الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




قصص الانبياء - ابن كثير ج 1

قصص الانبياء

ابن كثير ج 1


[ 1 ]

قصص الانبياء للامام أبى الفداء إسماعيل بن كثير 701 - 774 ه‍ تحقيق مصطفى عبد الواحد الجزء الاول يطلب من دار الكتب الحديثة 14 شارع الجمهورية بعابدين ت: 916107 الطبعة الاولى 1388 ه‍ - 1968 م مطبعة دار التأليف 8 شارع يعقوب بالمالية بمصرإت 21825 بسم الله الرحمن الرحيم تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وبعد. فهذا كتاب " قصص الانبياء " للامام ابن كثير أقدمه لامتنا الاسلامية، راجيا أن يكون في نشره في هذه الصورة المحققة ما ييسر النفع وما يقدم هذا الجانب من ترائنا الاسلامي في صورة دانية إلى الكمال قريبة إلى الحقيقة دقيقة في العرض ممحصة الروايات والاخبار. وهذا القسم هو جانب قصص الانبياء من كتاب البداية والنهاية لابن كثير، وقد رأيت من الخير نشره مستقلا، بعد أن نشرت له من قبل قسم السيرة النبوية وشمائل الرسول، بعد أن تبينت من كلام ابن كثير في تفسيره ومن كتب التراجم أنه كان لابن كثير سيرة مطولة، ورجحت أنه ضمنها في كتابه " البداية " الذى ألفه في آخر عمره. وقد رأيت أن قصص الانبياء موضوع جدير بأن يفرد بالعرض وأن ينال من العناية ما نالته السيرة النبوية، إذ أن تاريخ النبوة حلقات متصلة لابد من اكتمالها ومن وضوح صورتها في الاذهان للتقرر الحقيقة

[ 2 ]

الانسانية والتاريخية ولتتجلى الحكمة التى قصد إليها القرآن الكريم من اهتمامه بإيراد هذا القصص في موضع بارز يهدف إلى وضوح العبرة وضرب المثل وإيجاز حركة التاريخ الانساني وبيان سنته من خلال عرضه لقصص الانبياء. وقد كان لابن كثير في قصص الانبياء بلاء مشكور ومنهج حكيم استطاع به أن يقرب الصورة القرآنية لقصص الانبياء، وأن يعكس التصور الاسلامي لتاريخ النبوة وحياة المرسلين. وقبل أن نتحدث عن الكتاب ومنهجه نوجز القول في مؤلفه ونلم بشئ من أخباره. ابن كثير: (1) هو أبو الفداء عماد الدين إسماعيل، بن عمر، بن كثير، بن ضوء، ابن كثير، بن زرع، القرشى الشافعي. كان أصله من البصرة، ولكنه نشأ بدمشق وتربى بها. ولد بمجدل القرية، من أعمال مدينة بصرى شرقي دشق سنة سبعمائة أو إحدى وسبعمائة. وتوفى بعد أن فقد بصره في يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، عن أربع وسبعين سنة.


(1) ترجمته في شذرات الذهب 6 / 231، والدرر الكامنة 1 / 374 وذيل تذكرة الحفاظ للحسيني 58 ; وذيل الطبقات للسيوطي. (*)

[ 3 ]

نشأته: كان أبوه خطيبا لقريته، وبعد مولد ابن كثير بأربع سنين توفى والده، فرباه أخوه الشيخ عبد الوهاب. وعلى هذا الاخ تلقى ابن كثير علومه في مبدأ أمره. ثم انتقل إلى دمشق سنة 706 في الخامسة من عمره. شيوخه: كان ابن كثير في دراسته متجها إلى الققه والحديث وعلوم السنة، إذ كانت الوجهة الغالبة في عصره، وشيوخه في هذا الباب كثيرون. فقد أخذ الفقه عن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الفزارى الشهير بابن الفركاح المتوفى سنة 729. وسمع بدمشق من عيسى بن المطعم، ومن أحمد بن أبى طالب المعمر الشهير بابن الشحنة، المتوفى سنة 730، ومن القاسم ابن عساكر وابن الشيرازي وإسحق بن الآمدي ومحمد بن زراد. ولازم الشيخ جمال يوسف بن المزكى المزى صاحب تهذيب الكمال المتوفى سنة 742. وقد انتفع به ابن كثير وتخرج به وتزوج بابنته. كما قرأ كثيرا على شيخ الاسلام تقى الدين ابن تيمية المتوفى سنة 728، ولازمه وأحبه وتأثر برأيه، وفى ذلك يقول ابن العماد: " كانت له خصوصية بابن تيمية ومناضلة عنه، واتباع له في كثير من آرائه، وكان يفتى برأيه في مسألة الطلاق وامتحن بسبب ذلك وأوذى ".

[ 4 ]

ويقول ابن حجر: " وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن بسببه " كما قرأ على الشيخ الحافظ المؤرخ شمس الدين الذهبي محمد بن أحمد ابن قايماز المتوفى سنة 748. وأجاز له من مصر أبو موسى القرافى والحسيني وأبو الفتح الدبوسي، وعلى بن عمر الوانى وموسى الختنى وغير واحد. وقد ولى ابن كثير مشيخة أم الصالح والتنكزية بعد إمامه الذهبي، كما ذكره الذهبي في مسودة طبقات الحفاظ (1). عصره: عاش ابن كثير في القرن الثامن الهجرى من مطلعه إلى قرب منتهاه، في ظل دولة المماليك التى كانت تبسط سلطانها على مصر والشام. وقد شهد عصره نكبات شديدة من هجوم الافرنج والتتار، وكثرة الاوبئة والمجاعات وتقلب السلطة بين أمراء المماليك الذين كان بعضهم يوالى الانتقاض على بعض. ولكن تلك الحقبة كان يسودها نشاط علمي تمثل في كثرة المدارس واتساع نطاق التعليم والتأليف، ولذلك أسباب مذكورة في كتب التاريخ من تنافس الامراء ورصد الاوقاف على العلماء والطلاق واتصال الافطار الاسلامية بعضها ببعض، وغير ذلك. وقد كان ذلك النشاط محصورا في دائرة ضيقة من الاتباع والتقليد


(1) ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني 58. (*)

[ 5 ]

فاهتم العلماء بالتلخيص والاختصار أو الشرح اللفظى والتقرير. كذلك انصرف التعليم في جملته إلى العلوم الشرعية وما يتصل بها. ويبدو تأثر ابن كثير باتجاهات عصره في انصرافه إلى علوم القرآن والسنة والفقه أو العلوم الشرعية بوجه عام، ففى بعض مؤلفاته اختصار لكتب الافدمين وإدماج لبعضها في بعض وتعليق عليها، كما سيتضح ذلك من النظر في كتبه الباقية. غير أن ابن كثيرا كان إماما مجددا في جوانب أخرى من تأليفه، فهو في التفسير إمام وصاحب مدرسة ينفر من الاسرائيليات والاخبار الواهية، ويضيق بالتفلسف وإقحام الرأى في كتاب الله ويؤثر منهج تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالحديث والاثر. ويرجع جانب التجديد فيه إلى صلته بابن تيمية، وحبه له وتأثره بآرائه، فقد كان ابن كثير كأستاذه ابن تيمية بعيدا عن الخرافات حريصا على الرجوع إلى السنة، يعتمد على التحقيق والتدقيق بوسيلته العلمية التى يملكها، وهى نقد الاسانيد وتمحيص الاخبار. منزلته وآراء العلماء فيه: احتل ابن كثير منزلة عالية في الفقه والتفسير والحديث والفتوى، يقول عنه الذهبي: " الامام المفتى المحدث البارع، فقيه ومفسر نقال وله تصانيف مفيدة ". ويقول عنه ابن حجر: " اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله،

[ 6 ]

وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة سارت تصانيفه في حياته وانتفع الناس بها بعد وفاته ". ويقول عنه ابن تغرى بردى: " لازم الاشتغال ودأب وحصل وكتب، وبرع في الفقه والتفسير والحديث وجمع وصنف، ودرس وحدث وألف، وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية وغير ذلك، وأفتى ودرس إلى أن توفى ". وقد اشتهر ابن كثير بالضبط والتحرى والاستقصاء، وانتهت إليه في عصره الرياسة في التاريخ والحديث والتفسير. يقول عنه ابن حجى أحد تلامذته: " أحفظ من أدركناه لمتون الاحاديث ورجالها، وأعرفهم بجرحها وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وما أعرف أنى اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه " ويصفه ابن العماد الحنبلى فيقول: " كان كثير الاستحضار قليل النسيان، جيد الفهم، يشارك في العربية وينظم نظما وسطا. قال فيه ابن حبيب: سمع وجمع وصنف، وأطرب الاسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير " ويقول عنه ابن حجر: " ولم يكن على طريق المحدثين في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النارل، ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدث الفقهاء ". ولكن السيوطي يحيب على كلام ابن حجر بقوله:

[ 7 ]

" العمدة في علم الحديث على معرفة صحيح الحديث وسقيمه وعلله واختلاف طرقه ورجاله جرحا وتعديلا، وأما العالي النازل ونحو ذلك فهو من الفضلات، لا من الاصول المهمة ". شعره وأسلوبه: كان ابن كثير مشاركا في العربية، وكان - كما قال ابن العماد - ينظم نظما وسطا، ولا يذكر له إلا القليل من النظم مثل قوله: تمر بنا الايام تترى وإنما * نساق إلى الآجال والعين تنظر فلا عائد ذاك الشباب الذى مضى * ولا زائل هذا المشيب المكدر وعلى كل فهو لم يشتعر بقول الشعر. وقد كانت ثقافته الادبية جيدة، بالنظر إلى فقيه مفسر محدث مثله، وكان يسير في أسلوبه على مقتضى عصره، من إيثار السجع والميل إلى المحسنات، وأسلوبه في التفسير قوى متناسب. كتبه: اشتغل ابن كثير بالتأليف والتصنيف، وأكثر كتبه في الحديث وعلومه، ومؤلفاته معدودة، وأهمها: 1 - تفسير القرآن الكريم. الذى قال فيه السيوطي: " لم يؤلف على نمطه مثله " وهو يعتمد على التفسير بالراوية، فيفسر القرآن ثم بالاحاديث المشتهرة يسوقها

[ 8 ]

بأسانيدها، ثم ينقد الاسانيد ويحكم عليها، ثم يذكر الآثار المروية عن الصحابة والتابعين. وهو مطبوع مشهور. 2 - البداية والنهاية في التاريخ. وهو أيضا مطبوع مشهور، وإن كانت طبعته غير موثقة ولا مصححة. وهو مرجع دقيق لا يزال عليه التعويل، قال عنه ابن تغرى بردى: " وهو في غاية الجودة ". 3 - اختصار علوم الحديث لابن الصلاح. وهو كتاب نافع أضاف فيه ابن كثير فوائد كثيرة ورتبه واختصره وهو مطبوع من تعلقات للمرحوم الشيخ أحمد شاكر باسم " الباعث الحثيث ". 4 - مختصر كتاب " المدخل إلى كتاب السنن " للبيهقي ذكره في مقدمة اختصار علوم الحديث. وهو مخطوط. 5 - رسالة في الجهاد. مطبوعة. 6 - التكميل في معرفة " الثقات والضعفاء والمجاهيل " جمع فيه كتابي " تهذيب الكمال " للمزى و " ميزان الاعتدال " للذهبي. وزاد عليهما زيادات مفيدة في الجرح والتعديل. وهو مخطوط. 7 - " الهدى والسنن في أحاديث المسانيد والسنن " وهو المعروف بجامع المسانيد، جمع فيه بين مسند أحمد والبزار وأبى يعلى وابن أبي شيبة مع الكتب الستة: الصحيحين والسنن الاربعة، ورتبه على أبواب. وهو مخطوط. 8 - مسند الشيخين أبى بكر وعمر.

[ 9 ]

وفيه - كما قال ابن كثير (1) - ذكر كيفية إسلام أبي بكر وأورد فضائله وشمائله وأتبع ذلك بسيرة الفاروق رضى الله عنه، وأورد ما رواه كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، من الاحاديث وما روى عنه من الآثاو والاحكام والفتاوى، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات. وهو مخطوط لا ندري مكانه ! 9 - السيرة النبوية، مطولة ومختصرة، ذكرها في تفسير سورة الاحزاب، في قصة غزوة الخندق (2). 10 - طبقات الشافعية. مجلد وسط، ومعه مناقب الشافعي. مخطوط 11 - تخريج أحاديث أدلة التنبيه في فقه الشافعية. 12 - وخرج أحاديث مختصر ابن الحاجب. 13 - كتاب المقدمات، ذكره في اختصار مقدمة ابن الصلاح وأحال عليه. 14 - وقد ذكر ابن حجر أن ابن كثير شرع في شرح للبخاري ولم يكمله. 15 - وشرح في كتاب كبير في الاحكام لم يكمل وصل فيه إلى الحج وفى هذه الكتب المعرفة لنا من تراث ابن كثير يظهر اتجاهه في اهتمامه بالسنة وعلومها، وتغلب عليه روح عصره في مختصراته وشروحه ويظهر ابتكاره في تفسيره للقرآن الكريم وفى منهجه في تاريخه الفذ: " البداية والنهاية ".


(1) السيرة النبوية لابن كثير 1 / 433. (2) قمت بنشرها في أربعة مجلدات، عن النسخ المحفوظة من البداية والنهاية مطبعة عيسى الحلبي سنة 1966. (*)

[ 10 ]

وقد شاع الانتفاع بالقدر القليل الذى عرف طريقه إلى الناس من كتب هذا الامام، وبقى منها قدر كبير لا يهتدى إلى مكانه ولا يعرف طريقه إلى أيدى الناس. وقد كان علينا أن نولي كتب هذا الامام العظيم ما يستحق من اهتمام وأن نيستر للناس الانتفاع بها، لنودى واجبنا نحو تراثنا وتاريخنا ولنصل ماضينا بحاضرنا، ولا ندع مصابيح الهداية تنطفئ وأمتنا أحوج ما تكون إلى ما فيها من ضياء. قصص الانبياء: وكتابنا هذا الذى نقدمه، هو جانب " قصص الانبياء " من البداية والنهاية لابن كثير، آثرت نشره محققا، لاستقلاله في موضوعه وحاجة جماهير الناس إليه، وقد كان موضوع قصص الانبياء من الموضوعات التى أفردها العلماء بالتأليف منذ عصر التدوين، وأول من أفرد لها كتابا مستقلا هو محمد بن إسحاق بن يسار المتوفى سنة 150 ه‍ فقد ألف كتابه " المبتدأ " أو " المبدأ " وقصص الانبياء، وقد أهمل ابن هشام هذا القسم حين لخص السيرة النبوية لابن إسحق، ولم يبق من هذا الكتاب إلا نقول نقلها عنه الطبري في التاريخ والتفسير والازرقي. ثم كتب أو رفاعة عمارة بن وثيمة بن موسى بن الفرات الفارسى المتوفى سنة 289 كتابه " بدء الخلق وقصص الانبياء " ويوجد الجزء الاخير منه في الفاتيكان ثالث 265 (1).


(1) تاريخ الادب العربي لبروكلمان 2 / 45. (*)

[ 11 ]

وقد صار افتتاح كتب التاريخ العام بقصص الانبياء وبدء الخلق سنة متبعة، منذ صنف أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المولود سنة 234 ه‍ بطبرستان، تاريخه الكامل وتناول فيه تاريخ العالم من بدء الخلق إلى عصره. ومن بعده أبو الحسن على بن الحسين المسعودي المتوفى سنة 345 في تاريخ " مروج الذهب ". ومعنى ذلك أن موضوع قصص الانبياء كان موضع اهتمام كتاب السيرة والتاريخ المسلمين منذ عصر التدوين إلى عصر ابن كثير. وعلينا الآن أن نتأمل منهج ابن كثير قى قصص الانبياء لنرى ما قدمه من جديد وما تفرد به من خصائص، مما يعد تجديدا في هذا الجانب من التاريخ. إن ذلك يقتضينا أن ننظر في مصادر ابن كثير في قصص الانبياء ونصنفها حسب تعويله عليها. وأول ما يتضح لنا أن ابن كثير قد جعل القرآن الكريم مصدره الاول في تاريخ الانبياء، فعول على طريقته والتزم بأخباره، وقطع بأن كل ما يخالفه من أقوال أهل الكتاب فهو كذب وبهتان، وذلك الحق الذى يقطع به كل مسلم. ويبدأ ابن كثير في كل قصة من قصص الانبياء بجمع الآيات القرآنية المنعلقة بها باستقصاء من كل سور القرآن، حسب ترتيب السور. ثم يجنح إلى جانب التفسير فيستخرج دلائل الآيات الكريمة بمنهجه المشهور، من تفسير القرآن، ثم بالسنة والاثر.

[ 12 ]

وبعد ذلك يجمع ابن كثير الاحاديث المروية في قصص الانبياء بأسانيدها من الصحاح والمسانيد، ولا يفوته أن يخرج تلك الاحاديث ويدلنا على حظها من الثبوت. ثم يتجه ابن كثير إلى روايات المؤرخين وعلماء السير، يختار منها ما يساير حقائق القرآن والسنة وآراء المفسرين وأبرز من ينقل عنهم ابن كثير: محمد ابن إسحق في كتاب " المبتدأ " وابن جرير في تاريخه وتفسيره، وابن عساكر في تاريخه، وتلك الروايات لا تمثل في الكتاب لحمة ولا سدى، إنما هي تأييد للاخبار الاسلامية أو تفصيل لها حينما يجنح الخيال إلى الاستقصاء ووصل الحلقات بعضها ببعض، وأغلب تلك الروايات منقول عن علماء أهل الكتاب، وكثيرا ما يعلق عليه ابن كثير بأنه غريب. ويبقى بعد ذلك من مصادر ابن كثير في قصص الانبياء أخبار أهل الكتاب، المتلقاة من التوراة التى بأيديهم. وقد وقف ابن كثير من هذا المصدر موقفا عدلا، فلم يهمله بالكلية مادام هناك من يتطلع إليه ومن ينقل عنه، فأشار ابن كثير إلى طرف يسير من أخبار أهل الكتاب مقترنة ببيان رأيه فيها، وهو يرى أن التوراة إن خالفت الحق الذى بأيدينا من الكتاب والسنة، فهى باطل يجب رده. فعندما ذكر عن التوراة أن الذى دل حواء على الاكل من الشجرة هي الحية، وكانت من أحسن الاشكال وأعظمها، أعقبه بقوله: " وهذا

[ 13 ]

الذى في هذه التوراة التى بأيديهم غلط منهم، وتحريف وخطأ في التعريب فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يتيسر لكل أحد، ولا سيما ممن لا يكاد يعرف كلام العرب جيدا، ولا يحيط علما بفهم كتابه أيضا، فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظا ومعنى، وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله: " ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما " فهذا لا يرد لغيره من الكلام " (1). وقد كان ابن كثير يقرأ التوراة ويرى ما فيها من تحريف، وقد نبه إلى ذلك في مواضع من كتابه هذا، فهو يقول عن قابيل: " والذى رأيته في الكتاب الذى بأيدى أهل الكتاب الذى يزعمون أنه التوراة: أن الله عزوجل أجله وأنظره وأنه سكن في أرض نور في شرق عدن " وبعد أن يذكر تواريخ أهل الكتاب عن ذرية قابيل يقول: " هذا مضمون ما في كتابهم صريحا، وفى كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر، كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك، والظاهر أنها مقحمة فيها، ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير، وفيها غلط كثير (2) ". وفى موضع آخر يقول: " فكيف يترك هذا ويذهل عنه، ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها (3) ".


(1) ص 22 من هذا الجزء. (2) ص 62 من هذا الجزء. (3) ص 107 من هذا الجزء. (*)

[ 14 ]

وبذلك وضع ابن كثير أخبار أهل لكتاب في موضعها الصحيح، يستأنس بها حين تطابق الحق الذى بأيدينا، وينبه على تحريفها وكذبها حين تخالف، فإن لم يكن لها دليل في أخبارنا واحتملت الصدق أوردها متوقفا، وقد أمرنا أن لا يصدق أهل الكتاب ولا نكذبهم. ومن هنا فقد نجا ابن كثير مما تورط فيه المؤرخون من قبله من الاسراف في رواية الاسرائيليات والتعويل عليها، واحتفظ بصورته الاسلامية المشرقة، وجعل قارئه يطمئن إلى مصادره ويتبين قيمتها. فإذا أردنا أن نتبين خصائص ابن كثير في قصص الانبياء، فإن أهم ما يستوقفنا من ذلك: (ا) الاحاطة بالاخبار والاستقصاء في روايتها من طرقها، مما يجعله أوفى مرجع في هذا القصص. وقد أعانه على ذلك عصره المتأخر، إذ عاش في القرن الثامن، فتمكن أن يجيل النظر فيما سلف من تراث. (ب) التحقيق العلمي في إيراد الاخبار فهو لا يذكر قولا إلا ومعه دليله ولا رواية إلا ويبين حالها من الصحة أو الضعف وهو وإن تسامح في إيراد بعض الاخبار الواهية، إلا أنه أخلى تبعته بالحكم عليها وفق أصول الرواية. 3 - الاهتمام بمقاصد القرآن الكريم في إبراز العظة وجلاء العبرة في هذا القصص وما دام ابن كثير مفسرا متقنا فقد استطاع أن يلفت النظر إلى كثير من مواطن العبرة في آيات الانبياء، وأن يجعل من عرض قصصهم وسيلة لتقرير كثير من الاحكام والآداب.

[ 15 ]

4 - وقد عنى ابن كثير بدفع الشبه التى أثارها كثير من المفسرين والمتلقين عن أهل للكتاب، واستطاع بمقدرته في التفسير وقوته في الاستدلال أن يوضح جانب الحق وأن يرد كثيرا من الآراء الفاسدة التى لا تتفق مع كرامة الانبياء. فقد كان موفقا في تأويل الآيات التى ثار حولها الخلاف وكثرت الاقاويل، كموقفه من تأويل قوله سبحانه على لسان لوط: " هؤلاء بناتى هن أطهر لكم " وقوله عن يوسف: " ولقد همت به وهم بها " وكذلك بيانه لقول الخليل عليه السلام " بل فعله كبيرهم هذا " وكذلك فصله في احتجاج موسى وآدم عليه السلام، وغير ذلك. وهذا جانب لم يهتم به أحد من المؤرخين من قبل، إنما دفع ابن كثير إليه إمامته في التفسير واهتمامه بمقاصد الهداية من قصص الانبياء. وبذلك يمكننا القول أن تناول ابن كثير لقصص الانبياء يعتبر جديدا في منهجه، إذ نلمح فيه عناصر أخرى غير التاريخ، كالتفسير والحديث، والعظة والتوجيه، وفى بعض الاحيان اللغة والادب، وقد مزج ابن كثير بين هذه العناصر وجعل الصدارة فيها للتصور القرآني لقصص الانبياء، فهو بحق تعبير صادق عن النظرة الاسلامية لهذا الموضوع وقد برئ من الحشو والتكلف والولوع بالغرائب، وساير منهج العقل والعلم، ونفر من الخرافات والاباطيل. وذلك ما جعلني أرى في نشر هذا الكتاب ضرورة لعصرنا وتراثنا على السواء.

[ 16 ]

منهج التحقيق: اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين من " البداية والنهاية " 1 - النسخة المصورة عن مكتبة ولى الدين بالآستانة والمحفوظة بدار الكتب المصرية برقم 1110 تاريخ. وهى نسخة جيدة لولا ما يقع فيها من سقط في بعض المواضع. وإليها الاشارة بحرف ا. 2 - النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة سنة 1351 ه‍ وقد قوبلت على نسخة محفوظة بالمدرسة الاحمدية بحلب، وإليها الاشارة بحرف ط. وقد كان جهدي متجها إلى ضبط الاصل ومقابلة النسختين لاستخراج الصواب منهما. وقد تبينت في النسخة المطبوعة سقطا كثير أشرت إليه في الهوامش، كما أن فيها تحريف شائعا قومته بالرجوع إلى المخطوطة وإلى المراجع التى نقل عنها ابن كثير، وأشرت إلى بعض هذه الاخطاء في هوامش الصفحات. وبعد ذلك كان لا بد من شرح المفردات وإثبات فروق النسخ والتعريف ببعض الاعلام والتعليق على ما لا يطمأن إليه من الروايات وغير ذلك مما يتطلبه تقويم الكتاب وتقديمه في صورة قريبة من الصحة دانية من الصواب. وأرجو أن أكون في نشرى لهذا الكتاب من كتب ابن كثير قد أديت واجبى نحو أمتنا الاسلامية حين يسرت هذا المرجع الاصيل

[ 17 ]

لهذا الجانب الهام من جوانب الثقافة الاسلامية، بل الانسانية وهو قصص الانبياء، وهم أبطال التضحية المجردة عن كل شائبة، وأمثلة الكمال البشرى الذين تستهديهم الانسانية في كل زمان. والله المسئول أن يهئ لنا من أمرنا رشدا وأن يمدنا بعونه وقوته، نعم المولى ونعم النصير. مصطفى عبد الواحد القاهرة صفر سنة 1388 ه‍ مايو سنة 1968 م

[ 1 ]

باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام قال الله تعالى: " وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الارض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الاسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العلم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم، قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين * وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا هبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (1) ". وقال تعالى: " مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (2) " وقال تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام، إن الله كان عليكم رقيبا (3) ".


(1) سورة البقرة 30 - 39 (2) سورة آل عمران 59 (3) سورة النساء 1 " م 1 - قصص الانبياء 1 " (*)

[ 2 ]

كما قال: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير (1) ". وقال تعالى: " هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها... الآية (2) ". وقال تعالى: " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرنك ؟ قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين * قال فاهبط منها، فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين * قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين * قال فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين * قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لاملان جهنم منكم أجمعين * ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ماوورى عنهما من سوآتهما، وقال مانها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ؟ وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين * قال اهبطوا بعضكم لبعض


(1) سورة الحجرات 13 (2) سورة الاعراف 189. (*)

[ 3 ]

عدو، ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين * قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (1) ". كما قال في الآية الاخرى: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (2) ". وقال تعالى: " ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون * والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ؟ * قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته ن صلصال من حمأ مسنون. قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين * قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط على مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين * وإن جهنم لموعدهم أجمعين * لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (3). وقال تعالى: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ؟ * قال أرأيتك هذا الذى كرمت على، لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك، وأجلب


(1) سورة الاعراف 21 - 25 (2) سورة طه 55 (3) سورة الحجر 26 - 44 (*)

[ 4 ]

عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الاموال والاولاد، وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا " (1) وقال تعالى: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ؟ بئس للظالمين بدلا " (2). وقال تعالى ": ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك، فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ؟ * فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آد ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى * قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو، فإما يأتينكم منى هدى فمن ابتع هداى فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتهما وكذلك اليوم تنسى (3) ". وقال تعالى: " قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون * ما كان لى من علم بالملا الاعلى إذ يختصمون * إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين * إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين * قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ؟ أستكبرت أم كنت من العالين ؟ * قال أنا خير منه خلقتي من نار وخلقته من طين * قال فاخرج منها


(1) سورة الاسراء (2) سورة الكهف (3) سورة طه (*)

[ 5 ]

فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لاغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين * قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين * إن هو إلا ذكر للعالمين * ولتعلمن نبأه بعد حين (1) ". * * * فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن، وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير، ولنذكرها هنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات، وما يتعلق بها من الاحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله المستعان. فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم: " إنى جاعل في الارض خليفة " أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال: " وهو الذى جعلكم خلائف الارض " [ وقال: " ويجعلكم خلفاء الارض " ] (2) فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته، كما يخبر بالامر العظيم قبل كونه، فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقص (3) لبنى آدم والحسد لهم، كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين، قالوا: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ ". قيل علموا أن ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن (4). قاله قتادة.


(1) سورة ص. (2) سقطت من المطبوعة. (3) ا: والنقص. (4) كذا، ولعلها الحن، وهم طائفة من الجن وقيل ضعفتهم. (*)

[ 6 ]

وقال عبد الله بن عمر: كانت الجن قبل آدم بألفى عام فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم جندا من الملائكة (1) فطردوهم إلى جزائر البحور. وعن ابن عباس نحوه. وعن الحسن ألهموا ذلك. وقيل: لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ، فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له السجل. رواه ابن أبى حاتم عن أبى جعفر الباقر. وقيل: لانهم علموا أن الارض لا يخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالبا. " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " أي نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد، فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلا ولا نهارا. " قال إنى أعلم ما لا تعلمون " أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء مالا تعلمون، أي سيوجد منهم الانبياء والمرسلون والصديقون والشهداء [ والصالحون (2) ]. ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال: " وعلم آدم الاسماء كلها ". قال ابن عباس: هي هذه الاسماء التى يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك من الامم وغيرها. وفى رواية: علمه اسم الصحفة، والقدر، حتى الفسوة والفسية. وقال مجاهد: علمه اسم كل دابة، وكل طير وكل شئ. وكذا قال سعيد ابن جبير [ وقتادة وغير واحد (3) ].


(1) ا: من الملائكة جندا (2) سقطت من المطبوعة. (3) ليست في ا (*)

[ 7 ]

وقال الربيع: علمه أسماء الملائكة. وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته. والصحيح: أنه علمه أسماء الذورات وأفعالها مكبرها ومصغرها، كما أشار إليه ابن عباس رضى الله عنهما. وذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شئ " وذكر تمام الحديث. " ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ". قال الحسن البصري: لما أراد الله خلق آدم، قالت الملائكة: لا يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه. فابتلوا بهذا. وذلك قوله " إن كنتم صادقين ". وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير. قالوا: " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " أي سبحانك أن يحيط أحد بشئ من علمك من غير تعليمك، كما قال: " ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء ". " قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ " أي أعلم السر كما أعلم العلانية. وقيل إن المراد بقوله: " أعلم ما تبدون " ما قالوا: أتجعل فيها من يفسد

[ 8 ]

فيها، وبقوله " وما كنتم تكتمون " المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر والنفاسة (1) على آدم عليه السلام. قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدى والضحاك والثوري واختاره ابن جرير. وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: " وما كنتم تكتمون " قولهم: لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه. وقوله: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر " هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، كما قال: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " فهذه أربع تشريفات: خلقه له بيده الكريمة، ونفخه من روحه، وأمره (2) الملائكة بالسجود له، وتعليمه أسماء الاشياء. ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملا الاعلى وتناظر كما سيأتي: أنت آدم أبو البشر الذى خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شئ. وهكذا يقول [ له (3) ] أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال في الآية الاخرى: " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتي من نار وخلقته من طين ". قال الحسن البصري: قاس إبليس وهو أول من قاس. وقال محمد بن


(1) المطبوعة: والتخيرة. (2) ا: وأمر. (3) من ا (*)

[ 9 ]

سيرين: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس و [ لا ] (1) القمر إلا بالمقاييس، رواهما ابن جرير. ومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم، فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له، مع وجود الامر له ولسائر الملائكة بالسجود. والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار. ثم هو فاسد في نفسه، فإن الطين أنفع وخير من النار، لان الطين فيه الرزانة والحلم والاناة والنمو، والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والاحراق. ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه، ولهذا أمر الملائكة بالسجود له، كما قال: " وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين. قال: يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين قال: لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون قال: فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين " استحق هذا من الله تعالى لانه استلزم تنقصه لآدم وازدراءه به وترفعه عليه مخالفة الامر الالهى، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين. وشرع في الاعتذار بما لا يجدى عنه شيئا، وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ؟ قال أرأيتك هذا الذى كرمت على لئن أحرتنى إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا. قال اذهب فمن تبعك


(1) ليست في ا. (*)

[ 10 ]

منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا، واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ". وقال في سورة الكهف: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " أي خرج عن طاعة الله عمدا وعنادا واستكبارا عن امتثال أمره، وما ذاك إلا لانه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليها، فإنه مخلوق من ناركما قال، وكما جاء في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ". قال الحسن البصري: لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط. وقال شهر بن حوشب: كان من الجن، فلما أفسدوا في الارض بعث الله إليهم جندا من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار، وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى السماء فكان هناك، فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه. وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون: كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا. قال ابن عباس: وكان اسمه عزازيل، وفى رواية عنه (1): الحارث. قال النقاش: وكنيته أبو كردوس. قال ابن عباس: وكان من حى من الملائكة يقال لهم الجن،


(1) المطبوعة: عن وهو تحريف. (*)

[ 11 ]

وكانوا خزان الجنان، وكان من أشرفهم و [ من ] (1) أكثرهم علما وعبادة، وكان من أولى الاجنحة الاربعة فمسخه الله شيطانا رجيما. وقال في سورة ص: " وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. قال: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى استكبرت أم كنت من العالين. قال: انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال: فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين. قال: رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال: فبعزتك لاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. قال: فالحق والحق أقول. لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين " وقال في سورة الاعراف: " قال فبما أغويتني لافعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين " أي بسبب إغوائك إياى لاقعدن لهم كل مرصد، ولآتينهم من كل جهة منهم، فالسعيد من خالفه والشقى من اتبعه. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل - هو عبد الله ابن عقيل الثقفى - حدثنا موسى بن المسيب، عن سالم بن أبى الجعد، عن سبرة بن أبى الفاكه (2) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان قعد (3) لا بن آدم بأطرقه " وذكر الحديث. * * *


(1) من ا. (2) ا: فا كه. (3) ط: يقعد. (*)

[ 12 ]

وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم: أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات ؟ وهو قول الجمهور. أو المراد بهم ملائكة الارض ؟ كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس، وفيه انقطاع وفى السياق نكارة، وإن كان بعض المتأخرين قد رجحه. ولكن الاظهر من السياقات الاول، ويدل عليه الحديث: " وأسجد له ملائكته " وهذا عموم أيضا والله أعلم. وقوله تعالى لابليس: " اهبط منها " و " اخرج منها " دليل على أنه كان في السماء فأمر بالهبوط منها، والخروج من المنزلة والمكانة التى كان قد نالها بعبادته، وتشبه بالملائكة في الطاعة والعبادة، ثم سلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه، فأهبط إلى الارض مذءوما مدحورا. * * * وأمر الله آدم عليه السلام أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال: " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ". وقال في الاعراف: " قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لاملان جهنم منك أجمعين * ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ". وقال تعالى: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى *

[ 13 ]

فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ". وسياق هذه الآيات يقتضى أن خلق حواء كان قبل دخول آدم [ إلى ] (1) الجنة لقوله: " ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة " وهذا قد صرح به إسحاق ابن يسار (2) وهو ظاهر هذه الآيات. ولكن حكى السدى عن أبى صالح وأبى مالك، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا: أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة، فكان يمشى فيها وحشى (3) ليس له فيها زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه. فسألها ما (4) أنت ؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت ؟ قالت: لتسكن إلى، فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم ؟ قال: حواء، قالوا: ولم كانت حواء ؟ قال لانها خلقت من شئ حى. وذكر محمد بن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه الاقصر الايسر وهو نائم ولام مكانه لحما. ومصداق هذا في قوله تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء... الآية " وفى قوله تعالى: " هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها


(1) من ا. (2) ط: بشار. وهو تحريف. (3) كذا بالاصول، ولعله على تقدير مبتدأ محذوف. وهو وحشى. (4) ط: من أنت. (*)

[ 14 ]

ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به... " الآية وسنتكلم عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفى الصحيحين من حديث زائدة، عن ميسرة الاشجعي، عن أبى حازم، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا ". لفظ البخاري. و [ وقد ] (1) اختلف المفسرون في قوله تعالى: " ولا تقربا هذه الشجرة " فقيل هي الكرم، وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبى وجعدة ابن هبيرة، ومحمد بن قيس والسدى في رواية عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة، قال: وتزعم يهود أنها الحنطة، وهذا مروى عن ابن عباس والحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفى، وأبى مالك ومحارب بن دثار، و عبد الرحمن بن أبى ليلى. قال وهب: والحبة منه ألين من الزبد وأحلى من العسل. وقال الثوري عن أبى حصين، عن أبي مالك: " ولا تقربا هذه الشجرة " هي النخلة. وقال ابن جريج عن مجاهد: هي التينة، وبه قال قتادة وابن جريج وقال أبو العالية: كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغى في الجنة حدث. وهذا الخلاف قريب، وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها، ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التى تبهم في القرآن.


(1) ليس في ا. (*)

[ 15 ]

وإنما الخلاف الذى ذكروه في أن هذه الجنة التى أدخلها آدم: هل هي في السماء أو في الارض، هو الخلاف الذى ينبغى فصله والخروج منه. والجمهور على أنها هي التى في السماء وهى جنة المأوى، لظاهر الآيات والاحاديث كقوله تعالى: " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة " والانف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي، وإنما تعود على معهود ذهني، وهو المستقر شرعا من جنة المأوى، وكقول موسى عليه السلام لآدم عليه السلام: " علام أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟... " الحديث كما سيأتي الكلام عليه. وروى مسلم في صحيحه من حديث أبى مالك الاشجعى - واسمه سعد ابن طارق - عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن أبى هريرة، وأبو مالك عن ربعى، عن حذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة. فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم ؟ " وذكر الحديث بطوله. وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في (1) الدلالة على أنها جنة المأوى، وليست تخلو عن نظر. وقال آخرون: بل الجنة التى أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد، لانه (2) كلف فيها ألا يأكل من تلك الشجرة، ولانه نام فيها وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها، وهذا مما ينافى أن تكون جنة المأوى. وهذا القول محكى عن أبى بن كعب، و عبد الله بن عباس ووهب بن منبه وسفيان بن عيينة، واختاره ابن قتيبة في المعارف، والقاضى منذر بن سعيد


(1) 1: على. (2) ا: لانها. (*)

[ 16 ]

البلوطى في تفسيره وأفرد له مصنفا على حدة. وحكاه عن أبى حنيفة الامام وأصحابه رحمهم الله. ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي بن خطيب الرى في تفسيره عن أبى القاسم البلخى وأبى مسلم الاصبهاني. ونقله القرطبى في تفسيره عن المعتزلة والقدرية. وهذا القول هو نص التوراة التى بأيدى أهل الكتاب. وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في الملل والنحل، وأبو محمد بن عطية في تفسيره، وأبو عيسى الرماني في تفسيره، وحكى عن الجمهور الاول، وأبو القاسم الراغب [ والقاضى (1) ] الماوردى في تفسيره فقال: واختلف في الجنة التى أسكناها يعنى آدم وحواء على قولين: أحدهما أنها جنة الخلد. الثاني [ أنها (2) ] جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء، وليست جنة الخلد التى جعلها دار جزاء. ومن قال بهذا اختلفوا على قولين: أحدهما أنها في السماء لانه أهبطهما منها، وهذا قول الحسن، والثانى أنها في الارض لانه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التى نهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهذا قول ابن يحيى، وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم، والله أعلم بالصواب من ذلك. هذا كلامه. فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة، وأشعر كلامه أنه متوقف في المسألة. ولهذا (3) حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال: هذه الثلاثة التى أوردها الماوردى، ورابعها الوقف. وحكى القول بأنها في السماء وليست جنة المأوى، عن أبى على الجبائى.


(1) ليست في ا. (2) من ا. (3) ط: ولقد. (*)

[ 17 ]

وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله إلى جواب، فقالوا: لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الالهية، وأمره بالخروج عنها والهبوط منها وهذا الامر ليس من الاوامر الشرعية بحيث يمكن مخالفته، وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع، ولهذا قال: " اخرج منها مذءوما مدحورا ". وقال: " اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها " وقال: " اخرج منها فإنك رجيم " والضمير عائد إلى الجنة أو السماء أو المنزلة. وأياما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدرا في المكان الذى طرد عنه وأبعد منه، لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز. قالوا: ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له: " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلى " وبقوله: " ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين. فدلاهما بغرور.. " الآية وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما. وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها، وأنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء. وفى الثلاثة نظر، والله أعلم. ومما احتج به أصحاب هذه المقالة: ما رواه عبد الله بن الامام أحمد في الزيادات عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن البصري، عن يحيى بن ضمرة السعدى، عن أبى بن كعب، قال: إن آدم لما احتضر اشتهى " م 2 - قصص الانبياء 1 "

[ 18 ]

قطفا من عنب الجنة، فانطلق بنوه ليطلبوه له، فلقيتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون يا بنى آدم ؟ فقالوا إن أبانا اشتهى قطفا من عنب الجنة. فقالوا لهم: ارجعوا فقد كفيتموه. فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه، وصلى عليه جبريل ومن خلفه من الملائكة ودفنوه، وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم. وسيأتى الحديث بسنده، وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم عليه السلام. قالوا: فلولا أنه كان الوصول إلى الجنة التى كان فيها آدم التى اشتهى منها القطف ممكنا، لما ذهبوا يطلبون ذلك، فدل على أنها في الارض لا في السماء، والله تعالى أعلم. قالوا: والاحتجاج بأن الالف واللام في قوله: " ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة " [ لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهنى (1) ] مسلم، ولكن هو مادل عليه سياق الكلام، فإن آدم خلق من الارض ولم ينقل أنه رفع إلى السماء، وخلق ليكون في الارض، وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال: " إنى جاعل في الارض خليفة " قالوا: وهذا كقوله تعالى: " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة (2) " واللام ليس للعموم، ولم يتقدم معهود لفظي، وإنما هي للمعهود الذهنى الذى فالالف دل عليه السياق وهو البستان. قالوا: وذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء، قال الله تعالى: " قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك (2) " وإنما كان


(1) ليست في ا (2) الآية: 17 من سورة ن (3) الآية: 48 من سورة هود (*)

[ 19 ]

في السفينة (1) حين استقرت على الجودى ونضب الماء عن وجه الارض أمر (2) أن يهبط إليها هو ومن معه مباركا عليه وعليهم. وقال الله تعالى: " اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " الآية (3) وقال تعالى: " وإن منها لما يهبط من خشية الله.. " الآية (4). وفى الاحاديث واللغة من هذا كثير. قالوا: ولا مانع - بل هو الواقع - أن الجنة أسكنها آدم كانت مرتفعة عن (5) سائر بقاع الارض، ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور، كما قال تعالى: " إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ". أي لايذل باطنك بالجوع ولا ظاهرك بالعرى " وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " أي لا يمس باطنك حر الظمأ ولا ظاهرك حر الشمس، ولهذا قرن بين هذا وهذا، وبين هذا وهذا، لما بينهما من الملاءمة. فلما كان منه ماكان من أكله من الشجرة التى نهى عنها، أهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنصب والكدر والسعى والنكد، والابتلاء والاختبار والامتحان، واختلاف السكان دينا وأخلاقا وأعمالا، وقصودا وإرادات وأقوالا وأفعالا، كما قال تعالى: " ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين ". ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال: " وقلنا من بعده لبنى إسرائيل اسكنوا الارض، فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا " (6)، ومعلوم أنهم كانوا فيها ولم يكونوا في السماء.


(1) 1: السفن (2) ط: وأمر (3) الآية: 61 من سورة البقرة (4) الآية: 74 من سورة البقرة (5) ا: على (6) الآية: 104 من سورة الاسراء

[ 20 ]

قالوا: وليس هذا القول مفرعا على قول من ينكر وجود الجنة والنار [ اليوم ] (1) ولا تلازم بينهما، فكل من حكى عمنه هذا القول من السلف وأكثر (2) الخلف، ممن يثبت وجود الجنة والنار اليوم، كما دلت عليه الآيات والاحاديث الصحاح. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. * * * وقوله تعالى: " فأزلهما الشيطان عنها " أي عن الجنة " فأخرجهما مما كانا فيه " أي من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والكد والنكد، وذلك بما وسوس لهما وزينه في صدورهما، كما قال تعالى: " فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ماوورى عنهما من سوآتهما، وقال مانها كما ركما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين " [ يقول: مانها كما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (3) ]، أي لو أكلتما منها لصرتما كذلك. " وقاسمهما " أي حلف لهما على ذلك " إنى لكما لمن الناصحين "، كما قال في الآية الاخرى: " فوسوس إليه الشيطان، قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلى ؟ ": أي هل أدلك على الشجرة التى إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم، واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضى ؟ وهذا من التغرير والتزوير والاخبار بخلاف الواقع. والمقصود أن قوله شجرة الخلد التى إذا أكلت منها خلدت، وقد تكون هي الشجرة التى قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا شعبة،


(1) ليست في ا (2) ا: وأكثرهم (3) ليست في ا (*)

[ 21 ]

عن أبى الضحاك، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد ". وكذا رواه أيضا عن غندر وحجاج، عن شعبة ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة أيضا به. قال غندر: قلت لشعبة: هي شجرة الخلد ؟ قال ليس فيها هي. تفرد به الامام أحمد. وقوله: " فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة " [ كما قال في طه " فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما، وطقا يخصفان عليهما من ورق الجنة (1) ] وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم، رهى التى حدته على أكلها والله أعلم. وعليه يحمل (2) الحديث الذى رواه البخاري: حدثنا بشر بن محمد، حدثنا عبد الله، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه: " لولا بنو إسرائيل لم يخنز (3) اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها ". تفرد به من هذا الوجه، وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبى هريرة به، ورواه أحمد ومسلم عن هارون بن معروف، عن أبى (4) وهب، عن عمرو بن الحارث (5) عن أبى يونس، عن أبى هريرة به.


(1) ليست في ا (2) ا: حمل (3) يخنز: ينتن (4) ا: عن ابن (5) ط: حارث (*)

[ 22 ]

وفى كتاب التوراة التى بأيدى (1) أهل الكتاب: أن الذى دل حواء على الاكل من الشجرة هي الحية، وكانت من أحسن الاشكال وأعظمها، فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم عليه السلام، وليس فيها ذكر لابليس، فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان، فوصلا من ورق التين وعملا مآزر وفيها أنهما كانا عريانين. وكذا قال وهب بن منبه: كان لباسهما نورا على فرجه وفرجها. وهذا الذى في هذه التوراة التى بأيديهم غلط منهم، وتحريف وخطأ في التعريب، فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يتيسر (2) لكل أحد، ولا سيما ممن لا [ يكاد (3) ] يعرف كلام العرب جيدا، ولا يحيط علما بفهم كتابه أيضا، فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير (4) لفظا ومعنى. وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله: " ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما " فهذا لايرد لغيره من الكلام. والله تعالى أعلم. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا على بن الحسن بن أسكاب، حدثنا على بن عاصم، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن عن أبى بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق (5)، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول مابدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن عزوجل: يا آدم منى تفر ؟ فلما سمع كلام الرحمن قال يا رب لا، ولكن استحياء ".


(1) ط: بين أيدى. وما أثبته عن ا (2) ط: لا يكاد يتيسر. ولعله تحريف (3) سقطت من المطبوعة (4) ا: كبير (5) السحوق: الطويلة (*)

[ 23 ]

وقال الثوري عن ابن أبى ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة " ورق التين. وهذا إسناد صحيح إليه وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب، وظاهر الآية يقتضى أعم من ذلك، وبتقدير تسليمه فلا يضر، والله تعالى أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق، عن الحسن ابن ذكوان، عن الحسن البصري عن أبى بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أباكم آدم كان كالنخلة السحوق، ستون ذراعا، كثير الشعر موارى العورة، فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته، فخرج من الجنة، فلقيته شجرة فأخذت بناصيته، فناداه ربه: أفرارا منى يا آدم ؟ قال: بل حياء منك (1) يا رب مما جئت به ". ثم رواه من طريق سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن يحيى ابن ضمرة، عن أبى بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وهذا أصح، فإن الحسن لم يدرك أبيا. ثم أورده أيضا من طريق خيثمة بن سليمان الاطرابلسى، عن محمد بن عبد الوهاب أبى مرصافة العسقلاني، عن آدم بن أبى إياس، عن سنان، عن قتادة عن أنس مرفوعا بنحوه. " وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ".


(1) ط: بل حياء منك والله يا رب. (*)

[ 24 ]

وهذا اعتراف ورجوع إلى الانابة، وتذلل وخضوع واستكانة، وافتقار إليه تعالى في الساعة الراهنة، وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه. " قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين " وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس، قيل والحية معهم، أمروا أن يهطبوا من الجنة في حال كونهم متعادين متحاربين. وقد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الحيات، وقال: ما سالمناهن منذ حاربناهن. وقوله في سورة طه: " قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو " هو أمر لآدم وإبليس، واستتبع آدم حواء وإبليس الحية. وقيل هو أمر لهم بصيغة التثنية كما في قوله تعالى: " وداود وسليمان إذ يخكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (1) ". [ والصحيح أن هذا لما كان الحاكم لا يحكم إلا بين اثنين مدع ومدعى عليه، قال: وكنا لحكمهم شاهدين (2) ]. وأما تكريره الاهباط في سورة البقرة في قوله: " وقلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لعبض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين. فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم. قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى، فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون.


(1) سورة الانبياء 77 (2) سقط من ا (*)

[ 25 ]

والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " فقال بعض المفسرين: المراد بالاهباط الاول: الهبوط من الجنة إلى السماء الدنيا، وبالثانى: من السماء الدنيا إلى الارض. وهذا ضعيف لقوله في الاول: " قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين " فدل على أنهم أهبطوا إلى الارض بالاهباط الاول والله أعلم. والصحيح: أنه كرره لفظا وإن كان واحدا، وناط مع كل مرة حكما ; فناط بالاول عداوتهم فيما بينهم، وبالثانى الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذى ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقى، وهذا الاسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم. وروى الحافظ ابن عساكر عن مجاهد قال: أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره، فنزع جبريل التاج عن رأسه، وحل ميكائيل الاكليل عن جبينه، وتعلق به غصن، فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، فنكس رأسه يقول: العفو العفو، فقال الله: أفرارا منى ؟ قال: بل حياء منك يا سيدي ! وقال الاوزاعي عن حسان - هو ابن عطية - مكث آدم في الجنة مائة عام، وفى رواية ستين عاما، وبكى على الجنة سبعين عاما، وعلى خطيئته سبعين عاما، وعلى ولده حين قتل أربعين عاما. رواه ابن عساكر. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا

[ 26 ]

جرير، عن سعيد، عن ابن عباس قال: أهبط آدم عليه السلام إلى أرض يقال لها " دحنا " بين مكة والطائف. وعن الحسن قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي حاتم أيضا. وقال السدى: نزل آدم بالهند ونزل معه بالحجر الاسود وبقبضة من ورق الجنة، فبثه في الهند فنبتت شجرة الطيب هناك. وعن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا، وحواء بالمروة. رواه ابن أبى حاتم أيضا. وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبى موسى الاشعري، قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الارض علمه صنعة كل شئ. وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير. وقال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو بكر بن بالوية، عن محمد بن أحمد بن النضر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن أبى معاوية البجلى، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس قال: ما أسكن آدم الجنة إلا مابين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفى صحيح مسلم من حديث الزهري عن الاعرج، عن أبى هريرة قال: قال

[ 27 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها ". وفى الصحيح من وجه آخر: " وفيه تقوم الساعة ". وقال أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الاوزاعي، عن أبى عمار، عن عبد الله بن فروخ، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة ". على شرط مسلم. فأما الحديث الذى رواه ابن عساكر من طريق أبى القاسم البغوي، حدثنا محمد بن جعفر الوركانى، حدثنا سعيد بن ميسرة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هبط آدم وحواء عريانين جميعا، عليهما ورق الجنة، فأصابه الحر حتى قعد يبكى ويقول لها: يا حواء قد آذانى الحر، قال فجاءه جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل وعلمها، وأمر آدم بالحياكة وعلمه أن ينسج (1) "، وقال: " كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة، حتى هبط منها للخطيئة التى أصابتهما (2) بأكلهما من الشجرة "، قال: " وكان كل واحد منهما ينام على حدة، وينام أحدهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى، حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله "، قال: " وعلمه كيف يأتيها، فلما أتاها جاءه جبريل فقال: كيف وجدت امرأتك ؟ قال: صالحة ". فإنه حديث غريب ورفعه منكر جدا. وقد يكون من كلام بعض السلف


(1) ا: وعلم آدم بالحياكة وأمره أن ينسج (2) ا: أصابها (*)

[ 28 ]

وسعيد بن ميسرة هذا هو أبوعمران البكري البصري، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يروى الموضوعات، وقال ابن عدى: مظلم الامر. * * * وقوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم " قيل هي قوله: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (1) ". روى هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبى العالية والربيع ابن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخراساني و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا على بن الحسن بن أسكاب، حدثنا على بن عاصم، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبى بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال آدم عليه السلام: أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدى إلى الجنة ؟ قال: نعم " فذلك قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ". وهذا غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع. وقال ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: الكلمات: " اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لى إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إنى ظلمت نفسي فتب على إنك أنت التواب الرحيم ". (1) الآية: 23 من سورة الاعراف (*)

[ 29 ]

وروى الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه " قال: قال آدم يا رب ألم تخلقني بيدك ؟ قيل له بلى، ونفخت في من روحكم ؟ قيل له بلى، وعطست فقلت يرحمك الله وسبقت رحمتك غضبك ؟ قيل له: بلى، وكتبت على أن أعمل هذا ؟ قيل له بلى، قال: أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة ؟ قال: نعم. ثم قال الحاكم: صحيح الاسناد ولم يخرجاه. وروى الحاكم أيضا والبيهقي وابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما اقترف آدم الخطيئة قال: بارب أسألك بحق محمد إلا (1) غفرت لى ". فقال الله: فكيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد ؟ فقال: يا رب لانك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحكم، رفعت رأسي فرايت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟ فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لاحب الخلق إلى، وإذ سألتنى بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك. قال البيهقى: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه وهو ضعيف. والله أعلم. وهذه الآية كقوله تعالى: " وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " (2).


(1) ط: أن وهو تحريف (2) الآيتان من سورة طه 121، 123 (*)

[ 30 ]

ذكر احتجاج آدم وموسى عليهما السلام قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حاج موسى آدم عليهما السلام فقال له: أنت الذى أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم. قال آدم: " يا موسى أنت الذى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر [ قد ] (1) كتبه الله على قبل أن يخلقني، أو قدره على قبل أن يخلقني ؟ " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فحج آدم موسى ". وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد، والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن أيوب بن النجار به. قال أبو مسعود الدمشقي: ولم يخرجا عنه في الصحيحين سواه. وقد رواه أحمد، عنم عبد الرازق عن معمر، عن همام، عن أبى هريرة، ورواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرازق به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم، حدثنا أبو شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذى اخرجتك خطيئتك من الجنة ؟. فقال له آدم: وأنت موسى الذى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه تلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فحج آدم موسى " مرتين.


(1) ليست في ا (*)

[ 31 ]

قلت: وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائده، عن الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت الذى خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ". قال: " فقال آدم: وأنت موسى الذى اصطفاك الله بكلامه تلومني عنى عمل أعمله، كتبه الله على قبل أن يخلق السموات والارض ؟ قال: فحج آدم موسى ". وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن يحيى بن حبيب بن عدى، عن معمر ابن سليمان، عن أبيه، عن الاعمش به. قال الترمذي: وهو غريب (1) من حديث سليمان التيمى عن الاعمش. قال: وقد رواه بعضهم عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد. قلت: هكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده، عن محمد بن مثنى، عن معاذ بن أسد، عن الفضل بن موسى، عن الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى سعيد. ورواه البزار أيضا: حدثنا عمرو بن على الفلاس، حدثنا أبو معاوية، عن


(2) ط: قريب. (*)

[ 32 ]

الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، أو أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. وقال أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو سمع طاووسا، سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى أنت الذى اصطفاك الله بكلامه - وقال مرة برسالته - وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله على قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ " قال: " حج آدم موسى، حج آدم موسى، حج آدم موسى ". وهكذا رواه البخاري عن على بن المدينى، عن سفيان، قال حفظناه من عمرو عن طاووس، قال سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله على قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى. هكذا ثلاثا. قال سفيان: حدثنا أبو الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة من عشر طرق، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

[ 33 ]

وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد، عن عمار، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقى آدم موسى، فقال: أنت آدم الذى خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك الجنة، ثم فعلت ما فعلت ؟ فقال: أنت موسى الذى كلمك الله واصطفاك برسالته، وأنزل عليك التوراة، أنا أقدم أم الذكر ؟ قال: لابل الذكر. فحج آدم موسى. قال أحمد: وحدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عمار بن أبى عمار، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحميد عن الحسن عن رجل - قال حماد أظنه جندب بن عبد الله البجلى - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقى آدم موسى " فذكر معناه. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا حسين (1)، حدثنا جرير - هو ابن حازم - عن محمد، هو ابن سيرين، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقى آدم موسى فقال: أنت آدم الذى خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ثم صنعت ما صنعت ؟ قال آدم: لموسى (2) أنت الذى كلمه الله، وأنزل عليه التوراة ؟ قال نعم قال: فهل تجده مكتوبا على قبل أن أخلق ؟ قال نعم. قال: " فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ". وكذا رواه حماد بن زيد، عن أيوب، وهشام عن محمد بن سيرين، عن أبى


(1) ط: الحسن (2) ط: يا موسى (م 3 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 34 ]

هريرة رفعه. وكذا رواه على بن عاصم، عن خالد، وهشام، عن محمد بن سيرين وهذا على شرطهما من هذه الوجوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الاعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبى دياب، عن يزيد بن هرمز، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذى خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، ثم أهبطت الناس إلى الارض بخطيئتك ؟ قال آدم: أنت موسى الذى اصطفاك الله برسانته وكلامه، وأعطاك الالواح فيها تبيان كل شئ، وقربك نجيا ؟ فبكم وجدت الله [ كتب التوراة (1) ] قال موسى: بأربعين عاما، قال آدم: فهل وجدت فيها: " وعصى آدم ربه فغوى ؟ " قال نعم. قال أفتلومنى على أن عملت عملا كتب الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فحج آدم موسى ". قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رواه مسلم عن إسحق بن موسى الانصاري، عن أنس بن عياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب، عن يزيد بن هرمز والاعرج، كلاهما عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر ; عن الزهري، عن أبى سلمة،


(1) سقطت من ا (*)

[ 35 ]

عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتج آدم وموسى، فقال موسى لآدم: يا آدم أنت الذى أدخلت ذريتك النار. فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليك التوراة، فهل وجدت أن أهبط ؟ قال نعم، قال فحجه آدم ". وهذا على شرطهما ولم يخرجاه من هذا الوجه، وفى قوله أدخلت ذريتك النار، نكارة. فهذه طرق هذا الحديث عن أبى هريرة، رواه عنه حميد بن عبد الرحمن، وذكوان أبو صالح السمان، وطاووس بن كيسان، و عبد الرحمان بن هرمز الاعرج، وعمار بن أبى عمار، ومحمد بن سيرين، وهمام بن منبه، ويزيد بن هرمز، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. * * * وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فقال: حدثنا الحارث بن مسكين المصرى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال موسى عليه السلام: يا رب أرنا آدم الذى أخرجنا ونفسه من الجنة. فأراه آدم عليه السلام، فقال: أنت آدم ؟ فقال له آدم: نعم. فقال: أنت الذى نفه الله فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك الاسماء كلها ؟ قال نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فقال له آدم: من أنت ؟ قال أنا موسى. قال: أنت موسى بنى

[ 36 ]

بنى إسرائيل ؟ أنت الذى كلمك الله من وراء الحجاج، فلم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه ؟ قال: نعم. قال: تلومني على أمر قد سبق من الله عزوجل القضاء به قبل ؟ ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ". ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح المصرى، عن ابن وهب به. قال أبو يعلى: وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعى، حدثنا عمران، عن الردينى، عن أبى مجلز عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر - قال أبو محمد أكبر ظنى أنه رفعه - قال: " التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت أبو البشر، أسكنك الله جنته، وأسجدلك ملائكته. قال آدم: يا موسى أما تجده على مكتوبا ؟ قال: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ". وهذا الاسناد أيضا لا بأس به، والله أعلم. وقد تقدم رواية الفضل بن موسى لهذا الحديث عن الاعمش، عن أبى صالح عن أبى سعيد، ورواية الامام أحمد له عن عفان، عن حماد بن سلمة عن حميد، عن الحسن عن رجل. قال حماد: أظنه جندب بن عبد الله البجلى، عن النى صلى الله عليه وسلم: " لقى آدم موسى " فذكر معناه. * * * وقد اختلف مسالك الناس في هذا الحديث: فرده قوم من القدرية لما تضمن من إثبات القدر السابق. واحتج به قوم من الجبرية، وهو ظاهر لهم بادى الرأى حيث قال: فحج آدم موسى، لما احتج عليه بتقديم كتابه، وسيأتى الجواب عن هذا.

[ 37 ]

وقال آخرون: إنما حجه لانه لامه على ذنب قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لاذنب له. وقيل إنما حجه لانه أكبر منه وأقدم. وقيل لانه أبوه. وقيل لانهما في شريعتين متغايرتين. وقيل لانهما في دار البرزخ وقد انقطع التكليف فيما يزعمون. والتحقيق: أن هذا الحديث روى بألفاظ كثيرة بعضها مروى بالمعنى، وفيه نظر. ومدار معظمها في الصحيحين وغيرهما على أنه لامه على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فقال له آدم: أنا لم أخرجكم، وإنما أخرجكم الذى رتب الاخراج على أكلى من الشجرة، والذى رتب ذلك وقدره وكتبه قبل أن أخلق، هو الله عزوجل، فأنت تلومني على أمر ليس له نسبة إلى أكثر من أنى نهيت عن الاكل من الشجرة فأكلت منها، وكون الاخراج مترتبا على ذلك ليس من فعلى، فأنا لم أخرجكم ولا نفسي من الجنة، وإنما كان هذا من قدر الله وصنعه، وله الحكمة في ذلك. فلهذا حج آدم موسى. ومن كذب بهذا الحديث فمعاند ; لانه متواتر عن أبى هريرة رضى الله عنه، وناهيك به عدالة وحفظا وإتقانا. ثم هو مروى عن غيره من الصحابة كما ذكرنا. ومن تأوله بتلك التأويلات المذكورة آنفا، فهو بعيد من اللفظ والمعنى، وما فيهم من هو أقوى مسلكا من الجبرية. وفيما قالوه نظر من وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام لا يلوم على أمر قد تاب عنه فاعله.

[ 38 ]

الثاني: أنه قد قتل نفسا لم يؤمر بقتلها، وقد سأل الله في ذلك بقوله: " رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لى فغفر له (1) ". الثالث: أنه لو كان الجواب عن اللوم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على العبد، لا نفتح هذا لكل من ليم على أمر قد فعله، فيحتج بالقدر السابق فينسد باب القصاص والحدود. ولو كان القدر حجة لاحتج به كل أحد على الامر الذى ارتكبه في الامور الكبار والصغار، وهذا يفضى إلى لوازم فظيعة. فلهذا قال من قال من العلماء، بأن جواب آدم إنما كان احتجاجا بالقدر على المصيبة لا المعصية. والله تعالى أعلم.


(1) سورة القصص 16. (*)

[ 39 ]

ذكر الاحاديث الواردة في خلق آدم عليه السلام قال الامام أحمد: حدثنا يحيى ومحمد بن جعفر، حدثنا عوف، حدثنى قسامة ابن زهير، عن أبى موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق آدم من قبضه قبضها من جميع الارض، فجاء بنو آدم على قدر الارض، فجاء منهم الابيض والاحمر والاسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن وبين ذلك. ورواه أيضا عن هوذة، عن عوف، عن قسامة بن زهير، سمعت الاشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض، فجاء بنو آدم على قدر الارض، فجاء منهم الابيض والاحمر والاسود وبين ذلك والسهل والحزن وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك ". وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه، من حديث عوف ابن أبي جميلة الاعرابي، عن قسامة بن زهير المازتى البصري، عن أبى موسى عبد الله بن قيس الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد ذكر السدى عن أبى مالك وأبى صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فبعث الله عزوجل جبريل في الارض ليأتيه بطين منها، فقالت الارض: أعوذ بالله منك أن تنقص منى أو تشيننى، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها.

[ 40 ]

فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل. فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الارض وخلط (1)، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة بيضاء وحمراء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا. واللازب: هو الذى يلزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: " إنى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ". فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، فخلقه بشرا، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعا إبليس، فكان يمر به فيضربه، فيصوت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة، فذلك حين يقول: " من صلصال كالفخار " ويقول: لامر ماخلقت، ودخل من فيه وخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لاهلكنه. فلما بلغ الحين الذى يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس، فقالت الملائكة قل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال له الله: رحمك ربك، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروح في جوه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، وذلك حين يقول الله تعالى: " خلق الانسان من عجل " فسجد الملائكة


(1) ط: وخلطه. (*)

[ 41 ]

كلهم أجمعون ؟ إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين " وذكر تمام القصة. ولبعض هذا السياق شاهد من الاحاديث، وإن كان كثير منه متلقى من الاسرائيليات. فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه، فجعل إبليس يطيف به، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك ". وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا الحسبن بن سفيان، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما نفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله ". وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا حبان ابن هلال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن عبيدالله، عن حبيب، عن حفص - هو ابن عاصم بن عبيدالله بن عمر بن الخطاب - عن أبى هريرة رفعه قال: " لما خلق الله آدم عطس، فقال الحمد لله، فقال له ربه رحمك ربك يا آدم ". وهذا الاسناد لا بأس به ولم يخرجوه. وقال عمر بن عبد العزيز: لما أمرت الملائكة بالسجود كان أول من سجد منهم إسرافيل، فآتاه الله أن كتب القرآن في جبهته. رواه ابن عساكر. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا عمرو بن محمد،

[ 42 ]

عن إسماعيل بن رافع، عن المقبرى، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم من تراب، ثم جعله طينا ثم تركه، حتى إذا كان حما مسنونا خلقه الله وصوره ثم تركه، حتى إذا كان صلصالا كالفخار قال: فكان إبليس يمر به فيقول: لقد خلقت لامر عظيم. ثم نفخ الله فيه من روحه فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه، فعطس فلقاه الله رحمة به، فقال الله: يرحمك ربك، ثم قال الله: يا آدم اذهب إلى هؤلاء النفر فقل لهم فانظر ماذا يقولون ؟ فجاء فسلم عليهم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقال: يا آدم: هذا تحيتك وتحية ذريتك. قال يا رب: وما ذريتي ؟ قال: اختر يدى يا آدم، قال: أختار يمين ربى وكلتا يدى ربى يمين، فبسط كفه فإذا من هو كائن من ذريته في كف الرحمن، فإذا رجال منهم أفواههم النور، وإذا رجل يعجب آدم نوره، قال يا رب من هذا ؟ قال ابنك داود، قال يا رب: فكم جعلت له من العمر ؟ قال جعلت له ستين، قال: يا رب فأتم له من عمرى حتى يكون عمره (1) مائة سنة، ففعل سنة، ففعل الله ذلك، وأشهد على ذلك. فلما نفد عمر آدم بعث الله ملك الموت، فقال آدم: أو لم يبق من عمرى أربعون سنة ؟ قال له الملك: أو لم تعطها ابنك داود ؟ فجحد ذلك، فجحدت ذريته، ونسى فنسيت ذريته ! ". وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار والترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث صفوان بن عيسى، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب، عن سعيد


(1) ط: حتى يكون له من العمر (*)

[ 43 ]

المقبرى، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي [ حديث (1) ] حسن غريب من هذا الوجه. وقال النسائي: هذا حديث منكر. وقد رواه محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبى سعيد المقبرى (2)، عن عبد الله بن سلام [ قوله (3) ]. وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبى صالح، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عينى كل إنسان منهم وبيصا (4) من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا فأعجبه وبيص مابين عينيه، فقال: أي رب من هذا ؟ قال هذا رجل من آخر الامم من ذريتك يقال له داود، قال: رب وكم جعلت عمره ؟ قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمرى أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمرى أربعون سنة ؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود ؟ قال: فجحد فجحدت ذريته، ونسى آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته ". ثم قال الترمذي: حسن صحيح. وقد روى من غير وجه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبى نعيم الفضل ابن دكين، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.


(1) ليست في ا. (2) عن سعيد المقبرى عن أبيه (3) الوبيص: البريق (4) من ا. (*)

[ 44 ]

وروى ابن أبى حاتم من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبى هريرة مرفوعا فذكره وفيه: " ثم عرضهم على آدم فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الاجذم والابرص والاعمى وأنواع الاسقام، فقال آدم: يا رب لم فعلت هذا بذريتي ؟ قال: كى تشكر نعمتي ". ثم ذكر قصة داود. وستأتى من رواية ابن عباس أيضا. وقال الامام أحمد في مسنده: حديثا الهيثم [ بن خارجة، حدثنا أبو الربيع (1) ] عن يونس بن ميسرة، عن أبى إدريس، عن أبى الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الدر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم (2)، فقال الذى في يمينه: إلى الجنة ولا أبالى، وقال للذى في كتفه (3) اليسرى: إلى النار ولا أبالى ". وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا الحكم بن سنان، عن حوشب، عن الحسن قال: خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى، وأخرج أهل النار من صفحته (4) اليسرى، فألقوا على وجه الارض ; منهم الاعمى والاصم والمبتلى. فقال آدم: يا رب ألا سويت بين ولدى ؟ قال: يا آدم إنى أردت أن أشكر. وهكذا روى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة عن الحسن بنحوه.


(1) ليست في ا (2) الحمم: الفحم (3) ا: كفه (4) ا: حضرنه (*)

[ 45 ]

وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه فقال: حدثنا محمد بن إسحاق ابن خزيمة، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا الحارث ابن عبد الرحمن بن أبى ذباب، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس، فقال الحمد لله. فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه، يرحمك ربك يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملا منهم جلوس فسلم عليهم، فقال: السلام عليكم، فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله. ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم. وقال الله ويداه مقبوضتان: اختر أيما شئت، فقال اخترت يمين ربى، وكلتا يدى ربى يمين مباركة، ثم بسطهما فإذا فيهما آدم وذريته، فقال: أي رب ما هؤلاء ؟ قال هؤلاء ذريتك، وإذا كل إنسان منهم مكتوب عمره بين عينيه، وإذا فيهم رجل أضوؤهم - أو من أضوئهم - لم يكتب له إلا أربعون سنة، قال: يا رب من هذا ؟ قال: هذا ابنك داود. وقد كتب الله عمره أربعين سنة. قال: أي رب زد في عمره، فقال: ذاك الذى كتب له، قال: فإنى قد جعلت له من عمرى ستين سنة، قال: أنت وذاك. اسكن الجنة. فسكن الجنة ما شاء الله ثم هبط منها، وكان آدم يعد لنفسه. فأتاه ملك الموت فقال له آدم: قد عجلت، قد كتب لى ألف سنة. قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة، فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسى فنسيت ذريته، فيومئذ أمر بالكتاب والشهود " هذا لفظه. وقد قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر،

[ 46 ]

عن همام بن منبه، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، ثم قال اذهب فسلم على أولئك [ النفر (1) ] من الملائكة، فاستمع ما يجيبونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا السلام عليك ورحمة الله. فزادوه ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن ". وهكذا رواه البخاري في كتاب الاستئذان (2)، عن يحيى بن جعفر، ومسلم، عن محمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق به. وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان طول آدم ستين ذراعا في سبع أذرع عرضا ". انفرد به أحمد. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول من جحد آدم، إن أول من جحد آدم، إن أول من جحد آدم. إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارى إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلا يزهر، قال: أي رب من هذا ؟ قال: هذا ابنك داود، قال أي رب كم عمره. قال: ستون عاما. قال: أي رب زد في عمره. قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك، وكان


(1) سقطت من الاصول وأثبتها من صحيح البخاري (2) صحيح البخاري 3 / 158 ط الاميرية (*)

[ 47 ]

عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما. فكتب الله عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة. فلما احتضر آدم أتته الملائكة لقبضه، قال: إنه قد بقى من عمرى أربعون عاما، فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود قال: ما فعلت، وأبرز الله عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة. وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول من جحد آدم. قالها ثلاث مرات. إن الله عزوجل لما خلقه مسح ظهره فأخرج ذريته فعرضهم (1) عليه، فرأى فيهم رجلا يزهر، فقال أي رب زد في عمره. قال: لا، إلا أن تزيده أنت من عمرك. فزاده أربعين سنة من عمره. فكتب الله تعالى عليه كتابا وأشهد عليه الملائكة. فلما أراد أن يقبض روحه قال: إنه بقى من أجلى أربعون سنة، فقيل له: إنك قد جعلتها لابنك داود. قال: فجحد، قال: فأخرج الله الكتاب، وأقام عليه البينة، فأتمها لداود مائة سنة، وأتم لآدم عمره ألف سنة. تفرد به أحمد وعلى بن زيد، في حديثه نكارة. ورواه الطبراني عن على بن عبد العزيز، عن حجاج بن منهال، عن حماد ابن سلمة، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس وغير زواحد، عن الحسن قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول من جحد آدم ثلاثا " وذكره.


(1) ا: فاعرضهم. وهو تحريف (*)

[ 48 ]

وقال الامام مالك بن أنس في موطئه عن زيد بن أبى أنيسة، أن عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أخبره عن مسلم بن يسار الجهنى أن عمر ابن الخطاب سئل عن هذه الآية: " وإذا أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم ؟ قالوا بلى (1) " الآية، فقال عمر ابن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال: " إن الله خلق آدم عليه السلام، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل المنار يعملون ". فقال رجل: يارسول الله فقيم العمل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذ خلق الله العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلق الله العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار ". وهكذا رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبى حاتم، وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه من طرق، عن الامام مالك به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر. وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة، زاد أبو حاتم: وبينهما نعيم بن ربيعة. وقد رواه أبو داود عن محمد بن مصفى، عن بقية، عن عمر بن جثعم، عن زيد بن أبى أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب،


(3) سورة الاعراف 172 (*)

[ 49 ]

عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، قال: كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث. قال الحافظ الدارقطني: وقد تابع عمر بن جثعم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوى، عن زيد بن أبى أنيسة قال: وقولهما أولى بالصواب من قول مالك رحمه الله. وهذه الاحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر، وقسمتهم قسمين: أهل اليمين وأهل الشمال، وقال: هؤلاء للجنة ولا أبالى، وهؤلاء للنار ولا أبالى. فأما الاشهاد عليهم واستنطاقهم بالاقرار بالوحدانية، فلم يجئ في الاحاديث الثابتة. وتفسير الآية التى في سورة الاعراف وحملها على هذا فيه نظر كما بيتناه هناك وذكرنا الاحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها، فمن أراد تحريره فليراجعه ثم. والله أعلم. * * * فأما الحديث الذى رواه أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير - يعنى ابن حازم - عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال: " ألست بربكم ؟ قالوا بلى، شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون " (1).


(1) من سورة الاعراف 172، 173 " م 4 - قصص الانبياء 1 " (*)

[ 50 ]

فهو بإسناد جيد قوى على شرط مسلم، رواه النسائي وابن جرير والحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد المروزى به. وقال الحاكم: صحيح الاسناد ولم يخرجاه، إلا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر فروى عنه مرفزوعا وموقوفا، وكذا روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا. وهكذا رواه العوفى والوالبى والضحاك وأبو جمرة، عن ابن عباس قوله. وهذا أكثر وأثبت والله أعلم. وهكذا روى عن عبد الله بن عمر موقوفا ومرفوعا، والموقوف أصح. * * * واستأنس القائلون بهذا القول - وهو أخذ الميثاق على الذرية وهم الجمهور - بما قال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنى شعبة، عن أبى عمران الجونى، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: لو كان لك ما على الارض من شئ أكنت مفتديا به ؟ قال: فيقول نعم. فيقول قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بى شيئا، فأبيت إلا أن تشرك بى ". أخرجاه من حديث شعبة به. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية، عن أبى بن كعب، في قوله تعالى: " وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم.. " الآية والتى بعدها. قال: فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فخلقهم ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهد عليهم أنفسهم: " ألست بربكم ؟ قالوا: بلى.. " الآية.

[ 51 ]

قال: فإنى أشهد عليكم السموات السبع والارضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم، أن لا تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيرى ولا رب غيرى، ولا تشركوا بى شيئا، وإنى سأرسل إليكم رسلا ينذرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتابي. قالزوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك. فأقروا له يومئذ بالطاعة. ورفع أباهم آدم فنظر إليهم، فرأى فيهم الغنى والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب لو سويت بين عبادك ؟ فقال: إنى أحببت أن أشكر. ورأى فيهم الانبياء مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذى يقول الله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم. وأخذنا منهم ميثاقا غليظا " (1) وهو الذى يقول: " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " (2) وفى ذلك قال: " هذا نذير من النذر الاولى " (3) وفى ذلك قال: " وما وجدنا لاكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (4) ". رواه الائمة: عبد الله بن أحمد وابن أبى حاتم وابن جرير وابن مردويه، في تفاسيرهم من طريق أبى جعفر، وروى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير


(1) سورة الاحزاب 8 (2) من سورة الروم 31 (3) من سورة النجم 57 (4) سورة (*)

[ 52 ]

والحسن البصري وقتادة والسدى، وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الاحاديث. * * * وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، امتثلوا كلهم الامر الالهى، وامتنع إبليس من السجود له حسدا وعداوة له، فطرده الله وأبعده، وأخرجه من الحضرة الالهية، ونفاه عنها، وأهبطه إلى الارض طريدا ملعونا شيطانا رجيما. وقد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ويعلى ومحمد ابنا (1) عبيد، قالوا حدثنا الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكى يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلى النار ". ورواه مسلم من حديث وكيع وأبى معاوية عن الاعمش به. ثم لما أسكن آدم الجنة التى أسكنها، سواء، أكانت في السماء أم (2) في الارض على ما تقدم من الخلاف فيه، أقام بها هو وزوجته حوا عليهما السلام، يأكلان منها رغدا حيث شاءا، فلما أكلا من الشجرة التى نهيا عنها، سلبا ما كانا فيه من اللباس وأهبطا إلى الارض. وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها. واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة: فقيل بعض يوم من أيام الدنيا،


(1) ا: حدثنا عبيد. (2) ا: أو. (*)

[ 53 ]

وقد قدمنا ما رواه مسلم عن أبى هريرة مرفوعا: " وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة " وتقدم أيضا حديثه عنه، وفيه - يعنى يوم الجمعة - خلق آدم، وفيه أخرج منها. فإن كان اليوم الذى خلق فيه فيه أخرج - وقلنا إن الايام الستة كهذه الايام - فقد لبث بعض يوم من هذه، وفى هذا نظر. وإن كان إخراجه في غير اليوم الذى خلق فيه، أو قلنا بأن تلك الايام مقدارها ستة آلاف سنة، كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة. قال ابن جرير: ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة، والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين سنة، وأقام في الجنة قبل أن يهبط ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر، والله تعالى أعلم. وقد روى عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن سوار خبر عطاء بن أبى رباح: أنه كان لما أهبط رجلاه في الارض ورأسه في السماء، فحطه الله إلى ستين ذراعا. وقد روى عن ابن عباس نحوه. وفى هذا نظر، لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن " وهذا يقتضى أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا، وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن. وذكر ابن جرير عن ابن عباس: إن الله قال: يا آدم إن لى حرما بحيال

[ 54 ]

عرشى، فانطلق فابن لى فيه بيتا، فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي، وأرسل الله له ملكا فعرفه مكانه وعلمه المناسك، وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قربة بعد ذلك. وعنه: أن أول طعام أكله آدم في الارض، أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة، فقال: ماهذا ؟ قال: هذا من الشجرة التى نهيت عنها فأكلت منها فقال: وما أصنع بهذا ؟ قال: ابذره في الارض، فبذره. وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف، فنبتت فحصده، ثم درسه ثم ذراه، ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه، فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد، وذلك قوله تعالى: " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ". وكان أول كسوتهما من شعر الضأن: جزاه ثم غزلاه، فنسج آدم له جبة، ولحواء درعا وخمارا. واختلفوا: هل ولد لهما بالجنة شئ من الاولاد ؟ فقيل: لم يولد لهما إلا في الارض، وقيل بل ولد لهما فيها، فكان قابيل وأخته ممن ولدبها (1). والله أعلم. وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه (2) التى ولدت معه، والآخر بالاخرى وهلم جرا، ولم يكن تحل أخت لاخيها الذى ولدت معه.


(1) ا: من ولديها (2) المطبوعة: أخت أخته. وهو تحريف. (*)

[ 55 ]

ذكر قصه ابني آدم: قابيل وهابيل قال الله تعالى: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق، إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لاقتلنك، قال: إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلى يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدى إليك لاقتلك، إنى أخاف الله رب العالمين * إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه، قال يا ويلتى ! أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، فأوارى سوأة أخى، فأصبح من النادمين (1) ". وقد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية. ولله الحمد. ولذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك. فذكر السدى عن أبى مالك وأبى صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة، أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الآخر (2) وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل، وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن، فأراد قابيل (3) أن يستأثر بها على أخيه، وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى، فأمرهما أن يقربا قربانا، وذهب آدم ليحج


(1) من سورة المائدة 31 - 35 (2) المطبوعة: الاخرى (3) المطبوعة: هابيل. وهو تحريف (*)

[ 56 ]

إلى مكة، واستحفظ السموات على بنيه فأبين، والارضين والجبال فأبين، فتقبل قابيل بحفظ ذلك. فلما ذهب قربا قبانهما ; فقرب هابيل جذعة سمينة، وكان صاحب غنم، وقرب قابيل حزمة من زرع من درئ زرعه، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لاقتلنك حتى لا تنكح أختى، فقال: إنما يتقبل الله من المتقين. وروى عن ابن عباس من وجوه أخر، وعن عبد الله بن عمرو. وقال عبد الله بن عمرو، وايم الله إن كان المقتول لاشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده ! وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقريبهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل، فقال قابيل لآدم: إنما تقبل منه لانك دعوت له ولم تدع لى. وتوعد أخاه فيما بينه وبينه. فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعى، فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به (1)، فلما ذهب إذا هو به، فقال له: تقبل منك ولم يتقبل منى. فقال: إنما يتقبل الله من المتقين. فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله. وقيل: إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته. وقيل: بل خنقه خنقا شديدا وعضه كما تفعل السباع فمات والله أعلم. وقوله له لما توعده بالقتل: " لئن بسطت إلى يدك لتقتلني، ما أنا بباسط


(1) ا: ما بطأ (*)

[ 57 ]

يدى إليك لاقتلك ; إنى أخاف الله رب العالمين " دل على خلق حسن، وخوف من الله تعالى وخشية منه (1)، وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الذى أراد منه أخوه مثله. ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه ". وقوله: " إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ": أي إنى أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى، إذ قد عزمت على ما عزمت عليه، أن تبوء بإثمى وإثمك، أي تتحمل إثم قتلى (2) مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك. قاله مجاهد والسدى وابن جرير وغير واحد. وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله إلى القاتل كما قد توهمه بعض الناس (3) ; فإن ابن جرير حكى الاجماع على خلاف ذلك. وأما الحديث الذى يورده بعض من لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما ترك القاتل على المقتول من ذنب " فلا أصل له، ولا يعرف في شئ من كتب الحديث بسند صحيح ولاحسن ولا ضعيف أيضا. ولكن قد يتفق في بعض الاشخاص يوم القيامة، أن يطالب المقتول القاتل فتكون حسنات القاتل لاتفى بهذه المظلمة فتحول من سيئات المقتول


(1) ا: وخشية الله (2) ا: إثم مقاتلتي (3) ط: بعض من قال (*)

[ 58 ]

إلى القاتل، كما ثبت به الحديث الصحيح في سائر المظالم، والقتل من أعظمها والله أعلم. وقد حررنا هذا كله في التفسير ولله الحمد. وقد روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي، عن سعد بن أبى وقاص، أنه قال عند فتنة عصثمان بن عفان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنها ستكون فتنة ; القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي ". قال: أفرأيت إن دخل على بيتى فبسط يده إلى ليقتلني. قال " كن كابن آدم ". ورواه ابن مردويه عن حذيفة بن اليمان مرفوعا. وقال: كن كخير ابني آدم. وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي عن أبى ذر نحو هذا. وأما الآخر فقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: قال حديثا الاعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الاول كفل من دمها ; لانه كان أول من سن القتل ". ورواه الجماعة سوى أبى داود من حديث الاعمش به. وهكذا روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النخعي أنهما قالا مثل هذا سواء. وبجبل قاسيون شمالى دمشق مغارة يقال لها مغازة الدم، مشهورة بأنها المكان الذى قتل قابيل أخاه هابيل عندها، وذلك مما تلقوه عن أهل الكتاب فالله اعلم بصحة ذلك.

[ 59 ]

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير - وقال إنه كان من الصالحين - أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهابيل، وأنه استحلف هابيل أن هذا دمه فحلف له، وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء، فأجابه إلى ذلك، وصدقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس. وهذا منام لو صح عن أحمد بن كثير هذا، لم يترتب عليه حكم شرعى. والله أعلم. وقوله تعالى: " فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه، قال: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، فأوارى سوأة أخى ؟ فاصبح من النادمين " ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة، وقال آخرون حمله مائة سنة ! ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين. قال السدى بإسناده عن الصحابة: أخوين، فتقاتلا فقتل أحدهما الآخر، فلما قتله عمد إلى الارض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه، فلما رآه ينصع ذلك قال: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخى ؟ ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه. وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزنا شديدا، وأنه قال في ذلك شعرا، وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد: تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الارض مغبر قبيح تغير كل ذى لون وطعم * وقل بشاشة الوجه المليح

[ 60 ]

فأجيب آدم: أبا قابيل (1) قد قتلا جميعا * وصار الحى كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها * على خوف فجاء بها يصيح وهذا الشعر فيه نظر. وقد يكون آدم عليه السلام قال كلاما يتحزن به بلغته، فألفه بعضهم إلى هذا، وفيه أقوال والله أعلم. وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه ; فعلقت ساقه إلى فخذه، وجعل وجهه إلى الشمس كيفما دارت، تنكيلا به وتعجيلا لذنبه وبغيه وحسده لاخيه لابويه. وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغى وقطيعة الرحم ". * * * والذى رأيته في الكتاب الذى بأيدى أهل الكتاب الذين يزعمون أنه التوراة: أن الله عزوجل أجله وأنظره، وأنه سكن في أرض " نود " في شرقي عدن وهم يسمونه قتنين. وأنه ولد له خنوخ، ولخنوخ عند ر، ولعندر محوايل، ولمحوايل متوشيل، ولمتوشيل لامك. وتزوج هذا امرأتين: عدا وصلا. فولدت " عدا " ولدا اسمه ابل، وهو أول من سكن القباب واقتنى المال. وولدت أيضا نوبل. وهو أول من أخذ في ضرب الونج والصنح (2). وولدت " صلا "


(1) ط: هابيل (2) الونج محركة ضرب من الاوتار أو العود أو المعزف. والصنج: شئ يتخذ من صفر يضرب أحدهما على الآخر، وآلة بأوتار يضرب بها. (*)

[ 61 ]

ولدا اسمه توبلقين، وهو أول من صنع النحاس والحديد، وبيتا اسمها " نعمى ". وفيها أيضا أن آدم طاف على امرأته فولدت غلاما ودعت اسمه " شيث " وقالت من أجل أنه قد وهب لى خلفا من هابيل الذى قتله قابيل (1). وولد لشيث أنوش. قالوا: وكان عمر آدم يوم ولد له شيث مأته وثلاثين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة، وكان عمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسا وستين (2)، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين. وولد له بنون وبنات غير أنوش. فولد لانوش " قينان " وله من العمر تسعون سنة، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وخمس عشر سنة، وولد له بنون وبنات. فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وأربعين سنة، وولد له بنون وبنات. فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وستون سنة ولد له " يرد " وعاش بعد ذلك ثمانمائة وثلاثين سنة وولد له بنون وبنات. فلما كان ليرد مائة سنة واثنتان وستون سنة ولد له " خنوخ " وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات. فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له متوشلخ، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة، وولد له بنون وبنات. فلما كان لمتوشلخ مائة وسبع وثمانون سنة ولد له " لامك " وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنين وثمانين سنة وولد له بنون وبنات.


(1) ا: قاين (2) ا: مائة وخمس سنين (*)

[ 62 ]

فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد له " نوح " وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمسا وتسعين سنة، وولد له بنون وبنات. فلما كان لنوح خمسمائة سنة ولد له بنون: سام وحام ويافث. هذا مضمون ما في كتابهم صريحا. وفى كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر، كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك. والظاهر أنها مقحمة فيها، ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير. وفيها غلط كثير كما سنذكره (1) في مواضعه إن شاء الله تعالى. وقد ذكر الامام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم: أن حواء ولدت لآدم أربعين ولد في عشرين بطنا. قالخه ابن إسحاق سماهم. والله تعالى أعلم. وقيل مائة وعشرين بطنا في كل واحد ذكر وأنثى، أولهم قابيل وأخته قليما، وآخرهم عبدالمغيث وأخته أم المغيث. ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا، وامتدوا في الارض ونموا، كما قال الله تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم ممن نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء... " (2) الآية. وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف (3) نسمة. والله أعلم.


(1) ا: مما سننبه (2) النساء 1 (3) ا: أربعمائة سنة (*)

[ 63 ]

وقال تعالى: " هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين * فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون " (1) الآيات. فهذا تنبيه أولا بذكر آدم، ثم استطرد إلى الجنس كما في قوله تعالى: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (2) " وقال تعالى: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين (2) " ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هي أعيان مصابيح السماء، وإنما استطرد من شخصها إلى جنسها. * * * فأما الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش. فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحى الشيطان وأمره ". وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم عند هذه الآية، وأخرجه الحاكم في مستدركه، كلهم من حديث عبد الصمد ابن عبد الوارث به، فقال الحاكم: صحيح الاسناد ولم يخرجاه، وقال الترمذي


(1) ا: أربعمائة نسمة (2) سورة المؤمنون 13 (3) سورة الملك 6 (*)

[ 64 ]

حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه. فهذه علة قادحة في الحديث أنه روى موقوفا على الصحابي وهذا أشبه. والظاهر أنه تلقاه من الاسرائيليات، وهكذا روى موقوفا عن ابن عباس. والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الاحبار وذويه (1). والله أعلم. وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا، فلو كان عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه إلى غيره. والله أعلم. وأيضا فالله تعالى إنما خلق آدم وحواء ليكونا أصل البشر، وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء، فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولد كما ذكر في هذا الحديث إن كان محفوظا ؟ ! والمظنون بل المقطوع به أن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطأ. والصواب وقفه والله أعلم. وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد. ثم قد كان آدم وحواء أتقى لله مما ذكر عنهما في هذا ; فإن آدم أبو البشر الذى خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شئ وأسكنه جنته. وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبى ذر قال: قلت " يا رسول الله كم الانبياء ؟ قال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ". قلت: يا رسول الله كم


(1) ط: ودونه. وهو تحريف (*)

[ 65 ]

الرسل منهم ؟ قال: " ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير " قلت يا رسول الله من كان أولهم ؟ قال آدم. قلت: يا رسول الله نبى مرسل ؟ قال: نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا ". وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة الاصبهاني، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع بن هرمز، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بأفضل الملائكة: جبريل، وأفضل النبيين آدم، وأفضل الايام يوم الجمعة، وأفضل الشهور شهر رمضان، وأفضل الليالى ليلة القدر، وأفضل النساء مريم بنت عمران ". وهذا إسناد ضعيف، فإن نافعا أبا هرمز كذبه ابن معين، وضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم والله أعلم. وقال كعب الاحبار: ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم، لحيته سوداء إلى سرته. وليس أحد يكنى في الجنة إلا آدم ; كنيته في الدنيا أبو البشر وفى الجنة أبو محمد. وقد روى ابن عدى من طريق شيخ (1) ابن أبى خالد، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله مرفوعا: أهل الجنة يدعون بأسمائهم إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد. ورواه ابن عدى أيضا من حديث على بن أبى طالب، وهو ضعيف من كل وجه. والله أعلم. وفى حديث الاسراء الذى في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله


(1) الاصل: سبح. وهو تحريف. والتصويب من ميزان الاعتدال 2 / 286. وشيخ هذا متهم بالوضع. " م 5 - قصص الانبياء 1 " (*)

[ 66 ]

عليه وسلم لما مر بآدم وهو في السماء الدنيا، قال له مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح، قال: وإذا عن يمينه أسودة (1) وعن يساره أسودة، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى فقلت يا جبريل ما هذا ؟ قال هذا آدم وهؤلاء نسم (2) بنيه، فإذا نظر قبل أهل اليمين - وهم أهل الجنة - ضحك، وإذا نظر قبل أهل الشمال - وهم أهل النار - بكى. وهذا معنى الحديث. وقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنى يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال: كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده. وقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن " قالوا: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام. وهذا مناسب، فإن الله خلق آدم وصوره بيده الكريمة، ونفخ فيه من روحه، فما كان ليخلق إلا أحسن الاشباه. وقد روينا عن عبد الله بن عمر وابن عمر أيضا موقوفا ومرفوعا: أن الله تعالى لما خلق الجنة، قالت الملائكة: يا ربنا اجعل لنا هذه، فإنك خلقت لبنى آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالى لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدى كمن قلت له كن فكان. وقد ورد الحديث المروى في الصحيحين وغيرهما من طرق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم على صورته " وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها. والله أعلم.


(1) الاسودة يكنى بها عن الشخص (2) النسم: جمع نسمة، وهى الروح (*)

[ 67 ]

ذكر وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث عليه السلام ومعنى شيث: هبة الله، وسمياه بذلك لانهما رزقاه بعد أن قتل هابيل. قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف، على شيث خمسين صحيفة ". قال محمد بن إسحاق: ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلمه ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادات تلك الساعات، وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك. قال: ويقال إن أنساب بنى آدم اليوم كلها تنهى إلى شيث، وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا. والله أعلم. ولما توفى آدم عليه السلام - وكان ذلك يوم الجمعة - جاءته الملائكة بحنوط، وكفن من عند الله عزوجل من الجنة، وعزوا فيه فيه ابنه ووصيه شيثا عليه السلام. قال ابن إسحاق: وكسفت الشمس والقمر سبعة أيام بليا ليهن. وقد قال عبد الله ابن الامام أحمد: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن يحيى - هو ابن ضمرة السعدى - قال: رأيت شيخا بالمدينة يتكلم فسألت عنه فقالوا هذا أبى بن كعب، فقال: إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه: أي بنى ! إنى أشتهى من ثمار الجنة. قال: فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه

[ 68 ]

حنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بنى آدم ما تريدون وما تطلبون ؟ أو ما تريدون وأيت تطلبون ؟ قالوا: أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة، فقالوا لهم: ارجعوا فقد قضى أبوكم. فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم، فقال: إليك عنى فإنى إنما أتيت من قبلك، فخلى بينى وبين ملائكة ربى عزوجل. فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه، وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره، ثم حثوا عليه، ثم قالوا: يا بنى آدم هذه سنتكم. إسناد صحيح إليه. وروى ابن عساكر من طريق شيبان بن فروخ، عن محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال: " كبرت الملائكة على آدم أربعا، وكبر أبو بكر على فاطمة أربعا، وكبر عمر على أبى بكر أربعا، وكبر صهيب على عمر أربعا " قال ابن عساكر: ورواه غيره عن ميمون فقال عن ابن عمر. واختفلفوا في موضع دفنه: فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذى أهبط فيه (1) في الهند، وقيل بجبل أبى قبيس بمكة. ويقال إن نوحا عليه السلام لما كان زمن الطوفان حمله هو وحواء في تابوت، فدفنهما ببيت المقدس. حكى ذلك ابن جرير. وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال: رأسه عند مسجد إبراهيم ورجلاه عند صخرة بيت المقدس. وقد ماتت بعده حواء بسنه واحدة.


(1) ط. منه. (*)

[ 69 ]

واختلف في مقدار عمره عليه السلام: فقدمنا في الحديث عن ابن عباس وأبى هريرة مرفوعا: أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ ألف سنة. وهذا لا يعارضه ما في التوراة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة، لان قولهم هذا مطعون فيه مردود، إذا خالف الحق الذى بأيدينا مما هو المحفوظ عن المعصوم. وأيضا فإن قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث ; فإن ما في التوراة إن (1) كان محفوظا - محمول على مدة مقامة في الارض بعد الاهباط، وذلك تسعمائة [ سنة ] (2) وثلاثون سنة شمسية، وهى بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون سنة، ويضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه في الجنة قبل الاهباط على ما ذكره ابن جرير وغيره، فيكون الجميع ألف سنة. وقال عطاء الخراساني: لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام، رواه ابن عساكر. فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الامر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبيا بنص الحديث الذى رواه ابن حبان في صحيحه، عن أبى ذر مرفوعا أنه أنزل عليه خمسون صحيفة. فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش (3) فقام بالامر بعده، ثم بعده ولده قينن (4) ثم من بعده ابنه مهلاييل - وهو الذى يزعم الاعاجم


(1) ا: إذا (2) من ا. (3) ا: يانش. (4) ط: قاين. (*)

[ 70 ]

من الفرس أنه ملك الاقاليم السبعة، وأنه أول من قطع الاشجار، وبنى المدائن والحصون الكبار. وأنه هو الذى بنى مدينة بابل ومدينة السوس الاقصى. وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الارض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقا من مردة الجن والغيلان، وكان له تاج عظيم، وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة. فلما مات قام بالامر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ، وهو إدريس عليه السلام على المشهور.

[ 71 ]

ذكر ادريس عليه السلام قال الله تعالى: " واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا (1) " فإدريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية، وهو خنوخ هذا. وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب. وكان أول بنى آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام. وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين. وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمى لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالرمل فقال: " إنه كان نبى يخط به فمن وافق خطه فذاك ". يويزعم كثير من علماء التفسير والاحكام أنه أول من تكلم في ذلك، ويسمونه هرمس الهرامسة، ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الانبياء والعلماء والحكماء والاولياء. وقوله تعالى: " ورفعناه مكانا عليا " هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الاسراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة. وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الاعلى، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الاعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف


(1) من سورة مريم 57، 58 (*)

[ 72 ]

قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لادريس " ورفعناه مكانا عليا " ؟ فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: إنى أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بنى آدم - لعله من أهل زمانه - فأحب أن يزداد عملا، فأتاه خليل له من الملائكة فقال: إن الله أوحى إلى كذا وكذا فكلم ملك [ الموت (1) ] حتى أزداد عملا، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذى كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس ؟ قال هو ذا على ظهرى، فقال ملك الموت: يا للعجب (2) ! بعثت وقيل لى اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الارض ؟ ! فقبض روحه هناك. فذلك قول الله عزوجل " ورفعناه مكانا عليا ". ورواه ابن أبى حاتم عند تفسيرها. وعنده فقال لذلك الملك: سل لى ملك الموت كم بقى من عمرى ؟ فسأله وهو معه: كم بقى من عمره ؟ فقال: لا أدرى حتى أنظر، فنظر فقال إنك لتسألني عن رجل ما بقى من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر. وهذا من الاسرائيليات، وفى بعضه نكارة. وقول ابن أبى نجيح عن مجاهد في قوله: " ورفعناه مكانا عليا "


(1) سقطت من المطبوعة. (2) ا: فالعجب (*)

[ 73 ]

قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى. إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففى هذا نظر، وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك. فلا ينافى ما تقدم عن كعب الاحبار. والله أعلم. وقال العوفى عن ابن عباس في قوله " ورفعناه مكانا عليا ": رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وهكذا قال الضحاك. والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح، وهو قول مجاهد وغير واحد. وقال الحسن البصري: " ورفعناه مكانا عليا " قال: إلى الجنة، وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بنى إسرائيل. قال البخاري: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الاسراء: انه لما مر به عليه السلام قال له مرحبا بالاخ الصالح والنبى الصالح، ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قالوا: فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قالا (1) له. وهذا لا يدل ولا بد، لانه قد لا يكون الراوى حفظه جيدا، أو لعله قاله على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الابوة كما انتصب لآدم أبى البشر، وإبراهيم الذى هو خليل الرحمن وأكبر أولى العزم بعد محمد. صلوات الله عليهم أجمعين.


(1) ط: قال. وهو تحريف (*)

[ 74 ]

قصة نوح عليه السلام هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم أبى البشر عليه السلام. وكان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة، فيما ذكره ابن جرير وغيره. وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة، وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم ابن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن عمر بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة: أن رجلا قال: يا رسول الله أنبى كان آدم ؟ قال: نعم مكلم. قال: فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال: عشرة قرون. قلت: وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه. وفى صحيح البخاري عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام. فإن كان المراد بالقرن مائة سنة - كما هو المتبادر عند كثير من الناس - فبينهما ألف سنة لا محالة، لكن لا ينفى أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالاسلام، إذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة

[ 75 ]

لم يكونوا على الاسلام، لكن حديث أبى أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون، وزادنا ابن عباس أنهم كلهم كانوا على الاسلام. وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب: أن قابيل وبنيه عبدوا النار. والله أعلم. وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى: " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح " وقوله: " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " وقال تعالى: " وقرونا بين ذلك كثيرا " وقال: " وكم أهلكناه قبلهم من قرن " وكقوله عليه السلام: " خير القرون قرنى... " الحديث، فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين. والله أعلم. وبالجملة فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الاصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلالة والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد فكان اول رسول بعث إلى أهل الارض، كما يقول أهل الموقف يوم القيامة. وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره. واختلفوا في مقدار سنة يوم بعث، فقيل كان ابن خمسين سنة، وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة، وقيل ابن أربعمائة وثمانين سنة حكاها ابن جرير، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس. * * *

[ 76 ]

وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة، في غير ما موضع من كتابه العزيز ; ففى الاعراف ويونس وهود والانبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات واقتربت، وأنزل فيه سورة كاملة. فقال في سورة الاعراف: " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى اخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قال الملا من قومه إيا لنراك في ضلال مبين. قال يا قوم ليس بى ضلالة، ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون * فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (1) ". وقال تعالى في سورة يونس: " واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إلى ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر، إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين. فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك، وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (2) ".


(1) الآيات: 59 - 64. (2) الآيات: 72 - 74. (*)

[ 77 ]

وقال تعالى في سورة هود: " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم. فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين. قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى، وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون * ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله، وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك، ولا أقول للذين تزدرى اعينكم لن يؤتيهم الله خيرا، الله أعلم بما في أنفسهم إنى إذا لمن الظالمين. قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، إن كان الله يريد أن يغويكم، هو ربكم وإليه ترجعون * أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون. واوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا، ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون. ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه، قال: إن

[ 78 ]

تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم. حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل. وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم * وهى تجرى بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوى إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين * وقيل يا أرض ابلعى ماءك وياسماء أقلعى، وغيض الماء وقضى الامر، واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين. ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من اهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم، إنى أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمني أ كن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمستهم منا عذاب أليم * تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين " (1).


(1) الآيات: 26 - 50. (*)

[ 79 ]

وقال تعالى في سورة الانبياء: " ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (1) ". وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون: " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * فقال الملا الذى كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم، ولو شاء الله لانزل ملائكة، ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين * إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين * قال رب انصرني بما كذبون * فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا، فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك، إلا من سبق عليه القول منهم، ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (2) ". وقال تعالى في سورة الشعراء: " كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين * فاتقوا الله وأطيعون * قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا لثن لم تنته يا نوح


(1) الآيتان: 27، 28. (2) الآيات: 24 - 31. (*)

[ 80 ]

لتكونن من المرجومين * قال رب إن قومي كذبون * فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين * فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " (1) وقال تعالى في سورة العنكبوت: " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون * فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ". وقال تعالى في سورة والصافات: " ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه واهله من الكرب العظيم * وجعلنا ذريته هم الباقين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا الآخرين (2) " وقال تعالى في سورة اقتربت: " كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر * فدعا ربع أنى مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجرى بأعيننا جزاء لمن كان كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (3) ". وقال تعالى: " بسم الله الرحمن الرحيم * إنا أرسنا نوحا إلى قومه


(1) الآيات: 106 - 123 (2) الآيات. 76 - 83 (3) الآيات 10 - 17 (*)

[ 81 ]

أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إنى لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجفل مسمى، إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب إنى دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا * وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إنى دعوتهم جهارا * ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا، وجعل الشمس سراجا * والله أنبتكم من الارض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الارض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا * قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا * ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا * مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل " م 6 - قصص الانبياء 1 "

[ 82 ]

بيتى مؤمنا، وللمؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالمين إلا تبارا (1) " وقد تكلمنا على كل موضع من هذه في التفسير. وسنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه الاماكن المتفرقة، ومما دلت عليه الاحاديث والآثار. وقد جرى ذكره أيضا في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه، فقال تعالى في سورة النساء: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وآتينا داود زبورا * رسلا قد قصصناهم عليك من قبل، ورسلا لم نقصصهم عليك، وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (2) " وقال في سورة الانعام: " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون، وكذلك نجزى المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا، وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (3) " الآيات. وتقدمت قصته في الاعراف (4).


(1) سورة نوح بتمامها. (2) الآيات. 163 - 165 (3) الآيات: 84 - 88 (4) ا: قصة الاعراف (*)

[ 83 ]

وقال في سورة براءة: " ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (1) " وتقدمت قصته في يونس وهود. وقال في سورة إبراهيم: " ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب (2) " وقال في سورة سبحان: " ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) " وقال فيها أيضا: " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح، وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (4) ". وتقدمت قصته في الانبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت. وقال في سورة الاحزاب: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (5) وقال في سورة ص: " كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب الايكة أولئك الاحزاب * إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (6) ".


(1) الآية: 72 (2) الآية: 10 (3) الاسراء 3 (4) الاسراء 17. (5) الآية 7 (6) الآيات: 11 - 13 (*)

[ 84 ]

وقال في سورة غافر: " كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل امة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب * وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (1) ". وقال في سورة الشورى: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه. الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب (2) ". وقال تعالى في سورة ق: " كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الايكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (3) ". وقال في الذاريات: " وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (4) " وقال في النجم: " وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (5) ". وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة. وقال تعالى في سورة الحديد: " ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا فيث ذريتهما النبوة والكتاب ; فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (6) ".


(1) الآيتان 5: 6 (2) الآية: 12 (3) الآيات: 11 - 13 (4) الآية: 45 (5) الآية: 52 (6) الآية: 27 (*)

[ 85 ]

وقال تعالى في سورة التحريم: " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، وقيل ادخلا النار مع الداخلين (1) ". * * * وأما مضمون ما جرى له مع قومه مأخوذا من الكتاب والسنة والآثار، فقد قدمنا عن ابن عباس: أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام، رواه البخاري. وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل أو المدة على ما سلف. ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الاصنام. وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريح عن عطاء، عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: " وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (2) " قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وانتسخ (3) العلم عبدت. قال ابن عباس: وصارت هذه الاوثان التى كانت في قوم نوح في العرب بعد.


(1) الآية 10. (2) سورة نوح (3) ا: ونسخ (*)

[ 86 ]

وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن إسحاق. وقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع (1) يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر. فعبدوهم. وروى ابن أبى حاتم عن عروة ابن الزبير أنه قال: ود ويغوث ويعوق وسواع ونسر، أولا د آدم، وكان " ود " أكبرهم وأبرهم به. قال ابن أبى حاتم: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا الحسن بن موسى ; حدثنا يعقوب عن أبى المطهر، قال: ذكروا عند أبى جعفر - هو الباقر - وهو قائم يصلى يزيد بن المهلب، قال فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب، أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله تعالى. قال ذكر ودا قال: كان رجلا صالحا (2)، وكان محببا في قومه، فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال: إنى أرى جزعكم على هذا الرجل، فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به ؟ قالوا نعم. فصور لهم مثله، قال: فوضعوه (3) في ناديهم وجعلوا يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أجعل في منزل كل واحد.


(1) ا: تباع. (2) أ: مسلما (3) أو وضعوه (*)

[ 87 ]

منكم تمثالا مثله ليكون له في بيته فتذكرونه ؟ قالوا نعم. قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به. قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به. قال: وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان اول ما عبد غير الله " ود " الصنم الذى سموه ودا. ومقتضى هذا السياق أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس. وقد ذكر أنه لما تطاولت العهود والازمان، جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لها (1)، ثم عبدت بعد ذلك من دون الله عزوجل. ولهم في عبادتها مسالك كثيرة جدا قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير. ولله الحمد والمنة. وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة، تلك الكنيسة التى رأينها بأرض الحبشة، ويقال لها مارية، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها قال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله عزوجل ". * * * والمقصود أن الفساد لما انتشر في الارض وعم البلاء بعبادة الاصنام فيها، بعث الله عبده ورسوله نوحا عليه السلام، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه.


(1) ط: لهم (*)

[ 88 ]

فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الارض، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبى حيان، عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة، قال: " فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ الا ترى ما نحن فيه وما بلغنا ؟ فيقول: ربى [ قد (1) ] غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن شجرة فعصيت، نفسي نفسي. اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الارض، وسماك الله عبدا شكورا، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما بلغنا ؟ ألا تشفع لنا إلى ربك عزوجل ؟ فيقول: ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، نفسي ينفسى " وذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخاري في قصة نوح. فلما بعث الله نوحا عليه السلام، دعاهم إلى إفراد عبادة الله وحده لا شريك له، وألا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طوغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته، كما قال تعالى: " وجعلنا ذريته هم الباقين (2) ". وقال فيه وفى إبراهيم " وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب " أي كل نبى من بعد نوح فمن ذريته. وكذلك إبراهيم.


(1) سقطت من ا. (2) من سورة الصافات 79. (*)

[ 89 ]

قال الله تعالى: " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " وقال تعالى: " واسأل من أرسنا قبلك من رسلنا، أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " وقال تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " ولهذا قال نوح لقومه: " اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " وقال: ألا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم اليم " وقال: " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون " وقال: " يا قوم إنى لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون " إلى: " وقد خلقكم أطوارا " الآيات الكريمات فذكر أنهم دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار، والسر والاجهار، بالترغيب تارة والترهيب أخرى، وكل هذا لم ينجح فيهم، بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة الاصنام والاوثان. ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان، وتنقصوه وتنقصوا من آمن به، وتوعدهم بالرجم والاخراج، ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم. " قال الملا من قومه " أي السادة الكبراء منهم: " إنا لنراك في ضلال مبين ". " قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكني رسول من رب العالمين " أي لست كما تزعمون من أنى ضال، بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين، أي الذى يقول لشئ كن فيكون " أبلغكم رسالات ربى

[ 90 ]

وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ". وهذا شأن الرسول أن يكون بليغا، أي فصيحا ناصحا، أعلم الناس بالله عزوجل. وقالوا له فيما قالوا: " ما نراك إلا بشرا مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ". تعجبوا أن يكون بشرا رسولا، وتنقصوا من اتبعه ورأوهم أراذلهم. وقد قيل إنهم كانوا من أفناد الناس وهم ضعفاؤهم، كما قال هرقل: وهم أتباع الرسل، وما ذاك إلا لانه لامانع لهم من اتباع الحق. وقولهم " بادى الرأى " أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية. وهذا الذى رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه رضى الله عنهم: فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر، بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحا للصديق: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت له كبوة غير أبى بكر، فإنه لم يتلعثم ". ولهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضا سريعة من غير نظر ولا روية: لان أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة رضى الله عنهم. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب الكتاب الذى أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه، قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر رضى الله عنه.

[ 91 ]

وقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به: " وما نرى لكم علينا من فضل " أي لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالايمان ولا مرية علينا " بل نظنكم كاذبين * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكوها وأنتم لها كارهون ". وهذا تلطف في الخطاب معهم: وترفق بهم في الدعوة إلى الحق، كما قال تعالى: " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (1) " وقال تعالى: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتى هي أحسن (2) " وهذا منه. يقول لهم: " أرأيتهم إن كنت على بينة من ربى وآتاني رحمة من عنده " أي النبوة والرسالة، " فعميت عليكم " أي فلم تفهموها ولم تهتدوا إليها، " أنلزمكموها " أي أنغصبكم بها ونجبركم عليها ؟ " وأنتم لها كارهون " أي ليس لى فيكم حيلة والحالة هذه. " ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله " أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغى إياكم ما ينفعكم في دنيا كم وأخراكم، إن أطلب ذلك إلا من الله الذى ثوابه خير لى، وأبقى مما تعطونني أنتم. وقوله: " وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم، ولكني أراكم قوما تجهلون " كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه، ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك، فأبى عليهم ذلك وقال: " إنهم ملاقوا ربهم " أي فأخاف إن طردتهم أفلا تذكرون.


(1) سورة طه 46 (2) سورة النحل 137 (*)

[ 92 ]

ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنه ضعفاء المؤمنين، كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم، نهاه الله عن ذلك، كما بيناه في سورتي الانعام والكهف. " ولا أقول لكم عندي خرائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك " أي بل أنا عبد رسول، لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به، ولا أقدر إلا على ما أقدرنى عليه، ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله. " ولا أقول للذين تزدرى أعينكم " يعنى من أتباعه " لن يؤتيهم الله خيرا، الله أعلم بما في أنفسهم إنى إذا لمن الظالمين " أي لا اشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة، الله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، كما قالوا في المواضع الاخر: " أنؤمن لك واتبعك الارذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون * وما أنا بطارد المومنين * إن أنا إلا نذير مبين ". * * * وقد تطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم كما قال تعالى: " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون " أي ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم. وكان كلما انقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به ومحاربته ومخالفته. وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه، وصاه فيما بينه وبينه، ألا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقى.

[ 93 ]

وكانت سجاياهم تأبى الايمان واتباع الحق، ولهذا قال: " ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ". ولهذا: " قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جسدا لنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين " أي إنما يقدر على ذلك الله عزوجل، فإنه الذى لا يعجزه شئ ولا يكترثه أمر، بل هو الذى يقول للشئ كن فيكون. " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم، هو ربكم وإليه ترجعون " أي من يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته، هو الذى يهدى من يشاء ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، وهو العزيز الحكيم، العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. * * * " وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " تسلية له عما كان منهم إليه، " فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " وهذه تعزية لنوح عليه السلام في قومه أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، أي لا يسوأنك ما جرى فإن النصر قريب والنبأ [ عجب (1) ] عجيب. " واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ".


(1) من: ا (*)

[ 94 ]

وذلك أن نوحا عليه السلام لما يئس من صلاحهم وفلاحهم، ورأى أنهم لا خير فيهم، وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق، من فعال ومقال، دعا عليهم دعوة غضب [ الله عليهم (1) ] فلبى الله دعوته وأجاب طلبته قال الله تعالى: " ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ". وقال تعالى: " ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ". وقال تعالى " قال رب إن قوم كذبون * فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين " وقال تعالى: " فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر " وقال تعالى: " قال رب انصرني بما كذبون ". وقال تعالى: " مما خطيأتهم أغرقوا فأدخلوا نارا * فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ". فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم. فعند ذلك أمره الله تعالى أن يصنع الفلك، وهى السفينة العظيمة التى لم يكن لها نظير قبلها ولا يكون بعدها مثلها. وقدم الله تعالى إليه أنه إذا جاء أمره، وحل بهم بأسه الذى لا يرد عن القوم المجرمين، أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه ; فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم، فإنه ليس الخبر كالمعاينة. ولهذا قال: " ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون.


(1) من: ا (*)

[ 95 ]

" ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه " أي يستهزئون به استبعادا لوقوع ما توعدهم به، " قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون " أي نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم في استمراركم على كفركم وعنادكم الذى يقتضى وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم. " فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ". وقد كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ في الدنيا، وهكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضا أن يكون جاءهم رسول. كما قال البخاري: حدثنا موسى بن إسمعيل، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجئ نوح عليه السلام وأمته، فيقول الله عزوجل هل بلغت ؟ فيقول: نعم أي رب. فيقول لامته هل بلغكم ؟ فيقولون: لا ما جاءنا من نبى، فيقول لنوح: من يشهد لك ؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهد أنه قد بلغ " وهو قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا (1) ". والوسط العدل. فهذه الامة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق، بأن الله قد بعث نوحا بالحق، وأنزل عليه الحق وأمره به، وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها، ولم يدع شيئا مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به، ولا شيئا مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه، وحذرهم منه.


(1) سورة البقرة 145 (*)

[ 96 ]

وهكذا شأن جميع الرسل، حتى إنه حذر قومه المسيح الدجال، وإن كان لا يتوقع خروجه في زمانهم ; حذرا عليهم وشفقة ورحمة بهم. كما قال البخاري: حدثنا عبدان، حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال سالم قال ابن عمر: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأنثى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: " إنى لانذركموه، وما من نبى إلا وقد أنذره قومه. لقد أنذره نوح قومه، ولنى أقول لكم فيه قولا لم يقله نبى لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور ". وهذا الحديث في الصحيحين أيضا من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبى قومه ؟ إنه أعور، وإنه يجئ معه بمثال الجنة والنار والتى يقول عليها الجنة هي النار، وإنى أنذركم كما أنذر به نوح قومه ". لفظ البخاري. وقد قال بعض علماء السلف: لما استجاب الله له، أمره أن يغرس شجرا ليعمل منه السفينة، فغرسه وانتظره مائة سنة، ثم نجره في مائة أخرى، وقيل في أربعين سنة. والله أعلم. قال محمد بن إسحق عن الثوري: وكانت من خشب الساج، وقيل من الصنوبر وهو نص التوراة.

[ 97 ]

قال الثوري: وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا، وأن يطلى ظاهرها وباطنها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤا (1) أزور يشق الماء. وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا. وهذا الذى في التوراة على ما رأيته. وقال الحسن البصري: ستمائة في عرض ثلاثمائة، وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع وقيل كان طولها ألفى ذراع، وعرضها مائة ذراع. قالوا كلهم: وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا، وكانت ثلاث طبقات كل واحدة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور. وكان بابها في عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها. * * * قال الله تعالى: " قال رب انصرني بما كذبون * فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا " أي بأمرنا لك، وبمرأى من الصنعتك لها، ومشاهدتنا لذلك، لنرشدك إلى الصواب في صنعتها. فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم، ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (2) ". فتقدم إليه بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه، أن


(1) الجؤجؤ: صدر السفينة. وفى ا جؤجا. والازور: المائل. (2) ا: بأن. (م 7 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 98 ]

يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات، وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها، وأن يحمل معه أهله، أي أهل بيته، إلا من سبق عليه القول منهم، أي إلا من كان كافرا فإنه قد نفذت فيه الدعوة التى لا ترد، ووجب عليه حلول البأس الذى لا يرد. وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعانيه من العذاب العظيم، الذى قد حتمه عليهم الفعال لما يريد. كما قدمنا بيانه قبل. والمراد بالتنور عند الجمهور وجه الارض، أي نبعت الارض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التى هي محال النار. وعن ابن عباس: التنور عين في الهند، وعن الشعبى بالكوفة، وعن قتادة بالجزيرة. وقال على بن أبى طالب: المراد بالتنور فلق الصبح وتنوير الفجر، أي إشراقه وضياؤه. أي عند ذلك فاحمل فيه من كل زوجين اثنين وهذا قول غريب. وقوله تعالى " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول، ومن آمن وما آمن معه إلا قليل " هذا أمر بأنه (1) عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. وفى كتاب أهل الكتاب: أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج، وما لا يؤكل زوجين ذكر وأنثى.


(1) ا: بأن. (*)

[ 99 ]

وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق: " اثنين " إن جعلنا ذلك مفعولا به ; وأما إن جعلناه توكيدا لزوجين والمفعول به محذوف فلا ينافى. والله أعلم. وذكر بعضهم - ويروى عن ابن عباس: أن أول ما دخل من الطيور الدرة (1)، وآخر ما دخل من الحيوانات الحمار. ودخل إبليس متعلقا بذنب الحمار. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى لليث، حدثنى هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين، قال أصحابه: وكيف نطمئن ؟ أو كيف تطمئن المواشى ومعنا الاسد ؟ فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الارض. ثم شكوا الفأرة، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا. فأوحى الله إلى الاسد فعطس، فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها. هذا مرسل (2). وقوله: " وأهلك إلا من سبق عليه القول " أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر، فكان منهم ابنه " يام " الذى غرق كما سيأتي بيانه.


(1) الدرة: ضرب من الببغاوات. وفى الاصل: الذرة. محرفة. والتصويب من الحيوان للجاحظ 5 / 151. (2) هذه خرافات لا تنتمي إلى العلم الصحيح، وأوهام ما كان ينبغى أن يلقى إليها ابن كثير بالا، ولكنه كان يسير على منهج الجمع مع بيان حالة ما يرويه. (*)

[ 100 ]

" ومن آمن " أي واحمل فيها من آمن بك من أمتك. قال الله تعالى: " وما آمن معه إلا قليل " هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم، ودعوتهم الاكيدة ليلا ونهارا بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة، والترغيب والوعيد أخرى. وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة: فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم، وعن كعب الاحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا. وقيل كانوا عشرة. وقيل إنما كانوا نوحا وبنيه الثلاثة وكنائنه الاربع بامرأة " يام " الذى انخزل وانعزل، وسلك (1) عن طريق النجاة فما عدل إذ عدل. وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية، بل هي نص في أنه قد ركب معه [ من ] (2) غير أهله طائفة ممن آمن به، كما قال: " ونجنى ومن معى من المؤمنين ". وقيل كانوا سبعة. وأما امرأة نوح وهى أم أولاده كلهم: وهم حام وسام، ويافث، ويام، ويسميه أهل الكتاب كنعان وهو الذى قد غرق، وعابر، فقد ماتت قبل الطوفان، وقيل إنها غرقت مع من غرق، وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها. وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة، فيحتمل أنها كفرت


(1) ط: وتسلل. (2) سقطت من ط. (*)

[ 101 ]

بعد ذلك، أو أنها أنظرت ليوم القيامة. والظاهر الاول لقوله: " ولا نذر على الارض من الكافرين ديارا ". * * * قال الله تعالى: " فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ". أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة، فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه، وأقر عينه ممن خالفه وكذبه، كما قال تعالى: " والذى خلق الازواج كلها، وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه، وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون (1) " وهكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الامور: أن يكون على الخير والبركة، وأن تكون عاقبتها محمودة، كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حين هاجر: " وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق، واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا (2) " وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية وقال: " اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسلها إن ربى لغفور رحيم " أي على اسم الله ابتداء


(1) سورة الزخرف 12 - 14 (2) سورة الاسراء 80. (*)

[ 102 ]

سيرها وانتهاؤه. " إن ربى لغفور رحيم " أي وذو عقاب أليم، مع كونه غفورا رحيما، لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، كما أحل بأهل الارض الذين كفروا به وعبدوا غيره. قال الله تعالى: " وهى تجرى بهم في موج كالجبال " وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الارض قبله ولا تمطره بعده، كان كأفواه القرب، وأمر الارض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها. كما قال تعالى: " فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر " (1). والدسر المسامير " تجرى بأعيننا " أي بحفظنا وكلاءتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها " جزاء لمن كان كفر ". وقد ذكر ابن جرير وغيره: أن الطوفان كان في ثالث عشر من شهر آب في حساب القبط. وقال تعالى: " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " أي السفينة " لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ". قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى جبل في الارض (2) خمسة عشر ذراعا، وهو الذى عند أهل الكتاب. وقيل ثمانين ذراعا، وعم جميع الارض طولها والعرض، سهلها وحزنها، وجبالها وقفارها ورمالها، ولم يبق على وجه الارض ممن كان بها من الاحياء عين تطرف، ولا صغير ولا كبير.


(1) سورة اقتربت (2) ط: بالارض (*)

[ 103 ]

قال الامام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملاوا السهل والجبل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم تكن بقعة في الارض إلا ولها مالك وحائز. رواهما ابن أبى حاتم. " ونادى نوح ابنه وكان في معزل، يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوى إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرفين ". وهذا الابن هو " يام " أخو سام وحام ويافث، وقيل اسمه كنعان. وكان كافرا عمل عملا غير صالح، فخالف أباه في دينه ومذهبه، فهلك مع من هلك. هذا وقد نجا مع أبيه الاجانب في النسب، لما كانوا موافقين في الدين والمدهب. " وقيل يا أرض ابلعى ماءك وياسماء أقلعى، وغيض الماء وقضى الامر، واستوت على الجودى، وقيل بعدا للقوم الظالمين ". أي لما فرغ من أهل الارض، ولم يبق بها (1) أحد ممن عبد غير الله عزوجل، أمر الله الارض أن تبتلع (2) ماءها، وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر، " وغيض الماء " أي نقص عما كان، " وقضى الامر " أي وقع بهم الذى كان قد سبق في علمه وقدره ; من إحلاله بهم ماحل بهم.


(1) ط: منها. (2) ا: تبلع. (*)

[ 104 ]

" وقيل بعدا للقوم الظالمين " أي نودى عليهم بلسان القدرة: بعدا لهم من الرحمة والمغفرة. كما قال تعالى: " فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (1) ". وقال تعالى: " فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " (2). وقال تعالى: " ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (3) ". وقال تعالى: " فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الحكيم (4) ". وقال تعالى: " فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين " وقال تعالى: " ثم أغرقنا الآخرين ". وقال: " ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (5) ". وقال تعالى: " مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من


(1) من سورة الاعراف 64 (2) من سورة يونس 73 (3) من سورة الانبياء 77 (4) من سورة الشعراء 119 - 122 (5) سورة القدر (*)

[ 105 ]

دون الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (1) " وقد استجاب الله تعالى - وله الحمد والمنة - دعوته، فلم يبق منهم عين تطرف. وقد روى الامامان أبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبى حاتم في تقسيريهما من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن قائد مولى عبد الله ابن أبى رافع، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربيعة أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فلو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبى ! ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة - يعنى إلا خمسين عاما - وغرس مائة سنة الشجر، فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها ثم جعلها سفينة، ويمرون عليه ويسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر كيف تجرى ؟ قال: سوف تعلمون. فلما فرغ ونبع الماء وصار السكك خشيت أم الصبى عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبى ! ".


(1) سورة نوح (*)

[ 106 ]

وهذا حديث غريب. وقد روى عن كعب الاحبار ومجاهد وغير واحد، شبيه لهذه القصة. وأخرى بهذا الحديث أن يكون موقوفا متلقى عن مثل كعب الاحبار. والله أعلم. * * * والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديارا. فكيف يزعم بعض المفسرين أن عوج بن عنق - ويقال ابن عناق - كان موجودا من قبل نوح إلى زمان موسى. ويقولون كان كافرا متمردا جبارا عنيدا. ويقولون كان لغير رشدة، بل ولدته أمه بنت آدم من زنا، وأنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه في عين الشمس، وأنه كان يقول لنوح وهو في السفينة: ما هذه القصعة التى لك ؟ ويستهزئ به. ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا إلى غير ذلك من الهذيانات التى لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس (1)، لما تعرضنا لحكايتها، لسقاطتها وركاكتها. ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول. أما المعقول: فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره، وأبوه نبى الامة وزعيم أهل الايمان، ولا يهلك عوج بن عنق، ويقال عناق، وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا ؟


(1) الاصل: وأيام النام (*)

[ 107 ]

وكيف لا يرحم الله منهم أحدا ولا أم الصبى ولا الصبى، ويترك هذا الدعى (1) الجبار العنيد الفاجر، الشديد الكافر، الشيطان المريد على ما ذكروا ؟ وأما المنقول فقد قال الله تعالى: " ثم أغرقنا الآخرين " وقال: " رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا ". ثم هذا الطول الذى ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل (2) الخلق ينقص حتى الآن ". فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذى لا ينطق عن الهوى " إن هو إلا وحى يوحى " أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن، أي لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى يوم إخباره بذلك وهلم جرا إلى يوم القيامة. وهذا يقتضى أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه. فكيف يترك هذا ويذهل عنه، ويصار گلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب، الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها ؟ فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه [ وهم الخونة والكذبة عليهم لعائن الله التابعة إلى يوم القيامة (3) ] وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق إلا اختلاقا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الانبياء. والله أعلم. * * *


(1) ا: المدعى. (2) ا: قزل. (3) من ا. (*)

[ 108 ]

ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده، وسؤاله له عن غرفه على وجه الاستعلام والاستكشاف. ووج السؤال: أنك وعدتني بنجاة أهلى معى وهو منهم وقد غرق ؟ فأجيب بأنه ليس من أهلك، أي الذين وعدت بنجاتهم. أي أنا قلنا لك: " وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم " فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأنه سيغرق بكفره، زولهذا ساقته الاقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الايمان، فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان. ثم قال تعالى: " قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ". هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الارض، وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها، أن يهبط من السفينة التى كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر حبل الجودى، وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور، " بسلام منا وبركات " أي اهبط سالما مباركا عليك، وعلى أمم ممن سيولد بعد، أي من أولادك، فإن الله لم يجعل لاحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام. قال تعالى: " وجعلنا ذريته هم الباقين "، فكل من على وجه الارض اليوم من سائر أجناس بنى آدم، ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم: سام، وحام، ويافث. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن

[ 109 ]

الحسن، عن سمرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم ". ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدى، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا نحوه. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وقد روى عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال: والمراد بالروم هنا الروم الاول وهم اليونان المنتسبون إلى رومى بن لبطى بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام. ثم روى من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: ولد نوح ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هذه الثلاثة، فولد سام: العرب وفارس والروم. وولد يافث: النرك والصقالبة ويأجوج ومأجوج. وولد حام: القبط والسودان والبربر. قلت وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن هانئ، وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا: حدثنا محمد بن يزيد ابن سنان الرهاوى، حدثنى أبى عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولد لنوح: سام وحام ويافث، فولد لسام: العرب وفارس والروم والخير فيهم. وولد ليافث: يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم. وولد لحام: القبط والبربر والسودان ".

[ 110 ]

ثم قال: لا نعلم يروى مرفوعا إلا من هذا الوجه. تفرد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه. ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلا ولم يسنده، وإنما جعله من قول سعيد. قلت: وهذا الذى ذكره أبو عمر، هو المحفوظ عن سعيد قوله، وهكذا روى عن وهب بن منبه مثله والله أعلم. ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوى ضعيف بمرة لا يعتمد عليه. وقد قيل إن نوحا عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الاولاد إلا بعد الطوفان، وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذى غرق، وعابر مات قبل الطوفان. والصحيح أن الاولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة. وقد ذكر أن " حاما " واقع امرأته في السفينة، فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته، فولد له ولد أسود وهو كنعان بن حام جد السودان. وقيل بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه، فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته، وأن يكون أولاده عبيدا لاخوته (1). وذكر الامام أبو جعفر بن جرير من طريق على بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى بن


(1) وهذا من خرافات القدماء، ولا يعول عليه. (*)

[ 111 ]

مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه، وقال: اتدرون ما هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: وضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينقض التراب عن رأسه قد شاب. فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت: قال لا، ولكني مت وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: حدثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الانس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث. ولما وقع الفأر يخرز السفينة بقرضه، أوحى الله عزوجل نوح عليه السلام: أن اضرب بين عينى الاسد، فخرج من منخره سنور وسنورة فاقبلا على الفار. فقال له عيسى: كيف علم نوح عليه السلام أن البلاد قد غرقت ؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها، فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التى في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقالوا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا ؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له ؟ قال: فقال له: عد بإذن الله. فعاد ترابا.

[ 112 ]

وهذا أثر غريب جدا (1). وروى علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما، وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها إلى الجودى فاستقرت عليه، فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الارض، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح أن الماء قد نضب، فهبط إلى أسفل الجودى فابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها العربية. وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم. وقال قتادة وغيره: ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب (2)، فساروا مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودى شهرا. وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد روى ابن جرير خبرا مرفوعا يوافق هذا، وأنهم صاموا يومهم ذلك. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الازدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شبل، عن أبى هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال


(1) بل هي أساطير مختلقة لا سبيل لها إلى الصحة. (2) ومن أين لقتادة هذا العلم القديم، ومعلوم أن الشهور العربية إنما عرفها العرب بعد الطوفان بزمان بعيد. (*)

[ 113 ]

ما هذا الصوم ؟ فقالوا: هذا اليوم الذى نجى الله فيه موسى وبنى إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا اليوم استوت فيه السفينة على الجودى، فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عزوجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم " وقال لاصحابه: " من كان منكم أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه ". وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر، والمستغرب ذكر نوح أيضا. والله أعلم. وأما ما يذكره كثير من الجهلة أنهم أكلوا من فضول أزوادهم، ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها، وطحنوا الحبوب يومئذ، واكتحلوا بالاثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعد ما كانوا في ظلمة السفينة - فكل هذا لا يصح فيه شئ، وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بنى إسرائيل لا يعتمد عليها ولا يقتدى بها. والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان - أرسل ريحا على وجه الارض، فسكن الماء وانسدت ينابيع الارض، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك [ على الجودى (1) ] فيما يزعم أهل التوراة - في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه. وفى أول يوم من الشهر العاشر رئيت رءوس الجبال. فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التى صنع فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء


(1) من ا (م 8 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 114 ]

فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها موضعا، فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها، ثم مضت سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع، فرجعت حين أمست وفى فيها ورق زيتونة، فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الارض. ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه، فعلم نوح أن الارض قد برزت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الاول من سنة اثنين، برز وجه الارض، وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك. وهذا الذى ذكره ابن إسحق هو بعينه مضمون سياق التوراة التى بايدى أهل الكتاب. وقال ابن إسحق: وفى الشهر الثاني من سنة اثنين في ست وعشرين ليلة منه " قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ". وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحا قائلا له: اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك، وجميع الدواب التى معك، ولينموا وليكثروا (2) في الارض. فخرجوا وابتنى نوح مذبحا لله عزوجل وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير الحلال فذبحها قربانا إلى الله عزوجل وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الارض. وجعل تذكارا لميثاقه (2) إليه القوس الذى في الغمام، وهو قوس قزح الذى روى عن


(1) ط: وليكبروا (2) ا: وجعل تذكار ميثاق (*)

[ 115 ]

ابن عباس أنه أمام من الغرق. قال بعضهم: فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتر، أي أن هذا الغمام لا يوجد منه طوفان كأول مرة. وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وتوع الطوفان، واعترف به آخرون منهم وقالوا: إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا. قالوا: ولم نزل نتوارث الملك كابرا عن كابر، من لدن كيومرث - بعنون آدم - إلى زماننا هذا. وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عباد النيران وأتباع الشيطان. وهذه سفسطة منهم وكفر فظيع وجهل بليغ، ومكابرة للمحسوسات، وتكذيب لرب الارض والسموات. وقد أجمع أهل الاديان الناقلون عن رسل الرحمن، مع ما تواتر عند الناس في سائر الازمان، على وقوع الطوفان، وأنه عم جميع البلاد، ولم يبق الله أحدا من كفرة العباد ; استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم، وتنفيذا لما سبق في القدر المحتوم. ذكر شئ من أخبار نوح نفسه عليه السلام قال الله تعالى: " إنه كان عبدا شكورا " (1). قيل: إنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبى زائدة


(1) من الآية: 3 من سورة الاسراء. (*)

[ 116 ]

عن سعيد بن أبى بردة، عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أبو يشرب الشربة فيحمده عليها ". وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث [ أبى ] أسامة (1). والظاهر أن الشكور هو الذى يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية ; فإن الشكر (2) يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر: أفادتكم النعماء منى ثلاثة * يدى ولساني والضمير المحجبا ذكر صومه عليه السلام وقال ابن ماجة: باب صيام نوح عليه السلام: حدثنا سهل بن أبى سهل حدثنا سعيد بن أبى مريم، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن أبى فراس، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر إلا يوم عيد الفطر ويوم الاضحى ". وهكذا رواه ابن ماجة عن طريق عبد الله بن لهيعة بإسناده ولفظه. وقد قال الطبراني: حدثنا أبوالزنباع روح بن فرج، حدثنا عمر بن خالد الحرانى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قتادة، عن يزيد بن رباح أبى فراس، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والاضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر ".


(1) سقطت من ط. (2) ا: الشكور. (*)

[ 117 ]

ذكر حجه عليه السلام وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن زمعة - هو ابن أبى صالح - عن سلمة بن دهران (1)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادى عسفان قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ؟ " قال هذا وادى عسفان. قال: " لقد مر بهذا نوح وهود وإبراهيم على بكران (2) لهم حمر خطمهم الليف، أزرهم العباء وأرديتهم النمار (3) يحجون البيت العتيق ". فيه غرابة. ذكر وصيته لولده عليه السلام قال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن زيد بن أسلم - قال حماد: أظنه عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان مزرورة بالديباج فقال: " ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس، أو قال: يريد أن يضع كل فارس ابن فارس، ورفع كل راع ابن راع ". قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته وقال: " ألا أرى عليك لباس من لا يعقل ! " ثم قال: " إن نبى الله نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه: إنى قاص عليك وصية (4) ;


(1) ط: وهرام. (2) البكران: النوق الفتية (3) النمار: برود من صوف (4) ا: الوصية (*)

[ 118 ]

آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والارضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله. ولو أن السموات السبع والارضين السبع كن حلقة مبهمة (1) ضمتهن لا إله إلا الله، وبسبحان الله وبحمده. فإن بها صلات كل شئ، وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر " قال: يقلت - أو قيل - يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه، فلما الكبر ؟ أن يكون لاحدنا نعلان حسنتان لهما شرا كان حسنان ؟ قال: " لا " قال: هو أن يكون لاحدنا حلة يلبسها ؟ قال " لا " قال: هو أن يكون لاحدنا دابة يركبها ؟ قال: " لا " قال: هو أن يكون لاحدنا أصحاب يجلسون إليه ؟ قال: " لا " قلت - أو قيل - يا رسول الله فما الكبر ؟ قال: " سفه الحق وغمط (2) الناس ". وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد ابن إسحق، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان في وصية نوح لابنه: أوصيك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين "، فذكر نحوه. وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد، عن أبى معاوية الضرير عن محمد بن إسحق، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، كما رواه أحمد والطبراني. والله أعلم.


(1) المبهمة: المصمتة. (2) ا: وغمص (*)

[ 119 ]

ويزعم أهل الكتاب أن نوحا عليه السلام لما ركب [ في (1) ] السفينة - كان عمره ستمائة سنة. وقدمنا عن ابن عباس مثله، وزاد: وعاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة، وفى هذا القول نظر. ثم إن لم يمكن الجمع بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض. فإن القرآن يقتضى أن نوحا مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك ؟ فإن كان ما ذكر محفوظا عن ابن عباس - من أنه بعث وله أربعمائة وثمانون سنة، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة - فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة. وأما قبره عليه السلام: قروى ابن جرير والازرقي عن عبد الرحمن ابن سابط أو غسيره من التابعين مرسلا، أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام. وهذا أقوى وأثبت من الذى يذكره كثير من المتأخرين، من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح، وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك فيما ذكر. والله أعلم.


(1) من ا (2) ا: سبعمائة. (*)

[ 120 ]

قصة هود عليه السلام وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام. ويقال إن هودا هو عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، ويقال هود بن عبد الله بن رباح الجارود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. ذكره ابن جرير. وكان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوض بن سام بن نوح. وكانوا عربا يسكنون الاحقاف - وهى جبال الرمل - وكانت باليمن بين عمان وحضر موت، بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر، واسم واديهم مغيث. وكانوا كثيرا ما يسكنون الخيام ذوات الاعمدة الضخام، كما قال تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد " أي عاد إرم وهم عاد الاولى. وأما عاد الثانية فمتأخرة كما سيأتي بيان ذلك في موضعه. وأما عاد الاولى فهم عاد " إرم ذات العماد * التى لم يخلق مثلها في البلاد " أي مثل القبيلة، وقيل مثل العمد. والصحيح الاول كما بيناه في التفسير. ومن زعم أن " إرم " مدينة تدور في الارض، فتارة في الشام، وتارة في اليمن ; وتارة في الحجاز، وتارة في غيرها، فقد أبعد النجعة، وقال ما لا دليل عليه، ولا برهان يعول عليه، ولا مستند يركن إليه.

[ 121 ]

وفى صحيح ابن جبان عن أبى ذر في حديثه الطويل في ذكر الانبياء والمرسلين قال فيه: " منهم أربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب ونبيك يا أبا ذر ". ويقال إن هودا عليه السلام أول من تكلم بالعربية، وزعم وهب ابن منبه أن أباه أول من تكلم بها، وقال غيره: أول من تكلم بها نوح، وقيل آدم وهو الاشبه، وقيل غير ذلك. والله أعلم. ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام، العرب العاربة، وهم قبائل كثيرة: منهم عاد، وثمود، وجرهم، وطسم، وجديس ; وأميم، ومدين، وعملاق، وعبيل، وجاسم، وقحطان، وبنو يقطن، وغيرهم. وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل. وكان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، ولكن أنطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان. وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمقصود أن عادا - وهم عاد الاولى - كانوا أول من عبد الاصنام بعد الطوفان. وكانت أصنامهم ثلاثة: صدا وصمودا، وهرا. فبعث الله فيهم أخاهم هودا عليه السلام فدعاهم إلى الله، كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح، وما كان من أمرهم في سورة الاعراف:

[ 122 ]

" وإلى عاد أخاهم هودا، قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون * قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * قال يا قوم ليس بى سفاهة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربى وانا لكم ناصح أمين * أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ؟ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون * قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده، ونذر ما كان يعبد آباؤنا ؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب، اتجادلوننى في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ؟ فانتظروا إنى معكم من المنتظرين * فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (1) ". وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود: " وإلى عاد أخاهم هودا، قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا أسألكم عليه أجرا، إن أجرى إلا على الذى فطرني أفلا تعقلون * ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويردكم قوة إلى قوتكم، ولا تتولوا مجرمين * قالوا يا هود ما جئتنا ببينة، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. قال إنى أشهد الله واشهدوا


(1) الآيات من 65 - 72 (*)

[ 123 ]

أنى برئ مما تشكرون من دونه، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إنى توكلت على الله ربى وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربى قوما غيركم، ولا تضرونه شيئا إن ربى على كل شئ حفيظ * ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا، ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (1) ". وقال تعالى في سورة " قد أفلح المؤمنون " بعد قصة قوم نوح: " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين * فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال رب انصرني بما كذبون * قال عما قليل ليصبحن نادمين * فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين " (2).


(1) الآيات: من 50 - 60. (2) الآيات من 31 - 41 (*)

[ 124 ]

وقال تعالى في سورة الشعراء بعد قصة قوم نوح أيضا: " وكذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ؟ إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين * أتبنون بكل ريع آية تعبثون ؟ وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الاولين * وما نحن بمعذبين * فكذبوه فأهلكناهم، إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم (1) ". وقال تعالى في سورة حم السجدة: " فأما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق وقالوا من أشد مناقوة ؟ أو لم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات، لنذيقهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (2) ". وقال تعالى في سورة الاحقاف: " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف، وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا أجئتنا لتافكنا عن آلهتنا ؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما العلم عند الله وأبلغكم


(1) الآيات: 123 - 140 الآيتان 15، 16 (*)

[ 125 ]

ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شئ بأمر ربها، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، كذلك نجزى القوم المجرمين (1) ". وقال تعالى ف الذاريات: " وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم ". وقال تعالى في النجم: " وأنه أهلك عادا الاولى * وثمود فما أبقى * وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى * والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى * فبأى آلاء ربك تتمارى ". وقال تعالى في سورة اقتربت: " كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ". وقال في الحاقة: " وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية ". وقال في سورة الفجر: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التى لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد "


(1) الآيات: 21، 25 (*)

[ 126 ]

وفرعون ذى الاوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد ". وقد تكلمنا على كل من هذه القصص في أماكنها من كتابنا التفسير. ولله الحمد والمنة. وقد جرى ذكر عاد في سورة براءة وإبراهيم والفرقان والعنكبوت وفى سورة ص، وفى سورة ق. * * * ولنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه السياقات، مع ما يضاف إلى ذلك من الاخبار. وقد قدمنا أنهم أول الامم الذين عبدوا الاصنام بعد الطوفان. وذلك بين في قوله لهم: " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة " أي جعلهم أشد أهل زمانهم في الخلقة والشدة والبطش. وقال في المؤمنون: " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " وهم قوم هود على الصحيح. وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله: " فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء ". قالوا: وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة " وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية ". وهذا الذى قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة والريح العاتية عليهم كما سيأتي في قصة أهل مدين اصحاب الايكة فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات، ثم لا خلاف أن عادا قبل ثمود.

[ 127 ]

والمقصود أن عادا كانوا جفاة كافرين، عتاة متمردين في عبادة الاصنام، فأرسل الله فيهم رجلا منهم يدعوهم إلى الله وإلى إفراده بالعبادة والاخلاص له، فكذبوه وخالفوه وتنقصوه، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته واستغفاره، ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة، وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة " قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة " أي هذا الامر الذى تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الاصنام التى يرتجى منها النصر والرزق، ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك. " قال يا قوم ليس بى سفاهة ولكني رسول من رب العالمين "، أي ليس الامر كما تظنون ولا كما (1) تعتقدون " أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين " والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغ، وعدم الزيادة فيه والنقص منه، ويستلزم أداءه (2) بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها ولا اختلاف ولا اضطراب. وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم، لا يبتغى منهم أجرا ولا يطلب منهم جعلا ; بل هو مخلص لله عزوجل في الدعوة إليه والنصح لخلقه، لا يطلب أجره إلا من الذى أرسله، فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه وأمره إليه


(1) ا: ولا ما تعتقدون. (2) ط: إبلاغه. (*)

[ 128 ]

ولهذا وقال: " يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذى فطرني أفلا تعقلون " أي أما لكم عقل تميزون به وتفهمون أنى أدعوكم إلى الحق المبين الذى تشهد به فطركم التى خلقتم عليها، وهو دين الحق الذى بعث الله به نوحا وأهلك من خالفه من الخلق. وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجرا عليه، بل أبتغى ذلك عند الله مالك الضر والنفع. ولهذا قال مؤمن " يس ": " اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * ومالى لا أعبد الذى فطرني وإليه ترجعون ؟ " وقال قوم هود له فيما قالوا: " يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء "، يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ماجئت به، وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك ; بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته، وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه. وعندنا أنه إنما أصابك هذا لان بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك في عقلك فأعتراك جنون بسبب ذلك. وهو قولهم: " إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ". " قال إنى أشهد الله واشهدوا أنى برئ مما تشكرون من دونه، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ". وهذا تحد منه لهم، وتبرأ من آلهتهم وتنقص منه لها، وبيان أنها لا تنفع شيئا ولا تضر، وأنها جماد حكمها حكمه وفعلها فعله. فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا برئ منها

[ 129 ]

لا عن لها " فكيدوني ثم لا تنظرون " أنتم جميعا بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه، ولا تؤخروني ساعة واحدة ولا طرفة عين فإنى لا ابالى بكم ولا أفكر فيكم، ولا أنظر إليكم. " إنى توكلت على الله ربى وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربى على صراط مستقيم " أي أنا متوكل على الله ومتأيد به، وواثق بجنابه الذى لا يضيع من لاذبه واستند إليه، فلست أبالى مخلوقا سواه، لست أتوكل إلا عليه ولا أعبد إلا إياه. وهذا وحده برهان قاطع على أن هودا عبد الله ورسوله، وأنهم على جهل وضلال في عبادتهم غير الله ; لانهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروها. فدل على صدقه فيما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه. وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله في قوله: " يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إلى ولا تنظرون (1) ". وهكذا قال الخليل عليه السلام: " ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا، وسع ربى كل شئ علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ؟ فأى الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا


(1) من الآية: 71 من سوره يونس (م 9 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 130 ]

إيمانهم بظلم، أولئك لهم الامن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (1) " " وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا، ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (2) ". استبعدوا أن يبعث الله رسولا بشريا. وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديما وحديثا، كما قال تعالى: " أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس (3) " وقال تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (4) ". ولهذا قال لهم هود عليه السلام: " أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم " أي ليس هذا بعجيب ; فإن الله أعلم حيث يجعل رسالته. وقوله: " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين *


(1) سورة الانعام: 80: 83 (2) سورة المؤمنون: 33: 35. (3) أول سورة يونس. (4) الآيتان: 94، 95 من سورة الاسراء. (*)

[ 131 ]

قال ربى انصرني بما كذبون " استبعدوا الميعاد وأنكروا قيام الاجساد بعد صيرورتها ترابا وعظاما، وقالوا: هيهات هيهات، أي بعيد بعيد هذا الوعد، " إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين " أي يموت قوم ويحيا آخرون. وهذا هو اعتقاد الدهرية، كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة: ارحام تدفع وأرض تبلع. وأما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون إلى هذه الدار بعد كل ستة وثلاثين الف سنة. وهذا كله كذب وكفر وجهل وضلال، وأقوال باطلة وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل، يستميل عقل الفجرة الكفرة من بنى آدم الذين لا يعقلون ولا يهتدون، كما قال تعالى: " ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون ". (2) وقال لهم فيما وعظهم به: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ". يقول لهم: أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيما هائلا كالقصور ونحوها، تعبثون ببنائها لانه لا حاجة لكم فيه، وما ذاك إلا لانهم كانوا يسكنون الخيام، كما قال تعالى: " ألم تركيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التى لم يخلق مثلها في البلاد " فعاد إرم هم عاد الاولى الذين كانوا يسكنون الاعمدة التى تحمل الخيام. ومن زعم أن " إرم " مدينة من ذهب وفضة وهى تنتقل في البلاد، فقد غلط وأخطأ، وقال مالا دليل عليه.


(1) الآية: 113 من سورة الانعام (*)

[ 132 ]

وقوله: " وتتخذون مصانع " قيل هي القصور، وقيل بروج الحمام وقيل مآخذ الماء " لعلكم تخلدون " أي رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارا طويلة " وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون * أمدكم بانعام وبنين * وجنات وعيون * إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ". وقالوا له مما قالوا: " أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " أي أجئتنا لنعبد الله وحده، ونخالف آباؤنا وأسلافنا وما كانوا عليه ؟ فإن كنت صادقا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال، فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك. كما قالوا: " سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الاولين * وما نحن بمعذبين ". اما على قراءة فتح الخاء، فالمراد به اختلاق الاولين، أي إن هذا الذى جئت به إلا اختلاق منك، أخذته من كتب الاولين. هكذا فسره غير واحد من الصحابة والتابعين. وأما على قراءة ضم الخاء واللام - فالمراد به الدين ; أي إن هذا الدين الذى نحن عليه إلا دين [ الاولين (1) ] الآباء والاجداد من الاسلاف (2)، ولن نتحول عنه ولا نتغير، ولا نزال متمسكين به. ويناسب كلا القراءتين الاولى والثانية قولهم: " وما نحن بمعذبين "


(1) من ا (2) ط: من أسلافنا. (*)

[ 133 ]

قال: " قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ؟ فانتظروا إنى معكم من المنتظرين " أي قد استحققتم بهذه المقالة الرجس والغضب من الله، أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له بعبادة أصنام أنتم نحتموها وسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم ؟ اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم، ما نزل الله بها من سلطان. أي لم ينزل على ما ذهبتم إليه دليل ولا برهانا. وإذ أبيتم قبول الحق وتماديتم في الباطل، وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا، فانتظروا الآن عذاب الله الواقع بكم، وبأسه الذى لا يرد ونكاله الذى لا يصد. * * * وقال تعالى: " قال رب انصرني بما كذبون * قال عما قليل ليصبحن نادمين * فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين " وقال تعالى: " قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم، قالوا هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شئ بأمر بها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، كذلك نجزى القوم المجرمين ". وقد ذكر الله تعالى خبر إهلاكهم في غير ما آية كما تقدم مجملا ومفصلا، كقوله: [ " فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين

[ 134 ]

كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (1) " ] وكقوله: " ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ * وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود " وكقوله: " فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين " وقال تعالى: " فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ". وأما تفصيل إهلاكهم فكما (2) قال تعالى: " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم " [ كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب، أنهم كانوا ممحلين مسنتين (3)، فطلبوا السقيا فرأوا عارضا في السماء وظنوه سقيا رحمة، فإذا هو سقيا عذاب. ولهذا قال تعالى: " بل هو ما استعجلتم به " أي من وقوع العذاب (4) ] وهو قولهم: " فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " ومثلها في الاعراف. وقد ذكر المفسرون وغيرهم هاهنا الخبر الذى ذكره الامام محمد بن إسحق بن يسار (5) قال: فلما أبوا إلا الكفر بالله عزوجل، أمسك عنهم القطر (6) ثلاث سنين، حتى جهدهم ذلك. قال: وكان الناس إذا


(1) ليست في ا. (2) ط: فلما. وهو تحريف. (3) ممحلين: أصابهم المحل وهو الشدة وانقطاع المطر. ومسنتين: أصابتهم السنة وهى الجدب والقحط. (4) سقطت من ا. (5) المطبوعة: بشار. وهو تحريف (6) ط: المطر. (*)

[ 135 ]

جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمة ومكان بيته. وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان، وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال له معاوية بن بكر، وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهدة ابنة الخيبرى. قال: فبعث عاد وفدا قريبا من سبعين رجلا ليستسقوا لهم عند الحرم، فمروا بمعاوية بن بكر [ بظاهر مكة، فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا، يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية (1) ] وكانوا قد وصلوا إليه في شهر. فلما طال مقامهم عنده، وأخذته شفقة على قومه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف - عمل شعرا يعرض لهم فيه (2) بالانصراف، وأمر القينتين أن تغنيهم به، فقال: ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يصحبنا (2) غماما فيسقى أرض عاد إن عادا * قد امسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير * فقد أمست نساؤهم أيامى وإن الوحش يأتيهم جهارا * ولا يخشى لعادي سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم تماما (3) فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما قال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له، فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم، فدعا داعيهم وهو قيل بن عنز، فأنشأ الله سحابات ثلاثا:


(1) ليست في ا. (2) ط: يمنحنا. (3) ا: التماما. ولعلها: نياما. (*)

[ 136 ]

بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب، فقال: اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد: اخترت رماد رمددا، لا تبقى من عاد أحدا، لا والدا يترك ولا ولدا إلا جعلته همدا إلا بنى اللوذية الهمدا. قال: وهم بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال: ومن بقى من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة. قال: وساق الله السحابة السوداء التى اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا هذا عارض ممطرنا، فيقول تعالى: " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شئ بأمر ربها " أي [ تهلك (1) ] كل شئ أمرت به. فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنهغا ريح فيما يذكرون أمرأة من عاد يقال لها " مهد "، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت. فلما أفاقت قالوا ما رأيت يا مهد ؟ قالت رأيت ريحا فيها شبه (2) النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، والحسوم الدائمة ; فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك. قال: واعتزل هود عليه السلام - فيما ذكر لى - في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين، ما يصيبهم إلا ما تلين عليه الجلود، وتلذ (3) الانفس، وإنها


(1) ليست في ا. (2) ا: كشهب النار (3) ا: ويلبد. (*)

[ 137 ]

التمر على عاد بالظعن فيما بين السماء والارض، وتدمغهم بالحجارة. وذكر تمام القصة. وقد روى الامام أحمد حديثا في مسنده يشبه هذه القصة فقال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنى أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي، حدثنا عاصم ابن أبى النجود، عن أبى وائل، عن الحارث - وهو ابن حسان - ويقال ابن يزيد البكري، قال: خرجت أشكو العلاء [ بن (1) ] الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بنى تميم منقطع بها، فقالت لى: يا عبد الله إن لى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت ما شأن الناس ؟ قالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست، قال فدخل منزله - أو قال رحله - فاستأذنت عليه فاذن لى، فدخلت فسلمت فقال: " هل كان بينكم وبين بنى تميم شئ " ؟ فقلت: نعم. وكانت لنا الدائرة (2) عليهم ومررت بعجوز من بنى تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك وهامى بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت يا رسول الله: إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بنى تميم حاجزا، فاجعل الدهناء (3) [ فإنها كانت لنا، قال (4) ] فحميت العجوز واستوفزت وقالت


(1) سقطت من ا. (2) ا: الدبرة (3) ط: الدهماء. وهو تحريف. (4) ليست في ا (*)

[ 138 ]

يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك ؟ قال: فقلت: إن مثلى ما قال الاول: " معزى حملت حتفها " حملت هذه الامة [ ولا (1) ] أشعر أنها كانت لى خصما، أعوذ بالله ورسوله [ أن أكون (1) ] كوافد عاد، قال: [ هيه (1) ] وما وافد عاد ؟ وهو أعلم بالحديث منى (2) ولكن يستطعمه. قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية ابن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة (3)، فقال: اللهم إنك تعلم أنى لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود فنودى: منها اختر. فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودى منها: خذها رمادا رمددا، لا تبقى من عاد أحدا. قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما يجرى في خاتمي هذا من الريح حتى هلكوا. قال أبو وائل: وصدق، وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا (4) لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد. وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب به. ورواه النسائي من حديث سلام أبى المنذر عن عاصم بن بهدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجة. وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كاين جرير وغيره.


(1) سقطت من ا. (2) ا: بالحديث فيه. (3) ا: جبال مهرة. (4) ط: وفدا. (*)

[ 139 ]

وقد يكون هذا السياق لاهلاك عاد الآخرة ; فإن فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ذكر لمكة، ولم تبن إلا بعد إبراهيم الخليل، حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل، فنزلت جرهم عندهم كما سيأتي، وعاد الاولى قبل الخليل، وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره، وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الاولى، ولا يشبه كلام المتقدمين. وفيه أن في تلك السحابة شرر نار، وعاد الاولى إنما أهلكوا بريح صرصر. وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين: هي الباردة، والعاتية الشديد الهبوب. " سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما " أي كوامل متتابعات. قيل كان أولها الجمعة، وقيل الاربعاء. " فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية " شبههم بأعجاز النخل التى لارءوس لها، وذلك لان الريح كانت تجئ إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ; ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس، كما قال: " إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر [ أي في يوم نحس عليهم، مستمر (1) ] عذابه عليهم. " تنزع الناس كأنهم اعجاز نخل منقعر " ومن قال إن اليوم النحس المستمر هو يوم الاربعاء وتشاءم به لهذا الفهم، فقد أخطأ وخالف القرآن ; فإنه قال في الآية الاخرى: " فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات " ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات، فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت


(1) سقطت من ا. (*)

[ 140 ]

جميع الايام السبعة المندرجة فيها (1) مشئومة، وهذا لا يقوله أحد، وإنما المراد في أيام نحسات، أي عليهم. وقال تعالى: " وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم " أي التى لا تنتج خيرا، فإن الريح المفردة لا تثير سحابا ولا تلقح شجرا، بل هي عقيم لا نتيجة خير لها، ولهذا قال: " ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم " أي كالشئ البالى الفاني الذى لا ينتفع به بالكلية. وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نصرت بالصبا، واهلكت عاد بالدبور ". وأما قوله تعالى: " واذكر أخا عاد إذ انذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله، إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " فالظاهر أن عادا هذه هي عاد الاولى ; فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود وهم الاولى. ويحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية. ويدل عليه ما ذكرنا وما سيأتي من الحديث عن عائشة رضى الله عنها. وأما قوله: " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا " فإن عادا لما رأوا هذا العارض وهو الناشئ في الجو كالسحاب ظنوه سحاب مطر، فإذا هو سحاب عذاب. اعتقدوه رحمة فإذا هو نقمة


(1) ا: المندرجة في الثمانية (*)

[ 141 ]

رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر. قال الله تعالى: " بل هو ما استعجلتم به " [ أي من العذاب، ثم فسره بقوله (1) ]: " ريح فيها عذاب أليم " يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوط، التى استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية فلم تبق منهم أحدا، بل تتبعتهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم، وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة، فكما منوا بشدتهم وبقوتهم (2) وقالوا: من أشد منا قوة ؟ ! سلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة، وأقدر عليهم، وهو الريح العقيم. ويحتمل أن هذه الريح اثارت في آخر الامر سحابة، ظن من بقى منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم وغياث لمن بقى منهم، فأرسلها الله عليهم شررا ونارا. [ كما ذكره غير واحد. ويكون هذا (1) ] كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين، وجمع لهم بين الريح الباردة وعذاب النار، وهو أشد ما يكون من العذاب بالاشياء المختلفة المتضادة، مع الصيحة التى ذكرها في سورة قد أفلح المؤمنون. والله أعلم. وقد قال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا محمد بن يحيى [ بن ] (1) الضريس. حدثنا ابن فضيل عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما فتح الله على عاد من الريح التى أهلكوا بها إلا مثل [ موضع (1) ] الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم [ وأموالهم (1) ] بين السماء والارض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة


(1) ليست في ا. (2) ط: بقوتهم وشدتهم (2) ليست في ا. (*)

[ 142 ]

من عاد، الريح وما فيها " قالوا هذا عارض ممطرنا " فالقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة. وقد رواه الطبراني عن عبدان بن أحمد، عن اسماعيل بن زكريا الكوفى، عن أبى مالك، عن مسلم الملائى، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فتح الله على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر، فلما رآها أهل الحضر قالوا هذا عارض ممطرنا مستقبل أو ديتنا. وكان أهل البوادى فيها، فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا ". قال: عتت على حزانها (1) حتى خرجت من خلال الابواب. قلت: وقال غيره: خرجت بغير حساب. [ والمقصود أن هذا الحديث في رفعه نظر. ثم اختلف فيه على مسلم الملائى، وفيه نوع اضطراب (2) ] والله أعلم. وظاهر الآية أنهم رأوا عارضا والمفهوم منه لغة السحاب، كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري، إن جعلناه مفسرا لهذه القصة. وأصرح منه في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا أبو [ بكر (2) ] الطاهر، حدثنا ابن وهب قال: سمعت ابن جريج حدثنا


(1) ط: عن خزائنها. ولعله تحريف (2) سقط من ا (3) ط: لمعة. وهو تحريف. (*)

[ 143 ]

عن عطاء بن أبى رباح، عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: " اللهم إنى أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به " قالت: " وإذا غيبت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر. فإذا أمطرت سرى عنه، فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال: " لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ". رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث ابن جريج. طريق أخرى: قال الامام أحمد: حدثنا هرون بن معروف، أنبأنا عبد الله بن وهب، أنبأنا عمرو - [ وهو (1) ] ابن الحارث - أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا قط حتى أرى منه لهواته (2)، إنما كان يتبسم وقالت: كان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه، قالت يا رسول الله: [ إن (1) ] الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية ؟ فقال: " يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ! قد عذب قوم نوح بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا " [ فهذا الحديث كالصريح في تغاير القصتين كما أشرنا إليه أولا. فعلى هذا تكون القصة المذكورة في سورة الاحقاف خبرا عن قوم عاد الثانية وتكون بقية السياقات في القرآن خبرا عن عاد الاولى، والله أعلم بالصواب (1). ]


(1) ليست في ا. (2) اللهوات: جمع لهاة وهى لحمة ناتئة في أقصى الحلق. (*)

[ 144 ]

وهكذا رواه مسلم عن هارون بن معروف، وأخرجه البخاري وأبو داود من حديث ابن وهب. وقدمنا حج هود عليه السلام عند ذكر حج نوح عليه السلام. وروى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أنه ذكر صفة قبر هود عليه السلام في بلاد اليمن. وذكر آخرون أنه بدمشق، وبجامعها مكان في حائطه القبلى يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام. والله أعلم.

[ 145 ]

قصة صالح عليه السلام نبى ثمود وهم قبيلة مشهورة، يقال لهم ثمود باسم جدهم ثمود أخى جديس، وهما ابنا عاثر بن إرم بن سام بن نوح. وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذى بين الحجاز وتبوك. وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين. وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الاصنام كأولئك. فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو عبد الله ورسوله: صالح بن عبيد ابن ماسح بن عبيد بن حادر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الاصنام والانداد ولا يشركوا به شيئا. فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال، وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التى جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. كما قال تعالى في سورة الاعراف: " وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية، فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم * واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا، (10 - قصص الانبياء 1)

[ 146 ]

فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين * قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم، أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ؟ قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذى آمنتم به كافرون * فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (1). وقال تعالى في سورة هود: " وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربى قريب مجيب * قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ؟ وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني منه رحمة، فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير * ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب * فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب * فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا، ومن خزى يومئذ، إن ربك هو القوى العزيز * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين *


(1) الآيات: 73 - 79 (*)

[ 147 ]

كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (1) " وقال تعالى في سورة الحجر: " ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين * وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (2) ". وقال سبحانه وتعالى في سورة سبحان: " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها، وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (3) ". وقال تعالى في سورة الشعراء " كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين * أتتركون فيما هاهنا آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخفل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله واطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون * قالوا إنما أنت من المسحرين * ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين * قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم (4) " وقال تعالى في سورة النمل: " ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا


(1) الآيات: 61 - 68 (2) الآيات: 80 - 84 (3) الآية: 59 (4) الآيات: 141 - 159 (*)

[ 148 ]

أن اعبدوا الله، فإذا هم فريقان يختصمون * قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون * قالوا اطيرنا بك وبمن معك، قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون * وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون * قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون * ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، إن في ذلك لآية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (1) ". وقال تعالى في سورة حم. السجدة: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى، فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون * ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (2) ". وقال تعالى في سورة اقتربت: " كذبت ثمود بالنذر * فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ؟ إنا إذا لفى ضلال وسعر * أألقى الذكر عليه من بيننا ؟ بل هو كذاب أشر * سيعلمون غدا من الكذاب الاشر * إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر. ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر * فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (3) ". وقال تعالى: " كذبت ثمود بطغواها * إذ انبعث أشقاها * فقال.


(1) الآيات: 45 - 53 (2) الآيتان: 17 و 18 الآيات: 23 - 32. (*)

[ 149 ]

لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها (1) ". وكثيرا ما يقرن الله في كتابه بين ذكر عاد وثمود، كما في سورة براءة وإبراهيم والفرقان، وسورة ص، وسورة ق، والنجم والفجر. ويقال إن هاتين الامتين لايعرف خبرهما أهل الكتاب، وليس لهما ذكر في كتابهم التوراة. ولكن في القرآن ما يدل على أن موسى أخبر (2) عنهما، كما قال تعالى في سورة إبراهيم: " وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإن الله لغنى حميد * ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات. " (3) الآية. الظاهر أن هذا من تمام كلام موسى مع قومه، ولكن لما كان هاتان الامتان من العرب لم يضبطوا خبرهما جيدا، ولا اعتنوا بحفظه، وإن كان خبرهما كان مشهورا في زمان موسى عليه السلام. وقد تكلمنا على هذا كله في التفسير مستقصى. ولله الحمد والمنة. * * * والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم، وكيف نجى الله نبيه صالحا عليه السلام ومن آمن به، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوهم، ومخالفتهم رسولهم عليه السلام.


(1) الآيات: 23 - 32 سورة الشمس (2) ا. أخبرهم (3) الآيتان: 8، 9. (*)

[ 150 ]

[ وقد قدمنا أنهم كانوا عربا، وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم. ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام ] (1): " اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية، فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم * واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا، فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين " أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان من أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم. وأباح لكم هذه الارض تبنون في سهولها القصور، " وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين " أي حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها. فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح، والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته، فإن عاقبة ذلك وخيمة. ولهذا وعظهم بقوله: " أتتركون فيما هاهنا آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم " أي متراكم كثير حسن بهى ناضج. " وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون ". وقال لهم أيضا: " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها " أي هو الذى خلقكم فأنشأكم من الارض، وجعلكم عمارها، أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار، فهو الخالق


(1) سقطت من ا. (*)

[ 151 ]

الرزاق، وهو الذى يستحق العبادة وحده لا [ ما (1) ] سواه. " فاستغفروه ثم توبوا إليه " أي أقلعوا عما أنتم فيه وأقبلوا على عبادته، فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم " إن ربى قريب مجيب ". " قالوا: يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا " أي [ قد (2) ] كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا قبل هذه المقالة، وهى دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الانداد، والعدول عن دين الآباء والاجداد ولهذا قالوا: " أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ؟ وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب ". " قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني منه رحمة، فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخير ". وهذا تلطف منه لهم في العبارة ولين الجانب، وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير. أي فما ظنكم إمن كان الامر كما أقول لكم وأدعوكم إليه ؟ ماذا (3) عذركم عند الله ؟ وماذا يخلصكم بين يديه وأنتم تطلبون منى أن أترك دعاءكم إلى طاعته ؟ وأنا لا يمكنني هذا لانه واجب على، ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني. فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، حتى يحكم الله بينى وبينكم. وقالوا له أيضا: " إنما أنت من المسحرين " أي من المسحورين، يعنون مسحورا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الانداد. وهذا القول عليه الجمهور، وهو أن المراد


(1) من ا. (2) ليست في ا. (3) كذا. والاصح ما عذركم (*)

[ 152 ]

بالمسحرين المسحورين. وقيل من المسحرين: أي ممن له سحر - وهو الرئى (1) - كأنهم يقولون إنما أنت بشر [ له سحر. والاول أظهر لقولهم بعد هذا: ما أنت إلا بشر (2) ] مثلنا [ وقولهم (3) ] " فأت بآية إن كنت من الصادقين " سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم به. " قال: هذه ناقة لها شرب، ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم " كما قال: " قد جاءتكم بينة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم " وقال تعالى: " وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها " وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوما في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله، وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة - وأشاروا إلى صخرة هناك - ناقة، من صفتها كيت وكيت [ وذكروا أوصافا يسموها ونعتوها وتعنتوا فيها. وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا (4) ] فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذى طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به ؟ قالوا: نعم. فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك. ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عزوجل ما قدر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا. فأمر الله عزوجل تلك الصخرة أن


(1) ا: الرئية. والرئى: التابع من الجن (2) سقطت من المطبوعة (3) ليست في ا (4) سقطت من ا. (*)

[ 153 ]

تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذى طلبوا، أو على الصفة التى نعتوا. فلما عاينوها كذلك رأوا أمرا ومنظرا هائلا، وقدرة باهرة ودليلا قاطعا وبرهانا [ ساطعا (1) ] فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم. ولهذا قال: " فظلموا بها " أي جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها، أي أكثرهم. وكان رئيس الذين آمنوا: جندع بن عمرو بن محلاة بن لبيد بن جواس. وكان من رؤسائهم. وهم بقية الاشراف بالاسلام فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صعر بن جلمس. ودعا جندع بن عمه شهاب بن خليفة وكان من أشرافهم، فهم بالاسلام [ فنهاه أولئك، قمال إليهم (1) فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة ابن الذميل رحمه الله: وكانت عصبة من آل عمرو * إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا * فهم بأن يجيب ولو أجابا لاصبح صالح فينا عزيزا * وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر * تولوا بعد رشدهم ذبابا ولهذا قال لهم صالح عليه السلام: " هذه ناقة الله " أضافها لله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم، كقوله بيت الله و عبد الله " لكم آية " أي دليلا على صدق ما جئتكم به " فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ".


(1) سقطت من ا. (*)

[ 154 ]

فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوما بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم. ويقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم، ولهذا قال: " لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ". ولهذا قال تعالى: " إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم " أي اختبارا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون ؟ والله أعلم بما يفعلون. " فارتقبهم " أي انتظر ما يكون من أمرهم " واصطبر " على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية. " ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب مختضر ". فلما طال عليهم [ هذا (1) ] الحال اجتمع مأوهم، واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة، ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم. قال الله تعالى: " فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ". وكان الذى تولى قتلها منهم رئيسهم: قدار بن سالف بن جندع، وكان أحمر أزرق أصهب. وكان يقال إنه ولد زانية (2) ولد على فراش سالف، وهو ابن رجل يقال له صيبان. وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم، فلهذا نسب الفعل إليهم كلهم (2). وذكر ابن جرير وغيرهم من علماء المفسرين: أن امرأتين من ثمود


(1) ليست في ا (2) ا: زنية. (2) ط: إلى جميعهم كلهم. (*)

[ 155 ]

اسم إحداهما " صدوق " (1) ابنة المحيا بن زهير بن المختار. وكانت ذات حسب ومال، وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له " مصرع " بن مهرج بن المحيا، وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة. واسم الاخرى " عنيزة " بنت غنيم بن مجلز، وتكنى أم غنمة (2) وكانت عجوزا كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الاربع على قدار بن سالف، إن هو (3) عقر الناقة فله أي بناتها شاء، فانتدب (4) هذان الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك، فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة. وهم المذكورون في قوله تعالى: " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون "، وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك. فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها كمن لها " مصرع "، فرماها بسهم انتظم عظم (5) ساقها، وجاء النساء يذمرن (6) القبيلة في قتلها، وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم [ في ذلك (7) ] فأسرعهم (8) قدار بن سالف، فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الارض. ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها - وهو فصيلها - فصعد جبلا منيعا ورغا (9) ثلاثا.


(1) ا: صدوقة. (2) ط: أم عثمان. (3) ا: إن من عقر (4) افابتدر. (5) ا: عضلة ساقها (6) يذمرن: يحضضن. وفى المطبوعة: يزمرن. محرفة (7) من ا. (8) ط: فابتدرهم. (9) ط: دعا. وهو تحريف. (*)

[ 156 ]

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن أنه قال: يا رب أين أمي ؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها. ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضا. قال الله تعالى: " فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابي ونذر ". وقال الله تعالى: " إذ انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها " أي احذروها " فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها ". قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام (1) - أبو عروة - عن أبيه [ عن ] (2) عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذى عقرها فقال: " إذ انبعث أشقاها: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبى زمعة " أخرجاه من حديث هشام به. عارم: أي شهم. عزيز أي رئيس منيع: أي مطاع في قومه. وقال [ محمد (3) ] بن إسحاق: حدثنى يزيد بن محمد بن خشيم، عن محمد ابن كعب، عن محمد بن خثيم بن يزيد، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى: " ألا أحدثك بأشقى الناس ؟ قال: بلى. قال: رجلان [ أحهما ] (3) أحيمر ثمود الذى عقر الناقة والذى يضربك يا على على هذا - يعنى قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعنى لحيته ". رواه ابن أبى حاتم.


(1) ط: هاشم. (2) من ا. (3) ليست في ا (*)

[ 157 ]

وقال تعالى: " فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا يا صالح اثتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ". فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه: منها: أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهى الاكيد في عقر الناقة التى جعلها الله لهم آية. ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين: أحدهما الشرط عليهم في قوله: " ولا تمسوها بسوه فيأخذكم عذاب قريب " وفى آية " عظيم " وفى الاخرى " أليم " والكل حق. والثانى استعجالهم على ذلك. ومنها: أنهم كذبوا الرسول الذى قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علما جازما، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم. قال الله تعالى: " فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ". وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف، لعنه الله ; فعرقبها فسقطت إلى الارض، ثم ابتدرها بأسيافهم [ يقطعونها (1) ] فلما عاين ذلك سقبها - وهو ولدها - شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات (2). فلهذا قال لهم صالح: " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام " أي غير


(1) ليست في ا. (2) ا: مرار. (*)

[ 158 ]

يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الاكيد. بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا - فيما يزعمون - أن يلحقوه بالناقة. " قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله " أي لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه، ثم نجحدن (1) قتله ولننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه. ولهذا قالوا: " ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون " * * * قال الله تعالى: " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعملون * وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون " (2). وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم [ فأهلكهم (3) ] سلفا وتعجيلا قبل قومهم، وأصبحت ثمود يوم الخميس - وهو اليوم الاول من أيام (4) النظرة - ووجوههم مصفرة، كما أنذرهم صالح عليه السلام. فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الاجل. ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة - ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الاجل. ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع -


(1) ا: تجحد. (2) الآيات: 49 - 53 من سورة النمل. (3) سقطت من المطبوعة. (4) ا: من أيامهم. (*)

[ 159 ]

وهو يوم السبت - ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الاجل. فلما كان صبيحة يوم الاحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة، لا يدرون كيف يفعل بهم ؟ ولا من أي جهة يأتيهم العذاب. فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة من أسفل منهم، ففاضت الارواح وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الاصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا (1) في دارهم جاثمين، جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها. قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها " كلبة " بنت السلق - ويقال لها الذريعة - وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شئ، فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وماحل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت. قال الله تعالى: " كأن لم يغنوا فيها " أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء، " ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود " أي نادى عليهم لسان القدر بهذا. * * * قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن


(1) ا: أصبحوا (*)

[ 160 ]

عين بن خثيم، عن أبى الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح، فكانت - يعنى الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فمتعوا عن أمر ربهم فعقروها. وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله [ بها (1) ] من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " فقالوا: من هو يا رسول الله (2) ؟ قال: [ هو (1) ] أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه ". وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شئ من الكتب الستة. والله تعالى أعلم. وقد قال عبد الرزاق أيضا: قال معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبى رغال، فقال: " أتدرون من هذا ؟ " قالوا: والله ورسوله أعلم. قال: " هذا قبر أبى رغال ; رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب. فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن ". قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف. هذا مرسل من هذا الوجه.


(1) ليست في ا (2) ا: يا رسول الله من هو

[ 161 ]

وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن إسحق في السيرة عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبى بجير، قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال: " إن هذا قبر أبى رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه. فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن ". وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحق به. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى رحمه الله: هذا حديث حسن عزيز. قلت: تفرد به بجير بن أبى بجير هذا، ولا يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية. قال شيخنا: فيحتمل أنه وهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه (1). والله أعلم. قلت: لكن في المرسل الذى قبله وفى حديث جابر أيضا شاهد له. والله أعلم. * * * وقوله تعالى: " فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين " إخبار عن صالح عليه السلام،


(1) الزاملة: التى يحمل عليها من الايل وغيرها، وقد أصاب عبد الله بن عمرو بعض كتب أهل الكتاب، حمل زاملتين، فكان يحدث منها. " م 11 - قصص الانبياء 1 " (*)

[ 162 ]

أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلا لهم: " يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم " أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكننى، وحرصت على ذلك بقولى وفعلى ونيتي. " ولكن لا تحبون الناصحين " أي لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده، فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الاليم، المستمر بكم المتصل إلى الابد، وليس لى فيكم حيلة ولا لى بالدفع عنكم يدان. والذى وجب على من أداء الرساله والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد. وهكذا خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال: وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من آخر الليل فقال: " يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا " وقال لهم فيما قال: " بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ". فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواما قد جيفوا ؟ فقال: " والذى نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون ". ويقال إن صالحا عليه السلام انتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات. قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم جوادي عسفان [ حين حج قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ؟ " قال:

[ 163 ]

وادى عسفان (1) ] قال: " لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف، أزرقهم العباء، وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق ". إسناد حسن. وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام من رواية الطبراني، وفيه نوح وهود وإبراهيم. ذكر مرور النبي صلى الله عليه وسلم بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التى كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا القدور، فأمرهم رسول الله فأهراقوا القدور، وعفلوا العجين الابل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التى كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال (1) ]: " إنى أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم ". وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: " لا تدخلوا على هؤلاء، المذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم ".


(1) سقط من ا. (*)

[ 164 ]

أخرجاه في الصحيحين من غير وجه. وفى بعض الروايات: أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم قنع رأسه وأسرع راحلته، ونهى عن دخول منازلهم إلا أن تكونوا باكين. وفى رواية: فإن لم تبكوا (1) فتباكوا خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". صلوات الله وسلامه عليه. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هرون، حدثنا المسعودي، عن إسمعيل بن أوسط، عن محمد بن أبى كبشة الانباري عن أبيه - واسمه عمرو بن سعد ويقال عامر بن سعد - رضى الله عنه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس: " الصلاة جامعة ". قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: " ما تدخلون على قوم عضب الله عليهم " فناداه رجل: نعجب منهم يا رسول الله ! قال: " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا ; فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتى قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا ". إسناد حسن ولم يخرجوه. * * * وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة، فكانوا يبنون


(1) ا: فإن لم تكونوا. (*)

[ 165 ]

البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم، فنحتوا لهم بيوتا في الجبال. وذكروا أن صالحا عليه السلام لما سألوه آية، فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة، أمرهم بها وبالولد الذى كان في جوفها، وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء، وأخبرهم أنهم سيعقرونها ويكون سبب هلاكهم ذلك. وذكر لهم صفة عاقرها وأنه أحمر أزرق أصهب. فبعثوا القوابل في البلد متى وجدوا مولودا بهذه الصفة يقتلنه، فكانوا على ذلك دهرا طويلا. وانقرض جيل وأتى جيل آخر. فلما كان في بعض الاعصار خطب رئيس من رؤسائهم على ابنه بنت آخر مثله في الرياسة، فزوجه، فولد بينهما عاقر الناقة، وهو قدار بن سالف. فلم تتمكن القوابل من قتله لشرف أبويه وجديه فيهم، فنشأ نشأة سريعة، فكان يشب في الجمعة كما يشب غيره في شهر، حتى كان من أمره أن خرج مطاعا فيهم رئيسا بينهم. فسولت له نفسه عقر الناقة واتبعه على ذلك ثمانية من أشرافهم، وهم التسعة الذين أرادوا قتل صالح عليه السلام. فلما وقع من أمرهم ما وقع من عقر الناقة، بولغ ذلك صالحا عليه السلام، جاءهم باكيا عليها، فتلقوه يعتذرون إليه، ويقولون: إن هذا لم يقع من ملا منا. وإنما فعل هذا هؤلاء الاحداث فينا. فيقال إنه أمرهم باستدراك سقها حتى يحسنوا إليه عوضا عنها، فذهبوا وراءه فصعد جبلا هناك، فلما تصاعدوا فيه وراءه تعالى الجبل حتى ارتفع فلا يناله الطير، وبكى الفصيل حتى سالت دموعه. ثم استقبل صالحا عليه السلام ورغا ثلاثا،

[ 166 ]

فعندها قال صالح: " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب " وأخبرهم أنهم يصبحون من غدهم صفرا، ثم تحمر وجوههم في الثاني، وفى اليوم الثالث تسود وجوههم. فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صيحة فيها صوت كل صاعقة، فأخذتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين. وفى بعض هذا السياق نظر ومخالفة لظاهر ما يفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم كما قدمنا. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

[ 167 ]

قصة ابراهيم الخليل هو إبراهيم بن تارخ (1) " 250 " بن ناحور " 148 " بن ساروغ " 230 " بن راغو " 239 " ابن فالغ " 439 " بن عابر " 464 " (2) ابن شالح " 433 " بن أرفخشذ " 438 " (3) بن سام " 600 " بن نوح عليه السلام. هذا نص أهل الكتاب في كتابهم، وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندى كما ذكروه [ من المدد ] (4) وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته. وحكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة [ إبراهيم (4) ] الخليل من تاريخه عن إسحق بن بشر الكاهلى صاحب كتاب المبتدأ، أن اسم أم ابراهيم " أميلة ". ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة. وقال الكلبى: سمها " بونا " بنت كربتا بن كرثى، من بنى أرفخشذ بن سام بن نوح. وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال: كان إبراهيم عليه السلام يكنى " أبا الضيفان " قالوا: ولما كان عمر تارخ خمسا وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام، وتاحور وهاران، وولد لهاران " لوط ". وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الاوسط، وأن هاران مات في


(1) ط: تسارخ وهو تحريف. (2) ا: 443 (3) ا: 893. (4) ليست في ا. (*)

[ 168 ]

حياة أبيه في أرضه التى ولد فيها، وهى أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل. وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والاخبار، وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر، بعد ماروى من طريق هشام بن عمار، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن ابن عباس قال: ولد إبراهيم بغوطة دمشق، في قرية يقال لها برزة، في جبل يقال له قاسيون. ثم قال: والصحيح أنه ولد ببابل. وإنما نسب إليه هذا المقام لانه صلى فيه إذ جاء معينا للوط عليه السلام. قالوا: فتزوج إبراهيم سارة، وناحور " ملكا " ابنة هاران يعنون ابنة أخيه. قالوا: وكانت سارة عاقرا لا تلد. قالوا: وامنطلق تارخ بابنة إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين، فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة. وهذا يدل على أنه لم يولد بحران، وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهى أرض بابل وما والاها. ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانين، وهى بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران وهى أرض الكشدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضا. وكانوا يعبدون الكواكب السبعة. والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين، يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال. ولهذا كان على كل باب

[ 169 ]

من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون لها أعيادا وقرابين. وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والاصنام وكل من كان على وجه الارض كانوا كفارا، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام. وكان الخليل عليه السلام هو الذى أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذاك الضلال ; فإن الله سبحانه وتعالى آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولا واتخذه خليلا في كبره، قال الله تعالى: " ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (1) ". أي كان أهلا لذلك. وقال تعالى: " وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا، إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق، واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون * وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين * أو لم يروا كيف يبدى الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة، إن الله على كل شئ قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الارض ولا في السماء، ومالكم من دون الله من ولى ولا نصير * والذين كفروا بآيات ولقائه أولئك يئسوا من


(1) سورة الانبياء 58. (*)

[ 170 ]

رحمتى وأولئك لم عذاب أليم " فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه، فأنجاه الله من النار، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض وبلعن بعضكم بعضا ; ومأواكم النار وما لكم من ناصرين * فآمن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم * ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب، وآتيناه أجره في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين (1) ". ثم ذكر تعالى مناظرته لابيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى. * * * وكان أول دعوته لابيه، وكان أبوه ممن يعبد الاصنام، لانه أحق الناس بإخلاص النصيحة [ له ] (2) كما قال تعالى: " واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لابيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا * يا أبت إنى قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا * يا أبت لاتعبد الشيطان إن الشيطان كان كان للرحمن عصيا * يا أبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا * قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ؟ لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا * قال سلام عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا * وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى ; عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا " (3).


(1) سورة العنكبوت 16 - 27. (2) سقط من ا. (3) سورة مريم 41 - 48 (*)

[ 171 ]

فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة ; بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الاوثان التى لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغنى عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر ؟ ثم قال [ له ] (1) منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه: " يا أبت إنى قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا " أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا، يفضى بك إلى الخير في دنياك واخراك. فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه، لم يقبلها منه ولا أخذها عنه، بل تهدده [ وتوعده ] (2) قال: " أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ؟ لئن لم تنته لارجمنك " قيل بالمقال وقيل بالفعال. " واهجرني مليا " أي واقطعني وأطل هجراني. فعندها قال له إبراهيم: " سلام عليك " أي لا يصلك منى مكروه ولا ينالك منى أذى، بل أنت سالم من ناحيتى. وزاده خيرا فقال: " سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا ". قال ابن عباس وغيره: أي لطيفا، يعنى في أن هداني لعبادته والاخلاص له. ولهذا قال: " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى، عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا ".


(1) من ا. (2) ليست في ا. (*)

[ 172 ]

وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه [ كما قال تعالى: " وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ] (1) إن إبراهيم لاواه حليم " (2) وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنى أخى عبد الحميد، عن ابن أبى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصنى ؟ فيقول [ له (1) ] أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأى خزى أخزى من أبى الابعد ؟ فيقول الله: إنى حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك ؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار ". هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا. وقال في التفسير: وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبى ذئب (3)، عن سعيد المقبرى، عن أبيه عن أبى هريرة. وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان به. وقد رواه البزار عن حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم


(1) سقط من ا (2) سورة التوبة 214 (3) ط: ابن أبى ذؤيب محرفة. (*)

[ 173 ]

بنحوه، وفى سياقه غرابة. ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال تعالى: " وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ؟ إنى أراك وقومك في ضلال مبين " هذا يدل على أن اسم أبى إبراهيم آزر، وجمهور أهل النسب، منهم ابن عباس، على أن اسم أبيه تارح. وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة، [ فقيل: إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر ] (1). وقال ابن جرير: والصواب أن اسمه آزر. ولعل له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم. وهذا الذى قاله محتمل. والله أعلم. * * * ثم قال تعالى: " وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى، فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القم بازغا قال هذا ربى، فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون * إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجة قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا، وسع ربى كل شئ


(1) ليست في ا. (*)

[ 174 ]

علما، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ؟ ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ؟ فأى الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون ؟ * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون * وتلك حججتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (1) ". وهذا المقام مقام مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذه الاجرام المشاهدة من الكواكب النيرة، لا تصلح للالوهية، ولا أن تعبد مع الله عزوجل، لانها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة، تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شئ ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائم الباقي بلا زوال، لا لا إله إلا هو ولا رب سواه. فبين لهم أولا عدم صلاحية الكواكب " لذلك (2) ] قيل هو الزهرة، ثم ترقى منها إلى القمر الذى هو أضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقى إلى الشمس التى هي أشد الاجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء، فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة، كما قال تعالى: " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إباه تعبدون " (3). ولهذا قال: " فلما رأس الشمس بازغة " أي طالعة " قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون * إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين *


(1) ليست في ا (2) ليست في ا (3) سورة فصلت 37 (*)

[ 175 ]

وحاجه قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدان، ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا، أي لست أبالى هذه الآلهة التى تعبدونها من دون الله، فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعة منحوتة منجورة. والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لاهل حران، فإنهم كانوا يعبدونها. وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا، كما ذكره ابن إسحق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولا سيما إذا خالفت الحق. * * * وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الاصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها، كما قال تعالى: " وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا، ومأواكم النار ومالكم من ناصرين " وقال في سورة الانبياء: " ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ؟ * قال بل ربكم رب السموات والارض الذى فطرهن وأنا على ذلك من الشاهدين * وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون * قالوا من فعل هذا بآلهتنا

[ 176 ]

إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون * قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين " (1) وقال في سورة الشعراء: " واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون ؟ * أو ينفعونكم أو يضرون ؟ * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الاقدمون * فإنهم عدولى إلا رب العالمين * الذى خلقني فهو يهدين * والذى هو يطعمنى ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذى يميتني ثم يحيين * والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتي يوم الدين * رب هب لى حكما وألحقني بالصالحين " (2). وقال تعالى في سورة الصافات: " وإن من شيعته لابراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون ؟ * أئفكا آلهة دون الله تريدون ؟ * فما ظنكم برب العالمين * فنظر نظرة في


(1) سورة الانبياء 51 - 70 (2) الآيات: 69 - 82. (*)

[ 177 ]

النجوم، فقال إنى سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ؟ * مالكم لا تنطقون ؟ * فراغ عليهم ضربا باليمين * فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون ؟ * والله خلقكم وما تعملون * قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين " (1). يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام، أنه أنكر على قومه عبادة لاوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها، فقال: " ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون " ؟ أي معتكفون عندها وخاضعون لها، قالوا: " وجدنا آباءنا لها عابدين ". ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والاجداد، وما كانوا عليه من عبادة الانداد. " قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين " كما قال تعالى: " إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون * أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين ". قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ؟ وقال لهم: " هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون ؟ * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون " سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا، وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال. ولهذا قال لهم: " أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الاقدمون ؟ * فإنهم عدو لى إلا رب العالمين ".


(1) الآيات: 83 - 98 (12 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 178 ]

وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادعوه من الاصنام ; لانه تبرأ منها وتنقص بها، فلو كانت تضر لضرته، أو تؤثر لاثرت فيه. " قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من الاعبين ؟ " ويقولون: هذا الكلام الذى تقوله لنا وتتنقص به آلهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا أتقوله (1) محقا جادا فيه أم لا عبا ؟ " قال بل ربكم رب السموات والارض الذى فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين " يعنى بل أقول لكم ذلك جادا محقا، إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو، ربكم ورب كل شئ، فاطر السموات والارض، الخالق لهما على غير مثال سبق. فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين. وقوله: " وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " أقسم ليكيدن هذه الاصنام التى يعبدونها يعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم. قيل: إنه قال هذا خفية في نفسه. وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم. وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام (2) مرة إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضره فقال إنى سقيم. كما قال تعالى: " فنظر نظرة في النجوم * فقال إنى سقيم " عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم، ونصرة دين الله الحق، وبطلان ما هم عليه من عبادة الاصنام التى تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الاهانة.


(1) ا: تقوله (2) ا: عيد. (*)

[ 179 ]

فلما خرجوا إلى عيدهم، واستقر هو في بلدهم " راغ إلى آلهتهم " أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الاطعمة قربانا إليها فقال لها على سبيل التهكم والازدراء " ألا تأكلون * مالكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين " لانها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر، فكسرها بقدوم في يده كما قال تعالى: " فجعلهم جذاذا " أي حطاما، كسرها كلها " إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ". قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير، إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار ! فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم " قالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ". وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حل بآلهتهم التى كانوا يعبدونها، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم: " من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ". " قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها، فهو المقيم عليها والكاسر لها. وعلى قول ابن مسعود، أي يذكرهم بقوله: " وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ". " قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون " أي في الملا الاكبر

[ 180 ]

على رءوس الاشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الاصنام الحجة على بطلان ماهم عليه، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: " موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ". * * * فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا ". قيل معناه: هو الحامل لى على تكسيرهم، وإنما عرض لهم في القول " فاسألوهم إن كانوا ينطقون " وتإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات. " فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون " أي فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا إنكم أنتم الظالمون. أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها. " ثم نكسوا على رؤوسهم ". قال السدى: أي ثم رجعوا إلى الفتنة، فعلى هذا يكون قوله: " إنكم أنتم الظالمون " أي في عبادتها. وقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء. أي فأطرقوا ثم قالوا: " لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها !.

[ 181 ]

فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: " أفتعبدون من دون الله حالا ينفعكم شيئا ولا يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ؟ ". كما قال: " فأقبلوا إليه يزفون " قال مجاهد: يسرعون. قال: " أتعبدون ما تنحتون " أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون " والله خلقكم وما تعملون ". وسواء كانت: " ما " مصدرية أو بمعنى الذى، فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الاصنام مخلوقة، فكيف يتعبد مخلوق لمخلوق مثله ؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم. وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم ; إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب (1) إلا للخالق وحده لا شريك له. * * * " قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين ". عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ماهم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله ; وأعلى كلمته ودينه وبرهانه. كما قال تعالى: " قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين ".


(1) ا: تجب ولا تصلح. (*)

[ 182 ]

وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الاماكن، فمكثوا مدة يجمعون له حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم. ثم عمدوا إلى جوبة (2) عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار، فاضطربت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط. ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق (2) صنعه لهم رجل من الاكراد يقال له " هيزن " وكان أول من صنع المجانيق، فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك [ رب العالمين (3) ] لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك. فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم حين القى في النار، وقالها محمد حين قيل له: " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " الآية. وقال أبو يعلى: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا إسحق بن سليمان، عن أبى جعفر الرازي، عن عاصم ابن أبى النجود، عن أبى صالح عن


(1) الجوبة: الحفرة (2) المنجنيق: آلة ترمى بها الحجارة في الحرب. (3) ليست في ا. (*)

[ 183 ]

أبى هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: " لما ألقى إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الارض واحد أعبدك ! ". وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: [ يا إبراهيم (1) ] ألك حاجة ؟ فقال: أما إليك فلا ! ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال: جعل ملك المطر يقول: متى أومر فأرسل المطر ؟ فكان أمر الله أسرع. " قلنا يا ناركونى بردا وسلاما على إبراهيم ". قال على بن أبى طالب: [ أي (1) ] لا تضريه. وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: وسلاما على إبراهيم لآذى إبراهيم بردها. وقال كعب الاحبار: لم ينتفع أهل الارض يومئذ بنار، ولم تحرق منه سوى وثاقه. وقال الضحاك: يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شئ غيره. وقال السدى: كان معه أيضا ملك الظل، وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة (2) حوله نار وهو في روضة خضراء، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول، ولا هو يخرج إليهم.


(1) ليست في ا. (2) ط: في مثل الحوبة (*)

[ 184 ]

فعن أبى هريرة أنه قال: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم، إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعم الرب ربك يا إبراهيم ! وروى ابن عساكر عن عكرمة، أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته: يا بنى إنى أريد أن أجئ إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك، فقال: نعم. فأقبلت إليه لا يمسها شئ من حر النار، فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت. وعن المنهال بن عمرو أنه قال: أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما، وأنه قال: ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها، ووددت أن عيشي وحياتي كلها [ مثل (1) ] إذ كنت فيها. صلوات الله وسلامه عليه. فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا. قال الله تعالى: " وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين "، وفى الآية الاخرى " السفلين " ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا. وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما، ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما، بل هي كما قال تعالى: " إنها ساءت مستقرا ومقاما ". قال البخاري: حدثنا عبد الله بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم


(1) لبست في ا. (*)

[ 185 ]

شريك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ (1)، وقال: " كان ينفخ (2) على إبراهيم ". ورواه مسلم من حديث ابن جريج. وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به. وقال أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى أمية، أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم ". قال: فكانت عائشة تقتلهن. وقال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن نافع، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح ؟ فقالت: نقتل به الاوزاغ ; ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن إبراهيم لما ألقى في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ، فإنه جعل ينفخها عليه ". تفرد به أحمد من هذين الوجهين. وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة، قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا، فقلت يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح ؟ قالت: هذا


(1) الوزغ: حشرة يقال لها سام أبرس. (2) ا: نفخ:. (*)

[ 186 ]

لهذه الاوزاغ نقتلهن به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: " أن إبراهيم حين ألقى في النار لم يكن في الارض دابة إلا تطفئ عنه النار، غير الوزغ كان ينفخ عليه (1)، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله. ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.


(1) لا نستطيع الاطمئنان إلى هذه المرويات مادامت تخالف العقل، فليس هناك تكليف للحيوان، وليس الوزغ من الفواسق التى أمرنا الرسول بقتلها، وإذا صح أنه أمر بقتله فينبغي أن تكون هنالك علة أخرى. (*)

[ 187 ]

ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع العظيم الجليل في [ إزار (1) ] العظمة ورداء الكبرياء فادعى الربوبية، وهو أحد العبيد الضعفاء قال الله تعالى " ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ; إذ قال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت، قال أنا أحيى وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذى كفر، والله لا يهدى القوم الظالمين " (1). يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذه الملك الجبار المتمرد، الذى ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحجة. قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والاخبار: وهذا الملك هو ملك بابل، واسمه النمرود بن كنهان بن كوش بن سام بن نوح. قاله مجاهد. وقال غيره: نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال مجاهد وغيره: وكان أحد ملوك الدنيا، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة: (2) مؤمنان وكافران ; فالمؤمنان: ذو القرنين، وسليمان - والكفران: النمرود، وبختنصر.


(1) سقطت من المطبوعة (2) ا: أربعة فيما ذكروا (*)

[ 188 ]

وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة. وكان طغى وبغى، وتجبر وعتا، وآثر الحياة الدنيا. ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع، فحاج إبراهيم الخليل في ذلك، وادعى لنفسه الربوبية. فلما قال الخليل: " ربى الذى يحيى ويميت، قال انا أحيى وأميت ". قال قتادة والسدى ومحمد بن إسحق: يعنى أنه إذا أتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر. وهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارج عن مقام المناظرة، ليس بمنع ولا بمعارضة، بل هو تشغيب محض، وهو انقطاع في الحقيقة ; فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها، على وجود فاعل. ذلك الذى لابد من استنادها إلى موجوده، ضرورة عدم قيامها بنفسها. ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة، من خلقها وتسخيرها، وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر، وخلق هذه الحيوانات التى توجد مشاهدة، ثم إماتتها. ولهذا قال إبراهيم: " ربى الذى يحيى ويميت ". فقول هذا الملك الجاهل: " أنا أحيى وأميت " إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند. وإن عنى ما ذكره قتادة السدى ومحمد بن

[ 189 ]

إسحق، فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل ; إذ لم يمنع مقدمة، ولا عارض الدليل. ولما كان انقطاع مناظرة هذه الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حصره وغيرهم، ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع، وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة: " قال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب " أي هذه الشمس مسخرة كل يوم، تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها، وهو الذى لا إله إلا هو خالق كل شئ، فإن كنت كما زعمت من أنك الذى تحيى وتميت [ فأت بهذه الشمس من المغرب فإن الذى يحيى ويميت (1) ] هو الذى يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شئ ودان له كل شئ. فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله [ فلست (1) ] كما زعمت. وأنت تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شئ من هذا، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها. فبين ضلاله وجهه وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به (2) عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به، بل انقطع وسكت ولهذا قال: " فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم الظالمين ". وقد طكر السدى أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار، ولم يكن اجتمع به يومئذ، فكانت بينهما هذه المناظرة


(1) سقط من ا. (2) ا: ويحتج به. (*)

[ 190 ]

[ وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم، أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة ] (1) ولم يكن اجتمع به إلا يومئذ (2) فكانت بينهما هذه المناظرة. ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شئ من الطعام. فلما قرب من أهله عمد إلى كشيب من التراب، فملا منه عدليه وقال: أشغل أهلى إذا قدمت عليهم. فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا، فعملت منه طعاما. فلما استيقظ إبراهيم وجد الذى [ قد (3) ] أصلحوه، فقال: أنى لكم هذا ؟ قالت: من الذى جئت به، فعرف أنه رزق رزقهموه الله عزوجل. قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار، ملكا يأمره باإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثة فأبى عليه وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعى. فجمع النمرود جيشه وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظاما بادية، ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخره أربعمائة سنة ! عذبه الله تعالى بها. فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها، حتى أهلكه الله عزوجل بها.


(1) سقط من ا. (2) سقط من المطبوعة (3) ليست في ا. (*)

[ 191 ]

ذكر هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام، ودخوله الديار المصرية واستقراره في الارض المقدسة قال الله: " فآمن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم * ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (1) ". وقال تعالى: " ونجيناه ولوطا إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين * ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (2) ". لما هجر قومه في الله، وهاجر من بين أظهرهم، وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحد، بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر، وهبه الله تعالى بعد ذلك الاولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب. فكل نبى بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب نزل من السماء على نبى من الانبياء من بعده، فعلى أحد نسله وعقبه ; خلعة من الله وكرامة له، حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه (3) عزوجل ودعوة الخلق إليه. والارض التى قصدها بالهجرة أرض الشام، وهى التى قال الله عزوجل: " إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين ".


(1) سورة العنكبوت 26، 27 (2) سورة الانبياء 71، 73 (3) ا: من عبادة الله. (*)

[ 192 ]

قاله أبى بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم. وروى العوفى عن ابن عباس قوله: " إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين " مكة، ألم تسمع إلى قوله: " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين " وزعم كعب الاحبار أنها حران. وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب: أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط، وأخوه ناحور، وامرأة إبراهيم سارة، وامرأة أخيه " ملكا " فنزلوا حران، فمات تارح أبو إبراهيم بها. وقال السدى: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقى إبراهيم سارة - وهى ابنة ملك حران - وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على أن لا يغيرها. رواه ابن جرير وهو غريب. والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذى تنسب إليه حران. ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط، كما حكاه السهيلي عن القتيبى والنقاش، فقد أبعد النجعة وقال بلا علم. ومن ادعى أن تزويج بنت الاخ كان إذ ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل. ولو فرض أن هذا كان مشروعا في وقت - كما هو منقول عن الربانيين من اليهود - فإن الانبياء لا تتعاطاه. والله أعلم. ثم المشهور أن إبراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم. والله أعلم.

[ 193 ]

وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه: " إنى جاعل هذه الارض لخلفك من بعدك " فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه النعمة، وضرب قبته شرقي بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا، إلى التيمن، وأنه كان جوع، أي قحط وشدة وغلاء، فارتحلوا إلى مصر. وذكروا قصة سارة مع ملكها، وأن إبراهيم قال لها: قولى أنا أخته. وذكروا إخدام الملك إياها هاجر. ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن، يعنى أرض بيت المقدس وما والاها، ومعه دواب وعبيد وأموال. وقال البخاري: حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد، عن أبى هريرة قال: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتان منهن في ذات الله، قوله: " إنى سقيم "، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا "، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه وسأله عنها، فقال: من هذه ؟ قال: أختى. فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الارض مؤمن غيرى وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته انك أختى فلا تكذبينى. فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال: ادعى الله لى ولا أضرك، فدعت الله فأطلق. ثم تناولها الثانية مثلها أو أشد، فقال: ادعى الله لى ولا أضرك، فدعث فأطلق. فدعا بعض (م - 13 قصص الانبياء 1)

[ 194 ]

حجبته فقال: إنكم لم تأتوني (1) بإنسان وإنما أتيتموني (2) بشيطان. فأخدمها هاجر. فأتته وهو قائم يصلى فأومأ بيده: مهيم ؟ فقالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر. قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بنى ماء السماء ". تفرد به من هذا الوجه موقوفا. وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عمرو بن على الفلاس، عن عبد الوهاب الثقفى، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سرين، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات، كل ذلك في ذات الله، قوله: " إنى سقيم " وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا "، وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا، فأتى الجبار فقيل له: إنه قد نزل هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختى. فلما رجع إليها قال: إن هذا سألني عنك فقلت إنك أختى، وإنه ليس اليوم مسلم غيرى وغيرك، وإنك أختى، فلا تكذبينى عنده. فانطلق بها، فلما ذهب يتناولها أخذ، فقال: ادعى الله لى ولا أضرك، فدعت له فأرسل فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها، فقال ادعى الله لى ولا أضرك، فدعت فأرسل، ثلاث مرات، فدعا


(1) ا: إنك لم تأتتى (2) ا: أتيتني. (*)

[ 195 ]

أدنى حشمه فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر. فجاءت وإبراهيم قائم يصلى. فلما أحس بها انصرف، فقال: مهيم ؟ فقالت: كفى الله كيد الظالم، وأخدمنى هاجر ". وأخرجاه من حديث هشام. ثم قال البزار: لا يعلم أسنده عن محمد عن أبى هريرة إلا هشام. ورواه غيره موقوفا. وقال الامام أحمد: حدثنا على بن حفص، عن ورقاء - هو أبو عمر (1) اليشكرى - عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله حين دعى إلى آلهتهم، فقال: " إنى سقيم "، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا " وقوله لسارة: " إنها أختى ". قال: ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس، قال: فأرسل إليه الملك أو الجبار: من هذه معك ؟ قال أختى [ قال فأرسل بها (2) ] قال فأرسل بها إليه، وقال لا تكذبي قولى، فإنى قد أخبرته أنك أختى، إن ما على الارض مؤمن غيرى غيرك. فلما دخلت عليه قام إليها، فأقبلت تتوضأ وتصلى وتقول: اللهم إن


(1) ط: ابن عمر. (2) سقطت من ا. (*)

[ 196 ]

كنت تعلم أنى آمنت بك وبرسولك (1) وأحصنت فرجى إلا على زوجي، فلا تسلط على الكافر. قال: فغط حتى ركض برجله. قال أبو الزناد: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة إنها قالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته. قال: فأرسل. [ قال: ثم قام إليها، قال فقامت تتوضأ وتصلى وتقول: اللهم إن كنت تعلم أنى آمنت يك وبرسولك وأحصنت فرجى إلا على زوجي، فلا تسلط على الكافر. قال فغط حتى ركض برجله. قال أبو الزناد: وقال أبو سلمة عن أبى هريرة إنها قالت: اللهم إن يمت يقل هي قتلته، قال فأرسل (2) ]. قال: فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إلى إلا شيطانا، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر. قال: فرجعت، فقالت لابراهيم: أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة ! تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح. وقد رواه البخاري عن أبى اليمان، عن شعيب بن أبى حمزة، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم به مختصرا. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا سفيان، عن على بن زيد ابن جدعان، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله


(1) ط: وبرسلك. (2) سقطت من ا. (*)

[ 197 ]

صلى الله عليه وسلم في كلمات إبراهيم الثلاث التى قال: " ما منها كلمة إلا ما حل (1) بها عن دين الله ; فقال: إنى سقيم، وقال: بل فعله كبيرهم هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختى ". فقوله في الحديث: " هي أختى " أي في دين الله. وقوله لها: " إنه ليس على وجه الارض مؤمن غيرى وغيرك " يعنى زوجين مؤمنين غيرى وغيرك. ويتعين حمله على هذا لان لوطا كان معهم وهو نبى عليه السلام. وقوله لها لما رجعت إليه: مهيم ؟ معناه ما الخبر. فقالت: إن الله رد كيد الكافرين. وفى رواية: الفاجر وهو الملك، وأخدم جارية. وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك، قام يصلى الله عزوجل، ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد بأس هذا الذى أراد أهله بسوء. وهكذا فعلت هي أيضا. فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمرا قامت إلى وضوئها وصلاتها، ودعت الله عزوجل بما تقدم من الدعاء العظيم. ولهذا قال تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة (2) " فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام. وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة: سارة، وأم موسى ومريم عليهن السلام. والذى عليه الجمهور أنهن صديقات رضى الله عنهن وأرضاهن. ورأيت في بعض الآثار أن الله عزوجل كشف الحجاب فيما بين


(1) ماحل: دافع. (2) سورة البقرة. (*)

[ 198 ]

إبراهيم على السلام وبينها، فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه. وكان مشاهدا لها وهى عند الملك، وكيف عصمها الله منه، ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه واشد لطمأنينته، فإنه كان يحبها حبا شديدا، لدينها وقرابتها منه وحسنها الباهر، فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها، أحسن منها، رضى الله عنها. ولله الحمد والمنة. وذكر بعض أهل التواريخ (1) أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم، وكان عاملا لاخيه على مصر. ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح. وذكر ابن هشام في التيجان: أن الذى أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ، وكان على مصر. نقله السهيلي والله أعلم. * * * ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهى الارض المقدسة التى كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية. ثم إن لوطا عليه السلام نزح بماله من الاموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك، إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر ; فنزل بمدينة سدوم (2) وهى أم تلك البلاد في ذلك الزمان. وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا.


(1) ا: التاريخ. (2) قال في القاموس: وسدوم لقرية قوم لوط غلط فيه الجوهرى، والصواب سذوم بالذال. المعجمة. وذكر شارح القاموس أن المشهور فيه إهمال الدال. (*)

[ 199 ]

وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل، فأمره أن يمد بصره وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وبشره بأن هذه الارض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الارض. وهذه البشارة اتصلت بهذه الامة، بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الامة المحمدية. ويؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله زوى (1) لى الارض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى مازوى لى منها " فالوا: ثم إن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه، وأخذوا أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ [ الخبر إبراهيم الخليل سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا فاستنفذ لوطا عليه السلام واسترجع (2) ] أمواله، وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شمالى (3) دمشق وعسكر بظاهرها عند برزة، وأظن مقام إبراهيم إنما سمى لانه كان موقف جيش الخليل. والله أعلم. ثم رجع مؤيدا منصورا إلى بلاده، وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين، واستقر ببلاده. صلوات الله وسلامه عليه.


(1) زوى: جمع (2) سقط من المطيوعة ! (3) المظبوعة: شرقي دمشق. (*)

[ 200 ]

ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من هاجر قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وإن الله بشره بذلك. وإنه لما كان لابراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة لابراهيم عليه السلام: إن لرب قد أحرمني الولد، فادخل على أمتى هذه لعل الله يرزقنى منها ولدا. فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام، فحين دخل بها حملت منه. قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها [ سارة ] (1) فشكت ذلك إلى إبراهيم، فقال لها: افعلى بها ما شئت، فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك. فقال لها ملك من الملائكة: [ لا تخافى فإن الله جاعل من هذا الغلام الذى حملت خيرا ] (1) وأمرها بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه إسماعيل، ويكون وحش الناس، يده على الكل، ويده الكل به، ويملك جميع بلاد إخوته. فشكرت الله عزوجل [ على ذلك (1) ]. وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه ; فإنه الذى به (2) سادت العرب، وملكت جميع البلاد غربا وشرقا، وآتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت امة من الامم قبلهم، وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل، وبركة رسالته ويمن سفارته (3) وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل الارض.


(1) ليست في ا (2) ط: سادت به (3) ط: بشارته (*)

[ 201 ]

ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام. قالوا: وولدته ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة. ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره يإسحاق من سارة، فخر لله ساجدا، وقال له: قد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته (1) جدا كئيرا (2)، ويولد له اثنا عشر عظيما، وأجعله رئيسا لشعب عظيم. وهذه أيضا بشارة بهذه الامة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء [ الراشدون (3) ] الاثنا عشر، المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكون اثنا عشر أميرا ". ثم قال كلمة لم أفهمها، فسألت أبى ما قال. قال " كلهم من قريش ". أخرجاه في الصحيحين. وفى رواية: " لا يزال هذا الامر قائما، وفى رواية عزيزا، حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ". فهؤلاء منهم [ الائمة (4) ] الاربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضا، ومنهم بعض بنى العباس. وليس المراد أنهم يكونوا اثنى عشر نسقا بل لابد من وجودهم. وليس المراد الائمة الائنى عشر الذين يعتقد (5) فيهم الرافضة، الذين أولهم


(1) ا: ويمنته (2) ا: كبيرا (3) ليست في ا (4) ليست في ا (5) ا: يعتقدون (*)

[ 202 ]

على بن أبى طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا - [ وهو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمون (1) ] فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من على وابنه الحسن بن على، حين ترك القتال وسلم الامر لمعاوية، وأخمد نار الفتنة وسكن رحى الحرب (2) بين المسلمين، والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الامة في أمر من الامور. وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا، فذاك هوس في الرؤوس، وهذيان في النفوس، لا حقيقة له ولا عين ولا أثر. * * * والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل، اشتدت غيرة سارة منها، وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها، فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم. ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا. فلما تركهما هناك وولى ظهره عنهما قامت إنيه هاجر وتعلقت بثيابه، وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا هاهنا وليس معنا ما يكفينا ؟ فلم يجبها فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له: آلله أمرك بهذا ؟ قال نعم. قالت فإذا لا يضيعنا ! وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبى زيد رحمه الله في كتاب النوادر: أن سارة غضبت (3) على هاجر فخلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها، فأمرها الخليل أن تثقب أذنيها، وأن تخفضها فتبر قسمها. قال السهيلي: فكانت أول من اختتن من النساء، وأول من ثقبت أدنها منهن، وأول من طولت ذيلها.


(1) ليس في ا (2) ط: الحروب (3) ا: تغضبت (*)

[ 203 ]

ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهى أرض مكة، وبنائه البيت العتيق قال البخاري: قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبى شيبة - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معممر، عن أبوب السختيانى وكثير بن كثير ابن المطلب بن أبى وداعة، يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم اسماعيل، اتخذت منطقا لتعقى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبإبنها اسماعيل وهى ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء. فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء. ثم قفى (1) إبراهيم منطلقا فتبعته أم اسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذى ليس به أنيس (1) ولا شئ ؟ فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله امرك بهذا ؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: " ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون " (3).


(1) ا: بقى. (2) ا: أنس. (3) سورة إبراهيم 37 (*)

[ 204 ]

وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى (1) - أو قال يتلبط (2) - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الارض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت [ بطن (3) ] الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الانسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا، [ فعلت (4) ] ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فلذلك سعى الناس بينهما ". فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها. ثم تسمعت فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا. وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أم إسماعيل ! لو تركت زمزم، أو قال لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عينا معينا " [ قال (5) ]: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك:


(1) ط: يلتوى. (2) ا. يبلبط. (3) ليست في ا. (4) ط: ففعلت. (5) ليست في ا. (*)

[ 205 ]

لا تخافى الضيعة فإن هاهنا بيتا لله (1) يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا من الارض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أفسل مكة فرأوا طائا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جريا (2) أو جريين فإذا هم بالماه، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء [ عندنا (3) ] قالوا: نعم. قال عبد الله بن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهى تحب الانس. فنزلوا ورسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم. وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم واعجبهم حين شب. فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسمعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسمعيل يطالع تركته فلم يجد إسمعيل، فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغى لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نن بشر، [ نحن (4) ] في ضيق وشدة،


(1) ا. بيت الله يبنى (2) الجرى: الرسول. (3) ليست في ا. (4) ليست في ا. (*)

[ 206 ]

وشكت (1) إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولى له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد ؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا كذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشئ ؟ قالت نعم، أمرنى أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذاك أبى، وقد أمرنى أن أفارقك فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوج منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله. ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امراته فسألها عنه، فقالت خرج يبتغى لنا. قال: كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عزوجل. فقال: ما طعامكم ؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم ؟ قالت الماء، قال: " اللهم بارك لهم في اللحم والماء ". قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولم يكن لهم يومئذ حب (2)، ولو كان لهم [ حب (3) ] لدعا لهم فيه " [ قال (3) ] فهما لا يخلو (4) عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسمعيل قال: هل أتاكم من أحد ؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا ؟


(1) ا: فشكت:. (2) الحب: الجرة. (3) ليست في ا (4) بخلو: يقتصر. (*)

[ 207 ]

فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشئ ؟ قالت نعم. هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبى وأنت العتبة، أمرنى أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسمعيل يبرى نبلاله تحت دوحة قرييا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع بالولد الوالد وبالوالد للوالد (1) ثم قال: يا إسمعيل إن الله أمرنى بأمر. قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال: وتعينني ؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرنى أن أبنى هاهنا بيتا. وأشار إلى أكمة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسمعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبنى، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له. فقام عليه وهو يبنى وإسمعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ". قال: فجعلا (2) يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ". ثم قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج


(1) ط الوالد بالولد والولد بالوالد. (2) ا: وجعلا. (*)

[ 208 ]

بإسمعيل وأم إسمعيل، ومعهم شنة (1) فيها ماء. وذكر تمامه بنحو ما تقدم. وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه، وفى بعضه غرابة، وكانه مما تلقاه ابن عباس عن الاسرائيليات، وفيه أن إسمعيل كان رضيعا إذ ذاك. وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده إسمعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم، وذلك بعد مضى تسع وتسعين سنة من عمره، فيكون عمر إسمعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة. وهذا امتثال لامر الله عزوجل في أهله، فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب. ولهذا كان (2) الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال، كما هو مقرر في موضعه. وقد ثبت في الحديث الذى رواه البخاري: حدثنا قتببة بن سعيد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشى، عن أبى الزناد عن الاعرج، عن أبى هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم ". تابعه عبد الرحمن بن إسحق عن أبى الزناد، وتابعه عجلان، عن أبى هريرة، ورواه محمد بن عمرو عن أبى سلمة، عن أبى هريرة. وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به. وفى بعض الالفاظ: " اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم " والقدوم هو الآلة، وقيل موضع.


(1) الشنة: القربة الخلق. (2) ا: لما كان (*)

[ 209 ]

وهذا اللفظ لا ينافى الزيادة على الثمانين. والله أعلم، لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته، عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ". رواه ابن حبان في صحيحه. وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وأنه إسمعيل، ولم يذكر في قد مات إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات: أولاهن بعد أن تزوج إسمعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد - على ما ذكر - إلى حين تزويجه لا ينظر في حالهم، وقد ذكر أن الارض كانت تطوى له. وقيل إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم، فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غياة الضرورة الشديدة والحاجة الاكيدة ؟ ! وكأن بعض هذا السياق متلقى من الاسرائيليات ومطرز بشئ من المرفوعات، ولم يذكر فيه قصة لذبيح. وقد دللنا على أن الذبيح هو إسمعيل على الصحيح في سورة الصافات. (م - 14 قصص الانبياء) (*)

[ 210 ]

قصة الذبيح قال الله تعالى: آ وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين * رب هب لى من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المومنين * وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (1) ". يذكر تعالى [ عن (2) ] خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه، سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم، وهو إسماعيل (3) عليه السلام ; لانه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل، لانه أول ولد وبكره. وقوله: " فلما بلغ معه السعي " أي شب وصار يسعى في مصالحه


(1) الآيات: 99 - 113 من سورة الصفات (2) ليست في ا (3) ا: اسحق. وهو تحريف (*)

[ 211 ]

كأبيه. قال مجاهد: " فلما بلغ معه السعي " أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل. فلما كان هذا، رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا. وفى الحديث عن ابن عباس مرفوعا: " رؤيا الانبياء وحى " قاله عبيد بن عمير أيضا. وهذا اختبار من الله عزوجل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذى جاءه على كبر، وقد طعن في السن، بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس، ولا زرع ولا ضرع. فامتثل أمر الله في ذلك، وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه، فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان. ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذى قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده الذى ليس له غيره، أجاب ربه وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته. ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا: " قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ ". فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ". وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد.

[ 212 ]

قال الله تعالى: " فلما أسلما وتله للجبين " قيل: أسلما: أي استسلما لامر الله وعزما على ذلك. وقيل: وهذا من المقدم والمؤخر، والمعنى: " تله للجبين " أي ألقاه على وجهه. قيل أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال ذبحه، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقى طرف جبينه لاصقا بالارض " وأسلما " أي سمى إبراهيم وكبر، وتشهد الولد للموت. قال السدى وغيره: أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا. ويقال: جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس. والله أعلم. فعند ذلك نودى من الله عزوجل: " أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا " أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك، ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلك ولدك للقربان، كما سمحت ببدنك للنيران، وكما مالك مبذول للضيفان ! ولهذا قال تعالى: " إن هذا لهو البلاء المبين " أي الاختبار الظاهر البين. وقوله: " وفديناه بذبح عظيم " أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه. والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن (1)، رآه مربوطا بسمرة في ثبير. قال الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال سعيد بن جبير: كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير، وكان عليه


(1) الاعين: العظيم سواد العين. والاقرن الكبير القرنين. (*)

[ 213 ]

عهن (1) أحمر. وعن ابن عباس: هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه، وهو الكبش الذى قربه ابن آدم فتقبل منه. رواه ابن أبى حاتم. قال مجاهد: فذبحه بمنى، وقال عبيد بن عمير: ذبحه بالمقام. فأما ماروى عن ابن عباس أنه كان وعلا، وعن الحسن أنه كان تنسا من الاروى واسمه جرير، فلا يكاد يصح عنهما. ثم غالب ماهاهنا من الآثار مأخوذ من الاسرائيليات. وفى القرآن كفاية عما جرى من الامر العظيم والاختبار (2) الباهر، وأنه فدى بذبح عظيم، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشا. قال الامام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا منصور، عن خاله نافع، عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بنى سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة، وقالت مرة: إنها سألت عثمان: لم دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال [ قال لى رسول الله (3) ] " إنى كنت رأيت قرنى الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما (4) فخمرهما فإنه لا ينبغى أن يكون في البيت شئ يشغل المصلى ". قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش [ معلقين (3) ] في البيت حتى احترق البيت فاخترقا.


(1) العهن: الصوف. (2) ا: والاخبار. (3) سقطت من ا (4) تخمرهما: تعطيهما (*)

[ 214 ]

وكذا روى عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس. وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسمعيل ; لانه كان هو المقيم بمكة وإسحق لا نعلم أن قدمها في حال صغره والله أعلم. وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسمعيل ; لانه ذكر قصة الذبيح (1) ثم قال بعده. " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين ". ومن جعله حالا فقد تكلف، ومستنده أنه إسحق إنما هو إسرائيليات. وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما هاهنا قطعا لا محيد عنه، فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده (2) وفى نسخ ه من المعربة بكره إسحق، فلفظة إسحق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة، لانه ليس هو الوحيد ولا البكر [ إنما ] (3) ذاك إسمعيل. وإنما حملهم على هذا حسد العرب، فإن إسمعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسحق والد يعقوب - وهو إسرائيل - الذى ينتسبون إليه، فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وقد قال بأنه إسحق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم، وإنما أخذوه - والله أعلم - من كعب الاحبار، أو من صحف (4) أهل الكتاب


(1) ا: الذبح (2) ط: ووحيده. (3) من ا (4) ا: أو مصحف أهل الكتاب. (*)

[ 215 ]

وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لاجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن، بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسمعيل. وما أحسن ما استدل به ابن كعب القرظى على انه إسمعيل ولبس بإسحق من قوله: " فبشرناه بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب " [ قال ] (1) فكيف تقع البشارة باسحاق وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحق وهو صغير قبل أن يولد له ؟ هذا لا يكون، لانه يناقض البشارة المتقدمة. والله أعلم. وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله: " فبشرناها بإسحق " جملة تامة، وقوله: " ومن وراء إسحاق يعقوب " جملة أخرى ليست في حيز البشارة. قال: لانه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر، فلا يجوز أن يقال مررت يزيد ومن بعده عمرو، حتى يقال ومن بعده بعمرو. وقال: فقوله " ومن وراء إسحق يعقوب " منصوب بفعل مضمر تقديره: " ووهبنا لاسحق يعقوب ". وفى هذا الذى قاله نظر. ورجح أنه إسحق ; واحتج بقوله: " فلما بلغ معه السعي " قال: وإسماعيل لم يكن عنده، إنما كان في حال صغره هو وأمه بجبال مكة فكيف يبلغ معه السعي ؟


(1) ليست في ا (*)

[ 216 ]

وهذا أيضا فيه نظر، لانه قد روى أن الخليل كان يذهب في كثير من الاوقات راكبا البراق إلى مكة، يطلع على ولده وابنه ثم يرجع. والله تعالى أعلم. فمن حكى القول عنه بأنه إسحق كعب الاحبار. وروى عن عمر والعباس وعلى وابن مسعود، ومسروق وعكرموة وسعيد بن جبير ومجاهد، وعطاء والشعبى ومقاتل وعبيد بن عمير، وأبى ميسرة وزيد بن أسلم و عبد الله بن شقيق، والزهرى والقاسم وابن أبى بردة ومكحول، وعثمان ابن حاضر والسدى والحسن وقتادة، وأبى الهذيل وابن سابط. وهو اختيار ابن جرير، وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس. ولكن الصحيح عنه - وعن أكثر هؤلاء - أنه إسماعيل عليه السلام. قال مجاهد وسعيد والشعبى ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس: هو إسماعيل عليه السلام. وقال ابن جرير: حدثنى يونس ; أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن قيس، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس أنه قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود. وقال عبد الله ابن الامام أحمد عن أبيه: هو إسماعيل. وقال ابن أبى حاتم: سألت أبى عن الذبيح فقال: الصحيح أنه إسماعيل عليه السلام. قال ابن أبى حاتم: وروى عن على وابن عمر وأبى هريرة، وأبى الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن، ومجاهد والشعبى

[ 217 ]

ومحمد بن كعب، وأبى جعفر محمد بن على وأبى صالح أنهم قالوا: الذبيح هو إسماعيل عليه السلام. وحكاه البغوي أيضا عن الربيع بن أنس والكلبي وأبى عمرو بن العلاء. قلت: وروى عن معاوية، وجاء عنه: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يابن الذبيحين: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار، وكان الحسن البصري يقول: لا شك في هذا. وقال محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الاسلمي، عن محمد بن كعب: إنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام - يعنى استدلاله بقوله بعد العصمة (1): " فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " - فقال له عمر: إن هذا الشئ ما كنت أنظر فيه، وإنى لاراه كما قلت: ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم. قال: فسأله عمر بن عبد العزيز: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن اليهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذى كان من أمر الله فيه والفضل الذى ذكره الله منه لصبره لما أمر به، فهم يححدون ذلك ويزعمون أنه إسحق، لان إسحق أبوهم. وقد ذكرنا هذه المسألة مستصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير. ولله الحمد والمنة.


(1) كذا بالاصول. ولعلها: بعد القصة. (*)

[ 218 ]

ذكر مولد إسحاق عليه السلام قال الله تعالى: " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ". وقد كانت البشارة به من الملاكة لابراهيم وسارة لما مروا بهما مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط، ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. قال الله تعالى: " ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا سلاما، قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب * قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا ؟ إن هذا لشئ عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (1) ". وقال تعالى: " ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذا دخلوا عليه فقالوا سلاما، قال إنا منكم وجلون * قالوا لا تؤجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسنى الكبر فبم تبشرون ؟ قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضانون (2) ".


(1) الآيات: 69 - 73 من سورة هود (2) الآيات: 51 - 56 من سورة الحجر (*)

[ 219 ]

وقال تعالى: " هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما، قال سلام قوم منكرون * فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون ؟ * فأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم * فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم * قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (1) ". يذكر تعالى: أن الملائكة * قالوا: وكانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل - لما وردوا على الخليل حسبهم [ أولا (2) ] أضيافا، فعاملهم معاملة الضيوف، وشوى لهم عجلا سمينتا من خيار بقره، فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الاكل بالكلية، وذلك لان الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام " فنكرهم " إبراهيم " وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط " أي لندمر عليهم. فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم، وكانت قائمة على رؤوس الاضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم. فلما ضحكت استبشارا بذلك، قال الله تعالى: " فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب " أي بشرتها الملائكة بذلك " فأقبلت امرأته في صرة " أي في صرخة " فصكت وجهها " أي كما يفعل النساء عند التعجب وقالت: " يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا " أي كيف يلد مثلى وأنا كبيرة وعقيم أيضا، وهذا بعلى، أي زوجي، شيخا ؟ تعجبت من وجود ولد والحالة هذه.


(1) الآيات: 24 - 30 من سورة الذاريات (2) من ا (*)

[ 220 ]

ولهذا قالت: " إن هذا لشئ عجيب * قالوا: أتعجبين من أمر الله ! رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ". وكذلك تعجب إبراهيم عليه السلام استبشارا بهذه البشارة وتثبيتا لها وفرحا بها، " قال أبشرتموني على أن مسنى الكبير فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين " أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه، فبشروهما " بغلام عليم " ; وهو إسحق أخو إسماعيل. غلام عليم مناسب لمقامه وصبره، وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر. وقال في الآية الاخرى: " فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب ". وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظى وغيره على أن الذبيح هو إسماعيل، وأن إسحق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده. وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ، وهو المشوى، رغيفا من مكة فيه ثلاثة أكيال وسمن ولبن. وعندهم أنهم أكلوا. وهذا غلط محض. وقيل: كانوا يرون أنهم يأكلون والطعام يتلاشى في الهواء. وعندهم أن الله تعالى قال لابراهيم: أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا ولكن اسمها سارة، وأبارك عليها وأعطيك منها ابنا، وأباركه ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه. فخر إبراهيم على وجهه - يعنى ساجدا - وضحك قائلا في نفسه: أبعد مائة سنة يولد لى غلام ؟ أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة ؟ !

[ 221 ]

وقال إبراهيم لله تعالى: ليت إسماعيل يعيش قدامك. فقال الله لابراهيم: بحق إن امرأتك سارة تلد لك غلاما وتدعو اسمه إسحق إلى مثل هذا الحين من قابل، وأوثقه ميثاقي إلى الدهر ولخلفه من بعده. وقد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته جدا كثيرا، ويولد له اثنا عشر عظيما وأجعله رئيسا لشعب عظيم. وقد تكلمنا على هذا بما تقدم. والله أعلم. فقوله تعالى: " فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب " دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحق، ثم من بعده يولد ولده يعقوب. أي يولد في حياتهما لنقر أعينهما به كما قرت بولده. ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحق فائدة. ولما عين بالذكر [ دل ] (1) على أنهما يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله. وقال تعالى: [ " ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا " ] (1) وقال تعالى: " فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب (2) ". وهذا إن شاء الله ظاهر قوى. ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الاعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمى عن أبيه، عن أبى ذر، قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول ؟ [ قال المسجد الحرام. قلت: ثم أي ؟ ] (3) قال: المسجد الاقصى " قلت كم


(1) سقطت من ا. (2) من الآية: 9: من سورة مريم (3) سقطت من المطبوعة. (*)

[ 222 ]

بينهما ؟ قال: " أربعون سنة " قلت: ثم أي ؟ قال: " ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد ". وعند أهل الكتاب: أن يعقوب عليه السلام هو الذى أسس المسجد الاقصى، وهو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه الله. وهذا متجه. ويشهد له ما ذكرناه من الحديث، فعلى هذا يكون بناء يعقوب عليه السلام وهو - إسرائيل - بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء. وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود إسحق ; لان إبراهيم عليه السلام لما دعا، قال في دعائه كما قال تعالى: " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا، واجنبني، وبنى أن نعبد الاصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه منى، ومن عصاني فإنك غفور رحيم * ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون * ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن، وما يخفى على الله من شئ في الارض ولا في السماء. الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربى لسميع الدعاء * رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء * ربنا اغفر لى ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (1) ". وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام، لما بنى


(1) الآيات: 35 - 43 من سورة إبراهيم (*)

[ 223 ]

بيت المقدس سأل الله خلالا ثاثا كما ذكرناه عند قوله: " رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى "، وكما سنورده في قصته - فالمراد من ذلك والله أعلم، أنه جدد بناءه، كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة، ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه. وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه.

[ 224 ]

ذكر بناية البيت العتيق قال الله تعالى: وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت ألا تشرك بى شيئا، وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (1) ". وقال تعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا. ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غنى من العالمين " (2). وقال تعالى: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال إنى جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي ؟ قال لا ينال عهدي الظالمين * وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود * وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا، وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر، قال ومن كفر فأمتعه قليلا، ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير، وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت


(1) الآيتان: 26 - 27 من سورة الحج (2) الآيتان: 96 - 97 من سورة آل عمران. (*)

[ 225 ]

التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم " (1) يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء ووالد الانبياء إبراهيم عليه السلام (2) أنه بنى البيت العتيق الذى هو أول مسجد وضع لعموم الناس، يعبدون الله فيه. وبوأه الله مكانه، أي أرشده إليه ودله عليه. وقد روينا عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب وغيره: أنه أرشد إليه بوحى من الله عزوجل. وقد ذكرنا في صفة خلق السموات: أن الكعبة بحيال البيت المعمور، بحيث أنه لو سقط لسقط عليها، وكذلك معابد السموات السبع، كما قال بعض السلف: إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء، وهو فيها كالكعبة لاهل الارض. فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبنى له بيتا يكون لاهل الارض كتلك المعابد لملائكة السموات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له، المعين لذلك منذ خلق السموات والارض، كما ثبت في الصحيحين: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والارض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ". ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام. ومن تمسك في هذا بقوله: " مكان البيت " فليس بناهض


(8) الآيات: 124 - 129 من سورة البقرة. (2) ط: عليه أفضل صلاة وتسليم. (م - 15 قصص الانبياء 1) (*)

[ 226 ]

ولا ظاهر، لان المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدره (1)، المعظم عند الانبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم. وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة، وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك. ولكن كل هذه الاخبار عن بنى إسرائيل. وقد قررنا أنها لاتصدق ولا تكذب فلا يحتج بها، فأما إن ردها الحق فهى مردودة. وقد قال الله: " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين ". أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى، البيت الذى ببكة. وقيل محل الكعبة " فيه آيات بينات " أي على أنه بناء الخليل، والد الانبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته. ولهذا قال: " مقام إبراهيم " أي الحجر الذى كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور، ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء. كما ذكر في حديث ابن عباس الطويل. وقد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه ; فأخره عن البيت قليلا، لئلا يشغل المصليمن عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضى الله عنه في هذا، فإنه قد وافقه ربه في أشياء: منها قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى، فأنزل الله: " واتخذوا


(1) ط قدرته. (*)

[ 227 ]

من مقام إبراهيم مصلى ". وقد كانت آثار قدمى الخليل باقية في الصخرة إلى أول الاسلام. وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: وثور (1) ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى (1) في حراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذ اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل يعنى أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافيه لامنتعلة. ولهذا قال تعالى: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " [ أي في حال قولهما (2) ]: " ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم " فهما في غاية الاخلاص والطاعة لله عزوجل، وهما يسألان من الله عزوجل السميع العليم أن يتقبل منهما ماهما فيه من الطاعة العظيمة والسعى المشكور: " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ". * * * والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف (3) البقاع، في واد غير ذى زرع، ودعا لاهلها بالبركة، وأن يرزقوا من الثمرات، مع قلة المياه وعدم الاشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرما محرما وآمنا محتما. فاستجاب الله وله الحمد له مسألته، ولبى دعوته، وآتاه طلبته، فقال


(1) ط: لبر (2) ليست في ا (3) ط: أفضل (*)

[ 228 ]

تعالى: " أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم (1) ؟ " وقال تعالى: " أو لم نمكن لهم حرما آمنا يحبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ". وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم، أي من جنسهم، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة ; لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية، سعادة الاولى والآخرة (2). وقد استجاب الله له: فبعث فيهم رسولا وأى رسول ! ختم به أنبياءه ورسله، وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله، وعم بدعوته أهل الارض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم ; في سائر الاقطار والامصار والاعصار إلى يوم القيامة، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الانبياء، لشرفه في نفسه وكمال ما أرسل به، وشرف بقعته وفصاحة لغته، وكمال شفقته على أمته، ولطفه ورحمته، وكريم (3) محتده وعظيم مولده، وطيب مصدره ومورده. ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذ كان بانى الكعبة لاهل الارض، أن يكون منصبه ومحله وموضعه، في منازل السموات ورفيع الدرجات، عند البيت المعمور، الذى هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور، الذى يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور.


(1) سورة العنكبوت 67 (2) ط: والاخرى (3) ا: وكمال (*)

[ 229 ]

وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بنائه للبيت (1)، وما ورد في ذلك من الاخبار والآثار، بما فيه كفاية، فمن أراد فليراجعه ثم. ولله الحمد. فمن ذلك ما قال السدى: لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت لم يدريا أين مكانه، حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الاول، وأتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الاساس. وذلك حين يقول تعالى: " وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت ". فلما بلغا القواعد وبنيا الركن، قال إبراهيم لاسماعيل: يا بنى اطلب لى [ حجرا حسنا أضعه هاهنا. قال يا أبت إنى كسلان تعب. قال على ذلك فانطلق، وجاءه جبريل بالحجر (2) ] الاسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة (3). وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن. فقال: يا أبت من جاءك بهذا ؟ قال: جاء به من هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الله: " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ". وذكر ابن أبى حاتم أنه بناه من خمسة أجبل، وأن ذا القرنين وكان ملك الارض إذ ذاك - مر بهما وهما يبنيانه فقال: من أمركما بهذا ؟ فقال إبراهيم: الله أمرنا به. فقال: وما يدريني بما تقول ؟


(1) ط: بناية البيت (2) سقطت من المطبوعة ! (3) المطبوعة: النعامة. وهو تحريف. والثغامة: نبت أبيض. (*)

[ 230 ]

فشهدت خمسة أكبش أنه أمره بذلك فآمن وصدق. وذكر الازرقي: أنه طاف مع الخليل بالبيت. وقد كانت [ الكعبة (1) ] على بناء الخليل مدة طويلة، ثم بعد ذلك بنتها قريش، فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ماهى عليه اليوم. وفى الصحيحين من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سالم: أن عبد الله بن محمد بن أبى بكر أخبر عن ابن عمر، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ؟ " فقلت: يا رسول الله: ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ فقال: " لولا حدثان قومك [ بالكفر لفعلت (1) ] ". وفى رواية " لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية، أو قال بكفر، لانفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالارض، ولادخلت فيها الحجر ". وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على [ ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ] حسبما أخبرته به خالته عائشة، أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك، فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه. فأمر بردها إلى ما كانت عليه، فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر، ثم سدوا الحائط وردموا الاحجار في جوف الكعبة، فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية، كما هو مشاهد إلى اليوم.


(1) سقطت من ا (*)

[ 231 ]

ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك. ثم لما كان في زمن المهدى بن المنصور استشار الامام مالك بن أنس في ردها على الصفة التى بناها ابن الزبير فقال [ له (1) ] إنى أخشى أن يتخذها الملوك لعبة. يعنى كلما جاء ملك بناها على الصفة التى يريد. فاستقر الامر على ماهى عليه اليوم.


(1) سقطت من ا (*)

[ 232 ]

ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم قال الله تعالى: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال إنى جاعلك للناس إماما، قال ومن ذرتي ؟ قال لا ينال عهدي الظالمين " لما وفى ما أمره به ربه من التكاليف العظيمة، جعله للناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه. وسأل الله أن تكون هذه الامامة (1) متصلة بسببه، وباقية في نسبه، وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل [ ورام ] (2) وسلمت إليه الامامة بزمام، واستثنى من نيلها الظالمون، واختص بها من ذريته العلماء العاملون. كما قال تعالى: " ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب، وآتيناه أجره في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين (3) ". وقال تعالى: " ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل. ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإليسا كل من الصالحين * وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (4) ". فالضمير في قوله " ومن ذريته " عائد على إبراهيم على المشهور، ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليبا، وهذا هو الحامل للقائل الآخر أن الضمير على نوح كما قدمنا في قصته. [ والله أعلم (2) ].


(1) ا: الامة. (2) ليست في ا. (3) الآية: 27 من سورة العنكبوت (4) الآيات: 84 - 87 من سورة الانعام. (*)

[ 233 ]

وقال تعالى: " ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب (1) ". الآية. فكل كتاب أنزل من السماء على نبى من الانبياء بعد إبراهيم الخليل، فمن ذريته وشيعته. وهذه خلعة سنية [ لا تضاهي، ومرتبة علية (2) ] لاتباهى. وذلك أنه ولد [ له ] (2) لصلبه [ ولدان ] (2) ذكران عظيمان: إسمعيل من هاجر، ثم إسحق (2) من سارة، وولد له يعقوب - وهو إسرائيل - الذى ينتسب إليه سائر أسباطهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذى بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة، حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بنى إسرائيل. وأما إسمعيل عليه السلام، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. ولم يوجد من سلالته من الانبياء سوى خاتمهم على الاطلاق وسيدهم، وفخر بنى آدم في الدنيا والآخرة: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشى، المكى ثم المدنى. صلوات الله وسلامه عليه. فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة، والدرة الزاهرة، وواسطه العقد الفاخرة، وهو السيد الذى يفتخر به أهل الجمع، ويغبطه الاولون والآخرون يوم القيامة. وقد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال: " سأقوم مقاما يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ".


(1) الآية: 26 من سورة الحديد (2) ليست في ا (3) ا: وإسحق. (*)

[ 234 ]

فمدح إبراهيم أباه مدحة عظيمة في هذا السياق، ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق، في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق. وقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا جرير، عن منصور عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: " إن أباكما كان يعوذ بهما إسمعيل وإسحق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة ". ورواه أهل السنن من حديث منصور به. وقال تعالى: " وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيى الموتى ؟ قال أو لم تؤمن ؟ قال بلى. ولكن ليطمئن قلبى، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم " (1). ذكر المفسرون لهذا [ السؤال ] (2) أسبابا بسطناها في التفسير وقررناها بأتم تقرير. والحاصل: أن الله عزوجل أجابه إلى ما سأل، فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور. واختلفوا في تعيينها على أقوال، والمقصود حاصل على كل تقدير، فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن، ويخلط ذلك بعضه في بعض، ثم يقسمه قسما ويجعل على كل جبل منهن جزءا ففعل ما أمر به. ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن، فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه، وكل


(1) الآية: 260 من سورة البقرة (2) ليست في ا. (*)

[ 235 ]

ريشة تأتى إلى أختها، حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه، وهو ينظر إلى قدرة الذى يقول للشئ كن فيكون. فأتين إليه سعيا، ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا. ويقال إنه أمر أن يأخذ رؤوسهن في يده، فجعل كل طائر يأتي فيلقى (1) رأسه فيتركب على جئته كما كان. فلا إله إلا الله. وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينيا لا يحتمل النقيض، ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانا، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين ! فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله. وقال تعالى: " يا أهل الكتاب، لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت النوراة والابحيل إلا من بعده أفلا تعقلون * ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ؟ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولى المؤمنين (2) ". ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين، كون الخليل على ملتهم وطريقتهم (3)، فبرأه الله منهم، وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله: " وما أنزلت التوراة والانجيل إلا من بعده " أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده


(1) ا: فيلقيه. (2) الآيات: 65 - 68 من سورة آل عمران. (3) ا: وطريقهم. (*)

[ 236 ]

بمدد متطاولة ؟ ولهذا قال: " أفلا تعقلون " إلى أن قال: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " فبين أنه كان على دين الله الحنيف، وهو القصد إلى الاخلاص، والانحراف عمدا عن الباطل إلى الحق الذى هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية. كما قال تعالى: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين * إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون * أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون * تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون * وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ولاسباط، وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم، لا تفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم * صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون * قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون * أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم الله ؟ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، وما الله بغافل

[ 237 ]

عما تعملون. تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (1) ". فنزه الله عزوجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وبين أنه إنما كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين. ولهذا قال تعالى: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه " يعنى الذين كانوا على ملته من أتباعه في زمانه، ومن تمسك بدينه من بعدهم. " وهذا النبي " يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن الله شرع له الدين الحنيف الذى شرعه للخليل، وكمله الله تعالى له، وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا من قبله، كما قال تعالى: " قل إننى هداني ربى إلى صراط مستقيم، دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قل إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (2) وقال تعالى: " إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم * وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين * ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " (3). وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت. ورأى إبراهيم وإسمعيل بأيديهما الازلام فقال: " قاتلهم الله ! والله إن استقسما (4) بالازلام قط ! ". لم يخرجه مسلم.


(1) الآيات: 130 - 140 من سورة البقرة. (2) الآيات: 161 - 163 من سورة الانعام. (3) الآيات: 120 - 123 من سورة النحل. (4) ا: لن يسنقسما (*)

[ 238 ]

وفى بعض ألفاظ البخاري: " قاتلهم الله ! لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط ". وقوله: " أمة " أي قدوة إماما مهتديا داعيا إلى الخير، يقتدى به فيه " قانتا لله " أي خاشعا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته، " حنيفا " أي مخلصا على بصيرة، " ولم يك من المشركين * شاكرا لانعمه " أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله، " اجتباه " أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته. واتخذه خليلا، وجمع له بين خيرى (1) الدنيا والآخرة. وقال تعالى: " ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (2) " يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام ; لانه كان على الدين القويم والصراط المستقيم، وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال: " وإبراهيم الذى وفى " [ ولهذا ] اتخذه الله (3) خليلا، والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم: قد تخللت مسلك الروح منى * وبذا سمى الخليل خليلا وهكذا نال هذه المرتبة (4) خاتم الانبياء وسيد المرسلين (5) محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلى و عبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيها الناس، إن الله اتخذني خليلا ".


(1) ا: خير. (2) سورة النساء 125 (3) ا: واتخذه الله خليلا. (4) ط: المنزلة. (5) ط: الرسل (*)

[ 239 ]

وقال أيضا في آخر خطبة خطبها: " أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله " أخرجاه من حديث أبى سعيد. وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود. وروى البخاري في صحيحه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذا لما قدمن اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: " واتخذ الله إبراهيم خليلا " فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم ! وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسمعيل ابن أحمد بن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجبا (1) أن الله اتخذ من خلقه خليلا ! فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما. وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته. وقال آخر: آدم اصطفاه الله. فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى كليمه وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وإنى


(1) ط: عجب. (*)

[ 240 ]

حبيب الله ولا فخر، ألا وإنى أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة [ باب (1) ] الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين، وأنا أكرم الاولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر ". هذا حديث غريب من هذا الوجه، زوله شواهد من وجوه أخر [ والله أعلم (1) ]. وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أتنكرون أن تكون الخلة لابراهيم ؟ والكلام لموسى ؟ والرؤية لمحمد ؟ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا محمود بن خالد السلمى، حدثنا الوليد، عن إسحاق بن يسار قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى إن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد كما يسمع خفقان الطير في الهواء. وقال عبيد بن عمير: كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد أحدا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما، فقال: يا عبد الله ما أدخلك دارى بغير إذنى ؟ قال: دخلتها بإذن ربها. قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت، أرسلني ربى إلى عبد من عباده، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلا. قال: من هو ؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارا، حتى يفرق بيننا الموت. قال: ذلك العبد أنت. قال: أنا ! قال: نعم.


(1) سقطت من ا. (*)

[ 241 ]

قال: فبم اتخذني [ ربى (1) ] خليلا ؟ قال: بأنك (2) تعطى الناس ولا تسألهم. رواه ابن أبى حاتم. وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له، فقيل: إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعا، منها خمسة عشر في البقرة وحدها. وهو أحد أولى العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الانبياء في آيتى الاحزاب والشورى، وهما قوله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا "، وقوله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " الآية. ثم هو أشرف أولى العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم. وهو الذى وجده عليه السلام في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الذى يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم. وما وقع في حديث شريك ابن أبى نمير عن أنس في حديث الاسراء ; من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة، فمما انتقد على شريك في هذا الحديث. والصحيح الاول. وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا


(1) سقطت من ا (2) ا: إنك (م 16 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 242 ]

أبو سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب ابن إسحق بن إبراهيم خليل الرحمن ". تفرد به أحمد. ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذى قال فيه: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ". رواه مسلم من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه. وهذا هو المقام المحمود الذى أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: " أنا سيد ولد آدم [ يوم القيامة (1) ] ولا فخر ". ثم ذكر استشفاع الناس بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: " أنا لها، أنا لها " الحديث بتمامه. وقال البخاري: حدثنا على بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبيدالله، حدثنى سعيد، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قيل يا رسول الله من أكرم الناس ؟ قال: " [ أكرمهم (1) ] أتقاهم " فقالوا (2) ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف (3) نبى الله، ابن نبى الله ابن نبى الله ابن خليل الله ". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: " فعن معادن العرب تسألونني ؟ [ قالوا نعم (4) قال ] فخيارهم (5) في الجاهلية خيارهم (5) في الاسلام إذا فقهوا ".


(1) سقطت من ا (2) ا: قالوا (3) ا: قال: فيوسف نبى الله (4) سقطت من ا (5) ط: فخياركم (*)

[ 243 ]

وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيدالله - وهو ابن عمر - العمرى به. ثم قال البخاري: قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيدالله، عن سعيد، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما، وحديث عبدة بن سليمان. والنسائي من حديث محمد بن بشر، أربعتهم عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ولم يذكروا أباه (1) ] وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحق بن إبراهيم خليل الله ". تفرد به أحمد. وقال البخاري: حدثنا عبدة، حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ". تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر به. * * * فأما الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان،


(1) سقطت من ط (*)

[ 244 ]

حدثنى مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النى صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس عراة غرلا، فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام " ثم قرأ: " كما بدأنا أول خلق نعيده " فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضى الافضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود، الذى يغبطه به الاولون والآخرون. وأما الحديث الآخر الذى قال الامام أحمد: حدثنا وكيع وأبو نعيم، حدثنا سفيان - هو الثوري - عن مختار [ بن مختار (1) ] بن فلفل، عن أنس ابن مالك، قال: قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية. فقال: " ذاك إبراهيم " فقد رواه مسلم من حديث الثوري و عبد الله بن إدريس، وعلى بن مسهر ومحمد بن فضيل، أربعتهم عن المختار بن فلفل. وقال الترمذي: حسن صحيح. وهذا (2) من باب الهضم والتواضح مع والده الخليل عليه السلام كما قال: " لا تفضلوني على الانبياء ". وقال: " لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش، فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزي بصعقة الطور ؟ ". وهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه


(1) من ا والمعروف فيه: مختار بن فلفل. أنظر ميزان الاعتدال 4 / 80. (2) ا: فهذا. (*)

[ 245 ]

سيد ولد آدم يوم القيامة. وكذلك حديث أبى من كعب في صحيح مسلم: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ". ولما كان إبراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولى العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أمر المصلى أن يقول في تشهده، ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره، قال: قلنا يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك ؟ قال: " قولوا اللهم صل على محمد [ وعلى آل محمد ] (1) كما صليت على إبراهيم [ وعلى ] (1) آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم [ وعلى ] (1) آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. * * * وقال الله تعالى: " وإبراهيم الذى وفى ". قالوا: وفى جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه، وكان لا يشغله مراعاة الامر الجليل عن القيام بمصلحة الامر القليل، ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار. قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس [ في قوله تعالى ] (1): " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والسواك، والاستنشاق، وفرق (2) الرأس. وفى الجسد: تقليم


(1) سقط من ا. (2) ا: وفرق في الرأس. (*)

[ 246 ]

الاظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الابط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. رواه ابن أبى حاتم. وقال: وروى عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبى والنخعي وأبى صالح وأبى الجلد نحو ذلك. قلت: وفى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الاظفار، ونتف الابط ". وفى صحيح مسلم وأهل السنن من حديث وكيع، عن زكريا بن أبى زائدة، عن مصعب بن شيبة العبدرى المكى الحجبى، عن طلق بن حبيب العترى، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الاظفار، وغسل البراجم (1)، ونتف الابط وحلق العانة، وانتقاص الماء، يعنى الاستنجاء ". وسيأتى [ في ذكر (3) ] مقدار عمره والكلام على الختان. والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالاخلاص لله عز وجل وخشوع العبادة العظيمة، عن مراعاة مصلحة بدنه، وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الاصلاح والتحسين، وإزالة ما يشين ; من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح (2) أو وسخ. فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم: " وإبراهيم الذى وفى "


(1) جمع برجمة، وهى مفاصل الاصابع من ظهر الكف. (2) القلح: صفرة الاسنان (3) ليست في ا. (*)

[ 247 ]

ذكر قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي ومحمد بن موسى القطان قالا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك عن عكرمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ " إن في الجنة قصرا - أحسبه قال من لؤلؤة - ليس فيه فصم ولا وهى أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا " قال البزار: وحدثنا أحمد بن جميل المروزى، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك عن عكرمة، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) ] بنحوه. ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم من رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وغيرهما يرويه موقوفا. قلت: لولا هذه العلة لكان على شرط الصحيح. ولم يخرجوه. ذكر صفة إبراهيم عليه السلام قال الامام أحمد: حدثنا يونس وحجين قالا: حدثنا الليث، عن أبى الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عرض على الانبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية ". تفرد به الامام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ. وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن عثمان


(1) سقطت من ا (*)

[ 248 ]

- يعنى ابن المغيرة - عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى بن مريم وموسى وإبراهيم ; فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم ". قالوا له: فإبراهيم ؟ قال: " انظروا إلى صاحبكم " يعنى نفسه. وقال البخاري: حدثنا بنان بن عمرو، حدثنا النضر، أنبأنا ابن عون، عن مجاهد، أنه سمع ابن عباس، وذكروا له الدجال [ وأنه مكتوب (1) ] بين عينيه كافر أو " ك ف ر "، فقال: لم أسمعه، ولكنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: " أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فجعد آدم على جمل أحمر مخطوم بخلبة (2) كأنى أنظر إليه انحدر في الوادي " ورواه البخاري أيضا ومسلم، عن محمد بن المثنى، عن ابن أبى عدى، عن عبد الله بن عون به. وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفى اللباس، ومسلم، جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبى عدى، عن عبد الله ابن عون به.


(1) سقط من ا. (2) الحلبة: حبل من ليف. (*)

[ 249 ]

ذكر وفاة إبراهيم الخليل وما قيل في عمره ذكر ابن جرير في تاريخه: أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان، وهو - فيما قيل - الضحاك الملك المشهور، الذى يقال إنه ملك ألف سنة، وكان في غاية الغشم والظلم. وذكر بعضهم أنه من بنى راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام، وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا، وذكروا أنه طلع نجم أخفى ضوء الشمس والقمر، فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود، فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك، فقالوا: يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه. فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء، وأن يقتل المولودون من ذلك الحين، فكان مولد إبراهيم [ الخليل (1) ] في ذلك الحين، فحماه الله عزوجل وصانه من كيد الفجار، وشب شبابا باهرا وأنبته الله نباتا حسنا، حتى كان من أمره ما تقدم. وكان مولده بالسوس، وقيل ببابل، وقيل بالسواد من ناحية كوثى (2). وتقدم عن ابن عباس أنه ولد ببرزة شرقي دمشق. فلما أهلك الله نمرود على يديه هاجر إلى حران، ثم إلى أرض الشام، وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا. وولد له إسماعيل وإسحق. وماتت سارة قبله بقرية حبرون التى في أرض كنعان، ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب. فخزن عليها إبراهيم عليه السلام، ورثاها رحمها الله، واشترى


(1) سقطت من ا. (2) موضع بسواد العراق. (*)

[ 250 ]

من رجل من بنى حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربعمائة مثقال، ودفن فيها سارة هنالك. قالوا: ثم خطب إبراهيم على ابنه إسحق فزوجه " رفقا " بنت بتوئيل ابن ناحور بن تارح، وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجواريها على الابل. قالوا: ثم تزوج إبراهيم عليه السلام " قنطورا " فولدت له: زمران، ويقشان، ومادان، ومدين، وشياق، وشوح. وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا. وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف، عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجئ ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة الله أعلم بصحتها. وقد قيل إنه مات فجأة، وكذا داود وسليمان. والذى ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك. قالوا: ثم مرض إبراهيم عليه السلام، ومات عن مائة وخمس وسبعين، وقيل وتسعين سنة، ودفن في المغارة المذكورة التى كانت بحبرون الحيثى، عند امرأته سارة التى في مزرعة عفرون الحيثى، وتولى دفنه إسمعيل وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد ورد ما يدل [ على (1) ] أنه عاش مائتي سنة كما قاله ابن الكلبى. فقال أبو حاتم ابن حبان في صحيحه: أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة، حدثنا على بن زياد اللخمى (2)، حدثنا أبو قرة، عن ابن جريج، عن


(1) سقطت من ا (2) ا: الحجبى. (*)

[ 251 ]

يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب [ عن أبى هريرة (1) ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ". وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر ابن عون العمرى، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبى هريرة موقوفا. ثم قال ابن حبان: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد (2)، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن إبراهيم حين بلغ [ عشرين (3) و ] مائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، واختتن بقدوم ". وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم روى ابن حبان عن عبد الرزاق، أنه قال: القدوم اسم القرية. قلت: الذى في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة. وفى رواية وهو ابن ثمانين سنة، وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك. والله أعلم. وقال محمد بن إسماعيل الحانى الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات، حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب، عن أبى هريرة قال: كان إبراهيم أول من تسرول، وأول من


(1) سقطت من ا. (2) ا: ابن نيست. (3) من ا (*)

[ 252 ]

فرق، وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم، وهو ابن عشرين ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب. هكذا رواه موقوفا. وهو أشبه بالمرفوع (1) خلافا لابن حبان والله أعلم. وقال مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: كان إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب. فقال: يا رب ماهذا ؟ فقال الله: " وقار " فقال يا رب زدنى وقارا. وزاد غيرهما: وأول من قص شاربه، وأول من استحد، وأول من لبس السراويل. فقبره وقبر ولده إسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التى بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد حبرون، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم. وهذا متلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيلا بعد جيل من زمن بنى إسرائيل وإلى زماننا هذا، أن قبره بالمربعة تحقيقا. فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم. فينبغي أن تراعى تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها، وأن تبجل وأن تجل أن يدلى في أرجائها، خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد أولاده الانبياء عليهم السلام تحتها. وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال: وجد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة:


(1) ا: من المرفوع (*)

[ 253 ]

ألهى جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخرا * من مات عنه أوله والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله ذكر أولاد إبراهيم الخليل أول من ولد له: إسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل. ثم تزوج بعدها " قنطورا " بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة: مدين، وزمران، وسرج ويقشان، ونشق، ولم يسم السادس. ثم تزوج بعدها " حجون " بنت أمين، فولدت له خمسة: كيسان، وسورج، وأميم، ولوطان ونافس. هكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه: " التعريف والاعلام ".

[ 254 ]

قصة لوط عليه السلام ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الامور العظيمة: قصة قوم لوط عليه السلام، وما حل بهم من النقمة العميمة. وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح - وهو آزر كما تقدم - ولوط ابن أخى إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور إخوة كما قدمنا، ويقال إن هاران هذا هو الذى بنى حران. وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدى أهل الكتاب والله تعالى أعلم. وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه، فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر (1)، وكان أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها. ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية، وأردئهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون. ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بنى آدم، وهى إتيان الذكران من العالمين، وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين. فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطى هذه المحرمات والفواحش المنكرات، والافاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم، واستمرزوا على فجورهم وكفرانهم، فأحل الله بهم


(1) ا: أرض عز عز: محرفة. (*)

[ 255 ]

من البأس الذى لايرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم، وجعلهم مثلة في العالمين، وعبرة يتعظ بها الالباء من العالمين. ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع في كتابه المبين. فقال تعالى في سورة الاعراف: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون * وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (1) ". وقال تعالى في سورة هود: " ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما، قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب * قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا إن هذا لشئ عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله ؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد * فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود * ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا، وقال هذا يوم عصيب * وجاءه قومه يهرعون


(1) الآيات: 80 - 84. (*)

[ 256 ]

إليه، ومن قبل كانوا يعملون السيئات، قال يا قوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم، فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد ؟ * قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد * قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ؟ * فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (1) ". وقال تعالى في سورة الحجر: " ونبئهم عن ضيف إبراهيم * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون * قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسنى الكبر فبم تبشرون ؟ * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون * قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين * فلما جاء آل لوط المرسلون * قال إنكم قوم منكرون * قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون * وأتيناك بالحق وإنا لصادقون * فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون * وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين * وجاء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هؤلاء ضيفي


(1) الآيات: 69 - 83. (*)

[ 257 ]

فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون * قالوا أو لم ننهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتى إن كنتم فاعلين * لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون * فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين (1) ". وقال تعالى في سورة الشعراء: " كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بن أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * قال إنى لعملكم من القالين * رب نجنى وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم (2) ". وقال تعالى في سورة النمل: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (3) ".


(1) الآيات: 50 - 77 (2) الآيات: 160 - 170 (3) الآيات: 54 - 85. (17 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 258 ]

وقال تعالى في سورة العنكبوت: " ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل، وتأتون في ناديكم المنكر، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيخها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون " (1). وقال تعالى في سورة الصافات: " وإن لوطا لمن المرسليمن * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون (2) ". وقال تعالى في الذاريات بعد قصة [ ضيف (3) ] إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم: " قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين *


(1) الآيات: 28 - 35 (2) الآيات: 133 - 138 (3) سقطت من ا (*)

[ 259 ]

فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين * وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم " (1). وقال في سورة القمر (2): " كذبت قوم لوط بالنذر * إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر * نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر * فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " (3). وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير. وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن ; تقدم ذكرها مع نوح وعاد وثمود. * * * والمقصود الآن إيراد ماكان من أمرهم، وما أحل الله بهم، مجموعا من الآيات والآثار. وبالله المستعان. وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطى ما ذكر الله عنهم من الفواحش، لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به [ حتى ] (4) ولا رجل واحد منهم، ولم يتركوا ما عنه نهوا. بل استمروا على حالهم، ولم يرعووا (5) عن غيهم وضلالهم، وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم. وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم - إذ كانوا لا يعقلون


(1) الآيات: 31 - 37 (2) ا: سورة الانشقاق (3) الآيات: 33 - 40 (4) ليست في ا. (5) ط: ولم يرتدعوا. (*)

[ 260 ]

إلا أن قالوا: " أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " فجعلوا غاية المدح ذما يقتضى الاخراج ! وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج. فطهره الله وأهله إلا امرأته، وأخرجهم منها أحسن إخراج، وتركهم في محلتهم خالدين، لكن بعد ما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج، لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج، وحر يتوهج، وماؤها ملح أجاج. وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن " [ ارتكاب (1) ] الطامة العظمى، والفاحشة الكبرى، التى لم يسبقهم إليها أحد من [ العالمين (2) ] أهل الدنيا. ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها. وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم، وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم، المنكر من الاقوال والافعال على اختلاف أصنافه. حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، ولا يستحون من مجالسيهم، وربما وقع (3) منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل. وكانوا في ذلك وغيره كالانعام بل أضل سبيلا، ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلف من الماضي، ولا راموا في المستقبل تحويلا، فأخذهم الله أخذا وبيلا. وقالوا له فيما قالوا: " ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين " فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الاليم، وحلول البأس العظيم.


(1) من ا. (2) من ا. (3) ا: وقد أوقع. (*)

[ 261 ]

فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين. فغار الله لغيرته، وغضب لغضبته ; واستجاب لدعوته، وأجابه إلى طلبته، وبعث رسله الكرام، وملائكته العظام، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم، وأخبروه بما جاءوا له من الامر الجسيم والخطب العميم: " قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين " وقال: " ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا، قالوا نحون أعلم بمن فيها. لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ". وقال الله تعالى: " فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ". وذلك أنه كان يرجو أن [ يجيبوا أو (1) ] ينيبوا ويسلموا ويفلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: " إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود " أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره ; فإنه قد حتم أمرهم، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، " إنه قد جاء أمر ربك " أي قد أمر به من لايرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه. " وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ". وذكر سعيد بن جبير والسدى وقتادة ومحمد بن إسحق: أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: أنهلكون قرية يها ثلاثمائة مؤمن [ قالوا لا ] (2)


(1) من ا. (2) سقطت من ا. (*)

[ 262 ]

قال: فمائتا مؤمن ؟ قالوا: لا. قال: فأربعون مؤمنا ؟ قالوا: لا. قال: فأربعة عشر مؤمنا ؟ قالوا: لا. قال ابن إسحاق: إلى أن قال: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد ؟ قالوا لا. " قال: إن فيها لوطا، قالوا نحن أعلم بمن فيها. " الآية. وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا ؟ فقال الله: " لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ". ثم تنازل إلى عشرة فقال الله: " لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون ". قال الله تعالى: " ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب ". قال المفسرون: لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم - وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل - أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم، في صور شبان حسان، اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم. فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس، فخشى إن لم يضفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشرا من الناس، و " سئ بهم وضاق بهم ذرعا، وقال هذا يوم عصيب " قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحق: شديد بلاؤه. وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، كما كان يصنع بهم في غيرهم، وكانوا قد اشتطروا عليه أن لا يضيف أحدا، ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه. وذكر قتادة: أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها، فتضيفوا فاستحيا منهم وانطلق أمامهم، وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون

[ 263 ]

عن هذه القرية وينزلون في غيرها، فقال لهم فيما قال: [ والله (1) ] يا هؤلاء ما أعلم على وجه الارض أهل بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلا، ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال: وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى شهد عليهم نبيهم بذلك. وقال السدى: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقى من الماء لاهلها، وكانت له ابنتان: اسم الكبرى " ريثا " والصغرى " زغرتا ". فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل ؟ فقالت لهم: [ نعم (2) ] مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم. شفقة (3) عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه ! أرادك فتيان على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم. وقد كان قومه (4) نهوه أن يضيف رجلا [ فقالوا: خل عنا فلنضف الرجال (2) ]. فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت، فخرجت امرأته فأخبرت قومها ; فقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط. فجاءه قومه يهرعون إليه. وقوله: " ومن قبل كانوا يعملون السيئات " أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة، " قال يا قوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم " يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا ; لان النبي


(1) من ا. (2) ليست في ا (3) ط: فرقت عليهم من قومها (4) ا: وقد كانوا نهوه. (*)

[ 264 ]

للامة بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم (1) " وفى قول بعض الصحابة والسلف: وهو أب لهم. وهذا كقوله: " أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون (2) ". وهذا هو الذى نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدى ومحمد بن إسحاق، وهو الصواب. والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب، وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم: إن الملائكة كانوا اثنين، وإنهم تعشوا عنده. وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما. وقوله: " فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد ؟ " نهى لهم عن تعاطى مالا يليق من الفاحشة، وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير، بل الجميع سفهاء، فجرة أقوياء، كفرة أغبياء (3). وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه من قبل أن يسألوه عنه. فقال قومه، عليهم لعنة الله الحميد المجيد، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الامر السديد: " لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ". يقولون - عليهم لعائن الله - لقد علمت يالوط أنه لا أرب لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا.


(1) من الآية: 5 من سورة الاحزاب (2) الآيتان: 165، 166 من سورة الشعراء. (3) ا: كفرة أعتياء (*)

[ 265 ]

واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذى العذاب الاليم. ولهذا قال عليه السلام: " لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ". ود أن لو كان له بهم قوة، أوله منعة وشعيرة ينصرونه عليهم، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب. وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا: " نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوى إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لاجبت الداعي ". ورواه أبو الزناد (1) عن الاعرج عن أبى هريرة. وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحمة الله على لوط، إن كان يأوى (2) إلى ركن شديد - يعنى الله عزوجل - فما بعث الله بعده من نبى إلا في ثروة من قومه ". وقال تعالى: " وجاء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون * قالوا أو لم ننهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتى إن كنتم فاعلين ". فأمرهم بقربان نسائهم، وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم. هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون، بل كلما نهاهم (3) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون، ولم يعلموا ماحم (4) به القدر مماهم إليه صائرون وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون.


(1) ا: ورواه ابن أبى الدنيا (3) ا: لقد كان يأوى (4) ا: كلما لهم (5) ا: ما حم بهم (*)

[ 266 ]

ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون " وقال تعالى: " ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر " (1). ذكر المفسرون وغيرهم: أن نبى الله لوطا عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق، وهم يرومون فتحه وولوجه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، وكل مالهم في إلحاج وإنحاح (2)، فلما ضاق الامر وعسر الحال قال [ ما قال (3) ] " لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد "، لاحللت بكم النكال. قالت الملائكة: " يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك " وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم، حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن، ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شان !. قال الله تعالى: " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر " (4). فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط، عليه السلام، آمرين له بأن يسرى هو وأهله من آخر الليل. " ولا يلتفت منكم أحد "، يعنى عند


(1) ا: ورواه ابن أبى الدنيا (2) كذا في ا. ولعلها إتباع كقولهم شحيح نحيح وفى ط: في الجاج والعاج وهو تحريف. (3) من ا. (*)

[ 267 ]

سماع صوت العذاب إذا حل بقومه. وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم. وقوله: " إلا امرأتك " على قراءة النصب: يحتمل أن يكون مستثنى من قوله: " فأسر بأهلك " كأنه يقول إلا امرأتك فلا تشربها، ويحتمل أن يكون من قوله: " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم. ويقوى هذا الاحتمال قراءة الرفع، ولكن الاول أظهر في المعنى. والله أعلم. قال السهيلي: واسم امرأة لوط " والهة "، واسم امرأة نوح " والغة " وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة، الملعونين النظراء والاشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب: " إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ". فلما خرج لوط عليه السلام بأهله، وهم ابنتاه، لم يتبعه منهم رجل واحد، ويقال إن امرأته خرجت معه. فالله أعلم. فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها، جاءهم من أمر الله ما لايرد، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد. وعند أهل الكتاب: أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذى هناك فاستبعده، وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم، فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها، ثم نحل بهم العذاب. فذكروا أنه ذهب إلى قرية " صوعر " (1) التى يقول الناس: غور زغر، فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب.


(1) ا: صغر. (*)

[ 268 ]

قال الله تعالى: " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ". قالوا: اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن - وكن سبع مدن - بمن فيهن من الامم، فقالوا إنهم كانوا أربعمائة نسمة، وقيل أربعة آلاف (1) نسمة، وما معهم من الحيوانات، وما يتبع تلك المدن من الاراضي والاماكن والمعتملات. فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها. قال مجاهد: فكان أول ما سقط منها شرفاتها. " وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ". [ والسجيل فارسي معرب (2) ] وهو الشديد الصلب القوى، " منضود " أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء. " مسومة " أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذى يهبط عليه فيدمغه، كما قال: " مسومة عند ربك للمسرفين " وكما قال تعالى: " وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين "، وقال تعالى: " والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى فبأى آلاء ربك تتمارى " يعنى (3) قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل، متتابعة، مسومة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذى سقط عليه ; من الحاضرين منهم في بلدهم، والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها. ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها، ويقال إنها خرجت مع زوجها


(1) ا: أربعة آلاف ألف نسمة (2) سقطت من ا. (3) ا: أي قلبها. (*)

[ 269 ]

وبنتيها، ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة، التفت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا، وقالت: واقوماه (1) ! فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها ; إذ كانت على دينهم، وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان. كما قال تعالى: " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأه نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله من الله شيئا، وقيل ادخلا النار مع الداخلين " (2) أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه. وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة - حاشا وكلا ولما فإن الله لا يقدر على نبى قط (3) أن تبغى امرأته، كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف: ما بغت امرأة نبى قط. ومن قال خلاف هذا قد أخطأ خطأ كبيرا (4). قال الله تعالى في قصة الافك، لما أنزل براءة أم المؤمنين عائشة نبت الصديق، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الافك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر، ووعظ وحذر قال فيما قال: " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم " (5) أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة.


(1) ا يا قومه. (2) سورة التحريم. (3) ا: على نبيه أن تبغى امرأته. (4) ا: كثيرا. (5) سورة النور (*)

[ 270 ]

وقوله هنا: " وما هي من الظالمين ببعيد " أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم. ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم، سواء كان محصنا أولا. ونص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الائمة. واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبى عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق [ جبل ] (1) ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط، لقوله تعالى: " وما هي الظالمين ببعيد " وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الاراضي المتاخمة لفنائها، لرداءتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه وعصى مولاه، ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائه إياهم من المهلكات، وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات، كما قال تعالى: " إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الحكيم ". وقال الله تعالى: " فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين " أي من نظر بعين


(1) ليست في ا. (*)

[ 271 ]

الفراسة والتوسم فيهم (1)، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة هالكة غامرة ؟ كما روى الترمذي وغيره مرفوعا: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ثم قرأ: " إن في ذلك لآيات للمتوسمين ". وقوله: " وإنها لبسبيل مقيم " أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن. كما قال: " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون ". وقال تعالى: " ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون " وقال تعالى: " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيخها غير بيت من المسلمين * وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم ". أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة، وخشى الرحمن بالغيب، وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فأنزجر عن محارم الله وترك معاصيه، وخاف أن يشابه قوم لوط. ومن تشبه بقوم فهو منهم، وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه ; كما قال بعضهم: فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم * فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الفاهم الخائف من ربه، يمتثل ما أمره الله به عزوجل، ويقبل ما أرشده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال، والجوارى من السرارى ذوات الجمال، وإياه أن يتبع كل شيطان مريد، فيحق عليه الوعيد، ويدخل في قوله تعالى: " وما هي من الظالمين ببعيد ".


(1) ط: فهم. (*)

[ 272 ]

مدين قصة قوم شعيب عليه السلام قال الله تعالى في سورة الاعراف بعد قصة قوم لوط: " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا، واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين * وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين * قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، قال: أولو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شئ علما، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين * وقال الملا الذين كفروا من قومه: لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين *.

[ 273 ]

فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آمى على قوم كافرين " (1). وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا: " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أراكم بخير، وإنى أخاد عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين * بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفيظ * قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ؟ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ؟ إنك لانت الحليم الرشيد * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب * ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منك ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبو إليه إن ربى رحيم ودود * قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول، وإنا لنراك فينا ضعيفا، ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز * قال يا قوم أرهطى أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا ؟ إن ربى بما تعلمون محيط * ويا قوم


(1) الآيات: 85 - 93 (18 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 274 ]

اعملوا على مكانتكم إنى عامل، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب، وارتقبوا إنى معكم رقيب * ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود " (1). وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا: وإن كان أصحاب لايكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين " (2). وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: " كذب أصحاب الايكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين * أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم * ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين * واتقوا الذى خلقكم والجبلة الاولين * قالوا إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين * قال ربى أعلم بما تعملون، فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " (3). * * * كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم " مدين " التى هي قريبة (4) من أرض معان من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز قريبا


(1) الآيات: 84 - 95 (2) الآيتان: 78 - 79 (3) الآيات: 176 - 191 (4) ط: قرية. محرفة. (*)

[ 275 ]

من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة. ومدين قبيلة عرفت بهم (1) وهم من بنى مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل. وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (2) بن يشجن، ذكره ابن إسحق. قال: ويقال له بالسريانية يترون، وفى هذا نظر. ويقال شعيب ابن يشخر بن لاوى بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا (3) ابن مدين بن إبراهيم، ويقال شعيب بن صيفور بن عيفا بن ثابت ابن مدين بن إبراهيم، وقيل غير ذلك في نسبه. قال ابن عساكر: ويقال جدته، ويقال أمه، بنت لوط. وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق. وعن وهب ابن منبه أنه قال: شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار، وهاجرا معه إلى الشام، فزوجهما بنتى لوط عليه السلام. ذكره ابن قتيبة. وفى هذا كله نظر. والله تعالى أعلم. وذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد (4) العنزي: أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة، فقال: " نعم الحى عنزة ; مبغى (5) عليهم منصورون رهط (6) شعيب وأختان (7) موسى ".


(1) ط: مدينة عرفت بها القبيلة. (2) ط: مكيل. (3) ا: غبها. (4) ا: سعيد. (5) ا: يبغى. (6) ط: قوم شعيب (7) الاختان. جمع ختن وهو الصهر. وفى المطبوعة. وأحبار. محرفة. (*)

[ 276 ]

فلو صح هذا لدل على أن شعيبا صهر (1) موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، فإن هؤلاء بعده بدهر طويل. والله أعلم. وفى حديث أبى ذر الذى في صحيح ابن حبان في ذكر الانبياء والرسل قال: " أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " وكان بعض السلف يسمى شعيبا خطيب الانبياء. يعنى لفصاحته وعلزو عبارته، وبلاغته في دعاية قومه إلى الايمان برسالته. وقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال: " ذاك خطيب الانبياء ". وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الايكة، وهى شجرة من الايك حولها غيضة ملتفة بها. وكانوا من أسوإ الناس معاملة ; يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيهما، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقس. فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطى هذه الافاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم وكفر اكثرهم، حتى أحل الله بهم البأس الشديد. وهو الولى الحميد.


(1) ط: من موسى. ومحرفة (*)

[ 277 ]

كما قال تعالى: " وإلى مدين أخاهم شعيبا، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم " أي دلالة وحجة واضحة، وبرهان قاطع عن صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التى لم ينقل إلينا تفصيلها (1)، وإن كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا. " فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ". أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعدهم على خلاف ذلك فقال: " ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ولا تقعدوا بكل صراط " [ أي طريق (2) ] " توعدون " أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل. قال السدى في تفسيره عن الصحابة: " ولا تقعدوا بكل صراط توعدون " أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة. وقال إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق، يبخسون الناس، يعنى يعشرونهم. وكانوا أول من سن ذلك. " وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا " نهاهم (3) عن قطع الطريق الحسية الدنيوية، والمعنوية الدينية.


(1) ط: لم تنقل إلينا تفصيلا. (2) ليست في ا (3) ا: فنهاهم. (*)

[ 278 ]

" واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين " ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذرهم نقمة الله بهم إن (1) خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه. كما قال لهم في القصة الاخرى: " ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أراكم بخير، وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط " أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه (2) فيمحق الله [ بركة ] (3) ما في أيديكم (4)، ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم. وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة، ومن جمع له هذا وهذا، فقد باء بالصفقة الخاسرة ! * * * فنهاهم أولا عن تعاطى مالا يليق من التطفيف، وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم، وعذابه الاليم في أخراهم، وعنفهم أشد تعنيف ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن شده زاجرا: " ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين * بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفيظ ". قال ابن عباس والحسن البصري: " بقية الله خير لكم " أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس. وقال ابن جرير: ما يفضل (5) لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان، خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف. قال: وقد روى هذا عن ابن عباس.


(1) ا: وإن. (2) ا: به. (3) ليست في ا (4) ا: ما بأيديكم. (5) ط: ما فضل. (*)

[ 279 ]

وهذا الذى قاله وحكاه حسن، وهو شبيه بقوله تعالى: " قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث " يعنى أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام، فإن الحلال مبارك وإن قل، والحرام ممحوق وإن كثر. كما قال تعالى: " يمحق الله الربا ويربى الصدقات " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل ". رواه أحمد. أي إلى قلة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام لا يجدي وإن كثر. ولهذا قال نبى الله شعيب: " بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ". وقوله: " وما أنا عليكم بحفيظ " أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه، لا لاراكم أنا وغيري. " قالوا يا شعيب أصواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، إنك لانت الحليم الرشيد ". يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم: أصلاتك هذه التى تصليها، هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك ؟ ونترك (1) ما يعبد آباؤنا الاقدمون


(1) ا: ونذر. (*)

[ 280 ]

وأسلافنا الاولون ؟ أو أن (1) لا نتعامل إلا على الوجه الذى ترتضيه أنت، ونترك المعاملات التى تأباها وإن كنا نحن نرضاها ؟ " أنك لانت الحليم الرشيد " قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء. " قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ". هذا تلطف (2) معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة. يقول لهم: " أرأيتم أيها المكذبون " إن كنت على بينة من ربى " أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم، " ورزقني منه رزقا حسنا " يعنى النبوة والرسالة، يعنى وعمى عليكم معرفتها، فأى حيلة لى فيكم (3) ؟ وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء. وقوله: " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه " أي لست (4) آمركم بالامر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشئ فأنا أول من يتركه. وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة، وضدها هي المردودة الذميمة، كما تلبس بها علماء بنى إسرائيل في آخر زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون.


(1) ا: أو أنا. (2) ا: تلاطف. (3) ا: بكم. (4) ا: ليس. (*)

[ 281 ]

قال الله تعالى: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ؟ " وذكرنا (1) عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أفتاب بطنه - أي تخرج أمعاؤه من بطنه - فيدور [ بها ] (2) كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى. كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه ". وهذه صفة (3) مخالفى الانبياء من الفجار [ و (2) ] الاشقياء. فأما السادة من النجباء، والالباء من العلماء، الذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبى الله شعيب: " وما أريد أن اخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت " أي ما أريد في جميع أمرى إلا الاصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي. " وما توفيقي " أي في جميع أحوالى " إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب " أي عليه اتوكل في سائر الامور، وإليه مرجعي ومصيرى في كل أمرى. وهذا مقام ترغيب. * * * ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال: " ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد ".


(1) ط: وذكر عندهما. (2) ليست في ا. (3) ا: فهذه. (*)

[ 282 ]

أي لا يحملنكم بخالفتى وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم، فيحل الله بكم من العذاب والنكال، نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم، من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين. وقوله: " وما قوم لوط منكم ببعيد "، قيل معناه: في الزمان، أي ما بالعهد من قدم، مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم. وقيل معناه: وماهم منكم ببعيد في المحلة والمكان. وقيل في الصفات والافعال المستقبحات، من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات. والجمع بين هذه الاقوال ممكن: فإنهم لم يكونوا (1) بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات. ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال: " واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود " أي أقلعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود، فإنه من تاب إليه تاب عليه، فإنه رحيم بعباده، أرحم بهم من الوالدة بولدها، " ودود " وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده، ولو من الموبقات العظام. " قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا " روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا: كان ضرير البصر. وقد روى في حديث مرفوع: انه بكى من حب الله حتى


(1) ا. فإنهم غير بعيدين. (*)

[ 283 ]

عمى، فرد الله عليه بصره، وقال: " يا شعيب أتبكى خوفا (1) من النار ؟ أو [ من ] (2) شوقك إلى الجنة ؟ فقال: بل من محبتك (3)، فإذا نظرت إليك فلا أبالى ماذا يصنع بى. فأوحى [ الله ] (2) إليه: هنيئا لك يا شعيب لقائي، فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمى ". رواه الواحدى عن أبى الفتح محمد بن على الكوفى، عن على بن الحسن بن بندار، عن عبد الله محمد بن إسحق الرملي عن هشام بن عمار، عن إسمعيل بن عباس، عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أوس (4) عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وهو غريب جدا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي. * * * وقولهم: " ولو لا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز " هذا من كفرهم البليغ، وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: " ما نفقه كثيرا مما تقول " أي ما نفهمه ولا نعقله، لانه لا نحبه ولا نريده، وليس لنا همة إليه، ولا إقبال عليه. وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون ".


(1) ا: من خوفك من النار. (2) ليست في ا. (3) ا. فقال لمحبتك. (4) المطبوعة: بن أمين. وهو تحريف. (*)

[ 284 ]

وقولهم: " وإنا لنراك فينا ضعيفا " أي مضطهدا مهجورا. " ولولا رهطك " أي قبيلتك وعغشيرتك فينا " لرجمناك وما أنت علينا بعزيز ". " قال يا قوم أرهطى أعز عليكم من الله " [ أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعونى بسببهم، ولا تخافون عذاب (1) الله ؟ ولا تراعوني لانى رسول الله ؟ فصار رهطي أعز عليكم من الله (2) ] " واتخذتموه وراءكم ظهريا [ أي جانب الله وراء ظهوركم (2) ] " إن ربى بما تعملون محيط " أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله، وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه. " ويا قوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعملون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إنى معكم رقيب ". هذا أمر تهديد شدى ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، ومن يحل عليه الهلاك والبوار " من يأتيه عذاب يخزيه " أي في هذه الحياة الدنيا " ويحل عليه عذاب مقيم " أي في الآخرى (2) " ومن هو كاذب " أي منى ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر. " وارتقبوا إنى معكم رقيب " هذا كقوله: " وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ". * * *


(1) سقط من ا. (2) ا: في الآخرة. (1) الاصل: جنة الله. (*)

[ 285 ]

" قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شئ علما، على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ". طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة (1) عن قومه فقال: " أولو كنا كارهين ؟ " [ أي ] (2) هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا، وإنما يعودون إليكم إن عادوا، اضطرارا مكرهين ; وذلك لان الايمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، ولا يرتد أحد عنه، ولا محيد لاحد منه. ولهذا قال: " قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شئ علما، على الله توكلنا " أي فهو كافينا، وهو العاصم لنا وإليه ملجأنا في جميع أمرنا. ثم استفتح على قومه، واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين " أي الحاكمين. فدعا عليهم، والله لا يرد دعاء رسله إذا انتصروه على الذين جحدوه وكفروه، ورسوله خالفوه.


(1) ط: للحاربة. (2) ليست في ا. (*)

[ 286 ]

ومع هذا صموا على ماهم عليه مشتملون، وبه متلبسون: " وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتهم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ". قال الله تعالى: " فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين " ذكر في سورة الاعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي رجفت بهم أرضهم، وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها، وصيرت حيوان أرضهم كجمادها، وأصبحت جثثهم جاثية ; لا أرواح فيها ولا حركات بها، ولا حواس لها. وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقبوبات، وصنوفا من المثلاث، وأشكالا من البليات، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات، سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات، وصيحة عظيمة أخمدت الاصوات، وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات. ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها ; في سياق قصة الاعراف أرجفوا نبى الله وأصحابه، وتوعدوهم بالاخراج من قريتهم، أو ليعودن في ملتهم راجعين. فقال تعالى: " فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين " [ فقابل الارجاف بالرجفة، والاخافة بالخيفة، وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق. وأما في سورة هود: فذكر انهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (1) ] وذلك لانهم قالوا لنبى الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص: " أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء


(1) سقط من ا. (*)

[ 287 ]

إنك لانت الحليم الرشيد " فناسب أن يذكر الصيحة التى هي كالزجر عن تعاطى هذا الكلام القبيح، الذى واجهوا به هذا الرسول الكريم الامين الفصيح، فجاءتهم صيحة (1) أسكتتهم [ مع رجفة أسكنتهم (2) ]. وأما في سورة الشعراء: فذكر أنه أخذهم عذاب [ يوم (2) ] الظلمة، وكان ذلك إجابة لما طلبوا، تقريبا إلى ما إليه رغبوا، فإنهم قالوا: " إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين * قال ربى أعلم بما تعملون ". قال الله تعالى وهو السميع العليم: " فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلمة إنه كان عذاب يوم عظيم ". ومن زعم من المفسرين [ كقتادة (2) ] وغيره: أن أصحاب الايكة أمة أخرى غير أهل مدين، فقوله ضعيف. وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: " كذب اصحاب الايكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب " ولم يقل أخوهم كما قال: " وإلى مدين أخاهم شعيبا ". والثانى: أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة. والجواب عن الاول: أنه لم يذكر الاخوة بعد قوله: " كذب أصحاب


(1) ا: فجاءهم في صيحة. (2) سقطت من. (*)

[ 288 ]

الايكة المرسلين " لانه وصفهم بعبادة الايكة، فلا يناسب ذكر الاخوة هاهنا. ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ (1) ذكر شعيب بأنه أخوهم. وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة. وأما احتجاجهم بيوم الظلة ; فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان، وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئا من هذا الشأن. [ فأما الحديث الذى أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام، من طريق محمد بن عثمان بن أبى شيبة، عن أبيه، عن معاوية ابن هشام، عن هشام بن سعد، عن شفيق بن أبى هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن قوم مدين وأصحاب الايكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي عليه السلام ". فإنه حديث غريب. وفى رجاله من تكلم فيه. والاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو، مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بنى اسرائيل. والله أعلم ]. (2) ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدل على أنهم أمة واحدة، أهلكوا بأنواع من العذاب. وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب. وقوله: " فأخذهم عذاب يوم الظلمة إنه كان عذاب يوم عظيم " ذكروا


(1) المطبوعة: فشاع. وهو تحريف (2) سقط من ا (*)

[ 289 ]

أنهم أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل، ولا دخولهم في الاسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظطلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الارض، وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الارواح، وخربت الاشباح. " فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذى كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين " ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين، كا قال تعالى وهو أصدق القائلين: " ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذى ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوزا فيها ألا بعد المدين كما بعدت ثمود " وقال تعالى: " وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين " وهذا في مقابلة قولهم: " لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ". * * * ثم ذكر تعالى عن نبيهم: أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا، فقال تعالى: " فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين ". أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا: " يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم ". أي قد أديت ما كان (19 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 290 ]

واجبا على من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه، فلم ينفعكم ذلك، لان الله لا يهدى من يضل ومالهم من ناصرين. فلست [ أتأسف ] (1) بعد هذا عليكم، لانكم لم تكونوا تقبلون النصيحة، ولا تخافون يوم الفضيحة. ولهذا قال: " فكيف آسى " [ أي أحزن ] (1) " على قوم كافرين " أي لا يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون إليه (2) فحل بهم من بأس الله الذى لا يرد ما لا يدفع ولا يمانع، ولا محيد لاحد أريد به عنه، ولا مناص عنه (3). [ وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس: أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام. وعن وهب بن منبه: أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين، وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بنى سهم ] (4).


(1) سقطت من ا. (2) ا: عليه. (3) ط: منه. (4) ليست في ا (*)

[ 291 ]

باب ذكر ذرية إبراهيم عليه الصلاة والتسليم قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم، وما آل إليه أمره عليه الصلاة والسلام والتحية والاكرام. وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط، وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام، لانها قرينتها في كتاب الله عزوجل في مواضع متعددة ; فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط، قصة مدين، وهم أصحاب الايكة على الصحيح كما قدمنا (1) ; فذكرناها تبعا لها اقتداء بالقرآن العظيم. ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية إبراهيم عليه السلام، لان الله جعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبى أرسل بعده فمن ولده.


(1) ا: قدمناها. (*)

[ 292 ]

ذكر إسماعيل عليه السلام وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا، ولكن أشهرهم الاخوان النبيان العظيمان الرسولان، أسنهما وأجلهما: الذى هو الذبيح على الصحيح - إسماعيل بكر إبراهيم [ الخليل ] (1) من (2) هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل. ومن قال: إن الذبيح هو إسحق، فإنما تلقاه من نقلة بنى إسرائيل الذى بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والانجيل، وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل، فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر، وفى رواية: الوحيد. وأياما (3) كان فهو إسماعيل بنص الدليل، ففى نص كتابهم: إن إسماعيل ولد ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة. وإنما ولد إسحق بعد مضى مائة سنة من عمر الخليل، فإسماعيل هو البكر لا محالة، وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة. أما في الصورة، فلانه كان ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة، وأما أنه وحيد في المعنى، فإنه هو الذى هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر، وكان صغيرا رضيعا - فيما قيل - فوضعهما في وهاد جبال فاران، وهى الجبال التى حول مكة نعم المقيل، وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل، وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه. فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل.


(1) ليست في ا (2) ا: ابن هاجر. (3) ا: وأيما كان. (*)

[ 293 ]

فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى. ولكن أين من يتفطن لهذا السر ؟ وأين من يحل بهذا المحل ؟ والمعنى لا يدركه ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل ! وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم (1) وبالصبر وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة، والامر بها لاهله ليقيهم العذاب، مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الارباب، قال الله تعالى: " فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ قال يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين * (2) فطاوع أباه على ما إليه دعاه، ووعده بأن سيصبر، فوفى بذلك وصبر على ذلك. وقال تعالى: " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا " (3) وقال تعالى: " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الايدى والابصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار * واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار " (4) وقال تعالى: " وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين " (5) وقال تعالى: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده. وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط... الآية (6) "


(1) ا: بالعلم. (2) الآيتان 101 - 102 من سورة الصافات (3) الآيتان: 54، 55 من سورة مريم (4) الآيات: 45 - 48 من سورة ص (5) الآيتان: 85، 86 من سورة الانبياء (6) الآية: 163 من سورة النساء (*)

[ 294 ]

[ وقال تعالى: " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط (1) " الآية. ونظيرتها من السورة الاخرى (2) ] وقال تعالى: " أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا ونصارى، قل أأنتم أعلم أم الله (3)... " الآية. فذكر الله عنه كل صفة جميلة، وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون. وذكر علماء النسب وأيام الناس: أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشا فأنسها وركبها. وقد قال سعيد بن يحيى الاموى في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر، أن (4) [ رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) ] قال: " اتخذوا الخيل واعتقبوها (6) فإنها ميراث أبيكم إسماعيل ". وكانت هذه العراب وحوشا (7) فدعا لها بدعوته التى كان أعطى فأجابته. وأنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذى نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن ; من الامم المتقدمين من العرب قبل الخليل. قال الاموى: حدثنى على بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، مسمع بن مالك،


(1) الآية: 136 من سورة البقرة (2) ليست في ا. (3) سورة البقرة: 140 (4) ا: أنه (5) ليست في ا. (6) اعتقبوها: توارثوها. وفى المطبوعة اعتبقوها: محرفة. (7) ا: وحشا. (*)

[ 295 ]

عن محمد بن على بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة "، فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار (1)، هكذا أبو جرى حدثنى. وقد قدمنا أنه تزوج لما شب [ امرأة (2) ] من العماليق، وأن أباه أمره بفراقها ففارقها. قال الاموى: [ هي (2) ] عمارة بنت سعد بن [ أسامة (2) ] ابن أكيل العماليقى (3). ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها، فاستمر بها، وهى السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى، وقيل هذه (4) ثالثة، فولدت له اثنى عشر ولدا ذكرا. وقد سماهم محمد بن إسحق رحمه الله [ وهم (3) ] نابت، وقيذر وإزبل، وميشى، ومسمع، وماش، ودوصا، وأرر، ويطور، ونبش، وطيما، وقيذما. وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم. وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم، المتقدم ذكرهم. وكذبوا (5) في تأويلهم ذلك. وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها ; من قبائل جزهم والعماليق وأهل اليمن، صلوات الله وسلامه عليه. ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحق، وزوج ابنته " نسمة " من ابن أخيه " العيص (6) " بن إسحق، فولدت له الروم، ويقال لهم بنو الاصفر ; لصفرة كانت في العيص. وولدت له اليونان في أحد الاقوال. ومن ولد العيص الاشبان قيل منهما أيضا. وتوقف ابن جرير رحمه الله.


(1) ا: يا أبا سيل. (2) ليست في ا (3) ا: العملاقى. (4) ا: مرة ثالثة (5) أن تأويلهم. (6) ا: من هو العيص بن إسحق ابن أخيه (*)

[ 296 ]

ودفن [ نبى الله (1) ] إسماعيل نبى الله بالحجر مع أمه هاجر، وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة. وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: شكا إسماعيل عليه السلام إلى ربه عزوجل حر مكة، فأوحى الله إليه: إنى سأفتح لك بابا إلى الجنة إلى الموضع الذى تدفن فيه. يجرى عليك روحها إلى يوم القيامة. وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه: نابت، وقيذار.


(1) من ا. (*)

[ 297 ]

ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم بن الكريم عليهما الصلاة والتسليم (1) قد قدمنا أنه ولد ولابيه مائة سنة، بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة. وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين سنة. قال الله تعالى: " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ". وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز. وقدمنا في حديث أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ". وذكر أهل الكتاب أن إسحاق لما تزوج " رفقا " بنت بتواييل (2) في حياة أبيه، كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت عاقرا فدعا الله لها فحملت، فولدت غلامين توأمين: أولهما اسمه (3) " عيصو " وهو الذى تسميه العرب " العيص "، وهو والد الروم. والثانى خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه " يعقوب " وهو إسرائيل الذى ينتسب إليه بنو إسرائيل. قالوا: وكان إسحاق يحب عيصو أكثر من يعقوب ; لانه بكره. وكانت أمهما " رفقا " تحب يعقوب أكثر ; لانه الاصغر.


(1) ا: عليهما السلام (2) ا: ثوابل (3) ط: سموه (*)

[ 298 ]

قالوا: فلما كبر إسحاق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما، وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ; ليبارك عليه ويدعو له. وكان العيص صاحب صيد، فذهب يبتغى ذلك، فأمرت " رفقا " ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه، وينصع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه، ويأتى إليه به قبل أخيه ليدعو له، فقامت فألبسته ثياب أخيه، وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجلديين ; لان العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك. فلما جاء به وقربه إليه قال: من أنت ؟ قال: ولدك (1). فضمه إليه وجسه وجعل يقول: أما الصوت فصوت يعقوب، وأما الجس والثياب فالعيص. فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا، وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده، وأن يكثر رزقه وولده. فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه، فقال له: ماهذا يا بنى ؟ قال: [ هذا ] (2) الطعام الذى اشتهبته، فقال: أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك ؟ فقال: لا والله، وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك، فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا. وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما، وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى، وأن يجعل لذريته غيظ الارض، وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم. فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب، أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها " لابان (3) " الذى بأرض حران، وأن يكون


(1) ا: ولذلك (2) ليست في ا. (3) ا: الا بان. (*)

[ 299 ]

عنده إلى حين يسكن غضب أخيه، وأن يتزوج من بناته. وقالت لزوجها إسحاق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له، ففعل. فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم، فأدركه المساء في موضع فنام فيه، وأخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام، فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى لارض، وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون، والرب تبارك وتعالى خاطبه، ويقول له: إنى سأبارك عليك وأكثر ذريتك، وأجعل لك هذه الارض ولعقبك من بعدك. فلما هب من نومه فرح بما رأى، ونذر لله لئمن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا الموضع معبدا لله عزوجل وأن جميع ما يرزقه من شئ يكون لله عشره. ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهنا يتعرفه به، وسمى ذلك الموضع: " بيت إيل " أي بيت الله. وهو موضع بيت المقدس اليوم الذى بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي. قالوا: فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران، إذا له ابنتان: اسم الكبرى: " ليا " واسم الصغرى: " راحيل " وكانت أحسنهما وأجملهما، فأجابه (1) إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين. فلما مضت المدة على خاله " لابان " صنع طعاما وجمع الناس عليه، وزف إليه [ ليلا (2) ] ابنته الكبرى " ليا "، وكانت ضعيفة العينين


(1) كذا ولعل فيها سقطا: فطلب يعقوب من خاله أن يزوجه راحيل. (2) ليست في ا. (*)

[ 300 ]

قبيحة المنظر. فلما أصبح يعقوب إذا هي " ليا "، فقال لخاله: لم غدرت بى ؟ وأنت إنما خطبت إليك راحيل. فقال: إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى (1)، فإن أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وأزواجكها. فعمل سب سنين وأدخلها عليه مع أختها. وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة. وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لان فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته، لانه معصوم. ووهب " لابان " لكل واحدة من ابنتيه جارية ; فوهب لليا جارية اسمها: " زلفى "، ووهب لراحيل جارية اسمها: " بلهى ". وجبر الله تعالى ضعف " ليا " بأن وهب لها أولادا، فكان أول من ولدت ليعقوب، روبيل، ثم شمعون، ثم لاوى، ثم يهوذا. فغارت عند ذلك " راحيل " وكانت لا تحبل، فوهبت ليعقوب جاريتها " بلهى " فوطئها فحملت، وولدت له غلاما سمعته " دان "، وحملت وولدت غلاما آخر سمته " نيفتالى ". فعمدت عند ذلك " ليا " فوهبت جاريتها " زلفى " من يعقوب عليه السلام فولدت له: جاد وأشير، غلامين ذكرين ثم حملت " ليا " أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته " إيساخر " (2) ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته " زابلون ". ثم حملت وولدت بنتا سمتها " دينار " (2) فصار لها سبعة من يعقوب. ثم دعت الله تعالى " راحيل " وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب


(1) ا: على الكبرى. (2) ا: دنيا. (*)

[ 301 ]

فسمع الله نداءها وأجاب دعاءها، فحملت من نبى الله يعقوب، فولدت له غلاما عظيما شريفا حسنا جميلا سمته " يوسف ". كل هذا وهم مقيمون بأرض حران، وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى، فصار مدة مقامه عشرين سنة. فطلب يعقوب من خاله " لابان " أن يسرحه ليمر إلى أهله، فقال له خاله: إنى قد بورك لى بسببك فسلني من مالى ما شئت. فقال: تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع، (1) وكل حمل ملمع أبيض سواد، وكل أملح (2) ببياض، وكل أجلح (3) أبيض من المعز فقال: نعم. فعمد بنوه فأبرزوا من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس، لئلا يولد شئ من الحملان على هذه الصفات. وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم. قالوا: فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز ولب (4)، فكان يقشرها بلقا، وينصبها في مساقى الغنم من المياه، لتنظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها، فتصير ألوان حملانها كذلك. وهذا يكون من باب خوارق العادات، وينتظم في سلك المعجزات.


(1) الابقع: ما فيه سواد وبياض. (2) الاملح: ما يخالطه بياضه سواد (3) الاجلح: مالاقرن له (4) ا: ودلب. (*)

[ 302 ]

فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد، وتغير له وجه خاله وبنيه، وكأنهم انحصروا منه. وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه، ووعده بأن يكون معه، فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته، فتحمل بأهله وماله، وسرقت راحيل أصنام أبيها. فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم، لحقهم " لابان " وقومه، فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه، وهلا أعلمه (1) فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول، وحتى يودع بناته وأولادهن، ولم أخذوا أصنامه معهم ؟ ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه، فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما، فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش فلم يجد شيئا، وكانت راحيل قد جعلتهن في برذعة الجمل وهى (2) تحتها، فلم تقم، واعتذرت بأنها طامث. فلم يقدر عليهن. فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها " جلعاد " على أنه لا يهين بناته، ولا يتزوج عليهن، ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر، لا لابان ولا يعقوب، وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر. وتفارقوا راجعين إلى بلادهم. فلما اقترب يعقوب من أرض " ساعير " تلقته الملائكة يبشرونه


(1) ا: أعلهم. (2) ا: وهن. (*)

[ 303 ]

[ بالقدوم (1) ]. وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له. فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل. فخشى يعقوب من ذلك، ودعا الله عز وجل وصلى له، وتضرع إليه وتمسكن لديه، وناشده عهده ووعده الذى وعده به. وسألة أن يكف عنه شر أخيه العيص. وأعد لاخيه هدية عظيمة وهى: مائتا شاة، وعشرون تيسا [ ومائتا نعجة، وعشرون كبشا، وثلاثون لقحة (2)، وأربعون بقرة، وعشرة من الثيران (3) ] وعشرون أتانا وعشرة من الحمر. وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الاصناف وحده. وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة، فإذا لقيهم العيص فقال للاول لمن أنت ؟ ولمن هذه معك ؟ فليقل: لعبدك يعقوب، أهداها لسيدي العيص وليقل الذى بعده كذلك [ وكذلك الذى بعده (4) ] وكذا الذى بعده، ويقول كل منهم: وهو جاء بعدنا. وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الاحد عشر بعد الكل بليلتين، وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا. فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية، تبدى له ملك من الملائكة في صورة رجل، فظنه يعقوب رجلا من الناس، فأتاه [ يعقوب (3) ] ليصارعه ويغالبه، فظهر عليه يعقوب فيما يرى، إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب. فلما أضاء الفجر قال له الملك: ما اسمك ؟ قال: يعقوب. قال: لا ينبغى أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل. فقال له يعقوب: ومن أنت ؟ وما اسمك ؟ فذهب عنه. فعلم أنه ملك من


(1) ليست في ا (2) اللقحة: الناقة الحلوب. (3) سقطت من ا (4) من ا. (*)

[ 304 ]

الملائكة، وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله. فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء ! ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة راجل، فتقدم أمام أهله. فلما أرى أخاه العيص سجد له سبع مرات، وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان. وكان مشروعا لهم ; كما سجدت الملائكة لآدم تحية [ له (1) ] وكما سجد إخوة يوسف وأبواه له كما سيأتي. فلما رآه العيص تقدم إليه واحتضنه وقبله وبكى، ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال: من أين لك هؤلاء ؟ فقال: هؤلاء الذين وهب الله لعبدك، فدنت الامتان وبنوهما فسجدوا له. ودنت " ليا " وبنوها فسجدوا له. ودنت " راحيل " وابنها يوسف فخرا سجدا له. وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها. ورجع العيص فتقدم أمامه، ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشى والعبيد قاصدين جبال " ساعير ". فلما مر بساحور ابتنى له بيتا، ولدوا به ضلالا، ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل (2) القرية، واشترى مزرعة شخيم ابن جمور بمائة نعجة، فضرب هنالك فسطاطه، وابتنى ثم مذبحا فسماه " إيل " إله إسرائيل وأمره الله ببنائه ليستعلن له فيه. وهو بيت المقدس اليوم، الذى جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام: وهو مكان الصخرة التى علمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك، كما ذكرنا أولا.


(1) ليست في ا. (2) ا: قبلى القرية. (*)

[ 305 ]

وذكر أهل الكتاب هنا قصة " دينا " بنت يعقوب بنت " ليا " وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذى قهرها على نفسها، وأدخلها منزله ثم خطبها من أبيها وإخوتها، فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا، فإنا لا نصاحر قوما غلفا، فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم. فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان، مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم، وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم، مضافا إلى كفرهم، وما كانوا يعبدونه من أصنامهم، فلهذا قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة. ثم حملت راحيل فولدت غلاما هو " بنيامين " إلا أنها جهدت في طلقها [ به (1) ] جهدا [ شديدا (1) ] وماتت عقيبه، فدفنها يعقوب في " أفراث ". وهى بيت لحم، وصنع يعقوب على قبرها حجرا، وهى الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم. وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا. فمن ليا: روبيل، وشمعون، ولاوى، ويهودا، وإيساخر (2)، وزابلون. ومن راحيل: يوسف، وبنيامين. ومن أمة راحيل: دان، ونفتالى. ومن أمة ليا: جاد (3) وأشير، عليهم السلام. وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التى في أرض كنعان حيث كان يسكن إبراهيم. ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة: ودفنه ابناه: العيص ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التى اشتراها (4). كما قدمنا.


(1) ليست في ا (2) ا: وأشاخر (3) ا: حاذ (4) هذا الخبر الطويل عن يعقوب وأخيه، مروى عن أهل الكتاب، وليس في الاخبار الاسلامية تعرض له. (م 20 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 306 ]

ذكر ما وقع من الامور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك: قصة يوسف بن راحيل وقد أنزل الله عزوجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم، ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والامر الحكيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " بسم الله الرحمن الرحيم * الر * تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين ". قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة، فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم، وتكلمنا عليه هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير. ونحن نذكر هاهنا نبذا مما هناك على وجه الايجاز والنجاز. وجملة القول في هذا المقام: أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذى أنزله على عبده ورسوله الكريم، بلسان عربي فصيح، بين واضح جلى، يفهمه كل عاقل ذكى [ زكى. فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق (1) ] في أشرف زمان ومكان، بأفصح لغة وأظهر بيان.


(1) سقط من ا. (*)

[ 307 ]

فإن كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها، وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه، ودمغ الباطل وزيفه ورده. وإن كان في الاوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج، وأبين حكما (1) وأعدل حكما. فهو كما قال تعالى: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا (2) ". يعنى صدقا في الاخبار، وعدلا في الاوامر والنواهي. ولهذا قال تعالى: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين " أي بالنسبة إلى ما أوحى إليك فيه. كما قال تعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان، ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم * صراط الله الذى له ما في السموات وما في الارض، ألا إلى الله تصير الامور (3) ". وقال تعالى: " كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (4) ". يعنى من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله


(1) ا: حلما. (2) من الآية: 115 من سورة الانعام. (3) آخرو سورة الشورى (4) الآيات: 99 - 11 من سورة طه. (*)

[ 308 ]

هذا الوعيد. كما قال في الحديث المروى في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين على، مرفوعا وموقوفا: " من ابتغى (1) الهدى في غيره أضله الله " وقال الامام أحمد: حدثنا سريج (2) بن النعمان، حدثنا هشام، أنبأنا خالد عن الشعبى، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فغضب وقال: " أتتهوكون (3) فيها يابن الخطاب ؟ والذى نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذى نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ". إسناد صحيح. ورواه أحمد من وجه آخر عن عمر وفيه: " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذى نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظى من الامم وأنا حظكم من النبيين ". وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف. وفى بعضها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: " أيها الناس إنى قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لى اختصارا، وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون ". ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا.


(1) ا: اتبع. (2) ا: جريج. (3) تتهوكون: تتحيرون أو تتهورون. (*)

[ 309 ]

" إذ قال يوسف لابيه يا أبث إنى رأيت أحد عشر كوكبا. والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين * قال يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا، إن الشيطان للانسان عدو مبين * وكذلك يحتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث، يتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم " قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا [ ذكرا ] (1) وسميناهم، وإليهم تنسب أسباط بنى إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبى غيره، وباقى إخوته لم يوح إليهم. وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة (2) يدل على هذا القول. ومن استدل على نبوتهم بقوله: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط " وزعم أن هؤلاءهم الاسباط فليس استدلاله بقوى، لان المراد بالاسباط شعوب بنى إسرائيل وما كان يوجد فيهم من الانبياء الذين ينزل عليهم الوحى من السماء (3) والله أعلم. وما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة - أنه [ ما (3) ] نص على واحد من إخوته سواه، فدل على ما ذكرناه


(1) ليست في ا. (2) يريد الخبر المتقدم عن إسحق والعيص. (3) ليست في ا. (*)

[ 310 ]

ويستأنس لهذا بما قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ". انفرد به البخاري. فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة عن عبد الصمد ابن عبد الوارث به. وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هنا. ولله الحمد والمنة. قال المفسرون وغيرهم: رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم، كأن أحد عشر كوكبا، وهم إشارة إلى بقية إخوته، والشمس والقمر وهما عبارة عن أبويه، قد سجدوا له، فهاله ذلك. فلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها. فأمره يكتمانها وأن لا يقصها على إخوته ; كيلا (1) يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل [ والمكر ] (2). وهذا يدل على ما ذكرناه (3). ولهذا جاء في بعض الآثار: " استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كان ذى نعمة محسود ". وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معا. وهو غلط [ منهم ] (4).


(1) ا: لئلا. (2) ليست في ا. (3) يريد عدم نبوتهم (*)

[ 311 ]

" وكذلك يجتبيك ربك " أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة، فإذا كتمتها " يجتبيك ربك " أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة، ويعلمك من تأويل الاحاديث " أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك. ويتم نعمته عليك " أي بالوحى إليك " وعلى آل يعقوب " أي بسببك، ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة. " كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق " أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب، وجدك إسحق، ووالد جدك إبراهيم الخليل، " إن ربك عليم حكيم " كما قال تعالى: " الله أعلم حيث يجعل رسالته ". لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أكرم ؟ قال: " يوسف نبى الله ابن نبى الله ابن نبى الله ابن خليل الله ". وقد روى ابن جرير وابن أبى حاتم في تفسيريهما، وأبو يعلى والبزار في مسنديهما، من حديث الحكم بن ظهير - وقد ضعفه الائمة - عمن السدى عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التى رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها ؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشئ، ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها، قال: فبعث إليه رسول الله فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها ؟ " قال: نعم. فقال: هي جريان والطارق، والذيال، وذو الكتفان، وقابس، ووثاب، وعمودان (1) والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع. والضياء والنور ".


(1) ط: عمر دان. (*)

[ 312 ]

فقال اليهودي: [ إى (1) ] والله إنها لاسماؤها. وعند أبى يعلى: فلما قصها على أبيه قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله، والشمس أبوه والقمر أمه. * * * " لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفى ضلال مبين * اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم، وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف، وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ". ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم، والدلالات والمواعظ والبينات (2). ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولاخيه - يعنون شقيقه لامه بنيامين - أكثر منهم، وهم عصبة أي جماعة يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين " إن أبانا لفى ضلال مبين " أي بتقديمه حبهما علينا. ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع (3) منها، ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم، وأضمروا التوبة بعد (4) ذلك. فلما تمالاوا على ذلك وتوافقوا عليه " قال قائل منهم " قال مجاهد: هو شمعون، وقال السدى: هو يهوذا، وقال قتادة ومحمد بن إسحق: هو أكبرهم روبيل: " لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه


(1) ليست في ا. (2) ا: والبيان. (3) ا: لا مرجع فيها. (4) ا: على ذلك. (*)

[ 313 ]

بعض السيارة " أي المارة من المسافرين " إن كنتم فاعلين " ما تقولون لا محالة، فليكن هذا الذى أقول لكم، فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه. فأجمعوا رأيهم على هذا، فعند ذلك " قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له الناصحون * أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون * قال إنى ليحزني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ". طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم، وأن يلعب وينبسط، وقد أضمروا له ما الله به عليم. فأجابهم الشيخ، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم: يا بنى يشق على أن أفارقه ساعة من النهار، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه (1)، فيأتى الذئب فيأكله، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه ". " قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون " أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة، إنا إذا لخاسرون، أي عاجزون هالكون. وعند أهل الكتاب: أنه أرسله وراءهم يتبعهم، فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم. وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التغريب ; فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم، فكيف يبعثه وحده.


(1) ا: عليه. (*)

[ 314 ]

فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون * وجاءوا أباهم عشاء يبكون * قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين * وجاءوا على قميصه بدم كذب، قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل * والله المستعان على ما تصفون ". لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، فما كان إلا أن غابوا عن عينيه (1)، فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب، أي في قعره على راعوفته، وهى الصخرة التى تكون في وسطه يقف عليها المائح، وهو الذى ينزل ليملا الدلاء إذا قل الماء، والذى يرفعها بالحبل يسمى الماتح. فلما ألقوه فيه، أوحى الله إليه: أنه لابد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التى أنت فيها، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز، وهم محتاجون إليك خائفون منك، " وهم لا يشعرون ". قال مجاهد وقتادة: وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك. وعن ابن عباس: " وهم لا يشعرون " أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها رواه ابن جرير عنه. فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه، أخذوا قميصه فلطخوه بشئ من دم، ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون، أي على أخيهم. ولهذا قال بعض السلف: لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك ! وذكر بكاء إخوة


(1) ا: عينه (*)

[ 315 ]

يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون، أي في ظلمة الليل ; ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم. " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا " أي ثيابنا " فأكله الذئب " أي في غيبتنا عنه في استباقنا. وقولهم " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " أي وما أنت بمصدق لمنا في الذى أخبرناك من (1) أكل الذئب له، ولو كنا غير متهمين عندك. فكيف وأنت تتهمنا في هذا ؟ فإنك خشيت أن يأكله الذئب، وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله، فصرنا غير مصدقين عندك، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه. " وجاءوا على قميصه يدم كذب " أي مكذوب مفتعل ; لانهم عمدوا إلى سخلة (2) ذبحوها، فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه، ليوهموه أن أكله الذئب. قالوا: ونسوا أن يخرقوه، وآفة الكذب النسيان ! ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم ; فإنه كان يفهم عداوتم له، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم، لما كان يتوسم فيه من (3) الجلالة والمهابة التى كانت عليه في صغره، لما يريد الله أن يخصه به من نبوته. ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه، وغيبوه عن عينيه وجاءوا وهم يتباكون، وعلى ما تمالاوا يتواطاون. ولهذا " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل * والله المستعان على ما تصفون ".


(1) ا: في (2) السخلة: ولد الشاة (3) ا من المهابة والجلالة (*)

[ 316 ]

وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتكل القافلة. فلما جاء روبيل آخر النهار ليخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدى فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف، فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزرا أسود وحزن على ابنه أياما كثيرة. وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير. * * * " وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين * وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين " يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جليس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة، أي مسافرون. قال أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من (1) الفتسق والصنوبر والبطم (2) قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف. فلما رآه ذلك الرجل " قال يا بشرى " أي يا بشارتى " هذا غلام


(1) ط: في. (2) البطم: الحبة الخضراء. (*)

[ 317 ]

وأسروه بضاعة " أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم " والله عليم بما يعملون " أي هو عالم بما تمالا عليه إخوته، وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم. ومع هذا لا يغيره تعالى، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر ; بما (1) يجرى الله على يدى هذا الغلام الذى يدخلها في صورة أسير رقيق، ثم بعد هذا يملكه أزمة الامور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم، بما لا يحد ولا يوصف. ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوقهم، وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم بثمن بخس، أي قليل نزر، وقيل هو الزيف " دراهم معدودة وكانوا فيه من لزاهدين ". قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالى (2) والسدى وقتادة وعطية العوفى: باعوه بعشرين درهما، اقتسموها درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. وقال عكرمة ومحمد بن إسحق: أربعون درهما. والله أعلم. " وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه [ أي أحسنى إليه (3) ] " عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا "، وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له (4) ويعطيه من خيرى الدنيا والآخرة. قالوا: وكان الذى اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها،


(1) ا: فيما. (2) هو أبو زيد نوف بن فضاله البكالى. وهو ابن امرأة كعب الاحبار. تابعي. اللباب 1 / 137. (3) ليست في ا. (4) ا: لذلك. (*)

[ 318 ]

الذى الخزائن مسلمة إليه. قال ابن إسحق: واسمه إطفير ابن روحيب قال: وكان ملك مصر يومئذ الربان بن الوليد رجل من العماليق. قال: واسم امرأة العزيز: " راعيل " بنت رعاييل. وقال غيره: كان اسمها " زليخا " والظاهر أنه لقبها. وقيل " فكا " بنت ينوس (1)، رواه الثعلبي عن ابن هشام الرفاعي. وقال محمد بن إسحق، عن محمد بن السائب، عن أبى صالح، عن ابن عباس: كان اسم الذى باعه بمصر - يعنى الذى جلبه إليها - مالك ابن زعر بن نويب بن عفقا بن مديان بن إبراهيم. فالله أعلم. وقال ابن إسحق عن أبى عبيدة عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: " أكرمي مثواه "، والمرأة التى قالت لابيها عن موسى: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الامين "، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضى الله عنهما. ثم قيل: اشتراه العزيز بعشرين دينارا، وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا. فالله أعلم. وقوله: " وكذلك مكنا ليوسف في الارض " أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر " ولنعلمه من تأويل الاحاديث " أي فهمها، وتعبير الرؤيا من ذلك. " والله غالب على أمره " أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وأمورا لا يهتدى إليها العباد. ولهذا قال تعالى: " ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


(1) ا: بنت موسن. (*)

[ 319 ]

" ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين ". فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الاشد، وهو حد الاربعين الذى يوحى الله فيه إلى عباده النبيين، عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين وقد اختلفوا في مدة العمر الذى هو بلوغ الاشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبى: هو الحلم. وقال سعيد بن جبير: ثمانى عشرة سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدى: ثلاثون سنة. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى: " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ". * * * " وراودته التى هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الابواب وقالت هيت لك. قال معاذ الله، إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين * واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر، وألفيا سيدها لدى الباب، قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم * قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر، قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين "

[ 320 ]

يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه مالا يليق بحاله ومقامه، وهى في غاية الجمال والمال. والمنصب والشباب. وكيف غلقت الابواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها، وهى مع هذا كله امرأة الوزير. قال ابن إسحق: وبنت أخت [ الملك ] (1) الريان بن الوليد صاحب مصر. وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبى من سلالة الانبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فهو سيد السادة النجباء، السبعة الاتقياء، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الانبياء، في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الارض والسماء: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل معلق قبله بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امراة ذات منصب وجمال فقال إنى أخاف الله ". والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص، فقال: " معاذ الله إنه ربى " يعنى زوجها صاحب المنزل سيدى " أحسن مثواى " أي أحسن إلى وأكرم مقامي عنده " إنه لا يفلح الظالمون " وقد تكلمنا على قوله تعالى: " ولقد همت به وهم بها [ لولا أن رأى برهان ربه (1) ] بما فيه كفاية ومقنع في التفسير.


(1) ليست في ا. (*)

[ 321 ]

وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب، فالاعراض عنه أولى بنا. والذى يجب أن يعتقد: أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ". " واستبقا الباب " أي هرب منها طالبا الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره " وألفيا " أي وجدا " سيدها " أي زوجها لدى الباب، فبدرته بالكلام وحرضته عليه، " قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم " اتهمته وهى المتهمة، وبرأت عرضها ونزهت ساحتها. فلهذا قال يوسف عليه السلام: " هي راودتني عن نفسي "، احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة. " وشهد شاهد من أهلها ". قيل كان صغيرا في المهد. قاله ابن عباس وروى عن أبى هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك. واختاره ابن جرير، وروى فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس، ووقفه غيره عنه. وقيل كان رجلا قريبا إلى " قطفير " بعلها، وقيل قريبا إليها. وممن قال إنه كان رجلا: ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدى ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم. فقال: " إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين " أي لانه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه. " وإن كان (21 - قصص الانبياء 1)

[ 322 ]

قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين " [ أي ] (1) لانه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك، وكذلك كان. ولهذا قال تعالى: " فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم " أي هذا الذى جرى من مكركن، أنت (2) راودتيه عن نفسه، ثم اتهمتيه بالباطل. ثم أضرب بعلها [ عن هذا (3) ] صفحا فقال: " يوسف أعرض عن هذا " أي لا تذكره لاحد، لان كتمان مثل هذه الامور هو الاليق والاحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذى صدر منها، والتوبة إلى ربها، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه. وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الاصنام إلا أنهم يعلمون أن الذى يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك. ولهذا قال لها بعلها، وعذرها من بعض الوجوه ; لانها رأت ما لا صبر لها على مثله، إلا أنه عفيف نزيه (4) برئ العرض سليم الناحية فقال: " استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ". * * * " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا، إنا لنراها في ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكا، وآتت كل واحدة منهن سكينا، وقالت اخرج


(1) ليست في ا (2) ا: أنت الذى. (3) ليست في ا (4) ا: نزه. (*)

[ 323 ]

عليهن، فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، وقلن حاش لله ما هذا بشرا، إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذى لمتننى فيه، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين * قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ". يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الامراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا ; لانه مولى من الموالى وليس مثله أهلا لهذا. ولهذا قلن: " إنا لنراها في ضلال مبين " أي في وضعها الشئ في غير محله. " فلما سمعت بمكرهن " أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها، والاشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها، فأظهرن ذما وهى معذورة في نفس الامر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل مالديهن. فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها، واعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين، كالاترج ونحوه، وآتت كل واحدة منهن سكينا، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام، وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب (1) وأمرته بالخروج عليهن بهذه (2) الحالة، فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.


(1) ا: وكان في غاية طرازة الشباب. (2) ا: في هذه. (*)

[ 324 ]

" فلما رأينه أكبرنه " أي أعظمنه وأجللنه وهبنه، وما ظنن أن يكون مثلا هذا في بنى آدم، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح، وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم. وقد جاء في حديث الاسراء: فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن ". قال السهيلي وغيره من الائمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، لان الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، فكان في غاية نهايات الحسن البشرى. ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه. ويوسف كان على النصف من حسن آدم. ولم يكن بينهما أحسن منهما ; كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل عليه السلام. قال ابن مسعود: وكان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه. وقال غيره: كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس. ولهذا لما قام عذرن (1) امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهن ما جرى ; من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته. " قالت فذلكن الذى لمتننى فيه " ثم مدحته بالعفة (2) التامة فقالت: " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " أي امتنع " ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ". (1) ط: عذر. (2) ط: بالعصمة. (*)

[ 325 ]

وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشد الاباء، ونأى لانه من سلالة الانبياء، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين: " رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين " يعنى إن وكلتني إلى نفسي، فليس لى من نفسي إلا العجز والضعف، ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله. فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني، وحطتنى بحولك وقوتك. ولهذا قال تعالى: " فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم * ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين * ودخل معه السجن فتيان ; قال أحدهما إنى أرانى أعصر خمرا، وقال الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربى، إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون * يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله، أمر ان لا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعملون * يا صاحبي السجن: أما أحدكما فيسقى ربه خمرا، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذى فيه تستفتيان ".

[ 326 ]

يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم، أي ظهر لهم من الرأى (1) بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ; ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية، وأحمد لامرها، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها، فسجنوه ظلما وعدوانا. وكان هذا مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به ; فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم. ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي: أن من العصمة أن لا تجد !. قال الله: " ودخل معه السجن فتيان ": قيل: كان أحدهما ساقى الملك واسمه فيما قيل " نبوا " والآخر خبازه، يعنى الذى يلى طعامه، وهو الذى يقول له الترك: " الجاشنكير " واسمه فيما قيل " مجلث " وكان الملك قد اتهمهما قى بعض الامور فسجنهما. فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته (2) وهديه، ودله وطريقته، قوله وفعله، وكثرة عبادته ربه، وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد مهما رؤيا تناسبه. قال أهل التفسير: رأيا في ليلة واحدة. أما الساقى فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة (3) وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب، فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه. ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز، وضوارى الطيور تأكل (4) من السل الاعلى.


(1) ا: المرائى. (2) ا: سيمته. (3) الحبلة: الكرمة. (4) ا: تأخذ. (*)

[ 327 ]

فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا: " إنا نراك من المحسنين " فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها، " وقال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ". قيل: معناه مهما رأيتما من حلم فإنى أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول. وقيل: معناه أنى أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا وحامضا، كما قال عيسى: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ". وقال لهما: إن هذا من تعليم الله إياى، لانى مؤمن به موحد له، متبع ملة آبائى الكرام: إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب. " ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ، ذلك من فضل الله علينا " أي بأن هدانا لهذا، " وعلى الناس " أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه. وهو في فطرهم مركوز، وفى جبلتهم مغروز " ولكن أكثر الناس لا يشكرون ". ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل، وصغر أمر الاوثان وحقرها، وضعف أمرها فقال: " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتوها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا الله " [ أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد، الذى يهدى من يشاء ويضل من يشاء (1) ] " أمر أن لا تعبدوا إلا إياه " [ أي وحده لا شريك له (1) ] و " ذلك الدين القيم " أي المستقيم والصراط القويم " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره.


(1) سقطت من ا. (*)

[ 328 ]

وكانت دعوته لهما في هذا الحال في غاية الكمال ; لان نفوسهما معظمة له، منبعثة على تلقى ما يقول بالقبول، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الانفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه. ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال: " يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا " [ قالوا وهو الساقى (1) ] " وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه " [ قالوا وهو الخباز (1) ] " قضى الامر الذى فيه تستفتيان " أي وقع هذا لا محالة، ووجب كونه على كل حالة. ولهذا جاء في الحديث: " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر (2) ; فإذا عبرت وقعت ". [ وقد روى عن ابن مسعود ومجاهد و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا: لما نر شيئا فقال لهما: " قضى الامر الذى فيه تستفتيان (3) " ] " وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ". يخبر تعالى أن يوسف قال للذى ظنه ناجيا منهما وهو الساقى: " اذكرني عند ربك "، يعنى اذكر أمرى وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك. وفى هذا دليل على جواز السعي (4) في الاسباب، ولا ينافى ذلك التوكل على رب الارباب. وقوله: " فأنساه الشيطان ذكر ربه " أي فأنسى الناجى منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام. قاله مجاهد ومحمد بن


(1) سقطت من ا. (2) ا: ما لم تقص. (3) سقطت من المطبوعة. (4) ا: الساعي. (*)

[ 329 ]

إسحق وغير واحد. وهو الصواب، وهو منصوص أهل الكتاب. " فلبث " يوسف " في السجن بضع سنين ". والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل إلى السبع، وقيل إلى الخمس، وقيل ما دون العشرة حكاها الثعلبي. ويقال بضع نشوة وبضعة رجال. ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر. قال: وإنما يقال نيف وقال الله تعالى: " فلبث في السجن بضع سنين " [ وقال تعالى: " في بضع سنين (1) " ]. وهذا رد لقوله. قال الفراء: ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، وبضع وألف. وخالف الجوهرى فيما زاد على بضعة عشر، فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين. وفى الصحيح: " الايمان بضع وستون شعبة، وفى رواية وسبعون شعبة، وأعلاها (2) قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق ". ومن قال إن الصمير في قوله: " فأنساه الشيطان ذكر ربه " عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله، وإن كان قد روى عن ابن عباس وعكرمة. والحديث الذى رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه. تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخورى المكى وهو متروك. ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل، ولا هاهنا بطريق الاولى والاحرى. والله أعلم. فأما قول ابن حبان في صحيحه، عند ذكر السبب الذى من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث: أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحى، [ حدثنا


(1) ليست في ا. (2) ا أرفعها. (*)

[ 330 ]

مسدد بن مسرهد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله يوسف لولا الكلمة التى قالها " اذكرني عند ربك " ما لبث في السجن ما لبث، ورحم الله لوطا إن كان ليأوى إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: " لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد "، قال: فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه ". فإنه حديث منكر من هذا الوجه. ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة. وهذه اللفظة من أنكرها [ وأشدها (1) ] والذى في الصحيحين يشهد بغلطها. والله أعلم. * * * " وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين * وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة، أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون. يوسف أيها الصديق، أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يا بسات، لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون * قال تزرعون سبع سنين دأبا، فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون * ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. "


(1) ليست في ا. (*)

[ 331 ]

هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والاكرام، وذلك أن ملك مصر، وهو الريان بن الوليد (1) ابن ثروان بن أراشة بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى هذه الرؤيا. قال أهل الكتاب: رأى كأنه على حافة نهر، وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان، فجعلن يرتعن في روضة هناك، فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعن معهن ثم ملن عليهن فأكلتهن، فاستيقظ مذعورا. ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذا سبع أخر دقاق يا بسات فأكلنهن، فاستيقظ مذعورا. فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها، بل " قالوا أضغاث أحلام " أي أخلاط أحلام من الليل، لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك. ولهذا قالوا: " وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين " فعند ذلك تذكر الناجى منهما، الذى وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا، وذلك عن تقدير الله عزوجل وله الحكمة في ذلك. فلما سمع رؤيا الملك، ورأى عجز، الناس عن تعبيرها، تذكر أمر يوسف، وما كان أوصاه به من التذكار. ولهذا قال تعالى: " وقال الذى نجا منهما وادكر " أي تذكر " بعد أمة " أي بعد مدة من الزمان، وهو بضع سنين. وقرأ بعضهم


(1) هذه الاسماء والانساب ليست ثابتة ولا مدعمة من التاريخ، وقد كانوا يتكلفون معرفتها. وما كان أغناهم. (*)

[ 332 ]

كما حكى عن ابن عباس وعكرمة والضحاك: " وادكر بعد أمه " أي بعد نسيان. وقرأها مجاهد: " بعد أمه " باسكان الميم " وهو النسيان أيضا. يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها، إذا نسى. قال الشاعر. أمهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يررى بالعقول فقال لقومه وللملك: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون " أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال: " يوسف أيها الصديق، أفتنا في سبع بقرات سمان، يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر، أخر يابسات. لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ". وعند أهل الكتاب: أن الملك لما ذكره له الساقى، استدعاه إلى حضرته، وقص عليه ما رآه ففسره له. وهذا غلط. والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ماعربه هؤلاء الجهلة الثيران ; من فرى وهذيان (1). فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط، ولا طلب الخروج سريعا ; بل أجابهم إلى ما سألوا، وعبر لهم ما كان من منام الملك، الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب " ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس " يعنى يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية " وفيه يعصرون " يعنى ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والاعناب والزيتون والسمسم وغيرها. فعبر لهم وعلى الخير دلهم، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتى خصبهم وجدبهم، وما يفعلونه من ادخار حبوب سنى الخصب في (2) السبع الاول


(1) الاصل: وريان. محرفة. (2) ا: من. (*)

[ 333 ]

في سنبله، إلا ما يرصد بسبب الاكل، ومن تقليل البذر في سنى الجدب في السبع الثانية، إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرى والفهم. * * * " وقال الملك ائتونى به، فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن، إن ربى بكيدهن عليم * قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ؟ قلن حاش الله ما علمنا عليه من سوء، قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين * ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدى كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي، إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن رب غفور رحيم ". لما أحاط الملك علما بكمال [ علم (1) ] يوسف عليه الصلاة والسلام، وتمام عقله، ورأيه السديد وفهمه، أمر بإحضاره إلى حضرته ; ليكون من جملة خاصته. فلما جاءه الرسول بذلك، أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا، وأنه برئ الساحة مما نسبوه إليه بهتانا. " قال ارجع إلى ربك " يعنى الملك " فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيهديهن، إنى ربى بكيدهن عليم " قيل معناه: إن سيدى العزيز يعلم برأتي مما نسب إلى ; أي فمر الملك فليسألهن: كيف [ كان (1) ] امتناعي الشديد عند مراودتهن إياى ؟ وحثهن لى على الامر الذى ليس برشيد ولا سديد ؟


(1) ليست في ا. (*)

[ 334 ]

فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الامر، وما كان منه من الامر الحميد و " قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ". فعند ذلك " قالت امرأة العزيز " وهى زليخا: " الآن حصحص الحق " أي ظهر وتبين ووضح، والحق احق أن يتبع. " أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " أي فيما يقوله ; ومن أنه برئ وأنه لم يراودني، وأنه حبس ظلما وعدوانا، وزورا وبهتانا. وقوله: " ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين " قيل إنه من كلام يوسف، أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أنى لم أخنه بظهر الغيب. وقيل إنه من تمام كلام زليخا، أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أنى لم أخنه في نفس الامر، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة. وهذا القول هو الذى نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم. ولم يحك ابن جرير وابن أبى حاتم سوى الاول. " وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم إن ربى غفور رحيم " ; قيل إنه من كلام يوسف، وقيل من كلام زليخا، وهو مفرع على القولين [ الاولين (1) ] وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى. والله أعلم. * * * " وقال الملك ائتونى به استخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم


ليست في ا. (*)

[ 335 ]

لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الارض إنى حفيظ عليم * وكذلك مكنا ليوسف في الارض، يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء، ولا نضيع أجر المحسنين * ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ". لما ظهر للملك براءة عرضه، ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه، " قال ائتونى به أستخلصه لنفسي " أي أجعله من خاصتي، ومن أكابر دولتي، ومن أعيان حاشيتي، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله " قال إنك اليوم لدينا مكين أمين " أي ذو مكانة وأمانة. قال اجعلني على خزائن الارض إنى حفيظ عليم " طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء (1)، لما يتوقع من حصول الخلل فيها (2) بعد مضى سبع سنى الخصب، لينظر فيها بما يرضى الله في خلقه، من الاحتياط لهم والرفق بهم، وأخبر الملك أنه حفيظ، أي قوى على حفظ ما لديه، أمين عليه، عليم بضبط الاشياء ومصالح الاهراء. وفى هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الامانة والكفاءة. وعند أهل الكتاب: أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا، وسلطه على جميع أرض مصر، وألبسه خاتمه، وألبسه الحرير وطوقع الذهب وحمله على مركبه الثاني، ونودى بين يديه: أنت رب ومسلط، وقال له: لست أعظم منك إلا بالكرسي. قالوا: وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة، وزوجه امرأة عظيمة


(1) الاهراء: خزائن الطعام. (2) ط: فيما بعد. (*)

[ 336 ]

الشأن. وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته (1) وولاها يوسف. وقيل إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء، لان زوجها كان لا يأتي النساء، فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما: أفرايم (1) ومنسا. قال: واستوثق ليوسف ملك مصر، وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء. وحكى أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة، وأن الملك خاطبه بسبعين لغة، وفى كل (2) ذلك يجاوبه بكل لغة منها، فأعجبه ذلك مع حداثة سنه. فالله أعلم. قال الله تعالى: " وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء " أي بعد السجن والضيق والحصر، صار مطلق الركاب بديار مصر، " يتبوأ منها حيث يشاء " أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما. " نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين " [ من أي (3) ] هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن، مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل. ولهذا قال ": ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ". ويقال إن قطفير زوج زليخا كان قد مات، فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا، فكان وزير صدق.


(1) ا: أفريثم. (2) ا: وكل. (3) من: ا (*)

[ 337 ]

وذكر محمد ابن إسحق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدى يوسف عليه السلام. فالله أعلم. وقد قال بعضهم: وراء مضيق الخوف متسع الامن * وأول مفروح به غاية الحزن (1) فلا تيأسن، فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن * * * " وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون * ولما جهزهم بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم، الا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين * فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون * قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون * وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ". يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون طعاما، وذلك بعد إتيان سنى الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد. وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه ; لانهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون. وعند أهل الكتاب: انهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم، وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول، وقال: أنتم جواسيس، جئتم [ لنا ] (2)


(1) ا: آخر الحزن. (2) من ا. (م 22 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 338 ]

لتأخذوا خير بلادي. فقالوا: معاذ الله ; إنما جئنا نمتار (1) لقومنا من الجهد والجوع الذى أصابنا، ونحن بنوأب واحد من كنعان، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد، وصغيرنا عند أبينا. فقال لابد أن أستعلم أمركم. وعندهم: أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، واحتبس شمعون عنده ليأتوه بالاخ الآخر. وفى بعض هذا نظر. قال الله تعالى: " فلما جهزهم بجهازهم " أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته ; من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه " قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم "، وكان قد سألهم عند حالهم، وكم هم ؟ فقالوا: كنا اثنى عشر رجلا، فذهب منا واحد وبقى شقيقه عند أبينا. فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم. " ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين ؟ " أي قد أحسنت نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه [ به (2) ] ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال (3) " فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون " أي فلست أعطيكم ميرة، ولا أقربكم بالكلية، عكس ما أسدى إليهم أولا. فاجتهد (4) في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب. " قالوا سنراود عنه أباه " أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن. " وإنا لفاعلون " أي وإنا لقادرون على تحصيله. ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهى ما جاءوا به يتعوضون به


(1) ا: لنتمار. (2) ليست في ا. (3) ا: قال. (4) ا: فاجتهدوا. (*)

[ 339 ]

عن الميرة، في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها " لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ". قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم، وقيل خشى أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة. وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها. وعند أهل الكتاب: أنها كانت صررا من ورق، وهو أشبه. والله أعلم. * * * " فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون * قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ؟ فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين * ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، قالوا يا أبانا ما نبغى ؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا، ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير * قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم، فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل * وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغنى عنكم من الله من شئ، إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، وإنه لذو علم لما علمناه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ". يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم [ إلى أبيهم ] (1)


(1) ليست في ا. (*)

[ 340 ]

وقولهم له: " منع منا الكيل " [ أي بعد عامنا هذا (1) ] إن لم ترسل معنا (2) أخانا، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا. " ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغى ؟ " أي شئ نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا ؟ " ونمير أهلنا " أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم، " ونحفظ أخانا ونزداد " بسببه " كيل بعير ". قال الله تعالى: " ذلك كيل يسير " أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر. وكان يعقوب عليه السلام أضن شئ بولده بنيامين ; لانه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه، ويتعوض بسببه منه. فلهذا قال: " لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم " أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به. " فلما آتوه موثقهم، قال الله على ما نقول وكيل ". أكد المواثيق وقرر العهود، واحتاط لنفسه في ولده، ولن يغنى حذر من قدر ! ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة، لما بعث الولد العزيز، ولكن الاقدار لها أحكام، والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد، ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم. ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. قيل: أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين، وذلك لانهم كانوا


(1) ليست في ا (2) ا: فأرسل معنا أخانا. (*)

[ 341 ]

أشكالا حسنة وصورا بديعة. قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدى والضحاك. وقيل: أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي. والاول أظهر. ولهذا قال: " وما أغنى عنكم من الله من شئ ". وقال تعالى: " ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شئ، إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ". وعند أهل الكتاب: أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل، وأخذوا الداراهم الاولى وعرضا (1) آخر. " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه، قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون * فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ؟ * قالوا نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم * قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين * قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ؟ قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، كذلك نجزى الظالمين * فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ثم استخرجها من وعاء أخيه، كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذى علم عليم *


(1) ا: وعوضوا آخر. (*)

[ 342 ]

قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون * قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، إنا إذا لظالمون ". يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف، وإيوائه إليه، وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم. وسلاه عما كان منهم من الاساءة إليه. ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم، فأمر فتيانه بوضع سقايته، وهى التى كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام، عن غرة (1) في متاع بنيامين، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده، حمل بعير، وضمنه المنادى لهم. فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم: " قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين " يقولون: أنتم تعلمون [ منا ] (2) خلاف ما رميتمونا به من السرقة. " قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى الظالمين " [ وهذه كانت شريعتهم: أن السارق يدفع إلى المسروق منه. ولهذا قالوا: " كذلك نجزى الظالمين " (2) ]. قال الله تعالى: " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه " ليكون [ ذلك (2) ] أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة، [ ثم (2) قال


(1) ا: عن غرته. (2) ليست في ا. (*)

[ 343 ]

الله تعالى: " كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك " أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر، " إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء " أي في العلم " وفوق كل ذى علم عليم ". وذلك لان يوسف كان أعلم منهم، وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك ; لانه يترتب على هذا الامر مصلحة عظيمة بعد ذلك: من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه. فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين " قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " يعنون يوسف. قيل كان قد سرق صنم جده أبى أمه فكسره. وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لاسحق، ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لايشعر بما صنعت، وانما أرادت أن يكون عندها وفى حضانتها لمحبتها له. وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء. وقيل غير ذلك. فلهذا: " قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه " وهى كلمته بعدها، وقوله: " أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون " أجابهم سرا لا جهرا، حلما وكرما وصفحا وعفوا، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا: " يا أيها العزيز إن له أبا شيخ كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، إنا إذا لظالمون " أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرئ، وهذا مالا نفعله ولا نسمح به، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.

[ 344 ]

وعند أهل الكتاب: أن يوسف تعرف إليهم حينئذ. وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جيدا (1). " فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا، قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله، ومن قبل ما فرطتم في يوسف، فلن أبرح الارض حتى يأذن لى أبى، أو يحكم الله لى وهو خير الحاكمين * ارجعوا إلى ابيكم فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق، وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التى كنا فيها، والعير التى أقبلنا فيها، وإنا لصادقون * قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل ; عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم * وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين * قال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون * يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ". يقول تعالى مخبرا عنهم لما استيأسوا من أخذه منه: خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم وهو روبيل: " ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله "، لتأتينى به إلا أن يحاط بكم ؟ لقد أخلفتم عهده، وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبق لى وجه أقابله به " فلن أبرح الارض " أي لا أزال مقيما هاهنا " حتى يأذن لى


(1) ا: جدا. (2) ا: معهم. (*)

[ 345 ]

أبى " في القدوم عليه ؟ " أو يحكم الله لى " بأن يقدرني على رد أخى إلى أبى، " وهو خير الحاكمين ". " ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق " أي أخبروه بما رأيتم من الامر في ظاهر المشاهدة " وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها "، أي فإن هذا الذى أخبرناك [ به ] (1) - من أخذهم أخانا لانه سرق - أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التى كنا نحن وهم هناك، " وإنا لصادقون " " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل " أي ليس الامر كما ذكرتم، لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا خلقه. وإنما " سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل ". قال ابن إسحق وغيره: لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم (2) في يوسف قال لهم ما قال. وهذا كما قال بعض السلف: إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ! ثم قال: " عسى الله أن يأتيني بهم جميعا " يعنى يوسف وبنيامين وروبيل، " إنه هو العليم " أي بحالى وما أنا فيه من فراق الاحبة " الحكيم " فيما يقدره ويفعله، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة. " وتولى عنهم " أي أعرض عن بنيه " وقال يا أسفى على يوسف " ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم، وحرك ما كان كامنا، كما قال بعضهم:


(1) ليست في ا. (2) ا: صنعهم. (*)

[ 346 ]

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الاول وقال آخر: لقد لامنى عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك (1) فقال: أتبكى كل قبر رأيته ؟ * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (2) فقلت له: إن الاسى يبعث الاسى * فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله: " وابيضت عيناه من الحزن " أي من كثرة البكاء. " فهو كظيم " أي مكظم (3) من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف. فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق " قالوا " له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه " تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ". يقولون: لا تزال تتذكره (4) حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك. " قال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون " يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه، إنما أشكوه إلى الله عز وجل، وأعلم أن الله سيجعل لى مما أنا فيه فرجا ومخرجا، وأعلم أن رؤيا يوسف لابد أن تقع، ولابد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى. ولهذا قال: " وأعلم من الله مالا تعلمون "


(1) السوافك: المذروفة المنصبة. (2) اللوى: ما التوى من الرمل. والدكادك: ما استوى منه وتلبد. (3) ا: مكمد. (4) ا: تذكره. (*)

[ 347 ]

ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه، وأن يبحثوا عن أمرهما: " يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه، وما يقدره من المخرج في المضايق، إلا القوم الكافرون. * * * " فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، إن الله يجزى المتصدقين * قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا أئنك لانت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخى، قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين * قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين * اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا، وأتوني بأهلكم أجمعين ". يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه، ورغبتهم فيما لديه من الميرة، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم: " فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر " أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، " وجئنا ببضاعة مزجاة " أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن تتجاوز عنا. قيل كانت دراهم رديئة، وقيل قليلة، وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك. وعن ابن عباس: كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك.

[ 348 ]

" فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين ". قيل بقبولها، قاله السدى. وقيل برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج. وقال سفيان بن عيينة: إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم [ ونزع (1) ] بهذه الآية. رواه ابن جرير. فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال، تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلا لهم عن أمر ربه وربهم، وقد حسر لهم عن جبينه الشريف، وما يحويه من الحال الذى يعرفون فيه: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ". " قالوا " وتجبوا كل العجب، وقد ترددوا إليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو: " أئنك لانت يوسف ؟ ". " قال أنا يوسف وهذا أخى ". يعنى أنا يوسف الذى صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم. وقوله: " وهذا أخى " تأكيد لما قال، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال. ولهذا قال: " قد من الله علينا " أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا، وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا، وصبرنا على ماكان منكم إلينا، وطاعتنا وبرنا لابينا، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا. " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ".


(1) سقطت من ا. (*)

[ 349 ]

" قالوا تالله لقد آثرك الله علينا " أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا، " وإن كنا لخاطئين " أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك. " قال لاتثريب عليكم اليوم " أي لست أعاتبكم (1) على ماكان منكم بعد يومكم هذا. ثم زادهم على ذلك فقال: " يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " ومن زعم أن الوقف على قوله " لاتثريب عليكم " وابتدأ بقوله: " اليوم يغفر الله لكم " فقوله ضعيف والصحيح الاول. ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه، وهو الذى يلى جسده، فيضعوه على عينى أبيه، فإنه يرجع إليه بصره بعد ماكان ذهب، بإذن الله. وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات. ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر، إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة، على أكمل الوجوه وأعلى الامور. " فلما فصلت العير قال أبوهم إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون * قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم * فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا، قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون * قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم ". قال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبى سنان، عن عبد الله بن أبى الهذيل، سمعت ابن عباس يقول: " فلما فصلت العير " قال: لما


(1) ط: أعاقبكم. (*)

[ 350 ]

خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال: " إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون ". قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة (1) أيام. وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبى سنان (2) به. وقال الحسن البصري وابن جريج المكى: كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخا، وكان له (3) منذ فارقه ثمانون سنة. وقوله: " لولا أن تفندون " أي تقولون إنما قلت هذا من الفند، وهو الخرف (4) وكبر السن. قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: " تفندون " تسفهون. وقال مجاهد أيضا والحسن: تهرمون. " قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم " قال قتادة والسدى: قالوا له كلمة غليظة. قال الله تعالى: " فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا " أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ماكان ضريرا. وقال لبنيه عند (5) ذلك: " ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون " أي أعلم أن الله سيجمع شملى بيوسف، وستقر عينى به، وسيرينى فيه ومنه ما يسرني. فعند ذلك " قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ".


(1) ط: ثمانية أيام. (2) ا: عن أبى سعيد (3) ا: وكان له عنه. (4) ا: وهو الحزن. (5) ا: بعد ذلك. (*)

[ 351 ]

طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عزوجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه، وما كانوا عزموا عليه، ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل، وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم. فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا، وما عليه عولوا قائلا: " سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم ". قال ابن مسعود وإبراهيم التيمى وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر. قال ابن جرير: حدثنى أبو السائب، حدثنا ابن إدريس [ قال (1) ]: سمعت عبد الرحمن بن إسحق يذكر عن محارب ابن دثار قال: كان عمر (2) يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول: " اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لى " قال: فاستمع إلى الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: " سوف أستغفر لكم ربى ". وقد قال الله تعالى: " والمستغفرين بالاسحار ". وثبت في الصحيحين (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ ". وقد ورد في حديث: " أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة ". قال ابن جرير: حدثنى المثنى ; قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب (4) الدمشقي، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة


(1) سقطت من ا (2) المطبوعة: كان عم لى. وهو تحريف (3) ط: في الصحيح. (4) ا: ابن أيوب. (*)

[ 352 ]

عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سوف أستغفر لكم ربى " يقول: " حتى ليلة الجمعة، وهو قول أخى يعقوب لبنيه ". وهذا غريب من هذا الوجه، وفى رفعه نظر. والاشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضى الله عنهما. * * * " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين * ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا، وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ; قد جعلها ربى حقا، وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن، وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى، إن ربى لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم * رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث، فاطر السموات والارض أنت وليى في الدنيا والآخرة، توفنى مسلما وألحقني بالصالحين ". هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة، التى قيل إنها ثمانون سنة ! وقيل ثلاث وثمانون سنة، وهما روايتان عن الحسن وقيل خمس وثلاثون سنة. قاله قتادة. وقال محمد بن إسحاق: ذكروا أنه غاب عنه ثمانى عشرة سنة. قال: وأهل الكتاب يزعمون (1) أنه غاب عنه أربعين سنة. وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريبا ; فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة، فيما قاله غير واحد، فامتنع. فكان


(1) ا: يدعون. (*)

[ 353 ]

في السجن بضع سنين ; وهى سبع عند عكرمة وغيره. ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع، ثم [ لما (1) ] أمحل الناس في السبع البواقى، جاء إخوته يمتارون في السنة الاولى وحدهم، وفى الثانية ومعهم أخوه (2) [ بنيامين (3) ] وفى الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين، فجاءوا كلهم. " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه " واجتمع بهما خصوصا وحدهما دون إخوته، " وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ". قيل هذا من المقدم والمؤخر ; تقديره [ قال (3) ]: ادخلوا، مصر وآوى إليه أبويه. وضعفه ابن جرير وهو معذور. وقيل [ بل (3) ] تلقاهما وآواهما في منزل الخيام، ثم لما اقتربوا من باب مصر " قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين "، قاله السدى ولو قيل إن الامر لا يحتاج إلى هذا أيضا، وإنه ضمن قوله ادخلوا، بمعنى اسكنوا مصر، أو أقيموا بها، " إن شاء الله آمنين " لكان صحيحا مليحا أيضا. وعند أهل الكتاب: أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر - وهى أرض بلبيس - خرج يوسف لتلقيه، وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه، وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر ; يكونون فيها، ويقيمون بها بن عمهم ومواشيهم. و [ قد (4) ] ذكر جماعة من المفسرين: أنه لما أزف قدوم نبى الله يعقوب - وهو إسرائيل - [ أراد يوسف (4) ] أن يخرج لتلقيه، فركب معه الملك وجنوده ; خدمة ليوسف


(1) سقطت من ا. (2) ا: أخوهم. (3) من ا. (4) سقطت من ا. (23 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 354 ]

وتعظيما لنبى الله " إسرائيل " وأنه دعا للملك، وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سنى الجدب ببركة قدومه إليهم. فالله أعلم. وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم - فيما قاله أبو إسحاق السبيعى عن أبى عبيدة عن ابن مسعود - ثلاثة وستين إنسانا. وقال موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد: كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا. وقال أبو إسحاق عن مسروق: دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنسانا. قالوا: وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل وفى نص (1) أهل الكتاب: أنهم كانوا سبعين نفسنا وسموهم. * * * قال الله تعالى: " ورفع أبوبه على العرش " قيل: كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة. وقال بعض المفسرين: أحياها الله تعالى. وقال آخرون: بل كانت خالته " ليا " والخالة بمنزلة الام. وقال ابن جرير وآخرون: بل ظاهر القرآن يقتضى بقاء حياة أمه إلى يومئذ، فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه. وهذا قوى والله أعلم. ورفعهما على العرش، أي أجلسهما [ معه (2) ] على سريره، " وخروا له سجدا " أي سجد له الابوان والاخوة الاحد عشر، تعظيما وتكريما. وكان هذا مشروعا لهم، ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا.


(1) ا: ونص أهل الكتاب. (2) ليست في ا (*)

[ 355 ]

" وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل " أي هذا تعبير ماكنت قصصته عليك: من رؤيتي الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر، حين رأيتهم لى ساجدين، وأمرتني بكتمانها، ووعدتني [ ما وعدتني (1) ] عند ذلك " قد جعلها ربى حقا، وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن " أي بعد الهم والضيق، جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت. " وجاء بكم من البدو " أي البادية. وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخيل " من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى " أي فيما كان منهم إلى من الامر الذى تقدم وسبق ذكره. ثم قال: " إن ربى لطيف لما يشاء " أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه، ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدى إليها العباد، بل يقدرها ويبسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته. " إنه هو العليم " أي بجميع الامور " الحكيم " في خلقه وشرعه وقدره. وعند أهل الكتاب: أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذى كان تحت يده، بأموالهم كلها ; من الذهب والفضة، والعقار والاثاث، وما يملكونه كله، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء. ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا، ويكون خمس ما يستغلون من زروعهم (2) وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده. وحكى الثعلبي: أنه كان لا يشبع في تلك السنين، حتى لا ينسى الجيعان، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار. قال: فمن ثم اقتدى به


(1) ليست في ا (2) ط: زرعهم. (*)

[ 356 ]

الملوك في ذلك. قلت: و [ قد (1) ] كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب وأتى الخصب. قال الشافعي: قال رجل من الاعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة: لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة ! * * * ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت، وشمله قد اجتمع، عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار، وأن كل شئ فيها ومن عليها فان، وما بعد التمام إلا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأل منه - وهو خير المسئولين - أن يتوفاه، أي حين يتوفاه على الاسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: " اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين " أي حين تتوفانا. ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره [ عليه السلام، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره (2) ] أن يرفع روحه إلى الملا الاعلى والرفقاء الصالحين (3) من النبيين والمرسليمن، كما قال: اللهم في الرفيق الاعلى ثلاثا. ثم قضى. ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الاسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته، وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم، كما روى عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبى [ قط (2) الموت قبل يوسف.


(1) من ا (2) سقطت من ا. (3) الصلحاء. (*)

[ 357 ]

فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن ; كما في حديث معاذ في الدعاء الذى رواه أحمد: " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين ". وفى الحديث الآخر: " ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة ". وقالت مريم عليها السلام: " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ". وتمنى الموت على بن أبى طالب، لما تفاقمت الامور وعظمت الفتن واشتد القتال، وكثر القيل والقال. وتمنى ذلك البخاري [ أبو عبد الله (1) ] صاحب الصحيح، لما اشتد عليه الحال ولقى من مخالفيه الاهوال. فأما في حال الرفاهية فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا [ فلعله (1) ] يزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. ولكن ليقل: " اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى ". والمراد بالضر هاهنا، ما يخص العبد في بدنه ; من مرض ونحوه، لا في دينه. والظاهر أن نبى الله يوسف عليه السلام سأل ذلك، إما عند احتضاره، أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك. وقد ذكر ابن إسحق عن أهل الكتاب: أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة، ثم توفى عليه السلام. وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحق. قال السدى:


(1) سقطت من ا (*)

[ 358 ]

فصبره وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة (1) عند أبيه إسحق وجده الخليل عليهم السلام. وعند أهل الكتاب: أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة. وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة، ومع هذا قالوا: فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة. هذا نص كتابهم وهو غلط: إما في النسخة، أو منهم، أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا، فكيف يستعملون هذه الطريقة [ هاهنا (2) ] ؟ وقد قال تعالى [ في كتابه العزيز (2) ]: " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا، ونحن له مسلمون " يوصى بنيه بالاخلاص، وهو دين الاسلام الذى بعث الله به الانبياء عليهم السلام. وقد ذكر أهل الكتاب: أنه أوصى بنيه واحدا واحدا، وأخبرهم بما يكون من أمرهم، وبشر يهوذا بخروج نبى عظيم من نسله تطيعه الشعوب، وهو عيسى بن مريم. والله أعلم. وذكروا: أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما، وأمر يوسف الاطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما. ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله، فأذن له، وخرج معه أكابر مصر وشيوخها. فلما وصلوا حبرون دفنوه (3) في المغارة التى


(1) ا: في المغارة. (2) سقطت من ا. (3) ا: فدفنوه. (*)

[ 359 ]

كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثى، وعملوا له عزاء سبعة أيام. قالوا: ثم رجعوا إلى بلادهم، وعزى إخوة يوسف يوسف في أبيهم، وترققوا له فأكرمهم وأحسن منقلبهم، فأقاموا ببلاد مصر. ثم حضرت يوسف عليه السلام الوفاة، فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه. فحنطوه ووضعوه في تابوت، فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام، فدفنه عند آبائه كما سيأتي. قالوا: فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين. هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن: ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة [ سنة (1) ] وعشرين سنة. وقال غيره: أوصى إلى أخيه يهوذا، صلوات الله عليه وسلامه (2).


(1) ليست في ا. (2) ا: عليه السلام. (*)

[ 360 ]

قصة أيوب عليه السلام قال ابن إسحق: كان رجلا من الروم. وهو أيوب بن موص بن رزاح بن العيص بن إسحق بن إبراهيم الخليل. وقال غيره: هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحق ابن يعقوب، وقيل غير ذلك في نسبه. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام، وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقى في النار فلم تحرقه. والمشهور الاول ; لانه من ذرية إبراهيم، كما قررنا عند قوله تعالى: " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون " الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام. وهو من الانبياء المنصوص على الايحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى: " إنا أوحينا إليكم كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب " الآية. فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحق. وامرأته قيل: اسمها " ليا " بنت يعقوب، وقيل رحمة بنت أفراثيم (1)، وقيل [ ليابنت (2) ] منسا (3) بن يوسف بن يعقوب. وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا.


(1) ط: أفرايم. (2) سقطت من ا. (3) ا: بنت يوسف (*)

[ 361 ]

ثم نعطف بذكر أنبياء بنى إسرائيل بعذ ذكر قصته إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. قال الله تعالى: " وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر، وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (1) " وقال تعالى في سورة ص " واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنس مسنى الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولى الالباب وخذ بيدك ضعتا فاضرب به ولا تحنث، إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ". وروى ابن عساكر من طريق الكلبى أنه قال: أول نبى بعث إدريس، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم إسماعيل، ثم إسحق، ثم يعقوب، ثم يوسف، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شعيب، ثم موسى وهرون، ثم إلياس، ثم اليسع، ثم عرفى [ بن سويلخ (1) ] بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب ثم يونس بن متى من بنى يعقوب، ثم أبوب بن زراح بن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحق بن إبراهيم. وفى بعض هذا الترتيب نظر: [ فإن هودا وصالحا: المشهور أنهما بعد نوح وقيل إبراهيم. والله أعلم (2) ] * * * قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم: كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه ; من الانعام والعبيد والمواشى، والاراضي المتسعة


(1) الآيتان: 83، 84 من سورة الانبياء (2) ليست في ا. (*)

[ 362 ]

بأرض الثنية من أرض حوران. وحكى ابن عساكر: أنها كلها كانت له. وكان له أولاد وأهلون كثير. فسلب منه ذلك جميعه، وابتلى في جسده بأنواع [ من (1) ] البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر الله عز وجل بهما. وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر لله عزوجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه. وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الانيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها. فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته. وتقوم بمصلحته. وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالاجر ; لتطعمه وتقوم بأوده، رضى الله عمنها وأرضاها، وهى صابرة معه على ماحل بهما من فراق المال والولد، وما يختص بها من المصيبة بالزوج، وضيق ذات اليد وخدمة الناس، بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة. فإنا لله وإنا إليه راجعون ! وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أشد الناس بلاء الانبياء، ثم الصالحون، ثم الامثل فالامثل " [ وقال (2) ] " يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا


(1) من ا. (2) ليست في ا. (*)

[ 363 ]

حتى إن المثل ليضرب بصبره عليه السلام، ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا. وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بنى إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل ; في كيفية ذهاب ماله وولده، وبلائه في جسده. والله أعلم بصحته. وعن مجاهد أنه قال: كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدرى. وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال: فزعم وهب أن ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص. وقال أنس: ابتلى سبع سنين وأشهرا، وألقى على مزبلة لبنى إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وأعظم له الاجر وأحسن الثناء عليه. وقال حميد: مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة، وقال السدى: تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب، فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته، فلما طال عليها قالت: يا أيوب ; لو دعوت ربك لفرج عنك، فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحا، فهل (1) قليل لله أن أصبر له سبعين سنة ؟ فجزعت من هذا الكلام، وكانت تخدم الناس بالاجر وتطعم أيوب عليه السلام. ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها، لعلمهم أنها امرأة أيوب، خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته، فلما لم تجد أحدا يستخدمها، عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير، فأتت به أيوب، فقال من أين لك هذا ؟ وأنكره، فقالت: خدمت به


(1) ا: فهو قليل. (*)

[ 364 ]

أناسا. فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الاخرى بطعام فأتته به، فأنكره أيضا، وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام ؟ فكشفت عن رأسها خمارها، فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه: [ رب ] إنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ". وقال [ ابن أبى حاتم (1) ] حدثنا أبى، حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لايوب أخوان، فجاء يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، قال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يحزع [ مثله (1) ] من شئ قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أنى لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أنى لم يكن لى قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني. فصدق. من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم بعزتك وخر ساجدا، فقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عنى، فما رفع رأسه حتى كشف عنه. وقال ابن أبى حاتم وابن جرير جميعا: حدثنا يونس بن عبد الاعلى أنبأنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبى الله أيوب لبث به بلاؤه ثمانى عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له ; كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه:


(1) ليست في ا. (*)

[ 365 ]

وماذاك ؟ قال: منذ ثمانى عشرة سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدرى ما تقول ؟ غير أن الله عزوجل يعلم أنى كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتى فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: أن " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " فاستبطأته فتلقته تنظر، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ماكان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك ! هل رأيت نبى الله هذا المبتلى ؟ فوالله القدبر على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال: فإنى أنا هو قال: وكان له أندران (1) أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الاخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ". هذا لفظ ابن جرير، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد ابن الحسن بن قتيبة، عن حرملة، عن ابن وهب به. وهذا غريب رفعه جدا، والاشبه أن يكون موقوفا. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا بن إسمعيل، حدثنا حماد، أنبأنا على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية، فجاءت امرأته


(1) الاندر: البيدر. (*)

[ 366 ]

فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله: أين ذهب هذا المبتلى الذى كان هاهنا ؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك أنا أيوب ! قالت: أتسخر منى يا عبد الله ؟ فقال: ويحك أنا أيوب قدرد الله على جسدي. قال ابن عباس: ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم، ومثلهم معهم. وقال وهب بن منبه: أوحى الله إليه: " قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك، وقرب عن صحابتك قربانا، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك ". رواه ابن أبى حاتم. وقال ابن أبى حاتم، حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير (1) بن نهيك، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جرادا من ذهب، فجعل يأخذ [ منه (2) ] بيده ويجعل في ثوبه، قال: فقيل له يا أيوب أما تشبع (3) ؟ قال: يا رب ومن يشبع من رحمتك ؟ ". وهكذا رواه الامام أحمد عن أبى داود الطيالسي، و عبد الصمد عن همام، عن قتادة به. ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الازدي، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الصمد به. ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب، وهو على شرط الصحيح [ فالله أعلم (4) ].


(1) ا: بشر (2) ليست في ا (3) ا: ما تشبع (4) ليست في ا (*)

[ 367 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة: أرسل على أيوب رجل (1) من جراد من ذهب، فجعل يقبضها في ثوبه، فقيل يا أيوب: ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال: أي رب ومن يستغنى عن فضلك !. هذا موقوف. وقد روى عن أبى هريرة من وجه آخر مرفوعا. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثى (2) في ثوبه. فناداه ربه عزوجل: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال: بلى يا رب، ولكن لاغنى لى عن بركتك ". رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به. وقوله: " اركض برجلك " أي اضرب الارض برجلك، فامتثل ما أمر به. فأنبع الله له عينا باردة الماء، وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يحده من الالم والاذى، والسقم والمرض، الذى كان في جسده ظاهرا وباطنا، وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، وجمالا تاما ومالا كثيرا ; حتى صب له من المال صبا، مطرا عظيما جرادا من ذهب. وأخلف الله له أهله، كما قال تعالى: " وآتيناه أهله ومثلهم معهم " فقيل أحياهم الله بأعيانهم، وقيل آجره فيمن سلف، وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة. وقوله: " رحمه من عندنا " أي رفعنا


(1) الرجل: الجماعة العظيمة. (2) يحثى: يجمع (*)

[ 368 ]

عنه شدته، وكشفنا ما به من ضر، رحمة منا به ورأفة وإحسانا. " وذكرى للعابدين " أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده، فله أسوة بنبى الله أيوب ; حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه. ومن فهم من هذا اسم امرأته [ فقال (1) ]: هي " رحمة " من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع. وقال الضحاك عن ابن عباس: رد [ الله (1) ] إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا. وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية، ثم غيروا بعده دين إبراهيم. وقوله: " وخذ بيدك ضعثا فاضرب به ولا تحنث، إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب " هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام، فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط. فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها، وقيل لانه عارضها (2) الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لايوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان، فحلف ليضربنها مائة سوط. فلما عافاه الله عزوجل أفتاه أن يأخذ ضغثا وهو كالعثكال الذى يجمع الشماريخ، فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة، ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه، ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة، المكابدة الصديقة البارة الراشدة، رضى الله عنها.


(1) ليست في ا. (2) ا: اعترضها. (*)

[ 369 ]

ولهذا عقب الله الرخصة وعللها بقوله: " إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ". وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور، وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان، وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الاحكام، عند الوصول إليه إن شاء الله تعالى. وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ: أن أيوب عليه السلام لما توفى كان عمره ثلاثا وتسعين سنة، وقيل إنه عاش أكثر من ذلك. وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه: أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الاغنياء، وبيوسف عليه السلام على الارقاء، وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء. رواه ابن عساكر بمعناه. وأنه أوصى إلى ولده " حومل "، وقام بالامر بعده ولده " بشر " ابن أيوب، وهو الذى يزعم كثير من الناس أنه " ذوالكفل " فالله أعلم. ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين. ولنذكر هاهنا قصة ذى الكفل ; إذ قال بعضهم. إنه ابن أيوب عليهما السلام [ وهذه هي (1) ].


(1) ليست في ا. (24 - قصص الانبياء 1) (*)

[ 370 ]

قصة ذى الكفل الذى زعم قوم أنه ابن أيوب قال الله تعالى بعد (1) قصة أيوب في سورة الانبياء: " وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين ". وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص: " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الايدى والابصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار * واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار ". فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الانبياء أنه نبى، على من ربه الصلاة والسلام. وهذا هو المشهور. وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا، وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا (2) [ عادلا. وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم ] (3). وروى ابن جرير وأبو نجيح عن مجاهد: أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا [ صالحا (4) ]. وكان قد تكفل لبنى قومه أن يكفيهم أمرهم، ويقضى بينهم بالعدل [ ففعل (4) ] فسمى ذاالكفل.


(1) ا: في قصة أيوب. (2) ا: وحكما عدلا (3) ليست في ا. (4) سقطت من ط (*)

[ 371 ]

وروى ابن جرير وابن أبى حاتم من طريق داود بن أبى هند، عن مجاهد أنه قال: لما كبر اليسع قال: لو أنى استخلف رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتى أنظر كيف يعمل ؟ فجمع الناس فقال: من يتقبل منى (1) بثلاث أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال أنا. فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب ؟ قال نعم. قال: فرده ذلك اليوم، وقال مثلها [ في ] (2) اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال أنا، فاستخلفه. قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ذلك. فقال دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لاينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدق الباب فقال: من هذا ؟ قال: شيخ كبير مظلوم. قال: فقام ففتح الباب فجعل يقص عليه، فقال إن بينى وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا بى وفعلوا، وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة. فقال: إذا رحت فإننى آخذ لك بحقك. فانطلق وراح فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يتبعه. فلما كان الغد جعل يقضى بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب، فقال: من هذا ؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني ؟


(1) ا: من يتقبل لى. (2) ليست في ا. (*)

[ 372 ]

قال: إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. قال: فانطلق فإذا رحت فأتني. قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينتظره فلا يراه، وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله، لاتدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام، فإنى قد شق على النوم. فلما كان تلك الساعة جاء، فقال له الرجل: وراءك وراءك. فقال: قد أتيته أمس وذكرت له أمرى. فقال: لا والله، لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه. فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل. قال: فاستيقظ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك ؟ قال: أما من قبلى والله فلم تؤت، فانظر من أين اتيت ؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت فعرفه. فقال: أعدو الله ؟ قال نعم، أعييتني في كل شئ ففعلت كل ما ترى لاغضبك. فسماه الله ذا الكفل، لانه تكفل بأمر فوفى به ! و [ قد ] (1) روى ابن أبى حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الاكبر، وغيرهم من السلف نحو هذا. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا أبوالجماهر، أنبأنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن كنانة بن الاخنس، قال: سمعت الاشعري


(1) ليست في ا. (*)

[ 373 ]

- يعنى أبا موسى رضى الله عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ماكان ذوالكفل نبيا (1) ولكن كان رجل صالح يصلى كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذوالكفل من بعده [ فكان (2) ] يصلى كل يوم مائة صلاة، فسمى ذاالكفل. ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو موسى الاشعري فذكره منقطعا. فأما الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الاعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - لم أحدث به، ولكني قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بنى إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأه فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال [ لها (2) ] ما يبكيك ؟ أأكرهتك ؟ قالت لا: ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملتني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ! ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك. ثم قال: والله لا يعصى الله الكفل أبدا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه: قد غفر الله للكفل ! ورواه الترمذي من حديث الاعمش به وقال حسن، وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر.


(1) ا: بنبى. (2) ليست في ا. (*)

[ 374 ]

فهو حديث غريب جدا وفى إسناده نظر، فإن سعدا هذا قال أبو حاتم: لا أعرفه إلا بحديث واحد. ووثقه ابن حبان، ولم يرو عنه سوى عبد الله (1) بن عبد الله الرازي هذا. فالله أعلم. وإن كان محفوظا فليس هو ذا الكفل [ وإنما لفظ الحديث الكفل (2) ] من غير إضافة فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن. فالله تعالى أعلم.


(1) ا: ولم يرو عنه إلا عبد الله. (2) ليست في ا. (*)

[ 375 ]

باب ذكر اسم أهلكوا بعامة وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى.. " الآية (1). كما رواه ابن جرير وابن أبى حاتم والبزار من حديث عوف الاعرابي عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الارض، بعد ما أنزلت التوراة على وجه الارض، غير القرية التى مسخوا قردة. ألم تر أن الله تعالى يقول: " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى ". ورفعه البزار في رواية له. والاشبه والله أعلم وقفه. فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام. فمنهم: أصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان: " وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا ". وقال تعالى في سورة ق: " كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الايكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد ".


(1) الآية: 42 من سورة القصص. (*)

[ 376 ]

وهذا السياق والذى قبله، يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا، وهو الهلاك. وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الاخدود الذين ذكروا في سورة البروج، لان أولئك عند ابن إسحق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام. وفيه نظر أيضا. وروى ابن جرير قال قال ابن عباس: أصحاب الرس أهل قرية من قرى ثمود. وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر في أول تاريخه، عند ذكر بناء دمشق، عن تاريخ أبى القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره، أن أصحاب الرس كانوا بحضور، فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان، فكذبوه وقتلوه. فسار عاد بن عوص بن إرم ابن سام بن نوح وولده من الرس، فنزل الاحقاف. وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها، وفشوا مع ذلك في الارض كلها. حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، دمشق وبنى مدينتها، وسماها جيرون، وهى إرم ذات العماد. وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد، إلى عاد، يعنى أولاد عاد بالاحقاف فكذبوه، فأهلكهم الله عزوجل. فهذا يقتضى أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم.


(1) الآيتان: 38 - 39: (*)

[ 377 ]

وروى ابن أبى حاتم عن أبى بكر بن أبى عاصم، عن أبيه عن شبيب ابن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الرس بئر بأذربيجان. وقال الثوري عن أبى بكر عن عكرمة قال: الرس بئر رسوا فيها نبيهم، أي دفنوه فيها. قال ابن جريج قال عكرمة: أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس. وقال قتادة: فلج من قرى اليمامة. قلت: فإن كانوا أصحاب يس كما زعمه عكرمة، فقد أهلكوا بعامة، قال الله تعالى في قصتهم: " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " وستأتى قصتهم بعد هؤلاء. وإن كانوا غيرهم، وهو الظاهر، فقد أهلكوا أيضا وتبروا. وعلى كل تقدير فينافى ما ذكره ابن جرير. وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن النقاس: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفى أرضهم جميعها، وكان لهم ملك عادل حسن السيرة، فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما، فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال: إنى لم أمت، ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم. ففرحوا أشد الفرح، وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه، وأخبرهم أنه لا يموت أبدا، فصدق به أكثرهم، وافتتنوا به وعبدوه. فبعث الله فيهم نبيا، فأخبرهم (1) أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادته، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له.


(1) ا: وأخبرهم. (*)

[ 378 ]

قال السهيلي: وكان يوحى إليه في النوم، وكان اسمه حنظلة بن صفوان، فعدوا عليه فقتلوه وألقوه في البئر، فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم، وانقطعت ثمارهم، وخربت ديارهم. وتبدلوا بعد الانس بالوحشة، وبعد الاجتماع بالفرقة، وهلكوا عن آخرهم، وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (1)، فلا يسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الاسود (2) وصوت الضباع. فأما ما رواه - أعنى ابن جرير - عن محمد [ بن حميد عن سلمة عن (3) ] ابن إسحق عن محمد بن كعب القرظى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الاسود "، وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قربة فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الاسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر أصم، قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشترى به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك (4) البئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها ويدلى إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت. قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون. ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام (5)، فضرب الله على أذنه سبع سنين


(1) ا: والوحش. (2) ط: الاسد. (3) سقطت من ا. (4) ا: ذلك. (5) ا: ينام (*)

[ 379 ]

نائما. ثم إنه هب فتمطى فتحول (1) لشقه الآخر، فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى. ثم إنه هب واحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام (2) إلا ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع. ثم [ إنه (3) ] ذهب إلى الحفيرة (4)، إلى موضعها الذى كانت فيه، فالتمسه فلم يجده. وقد كان بدا لقومه فيها بداء، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه. قال: فكان (5) نبيهم يسألهم عن ذلك الاسود ما فعل، فيقولون له ما ندرى ؟ حتى قبض الله النبي عليه السلام وهب (6) الاسود من نومته (7) بعد ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك الاسود لاول من يدخل الجنة ". فإنه [ حديث (8) ] مرسل ومثله فيه نظر. ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظى، والله أعلم. ثم قد رده ابن جرير نفسه، وقال: لا يجوز ان يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن، قال: لان الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدالهم فآمنوا بنبيهم. اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم. والله أعلم. ثم اختار أنهم اصحاب الاخدود وهو ضعيف، لما تقدم، ولما ذكر في قصة اصحاب الاخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا، ولم يذكر هلاكهم، وقد صرح بهلاك أصحاب الرس. والله تعالى أعلم.


(1) ا: وتحول. (2) ا: إلا أنه نام ساعة. (3) ليست في ا. (4) ا: الحفرة (5) ا وكان (6) ا: وأهب (7) ا: نومه. (8) ليست في ا (*)

[ 380 ]

قصة قوم يس وهم (1): أصحاب القرية أصحاب يس قال الله تعالى: " واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون * قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شئ، إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين * قالوا إنا تطيرنا بكم، لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل انتم قوم مسرفون * وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * ومالى لا أعبد الذى فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة ؟ إن يردن الرحمن بضر لا تغنى عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إنى إذا لفى ضلال مبين * إنى آمنت بربكم فاسمعون * قيل ادخل الجنة قال: يا ليت قوم يعلمون * بما غفر لى ربى وجعلني من المكرمين * وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " (2). اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية " أنطاكية "


(1) ط: ومنهم. تحريف (2) الآيات: 13 - 29 من سورة يس (*)

[ 381 ]

رواه ابن إسحق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب [ الاحبار (1) ] ووهب [ ابن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الخصيب وعكرمة وقتادة والزهرى وغيرهم. قال ابن إسحق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب (1) ] أنهم قالوا: وكان لها ملك اسمه أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الاصنام. فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم: صادق ومصدوق (2)، وشلوم، فكذبهم. وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عزوجل. وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح. وكذا قال ابن جرير، عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائى: كان اسم المرسلين (3) الاولين: شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية. وهذا القول ضعيف جدا ; لان أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت. ولهذا كانت إحدى المدن الاربع التى تكون فيها بتاركة النصارى. وهن: أنطاكية، والقدس، واسكندرية، ورومية. ثم بعدها القسطنطنية ولم يهلكوا. وأهل هذه القرية المذكورة (4) في القرآن أهلكوا، كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين ": إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن، بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا. والله أعلم.


(1) ليست في ا (2) ا: وصدوق. (3) ا: الرسولين (4) ا: المذكورون. (*)

[ 382 ]

فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ; ولان ظاهر سياق القرآن يقتضى أن هؤلاء الرسل من عند الله. * * * قال الله تعالى: " واضرب لهم مثلا " يعنى لقومك يا محمد " أصحاب القرية " يعنى المدينة " إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث " أي أيدناهما بثالث (1) في الرسالة، " فقالوا إنا إليكم مرسلون "، فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم ; كما قالت الامم الكافرة لرسلهم، يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا. فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام. " وما علينا إلا البلاغ المبين " أي إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذى يهدى من يشاء ويضل من يشاء " قالوا إنا تطيرنا بكم " أي تشاءمنا بما جئتمونا به، " لئن لم تنتهوا لنرجمنكم " [ قيل (2) ] بالمقال، وقيل بالفعال. يؤيد الاول قوله: " وليمسنكم منا عذاب أليم " توعدوهم (3) بالقتل والاهانة. " قالوا طائركم معكم " أي مردود عليكم " أإن ذكرتم ؟ " أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه، توعدتمونا بالقتل والاهانة ؟ " بل أنتم قوم مسرفون " أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه. وقوله تعالى: " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى " يعنى لنصرة


(1) ا: بثالثهما. (2) من ا. (3) المطبوعة: فوعدوهم (*)

[ 383 ]

الرسل وإظهار الايمان بهم " قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون " أي يدعونكم (1) إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة. ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا ولا في الآخرة. " إنى إذا لفى ضلال مبين " أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه. ثم قال مخاطبا للرسل: " إن آمنت بربكم فاسمعون " قيل " فاستمعوا مقالتي واشهدوا لى بها عند ربكم، وقيل معناه: فاسمعوا يا قومي إيمانى برسل الله جهرة. فعند ذلك قتلوه، قيل رجما، وقيل عضا، وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه. وحكى ابن إسحق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال: وطئوه بأرجلهم، حتى أخرجوا قصبته. وقد روى الثوري عن عاصم الاحول، عن أبى مجلز: كان اسم هذا الرجل " حبيب بن مرى " ثم قيل: كان نجارا، وقيل حباكا (2)، وقيل إسكافا، وقيل قصارا، وقيل كان يتعبد في غار هناك. فالله أعلم. وعن ابن عباس: كان حبيب البحار قد اسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة فقتله قومه، ولهذا قال تعالى. " قيل ادخل الجنة " يعنى لما قتله قومه أدخله الله الجنة، فلما رأى فيها من النضرة والسرور " قال


(1) المطبوعة: أي يدعونكم. (2) ا: حبالا. (*)

[ 384 ]

يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربى وجعلني من المكرمين " يعنى ليؤمنوا بما آمنت بما فيحصل لهم ما حصل لى. قال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: " يا قوم اتبعوا المرسلين " وبعد مماته [ في قوله (1) ] " يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربى وجعلني من المكرمين " [ رواه ابن أبى حاتم. وكذلك قال قتادة: لا يلقى المؤمن إلا ناصحا. لا يلقى غاشا ; لما عاين ما عاين من كرامة الله. " قال: يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لى ربى وجعلني من المكرمين (1) ] تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه ! قال قادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ". وقوله تعالى: " وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين " أي وما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم. هذا معنى ما رواه ابن إسحق عن بعض أصحابه (2) عن ابن مسعود. قال مجاهد وقتادة: وما أنزل عليهم جندا، أي رسالة [ أخرى (3) ]. قال ابن جرير: والاول أولى. قلت: وأقوى، ولهذا قال: " وما كنا منزلين " أي وما كنا نحتاج (4)


(1) ليست في ا. (2) ا: أشياخه. (3) ليست في ا. (4) ا: محتاجين. (*)

[ 385 ]

في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ". قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل عليه السلام، فأخذ بعضادتى الباب الذى لبلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذاهم خامدون، أي قد أخمدت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف. وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية ; لان هؤلاء [ أهلكوا (1) ] بتكذيبهم (2) رسل الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم. فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح. فأما الحديث الذى رواه الطبراني من حديث حسين الاشقر (3)، عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع ابن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد على بن أبى طالب "، فإنه حديث لا يثبت ; لان حسينا هذا متروك شيعي من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية. والله أعلم.


(1) ليست في ا (2) ا بتكذيب. (3) ا: الاصفر. " م 25 - قصص الانبياء " (*)

[ 386 ]

قصة يونس عليه السلام قال الله تعالى في سورة يونس: " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (1) ". وقال تعالى في سورة الانبياء: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المومنين (2) " وقال تعالى في سورة والصافات: " وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمة الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين (3) " وقال تعالى في سورة ن: " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذمون * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (4) ". قال أهل التفسير: بعث الله ينس عليه السلام إلى أهل " نينوى "


(1) الآية: 98 (2) الآيتان: 87، 88 (3) الآيات: 129 - 148 (4) الآيات: 48 - 50 (*)

[ 387 ]

من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله عزوجل، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث. قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف: فلما خرج من بين ظهرانيهم، وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم، فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله عزوجل، وصرخوا وتضرعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والامهات. وجأرت الانعام والدواب والمواشى، فرغت الابل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغث الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة. فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته، عنهم العذاب الذى كان قد اتصل بهم سببه، ودار على رؤوسهم كقطع الليل المظلم. ولهذا قال تعالى: " فلولا كانت قرية آمنت فنقعها إيمانها " أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها، فدل على أنه لم يقع ذلك، بل كما قال تعالى: " وما أرسلنا في قرية من نبى إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ". وقوله: " إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين " أي آمنوا بكمالهم. وقد اختلف المفسرون: هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة، فينقذهم من العذاب الاخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي ؟ على قولين:

[ 388 ]

الاظهر من السياق: نعم. والله أعلم، كما قال تعالى: " لما آمنوا " وقال تعالى: " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين "، وهذا المتاع إلى حين لا ينفى أن يكون معه غيره من رفع العذاب الاخروي، والله أعلم. وقد كانوا مائة ألف لا محالة. واختلفوا في الزيادة: فعن مكحول عشرة آلاف. وروى الترمذي وابن جرير وابن أبى حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثنى أبى بن كعب، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " قال: " يزيدون عشرين ألفا " فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب. وعن ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا، وعنه: وبضعة وثلاثين ألفا، وعنه وبضعة وأربعين ألفا. وقال سعيد بن جبير: كانوا مائة ألف وسبعين ألفا. واختلفوا: هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده ؟ أوهما أمتان ؟ على ثلاثة أقوال: هي مبسوطة في التفسير. * * * والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه، ركب سفينة في البحر فلجت بهم، واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها، وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون.

[ 389 ]

قالوا: فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة القوة من السفينة ليتخففوا منه. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبى الله يونس فلم يسمحوا به، فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا، فشمر (1) ليخلع ثيابه ويلقى بنفسه، فأبوا عليه ذلك. ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا، لما يريده الله به من الامر العظيم. قال الله تعالى: " وإن يونس لمن المرسليمن * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم ". وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقى في البحر، وبعث الله عزوجل حوتا عظيما من البحر الاخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق، فأخذه فطاف [ به (2) ] البحار كلها. وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه. قالوا: ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات، فحرك جوارحه فتحركت، فإذا هو حى فخر لله ساجدا وقال: يا رب اتخذت لك السجدا [ في موضع (2) ] لم يعبدك أحد في مثله. وقد اختلفوا في مقدار لبئه في بطنه. فقال مجالد عن الشعبى: التقمه ضحى ولفظه عشية، وقال قتادة: مكث فيه ثلاثا، وقال جعفر الصادق سبعة أيام. ويشهد له شعر أمية بن أبى الصلت:


(1) ا: فتشمر (2) ليست في ا (*)

[ 390 ]

وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وقال سعيد بن [ أبى (1) ] الحسن وأبو مالك: مكث في جوفه أربعين يوما. والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه. * * * والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية، ويقتحم به لجج الموج الاجاجى (2)، فسمع تسبيح الحيتان للرحمن، وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى، ورب السموات السبع والارضين السبع وما بينها وما تحت الثرى. فعند ذلك وهنالك، قال ما قال بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال، الذى يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الاصوات وإن ضعفت، وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين، المنزل على رسوله الامين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين: " وذا النون إذ ذهب " [ أي إلى أهله (1) ] " مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " " فظن أن لن نقدر عليه " أي نضيق عليه. وقيل معناه: نقدر من التقدير وهى لغة مشهورة، قدر وقدر كما قال الشاعر. فلا عائد ذاك الزمان الذى مضى * تباركت ; ما تقدر يكن، فلك الامر " فنادى في الظلمات " قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون


(1) ليست في ا (2) الاجاجى: الملح. (*)

[ 391 ]

وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ; ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. وقال سالم بن أبى الجعد: ابتلع الحوت حوت آخر فصارت ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر. وقوله تعالى: " فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " قيل معناه فلولا أنه سبح الله هنالك، وقال ما قال من التهليل والتسبيح، والاعتراف لله بالخضوع، والتوبة إلى والرجوع إليه، للبث هنالك إلى يوم القيامة، ولبعث من جوف ذلك الحوت. هذا معنى ماروى عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه. وقيل معناه: " فلولا أنه كان " من قبل أخذ الحوت له " من المسبحين " أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا. قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدى وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير. ويشهد لهذا ما رواه الامام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " يا غلام إنى معلمك كلمات: احفظ الله يحفضك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ". وروى ابن جرير في تفسيره، والبزار في مسنده من حديث محمد بن

[ 392 ]

إسحق، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [ قال (1) ] سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أراد الله حبس يونس في بطن [ الحوت (1) ] أوحى الله إلى الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما. فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا، فقال في نفسه ماهذا ؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال فسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة ! قال: ذلك عبدى يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح ; الذى كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟ قال: نعم. قال فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله: " وهو سقيم ". هذا لفظ ابن جرير إسنادا ومتنا. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد. كذا قال. وقد قال ابن أبى حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن [ ابن (2) ] أخى وهب، حدثنا عمى، حدثنى أبو صخر، أن يزيد الرفاشى قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين. فأقبلت [ هذه ] (2) الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة. فقال:


(1) ليست في ا (2) سقطت من ا (*)

[ 393 ]

أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: لا يا رب ومن هو ؟ قال: عبدى يونس. قالوا: عبدك يونس الذى لم يزل يرفع له عمل متقبل (1) ودعوة مجابة ؟ قالوا: يا ربنا ! أو لا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه في العراء ". ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به. زاد ابن أبى حاتم: قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث، أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، وأنبت الله عليه اليقطينة. قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة ؟ قال شجرة الدباء [ قال أبو هريرة (2) ] وهيأ الله له أروية (3) وحشية تأكل من خشاش الارض، أو قال هشاش الارض، قال: فتفسخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال [ أمية (2) ] بن أبى الصلت في ذلك بيتا من شعره ؟ فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا (4) وهذا غريب أيضا من هذا الوجه. ويزيد الرقاشى ضعيف، ولكن يتقوى بحديث أبى هريرة المتقدم ; كما يتقوى ذاك بهذا، والله أعلم. وقد قال الله تعالى: " فنبذناه " أي ألقيناه " بالعراء " وهو المكان القفر الذى ليس فيه شئ من الاشجار، بل هو عار منها، " وهو سقيم "


(1) ا: لم نزل ترفع له عملا متقبلا (2) سقطت من ا (3) الاروية: أنثى الوعل. والجمع أروى وانظر الحيوان للجاحظ 3 / 498. (4) ا: ألفى ضاحيا (*)

[ 394 ]

أي ضعيف البدن. قال ابن مسعود: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش، وقال ابن عباس والسدى وابن زيد: كهيئة الصبى [ حين يولد (1) ] وهو المنفوس ليس عليه شئ. " وأنبتنا على شجرة من يقطين " قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف و عبد الله بن طاووس والسى وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد: هو القرع. قال بعض العلماء: في إنبات القرع عليه حكم جمة ; منها أن ورقه في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره، نيا ومطبوخا، وبقشره وببزره أيضا. وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك. وتقدم كلام أبى هريرة في تسخير الله تعالى لخه تلك الاروية التى كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية، وتأتيه بكرة وعشية. وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه. ولهذا قال تعالى: " فاستجبنا له فنجيناه من الغم " أي الكرب والضيق الذى كان فيه " وكذلك ننجي المؤمنين " أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا. قال ابن جرير: حدثنى عمران (2) بن بكار الكلاعى، حدثنا يحيى ابن صالح، حدثنا أبويحيى بن عبد الرحمن، حدثنى بشر بن منصور، عن على بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد (3) بن مالك - وهو ابن أبى وقاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الذى


(1) سقطت من ا (2) ا عمر. (3) ا: سعيد. (*)

[ 395 ]

إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى " قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى: " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " فهو شرط من الله لمن دعاه به. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا أبو خالد الاحمر عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب - يعنى ابن سعد - عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا بدعاء يونس استجيب له ". قال أبو سعيد الاشج: يريد به: " وكذلك ننجي المؤمنين ". وهذان طريقان عن سعد. وثالث أحسن منهما: وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمير، حدثنا يونس بن ابى إسحق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثنى والدى محمد، عن أبيه سعد - وهو ابن أبى وقاص رضى الله عنه - قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملا عينيه منى ثم لم يرد على السلام، [ فأتيت عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين: هل حدث في الاسلام شئ ؟ قال: لا. وماذاك ؟ قلت لا، إلا أنى مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملا عينيه منى ثم لم يرد على السلام (1) ] قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لاتكزون رددت على


(1) سقطت من. (*)

[ 396 ]

أخيك السلام ؟ قال: ما فعلت. قال سعد: قلت بلى، حتى حلف وحلفت. قال: ثم إن عثمان ذكر فقال بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بى آنفا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصرى وقلبي غشاوة. قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقنى إلى منزله ضربت بقدمى الارض، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من هذا ؟ أبو إسحق ؟ " قال: قلت نعم يا رسول الله قال: " خه (1) ؟ قلت لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الاعرابي فشغلك. قال: " نعم دعوة ذى النون إذ هو في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين "، فإنه لم يدع بها [ مسلم ربه (2) ] في شئ قط إلا استجاب له ". ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به. ذكر فضل يونس عليه السلام قال الله تعالى: " وإن يونس لمن المرسلين " وذكره تعالى في جملة الانبياء الكرامو في سورتي النساء والانعام، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام. وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبى وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ". ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري [ به (2) ].


(1) المطبوعة: فمه. محرفة. (2) ليست في ا (*)

[ 397 ]

وقال البخاري أيضا: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغى لعبد أن يقول إنى خير من يونس بن متى. ونسبه إلى أبيه ". ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به. قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبى العالية سوى أربعة أحاديث، هذا أحدها. وقد رواه الامام [ أحمد (1) ] عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد عن يونس (2) بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ". تفرد به أحمد. ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عمن أبى يحيى العتاب، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينبغى لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى ". إسناده جيد ولم يخرجوه. وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ". وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به.


(1) ليست في ا (2) ط: يوسف. (*)

[ 398 ]

وفى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن ابن هرمز الاعرج، عن أبى هريرة في قصة المسلم الذى لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذى اصطفى موسى على العالمين. قال البخاري في آخره: ولا أقول: إن أحدا أفضل (1) من يونس بن متى [ وهذا اللفظ يقوى أحد القولين من المعنى: لا ينبغى لاحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى (2) ] أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس. والقول الآخر: لا ينبغى لاحد أن يفضلني على يونس بن متى، كما قد ورد في بعض الاحاديث: " لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى " وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين. وإلى هنا ينتهى الجزء الاول من " قصص الانبياء لابن كثير " ويتلوه يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى ". إسناده جيد ولم يخرجوه. وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ". وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به.


(1) ليست في ا (2) ط: يوسف. (*)

[ 398 ]

وفى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن ابن هرمز الاعرج، عن أبى هريرة في قصة المسلم الذى لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذى اصطفى موسى على العالمين. قال البخاري في آخره: ولا أقول: إن أحدا أفضل (1) من يونس بن متى [ وهذا اللفظ يقوى أحد القولين من المعنى: لا ينبغى لاحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى (2) ] أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس. والقول الآخر: لا ينبغى لاحد أن يفضلني على يونس بن متى، كما قد ورد في بعض الاحاديث: " لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى " وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين. وإلى هنا ينتهى الجزء الاول من " قصص الانبياء لابن كثير " ويتلوه الجزء الثاني وأوله: " قصة موسى الكليم " بعون الله وتوفيقه.


(1) ا: خير (2) ليست في ا (3) سقطت من المطبوعة ! (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية