابن هشام: بن سلامة. (*)

[ 293 ]

فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار. قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت. فقالوا له: ويحك يا فلان ! أو ترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال: نعم، والذى يحلف به، ويود (1) أن له تحطة من تلك النار أعظم تنور في في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه وأن ينجو من تلك النار غدا. قالوا له: ويحك يا فلان فما آية ذلك ؟ قال: نبى مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده إلى نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه ؟ قال: فنظر إلى وأنا من أحدثهم سنا - فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حى بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا ! قال: فقلنا له ويحك يا فلان ! ألست بالذى قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال: بلى، ولكن ليس به. رواه أحمد عن يعقوب عن أبيه عن ابن عباس. ورواه البيهقى عن الحاكم بإسناده من طريق يونس بن بكير. وروى أبو نعيم في الدلائل عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن محمد


(1) ابن هشام: ولود. (*)

[ 294 ]

ابن سلمة، قال: لم يكن في بنى عبد الاشهل إلا يهودى واحد يقال له يوشع، فسمعته يقول، وإنى لغلام في إزار: قد أظلكم خروج نبى يبعث من نحو هذا البيت. ثم أشار بيده إلى بيت الله، فمن أدركه فليصدقه. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمنا وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدا وبغيا. وقد قدمنا حديث أبى سعيد عن أبيه في إخبار يوشع هذا عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته، وإخبار الزبير بن باطا عن ظهور كوكب مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه الحاكم عن البيهقى بإسناده من طريق يونس بن بكير عنه. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بنى قريظة قال قال لى: هل تدرى عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد - نفر من بنى هدل، إخوة بنى قريظة كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا ساداتهم في الاسلام ؟ قال: قلت لا. قال: فإن رجلا من اليهود من أرض الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الاسلام بسنين. فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس أفضل منه. فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا. فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدى مخرجكم صدقة. فنقول له: كم ؟ فيقول: صاعا من تمر، أو مدين من شعير.

[ 295 ]

قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقى. قد فعل ذلك غيره مرة ولا مرتين ولا ثلاثا. قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجنى من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قال: قلنا أنت أعلم. قال: فإنى إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبى الذرارى ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بنى قريظة قال هؤلاء الفتية، وكانوا شبابا أحداثا،: يا بنى قريظة والله إنه للنبى الذى عهد إليكم فيه ابن الهيبان. قالوا: ليس به. قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم. قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود. قلت: وقد قدمنا في قدوم تبع اليماني، وهو أبو كرب أسعد، إلى المدينة ومحاصرته إياها، وأنه خرج إليه ذانك الحبران من اليهود فقالا له: إنه لا سبيل لك عليها، إنها مهاجر نبى يكون في آخر الزمان. فثناه ذلك عنها. وقد روى أبو نعيم في الدلائل من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده. قال: قال عبد الله بن سلام: إن الله لما أراد هدى زيد بن سعية قال زيد: لم يبق شئ من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في

[ 296 ]

وجه محمد صلى الله عليه وسلم، حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. قال: فكنت أتلطف له لان أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فذكر قصة إسلافه للنبى صلى الله عليه وسلم مالا في ثمرة. قال: فلما حل الاجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه - وهو في جنازة مع أصحابه - ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت: يا محمد ألا تقضيني حقى ؟ فو الله ما علمتكم بنى عبد المطلب لمطل. قال: فنظر إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير. ثم قال: يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتفعل ما أرى ؟ فو الذى بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم. ثم قال: " أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الاداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه. وزد عشرين صاعا من تمر ". فأسلم زيد بن سعية رضى الله عنه. وشهد بقية المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفى عام تبوك رحمه الله. ثم ذكر ابن إسحاق رحمه الله: إسلام سلمان الفارسى رضى الله عنه وأرضاه، فقال: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد الله بن عباس، قال: حدثنى سلمان الفارسى - من فيه - قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من أهل قرية يقال لها جى، وكان أبى دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل حبه إيادى حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية.

[ 297 ]

واجتهدت في المجوسية، حتى كنت قطن النار الذى يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكانت لابي ضيعة عظيمة، قال: فشغل في بنيان له يوما فقال لى: يا بنى إنى قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب إليها فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد. ثم قال لى: ولا تحتبس عنى فإنك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شئ من أمرى. قال: فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون. وكنت لا أدرى ما أمر الناس، لحبس أبى إياى في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم. وقلت: هذا والله خير من الدين الذى نحن عليه. فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبى فلم آتها. ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين ؟ قالوا: بالشام. فرجعت إلى أبى وقد بعث في طلبى وشغلته عن أمره كله. فلما جئت قال: أي بنى أين كنت ؟ ألم أكن أعهد إليك ما عهدته ؟ قال: قلت يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فو الله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بنى، ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا. قال: فخافني فجعل في رجلى قيدا ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني

[ 298 ]

بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشام فجاءوني النصارى فأخبروني بهم. فقلت: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنونى. قال: فلما ارادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلى ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما ؟ قالوا الاسقف في الكنيسة. قال فجئته فقلت له: إنى قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك فأصلى معك. قال: ادخل. فدخلت معه، فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا له شيئا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق. قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع. ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه. فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا. قال: فقالوا لى: وما علمك بذلك ؟ قال: فقلت لهم أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فدلنا. قال: فأريتهم موضعه، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها قالوا: لا ندفنه أبدا. قال: فصلبوه ورجموه بالحجارة. وجاءوا برجل آخر فوضعوه مكانه. قال سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه، وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلا ونهارا. قال: فأحببته حبا لم أحب شيئا قبله مثله. قال: فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إنى قد كنت معك،

[ 299 ]

وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلى من توصى بى ؟ وبم تأمرني (1) ؟ قال: أي بنى والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، وهو على ما كنت عليه فالحق به. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل. فقلت: يا فلان، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. فقال لى: أقم عندي. فأقمت عنده فوجدتة خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بى إليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى، وبم تأمرني ؟ قال: يا بنى والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه، إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به. فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فأخبرته خبرى وما أمرنى به صاحباى. فقال: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمث مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى وبم تأمرني ؟ قال: يا بنى والله ما أعلمه بقى أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه، إلا رجل بعمورية من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه. فإن أحببت فائته، فإنه على أمرنا. فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبر، فقال: أقم عندي. فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم. قال: واكتسبت حتى كانت لى بقرات وغنيمة.


(1) الاصل: وبم تأمرني به. وهو لا يستقيم (*)

[ 300 ]

قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان إنى كنت مع فلان فأوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان. ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى وبم تأمرني ؟ قال: أي بنى، والله ما أعلم أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبى مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض (1) بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغيب، ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث. ثم مر بى نفر من كلب تجار، فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه. قالوا: نعم. فأعطيتهموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادى القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودى عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذى وصف لى صاحبي، ولم يحق في نفسي. فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعنى منه، فاحتملني إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها، فأقمت بها. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام، ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة. فو الله إنى لفى رأس عذق (2) لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: يا فلان قاتل الله بنى قيلة (3). والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء على رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبى.


(1) ط ح: الارض وهو تحريف (2) العذق: النخلة. (3) بنو قيلة: الانصار. (*)

[ 301 ]

قال سلمان: فلما سمعتها أخذتنى الرعدة حتى ظننت أنى ساقط على سيدى، فنزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول ؟ ماذا تقول ؟ قال: فغضب سيدى فلكمنى لكمة شديدة. ثم قال مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك. قال: فقلت لا شئ إنما أردت أن أستثبته عما قال. قال: وقد كان عندي شئ قد جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شئ كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " كلوا " وأمسك يده فلم يأكل. فقلت في نفسي: هذه واحدة. ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئته فقلت له: إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها. قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي هاتان ثنتان. قال: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدبرته أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبي ؟ فلما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أنى أستثبت في شئ وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكى، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تحول " فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يا ابن عباس.

[ 302 ]

فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذاك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد. قال سلمان: ثم قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " كاتب يا سلمان " فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير (1) وأربعين أوقية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاصحابه: " أعينوا أخاكم " فأعانوني في النخل: الرجل بثلاثين ودية (2)، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعشرة، يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لى ثلاثمائة ودية. فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكن أنا أضعها بيدى ". قال: ففقرت، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معى إليها، فجعلنا نقرب إليه الوادي، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، حتى إذا فرغنا، فو الذى نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. فأديت النخل وبقى على المال. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن. فقال: " ما فعل الفارسى المكاتب ؟ " قال: فدعيت له قال: " خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان ". قال: قلت: وأين تقع هذه مما على يا رسول الله ؟ قال: " خذها فإن الله سيؤدى بها عنك " قال: فأخذتها فوزنت لهم منها، والذى نفس سلمان بيده، أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم. وعتق سلمان، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حرا ثم لم يفتنى معه مشهد.


(1) الفقير: البئر تغرس فيها الفسيلة. (2) الودية: كغنية: صغار الفسيل. (*)

[ 303 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب، عن رجل من عبد القيس، عن سلمان أنه قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذى على يا رسول الله ؟ أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه، ثم قال: " خذها فأوفهم منها " فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، حدثنى من لا أتهم، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان قال: حدثت عن سلمان أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره أن صاحب عمورية قال له: إيت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين يخرج كل سنة من هذه الغيضة مستجيزا، يعترضه ذوو الاسقام فلا يدعو لاحد منهم إلا شفى فاسأله عن هذا الدين الذى تبتغى، فهو يخبرك عنه. قال سلمان: فخرجت حتى جئت حيث وصف لى، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك حتى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الاخرى، فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفى، وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التى يريد أن يدخل إلا منكبه. قال: فتناولته فقال: من هذا ؟ والتفت إلى. قال: قلت يرحمك الله ! أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم. قال: إنك لتسأل عن شئ ما يسأل عنه الناس اليوم، قد أظلك زمان نبى يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته فهو يحملك عليه. ثم دخل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان: " لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم ". هكذا وقع في هذه الرواية، وفيها رجل مبهم، وهو شيخ عاصم بن عمر بن قتادة.

[ 304 ]

وقد قيل إنه الحسن بن عمارة، ثم هو منقطع بل معضل بين عمر بن عبد العزيز وسلمان رضى الله عنه. قوله: " لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم " غريب جدا بل منكر، فإن الفترة أقل ما قيل فيها أنها أربعمائة سنة، وقيل ستمائة سنة بالشمسية، وسلمان أكثر ما قيل أنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة. وحكى العباس بن يزيد البحراني إجماع مشايخه على أنه عاش مائتين وخمسين سنة. واختلفوا فيما زاد إلى ثلاثمائة وخمسين سنة والله أعلم. والظاهر أنه قال لقد لقيت وصى عيسى بن مريم فهذا ممكن بالصواب. وقال السهيلي: الرجل المبهم هو الحسن بن عمارة وهو ضعيف، وإن صح لم يكن فيه نكارة. لان ابن جرير ذكر أن المسيح نزل من السماء بعد ما رفع فوجد أمه وامرأة أخرى يبكيان عند جذع المصلوب، فأخبرهما أنه لم يقتل، وبعث الحواريين بعد ذلك. قال: وإذا جاز نزوله مرة جاز نزوله مرارا ثم يكون نزوله الظاهر حين يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويتزوج حينئذ امرأة من بنى جذام، وإذا مات دفن في حجرة روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى البيهقى في كتاب دلائل النبوة قصة سلمان هذه من طريق يونس ابن بكير، عن محمد بن إسحاق كما تقدم ورواها أيضا عن الحاكم عن الاصم بن يحيى ابن أبى طالب. حدثنا على بن عاصم، حدثنا حاتم بن أبى صفرة، عن سماك بن حرب، عن يزيد ابن صوحان، أنه سمع سلمان يحدث كيف كان أول إسلامه. فذكر قصة طويلة وذكر أنه

[ 305 ]

كان من رامهرمز، وكان له أخ أكبر منه غنى، وكان سلمان فقيرا في كنف أخيه، وأن ابن دهقانها (1) كان صاحبا له، وكان يختلف معه إلى معلم لهم، وأنه كان يختلف ذلك الغلام إلى عباد من النصارى في كهف لهم، فسأله سلمان أن يذهب به معه إليهم، فقال له: إنك غلام وأخشى أن تنم عليهم فيقتلهم أبى. فالتزم له أن لا يكون منه شئ يكرهه. فذهب به معه فإذا هم ستة أو سبعة، كأن الروح قد خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا. فذكر عنهم أنهم يؤمنون بالرسل المتقدمين، وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته، أيده بالمعجزات. وقالوا له: يا غلام إن لك ربا، وإن لك معادا، وإن بين يديك جنة ونارا، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة، لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دينه. ثم جعل يتردد مع ذلك الغلام إليهم، ثم لزمهم سلمان بالكلية، ثم أجلاهم ملك تلك البلاة، وهو أبو ذلك الغلام الذى صحبه سلمان إليهم عن أرضه، واحتبس الملك ابنه عنده، وعرض سلمان دينهم على أخيه الذى هو أكبر منه فقال: إنى مشتغل بنفسى في طلب المعيشة. فارتحل معهم سلمان حتى دخلوا كنيسة الموصل، فسلم عليهم أهلها ثم أرادوا أن يتركوني عندهم، فأبيت إلا صحبتهم. فخرجوا حتى أتوا واديا بين جبال، فتحدر إليهم رهبان تلك الناحية يسلمون عليهم واجتمعوا إليهم، وجعلوا يسألونهم عن غيبتهم عنهم ويسألونهم عنى فيثنون على خيرا.


(1) الدهقان: رئيس الاقليم أو زعيم فلاحى العجم. معرب. (*)

[ 306 ]

وجاء رجل معظم فيهم فحطبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وذكر الرسل وما أيدوا به، وذكر عيسى بن مريم، وأنه كان عبد الله ورسوله، وأمرهم بالخير ونهاهم عن الشر، ثم لما أرادوا الانصراف تبعه سلمان ولزمه. قال فكان يصوم النهار ويقوم الليل من الاحد إلى الاحد، فيخرج إليهم ويعظهم ويأمرهم وينهاهم، فمكث على ذلك مدة طويلة، ثم أراد أن يزور بيت المقدس فصحبه سلمان إليه. قال: فكان فيما يمشى يلتفت إلى ويقبل على فيعظني ويخبرني أن لى ربا، وأن بين يدى جنة ونارا وحسابا ويعلمني ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الاحد. قال فيما يقول لى: يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد، يخرج من تهامة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم [ النبوة ] وهذا زمانه الذى يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإنى شيخ كبير ولا أحسبنى أدركه، فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه. قلت له: وإن أمرنى بترك دينك وما أنت عليه ؟ قال: وإن أمرك، فإن الحق فيما يجئ به ورضا الرحمن فيما قال. ثم ذكر قدومهما إلى بيت المقدس، وأن صاحبه صلى فيه هاهنا وهاهنا، ثم نام وقد أوصاه أنه إذا بلغ الظل مكان كذا أن يوقظه، فتركه سلمان حينا آخر أزيد مما قال ليستريح، فلما استيقظ ذكر الله ولام سلمان على ترك ما أمره من ذلك. ثم خرجا من بيت المقدس فسأله مقعد فقال: يا عبد الله سألتك حين وصلت فلم تعطنى شيئا، وها أنا أسألك. فنظر فلم يجد أحدا فأخذ بيده وقال: قم بسم الله. فقام وليس به بأس ولا قلبة (1) كأنما نشط من عقال. فقال لى: يا عبد الله، احمل على متاعى حتى أذهب إلى أهلى فأبشرهم، فاشتغلت به، ثم أدركت الرجل فلم ألحقه ولم أدر أين ذهب، وكلما سألت عنه قوما قالوا: أمامك.


(1) القلبة: محركة داء وألم من علة. (*)

[ 307 ]

حتى لقيني ركب من العرب من بنى كلب فسألتهم، فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني خلفه حتى أتوا بى بلادهم. فباعوني فاشترتني امرأد من الانصار فجعلتني في حائط لها. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر ذهابه إليه بالصدقة والهدية ليستعلم ما قال صاحبه، ثم تطلب النظر إلى خاتم النبوة، فلما رآه آمن من ساعته، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره الذى جرى له. قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق فاشتراه من سيدته فأعتقه. قال: ثم سألته يوما عن دين النصارى فقال: لا خير فيهم. قال: فوقع في نفسي من أولئك الذين صحبتهم، ومن ذلك الرجل الصالح الذى كان معى ببيت المقدس، فدخلني من ذلك أمر عظيم، حتى أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت وأنا خائف، فجلست بين يديه فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " الآيات. ثم قال: " يا سلمان أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى كانوا مسلمين " فقلت: يا رسول الله والذى بعثك بالحق لهو أمرنى باتباعك، فقلت له: فإن أمرنى بترك دينك وما أنت عليه ؟ قال: نعم فاتركه، فإن الحق وما يرضى الله فيما يأمرك. وفى هذا السياق غرابة كثيرة وفيه بعض المخالفة لسياق محمد بن إسحاق، وطريق محمد بن إسحاق أقوى إسنادا وأحسن اقتصاصا وأقرب إلى ما رواه البخاري في صحيحه من

[ 308 ]

حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمى، عن أبيه، عن أبى عثمان النهدي، عن سلمان الفارسى، أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب، أي من معلم إلى معلم ومرب إلى مثله. والله أعلم. قال السهيلي: تداوله ثلاثون سيدا من سيد إلى سيد، فالله أعلم. وكذلك استقصى قصة إسلامه الحافظ أبو نعيم في " الدلائل " وأورد لها أسانيد وألفاظا كثيرة، وفى بعضها أن اسم سيدته التى كاتبته حلبسة. فالله أعلم. ذكر أخبار غريبة في ذلك قال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكرياء الغلابى (1)، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبى السوية المنقرى، حدثنا عباد بن كسيب، عن أبيه، عن أبى عتوارة الخزاعى، عن سعير بن سوادة العامري قال: كنت عشيقا لعقيلة من عقائل الحى، أركب لها الصعب والذلول لا أبقى من البلاد مسرحا أرجو ربحا في متجر إلا أتيته، فانصرفت من الشام بحرث وأثاث أريد به كبة الموسم (2) ودهماء العرب، فدخلت مكة بليل مسدف، فأقمت حتى تعرى عنى قميص الليل فرفعت رأسي فإذا قباب مسامتة شعف الجبال، مضروبة بأنطاع الطائف، وإذا جزر تنحر وأخرى تساق، وإذا أكلة وحثثة على الطهاة يقولون ألا عجلوا ألا عجلوا، وإذا رجل يجهر على نشر من الارض ينادى: يا وفد الله ميلوا إلى الغداء. وأنيسان على مدرجة يقول: يا وفد الله من طعم فليرح إلى العشاء. فجهرني (3) ما رأيت فأقبلت أريد عميد القوم، فعرف


(1) هو أبو بكر محمد بن زكريا بن دينار الغلابى البصري يعرف بزكرويه (2) الكبة: الزحام. (3) جهرنى: راعني (*)

[ 309 ]

رجل الذى بى، فقال: أمامك. وإذا شيخ كأن في خديه الاساريع (1)، وكأن الشعرى (2) توقد من جبينه، قد لاث على رأسه عمامة سوداء قد أبرز من ملائها جمة (3) فينانة كأنها سماسم (4). قال في بعض الروايات: تحته كرسى سماسم (4) وممن دونها نمرقة، بيده قضيب متخصر به، حوله مشايخ جلس نواكس الاذقان، ما منهم أحد يفيض بكلمة. وقد كان نمى إلى خبر من أخبار الشام أن النبي الامي هذا أوان نجومه، فلما رأيته ظننته ذلك فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: مه مه، كلا وكأن قد، وليتني إياه. فقلت: من هذا الشيخ ؟ فقالوا هذا أبو نضلة، هذا هاشم بن عبد مناف، فوليت وأنا أقول: هذا والله المجد لا مجد آل جفنة - يعنى ملوك عرب الشام من غسان كان يقال لهم آل جفنة -. وهذه الوظيفة التى حكاها عن هاشم هي الفادة يعنى إطعام الحجيج زمن الموسم. وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن أحمد بن أبى يحيى، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا على بن قتيبة الخراساني، حدثنا خالد بن الياس، عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى الجهم، عن أبيه عن جده. قال سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني، ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش وعلى مطرف خز وجمتى تضرب منكبي، فلما نظرت إلى عرفت في وجهى التغير، وأنا يومئذ سيد قومي فقالت: ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون ؟ هل رابه من حدثان الدهر شئ ؟ فقلت لها: بلى !


(1) الاساريع لها معان كثيرة منها: دود بيض حمر الرؤوس (2) الشعرى: نجم عظيم. (3) الجمة: مجتمع شعر الرأس. (4) السماسم: الاولى عيدان السمسم، والثانية خشب أسود. (*)

[ 310 ]

وكان لا يكملها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى، ثم يضع يده على أم رأسها ثم يذكر حاجته، ولم أفعل لانى [ كنت (1) ] كبير قومي. فجلست فقلت: إنى رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة نبتت (2) قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا، ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهى تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا، ساعة تخفى وساعة تزهر، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا، فيكسر أظهرهم (3) ويقلع أعينهم. فرفعت يدى لا تناول منها نصيبا، فمنعني الشاب، فقلت: لمن النصيب ؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك إليها. فانتبهت مذعورا فزعا. فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس. ثم قال - يعنى عبد المطلب - لابي طالب لعلك تكون هذا المولود (4). قال: فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ما بعث. ثم قال (5) كانت الشجرة والله أعلم أبا القاسم الامين، فيقال لابي طالب: ألا تؤمن ؟ فيقول: السبة والعار !


(1) من الدلائل. (2) الاصل: تنبت، وهو تحريف. (3) الدلائل: أضلعهم. وفى الخصائص: أظهرهم. وما أثبته من الدلائل. (4) كذا بالاصل ودلائل النبوة وهو تحريف، وصوابه رواية ابن الجوزى في الوفا حيث قال: " ثم قالت لابي طالب: لعلك أن تكون عم هذا المولود " الوفا 80 بتحقيقي. (5) الدلائل: " فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبى صلى الله عليه وسلم قد خرج ويقول: كانت الشجرة.. الخ.. (*)

[ 311 ]

وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكرياء الغلابى، حدثنا العباس بن بكار الضبى، حدثنا أبو بكر الهذلى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال العباس: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب - منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن فكنت أصنع يوما طعاما وأنصرف بأبى سفيان وبالنفر، ويصنع أبو سفيان يوما، ويفعل مثل ذلك، فقال لى في يومى الذى كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتى وترسل إلى غداءك ؟ فقلت: نعم. فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء، فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني. فقال: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول الله ؟ فقلت: أي بنى أخى ؟ فقال أبو سفيان: إياى تكتم ؟ ! وأى بنى أخيك ينبغى أن يقول هذا إلا رجل واحد ! قلت وأيهم على ذلك ؟ قال: هو محمد بن عبد الله. فقلت: قد فعل ؟ قال: بلى قد فعل. وأخرج كتابا باسمه من ابنه حنظلة بن أبى سفيان فيه: أخبرك أن محمدا قام بالابطح فقال: " أنا رسول أدعوكم إلى الله عزوجل " فقال العباس: قلت أجده يا أبا حنظلة صادقا. فقال: مهلا يا أبا الفضل، فو الله ما أحب أن يقول مثل هذا، إنى لا أخشى أن يكون على ضير من هذا الحديث يا بنى عبد المطلب، إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم هنة وهنة، كل واحدة منهما غاية ! لنشدتك يا أبا الفضل هل سمعت ذلك ؟ قلت: نعم قد سمعت. قال فهذه والله شؤمتكم. قلت: فلعلها يمنتنا. قال: فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس اليمن، وكان أبو سفيان يجلس مجلسا باليمن يتحدث فيه حبر من

[ 312 ]

أحبار اليهود، فقال له اليهودي: ما هذا الخبر ؟ بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الذى قال ما قال ؟ قال أبو سفيان: صدقوا، وأنا عمه، فقال اليهودي: أخو أبيه ؟ قال: نعم. قال: فحدثني عنه. قال: لا تسألني ! ما أحب أن يدعى هذا الامر أبدا، وما أحب أن أعيبه وغيره خير منه. فرأى اليهودي أنه لا يغمس عليه ولا يحب أن يعيبه. فقال اليهودي: ليس به بأس على اليهود، وتوراة موسى. قال العباس: فناداني الحبر، فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس من الغد، وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر، فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمى عن رجل منا زعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرك أنه عمه، وليس بعمه، ولكن ابن عمه، وأنا عمه وأخو أبيه. قال: أخو أبيه ؟ قلت: أخو أبيه. فأقبل على أبى سفيان فقال: صدق ؟ قال: نعم صدق. فقلت: سلنى فإن كذبت فليرد على. فأقبل على فقال: نشدتك هل كان لابن أخيك صبوة أو سفهة. قلت: لا وإله عبد المطلب، ولا. كذب ولا خان، وإنه كان اسمه عند قريش الامين. قال: فهل كتب بيده ؟ قال العباس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبى سفيان يكذبنى ويرد على فقلت: لا يكتب.

[ 313 ]

فوثب الحبر ونزل رداؤه وقال: ذبحت يهود، وقتلت يهود ! قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا، قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إن اليهود تفزع من ابن أخيك. قلت: قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقا كنت قد سبقت، وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك. قال: لا أو من به حتى أرى الخيل في كداء (1). قلت: ما تقول ؟ قال: كلمة جاءت على فمى، إلا أنى أعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء. قال العباس: فلما استفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ونظرنا إلى الخيل وقد طلعت من كداء، قلت: يا أبا سفيان تذكر الكلمة ؟ ! قال: إى والله إنى لذاكرها ! فالحمد لله الذى هداني للاسلام. وهذا سياق حسن عليه البهاء والنور وضياء الصدق، وإن كان في رجاله من هو متكلم فيه. والله أعلم. وقد تقدم ما ذكرناه في قصة أبى سفيان مع أمية بن أبى الصلت، وهو شبيه بهذا الباب، وهو من أغرب الاخبار وأحسن السياقات وعليه النور. وسيأتى أيضا قصة أبى سفيان مع هرقل ملك الروم حين سأله عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله، واستدلاله بذلك على صدقه ونبوته ورسالته. وقال له: كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أكن أظن أنه فيكم، ولو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ولئن كان ما تقول حقا ليملكن موضع قدمى هاتين. وكذلك وقع ولله الحمد والمنة.


(1) كداء: ثنية بأعلى مكة عند المحصب. (*)

[ 314 ]

وقد أكثر الحافظ أبو نعيم من إيراد الآثار والاخبار عن الرهبان والاحبار والعرب، فأكثر وأطنب وأحسن وأطيب. رحمه الله ورضى عنه. قصة عمرو بن مرة الجهنى (1) قال الطبراني: حدثنا على بن إبراهيم الخزاعى الاهوازي، حدثنا عبد الله ابن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن عبد الله بن شريح بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا أبى، عن أبيه دلهاث، عن أبيه إسماعيل، أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه، أن أباه ياسر بن سويد حدثه عن عمرو بن مرة الجهنى قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في نومى وأنا بمكة، نورا ساطعا [ خرج (2) ] من الكعبة حتى وصل إلى جبل يثرب وأشعر جهينة (3). فسمعت صوتا بين النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الانبياء. ثم أضاء إضاءة أخرى، حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن (4)، وسمعت صوتا من النور وهو يقول: ظهر الاسلام، وكسرت الاصنام، ووصلت الارحام. فانتبهت فزعا فقلت لقومي: والله ليحدثن لهذا الحى من قريش حدث. وأخبرتهم بما رأيت.


(1) هذه القصة ليست في النسخة ا وهى مثبتة في المطبوعة من النسخة الحلبية. (2) من الوفا. (3) هو جبل جهينة ينحدر على ينبع من أعلاه. (4) أبيض المدائن: قصر كسرى. (*)

[ 315 ]

فلما انتهينا إلى بلادنا جاءني [ الخبر أن رجلا (1) ] يقال له أحمد قد بعث. فأتيته (2) فأخبرته بما رأيت. فقال [ لى (1) ] " يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة، أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الارحام، وعبادة الله ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان [ شهر (1) ] من اثنى عشر شهرا. فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار. فآمن يا عمرو يؤمنك الله من هول جهنم ". فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، آمنت بما جئت من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الاقوام. ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به. وكان لنا صنم، وكان أبى سادنا له فقمت إليه فكسرته. ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الاحجار أول تارك وشمرت عن ساقى الازار مهاجرا * إليك أجوب القفر بعد الدكادك (3) لاصحب خير الناس نفسا ووالدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مرحبا بك يا عمرو بن مرة ". فقلت: يا رسول الله ابعثنى إلى قومي، لعل الله يمن عليهم بى كما من على بك. فبعثني إليهم. وقال: " عليك بالرفق والقول السديد. ولا تكن فظا. ولا متكبرا ولا حسودا ". فذكر أنه أتى قومه، فدعاهم إلى ما دعاه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا


(1) من الوفا. (2) الوفا: فخرجت حتى أتيته. (3) الدكادك: أرض فيها غلظ. وفى الوفا: أجوب إليك الدعث بعد الدكادك. والدعث: الارض المستوية (*)

[ 316 ]

كلهم، إلا رجلا واحدا منهم، وأنه وفد بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرحب بهم وحياهم. وكتب لهم كتابا هذه نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب [ أمان (1) ] من الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكتاب صادق، وحق ناطق مع عمرو بن مرة الجهنى لجهينة بن زيد: إن لكم بطون الارض وسهولها، وتلاع الاودية وظهورها (2)، تزرعون (3) نباته وتشربون صافيه، على أن تقروا بالخمس، وتصلوا صلاة الخمس، وفى التبيعة والصريمة [ شاتان (1) ] إن اجتمعتا وإن تفرقتا شاة شاة، ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة وشهد على نبينا صلى الله عليه وسلم من حضر من المسلمين (4) بكتاب قيس ابن شماس ". وذكر شعرا قاله عمرو بن مزة في ذلك كما هو مبسوط من المسند الكبير وبالله الثقة وعليه التكلان. وقال الله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (5) ". قال كثيرون من السلف: لما أخذ الله ميثاق بنى آدم يوم (ألست بربكم ؟) أخذ من النبيين ميثاقا خاصا، وأكد مع هؤلاء الخمسة أولى العزم أصحاب الشرائع الكبار الذين أولهم نوح وآخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


(1) من الوفا. (2) في الوفا: إن لكم بطون الارض وظهورها وتلاع الاودية وسهولها. وهو أصح وأولى والتلاع: جمع تلعة: ما ارتفع من الارض. (3) الوفا: ترعون نباته، وهو أصح. (4) الوفا: والله يشهد على ما بينا ومن حضر من المسلمين. (5) سورة الاحزاب آية 7. (*)

[ 317 ]

وقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة " من طرق عن الوليد بن مسلم، حدثنا الاوزاعي، حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة، عن أبى هريرة: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: متى وجبت لك النبوة ؟ قال: " بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ". وهكذاه رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم. وقال: حسن غريب من حديث أبى هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي حدثنا أبو جعفر النفيلى، حدثنا عمرو بن واقد، عن عروة بن رويم، عن الصنابحى (1). قال: قال عمر: يا رسول الله، متى جعلت نبيا ؟ قال: " وآدم منجدل في الطين ". ثم رواه من حديث نصر بن مزاحم، عن قيس بن ربيع، عن جابر الجعفي، عن الشعبى، عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". وفى الحديث الذى أوردناه في قصة آدم حين استخرج الله من صلبه ذريته خص الانبياء بنور بين أعينهم. والظاهر - والله أعلم - أنه كان على قدر منازلهم ورتبهم عند الله. وإذا كان الامر كذلك فنور محمد صلى الله عليه وسلم كان أظهر وأكبر وأعظم منهم كلهم. وهذا تنويه عظيم وتنبيه ظاهر على شرفه وعلو قدره. وفى هذا المعنى الحديث الذى قال الامام أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبى، عن عبد الاعلى بن هلال السلمى،


(1) الصنابحى: بضم الصاد وفتح النون وبعد الالف باء موحدة مكسورة ثم حاء، نسبة إلى صنابح بن زاهر بن عامر بن عوثبان بن زاهر بن يحابر، اللباب 2 / 6 (*)

[ 318 ]

عن العرباض بن سارية. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى بى، ورؤيا أمي التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين ". ورواه الليث وابن وهب عن عبد الرحمن بن مهدى، وعبد الله بن صالح عن معاوية ابن صالح وزاد " إن أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام ". وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا منصور بن سعيد، عن بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". إسناده جيد أيضا. وهكذا رواه إبراهيم بن طهمان، وحماد بن زيد وخالد الحذاء عن بديل بن ميسرة به. ورواه أبو نعيم عن محمد بن عمر بن أسلم، عن محمد بن بكر بن عمرو الباهلى، عن شيبان، عن الحسن بن دينار، عن عبد الله بن سفيان، عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه " دلائل النبوة " (1): حدثنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج، وسعيد، عن قتادة، عن الحسن عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم " قال: " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ".


(1) ليس في دلائل النبوة المطبوع. (*)

[ 319 ]

ثم رواه من طريق هشام بن عمار عن بقية، عن سعيد بن نسير، عن قتادة، عن الحسن، عن أبى هريرة مرفوعا مثله. وقد رواه من طريق سعيد بن أبى عروبة وشيبان، عن قتادة قال: ذكر لنا أن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثله. وهذا أثبت وأصح والله أعلم. وهذا إخبار عن التنويه بذكره في الملا الاعلى وأنه معروف بذلك بينهم بأنه خاتم النبيين وآدم لم ينفخ فيه الروح، لان علم الله تعالى بذلك سابق قبل خلق السموات والارض لا محالة، فلم يبق إلا هذا الذى ذكرناه من الاعلام به في الملا الاعلى والله أعلم. وقد أورد أبو نعيم من حديث عبد الرازق عن معمر، عن همام، عن أبى هريرة الحديث المتفق عليه: " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة (1) المقضى لهم قبل الخلائق بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ". وزاد أبو نعيم في آخره: فكان صلى الله عليه وسلم آخرهم في البعث وبه ختمت النبوة. وهو السابق يوم القيامة، لانه أول مكتوب في النبوة والعهد. ثم قال: ففى هذا الحديث الفضيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوجب الله له النبوة قبل تمام خلق آدم، ويحتمل أن يكون هذا الايجاب هو ما أعلم الله ملائكته ما سبق في علمه وقضائه من بعثته له في آخر الزمان. وهذا الكلام يوافق ما ذكرناه ولله الحمد. وروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - وفيه كلام -


(1) الذى في دلائل النبوة المطبوع إلى هنا ولم يستكمل الحديث ولم يذكر التعليق المذكور هنا، وهذا يؤكد أن النسخة المطبوعة إنما هي مختصر لكتاب دلائل النبوة وليست هي الكتاب نفسه. انظر دلائل النبوة ص 17 (*)

[ 320 ]

عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لى، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد ؟ فقال: يا رب لانك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوادم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله: صدقت يا آدم إنه لاحب الخلق إلى، وإذ قد سألتنى بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك ". قال البيهقى: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف والله أعلم. وقد قال الله تعالى " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى ؟ قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين. فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " (1). قال على بن أبى طالب وعبد الله بن عباس رضى الله عنهما: ما بعث الله نبيا من الانبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه [ وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه ] (2). وهذا تنويه وتنبيه على شرفه وعظمته في سائر الملل وعلى ألسنة الانبياء، وإعلام لهم ومنهم برسالته في آخر الزمان. وأنه أكرم المرسلين وخاتم النبيين. وقد أوضح أمره وكشف خبره وبين سره، وجلى مجده ومولده وبلده إبراهيم الخليل في قوله عليه السلام حين فرغ من بناء البيت " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم


(1) سورة آل عمران آية 81، 82 (2) سقطت من ا. (*)

[ 321 ]

يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) (1). فكان أول بيان أمره على الجلية والوضوح بين أهل الارض، على لسان إبراهيم الخليل أكرم الانبياء على الله بعد محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهما وعلى سائر الانبياء. ولهذا قال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج - يعنى ابن فضالة - حدثنا لقمان بن عامر، سمعت أبا أمامة قال: قلت يا نبى الله ما كان بدء أمرك ؟ قال: " دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام ". تفرد به الامام أحمد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. وروى الحافظ أبو بكر بن أبى عاصم في كتاب " المولد " من طريق بقية، عن صفوان بن عمرو، عن حجر بن حجر، عن أبى مريق، أن أعرابيا قال: يا رسول الله أي شئ كان أول أمر نبوتك ؟ فقال " أخذ الله منى الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم [ ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام ] (2). وقال الامام محمد بن إسحاق بن يسار: حدثنى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك.


(1) سورة البقرة 129 (2) ليست في ا (*)

[ 322 ]

قال: " دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حبلت كأنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام ". إسناده جيد أيضا. وفيه بشارة لاهل محلتنا أرض بصرى، وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة، ولله الحمد والمنة. ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام، وكان فتحها صلحا في خلافة أبى بكر رضى الله عنه. وقد قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين في صحبة عمه أبى طالب وهو ابن اثنتى عشرة سنة، وكانت عندها قصة بحيرى الراهب كما بيناه. والثانية ومعه ميسرة مولى خديجة في تجارة لها. وبها مبرك الناقة التى يقال لها ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بركت عليه فأثر ذلك فيها فيما يذكر، ثم نقل وبنى عليه مسجد مشهور اليوم. وهى المدينة التى أضاءت أعناق الابل عندها من نور النار التى خرجت من أرض الحجاز سنة أربع وخمسين وستمائة وفق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " تخرج نار من أرض الحجاز تضئ لها أعناق الابل ببصرى ". وقال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون) (1).


(1) سورة الاعراف 157 (*)

[ 323 ]

قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن الجريرى، عن أبى صخر العقيلى، حدثنى رجل من الاعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغت من بيعي قلت لالقين هذا الرجل فلاسمعن منه. قال: فتلقاني بين أبى بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزى بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنشدك بالذى أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي ؟ " فقال برأسه هكذا - أي لا - فقال ابنه: إى والذى أنزل التوراة، إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: " أقيموا اليهودي عن أخيكم " ثم ولى كفنه والصلاة عليه. هذا إسناد جيد وله شواهد في الصحيح عن أنس بن مالك رضى الله عنه. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا عبد الواحد بن غياث - أبو بحر - حدثنا عبد العزيز ابن مسلم، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن الصلتان بن عاصم وذكر أن خاله قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ شخص بصره إلى رجل، فإذا يهودى عليه قميص وسراويل ونعلان. قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه وهو يقول: يا رسول الله. فقال رسول الله صلى عليه وسلم: " وسلم أتشهد أنى رسول الله ؟ " قال: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتقرأ التوراة ؟ " قال: نعم. قال: " أتقرأ الانجيل ؟ " قال: نعم. قال: " والقرآن ؟ " قال: لا. ولو تشاء قرأته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فبم تقرأ التوراة والانجيل، أتجدني نبيا ؟ " قال: إنا نجد نعتك ومخرجك، فلما خرجت رجونا أن تكون فينا، فلما رأيناك عرفناك أنك لست به.

[ 324 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولم يا يهودى ؟ " قال: إنا نجده مكتوبا: يدخل من أمته الجنة سبعون ألفا بغير حساب، ولا نرى معك إلا نفرا يسيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أمتى لاكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا ". هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه. وقال محمد بن إسحاق عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبى هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يهود ] فقال " أخرجوا أعلمكم " فقالوا: عبد الله بن صوريا. فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناشده بدينه، وما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام " أتعلمني رسول الله ؟ " قال: اللهم نعم. وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك لمبين في التوراة، ولكنهم حسدوك. قال " فما يمنعك أنت ؟ " قال: أكره خلاف قومي. وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم. وقال سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى، وأخيه، والمصدق بما جاء به موسى، ألا إن الله قال لكم: يا معشر يهود وأهل التوراة، إنكم تجدون ذلك في كتابكم: إن محمدا (رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب

[ 325 ]

الزراع ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما). وإنى أنشدكم بالله وبالذي أنزل عليكم، وأنشدكم بالذى أطعم من كان قبلكم من أسلافكم وأسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذى أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاكم من فرعون وعمله، إلا أخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد ؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم قد تبين الرشد من الغى. وأدعوكم إلى الله وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم ". وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب " المبتدأ " عن سعيد بن بشير، عن قتادة عن كعب الاحبار، وروى غيره عن وهب بن منبه أن بختنصر بعد أن خرب بيت المقدس، واستذل بنى إسرائيل بسبع سنين، رأى في المنام رؤيا عظيمة هالته، فجمع الكهنة والحزار، وسألهم عن رؤياه تلك. فقالوا: ليقصها الملك حتى نخبره بتأويلها. فقال: إنى نسيتها، وإن لم تخبروني بها إلى ثلاثة أيام قتلتكم عن آخركم. فذهبوا خائفين وجلين من وعيده. فسمع بذلك دانيال عليه السلام وهو في سجنه. فقال للسجان: اذهب إليه فقل له: إن هاهنا رجلا عنده علم رؤياك وتأويلها. فذهب إليه فأعلمه فطلبه، فلما دخل عليه لم يسجد له. فقال له: ما منعك من السجود لى ؟ فقال: إن الله آتانى علما وعلمني وأمرني أن لا أسجد لغيره. فقال له بختنصر: إنى أحب الذين يوفون لاربابهم بالعهود. فأخبرني عن رؤياي. قال له دانيال: رأيت صنما عظيما رجلاه في الارض ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب ووسطه فضة، وأسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخار، فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء، فوقع على قمة رأسه حتى طحنه

[ 326 ]

واختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره، حتى تخيل لك أنه لو اجتمع الانس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك. ونظرت إلى الحجر الذى قذف به يربو ويعظم وينتشر، حتى ملا الارض كلها فصرت لا ترى إلا الحجر والسماء. فقال له بختنصر: صدقت، هذه الرؤيا التى رأيتها، فما تأويلها ؟ فقال دانيال: أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفى وسطه وفى آخره، وأما الحجر الذى قذف به الصنم فدين يقذف الله به هذه الامم في آخر الزمان فيظهره عليها، فيبعث الله نبيا أميا من العرب فيدوخ به الامم والاديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم، ويظهر على الاديان والامم كما رأيت الحجر ظهر على الارض كلها، فيمحص الله به الحق ويزهق به الباطل ويهدى به أهل الضلالة، ويعلم بن الاميين ويقوى به الضعفة ويعز به الاذلة، وينصر به المستضعفين. وذكر تمام القصة في إطلاق بختنصر بنى إسرائيل على يدى دانيال عليه السلام. وذكر الواقدي بأسانيده عن المغيرة بن شعبة في قصة وفوده على المقوقس ملك الاسكندرية وسؤاله له عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من سؤال هرقل لابي سفيان صخر بن حرب، وذكر أنه سأل أساقفة النصارى في الكنائس عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه عن ذلك، وهى قصة طويلة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الدلائل (1). وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمدراس (2) اليهود فقال


(1) دلائل النبوة. (2) المدارس: هو البيت الذى يقرأ فيه اليهود كتبهم. وفى ط: بمدارس، وهو تحريف. (*)

[ 327 ]

لهم: " يا معشر اليهود أسلموا، فو الذى نفسي بيده إنكم لتجدون صفتي في كتبكم " الحديث. وقال الامام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن على، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للاميين، أنت عبدى ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيموا الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، يفتح به أعينا عميا وآذنا صما وقلوبا غلفا. ورواه البخاري عن محمد بن سنان العوفى عن فليح به. ورواه أيضا عن عبد الله - قيل بن رجاء، وقيل ابن صالح - عن عبد العزيز بن أبى سلمة، عن هلال بن علوية، ولفظه قريب من هذا وفيه زيادة. ورواه ابن جرير من حديث فليح، عن هلال عن عطاء، وزاد: قال عطاء: فلقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلف حرفا. وقال: " في البيوع ". وقال: سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام. قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أخبرناه أبو الحسين بن المفضل القطان، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثنى خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبى هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سلام أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين، أنت عبدى ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزى السيئة بمثلها ولكن يعفو ويتجاوز، ولن يقبضه

[ 328 ]

حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله، يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. وقال عطاء بن يسار: وأخبرني الليثى أنه سمع كعب الاحبار يقول مثل ما قال ابن سلام. قلت: وهذا عن عبد الله بن سلام أشبه، ولكن الرواية عن عبد الله بن عمرو أكثر، مع أنه كان قد وجد يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يحدث عنهما كثيرا. وليعلم أن كثيرا من السلف كانوا يطلقون " التوراة " على كتب أهل الكتاب، فهى عندهم أعم من التى أنزلها الله على موسى. وقد ثبت شاهد ذلك من الحديث. وقال يونس: عن محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن ابن أبى أوفى، عن أم الدرداء: قالت:: قلت لكعب الاحبار: كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ؟ قال: نجده: محمد رسول الله، اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، وأعطى المفاتيح، فيبصر الله به أعينا عورا، ويسمع آذانا وقرا، ويقيم به ألسنا معوجة، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله واحد لا شريك له، يعين به المظلوم ويمنعه. وقد روى عن كعب من غير هذا الوجه. وروى البيهقى، عن الحاكم، عن أبى الوليد الفقيه، عن الحسن بن سفيان، حدثنا عتبة بن مكرم، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حدثنا حمزة بن الزيات، عن سليمان الاعمش، عن على بن مدرك، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة (وما كنت بجانب الطور

[ 329 ]

إذ نادينا) قال: نودوا: يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألونى. وذكر وهب بن منبه أن الله تعالى أوحى إلى داود في الزبور: يا داود إنه سيأتي من بعدك نبى اسمه أحمد ومحمد، صادقا سيدا لا أغضب عليه أبدا، ولا يغضبني أبدا، وقد غفرت له قبل أن يعصينى ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة، أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الانبياء، وفرضت عليهم الفرائض التى افترضت على الانبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الانبياء. إلى أن قال: يا داود إنى فضلت محمدا وأمته على الامم كلها. والعلم بأنه موجود في كتب أهل الكتاب معلوم من الدين ضرورة، وقد دل على ذلك آيات كثيرة في الكتاب العزيز تكلمنا عليها في مواضعها ولله الحمد. فمن ذلك قوله (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) (1). وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (2). وقال تعالى (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (3)) أي إن كان وعدنا ربنا بوجود محمد وإرساله لكائن لا محالة. فسبحان القدير على ما يشاء لا يعجزه شئ. وقال تعالى إخبارا عن القسيسين والرهبان: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول


(1) سورة القصص 52، 53 (2) سورة البقرة 146 (3) سورة الاسراء 107، 108 (*)

[ 330 ]

ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (1)). وفى قصة النجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام وغيرهم. كما سيأتي شواهد كثيرة لهذا المعنى. ولله الحمد والمنة. وذكرنا في تضاعيف قصص الانبياء (2) وصفهم لبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته وبلد مولده ودار مهاجره ونعت أمته، في قصة موسى وشعيا وأرمياء ودانيال وغيرهم. وقد أخبر الله تعالى عن آخر أنبياء بنى إسرائيل وخاتمهم عيسى بن مريم أنه قام في بنى إسرائيل خطيبا قائلا لهم: (إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد (3)). وفى الانجيل البشارة بالفارقليط، والمراد محمد صلى الله عليه وسلم. وروى البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو، عن العيزار بن حرب، عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مكتوب في الانجيل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزى بالسيئة مثلها بل يعفو ويصفح ". وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا فيض البجلى، حدثنا سلام بن مسكين، عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله عزوجل إلى عيسى بن مريم: جد في أمرى واسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول، أنا خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإياى فاعبد. فبين لاهل سوران بالسريانية، بلغ من بين يديك أنى أنا الحق القائم


(1) سورة المائدة 83. (2) وذلك في الجزء الاول من البداية والنهاية (3) سورة الصف 6. (*)

[ 331 ]

الذى لا أزول، صدقوا بالنبي الامي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة، وهى التاج، والنعلين، والهراوة، وهى القضيب، الجعد الرأس، الصلت (1) الجبين، المقرون الحاجبين، الانجل العينين، الاهدب الاشفار، الادعج العينين، الاقنى الانف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريح المسك ينضح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجرى في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجرى كالقضيب، ليس في بطنه شعر غيره، شثن (2) الكف والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من الصخر ويتحدر من صبب، ذو النسل القليل - وكأنه أراد الذكور من صلبه. هكذا رواه البيهقى في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان. وروى البيهقى عن عثمان بن الحكم بن رافع بن سنان (3) حدثنى بعض عمومتي وآبائي أنهم كانت عندهم ورقة يتوارثونها في الجاهلية حتى جاء الله بالاسلام وبقيت عندهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذكروها له وأتوه بها مكتوب فيها: بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب. هذا الذكر لامة تأتى في آخر الزمان، يغسلون (4) أطرافهم ويأتزرون (5) على أوساطهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، وفى عاد ما أهلكوا بالريح، وفى ثمود ما أهلكوا بالصيحة. بسم الله وقوله الحق وقو الظالمين في تباب. ثم ذكر قصة أخرى. قال فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأت عليه فيها.


(1) الصلت: الواضح (2) أي غليظ أصابعهما. وذلك جمال في الرجال. (3) رواه بن الجوزى في الوفا: عن عمر بن حفص وكان من خيار الناس. قال: كان عند أبى أو عند جدى ورقة ؟ وارثونها قبل الاسلام بزمان. (4) الاصل: ليبلون. وما أثبته عن الوفا لابن الجوزى. (5) المطبوعة: ويوترون، وهو تحريف. (*)

[ 332 ]

وذكرنا عند قوله تعالى في سورة الاعراف (الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل) قصة هشام بن العاص الاموى، حين بعثه الصديق في سرية إلى هرقل يدعوه إلى الله عزوجل. فذكر أنه أخرج لهم صور الانبياء في رقعة من آدم إلى محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين، على النعت والشكل الذى كانوا عليه. ثم ذكر أنه لما أخرج صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قام قائما إكراما له. ثم جلس وجعل ينظر إليها ويتأملها. قال: فقلنا له من أين لك هذه الصورة ؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه جميع الانبياء من ذريته (1)، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين، فدفعها إلى دانيال. ثم قال: أما والله إن نفسي قد طابت بالخروج من ملكى وأنى كنت عبدا لاشركم ملكة حتى أموت. ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا. فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثناه بما رأينا وما أجازنا وما قال لنا، قال: فبكى وقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل. ثم قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد عندهم. رواه الحاكم بطوله. فليكتب هاهنا من التفسير. ورواه البيهقى في دلائل النبوة. وقال الاموى: حدثنا عبد الله بن زياد عن ابن إسحاق قال: وحدثني يعقوب بن عبد الله بن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، عن جده عمرو بن أمية قال: قدمت برقيق من عند النجاشي أعطانيهم فقالوا لى: يا عمرو لو رأينا رسول الله لعرفناه من غير أن تخبرنا، فمر أبو بكر فقلت أهو هذا ؟ قالوا: لا. فمر عمر فقلت: أهو هذا ؟ قالوا:


(1) خ ط: من ذلك وهو تحريف. (*)

[ 333 ]

لا. فدخلنا الدار فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوني: يا عمرو هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنظرت فإذا هو هو من غير أن يخبرهم به أحد، عرفوه بما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم. وقد تقدم إنذار سبأ لقومه وبشارته لهم بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعر أسلفناه في ترجمته. فأغنى عن إعادته، وتقدم قول الحبرين من اليهود لتبع اليماني حين حاصر أهل المدينة أنها مهاجر نبى يكون في آخر الزمان. فرجع عنها ونظم شعرا (1) يتضمن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم.


(1) هذا الشعر المنسوب إلى تبع مختلق مصنوع كما حقق ذلك بعض الباحثين، لانه كان من حمير ولسانهم غير لسان عدنان. (*)

[ 334 ]

قصة سيف بن ذى يزن الحميرى وبشارته بالنبي الامي وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه " هواتف الجان " حدثنا على بن حرب، حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عمرو بن بكر - هو ابن بكار القعنبى - عن أحمد بن القاسم، عن محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن عبد الله بن عباس. قال: لما ظهر سيف بن ذى يزن - قال ابن المنذر: واسمه النعمان ابن قيس - على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أتته وفود العرب وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من حسن بلائه. وأتاه فيمن أتاه وفود قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وخويلد بن أسد، في أناس من وجوه قريش. فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان الذى ذكره أمية بن أبى الصلت: واشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا * في رأس غمدان دارا منك محلالا فدخل عليه الآذن، فأخبره بمكانهم فأذن لهم، فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال له: إن كنت ممن يتكلم بين يدى الملوك فقد أذنا لك. فقال له عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا، شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت (1) جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أكرم موطن وأطيب معدن، فأنت - أبيت اللعن - ملك العرب، وربيعها الذى تخصب به البلاد، ورأس العرب الذى له تنقاد، وعمودها الذى عليه العماد، ومعقلها الذى يلجأ إليه العباد. وسلفك خير سلف،


(1) الاصل: وعذيت. وما أثبته عن الاكتفا للكلاعي 1 / 179. (*)

[ 335 ]

وأنت لنا منهم خير خلف. فلن يخمل (1) من هم سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذى أبهجك (2) من كشف الكرب الذى قد فدحنا [ فنحن ] (3)، وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال: وأيهم أنت أيها المتكلم. قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا ؟ قال: نعم. قال ادن (4). فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (5) يعطى عطاء جزلا. قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم. ثم نهضوا إلى دار الكرامة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه ثم قال: يا عبد المطلب إنى مفض (6) إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم أبح به. ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك عليه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره. إنى أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذى اختزناه (7) لانفسنا واحتجبناه (8) دون غيرنا خبرا عظيما، وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة، للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال عبد المطلب: أيها الملك مثلك سر وبر، فما هو، فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر ؟


(1) الاكتفا: فلم يخمل من أنت سلفه. وفى دلائل النبوة: فلم يخمل ذكر من أنت سلفه. (2) الاكتفا: أبهجنا. (3) سقطت من الاصل والمطبوعة. (4) الاكتفا: ادنه. (5) ربحلا: كثير العطاء. (6) الاكتفا والدلائل: إنى مفوض، وهو الاصح. وفى الاكتفا: من سنى (7) ط: اخترناه. (8) ط: احتجناه، وهو تحريف. (*)

[ 336 ]

قال: إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له الامامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد أبت بخير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياى ما أزداد به سرورا. قال ابن ذى يزن: هذا حينه الذى يولد فيه أوقد ولد، واسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، ولدناه مرارا والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الارض، يكسر الاوثان ويخمد النيران، يعبد الرحمن ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. فقال عبد المطلب: أيها الملك - عز جدك، وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك [ فهذا نجارى ] (1) فهل الملك سار (2) لى بإفصاح فقد أوضح لى بعض الايضاح. فقال ابن ذى يزن: والبيت ذى الحجب والعلامات على النصب (3) إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب فخر عبد المطلب ساجدا فقال: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك ؟ فقال: أيها الملك كان لى ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام سميته محمدا، فمات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه. قال ابن ذى يزن: إن الذى قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود،


(1) ليست في الاكتفا ولا في الدلائل ولا في الوفا. والنجار: الاصل. (2) المراجع: سارى. (3) ط خ: النقب وهو تحريف. وما أثبته عن المراجع السابقة. (*)

[ 337 ]

فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإنى لست آمن أن تدخل لهم (1) النفاسة من أن تكون لكم الرياسة، فيطلبون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، فهم (2) فاعلون أو أبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مجتاحى قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته (3)، فإنى أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره، ولولا أنى أقيه الآفات وأحذر عليه العاهات لاعلنت على حداثة سنه أمره ولاوطأت أسنان العر عقبه، ولكني صارف ذلك إليك عن (4) غير تقصير بمن معك. قال: ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشرة إماء وبمائة من الابل وحلتين من البرود وبخمسة أرطال من الذهب وعشرة أرطال فضة وكرش مملوء عنبرا. وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له: إذا حال الحول فائتني، فمات ابن ذى يزن قبل أن يحول الحول. فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: [ يا معشر قريش ] (5) لا يغبطنى رجل منكم بجزيل عطاء الملك [ وإن كثر ] (5) فإنه إلى نفاد، ولكن ليغبطني بما يبقى لى ولعقبى من بعدى ذكره وفخره وشرفه. فإذا قيل له: متى ذلك ؟ قال: سيعلم ولو بعد حين. قال: وفى ذلك يقول أمية بن عبد شمس (6):


(1) المراجع: أن تدخلهم. (2) الاكتفا: وهم. (3) الاكتفا: دار مكه. (4) الاكتفا: عن. (5) من الاكتفا. (6) الابيات في الوفا لابن الجوزى باختلافهم (*)

[ 338 ]

جلبنا الصنح نحقبه (1) المطايا * على أكوار أجمال ونوق مقلفة مراتعها تعالى * إلى صنعاء من فج عميق (2) تؤم بنا ابن ذى يزن وتفرى * بذات بطونها ذم (3) الطريق وترعى من مخايله بروقا * مواصلة الوميض إلى بروق فلما واصلت صنعاء حلت * بدار الملك والحسب العريق وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من طريق عمرو بن بكير بن بكار القعنبى. ثم قال أبو نعيم (4): أخبرت عن أبى الحسن على بن إبراهيم بن عبد ربه بن محمد ابن عبد العزيز بن عفير بن عبد العزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذى يزن، حدثنى أبى أبو يزن إبراهيم، حدثنا عمى أحمد بن محمد أبو رجاء به، حدثنا عمى محمد بن عبد العزيز، حدثنى عبد العزيز بن عفير، عن أبيه، عن زرعة بن سيف بن ذى يزن الحميرى قال: لما ظهر جدى سيف بن ذى يزن على الحبشة. وذكره بطوله. وقال أبو بكر الخرائطي: حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القلوسى، حدثنا العلاء ابن الفضل بن أبى سوية، أخبرني أبى عن أبيه عبد الملك بن أبى سوية، عن جده أبى سوية، عن أبيه خليفة قال: سألت محمد بن عثمان بن ربيعة بن سواءة بن خثعم بن سعد فقلت: كيف سماك أبوك محمدا ؟ فقال: سألت أبى عما سألتنى عنه، فقال: خرجت رابع أربعة من بنى تميم أنا منهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، وأسامة بن مالك بن جندب ابن العقيد، ويزيد بن ربيعة بن كنانة بن حربوص بن مازن، ونحن نريد ابن جفنة ملك غسان، فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات فتحدثنا، فسمع كلامنا راهب، فأشرك علينا فقال: إن هذه لغة ما هي بلغة هذه البلاد. فقلنا: نعم نحن قوم من مضر،


(1) الاصل: تحقبه. (2) المراتع: جمع مرتع. ومقلفة: بها القلفة بالكسر وهو ضرب من النبات أخضر له ثمرة صغيرة تحرص عليها الابل. (3) الوفا: أم الطريق. (4) ليس في دلائل أبى نعيم المطبوعة. (*)

[ 339 ]

قال: من أي المضرين ؟ قلنا: من خندف. قال: أما إنه سيبعث وشيكا نبى خاتم النبيين، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا. فقلنا له: ما اسمه ؟ قال: اسمه محمد. قال: فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل واحد منا ابن فسماه محمدا. يعنى أن كل واحد منهم طمع في أن يكون هذا النبي المبشر به ولده. وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عبد الله بن أبى سعد، حدثنا حازم بن عقال ابن الزهر بن حبيب بن المنذر بن أبى الحصين بن السموأل بن عاديا، حدثنى جابر بن جدان ابن جميع بن عثمان بن سماك بن الحصين بن المسوأل بن عاديا قال: لما حضرت الاوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة، اجتمع إليه قومه من غسان فقالوا: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وكنا نأمرك بالتزوج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين، وليس لك ولد غير مالك. فقال: لن يهلك هالك ترك مثل مالك، إن الذى يخرج النار من الوثيمة (1) قادر أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا، وكل إلى الموت. ثم أقبل على مالك وقال: أي بنى: المنية ولا الدنية، العقاب ولا العتاب، التجلد ولا التلدد، القبر خير من الفقر، إنه من قل ذل، ومن كر فر، من كرم الكريم الدفع عن الحريم. والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سينحسر، ليس يثبت منهما الملك المتوج، ولا اللئيم المعلهج (2)، سلم ليومك حياك ربك، ثم أنشأ يقول: شهدت السبايا يوم آل محرق * وأدرك عمرى (3) صيحة الله في الحجر


(1) الوثيمة: الحجارة. (2) المعلهج: الرجل الاحمق الهذر اللئيم. اللسان 3 / 152 (3) كذا في ا والخصائص. وفى المطبوعة: أمرى. (*)

[ 340 ]

فلم أر ذا ملك من الناس واحدا * ولا سوقة إلا إلى الموت والقبر فعل الذى أردى ثمودا وجرهما * سيعقب لى نسلا على آخر الدهر تفر بهم من آل عمرو بن عامر * عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر فإن لم تك الايام أبلين جدتى * وشيبن رأسي والمشيب مع العمر فإن لنا ربا علا فوق عرشه * عليما بما يأتي من الخير والشر ألم يأت قومي أن لله دعوة * يفوز بها أهل السعادة والبر إذا بعث المبعوث من آل غالب * بمكة فيما بين مكة والحجر هنالك فابغوا نصره ببلادكم * بنى عامر إن السعادة في النصر قال: ثم قضى من ساعته.

[ 341 ]

باب في هواتف الجان وهو ما ألقته الجان على ألسنة الكهان ومسموعا من الاوثان (1) وقد تقدم كلام شق وسطيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رسول زكى يأتي إليه الوحى من قيل العلى ". وسيأتى في المولد قول سطيح لعبد المسيح: " إذا كثرت التلاوة، وغاضت بحيرة ساوة، وجاء صاحب الهراوة " يعنى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيانه مفصلا (2). وقال البخاري: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنى ابن وهب، حدثنى عمرو - هو محمد بن زيد - أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشئ قط: " إنى لاظنه " إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظنى أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، على الرجل. فدعى به. فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم أستقبل به رجلا مسلما.


(1) كان القدماء رحمهم الله يحتفلون بالغيبيات التى كانت تجد لدى العامة قبولا ورواجا، ولكنها لم تكن تستحق هذا الاحتفال، وليس لها من الناحية العلمية وزن، إذ أن فيها مجالا واسعا للتخيل والاختلاق وأهم من ذلك أن الاسلام وهو دين يعتمد في صحته على حقائق الحياة وشهادة التاريخ لا يحتاج في إثباته وصدق رسوله إلى هتاف جان أن سجع كهان، وخاصة أن الاسلام أبطل الكهانة وقضى عليها، فيكف يستشهد بأقوال الكهان على صدقه أو تنطق الاوثان بصحته ؟ ! (2) ليس في ا. (*)

[ 342 ]

قال: فإنى أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟ قال: بينما أنا في السوق يوما جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد أنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ؟ قال عمر: صدق، بينا أنا نائم عند آلهتهم جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول: يا جليح، أمر نجيح رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله. فوثب القوم، فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله. فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبى. تفرد به البخاري. وهذا الرجل هو سواد بن قارب الازدي، ويقال السدوسى من أهل السراة من جبال البلقاء له صحبة ووفادة. قال أبو حاتم وابن منده: روى عنه سعيد بن جبير، وأبو جعفر محمد بن على، وقال البخاري: له صحبة. وهكذا ذكره في أسماء الصحابة أحمد ابن روح البرذعى الحافظ، والدارقطني، وغيرهما وقال الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى: سواد بن قارب بالتخفيف. وقال عثمان الوقاصى: عن محمد بن كعب القرظى: كان من أشراف أهل اليمن. ذكره أبو نعيم في الدلائل. وقد روى حديثه من وجوه أخر مطولة بالبسط من رواية البخاري. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى من لا أتهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن

[ 343 ]

عفان أنه حدث أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر بن الخطاب. فلما نظر إليه عمر قال: إن الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد، أو لقد كان كاهنا في الجاهلية. فسلم عليه الرجل ثم جلس، فقال له عمر: هل أسلمت ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فهل كنت كاهنا في الجاهلية ؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، لقد خلت في واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لاحد من رعيتك منذ وليت ما وليت. فقال عمر: اللهم غفرا، قد كنا في الجاهلية على شر من هذا، نعبد الاصنام ونعتنق الاوثان، حتى أكرمنا الله برسوله وبالاسلام. قال: نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية. قال: فأخبرني ما جاء به صاحبك. قال: جاءني قبل الاسلام بشهر أو شيعه (1) فقال: ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال ابن إسحاق: هذا الكلام سجع ليس بشعر. فقال عمر: عند ذلك يحدث الناس: والله إنى لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش، قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه أن يقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أشد منه، وذلك قبل الاسلام بشهر أو شيعه يقول: يا ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح يقول لا إله إلا الله. قال ابن هشام: ويقال رجل يصيح، بلسان فصيح، يقول لا إله إلا الله.


(1) أي دونه بقليل، وشيع كل شئ: ما هو له تبع. (*)

[ 344 ]

قال: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر: عجبت للجن وإبلاسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنو الجن كأنجاسها وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا يحيى بن حجر بن النعمان الشامي، حدثنا على ابن منصور الانباري، عن محمد بن عبد الرحمن الوقاصى، عن محمد بن كعب القرظى، قال: بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه ذات يوم جالس إذ مر به رجل، فقيل، يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار ؟ قال: ومن هذا ؟ قالوا: هذا سواد بن قارب، الذى أتاه رئيه بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأرسل إليه عمر فقال له: أنت سواد بن قارب ؟ قال: نعم. قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك ؟ قال: فغضب وقال: ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين. فقال عمر: يا سبحان الله ! ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، فأخبرني ما أنبأك رئيك (1) بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم يا أمير المؤمنين بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتانى رئيى فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤى بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته. ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما صادق الجن ككذابها فارحل لى الصفوة من هاشم * ليس قداماها كأذنابها


(1) فأخبرني بإتيانك رئيك. (*)

[ 345 ]

قال: قلت دعني أنام فإنى أمسيت ناعسا. قال: فلما كانت الليلة الثانية أتانى فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه بعث رسول من لؤى بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتخبارها (1) * وشدها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها وأحجارها قال: قلت دعني أنام، فإنى أمسيت ناعسا. فلما كانت الليلة الثالثة أتانى فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤى بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتحساسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما خير الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى راسها قال: فقمت وقلت: قد امتحن الله قلبى، فرحلت ناقتي، ثم أتيت المدينة - يعنى مكة - فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فدنوت فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله. قال: هات. فأنشأت أقول: أتانى نجيى بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد بلوت (2) بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لؤى بن غالب


(1) المطبوعة: وتحيارها. وهو تحريف. وما أثبته من ا. (2) خ ط: قلوت. وهو تحريف، وما أثبته عن الاكتفا (*)

[ 346 ]

فشمرت عن ذيلي الازار ووسطت * بى الذعلب الوجناء عبر السباسب فأشهد أن الله لا شئ غيره * وأنك مأمون على كل غائب (1) وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الاكرمين الاطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لى شفيعا يوم لاذو شفاعة * سواك بمغن عن سواد بن قارب قال: ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا، حتى رئى الفرح في وجوههم. قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب فالتزمه وقال: قد كنت أشتهى أن أسمع هذا الحديث منك، فهل يأتيك رئيك اليوم. قال: أما منذ قرأت القرآن فلا، ونعم العوض كتاب الله من الجن. ثم قال عمر: كنا يوما في حى من قريش يقال لهم آل ذريح وقد ذبحوا عجلا لهم والجزار يعالجه، إذ سمعنا صوتا من جوف العجل ولا نرى شيئا، قال: يا آل ذريح، أمر نجيح، صائح يصيح، بلسان فصيح يشهد أن لا إله إلا الله. وهذا منقطع من هذا الوجه ويشهد له رواية البخاري. وقد تساعدوا على أن السامع الصوت من العجل هو عمر بن الخطاب والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه الذى جمعه في هواتف الجان: حدثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤدب، حدثنا محمد بن عمران بن محمد ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى، حدثنا سعيد بن عبيد الله الوصابى (2)، عن أبيه، عن أبى جعفر محمد بن على قال: دخل سواد بن قارب السدوسى على عمر بن الخطاب رضى الله


(1) الاصل غالب. وما أثبته عن الدلائل والوفا. (2) نسبة إلى وصاب بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل. (*)

[ 347 ]

عنه فقال: نشدتك بالله يا سواد بن قارب، هل تحسن (1) اليوم من كهانتك شيئا. فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين، ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به. قال: سبحان الله يا سواد: ما كنا عليه من شركنا أعظم مما كنت عليه من كهانتك، والله يا سواد لقد بلغني عنك حديث إنه لعجب من العجب. قال: إى والله يا أمير المؤمنين إنه لعجب من العجب. قال: فحدثنيه. قال: كنت كاهنا في الجاهلية، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتانى نجيى فضربني برجله ثم قال: يا سواد اسمع أقل لك، قلت: هات. قال: عجبت للجن وإيجاسها (2) * ورحلها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنوها مثل أرجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى رأسها قال: فنمت ولم أحفل بقوله شيئا. فلما كانت الليلة الثانية أتانى فضربني برجله ثم قال لى: قم يا سواد بن قارب اسمع أقل لك. قلت: هات. قال: عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما صادق الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم * ليس المقاديم كأذنابها قال: فحرك قوله منى شيئا، ونمت. فلما كانت الليلة الثالثة أتانى فضربني برجله ثم قال: يا سواد بن قارب أتعقل أم لا تعقل ؟ قلت: وما ذاك ؟ قال: ظهر بمكة نبى يدعو إلى عبادة ربه فالحق به، اسمع أقل لك. قلت: هات. قال:


(1) لعلها: هل تحس. بدليل قوله بعد: هل تحس اليوم منها بشئ. (2) ط: وأنجاسها. (*)

[ 348 ]

عجبت للجن وتنفارها * ورحلها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها وأحجارها قال: فعلمت أن الله قد أراد بى خيرا. فقمت إلى بردة لى ففتقتها ولبستها ووضعت رجلى في غرز ركاب الناقة، وأقبلت حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض على الاسلام فأسلمت، وأخبرته الخبر فقال: " إذا اجتمع المسلمون فأخبرهم " فلما اجتمع المسلمون قمت فقلت: أتانى نجيى بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لؤى بن غالب فشمرت عن ذيلي الازار ووسطت * بى الذعلب الوجناء عبر السباسب (1) وأعلم أن الله لا رب غيره * وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الاكرمين الاطايب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب قال: فسر المسلمون بذلك. فقال عمر: هل تحس اليوم منها بشئ ؟ قال: أما إذ علمني الله القرآن فلا. وقد رواه محمد بن السائب الكلبى عن أبيه عن عمر بن حفص.: لما ورد سواد بن قارب على عمر قال: يا سواد بن قارب ما بقى من كهانتك ؟ فغضب وقال: ما أظنك يا أمير المؤمنين استقبلت أحدا من العرب بمثل هذا.


(1) الذعلب: الناقة السريعة، والوجناء: الشابة. والسباسب: جمع سبسب وهى الفلاة. هذا، وقد حرفت في الاصل: غير السباسب. (*)

[ 349 ]

فلما رأى ما في وجهه من الغضب، قال: أنظر سواد. للذى كنا عليه قبل اليوم من الشرك أعظم. ثم قال: يا سواد حدثنى حديثا كنت أشتهى أسمعه منك. قال: نعم، بينا أنا في إبل لى بالسراة ليلا وأنا نائم، وكان لى نجى من الجن أتانى فضربني برجله فقال لى: قم يا سواد بن قارب فقد ظهر بتهامة نبى يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم. فذكر القصة كما تقدم وزاد في آخر الشعر: وكن لى شفيعا يوم لا ذو قرابة * سواك بمغن عن سواد بن قارب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سر في قومك وقل هذا الشعر فيهم ". ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق سليمان بن عبد الرحمن، عن الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي، عن عباد بن عبد الصمد، عن سعيد بن جبير، قال: أخبرني سواد بن قارب الازدي قال: كنت نائما على جبل من جبال السراة فأتاني آت فضربني برجله. وذكر القصة أيضا. ورواه أيضا من طريق محمد بن البراء، عن أبى بكر بن عياش، عن أبى إسحاق، عن البراء. قال: قال سواد بن قارب: كنت نازلا بالهند فجاءني رئيى ذات ليلة فذكر القصة. وقال بعد إنشاد الشعر الاخير: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وفال: " أفلحت يا سواد ". وقال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن، حدثنا على بن حرب، حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن عبد الله العماني قال: كان منا رجل يقال له مازن بن العضوب (1) يسدن صنما بقرية يقال لها سمايا، من عمان، وكانت تعظمه بنو الصامت وبنو حطامة


(1) الدلائل: العضوية (*)

[ 350 ]

ومهرة وهم أخوال مازن، أمه زينب بنت عبد الله بن ربيعة بن خويص (1) أحد بنى نمران. قال مازن: فعترنا يوما عند الصنم عتيرة، وهى الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر، بعث نبى من مضر، بدين الله الاكبر، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حر سقر. قال: ففزعت لذلك فزعا شديدا. ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى، سمعت صوتا من الصنم يقول: أقبل إلى أقبل، تسمع ما لا تجهل، هذا نبى مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كى تعدل، عن حر نار تشعل، وقودها الجندل. قال مازن: فقلت إن هذا لعجب، وإن هذا لخير يراد بى، وقدم علينا رجل من الحجاز فقلت: ما الخبر وراءك ؟ فقال: ظهر رجل يقال له أحمد، يقول لمن أتاه: أجيبوا داعى الله. فقلت: هذا نبأ ما سمعت. فثرت إلى الصنم فكسرته جذاذا وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح الله صدري للاسلام، فأسلمت، وقلت: كسرت يا جر أجذاذا (2) وكان لنا * ربا نطيف به ضلا بتضلال بالهاشمي هدانا من ضلالتنا * ولم يكن دينه منى على بال يا راكبا بلغن عمرا وإخوتها * أنى لمن قال ربى ياجر قالى يعنى بعمرو: الصامت. وإخوتها: حطامة.


(1) دلائل النبوة: حويص بالحاء. (2) الاصل باجرا. وهو تحريف. وما أ ؟ بته عن الاكتفا للكلاعي. وفى الدلائل محرفة: باجرا. والاجذاذ: جمع الجذ بكسر الجيم وهو الجزء المقطوع. (*)

[ 351 ]

فقلت: يا رسول الله إنى امرؤ مولع بالطرب وبالهلوك إلى النساء وشرب الخمر، وألحت علينا السنون فأذهبن الاموال وأهزلن السرارى، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينا بالحياء، ويهب لى ولد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال وبالاثم وبالعهر عفة، وآته بالحياء، وهب له ولدا ". قال فأذهب الله عنى ما أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، وحفظت شطر القرآن، ووهب لى حيان بن مازن. وأنشأ يقول: إليك رسول الله خبت مطيتي * تجوب الفيافي من عمان إلى العرج لتشفع لى يا خير من وطئ الحصى * فيغفر لى ربى فأرجع بالفلج (1) إلى معشر خالفت في الله دينهم * فلا رأيهم رأيى ولا شرجهم شرجي (2) وكنت امرءا بالخمر والعهر مولعا * شبابى حتى آذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر خوفا وخشية * وبالعهر إحصانا فحصن لى فرجى فأصبحت همى في الجهاد ونيتي * فلله ما صومي ولله ما حجى قال: فلما أتيت قومي أنبونى وشتموني، وأمروا شاعرا لهم فهجاني، فقلت إن رددت عليه فإنما أهجو نفسي. فرحلت عنهم فأتتنى منهم زلفة عظيمة، وكنت القيم بأمورهم، فقالوا: يا ابن عم: ؟ ؟ بنا عليك أمرا وكرهنا ذلك، فإن أبيت ذلك فارجع وقم بأمورنا، وشأنك وما تدين به. فرجعت معهم وقلت:


(1) الفلج: الفوز والظفر. (2) الشرج: المثل. (*)

[ 352 ]

لبغضكم عندنا مر مذاقته * وبغضنا عندكم يا قومنا لبن لا يفطن الدهر إن بثت معائبكم * وكلكم حين يثنى عيبنا فطن شاعرنا مفحم عنكم وشاعركم * في حدبنا مبلغ في شتمنا لسن ما في القلوب عليكم فاعلموا وغر * وفى قلوبكم البغضاء والاحن قال مازن: فهداهم الله بعد إلى الاسلام جميعا. وروى الحافظ أبو نعيم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن، فجاء في صورة طائر أبيض فوقع على حائط لهم، فقالت له: لم لا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك، وتخبرنا ونخبرك ؟ فقال لها: إنه قد بعث نبى بمكة حرم الزنا ومنع منا القرار. وقال الواقدي: حدثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن على بن الحسين، قال: إن أول خبر قدم المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأة تدعى فاطمة كان لها تابع، فجاءها ذات يوم، فقام على الجدار فقالت: ألا تنزل ؟ فقال: لا إنه قد بعث الرسول الذى حرم الزنا. وأرسله بعض التابعين أيضا، وسماه بابن لوذان، وذكر أنه كان قد غاب عنها مدة، ثم لما قدم عاتبته فقال: إنى جئت الرسول فسمعته يحرم الزنا، فعليك السلام. وقال الواقدي: حدثنى محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: قال عثمان بن عفان: خرجنا في عير إلى الشام، قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كنا بأفواه الشام، وبها كاهنة، فتعرضتنا، فقالت: أتانى صاحبي فوقف على بابى، فقلت: ألا تدخل ؟ فقال: لا سبيل إلى ذلك، خرج أحمد وجاء أمر لا يطاق.

[ 353 ]

ثم انصرفت فرجعت إلى مكة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة يدعو إلى الله عزوجل. وقال الواقدي: حدثنى محمد بن عبد الله الزهري قال: كان الوحى يسمع، فلما كان الاسلام منعوا. وكانت امرأة من بنى أسد يقال لها سعيرة لها تابع من الجن، فلما رأى الوحى لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها فضج في صدرها فذهب عقلها، فجعل يقول من صدرها: وضع العناق، ومنع الرفاق، وجاء أمر لا يطاق، وأحمد حرم الزنا. وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى - بمصر - حدثنا عمارة بن زيد، حدثنا عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، عمن حدثه، عن مرداس بن قيس السدوسى قال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت عنده الكهانة وما كان من تغييرها عند مخرجه، فقلت: يا رسول الله قد كان عندنا في ذلك شئ، أخبرك أن جارية منا يقال لها الخلصة لم يعلم عليها إلا خيرا، إذ جاءتنا فقالت: يا معشر دوس، العجب العجب لما أصابني، هل علمتم إلا خيرا ؟ قلنا: وما ذاك ؟ قالت. إنى لفى غنمي إذ غشيتني ظلمة ووجدت كحس الرجل مع المرأة، فقد خشيت أن أكون حبلت. حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلاما أغضف له أذنان كأذني الكلب، فمكث فينا حتى إنه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة وألقى إزاره وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويلة يا ويلة يا عولة يا عولة، يا ويل غنم، يا ويل فهم، من قابس النار، الخيل والله وراء العقبة، فيهن فتيان حسان نجبة. قال: فركبنا وأخذنا للاداة وقلنا: يا ويلك ما ترى ؟ فقال: [ هل ] من جارية

[ 354 ]

طامث ؟ فقلنا: ومن لنا بها ؟ فقال شيخ منا: هي والله عندي عفيفة الام فقلنا فعجلها. فأتى بالجارية وطلع الجبل وقال للجارية: اطرحي ثوبك واخرجي في وجوههم، وقال للقوم: اتبعوا أثرها، وقال لرجل منا يقال له أحمد بن حابس: يا أحمد بن حابس، عليك أول فارس. فحمل أحمد فطعن أول فارس فصرعه وانهزموا فغنمناهم. قال: فابتنينا عليهم بيتا وسميناه ذا الخلصة، وكان لا يقول لنا شيئا إلا كان كما يقول. حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله قال لنا يوما: يا معشر دوس، نزلت بنو الحارث ابن كعب. فركبنا فقال لنا: اكدسوا الخيل كدسا، واحشوا القوم رمسا، انفوهم غدية، واشربوا الخمر عشية. قال: فلقيناهم فهزمونا وغلبونا فرجعنا إليه فقلنا: ما حالك وما الذى صنعت بنا ؟ فنظرنا إليه وقد احمرت عيناه، وانتصبت أذناه وانبرم غضبانا حتى كاد أن ينفطر وقام. فركبنا واغتفرنا هذه له ومكثنا بعد ذلك حينا، ثم دعانا فقال: هل لكم في غزوة تهب لكم عزا وتجعل لكم حرزا ويكون في أيديكم كنزا ؟ فقلنا: ما أحوجنا إلى ذلك. فقال اركبوا. فركبنا فقلنا: ما تقول ؟ فقال: بنو الحارث بن مسلمة. ثم قال: قفوا، فوقفنا ثم قال: عليكم بفهم، ثم قال ليس لكم فيهم دم، عليكم بمضر، هم أرباب خيل ونعم. ثم قال: لا، رهط دريد بن الصمة قليل العدد وفى الذمة. ثم قال لا، ولكن عليكم بكعب بن ربيعة وأسكنوها ضيعة عامر بن صعصعة، فليكن بهم الوقيعة. قال: فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فرجعنا وقلنا: ويلك ماذا تصنع بنا. قال: ما أدرى كذبني الذى يصدقني. اسجنوني في بيتى ثلاثا ثم ائتونى. ففعلنا به ذلك ثم أتيناه بعد ثالثة ففتحنا عنه فإذا هو كأنه حجرة نار، فقال: يا معشر

[ 355 ]

دوس، حرست السماء وخرج خير الانبياء. قلنا: أين ؟ قال: بمكة، وأنا ميت، فادفنوني في رأس جبل فإنى سوف أضطرم نارا، وإن تركتمونى كنت عليكم عارا، فإذا رأيتم اضطرامي وتلهبي فاقذفوني بثلاثة أحجار ثم قولوا مع كل حجر: باسمك اللهم: فإنى أهدا وأطفى. قال: وإنه مات فاشتعل نارا، ففعلنا به ما أمر، وقد قذفناه بثلاثة أحجار نقول مع كل حجر: باسمك اللهم، فحمد وطفى. وأقمنا حتى قدم علينا الحاج فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله. غريب جدا. وروى الواقدي عن أبيه عن ابن أبى ذئب، عن مسلم بن جندب، عن النضر بن سفيان الهذلى، عن أبيه. قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام، فلما كنا بين الزرقاء ومعان قد عرسنا (1) من الليل، فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والارض: أيها النيام هبوا، فليس هذا بحين رقاد، قد خرج أحمد، فطردت (2) الجن كل مطرد. ففزعنا ونحن رفقة حزاورة (؟) كلهم قد سمع بهذا. فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش في نبى قد خرج فيهم من بنى عبد المطلب اسمه أحمد. ذكره أبو نعيم. وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى (4) - بمصر حدثنا عمارة بن زيد،


(1) الوفا: وقد عرسنا. (2) الوفا: وطردت. (3) الاصل: حزورة، وما أثبته من الدلائل لابي نعيم. والحزاورة جمع حزور كجعفر وهو الرجل القوى. (4) بفتح الباء واللام نسبة إلى بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، اللباب 1 / 144. (*)

[ 356 ]

حدثنى عبد الله بن العلاء، حدثنى يحيى بن عروة، عن أبيه، أن نفرا من قريش منهم ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وعثمان بن الحويرث، كانوا عند صنم لهم يجتمعون إليه، قد اتخذوا ذلك اليوم من كل سنة عيدا، كانوا يعظمونه وينحرون له الجزور، ثم يأكلون ويشربون الخمر ويعكفون عليه، فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوبا على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله، فلم يلبث أن انقلب انقلابا عنيفا، فأخذوه فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة. فلما رأوا ذلك اغتموا له وأعظموا ذلك. فقال عثمان بن الحويرث: ماله قد أكثر التنكس ؟ ! إن هذا لامر قد حدث. وذلك في الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل عثمان يقول: أيا صنم العيد الذى صف حوله * صناديد وفد من بعيد ومن قرب تنكست مغلوبا فما ذاك قل لنا * أذاك سفيه أم تنكست للعتب فإن كان من ذنب أتينا فإننا * نبوء بإقرار ونلوى عن الذنب وإن كنت مغلوبا ونكست صاغرا * فما أنت في الاوثان بالسيد الرب قال: فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله. فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم بصوت جهير وهو يقول: تردى لمولود أنارت بنوره * جميع فجاج الارض في الشرق والغرب وخرت له الاوثان طرا وأرعدت * قلوب ملوك الارض طرا من الرعب ونار جميع الفرس باخت وأظلمت * وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالغيب جنها * فلا مخبر عنهم بحق ولا كذب

[ 357 ]

فيا لقصى ارجعوا عن ضلالكم * وهبوا إلى الاسلام والمنزل الرحب (1) قال: فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا، فقال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض. فقالوا: أجل ! فقال لهم ورقة بن نوفل: تعلمون والله ما قومكم على دين، ولقد أخطأوا الحجة وتركوا دين إبراهيم، ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر ؟ ! يا قوم التمسوا لانفسكم الدين. قال: فخرجوا عند ذلك يضربون في الارض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام. فأما ورقة بن نوفل فتنصر وقرأ الكتب حتى علم علما. وأما عثمان بن الحويرث فسار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده. وأما زيد بن عمرو بن نفيل فأراد الخروج فحبس. ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الارض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة، فلقى بها راهبا عالما فأخبره بالذى يطلب، فقال له الراهب: إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبى يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية. فلما قال له ذلك رجع يريد مكة فغارت (2) عليه لخم فقتلوه.


(1) لا يستطاع تقبل هذه الاشعار ولا الرضا بهذه الاخبار المتكلفة التى تغلب عليها النزعة الاسطورية ولقد كان الاقدمون لا يجدون غضاضة في نقل هذه الاخبار وروايتها، بل والسكوت عليها وكانت في نظرهم تؤيد الدين وتخدمه، أما في عصرنا الذى لا يقبل الخبر إلا بعد التمحيص والنقد فلا تثبت أمثال هذه الروايات أمام النظر العلمي، وكل ما نريده أن يفهم القارئ أنه في حل من رفض هذه الروايات الاسطورية، هذا والجانب الاخير من الرواية وهو ما بعد هذا الشعر صحيح مقبول يثبته التاريخ وقد رواه عدة، منهم الكلاغى في الاكتفا. (2) كذا والقياس أغارت. (*)

[ 358 ]

وأما عبد الله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بها تنصر وفارق الاسلام، فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيا. تقدم في ترجمة زيد بن عمر بن نفيل له شاهد. وقد قال الخرائطي: حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح أبو بكر الوراق، حدثنا عمرو ابن عثمان، حدثنى أبى، حدثنا عبد الله بن عبد العزيز، حدثنى محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أنس السلمى، عن العباس بن مرداس أنه كان يعر (1) في لقاح له نصف النهار إذ طلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب عليه ثياب بياض مثل اللبن فقال: يا عباس بن مرداس، ألم تر أن السماء قد كفت أحراسها، وأن الحرب تجرعت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الذى نزل بالبر والتقوى، يوم الاثنين ليلة الثلاثاء، صاحب الناقة القصوى. قال: فرجعت مرعوبا قد راعني ما رأيت وسمعت، حتى جئت وثنا لنا يدعى الضمار (2) وكنا نعبده ونكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به وقبلته فإذا صائح من جوفه يقول: قل للقبائل من سليم كلها * هلك الضمار وفاز أهل المسجد هلك الضمار وكان يعبد مرة * قبل الصلاة مع النبي محمد إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى قال: فخرجت مرعوبا حتى أتيت قومي فقصصت عليهم القصة وأخبرتهم الخبر،


(1) أي يعالجها. (2) الاصل الضماد، وما أثبته من الاكتفا وابن هشام، وفى القاموس: والضمار ككتاب.. وصنم عبده العباس بن مرداس ورهطه. (*)

[ 359 ]

وخرجت في ثلاثمائة من قومي بنى حارثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة، فدخلنا المسجد، فلما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لى: " يا عباس كيف كان إسلامك " ؟ فقصصت عليه القصة. قال فسر بذلك وأسلمت أنا وقومي. ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من حديث أبى بكر بن أبى عاصم عن عمرو ابن عثمان به. ثم رواه أيضا من طريق الاصمعي، حدثنى الوصافى (1)، عن منصور بن المعتمر، عن قبيصة بن عمرو بن إسحاق الخزاعى، عن العباس بن مرداس السلمى قال: أول إسلامى أن مرداسا أبى، لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال [ له ] ضمار (2) فجعلته في بيت وجعلت آتية كل يوم مرة، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم سمعت صوتا مرسلا في جوف الليل راعني، فوثبت إلى ضمار (2) مستغيثا، وإذا بالصوت من جوفه وهو يقول: قل للقبيلة من سليم كلها * هلك الانيس وعاش أهل المسجد أودى ضمار وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى قال: فكتمته الناس، فلما رجع الناس من الاحزاب بينا أنا في إبلى بطرق العقيق من ذات عرق راقدا، سمعت صوتا وإذا برجل على جناح نعامة وهو يقول: النور الذى


(1) نسبة إلى وصاف وهو اسم جماعة منهم وصاف بن عامر العجلى.. ينسب إليه عبيدالله بن الوليد ابن عبد الرحمن بن قيس الوصافى يروى عن عطية وعطاء، سمع منه يعلى بن عبيد ووكيع وغيرهما، وكان منكر الحديث اللباب 3 / 275. (2) الاصل: ضماد وهو تحريف. (*)

[ 360 ]

وقع ليلة الثلاثاء مع صاحب الناقة العضباء في ديار إخوان بنى العنقاء. فأجابه هاتف من شماله وهو يقول: بشر الجن وإبلاسها، أن وضعت المطى أحلاسها، وكلات السماء أحراسها قال: فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل، فركبت فرسى واحتثثت السير حتى انتهيت إليه فبايعته، ثم انصرفت إلى ضمار فأحرقته بالنار، ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته شعرا أقول فيه: لعمرك إنى يوم أجعل جاهلا * ضمارا لرب العالمين مشاركا وتركي رسول الله والاوس حوله * أولئك أنصار له ما أولئكا كتارك سهل الارض والحزن يبتغى * ليسلك في وعث الامور المسالكا فآمنت بالله الذى أنا عبده * وخالفت من أمسى يريد المهالكا ووجهت وجهى نحو مكة قاصدا * أبايع نبى الاكرمين المباركا نبى أتانا بعد عيسى بناطق * من الحق فيه الفصل فيه كذلكا أمين على القرآن أول شافع * وأول مبعوث يجيب الملائكا تلافى عرى الاسلام بعد انتقاضها * فأحكمها حتى أقام المناسكا عنيتك يا خير البرية كلها * توسطت في الفرعين والمجد مالكا وأنت المصفى من قريش إذا سمت * على ضمرها تبقى القرون المباركا إذا انتسب الحيان كعب ومالك * وجدناك محضا والنساء العواركا (1)


(1) على ذلك الشعر - مع ما فيه من ركاكة - علامات الصنعة والافتراء منها: 1 - لم يخص الاوس بالذكر مع أنهم بعد الاسلام لم يعد لهم ذكر مستقل بل هم والخزرج أنصار. 2 - وقوله: " ووجهت وجهى نحو مكة.. " مع أنه يذكر أنه يأبى ترك رسول الله والاوس حوله وذلك في المدينة، ومع أنه ذكر من قبل أن ذلك كان بعد رجوع الناس من الاحزاب. = (*)

[ 361 ]

قال الخرائطي: وحدثنا عبد الله بن محمد البلوى بمصر، حدثنا عمارة بن زيد، حدثنا إسحاق بن بشر وسلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثنى شيخ من الانصار يقال له عبد الله بن محمود من آل محمد بن مسلمة، قال: بلغني أن رجالا من خثعم كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الاسلام أنا كنا قوما نعبد الاوثان، فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل نفر يتقاضون إليه يرجون الفرج من عنده لشئ شجر بينهم، إذ هتف بهم هاتف يقول: يا أيها الناس ذوو الاجسام * من بين أشياخ إلى غلام (1) ما أنتم وطائش الاحلام * ومسند الحكم إلى الاصنام أكلكم في حيرة نيام (2) * أم لا ترون ما الذى أمامى من ساطع يجلو دجى الظلام * قد لاح للناظر من تهام ذاك نبى سيد الانام * قد جاء بعد الكفر بالاسلام أكرمه الرحمن من إمام * ومن رسول صادق الكلام أعدل ذى حكم من الاحكام (3) * يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للارحام * ويزجر الناس عن الآثام


= 3 - وكيف علم العباس سريعا - مع أنه حديث الاسلام - أن رسول الله أول شافع وأول من تنشق عنه الارض مع أن ذلك من التفاصيل الدقيقة التى لم تكن تقررت في ذلك الوقت، وعلى كل فلا يستطيع حديث عهد بالاسلام أن يحيط بها. 4 - كذلك قوله: تلافى عرى الاسلام بعد انتقاضها.. إلا أن يفسر الاسلام بالدين عموما، وهذا فهم خاص لا يتمكن منه العباس في ذلك الوقت. وما معنى أقام المناسكا.. إن هذا الشعر مثل واضح للصنعة والافتراء. (1) الاكتفا: يا أيها الناس ذوو الاجسام. ومسند الحكم إلى الاصنام. (2) الاكتفا: أكلكم أوره كالكهام. والاوره: الاحمق. (3) الاكتفا: أعدل في الحكم من الحكام. (*)

[ 362 ]

والرجس والاوثان والحرام * من هاشم في ذروة السنام * مستعلنا (1) في البلد الحرام * قال: فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه وأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمنا. وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله البلوى، حدثنا عمارة، حدثنى عبيد الله بن العلاء، حدثنا محمد بن عكبر، عن سعيد بن جبير، أن رجلا من بنى تميم يقال له رافع بن عمير، وكان أهدى الناس للطريق وأسراهم بليل وأهجمهم على هول، وكانت العرب تسميه لذلك دعموص العرب، لهدايته وجراءته على السير، فذكر عن بدء إسلامه قال: إنى لاسير برمل عالج (2) ذات ليلة إذ غلبنى النوم فنزلت عن راحلتي وأنختها وتوسدت ذراعها ونمت، وقد تعوذت قبل نومى فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن من أن أوذى أو أهاج. فرأيت في منامي رجلا شابا يرصد ناقتي وبيده حربة يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت لذلك فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت: هذا جلم. ثم عدت فغفوت فرأيت في منامي مثل رؤياي الاولى، فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا وإذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب، والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذى رأيت في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها وهو يقول: يا مالك بن مهلهل بن دثار * مهلا فدا لك مئزري وإزارى عن ناقة الانسى لا تعرض لها * واختر بها ما شئت من أثوارى ولقد بدا لى منك ما لم أحتسب * ألا رعيت قرابتي وذمارى


(1) الاكتفا: مستعلن. (2) العالج: المرتفع. (*)

[ 363 ]

تسمو إليه بحربة مسمومة * تبا لفعلك يا أبا الغفار لولا الحياء وأن أهلك جيرة * لعلمت ما كشفت من أخباري قال فأجابه الشاب وهو يقول: أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا * في غير مزرية أبا العيزار ما كان فيهم سيد فيما مضى * إن الخيار هم بنو الاخيار فاقصد لقصدك يا معكبر إنما * كان المجير مهلهل بن دثار قال: فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى: قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جارى الانسى. فقام الفتى فأخذ منها ثورا وانصرف. ثم التفت إلى الشيخ فقال: يا هذا إذا نزلت واديا من الاودية فخفت هوله فقل: أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي. ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها. قال: فقلت له: ومن محمد هذا ؟ قال: نبى عربي، لا شرقي ولا غربي، بعث يوم الاثنين. قلت: وأين مسكنه ؟ قال: يثرب ذات النخل. قال: فركبت راحلتي حين برق لى الصبح وجددت السير حتى تقحمت المدينة، فرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا ودعانى إلى الاسلام فأسلمت (1). قال سعيد بن جبير وكنا نرى أنه هو الذى أنزل الله فيه (وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا). وروى الخرائطي من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة، عن داود ابن الحسين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن على، قال: إذا كنت بواد تخاف السبع فقل أعوذ بدانيال والجب، من شر الاسد.


(1) وهذا أيضا مما لا يترتب على ثبوته شئ، وهو من أساطير العرب عن الجن وما أكثرها. (*)

[ 364 ]

وروى البلوى عن عمارة بن زيد، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، حدثنى يحيى بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، عن ابن عباس قصة قتال على الجن بالبئر ذات العلم التى بالجحفة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقى لهم الماء فأرادوا منعه وقطعوا الدلو فنزل إليهم، وهى قصة مطولة منكرة جدا والله أعلم. وقال الخرائطي: حدثنى أبو الحارث محمد بن مصعب الدمشقي وغيره، حدثنا سليمان ابن بنت شرحبيل الدمشقي، حدثنا عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا خالد بن سعيد، عن الشعبى، عن رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب وعنده جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم: خواتيم سورة النحل. وقال بعضهم: سورة يس. وقال على: فأين أنتم عن فضيلة آية الكرسي: أما إنها سبعون كلمة في كل كلمة بركة. قال: وفى القوم عمرو بن معدى كرب لا يحير جوابا، فقال: أين أنتم عن بسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال عمر: حدثنا يا أبا ثور. قال: بينا أنا في الجاهلية إذ جهدني الجوع فأقحمت فرسى في البرية فما أصبت إلا بيض النعام، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة، وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة ومعه غنيمات له، فقلت له: استأسر ثكلتك أمك. فرفع رأسه إلى وقال: يا فتى إن أردت قرى فانزل وإن أردت معونة أعناك. فقلت له: استأسر. فقال: عرضنا عليك النزل منا تكرما * فلم ترعوى جهلا كفعل الاشائم وجئت ببهتان وزور ودون ما * تمنيته بالبيض (1) حز الغلاصم قال: ووثب إلى وثبة وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. فكأني مثلت تحته.


(1) يقصد بالبيض هنا: ابنته وحريمه. (*)

[ 365 ]

ثم قال: أقتلك أم أخلى عنك ؟ قلت: بل خل عنى. قال: فخلى عنى. ثم إن نفسي جاذبتني بالمعاودة. فقلت استأسر ثكلتك أمك فقال: ببسم الله والرحمن فزنا * هنالك والرحيم به قهرنا وما تغنى جلادة ذى حفاظ * إذا يوما (1) لمعركة برزنا ثم وثب لى وثبة كأنى مثلت تحته. فقال: أقتلك أم أخلى عنك ؟ قال: قلت بل خل عنى. فخلى عنى فانطلقت غير بعيد. ثم قلت في نفسي: يا عمرو أيقهرك هذا الشيخ ! والله للموت خير لك من الحياة، فرجعت إليه فقلت: استأسر ثكلتك أمك. فوثب إلى وثبة وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم فكأني مثلت تحته، فقال: أقتلك أم أخلى عنك ؟ قلت: بل خل عنى. فقال: هيهات، يا جارية ائتينى بالمدية. فأتته بالمدية فجز ناصيتى، وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزت ناصيته استعبدته، فكنت معه أخدمه مدة. ثم إنه قال: يا عمرو أريد أن تركب معى البرية وليس بى منك وجل، فإنى ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق. قال: فسرنا حتى أتينا واديا أشبا مهولا مغولا. فنادى بأعلى صوته ببسم الله الرحمن الرحيم. فلم يبق طير في وكره إلا طار. ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشى قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق، فقال لى: يا عمرو إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل: غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم. قال: فلما رأيتهما قد اتحدا قلت: غلبه صاحبي باللات والعزى فلم يصنع الشيخ شيئا. فرجع إلى وقال: قد علمت أنك قد خالفت قولى. قلت: أجل ولست بعائد. فقال: إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم. فقلت: أجل. فلما رأيتهما قد اتحدا (هامش) * (1) الاصل: يوم. (*)

[ 366 ]

قلت: غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم، فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه فاشتق بطنه، فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الاسود ثم قال: يا عمرو هذا غشه وغله. ثم قال: أتدرى من تلك الجارية ؟ قلت: لا. قال: تلك الفارعة بنت السليل الجرهمى من خيار الجن. وهؤلاء أهلها بنو عمها يغزونى منهم كل عام رجل ينصرني الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: قد رأيت ما كان منى إلى الحبشى. وقد غلب على الجوع فائتني بشئ آكله، فأقحمت بفرسي البرية فما أصبت إلا بيض النعام، فأتيته به فوجدته نائما، وإذا تحت رأسه شئ كهيئة الخشبة، فاستللته فإذا هو سيف عرضه شبر في سبعة أشبار، فضربت ساقيه ضربة أبنت الساقين مع القدمين، فاستوى على قفا ظهره وهو يقول قاتلك الله ما أغدرك يا غدار. قال عمر: ثم ماذا صنعت ؟ قلت: فلم أزل أضربه بسيفي حتى قطعته إربا إربا. قال فوجم لذلك ثم أنشأ يقول: بالغدر نلت أخا الاسلام عن كثب * ما إن سمعت كذا في سالف العرب والعجم تأنف مما جئته كرما * تبا لما جئته في السيد الارب إنى لاعجب أنى نلت قتلته * أم كيف جازاك عند الذنب لم تنب ؟ قرم عفا عنك مرات وقد علقت * بالجسم منك يداه موضع العطب لو كنت آخذ في الاسلام ما فعلوا * في الجاهلية أهل الشرك والصلب إذا لنالتك من عدلى مشطبة (1) * تدعو لذائقها بالويل والحرب قال: ثم ما كان من حال الجارية ؟ قلت: ثم إنى أتيت الجارية. فلما رأتنى قالت: ما فعل الشيخ ؟ قلت: قتله الحبشى، فقالت: كذبت بل قتلته أنت بغدرك ثم أنشأت تقول:


(1) أي مهلكة. (*)

[ 367 ]

يا عين جودى للفارس المغوار * ثم جودى بواكفات غزار لا تملى البكاء إذ خانك الده‍ * ر بواف [ ذى ] حقيقة صبار وتقى وذى وقار وحلم * وعديل الفخار يوم الفخار لهف نفسي على بقائك عمرو * أسلمتك الاعمار للاقدار ولعمري لو لم ترمه بغدر * رمت ليثا كصارم بتار قال: فأحفظنى قولها فاستللت سيفى ودخلت الخيمة لاقتلها فلم أر في الخيمة أحدا. فاستقت الماشية وجئت إلى أهلى. وهذا أثر عجيب (1). والظاهر أن الشيخ كان من الجان وكان ممن أسلم وتعلم القرآن، وفيما تعلمه بسم الله الرحمن الرحيم. وكان يتعوذ بها. وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى، حدثنا عمارة بن زيد، قال: حدثنى عبد الله بن العلاء، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبى بكر، قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل يذكران أنهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا: فلما دخلنا عليه قال لنا: اصدقاني أيها القرشيان هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه إبل كثيرة ؟ قلنا: نعم. قال: فهل لكما علم به ما فعل ؟ قلنا: تزوج امرأة يقال لها آمنة بنت وهب تركها حاملا وخرج. قال: فهل تعلمان ولد أم لا ؟ قال ورقة بن نوفل: أخبرك أيها الملك، إنى ليلة قد بت عند وثن لنا كنا نطيف به، ونعبده إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول:


(1) بل هو أسطورة لا سبيل إلى تصديقها. (*)

[ 368 ]

ولد النبي فذلت الاملاك * ونأى الضلال وأدبر الاشراك ثم انتكس الصنم على وجهه فقال زيد بن عمرو بن نفيل: عندي كخبره أيها الملك. قال: هات قال: أنا في مثل هذه الليلة التى ذكر فيها حديثه خرجت من عند أهلى وهم يذكرون حمل آمنة حتى أتيت جبل أبى قبيس أريد الخلو فيه لامر رابنى، إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران، فوقف على أبى قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذل الشيطان وبطلت الاوثان، ولد الامين. ثم نشر ثوبا معه وأهوى به نحو المشرق والمغوب. فرأيته قد جلل ما تحت السماء وسطع نور كاد أن يختطف بصرى وهالني ما رأيت. وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة، فسطع له نور أشرقت له تهامة. وقال: ذكت الارض وأدت ربيعها. وأومأ إلى الاصنام التى كانت على الكعبة فسقطت كلها. قال النجاشي: ويحكما أخبركما عما أصابني، إنى لنائم في الليلة التى ذكرتما في قبة وقت خلوتي، إذ خرج على من الارض عنق ورأس، وهو يقول: حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل، بحجارة من سجيل هلك الاشرم المعتدى المجرم، وولد النبي الامي، المكى الحرمى، من أجابه سعد، ومن أباه عتد. ثم دخل الارض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام، ورمت القيام فلم أطق القيام، فصرعت القبة بيدى، فسمع بذلك أهلى فجاءوني فقلت: احجبوا عنى الحبشة، فحجبوهم عنى ثم أطلق عن لساني ورجلي. وسيأتى (1) إن شاء الله تعالى في قصة المولد رؤيا كسرى في سقوط أربع عشرة شرفة من إيوانه، وخمود نيرانه ورؤيا موبذانه، وتفسير سطيح لذلك على يدى عبد المسيح. وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في ترجمة الحارث بن هانئ بن المدلج بن ابن المقداد بن زمل بن عمرو العذري، عن أبيه عن جده، عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري،


(1) قد مر ذلك. (*)

[ 369 ]

قال: كان لبنى عذرة صنم يقال له صمام، وكانوا يعظمونه، وكان في بنى هند بن حرام ابن ضبة بن عبد بن كبير (1) بن عذرة، وكان سادنه رجلا يقال له طارق، وكانوا يعترون عنده. فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعنا صوتا يقول: يا بنى هند بن حرام، ظهر الحق وأودى صمام، ودفع الشرك الاسلام. قال: ففزعنا لذلك وهالنا. فمكثنا أياما ثم سمعنا صوتا وهو يقول: يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، بوحى ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع منى إلى يوم القيامة. قال زمل: فوقع الصنم لوجهه. قال: فابتعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من قومي وأنشدته شعرا قلته: إليك رسول الله أعملت نصها * وكلفتها حزنا وغورا من الرمل لانصر خير الناس نصرا مؤزرا * وأعقد حبلا من حبالك في حبلى وأشهد أن الله لا شئ غيره * أدين به ما أثقلت قدمى نعلي قال: فأسلمت وبايعته، وأخبرناه بما سمعنا فقال: " ذاك من كلام الجن ". ثم قال: " يا معشر العرب، إنى رسول الله إليكم وإلى الانام كافة، أدعوهم إلى عبادة الله وحده، وأنى رسوله وعبده، وأن تحجوا البيت وتصوموا شهرا من أثنى عشر شهرا وهو رمضان، فمن أجابنى فله الجنة نزلا، ومن عصاني كانت النار له منقلبا ". قال: فأسلمنا وعقد لنا لواء. وكتب لنا كتابا نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة، إنى بعثته إلى قومه عامدا، فمن أسلم ففى حزب الله ورسوله. ومن أبى فله أمان شهرين. شهد على بن أبى طالب ومحمد بن مسلمة الانصاري ".


(1) الاصل: كثير وهو تحريف. (*)

[ 370 ]

ثم قال ابن عساكر: غريب جدا (1). وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الاموى في مغازيه: حدثنى محمد بن سعيد - يعنى عمه - قال: قال محمد بن المنكدر: إنه ذكر لى عن ابن عباس قال: هتف هاتف من من الجن على أبى قبيس فقال: قبح الله رأيكم آل فهر * ما أدق العقول والافهام حين تغضي لمن يعيب عليها * دين آبائها الحماة الكرام حالف الجن جن بصرى عليكم * ورجال النخيل والآطام يوشك الخيل أن تروها (2) تهادى * تقتل القوم في حرام بهام هل كريم منكم له نفس حر * ماجد الوالدين والاعمام ضارب ضربة تكون نكالا * ورواحا من كربة واغتمام قال ابن عباس: فأصبح هذا الشعر حديثا لاهل مكة يتناشدونه بينهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا شيطان يكلم الناس في الاوثان، يقال له مسعر، والله مخزيه " فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول: نحن قتلنا في ثلاث مسعرا * إذ سفه الجن وسن المنكر قنعته سيفا حساما مشهرا * بشتمه نبينا المطهرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا عفريت من الجن اسمه سمج آمن بى سميته عبد الله، أخبرني أنه في طلبه ثلاثة أيام " فقال على: جزاه الله خيرا يا رسول الله.


(1) وما الذى يحمل على رواية الاخبار الواهية ثم التعليق عليها بأنها غريبة جدا ! لقد كان الاولى نبذها وفى الثابت الصحيح غنية عن الغرائب والعجائب. (2) ط: أن تردها. وهو تحريف. (*)

[ 371 ]

وقد روى الحافظ أبو نعيم في الدلائل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن أبى حرب الصفار، حدثنا عباس بن الفرج الرياشى، حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبى ثابت، عن أبيه، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، عن سعد بن عبادة قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حضرموت في حاجة قبل الهجرة، حتى إذا كنت في بعض الطريق ساعة من الليل فسمعت هاتفا يقول: أبا عمرو تناوبني (1) السهود * وراح النوم وامتنع الهجود لذكر عصابة سلفوا وبادوا * وكل الخلق قصرهم يبيد تولوا واردين إلى المنايا * حياضا ليس منهلها الورود مضوا لسبيلهم وبقيت خلفا * وحيدا ليس يسعفنى وحيد سدى لا أستطيع علاج أمر * إذا ما عالج الطفل الوليد فلايا ما بقيت إلى أناس * وقد باتت بمهلكها ثمود وعاد والقرون بذى شعوب * سواء كلهم إرم حصيد قال: ثم صاح به آخر: يا خرعب، ذهب بك العجب ؟ إن العجب كل العجب بين زهرة ويثرب. قال: وما ذاك يا شاحب ؟ قال: نبى السلام، بعث بخير الكلام إلى جميع الانام، فاخرج من البلد الحرام إلى نخيل وآطام. قال: ما هذا النبي المرسل والكتاب المنزل، والامى المفضل ؟ قال رجل من ولد لؤى بن غالب، بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.


(1) خ ط: ناوبنى. (*)

[ 372 ]

قال: هيهات فات عن هذا سنى، وذهب عنه زمنى، لقد رأيتنى والنضر بن كنانة نرمى غرضا واحدا، ونشرب حلبا باردا، ولقد خرجت به من دوحة في غداة شبمة (1) وطلع مع الشمس وغرب معها، ويروى ما يسمع ويثبت ما يبصر، ولئن كان هذا من ولده لقد سل السيف وذهب الخوف، ودحض الزنا، وهلك الربا. قال: فأخبرني ما يكون ؟ قال: ذهبت الضراء والبؤس والمجاعة، والشدة والشجاعة إلا بقية في خزاعة. وذهبت الضراء والبؤس، والخلق المنفوس إلا بقية من الخزرج والاوس. وذهبت الخيلاء والفخر، والنميمة والغدر، إلا بقية في بنى بكر. يعنى ابن هوازن. وذهب الفعل المندم والعمل المؤثم، إلا بقية في خثعم. قال: أخبرني ما يكون ؟ قال: إذا غلبت البرة، وكظمت الحرة، فاخرج من بلاد الهجرة، وإذا كف السلام، وقطعت الارحام، فاخرج من البلد الحرام. قال: أخبرني ما يكون ؟ قال: لولا أذن تسمع، وعين تلمع، لاخبرتك بما تفزع. ثم قال: لا منام هدأته بنعيم * يا ابن غوط ولا صباح أتانا قال: ثم صرصر صرصرة كأنها صرصرة حبلى، فذهب الفجر، فذهبت لانظر فإذا عظاية (2) وثعبان ميتان. قال: فما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث. ثم رواه عن محمد بن جعفر، عن إبراهيم بن على، عن النضر بن سلمة، عن حسان ابن عبادة بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر، عن ابن عباس عن سعد بن عبادة. قال: لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة خرجت إلى حضرموت لبعض الحاج، قال: فقضيت حاجتى ثم أقبلت حتى إذا كنت ببعض الطريق نمت، ففزعت من الليل بصائح يقول:


(1) شبمة: باردة. (2) العظاية: دويبة ملساء تمشى مشيا سريعا ثم تقف. (*)

[ 373 ]

أبا عمرو تناوبني السهود * وراح النوم وانقطع الهجود وذكر مثله بطوله. وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن على، حدثنا النضر بن سلمة حدثنا أبو غزية محمد بن موسى، عن العطاف بن خالد الوصابى، عن خالد بن سعيد، عن أبيه قال: سمعت تميما الدارى يقول: كنت بالشام حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجت لبعض حاجتى فأدركني الليل. فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة. قال: فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمنادي ينادى لا أراه: عذ بالله، فإن الجن لا تجير أحدا على الله. فقلت أيم الله [ ما ] تقول ؟ فقال: قد خرج رسول الاميين رسول الله، وصلينا خلفه بالحجون. فأسلمنا واتبعناه، وذهب كيد الجن ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم. قال تميم: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، فسألت راهبا وأخبرته الخبر. فقال الراهب: قد صدقوك، يخرج من الحرم، ومهاجره الحرم، وهو خير الانبياء فلا تسبق إليه. قال تميم: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت. وقال حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن يزيد الهذلى، عن عبد الله بن ساعدة الهذلى، عن أبيه قال: كنا عند صنمنا سواع، وقد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد أصابها جرب، فأدنيناها منه لنطلب بركته، فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادى: قد ذهب كيد الجن ورمينا بالشهب، لنبى اسمه أحمد.

[ 374 ]

قال فقلت غويت والله. فصدفت وجه غنمي منجدا إلى أهلى فرأيت رجلا، فخبرني بظهور النبي صلى الله عليه وسلم. ذكره أبو نعيم هكذا معلقا. ثم قال: حدثنا عمر بن محمد بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن السندي، حدثنا النضر ابن سلمة، حدثنا محمد بن مسلمة المخزومى، حدثنا يحيى بن سليمان، عن حكيم بن عطاء الظفرى - من بنى سليم من ولد راشد بن عبد ربه - عن أبيه، عن جده، عن راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الذى يقال له سواع بالمعلاة من رهط تدين له هذيل وبنو ظفر بن سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية من سليم إلى سواع. قال راشد: فألقيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، فإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبى من بنى عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للاصنام، وحرست السماء ورمينا بالشهب، العجب كل العجب. ثم هتف صنم آخر من جوفه: ترك الضمار وكان يعبد، خرج النبي أحمد، يصلى الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام، والبر والصلات للارحام. ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف يقول: إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى نبى أتى يخبر بما سبق، وبما يكون اليوم حقا أو غد. قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدى له، ثم يعوجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه: أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجره إلى المدينة وتسامع الناس به،

[ 375 ]

فخرج راشد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ومعه كلب له، واسم راشد يومئذ ظالم، واسم كلبه راشد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما اسمك ؟ " قال: ظالم. قال: " فما اسم كلبك ؟ " قال: راشد، قال " اسمك راشد، واسم كلبك ظالم ! " وضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وبايع النبي صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة معه، ثم طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيعة بوهاط - ووصفها له - فأقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعلاة من وهاط شأو الفرس، ورميته ثلاث مرات بحجر، وأعطاه إداوة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له " فرغها في أعلا القطيعة ولا تمنع الناس فضلها " ففعل. فجعل الماء معينا يجرى إلى اليوم، فغرس عليها النخل. ويقال إن وهاط كلها تشرب منه، فسماها الناس ماء الرسول صلى الله عليه وسلم. وأهل وهاط يغتسلون بها. وبلغت رمية راشد الركب الذى يقال له ركب الحجر، وغدا راشد على سواع فكسره. وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا على بن إبراهيم الخزاعى الاهوازي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن مسرع بن ياسر ابن سويد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا أبى، عن أبيه دلهاث، عن أبيه إسماعيل، أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر، أن أباه ياسر حدثه عن عمرو ابن مرة الجهنى، أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية. فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء في جبل يثرب وأشعر جهينة (1). فسمعت صوتا في النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الانبياء.


(1) أشعر جهينة: جبل ينحدر على ينبع من أعلاه. معجم البلدان. (*)

[ 376 ]

ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن (1). فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الاسلام، وكسرت الاصنام، ووصلت الارحام. فانتبهت فزعا، فقلت لقومي: والله ليحدثن في هذا الحى من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت. فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له أحمد قد بعث، فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال: " يا عمرو بن مرة، إنى المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الارحام، وعبادة الله ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر من اثنى عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة. ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من نار جهنم ". فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الاقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به، وكان لنا صنم وكان أبى سادنا له، فقمت إليه فكسرته ثم لحقت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الاحجار أول تارك فشمرت عن ساقى إزار مهاجر * إليك أدب الغور بعد الدكادك (2) لاصحب خير الناس نفسا وولدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مرحبا بك يا عمرو بن مرة ". فقلت: يا رسول بأبى أت وأمى، ابعث بى إلى قومي، لعل الله أن يمن بى عليهم كما من بك على.


(1) أبيض المدائن: قصر كسرى. (2) الوفا والخصائص: فشمرت عن ساقى الازار مهاجرا * إليك أجوب الدعث بعد الدكادك والدكادك: الارض المستوية. (*)

[ 377 ]

فبعثني إليهم وقال: " عليك بالقول السديد، ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا ". فأتيت قومي فقلت لهم: يا بنى رفاعة ثم يا بنى جهينة، إنى رسول من رسول الله إليكم، أدعوكم إلى الجنة، وأحذركم النار، وآمركم بحقن الدماء، وصلة الارحام، وعبادة الله، ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من اثنى عشر شهرا. فمن أجاب فله الجنة. ومن عصى فله النار، يا معشر جهينة: إن الله، وله الحمد، جعلكم خيار من أنتم منه، وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، لانهم كانوا يجمعون بين الاختين، ويخلف الرجل على امرأة أبيه، والترات في الشهر الحرام. فأجيبوا هذا النبي المرسل صلى الله عليه وسلم من بنى لؤى بن غالب، تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة، سارعوا سارعوا في ذلك يكون لكم فضيلة عند الله. فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة، أمر الله عليك عيشك !، أتأمرنا أن أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا بمخالفة دين آبائنا إلى ما يدعو هذا القرشى من أهل تهامة ؟ لا ولا مرحبا ولا كرامة، ثم أنشأ يقول: إن ا ؟ ن مرة قد أتى بمقالة * ليست مقالة من يريد صلاحا إنى لاحسب قوله وفعاله * يوما وإن طال الزمان رياحا أنسفه الاشياخ ممن قد مضى * من رام ذلك لا أصاب فلاحا فقال عمرو بن مرة: الكاذب منى ومنك أمر الله عيشه وأبكم لسانه، وأكمه بصره. قال عمرو بن مرة: والله ما مات حتى سقط فوه، وكان لا يجد طعم الطعام، وعمى وخرس. وخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه حتى أتو النبي صلى الله عليه وسلم، فرحب

[ 378 ]

بهم وحباهم، وكتب لهم كتابا هذه نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله على لسان رسول الله بكتاب صادق، وحق ناطق، مع عمرو بن مرة الجهنى، لجهينة بن زيد: إن لكم بطون الارض وسهولها، وتلاع الاودية وظهورها، ترعون نباته وتشربون صافيه. على أن تقروا بالخمس، وتصلوا الصلوات الخمس، وفى التبعة والصريمة شاتان إن اجتمعتا، وإن تفرقتا فشاة شاة. ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة ". وشهد من حضرنا من المسلمين بكتاب قيس بن شماس رضى الله عنهم. وذلك حين يقول عمرو بن مرة: ألم تر أن الله أظهر دينه * وبين برهان القران لعامر كتاب من الرحمن نور لجمعنا * وأخلافنا في كل باد وحاضر إلى خير من يمشى على الارض كلها * وأفضلها عند اعتكار الضرائر (1) أطعنا رسول الله لما تقطعت * بطون الاعادي بالظبى والخواطر فنحن قبيل قد بنى المجد حولنا * إذا اجتلبت في الحرب هام الاكابر بنو الجرب نقريها (2) يأيد طويلة * وبيض تلالا في أكف المغاور ترى حوله الانصار تحمى أميرهم (3) * بسمر العوالي والصفاح البواتر إذا الحرب دارت عند كل عظيمة * ودارت رحاها بالليوث الهواصر تبلج منه اللون وازداد وجهه * كمثل ضياء البدر بين الزواهر وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الاموى في مغازيه: حدثنا عبد الله، حدثنا بو عبد الله، حدثنا المجالد بن سعيد، والاجلح، عن الشعبى، حدثنى شيخ من جهينة


(1) ط خ: الصرائر، وما أثبته عن الوفا (2) ط خ: نفريها، وما أثبته عن الوفا. (3) الوفا: يحمون سربه. (*)

[ 379 ]

قال: مرض منا رجل مرضا شديدا فثقل حتى حفرنا له قبره وهيأنا أمره، فأغمى عليه ثم فتح عينيه وأفاق فقال: أحفرتم لى ؟ قالوا: نعم، قال: فما فعل الفصل - وهو ابن عم له - قلنا: صالح مر آنفا يسأل عنك. قال: أما إنه يوشك أن يجعل في حفرتي، إنه أتانى آت حين أغمى على فقال: ابك هبل، أما ترى حفرتك تنتثل، وأمك قد كادت تثكل ؟ أرأيتك إن حولناها عنك بالمحول، ثم ملاناها بالجندل، وقذفنا فيها الفصل، الذى مضى فأجزأك، وظن أن لن يفعل، أتشكر لربك وتصل، وتدع دين من أشرك وضل ؟ قال: قلت نعم. قال: قم قد برئت. قال: فبرئ الرجل. ومات الفصل فجعل في حفرته. قال الجهينى: فرأيت الجهينى بعد ذلك يصلى ويسب الاوثان ويقع فيها. وقال الاموى: حدثنا عبد الله، قال: بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه في مجلس يتحدثون عن الجن، فقال خريم بن فاتك الاسدي: ألا أحدثك كيف كان إسلامى ؟ قال: بلى. قال: إنى يوما في طلب ذود لى أنا منها على أثر تنصب وتصعد، حتى إذا كنت بأبرق العزاف (1) أنخت راحلتي وقلت: أعوذ بعظيم هذه البلدة، أعوذ برئيس هذا الوادي، فإذا بهاتف يهتف بى: ويحك، عذ بالله ذى الجلال * والمجد والعلياء والافضال ثم اتل آيات من الانفال * ووحد الله ولا تبالي قال: فذعرت ذعرا شديدا ثم رجعت إلى نفسي فقلت:


(1) أبرق العزاف: ماء لبنى أسد في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة. وفى الاصل والمطبوعة: أبرق العراق وهو تحريف. وما أثبته عن الدلائل ومعجم البلدان 1 / 84 أوربا. (*)

[ 380 ]

يا أيها الهاتف ما تقول * أرشد عندك أم تضليل ؟ * بين هداك الله ما الحويل (1) * قال: فقال: هذا رسول الله ذو الخيرات * بيثرب يدعو إلى النجاة يأمر بالبر وبالصلاة * ويزع الناس عن الهنات قال قلت له: والله لا أبرح حتى آتيه وأومن به. فنصبت رجلى غرز راحلتي وقلت: أرشدني أرشدني هديتا * لا جعت ما عشت ولا عريتا ولا برحت سيدا مقيتا * لو تؤثر الخير الذى أتيتا * على جميع الجن ما بقيتا * فقال: صاحبك الله وأدى رحلكا * وعظم الاجر وعافى نفسكا آمن به أفلج ربى حقكا * وانصره نصرا عزيزا نصركا قال: قلت: من أنت عافاك الله، حتى أخبره إذا قدمت عليه ؟ فقال أنا ملك بن ملك، وأنا نقيبه على جن نصيبين. وكفيت إبلك حتى أضمها إلى أهلك إن شاء الله. قال: فخرجت حتى أتيت المدينة يوم الجمعة والناس أرسال إلى المسجد، والنبى صلى الله عليه وسلم على المنبر كأنه البدر يخطب الناس، فقلت أنيخ على باب المسجد حتى يصلى وأدخل عليه فأسلم وأخبره عن إسلامى، فلما أنخت خرج إلى أبو ذر فقال: مرحبا وأهلا وسهلا قد بلغنا إسلامك، فادخل فصل. ففعلت، ثم جئت إلى رسول الله صلى


(1) الدلائل والوفا: بين هداك الله ما السبيل. (*)

[ 381 ]

الله عليه وسلم فأخبرني بإسلامى. فقلت: الحمد لله. قال: " أما إن صاحبك قد وفى لك وهو أهل ذلك، وأدى إبلك إلى أهلك ". وقد رواه الطبراني (1) في ترجمة خريم بن فاتك من معجمه الكبير قائلا: حدثنا الحسين بن إسحاق اليسيرى، حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدثنا عبد الله بن موسى الاسكندرى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن أبى هريرة قال: قال خريم بن فاتك لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين ألا أخبرك كيف كان بدء إسلامى ؟ قال: بلى. فذكره، غير أنه قال: فخرج إلى أبو بكر الصديق فقال: ادخل، فقد بلغنا إسلامك، فقلت: لا أحسن الطهور. فعلمني، فدخلت المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه البدر وهو يقول " ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى صلاة يحفظها ويعقلها إلا دخل الجنة ". فقال لى عمر: لتأتين على هذا ببينة أو لانكلن بك. فشهد لى شيخ قريش عثمان بن عفان فأجاز شهادته. ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبى شيبة، عن محمد بن تيم، عن محمد ابن خليفة، عن محمد بن الحسن، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لخريم بن فاتك: حدثنى بحديث يعجبنى. فذكر مثل السياق الاول سواء. وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشى الدمشقي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبى عمرو الشيباني، عن عبد الله بن الديلمى، قال: أتى رجل ابن عباس فقال: بلغنا أنك تذكر سطيحا، تزعم أن الله خلقه، لم يخلق من بنى آدم شيئا


(1) هذه الرواية ليست في ا. (*)

[ 382 ]

يشبهه ؟ قال: قال: نعم إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم (1) ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة، والكفان. وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، ولم يكن فيه شئ يتحرك إلا لسانه. فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فأتى به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش: عبد شمس، وهاشم ابنا عبد مناف بن قصى، والاحوص بن فهر، وعقيل بن أبى وقاص، فانتموا إلى غير نسبهم وقالوا: نحن أناس من جمح أتيناك، بلغنا قدومك فرأينا أن إتياننا إياك حق لك واجب علينا. وأهدى إليه عقيل صفيحة هندية، وصعدة ردينية، فوضعت على باب البيت الحرام، لينظروا أهل يراها سطيح أم لا. فقال: يا عقيل: ناولنى يدك. فناوله يده فقال: يا عقيل والعالم الخفية، والغافر الخطية، والذمة الوفية، والكعبة المبنية، إنك للجائى بالهدية، الصفيحة الهندية، والصعدة الردينية. قالوا: صدقت يا سطيح. فقال: والآتي بالفرح، وقوس قزح، وسائر الفرح، واللطيم المنبطح، والنخل والرطب والبلح، إن الغراب حيث مر سنح، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، وأن نسبهم من قريش ذى البطح، قالوا: صدقت يا سطيح نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا وما يكون بعده، فلعل أن يكون عندك في ذلك علم. قال: الآن صدقتم، خذوا منى ومن إلهام الله إياى، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، ويبلغون الردم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم.


(1) الوضم: شرائح من جريد النخل. (*)

[ 383 ]

قالوا: يا سطيح فمن يكون أولئك ؟ فقال لهم: والبيت ذى الاركان، والامن والسكان، لينشأن من عقبكم ولدان، يكسرون الاوثان، وينكرون عبادة الشيطان، ويوحدون الرحمن، وينشرون دين الديان، يشرفون البنيان، ويستفتون الفتيان. قالوا: يا سطيح من نسل من يكون أولئك ؟ قال: وأشرف الاشراف، والمفضى للاشراف، والمزعزع الاحقاف، والمضعف الاضعاف، لينشؤن الالاف من عبد شمس وعبد مناف، نشوءا يكون فيه اختلاف. فالوا: يا سوأتاه يا سطيح مما تخبرنا من العلم بأمرهم، ومن أي بلد يخرج أولئك ؟ فقال: والباقى الابد، والبالغ الامد، ليخرجن من ذا البلد، فتى يهدى إلى الرشد، يرفض يغوث والفند، يبرأ من عبادة الضد، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه الله محمودا، من الارض مفقودا، وفى السماء مشهودا. ثم يلى أمره الصديق إذا قضى صدق، في رد الحقوق لا خرق ولا نزق، ثم يلى أمره الحنيف، مجرب غطريف، ويترك قول العنيف، قد ضاف المضيف، وأحكم التحنيف. ثم يلى أمره داعيا لامره مجربا، فتجتمع له جموعا وعصبا، فيقتلونه نقمة عليه وغضبا، فيؤخذ الشيخ فيذبح إربا، فيقوم به رجال خطبا. ثم يلى أمره الناصر، يخلط الرأى برأى المناكر، يظهر في الارض العساكر، ثم يلى بعده ابنه يأخذ جمعه ويقل حمده، ويأخذ المال ويأكل وحده، ويكثر المال بعقبه من بعده، ثم يلى من بعده عدة ملوك، لا شك الدم فيهم مسفوك، ثم بعدهم الصعلوك، يطويهم كطى الدرنوك (1). ثم يلى من بعده عظهور (2) يقضى الحق ويدنى مصر، يفتتح الارض افتتاحا منكرا، ثم يلى قصير القامة، بظهره علامة، يموت موتا وسلامة. ثم يلى قليلا باكر، يترك الملك بائر، يلى أخوه بسنته سائر، يختص بالاموال والمنابر ثم يلى من بعده أهوج،


(1) الدرنوك: نوع من البسط له خمل. (2) الموجود في المعاجم: عظير كإردب، وهو القوى الغليظ (*)

[ 384 ]

صاحب دنيا ونعيم مخلج، يتشاوره معاشره وذووه، ينهضون إليه يخلعونه يأخذ الملك ويقتلونه، ثم يلى أمره من بعده السابع، يترك الملك محلا ضائع، بنوه في ملكه كالمشوه جامع، عند ذلك يطمع في الملك كل عريان، ويلى أمره اللهفان. يرضى نزارا جمع قحطان، إذا التقيا بدمشق جمعان بين بنيان ولبنان، يصنف اليمن يومئذ صنفان: صنف المشورة، وصنف المخذول. لا ترى إلا حباء محلول. وأسيرا مغلول، بين القراب والخيول. عند ذلك تخرب المنازل وتسلب الارامل، وتسقط الحوامل، وتظهر الزلازل، وتطلب الخلافة وائل، فتغضب نزار، فتدنى العبيد والاشرار، وتقصى الامثال والاخيار. وتغلو الاسعار في صفر الاصفار يقتل كل حيا منه، ثم يسيرون إلى خنادق وإنها ذات أشعار وأشجار تصد له الانهار ويهزمهم أول النهار، تظهر الاخيار فلا ينفعهم نوم ولا قرار. حتى يدخل مصرا من الامصار، فيدركه القضاء والاقدار. ثم يجئ الرماة تلف مشاة، لقتل الكماة، وأسر الحماة. وتهلك الغواة، هنالك يدرك في أعلى المياه. ثم يبور الدين، وتقلب الامور، وتكفر الزبور، وتقطع الجسور، فلا يفلت إلا من كان في جزائر البحور، ثم تبور الحبوب، وتظهر الاعاريب، ليس فيهم معيب، على أهل الفسوق والريب، في زمان عصيب، لو كان للقوم حيا، وما تغنى المنى. قالوا: ثم ماذا يا سطيح ؟ قال: ثم يظهر رجل من أهل اليمن كالشطن، يذهب الله على رأسه الفتن. وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته وما تضمن من الفتن والملاحم (1). وقد تقدم قصة شق وسطيح مع ربيعة بن نصر ملك اليمن، وكيف بشر بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك تقدم قصة سطيح مع ابن أخته عبد المسيح، حين أرسله ملك بنى ساسان، لارتجاس الايوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. وذلك ليلة مولد الذى نسخ بشريعته سائر الاديان.


(1) بل هو هذيان ما كان ينبغى أن يسطر في الكتب. وما أشبهه بتنبؤات الفلكيين ! (*)

[ 385 ]

باب كيفية بدء الوحى (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أول شئ أنزل عليه من القرآن العظيم) كان ذلك وله صلى الله عليه وسلم من العمر أربعون سنة. وحكى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب: أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا وأربعين سنة. قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة (1) في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، فكان (2) يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلني فقال: " اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الاكرم. الذى علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم ".


(1) البخاري: الصالحة. (2) البخاري: وكان. (*)

[ 386 ]

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة - وأخبرها الخبر -: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة. وكان امرءا قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمى. فقالت له خديجة: يا بن عم ! اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا بن أخى ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذى كان ينزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعا، ليتنى أكون حيا، إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجى هم ؟ ! " فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحى (1) فترة. حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال. فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا كمثل ذلك. قال: فإذا أوفى بذورة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك. هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري.


(1) إلى هنا رواية البخاري في صحيحه في باب بدء الوحى 1 / 3 (*)

[ 387 ]

قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الانصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحى - فقال في حديثه: " بينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصرى فإذا الملك الذى جاءني بحراء جالس على كرسى بين السماء والارض: فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني، زملوني. فأنزل الله " يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر " فحمى الوحى وتتابع. ثم قال البخاري: تابعه عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، يعنى عن الليث، وتابعه هلال ابن رداد (1) عن الزهري. وقال يونس ومعمر: - بوادره (2). وهذا الحديث قد رواه الامام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه، وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحى إسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة. وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما، وقد رمزنا في الحواشى على زيادات مسلم ورواياته، ولله الحمد، وانتهى سياقه إلى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا. فقول أم المؤمنين عائشة " أول ما بدئ به من الوحى الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح " يقوى ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمير الليثى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ ؟ فغتنى، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني " وذكر نحو حديث عائشة سواء. فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازى موسى بن عقبة عن الزهري، أنه رأى ذلك في المنام، ثم جاءه الملك في اليقظة. وقد قال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني: في كتابه " دلائل النبوة ": حدثنا محمد بن أحمد


(1) الاصل والمطبوعة: داود. وهو تحريف (2) أي ترجف بوادره بدل رواية: يرجف فؤاده. (*)

[ 388 ]

ابن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة، حدثنا جناب بن الحارث، حدثنا عبد الله بن الاجلح، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، قال: إن أول ما يؤتى به الانبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحى بعد (1). وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه، وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده. ذكر عمره عليه الصلاة والسلام وقت بعثته وتاريخها قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن أبى عدى، عن داود بن أبى هند، عن عامر الشعبى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشئ، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشرا بمكة وعشرا بالمدينة. فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة. فهذا إسناد صحيح إلى الشعبى، وهو يقتضى أن إسرافيل قرن معه بعد الاربعين ثلاث سنين، ثم جاءه جبريل. وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال: وحديث عائشة لا ينافى هذا. فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا، ثم وكل به إسرافيل في تلك المدة التى كان يخلو فيها بحراء، فكان يلقى إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجا له وتمرينا، إلى أن جاءه جبريل فعلمه بعد ما غطه ثلاث مرات، فحكت عائشة ما جرى له مع


(1) ليس في دلائل النبوة المطبوع. (*)

[ 389 ]

جبريل ولم نحك ما جرى له مع إسرافيل اختصارا للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشرا، وبالمدينة عشرا، ومات وهو ابن ثلاث وستين. وهكذا روى يحيى بن سعيد، وسعيد بن المسيب. ثم روى أحمد عن غندر، ويزيد بن هارون، كلاهما عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين. ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا عمار بن أبى عمار، عن ابن عباس قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة، سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت، وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشر سنين. قال أبو شامة: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته. فمن ذلك ما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث، إنى لاعرفه الآن ". انتهى كلامه. وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين، من عبادة الاوثان والسجود للاصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه، صلوات الله وسلامه عليه.

[ 390 ]

وقد ذكر محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان بن العلاء بن حارثة - قال: وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، وكان من نسك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة. وهكذا روى عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك. وهذا يدل على أن هذا كان عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة. ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى رحمهم الله، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرقى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب. والله أعلم. وحراء يقصر ويمد، ويصرف ويمنع، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية، والغار في تلك الحنية. وما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج: فلا ورب الآمنات القطن * ورب ركن من حراء منحنى وقوله في الحديث: " والتحنث: التعبد " تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حيث البنية (1) فيما قاله السهيلي: الدخول في الحنث. ولكن سمعت ألفاظ قليلة في


(1) الاصل والمطبوعة: من حنث البنية. وفى ا: من حنث الثنية وكله تحريف. (*)

[ 391 ]

اللغة معناها الخروج من ذلك الشئ كتحنث أي خرج من الحنث. وتحوب وتحرج وتأثم. وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة. وتنجس وتقذر. أوردها أبو شامة. وقد سئل ابن الاعرابي عن قوله " يتحنث أي يتعبد ". فقال: لا أعرف هذا، إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام. قال ابن هشام: والعرب تقول: التحنث والتحنف. يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف وجذف، كما قال رؤبة: * لو كان أحجارى مع الاجذاف * يريد الاجداث. قال: وحدثني أبو عبيدة، أن العرب تقول فم في موضع ثم. قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين: " وفومها " أن المراد ثومها. وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا ؟ وما ذلك الشرع ؟ فقيل: شرع نوح. وقيل: شرع إبراهيم. وهو الاشبه الاقوى. وقيل موسى. وقيل عيسى. وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولبسط هذه الاقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم. وقوله " حتى فجأه الحق وهو بغار حراء " أي جاء بغتة على غير موعد، كما قال تعالى: " وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك (1) " الآية.


(1) سورة النمل 86. (*)

[ 392 ]

وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهى (اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الانسان من علق. اقرأ وربك الاكرم. الذى علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم)، وهى أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير وكما سيأتي أيضا، في يوم الاثنين. كما ثبت في صحيح مسلم عن أبى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سئل عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال: " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل على فيه ". وقال ابن عباس: ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونبى يوم الاثنين. وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء أنه عليه الصلاة والسلام أوحى إليه يوم الاثنين، وهذا ما لا خلاف فيه بينهم. ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الاول، كما تقدم عن ابن عباس وجابر أنه ولد عليه السلام، في الثاني عشر من ربيع الاول يوم الاثنين، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء. والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد ابن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما. وقال ابن إسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى: " شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس " فقيل: في عشره. وروى الواقدي بسنده عن أبى جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل في الرابع والعشرين منه.

[ 393 ]

قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن قتادة عن أبى المليح، عن واثلة بن الاسقع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والانجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لاربع وعشرين خلت من رمضان: وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه. ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين. وأما قول جبريل " اقرأ " فقال: " ما أنا بقارئ " فالصحيح أن قوله " ما أنا بقارئ " نفى، أي لست ممن يحسن القراءة. وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة. ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد، لان الباء لا تزاد في الاثبات. ويؤيد الاول رواية أبى نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خائف يرعد: " ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه، وما أكتب وما أقرأ " فأخذه جبريل فغته غتا شديدا. ثم تركه فقال له: اقرأ. فقال محمد صلى الله عليه وسلم " ما أرى شيئا أقرأه، وما أقرأ، وما أكتب ". يروى: " فغطنى " كما في الصحيحين " وغتنى " ويروى " قد غتنى " أي: خنقني " حتى بلغ منى الجهد " يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع. وفعل به ذلك ثلاثا. قال أبو سليمان الخطابى: وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، وتأخذه الرحضاء أي: البهر والعرق. وقال غيره: إنما فعل ذلك لامور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا

[ 394 ]

الصنيع المشق على النفوس. كما قال تعالى (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) (1) ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحى يحمر وجهه، ويغط كما يغط البكر من الابل، ويتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد. وقوله: " فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يرجف فؤاده ". وفى رواية: " بوادره " جمع بادرة. قال أبو عبيدة: وهى لحمة بين المنكب والعنق. وقال غيره: هي عروق تضطرب عند الفزع. وفى بعض الروايات ترجف بآدله، واحدتها بادلة. وقيل بادل، وهو ما بين العنق والترقوة. وقيل أصل الثدى. وقيل: لحم الثديين. وقيل غير ذلك. فقال: " زملوني زملوني "، فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة: " مالى ؟ أي شئ عرض لى ؟ ! " وأخبرها ما كان من الامر. ثم قال: " لقد خشيت على نفسي " وذلك لانه شاهد أمرا لم يعهده قبل ذلك، ولا كان في خلده. ولهذا قالت خديجة: أبشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا. قيل: من الخزى، وقيل: من الحزن. وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه، أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة. ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: " إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث " وقد كان مشهورا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق. " وتحمل الكل " أي عن غيرك، تعطى صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله.


(1) سورة المزمل 5. (*)

[ 395 ]

" وتكسب المعدوم " أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك. ويسمى الفقير معدوما لان حياته ناقصة، فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم: ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الاحياء وقال أبو الحسن التهامى، فيما نقله عنه القاضى عياض في شرح مسلم: عد ذا الفقر ميتا وكساه * كفنا باليا ومأواه قبرا وقال الخطابى: الصواب " وتكسب المعدم " أي تبذل إليه أو يكون تكسب المعدم بعطيته (1) مالا يعيش به. واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى أن المراد بالمعدوم ههنا المال المعطى، أي يعطى المال لمن هو عادمه. ومن قال إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما ليس له علم، فإن مثل هذا لا يمدح به غالبا، وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم. " وتقري الضيف " أي تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه. " وتعين على نوائب الحق " ويروى " الخير "، أي إذا وقعت نائبة لاحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش. وقوله: " ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخا كبيرا قد عمى ". وقد قدمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله، وأنه كان ممن ؟ ؟ صر في الجاهلية، ففارقهم وارتحل إلى الشام، هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث،


(1) محرفة بالاصل: أو يكون تلبس العدم بعطية. (*)

[ 396 ]

وعبيد الله بن جحش، فتنصروا كلهم، لانهم وجدوه أقرب الاديان إذ ذاك إلى الحق. إلا زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا، فأبت فطرته الدخول فيه أيضا، وبشره الاحبار والرهبان بوجود نبى قد أزف زمانه واقترب أوانه. فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته وتوحيده. لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية. وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسمها في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمنا، بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له، وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات. ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت به إليه، فوقفت به عليه وقالت: ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فلما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، قال ورقة: سبوح سبوح، هذا الناموس الذى أنزل على موسى. ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى، لانه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسى عليهما السلام، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء. كما قال (ولاحل لكم بعض الذى حرم عليكم) (1) وقول ورقة هذا كما قالت الجن: (يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم) (2). ثم قال ورقة: " يا ليتنى فيها جذعا " أي يا ليتنى أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح.


(1) سورة آل عمران 50 (2) سورة الاحقاف 30 (*)

[ 397 ]

" يا ليتنى أكون حيا حين يخرجك قومك " يعنى حتى أخرج معك وأنصرك. فعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجى هم ؟ " قال السهيلي: وإنما قال ذلك، لان فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: " نعم ! إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا " أي نصرك نصرا عزيزا أبدا. وقوله " ثم لم ينشب ورقة أن توفى " أي توفى بعد هذه القصة بقليل، رحمه الله ورضى عنه، فإن مثل هذا الذى صدر عنه تصديق بما وجد، وإيمان بما حصل من الوحى، ونية صالحة للمستقبل. وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، حدثنى أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل فقال: " قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض ". وهذا إسناد حسن، لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا. فالله أعلم. وروى الحافظ أبو يعلى، عن شريح بن يونس، عن إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبى، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال: " قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة (1) وعليه السندس ". وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال " يبعث يوم القيامة أمة وحده ". وسئل عن أبى طالب فقال: " أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها ". وسئل عن خديجة، لانها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن، فقال: " أبصرتها


(1) بطنان: كل شئ وسطه. (*)

[ 398 ]

على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب ". إسناد حسن، ولبعضه شواهد في الصحيح. والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا ورقة، فإنى رأيت له جنة أو جنتين ". وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبى سعيد الاشج، عن أبى معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وهذا إسناد جيد. وروى مرسلا وهو أشبه. وروى الحافظان: البيهقى وأبو نعيم في كتابيهما. " دلائل النبوة " من حديث يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو، عن أبيه، عن عمرو بن شرحبيل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: " إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر ". قالت: معاذ الله، ما كان ليفعل ذلك بك، فو الله إنك لتؤدى الامانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكرت له خديجة فقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده أبو بكر. فقال: انطلق بنا إلى ورقة. قال: " ومن أخبرك ؟ " قال: خديجة. فانطلقا إليه فقصا عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد. فأنطلق هاربا في الارض ". فقال له: لا تفعل. إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتنى فأخبرني.

[ 399 ]

فلما خلا ناداه: يا محمد، قل (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين) حتى بلغ (ولا الضالين) قل: لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر. فأنا أشهد أنك الذى بشر بك ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبى مرسل، وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لاجاهدن معك. فلما توفى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لانه آمن بى وصدقني " يعنى ورقة. هذا لفظ البيهقى، وهو مرسل، وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل. وقد قدمنا من شعره ما يدل على إضماره الايمان وعقده عليه وتأكده عنده، وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة، وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ، فقال ورقة في ذلك أشعارا قدمناها قبل هذا، منها قوله: لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لامر طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود قوما * ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تعوجا فيلقى من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا فياليتى إذا ما كان ذاكم * شهدت وكنت أولهم ولوجا

[ 400 ]

ولوجا في الذى (1) كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا أرجى بالذى كرهوا جميعا * إلى ذى العرش إذ سفلوا عروجا فإن يبقوا وأبق تكن (2) أمور * يضج الكافرون لها ضجيجا وقال أيضا في قصيدته الاخرى: وأخبار صدق خبرت عن محمد * يخبرها عنه إذا غاب ناصح بأن ابن عبد الله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الاباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما أرسل العبدان: هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الحق واضح ويتبعه حيا لؤى بن غالب * شبابهم والاشيبون الجحاجح فإن أبق حتى يدرك الناس دهره * فإنى به مستبشر الود فارح وإلا فإنى يا خديجة فاعلمي * عن ارضك في الارض العريضة سائح وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق: قال ورقة: فإن يك حقا يا خديجة فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما * من الله وحى يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبة * ويشقى به العانى الغرير المضلل فريقان منهم فرقة في جنانه * وأخرى بأحواز الجحيم تعلل إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت * مقامع في هاماتهم ثم تشعل فسبحان من تهوى الرياح بأمره * ومن هو في الايام ما شاء يفعل ومن عرشه فوق السموات كلها * وأقضاؤه في خلقه لا تبدل


(1) خ ط: ولو كان الذى. وما أثبته هو الرواية المتقدمة لابن كثير، وهى الموافقة لابن هشام والصحيحة أيضا. (2) المطبوعة: يكن أمورا، وهو تحريف. (*)

[ 401 ]

وقال ورقة أيضا: يا للرجال وصرف الدهر والقدر * وما لشئ قضاه الله من غير حتى خديجة تدعوني لاخبرها * أمرا أراه سيأتي الناس من أخر وخبرتني بأمر قد سمعت به * فيما مضى من قديم الدهر والعصر بأن أحمد يأتيه فيخبره * جبريل أنك مبعوث إلى البشر فقلت عل الذى ترجين ينجزه * لك الاله فرجى الخير وانتظري وأرسليه إلينا كى نسائله * عن أمره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقا عجبا * يقف منه أعالي الجلد والشعر إنى رأيت أمين الله واجهنى * في صورة أكملت من أعظم الصور ثم استمر فكاد الخوف يذعرنى * مما يسلم من حولي من الشجر فقلت ظنى وما أدرى أيصدقني * أن سوف يبعث يتلو منزل السور وسوف يبليك إن أعلنت دعوتهم * من الجهاد بلا من ولا كدر هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقى في الدلائل وعندي في صحتها عن ورقة نظر والله أعلم. وقال ابن إسحاق: حدثنى عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان بن العلاء بن جارية الثقفى - وكان واعية (1) - عن بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته (2) أبعد حتى يحسر البيوت (3)


(1) المطبوعة داعية. وهو تحريف. (2) المطبوعة: لحاجة. وهو تحريف. (3) خ ط: الثوب. وهو تحريف شنيع. (*)

[ 402 ]

عنه ويفضى إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. قال: فيلتفت حوله عن يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة، فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاء من كرامة الله وهو بحراء في رمضان. قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير، قال سمعت عبد الله ابن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثى: حدثنا يا عبيد: كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل. قال: فقال عبيد وأنا حاضر، يحدث عبد الله ابن الزبير ومن عنده من الناس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهرا يتحنث. قال: وكان ذلك مما تحنث (1) به قريش في الجاهلية، والتحنث: التبرر. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته. حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله به فيه ما أراد من كرامته من السنة التى بعثه فيها، وذلك الشهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى.


(1) خ ط: يحبب. وهو تحريف. (*)

[ 403 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء (1) منه أن يعود لى بمثل ما صنع بى. فقال: " اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الانسان من علق. اقرأ وربك الاكرم. الذى علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم ". قال: فقرأتها ثم انتهى وانصرف عنى، وهببت من نومى فكأنما كتب في قلبى كتابا. قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء، فأنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه في آفاق السماء فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى، فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عنى. وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت ؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلى.


(1) ط: اقتدا وهو تحريف. (*)

[ 404 ]

ثم حدثتها بالذى رأيت فقالت: أبشر يا ابن العم واثبت، فو الذى نفس خديجة بيده إنى لارجو أن تكون نبى هذه الامة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذى نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الاكبر الذى كان يأتي موسى، وإنه لنبى هذه الامة، وقولى له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال: يا ابن أخى، أخبرني بما رأيت وسمعت. فأخبره، فقال له ورقة: والذى نفسي بيده إنك لنبى هذه الامة، ولقد جاءك الناموس الاكبر الذى جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه (1)، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لانصرن الله نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله. وهذا الذى ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة، كما تقدم من قول عائشة رضى الله عنها: فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ. ويحتمل أنه كان بعده بمدة. والله أعلم.


(1) الهاء هنا للسكت. (*)

[ 405 ]

وقال موسى بن عقبة: عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: وكان بلغنا أول ما رأى، يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها لامرأته خديجة، فعصمها الله عن التكذيب وشرح صدرها للتصديق فقالت: أبشر فإن الله لم يصنع بك إلا خيرا. ثم إنه خرج من عندها ثم رجع إليها، فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل وطهر ثم أعيد كما كان. قالت: هذا والله خير فأبشر. ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك (؟) فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالة الله عزوجل، حتى اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له جبريل اقرأ. فقال: كيف أقرأ ؟ فقال: " اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم، الذى علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم ". قال: ويزعم ناس أن " يا أيها المدثر " أول سورة نزلت عليه والله أعلم. قال: فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربه واتبع ما جاءه به جبريل من عند الله. فلما انصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه، فرجع إلى أهله مسرورا موقنا أنه قد رأى أمرا عظيما، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتك التى كنت حدثتك أنى رأيته في المنام ؟ فإنه جبريل استعلن إلى، أرسله إلى ربى عزوجل. وأخبرها بالذى جاءه من الله وما سمع منه، فقالت: أبشر فو الله لا يفعل


(1) الدرنوك: نوع من البسط له خمل. (*)

[ 406 ]

الله بك إلا خيرا، وأقبل الذى جاءك من أمر الله فإنه حق، وأبشر فإنك رسول الله حقا. ثم انطلقت من مكانها، فأتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس، نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس فقالت له: يا عداس أذكرك بالله إلا ما أخبرتني: هل عندك علم من جبريل ؟ فقال: قدوس قدوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الارض التى أهلها أهل الاوثان. فقالت: أخبرني بعلمك فيه. قال: فإنه أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام. فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل، فذكرت له ما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما ألقاه إليه جبريل، فقال لها ورقة: يا بنية أخى، ما أدرى لعل صاحبك النبي الذى ينتظر أهل الكتاب الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، وأقسم بالله لئن كان إياه ثم أظهر دعواه وأنا حى لا بلين الله في طاعة رسوله وحسن مؤازرته للصبر والنصر. فمات ورقة رحمه الله. قال الزهري: فكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ البيهقى بعد إيراده ما ذكرناه: والذى ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، يعنى شق بطنه عنه حليمة، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى، ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء. والله أعلم. وقد (1) ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة بإسناده إلى سليمان بن طرخان التيمى قال:


(1) من هنا إلى وقال البيهقى حدثنا أبو عبد الله الحافظ ساقط من النسخة ا. (*)

[ 407 ]

بلغنا أن الله تعالى بعث محمدا رسولا على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة. وكان أول شئ اختصه به من النبوة والكرامة رؤيا كان يراها، فقص ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا. فبينما هو ذات يوم في حراء، وكان يفر إليه من قومه، إذ نزل عليه جبريل، فدنا منه، فخافه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة شديدة، فوضع جبريل يده على صدره ومن خلفه بين كتفيه، فقال: اللهم احطط وزره، واشرح صدره، وطهر قلبه، يا محمد أبشر ! فإنك نبى هذه الامة، اقرأ. فقال له نبى الله: وهو خائف يرعد: ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه، وما أكتب وما أقرأ. فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه، ثم قال له: اقرأ. فأعاد عليه مثله. فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فرأى فيه من صفائه وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت وقال له: " اقرأ باسم ربك الذى خلق " الآيات، ثم قال له: لا تخف يا محمد، إنك رسول الله. ثم انصرف، وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم همه، فقال: كيف أصنع وكيف أقول لقومي ؟ ! ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خائف، فأتاه جبريل من أمامه وهو في صعرته (1)، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا عظيما ملا صدره، فقال له جبريل: لا تخف يا محمد، جبريل رسول الله، جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله، فأيقن بكرامة الله فإنك رسول الله. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر على شجر ولا حجر إلا هو ساجد


(1) أي عظمته. (*)

[ 408 ]

يقول: السلام عليك يا رسول الله. فاطمأنت نفسه وعرف كرامة الله إياه. فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه، فأفزعها ذلك، فقامت إليه، فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه وتقول: لعلك لبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم. فقال: يا خديجة أرأيت الذى كنت أرى في المنام والصوت الذى كنت أسمع في اليقظة وأهال منه ؟ فإنه جبريل قد استعلن لى وكلمني وأقرأني كلاما فزعت منه، ثم عاد إلى فأخبرني أنى نبى هذه الامة، فأقبلت راجعا فأقبلت على شجر وحجارة فقلن: السلام عليك يا رسول الله. فقالت خديجة: أبشر فو الله لقد كنت أعلم أن الله لن يفعل بك إلا خيرا، وأشهد أنك نبى هذه الامة الذى تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي وبحيري الراهب، وأمرني أن أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة. فلم تزل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طعم وشرب وضحك. ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة فلما دنت منه وعرفها، قال: مالك يا سيدة نساء قريش ؟ فقالت: أقبلت إليك لتخبرنى عن جبريل. فقال: سبحان الله ربنا القدوس ! ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التى يعبد أهلها الاوثان ؟ ! جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله وهو صاحب موسى وعيسى. فعرفت كرامة الله لمحمد. ثم أتت عبدا لعتبة بن ربيعة يقال له عداس، فسألته فأخبرها بمثل ما أخبرها به الراهب وأزيد، قال: جبريل كان مع موسى حين أغرق الله فرعون

[ 409 ]

وقومه، وكان معه حين كلمه الله على الطور، وهو صاحب عيسى بن مريم الذى أيده الله به. ثم قامت من عنده فأتت ورقة بن نوفل فسألته عن جبريل، فقال لها مثل ذلك. ثم سألها: ما الخبر ؟ فأحلفته أن يكتم ما تقول له، فحلف لها فقالت له: إن ابن عبد الله ذكر لى، وهو صادق أحلف بالله ما كذب ولا كذب، أنه نزل عليه جبريل بحراء، وأنه أخبره أنه نبى هذه الامة وأقرأه آيات أرسل بها. قال: فذعر ورقة لذلك وقال: لئن كان جبريل قد استقرت قدماه على الارض لقد نزل على خير أهل الارض، وما نزل إلا على نبى، وهو صاحب الانبياء والرسل يرسله الله إليهم، وقد صدقتك عنه، فأرسلي إلى ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله وأحدثه، فإنى أخاف أن يكون غير جبريل، فإن بعض الشياطين يتشبه به ليضل به بعض بنى آدم ويفسدهم، حتى يصير الرجل بعد العقل الرضى مدلها مجنونا. فقامت من عنده وهى واثقة بالله أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قال ورقة، فأنزل الله تعالى: " ن. والقلم وما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون " الآيات. فقال لها: كلا والله إنه لجبريل. فقالت له: أحب أن تأتيه فتخبره لعل الله أن يهديه. فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: هذا الذى جاءك في نور أو ظلمة ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة جبريل وما رآه من عظمته وما أوحاه إليه. فقال ورقة: أشهد أن هذا جبريل، وأن هذا كلام الله، فقد أمرك بشئ تبلغه قومك، وإنه لامر نبوة، فإن أدرك زمانك أتبعك. ثم قال: أبشر ابن عبد المطلب بما بشرك الله به.

[ 410 ]

قال: وذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك على الملا من قومه. قال: وفتر الوحى، فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه. فأنزل الله " والضحى " و " ألم نشرح " بكمالهما. وقال البيهقى: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، حدثنى إسماعيل بن أبى حكيم مولى آل الزبير، أنه حدثه عن خديجة بنت خويلد أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه مما أكرمه الله به من نبوته: يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك ؟ فقال: نعم. فقالت: إذا جاءك فأخبرني. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها إذ جاء جبريل، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا خديجة، هذا جبريل. فقالت: أتراه الآن ؟ قال: نعم. قالت: فاجلس إلى شقى الايمن. فتحول فجلس. فقالت: أتراه الآن ؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاجلس في حجري. فتحول فجلس في حجرها، فقالت: هل تراه الآن ؟ قال: نعم. فتحسرت رأسها فشالت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها فقالت: هل تراه الآن ؟ قال: لا. قالت: ما هذا بشيطان إن هذا لملك يا ابن عم، فاثبت وأبشر. ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هو الحق. قال ابن إسحاق: فحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أنى سمعتها تقول: أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبريل عليه السلام.

[ 411 ]

قال: البيهقى وهذا شئ كان من خديجة تصنعه تستثبت به الامر احتياطا لدينها وتصديقا. فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التى ذكرناها مرة بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه صلى الله عليه وسلم تسليما. وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثنى سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث إنى لاعرفه الآن ". وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن بمكة لحجرا كان يسلم على ليالى بعثت إنى لاعرفه إذا مررت عليه ". وروى البيهقى من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير، عن عباد بن عبد الله، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه. قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. وفى رواية: لقد رأيتنى أدخل معه الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليكم يا رسول الله وأنا أسمعه.

[ 412 ]

فصل قال البخاري في روايته المتقدمة: ثم فتر الوحى حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا. فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. وفى الصحيحين من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: سمعت أبا سلمة عبد الرحمن يحدث عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحى قال: فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصرى قبل السماء فإذا الملك الذى جاءني بحراء قاعد على كرسى بين السماء، فجثيت منه، فرقا حتى هويت إلى الارض، فجئت أهلى فقلت زملوني زملوني. فأنزل الله: " يا أيها المدثر قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر ". قال: ثم حمى الوحى وتتابع. فهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحى لا مطلقا، ذاك قوله (1) " اقرأ باسم ربك الذى خلق ". وقد ثبت عن جابر أن أول ما نزل " يا أيها المدثر " واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه، فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجئ الملك الذى عرفه ثانيا بما عرفه


(1) أي أن أول ما نزل مطلقا هو " اقرأ ". (*)

[ 413 ]

به أولا إليه. ثم قوله: " يحدث عن فترة الوحى " دليل على تقدم الوحى على هذا الايحاء. والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث على بن المبارك وعند مسلم والاوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبى كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال: " يا أيها المدثر ". فقلت: و " اقرأ باسم ربك " ؟ فقال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال: " يا أيها المدثر " فقلت: " واقرأ باسم ربك " ؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت بين يدى وخلفي وعن يمينى وعن شمالى فلم أر شيئا، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء، فأخذتني رعدة - أو قال وحشة - فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله: " يا أيها المدثر " حتى بلغ " وثيابك فطهر ". وقال في رواية: " فإذا الملك الذى جاءني بحراء جالس على كرسى بين السماء والارض فجثيت منه ". وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه وإنزاله الوحى من الله عليه كما ذكرناه. والله أعلم. ومنهم من زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحى سورة " والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى " إلى آخرها. قاله محمد بن إسحاق. وقال بعض القراء: ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها فرحا. وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي الصحيح، من أن أول القرآن نزولا

[ 414 ]

بعد فترة الوحى: " يا أيها المدثر قم فأنذر " ولكن نزلت سورة " والضحى " بعد فترة أخرى كانت ليالى يسيرة. كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث الاسود بن قيس، عن جندب بن عبد الله البجلى. قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا، فقالت امرأة: ما أرى شيطانك إلا تركك. فأنزل الله " والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ". وبهذا الامر حصل الارسال إلى الناس وبالاول حصلت النبوة. وقد قال بعضهم: كانت مدة الفترة قريبا من سنتين، أو سنتين ونصفا. والظاهر، والله أعلم، أنها المدة التى اقترن معه ميكائيل. كما قال الشعبى وغيره. ولا ينفى هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا " اقرأ باسم ربك الذى خلق ". ثم اقترن به جبريل بعد نزول " يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ". ثم حمى الوحى بعد هذا وتتابع، أي تدارك شيئا بعد شئ. وقام حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرسالة أتم القيام، وشمر عن ساق العزم، ودعا إلى الله القريب والبعيد، والاحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد. فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الاحرار أبو بكر الصديق. ومن الغلمان على بن أبى طالب. ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته عليه السلام.

[ 415 ]

ومن الموالى مولاه زيد بن حارثة الكلبى رضى الله عنهم وأرضاهم. وتقدم الكلام على إيمان ورقة بن نوفل بما وجد من الوحى ومات في الفترة رضى الله عنه. فصل في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفا واحدا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الامر ويختلط الحق فكان من رحمة الله وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء، كما قال الله تعالى إخبارا عنهم في قوله: " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وسهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا، وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدا " (1). وقال تعالى: " وما تنزلت به الشياطين وما ينبغى لهم وما يستطيعون. إنهم عن السمع لمعزولون " (2). قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، وهو الطبراني، حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبى مريم، حدثنا محمد بن يوسف الفريابى، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحى، فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا فتكون باطلا.


(1) سورة الجن. (2) سورة مريم. (*)

[ 416 ]

فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لابليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: هذا لامر قد حدث في الارض. فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلى بين جبلين، فأتوه فأخبروه فقال: هذا الامر الذى حدث في الارض. وقال أبو عوانة: عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مالكم: قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. فقالو: ما ذاك إلا من شئ حدث، فاضربوا مشارق الارض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: " يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدى إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا " فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: " قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالو إنا سمعنا قرآنا عجبا " أخرجاه في الصحيحين. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع، فإذا نزل الوحى سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة ألقيتها على الصفا.

[ 417 ]

قال: فإذا سمعت الملائكة خروا سجدا فلم يرفعوا رؤوسهم حتى ينزل، فإذا نزل قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم ؟ فإن كان مما يكون في السماء قالوا: الحق وهو العلى الكبير. وإن كان مما يكون في الارض من أمر الغيب أو موت أو شئ مما يكون في الارض تكلموا به فقالوا: يكون كذا وكذا. فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم. فلما بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم دحروا بالنجوم، فكان أول من علم بها ثقيف. فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة، وذو الابل فينحر كل يوم بعيرا، فأسرع الناس في أموالهم. فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا، فإن كانت النجوم التى يهتدون بها، وإلا فإنه لامر حدث. فنظروا فإذا النجوم التى يهتدى بها كما هي لم يزل منها شئ، فكفوا. وصرف الله الجن فسمعوا القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا. وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه. فقال: هذا حدث حدث في الارض، فأتوني من كل أرض بتربة فأتوه بتربة. تهامة فقال: هاهنا الحدث ورواه البيهقى والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب. وقال الواقدي: حدثنى أسامة بن زيد بن أسلم، عن عمر بن عبدان العبسى، عن كعب قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بها، فرأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون أرقاءهم يظنون أنه الفناء، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف، ففعلت ثقيف مثل ذلك. فبلغ عبد ياليل بن عمرو ما صنعت ثقيف. قال: ولم فعلتم ما أرى ؟ قالوا: رمى بالنجوم فرأيناها تهافت من السماء. فقال: إن إفادة المال بعد ذهابه شديد فلا تعجلوا

[ 418 ]

وانظروا، فإن تكن نجوما تعرف فهو عندنا من الناس (1)، وإن كانت نجوما لا تعرف فهو لامر قد حدث. فنظروا فإذا هي لا تعرف، فأخبروه، فقال: الامر فيه مهلة بعد، هذا عند ظهور نبى. فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله، فجاء عبد ياليل فذاكره أمر النجوم، فقال أبو سفيان: ظهر محمد بن عبد الله يدعى أنه نبى مرسل. فقال عبد ياليل: فعند ذلك رمى بها. وقال سعيد بن منصور، عن خالد بن حصين، عن عامر الشعبى قال: كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسيبوا أنعامهم وأعتقوا رقيقهم. فقال عبد ياليل: انظروا، فإن كانت النجوم التى تعرف فهو عند فناء الناس، وإن كانت لا تعرف فهو لامر قد حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف. قال: فأمسكوا، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم. وروى البيهقى والحاكم من طريق العوفى عن ابن عباس قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه. فلعل مراد من نفى ذلك أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة، ويجب حمل ذلك على هذا، لما ثبت في الحديث من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن على ابن الحسين، عن ابن عباس رضى الله عنهما: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رمى بنجم فاستنار فقال: " ما كنتم تقولون إذا رمى بهذا ؟ " قالوا: كنا نقول مات


(1) الوفا: فهو عند فناء الناس. (*)

[ 419 ]

عظيم، ولد عظيم. فقال: " لا ولكن.. ". فذكر الحديث كما ذكرنا عند خلق السماء وما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق (1) ولله الحمد. وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة قصة رمى النجوم، وذكر عن كبير ثقيف أنه قال لهم في النظر في النجوم: إن كانت أعلام السماء أو غيرها. ولكن سماه عمرو بن أمية. فالله أعلم. وقال السدى: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الارض نبى أو دين لله ظاهر، وكانت الشياطين قبل محمد صلى الله عليه وسلم قد اتخذت المقاعد في سماء الدنيا يستمعون ما يحدث في السماء من أمر. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا رجموا ليلة من الليالى، ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء ! لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم، ويسيبون مواشيهم. فقال لهم عبد ياليل بن عمرو بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف ! أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، وإنما هو من ابن أبى كبشة، وإن أنتم لم تروها فقد أهلك أهل السماء. فنظروا فرأوها، فكفوا عن أموالهم. وفزعت الشياطين في تلك الليلة فأتوا إبليس فقال: ائتونى من كل أرض بقبضة من تراب. فأتوه فشم، فقال: صاحبكم بمكة. فبعث سبعة نفر من جن نصيبين فقدموا مكة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في الجزء الاول من البداية والنهاية. (*)

[ 420 ]

في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه ثم أسلموا، فأنزل الله أمرهم على نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال الواقدي: حدثنى محمد بن صالح عن ابن أبى حكيم - يعنى إسحاق - عن عطاء ابن يسار، عن أبى هريرة قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح كل صنم منكسا، فأتت الشياطين فقالوا له: ما على الارض من صنم إلا وقد أصبح منكسا. قال: هذا نبى قد بعث فالتمسوه في قرى الارياف. فالتمسوه فقالوا: لم نجده. فقال: أنا صاحبه. فخرج يلتمسه فنودى: عليك بجنبة الباب (1) - يعنى مكة - فالتمسه بها فوجد بها عند قرن الثعالب، فخرج إلى الشياطين فقال: إنى قد وجدته معه جبريل، فما عندكم. قالوا: نزين الشهوات في عين أصحابه ونحببها إليهم. قال: فلا آسى إذا. وقال الواقدي: حدثنى طلحة بن عمرو، عن ابن أبى مليكة، عن عبد الله بن عمرو قال: لما كان اليوم الذى تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من السماء ورموا بالشهب، فجاءوا إلى إبليس فذكروا ذلك له فقال: أمر قد حدث، هذا نبى قد خرج عليكم بالارض المقدسة مخرج بنى إسرائيل. قال: فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا: ليس بها أحد. فقال إبليس: أنا صاحبه. فخرج في طلبه بمكة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء منحدرا معه جبريل، فرجع إلى أصحابه فقال: قد بعث أحمد ومعه جبريل، فما عندكم ؟ قالوا: الدنيا نحببها إلى الناس. قال: فذاك إذا. قال الواقدي: وحدثني طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كانت


(1) دلائل النبوة والوفا: عليك بحبة القلب مكة. (*)

[ 421 ]

الشياطين يستمعون الوحى، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر. فرقى فوق أبى قبيس، وهو أول جبل وضع على وجه الارض، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى خلف المقام. فقال: أذهب فأكسر عنقه. فجاء يخطر وجبريل عنده، فركضه جبريل ركضة طرحه في كذا وكذا، فولى الشيطان هاربا. ثم رواه الواقدي وأبو أحمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبى معروف، عن قيس بن سعد، عن مجاهد. فذكر مثل هذا، وقال: فركضه برجله فرماه بعدن. فصل في كيفية إتيان الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة، وثاني مرة أيضا. وقال مالك: عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضى الله عنها: أن الحارث بن هشام سأل. رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى ؟ فقال: " أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس، وهو أشده على، فيفصم عنى وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا يكلمني فأعى ما يقول ". قالت عائشة رضى الله عنها: ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به.

[ 422 ]

ورواه الامام أحمد عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة به نحوه. وكذا رواه عبدة بن سليمان وأنس بن عياض عن هشام بن عروة. وقد رواه أيوب السختيانى عن هشام عن أبيه، عن الحارث بن هشام أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت كيف يأتيك الوحى ؟ فذكره، ولم يذكر عائشة. وفى حديث الافك قالت عائشة: فو الله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه كان يتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل الوحى الذى نزل عليه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم، قال أملى على يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة بن عبد الرحمن بن عبد القارى، سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى يسمع عند وجهه كدوى النحل، وذكر تمام الحديث في نزول (قد أفلح المؤمنون). وكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق. ثم قال النسائي: منكر لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ولا نعرفه. وفى صحيح مسلم وغيره من حديث الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشى، عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى كربه ذلك وتربد وجهه. وفى رواية وغمض عينيه. وكنا نعرف ذلك منه. وفى الصحيحين حديث زيد بن ثابت حين نزلت " لا يستوى القاعدون من المؤمنين " فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت " غير أولى الضرر ".

[ 423 ]

قال: وكانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي وأنا أكتب، فلما نزل الوحى كادت فخذه ترض فخذي. وفى صحيح مسلم من حديث همام بن يحيى، عن عطاء، عن يعلى بن أمية. قال قال لى عمر: أيسرك أن تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه ؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه وهو يوحى إليه بالجعرانة، فإذا هو محمر الوجه. وهو يغط كما يغط البكر (1). وثبت في الصحيحين من حديث عائشة لما نزل الحجاب، وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده، فأوحى الله إليه والعرق في يده، ثم رفع رأسه فقال: " إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ". فدل هذا على أنه لم يكن الوحى يغيب عنه إحساسه بالكلية، بدليل أنه جالس ولم يسقط العرق أيضا من يده صلوات الله وسلامه دائما عليه. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عباد بن منصور، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحى تربد لذلك جسده ووجهه وأمسك عن أصحابه ولم يكلمه أحد منهم. وفى مسند أحمد وغيره من حديث ابن لهيعة حدثنى يزيد بن أبى حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو قلت: يا رسول الله هل تحس بالوحى ؟ قال: " نعم أسمع صلاصل ثم أثبت عند ذلك، وما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسي تفيظ (2) منه ". وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا


(1) البكر: ولد الناقة، أو الفتى منها. (2) تفيظ: تقبض. (*)

[ 424 ]

عاصم بن كليب، حدثنا أبى، عن خاله العليان بن عاصم قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عزوجل. وروى أبو نعيم من حديث قتيبة، حدثنا على بن غراب، عن الاحوص بن حكيم، عن أبى عوانة، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى صدع وغلف رأسه بالحناء. هذا حديث غريب جدا وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية سنان، عن ليث، عن عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: إنى لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة. وقد رواه أبو نعيم من حديث الثوري عن ليث بن أبى سليم به. وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنى جبر بن عبد الله، عن أبى عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها. وروى ابن مردويه من حديث صباح بن سهل، عن عاصم الاحول، حدثتني أم عمرو، عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها. وهذا غريب من هذا الوجه. ثم قد ثبت في الصحيحين نزول سورة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 425 ]

مرجعه من الحديبية، وهو على راحلته. فكان يكون تارة وتارة بحسب الحال والله أعلم. وقد ذكرنا أنواع الوحى إليه صلى الله عليه وسلم في أول شرح البخاري وما ذكره الحليمى وغيره من الائمة رضى الله عنهم. فصل قال الله تعالى: " لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه (1) ". وقال تعالى: " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل رب زدنى علما (2) ". وكان هذا في الابتداء، كان عليه السلام من شدة حرصه على أخذه من الملك ما يوحى إليه عن الله عزوجل ليساوقه في التلاوة، فأمره الله تعالى أن ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحى، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر عليه تلاوته وتبليغه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، ويوقفه على المراد منه. ولهذا قال " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدنى علما ". وقال: " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه " أي في صدرك " وقرآنه " أي وأن تقرأه " فإذا قرأناه " أي تلاه عليك الملك " فاتبع قرآنه " أي فاستمع له وتدبره " ثم إن علينا بيانه " وهو نظير قوله: " وقل رب زدنى علما ". وفى الصحيحن من حديث موسى بن أبى عائشة، عن سعيد بن جببر، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك


(1) سورة القيامة 16 - 19 (2) سورة طه 114 (*)

[ 426 ]

شفتيه، فأنزل الله " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " فاستمع له وأنصت " ثم إن علينا بيانه " قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله عزوجل. فصل قال ابن إسحاق: ثم تتابع الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصدق بما جاءه منه، وقد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله، على رضا العباد وسخطهم. وللنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل، بعون الله وتوفيقه لما يلقون من الناس، وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله عزوجل. فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والاذى. قال ابن إسحاق: وآمنت خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره. وكانت أول من آمن بالله ورسوله، وصدقت بما جاء منه. فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه،، وتكذيب له فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، رضى الله عنها وأرضاها. قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب ".

[ 427 ]

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث هشام. قال ابن هشام: القصب هاهنا اللؤلؤ المجوف. قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر جميع ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله، قبل أن تفرض الصلاة. قلت: يعنى الصلوات الخمس ليلة الاسراء، فأما أصل الصلاة فقد وجب في حياة خديجة رضى الله عنها كما سنبينه. وقال ابن إسحاق: وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء به. ثم إن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افترضت عليه الصلاة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت له عين من ماء زمزم، فتوضأ جبريل ومحمد عليهما السلام، ثم صلى ركعتين وسجد أربع سجدات، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه، وطابت نفسه، وجاءه ما يحب من الله، فأخذ يد خديجة حتى أتى بها إلى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل، ثم ركع ركعتين وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصليان سرا. قلت: صلاة جبريل هذه غير الصلاة التى صلاها به عند البيت مرتين فبين له أوقات الصلوات الخمس، أولها وآخرها، فإن ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الاسراء. وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله وبه الثقة، وعليه التكلان.

[ 428 ]

فصل في ذكر أول من أسلم، ثم ذكر متقدمي الاسلام من الصحابة وغيرهم قال ابن إسحاق: ثم إن على بن أبى طالب رضى الله عنه جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان، فقال على: يا محمد ما هذا ؟ قال: دين الله اصطفى لنفسه، وبعث به رسله فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى. فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشى عليه سره قبل أن يستعلن أمره. فقال له: يا على إذ لم تسلم (1) فاكتم. فمكث على تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب على الاسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فقال: ماذا عرضت على يا محمد ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الانداد " ففعل على وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبى طالب، وكتم على إسلامه ولم يظهره. وأسلم ابن حارثة، يعنى زيدا، فمكثا قريبا من شهر، يختلف على إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مما أنعم الله به على على أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام.


(1) في ا: إذ لم تسمع فاكتم. (*)

[ 429 ]

قال ابن اسحاق: حدثنى ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: وكان مما أنعم الله به على على أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس، وكان من أيسر بنى هاشم: " يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله " فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيا، فاتبعه على وآمن به وصدقه. وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى يحيى بن أبى الاشعث الكندى من أهل الكوفة، حدثنى إسماعيل بن أبى إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده عفيف، وكان عفيف أخا الاشعث بن قيس لامه، أنه قال: كنت أمرءا تاجرا فقدمت منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا، فأتيته أبتاع منه وأبيعه. قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلى تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلى، وخرج غلام فقام يصلى معه. فقلت: يا عباس ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما ندرى ما هو ! فقال: هذا محمد بن عبد الله، يزعم أن الله أرسله، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه على بن أبى طالب آمن به. قال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثانيا ! وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، وقال في الحديث: إذ خرج رجل

[ 430 ]

من خباء قريب منه، فنظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلى. ثم ذكر قيام خديجة وراءه. وقال ابن جرير: حدثنى محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا سعيد بن خثيم، عن أسد ابن عبدة البجلى، عن يحيى بن عفيف قال: جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدا فسجدا معه. فقلت: يا عباس أمر عظيم ! فقال: أمر عظيم. فقال: أتدرى من هذا ؟ فقلت: لا. فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى. أتدرى من الغلام ؟ قلت: لا. قال: هذا على بن أبى طالب - رضى الله عنه - أتدرى من هذه المرأة التى خلفهما ؟ قلت: لا. قال: هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخى. وهذا حدثنى أن ربك رب السماء والارض أمره بهذا الذى تراهم عليه، وايم الله ما أعلم على ظهر الارض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة. وقال ابن جرير: حدثنى ابن حميد، حدثنا عيسى بن سوادة بن أبى الجعد، حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبى عبد الرحمن وأبو حازم والكلبي. قالوا: على أول من أسلم. قال الكلبى: أسلم وهو ابن تسع سنين.

[ 431 ]

وحدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة عن ابن اسحاق. قال: أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم معه وصدقه على بن أبى طالب، وهو ابن عشر سنين وكان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام. قال الواقدي: أخبرنا إبراهيم، عن نافع، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: أسلم على وهو ابن عشر سنين. قال الواقدي: وأجمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله بسنة. وقال محمد بن كعب: أول من أسلم من هذه الامة خديجة، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلى، وأسلم على قبل أبى بكر، وكان على يكتم إيمانه خوفا من أبيه، حتى لقيه أبوه قال: أسلمت ؟ قال: نعم. قال: وازر ابن عمك وانصره. قال وكان أبو بكر الصديق أول من أظهر الاسلام. وروى ابن جرير في تاريخه من حديث شعبة عن أبى بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس. قال: أول من صلى على. وحدثنا عبد الحميد بن يحيى، حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وصلى على يوم الثلاثاء. وروى من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبى حمزة - رجل من الانصار - سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب. قال: فذكرته للنخعى فأنكره. وقال: أبو بكر أول من أسلم. ثم قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا العلاء، عن المنهال بن عمرو، عن عباد ابن عبد الله، سمعت عليا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الاكبر،

[ 432 ]

لا يقولها بعدى إلا كاذب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين. وهكذا رواه ابن ماجة عن محمد بن إسماعيل الرازي، عن عبيد الله بن موسى الفهمى - وهو شيعي من رجال الصحيح - عن العلاء بن صالح الازدي الكوفى - وثقوه - ولكن قال أبو حاتم: كان من عتق الشيعة - وقال على بن المدينى: روى أحاديث مناكير، والمنهال بن عمرو ثقة، وأما شيخه بن عبد الله - وهو الاسدي الكوفى - فقد قال فيه على بن المدينى: هو ضعيف الحديث، وقال البخاري: فيه نظر. وذكره ابن حبان في الثقات. وهذا الحديث منكر بكل حال، ولا يقوله على رضى الله عنه، وكيف يمكن أن يصلى قبل الناس بسبع سنين ؟ ! هذا لا يتصور أصلا. والله أعلم. وقال آخرون: أول من أسلم من هذه الامة أبو بكر الصديق. والجمع بين الاقوال كلها: أن خديجة أول من أسلم من النساء، وظاهر السياقات - وقبل الرجال أيضا - وأول من أسلم من الموالى زيد بن حارثة. وأول من أسلم من الغلمان على بن أبى طالب، فإنه كان صغيرا دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذا ذاك أهل البيت. وأول من أسلم من الرجال الاحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدرا معظما، ورئيسا في قريش مكرما، وصاحب مال، وداعية إلى الاسلام، وكان محببا متألفا يبذل المال في طاعة الله ورسوله. كما سيأتي تفصيله. قال يونس عن ابن اسحاق: ثم إن أبا بكر الصديق لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 433 ]

فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد ؟ من تركك آلهتنا، وتسفيهك عفولنا، وتكفيرك آباءنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بلى، إنى رسول الله ونبيه، بعثنى لابلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فو الله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره والموالاة على طاعته ". وقرأ عليه القرآن، فلم يقر ولم ينكر. فأسلم وكفر بالاصنام، وخلع الانداد وأقر بحق الاسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر، ما عكم عنه حين ذكرته، ولا تردد فيه ". عكم: أي تلبث. وهذا الذى ذكره ابن اسحاق في قوله: " فلم يقر ولم ينكر " منكر، فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وكان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الخلق فكيف يكذب على الله ؟ ولهذا بمجرد ما ذكر له أن الله أرسله بادر إلى تصديقه ولم يتلعثم، ولا عكم. وقد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الذى أفردناه في سيرته، وأوردنا فضائله وشمائله وأتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضا، وأوردنا ما رواه كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 434 ]

من الاحاديث، وما روى عنه من الآثار والاحكام والتفاوى، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات ولله الحمد والمنة. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبى الدرداء في حديث ما كان بين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما من الخصومة، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله بعثنى إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدق. وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لى صاحبي " مرتين. فما أوذى بعدها. وهذا كالنص على أنه أول من أسلم رضى الله عنه. وقد روى الترمذي وابن حبان من حديث شعبة عن سعيد الجريرى، عن أبى نضرة عن أبى سعيد. قال: قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: ألست أحق الناس بها، ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا ؟ وروى ابن عساكر من طريق بهلول بن عبيد، حدثنا أبو إسحاق السبيعى عن الحارث، سمعت عليا يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، وأول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال على بن أبى طالب. وقال شعبة: عن عمرو بن مرة، عن أبى حمزة، عن زيد بن أرقم قال: أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق. رواه أحمد والترمذي والنسائي من حديث شعبة، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد تقدم رواية ابن جرير لهذا الحديث من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبى حمزة، عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم على بن أبى طالب. قال عمرو بن مرة: فذكرته لابراهيم النخعي فأنكره، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق رضى الله عنه

[ 435 ]

وروى الواقدي بأسانيده عن أبى أروى الدوسى وأبى مسلم بن عبد الرحمن في جماعة من السلف: أول من أسلم أبو بكر الصديق. وقال يعقوب بن سفيان حدثنا أبو بكر الحميدى، حدثنا سفيان بن عيينة، عن مالك ابن مغول عن رجل قال: سئل ابن عباس: من أول من آمن ؟ فقال: أبو بكر الصديق، أما سمعت قول حسان: إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أوفاها وأعدلها * بعد النبي وأولاها بما حملا والتالى الثاني المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا عاش حميدا لامر لله متبعا * بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا وقد رواه أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا شيخ لنا عن مجالد، عن عامر قال: سألت ابن عباس - أو سئل ابن عباس - أي الناس أول إسلاما ؟ قال: أما سمعت قول حسان ابن ثابت فذكره. وهكذا رواه الهيثم بن عدى، عن مجالد عن عامر الشعبى، سألت ابن عباس فذكره. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنى سريج بن يونس، حدثنا يوسف بن الماجشون قال: أدركت مشيختنا منهم محمد بن المنكدر، وربيعة بن أبى عبد الرحمن، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر الصديق رضى الله عنه. قلت: وهكذا قال إبراهيم النخعي، ومحمد بن كعب، ومحمد بن سيرين، وسعد بن إبراهيم، وهو المشهور عن جمهور أهل السنة.

[ 436 ]

وروى ابن عساكر عن سعد بن أبى وقاص ومحمد بن الحنفية أنهما قالا: لم يكن أولهم إسلاما، ولكن كان أفضلهم إسلاما. قال سعد: وقد آمن قبله خمسة. وثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث، عن عمار بن ياسر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر. وروى الامام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن أبى النجود، عن زر، عن ابن مسعود قال: أول من أظهر الاسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد. وهكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا. فأما ما رواه ابن جرير قائلا: أخبرنا ابن حميد، حدثنا كنانة بن جبلة عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج، عن قتادة، عن سالم بن أبى الجعد، عن محمد بن سعد بن أبى وقاص قال: قلت لابي: أكان أبو بكر أولكم إسلاما ؟ قال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكن كان أفضلنا إسلاما. فإنه حديث منكر إسنادا ومتنا. قال ابن جرير: وقال آخرون: كان أول من أسلم زيد بن حارثة، ثم روى من

[ 437 ]

طريق الواقدي عن ابن أبى ذئب، سألت الزهري: من أول من أسلم من النساء ؟ قال: خديجة. قلت: فمن الرجال ؟ قال: زيد بن حارثة. وكذا قال عروة وسليمان بن يسار وغير واحد: أول من أسلم من الرجال زيد ابن حارثة. وقد أجاب أبو حنيفة رضى الله عنه بالجمع بين هذه الاقوال بأن أول من أسلم من الرجال الاحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالى زيد بن حارثة، ومن الغلمان على بن أبى طالب. رضى الله عنهم أجمعين. قال محمد بن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله عزوجل. وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر. وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف. وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الامر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الاسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه. فأسلم على يديه فيما بلغني: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهم. فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم أبو بكر، فعرض عليهم الاسلام وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحق الاسلام فآمنوا. وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الاسلام، [ فصلوا و (1) ] صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا بما جاء من عند الله.


(1) من ابن هشام. ويلاحظ أن لفظ ابن هشام مختلف عما هنا كثيرا. (*)

[ 438 ]

وقال محمد بن عمر الواقدي: حدثنى الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان الوالبى عن إبراهيم بن محمد بن أبى طلحة قال: قال طلحة بن عبيد الله: حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل الموسم: أفيهم رجل من أهل الحرم ؟ قال طلحة: قلت: نعم أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد ؟ قلت: ومن أحمد ؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذى يخرج فيه، وهو آخر الانبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبى ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حديث ؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الامين قد تنبأ، وقد اتبعه أبو بكر ابن أبى قحافة. قال: فخرجت حتى قدمت على أبى بكر، فقلت: اتبعت هذا الرجل ؟ قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه، فإنه يدعو إلى الحق. فأخبره طلحة بما قال الراهب. فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال الراهب، فسر بذلك. فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية، وكان يدعى أسد قريش، فشدهما في حبل واحد، ولم يمنعهما بنو تيم، فلذلك سمى أبو بكر وطلحة القرينين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اكفنا شر ابن العدوية ". رواه البيهقى. وقال الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الاطرابلسى: حدثنا عبيد الله بن محمد ابن عبد العزيز العمرى قاضى المصيصة، حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثنى أبى عبيد الله، حدثنى عبد الله

[ 439 ]

[ بن محمد ] بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال حدثنى أبى محمد بن عمران، عن القاسم بن محمد بن أبى بكر، عن عائشة رضى الله عنها قالت: خرج أبو بكر يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له صديقا في الجاهلية، فلقيه فقال: يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك، واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى رسول الله أدعوك إلى الله " فلما فرغ كلامه أسلم أبو بكر، فانطلق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بين الاخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبى بكر. ومضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد ابن أبى وقاص فأسلموا. ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون، وأبى عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبى سلمة بن عبد الاسد، والارقم بن أبى الارقم، فأسلموا رضى الله عنهم. قال عبد الله بن محمد: فحدثني أبى محمد بن عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال: " يا أبا بكر إنا قليل ". فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق المسلمون في نواحى المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وثار المشركون على أبى بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحى المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبى بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه.

[ 440 ]

وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبى بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة. فرجعوا إلى أبى بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لامه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه ؟. فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: والله مالى علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه. فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟ فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت والله إن قوما نالوا هذا منك لاهل فسق وكفر، وإنى لارجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شئ عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: اين هو ؟ قالت: في دار ابن الارقم. قال: فإن لله على أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله

[ 441 ]

وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة. فقال أبو بكر: بأبى وأمى يا رسول الله، ليس بى بأس إلا ما نال الفاسق من وجهى، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت. وأقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا. وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب - أو لابي جهل بن هشام - فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الاربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة. وخرج أبو الأرقم، وهو أعمى كافر، وهو يقول: اللهم اغفر لبنى عبيد الارقم فإنه كفر. فقام عمر فقال: يا رسول الله علام نخفى ديننا ونحن على الحق، ويظهر دينهم وهم على الباطل ؟ قال: " يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا ". فقال عمر: فو الذى بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان. ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش وهى تنتظره، فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبأت ؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.

[ 442 ]

فوثب المشركون إليه، ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل إصبعه في عينه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس، فقام عمر فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه، حتى أعجز الناس. واتبع المجالس التى كان يجالس فيها فيظهر الايمان. ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم، قال: ما عليك، بأبى وأمى. والله ما بقى مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان غير هائب ولا خائف. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب، حتى طاف بالبيت وصلى الظهر مؤمنا، ثم انصرف إلى دار الارقم ومعه عمر، ثم انصرف عمر وحده، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم. والصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة، وذلك في السنة السادسة من البعثة. كما سيأتي في موضعه إن شاء الله. وقد استقصينا كيفية إسلام أبى بكر وعمر رضى الله عنهما في كتاب سيرتهما على انفرادها، وبسطنا القول هنالك ولله الحمد. وثبت في صحيح مسلم (1) من حديث أبى أمامة عن عمرو بن عبسة السلمى رضى الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو بمكة، وهو حينئذ مستخف فقلت: ما أنت ؟ قال: أنا نبى. فقلت: وما النبي ؟ قال: رسول الله. قلت: الله أرسلك ؟ قال: نعم. قلت: بم أرسلك ؟ قال: بأن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الاصنام، وتوصل الارحام. قال: قلت: نعم ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا ؟ قال: حر وعبد. يعنى أبا بكر وبلالا.


(1) إسلام عمرو بن ؟ بسة في صحيح مسلم 1 / 569 حديث رقم 832 ولفظه مطول مختلف. (*)

[ 443 ]

قال فكان عمرو يقول: لقد رأيتنى وأنا ربع الاسلام. قال: فأسلمت. قلت: فأتبعك يا رسول الله ؟ قال: لا ولكن الحق بقومك، فإذا أخبرت أنى قد خرجت فاتبعني. ويقال إن معنى قوله عليه السلام " حر وعبد " اسم جنس، وتفسير ذلك بأبى بكر وبلال فقط فيه نظر، فإنه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة، وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا، فلعله أخبر أنه ربع الاسلام بحسب علمه، فإن المؤمنين كانوا إذ ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثيرا أحد من قراباتهم، دع الاجانب، دع أهل البادية من الاعراب. والله أعلم. وفى صحيح البخاري من طريق أبى أسامة عن هاشم بن هاشم، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت [ أبا إسحاق (1) ] سعد بن أبى وقاص يقول: وما أسلم أحد في اليوم الذى أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإنى لثلث الاسلام. أما قوله: " ما أسلم أحد في اليوم الذى أسلمت فيه " فسهل، ويروى: " إلا في اليوم الذى أسلمت فيه " وهو مشكل، إذا يقتضى أنه لم يسبقه أحد بالاسلام. وقد علم أن الصديق وعليا وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله، كما قد حكى الاجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد، منهم ابن الاثير. ونص أبو حنيفة رضى الله عنه على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه. والله أعلم. وأما قوله: " ولقد مكثت سبعة أيام وإنى لثلث الاسلام " فمشكل وما أدرى على ماذا يوضع عليه، إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه. والله أعلم.


(1) من صحيح البخاري 2 / 183. والرواية فيه: " إلا في اليوم الذى أسلمت فيه ". (*)

[ 444 ]

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، وهو ابن مسعود، قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبى معيط بمكة. فأتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقال - أو فقالا -: عندك يا غلام لبن تسقينا، قلت: إنى مؤتمن، ولست بساقيكما. فقال: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع ودعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقيانى ثم قال للضرع: اقلص. فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: علمني من هذا القول الطيب، يعنى القرآن، فقال: " إنك غلام معلم " فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد. وهكذا رواه الامام أحمد، عن عفان، عن حماد بن سلمة به. ورواه الحسن بن عرفة، عن أبى بكر بن عياش، عن عاصم بن أبى النجود به. وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله بن بطة الاصبهاني، حدثنا الحسن بن الجهم، حدثنا الحسين بن الفرج، حدثنا محمد بن عمر، حدثنى جعفر ابن محمد بن خالد بن الزبير، عن أبيه - أو عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - قال: كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما وكان أول إخوته أسلم. وكان بدء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به. ويرى في النوم كأن آت أتاه يدفعه فيها، ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحقويه (1) لا يقع، ففزع من نومه فقال: أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق.


(1) الحقو: الكشح، وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف. (*)

[ 445 ]

فلقى أبا بكر بن أبى قحافة فذكر ذلك له، فقال أريد بك خير، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، فإنك ستتبعه وتدخل معه في الاسلام، والاسلام يحجزك أن تدخل فيها، وأبوك واقع فيها. فلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد، فقال: يا رسول الله يا محمد إلام تدعو ؟ قال: " أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع، ولا يضر، ولا يبصر: ولا ينفع، ولا يدرى من عبده ممن لا يعبده ". قال خالد: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه. وتغيب خالد وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأتى به، فأنبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه. وقال: والله لامنعنك القوت. فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقنى ما أعيش به. وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يكرمه ويكون معه. ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم قال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق: حدثنى رجل من أسلم (1) - وكان واعية - أن أبا جهل اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه، فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجه منها شجة منكرة.


(1) المطبوعة: ممن أسلم. وهو تحريف. وأسلم: قبيلة. (*)

[ 446 ]

وقامت رجال من قريش من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه. وقالوا ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت قال حمزة: ومن يمنعنى وقد استبان لى منه ما أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الذى يقول حق، فو الله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإنى والله لقد سببت ابن اخيه سبا قبيحا. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع، فكفوا عما كانوا يتناولون منه. وقال حمزة في ذلك شعرا. قال ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك للموت خير لك مما صنعت. فأقبل حمزة على نفسه وقال: ما صنعت اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبى، وإلا فاجعل لى مما وقعت فيه مخرجا. فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان. حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا ابن أخى إنى قد وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلى على ما لا أدرى ما هو أرشد أم هو غى شديد فحدثني حديثا، فقد اشتهيت يا ابن أخى أن تحدثني. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ووعظه، وخوفه وبشره. فألقى الله في قلبه الايمان بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أشهد أنك الصادق شهادة الصدق، فأظهر يا ابن أخى دينك، فو الله ما أحب أن لى ما أظلته السماء وأنى على دينى الاول. فكان حمزة ممن أعز الله به الدين.

[ 447 ]

وهكذا رواه البيهقى عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس ابن بكير به. ذكر إسلام أبى ذر رضى الله عنه قال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد، حدثنا عبد الله بن الرومي، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبى زميل سماك بن الوليد، عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبى ذر، قال: كنت ربع الاسلام، أسلم قبلى ثلاثة نفر وأنا الرابع، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا سياق مختصر. وقال البخاري: إسلام أبى ذر: حدثنا (1) عمرو بن عباس، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن المثنى عن أبى جمرة (2)، عن ابن عباس. قال لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لى علم هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتنى. فانطلق الآخر (3) حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبى ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الاخلاق وكلاما ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت. فتزود وحمل شنة [ له ] فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل [ اضطجع ] (4) فرآه على فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى


(؟) البخاري: حدثنى. (2) خ ط: حمزة. وهو تحريف وما أثبته من صحيح البخاري 2 / 183. (3) البخاري: الاخ. (4) ليست في البخاري. (*)

[ 448 ]

أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه. فمر به على فقال: أما آن (1) للرجل [ أن (2) ] يعلم منزله فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاجبه عن شئ. حتى إذا كان يوم الثالث فعاد [ على (2) ] على مثل ذلك، فأقام معه فقال: ألا تحدثني بالذى أقدمك ؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنني فعلت. ففعل فأخبره. قال: فإنه حق، وإنه (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعني، فإنى إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنى أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلى. ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمرى ". فقال: والذى بعثك بالحق (4) لاصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قام [ القوم (2) ] فضربوه حتى أضجعوه. فأتى العباس فأكب عليه فقال: ويلكم ! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام ؟ ! فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها (5) فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه. هذا لفظ البخاري. وقد جاء إسلامه مبسوطا في صحيح مسلم وغيره. فقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، أنا وأخى أنيس وأمنا.


(1) البخاري: أما نال. (2) من البخاري. (3) البخاري: وهو رسول الله. (4) البخاري: والذى نفسي بيده. (5) البخاري: لمثلها. (*)

[ 449 ]

فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذى مال وذى هيئة، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس. فجاء خالنا فنثى ما قيل له (1) فقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لنا فيما بعد. قال: فقربنا صرمتنا (2) فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكى. قال: فانطلقنا حتى نزلنا حضرة مكة، قال فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن فخير أنيسا. فأتانا بصرمتنا ومثلها. وقد صليت يا بن أخى، قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين. قال: قلت لمن ؟ قال: لله. قلت: فأين توجه ؟ قال: حيث وجهنى الله. قال: وأصلى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألفيت كأنى خفاء (3) حتى تعلونى الشمس. قال: فقال أنيس: إن لى حاجة بمكة فألقنى حتى آتيك. قال: فانطلق فراث (4) على، ثم أتانى فقلت: ما حبسك قال: لقيت رجلا يزعم أن الله أرسله على دينك، قال: فقلت: ما يقول الناس له ؟ قال: يقولون إنه شاعر وساحر. وكان أنيس شاعرا. قال: فقال: لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فو الله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: فقلت له: هل أنت كافى حتى أنطلق ؟ قال: نعم ! وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له.


(1) نثى ما قيل له: أظهره وحدث به. (2) الصرمة: القطعة من الابل ما بين العشرين إلى الثلاثين (3) الخفاء: الكساء. (4) راث: أبطأ. (*)

[ 450 ]

قال: فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الرجل الذى يدعونه الصابئ ؟ قال: فأشار إلى. فمال أهل الوادي على بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا على، ثم ارتفعت حين ارتفعت كأنى نصب أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عنى الدم ودخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت به يا بن أخى ثلاثين من يوم وليلة مالى طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان (1) وضرب الله على أشحمة (2) أهل مكة، فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا على وهما يدعوان إساف ونائلة. فقلت: أنكحوا أحدهما الآخر. فما ثناهما ذلك. فقلت: وهن مثل الخشبة غير أنى لم أركن. قال: فانطلقتا يولولان ويقولان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا. قال: فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقالا: مالكما ؟ فقالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قالا: ما قال لكما ؟ قالتا: قال لنا كلمة تملا الفم. قال: وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه حتى استلم الحجر وطاف بالبيت، ثم صلى. قال: فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الاسلام. فقال: " عليك السلام ورحمة الله. من أنت ؟ " قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضعها على جبهته، قال: فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار. قال: فأردت أن آخذ بيده فقذفني صاحبه، وكان أعلم به منى. قال: متى كنت ههنا ؟ قال: قلت: كنت ههنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم.


(1) إضحيان: مضيئة. (2) الاشحمة: الآذان. (*)

[ 451 ]

قال: فمن كان يطعمك ؟ قلت: ما كان إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها مباركة، إنها طعام طعم ". قال: فقال أبو بكر: ائذن لى يا رسول الله في طعامه الليلة. قال: ففعل. قال: فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم وانطلقت معهما، حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال: فكان ذلك أول طعام أكلته بها. فلبثت ما لبثت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى قد وجهت إلى أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عنى قومك، لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم " ؟ قال: فانطلقت حتى أتيت أخى أنيسا، قال: فقال لى: ما صنعت ؟ قال: قلت صنعت أنى أسلمت وصدقت. قال: فما بى رغبة عن دينك فإنى قد أسلمت وصدقت. ثم أتينا أمنا فقالت: ما بى رغبة عن دينكما، فإنى قد أسلمت وصدقت، فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار، قال فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان يؤمهم خفاف بن أيماء بن رخصة الغفاري وكان سيدهم يومئذ. وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمنا. قال: فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم بقيتهم. قال: وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله إخواننا نسلم على الذى أسلموا عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ". ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه. وقد روى قصة إسلامه على وجه آخر وفيه زيادات غريبة فالله أعلم. وتقدم ذكر إسلام سلمان الفارسى في كتاب البشارات بمبعثه عليه الصلاة والسلام.

[ 452 ]

ذكر إسلام ضماد روى مسلم والبيهقي من حديث داود بن أبى هند، عن عمرو بن سعيد، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. قال: قدم ضماد مكة، وهو رجل من أزد شنوءة، وكان يرقى من هذه الرياح، فسمع سفهاء من سفه مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال: أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدى ؟ فلقيت محمدا فقلت: إنى أرقي من هذه الرياح، وإن الله يشفى على يدى من شاء، فهلم. فقال محمد: " إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثلاث مرات ". فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدك أبايعك على الاسلام. فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: وعلى قومك ؟ فقال: وعلى قومي. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فمروا بقوم ضماد. فقال صاحب الجيش للسرية: هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئا ؟ فقال رجل منهم: أصبت منهم مظهرة (1). فقال ردها عليهم فإنهم قوم ضماد. وفى رواية فقال له ضماد: أعد على كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس (2) البحر.


(1) المظهر: البعير التى أتت عليه الظهيرة وهو يرعى. (2) قاموس البحر: أبعد موضع فيه غورا. هذا والرواية في الوفا: أعد على كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. فقال: لقد سمعت قول الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل كلماتك هولاء ولقد بلغت قاموس البحر. (*)

[ 453 ]

وقد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوة إسلام من أسلم من الاعيان فصلا طويلا، واستقصى ذلك استقصاء حسنا رحمه الله وأثابه. وقد سرد ابن اسحاق أسماء من أسلم قديما من الصحابة رضى الله عنهم. قال: ثم أسلم أبو عبيدة، وأبو سلمة، والارقم بن أبى الارقم، وعثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد، وامرأته فاطمة بنت الخطاب. وأسماء بنت أبى بكر، وعائشة بنت أبى بكر، وهى صغيرة. وقدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون. وخباب بن الارت، وعمير بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن القارى (1)، وسليط بن عمرو وعياش بن أبى ربيعة، وامرأته أسماء بنت سلمة (2) بن مخربة (3) التميمية، وخنيس بن حذاقة، وعامر بن ربيعة. وعبد الله بن جحش، وأبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبى طالب، وامرأته أسماء بنت عميس. وحاطب بن الحارث [ وامرأته فاطمة بنت المجلل. وحطاب بن الحارث (4) ] وامرأته فكيها ابنة يسار. ومعمر بن الحارث بن معمر الجمحى، والسائب بن عثمان بن مظعون. والمطلب بن أزهر بن عبد مناف (5)، وامرأته رملة بنت أبى عوف بن صبيرة بن سعيد بن سهم. والنحام، واسمه نعيم بن عبد الله بن أسيد، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر،


(1) هو مسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن حمالة بن غالب بن محلم بن عائذة بن سبيع ابن الهون بن خزيمة من القارة. والقارة لقب لهم. وهى قبيلة. ولهم يقال: قد أنصف القارة من راماها (2) ابن هشام: سلامة. (3) الاصل والمطبوعة: مخرمة التيمى، وهو تحريف وما أثبته عن ابن هشام. (4) سقطت من الاصل وأثبتها من ابن هشام. (5) ابن هشام: عبد عوف. (*)

[ 454 ]

وخالد بن سعيد، وأمينة ابنة خلف بن أسعد (1) بن عامر بن بياضة من (2) خزاعة، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وواقد بن عبد الله بن عرين بن ثعلبة التميمي حليف بنى عدى. وخالد بن البكير، وعامر بن البكير، وعاقل بن البكير، وإياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة من بنى سعد بن ليث. وكان اسم عاقل غافلا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقلا، وهم حلفاء بنى عدى بن كعب. وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان. ثم دخل الناس [ في الاسلام (3) ] أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا أمر الاسلام بمكة وتحدث به. قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين. قال: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم. فبينا سعد بن أبى وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم. فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه، فكان أول دم هريق في الاسلام وروى الاموى في مغازيه من طريق الوقاصى عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه. فذكر القصة بطولها، وفيه أن المشجوج هو عبد الله بن خطل لعنه الله.


(1) ط، خ: سعد وهو تحريف، وما أثبته عن ابن هشام. (2) الاصل: ابن، وهو تحريف (3) من ابن هشام. (*)

[ 455 ]

باب أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام، وأمره له بالصبر والاحتمال، والاعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسول الاعظم إليهم، وذكر ما لقى من الاذية منهم هو وأصحابه رضى الله عنهم. قال الله تعالى: " وأنذر عشيرتك الاقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إنى برئ مما تعملون، وتوكل على العزيز الرحيم، الذى يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين، إنه هو السميع العليم (1) ". وقال تعالى: " وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (2) ". وقال تعالى: " إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد (3) " أي إن الذى فرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة وهى المعاد، فيسألك عن ذلك. كما قال تعالى: " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ". والآيات والاحاديث في هذا كثيرة جدا، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء " وأنذر عشيرتك الاقربين ". وأوردنا أحاديث جمة في ذلك. فمن ذلك: قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الاعمش، عن عمرو بن


(1) الشعراء: 214 - 220 (2) الزخرف: 44 (3) القصص: 85. (*)

[ 456 ]

مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله " وأنذر عشيرتك الاقربين " أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى: " يا صباحاه ". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه وبين رجل يبعث رسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بنى عبد المطلب، يا بنى فهر، يا بنى كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ؟ " قالوا: نعم ! قال: " فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد ". فقال أبو لهب، لعنه الله: تبا لك سائر اليوم ! أما دعوتنا إلا لهذا. وأنزل الله عزوجل " تبت يدا أبى لهب وتب ". وأخرجاه من حديث الاعمش به نحوه. وقال أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبى هريرة. قال: لما نزلت هذه الآية " وأنذر عشيرتك الاقربين " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعم وخص. فقال: " يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإنى والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها (1) ". ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبى سلمة عن أبى هريرة، وله طرق أخر عن أبى هريرة في مسند أحمد وغيره. وقال أحمد أيضا: حدثنا وكيع بن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضى الله عنها. قالت:


(1) البلال: جمع بلل، وفى الاصل: ببلائها. وفى البخاري 3 / 127: قال أبو عبد الله: ببلاها كذا ومع وببلالها أجود وأصح، وببلاها لا أعرف له وجها. (*)

[ 457 ]

لما نزل " وأنذر عشيرتك الاقربين " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بنى عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلونى من مالى ما شئتم ". ورواه مسلم أيضا. وقال الحافظ أبو بكر البيهقى في الدلائل: أخبرنا محمد بن عبد الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عباس، عن على بن أبى طالب. قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنذر عشيرتك الاقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عرفت أنى إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت. فجاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار ". قال: فدعاني فقال " يا على إن الله قد أمرنى أن أنذر عشيرتي الاقربين، فاصنع لنا يا على شاة على صاع من طعام، وأعد لنا عس (1) لبن، ثم اجمع لى بنى عبد المطلب ". ففعلت، فاجتمعوا له يومئذ، وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حذية (2) فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: " كلوا بسم الله " فأكل القوم حتى نهلوا عنه، ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله صلى الله


(1) العس: القدح الضخم. (2) الحذية: القضعة ؟. (*)

[ 458 ]

عليه وسلم: " اسقهم يا على " فجئت بذلك القعب فشربوا مته حتى نهلوا جميعا، وايم الله إن كان الرجل ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال: لهد ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عد لنا مثل الذى كنت صنعت لنا بالامس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدر إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم ". ففعلت، ثم جمعتهم له وصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالامس، فأكلوا حتى نهلوا عنه وايم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقهم يا على، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله أن يكلمهم، بدره أبو لهب لعنه الله إلى الكلام فقال: لهد ما سحركم صاحبكم ؟ فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا على عد لنا بمثل الذى كنت صنعت بالامس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرنى إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم ". ففعلت، ثم جمعتهم له. فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالامس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا، وايم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها وليشرب مثلها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بنى عبد المطلب إنى والله ما أعلم شابا من

[ 459 ]

العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إنى قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة ". هكذا رواه البيهقى من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه عن عبد الله بن الحارث به. وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن محمد بن حميد الرازي، عن سلمة بن الفضل الابرش، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس عن على فذكر مثله. وزاد بعد قوله: " وإنى قد جئتكم ؟ خير الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخى " وكذا وكذا. قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت ولانى لاحدثهم سنا وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا: أنا يا نبى الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتى فقال: " إن هذا أخى وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا ". قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ! تفرد به عبد الغفار ابن القاسم أبو مريم، وهو كذاب شيعي اتهمه على بن المدينى وغيره بوضع الحديث، وضعفه الباقون. ولكن روى ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه: عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثى عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله ابن الحارث. قال: قال على: لما نزلت هذه الآية " وأنذر عشيرتك الاقربين ". قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنع لى رجل شاة بصاع من طعام، وإناء لبنا، وادع لى بنى هاشم. فدعوتهم وإنهم يومئذ لاربعون غير رجل، أو أربعون ورجل.

[ 460 ]

فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال: وبدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام. فقال: " أيكم يقضى عنى دينى ويكون خليفتي في أهلى ؟ ". قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال وسكت أنا لسن العباس. ثم قالها مرة أخرى، فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله. قال: أنت ؟ ! قال: وإنى يومئذ لاسوأهم هيئة، وإنى لاعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين. وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم. وقد روى الامام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الاسدي وربيعة بن ناجذ عن على نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم. ومعنى قوله في هذا الحديث: " من يقضى عنى دينى ويكون خليفتي في أهلى "، يعنى إذا مت، وكأنه صلى الله عليه وسلم خشى إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب (1) أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضى عنه، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " (2) الآية. والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده ح عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفى المواسم، ومواقف الحج.


(1) ا: بإبلاغ مشر ؟ كى العرب رسالة الله. (2) سورة المائدة. (*)

[ 461 ]

يدعو من لقيه حر وعبد، وضعيف وقوى، وغنى وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء. وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الاشداء الاقوياء من مشركي قريش بالاذية القولية والفعلية. وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبى سفيان. وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله إليه طبعا، وكان يحنو عليه ويحسن إليه، ويدافع عنه ويحامى، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا. وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه. ولاجترءوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار (1). وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا. فهذان العمان كافران أبو طالب وأبو لهب، ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الاسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب، تتضمن أنه سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب.


(1) بل لو كان أبو طالب أسلم لكان ذلك داعيا إلى إسلام غيره من مشيخة قريش، ويفهم من كلام المؤلف أن الله سبحانه قضى على أبى طالب بالكفر حماية لرسوله ! ! وهو تعليل غير سائغ. (*)

[ 462 ]

قال الامام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبى العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه، قال أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بنى الديل، وكان جاهليا فأسلم، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذى المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب. فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب. ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد بنحوه. وقال البيهقى أيضا: حدثنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري، حدثنا محمد بن عمر، عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديلى. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت: من هذا ؟ قيل: هذا أبو لهب. ثم رواه من طريق شعبة عن الاشعث بن سليم، عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذى المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وإذا رجل خلفه يسفى عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى. كذا قال: " أبو جهل "، والظاهر أنه أبو لهب، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته وذلك بعد وقعة بدر، إن شاء الله تعالى. وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه

[ 463 ]

وسجاياه، واعتماده فيما يحامى به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم. قال يونس بن بكير: عن طلحة بن يحيى، عن عبد الله بن موسى بن طلحة، أخبرني عقيل بن أبى طالب قال: جاءت قريش إلى أبى طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا. فقال: يا عقيل انطلق فأتني بمحمد. فانطلقت فاستخرجته من كنس، أو قال خنس، يقول: بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر. فلما أتاهم قال: إن بنى عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء. فقال: " ترون هذه الشمس ؟ " قالوا نعم ! قال: " فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة ". فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخى قط فارجعوا. رواه البخاري في التاريخ، عن محمد بن العلاء، عن يونس بن بكير. ورواه البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عنه به - وهذا لفظه - ثم روى البيهقى من طريق يونس، عن ابن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، أنه حدث أن قريشا حين قالت لابي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني وقالوا كذا وكذا، فأبق على وعلى نفسك ولا تحملني من الامر مالا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قومك. فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم لو وضعت الشمس

[ 464 ]

في يمينى والقمر في يسارى ما تركت هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه " ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى. فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الامر برسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخى. فأقبل عليه، فقال امض على أمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشئ أبدا. قال ابن إسحاق: ثم قال أبو طالب في ذلك: والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فامضى لامرك ما عليك غضاضة * أبشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعلمت أنك ناصحى * فلقد صدقت وكنت قدم أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذارى سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا ثم قال البيهقى: وذكر ابن إسحاق لابي طالب في ذلك أشعارا. وفى ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء، لا معقب لحكمه.. وقال يونس بن بكير: حدثنى محمد بن إسحاق، حدثنى رجل من أهل مصر قديما منذ بضع (1) وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام رسول الله قال أبو جهل ابن هشام: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا، وإنى أعاهد الله لاجلس له غدا بحجر، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.


(1) الاصل: بضعا. (*)

[ 465 ]

فلما أصبح أبو جهل، لعنه الله، أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره. وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، وكان قبلته الشام. فكان إذا صلى صلى بين الركنين الاسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا، قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده. وقامت إليه رجال من قريش. فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم ؟ ! فقال: قمت إليه لافعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الابل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته (1) ولا أنيابه لفحل قط، فهم أن يأكلني. قال ابن إسحاق: فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ذلك جبريل، ولو دنا منه لاخذه ". وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، حدثنا عثمان الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة، عن أبان بن صالح، عن على بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن عباس بن عبد المطلب. قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال: إن لله على إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته.


(1) القصرة: أصل العنق. (*)

[ 466 ]

فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبى جهل، فخرج غضبان حتى جاء المسجد، فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط. فقلت هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ " اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الانسان من علق " فلما بلغ شأن أبى جهل " كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى " فقال إنسان لابي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد. فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى ! والله لقد سد أفق السماء على. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة لاطأن على عنقه. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لو فعل لاخذته الملائكة عيانا ". ورواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق به. قال داود بن أبى هند: عن عكرمة، عن ابن عباس قال مر أبو جهل بالنبي. صلى الله عليه وسلم وهو يصلى، فقال: ألم أنهك أن تصلى يا محمد ؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى. فانتهره النبي صلى الله عليه وسلم. فقال جبريل: " فليدع ناديه، سندع الزبانية " والله لو دعا ناديه لاخذته زبانية العذاب. رواه أحمد والترمذي، وصححه النسائي من طريق داود به. وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلى لآتينه حتى أطأ عنقه. قال: فقال: " لو فعل لاخذته الزبانية عيانا ".

[ 467 ]

وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس ابن أبى إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس قال: قال: أبو جهل لئن عاد محمد يصلى عند المقام لاقتلنه. فأنزل الله تعالى: " اقرأ باسم ربك الذى خلق " حتى بلغ من الآية " لنسفعا بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية ". فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلى فقيل ما يمنعك ؟ قال: قد اسود ما بينى وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرك لاخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الاعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبى هند، عن أبى حازم، عن أبى هريرة. قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا: نعم. قال: فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلى كذلك لاطأن على رقبته، ولاعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه. قال: فقيل له: مالك ؟ قال: إن بينى وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ". قال: وأنزل الله تعالى - لا أدرى في حديث أبى هريرة أم لا - " كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى " إلى آخر السورة. وقد رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن أبى حاتم والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان ابن طرخان التيمى، به.

[ 468 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، عن عمرو ابن ميمون، عن عبد الله قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلى ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه. فقالوا: من يأخذا هذا السلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبى معيط: أنا. فأخذه فألقاه على ظهره. فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم عليك بهذا الملا من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبى جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة ابن أبى معيط، اللهم عليك بأبى بن خلف - أو أمية بن خلف - " شعبة الشاك. قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى، أو أمية بن خلف، فإنه كان رجلا ضخما فتقطع. وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه، ومسلم من طرق عن ابن إسحاق به. والصواب: أمية بن خلف، فإنه الذى قتل يوم بدر، وأخوه أبى إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه. والسلا: هو الذى يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة. وفى بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضم يميل على بعض، أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك. لعنهم الله. وفيه: أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم، وأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه صلى الله عليه وسلم دعا على الملا منهم جملة، وعين في دعائه سبعة، وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم: وهم عتبة، وأخوه شيبة، ابنا ربيعة

[ 469 ]

والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبى معيط، وأمية بن خلف. قال ابن إسحاق: ونسيت السابع. قلت: وهو عمارة بن الوليد، وقع تسميته في صحيح البخاري. قصة الاراشى قال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الملك بن أبى سفيان الثقفى قال: قدم رجل من إراش بإبل له إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها، فأقبل الاراشى حتى وقف على نادى قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش من رجل يعديني على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب وابن سبيل، وقد غلبنى على حقى. فقال أهل المجلس: ترى ذلك - إلى رسول الله - يهزأون به (1) صلى الله عليه وسلم، لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة - اذهب إليه فهو يؤديك (2) عليه. فأقبل الاراشى حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ما يصنع. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا ؟ قال: محمد فاخرج، فخرج إليه وما في وجهه قطرة دم، وقد انتقع لونه. فقال: أعط هذا الرجل حقه. قال: لا تبرح حتى أعطيه الذى له. قال: فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للاراشى: الحق لشأنك. فأقبل الاراشى: حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا، فقد أخذت الذى لى.


(1) الاصل: يهزون. ولا معنى لها. (2) كذا، ولعلها يعديك. (*)

[ 470 ]

وجاء الرجل الذى بعثوا معه فقالوا: ويحك ماذا رأيت ؟ قال: عجبا من العجب ! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه، فقال: أعط هذا الرجل حقه. فقال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه. فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له: ويلك مالك ! فو الله ما رأينا مثل ما صنعت. فقال: ويحكم: والله ما هو إلا أن ضرب على بابى وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الابل ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فو الله لو أبيت لاكلنى. فصل وقال البخاري: حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنى الاوزاعي، عن يحيى بن أبى كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمى، حدثنى عروة بن الزبير، سألت ابن [ عمرو بن ] (1) العاص فقلت: أخبرني بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله. قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلى في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه على عنقه (2) فخنقه خنقا شديدا. فأقبل أبو بكر رضى الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " الآية. تابعه ابن إسحاق قال: أخبرني يحيى بن عروة، عن أبيه، قال: قلت لعبد الله بن عمرو. وقال عبدة: عن هشام، عن أبيه قال: قيل لعمرو بن العاص. وقال محمد بن عمرو: عن أبى سلمة، حدثنى عمرو بن العاص.


(1) من البخاري 2 / 182 (2) البخاري: في عنقه. (*)

[ 471 ]

قال البيهقى وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة. انفرد به البخاري. وقد رواه في أماكن من صحيحه، وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أشبه لرواية عروة عنه، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة. وقد روى البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن محمد بن إسحاق، حدثنى يحيى بن عروة، عن أبيه عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو ابن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوته ؟ فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعاتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم. أو كما قالوا. قال: فبينما هم في ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه. فمضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها. فقال: " أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذى نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ". فأخذت القوم، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه (1) حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) يرفأه: يترضاه. (*)

[ 472 ]

حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه. حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه ! فبينما هم على ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا ؟ ! لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم أنا الذى أقول ذلك ". ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكى دونه ويقول: ويلكم (أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله) ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك لاكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط. فصل في تأليب الملا من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واجتماعهم بعمه أبى طالب القائم في منعه ونصرته، وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة وما لى ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يوارى إبط بلال ! ". وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: حسن صحيح.

[ 473 ]

وقال محمد بن إسحاق: وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شئ. فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شئ أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب: عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصى، وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأبو البخترى، واسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصى، والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل، واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى، ونبيه ومنبه، ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى، والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم. قال ابن إسحاق: أو من مشى منهم. فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه.

[ 474 ]

ثم شرى (1) الامر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا. وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. أو كما قالوا. ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، أنه حدث أن قريشا حين قالوا لابي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا، للذى قالوا له، فأبق على وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق. قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بدو (1) وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم والله لو وضعوا الشمس في يمينى، والقمر في يسارى على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته ". قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام !


(1) شرى: اشتد. (2) ابن هشام والمراجع: بداء. (*)

[ 475 ]

فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا بن أخى. فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب يا بن أخى فقل ما أحببت فو الله لا أسلمتك لشئ أبدا. قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم (1)، مشوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة، فقالوا له، فيما بلغني: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامنا فنقتله، فإنما هو رجل برجل ! قال: والله لبئس ما تسوموننى ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني فتقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصى: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم على، فاصنع ما بدا لك. أو كما قال. فحقب الامر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضا. فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدى ويعم من خذله من بنى عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم:


(1) الاصل: وعداوته. وهو تحريف وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 476 ]

ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظى من حياطتكم بكر (1) من الخور حبحاب (2) كثير رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر تخلف خلف الورد ليس بلاحق * إذ ما علا الفيفاء (3) قيل له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الامر بلى لهما أمر ولكن تجرجما * كما جرجمت من رأس ذى علق الصخر (4) أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهما صفر هما أشركا في المجد من لا أبا له * من الناس إلا أن يرس (5) له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم * وكانوا لنا مولى إذا بغى النصر فو الله لا تنفك منا عداوة * ولا منكم ما دام من نسلنا شفر (6) فصل في مبالغتهم في الاذية لآحاد المسلمين المستضعفين قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه. فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع الله منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه أبى طالب.


(1) أي أن بكرا من الابل أنفع لى منكم، فليته لى بدلا من حياطتكم. (2) الخور: الضعاف، والحبحاب: الصغير. (3) الفيفاء: الصحراء. والوبر: دويبة كالسنور. (4) الاصل: تحرجما: محرفة، وما أثبته من ابن هشام. وتجرجم: سقط وانحدر. وذو علق: جبل في ديار بنى أسد. (5) يرس: يعرف. (6) شفر بفتح الشين وضمها: أحد. (*)

[ 477 ]

وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بنى هاشم وبنى عبد المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبى لهب عدو الله. فقال في ذلك يمدحهم ويحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أشراف عبد منافها * ففى هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الرقاب نقيمها ونحمى حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الذواء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدى والرشاد فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردون.

[ 478 ]

قال الله تعالى " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند الله، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون، ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (1) ". وقال تعالى: " إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم (2) ". وقال تعالى: " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (3) ". وقال تعالى " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه. قل: سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا (4) ". وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشابهما في أماكنها في التفسير ولله الحمد. وقد روى يونس وزياد (5) عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، وهو شيخ من أهل مصر يقال له محمد بن أبى محمد، عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس قال: اجتمع علية من أشراف قريش، وعدد أسماءهم، بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه.


(1) سورة الانعام 109 - 111. (2) سورة يونس 96 - 97. (3) سورة الاسراء 59. (4) سورة الاسراء 90 - 93. (5) يونس بن بكير، وزياد البكائى، وهما راويا السيرة عن ابن إسحاق (*)

[ 479 ]

فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أنه قد بدالهم في أمره بدو، وكان حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم. فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الاحلام، وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، وما بقى من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك، وكانوا يسمون التابع من الجن الرئى - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بى ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لامر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم ". أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا، ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذى بعثك

[ 480 ]

بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التى قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيما يبعث لنا منهم قصى بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل ؟ فإن فعلت ما سألناك وصدقوك، صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثنى به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لامر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم ". قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغى، فإنك تقوم في الاسواق وتلتمس المعاش (1) كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم: " ما أنا بفاعل، ما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لامر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم ". قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال: " ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك ". فقالوا: يا محمد ما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب


(1) الاصل: المعايش محرفة. وما أثبته عن ابن هشام. (*)

[ 481 ]

منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به. فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهى بنات الله وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقام معه عبد الله بن أبى أمية ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله، ثم سألوك لانفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب، فو الله لا أو من لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى منه وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتى معك بنسخة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما (1) طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. وهذا المجلس الذى اجتمع عليه هؤلاء الملا مجلس ظلم وعدوان وعناد، ولهذا


(1) الاصل: بما. محرفة، والعبارة في ابن هشام: مما كان يطمع به من قومه. (*)

[ 482 ]

اقتضت الحكمة الالهية والرحمة الربانية ألا يجابوا إلى ما سألوا، لان الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب. كما قال الامام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن الاعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى عنهم الجبال فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأنى بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذى سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الامم. قال: " لا بل أستأني بهم ". فأنزل الله تعالى: " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (1) ". وهكذا رواه النسائي من حديث جرير. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران ابن حكيم، عن ابن عباس، قال: قالت قريش للنبى صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك. قال: وتفعلوا ؟ قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة. قال: " بل التوبة والرحمة ".


(1) سورة الاسراء 59. (*)

[ 483 ]

وهذان إسنادان جيدان، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج، وغير واحد. وروى الامام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن على بن يزيد، عن القاسم، عن (1) أبى أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " عرض على ربى عزوجل أن يجعل لى بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب، أشبع يوما وأجوع يوما، أو نحو ذلك، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ". لفظ أحمد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وعلى بن يزيد يضعف في الحديث. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى شيخ من أهل مصر، قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة ابن أبى معيط، إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما: سلوهم عن محمد وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الاول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الانبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.


(1) الاصل بن أبى أمامة. وهو تحريف. وهو القاسم بن عبد الرحمن، لم يرو إلا عن أبى أمامة من الصحابة. (*)

[ 484 ]

قال: فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن، فهو نبى مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الارض ومغاربها ما كان [ نبؤه ] (1) ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبى فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور. فأخبراهم بها. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا. فسألوه عما أمروهم به. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخبركم غدا بما سألتم عنه ". ولم يستثن. فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث له في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشئ مما سألناه عنه. وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحى عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عزوجل بسورة الكهف، فيها معاتبته إياه على


(1) من ابن هشام. (*)

[ 485 ]

حزنه عليهم [ وخبر ] (1) ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقال الله تعالى: " ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربى، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ". وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولا، فمن أراده فعليه بكشفه من هناك. ونزل قوله: " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ". ثم شرع في تفصيل أمرهم، واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقا لا تعليقا في قوله " ولا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت ". ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر، ثم ذى القرنين، ثم قال: " ويسألونك عن ذى القرنين، قل سأتلو عليكم منه ذكرا " ثم شرح أمره وحكى خبره. وقال في سورة سبحان: " ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربى ". أي خلق عجيب من خلقه، وأمر من أمره، قال لها كونى فكانت، وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه، وتصوير حقيقته في نفس الامر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته، ولهذا قال: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ". وقد ثبت في الصحيحين أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فتلا عليهم هذه الآية.


(1) من ابن هشام. (*)

[ 486 ]

فإما أنها نزلت مرة ثانية أو ذكرها جوابا، وإن كان نزولها متقدما. ومن قال إنها إنما نزلت بالمدينة واستثناها من سورة سبحان ففى قوله نظر. والله أعلم. قال ابن إسحاق: ولما خشى أبو طالب دهم (1) العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التى تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تاركه لشئ أبدا حتى يهلك دونه. فقال: ولما رأيت القوم لا ود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعدواة والاذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنة * يعضون غيظا خلفنا بالانامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض عضب من تراث المقاول (2) وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتى * وأمسكت من أثوابه بالوصائل قياما معا مستقبلين رتاجه * لدى حيث يقضى حلفه كل نافل (3) وحيث ينيخ الاشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الاعضاد أو قصراتها * مخيسة بين السديس وبازل (4) ترى الودع فيها والرخام وزينة * بأعناقها معقودة كالعثاكل (5)


(1) ابن هشام: دهماء. (2) العضب: القاطع. والمقاول: الملوك. (3) النافل: المتبرئ. (4) الموسمة: المعلمة. والقصرات: جمع قصرة، وهى أصل العنق. والمخيسة: المذللة. والسديس من الابل: الذى دخل في السنة الثامنة. والبازل: الذى خرج نابه، وذلك في السنة التاسعة. (5) العثاكل: الاغصان التى ينبت عليها التمر. واحدها عثكول، وجمعها عثاكيل، وحذفت الياء للضرورة. (*)

[ 487 ]

أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء أو ملح بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله، إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما فيهما من صورة وتماثل ومن حج بيت الله من كل راكب * ومن كل ذى نذر ومن كل راجل وبالمشعر الاقصى إذا عمدوا له * إلال إلى مفضى الشراج القوابل (1) وتوقافهم فوق الجبال عشية * يقيمون بالايدي صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى * وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذا ما المقربات أجزنه * سراعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها * يؤمون قذفا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصاب عشية * تجيز بهم حجاج بكر بن وائل حليفان شدا عقد ما احتلفا له * وردا عليه عاطفات الوسائل وحطمهم سمر الرماح وسرحه * وشبرقه وخد النعام الجوافل (2)


(1) إلال: جبل عرفة. قال النابغة: * يزرن إلالا مسيرهن التدافع * وسمى إلالا لان الحجيج إذا رأوه ألوا في، أي اجتهدوا فيه ليدركوا الموقف. والشراج: جمع شرج وهو الماء. والقوابل: المتقابلة. (2) الشبرق: نبات يقال ليابسه الحلى والرطبة الشبرق. والوخد: السير السريع. والجوافل. المسرعة والرواية في الروض: سمر الصفاح، وعليها يكون هناك معنى لعطف " وسرحه " على سمر. والسمر: من شجر الطلع. والصفاح: جمع صفح وهو عرض الجبل. والسرح: شجر عظام. (*)

[ 488 ]

فهل بعد هذا من معاذ لعائذ * وهل من معيذ يتقى الله عادل يطاع بنا أمر العدا ود أننا * يسد بنا أبواب ترك وكابل (1) كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل (2) ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم بالحديد إليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (3) وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه * من الطعن فعل الانكب المتحامل (4) وإنا لعمر الله إن جد ما أرى * لتلتبسن أسيافنا بالاماثل بكفى فتى مثل الشهاب سميدع * أخى ثقة حامى الحقيقة باسل (5) شهورا وأياما وحولا محرما * علينا وتأتى حجة بعد قابل وما ترك قوم، لا أبا لك، سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل (6) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل (7) يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في رحمة وفواضل لعمري لقد أجرى أسيد وبكره * إلى بغضنا وجزانا لآكل (8)


(1) الاكتفا: * يطاع بنا العدى وودوا لو اننا * وهى رواية بعض نسخ ابن هشام. (2) نبزى: نسلب. وفى الروض نبذى. محرفة. (3) الروايا: الابل تحمل الماء، واحدتها روايا. والصلاصل: المزادات لها صلصلة بالماء. (4) الضغن: العداوة. ويركب درعه: يخر صريعا لوجهه. والانكب: المائل إلى جهة. (5) السميدع: السيد. (6) الذرب بالتسكين مخففة من الذرب بكسر الراء، وهو: اللسان الفاحش النطق، والمواكل: العاجز الذى يعتمد على غيره. (7) ثمال اليتامى: الذى يثملهم ويقوم بهم (8) أسيد وبكره: عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. (*)

[ 489 ]

وعثمان لم يربع علينا وقنفذ * ولكن أطاعا أمر تلك القبائل (1) أطاعا أبيا وابن يغوثهم * ولم يرقبا فينا مقالة قائل (2) كما قد لقينا من سبيع ونوفل * وكل تولى معرضا لم يجامل (3) فإن يلفيا أو يمكن الله منهما * نكل لهما صاعا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا * ليظعننا في أهل شاء وجامل (4) يناجى بنا في كل ممسى ومصبح * فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل (5) ويؤلى لنا بالله ما إن يغشنا * بلى قد نراه جهرة غير خائل (6) أضاق عليه بغضنا كل تلعة * من الارض بين أخشب فمجادل (7) وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرءا ممن يعاش برأيه * ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح * حسود كذوب مبغض ذى دغاول (8) ومر أبو سفيان عنى معرضا * كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه * ويزعم أنى لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيق ويخفى عارمات الدواخل أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة * ولا معظم عند الامور الجلائل ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة * أولى جدل من الخصوم المساجل (9)


(1) عثمان بن عبيد الله أخو طلحة، وقنفذ: ابن عمير بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة. (2) أبى: الاخنس بن شريق. (3) سبيع: ابن خالد، أخو بلحارث بن فهر. ونوفل: ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى. (4) أبو عمرو: قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. ويظعننا: يخرجنا. والشاء: اسم جمع، وكذلك الجامل. (5) خاتل: خادع. (6) يؤلى: يقسم. وفى ابن هشام: غير حائل. (7) التلعة: المشرف من الارض. (8) الدغاول: الغوائل. (9) المساجل: جمع مسجل بكسر الميم، وهو الخصم المدافع. أو جمع مساجل بضم الميم، على تقدير حذف الالف الزائدة من مفاعل، وتروى بالجاء جمع مسحل وهو اللسان. (*)

[ 490 ]

أمطعم إن القوم ساموك خطة * وإنى متى أوكل فلست بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل بميزان قسط لا يخيس شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل (1) لقد سفهت أحرم قوم تبدلوا * بنى خلف قيضا بنا والغياطل (2) ونحن الصميم من ؟ ؤابة هاشم * وآل قصى في الخطوب الاوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا * علينا العدا من كل طمل وخامل (3) فعبد مناف أنتم خير قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل (4) لعمري لقد وهنتم وعجزتم * وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم * ألان حطاب أقدر ومراجل (5) ليهن بنى عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قوما نتئر ما صنعتم * وتحتلبوها لقحة غير باهل (6) فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا * وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة * إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم * لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعده * لعمري وجدنا غبه غير طائل (7) سوى أن رهطا من كلاب بن مرة * براء إلينا من معقة خاذل


(1) يخيس. من خاس بالعهد إذا نقضه. وتروى لا يخس، أي لا ينقص. والعائل: الظالم (2) الغياطل: بنو سهم لان أمهم الغيطلة. (3) الطمل: اللص وهو الفاحش أيضا. (4) الواغل: المتطفل. (5) الحطب: اسم للجمع مثل ركب وليس بجمع. وقوله: حطاب أقدر هو جمع حاطب. والمعنى: كنتم متفقين لا تحطبون إلا لقدر واحدة فانتم الآن بخلاف ذلك. (6) نتئر: نثأر. واللقحة: الناقة ذات اللبن. والباهل: الناقة التى لا صرار على أخلافها فهى مباحة الحلب، يقال: ناقة مصرورة إذا كان على خلفها صرار يمنع الفصيل من أن يرضع. (7) غبه: عاقبته. (*)

[ 491 ]

ونعم ابن أخت القوم غير مكذب * زهير حساما مفردا من حمائل أشم من الشم البهاليل ينتمى * إلى حسب في حومة المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل * إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش * يوالى إلاها ليس عنه بغافل كريم المساعى ماجد وابن ماجد * له إرث مجد ثابت غير ناصل (1) وأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير زائل فو الله لولا أن أجئ بسبة * تجر على أشياخنا في المحافل لكنا تبعناه على كل حالة * من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعنى بقول الا باطل فأصبح فينا أحمد في أرومة * تقصر عنها (2) سورة المتطاول حدبت بنفسى دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرى والكلاكل قال ابن هشام: هذا ما صح لى من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها. قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهى أفحل من المعلقات السبع ! وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعها (3). وقد أوردها الاموى في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم.


(1) هذا البيت وما بعده ليسا في ابن هشام. وناصل: زائل. (2) ابن هشام: تقصر عنه. (3) أصدر ابن كثير رحمه الله هذا الحكم، وفضل هذه القصيدة المفككة الاوصال على المعلقات السبع رغم ما فيها من ألفاظ متكلفة ومعانى ركيكة، وعذره أنه لم يكن ناقدا أو خبيرا في الشعر. والقصيدة تخلو من طابع ذلك العصر في الالفاظ والمعاني والاساليب. (*)

[ 492 ]

فصل قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه. فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوه منهم، يفتنونهم عن دينهم. فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذى يصيبهم، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم. فكان بلال مولى أبى بكر، لبعض بنى جمح مولدا من مولديهم، وهو بلال بن رباح واسم أمه حمامة، وكان صادق الاسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول، وهو في ذلك: أحد أحد. قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب لذلك وهو يقول: أحد أحد. فيقول: أحد أحد والله يا بلال ! ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بنى جمح فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا (1). قلت: قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفى بعد البعثة في فترة الوحى،


(1) أي لاتخذن قبره منسكا ومسترحما. (*)

[ 493 ]

وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول " يا أيها المدثر " فكيف يمر ورقة ببلال، وهو يعذب ؟ وفيه نظر. ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبى بكر ببلال وهو يعذب، فاشتراه من أمية بعبد له أسود فأعتقه وأراحه من العذاب وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والاماء، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عميس (1) [ وزنيرة (2) ] التى أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها. والنهدية وابنتها، اشتراهما من بنى عبد الدار، بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهى تقول لهما: والله لا أعتقكما أبدا. فقال أبو بكر: حل (3) يا أم فلان. فقالت: حل، أنت أفسدتهما فأعتقهما. قال: فبكم هما ؟ قالت: بكذا وكذا. قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها. قال: [ أو ] ذلك إن شئتما. واشترى جارية بنى مؤمل، حى من بنى عدى، كان عمر يضربها على الاسلام. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن عبد الله بن أبى عتيق، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن بعض أهله. قال: قال أبو قحافة لابنه أبى بكر: يا بنى إنى أراك تعتق ضعافا، فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك. قال: فقال أبو بكر: يا أبت إنى إنما أريد ما أريد.


(1) كذا بالاصل وابن هشام والروض الانف. ولكن الزرقاني ضبطها بعين مهملة مضمومة فنون. وقيل بموحدة فتحتية. شرح المواهب 1 / 269. (2) سقطت من الاصل وأثبتها من ابن هشام والمراجع. (3) حل: تحللى من يمينك، وفى الاكتفاء: حل. بالنصب وهو أفصح. (*)

[ 494 ]

قال: فيحدث أنه ما أنزل هؤلاء الايات إلا فيه وفيما قال أبوه: " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى " إلى آخر السورة. وقد تقدم ما رواه الامام أحمد وابن ماجة من حديث عاصم بن بهدلة عن زر، عن ابن مسعود قال: أول من أظهر الاسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد. ورواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا. قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة. فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول - فيما بلغني -: " صبرا آل ياسر موعدكم الجنة ". وقد روى البيهقى عن الحاكم، عن إبراهيم بن عصمة العدل، حدثنا السرى بن خزيمة، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام بن أبى عبيد الله، عن أبى الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال: " أبشروا آل عمار وآل ياسر، فإن موعدكم الجنة " فأما أمه فيقتلوها فتأبى إلا الاسلام.

[ 495 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال. أول شهيد كان في أول الاسلام استشهد: أم عمار سمية، طعنها أبو جهل بحربة في قلبها. وهذا مرسل. قال محمد بن إسحاق: وكان أبو جهل الفاسق الذى يغرى بهم في رجال من قريش، إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفيلن (1) رأيك، ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به. لعنه الله وقبحه. قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله ابن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال: نعم والله ! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوى جالسا من شدة الضر الذى به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهآن من دون الله ؟ فيقول: نعم ! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم. قلت: وفى مثل هذا أنزل الله تعالى " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم " (2). فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الاهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته.


(1) لنفيلن: نخطئن، وفى ط: لنقيلن وهو تحريف. (2) سورة النحل 106. (*)

[ 496 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب بن الارت. قال: كنت رجلا قينا، وكان لى على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال فإنى إذا مت ثم بعثت جئتني ولى ثم مال وولد فأعطيك ! فأنزل الله تعالى " أفرأيت الذى كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا " إلى قوله " ويأتينا فردا " (1). أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الاعمش به. وفى لفظ البخاري: " كنت قينا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه " فذكر الحديث. وقال البخاري حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثنا بيان (2) وإسماعيل، قالا: سمعنا قيسا يقول: سمعت خبابا يقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة (3) وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله ؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: " قد (4) كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، وما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين (5) ما يصرفه ذلك عن يدنه، وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عزوجل " زاد بيان (6) " والذئب على غنمه ". وفى رواية " ولكنكم تستعجلون ". انفرد به البخاري دون مسلم.


(1) سورة مريم 77 - 80 (2) في ط، خ: بنان وهو تحريف، وما أثبته من البخاري 2 / 182 (3) البخاري: بردة. (4) البخاري: لقد. (5) البخاري: اثنتين. (6) خ، ط: بنان وهو تحريف. (*)

[ 497 ]

وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر ؟ ن هذا والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وابن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب، قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء فما أشكانا. يعنى في الصلاة. وقال ابن جعفر: فلم يشكنا. وقال أيضا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبابا يقول: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء فلم يشكنا. قال شعبة: يعنى في الظهيرة. ورواه مسلم والنسائي والبيهقي من حديث أبى إسحاق السبيعى، عن سعيد بن وهب، عن خباب قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء. - زاد البيهقى: في وجوهنا وأكفنا - فلم يشكنا. وفى رواية شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا. ورواه ابن ماجه، عن على بن محمد الطنافسى، عن وكيع، عن الاعمش، عن أبى إسحاق، عن حارثة بن مضرب العبدى، عن خباب قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا. والذى يقع لى، والله أعلم، أن هذا الحديث مختصر من الاول، وهو أنهم شكوا إليه صلى الله عليه وسلم ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم، وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم عن ابن إسحاق وغيره، وسألوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم على المشركين، أو

[ 498 ]

يستنصر عليهم، فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة، وأخبرهم عمن كان قبلهم أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم ولا يصرفهم ذلك عن دينهم، ويبشرهم أن الله سيتم هذا الامر ويظهره ويعلنه، وينشره وينصره في الاقاليم والآفاق، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عزوجل والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. ولهذا قال: " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا فلم يشكنا " أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة. فمن استدل بهذا الحديث على عدم الابراد، أو على وجوب مباشرة المصلى بالكف، كما هو أحد قولى الشافعي، ففيه نظر. والله أعلم. باب مجادلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق، وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا قال إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختيانى، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم ؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله ! قال: قد علمت قريش أنى من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له.

[ 499 ]

قال: وماذا أقول ؟ فو الله ما منكم رجل أعرف بالاشعار منى، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده منى، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذى يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذى يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: قف عنى حتى أفكر فيه. فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره. فنزلت " ذرنى ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدوا وبنين شهودا (1) " الآيات. هكذا رواه البيهقى عن الحاكم، عن عبد الله بن محمد الصنعانى بمكة، عن إسحاق به. وقد رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا. فيه أنه قرأ عليه " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون (2) ". وقال البيهقى: عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق حدثنى محمد بن أبى محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم (3) فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا (4). فقيل: يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقوم به (5).


(1) سورة المدثر 11 - 13. (2) سورة النحل 90. (3) ط: المواسم. محرفة. (4) ابن هشام: ويرد قولكم بعضه بعضا. (5) ابن هشام والمراجع: نقول. (*)

[ 500 ]

فقال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن: رأيت الكهان، فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا: نقول مجنون. فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. فقالوا: نقول شاعر. فقال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول هو ساحر. قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق (1)، وإن فرعه لجني (2)، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لان تقولوا: هذا ساحر، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون للناس حين (3) قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره. وأنزل الله في الوليد " ذرنى ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا (4) " الآيات، وفى أولئك النفر الذين جعلوا القرآن عضين: " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون (5) ". قلت: وفى ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم: " بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه، بل هو شاعر، فليأتنا بآية كما أرسل الاولون (6) " فحاروا ماذا يقولون


(1) خ ط: لمغدق، وما أثبته عن ابن هشام والعذق: النخلة (2) ابن هشام: لجناة وهو ما يجنى من الثمر (3) الاصل: حتى، وما أثبته عن ابن هشام. (4) سورة المدثر 11 - 13 (5) سورة الحجر 92، 93 (6) سورة الانبياء 5 (*)

[ 501 ]

فيه، فكل شئ يقولونه باطل. لان من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ. قال الله تعالى: " انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (1) ". وقال الامام عبد بن حميد في مسنده: حدثنى أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا على ابن مسهر، عن الاجلح، هو ابن عبد الله الكندى، عن الذيال بن حرملة الاسدي، عن جابر بن عبد الله، قال: اجتمع قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذى فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه. فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التى عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة (2) قط أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل ! إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فرغت ؟ " قال: نعم. فقال رسول الله


(1) سورة الاسراء 48 (2) السخلة: تطلق على الذكر والانثى من أولاد الضأن. (*)

[ 502 ]

صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " إلى أن بلغ " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ". فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا ؟ قال: لا. فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك ؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك ؟ فقال: نعم. ثم قال: لا والذى نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك ! يكلمك الرجل بالعربية لا تدرى ما قال ؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة. وقد رواه البيهقى وغيره عن الحاكم، عن الاصم عن عباس الدوري، عن يحيى بن معين، عن محمد بن فضيل،: عن الاجلح به. وفيه كلام. وزاد: وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت. وعنده أنه لما قال: " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " أمسك عتبة (1) على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا صبا إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه فأتوه. فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد.


(1) ط: عقبة. وهو تحريف. (*)

[ 503 ]

فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا. وقال: لقد علمتم أنى من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته، وقص عليهم القصة، فأجابني بشئ والله ما هو بسخر ولا بشعر ولا كهانة، قرأ " بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحم الرحيم " حتى بلغ " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب. ثم قال البيهقى: عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن محمد بن إسحاق، حدثنى يزيد بن أبى زياد مولى بنى هاشم، عن محمد بن كعب قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا حليما، قال ذات يوم وهو جالس في نادى قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ويكف عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد ! فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال والملك وغير ذلك. وقال زياد بن إسحاق: فقال عتبة: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا. وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه وكلمه. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخى إنك منا حيث قد علمت من السطة (1) في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك


(1) الاصل الشطر. وهو تحريف وما أثبته من الاكتفا للكلاعي. والسطة: الشرف. (*)

[ 504 ]

بأمر عظيم فرقت جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا الوليد أسمع ". قال: يا بن أخى إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الامر مالا جمعنا لك من أموالا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه. أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أفرغت يا أبا الوليد ؟ " قال: نعم. قال: اسمع منى. قال: أفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فلما سمع بها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليهما ليسمع منه. حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجدها ثم قال: " سمعت يا أبا الوليد ؟ " قال: سمعت. قال: " فأنت وذاك ". ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به. فلما جلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ورائي أنى والله قد سمعت قولا

[ 505 ]

ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بى، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنت أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيى لكم، فاصنعوا ما بدا لكم. ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة. وقال البيهقى: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الاصبهاني، أخبرنا أبو قتيبة سلمة ابن الفضل الادمى بمكة، حدثنا أبو أيوب احمد بن بشر الطيالسي، حدثنا داود بن عمرو الضبى، حدثنا المثنى بن زرعة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر. قال: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة " حم تنزيل من الرحمن الرحيم " أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم أطيعوني في هذا الامر اليوم، واعصوني فيما بعده، فو الله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناى كلاما مثله، وما دريت ما أرد عليه. وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. ثم روى البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن ابن إسحاق، حدثنى الزهري قال: حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والاخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رأكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئا ثم انصرفوا.

[ 506 ]

حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا. فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الاخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها [ وأشياء لا أعرفها ولا أعرف ما يراد بها (1) ] فقال الاخنس: وأنا والذى حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: ماذا سمعت ؟ ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا (2) على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء ! فمتى ندرك هذه ! والله لا نسمع به أبدا ولا نصدقه. فقام عنه الاخنس به شريق. ثم قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس، حدثنا أحمد، حدثنا يونس، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن المغيرة بن شعبة. قال: إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى أمشى أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله * (هامش * (1) من الاكتفا. (2) الاكتفا: تحا ؟ ينا. (*)

[ 507 ]

صلى الله عليه وسلم لابي جهل: " يا أبا الحكم، هلم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله ". فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، فو الله لو أنى أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على فقال: والله إنى لاعلم أن ما يقول حق، ولكن [ يمنعنى ] شئ، إن بنى قصى. قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم. ثم قالوا فينا السقاية فقلنا: نعم. ثم قالوا فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبى ! والله لا أفعل. وقال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم، حدثنا محمد بن خالد، حدثنا أحمد بن خلف، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق. قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبى جهل وأبى سفيان، وهما جالسان، فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بنى عبد شمس. قال أبو سفيان: وتعجب أن يكون منا نبى ! فالنبى يكون فيمن أقل منا وأذل. فقال أبو جهل: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا ! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع، فأتاهما فقال: " أما أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبت ولكنك حميت للاصل. وأما أنت يا أبا الحكم، فو الله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا " فقال: بئسما تعدني يا بن أخى من نبوتك. هذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة. وقول أبى جهل، لعنه الله، كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه " وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا، أهذا الذى بعث الله رسولا ؟ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (1).


(1) سورة الفرقان 41، 42. (*)

[ 508 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " (1). قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم " ولا تجهر بصلاتك " أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن " ولا تخافت بها " عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك " وابتغ بين ذلك سبيلا ". وهكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبى بشر جعفر بن أبى حية به. وقال محمد بن إسحاق: حدثنى داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلى تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو وهو يصلى، استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله تعالى " ولا تجهر بصلاتك " فيتفرقوا عنك " ولا تخافت بها " فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع، فينتفع به " وابتغ بين ذلك سبيلا ". إلى هنا ينتهى الجزء الاول من السيرة النبوية لابن كثير ويليه الجزء الثاني وأوله باب الهجرة إلى الحبشة


(1) سورة الاسراء 110 (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية