الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عيون الاثر - ابن سيد الناس ج 2

عيون الاثر

ابن سيد الناس ج 2


[ 1 ]

السيرة النبوية المسمى عيون الاثر

[ 3 ]

السيرة النبوية المسمى عيون الاثر في فنون المغازى والشمائل والسير تأليف محمد بن عبدالله بن يحيى ابن سيد الناس 671 ه‍ - 734 ه‍ المجلد الثاني

[ 5 ]

[ غزوة حمراء الاسد ] وهى صبيحة يوم الاحد عند ابن اسحق لست عشرة مضت من شوال عند ابن سعد لثمان خلون من شوال من صبيحة أحد والخلاف عندهم في أحد كما سبق. قال ابن اسحق وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس طلب العدو وأذن مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالامس بكلمة ؟ ؟ جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام فقال يا رسول الله إن أبى كان خلفنى على خوات لى سبع وقال يا بنى إنه لا ينبغى لى ولا لك ان نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ؟ ؟ ولست بالذى أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على حواتك فتحلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبة ليظنوا به قوة وان الذى أصابهم لم يوههم عن عدوهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد - وهى من المدينة على ثمانية اميال - واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام فأقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به - كما حدثنى عبدالله بن أبى بكر - معبد بن بى معبد الخزاعى وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك ؟ ؟ فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا ان الله قد عافاك فيهم وكان معبد قد رأى خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين لى حمراء الاسد ولقى أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء فأخبرهم بخروج رسول

[ 6 ]

الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم ففت (1) ذلك في أعضاد قريش وقد كانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة فكسرهم خروجه صلى الله عليه وسلم فتمادوا إلى مكة وظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبى العاص فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه صبرا (2) وهو والد عائشة أم عبد الملك بن مروان. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو بحمراء الاسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة " والذى نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب " قال ابن هشام ويقال ان زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الاسد كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه على أنه وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعثهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال انكما ستجدانه بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه. وقال ابن سعد ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل فدفعه إلى على بن أبى طالب ويقال لى أبى بكر الصديق وخرج وهو مجروح في وجهه ومشجوج في جبهته ورباعيته قد شظيت (3) وشفته السفلى قد كلمت (4) في باطنها وهو متوهن منكبه يعنى الايمن من ضربة ابن قمئة وركبتاه مجحوشتان (5) وحشد أهل العوالي ونزلوا حيث أتاهم الصريخ وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وخرج الناس معه فبعث ثلاثة نفر من اسلم طليعة في آثار القوم فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الاسد قال وللقوم زجل (6) وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك فبصروا بالرجلين فعطفوا عليهما فقتلوهما ومضوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الاسد وكان المسلمون يوقدون تلك الليالى خمسمائة


أي اضعفهم. (2) القتل صبرا هو أن يمسك شئ من ذوات الروح فيرمى بشئ حتى يموت. (3) أي: كسرت. (4) أي جرحت (5) أي انخدش جلدهما (6) أي صوت.

[ 7 ]

نار حتى ترى من المكان البعيد. وذهب صوت معكسرهم ونيرانهم في كل وجه فكبت الله تبارك وتعالى بذلك عدوهم. وكان دليله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الاسد ثابت بن الضحاك بن ثعلبة من الخزرج وليس بأخى أبى جبيرة ابن الضحاك ذاك أوسى من بنى عبد الاشهل وله حديث في النهى عن المزارعة رواه مسلم ومن الناس من يجعل ذلك الحديث لثابت هذا وليس بشئ.

[ 8 ]

[ سرية ابى سلمة بن عبد الاسد ] روينا عن ابن سعد قال ثم سرية أبى سلمة بن عبد الاسد المخزومى إلى قطن وهو جبل بناحية فيد - ماء لبنى أسد بن خزيمة - في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعونهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سلمة وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والانصار، وقال سر حتى تنزل أرض بنى أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم. فخرج فأغذ (1) السير ونكب عن سنن الطريق وسبق الاخبار وانتهى إلى أدنى قطن فأغار على سرح لهم فضمه وعاء ؟ ؟ لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم فجاءوا جميعهم فحذروهم فتفرقوا في كل ناحية ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق في طلب النعم والشاء فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.


(1) أي أسرع.

[ 9 ]

[ سرية عبدالله بن انيس ] قال ابن سعيد ثم سرية عبدالله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلى العرنة ؟ ؟: خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ان سفيان بن خالد الهذلى ثم اللحيانى وكان ينزل عرنة وما والاها في ناس من قومه قد جمع الجموع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن انيس ليقتله فقال صفه لى يا رسول الله فقال إذا رأيته هبته وفرقت (1) منه وذكرت الشيطان قال وكنت لا أهاب الرجال فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم فأذن لى فأخذت سيفى وخرجت اعتزى إلى خزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشى ووراءه الاحابيش ومن ضوى (2) إليه فعرفته بنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته فرأيتني اقتر عرقا فقلت صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال من الرجل فقلت رجل من بنى خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لاكون معك فقال ؟ ؟ ؟ ؟ أجل انى لاجمع له فمشيت معه ساعة وحدثته فاستحلي حديثى حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارا في الجبل وضربت العنكبوت على وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فلما رأني قال أفلح الوجه قلت افلح وجهك يا رسول الله فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته حبرى فدفع إلى عصا فقال


(1) أي خفت (2) أي أوى. (*)

[ 10 ]

تخصر بهذه في الجنة فكانت عند ؟ فلما حضرته الوفاة أوصى أهله ان يدرجوها في كفنه ففعلوا، وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم. وقال ابن عقبة جعلوها في كفنه بينجلده وثيابه. وقال موسى بن عقبة أيضا فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بموته قبل قدوم عبدالله ابن أنيس. قال ابن هشام وقال عبدالله بن أنيس في ذلك: تركت ابن ثور كالحورا وحوله * نوائح تفرى كل جيب مقدد تناولته والظعن خلفي وخلفه * بأبيض من ماء الحديد مهند أقول له والسيف يعجم رأسه * أنا ابن انيس فارسا غير قعدد وقلت له خذها بضربة ماجد * حنيف على دين النبي محمد وكنت إذا هم النبي بكافر * سبقت إليه باللسان وباليد قوله يعجم رأسه من قولهم فلان يعجم التمرة أي يلوكها ويعضها. والقعدد والقعدد الجبان. قال ابن عقبة ولا ندرى من أين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن انيس إلى ابن نبيح أمن المدينة أم من غيرها.

[ 11 ]

[ بعث الرجيع ] وكان في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابن سعد روينا من طريق البخاري قال حدثنى موسى بن اسمعيل فثنا ابراهيم قال انا ابن شهاب قال أخبرني عمرو بن أسيد بن جارية الثقفى حليف بنى زهرة، وكان من أصحاب أبى هريرة عن أبى هريرة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الانصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب (1) حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ذكروا لحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا تمر يثرب فاتبعوا آثارهم فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق وأن لا نقتل منكم أحدا. فقال عاصم بن ثابت أيها القوم أما أنا فلا انزل في ذمة كافر ثم قال اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا أصحبكم ان لى بهؤلاء أسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فانطلق بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا قتله فاستعار خبيب من بعض بنات الحرث موسى يستحد بها فأعارته


(1) كذا وقع في الصحيح، قال بعض الحفاظ صوابه خاله لاجده. (*)

[ 12 ]

مدرج ؟ ؟ ؟ بنى (1) لها وهى غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخده والموسى بيده قالت ؟ ؟ ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال أتخشين ان اقتله ما كنت لافعل ذلك قالت والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وانه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة وكانت تقول انه لرزق رزقه الله خبيبا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب دعوني أصلى ركعتين فتركوه فركع ركعتين وقال والله لولا أن تحسبوا أن ما بى جزع لزدت ثم قال اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول: فلست أبالى حين أقتل مسلما * على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الاله وان يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة غقبة بن الحارث فقتله. وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا شئ منه يعرف. وكان قتل عظيما من عظمائهم فبعث الله لعاصم مثل الظلة من لدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئا. كذا روينا في هذا لخبر من طريق البخاري في جامعه وفيه أن خبيبا هذا قتل الحارث بن عامر وم بدر وليس ذلك عندهم بمعروف. وإنما الذى قتل الحرث بن عامر خبيب بن اساف بن عنبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج. خبيب بن عدى لم يشهد بدرا عند أحد من أرباب المغازى. وروينا عن ابن سحق قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا يا رسول الله ان فينا إسلاما فابعث معنا نقرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرؤننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام فبعث معهم نفرا ستة من أصحابه وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوى حليف حمزة


(1) اسم هذا الصبى ابو الحسين بن الحارث بن عامر بن نوفل، ومن ولده عبدالله بن عبدالرحمن بن أبى الحسن المحدث. (*)

[ 13 ]

بن عبدالمطلب وخالد بن البكير الليثى حليف بنى عدى بن كعب وعاصم بن ثابت بن أبى الاقلح أخو بنى عمرو بن عوف وحبيب بن عدى أخو بنى جحجبا ابن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة أخو بنى بياضة وعبد الله بن طارق حليف بنى ظفر. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبى مرثد الغنوى فحرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع - ماء لهذيل - غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقتلوا القوم فقالوا لهم انا والله لا نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من اهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه ان لا نقتلكم فأبوا فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدا وقاتلوا حتى قتلوا. فلما قتل عاصم أرادت هذيل اخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين اصاب ابنيها يوم احد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن فيه الخمر. قال ابو جعفر الطبري وجعلت لمن جاءت برأسه مائة ناقة. رجع إلى خبر ابن اسحق: فمنعه الدبر فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسى فنأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به وقد كان عاصم اعطى الله عهد ان لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا ابدا. واما زيد بن الدثنة وخبيب وابن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحيوة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من القرآن ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبر بالظهران يرحمه الله. وأما خبيب وزيد فقدموا بهما مكة فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة فابتاع خبيبا حجير بن أبى اهاب التميمي حليف بنى نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فأخرجه مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم خارج الحرم ليقتله واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له

[ 14 ]

أبو سفيان حين قدم ليقتل أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وانك في أهلك فقال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وانى لجالس في أهلى قال يقول أبو سفيان ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس يرحمه الله. ورأيت في كتاب ذيل المذيل لابي جعفر محمد بن جرير الطبري لحسان بن ثابت يرثى أصحاب الرجيع الستة ألا ليتنى فيها شهدت ابن طارق * وزيدا وما تغنى الامانى ومرثدا ودافعت عن حبى خبيب وعاصم * وكان شفاء لو تداركت خالدا وذكر ابن سعد أن البعث كانوا عشرة وذكر الستة الذين ذكرناهم وزاد ومعتب ابن عبيد وهو أخو عبدالله بن طارق لامه ولم يذكر الباقين. وذكر ابن عقبة أيضا معتب بن عبيد فيهم وذكر أن الذى قيل له أتحب ان محمدا مكانك هو هو خبيب بن عدى حين رفع على الخشبة فقال لا والله فضحكوا منه. قال وقال خبيب اللهم انى لا أجد إلى رسولك رسولا غيرك فأبلغه منى السلام وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو جالس في ذلك اليوم الذى قتلا فيه وعليكما أو عليك السلام خبيب قتلته قريش ولا يدرون أذكر زيد بن الدثنة معه أم لا. وزعموا أنهم رموا زيد بن الدثنة بالنبل وأرادوا فتلته فلم يزدد إلا ايمانا وتثبيتا، وزعموا أن عمرو بن أمية الضمرى دفن خبيبا. قال أبو عمر وروى عمرو بن أمية الضمرى قال بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خبيب بن عدى لا نزله من الخشبة فصعدت خشبته ليلا فقطعت عنه وألقيته فسمعت وجبة (1) خلفي فالتفت فلم أر شيئا. وقال ابن عقبة واشترك في ابتياع خبيب زعموا أبو أهاب بن عزيز وعكرمة بن أبى جهل والاخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم ابن الاوقص وأمية بن أبى عتبة وبنو الحضرمي وصفوان بن أمية بن خلف


(1) أي صوتا (*)

[ 15 ]

وهم أبناء من قتل من المشركين يوم بدر ودفعوه إلى عقبة بن الحارث فسحنه في داره - الحديث. وكان فيما أنزل الله تعالى في المنافقين الذين كانوايامز ونهم وفيهم من القرآن (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) إلى أن ذكر هم فقال (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله) الآية. ومما قاله حسان يهجو هذيلا لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم أحاديث لحيان صلوا بقبيحها * ولحيان ركابون شر الجرائم هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت * أمانتهم ذا عفة ومكارم قبيلة ليس الوفاء بهمهم * وان ظلموا لم يدفعوا كيف ظالم إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم * بمجرى مسيل الماء بين المخارم محلهم دار البوار ورأيهم * إذا نابهم أمر كرأى البهائم الدبر ذكر النحل. (1)


(1) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 16 ]

[ قصة بئر معونة ] وكان في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد عند ابن اسحق. قال وكان من حديثهم كما حدثنى أبى اسحق بن يسار عن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث ابن هشام وعبد الله بن محمد بن أبى بكر بن عمرو بن حزم (1) وغيرهم من اهل العلم قالوا قدم أبو براء عامر بن مالك بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الاسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد عن الاسلام وقال يا محمد لو بعثت رجالا من اصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى اخشى اهل نجد عليهم قال ابو براء انا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخى بنى ساعدة المعبق ليموت في اربعين وعن غير ابن اسحق في سبعين رجلا من اصحابه من خيار المسلمين فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهى بين ارض بنى عامر وحرة بنى سليم كلا البلدين منها قريب وهى إلى حرة بنى سليم اقرب فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصية ورعلا فأجابوه إلى ذلك ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم فقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم رحمهم الله إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار فانهم تركوه وبه


(1) لعله عبدالله بن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. (*)

[ 17 ]

رمق فارتث (1) من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا رحمه الله. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى ورجل آخر من الانصار أحد بنى عمرو ابن عوف. قال ابن هشام هو المنذر بن محمد بن عقبة بن احيحة بن الجلاح. قال ابن اسحق فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا والله ان لهذه الطير لشأنا فأقبلا ينظر ان فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التى أصابتهم واقفة فقال الانصاري لعمرو بن أمية ماذا ترى قال نرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر فقال الانصاري لكنى ما كنت لارغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل رحمه الله وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبر هم انه من مضر أخذه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فحرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقوة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه فكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما فقالا من بنى عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى ان قد أصاب بهما تؤرة من بنى عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لادينهما ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عمل أبى براء قد كنت لهذا كارها متخوفا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه اخفار عامر إياه وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه. وقال حسان بن ثابت يحرض بنى أبى براء على عامر بن الطفيل: بنى أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبى براء * ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعى * فما أحدثت في الحدثان بعدى أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد


(1) ارتث مبنيا للمجهول أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق. (*)

[ 18 ]

أم البنين هي أم ابى البراء من بنى عامر بن صعصعة فحمل ربيعة بن أبى براء على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه فأشواه (1) ووقع عن فرسه فقال هذا عمل ابى براء إن انامت فدمي لعمى فلا يتبعن به وان اعش فسأرى رأيى. قال أبو عمر ذكر عبد الرزاق عن معمر عن ثمامة بن عبدالله بن انيس عن انس بن مالك ان حرام بن ملحان وهو خال انس طعن يوم بئر معونة في رأسه فتلقى دمه بكفه ثم نضحه (2) على رأسه ووجهه وقال فزت ورب الكعبة. وقيل ان حرام بن ملحان ارتث يوم بئر معونة فقال الضحاك بن سفيان الكلابي وكان مسلما يكتم إسلامه لامرأة من قومه هل لك في رجل ان صح كان نعم المراعى فضمته إليها فعالجته فسمعته يقول: أتت عامر ترجو الهوادة بيننا * وهل عامر إلا عدو مداجن إذا ما رجعنا ثم لم تك وقعة * بأسيافنا في عامر أو نطاعن فلا ترجونا ان تقاتل بعدنا * عشائرنا والمقربات الصوافن فوثبوا عليه فقتلوه والاول اصح. وقتل يومئذ عامر بن فهيرة قتله عامر بن الطفيل من طريق يونس بن بكير عن ابن اسحق عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما قدم عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له من الرجل الذى لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض حتى رأيت السماء دونه ثم وضع فقال له هو عامر بن فهيرة. وروى ابن المبارك عن يونس عن ابن شهاب قال زعم عروة بن الزبير أن عامر بن فهيرة قتل يومئذ فلم يوجد جسده حين دفنوا يرون ان الملائكة دفنته رحمه الله والله اعلم بالصواب.


(1) يقال رمى فأشوى إذا لم يصب المقتل (2) أي: رشه.

[ 19 ]

[ وممن استشهد يوم بئر معونه ] عامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق وهو ابن اربعين سنة قديم الاسلام سلم قبل ان يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الارقم بن ابى الارقم. والحكم بن كيسان مولى بنى مخزوم. والمنذر بن محمد بن عقبة بن احيحة بن الجلاح. وابو عبيدة بن عمرو بن محصن. والحارث بن الصمة بن عمرو ابنا عتيك بن عمرو بن مبذول. وابى بن معاذ بن انس بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن مالك بن النجار واخوه انس. وابن اسحق وابن عقبة يسميانه اوسا، والواقدى يقول ان انسا هذا مات في خلافة عثمان. وابو شيخ ابن ابى بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة ابن عدى بن عمرو بن مالك بن النجار، وحرام وسليم ابنا ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار، واسم ملحان مالك، وهما اخوا ام سليم ام انس بن مالك واخوا ام حرام امرأة عبادة بن الصامت ومالك وسفيان ابنا ثابت من الانصار من بنى النبيت، وذلك مما انفرد به محمد بن عمر الواقدي لم يوجد ذكر مالك وسفيان في شهداء بئر معونة عن غير محمد بن عمر وعروة بن اسما بن الصلت من بنى عمرو بن عوف من حلفائهم، وقطبة بن عبد عمرو بن مسعود بن كعب بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار، والمنذر بن عمرو بن خنيس بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة وهو اميرهم، ومعاذ ابن ماعص بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق واخوه عائذ، وغير الواقدي يقول جرح معاذ ببدر ومات منه بالمدينة، وقيل في عائذ مات باليمامة، ومسعود بن سعد ابن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق عند الواقدي، واما ابن القداح فقال مات بخيبر، وخالد بن ثابت بن النعمان بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر، وقيل بل قتل خالد بن ثابت بمؤتة، وسفيان بن حاطب بن امية بن رافع بن سويد بن حرام بن الهيثم بن ظفر، وسعد

[ 20 ]

ابن عمرو بن ثقف واسمه كعب بن مالك بن مبذول وابنه الطفيل وابن اخيه سهل بن عامر بن سعد بن عمرو بن ثقف، وعبد الله بن قيس بن صرمة بى ابى انس بن صرمة بن مالك بن عدى بن النجار، ونافع بن بديل ورقاء الخزاعى وفيه يقول عبدالله بن رواحة يرثيه: رحم الله نافع بن بديل * رحمة المبتغى ثواب الجهاد صابرا صادق اللقاء إذا ما * اكثر القوم قال قول السداد ذكر هؤلاء المستشهد بن ابو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه ذيل المذيل من رواية ابن عبد البر عن ابى عمر احمد بن محمد بن الجسور عن ابى بكر احمد بن الفضل ابن العباس الخفاف عنه ومن اصل ابى عمر بن عبد البر نقلت، وعند ابن سعد فيهم الضحاك بن عبد عمرو بن مسعود بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار بن النجار، وذكر ابن القداح فيهم عمرو بن معبد بن الازعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة من بنى عمرو بن عوف واسمه عند ابن اسحق عمرو، وهو عند ابن القداح عمير، وذكر ابن الكلبى خالد بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ابن النجار في شهداء بئر معونة، وذكر ابو عمر النمري في الاستيعاب سهيل بن عامر ابن سعد فيهم واظنه سهل بن عامر الذى ذكرناه على انه ذكر ذلك في ترجمتين احداهما في باب سهل والاخرى في باب سهيل، والمختلف في قتله في هذه الواقعة مختلف في حضوره فأرباب المغازى متفقون على ان الكل قتلوا إلا عمرو بن امية الضمرى، وكعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار فانه جرح يوم بئر معونة ومات بالخندق. وقال ابن سعد لما أحيط بهم قالوا اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك فأقرئه منا السلام فأخبره جبريل عليه السلام بذلك فقال وعليهم السلام وقال فقد عمرو بن أمية عامر بن فهيرة من بين القتلى فسأل عنه عامر بن الطفيل فقال قتله رجل من بنى كلاب يقال له جبار بن سلمى فلما قتله قال فزت والله ورفع إلى السماء فأسلم جبار بن سلمى لما رأى من قتل عامر بن فهيرة ورفعه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الملائكة وارت جثته وأنزل عليين. وروينا

[ 21 ]

عن ابن سعد قال انا الفضل بن دكين فثنا سفيان بن عيينة عن عاصم قال سمعت انس بن مالك قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة. وروينا من طريق مسلم قال حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن اسحق بن عبدالله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله. قال أنس أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه ثم نسخ بعد " أن بلغوا قومنا ان قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه " كذا وقع في هذه الرواية وهو يوهم ان بنى لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم. وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع وإنما أتى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم كلهم في وقت واحد فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدا.

[ 23 ]

[ غزوة بنى النضير ] وهى عند ابن اسحق في شهر ربيع الاول على رأس خمسة أشهر من وقعة أحد، وقال البخاري قال الزهري عن عروة كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد. قال موسى بن عقبة وكانوا قد دسوا إلى قريش في قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضوهم على القتال ودلوهم على العورة. قال ابن اسحق وغيره ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير ليستعينهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتل عمرو بن أمية الضمرى للجوار الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما وكان بين بنى النضير وبنى عامر عقد وحلف فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في ديتهما قالوا نعم يا أبا القاسم نعيك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه (1)، ثم خلا بعضهم ببعض وقالوا انكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقى عليه صخرة فير يحنامنه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال انا لذلك فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم. وقال ابن سعد فقال سلام بن مشكم يعنى لليهود لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به وانه لنقض العهد الذى بيننا وبينه. رجع إلى خبز ابن اسحق قال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة فلما


(1) في الظاهرية زيادة " اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك فجلس إلى ظل جدار من جدر دورهم. (*)

[ 24 ]

؟ ؟ ؟ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا من المدينة مقبلا فسألوه فقال رأيته داخلا إلى المدينة فأقبل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه فأخبر الخبر هم بما كانت أرادت يهود من الغدر به. قال ابن عقبة ونزل في ذلك (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ان يبسطوا اليكم) الآية. رجع إلى خبر ابن اسحق فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام، وقال ثم سار بالناس حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال ونزل تحريم الخمر. قال ابن اسحق فتحصنوا منه في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها، وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج منهم عبدالله بن أبى بن سلول ووديعة بن مالك بن أبى قوقل وسويد وداعس بعثوا إلى بنى النضير أن اثبتوا وتمنعوا فانا لمن نسلمكم ان قوتلتم قاتلنا معكم وان أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على ان لهم ما حملت الابل من اموالهم إلا الحلقة (1) ففعل فاحتملوا من اموالهم ما استقلت به الابل فكان الرجل يهدم بيته عن نجاف بابه (2) فيضمه على بعيره فينطلق بن فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت له خاصة يضعها حيث يشاء، ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان يامين بن عمرو (3) بن كعب بن عمر عمرو بن جحاش وأبو


(1) الحلقة بسكون اللام هي السلاح عاما وقيل الدروع. (2) أسكفة الباب. (3) لعل صوابه " بن عمير " كما ذكره المؤلف في غزوة تبوك وكما هو عند ابن عبد البر وابن هشام والذهبي. (*)

[ 25 ]

سعيد (1) بن وهب اسلما فاحرزا أموالهم بذلك، ويقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين ألم تر إلى ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني فجعل يامين جعلا لمن يقتله فقتل ونزل في أمر بنى النضير سورة الحشر، قال ابن عقبة ولحق بنو أبى الحقيق بخيبر ومعهم آنية كثيرة من فضة قد رآها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين خرجوا بها وعمد حيى بن أخطب حتى قدم مكة على قريش فاستغواهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنصر هم وبين الله عزوجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث أهل النفاق وما بينهم وبين اليهود. وفيما ذكر ابن سعد من الخبر عن بنى النضير أنهم حين هموا بغدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمه الله بذلك ونهض سريعا إلى المدينة بعث إليهم محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنونى بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشرا فمن رؤى بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون وأرسلوا إلى ظهر (2) لهم بذى الجدر وتكاروا من ناس من أسجع ابلا فأرسل إليهم ابن أبى لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم فان معى ألفين من قومي ومن العرب يدخلون حصنكم فيموتون من آخرهم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيى فيما قال ابن أبى فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انا لا ؟ ؟ ؟ من ديارنا فاصنع ما بدالك فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت يهود فسار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه فصلى العصر بفناء بنى النضير وعلى يحمل رايته واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم وخذلهم ابن أبى وحلفاؤهم من غطفان فيئسوا من نصرهم فحاصر هم رسول الله صلى الله عليه وسلم و ؟ ؟ ؟ نخلهم وقالوا نحمن نخرج عن بلادك فقال لا أقبله اليوم ولكن أخرجوا منهم ولكم دماؤ وما حملت الابل إلا الحلقة فنزلت يهود على ذلك وكان حاصر هم خمسة عشر يوما فكانوا


(1) لعله " سعد " كما في تجريد الذهبي وتلقيح ابن الجوزى والاستيعاب وسيرة ابن هشام. (2) أي إبل. (*)

[ 26 ]

يخربون بيوتهم بأيديهم ثم أجلاهم عن المدينة وولى اخراجهم محمد بن مسلمة وحملوا النساء والصبيان وتحملوا على ستمائة يعير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء في قومهم بمنزلة بنى المغيرة في قريش فلحقوا بخيبر وحزن المنافقون عليهم حزنا شديدا وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم الاموال والحلقة فوجد من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا، وكانت أموال بنى النضير صفيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حبسا لنوائبه ولم يخمسها ولم يسهم منها لاحد وقد أعطى ناسا من أصحابه ووسع في الناس منها، وذكر أبو عبد الله الحاكم في كتاب الاكليل له باسناده إلى الواقدي عن معمر بن راشد عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أم العلاء قالت طار لنا عثمان بن مظعون في القرعة فكان في منزلي حتى توفى قالت فكان المسلمون والمهاجرون في دورهم وأموالهم فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير دعا ثابت بن قيس بن شماس فقال ادع لى قومك فقال ثابت الخزرج يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار كلها فدعا له الاوس والخزرج فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم ذكر الانصار وما صنعوا بالمهاجرين وانزالهم اياهم في منازلهم وأموالهم وأثرتهم على أنفسهم ثم قال ان أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله على من بنى النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من ؟ ؟ ؟ في منازلكم وأموالكم وان أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم فتكلم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا يا رسول الله بل ؟ ؟ ؟ بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا ونادت الانصار رضينا وسلمنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أفاء الله عليه وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدا من الانصار شيئا الا رجلين كانا محتاجين سهل بن حنيف وأبا دجانة وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبى الحقيق وكان سيفا له ذكر عندهم. وذكر أبو بكر احمد بن يحيى ابن جابر البلاذرى في كتاب فتوح البلدان له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للانصار ليست لاخوانكم من المهاجرين أموال فان شئتم قسمت هذه وأموالكم

[ 27 ]

بينكم وبينهم جميعا وان شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه فيهم خاصة فقالوا بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت فنزلت (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) قال أبو بكر رضى الله عنه جزاكم الله يا معشر الانصار خيرا هو الله امثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوى: جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت * بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا * تلاقى الذى يلقون منا لملت قال وكانت أموال بنى النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة وما فضل جعله في الكراع والسلاح. وروينا من طريق البخاري قال حدثنى اسحق قال أنا حبان فثنا جوبرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم حرق نخل بنى النضير، قال ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بنى لؤى * حريق بالبويرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحرث: أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في نواحيها السعير ستعلم أينا منها بتره * ونعلم أي أرضينا تضير (1) هذه رواية البخاري، وقال أبو عمرو الشيباني وغيره ان أبا سفيان بن الحارث قال: لعز على سراة بنى لؤى * حريق بالبويرة مستطير ويروى بالبويلة.


(1) روى بالضاد المعجمة بمعنى تضر، وروى بالصاد المهملة بمعنى تشق ونقطع (*)

[ 28 ]

؟ ؟ ذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير بن العوام وأبا سلمة البويلة من أرضهم فأجابه حسان أدام الله ذالكم حريقا * وضرم في طوائفها السعير هم أوتوا الكتاب فضيعوه * فهم عمى عن التوراة بور هذه أشبه بالصواب من الرواية الاولى.

[ 29 ]

[ غزوة ذات الرقاع ] قال ابن اسحق ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بنى النضير شهر ربيع، وقال الوقشى الصواب شهرى ربيع وبعض جمادى. ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ويقال عثمان بن عفان فيما قال ابن هشام وقال حتى نزل نخلا وهى غزوة ذات الرقاع وسميت بذلك لانهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع وقيل لان أقدامهم نقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل بل الجبل الذى نزلوا عليه كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع. قال ابن اسحق فلقى بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ثم انصرف بالناس. قال ابن سعد وكان ذلك أول ما صلاها وبين الرواة خلف في صلاة الخوف ليس هذا موضعه. رجع إلى الاول قال ابن اسحق حدثنى عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر ابن عبدالله أن رجلا من بنى محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا قالوا بلى وكيف نقتله قال أفتك به قال فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه في حجره فقال يا محمد أنظر إلى سيفك هذا قال نعم فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم فيكبته الله ثم قال يا محمد أما تخافني قال لا وما أخاف منك قال وفى يدى السيف قال لابل يمنعنى الله منك قال ثم عمد إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليه فأنزل الله تبارك وتعالى (يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم) الآية. وقد رواه من حديث جابر أيضا أبو عوانة وفيه فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يمنعك قال كن خير آخذ قال تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول

[ 30 ]

الله قال الاعرابي أعاهدك انى لا اقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك قال فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله فجاء إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس. قلت وقد تقدم في غزوة ذى أمر خبر لرجل يقال له دعنور بن الحارث من بنى محارب يشبه هذا الخبر قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصيف فقال من يمنعك منى اليوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال من يمنعك منى قال لا أحد أشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ثم اتى قومه فجعل يدعوهم إلى الاسلام ونزلت (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم) الآية والظاهر أن الخبرين واحد، وقد قيل ان هذه الآية نزلت في امر بنى النضير كما سبق فالله اعلم، وفى انصرافه عليه السلام من هذه الغزوة أبطأ جمل جابر بن عبدالله بن فنخسه النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق متقدما بين يدى الركاب ثم قال اتبيعنيه فابتاعه منه وقال له لك ظهره إلى المدينة فلما وصل إلى المدينة أعطاه الثمن ووهب له الجمل (1). وقال ابن سعد قالوا قدم قادم المدينة بجلب له فأخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن انمار وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة من أصحابه ويقال سبعمائة فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع فلم يجد في محالهم إلا نسوة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعال بن سراقة بشيرا لسلامته المسلمين قال وغاب خمس عشرة ليلة. وروينا في صحيح البخاري من حديث أبى موسى أنهم نقبت أقدامهم فلفوا عليها الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع وجعل حديث أبى موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر وذلك ان أبا موسى إنما قدم مع أصحاب السفينتين بعد هذا بثلاث سنين، والمشهور في تاريخ غزوة ذات الرقاع ما قدمناه وليس في خبر أبى موسى ما يدل على شئ من ذلك. وغورث مقيد بالغين معجمة ومهملة وهو عند بعضهم مصغر بالعين المهملة.


(1) في البخاري ان اشتراء جمل جابر كان بطريق تبوك، قال الحافظ ابن حجر في شرحه جزم ابن اسحق عن وهب بن كيسان أنه في ذات الرقاع وأهل المغازى لمثل هذا. (*)

[ 31 ]

[ غزوة بدر الاخيرة ] قال ابن اسحق ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الاولى إلى آخر رجب ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان حتى نزله. قال ابن هشام واستعمل على المدينة عبدالله بن عبدالله ابن أبى سلول الانصاري. قال ابن اسحق فأقام عليه ثمان ليال ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في اهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران وبعض الناس يقول قد بلغ عسفان ثم بدا له في الرجوع فقال يا معشر قريش انه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن وان عامكم هذا عام جدب وانى راجع فارجعوا فرجع الناس وسماهم اهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق واقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده فأتاه مخشى بن عمرو الضمرى وهو الذى كان وادعه على بنى ضمرة في غزوة ودان فقال يا محمد اجبث لميعاد قريش على هذا الماء قال نعم يا أخا بنى ضمرة وان شئت مع ذلك رددنا اليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك قال لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك حاجة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وروى الحاكم في الاكليل عن الواقدي قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة في الف وخمسمائة من اصحابه وكانت الخيل عشرة افراس فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لابي بكر وفرس لعمر وفرس لابي قتادة وفرس لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وفرس للمقداد وفرس للخباب وفرس للزبير وفرس لعباد بن بشر، وذكر عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف على المدينة عبدالله بن رواحة.

[ 32 ]

[ غزوة دومة الجندل ] ودومة بضم الدالى وفتحها سميت بدومة ابن اسمعيل لانه نزلها ثم غزار رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل، قال ابن هشام في شهر ربيع الاول واستعمل على المدينة سباغ بن عرفطة الغفاري ثم رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ؟ ؟ ؟ إليها ولم يلق كيدا فأقام بالمدينة بقية سنته، وقال ابن سعد قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بدومة الجندل جمعا كثيرا يظلمون من مربهم وأنهم يريدون ان يدنوا من المدينة وهى طرف من أفواه الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة أوست عشرة ليلة فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الاول في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكن النهار ومعه دليل له من بنى عذرة يقال له مذكور فلما دنا منهم إذا هم مغربون وإذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يلق بها أحدا فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها فرجعت ولم تصب منهم أحدا وأخذ منهم رجل فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم فعرض عليه الاسلام فأسلم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لعشر ليال بقين من شهر ربيع الآخر. وفى هذه الغزوة وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن ان يرعى بتغلمين وما والاها إلى المراض وكانت بلاده قد أجدبت. (1)


(1) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 33 ]

[ غزوة الخندق ] وقال ابن اسحق ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس (1)، وقال ابن سعد في ذى القعدة فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير ومن لا أتهم عن عبدالله بن كعب بن مالك ومحمد بن كعب القرظى والزهرى وعاصم ابن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر وغيرهم من علمائنا كل قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض قالوا إنه كان من حديث الخندق ان نفرا من يهود منهم سلام بن مشكم وابن أبى الحقيق وحيى بن أخطب وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق النضريون وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائلي في نفر من بنى النضير ومن بنى وائل وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش مكة يدعونهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا انا سنكون معكم عليه حتى ؟ ؟ ؟ صله فقالت لهم قريش يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما اصبحنا تختلف فيه أفديننا خير أم دينه قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فأنزل الله فيهم (ألم تر إلى الذين أوتو انصببا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) الآية إلى قوله (وكفى بجهنم سعيرا) فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا لذلك واتعدوا له ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاء واغطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم واخبر وهم انهم سيكونون معهم عليه وان قريشا قد تابعوهم


(1) حديث ابن عمر " عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة... " الذى في الصحيحين احتج به ابن حزم وتاج الدين الفاكهانى في رياض الافهام على أنها كانت في سنة اربع. (*)

[ 34 ]

على ذلك واجتمعوا معهم فيه فخرجت قريش وقائدها ابو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بنى فزارة والحرث بن عوف المرى في بنى مرة ومسعود بن رخيلة فيمن تابعه من اشجع فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما اجمعوا له من الامر ضرب على المدينة الخندق فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر وعمل معه المسلمون فيه فدأب ودأبوا وابطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعف من العمل ويتسللون إليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اذن وجعل الرجل من الملمين إذا نابته النائبة من الحاجة التى لابد له منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بها فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان عليه من عمله رغبة في الخير واحتسابا به. قرأت على السيدة الاصيلة مؤنسة خاتون ابنة المولى السلطان الملك العادل سيف الدين ابى بكر بن ايوب رحم الله سلفها اخبرتك الشيخة الاصيلة ام هانئ عفيفة بنت احمد بن عبدالله الفارقانية اجازة قالت انا ابو طاهر عبد الواحد بن احمد ابن محمد بن الصباغ قال انا ابو نعيم قال انا ابو على محمد بن احمد بن الحسن فثنا ابو جعفر محمد بن نصر الصايغ فئنا ابراهيم بن حمزة فثنا عبد العزيز بن محمد عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال بعثنى خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته وهو بالخندق فأذن لى وقال لي من لقيت منهم فقل لهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ان ترجعوا قال فكان ذلك في برد شديد فلقيت الناس فقلت لهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ان ترجعوا قال والله ما عطف على منهم اثنان أو واحد. كذا وقع في هذا الخبر عثمان بن مظعون وعثمان بن مظعون توفى قبل هذا واخوة عثمان قذامة والسائب وعبد الله تأخروا. وقدامة مذكور فيمن شهد الخندق وهم أخوال عبدالله بن عمر رضى الله عنهم، قال ابن اسحق فأنزل الله عزوجل في ذلك (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) إلى قوله (إن الله غفور رحيم) ثم قال يعنى للمنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون من غير إذن (لا تجعلوا دعاء الرسول

[ 35 ]

بينكم كدعاء بعضكم بعضا) الآية إلى قوله (أو يصيبهم عذاب أليم ألا ان الله ما في السموات والارض - قد يعلم ما أنتم عليه من صدق أو كذب إلى قوله - والله بكل شئ عليم) وقال ابن سعد وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف وعقدوا اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة وقادوا معهم ثلثمائة فرس وكان معهم ألف وخمسمائة بعير وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب ورأتهم بنو سليم بمر الظهران وكانوا سبعمائة يقودهم سفيان بن سيد شمس حليف حرب بن أمية وهو أبو أبي الاعور السلمى الذى كان مع معاوية بصفين وخرجت معهم بنو أسد يقود هم طليحة بن خويلد الاسدي، وخرجت فزارة فأوعبت وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن، وخرجت اشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة وخرجت بنومرة وهم أربعمائة يقودهم الحرث بن عوف وخرج معهم غيرهم. وقد روى الزهري ان الحرث بن عوف رجع بنى مرة فلم يشهد الخندق منهم احد، وكذلك روت بنو مرة والاول اثبت انهم شهدوا الخندق مع الحرث بن عوف فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن ذكر من القبيلة عشرة آلاف وهم الاحزاب وكانوا ثلاثة عساكر وعناج (1) الامر إلى ابى سفيان فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس واخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في امرهم فأشار عليه سلمان بالخندق فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح سلع وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف واستخلف على المدينة ابن ام مكتوم ثم خندق على المدينة فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده لينشط الناس وكمل في ستة ايام. انتهى ما نقله ابن سعد. وغيره يقول حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه في الخندق بضع عشرة ليلة وقيل أربعا وعشرين وكان في حفر الخندق آيات من أعلام النبوة منها أن جابرا كان يحدث أنه اشتهد عليهم في بعض الخندق كدية (2) فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول وضرب فعاد كثيبا


(1) أي: ملاكه وما يقوم به. (2) قطعة صلبة لا يعمل فيها الفأس. (*)

[ 36 ]

أهيل (1). وروى في هذا الخبر أنه عليه السلام دعا بماء فتفل عليه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها فو الذى بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة. ومنها خبر الحفنة من التمر الذى جاءت به ابنة بشير بن سعد لابيها وخالها عبدالله بن رواحة ليتغديا به فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتيه فصبته في كفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملاهما ثم أمر بثوب فبسط لم ثم قال لانسان عنده اصرخ في أهل الخندق ان هلم إلى الغداء فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وانه ليسقط من أطراف الثوب. ومنها حديث شويهة جابر وكانت غير عبد سمينة قال صنعتها وإنما أريد أن ينصرف معى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فلما قلت له أمر صارخا فصرخ ان انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبدالله قال قلت إنا لله وإنا إليه راجعون قال فأقبل الناس معه فجلس فأخرجناها إليه فبرك ثم سمى الله عزوجل ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء آخرون حتى صدر أهل الخندق عنها. رواه البخاري وفيه: وهم الف فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا وان برمتنا لتغط كما هي وان عجيننا ليخبز كما هو، ومنها حديث سلمان الفارسى أنه قال ضربت في ناحية من الخندق فغلظت على ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب منى فلما رأني أضرب ورأى شدة المكان على نزل فأخذ المعول من يدى فضربه ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم ضرب به أخرى فلمعت تحته برقة أخرى ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى قال قلت بأبى وأمى أنت يا رسول الله ما هذا الذى رأيت يلمع تحت المعول وأنت تضرب قال أو قد رأيت ذلك يا سلمان قال قلت نعم قال أما الاولى فان الله فتح على بها اليمن وأما الثانية فان الله فتح على بها الشام والمغرب وأما الثالثة فان الله فتح على بها المشرق. قال أبن اسحق وحدثني من لا أتهم عن أبى هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الامصار في زمن عمر وزمن عثمان افتتحوا ما بدا لكم فو الذى نفس أبى هريرة بيده ما فنحتم من مدينة ولا نفتخر لها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله


(1) أي: رملا سائلا (*)

[ 37 ]

محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك. ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال وغطفان ومن تبعهم بذنب نقمي إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالنساء والذراري أن يجعلوا في لآطام (1). وقال ابن سعد كان لواه المهاجرين بيد زيد بن حارثة ولواء الانصار بيد سعد بن عبادة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير وذلك أنه كان يخاف على الذرارى من بنى قريظة، وكان عماد بن بشر على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيره من الابصار بحرسونه كل ليلة. كذا قال ابن سعد في هذا الموضع، وقال في باب حراس النبي صلى الله عليه وسلم حرسه يوم بدر حين نام في العريش سعد بن معاذ ويوم أحد محمد بن مسلمة ويوم الخندق الزبير بن العوام. رجع إلى ابن سعد: وكان المشركون يتناوبون بينهم فيفدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما ويغدو خالد بن الوليد يوما ويغدو عمرو بن العاص يوما ويغدو هبيرة بن أبى وهب يوما ويغدو عكرمة ابن أبى جهل يوما ويغدو ضرار بن الخطاب الفهرى يوما فلا يزالون يجبيلون خيلهم ويتفرقون مرة ويجتمعون أخرى ويناوشون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدمون رماتهم فيرمون. رجع إلى ابن اسحق: وخرج عدو الله حيى بن اخطب النضرى حتى أتى كعب ابن أسد القرظى صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده على ذلك فلما سمع كعب بحيى أغلق دونه باب حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيى ويحك يا كعب افتح لى قال ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤم وانى قد عاهدت محمدا فلست ناقض ما بينى وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا قال ويحك افتح لى أكلمك قال ما أنا بفاعل قال والله ان اغلقت دوني إلا تخوفا على جشيشتك (2) ان أكل معك منها فأحفظ الرجل (3) ففتح له فقال ويحك


(1) أي: الابنية المرتفعة (2) الجشيشة هي أن تطحن الحنطة ثم تجعل في القدرر ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ. ويقال لها لدشيشة بالدال. (3) أي أغضبه.

[ 38 ]

يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش حتى انزلهم بمجتمع الاسيال من رومة وغطفان حتى أزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدونى على ان لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه قال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام (1) قد هراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شئ ويحك يا حيى دعني وما أنا عليه فانى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء فلم يزل حبى بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على ان اعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا ان ادخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده ويرئ مما كان بينه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام فلما انتهى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابن رواحة وخوات بن جبير فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم فان كان حقا فالحنوا إلى لحنا حتى أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وان كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا بذلك للناس فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم نالوا من رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالوا من رسول الله لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، وذكر ابن عائذ أن الذى شاتمهم سعد بن عبادة والذى قال له ما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة سعد بن معاذ ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما على رسول الله عليه الصلاة والسلام فسلموا عليه ثم قالوا بمضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى فلن المؤمنون كل ظن ولحم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقيل لم يكن معتب من المنافقين وقد شهد بدرا. قاله ابن هشام. وقال ابن عائذ وقال رجال ممن معه يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. قال ابن اسحق وقال أوس بن قيظى يا رسول الله


(1) السحاب الذى لا ماء فيه. (*)

[ 39 ]

ان بيوتنا عورة من العدو وذلك عن ملا من رجال قومه فاذن لنا أن نخرج فنرجع إلى ديارنا فانها خارج من المدينة. فأقام رسول الله عليه الصلاة والسلام وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة قريب من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمى بالنبل والحصار: وقال ابن عائذ وأقبل نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومى على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله الله وكبر ذلك على المشركين وأرسلوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام انا نعطيكم الدية على أن تدفعوه الينا فندفنه فرد إليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه خبيث خبيث الدية فلعنه الله ولمن ديته ولا ممنعكم ان تدفنوه ولا ارب لنا في ديته، وقيل اعطوا في جثته عشرة آلاف. قال ابن اسحق وبعث رسول الله عليه الصلاة والسلام كما حدثنى عاصم بن عمر عن الزهري إلى عيينة بن حصن من حذيفة ابن بدر الفزارى والى الحارث بن عوف المرى وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهما للصلح حتى كتبوا الكتب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك فلما أراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يذكر ذلك لهما واستشار هما فيه فقالا يا رسول الله أنمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا قال بل شئ أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلى انى رأيت العرب قدر منكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الاوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة الا قرى أو بيعا فحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا مالنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام فأنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدود وعكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن أبى وهب وضرار بن الخطاب تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل

[ 40 ]

بنى كنانه فقالوا نهيؤا يا بنى كنانه للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم ثم اقبلوا تعنق (1) بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلمار أوه قالوا والله ان هذه لكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج على بن أبى طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم النغرة التى أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم. وكان عمرو بن عبدودقد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال من يبارز فبرز له على بن أبى طالب رحمه الله، وذكر ابن سعد في هذا الخبر أن عمرا كان ابن تسعين سنة فقال على أنا أبارزه فأعطاه رسول الله عليه الصلاة والسلام سيفه وعممه وقال اللهم أعنه عليه. رجع إلى الاول فقال له يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى احدى خلتين إلا أخذتها منه قال له أجل قال له على فانى أدعوك إلى الله والى رسوله عليه الصلاة والسلام والى الاسلام قال لا حاجة لى بذلك قال له على فانى أدعوك إلى النزال قال له لم يا ابن أخى فوالله ما أحب أن أقتلك قال على لكنى والله أحب أن أقتلك قال فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل على على فتناولا وتجاولا فقتله على وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقال على في ذلك: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت دين محمد بضراب فصددت حين تركته متجد لا * كالجذع بين دكادك ورواب وعففت عن أثوابه ولو اننى * كنت المقطر بزنى أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب وعن ابن اسحق من غير رواية الكائى أن عمرا لما نادى بطلب من يبارزه


(1) العنق هو نوع من سير الابل والدواب. (*)

[ 41 ]

قام على رضى الله عنه وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبى الله فقال له اجلس انه عمرو ثم كرر عمرو النداء وجعل يؤنبهم ويقول أين جنتكم التى تزعمون انه من قتل منكم دحلها أفلا تبرزون لى رجلا فقام على فقال أنا يا رسول الله فقال اجلس انه عمرو ثم نادى الثالثة وقال: ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع وقفة الرجل المناجز وكذاك أنى لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز فقام على رضى الله عنه فقال أنا له يا رسول الله فقال انه عمرو فقال وان كان عمرا فأذن له رسول الله عليه الصلاة والسلام فمشى إليه على وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق منجى كل فائز انى لارجو أن أقيم * عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز فقال عمرو من أنت قال أنا على قال ابن عبد مناف قال أنا على بن أبى طالب فقال غيرك يا ابن أخى من أعمامك من هو أسن منك فانى أكره ان اهريق دمك فقال على لكنى والله ما أكره ان اهريق دمك فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو على مغضبا ويقال انه كان على فرسه فقال له على كيف أقاتلك وأنت على فرسك ولكن انزل معى فنزل عن فرسه ثم أقبل نحوه فاستقبله على بدرقته فضربه عمرو فيها فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه فضربه على على حبل العاتق فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله عليه الصلا والسلام التكير فعرف أن عليا قد قتله. قال ابن هشام وكان شعار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم الخندق ويوم بنى قريظة (حم لا ينصرون).

[ 42 ]

قال ابن اسحق وحدثني أبو ليلى عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالرحمن الانصاري أخو بنى حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة يوم الخندق وكان من أحصن حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن قالت وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمر سعد وعليه درع له مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفى يده حربته يرقد (1) بها ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل (2) * لا بأس بالموت إذا حان الاجل فقالت له أمه الحق أي بنى فقد والله أخرت قالت عائشة رضى الله عنها فقلت لها يا أيام سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فرمى سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الاكحل رماه كما حدثنى عاصم حبان بن العرقة أحد بنى عامر بن لؤى فلما أصابه قال خذها منى وأنا ابن العرقة فقال له سعد عرق الله وجهك في النار. ويقال بل الذى رماه خفاجة بن عاصم بن جبارة وقيل بل الذى رماه أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم. رجع إلى ابن اسحق ثم قال سعد اللهم ان كنت ابقيت من حرب قريش شيئا فابقني لها فانه لا قوم أحب إلى ان أجاهد من قوم آذوا رسولك واخرجوه وكذبوه اللهم ان كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريطة. وذكر ابن عائذ أن المشركين جهزوا نحو رسول الله عليه الصلاة والسلام كتيبة عظيمة غليظة فقاتلوهم يوما إلى الليل فلما حضرت العصر دنت الكتائب فلم يقدر النبي عليه الصلاة والسلام ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على ما أرادوا فانكفأت مع الليل فزعموا أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال شغلونا عن صلاة العصر ملا الله بطونهم وقبورهم نارا. وقرأت على أبى النور إسمعيل بن نور بن قمر الهبتى أخبركم الشيخ أبو نصر موسى بن عبد القادر الجبلى قراءة عليه وانت تسمع فأقر به قال انا ابو بكر بن


(1) الارقداد هو الاسراع. (2) بفتح الحاء والميم وهو حمل بن سعدانة بن حارثة الكلبى. (*)

[ 43 ]

الزاغونى قال أنا ابن البسرى قال انا المخلص فثنا يحيى بن محمد فثنا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي فثنا أبو مالك الجنبى عمرو بن هاشم فثنا يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيب عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ما صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم الخندق الظهر والعصر حتى غابت الشمس. رواية سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ذهب بعض الناس إلى انها مرسلة لانه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقيل ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر وهو الصحيح ان شاء الله فتكون متصلة وله عنه أحاديث يسيرة هي عندهم متصلة ويقول في بعضها سمعت عمر رضى الله عنه على المنبر. وذكر ابن سعد في هذا الخبر أنهم شغلوا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال ابن سعد وأقام أسيد بن الحضير على الخندق في مائتين من المسلمين وكر خالد بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرة المسلمين فناوشوهم ساعة، ومع المشركين وحشى فزرق (1) الطفيل بن النعمان من بنى سلمة بمزراقه فقتله وانكشفوا وسار رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى قبته فأمر بلا لا فأذن وأقام الظهر فصلى ثم أقام بعد لكل صلاة اقامة اقامة وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات وقال شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا إلا انهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة. قال ابن اسحق فأقام رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه فيما وصف الله عزوجل من الخوف والشدة بمظاهرة عدوهم واتيانهم إليهم من فوقهم ومن أسفل منهم ثم ان نعيم بن مسعود الاشجعى اتى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال يا رسول الله انى اسلمت وان قومي لم يعلموا باسلامى فمرنى بما شئت فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام إنما انت فينا رجل واحد فخذ عنا ما استطعت فان الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى اتى بنى قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال يا بنى قريظة قد عرفتم ودى إياكم رخاصة ما بينى وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم ان قريشا وغطفان ليسوا كما أنتم البلد بلدكم وبه اموالكم


(1) أي: رماه بمزارقه وهو الرمح القصير. (*)

[ 44 ]

ونساؤكم وابناؤكم لا تقدرون على ان تتحولوا منه الى غيره وان قريشا وغطفان قد جاء والحرب محمد واصحابه وقد ظاهر تموهم عليه وبلدهم واموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم فان رأوا نهزة اصابوها وان كان غير ذلك لحقوا ببلادهم ؟ ؟ ؟ بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به ان خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من اشرافهم يكون بأيديكم ثقة لكم على ان يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه قالوا لقد أشرت بالرأى ثم خرج حتى اتى قريشا فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش قد عرفتم ودى لبكم وفراقي محمدا، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت أن ابلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى قالوا نفعل قال تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه انا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم فارسل إليهم نعم فان بعثت اليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان انكم اصلى وعشيرتي واحب الناس إلى ولا اراكم تتهموني قالوا صدقت ما انت عندنا بمتهم قال فاكتموا على قالوا نعم ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان من صنيع الله لرسوله عليه الصلاة والسلام ارسل ابو سفيان بن حرب ورموس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليه أن اليوم يوم السبت وقد علمتم ما نال منا من تعدى في السبت ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فلما رجع الرسول بذلك قالوا صدقنا والله نعيم بن مسعود فردوا إليهم الرسل وقالوا والله لا نعطيكم رهنا أبدا فاخرجوا معنا إن شئتم وإلا فلا عهد بيننا وبينكم فقال بنو قريظة صدق والله نعيم بن مسعود وخذل الله بينهم واختلفت كلمتهم وبعث الله عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة البرد فجعلت الريح تقليب أبنيتهم وتكفأ قدور هم فلما اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم اختلاف أمرهم بعث حذيفة من اليمان ليأتيه بخبرهم فأتاهم واستتر في

[ 45 ]

غمار هم وسمع أبا سفيان يقول يا معشر قريش ليتعرف كل امرئ منكم جليسه قال حذيفة فأخذت بيد جليسى وقلت من أنت فقال أنا فلان، ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش انكم والله ما أصبحتم بدار مقام ولقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة ولقينا من هذه الريح ما ترون ما يستمسك لنا بناء ولا تثبت لنا قدر ولا تقوم لنا نار فارتحلوا فانى مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم، قال حذيفة ولو لا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إذ بعثنى ان لا أخذت شيئا لقتلته بسهم ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رحيلهم فوجدته قائما يصلى فأخبرته فحمد الله وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم. وروينا من طريق البخاري فثنا محمد بن كثير قال أنا سفيان عن محمد ابن المنكدر قال سمعت جابرا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاحزاب من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا ثم قال من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا ثم قال من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا ثم قال إن لكل نبى حوارى وان حواريى الزبير. كذا وقع في هذا الخبر، والمشهور أن الذى توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة بن اليمان كما روينا عنه من طريق ابن اسحق وغيره قال يعنى النبي صلى الله عليه وسلم من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجذع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن لى بد من القيام حين دعاني فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم. وذكر الحديث. وذكر ابن عقبة ومحمد بن عائذ خروج حذيفة إلى المشركين ومشقة ذلك عليه إلى أن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قم فحفظك الله من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع الينا فقام حذيفة مستبشرا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه احتمل احتمالا فما شق عليه شئ مما كان فيه، وعند ابن عائذ فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه فقال من أنت قال أنا معاوية بن أبى سفيان وقبض على يد آحر عن يساره فقال من أنت فقال أنا فلان وفعل ذلك خشية أن يفطن له فبدرهم بالمسألة. وقد روينا في خبر نعيم بن مسعود غير ما ذكرناه. وقال صلى الله عليه وسلم حين أجلى الاحزاب الآن نغزوهم ولا

[ 46 ]

يغزرننا نحن نسير إليهم. ذكره البخاري بسنده، وقال ابن سعد وأقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد في مائتي فارس ساقة (1) لعسكر المشركين وردءا لهم مخافة الطلب وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاربعاء لسبع ليال بقين من ذى القعدة. وكان مما قيل من الشعر يوم الخندق قول عبدالله بن الزبعرى السهمى: حى الديار محا معارف رسمها * طول البلى وتراوح الاحقاب قفرا كأنك لم تكن تلهو بها * في نعمة بأوانس أتراب فاترك تذكر ما مضى من عيشة * ومحلة خلق المقام بباب واذكر بلاء معاشر واشكرهم * ساروا بأجمعهم من الانصاب أنصاب مكة عامدين ليثرب * في ذى غياطل جحفل جبجاب (2) فدع الحزون مناهجا معلومة * في كل نشز ظاهر وشعاب فيه الجياد شوازب مجنوبة * قب البطون لواحق الاقراب من كل سلهبة (3) وأجرد سلهب * كالسيد (4) بادر غفلة الرقاب جيش عيينة قاصد بلوائه * فيه وصخر قائد الاحزاب قرمان كالبدرين أصبح فيهما * غيب الفقير ومعقل الهراب حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا * للموت كل مجرب قضاب شهرا وعشرا قاصدين محمدا * وصحابه في الحرب غير صحاب لولا الخنادق غادروا من جمعهم * قتلى لطير سغب وذئاب فأجابه حسان بن ثابت رضى الله عنه: هل رسم دارسة المقام بباب * متكلم لمحاور بجواب فدع الديار وذكر كل خريدة * بيضاء آنسة الحديث كعاب واشك الهموم إلى الاله وما ترى * من معشر ظلموا الرسول غضاب


(1) الساقة هم الذين يسوقون الجيش (2) سيأتي تفسير الغريب من كلام المؤلف. (3) السلهب من الخيل: الطويل. (4) أي الذئب. (*)

[ 47 ]

ساروا بجمعهم إليه وألبوا * أهل القرى وبوادى الاعراب جيش عيينة وابن حرب فيهم * متخمطون بحلية الاحزاب حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا * قتل الرسول ومغنم الاسلاب وغدوا علينا قادرين بأيدهم * ردو بغيظهم على الاعقاب بهبوب معصفة تفرق جمعهم * وجنود ربك سيد الارباب وكفى الاله المؤمنين قتالهم * وأثابهم في الاجر خير ثواب من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم * تنزيل نصر مليكنا الوهاب وأقر عين محمد وصحابه * وأذل كل مكذب مرتاب وقال هبيرة بن أبى وهب يعتذر من فراره ويبكى عمرو بن عبدود يذكر عليا، وقد سبق بعض هذه الابيات: لعمري ما وليت ظهرى محمدا * وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل ولكننى قلبت أمرا فلم أجد * لسيفى غناء ان ضربت ولا نبل وقفت فلما لم أجد لى مقدما * شددت كضرغام هزبر ابى شبل ثنى عطفه عن قرنه حين لم تجد * مكرا وقدما كان ذلك من فعلى فلا تبعدن يا عمرو حياوها لكا * وحق بحسن المدح منلك من مثل ولا تبعدن يا عمرو وحياوها لكا * فقدمت محمود الننا ما جد الاصل فمن لطوال الخيل تقدع بالقنا * وللفخر يوما عند قرقرة البزل هنالك لو كان ابن عبد لزارها * وفرجها حقا فتى غير ما وغل فعنك على لا أرى مثل موقف * وقفت على نجد المقدم كالفحل فما ظفرت كفاك فخرا بمثله * أمنت به ما عشت من زلة النعل الغيطلة الشجر الملتف والغيطلة الجلبة والغيطلة التباس الظلام، وجبجاب ؟ ؟ ؟ الصوت، والمتخمط الشديد الغضب.

[ 48 ]

[ ذكر شهداء الخندق ] من بنى عبد الاشهل: سعد بن معاذ وأنس بن أوس بن عتيك وعبد الله بن سهل، ومن بنى جشم بن الخزرج ثم من بنى سلمة الطفيل بن النعمان وثعلبة بن عنمة، ومن بنى النجار كعب بن زيد. وذكر شيخنا الحافظ أبو محمد عبدالمؤمن الدمياطي في نسب الاوس له في بنى ظفر قيس بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر شهد أخدا وحضر الخندق ومات هناك ودفن، وذكر في نسب الخزرج له عبد الله بن أبى خالد بن قيس بن مالك بن كعب بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار ابن النجار قتل يوم الخندق شهيدا ذكره ابن الكلبى. (1)


(1) في هامش الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 49 ]

[ غزوة بنى قريظة ] روينا عن أبى بكر الشافعي فثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار فثنا سعيد بن أبى مريم قال أنا العمرى عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بينا هو عندي إذ دق الباب فارتاع لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب وثبة منكرة وخرج فخرجت في أثره فإذا رجل على دابة والنبى صلى الله عليه وسلم متكئ على معرفة الدابة يكلمه فرجعت فلما دخل قلت من ذلك الرجل الذى كنت تكلمه قال ورأيتيه قلت نعم قال بمن تشبهينه قلت بدحية بن خليفة الكلبى قال ذاك جبريل أمرنى أن أمضى إلى بنى قريظة. قال ابن اسحق ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح فلما كانت الظهر أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم كما حدثنى الزهري معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال أو قد وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم فقال جبريل ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ان الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة فانى عامد إليهم فمزلزل بهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببنى قريظة. وروينا عن ابن عائد قال أخبرني الوليد عن معاذ بن رفاعة السلامى عن أبى الزبير عن جابر قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه مرجعه من طلب الاحزاب إذ وقف عليهء جبريل فقال ما اسرع ما حللتم والله ما نزعنا من لامتنا (1) شيئا منذ نزل


(1) اللامة الدرع وقيل السلاح، ولامة الحرب أداته. (*)

[ 50 ]

العدو بك قم فشد عليك سلاحك فوالله لادفنهم كدق البيض على الصفا ثم ولى فأتبعنه بصرى فلما رأينا نهضنا. قال وأخبرني الوليد قال أخبرني سعيد بن بشير عن قتادة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مناديا يا خيل الله اركبي. قال ابن سعد ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك في يوم الاربعاء لسبع يقين من ذى القعدة، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام. قال ابن اسحق وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب برايته إلى بنى قريظة وابتدرها الناس فسار حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الاخابيث قال لم أظنك سمعت منهم لى أذى قال نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصوبهم قال يا اخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بنى قريظة فقال هل مربكم أحد قالوا يا رسول الله مر بنا دحية بن خليفة الكلبى على بغلة بيضاء عليها رحالة وعليها قطيفة ديباج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك جبريل بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة نزل على بئر من آبارها وتلاحق به الناس فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة فشغلهم ما لم يكن لهم منه بد في حربهم وأبوا أن يصلوا لقول النبي صلى الله عليه وسلم حتى تأتوا بنى قريظة فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنى بهذا الحديث أبى اسحق بن يسار عن معبد بن كعب بن مالك الانصاري وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب، وقد كان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما

[ 51 ]

أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد لهم يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون وانى عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا وما هي قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم انه لنبى مرسل وانه للذى تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فان نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وان نظهر فلعمري لنجد النساء والابناء قالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال فان أبيتم على هذه فان الليلة ليلة السبت وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسبخ قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما ثم انهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث الينا با لبابة بن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الاوس نستشيره في أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا يا أبا لباته أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده إلى حلقه انه الذبح قال أبو لبابة فوالله ما رالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب إلى على مما صنعت وعاهذت الله أن لا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وكان قد استبطأه قال أما لوجاء نى لا ستغفرت له وأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه. وحدثني يزيد بن عبدالله بن قسيط أن توبة أبى لبابه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك قالت قلت مم

[ 52 ]

تضحك أضحك الله سنك قال تيب على أبى لبابة قالت قلت أفلا أبشره يا رسول الله قال بلى إن شئت قال فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك قالت فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يطلقني بيده فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه. قال ابن هشام أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فيرتبط بالجذع فيما حدثنى بعض أهل العلم، وقال أبو عمر روى ابن وهب عن مالك عن عبدالله بن أبى بكر أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ربوض - والربوض الثقيلة - بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع وكاد يذهب بصره وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة أو أراد أن يذهب لحاجة فإذا فرغ اعادته إلى الرباط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاءني لا ستغفرت له. قال أبو عمر اختلف في الحال الذى أوجب فعل أبى لبابة هذا بنفسه وأحسن ما قيل في ذلك ما رواه معمر عن الزهري قال كان أبو لبابة ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية (1) وقال والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى يتوب الله على أو أموت فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه وذكر نحو ما تقدم في حال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ثم قال أبو لبابة يا رسول الله إن من توبتي ان اهجر دار قومي التى اصبت فيها الذنب وان انخلع من مالى كله صدقة إلى الله والى رسوله قال يجزئك يا أبا لبابة الثلث. وروى عن ابن عباس من وجوه في قوله تعالى (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) الآية أنها نزلت في ابى لبابة ونفر معه سبعة أو ثمانية أو سبعة سواه تخلفوا عن غزوة تبوك ثم ندموا فتابوا وربطوا انفسهم بالسوارى فكان عملهم الصالح توبتهم والسيئ تخلفهم عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر وقد قيل إن الذنب الذى اتاه أبو لبابة كان اشارته إلى حلفائه بنى قريظة انه الذبح ان نزلتم على حكم سعد بن معاذ واشارته إلى حلفه فنزلت فيه (يا أيها الذين آمنوا لا نخونوا الله والرسول) الآية.


(1) أي اسطوانة. (*)

[ 53 ]

قال ابن إسحق ثم ان ثعلبة بن سعية واسيد بن سعية واسيد بن عبيد وهم نفر من هدل ليسوا من بنى قريظة ولا النظير نسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى للقرظى فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة فلما رآه قال من هذا قال أنا عمرو بن سعدى وكان عمرو قد أبى ان يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا أغدر بمحمد أبدا فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لا تحرمني عثرات الكرام ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلم يدر أين وجه من الارض إلى يومه هذا فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه فقال ذلك رجل نجاه الله بوفائه. وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة (1) فيمن أوثق من بنى قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت رمته ملقاة ولا يدرى أين ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة فالله أعلم أي ذلك كان فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتو اثبت الاوس فقالوا يا رسول الله لهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالى اخواننا بالامس ما قد علمت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بنى قريظة قد حاصر بنى قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبدالله بن أبى بن سلول فوهبهم له فلما كلمته الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون يا معشر الاوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذلك إلى سعد بن معاذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرآة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوى الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت بها ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار وقد وطؤا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما ثم اقبلوا معه إلى رسول


(1) أي: بحبل. (*)

[ 54 ]

الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون يا ابا عمر وأحسن في مواليك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما والاك ذلك لتحسن فيهم (1) فلما أكثروا قال لقدآن لسعد أن لا يأخذه في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الاشهل فنعى إليهم رجال بنى قريظة قبل ان يصل إليهم سعد عن كلمته التى سمع منه فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم. فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار. وأما الانصار فيقولون عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فقاموا إليه فقالوا يا أبا عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ان الحكم فيهم كما حكمت قالوا نعم قال وعلى من هاهنا في الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال سعد فانى أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الاموال وتسى الذرارى والنساء. قال ابن سعد قال حميد وقال بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الانصار قال فقالت الانصار اخواننا كنا معهم فقال انى أحببت أن يستغنوا عنكم. قال ابن إسحق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص الليثى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرفعة. قال ابن هشام حدثنى من أثق به من أهل العلم ان على بن أبى طالب صلح وهم محاصرو بنى قريظة بكتيبة الايمان وتقدم هو والزبير بن العوام قال والله لاذوقن ما ذاق حمزة أو أفتحن حصنهم فقالوا يا محمد ننزل على حكم سعد. قال ابن إسحق ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث إمرأة من بنى النجار. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التى هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب


(1) في نسخة " إليهم " بدل " فيهم ". (*)

[ 55 ]

أعناقهم في تلك الخنادق فخرج بهم إليها أرسالا وفيهم عدوالله حيى بن أخطب وكعب ابن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر يقول كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا قال في كل موطن لا تعقلون أما ترون الداعي لا ينزع وانه من ذهب منكم لا يرجع هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى بحيى بن أخطب عدوالله مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس انه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. وقد حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندى تحدث معى وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قالت قلت لها ويلك مالك قالت أقتل قلت ولم قالت لحدث أحدثته قالت فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عائشة تقول فوالله ما أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل. قال ابن هشام هي التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته، وقال ابن سعد أمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة فكتفوا وجعلوا ناحية وأخرج النساء والذرية فكانوا ناحية واستعمل عليهم عبدالله بن سلام وجمع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والاثاث والثياب فوجد فيها ألفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفى رمح وخمسمائة ترس وحجفة (1) وخمرا وجرار سكر فأهريق ذلك كله ولم يخمس، ووجدوا أجمال نواضح وماشية كثيرة. (2)


(1) الحجفة الترس. (2) في هامش الاصل " بلغ مغابلة لله الحمد ". (*)

[ 56 ]

قال ابن إسحق: وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس كما ذكر ابن شهاب الزهري أتى الزبير (1) بن باطا القرظى، وكان يكنى أبا عبدالرحمن وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس في الجاهلية ذكر لى بعض ولد الزبير أنه كان من عليه يوم بعاث أخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه ثابت وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبدالرحمن هل تعرفني قال وهل يجهل مثلى مثلك قال انى قد أردت أن أجزيك بيدك عندي قال إن الكريم يجزى الكريم ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انه كان للزبير على منة وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لى دمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هولك فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لى دمك فهو لك قال شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة قال فأتى ثابت رسول الله صلى الله عيله وسلم فقال يا رسول الله بابي أنت وأمى إمرأته وولده قال هم لك، قال فأتاه فقال قد وهب لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك فهم لك قال أهل بيت بالحجاز لامال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ماله قال هو لك فأتاه ثابت فقال قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك فهو لك قال أي ثابت ما فعل الذى كأن وجهه مرآة صينية تتراءى فيه عذارى الحى كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب قال قتل قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن سموال قال قتل قال فما فعل المجلسان يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة قال ذهبوا قتلوا قال فأنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير أفما أنا بصابر لله قبلة دلو ناضح (2) حتى ألقى الاحبة فقدمه


(1) بفتح الزاى المشددة و " الزبير " بضم الزاى إلا هذا. (2) سيأتي تفسير الغريب. (*)

[ 57 ]

ثابت فضرب عنقه فلما بلغ ابا بكر الصديق قوله ألقى الاحبة قال يلقاهم والله في نار جهنم خالدا خلدا. وذكر أبو عبيد هذا الخبر وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك أهله وماله إن أسلم. قال ابن إسحق حدثنى شعبة بن الحجاج عن عبدالملك بن عمير عن عطية القرظى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يقتل من بنى قريظة كل من أنبت وكنت غلاما فوجدوني لم أنبت فخلوا سبيلى وسألت أم المنذر سلمى بنت قيس أخت سليط رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت إحدى خالانه رفاعة بن سموال القرظى وكان قد بلغ قالت فانه زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل فوهبه لها ثم خمست غنائمهم وقسمت للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وللراجل سهم وهو أول في، وقعت فيه السهمان وخمس وكانت الخيل ستة وثلاثين فرسا. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصاري أخابنى عبد الاشهل بسبايا من بنى قريظة إلى نجدفا بتاع لهم بهم خيلا وسلاحا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد إصطفى لنفسه منهم ريحانه عمرو بن خنافة إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفى عنها وسيأتى ذكرها في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وأنزل الله عزوجل في أمر الخندق وبنى قريظة من القرآن القصة في سورة الاحزاب (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا) والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة. وكانت الجنود التى أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة إذ جاء وكم من فوقكم بنو قريظة ومن أسفل منكم قريش وغطفان إلى قوله (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها - يعنى خيبر - وكان الله على كل شئ قديرا) فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر لسعد ابن معاذ جرحه فمات منه وأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم من الليل معتجرا (1) بعمامة من


(1) الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه. (*)

[ 58 ]

استبرق فقال يا محمد من هذا الذى فتحت له ابواب السماء واهتزله العرش (1) قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات. ولما حمل على نعشه وجدوا له خفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان له حملة غيركم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر ابن عائذ لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدا ما وطئوا الارض إلا يومهم هذا، وقال ابن سعد مرت عليه عنز وهو مضطجع فأصابت الجرح بظلفها فما رقأ حتى مات وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببغلة وجبة من سندس فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبون من حسن الجبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن يعنى من هذا. واستشهد يوم بنى قريظة خلاد بن سويد الحارثى الذى طرحت المرأة عليه الرسا، وقد تقدم خبر قتلها وزاد ابن عائذ ومنذر بن محمد أخو بنى جحجبا. ومات أبو سنان بن محصن الاسدي ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بنى قريظة فدفن في مقبرة بنى قريظة، ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم. فكان كذلك.


(1) قال القاضى أبو بكر بن العربي في تفسيره: " معنى اهتزاز العرش لموت سعد أن تعتقد أن اهتزازه إنما هو استبشار الملائكة الحافين به كما نقول اهتز البلد اليوم لموت فلان العالم. (*)

[ 59 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بما سبق من ذكر الخندق وبنى قريظة ] أول من حفر الخنادق في الحروب منوشهر بن ايرج وأول من كمن الكمائن بخت نصر ذكر ذلك عن الطبري. والنسبة إلى بنى النضير نضرى بفتحتين كثقفي. وعينة ابن حصن لقب لقب لقائد الاحزاب واسمه حذيفة لقب بذلك لشتر في عينيه. وذكر حيى بن أخطب وما قال لكعب وانه لم يزل يقتل في الذروة والغارب. قال السهيلي هذا مثل وأصله في البعير يستصعب عليك فتأخذ القراد (1) من ذروته وغارب سنامه فيجد البعير لذة فيأنس عند ذلك وأنشد للحطيئة: لعمرك ما قراد بنى كليب * إذا نزع القراد بمستطاع يريد أنهم لا يخدعون ولا يستذلون. واللحن العدل بالكلام عن الوجه المعروف إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه، كما أن اللحن الذى هو الخطأ عدول عن الصواب المعروف، وقال الجاحظ في قول مالك بن أسماء: منطق صائب وتلحن أحيا * نا وخير الكلام ما كان لحنا يريد أن اللحن الذى هو الخطأ قد يستملح ويستطاب من الجارية الحديثة السن. وخطئ الجاحظ في هذا التأويل، وأخبر بما قاله الحجاج بن يوسف لا مرأته هند بنت أسماء بن خارجة حين لحنت فأنكر عليها اللحن


(1) دويبة معروفة تلصق في جلد البعير. (*)

[ 60 ]

فاحتجب بقول أخيها مالك بن أسماء * وخير الحديث ما كان لحنا * وقال لها الحجاج لم يرد أخوك هذا إنما أراد الذى هو التورية والالغاز فسكتت فلما حدث الجاحظ بهذا الحديث قال لو كان بلغني هذا قبل أن أؤلف كتاب البيان ما قلت في ذلك ما قلت فقيل أفلا تغيره فقال وكيف وقد سار بها البغال الشهب وأنجد في البلاد وغار. انتهى ما حكاه السهيلي، وتأويل الجاحظ أولى لما فيه من مقابلة الصواب بالخطأ ولعل الشاعر لو أراد المعنى الآخر لقال منطق ظاهر ليقابل بذلك ما تقتضيه التورية واللغز من الخفاء، وكما قال الجاحظ في تأويل وتلحن أحيانا قال ابن قتيبة. وحبان بن العرقة هو حبان بن عبد مناف بن منقد بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى والعرقة أمه وهى قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم تكنى أم فاطمة سميت العرقة لطيب ريحها. كذا ذكر السهيلي، وابن الكلبى يقول هي أم عبد مناف جد أبيه وهو عنده حبان بن ببأبى قيس بن علقمة بن عبد مناف وموسى بن عقبة يقول فيه جبار بن قيس بالجيم والراء أحد بنى العرقة. وحديث اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ حديث صحيح. قال السهيلي والعجب من رواية من روى عن مالك أنه كره أن يقال اهتز العرش لموت سعد بن معاذ ولم ير التحدث بذلك مع صحة نقله وكثرة الرواة له، ولا أدرى ما وجه ذلك ولعلها غير صحيحة عنه فقد خرجه البخاري. قلت هذا يقتضى أن يكون إنكار مالك محمولا عنده على أمر عنده يرجع إلى الاسناد وليس كذلك بل قد اختلف العلماء في هذا الخبر فمنهم من يحمله على ظاهره ومنهم من يجنح فيه إلى التأويل. وما كانت هذه سبيله من الاخبار المشكلة فمن الناس من يكره روايته إذا لم يتعلق به حكم شرعى فلعل الكراهة المروية عن مالك من هذا الوجه والله أعلم. وأسيد بن سعية بفتح الهمزة وكسر السين كذا هو عند أكثر الرواة، ونقل عن بعضهم أسيد بضم الهمزة وفتح السين. وجهشت إلى الشئ وأجهشت أسرعت متبا كيا، ويعنى

[ 61 ]

بالارفعة السموات قال ابن دريد كذا جاء في هذا الحديث " سبعة أرفعة " على لفظ التذكير على معنى السقف قال الفسوى ومثل تسميتهم إياها بالجرباء (1) تسميتهم إياها بالرفيع، قال ابن الاعرابي سموها بالرفيع لانها مرفوعة بالنجوم. قال أبو على والاجرب خلاف الاملس. والمرأة المقتولة من بنى قريظة اسمها بنانة امرأة الحكم القرظى قال السهيلي وفى قتلها دليل لمن قال تقتل المرتدة من النساء أخذا بعموم قوله عليه السلام " من بدل دينه فاضربوا عنقه " وفيه مع العموم قوة أخرى وهى تعليق الحكم بالردة والتبديل ولا حجة مع هذا لمن زعم من أهل العراق بأن لا تقتل المرتدة لنهيه عليه السلام عن قتل النساء والولدان. قلت هما عامان تعارضا وكل من الفريقين يخص أحد الحديثين بالآخر فالعراقيون يخصون حديث من بدل دينه فاقتلوه بحديث النهى عن قتل النساء والصبيان، وغيرهم يخالفهم وتخصيص المخالف أولى لوجه ليس هذا موضع ذكره. وأما استدلاله بهذا الحديث على قتل المرتدة ولم تكن هذه مرتدة قط فعجيب بل هي قاتلة قتلت خلاد بن سويد ومقاتلة بتعاطيها ذلك ونافضة للعهد فالعراقي موافق لغيره في قتل هده وفى انفرادها بالقتل عن نساء بنى قريظة ما يشعر بأنه لما انفردت به عنهن من قتل خلاد فليس هذا من حكم المرتدة في ورد ولا صدر. وقول الزبير وهو بفتح الزاى وكسر الباء ألست صابرا قبلة دلو ناضح هو عند ابن إسحق بالفاء والثاء المثلثة الحروف، وقال ابن هشام إنما هو بالقاف والباء الموحدة وقابل الدلو الذى يأخذها من المستقى. وذكر أبو عبيد الحديث في الاموال افراغة دلو. (2)


(1) أي السماء. (2) في حاشية الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 63 ]

[ سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء ] روينا عن ابن عائذ عن الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن أبى الاسود عن عروة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة أخا بنى عبد الاشهل بعثه إلى القرطاء من هوازن. وروينا عن ابن سعد قال ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء خرج لعشر ليال خلون من المحرم على رأس تسع وخمسين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في ثلاثين راكبا إلى القرطاء وهم بطن من بنى أبى بكر بن كلاب وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، وبين المدينة وضرية سبع ليال وأمره أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم واستاق نعما نوشاء ولم يعرض للظعن وانحدروا إلى المدينة فخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به وفض على أصحابه ما بقى فعدلوا الجزور بعشرة من الغنم وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرم. وذكر أبو عبد الله الحاكم أنها في المحرم سنة ست وأن ثمامة بن أثال الحنفي أخذ فيها وذكر حديث اسلامه. وروينا من طريق مسلم رحمه الله حدثنا قتيبة بن سعيد فثنا ليث عن سعيد بن أبى سعيد أنه سمع أبا هريرة يقول بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سوارى المسجد فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة قال عندي يا محمد خير إن تقتل

[ 64 ]

بل ذا دم وان تنعم تنعم على شار وان كنت تريد المال فسل تعط منه شئت الحديث. وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب بن المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله يا محمد والله ما كان على الارض أبغض إلى من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلى والله ما كان على الارض من دين أبغض إلى من. دينك فقد أصبح دينك أحب الدين كله إلى الحديث. والقرطاء قرط وقريط وقريط بنو عبد بن عبيد وهو أبو بكر بن كلاب من قيس غيلان ذكره الرشاطى قال وذكر الطبري قال قال أبو اليقظان تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عمرة وهى من القرطاء من بنى أبى بكر بن كلاب وممن ينسب هذه النسبة محمد بن القسم بن شعبان القرظى الفقيه له مصنف في الفقه على مذهب مالك رحمه الله وهو مصرى وقد ذكره الامير.

[ 65 ]

[ سرية عبدالله بن عتيك ] لقتل أبى رافع سلام بن أبى الحقيق واستأذن نفر من الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ذبا عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وتشبها بالاوس فيما فعلوه من قتل ابن الاشرف فأذن لهم وكذلك كانوا رضى الله عنهم يتنافسون فيما يزلف إلى الله والى رسوله. وكان ابن أبى الحقيق بخيبر فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر عبدالله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة بن ربعى وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ابن عتيك ونهاهم أن بقتلوا وليدا أو امرأة فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا فلم يدخلوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله قال وكان في علية له إليها عجلة قال فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته فقالت من أنتم فقالوا ناس من العرب نلتمس الميرة قالت ذا كم صاحبكم فادخلوا عليه فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة تخوفا أن يكون دونه محولة تحول بيننا وبينه قال وصاحت المرأة فنوهت بنا قال وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة قال ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده ولولا ذلك لفرغنا منها بلبل. قال فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وهو يقول قطني أي حسبى حسبى قال وخرجنا وكان عبدالله

[ 66 ]

ابن عتيك رجلا سئ البصر فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا (1) شديدا، ويقال رجله فيما قال ابن هشام وغيره قال وحملناه حتى نأتى منهرا من عيونهم (2) فندخل فيه قال فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبون حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه يقضى بينهم. قال فقلنا كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات قال فقال رجل منا أنا أذهب فأنظر لكم فانطلق حتى دخل في الناس قال فوجدتها ورجال يهود حولها وفى يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت قلت انى ابن عتيك بهذه البلاد ثم أقبلت تنظر في وجهه ثم قال فاض والله يهود فما سمعت كلمة ألذ إلى نفسي منها قال ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا بقتل عدوالله واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتوا أسيافكم فجئناه بها فنظر إليها فقال لسيف عبدالله بن أنيس هذا قتله أرى فيه أثر الطعام. قال ابن سعد هي في شهر رمضان ست قال وقالوا كان أبو رافع قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن عقبة فيمن قتل أبا رافع أسعد بن حرام ولم يذكره غيره. والعجلة درجة من نحل قاله القتبى.


(1) أي أصابها وهن. (2) المنهر خرق في الحصن نافذ يدخل فيه الماء. (*)

[ 67 ]

[ إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ] رضى الله عنهما روينا عن ابن إسحق قال وحدثني يزيد بن أبى حبيب عن راشد مولى حبيب ابن أبى أوس الثقفى عن حبيب بن أبى أوس قال حدثنى عمرو بن العاص من فيه قال ولما انصرفنا مع الاحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيى ويسمعون منى فقلت لهم تعلمون والله انى أرى أمر محمد يعلو الامور علوا منكرا وإنى قد رأيت أمرا فما ترون فيه قالوا وما ذا رأيت قلت رأيت أن نكون عند النجاشي فان ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فانا ان ما تأخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمرو بايع فان الاسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها قال فبايعته ثم انصرفت. قال ابن إسحق: وحدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان معهما. قال أبو القاسم السهيلي وذكر الزبير حديث عمر وهذا وقال وقدم معهما عثمان ابن طلحة صحبهما في تلك الطريق قال عمرو كنت أسن منهما فأردت أن أكيدهما فقد منهما قبلى للمبايعة فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يغفر لهما ما تقدم من ذنبهما وأضمرت في نفسي أن أذكر ما تقدم من ذنبي وما تأخر فلما بايعت قلت على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبي وأنسيت أن أقول ما تأخر. قوله قد استقام الميسم أي ظهرت العلامة، ومن رواه المنسم بالنون أراد الطريق.

[ 68 ]

[ غزوة بنى لحيان ] هي عند ابن سعد لغرة هلال شهر ربيع الاول سنة ست، وقال ابن إسحق وخرج يعنى النبي صلى الله عليه وسلم في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة إلى بنى لحيان يطلبهم بأصحاب الرجيع خبيب بن عدى وأصحابه وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام حتى أتى منازل بنى لحيان فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم ما أراد قال لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة انا قد جئنا مكة فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا فكان جابر بن عبدالله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين وجه آيبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسواء المنظر في الاهل والمال. والحديث عن غزوة بنى لحيان عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر عن عبد الله بن كعب بن مالك. وقال ابن سعد فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أحدا.

[ 69 ]

[ غزوة ذى قرد ] ويقال لها غزوة الغابة قال ابن إسحق ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يقم بها إلا ليالى قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى في خيل من غطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة وفيها رجل من بنى غفار وامرأة له فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ومن لا أتهم عن عبدالله بن كعب بن مالك كل قد حدث في غزوة ذى قرد بعض الحديث أنه كان أول من نذربهم سلمة بن عمرو بن الاكوع غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيدالله معه فرس له يقوده حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف إلى ناحية سلع ثم صرخ واصباحاه ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق القوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى خذها وأنا ابن الاكوع واليوم يوم الرضع فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمى رمى ثم قال خذها وانا ابن الاكوع اليوم يوم الرضع قال فيقول قائلهم أوكيعنا هو أول النهار قال وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الاكوع فصرخ في المدينة الفزع الفزع فكان أول من انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرسان المقداد بن عمرو - وهو الذى يقال له المقداد بن الاسود حليف بنى زهرة - ثم عباد بن بشر وسعد ابن زيد أحد بنى كعب بن عبد الاشهل وأسيد بن ظهير يشك فيه وعكاشة بن

[ 70 ]

محصن ومحرز بن نضلة وأبو قتادة وأبو عياش عبيد بن زيد بن صامت أخو بنى زريق فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد ثم قال اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني عن رجال من بنى زريق لابي عياش يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم فقال أبو عياش قلت يا رسول الله انا افرس الناس ثم ضربت الفرس فوالله ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له أعطيته افرس منك وانا اقول انا افرس الناس فزعم رجال من بنى زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطى فرس ابى عياش معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة وكان ثامنا. كذا وقع هنا، وبعضا الناس يقول ان معاذ بن ما عص وأخاه عائذا قتلا يوم بئر معونة شهيدين وقد تقدم ذلك، وبعض الناس يعد سلمة بن الاكوع أحد الثمانية ويطرح أسيد بن ظهير ولم يكن سلمة يومئذ فارسا قد كان أول من لحق بالقوم على رجليه فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا. فحدثني عاصم بن عمر ابن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة أخو بنى أسد بن خزيمة وكان يقال لمحرز الاخرم ويقال له قمير وان الفزع لما كان جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط حين سمع صاهلة الخيل وكان فرسا صيعا (1) جاما فقال نساء من نساء بنى عبد الاشهل حين رأين الفرس يجول في الحائط بجذع نخل هو مربوط به يا قمير هل لك في ان تركب هذا الفرس فانه كما ترى ثم تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال نعم فأعطينه إياه فخرج عليه فلم يلبث أن بذ الخيل لجمامه (2) حتى


(1) أي وأحسن القيام عليه. (2) أي: استراحته، يقال: جم الفرس جماما إذا ذهب اغناؤه، وكذا إذا ترك الضراب وإذا ترك فلم يركب. (*)

[ 71 ]

أدرك القوم فوقف لهم بين أيديهم ثم قال قفوا يا معشر بنى اللكيعة حتى يلحق بكم من ؟ ؟ ؟ كم من أدباركم من المهاجرين والانصار قال وحمل عليه رجل منهم فقتله وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على اريه (1) في بنى عبد الاشهل فلم يقتل من المسلمين غيره. قال ابن هشام قتل يومئذ من المسلمين مع محرز وقاص بن محرر المدلجى فيما ذكر غير واحد من أهل العلم. قال ابن اسحق. ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه برده ثم لحق بالناس وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام فإذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة فاسترجع الناس وقالوا قتل أبو قتادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بأبى قتادة ولكنه قتيل لابي قتادة وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنقذوا بعض اللقاح وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذى قرد وتلاحق به الناس وأقام عليه يوما وليلة وقال له سلمة بن الاكوع يا رسول الله لو سرحتنى في مائة رجل لا ستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني انهم الآن ليغبقون (2) في غطفان فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه في كل مائة رجل جزورا وأقاموا عليها ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة وأقبلت إمرأة الغفاري على ناقة (3) من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر فلما فرغت قالت يا رسول الله انى قد نذرت لله أن أنحرها ان نجاني الله عليها قال فتبسم رسول الله


(1) الارى مربط الدابة. (2) الغبوق شرب العشى (3) في نسخة زيادة " هي العضباء " (*)

[ 72 ]

صلى الله عليه وسلم قال بئس ما جز يتيها ان حملك الله عليها وبحاك بها ثم تنحرينها لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين إنما هي ناقة من إبلى إرجعى إلى أهلك على بركة الله. والحديث عن إمرأة الغفاري وما قالت وما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبى الزبير المكى عن الحسن البصري، وقال ابن عقبة كان رئيس القوم يعنى المشركين مسعدة الفزارى وهو عنده قتيل أبى قتادة وفيه قوله عليه السلام لتعرفوه فتخلوا عن قتيله وسلبه ثم ان فوارس النبي صلى الله عليه وسلم أدركوا العدو والسرح فاقتتلوا قتالا شديدا واستنقذوا السرح وهزم الله تعالى العدو ويقال قتل أبو قتادة قرفة إمرأة مسعدة وأما ابن سعد فقال وقتل المقداد بن عمرو حبيب بن عيينة بن حصن وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، قال ابن عقبة وقتل يومئذ من المسلمين الاخرم (1) محرز بن نضلة قتله أوبار. كذا قاله وهو عند ابن سعد آثار وعند ابن عائذ آبار فشد عكاشة بن محصن فقتل أوبارا وابنه وذكر ابن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عبدالله بن لهيعة عن أبن الاسود عن عروة نحو ما ذكرنا عن ابن عقبة. وذكر ابن سعد أنها في شهر ربيع الاول سنة ست من الهجرة وان اللقاح عشرون فأغار عليها عيينة في ليلة الاربعاء في أربعين فارسا فاستوقوها وكان أبو ذر فيها وقتلوا ابن أبى ذر وجاء الصريخ فنادى الفزع الفزع فنودى يا خيل الله اركبي وكان أول مانودى بها. قلت قد تقدم عن قتادة من طريق ابن عائذ النداء بياخيل الله اركبي في وقعة بنى قريظة وهى قبل هذه عندهم وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج غداة الاربعاء في الحديد مقنعا فوقف وكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء في رمحه وقال امض حتى تلحقك الخيل وخلف سعد


(1) في نسخة " الاجدع " (*)

[ 73 ]

ابن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة قال وذهب الصريخ إلى بنى عمرو ابن عوف فجاءت الامداد فلم تزل الخيل تأتى والرجال على أقدامهم وعلى الابل حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى قرد فاستنقذوا عشر لقاح وأفلت القوم بما بقى وهى عشرة وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى قرد صلاة الخوف وأقام به يوما وليلة يتحسب الخبر وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها وكانوا خمسمائة ويقال سبعمائة وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمال تمر وبعشر جزائر فوافت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى قرد. قال ابن سعد والثبت عندنا أن سعد بن زيد أمير هذه السرية ولكن الناس نسبوها للمقداد لقول حسان * غداة فوارس المقداد * قلت وأوله: ولسر أولاد اللقيطة أننا * سلم غداة فوارس المقداد قال فعاتبه سعد فقال اضطرني الروى إلى المقداد. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم الاثنين وكان قد غاب خمس ليال. وفى رواية لابن سعد في هذا الخبر عن هاشم بن القاسم عن عكرمة بن عمار قال حدثنى إياس بن سلمة عن أبيه قال خرجت أنا ورباح غلام النبي صلى الله عليه وسلم وخرجت بفرس لطلحة بن عبيدالله كنت أريد أن أنسيه (1) مع الابل فلما أن كان بغلس أغار عبدالرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل راعيها وخرج يطردها، وذكر نحو ما تقدم وفيه حتى ما خلق الله شيئا من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهرى ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفونها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت


(1) التندية ان تورد الابل والخيل فتشرب قليلا ثم ترد للمرعى ساعة وتعاد إلى الماء. (*)

[ 74 ]

عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه جلاهم عن ماء ذى قرد ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه قوله عليه السلام انهم الآن يقرون بأرض غطفان قال فجاء رجل من غطفان فقال مروا على فلان الغطفانى فنحر لهم جزورا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابا فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الراجل والفارس جميعا، وفى رواية البخاري لهذا الخبر من طريق سلمة فقلت يا نبى الله قد حميت القوم الماء وهم عطاش فابعث إليهم الساعة فقال يا ابن الاكوع ملكت فأسجح (1) [ ذكر فوائد تتعلق بهذه الواقعة ] قرد مفتوح القاف والراء وحكى السهيلي عن أبى على الضم فيهما. وقوله اليوم يوم الرضع يريد يوم هلاك الرضع والرضع اللئام من قولهم لئيم راضع وهو الذى يرضع الغنم ولا يحلبها فيسمع صوت الحلب وقد قيل فيه غير ذلك. ومحرز بن نضلة المعروف فيه سكون الضاد ورأيت عن الدار قطني فتحها وحكى البغوي عن ابن إسحق محرز ابن عون بن نضلة وبعضهم يقول ابن ناضلة. (2)


(1) أي: قدرت فسهل وأحسن العفو، وهو مثل. (2) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 75 ]

[ سرية سعيد بن زيد إلى العرنيين ] وهى في شوال سنة ست عند ابن سعد قال ابن عقبة وكان قد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة وعرينة حى من بجيلة وكانوا مجهودين مضرورين قد كادوا يهلكون فأنزلهم عنده وسألوه أن ينحيهم من المدينة فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لقاح له بفيفاء الخبار (1) من وراء الحمى فيها مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى يسارا فقتلوه ثم مثلوا به واستاقوا لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأدركوا فوق المنقى فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وأمير الخيل يومئذ سعيد بن زيد. وتحدث بهذا الحديث كما زعموا أنس بن مالك وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثل بالآية التى في سورة المائدة (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) هذه الآية والتى بعدها. قرئ على أبى محمد عبدالرحيم بن يوسف المزى وانا اسمع وأخبرك أبو على حنبل بن عبدالله بن الفرج وأقر به قال أنا الرئيس أبو القاسم بن الحصين قال أنا أبو على بن المذهب قال أنا أبو بكر القطيعى


(1) بفتح الخاء المعجمة. (*)

[ 76 ]

قال أنا عبدالله بن احمد بن حنبل قال أنا أبى فثنا ابن أبى عدى عن حميد عن أنس قال أسلم ناس من عرينة فاجتووا (1) المدينة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو خرجتم إلى ذود (2) لنا فشر بتم من ألبانها. قال حميد وقال قتادة عن أنس وأبوالها. فلما صحوا كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا ومسلما وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم وهربوا محاربين فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار هم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمرأ عينهم (3) وتركهم في الحرة حتى ماتوا. وقال ابن سعد وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارسا واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهرى فأدركوهم فأحاطوا بهم فأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا المدينة قال وكانت اللقاح خمس عشرة غزارا فردوها إلى المدينة ففقد رسول الله صلى الله عليه وسلم منها لقحة تدعى الحناء فسأل عنها فقيل نحروها.


(1) أي أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم يوافقهم هو اؤها واستو خموها، ويقال اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. (2) أي نوق (3) أي احمى مسامير الحديد وكحلهم بها. (*)

[ 77 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر ] قد تقدم أن نفرا من عرينة وروى من عكل أو عرينة على الشك، وروى من عكل وعرينة من غير شك وروى أن نفرا قدموا ولم يذكر من أي قبيلة هم. والكل في الصحيح من حديث أنس فأما عرينة ففى بجيلة وقضاعة فالذي في بجيلة عرينة ابن نذير بن قسر بن عبقر وعبقر أمه بجيلة، قاله الرشاطى قال ومنهم الرهط الذين أغاروا على إبل النبي صلى الله عليه وسلم. قال والعرن حكة تصيب الفرس والبعير في قوائمهما. وأما عكل ففى الرباب. وعكل إمرأة حضنت بنى عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبدمناة من الرباب حكى ابن الكلبى قال ولد عوف بن وائل الحرث وجشما وسعدا وعليا وقيسا وأمهم ابنة ذى اللحية من حمير وحضنتهم عكل أمة لهم فغلبت عليهم. قال ابن دريد اشتقاق عكل من عكلت الشئ إذا جمعته وقال غيره يكون من عكل يعكل إذا قال برأيه مثل حدس ورجل عكلى أي أحمق منهم من الصحابة خزيمة بن عاصم بن قطن بن عبدالله بن عبادة بن سعد بن عوف المذكور لم يذكره أبو عمر ولا نسبه ابن فتحون قاله الرشاطى. وقوله فاجتووا المدينة: قال ابن سيده وجوى الارض جوى واجتواها لم توافقه. وقد وقع في بعض الروايات أنهم شكوا أجوافهم. وأبوال الابل وألبانها يدخل في شئ من علاج الاستسقاء إبل البادية التى ترعى الشيح والقيصوم. وقول ابن عقبة وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثل فمن الناس من رأى ذلك

[ 78 ]

وزعم أن هذا الخبر منسوخ بقوله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية وبنهيه عليه السلام عن المثلة، وقد روى في ذلك شئ عن بعض السلف ومن الناس من أبى ذلك وقد يترجح هذا لانه مختلف في سبب نزول هذه الآية فقد ذكر البغوي وغيره لنزولها قصة غير هذه وأيضا فليس فيها أكثر مما تشعره لفظة " إنما " من الاقتصار في حد الخرابة (1) على ما في الآية، وأما من زاد على الخرابة جنايات أخر كما فعل هؤلاء حيث زادوا بالردة وسمل أعين الرعاء وغير ذلك. فقد روينا في خبرهم عن ابن سعد أنهم قطعوا يد الراعى ورجله وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات فليس في الآية ما يمنع من التغليظ عليهم والزيادة في عقوبتهم فهذا قصاص ليس بمثلة والمثلة ما كان ابتداء عن غير جزاء. وقد روينا من طريق الترمذي والنسائي جميعا عن الفضل بن سهل عن يحيى بن غيلان وثقهما النسائي عن يزيد بن زريع عن سليمان التيمى عن أنس بن مالك قال إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك العرنيين لانهم سملوا أعين الرعاء ولو أن شخصا جنى على قوم جنايات في أعضاء متعددة فاقتص منهم للمجني عليهم لما كان التسوية التى حصل به من المثلة المنهى عنها. وإذا اختلفت في سبب نزول الآية الاقوال وتطرق إليها الاحتمال فلا نسخ. وقد روى هذا الحديث عن أنس من غير وجه وروى أيضا من حديث ابن عمر وعائشة وغيرهما. ولولا ما شرطناه من الاختصار لاوردنا طرفا من طرفه ولبسطنا الكلام عليه.


(1) أي الجناية. (*)

[ 79 ]

[ غزوة بنى المصطلق ] وهى غزوة المريسيع وهى في شعبان سنة ست عند ابن إسحق، وفى سند أربع عند موسى بن عقبة وفى شعبان سنة خمس يوم الاثنين لليلتين خلتا منه عند ابن سعد، والخندق بعدها عنده في ذى القعدة من السنة. قال ابن إسحق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثنى بعض حديث بنى المصطلق قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بنى المصطلق يجمعون له وقائدهم الحرث بن أبى ضرار أبو جويرية بنت الحرث زوج النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله نبى المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاهم عليه. وذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بريدة بن الحصيب الاسلمي يعلم علم ذلك فأتاهم ولقى الحرث بن أبى ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم. وثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إليهم وأسرعوا الخروج وقادوا الخيل وهى ثلاثون فرسا في المهاجرين منها عشرة وفى الانصار عشرون. واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وقال ابن هشام استعمل عليها أبا ذر النفارى ويقال نميلة بن عبدالله الليثى.

[ 80 ]

رجع إلى خبر ابن سعد: وكان معه فرسان لزاز والظرب وبلغ الحارث بن أبى ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأنه قد قتل عينه الذى كان وجهه ليأتيه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسئ لذلك الحرث ومن معه وخافوا خوفا شديدا وتفرق عنهم من كان معهم من العرب وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المر يسيع وهو الماء فضرب عليه قبته ومعه عائشة وأم سلمة فتهيئوا للقتال وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع راية المهاجرين إلى أبى بكر وراية الانصار إلى سعد بن عبادة فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم إنسان وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والدرية. وقد روينا من طريق مسلم خلاف ذلك قال حدثنا يحيى بن يحيى فثنا سليم بن أخضر عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال قال فكتب إلى إنما كان ذلك في أول الاسلام قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنى المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسعى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ قال يحيى أحسبه قال جورية أو البتة ابنة الحارث. وحدثني هذا الحديث عبدالله بن عمر وكان في ذلك الجيش. وقد أشار ابن سعد إلى هذه الرواية وقال الاول أثبت قال وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاسارى فكتفوا واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب وأمر بالغنائم فجمعت واستعمل عليها شقر ان مولاه وجمع الذرية ناحية واستعمل على قسم الخمس وسهمان المسلمين محمية بن جزء الزبيدى، وكان الابل ألفى بعير والشاء خمسة آلاف شاة وكان السبى مائتي بيت وقال غاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة ثمانيا وعشرين ليلة وقدم المدينة لهلال رمضان. رجع إلى ابن اسحق: قال وقد أصيب رجل من المسلمين من بنى كلب بن عوف

[ 81 ]

ابن عامر بن ليث بن بكر يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الانصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ فبينما الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار يقال له جهجاه ابن مسعود يقود فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنى حليف بنى عوف ابن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهنى يا معشر الانصار وصرخ الجهجاه يا معشر المهاجرين فغضب عبدالله بن أبى بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد ابن أرقم غلام حدث فقال أقد فعلوها أقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما أعدنا وجلا بيب قريش هذه إلا كما قال الاول " سمن كلبك يأكلك " أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتوهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دار كم فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال مر به عباد بن بشر فليقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يا عمر إذا تحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه قال لا ولكن أذن بالرحيل وفى ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحمل الناس وقد مشى عبدالله بن أبى بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمعنه منه فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به وكان في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار من أصحابه يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا على ابن أبى ودفعا عنه فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد ابن الحضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه وقال: يا نبى الله والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما بلغك ما قال

[ 82 ]

صاحبكم ؟ قال أي صاحب يا رسول الله ؟ قال عبدالله بن أبى قال وما قال ؟ قال زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الاعز منها الاذل. قال فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فانه ليرى أنك قد استلبته ملكه، ثم متن (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذته الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الارض فوقعوا نياما وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالامس من حديث عبدالله بن أبى ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فوق النقيع يقال له نقعا فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخافوها فانها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بنى قينقاع وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم ونزلت السورة التى ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبى ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال هذا الذى أوفى الله بأذنه. وبلغ عبدالله بن عبدالله بن أبى الذى كان من أمر أبيه فحدثني عاصم بن عمر ابن قتادة أن عبدالله أنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبى فيما بلغك عنه فان كنت فاعلا فمرنى فأنا أحمل لك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده منى إنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال


(1) يقال متن به أي سار به يومه أجمع. (*)

[ 83 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نترفق به وتحسن صحبته ما بقى معنا. وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم كيف ترى باعمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لى اقتله لارعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته قال قال عمر قدو الله علمت لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمرى. وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلما فيما يظهر، فقال يا رسول الله جئتك مسلما وجئت أطلب دية أخى قتل خطأ فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن صبابة فأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال في شعر يقوله: شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم فيحمينى وطاء المضاجع حللت به وترى وأدركت ثورتي * وكنت إلى الاوثان أول راجع ثأرت به فهما وحملت عقله * سراة بنى النجار أرباب فارع وقال مقيس بن صبابة أيضا: جللته ضربة باتت لها وشل * من ناقع الجوف يعلوه وينصرم فقلت والموت تغشاه أسرته * لا تأمنن بنى بكر إذا ظلموا قال ابن هشام وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق يا منصور أمت أمت. قال ابن إسحق وأصيب من بنى المصطلق ناس يومئذ وقتل على بن أبى طالب منهم رجلين مالكا وابنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منهم سبيا كثيرا فشاء

[ 84 ]

قسمته في المسلمين. وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويريه بنت الحارث بن أبى ضرار زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر كان اسمها برة فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية فأرسل الناس ما بأيديهم من سبايا بنى المصطلق لذلك فكانت مائة بيت وأسلم بنو المصطلق، ثم بعد ذلك بأزيد من عامين بعث إليهم الوليد بن عقبة مصدقا فخرجوا للقائه فتوهم أنهم خرجوا لقتاله قفر راجعا وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بظنه فهم عليه السلام بقتالهم فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الآية والتى بعدها.

[ 85 ]

[ حديث الافك ] وفى هذه الغزاة قال أهل الافك في عائشة ما قالوا فبرأها الله مما قالوا: روينا من طريق البخاري قال حدثنا يحيى بن بكير فثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الافك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا. وكل حدثنى طائفة من الحديث وبعض حديثهم يصدق بعضه بعضا وإن كان بعضهم أوعى له من بعض. الذى حدثنى عروة عن عائشة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين أذن ليلة بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلى فإذا عقد لى من جذع أظفار قد انقطع فالتمست عقدى وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيرى الذى كنت ركبت وهم يحسبون أتى فيه وكان النساء إذا ذاك خفافا ولم يثقلهن اللحم إنما يأكلن العلقة (1) من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج


(1) أي القليل. (*)

[ 86 ]

حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدى بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلي الذى كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلى فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عينى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكوانى من وراء الجيش فأدلج (1) فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رأني وكان يرانى قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهى بجلبابى والله ما يكلمني كلمة ولا أكلمه وما سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها فانطلق بى يقود بى الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك. وكان الذى تولى الافك عبدالله بن أبى ابن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الافك لا أشعر بشئ من ذلك وهو يريبنى في وجعى أنى لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذى كنت أرى منه حين أشتكى إنما يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول كيف تيكم ؟ ثم ينصرف فذاك الذى يريبنى ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت فخرجت معى أم مسطح قبل المناصع وهو متبر زنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ السكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الاول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهى ابنة أبى رهم بن عبدمناف أمها بنت صخر بن عامر خالة أبى بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتى قد غرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطع فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا قالت أي هنتاه أولم


(1) أي نزل من آخر الليل. (*)

[ 87 ]

تسمعى ما قبل ؟ قلت وما قال ؟ قالت فأخبرتني بقول أهل الافك فازددت مرضا على مرضى فلما رجعت إلى بيتى ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعنى سلم ثم قال كيف تيكم ؟ فقلت أتأذن لى أن آتى أبوى قالت وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت فأذن لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوى فقلت لامى يا أمتاه فما يتحدث الناس قالت يا بنية هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت فقلت سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا. قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ (1) لى دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكى فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحى يستأمرهما في فراق أهله قالت فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذى يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما على بن أبى طالب فقال يا رسول الله: لم يضبق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال إيه بربرة هل رأيت من شئ يريبك قالت بربرة والذى بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه (2) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبدالله بن أبى بن سلول قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني (3) من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتى فوالله ما علمت عن أهلى إلا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلى إلا معى فقام سعد بن معاذ الانصاري


(1) أي لا ينقطع. (2) أي أعيبه (3) أي من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه. (*)

[ 88 ]

فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الاوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عمر سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور الحيان الاوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت فمكثت يومى ذلك لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح أبواي عندي وقد بسكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لى دمع يظنان ؟ ؟ ؟ البكاء فالق كبدي قالت فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكى فاستأذنت على امرأة من الانصار فأذنت لها فجلست تبكى معى قالت فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل لى ما قيل قبلها ولقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني قالت فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال أما بعد يا عائشة فانه قد بلغني عنك كذا وكذا فان كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبى إليه فان العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه قالت فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعى حتى ما أحس منه قطرة فقلت لابي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قال والله ما أدرى ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لامى أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما أدرى ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إنى بريئة والله يعلم أنى بريئة

[ 89 ]

لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى منه بريئة لتصدقوني، والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبى يوسف قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي قالت وأنا حينئذ أعلم أنى بريئة وأن الله مبرئى ببرأتي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأنى في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت فوالله مارام (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء (2) حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات من ثقل القول الذى ينزل عليه قالت فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سرى عنه وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت أمي قومي إليه قالت فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله. وأنزل الله (إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم) العشر الآيات كلها فلما أنزل الله هذا في برأتي قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذى قال لعائشة ما قال فأنزل الله (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) قال أبو بكر بلى والله إنى لاحب أن يغفر الله لى فرجع إلى مسطح النفقة التى كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمرى قال يا زينب ماذا علمت أرأيت فقالت يا رسول


(1) أي: مابرح. (2) البرحاء في أصل معناها: شدة الحمى وشدة الكرب. (*)

[ 90 ]

الله أحمى سمعي وبصرى ما علمت إلا خيرا قالت وهى التى كانت تسامينى من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الافك. قال البخاري ثنا محمد بن كثير قال أنا سليمان عن حصين عن أبى وائل عن مسروق عن أبى مروان عن أم رومان أم عائشة أنها قالت لما رميت عائشة خرت مغشيا عليها. (1)


(1) في حاشية الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 91 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بخبر بنى المصطلق وحديث الافك ] المصطلق هو جزيمة بن كعب من خزاعة. والمر يسيع ماء لهم. وجهجاه بن مسعود وقال أبو عمر جهجاه بن سعد بن حرام هو صاحب حديث " المؤمن يأكل في معى واحد " وقيل إن ذلك قيل في غيره وقال الطبري المحدثون يزيدون فيه الهاء والصواب جهجا دون هاء وجهجاه هذا هو الذى جاء وعثمان رضى الله عنه يخطب وبيده عصا النبي صلى الله عليه وسلم فأخذها وكسرها على ركبته اليمنى فدخلت فيها شظية منها فبقى الجرح وأصابته الاكلة وشدت العصا وكانت مضببة ذكره ابن سلمة التجيبى في تاريخه. وسنان بن وبر باسكان الباء عند بعضهم الاموى وقال أبو عمر سنان بن تيم ويقال ابن وبر وفى كتاب ابن شبة سنان بن أبير. وحكى الاموى عن ابن اسحق سنان بن عمرو ويقال ابن وبرة. ومتن بالناس قال صاحب العين ساروا سيرا ممانا أي بعيدا. وفى حديث الافك ذكر صفوان بن المعطل قال السهيلي وكان يكون على ساقة العسكر يلتقط ما يسقط من المتاع ولذلك نحلف في هذا الحديث وقد روى أنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس ويشهد لذلك حديث أبى داود أن امرأة صفوان اشتكت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أشياء منها أنه لا يصلى الصبح فقال صفوان يا رسول الله إنى امرؤ ثقيل الرأس لا أستيقظ حتى تطلع الشمس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظت فصل. وقتل صفوان شهيدا في خلافة معاوية واندقت رجله يوم قتل فطاعن بها وهى منكسرة حتى مات. وجذع ظفار قال يعقوب مدينة باليمن وقد

[ 92 ]

وقع جذع طعارى وهو أيضا صحيح. وأم رومان زينب بنت عامر بن عو يمر ابن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحرث بن غنم كذا قال مصعب، وغيره يخالفه وقد وقع في الصحيح رواية مسروق عنها بصيغة العنعنة وغيرها ولم يدركها، وملخص ما أجاب به أبو بكر الخطيب أن مسروقا يمكن أن يكون قال سئلت أم رومان فأثبت الكاتب صورة الهمزة ألفا فتصحفت على من بعده بسألت ثم نقلت إلى صيغة الاخبار بالمعنى في طريق وبقيت على صورتها في آخر ومخرجها التصحيف المذكور. ومسطح لقب واسمه عوف بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف. ذكر الاموى عن أبيه عن ابن اسحق قال قال أبو بكر لمسطح يا عوف ويحك هلا قلت عارفة * من الكلام ولم تتبع به طمعا وأدركتك حميا معشر أنف * ولم تسكن قاطعا يا عوف منقطعا فأنزل الله وحيا في براءتها * وبين عوف وبين الله ما صنعا فان أعش أجز عوفا عن مقالته * شر الجزاء إذا ألفيته تبعا قال أبو عمر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذين رموا عائشة بالافك حين نزل القرآن ببراءتها فجلدوا الحد ثمانين فيما ذكر أهل السير والعلم والخبر. ووقع في هذا الحديث فقام سعد بن معاذ الانصاري فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه ووقع عند أبن إسحق في هذا الخبر بدل سعد بن معاذ أسيد بن حضير فمن الناس من يرى أن ذكر سعد في هذا الخبر وهم لان سعدا مات عند انقضاء أمر بنى قريظة ويرى أن الصواب ما ذكره ابن إسحق من ذكر أسيد بن حضير. ولو اتفق أهل المغازى على أن وقعة الخندق وبنى قريظة متقدمة على غزوة بنى المصطلق لكان الوهم لازما لمن رآه كذلك ولكن هم مختلفون في ترتيب هذه المغازى كما سبق في هذه وغيرها. ورأيت

[ 93 ]

عن الحاكم أبى عبدالله أن سبب هذا الخلاف إنما هو لا ختلاف في التاريخ هل هو لمقدم النبي صلى الله عليه وسلم في ربع الاول كما هو عند قوم أو للعام الذى قدم فيه كما هو عند آخرين وذلك لا يتم لامرين أحدهما أن تلك المدة التى وقع الاختلاف فيها إنما هي نحو ثلاثة أشهر وهى من أول العام إلى ربيع الاول وزمن الخلاف أوسع من ذلك فهذه الغزوة عند ابن عقبة في سنة أربع. وعند غيره في شعبان سنة ست. الثاني أنها مختلفة الترتيب عندهم في تقديم بعضها على بعض فهذه عند ابن سعد وجماعة قبل الخندق وعند ابن اسحق وآخرين بعدها وذلك غير الاول وأما ابن سعد فانه يؤرخ هذه الوقائع بالاشهر لا بالسنين. وفى هذه الغزوة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل أخبرنا أبو عبد الله بن عبدالمؤمن بقراءة الحافظ أبى الحجاج المزى عليه وأنا أسمع بمرج دمشق قال له أخبركم المؤيد بن الاخوة إجازة من أصبهان فأقر به قال أنا زاهر بن طاهر الشحامى قال أنا أبو سعد الكنجروذى قال أنا أبو طاهر محمد بن الفضل قال أنا جدى أبو بكر محمد بن إسحق بن خزيمة فثنا على هو ابن حجر فثنا إسماعيل هو ابن جعفر فثنا ربيعة هو ابن أبى عبدالرحمن عن محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ عن ابن محير يزأنه قال: دخلت أنا وأبو صرمة على أبى سعيد الخدرى فسأله أبو صرمة فقال يا أبا سعيد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر العزل ؟ فقال نعم غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بنى المصطلق فسبينا كرائم العرب فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا لا نسأله فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا عليكم أن لا تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون. قال ابن سعد وفيها سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه فنزلت آية التيم. فقال أسيد بن الحضير

[ 94 ]

ماهى بأول بركتكم يا آل أبى بكر. قرأت على أبى الفتح الشيباني بدمشق أخبركم الخضر بن كامل قراءة عليه وأنتم تسمعون قال أنا أبو الدر ياقوت بن عبدالله الرومي سماعا " ح " قال الشيباني وأنا أبو اليمن الكندى إجازة إن لم يكن سماعا قال أنا ابن البيضاوى قالا أنا أبو محمد بن هزار مرو قال أنا المخلص فثنا البغوي فثنا مصعب بن عبدالله الزبيري قال حدثنى مالك عن عبدالرحمن بن القسم عن أبيه عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقدى فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قالت عائشة فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعنى من التحرك إلامكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله تعالى آية التيمم فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء ما هذا بأول بركتكم يا آل أبى بكر قالت فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته. قال البغوي هذا معنى لفظ الحديث. وروى الطبري في معجمه من حديث محمد بن إسحق عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت لما كان من أمر عقدى ما كان قال أهل الانك ما قالوا فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدى حتى حبس التماسه الناس وطلع الفجر فلقيت من أبى بكر ما شاء الله وقال لى يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء وليس مع الناس ماء فأنزل الله الرخصة بالتيمم فقال أبو بكر والله يا بنية إنك لما علمت مباركة. فهذه الرواية تقتضي أن الواقعتين كانتا في غزوتين والله أعلم

[ 95 ]

[ سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ] قال ابن سعد بعد ذكر غزوة الغابة وهى غزوة ذى قرد: ثم سرية عكاشة بن محصن الاسدي إلى الغمر غمر مرزوق مفتوح الغين المعجمة ساكن الميم بعدها راء مهملة. وهو ماء لبنى أسد. وكانت في شهر ربيع الاول سنة ست. قالوا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلا قال الواقدي فيما حكاه عنه الحاكم أبو عبد الله فيهم ثابت بن أقرم وسباع بن وهب فخرج سربعا يغذ (1) السير ونذر به القوم فهربوا فنزلوا عليا بلادهم ووجد ديار هم ؟ ؟ ؟ (2) فبعث شجاع بن وهب طليعة فرأى أثر النعم فتحملوا فأصابوا ربئة (3) لهم فأموه فدلهم على نعم لبنى عم له فأغاروا عليها فاستاقوا مئتى بعير فأرسلوا الرجل وحدروا النعم إلى المدينة وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا كيدا. وقال ابن عائذ أمير هم ثابت بن أقرم ومعه عكاشة بن محصن الاسدي حليف بنى أمية ابن عبد شمس ولقيط بن أعصم حليف بنى عمرو بن عوف ثم من بنى معاوية ابن مالك من بلى فأصيب فيها ثابت. كذا وجدت عن الحاكم سباع بن وهب ولعله شجاع بن وهب الذى يأتي ذكره بعد ذلك.


(1) أي: يسرع. (2) أي: أهلها غائبون. (3) أي: طليعة. (*)

[ 96 ]

[ سرية محمد بن مسلمة إلى ذى القصة ] بفتح القاف والصاد المهملة قال ابن سعد في ربيع الآخر سنة ست قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة إلى بنى ثعلبة وبنى عوال وهم بذى القصة وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا طريق الربذة في عشرة نفر فوردوا عليهم ليلا فأحدق يهم القوم وهم مائة رجل فتراموا ساعة من الليل ثم حملت الاعراب عليهم بالرماح فقتلوهم ووقع محمد بن مسلمة جريحا فضرب كعبه فلا يتحرك وجردوه من الثياب ومر بمحمد بن مسلمة رجل من المسلمين فمله حتى ورد به المدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارعهم فلم يجدوا أحدا ووجدوا نعما وشاء فساقه ورجع. وذكر الحاكم عن الواقدي نحوه في كتاب الاكليل.

[ 97 ]

[ سرية أبى عبيدة بن الجراح ] إلى ذى القصة ثم سرية أبى عبيدة بن الجراح إلى ذى القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست قالوا أجدبت بلاد بنى ثعلبة وأنمار ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين (1) والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة. فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة وهى ترعى بهيفاء موضع على سبعة أميال من المدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا من المسلمين حين صلوا المغرب فمشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال فأصاب رجلا واحدا فأسلم وتركه فأخذ نعما من نعمهم فاستاقه ورثة (2) من متاعهم وقدم بذلك المدينة فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم ما بقى عليهم. وقال ابن عائذ أنا الوليد بن مسلم عن عبدالله بن لهيعة عن أبى الاسود عن عروة قال ثم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى ذى القصة من طريق العراق. ورأيته مقيدا بالصاد المهملة والمعجمة معا


(1) بفتح التاء وسكون الغين وكسر الميم. (2) بكسر الراء وفتح الثاء المشددة وهو السقط من متاع البيت. (*)

[ 98 ]

[ سرية زيد بن حارثة رضى الله عنه إلى بنى سليم ] بالجموم بفتح الجيم ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب. قال وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في غزوة الجموم فأصاب زيد نعما وشاء وأسر جماعة من المشركين وقال ابن سعد هي في شهر ربيع الآخر سنة ست. قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى بنى سليم فسار حتى ورد الجموم - ناحية بطن تخل عن يسارها وبطن نخل من المدينة على أربعة برد - فأصابوا عليه امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بنى سليم فأصابوا في تلك المحلة نعما وشاء وأسرى فكان فيهم زوج حليمة المزنية. فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية نفسها وزوجها فقال بلال بن الحرث المزني في ذلك: لعمرك ما أخنى المسول ولا ونت * حليمة حتى راح ركبهما معا

[ 99 ]

[ سرية زيد بن حارثة إلى العيص ] قال ابن سعد ثم سرية زيد بن حارثة إلى العيص - وبينها وبين المدينة أربع ليال وبينها وبين ذى المروة ليلة - في جمادى الاولى سنة ست قالوا لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام بعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب معترضا لها. فأخذوها وما فيها، وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأسروا ناسا ممن كان في العير منهم أبو العاص بن الربيع وقدم بهم المدينة فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله عليه وسلم الفجر: إنى قد أجرت أبا العاص. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمت بشئ من هذا وقد أجرنا من أجرت ورد عليه ما أخذ منه. [ سرية زيد بن حارثة إلى الطرف ] ثم سرية زيد بن حارثة إلى الطرف. وهو ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلا من المدينة. فخرج إلى بنى ثعلبة في خمسة عشر رجلا فأصاب نعما وشاء وهربت الاعراب. وصبح زيد بالنغم المدينة وهى عشرون بعيرا ولم يلق كيدا وغاب أربع ؟ ؟ ؟، وكان شعار هم أمت أمت. وقال الواقدي فيما ذكر عنه الحاكم وخافوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إليهم.

[ 101 ]

[ سرية زيد بن حارثة إلى حسمى ] ثم سرية زيد بن حارثة إلى حسمى وهى وراء وادى القرى في جمادى الآخرة سنة ست قالوا أقبل دحية بن خليفة الكلبى من عند قيصر وقد أجازه وكساه فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد - وعند ابن اسحق عوض فيهما بدل عارض - في ناس من جذام بحسمى فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب فسمع بذلك نفر من بنى الضبيب فنفروا إليهم فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية، وكان زيد يسير بالليل ويكمن بالنهار ومعه دليل له من بنى عذرة فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الهنيد وابنه وأغاروا على ما شيتهم ونعمهم ونسلئهم فأخذوا من النعم ألف بعير ومن الشاء خمسة آلاف شاة ومن السبى مائة من النساء والصبيان فرحل زيد ابن رفاعة الجذامي في نفر من قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع إلى رسول الله صلى الله عيه وسلم كتابه الذى كان كتب له ولقومه ليالى قدم عليه فأسلم وقال يا رسول الله لا تحرم علينا جلالا ولا تحل لنا حراما. قال فكيف أصنع بالقتلى. قال أبو يزيد بن عمرو أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمى هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أبو يزيد فبعث معهم عليا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلى بينهم وبين حرمهم وأموالهم فتوجه على ولقى رافع بن مكيث الجهنى بشير بن حارثة على ناقة من إبل

[ 102 ]

القوم فردها على على القوم. ولقى زيدا بالفحلتين وهى بين المدينة وذى المروة فأبلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرد إلى الناس كل ما كان أخذ لهم. وذكر غير ابن سعد أمر هذه السرية أطول من هذا. وحسمى على مثل فعلى مكسور الاول قيده أبو على موضع من أرض جذام، وذكروا أن الماء في الطوفان أقام به بعد نضوبه ثمانين سنة. وعند ابن اسحق ابو زيد بن عمرو. وعنده رفاعة ابن زيد الجذامي وهو الصحيح. وعوض قيده بعض الناس عوص. وقال النمري ليس عوض إلا في حمير أو عوض بن أرم بن سام بن نوح وفى غيرهما عوص.

[ 103 ]

[ سرية زيد بن حارثة إلى وادى القرى ] ثم سرية زيد بن حارثة إلى وادى القرى في رجب سنة ست قال ابن عائذ: وأخبرني الوليد بن مسلم عن عبدالله بن لهيعة عن أبى الاسود عن عروة قال ثم غزوة زيد بن حارثة إلى وادى القرى فأصيب يومئذ من المسلمين ورد بن مرداس وارتث زيد بن حارثة من بين وسط القتلى. وقال غيره فلما قدم زيد آلى أن لا يمس رأسه غسل جنابة حتى يغزو بنى فزارة. فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى فزارة في جيش فقتلهم بوادي القرى. وعن ابن اسحق من طريق يونس بن بكير قال حدثنى عبدالله بن أبى بكر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى وادى القرى فلقى به بنى فزارة وأصيب بها ناس من أصحابه وانفلت زيد من بين القتلى فأصيب فيها أحد بنى سعد بن هزيم أصابه أحد بنى بكر فلما قدم زيد بن حارثة نذر أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو فزارة فلما استبل جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش إلى بنى فزارة فلقيهم بوادي القرى وأصاب فيهم. وقتل قيس ابن المسحر بن النعمان مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر وأسر أم قرفة وهى فاطمة بنت زمعة بن بدر وكانت عند حذيفة بن بدر عجوزا كبيرة وبنت لها وعبد الله ابن مسعدة فأمر زيد بن حارثة أن تقتل أم قرفة فقتلها قتلا عنيفا وربط برجليها

[ 104 ]

حبلين ثم ربطا إلى بعيرين شتى حتى شقاها. ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم قرفة وبعبد الله بن مسعدة فكانت بنت أم قرفة لسلمة بن الا ؟ ؟ ؟ كان هو الذى أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها. كانت العرب تقول لو كنت أعز من أم قرفة فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبها له فأهداها لخاله حزن بن أبى وهب فولدت له عبدالرحمن بن حزن. هكذا ذكر محمد بن اسحق ومحمد بن سعد أن أمير هذه السرية زيد بن حارثة. وقد روينا في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى بنى فزارة وسيأتى لهذا الخبر مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

[ 105 ]

[ سرية عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل ] قال ابن سعد ثم سرية عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان سنة ست قالوا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن بن عوف فأقعده بين يديه وعممه بيده. وقال اغز بسم الله وفى سبيل الله فقاتل من كفر بالله ولا تغل ولا تغدروا لا تقتل وليدا. وبعثه إلى كلب بدومة الجندل فقال إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فسار عبدالرحمن بن عوف حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الاسلام فأسلم الاصبغ بن عمرو الكلبى وكان نصرانيا وكان رأسهم وأسلم معه ناس كثير من قومه وأقام من أقام على إعطاء الجزية وتزوج عبدالرحمن بن عوف تماضر بنت الاصبغ وقدم بها إلى المدينة وهى أم أبى سلمة ابن عبدالرحمن. وذكر ابن إسحق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة ابن الجراح لدومة الجندل في سرية.

[ 106 ]

[ سرية زيد بن حارثة إلى مدين ] وذكر ابن اسحق سرية لزيد بن حارثة إلى مدين قال فأصاب سبيا من أهل مينا وهى السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ففرق بينهم يعنى بين الامهات والاولاد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون فقال ما لهم فقيل يا رسول الله فرق بينهم فقال لا تبيعوهم إلا جميعا. وكان مع زيد بن حارثة في هذه السرية ضميرة مولى على بن أبى طالب وأخ له.

[ 107 ]

[ سرية على بن ابى طالب إلى بنى سعد بن بكر بفدك ] قال ابن سعد عطفا على سرية عبدالرحمن بن عوف ثم سرية على بن أبى طالب إلى بنى سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة ست قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر فبعث إليهم عليا في مائة رجل فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الغمج - وهو ماء بين خيبر وفدك وبين فدك والمدينة ست ليال - فوجدوا به رجلا فسألوه عن القوم فقال أخبركم على أنكم تؤمنونى فأمنوه فدلهم فأغاروا عليهم وأخذوا خمسمائة بعير وألفى شاة وهر بت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم فعزل على صفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوحا (1) تدعى الحقدة، ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه. وذكر الحاكم بسنده في هذا الخبر من طريق الواقدي وقال فأصاب عينا وأقر لهم أنه بعث إلى خيبر يعرض عليهم نصر هم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر.


(1) بفتح اللام وهى النافة الحلوب. (*)

[ 108 ]

[ سرية زيد بن حارثة إلى ام قرفة ] بوادي القرى ذكر ابن سعد أنها في شهر رمضان سنة ست. قال قالوا خرج زيد بن حارثة في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لاصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان دون وادى القرى لقيه ناس من فزارة من بنى بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم. ثم استبل (1) زيد. وذكر ابن سعد نحو ما سبق عن ابن اسحق من طريق ابن بكير في خبر أم قرفة السابق وقال في آخره وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وساءله فأخبره بما ظفره الله به. كذا ثبت عن ابن سعد لزيد سريتان بوادي القرى إحداهما في رجب والثانية في رمضان. وإنما قالوا أعز من أم قرفة لانها كانت يعلق في بيتها خمسون سيفا كلهم لها ذو محرم. والواقدى يذكر أنها قتلت يوم بزاخة وإنما المقتول يوم بزاخة بنوها التسعة. وذكر الدولابى أن زيدا إنما قتلها كذلك لسبها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدا بابنتها أسيرا كان في قريش من المسلمين وهو مخالف لما حكيناه عن ابن اسحق من أنها صارت لحزن بن أبى وهب. وقيس بن المسحر بتقديم السين عند الطبري، وبتقديم الحاء عند غيره وفتح السين، ومن الناس من يكسرها. وورد بن عمرو بن خداش. وفى الاصل عمرو بن مرداس وكأنه تصحيف وهو أحد بنى سعد بن هذيم وهو سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف ابن قضاعة حضنه عبد اسمه هذيم فغلب عليه. قاله ابن الكلبى.


(1) أي بصح من مرضه. (*)

[ 109 ]

[ سرية عبدالله بن رواحة إلى اسير بن رزام ] وغير ابن سعد يقول اليسير بن رزام اليهودي بخيبر في شوال سنة ست قالوا لما قتل أبو رافع سلام بن أبى الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن رزام فسار في غطفان وغيرهم فجمعهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجه عبدالله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سرا فسأل عن خبره وغرته فأخبر بذلك. فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فانتدب له ثلاثون رجلا فبعث عليهم عبدالله بن رواحة فقدموا على أسير فقالوا نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له، قال نعم ولى منكم مثل ذلك. فقالوا نعم، فقلنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا اليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن اليك فطمع في ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين حتى إذا كنا بقرقرة تبار ندم أسير فقال عبدالله بن أنيس الجهنى وكان في السرية وأهوى بيده إلى سيفى ففطنت له ودفعت بعيرى وقلت غدرا أي عدو الله. فعل ذلك مرتين فنزلت فسقت بالقوم حتى انفرد لى أسير فضربته بالسيف فأندرت (1) عامة فخذه وساقه وسقط عن بعيره وبيده مخرش (2) من شوحط فضر بنى فشجنى مامومة (3) وملنا على أصحابه فقتلناهم كما هم غير رجل واحد أعجزنا شدا. ولم يصب


(1) أي: رميت (2) أي: عصا معوجة الرأس (3) أي: شجة بلغت أم الرأس. (*)

[ 110 ]

من المسلمين أحد ثم أقبلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثناه الحديث فقال قد نجاكم الله من القوم الظالمين. وقال ابن عائذ أخبرنا الوليد عن عبدالله ابن لهيعة عن أبى الاسود عن عروة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله ابن عتيك في ثلاثين راكبا فيهم عبدالله بن أنيس. وقال غير الوليد بعث عبدالله بن رواحة. وفيما ذكره ابن ؟ ؟ ؟ وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق في شجته فلم تقح ولم تؤذه حتى مات. وقال ابن اسحق ان ابن رواحة غزا خيبر مرتين احداهما التى أصاب فيها ابن رزام.

[ 111 ]

[ سرية عمرو بن امية الضمرى وسلمة بن حريش ] وعند ابن اسحق جبار بن صخر بدل سلمة بن حريش قال ابن سعد: ثم سرية عمرو بن أمية الضمرى وسلمة بن أسلم بن حريش إلى أبى سفيان بن حرب بمكة وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش ألا أحد يغتر محمدا فانه يمشى في الاسواق فأتاه رجل من الاعراب فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا وأشده بطشا وأسرعه شدا فان أنت قويتنى خرجت إليه حتى أغتاله ومعى خنجر مثل خافية النسر فأسوره (1) ثم آخذه في غبر وأسبق القوم عدوا فانى هاد بالطريق خريت (2). قال أنت صاحبنا فأعطاه بعيرا ونفقة وقال اطو أمرك فخرج ليلا فسار على راحلته خمسا وصبح ظهر الحرة صبح سادسة. ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دل عليه فعقل راحلته ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد بنى عبد الاشهل فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا ليريد غدرا فذهب ليحنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره فإذا بالخنجر فأسقط في يديه وقال دمى دمى. فأخذ أسيد بلبته فذعته (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدقني ما أنت قال وأنا آمن قال نعم فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان فخلى عنه


(1) أي: ارتفع إليه وآخذه. (2) أي: ماهر. (3) أي: ضغط على رقبته. (*)

[ 112 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب وقال إن أصبتما منه غرة فاقتلاه فدخلا مكة ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا فرآه معاوية بن أبى سفيان فعرفه فأخبر قريشا بمكانه فخافوه وطلبوه وكان فاتكا في الجاهلية وقالوا لم يأت عمرو لخير فحشد له أهل مكة وتجمعوا وهرب عمرو وسلمة فلقى عمرو عبيدالله بن مالك بن عبيدالله التيمى فقتله وقتل آخر من بنى الديل سمعه يتغنى ويقول: ولست بمسلم مادمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا ولقى رسولين لقريش بعثهما يتجسسان الخبر فقتل أحدهما وأسر الآخر فقدم المدينة فجعل عمرو يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.

[ 113 ]

[ غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية ] قال ابن اسحق ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يعنى بعد غزوة بنى المصطلق رمضان وشوالا وخرج من ذى القعدة معتمرا لا يريد حربا. وعند ابن سعد يوم الاثنين لهلال ذى القعدة قال ابن هشام واستعمل على المدينة بميلة ابن عبدالله الليثى قال ابن اسحق واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادى من الاعراب وهو يخشى من قريش الذى صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الاعراب وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والانصار ومن لحق به من العرب وساق الهدى معه وأحرم بالعمرة ليأ من الناس من حربه وليعلم الناس انه انما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له. حدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه الهدى سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة نفر. وقال ابن عقبة عن جابر عن كل سبعة بدنة. وذكر ابن عائد عن الوليد بن مسلم عن الزهري كانوا أربع عشرة مائة. وروينا عن البراء من طريق ابن سعد وغيره كانوا ألفا وأربعمائة وروينا عن جابر كانوا خمس عشرة مائة أخبرنا الشيخ نظام الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الحسين الخليلى قراءة عليه وأنا أسمع بمصر قال أنا أبو نصر بن الدجاجى اجازة من بغداد قال أنا أبو الحسن محمد بن محمد بن علوى الكوفى قراءة عليه وأنا

[ 114 ]

أسمع قال أنا أبو الفرج محمد بن أحمد بن علوان الخازن قال أنا القاضى أبو عبد الله الجعفي فثنا أبو جعفر محمد بن رباح الاشجعى فثنا أبو الحسن على بن منذر الطريفي فثنا محمد بن فضيل بن غروان الضبى فثنا حصين بن عبدالرحمن عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبدالله قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها فأقبل الناس نحوه فقال مالكم مالكم قالوا يا رسول الله ليس عند ناماء نشرب ولا نتوضأ منه إلا ما في ركوتك فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في الركوة (1) فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثال العيون قال فشر بنا وتوضأنا. قال فقلت لجابركم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة، وقال ابن سعد ويقال ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا. وأحرم معه زوجه أم المؤمنين. وروينا عن عبدالله بن أبى أوفى من طريق ابن سعد كانوا ألفا وثلاثمائة. قال ابن اسحق وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، وابن هشام يقول بسر فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل (2) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذى طوى يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم وقد قدموها إلى كراع الغميم. وقال ابن سعد قدموا مائتي فارس عليها خالد بن الوليد ويقال عكرمة بن أبى جهل قال ودنا خالد في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فتقدم في خيله فقام بازائه وصف أصحابه وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باصحابه صلاة الخوف. رجع إلى ابن إسحق: قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ويح قريش أكلتهم الحرب


(1) إناء صغير يشرب فيه الماء. (2) يريد النساء والصبيان. (*)

[ 115 ]

ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب فان هم أصابوني كان ذلك الذى أرادوا واين أظهرني الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تطن قريش فوالله لا أزال أجاهد على الذى بعثنى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة، ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التى هم بها. فحدثني عبدالله بن أبى بكر أن رجلا من أسلم قال أنا يا رسول الله قال فسلك بهم طريقا وعرا أجذل بين شعاب فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس قولوا نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك فقال والله إنها للحطة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها، قال ابن شهاب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمض في طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة قال فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت قريش فترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة قال فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأته ناقته بركت، فقال الناس خلات (1) فقال ما خلات وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياهما ثم قال للناس انزلوا قيل له يا رسول الله، ابالوادى ماء ننزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فحاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن (2) قال فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم أن الذى أنزل في القليب ناجية بن جندب سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد زعم لى


(1) أي: حرنت. (2) مثل لتوسع الناس بكثرة الماء. (*)

[ 116 ]

بعض اهل العلم ان البراء بن عارب كان يقول انا الذى نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم. قال الزهري في حديثه فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذى جاء به فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته ثم قال لهم نحوا مما قال لبسر بن سفيان فرجعوا إلى قريش فقالوا يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت فاتهموهم وجبهوهم وقالوا إن كان جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب وكانت خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئا كان بمكة ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الاخيف أخابنى عامر فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال هذا الرجل غادر فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه فرجع إلى قريش وأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة بن ريان وكان يومئذ سيد الاحابيش وهو أحد بنى الحرث بن عبد مناة ابن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدى يسير إليه من عرض الوادي بقلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى فقال لهم ذلك، فقالوا له إجلس فانما أنت أعرابي لا علم لك فحدثني عبدالله بن أبى بكر أن الحليس غضب عند ذلك وقال يا معشر قريش والله ما على هذا حالفنا كم، ولا على هذا عاقدناكم ؟ ؟ ؟ عن بيت الله من جاءه معظما، والذى نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وما جاء له أو لانفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد. قال فقالوا مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لانفسنا ما نرضى به. قال الزهري في حديثه ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 117 ]

عروة بن مسعود الثقفى فقال يا معشر قريش إنى قد رأيت ما يلفى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفتم أنكم والد وأنى ولد، وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس، وقد سمعت بالذى نابكم فجمعت من أطاعنى من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى، قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال يا محمد: أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لنقضها بهم انها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وايم الله لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد فقال امصص بظر اللات أنحن ننكشف عنه ! قال من هذا يا محمد ؟ قال هذا ابن ابى قحافة، قال أما والله لولايد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها قال ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه قال والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد. قال فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك، قال فيقول عروة ويحك ما أفضك وما أغلظك قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة من هذا يا محمد ؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالامس. قلت كذا وقع في هذا الخبر أن عروة عم المغيرة. وإنما هو عم أبيه. هو المغيرة بن شعبة بن أبى عامر بن مسعود فعروة وأبو عامر اخوان. قال ابن هشام أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بنى مالك من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف وبنو مالك رهط المقتولين والاحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاثة

[ 118 ]

عشر دية وأصلح ذلك الامر. قال الزهري فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما كلم به أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه، فقال يا معشر قريش إنى جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشى في ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا فروا رأيكم، قال ابن اسحق فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعى فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعه الاحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين رجلا وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله إنى أخاف قريشا على نفسي بمكة وما بمكة من بنى عدى بن كعب أحد يمنعنى وقد عرفت قريش عدواني إياها وغلظتي عليها ولكن أدلك على رجل أعزبها منى عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فبعثه إلى أبى سفيان واشراف قريش يخبر هم أنه لم يأت لحرب وانه لم يأت إلا زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته فخرج عثمان بن عفان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فجعله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى

[ 119 ]

أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به. فقال لعثمان حين فزع من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال ما كنت لافعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل قال ابن إسحق. فحدثني عبدالله بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة فكان الناس يقولون بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت وكان جابر بن عبدالله يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضره إلا الجد بن قيس أحد بنى سلمة فكان جابر يقول والله لكأنى أنظر إليه لا صقا بابط ناقته قد ضبأ (1) إليها يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذى ذكر من أمر عثمان باطل. قال ابن هشام فذكر وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الاسدي. قال ابن اسحق قال الزهري ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بنى عامر بن لؤى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ائت محمدا وصالحه ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال


(1) أي لصق بالارض يسنتر بالنا ؟ ؟.

[ 120 ]

الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح فلما التأم الامر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال له يا أبا بكر أليس رسول الله قال بلى قال أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطى الدنية في ديننا قال أبو بكر يا عمر الزم غرزه (1) فانى أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألست برسول الله قال بلى قال أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطى الدنية في ديننا. قال أنا عبدالله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني قال فكان عمر يقول ما زلت أصوم وأتصدق وأصلى وأعتق من الذى صنعت يومئذ مخافة كلامي الذى تكلمت به حين رجوت أن يكون خيرا. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب فقال اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم قال فقال سهيل بن عمرو لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم فسكتبها ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو قال فقال سهيل بن عمرو لو شهدتك أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين. يأمن فبهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليه ومن أتى قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة (2) وأنه لا إسلال ولا إغلال (3) وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد محمد وعهده


(1) الغرز ركاب الدابة، أي ؟ ؟ ؟ قوله ونعله ولا تخالفه (2) أي صدرا ثقيا من الغل والخداع مطريا على الوفاء. (3) الاسلال السرقة الخفية، وقيل سل السيوف، أو سل بالشئ بالليل ؟ ؟ ؟. والاغلال الخيانة

[ 121 ]

وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل الناس من ذلك عليهم أمر عظيم حتى كادوا يهلكون فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه وضرب وجهه وأخذ بتلبيبه تم قال يا محمد قد لحت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال صدقت فجعل يبتزه بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونى في دينى فزاد الناس ذلك إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل اصبرو احتسب فان الله جاعل لك ولن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وانا لا نغدر بهم. قال فوثب عمر بن الخطاب مع أبى جندل يمشى إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل فانما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب قال ويدنى قائم السيف منه، قال يقول عمر وددت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه. قال فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية فلما فرغ الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبى وقاص ومحمود بن سلمة ومكر زبن حفص وهو مشرك وعلى بن أبى طالب

[ 122 ]

وكان هو كاتب الصحيفة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا في الحل وكان يصلى في الحرم فلما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره ثم جلس فحلق رأسه وكان الذى حلقه فيما بلغني في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعى فلما رأى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون. وذكر ابن اسحق عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحمة للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين مرة. وذكر ابن سعد بسنده أن عثمان وأبا قتادة الانصاري ممن لم يحلق، وقال ابن أبى نجيح حدثنى مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لابي جهل في رأسه برة (1) من فضة ليغيظ بذلك المشركين. قال الزهري في حديثه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه ذلك قافلا حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما). ثم كانت القصة فيه وفى أصحابه حتى انتهى إلى ذكر البيعة فقال (ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) الآية. ثم ذكر من تخلف عنه من الاعراب ثم قال حين استنفرهم للخروج معه فأبطأوا عليه (سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا) ثم القصة عن خبرهم حتى انتهى إلى قوله (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا). ثم القصة عن خبرهم وما عرض عليهم من جهاد القوم أولى البأس الشديد فذكر آيات من سورة الفتح. وذكر ابن عائذ فيما رواه عن محمد ابن شعيب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس


(1) بضم الباء وفتح الراء وهى حلقة تجعل في أنف البعير. (*)

[ 123 ]

قال ووعده ربه أنه فاتحها وبين له فتحها ولم يجعل لمن تخلف عنه بالمدينة من غير معذرة نصيبا في مغانم خيبر فقال (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) حتى بلغ إلا قليلا. وقال ابن عقبة في تفسير قوله (فتحا قريبا) رجوعهم من العام المقبل إلى مكة معتمرين وقيل خيبر. وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط في تلك المدة فخرج أخواها عمارة والوليد في ردها بالعهد فلم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. ونزلت (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بايمانهن) الآيات. وكان ممن طلق عند نزول قوله تعالى (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) عمر بن الخطاب طلق امرأته قريبة بنت أبى أمية بن المغيرة فتزوجها معاوية بن أبى سفيان وهما على شركهما وأم كلثوم بنت جرول فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجل من قومه وهما على شركهما. وروى أن بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما قدم المدينة ألم تقل يا رسول الله أنك تدخل مكة آمنا قال بلى أفقلت لكم من عامى هذا قالوا لا قال فهو كما قال جبريل. وذكر ابن عقبة عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الناس حين بلغه أن قريشا تجمع له فقال أترون أن نغير على ما جمعوا لنا على جل أموالهم فنصيبهم فان قعدوا قعدوا مغيظين موتورين وإن تبق منهم عنق نقطعها أم ترون أن نؤم البيت الحرام فمن صدنا عنه قاتلناه قال أبو بكر الصديق الله ورسوله أعلم جئنا لامر فنرى أن نؤمه فمن صدنا عنه قاتلناه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم. ويقال سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي فقال إن قريشا قد نزلت بذى طوى وذكر نحو ما تقدم. وفيه بعد كتابة الصحيفة بالصلح فهم ينتظرون نفاذ ذلك وإمضاءه رمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر فكان بينهم شئ من قتال يترامون بالنبل والحجارة فصاح الفريقان

[ 124 ]

كلاهما وارتهن كل واحد من الفريقين من كان عنده من الآخرين فارتهن المشركون عثمان بن عفان ومن كان معه وارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن كان معه من المشركين يقولون فعند دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى البيعة واراد القتال فبايعوه على الموت وقال جابر على أن لا يفروا وعمر آخذ بيده. والشجرة سمرة والخيل مائة فرس فبايعناه غير الجد بن قيس فلما رأت قريش ذلك رعبهم الله وأرسلوا من كان في أيديهم من المسلمين فدعوا إلى الموادعة والصلح والمسلمون لهم عالون وصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكره عمر الصلح ثم رجع عن ذلك ولما رجع عليه السلام من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا جهدنا وفى الناس ظهر (1) فانحره لنأكل من لحمه ولندهن من شحومه ولنحتذي من جلوده فقال عمر بن الخطاب لا نفعل يا رسول الله فان الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابسطوا أنطاعكم (2) وعباءكم ففعلوا ثم قال من كان عنده بقية من زاد أو طعام فلينثره ودعا لهم ثم قال قربوا أو عيتكم فأخذوا ما شاء الله. وقد روينا نحوه من حديث إياس بن سلمة بن الا ركوع عن أبيه من طريق مسلم وفى آخره فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهل من وضوء فجاء رجل بأداوة (3) فيها نطفة (4) من ماء فأفرغها في قدم فتوضأنا كلنا الحديث. قال ابن عقبة وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا بفتح لقد صدونا عن البيت وصد هدينا ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين كانا خرجا إليه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قول أولئك فقال بئس الكلام بل هو أعظم الفتح قد رضى المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم


(1) الظهر الابل (2) النطع البساط من الاديم (3) إناء صغير (4) أي قليل. (*)

[ 125 ]

القضية ويرغبون اليكم في الامان وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم الله سالمين مأجورين فهو أعظم الفتوح، وفيه أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم أنسيتم يوم الاحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا فقال المسلمون صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح والله يا نبى الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولانت أعلم بالله وأمره منا. وذكر ابن عائذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام في غزوته هذه شهرا ونصفا. وقال ابن سعد أقام بالحديبية بضعة عشر يوما ويقال عشرين ليلة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كانوا بضجنان نزلت عليه (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) فقال جبريل نهنئك يا رسول الله وهنأه المسلمون. وروينا عن ابن سعد قال أنا اسماعيل بن عبدالله ابن أبى أويس عن مجمع بن يعقوب عن أبيه أنه قال لما صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله ريحا عاصفا فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم. وعن طارق بن عبدالرحمن قال كنت عند سعيد بن المسيب فتذاكروا الشجرة فضحك ثم قال حدثنى أبى أنه كان ذلك العام معهم وأنه قد شهدها فنسرها من العام المقبل. وروينا عن ابن سعد قال أنا عبد الوهاب بن عطاء قال أنا عبدالله بن عوف عن نافع قال كان الناس يأتون الشجرة التى يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها قال فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت. وروينا عن ابن عمر قال كانت رحمة من الله. وروينا عن ابن سعد قال أنا عبد الوهاب بن عطاء العجلى قال أنا خالد الحذاء قال أخبرني أبو المليح عن أبيه قال أصابنا يوم الحديبية مطر لم يبل أسافل نعالنا فنادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صلوا في رحالكم. (1)


(1) في حاشية الاصل (بلغ مقابلة لله الحمد). (*)

[ 126 ]

[ ذكر فوائد تتطق بخبر الحديبية ] الحديبية بئر سمى المكان بها والاعرف فيها التخفيف ورأيت بخط جدى قال الاستاذ نقلا عن أبى على الشلوبين هي بتخفيف الياء لا غير كأنه تصغير حدبا لقصورة. قال ابن السراج والجعرانة باسكان العين قاله الاصمعي وأتى بالتشديد وذكر أنه سمعه من فصحاء العرب. وإحرامه عليه السلام كان من ذى الحليفة. والاجزل الكثير الحجارة. والجرول الحجارة. والعوذ المطافيل النساء اللاتى معهن أطفالهن وقال السهيلي جمع عائذ وهى الناقة التى معها ولدها يريد أنهم خرجوا بذوات الالبان من الابل ليتزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يناجزوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وخلات القصواء حرنت والخلا في الابل كالحران في غيرها من الدواب. وماء رواء وروى وقوم رواء من الماء عن ثعلب. وناجية كان اسمه ذكوان فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نجا من كفار قريش ناجية. وجبهت الرجل استقبلته بما يكره. يتألهون يعظمون أمر الآله. وقال الخشنى التأله التعبد. ورأيت عن ابن الكلبى في نسب الحليس بن ريان أنه الحليس بن عمرو ابن عامر بن المغفل وهو الريان بن عبد ياليل ويقال الخليس بن يزيد بن ريان. والاوباش والاوشاب الاخلاط من الناس. وأبو سنان الاسدي اسمه وهب بن محصن أخو عكاشة بن محصن. روينا عن أبى عروبة فثنا على بن المنذر فثنا محمد بن فضيل عن عاصم عن

[ 127 ]

عامر قال كان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان الاسدي قال يا رسول الله بايعني قال على ما ذا قال على ما في نفسك قال ما في نفسي قال الفتح أو الشهادة فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء الناس فجعلوا يقولون نبايعك على بيعة أبى سنان كذا روى هذا عن الشعبى من غير وجه. والصواب سنان بن أبى سنان. قال الواقدي فيما حكى عنه أبو عمرو سنان أول من بايع بيعة الرضوان وتوفى سنان سنة اثنتين وثلاثين وأما أبوه أبو سنان فمات في حصار بنى قريظة ذكر ذلك أبو جعفر الطبري وغيره وقال كان أسن من أخيه عكاشة بسنتين قال ودفن في مقبرة بنى قريظة اليوم. وقد تقدم ذلك. وقد ذكر أن أول المبايعين يومئذ عبدالله بن عمر. قال أبو عمر ولا يصح. وقد روينا من طريق البخاري قال حدثنى شجاع بن الوليد قال سمع النضر بن محمد فثنا صخر عن نافع قال ان الناس يتحدثون ان ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبدالله إلى فرس له عند رجل من الانصار ليقاتل عليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة وعمر لا يدرى بذلك فبايعه عبدالله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر يستليم للقتال فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت الشجرة قال فانطلق عمر فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهى التى يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. وروينا من طريق مسلم عن سلمة بن الاكوع ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا للبيعة في أصل الشجرة قال فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع الحديث. قال السهيلي وفى هذا الحديث مصالحة المشركين على غير مال يؤخذ منهم وذلك جائز إذا كان بالمسلمين ضعف وقد تقدم مصالحتهم على مال يعطونه في غزوة الخندق. قال واختلف هل يجوز صلحهم إلى أكثر من عشر سنين، وحجة من منع ذلك أن حظر الصلح هو

[ 128 ]

الاصل بدليل آية القتال وقد ورد التحديد بالعشر في حديث ابن اسحق فحصلت الاباحة في هذا المقدار متحققة وبقيت الزيادة على الاصل. قلت ليس في مطلق الامر بالقتال ما يمنع من الصلح وإن كان المراد ما في سورة براءة من ذلك مما نزل بعد هذه الواقعة ففى التخصيص بذلك اختلاف بين العلماء. وأما تحديد هذه المدة بالعشر فأهل النقل مختلفون في ذلك فروينا عن ابن سعد كما روينا عن ابن إسحق وروينا عن موسى بن عقبة قال وكان الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش سنتين يأمن بعضهم بعضا. وكذلك روينا عن ابن عائذ عن محمد بن شعيب عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أن مدة الصلح كانت إلى سنتين والله أعلم. وأما كتابة الصلح فقرئ على عبدالرحيم ابن يوسف المزى وأنا أسمع أخبركم أبو على حنبل بن عبدالله قال أنا ابن الحصين قال أنا أبو على بن المذهب قال أنا القطيعى قال أنا عبدالله بن أحمد فثنا أبى فثنا محمد بن جعفر فثنا شعبة عن أبى إسحق قال سمعت البراء بن عازب يقول لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية كتب على رضى الله عنه كتابا بينهم قال فكتب محمد رسول الله فقال المشركون لا نكتب محمد رسول الله ولو كنت رسول الله لم نقاتلك قال فقال لعلى امحه قال فقال ما أنا بالذى امحاه فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الحديث. وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب ذلك بيده وعد ذلك من وقف عنده معجزة له عليه السلام وما شهد به القرآن من أنه النبي الامي الذى لا يحسن الكتابة مع ما كان يأتي به من أقاصيص الاولين وأخبار الامم الماضين هو المعجزة العظمى لما تضمن من تكذيب من نسب ذلك إلى علم تلقاه من أساطير الاولين ممن قال اكتتبها فهى تملى عليه. وهذا علم عظيم من أعلام نبوته وأصل كبير من دلائل صدقه في أنه عليه السلام

[ 129 ]

إنما يتلقى ذلك من الوحى. وسلامة هذا الاصل من شبهة قد تركت للملحد حجة في معارضته وإن بعدت أولى. وذكر الامام أبو الوليد الباجى انه كتب فأنكر ذلك علماء الاندلس فبعث إلى الآفاق يستفتى بمصر والشام والعراق وغير ذلك فجلهم قال لم يكتب النبي صلى الله عليه وسلم بيده قط ورأوا ذلك محمولا على المجاز وأن معنى كتب أمر بالكتابة وقالت طائفة يسيرة منهم كتب. وجرت هذه المسألة يوما بحضرة شيخنا الامام أبى الفتح القشيرى رحمه الله فلم يعبأ بقول من قال كتب وقال عن الباجى هو قول أحوجه إلى أن يستنجد بالعلماء من الآفاق. وأبو جندل اسمه العاصى وهو أخو عبدالله بن سهيل شهد عبدالله بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان إسلامه قبل ذلك وأول مشاهد أبى جندل الفتح وإنما ذكرنا ذلك ليعرف (1) الفرق بينهما فقد ذكر أن بعض من ألف في الصحابة سمى أبا جندل عبدالله وليس كذلك. ورجع أبو جندل إلى مكة يوم الحديبية في جوار مكرزين حفص فيما حكى ابن عائذ. قال أبو القاسم السهيلي وذكر قول الله سبحانه (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن): وهذا عند أهل العلم مخصوص بنساء أهل العهد والصلح وكان الامتحان أن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ماها جرت فاشزا ولا هاجرت إلا لله ولرسوله فإذا حلفت لم ترد ورد صداقها إلى بعلها وإن كانت من غير أهل العهد لم تستحلف ولم يرد صداقها. وعيبة مكفوفة أي صدور منطوية على ما فيها لا تبدى عداوة. والاغلال الخيانة. والاسلال السرقة.


(1) في نسخة " ليعلم ". (*)

[ 130 ]

[ ذكر الخبر عن ابى بصير وابى جندل ] قال ابن اسحق فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد ابن جارية الثقفى وكان ممن حبس بمكة فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن الحرث بن زهرة والاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا رجلا من بنى عامر ابن لؤلى ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الازهر والاخنس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا البصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق إلى قومك قال يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونى في دينى قال يا أبا بصير انطلق فان الله سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق معهما حتى إذا كان بذى الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير أصارم سيفك هذا يا أخابنى عامر فقال نعم انظر إليه إن شئت فاستله أبو بصير ثم علاه حتى قتله وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعا قال إن هذا الرجل قد رأى فزعا انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ويحك مالك قال قتل صاحبكم صاحبي فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله وفت

[ 131 ]

ذمتك وأدى الله عنك استتنى بيد القوم وقد امتنعت بدينى أن أفتن فيه أو يعبث بى قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلمه محش (1) حرب لو كان معه رجال. ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية ذى المروة على ساحل البحر بطريق قريش التى كانوا يأخذون إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي بصير " ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال " فخرجوا إلى أبى بصير بالعيص فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا فكانوا قد ضيقوا على قريش لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها حتى كتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله بأرحامها إلا آواهم فلا حاجة لهم بهم فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا عليه المدينة. وذكر ابن عقبة هذا الخبر أطول من هذا وسمى الرجل الذى بعثته قريش في طلب أبى بصير جحيش بن جابر من بنى منقذ، قال وكان ذا جلد ورأى في أنفس المشركين وجعل لهما الاخنس في طلب أبى بصير جعلا فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع أبا بصير اليهما فخرجا به حتى إذا كانا بذى الحليفة سل جحيش سيفه ثم هزه فقال لاضربن بسيفي هذا في الاوس والخزرج يوما إلى الليل. وذكر نحو ما تقدم، وفيه فجاء أبو بصير بسلبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خمسه يا رسول الله قال إنى إذا خمسته لم أف بالذى عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب ؟ ؟ ؟ واذهب حيث شئت فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حتى إذا كانوا بين العيص وذى المروة من أرض جهينة وانفلت أبو جندل بن سهيل في سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبى بصير


(1) المحش بكسر الميم ما تحرك به النار وكذلك المحشة. (*)

[ 132 ]

وكرهوا أن يقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة المشركين وكرهوا الثواء بين ظهرى قومهم فنزلوا مع أبى بصير في منزل كريه إلى قريش فقطعوا به مادتهم من طريق الشام وأبو بصير يصلى لاصحابه فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم واجتمع إلى أبى جندل ناس من غفار وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها. وذكر مرور أبى العاص بن الربيع بهم وقصته. قلت وقد تقدم أن أبا العاص أخذ في سرية زيد بن حارثة إلى العيص قال وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى جندل وأبى بصير أن يقدما عليه ومن معهما من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يقرأه فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا وقدم أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم. وقال أبو جندل فيما حكاه الزبير: أبلغ قريشا عن أبى جندل * أنا بذى المروة فالساحل في معشر تخفف أيمانهم * بالبيض فيها والقنا الذابل يأبون أن نبقى لهم رفقة * من بعد إسلامهم الواصل أو يجعل الله لهم مخرجا * والحق لا يغلب بالباطل فيسلم المرء باسلامه * أو يقتل المرء ولم يأتل وأبو بصير سماه ابن اسحق عتبة ومن الناس من يسميه عبيدا وهو ابن أسيد ابن جارية بن أسيد بن عبدالله بن سلمة بن عبدالله بن غبرة بن عوف بن قسى وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن حليف بنى زهرة.

[ 133 ]

[ غزوة خيبر ] قال ابن اسحق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم وخرج في بقية منه غازيا إلى خيبر ولم يبق من السنة السادسة من الهجرة إلا شهر وأيام. واستخلف على المدينة نميلة بن عبدالله اللينى فيما قاله ابن هشام. وقال موسى بن عقبة لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة منصرفه من الحديبية مكث عشرين يوما أو قريبا منها ثم خرج غازيا إلى خيبر وكان الله وعده إياها وهم بالحديبية. قال ابن اسحق فحدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التميمي عن أبى الهيثم بن نصر الاسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الاكوع وهو عم سلمة بن عمرو بن الاكوع وكان اسم ابن الاكوع ؟ ؟ ؟ " انزل يا بن الاكوع فخذلنا من هناتك " قال فنزل يرتجز: والله لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا إنا إذا قوم بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمك ربك فقال عمر بن الخطاب وجبت والله يا رسول الله لو أمتعتنا به فقتل يوم خيبر شهيدا، وكان قتله فيما بلغني أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا (1) فمات منه فكان المسلمون قد شكوا


(1) أي: جرحه جرحا شديدا. (*)

[ 134 ]

فيه وقالوا ما قتله إلا سلاحه حتى سأل ابن أخيه سلمة بن عمرو بن عمرو بن الاكوع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأخبره بقول الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لشهيد وصلى عليه وصلى عليه المسلمون. وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبى مروان الاسلمي عن أبيه عن أبى معتب بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لاصحابه وأنا فيهم قفوا ثم قال اللهم رب السموات وما أظللن ورب الارضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين فانا نسألك من خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها اقدموا بسم الله قال وكان يقولها لكل قرية دخلها. وحدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فان سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار فنزلنا خيبر ليلا فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه وركبت خلف أبى طلحة وإن قدمى لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقبلنا عمال خيبر غادين وقد خرجوا بمساحيهم (1) ومكاتلهم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش قالوا محمد والخميس (2) معه فأدبروا هرابا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. حدثنا هرون عن حميد عن أنس بمثله وروينا عن أبى على بن الصواف بالسند المتقدم إليه فثنا الحسين بن على بن مصعب فثنا هشام بن حسان عن محمد بن أبى السرى فثنا عبد الرزاق قال أنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس ابن مالك عن أبى طلحة قال لما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر وجد اليهود


(1) جمع مسحاة وهى المجرفة من الحديد. (2) الخميس: هو الجيش. (*)

[ 135 ]

وهم في عملهم معهم مساحيهم فقالوا محمد والخميس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صبح المنذرين. رجع إلى الاول: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر فبنى له فيها مسجد ثم على الصهباء ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه إلى خيبر حتى نزل بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا منقلة (1) سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاموال يأخذها مالا مالا ويفتحها حصنا حصنا فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة برحى ألقيت عليه منه. أخبرنا أبو الفتح بن المجاور الشيباني بقراءنى عليه بالشام قال أنا أبو اليمن الكندى قراءة عليه وأنا أسمع قال أنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري قال أنا أبو طالب محمد بن على بن الفتح قال أنا أبو الحسين محمد بن احمد الواعظ فثنا أبو بكر محمد بن جعفر المطيرى فثنا حماد بن الحسن فثنا أبى عن هشيم عن العوام بن حوشب عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى عمر قال جاء رجل من الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال إن اليهود قتلوا أخى فقال لا دفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فيفتح الله عزوجل عليه فيمكنه الله من قاتل أخيك فبعث إلى على عليه السلام فعقد له اللواء فقال


(1) أي مرحلة. (*)

[ 136 ]

يا رسول الله إنى أرمد كما ترى قال وكان يومئذ أرمد فتفل في عينيه قال على عليه السلام فما رمدت بعد يومئذ قال العوام فحدثني جبلة بن سحيم أو حبيب بن أبى ثابت عن ابن عمر قال فمضى بذلك الوجه فما تنام آخرنا حتى فتح الله على أولياء الله فأخذ على عليه السلام قاتل الانصاري فدفعه إلى أخيه فقتله. الرجل الانصاري هو محمد بن مسلمة. وروينا في المعجم الصغير لابي القاسم الطبراني فثنا محمد بن الفضل ابن جابر السقطى ببغداد فثنا فضيل بن عبد الوهاب فثنا جعفر بن سليمان عن الخليل ابن مرة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله قال لما كان يوم خيبر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ؟ ؟ ؟ فجاء محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله لم أر كاليوم قط قتل محمود بن مسلمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فانكم لا تدرون ما تبتلون به منهم فإذا لقيتوهم فقولوا اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تقتلهم أنت ثم الزموا الارض جلوسا فإذا غشوكم فانهضوا وكبروا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بعثن غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبانه لا يولى الدبر فلما كان من الغد بعث عليا وهو أرمد شديد الرمد فقال سر فقال يا رسول الله ما أبصر موضع قدمى فتفل في عينيه وعقد له اللواء ودفع إليه الراية فقال على ما أقاتلهم يا رسول الله قال على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد حقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى. رجع إلى الاول: ثم الغموص حصن بنى أبى الحقيق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة ابن الربيع بن أبى الحقيق - وبنتا (1) عم لها فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في الاصل " وبنتى " (*)

[ 137 ]

صفية لنفسه وجعلها عند ام سليم حتى اعتدت واسلمت ثم اعتقبا وتزوجها وجعل عنقها صداقها. واختلف الفقهاء في هذه المسألة فمنهم من جعل ذلك خصوصا له عليه السلام كما خص بالموهوبة وبالتسع ومنهم من جعل ذلك سنة لمن شاء من أمته وكان دحية بن خليفة الكلبى قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتى عمها وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبها له ثم ابتاعها منه بسبعة أرؤس وفشت السبايا من خيبر في المسلمين وأكل المسلمون لحوم الحمر ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن إتيان الحبالى من النساء وأكل الحمار الاهلى وأكل كل ذى ناب من السباع وبيع المغانم حتى تقسم وأن لا يصيب أحد امرأة من السبى حتى يستبرئها ولا يركب دابة في فئ المسلمين حتى إذا أعجفها (1) ردها فيه ولا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه وأن يبيع أو يبتاع تبر الذهب بالذهب العين وتبر الفضة بالورق العين وقال ابتاعوا تبر الذهب بالورق وتبر الفضة بالذهب العين. وفيه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم وعن متعة النساء ورخص في لحوم الخيل وقسم للفارس سهما وللفرس سهمين، فسره نافع فقال إذا كان مع الفارس فرس فله ثلاثة أسهم وإن لم يكن فله سهم. قال ابن اسحق ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والاموال فحدثني عبدالله بن أبى بكر أنه حدثه بعض أسلم أن بنى سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله والله لقد جهدنا وما بأيدينا من شئ فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه فقال اللهم إنك قد عرفت حالهم وإن ليست بهم قوة وأن ليس بيدى ما أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا (2) منه فغذا الناس ففتح الله عليهم


(1) أي أهزلها. (2) الودك هو دسم اللحم ودهنه الذى يستخرج منه. (*)

[ 138 ]

حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح وحاز من الاموال ما حاز انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عسرة ليلة. قال ابن هشام وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر أمت أمت. قال ابن اسحق فحدثني عبدالله بن سهل بن عبدالرحمن بن سهل أخوبنى حارثة عن جابر بن عبدالله قال فخرج مرحب اليهودي من حصنهم قد جمع سلاحه يرتجز وهو يقول: قد علمت خيبر أنى مرحب * شاكى السلاح بطل مجرب في أبيات وهو يقول من يبارز فأجابه كعب بن مالك: قد علمت خيبر أنى كعب * مفرج الغما جرئ صلب في أبيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لهذا فقال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتل أخى بالامس قال فقم إليه اللهم أعنه عليه قال وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول من يبارز فزعم هشام بن عروة أن الزبير بين العوام خرج إلى ياسر فقالت له أمه صفية بنت عبدالمطلب يقتل ابني يا رسول الله قال بل ابنك يقتله إن شاء الله فخرج الزبير فالتقيا فقتله الزبير. هذا رواية ابن اسحق في قتل مرحب وروينا في الصحيح من حديث سلمة بن الاكوع أن على بن أبى طالب قتله وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر برايته إلى بعض حصون خيبر فقاتل ورجع ولم يكن فتح وقد جهد ثم بعث للغد عمر بن الخطاب فقاتل ورجع ولم يكن فتح وقد جهد فقال عليه السلام لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على بديه ليس بفرار فدعا

[ 139 ]

عليا وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك فخرج بها يهرول حتى ركزها في رضم (1) من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودى من رأس الحصن فقال من أنت فقال على بن أبى طالب فقال يقول اليهودي غلوتم وما أنزل الله على موسى أو كما قال فما رجع حتى فتح الله عليه. قال ابن اسحق وحدثني عبدالله بن حسن عن بعض أهله عن أبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خرجنا مع على حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته لما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من بده فتناول على بابا كان عند الحصن فنرس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتنى في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه. وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماء هم ففعل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الاموال كلها الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الاموال على النصف وقالوا نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. وقد اختلف الناس في فتحها كيف كان فروينا من طريق أبى داود قال حدثنا داود من معاذ فثنا عبد الوارث وثنا يعقوب بن ابراهيم وزياد بن أيوب أن اسمعيل بن ابراهيم حدثهم عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أن رسول الله


(1) الرضم الصخور العظام. (*)

[ 140 ]

صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فأصابها عنوة فجمع السبى. وروينا عن ابن اسحق قال سألت ابن شهاب فأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال. وروينا من طريق السجستاني فثنا ابن السرح فثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال. قال أبو عمر هذا هو الصحيح في أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغاوبا عليها بخلاف فدك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم جميع أرضها على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب وهم أهل الحديبية. ولم تختلف العلماء أن أرض خيبر مقسومة وإنما اختلفوا هل تقسم الارض إذا غنمت البلاد أو توقف فقال الكوفيون الامام مخير بين قسمتها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر وبين إيقافها كما فعل عمر بسواد العراق وقال الشافعي تقسم الارض كلها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر لان الارض غنيمة كسائر أموال الكفار. وذهب مالك إلى إيقافها اتباعا لعمر لان الارض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة في إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين. وروى مالك عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر يقول لولا أن يترك آخر الناس لا شئ لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر سهمانا. وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانا كما قال ابن اسحق وأما من قال إن خيبر كان بعضها صلحا وبعضها عنوة فقد وهم وغلط وإنما دخلت عليه الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظن أن ذلك صلح ولعمري إنه في الرجال والنساء والذرية لضرب من الصلح ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا

[ 141 ]

مقسومة بين اهلها. وربما شبه على من قال إن نصف خيبر صلح ونصفها عنوة يحديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر نصفين نصفا لم ونصفا للمسلمين. قال أبو عمر وهذا لو صح لكان معناه أن النصف له مع سائر من وقع في ذلك النصف معه لانها قسمت على ستة وثلاثين سهما فوقع سهم النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة معه في ثمانية عشر سهما ووقع سائر الناس في باقيها وكلهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر. وليست الحصون التى أسلسها أهلها بعد الحصار والقتال صلحا ولو كانت صلحا لملكا أهلها كما يملك أهل الصلح أرضهم وسائر أموالهم فالحق في هذا ما قاله ابن إسحق دون ماقاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب انتهى ما ذكره أبو عمر. فأما قوله قسم جميع أرضها فان الحصنين المفتتحين أخيرا وهما الوطيح والسلالم لم يجر لهما ذكر في القسمة وسيأتى بيان ذلك عند ذكر القسمة. وأما تأويله لحديث بشير بن يسار فقد كان ذلك التفسير ممكنا لو كان في الحديث إجمال يقبل التفسير بذلك ولكنه ليس كذلك وسيأتى في الكلام على القسمة. وأما قوله كلهم ممن شهد الحديبية ثم شهد خيبر فالمعروف أن غنائم خيبر كانت لاهل الحديبية من حضر الوقعة بخيبر ومن لم يحضرها وهو جابر ابن عبدالله الانصاري. ذكره ابن إسحق وذلك لان الله أعطاهم ذلك في سفرة الحديبية. وعن الحكم عن أبى ليلى في قوله تعالى (وأثابهم فتحا قريبا) قال خيبر (وأخرى لم تقدروا عليها) فارس والروم وان أهل السفينتين لم يشهدوا الحديبية ولا خيبر وكانوا ممن قسم له من غنائم خيبر وكذلك الدوسيون وكذلك الاشعريون قدموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا. وذهب آخرون إلى أن بعضها فتح صلحا والبعض عنوة

[ 142 ]

كما ذكرناه عن موسى بن عقبة. وكما رويناه عن مالك عن الزهري من طريق أبى داود قال قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد أخبركم ابن وهب قال حدثنى مالك عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحا والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح قالت لمالك وما الكتيبة قال أرض خيبر وهى أربعون الف عذق (1) ورويناه عن سعيد بن المسيب أيضا قال أبو داود فثنا محمد بن يحيى بن فارس فثنا عبدالله بن محمد عن جورية عن مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه سولم افتتح بعض خيبر عنوة. وروينا عن أبى داود قال حدثنا حسين بن على العجلى فثنا يحيى يعنى ابن آدم فثنا ابن أبى زايدة عن محمد بن إسحق عن الزهري وعبد الله بن أبى بكر وبعض ولد محمد بن مسلمة قالوا بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم ففعل فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك - الحديث. قلت وقد يعضد هذا القول ما يأتي في أخبار القسمة. وقد روينا من طريق أبى داود قال حدثنا هرون بن زيد بن أبى الزرقاء فثنا أبى فثنا حماد بن سلمة عن عبيدالله بن عمر قال أحسبه عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والارض وألجأهم إلى قصر هم فصالحوه على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة (2) ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فان فعلوا فلاذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا (3) لحييى بن اخطب فيه حليهم. وفى الخبر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعية أين مسك حييى بن أخطب قال أذهبته الحروب


(1) العذق بفتح العين هي النخلة. (2) أي الذهب والفضة والسلاح. (3) أي جلدا وضع فيه الحلى. (*)

[ 143 ]

والنفقات فوجدوا المسك فقتل ابن أبى الحقيق وسبى نساءهم وذراريهم وأراد أن يجليهم فقالوا دعنا نعمل في هذه الارض ولنا الشطر ما بدا لك ولكم الشطر. وزاد أبو بكر البلاذرى في هذا الخبر قال فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سعية بن عمرو إلى الزبير فمسه بعذاب فقال رأيت حييا يطوف في خربة ههنا فذهبوا إلى الخربة ففتشوها فوجدوا المسك. فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبى الحقيق فأحدهما زوج صفية بنت حييى بن أخطب، وسبى نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم للنكث الذى نكثوا. ففى هذا أنها فتحت صلحا وأن الصلح انتقض فصارت عنوة ثم خمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمها. (1)


(1) في حاشية الاصل: (بلغ مقابلة لله الحمد). (*)

[ 144 ]

[ ذكر القسمة ] قال ابن اسحق وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر الانصاري من بنى سلمة وزيد بن ثابت من بنى النجار كانا حاسبين قاسمين. قال ابن سعد وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت واستعمل عليها فروة بن عمرو البياضى ثم أمر بذلك فجزئ خمسة أجزاء وكتب في سهم منها لله وسائر السهمان أغفال وكان أول ما خرج سهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخير في الاخماس فأمر ببيع الاربعة الاخماس فيمن يزيد فباعها فروة وقسم ذلك بين أصحابه وكان الذى ولى إحصاء الناس زيد بن ثابت فأحصاهم الفا وأربعمائة والخيل مائتي فرس وكانت السهمان على ثمانية عشر سهما لكل مائة سهم وللخيل أربعمائة سهم وكان الخمس الذى صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى منه على ما أراه الله من السلاح والكسوة وأعطى منه أهل بيته ورجالا من بنى عبدالمطلب ونساء واليتيم والسائل وأطعم من الكتيبة نساءه وبنى عبدالمطلب وغيرهم. ثم ذكر قدوم الدوسيين والاشعريين وأصحاب السفينتين وأخذهم من غنائم خيبر ولم يبين كيف أخذوا. وإذا كانت القسمة على الف وثمانمائة سهم وأهل الحديبية ألفا وأربعمائة والخيل مائتي فرس باربعمائة سهم فما الذى أخذه هؤلاء المذكورون. وقال ابن إسحق وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين وكانت الكتيبة خمس الله ثم قال وكانت نطاة والشق ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما وقسمت الشق ونطاة على ألف

[ 145 ]

وثمانمائة سهم وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر الفا وثمانمائة رجالهم وخيلهم الرجال أربع عشرة مائة والخيل مائتان لكل فرس سهمان. وهذا أشبه مما تقدم فان هذه المواضع الثلاثة مفتوحة بالسيف عنوة من غير صلح. وأما الوطيح والسلالم فقد يكون ذلك هو الذى اصطفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ينوب للمسلمين ويترجح حينئذ قول موسى بن عقبة ومن قال بقوله أن بعض خيبر كانت صلحا ويكون أخذ الاشعريين ومن ذكر معهم من ذلك ويكون مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية في اعطائهم ليست استنزالا لهم عن شئ من حقهم وإنما هي المشورة العامة (وشاورهم في الامر). وروى البلاذرى فثنا الحسين بن الاسود فثنا أبو بكر بن عياش عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال قسمت خيبر على الف وخمسمائة سهم وثمانين سهما وكانوا الفا وخمسمائة وثمانين رجلا الذين شهدوا الحديبية منهم الف وخمسمائة وأربعون والذين كانوا مع جعفر بن أبى طالب بأرض الحبشة أربعون رجلا، ليس في هذا الخبر مع ضعفه ذكر للخيل وفيه أن أصحاب السفينتين كانوا أربعين وقد ذكر ذلك غير أن المشهور الذى ذكره ابن إسحق أن أصحاب السفينتين كانوا ستة عشر رجلا وأن قوما منهم قدموا قبل ذلك بنحو سنتين من الحبشة وليس لهم مدخل في هذا ومجموعهم نحو من ثمانية وثلاثين رجلا. وإن كان المراد أصحاب السفينتين ومن أخذ معهم من الدوسيين والاشعريين فقد يحتمل. وأما قول أبى عمر قسم جميع أرضها بين الغانمين فقد حكينا عن ابن إسحق ما قسم منها وقد روينا عن أبى داود فثنا هشام بن عمار قال فثنا حاتم بن إسماعيل قال وثنا سليمان بن داود المهرى فثنا ابن وهب قال أخبرني عبد العزيز بن محمد " ح " وثنا نصر بن على قال أنا صفوان بن عيسى وهذا لفظ حديثه كلهم عن أسامة بن زيد عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان

[ 146 ]

قال كان فيما احتج به عمر رضي الله عنه أنه قال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا بنو النضير وخيبر وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه وأما فدك فكانت حبسا لابناء السبيل وأما خيبر فجزأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء جزءين بين المسلمين وجزءا نفقة لاهله وما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين. وأما حديث بشير بن يسار فبشير بن يسار تابعي ثقة يروى عن أنس بن مالك وغيره، يروى عنه هذا الخبر يحيى بن سعيد ويختلف عليه فيه فبعض أصحاب يحيى يقول فيه عن بشير عن سهل بن أبى حثمة وبعضهم يقول إنه سمع نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم يقول عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من يرسله. وروينا من طريق أبى داود فثنا حسين بن على الاسود أن يحيى بن آدم حدثهم عن أبى شهاب عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه سمع نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا فذكر الحديث قال فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزل النصف للمسلمين ما ينوبه من الامور والنوائب. ورواية محمد ابن فضيل عن يحيى عنه عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الباقي لمن ينزل به من الوفود والامور ونوائب الناس. فهذه الرواية والتى قبلها مصرحة بأن النصف للنبى صلى الله عليه وسلم للمسلمين المقسوم عليهم والنصف الباقي هو المؤخر لنوائب المسلمين وأصرح منهما رواية سليمان بن بلال عن يحيى عن بشير المرسلة أنه عليه السلام قسمها ستة وثلاثين سهما فعزل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهما يجمع كل سهم مائة سهم النبي صلى

[ 147 ]

الله عليه وسلم معهم له سهم كسهم أحدهم وعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهما وهو الشطر لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين فكان ذلك الوطيح والكتيبة والسلالم وتوابعها الحديث. فقد تضمن هذا أن المدخر للنوائب الذى لم يقسم بين الغانمين هو الوطيح والسلالم الذى لم يجر لهما في العنوة ذكر صريح والكتيبة هي التى كان بعضها صلحا وبعهضا عنوة وقد يكون غلب حكم الصلح فلذلك لم يقسم فيما قسم. فلم يبق لتأويل ابى عمر رحمه الله وجه ونص الخبر يعارضه والله أعلم. ودفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهلها بشطر ما يخرج منها فلم تزن كذلك إلى أثناء خلافة عمر. قرأت على غازى بن أبى الفضل أخبركم حنبل بن عبدالله قال أنا ابن الحصين قال أنا ابن المذهب قال أنا ابن القطيعى قال أنا عبدالله بن أحمد فثنا أبى فثنا يحيى عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من تمر أوزرع. وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلا واستشهد من المسلمين خمسة عشر رجلا فيما ذكر ابن سعد وزاد غيره عليه، وسيأتى ذكرهم ومنهم الاسود الراعى وكان من خبره أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم كان فيها أجير الرجل من يهود فقال يا رسول الله اعرض على الاسلام فعرضه عليه فأسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الاسلام ويعرضه عليه فلما أسلم قال يا رسول الله إنى كنت أجيرا لصاحب هذا الغنم وهى أمانة عندي فكيف أصنع بها قال اضرب في وجهها فانها سترجع إلى ربها أو كما قال فقام الاسود فأخذ حفنة من الحصباء فرمى بها في وجوهها وقال ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك وخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم إلى ذلك

[ 148 ]

الحصن فقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع خلفه وسجى بشملة (1) كانت عليه فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا يا رسول الله لم أعرضت عنه ؟ قال إن معه الآن زوجتيه من الحور العين ينفضان التراب عن وجهه ويقولان ترب الله وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك. وروينا من طريق البخاري فثنا المكى بن ابراهيم فثنا يزيد بن أبى عبيد قال رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت يا أبا مسلم ما هذه الضربة ؟ قال هذه ضربة أصابتني يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة.


(1) أي: غطى بكساء. (*)

[ 149 ]

[ ذكر من استشهد بخيبر ] من قريش من بنى أمية بن عبد شمس من حلفائهم ربيعة بن أكثم وثقف ابن عمرو ورفاعة بن مسروح ثلاثة، ومن بنى أسد بن عبدالعزى عبدالله بن الهبيب وقيل أهيب بن سحيم بن غبرة من بنى سعد بن ليث حليفهم وابن أختهم رجل. ومن الانصار ثم من بنى سلمة بشر بن البراء وفضيل بن النعمان. قال محمد ابن سعد كذا وجدناه في غزوة خيبر وطلبناه في نسب بنى سلمة فلم نجده، قال ولا نحسبه إلا وهما في الكتاب وإنما أراد الطفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان والله أعلم. حكاه أبو عمر ونسب الطفيل هذا في ترجمته من كتاب الطفيل بن مالك بن النعمان بن خنساء شهد العقبة وبدرا وأحدا وجرح بها ثلاثة عشر جرحا وعاش حتى شهد الخندق وقتل بالخندق شهيدا قتله وحشى بن حرب. وذكر موسى بن عقبة في البدريين الطفيل بن النعمان بن خنساء والطفيل بن مالك بن خنساء رجلين. ومن بنى زريق مسعود بن سعد، ومن الاوس من بنى عبد الاشهل محمود بن مسلمة بن خالد بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث حليف لهم من بنى حارثة أدلى عليه مرحب رحى فأصاب رأسه فهشمت البيضة رأسه وسقطت جلدة جبينه على وجهه فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد الجلدة فعادت كما كانت وعصبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه فمكث ثلاثة أيام ومات رحمه الله. ذكره أبو عمر، ومن بنى عمرو بن عوف أبو ضياح بن ثابت والحرث بن حاطب وعروة

[ 150 ]

ابن برة بن سراقة وعند أبى عمر عروة بن مرة وأوس بن الفائد وعند أبى عمر بن الفاكه وأنيف بن حنيب وثابت بن واثلة وعند ابن إسحق ابن أثلة، وطلحة ولم نقف على نسبه، وأوس بن قتادة، ومن بنى غفار عمارة بن عقبة رمى بسهم. ومن أسلم عامر بن الاكوع عم سلمة بن عمرو بن الاكوع. والاكوع هو سنان بن عبدالله بن قشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم بن أفصى. والاسود الراعى واسمه أسلم وقد تقدم خبره، ومن حلفاء بنى زهرة مسعود بن ربيعة القارى. وقال أبو معشر والواقدى مات سنة ثلاثين وقد زاد على الستين. وعند أبى عمر فيهم أوس بن عائذ.

[ 151 ]

[ أمر وادى القرى ] وكان في جمادى الآخرة سنة سبع. ذكر أبو بكر البلاذرى بأسانيده قال قالوا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من خيبر وادى القرى فدعا أهلها إلى الاسلام فامتنعوا من ذلك وقاتلوا ففتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوة وغنمه الله أموال أهلها وأصاب المسلمون منها أثاثا ومتاعا فخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وترك الارض والنخل في أيدى يهود وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر فقيل إن عمر أجلى يهودها وقسمها بين من قاتل عليها وقيل إنه لم يجلهم لانها خارجة من الحجاز وهى اليوم مضافة إلى عمل المدينة وولاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن سعيد بن العاص وأقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم جمرة بن النعمان ابن هوذة العذري رمية صوته من وادى القرى وكان سيد بنى عذرة وأول أهل الحجار قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة بنى عذرة وكذلك قال أبو عمر أنه افتتحها عنوة وقسمها وأما ابن اسحق فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهلها ليالى ثم انصرف راجعا إلى المدينة. وفيها أصيب غلام للنبى صلى الله عليه وسلم يقال له مدعم أصابه سهم غرب (1) فقتله. أخبرنا القاضى الصدر الرئيس نظام الدين أبو عبدالله محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليلى قراءة عليه وأنا أسمع بمصر قال أنا أبو محمد المبارك بن ابراهيم بن مختار بن تغلب بن السبيبى في كتابه إلى


(1) بفتح الغين وسكون الراء وفتحها أي سهم لا يعرف راميها (*)

[ 152 ]

من مدينة السلام ومولده سنة سبع عشرة وخمسمائة وتوفى سنة ستمائة قال أنا أبو القاسم بن الحصين إملاء من لفظه سنة ثلاث وعشرين قال أنا القاضى أبو القاسم التنوخى قال أنا عبيدالله بن محمد بن إسحق المتوثى فثنا البغوي فثنا مصعب ابن عبدالله قال حدثنى مالك عن ثور بن زيد الديلى عن أبى الغيث مولى ابن مطيع عن أبى هريرة أنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الثياب والمتاع والاموال قال فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادى القرى وقد أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبد أسود يقال له بدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عابر فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذى نفسي بيده إن الشملة التى أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشعل عليه نارا فلما سمعوا بذلك جاء رجل بشراك (2) أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك من نار أو شرا كان من نار. قال البلاذرى حدثنى على بن محمد بن عبدالله مولى قريش عن العباس بن عامر عن عمه قال أتى عبدالملك بن مروان يزيد بن معاوية فقال إن أمير المؤمنين معاوية كان ابتاع من رجل يهودى أرضا بوادي القرى وأحيا إليها أرضا وليست لك بذلك المال عناية فقد ضاع وقلت غلته فأقطعنيه فانه لا حظر له، فقال يزيد إنا لا نبخل بكثير ولا نخدع عن صغير فقال يا أمير المؤمنين غلته كذا قال هو لك فلما ولى قال يزيد هذا الذى يقال إنه يلى بعدنا فان يكن ذلك حقا فقد صانعناه وإن يكن باطلا فقد وصلناه.


(1) أحد سيور النعل. (*)

[ 153 ]

[ خبر تيماء ] قال أبو بكر البلاذرى قالوا قال ولما بلغ أهل تيماء ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل وادى القرى صالحوه على الجزية فأقاموا ببلادهم وأرضهم في أيديهم وولاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد بن أبى سفيان وكان إسلامه يوم فتحها. وروى عن عمر بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب أجلى أهل فدك وتيماء وخيبر. [ سرية عمر بن الخطاب إلى تربة ] قال ابن سعد عطفا على وقعة خيبر: ثم سرية عمر بن الخطاب إلى تربة في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة وهى بناحية العبلاء على أربع ليال من مكة طريق صنعاء وبحران فخرج وخرج معه دليل من بنى هلال فكان يسير الليل ويكمن النهار فأتى الخبر هوازن فهربوا وجاء عمر بن الخطاب محالهم فلم يلق منهم أحدا فانصرف راجعا إلى المدينة. تربة بضم الناء وفتح الراء على وزن عرنة ذكره الحازمى وقال بقرب مكة على مسافة يومين منها. وذكره ابن سيده في المثال له وقال أسماء مواضع. وذكر ابن سيده تربة وليس عند الحازمى تربة ساكنة الراء موضع من بلاد بنى عامر بن مالك.

[ 154 ]

[ سرية ابى بكر الصديق رضى الله عنه إلى بنى كلاب بنجد ] ثم سرية أبى بكر الصديق إلى بنى كلاب بنجد بناحية ضرية في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم: روينا عن ابن سعد قال أنا هاشم بن القاسم فثنا عكرمة يعنى ابن عمار فثنا إياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال غزوت مع أبى بكر إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم علنيا فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم فكان شعارنا أمت أمت قال فقلت بيدى سبعة أهل أبيات من المشركين. وقال أنا هاشم بن القاسم فثنا عكرمة بن عمار فثنا إياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فزارة وخرجت معه حتى إذا ما صلينا الصبح أمرنا فشنينا الغارة فوردنا الماء فقتل أبو بكر من قتل ونحن معه قال سلمة فرأيت عنقا (1) من الناس فمنهم الذرارى فخشيت أن يسبقونى إلى الجبل فأدركتهم فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فزارة فيهم عليها قشع (2) من أدم معها ابنتها من أحسن العرب فجئت اسوقهم إلى أبى بكر فنفلنى أبو بكر ابنتها فلم أكشف لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم باتت عندي فلم أكشف لها ثوبا حتى لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال يا سلمة هب لى المرأة فقلت يا نبى الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا فسكت حتى كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق ولم أكشف لها ثوبا فقال يا سلمة هب لى المرأة لله أبوك قال فقلت هي لك يا رسول الله قال فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدى المشركين.


(1) أي: جماعة. (2) أي: جلد يا بس. (*)

[ 155 ]

[ سرية بشير بن سعد الانصاري إلى فدك ] ثم سرية بشير بن سعد الانصاري إلى فدك في شعبان سنة سبع قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بنى مرة بفدك فخرج فلقى رعاء الشاء فسأل عن الناس فقيل في بواديهم فاستاق النعم والشاء وانحدر إلى المدينة فخرج الصريخ فأخبر هم فأدركه الدهم (1) منهم عند الليل فباتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير. وقاتل بشير حتى ارتث (2) وضرب كعبه وقيل قد مات ورجعوا بن عمهم وشائهم وقدم علبة بن زيد الحارثى بخبرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم من بعده بشير بن سعد.


(1) أي: العدد الكثير. (2) أي: جرح و ؟ ؟ ؟ من المعركة وهو ضعيف. (*)

[ 156 ]

[ سرية غالب بن عبدالله الليثى إلى الميفعة ] قال ثم سرية غالب بن عبدالله الليثى إلى الميفعة في شهر رمضان سنة سبع قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبدالله إلى بنى عوال - بضم العين - وبنى عبد بن ثعلبة وهم بالميفعة وهى وراء بطن نخل إلى النقرة قليلا بناحية نجد وبينها وبين المدينة ثمانية برد بعثه في مائة وثلاثين رجلا ودليلهم يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجموا عليهم جميعا ووقعوا في وسط محالهم فقتلوا من أشراف لهم واستاقوا نعما وشاء فحدروه إلى المدينة ولم يأسروا أحدا. وفى هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذى قال لا اله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب فقال أسامة لا أقاتل أحدا يشهد أن لا اله إلا الله. وبوب البخاري لهذه السرية باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة قال حدثنى عمرو بن محمد فثنا هشيم قال أنا حصين فثنا أبو ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يقول بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة بطن من جهينة فصبحنا القوم فهزمنا هم ولحقت أنا ورجل من الانصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا اله إلا الله فكف الانصاري فطعنته برمحى حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا اله إلا الله. قلت إنما كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (1) (1) ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر بعد لاسامة ثلاث مرات وقال له اعتق رقبة ذكره البغوي.

[ 157 ]

[ سرية بشير بن سعد الانصاري إلى يمن وجبار ] قال ثم سرية بشير بن سعد الانصاري إلى يمن وجبار في شوال سنة سبع قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من غطفان بالجناب قدوا عدهم عيينة ابن حصن الفزارى ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد الانصاري فعقدله لواء وبعث معه ثلاثمائة رجل فسارو الليل و ؟ ؟ ؟ النهار حتى أتوا إلى يمن وجبار وهى نحو الجناب والجناب معارض سلاح وخيبر ووادى القرى فنزلوا بسلاح ثم دنوا من القوم فاصأبوا لهم نعما كثيرا وتفرق الرعاء فحذروا الجمع فتفرقوا ولحقوا بعليا بلادهم وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالهم فيجدها وليس فيها أحد فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسرهما وقدم بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما فأرسلهما. ويمن بفتح الياء آخر الحروف وقيل بضمها وقيل بالهمزة مفتوحة ساكنة الميم. وجبار بفتح الجيم وباء معجمة ثانية الحروف مخففة وبعدها ألف وراء. والجناب بكسر الجيم من أرض غطفان وذكره أيضا الحازمى وقال من بلاد فزارة. وعارضت فلانا في السير أي سرت حياله. وسلاح بكسر السين المهملة والحاء المهملة موضع قريب من خيبر.

[ 158 ]

[ عمرة القضاء ويقال لها عمرة القصاص ] وكان من خبرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في ذى القعدة من السنة السابعة قاصدا مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية. فلما اتصل ذلك بقريش خرج أكابر منهم عن مكة عدواة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يقدروا على الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو وأصحابه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وأتم الله له عمرته وقعد بعض المشركين بفعيفعان (1) ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت فأمر هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرمل ليروا المشركين أن بهم قوة، وكان المشركون قالوا في المهاجرين قد وهنتهم حمى يثرب، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته تلك ميمونة بنت الحارث الهلالية قيل تزوجها قبل أن يحرم بعمرته وقيل بعد أن حل من عمرته وقيل تزوجها وهو محرم فلما تمت الثلاثة الايام التى هي أمد الصلح جاء حو يطب بن عبدالعزى ومعه سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المشركين بأن يخرج عن مكة ولم يمهلوه حتى يبنى على ميمونة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنى بها بسرف وذكر ابن سعد أن المعتمرين بها كانوا ألفين هم أهل الحديبية ومن انضاف إليهم إلا من مات منهم أو استشهد بخيبر. واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبارهم الغفاري وقيل غيره وساق ستين بدنة وجعل عليها ناجية بن جندب ومائة فرس قدم عليها محمد بن مسلمة أمامه. وجعل على السلاح أوس


(1) جبل مشهور بمكة. (*)

[ 159 ]

عمرتهم رضى الله عنهم. أخبرنا أحمد بن يوسف الساوى بقراءة والدى عليه رحمهما الله تعالى سنة ست وسبعين وستمائة قال أنا أبو روح المطهر بن أبى بكر البيهقى سماعا عليه سنة خمس وستمائة قال أنا الامام أبو بكر محمد بن علق الطوسى قال أنا أبو على نصرالله بن أحمد بن عثمان الخشنامى قال أنا القاضى أبو بكر الحيرى قال أنا أبو على الميداني قال أنا محمد بن يحيى الذهلى فثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة آخذ بغرز النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله * قد أنزل الرحمن في تتزيله بأن خير القتل في سبيله وكان اسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة قبيل عمرة القضاء وقيل بعدها.

[ 160 ]

[ سرية ابن ابى العوجاء السلمى إلى بنى سليم ] قال ابن سعد ثم سرية ابن أبى العوجاء إلى بنى سليم في ذى الحجة سنة سبع قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبى العوجاء السلمى في خمسين رجلا إلى بنى سليم فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معهم فحذرهم فجمعوا فأتاهم ابن أبى العوجاء وهم معدون له فدعاهم إلى الاسلام فقالوا لا حاجة لنا إلى ما تدعوننا إليه فتراموا بالنبل ساعة وجعلت الامداد تأتى حتى أحدقوا بهم من كل ناحية فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبى العوجاء جريحا مع القتلى ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان

[ 161 ]

[ سرية غالب بن عبدالله الليثى إلى بنى الملوح بالكديد ] قال ابن سعد: ثم سرية غالب بن عبدالله الليثى إلى بنى الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان قال أنا عبدالله بن عمرو أبو معمر فثنا عبد الوارث بن سعيد فثنا محمد بن إسحق عن يعقوب بن عتبة بن مسلم بن عبدالله الجهنى عن جندب بن مكيث الجهنى قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبدالله الليثى ثم أحد بنى كلاب بن عوف في سرية كنت فيهم وأمرهم أن يشنوا الغارة على بنى الملوح بالكديد وهم من بنى ليث. قال فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحرث بن البرصاء الليثى فأخذناه فقال إنما جئت أريد الاسلام وإنما خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا إن كنت مسلما لم يضرك رباطنا يوما وليلة وان كنت على غير ذلك نستوثق منك. قال فشددناه وثاقا وخلفنا عليه رو يجلا منا أسود فقلنا إن نازعك فاحتز رأسه فسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا في ناحية الوادي. وبعثنى أصحابي ربيئة لهم فخرجت حتى ؟ ؟ ؟ تلا مشرفا على الحاضر يطلعني عليهم حتى إذا اسندت (1) فيه علوت على رأسه ثم اضطجعت عليه. قال فانى لا نظر إذ خرج منهم من خباء له فقال لامرأته إنى لانظر على هذا الجبل سوادا ما رأيته أول من يومى هذا فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئا قال فنظرت فقالت والله ما أفقد من أوعيتي شيئا قال


(1) أي: صعدت. (*)

[ 162 ]

فناوليني قوسى ونبلي فناولته قوسه وسهمين معها فأرسل سهما فوالله ما اخطأ بين عينى، قال فانتزعته فوضعته وثبت مكاني ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعه فوضعته وثبت مكاني قال فقال لامرأته والله لو كانت ربيئة لقد تحركت بعد والله لقد خالطها سهمان لا أبا لك فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما الكلاب. قال ثم دخل وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم فلما احتلبوا واطمأنوا فناموا شننا عليهم الغارة واستقنا النعم قال فخرج صريخ القوم في قومهم فجاء ما لا قبل لنا به فخرجنا به نحدرها مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا فأدركنا القوم حتى نظروا الينا ما بيننا وبينهم الا الوادي ونحن موجهون في ناحية الوادي إذ جاء الله بالوادي من حيث شاء يملا جنبيه ماء والله ما رأينا يومئذ سحابا ولا مطرا فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون الينا وقد أسندناها في المسيل. وقال الواقدي في المشلل - بدل المسيل - نحدرها وفتناهم فوتا لا يقدون فيه على طلبنا قال وكانوا بضعة عشر رجلا.

[ 163 ]

[ سرية غالب بن عبدالله الليثى ] إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك ثم سرية غالب بن عبدالله الليثى أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان قال أنا محمد بن عمر قال حدثنى عبدالله بن الحرث بن الفضيل عن أبيه قال هيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام. وقال له سرحتى تنتهى إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فان ظفرك الله بهم فلاتبق فيهم. وهيأ معه مائتي رجل وعقد له لواء فقدم غالب من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير اجلس وبعث غالب ابن عبدالله في مائتي رجل وخرج أسامة بن زيد فيها حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد وخرج معه علبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نعما وقتلوا منهم قتلى قال أنا محمد بن عمر قال حدثنى أفلح بن سعيد عن بشير بن محمد بن عبدالله بن زيد قال خرج مع غالب في هذه السرية عقبة بن عمرو أبو مسعود وكعب بن عجرة وأسامة بن زيد وعلبة بن زيد الحارثى. أنا محمد بن عمر قال حدثنى شبل بن العلاء ابن عبدالرحمن عن ابراهيم بن حويصة عن أبيه قال بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية مع غالب بن عبدالله إلى بنى مرة فأغرنا عليهم من الصبح وقد أو عز الينا أميرنا أن لا تفترق وواخى بيننا فقال لا تعصوني فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اطاع أميرى فقد أطاعنى ومن عصاء فقد عصاني وانكم متى ما تعصوني فانكم تعصون نبيكم قال فآخى بينى وبين أبى سعيد الخدرى قال فأصبنا القوم.

[ 164 ]

[ سرية شجاع بن وهب الاسدي إلى بنى عامر بالسيئ ] ثم سرية عامر بن وهب الاسدي إلى بنى عامر بالسيئ في شهر ربيع الاول سنة ثمان قال أنا محمد بن عمر الاسلمي قال حدثنى أبو بكر بن عبدالله بن أبى سبرة عن إسحق بن عبدالله بن أبى فروة عن عمر بن الحكم قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسيئ ناحية ركبة من وراء المعدن وهى من المدينة على خمس ليال وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهم غارون فأصابوا نعما كثيرا وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة واقتسموا الغنيمة وكان سهمانهم خمسة عشر بعيرا وعدلوا البعير بعشر من الغنم وغابت السرية خمس عشرة ليلة. [ سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات اطلاح ] وهى من وراء وادى القرى ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات اطلاع وهى من وراء وادى القرى. ثم سرية سعد بن عمير في شهر ربيع الاول سنة ثمان قال. أنا محمد بن عمر قال حدثنى محمد بن عبدالله عن الزهري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات اطلاح من أرض الشام فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا فدعوهم إلى الاسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل. فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلو هم أشد القتال حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح في القتلى فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فشق ذلك عليه وهم بالبعثة إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.

[ 165 ]

[ غزوة مؤتة ] وهى بأدنى البلقاء من أرض الشام في جمادى الاولى سنة ثمان وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحرث بن عمير الازدي أحد بنى لهب بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم وقيل إلى ملك بصرى، فعرض له شرحبيل ابن عمرو الغساني فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه صبرا ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر عنه. قال ابن إسحق حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الاولى من سنة ثمان وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال إن إصيب زيد فجعفر بن أبى طالب على الناس وإن إصيب جعفر فعبد الله ابن رواحة على الناس فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف فلما حضرهم خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم. فلما ودع عبدالله بن رواحة بكى فقيل ما يبكيك فقال أما والله ما بى حب الدنيا ولاصبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) فلست أدرى كيف لى بالصدر بعد الورود فقال المسلمون صحبكم الله ودفع عنكم وردكم الينا صالحين فقال عبدالله بن رواحة: لكننى أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدى حران مجهزة * بحربة تنفذ الاحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثى * أرشده الله من غاز وقد رشدا

[ 166 ]

ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى يقال له مالك بن رافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا فاما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضى له قال فشجع الناس عبدالله بن رواحة وقال يا قوم والله إن الذى تكرهون للتى خرجتم لها تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولاقوة ولا كثرة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به فانطلقوا فانما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. قال ابن إسحق ثم مضى الناس فحدثني عبدالله بن أبى بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال كنت يتيما لعبد الله بن رواحة فخرج في سفره ذلك مرد في على حقيبة (1) رحله فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد ويقول: إذا أدنيتني وحملت رحلى * مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمى وخلاك ذم * ولا أرجع إلى أهلى ورائي وجاء المسلمون وغادرونا * بأرض الشام مشتهى الثواء في أبيات فلما سمعتهن بكيت فخفقني بالدرة وقال ما عليك يالكع أن يرزقنى الله شهادة وترجع بين شعبتى الرحل. قال ثم قال عبدالله بن رواحة في سفره ذلك وهو يرتجز: يا زيد زيد اليعملات (2) الذبل * تطاول الليل هديت فانزل ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب


(1) الحقيبة ما يوضع فيه الزاد. (2) جمع يعملة وهى الناقة النجيبة. (*)

[ 167 ]

بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فتعبأ لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجل من الانصار يقال له عباية ابن مالك ويقال عبادة. ثم التقى لناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل فكان جعفر أول من عرقب فرسا في سبيل الله فقاتل. وروى أنه أخذ اللواء بيمينه فقاتل به حتى قطعت يمينه فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره فاحتضن الراية وقاتل حتى قتل رحمه الله وسنه ثلاث وثلاثون أو أربع وثلاثون سنة. ثم أخذها عبدالله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعرفه من لحم فقال شد بها صلبك فانك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت فأخذه من يده فانتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل. ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخوبنى العجلان فقال يا قوم اصطلحوا على رجل منكم فقالوا أنت قال ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس. وقد حكى ابن سعد وغيره أن الهزيمة كانت على المسلمين وحكى أيضا أن الهزيمة كانت على الروم. وكذا في صحيح البخاري والمختار من ذلك ما ذكره ابن إسحق من انحياز كل فئة عن الاخرى من غير هزيمة وقد وقع ذلك في شعر لقيس بن المسحر اليعمرى كذلك. وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك من يومه فأخبر به عليه السلام أصحابه رضى الله عنهم بالمدينة قبل ورود الخبر بأيام. وقال لقد رفعوا لى في الجنة فيما يرى النائم على سرر من

[ 168 ]

ذهب فرأيت في سرير عبدالله بن رواحة ازورا را عن سريري صاحبيه فقلت عم هذا فقيل لى مضيا وتردد عبدالله بعض التردد ثم مضى. قال أبو عمر وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن جدعان عن ابن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل لى جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من دركل واحد منهم على سريره فرأيت زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدود ورأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود قال فسألت أو قيل لى إنهما حين غشيهما الموت أعرضا أو كأنهما صدا بوجوههما. وأما جعفر فانه لم يفعل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جعفر إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء. قال أبو عمرو وروينا عن ابن عمر أنه قال وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح. وقد روى أربع وخمسون والاول أثبت. وقال موسى بن عقبة قدم يعلى ابن منية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك قال فأخبرني يا رسول الله فأخبره صلى الله عليه وسلم خبرهم كله ووصف له فقال والذى بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وان أمرهم لكما ذكرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله رفع لى الارض حتى رأيت معتركهم.

[ 169 ]

[ تسمية من استشهد يوم مؤتة ] ذكر ابن إسحق منهم من بنى هاشم جعفر بن أبى طالب وزيد بن حارثة ومن بنى عدى بن كعب مسعود بن الاوس بن حارثة بن نضلة، ومن بنى مالك ابن حسل وهب بن سعد بن أبى سرح، ومن الانصار من بنى الحرث بن الخزرج عبدالله بن رواحة وعباد بن قيس، ومن بنى غنم بن مالك بن النجار الحرث بن النعمان بن أساف بن نضلة بن عبد بن عوف بن غنم، ومن بنى مازن بن النجار سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. وزاد ابن هشام عن الزهري فيهم أبا كليب وجابرا ابني عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول وهما لاب وأم. وفى بنى مالك بن أفصى عمرا وعامرا ابني سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن الحارث بن عباد ابن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. [ ذكر فوائد تتعلق بهذه الاخبار ] مؤتة بضم الميم وبالهمز. ولهب بكسر اللام وسكون الهاء. وقوله في شعر ابن رواحة " وضربة ذات فرغ " بفتح الفاء وسكون الراء المهملة وبعدها غين معجمة قال ابن سيده وطعنة فرغاء وذات فرغ واسعة يسيل دمها. ومعان بضم الميم وقال الوقشى الصواب فتحها. وفى الغريب المصنف المبآة المنزل. والمعان مثله. والحساء جمع حسى وهو موضع رمل تحته صلابة فإذا قطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء فمنعته

[ 170 ]

الصلابة أن يغيض ومنع الرمل السماء أن تنشفه فإذا بحث ذلك الرمل وجد الماء، والحساء هاهنا اسم منزله معروفة. وقوله " فشأنك فانعمى " استحسنه المبرد وكان قد أنشد قبله قول الشماخ يمدح عرابة بن أوس: إذا بلغتني وحملت رحلى * عرابة فاشرقى بدم الوتين قال وقد أحسن كل الاحسان كأنه يقول: لست أحتاج أن أرحل إلى غيره قال وقد عاب بعض الرواة قوله " فاشرقى بدم الوتين " قال وكان ينبغى أن ينظر لها بعد استغنائه عنها. وذكر قصة الانصارية التى نجت على الناقة وقالت إنى نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما جزيتيها. الحديث قلت وقد سلم بيت ابن رواحة من هذا. وقوله ولا أرجع دعاء وهو مجزوم بالدعاء ومعناه اللهم لا أرجع وهذا الدعاء ينجزم بما ينجزم به الامر والنهى. وقال الوقشى الصواب مشتهى الثواء ولما وقع في الاصل وجه. وقوله * يا زيد زيد اليعملات الذبل * قال ابن إسحق يقوله لزيد بن أرقم وكان يتيمه. قال أبو عمر قيل بل قال ذلك في غزوة مؤتة لزيد بن حارثة. وتخوم البلقاء في مختصر العين تخوم الارض يعنى بفتح التاء اسم على مثال فعول وبعضهم يقول تخوم بالضم كأنه جمع وهو فصل ما بين الارضين. وشاط هلك قال * وقد يشيط على أرما حنا البطل * وقوله وخاشى بهم بالخاء المعجمة قال ابن قتيبة هو من الخشية كانه خاف عليهم وقال ابن هشام ويقال فحاشى بهم.

[ 171 ]

[ سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل ] وهى من وراء وادى القرى سميت بماء بأرض جذام يقال له السلسل وقال السهيلي ذات السلاسل بضم السين الاولى وكسر السين الثانية ماء بأرض جذام بن سميت الغزاة. ثم سرية عمرو إلى ذات السلاسل وبينها وبين المدينة عشرة أيام. وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان قال ابن سعد قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ان جمعا من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف المدينة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص وعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلثمائة من سراة المهاجرين والانصار ومعهم ثلاثون فرسا وأمره أن يستعين بمن مربه من بلى وعذرة وبلقين فسار اللين وكمن النهار. فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا. فبعث رافع بن مكيث الجهنى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين والانصار وفيهم أبو بكر وعمرو أمر أن يلحق بعمرو أن يكونا جميعا ولا يختلفا فلحق بعمرو فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو إنما قدمت على مددا وأنا الامير فأطاع له بذلك أبو عبيدة فكان عمرو يصلى بالناس وسار حتى وطئ بلاد بلى ودوخها (1) حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين ولقى في آخر ذلك جمعا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا. وبعث عوف بن مالك الاشجعى بريدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) أي قهرها واستولى عليها. (*)

[ 172 ]

فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم. وذكر ابن إسحق نزولهم على ماء بجذام يقال له السلسل قال وبذلك سميت ذات السلاسل. أخبرنا عبدالرحيم بن يوسف المزى بقراءة والدى عليه رحمهما الله قال أنا أبو على حنبل بن عبدالله بن الفرج الرصافي قال أنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني قال أنا أبو على الحسن بن على بن المذهب قال ثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعى قال أنا عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثنى أبى حدثنا محمد بن أبى عدى عن داود عن عامر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش ذات السلاسل فاستعمل أبا عبيدة على المهاجرين واستعمل عمرو بن العاص على الاعراب وقال لهما تطاوعا قال فكان يؤمرون أنا يغيروا على بكر فانطلق عمرو وأغار على قضاعة لان بكرا أخواله، قال فانطلق المغيرة بن شعبة إلى أبى عبيدة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعملك علينا وإن ابن فلان قد اتبع أمر القوم فليس لك معه أمر فقال أبو عبيدة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتطاوع فأنا أطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن عصاه عمرو.

[ 173 ]

[ سرية الخبط ] ثم سرية الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح وكانت في رجب سنة ثمان قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والانصار وفيهم عمر بن الخطاب إلى حى من جهينة بالقبلية مما يلى ساحل البحر وبينها وبين المدينة خمس ليال فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخبط (1). وابتاع قيس جزرا ونحرها لهم وألقى لهم البحر حوتا عظيما فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيدا. قرأت على أبى الهيجاء غازى بن أبى الفضل الدمشقي أخبر كم الشيخ أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ قراءة عليه وأنت تسمع فأقر به قال أنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني قال أنا أبو طالب محمد بن محمدون ابراهيم بن غيلان البزاز قال أنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن ابراهيم الشافعي فثنا ابراهيم بن اسحق فثنا محمد بن سهل فثنا ابن أبى مريم قال أنا يحيى ابن أيوب قال حدثنى جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحرث أن بكر بن سوادة حدثهما أن أبا حمزة الحميرى حدثه سمع جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم بعثا عليهم قيس بن سعد بن عبادة فجهدوا فنحر لهم قيس تسع ركائب قال عمر في حديثه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت. قال ابراهيم لم يكن قيس بن سعد أمير هذا الجيش إنما كان أبو عبيدة وقيس معه كذا أخبرني محمد بن صالح عن محمد بن عمر، قال وحدثني داود بن


(1) هو ورق السمر نوع من الشجر. (*)

[ 174 ]

قيس وابراهيم بن محمد الانصاري وخارجة بن الحرث قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة في سرية فيها المهاجرون والانصار وهم ثلاثمائة رجل إلى ساحل البحر إلى حى من جهينة فأصابهم جوع شديد، فقال قيس بن سعد من يشترى منى تمرا يجزور (1) يوفيني الجزور هاهنا وأوفية التمر بالمدينة فجعل عمر يقول و ؟ ؟ ؟ لهذا الغلام لامال له يدين في مال غيره فوجد رجلا من جهينة فقال قيس بعنى جزورا أو فيكم وسقه من تمر المدينة فقال الجهنى والله ما أعرفك فمن أنت قال أنا ابن سعد بن عبادة بن دليم. قال الجهنى ما أعرفني بنسبك وذكر كلاما فابتاع منه خمس جزائر كل جزور بوسق من تمر يشترط عليه البدوى من تمر آل دليم يقول قيس نعم قال فأشهد لى فأشهد له نفرا من الانصار ومعهم نفر من المهاجرين قال قيس أشهد من تحب وكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب فقال عمر ما أشهد هذا يدين ولا مال له وإنما المال لابيه قال الجهنى والله ما كان سعد ليختى (2) بابنه في وسقة من تمر وأرى وجها حسنا وفعلا شريفا فكان من عمرو قيس كلام حتى أغلظ لقيس وأخذ الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة كل يوم جزوررا فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره فقال تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك. قال محمد فحدثني محمد بن يحيى بن سهل عن أبيه عن رافع بن خديج قال أقبل أبو عبيدة ومعه عمر فقال عزمت عليك أن لا تنحر أتريد أن تخفر ذمتك قال قيس يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضى ديون الناس ويحمل الكل (3) ويطعم في المجاعة لا يقضى عنى سقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله فكاد أبو عبيدة أن يلين له، وجعل عمر يقول اعزم فعزم عليه وابى أن ينحرو بقيت حزوران فقدم بهما قيس المدينة ظهرا يتعاقبون عليهما وبلغ


(1) أي: ناقة. (2) أي يسلمه ويخفر ذمته، وهو من أخنى عليه الدهر. (3) الكل: اليتيم، والعيال. (*)

[ 175 ]

سعدا ما أصاب القوم من المجاعة فقال إن يك قيس كما أعرف فسينحر للقوم فلما قدم قيس ولقيه سعد فقال ما صنعت في مجاعة القوم قال نحرت. قال أصبت قال ثم ماذا قال ثم نحرت. قال أصبت. قال ثم ماذا قال ثم نحرت قال أصبت قال ثم ماذا قال ثم نهيت قال ومن نهاك قال أبو عبيدة أميرى قال ولم قال زعم أنه لا مال لى وإنما المال لا بيك فقلت أبى يقضى عن الاباعد ويحمل الكل ويطعم في المجاعة ولا يصنع هذا بى قال فلك أربع حوائط أدناها حائط تجد منه خمسين وسقا. قال وقدم البدوى مع قيس فأوفاه وسقه وحمله وكساه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فعل قيس فقال إنه في قلب جود. [ خبر العنبر ] وروينا من طريق البخاري قال حدثنا على بن عبدالله فثنا سفيان قال الذى حفظناه من عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبدالله يقول بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرص عير قريش فأقمنا بالساحل نصف شهر فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط. فسمى ذلك الجيش جيش الخبط فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر فأكلنا منها نصف شهر وادهنا من ودكه حتى ثابت (1) الينا أجسامنا فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أعضائه فنصبه فعمد إلى أطول رجل معه قال سفيان مرة ضلعا من أضلاعه فنصبه وأخذ رجلا وبعيرا فمر تحته قال جابر وكان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر. وذكر تمام الحديث.


(1) أي: أقبلت علينا بعد أن اذهبها الجوع. (*)

[ 176 ]

[ سرية ابى قتادة بن ربعى إلى خضرة ] وهى أرض محارب ثم سرية أبى قتادة بن ربعى الانصاري إلى حضرة وهى أرض محارب بنجد في شعبان سنة ثمان. قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة ومعه خمسة عشر رجلا إلى غطفان وأمره أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وكمن النهار فهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط به فصرخ رجل منهم ما حضره وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشراف لهم واستاقوا النعم فكانت الابل مائتي بعير والغنم الفى شاة وسبوا سبيا كثيرا وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه فأصاب كل رجل اثنى عشر بعيرا فعدل البعير بعشر من الغنم وصارت في سهم أبى قتادة جارية وضيئة فاستوهبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبها له فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحية بن جزء وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة. قرأت على أبى الهيجاء غازى ابن أبى الفضل الدمشقي بقرافة سارية أخبركم أبو على حنبل على عبدالله المكبر قال أنا أبو القاسم بن الحصين قال أنا أبو على بن المذهب قال أنا أبو بكر بن مالك قال أنا عبدالله قال حدثنى أبى فثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى نجد فبلغت سهمانهم اثنى عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا.

[ 177 ]

[ سرية ابى قتادة بن ربعى الانصاري إلى بطن إضم ] وهى في أول شهر رمضان سنة ثمان قالوا: لما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعى في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضم - وهى فيما بين ذى خشب وذى المروة وبينها وبين المدينة ثلاثة برد - ليظن ظان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إلى تلك الناحبة ولان تذهب بذلك الاخبار. وكان في السرية محلم بن جثامة الليثى فمر عامر بن الاضبط الاشجعى فسلم بتحية الاسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله وسلبه متاعه وبعيره ووطب (1) لبن كان معه فلما لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم نزل فيهم القرآن (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة) إلى آخر الآية. فمضوا فلم يلقوا جمعا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذى خشب فبلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إلى مكة فأخذوا على يين (2) حتى لقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالشقيا وهى عند ابن اسحق منسوبة لابن أبى حدرد. وذكر ابن اسحق في خبر محلم بن جثامة بعد ذلك يوم حنين أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم صلى الظهر بحنين ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها فقام إليه الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن يختصمان في عامر بن الاضبط، عيينة


(1) أي: وعاء. (2) اسم لعين هناك. (*)

[ 178 ]

يطلب بدمه وهو يومئذ سيد غطفان، والاقرع يدفع عن محلم لمكانه من خندف فتداولا الخصومة ثم قبلوا الدية ثم قالوا أين صاحبكم هذا يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل آدم ضرب طويل هو محلم فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة ثلاثا فقام يتلقى دمعه بفضل ردائه. الحديث. وفى حديث عن الحسن ما مكث إلا سبعا حتى مات فلفظته (1) الارض مرات فعمدوا به إلى صدين (2) فسطحوه بينهما ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه.


(1) أي: أخرجته. (2) أي: جبلين. (*)

[ 179 ]

[ سرية ابن ابى حدرد الاسلمي إلى الغابة ] قال ابن أبى حدرد فيما حكاه ابن اسحق: تزوجت امرأة من قومي فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي فقال وكم أصدقت قلت مائتي درهم فقال سبحان الله لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم والله ما عندي ما أعينك به قال فلبثت أياما وأقبل رجل من بنى جشم بن معاوية يقال له رفاعة ابن قيس أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من بنى جشم حتى ينزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذا اسم في جشم وشرف فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين معى من المسلمين فقال اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم قال وقدم لنا شارفا عجفاء (1) فحمل عليها أحدنا فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت ثم قال تبلغوا عليها واعتقبوها قال فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر عشيشية (2) مع غروب الشمس كمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت هما إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معى فوالله إنا لكذلك ننتظر غرة القوم أو أن نصيب منهم شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وكان لهم راع سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى


(1) أي: ناقة مسنة مهزولة. (2) تصغير عشية. (*)

[ 180 ]

تخوفوا عليه فقام صاحبهم ذلك وأخذ سيفه فجعله في عنقه ثم قال والله لاتبعن أثر راعينا هذا ولقد أصابه شر فقال نفر ممن والله لا تذهب أنت نحن نكفيك قال والله لا يذهب إلا أنا قالوا فنحن معك قال والله لا يتبعني أحد منكم وخرج حتى مربى فلما أمكننى نفحته بسهم فوضعته في فؤاده فوالله ما تكلم ووثبت إليه فاحتززت رأسه وشددت في ناحية العكسر وكبرت وشد صاحباى وكبرا فوالله ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيما وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئت برأسه أحمله معى فأعاننى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الابل بثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إلى أهلى.

[ 181 ]

[ فتح مكة شرفها الله تعالى ] كانت في شهر رمضان سنة ثمان. وكان السبب فيها فيما ذكر ابن إسحق أن بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير. وكان الذى هاج ما بين بكر وخزاعة أن رجلا من بنى الحضرمي يقال له مالك بن عباد - وحلف الحضرمي يومئذ إلى الاسود بن رزن - خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه فعات خزاعة قبل الاسلام على بنى الاسود بن رزن الديلى وهم ؟ ؟ ؟ بنى كنانة وأشرافهم سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم فبيناهم كذلك حجز بينهم الاسلام. وتشاغل الناس به فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش كان فيما شرطوا أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فدخلت بنو بكر في عهد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل بن بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأرا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم في الاسود بن رزن فخرج نوفل بن معاوية الديلى في بنى الديل بن بكر من كنانة حتى بيت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم فأصابوا منهم رجلا وتحاوروا واقتتلوا ورفدت بنى بكر قريش بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا. ذكر ابن سعد منهم صفوان بن أمية وحو يطب بن عبدالعزى

[ 182 ]

ومكرز بن حفص بن الاخيف حتى جاوزوا خزاعة إلى الحرم. فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم الهك الهك. فقال كلمة عظيمة لا إله اليوم يا بنى بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلا يقال له منبه فلما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بدليل بن ورقاء الخزاعى ودار مولى لهم يقال له رافع ولما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق خرج عمرو بن سالم الخزاعى، قال ابن سعد في أربعين راكبا حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان ذلك ما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهرى الناس فقال: يا رب انى ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الا تلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا * إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجرى مذبدا * إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك الموكدا * وجعلوا لى في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا * وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا يقول قتلنا وقد أسلمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء فقال إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من بنى خزاعة حتى قدموا على رسول

[ 183 ]

الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه وبما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم. قلت لعل الاربعين راكبا الذين ذكر ابن سعد قومهم من خزاعة مع عمرو بن سالم هم هؤلاء. رجع إلى خبر ابن إسحق: ثم رجعوا إلى مكة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة. ومضى بديل بن ورقاء في أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان وقد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذى صنعوا فلما لقى أبو سفيان بديل بن ورقاء قال من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال سرت في خزاعة في هذا الساحل وفى بعض هذا الوادي قال أوما جئت محمدا قال لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال يا بنية ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى قالت بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس قال والله لقد أصابك بعدى شر ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا ثم ذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو لم أجد إلا الذم لجاهدتكم به. ثم جاء فدخل على على بن أبى طالب وعنده فاطمة وحسن غلام يدب بين يديها فقال يا على انك أمس القوم بى رحما وإنى قد جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبا اشفع لى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت إلى فاطمة فقال يا بنت محمد هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس فيكون

[ 184 ]

سيد العرب إلى آخر الدهر قالت والله ما يبلغ بنيى ذاك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا الحسن إنى أرى الامور قد اشتدت على فانصحني قال والله ما أعلم لك شيئا يغنى عنك ولكنك سيد بنى كنانة فقم وأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا قال لا والله ما أظنه ولكني لا أجد لك غير ذلك فقام أبو سفيان في المسجد فقال أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا منا وراءك قال جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد على شيئا ثم جئت ابن أبى قحافة فلم أجد فيه خيرا ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أدنى العدو. كذا قال ابن إسحق قال ابن هشام أعدى العدو. ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم وقد أشار على بشئ صنعته فوالله ما أدرى هل يغني عنى شيئا أم لا قالوا وبم أمرك قال أمرنى أن أجير بين الناس ففعلت قالوا فهل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا ويلك والله إن زاد الرجل على أن لعب بك قال لا والله ما وجدت غير ذلك وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهى تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي بنية أمركن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجهيزه قالت نعم فتجهز قال فأين ترينه يريد قالت لا والله ما أدرى ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتجهز وقال " اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها " فتجهز الناس فكتب حاطب بن أبى بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم بذلك ثم اعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا فجعلته في قرون رأسها ثم خرجت به وأتى رسول الله صلى الله عليه سلم الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث عليا والزبير. وغير ابن إسحق يقول بعث عليا والمقداد فقال أدركا أمرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم فخرجا حتى أدركاها فاستنز لاها

[ 185 ]

والتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا فقال لها على إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك فلما رأت الجد منه قالت أعرض فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب فدفعته إليه فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا حاطبا فقال له ما حملك على هذا فقال والله إنى لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت ولكني ليس لى في القوم أصل ولا عشيرة ولى بين أظهر هم ولد وأهل فصانعتهم عليهم فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني فلا ضرب عنقه فان الرجل قدنا فق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره فاستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وقال ابن سعد عبدالله ابن أم مكتوم فخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام وصام الناس مع حتى إذا كانوا بالكديد أفطر ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف. وعميت الاخبار عن قريش فهم على وجل وارتقاب فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم ابن حزام وبديل بن ورقاء يتحبسون الاخبار. وكان العباس بن عبدالمطلب قد خرج قبل ذلك بعياله مسلما مهاجرا فلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بالجحفة وقيل بذى الحليفة وكان فيمن خرج ولقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق أبو سفيان بن الحرث وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة بالابواء وقيل بين السقيا والعرج فأعرض عنهما فقالت له أم سلمة لا يكن ابن عمك وابن عمتك أخى أشقى الناس بك وقال على لابي سفيان فيما حكاه أبو عمر إئت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قهل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف عليه السلام ليوسف (تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين) فانه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه. ففعل ذلك أبو سفيان قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو

[ 186 ]

لعمرك إنى يوم أحمل راية * لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدج الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدى فاهتدى هداني هاد غير نفسي ودلني * على الله من طردته كل مطرد فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال أنت طردتني كل مطرد. وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه فيقال إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم حيا، منه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه ويشهد له بالجنة ويقول أرجو أن يكون خلفا من حمزة، ويروى أنه لما حضرته الوفاة قال لا تبكوا على فلم أنتطف (1) بخطيئة منذ أسلمت. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران (2) وقال ابن سعد نزله عشاء فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رقت نفس العباس لاهل مكة قال فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الاراك فقلت لعلى أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة فوالله إنى لاسير عليها إذا سمعت كلام أبى سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا قال يقول بديل هذه والله خزاعة حمشتها (3) الحرب فيقول أبو سفيان خزاعة أذل وأقل


(1) أي: لم أتلطخ. (2) هو واد بين مكة وعسفان. (3) أي: حرضتها. (*)

[ 187 ]

من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها قال فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فعرف صوتي فقال أبو الفضل قلت نعم قال مالك فداك أبى وأمى قال قلت والله هذا رسول الله في الناس واصباح قريش والله قال فما الحيلة فداك أبى وأمى قال قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك فراكب خلفي ورجع صاحباه قال فجئت به كلما مررت ؟ ؟ ؟ من نيران المسلمين قالوا من هذا وإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته حتى مررت بنار عمر بن الخطاب قال من هذا وقام إلى فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسقت فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان فدعني فلا ضرب عنقه قال فقلت يا رسول الله إنى قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه الليلة رجل دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلا يا عمر فوالله لو كان من رجال بنى عدى بن كعب ما قلت مثل هذا قال مهلا يا عباس فوالله لا سلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم وما بى إلا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به فذهبت به فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله قال بأبى أنت وأمى ما أحامك وأكرمك وأوصلك لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك

[ 188 ]

أن تعلم أنى رسول الله قال بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما والله هذه فان في النفس حتى الآن منها شيئا فقال له العباس ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك قال فشهد شهادة الحق فأسلم قال العباس قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه عليه فهوآ من ومن دخل المسجد فهو آمن ثم أمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل (1) حتى تمر به جنود الله فيراها ففعل فمرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه فأقول سليم قال يقول مالى ولسليم. ثم تمر به القبيلة فيقول يا عباس ما هؤلاء فأقول مزينة فيقول مالى ولمزينة حتى نفدت القبائل ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها فإذا أخبرته بهم قال مالى ولبنى فلان حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والانصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال سبحان الله يا عباس من هؤلاء قال قلت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والانصار قال ما لاحد بهؤلاء قبل ولا طاقة. وفى صحيح البخاري أن كتيبة الانصار جاءت مع سعد بن عبادة ومعه الراية قال ولم ير مثلها ثم جاءت كتيبة هي أقل الكتائب فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير. كذا وقع عند جميع الرواة ورواه الحميدى في كتابه هي أجل الكتائب وهو الاظهر. رجع إلى الاول: فقال أبو سفيان والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما قال قلت يا أبا سفيان إنها النبوة قال فنعم إذن. قال قلت النجاء إلى قومك حتى إذا جاء هم صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما


(1) أي مضيقه، وروى بالمهملة. (*)

[ 189 ]

لا قبل (1) لكم به فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به فقال اقتلوا الحميت (2) الدسم الاحمس قبح من طليعة قوم قال ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فانه قد جاءكم ما لا قبل لكم به من دخل دار أبى سفيان فهو آمن قال قاتلك الله وما تغنى عنا دارك قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فنفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وذكر الطبري أي النبي صلى الله عليه وسلم وجه حكيم بن حزام مع أبى سفيان بعد إسلامهما إلى مكة وقال من دخل دار حكيم فهو آمن - وهى بأسفل مكة - ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن وهى بأعلى مكة فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة - ولهذا قال جماعة من أهل العلم منهم الامام الشافعي رحمه الله إن مكة مؤمنة وليست عنوة والامان كالصلح. ورأى أن أهلها كانوا مالكون رباعهم فلذلك كان يجيز كراءها لاربابها وبيعها وشراءها لان من أمن فقد حرم ماله ودمه وذريته وعياله فمكة مؤمنة عند من قال بهذا القول إلا الذين استثناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بقتلهم وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، وأكثر أهل العلم يرون أن فتح مكة عنوة لانها إنما أخذت بالخيل والركاب. والخلاف بين العلماء في جواز أخذ أجر المساكن بمكة أو المنع منه مشهور معروف، وقد جاء في حديث عن عائشة من طريق ابراهيم بن مهاجر في مكة أنها مناخ من سبق. أخبرنا أبو عبدالله محمد بن أبى الفتح الصوري بمرج دمشق قال أنا أسعد بن سعيد بن روح وعائشة بنت معمر بن الفاخر إجازة من أصبهان قالا أخبرتنا أم ابراهيم فاطمة الجوزدانية سماعا قالت أنا أبو بكر بن ربذة الضبى قال أنا أبو القاسم الطبراني ثنا يوسف بن الحسن بن عبدالرحمن العباداني ثنا نصر بن على الجهضمى ثنا وهب


(1) أي: لا طاقة. (2) سيأتي تفسيره. (*)

[ 190 ]

ابن جرير بن حازم ثنا أبى عن محمد بن إسحق عن عبدالله بن أبى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم الانصاري عن على بن عبدالله بن العباس عن ابن عباس قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنما قد شد لهم إبليس أقدامها برصاص فجاء ومعه قضيب فجعل يهوى به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) حتى مر عليها كلها. ولا خلاف أنه لم يجر فيها قسم ولا غنيمة، ولا سبى من أهلها أحد لما عظم الله من حرمتها ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم مكة حرام محرم لم تحل لاحد قبلى ولا تحل لاحد بعدى وإنما أحلت لى ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة. قال أبو عمر والاصح والله أعلم أنها بلدة مؤمنة أمن أهلها على أنفسهم وكانت أموالهم تبعا لهم. وقال الاموى كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بيد سعد بن عبادة فلما مر بها على أبى سفيان وكان قد أسلم أبو سفيان فقال سعد إذ نظر إليه اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة الانصار حتى إذا حاذى أبا سفيان ناداه يا رسول الله أمرت بقتل قومك فانه زعم سعد ومن معه حين مربنا أنه قاتلنا أنشدك الله في قومك فأنت أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم. وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف يا رسول الله والله لا نأمن سعدا أن تكون منه في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم أعز الله فيه قريشا. وقال ضرار بن الخطاب الفهرى يومئذ: يا نبى الهدى اليك لجاحي‍ * ى قريش ولات حين لجاء حين ضاقت عليهم سعة الار * ض وعاداهم إله السماء والتقت حلقتا البطان على القو * م ونودوا بالصيلم الصلعاء (1)


(1) سيأتي تفسير الغريب من كلام المؤلف. (*)

[ 191 ]

ان سعدا يريد قاصمة الظه‍ * ر بأهل الحجون والبطحاء خزرجي لو يستطيع من الغي‍ * ظ رمانا بالنسر والعواء وغر الصدر لايهم بشئ * غير سفك الدما وسبى النساء قد تلظى على البطاح وجاءت * عنه هند بالسوءة السواء إذ ينادى بذل حى قريش * وابن حرب بذا من الشهداء فلئن أقحم اللواء ونادى * يا حماة اللواء أهل اللواء ثم ثابت إليه من بهم الخز * رج والاوس أنجم الهيجاء لتكونن بالبطاح قريش * فقعة القاع في أكف الاماء فاتهينه فانه أسد الاس‍ * - د لدى الغاب والغ في الدماء إنه مطرق يدير لنا الام‍ * ر سكوتا كالحية الصماء فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة فنزع اللواء من يده وجعله بيد قيس ابنه ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى ابنه قيس. قال أبو عمر وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الراية للزبير إذ نزعها من سعد. رجع إلى الخبر عن ابن إسحق: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس فكان خالد على المجنبة اليمنى. وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروينا في صحيح مسلم أن أبا عبيدة كان على البياذقة يعنى الرجالة. قال ابن إسحق ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة وضربت له هناك قبة. وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو

[ 192 ]

قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا. وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يعد سلاحا قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلح منه فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى قال لمحمد وأصحابه قالت والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شئ، قال والله إنى لارجو أن أخدمك بعضهم ثم قال: إن يقبلوا اليوم فمالى عله هذا سلاح كامل واله وذو غرارين سريع السله ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل وعكرمة فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد وناوشوهم شيئا من القتال فقتل كرزبن جابر الفهرى وحبيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعى وكانا في خيل خالد بن الوليد فشدا عنه فسلكا طريقا غير طويقه فقتلا جميعا. وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء وأصيب من المشركين قريب من اثنى عشر رجلا أو ثلاثة عشر رجلا ثم انهزموا. وقال ابن سعد قتل أربعة وعشرون رجلا من قريش وأربعة من هذيل، قال فخرج حماس منهزما حتى دخل بينه ثم قال لامرأته أغلقى على بابى قالت وأين ما كنت تقول فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمه * إذ فر صفوان وفر عكرمه واستقبلتنا بالسيوف المصلمه * يقطعن كل ساعد وجمجمه ضربا فلا تسمع إلا غمغمه * لهم نهيت حولنا وهمهمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه أخبرنا أبو الفضل الموصلي بقراءة والدى رحمهما الله عليه قال أنا الشيخ أبو

[ 193 ]

على حنبل بن عبدالله بن الفرج بن سعادة الرصافي المكبر سماعا عليه بسفح قاسيون سنة اثنتين وستمائة قال أنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني قال أنا أبو على الحسن بن على بن المذهب قال أنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعى قال أنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال حدثنى أبى حدثنا بهز وهاشم ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال هاشم حدثنى ثابت ثنا عبدالله بن رباح قال وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة فذكر حديثا. وفيه قال فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معاشر الانصار قال فذكر فتح مكة: قال أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة قال فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبه (1) الاخرى وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر (2) فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة قال قد وبشت (3) قريش أو باشها قال فقالوا نقدم هؤلاء فان كان لهم شئ كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا سئلنا. وفيه فقال يا أبا هريرة قلت لبيك يا رسول الله قال فقال اهتف لى يا للانصار ولا يأتنى إلا أنصارى فهتف بهم فجاءوا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ثم قال بيديه إحداهما على الاخرى احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا قال فقال أبو هريرة فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء وما أحذ يوجه الينا منهم شيئا قال فقال أبو سفيان يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أغلق


(1) أي: الكتيبة. (2) جمع حاصر وهو الذى لا درع عليه. (3) أي: جمعت جموعا من قبائل شتى. (*)

[ 194 ]

يا به فهو آمن ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن قال فغلق الناس أبوابهم، قال فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فاسنامه ثم طاف بالبيت قال وفى يده قوس آخدا بسية القوس (1) فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه قال فجعل يطعن بها في عينه ويقول (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان وهوقا) (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)، قال ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه قال والانصار تحته قال يقول بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال وجاء الوحى وكان إذا جاء الوحى لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضى. قال هاشم فلما قضى الوحى رفع رأسه ثم قال يا معشر الانصار قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قالوا فلنا ذلك يا رسول الله قال فما اسمى إذن إنى عبدالله ورسوله هاجرت إلى الله واليكم فالمحيا محيا كم والممات مماتكم قال فأقبلوا إليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذى قلنا إلا الضن بالله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فان الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم. رواه أبو داود عن الامام أحمد بن حنبل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم بدخول مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا أنه قد عهد في نفر سماهم بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبدالله بن سعد بن أبى سرح العامري وعبد العزى بن خطل وعكرمة بن أبى جهل والحويرث بن نقيد بن وهب بن عبد بن قصى ومقيس بن صبابة وهبار بن الاسود وقينتا ابن خطل كانتا تغنيان ابن خطل يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبنى عبدالمطلب: فأما ابن


(1) سية القوس: ما عطف من طرفيها. (*)

[ 195 ]

ابى سرح فكان ممن اسلم قبل ذلك وهاجر وكان يكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش فلما كان يوم الفتح فر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة أرضعت أمه عثمان فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن الناس فاستأمنه له فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال نعم فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الانصار فهلا أو مأت إلى يا رسول الله فقال إن النبي لا ينبغى أن يكون له خائنة أعين. قلت وكان بعد ذلك ممن حسن إسلامه ولم يظهر منه شئ ينكر عليه وهو آخر النجباء العقلاء الكرماء من قريش وكان فارس بنى عامر بن لؤى المقدم فيهم وولاه عمر بن الخطاب ثم عثمان رضى الله عنهم. وأما ابن خطل فانما أمر بقتله فانه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الانصار وكان معه مولى لهم يخدمه وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما فنام فاستيقظ ابن خطل ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا. وكانت له قينتان فرتنا وقريبة وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتلهما معه فقتله سعيد بن حريث المخزومى وأبو برزة الاسلمي. وروينا عن ابن جميع حدثنا محمد ابن أحمد الخولانى بمكة ثنا أحمد بن رشدين قال حدثنى أبى عن أبيه عن ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه. قال ابن شهاب ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرما. وأما عكرمة بن أبى جهل ففر إلى اليمن فاتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فردته فأسلم وحسن إسلامه وكان يعد من فضلاء الصحابة. وأما الحويرث بن نقيد فكان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقتله

[ 196 ]

على بن أبى طالب يوم الفتح. وأما مقيس بن صبابة فكان قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما قبل ذلك ثم عدا على رجل من الانصار فقتله بأخيه هشام ابن صبابة بعد أن أخذ الدية وكان الانصاري قتل أخاه مسلما خطأ في غزوة ذى قرد (1) وهو يرى أنه من العدو. وقد تقدم ذلك في غزوة ذى قرد وأبيات مقيس في ذلك ثم لحق بمكة مرتدا فقتله يوم الفتح نميلة بن عبدالله اللينى وهو ابن عمه. قال أبو عمرو من سنته صلى الله عليه وسلم أنه قال لا أعفى أحدا قتل بعد أخذ الدية هذا من المسلمين. وأما مقيس فارتد أيضا. وأما هبار بن الاسود فهو الذى عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفهاء من قريش حين بعث بها أبو العاص زوجها إلى المدينة فأهوى إليها هبار هذا ونخس بها فسقطت على صخرة فألقت ذا بطنها واهراقت الدماء فلم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت سنة ثمان فقال عليه السلام إن وجدتم هبارا فاحرقوه بالنار ثم قال اقتلوه فانه لا يعذب بالنار إلا رب النار. فلم يوجد ثم أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه وصحب النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر الزبير أنه لما أسلم وقدم مهاجرا جعلوا يسبونه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سب من سبك فانتهوا عنه. وأما قينتا ابن خطل فرتنا وقريبة فقتلت إحداهما واستؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم للاخرى فأمنها فعاشت مدة ثم ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأما سارة فاستؤمن لها أيضا فأمنها عليه السلام فعاشت إلى أن أوطأها رجل فرسا بالابطح في زمن عمر فماتت. واستجار بأم هانئ بنت أبى طالب رجلان قيل هما الحرث بن هشام وزهير بن أبى أمية وقيل أحدهما جعدة بن هبيرة فأجارتهما فأراد على قتلهما فدخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى الضحى فذكرت ذلك له فأمضى جوارها وقال قد أجرنا


(1) إنما قتله في غزوة بنى المصطلق، وتابع المؤلف هنا ابن عبد البر في الاستيعاب. (*)

[ 197 ]

من أجرت وآمنا من أمنت. وأسلمت أم هانئ يوم الفتح وهى شقيقة على بن أبى طالب وعقيل وجعفر وطالب أمهم فاطمة بنت أسد قيل اسمها فاختة وقيل هند. ومن حجة من قال إن اسمها هند قول زوجها هبيرة بن أبى وهب المخزومى حين فر يوم الفتح ولم يسلم ولحق بنجران ومات على شركه في أبيات أولها: أشاقتك هند أم جفاك سؤالها * كذاك النوى أسبابها وانفتالها وقد أرفت في رأس حصن ممرد * بنجر ان يسرى بعد نوم خيالها وعاذلة هبت على تلومني * وتعذلني بالليل ضل ضلالها لئن كنت قد تابعت دين محمد * وعطفت الارحام منك حبالها فكوني على أعلى سحيق بهضبة * ممنعة لا يستطاع قلالها فانى من قوم إذا جد جدهم * على أي حال أصبح اليوم حالها وانى لاحمى من وراء عشيرتي * إذا كثرت تحت العوالي مجالها وطارت بأيدى القوم بيض كأنها * مخاريق ولدان يطيش ظلالها وان كلام المرء في غير كنهه * لكا ؟ ؟ ؟ تهوى ليس فيها نصالها

[ 199 ]

(1) [ بقية الخبر عن فتح مكة ] ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمححن (2) في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان ابن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد بها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده الأكل مأثره أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطأ شبيه العمد السوط والعصى ففيه الدية مغلظة مائة من الابل أربعون منها في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب ثم تلاهذه الآية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) الآية ثم قال يا معشر قريش ما ترون أنى فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ثم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء ثم جلس في المسجد فقام إليه على ومفتاح الكعبة في يده فقال يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين عثمان بن طلحة فدعى له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء. وروينا عن عثمان بن طلحة من طريق ابن سعد قال كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل


(1) في حاشية الاصل (بلغ مقابلة لله الحمد). (2) أي: مصا معقفة الرأس. (*)

[ 200 ]

يعنى النبي صلى الله عليه وسلم يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فغلظت عليه ونلت منه وحلم عنى ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلت فقال بل عمرت وعزت يومئذ ودخل الكعبة فوقعت كلمته منى موقعا ظننت يومئذ أن الامر سيصير إلى ما قال. وفيه أنه عليه السلام قال له يوم الفتح يا عثمان أن ائتنى بالمفتاح فأتيته به فأخذه منى ثم دفعه إلى وقال خذوها تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل اليكم من هذا البيت بالمعروف. قال عثمان فلما وليت نادانى فرجعت إليه فقال ألم يكن الذى قلت لك قال فذكرت قوله لى بمكة قبل الهجرة لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت فقلت بلى أشهد أنك رسول الله. وروينا عن سعيد بن المسيب أن العباس تطاول يومئذ لاخذ المفتاح في رجال من بنى هاشم فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان ودخل النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ الكعبة ومعه بلال فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه فقال الحارث أما والله لو أعلم أنه حق لا تبعته فقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لاخبرت عنى هذه الحصباء فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم لقد علمت الذى قلتم ثم ذكر ذلك لهم فقال الحرث وعتاب نشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. وروينا عن ابن اسحق من طريق زياد البكائى قال حدثنى سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى شريح الخزاعى قال لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبدالله بن الزبير جئته فقلت له يا هذا إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة فلما كان الغد من يوم الفتح عدت

[ 201 ]

خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فقال: يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض فهى حرام من حرام إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد بها شجرا. الحديث. وفيه فقال عمرو لابي شريح انصرف أيها الشيخ فنحن أعلم بحرمتها منك إنها لا تمنع سافك دم ولا خالع طاعة ولا مانع جزية. الحديث. قلت الذى وقع في الصحيح أن هذا الخبر لعمرو ابن سعيد بن العاص مع أبى شريح لا لعمرو بن الزبير وهو الصواب. والوهم فيه عن من دون ابن اسحق. وقد رواه يونس بن بكير عنه على الصواب. وحين افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقف على الصفا يدعو وقد أحدقت به الانصار فقالوا فيما بينهم أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها فلما فرغ من دعائه قال ما ذا قلتم قالوا لا شئ يا رسول الله فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم. ذكره ابن هشام وذكر أن فضالة بن عمير بن الملوح أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضالة قال نعم فضالة يا رسول الله قال ماذا كنت تحدث به نفسك قال لا شئ كنت أذكر الله فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال استغفر الله ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلى منه. قال فضالة فرجعت إلى أهلى فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت هم إلى الحديث فقلت لا وانبعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا * يأبى عليك الله والاسلام

[ 202 ]

لو ما رأيت محمدا وقبيله * بالفتح يوم تكسر الاصنام لرأيت دين الله أضحى بينا * والشرك يغشى وجهه الاظلام وفر يومئذ صفوان بن أمية فاستأمن له عمير ين وهب الجمحى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه وأعطاه عمامته التى دخل بها مكة فلحقه عمير وهو يريد أن يركب البحر فرده فقال يا رسول الله اجعلني بالخيار شهرين فقال أنت بالخيار أربعة أشهر. وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبى جهل فأسلمت واستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه فلحقته باليمن فردته وأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصفوان على نكاحهما الاول. قال ابن سعد ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسد الخزاعى فجدد أنصاب الحرم وحانت الظهر فأذن بلال فوق ظهر الكعبة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تغز قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة يعنى على الكفر ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحزورة (1) فقال إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت. وبث رسول الله صلى الله عليه وسلم السرايا إلى الاصنام التى حول مكة فكسرها منها العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين. ونادى مناديه بمكه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره. ومما قيل من الشعر يوم الفتح الفتح قول حسان بن ثابت: عفت ذات الاصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء (2) ديار من بنى الحسحاس قفر تعفيها الروامس والسماء


(1) بفتح الحاء وسكون الزاى وفتح الواو والراء. قال الدارقطني هكذا صوابه والمحدثون يفتحون الزاى ويشددون الواو وهو تصحيف. (2) سيأتي تفسير الغريب من كلام المؤلف. (*)

[ 203 ]

وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا ولكن من لطيف * يؤرقني إذا هب العشاء لشعثاء التى قد تيمته * فليس لقلبه منها شفاء كأن سبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء إذا ما الاشربات ذكرن يوما * فهن لطيب الراح الفداء نوليها الملامة إن ألمنا * إذا " ما " (1) كان مغث أو لحاء ونشر بها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللقاء عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء ينازعن الاعنة مصغيات * على أكتافها الاسل الظلماء تظل جيادنا متمطرات * بلطمهن بالخمر النساء فاما تعرضوا عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم * يعين الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء وقال الله قد أرسلت عبدا * يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدقوه * فقالوا لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد يسرت جندا * هم الانصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافى من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عنى * مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا * وعبد الدار سادتها الاماء


(1) " ما " غير موجودة في الاصل. (*)

[ 204 ]

هجوت محمدا فأحبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخير كما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء فمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء فان أبى ووالده وعرضى لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء وقال أنس بن زنيم يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال فيهم عمرو بن سالم من أبيات وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسبغ نائلا * إذا راح كالسيف الصقيل المهند وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله * وأعطى لرأس السابق المتجرد تعلم رسول الله أنك مدركى * وأن وعيدا منك كالاخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر * على كل صرم متهمين ومنجد تعلم بأن الركب ركب عويمر * هم الكاذبون المخلفو كل موعد ونبوا رسول الله أنى هجوته * فلا حملت سوطي إلى إذا يدى

[ 205 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بخبر الفتح سوى ما تقدم ] الوتير ماء لخزاعة، وهى في كلام العرب الورد الابيض. والعنان السحاب وقوله * قد كنتم ولدا وكنا والدا * يريد أن بنى عبد مناف أمهم من خزاعة وكذلك قصى أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية. والولد الولد. وقوله " ثمت أسلمنا " من السلم لانهم لم يكونوا آمنوا بعد. وفيه * هم قتلونا ركعا وسجدا * يدل على أن فيهم من كان أسلم وصلى. قال السهيلي. وحاطب بن أبى بلتعة مولى عبيدالله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبدالعزى واسم أبى بلتعة عمرو من ولده زياد بن عبدالرحمن شبطون (1). روى الموطأ عن مالك أندلسى ولى قضاء طليطلة. قال السهيلي وقد قيل إنه كان في الكتاب إلى كتبه حاطب بن أبى بلتعة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو صار اليكم وحده لنصره الله عليكم فانه منجز له ما وعده. قيل وفى الخبر دليل على قتل الجاسوس لتعليقه عليه السلام المنع من قتله بشهوده بدرا. وحمشتهم الحرب يقال حمشت الرجل إذا أغضبته ويقال حمست النار إذا أو قدتها ويقال حمست بالسين. وأبو سفيان بن الحرث كان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضعتهما حليمة وكان آلف الناس له قبل النبوة ثم كان أبعدهم عنه بعد


(1) زياد بن عبدالرحمن اللحمى شبطون - بفتح الشين والباء الموحدة وضم الطاء - صاحب مالك وعليه تفقه يحيى بن يحيى قبل أن يرحل إلى مالك. وكان زياد ناسكا ورعا أريد على القضاء فهرب. توفى سنة 173. كما في شذرات الذهب.

[ 206 ]

أشار إليه حسان بقوله: ألا أبلغ أبا سفيان عنى * مغلغلة فقد برح الخفاء فانه هو الذى كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه. والحميت الزق. والاحمس الشديد والاحمس الذى لا خير عنده. ودخل عليه السلام مكة من ثنية كداء - بفتح الكاف والمد - من أعلاها حيث وقف ابراهيم عليه السلام فدعا لذريته (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم) فاستجيب له تبركا بذلك. والصيلم الصلعاء الداهية. وخنيس بن خالد كذا هو عند ابن اسحق وقد قيد بالحاء المهملة المضمومة والباء الموحدة مفتوحة والشين المعجمة. والنهيت صوت الصدر وأكثر ما يوصف به الاسد. وابن خطل اسمه عبدالله وقيل هلال وقيل بل هلال أحوه وكان يقال لهما الخطلان من بنى تيم بن غالب. وصلاته عليه السلام في بيت أم هانئ قال السهيلي هي صلاة الفتح تعرف بذلك وكان الامراء إذا افتتحوا بلدا يصلونها، وحكى عن الطبري قال صلاها سعد بن أبى وقاص حين افتتح الدائن ودخل إيوان كسرى ثمان ركعات لا يفصل بينها ولا تصلى بامام ولا يجهر فيها بالقراءة. وذات الاصابع والجواء منزلان بالشام. وعذراء قرية بقرب دمشق معروفة. وبنو الحسحاس من بنى أسد. والروامس الرياح. والسماء يعنى المطر. وشعثاء بنت سلام بن مشكم اليهودي. وخبر كان سبيئة محذوف تقديره كان في فيها سبيئة نحو قوله إن محلا وإن مرتحلا أي إن لنا محلا. وألمنا أتينا بما يلام فاعله أي نصرف اللوم إلى الخمر ونعتذر بالسكر. والمغث الضرب باليد واللحاء الملاحاة باللسان * وشركما لخير كما الفداء * أنصف بيت قالته العرب وهو من

[ 207 ]

باب قوله عليه السلام " شر صفوف الرجال آخرها " يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الاول. قال سيبويه ولا يجوز أن يريد التفضيل في الشر. حكاه أبو القاسم السهيلي. قال ابن إسحق وبلغني عن الزهري أنه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه. ونحكم بالقوافى أي نرد من حكمة (1) الدابة. وفى شعر أنس بن زنيم " وأعطى لبرد الخال " الخال من برود اليمن وهو من رفيع الثياب. [ سرية خالد بن الوليد ] قال ابن سعد ثم سرية خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان ليهدمها فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال هل رأيت شيئا قال لا قال فانك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها فرجع خالد وهو متغيظ فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس فجعل السادن يصيح بها فضربها خالد فجز لها (2) باثنتين ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال نعم تلك العزى وقد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بنى كنانة وكانت أعظم أصنامهم وكان سدنتها بنو شيبان من بنى سليم.


(1) الحكمة اللجام. أو حديدة فيه. (2) أي قطعها، والجزلة: القطعة. (*)

[ 208 ]

[ سرية عمرو بن العاص إلى سواع ] في شهر رمضان سنة ثمان وهو صنم لهذيل ليهدمه قال عمرو فانتهيت إليه وعنده السادن فقال ما تريد فقلت أمرنى رسول الله صلى الله على وسلم أن أهدمه قال لا تقدر على ذلك قلت لم قال تمنع قلت حتى الآن أنت على الباطل ويحك وهل يسمع أو يبصر قال فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم نجد فيه شيئا ثم قلت للسادن كيف رأيت قال أسلمت لله. ثم [ سرية سعد بن زيد الاشهل إلى مناة ] في شهر رمضان سنة ثمان وكانت بالمشلل للاوس والخزرج وغسان فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن فقال السادن ما تريد قال هدم مناة قال أنت وذاك فأقبل سعد يمشى إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها فقال السادن مناة دونك بعض عصاتك ويضربها سعد بن زيد فيقتلها ويقبل إلى الصنم معه أصحابه فهذموه ولم يجدوا في خزانتها وشيئا وانصرف راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لست بقين من شهر رمضان.

[ 209 ]

[ سرية خالد بن الوليد ] إلى بنى جذيمة من كنانة وكانوا بأسفل مكة على ليلة بناحية يلملم في شوال سنة ثمان وهو يوم الغميصاء وهى عند ابن إسحق قبل سريته لهدم العزى. وسياق ما قال أذكره لا بن سعد قالوا لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة بعثه إلى بنى جذيمة داعيا إلى الاسلام ولم يبعثه مقاتلا فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والانصار وبنى سليم فانتهى إليهم قال ما أنتم قالوا مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذنا فيها، قال فما بال السلاح عليكم قالوا إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح قال فضعوا السلاح قال فوضعوه فقال لهم استأسروا فاستأسر القوم فأمر بعضهم فكتف بعضا وفرقهم في أصحابه فلما كان في السحر نادى خالد من كان معه أسير فليذافه، والمذافة الاجهاز عليه بالسيف. فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم. وأما المهاجرون والانصار فأرسلوا أسراهم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع خالد فقال اللهم إنى أبرأ اليك مما صنع خالد وبعث على بن أبى طالب فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. وعند ابن إسحق في هذا الخبر أن خالدا قال لهم ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا فلما وضعوه أمر بهم عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف، وقد كان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك فقال له عبدالرحمن عملت بأمر الجاهلية في

[ 210 ]

الاسلام فقال إنما ثأرت بأبيك فقال عبدالرحمن كذبت قد قتلت قاتل أبى وإنما ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال مهلا يا خالد دع عنك أصحابي فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته. وكان بنو جذيمة قتلوا الفاكه ابن المغيرة وعوف بن عبد عوف قبل ذلك وقتل عبدالرحمن خالد بن هشام قاتل أبيه منهم. قال ابن اسحق وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس عن الزهري عن ابن أبى حدرد الاسلمي قال كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد فقال لى فتى من بنى جذيمة هو في سنى وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة (1) ونسوة مجتمعات غير بعيد منه يافتى قلت ما تشاء قال هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هذه النسوة حتى أقضى اليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بى ما بد الكم قال قلت والله ليسير ما طلبت فأخذته برمته فقدته بها حتى وقفته عليهن فقال اسلمي حبيش على نفد العيش: أريتك إن طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق ألم أك أهلا أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق فلا ذنب لى قد قلت إذ أهلنا معا * أثيبي بود قبل إحدى الصفائق أثيبي بود قبل أن يشحط النوى * وينأى الامير بالحبيب المفارق أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبدالمؤمن الصوري بقراءتي عليه بظاهر دمشق قلت له أخبركم الشيخان أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح وأم حبيبة عائشة بنت معمر بن الفاخر في كتابهما إليك من أصبهان فأقر به قالا أخبرتنا أم ابراهيم


(1) بضم الراء قطعة من الحبل. (*)

[ 211 ]

فاطمة بنت عبدالله الجوزدانية قالت أبو بكر محمد بن عبدالله بن ريذة قال أنا أبو القاسم الطبراني ثنا أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي ثنا محمد بن حرب المروزى ثنا على بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي (1) عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا وفيهم رجل فقال لهم إنى لست منهم عشقت امرأة فلحقتها فدعوني أنظر إليها ثم اصنعوا بى مابدا لكم فإذا امرأة طويلة أدماء فقال لها اسلمي حبيش قبل نفاد العيش: أرأيت لو تبعتكم فلحقتكم * بحلية أو أدركتكم بالخوانق أما كان حقا أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق قالت نعم فديتك قال فقدموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما كان فيكم رجل رحيم. الغميصاء ماء لبنى جذيمة. والنفد والنفاد مصدر نفد الشئ إذا فنى. وحبيش مرخم من حبيشة وحلية والخوانق موضعان. والودائق جمع وديقة وهى شدة الحر.

[ 213 ]

[ غزوة حنين ] وهى غزوة هوازن قال ابن اسحق: ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمع مالك بن عوف النصرى فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها واجتمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بنى هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء غابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب ولم يشهدها منهم أحد له اسم وفى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعا محربا (1) وفى ثقيف سيدان لهم، وفى الاحلاف قارب بن الاسود بن مسعود بن معتب، وفى بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحرث ابن مالك وأخوه أحمر بن الحرث. وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرى فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة فلما نزل قال بأى واد أنتم قالوا بأوطاس قال نعم محل الخيل لاحزن ضرس ولا سهل دهس مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قالوا ساق مالك بن عوف النصرى مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال أين مالك قيل هذا مالك ودعى له فقال يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الايام مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قال سقت مع


(1) بكسر الميم أي كثير الحروب. (*)

[ 214 ]

الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم قال ولم قال أردت أن أجعل خلف كان رجل أهله وماله ليقاتل عنهم قال فانقض به ثم قال راعى ضأن والله وهل يرع المنهزم شئ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم قال ما فعلت كعب وكلاب قالوا لم يشهدها منهم أحد قال غاب الحد والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم يغب عنه كعب وكلاب ولوددت أنكم فعلتم كما فعلت كعب وكلاب فمن شهدها منكم قالوا عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا ارفعهم إلى ممتنع (1) بلادهم وعليا قومهم ثم الق الصبا على متون الخيل وإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك ألقاك ذلك وقد أحرزت أهلك قال والله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك. والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظاهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأى قالوا أطعناك فقال دريد ابن الصمة هذا لم اليوم نشهده ولم يفتنى: يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع * أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع ثم قال مالك للناس إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد، وبعث عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم قال ويلكم ما شأنكم قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى فوالله مارده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. ولما سمع بهم نبى الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبدالله بن حدرد الاسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم


(1) في سيرة ابن هشام " متمنع ". (*)

[ 215 ]

علمهم ثم يأتيه بخبرهم فانطلق ابن أبى حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا فقال صفوان أغصبا يا محمد ؟ قال بل عارية وهى مضمونة حتى نؤديها اليك قال ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة فكانوا اثنى عشر ألفا. واستعمل عتاب بن أسيد على مكة أميرا ثم مضى يريد لقاء هوازن. قال ابن إسحق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبدالرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبدالله قال لما استقبلنا وادى حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا قال وفى عماية الصبح وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأجنابه ومضايقه وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد والشمر الناس راجعين لا يلوى أحد على أحد وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ثم قال يا أيها الناس هم إلى أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا محمد بن عبدالله قال فلا شئ حملت الابل بعضها على بعض فانطلق الناس إلا أنه قد بقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين وأهل بيته وفيمن لبث معه من المهاجرين أبو بكر وعمر ومن أهل بيته على بن أبى طالب والعباس وأبو سفيان بن الحرث وابنه والفضل بن العباس وربيعة بن الحرث وأسامة بن زيد وأيمن بن أم أيمن وقتل يومئذ، قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية

[ 216 ]

فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه فبينما هو كذلك إذ أهوى إليه على بن أبى طالب ورجل من الانصار يريدانه قال فيأتى على من خلفه فيضرب عرقوبى الجمل فوقع على عجزه ووتب الانصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف (1) عن رحله قال واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الاسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحق فلما انهزم الناس يعنى المسلمين ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وإن الازلام لمعه في كنانته وصرخ جبلة بن الحنبل - وصوبه ابن هشام كلدة - ألابطل السحر اليوم فقال له صفوان أخوه لامه وكان بعد مشركا اسكت فض الله فاك فوالله لئن يربنى (2) رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن. وروينا عن ابن سعد قال أنا محمد بن عمر ثنا عمر بن عثمان المخزومى عن عبدالملك بن عبيد قال محمد بن عمرو حدثنا خالد بن الياس عن منصور بن عبدالرحمن الحجبى عن أبيه عن أمه (3) وغيرها قالوا كان شيبة بن عثمان رجلا صالحا له فضل وكان يحدث عن إسلامه وما أراد الله به من الخير ويقول ما رأيت أعجب مما كنا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات. ثم يقول لما كان عام الفتح ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قلت أسير مع قريش إلى


(1) أي: وقع (2) أي: يسوسنى (3) لعل صوابه عن منصور بن عبدالرحمن عن أمه. (*)

[ 217 ]

هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه فأكون أنا الذى قمت بثأر قريش كلها، وأقول لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا وكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الامر في نفسي إلا قوة فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته وأصلت السيف فدنوت أريد ما أريد منه ورفعت سيفى حتى كدت أسوره فرفع لى شواظ من نار كالبرق كاد يمحشنى (1) فوضعت يدى على بصرى خوفا عليه والتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداني يا شيب ادن فدنوت فمسح صدري ثم قال اللهم أعذه من الشيطان قال فوالله لهوكان ساعتئذ أحب إلى من سمعي وبصرى ونفسي وأذهب الله ما كان في ثم قال ادن فقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفي الله يعلم أنى أحب أن أقيه بنفسى كل شئ ولو لقيت تلك الساعة أبى لو كان حيا لاوقعت به السيف فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون وكروا كرة رجل واحد وقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوى عليها فخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ما دخل عليه غيرى حبا لرؤية وجهه وسرورا به فقال يا شيب الذى أراد الله بك خير مما أردت بنفسك ثم حدثنى بكل ما اضمرت في نفسي مما لم أكن أذكره لاحد قط قال فقلت فأنى أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم قلت استغفر لى فقال غفر الله لك. قال ابن اسحق وحدثني الزهري عن كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبدالمطلب قال إنى لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته وقد شجرتها (2) بها قال و ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ جسيما شديد الصوت قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس إلى أين أيها الناس قال فلم أر الناس يلوون على شئ فقال يا عباس اصرخ يا معشر الانصار يا معشر


(1) أي: يحرقنى. (2) أي: ضربتها بلجامها أكفها. (*)

[ 218 ]

الانصار السمرة فأجابوا البيك لبيك قال فيذهب الرجل ليثنى بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله ويؤم الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا فكانت الدعوى أول ما كانت يا للانصار ثم خلصت أخيرا يا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال الآن حمى الوطيس. وزاد غيره أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبدالمطلب وفى صحيح مسلم ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بها وجوه الكفار ثم قال انهزموا ورب محمد، ثم قال فما هو إلا أن رماهم فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا. ومن رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الارض ثم استقبل بها وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملا عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين. قال ابن اسحق: وحدثني اسحق بن يسار أنه حدث عن جبير بن مطعم قال لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد (1) الاسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا و بين القوم فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملا الوادي لم أشك أنها الملائكة ولم يكن إلا هزيمة القوم. قال ابن اسحق ولما انهزمت هوازن استحر (2) القتل من ثقيف في بنى مالك فقتل منهم سبعون رجلا. ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة، وبعث


(1) البجاد كساء غليظ. (2) أي باشتد. (*)

[ 219 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عمر الاشعري فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال فرمى بسهم فقتل فأخذ الراية أبو موسى الاشعري وهو ابن عمه فقاتلهم ففتح الله عليه وهزمهم الله فيزعمون أن سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر فقتله. وقال ابن سعد قتل أبو عامر منهم تسعة مبارزة ثم برز العاشر معلما بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله، واستخلف أبو عامر أبا موسى الاشعري فقاتلهم حتى فتح الله عليه وقتل أبى عامر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لابي عامر واجعله من أعلى أمتى في الجنة ودعا لابي موسى أيضا، وقتل من المسلمين أيمن بن عبيد هو ابن أم أيمن وسراقة بن الحارث ورقيم بن ثعلبة بن زيد بن لوذان - وعند ابن اسحق يزيد بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد - جمع به فرس يقال له الجماح (1) فقتل. واستحر القتل في بنى نصر بن معاوية ثم في بنى رئاب فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اجبر مصيبتهم. ووقف مالك بن عوف على ثنية من الثنايا حتى مضى ضعفاء أصحابه وتتام آخر هم ثم هرب فتحصن في قصر يليه ويقال دخل حصن ثقيف. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبي والغنائم تجمع فجمع ذلك كله وحذروه إلى الجعرانة فوقف بها إلى أن انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف وهم في حظائر لهم يستظلون بها من الشمس. وكان السبى ستة آلاف رأس والابل أربعة وعشرون ألفا والغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة فاستأنى (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبي أن يقدم عليه وفدهم وبدأ بالاموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الابل قال ابني يزيد قال اعطوه أربعين أوقية ومائة من


(1) لعله " الجناح " كما ذكره جماعة. (2) أي: انتظر وتربص، يقال أنيت وتأنيت واستأنيت. (*)

[ 220 ]

الابل قال ابني معاوية قال اعطوه أربعين أوقية ومائة من الابل، واعطى حكيم ابن حزام مائة من الابل ثم سأله مائة أخرى فأعطاه وأعطى النضير بن الحارث ابن كلدة مائة من الابل وأعطى اسيد بن جارية الثققى مائة من الابل وأعطى العلاء بن جارية الثقفى خمسين بعيرا وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا وأعطى الحارث بن هشام مائة من الابل وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الابل وأعطى صفوان بن أمية مائة من الابل وأعطى قيس بن عدى مائة من الابل وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الابل وأعطى سهيل بن عمر ومائة من الابل واعطى حويطب بن عبدالعزى مائة من الابل وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من الابل وأعطى الاقرع بن حابس التميمي مائة من الابل وأعطى عيينة ابن حصن مائة من الابل وأعطى مالك بن عوف مائة من الابل وأعطى العباس ابن مرداس أربعين من الابل فقال في ذلك شعرا فأعطاه مائة من الابل ويقال خمسين. وإعطاء ذلك كله من الخمس وهو أثبت الاقاويل عندنا، ثم أمر زيد بن ثابت باحصاء الناس والغنا ثم ثم فضها على الناس فكانت سهمانهم لكل رجل أربعا من الابل أو أربعين شاة فان كان فارسا أخذ اثنى عشر بعيرا أو عشرين ومائة شاة وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له. قال ابن اسحق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبى سعيد الخدرى قال لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفى قبائل العرب ولم يكن في الانصار منها شئ وجد هذا الحى من الانصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم لقى والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه فدخل عليه سعد بن عبادة فقال يا رسول الله إن هذا الحى من الانصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفئ الذى أصبت

[ 221 ]

قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ولم يكن في هذا الحى من الانصار منها شئ قال فأين أنت من ذلك يا سعد فقال يا رسول الله ما أنا إلا من قومي قال فاجمع لى قومك في هذه الحظيرة قال فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أتى سعد فقال قد اجتمع لك هذا الحى من الانصار فأتاهم رسول الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال يا معشر الانصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجد تموها على في أنفسكم ألم آتكم ضلالا فهدا كم الله بى وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا بلى الله ورسوله أمن وأفضل ثم قال ألا تجيبونني يا معشر الانصار قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله لله ولرسوله المن والفضل، قال أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصر ناك وطريدا فآويناك وعائلا فآسيناك أوجدتم يا معشر الانصار في أنفسكم في لعاعة (1) من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأة من الانصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا وقدمت الشيماء بنت الحارث بن عبدالعزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فقالت يا رسول الله إنى أختك قال وما علامة ذلك قالت عضة عضضتنيها في ظهرى وأنا متور كتك قال فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها وقال إن أحببت فعندي محبة مكرمة وإن أمتعك وترجعي


(1) أي: قليل. وفى نسخة لغاغة. (*)

[ 222 ]

إلى قومك فعلت قالت بل تمتعني وتردني إلى قومي ففعل فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له مكحول وجارية فزوجت إحداهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية. وقال أبو عمر فأسلمت فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعبد وجارية ونعما وشاء. وسماها حذافة وقال الشيماء لقب.

[ 223 ]

قدوم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم وقدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلا ورأسهم زهير بن صرد وفيهم أبو يرقان هم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فسألوه أن يمن عليهم بالسبي فقال أبناؤكم ونساؤكم ونساؤكم أحب اليكم أم أموالكم قالوا ماكنا نعدل بالاحساب شيئا فقال أما مالى ولبنى عبدالمطلب فهو لكم وسأسأل لكم الناس فقال المهاجرون والانصار ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الاقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة بن حصن أما أنا وبنو فزارة فلا وقال العباس بن مرداس أما أنا وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال العباس بن مرداس وهنتموني وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هؤلاء القوم جاءوا مسلمين وقد كنت استأنأت سبيهم وقد خيرتم فلم يعدلوا بالابناء والنساء شيئا فمن كان عنده منهن شئ فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك ومن أبى فليرد عليهم وليكن ذلك فرضا علينا ست فرائض من أول ما يفئ الله علينا قالوا رضينا وسلمنا فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن فانه أبى أن يرد عجوزا صارت في يديه منهم ثم ردها بعد ذلك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كسى السبى قبطية قبطية. أخبرنا أبو عبد الله بن أبى الفتح المقدسي سماعا بالزعيزعية بمرج دمشق قال أنا أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح الصالحانى وأم حبيبة عائشة بنت الحافظ أبى أحمد معمر بن الفاخر الاصبهانيان إجازة منهما قالا أخبرتنا أم ابراهيم فاطمة

[ 224 ]

بنت عبدالله بن أحمد بن القاسم بن عقيل الجوزدانية قال الاول سماعا وقالت الثانية حضورا قالت أنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن ريذة قال أنا أبو القاسم الطبراني ثنا عبيدالله بن رماحس (1) القيسي برمادة الرملة سنة أربع وسبعين ومائتين ثنا أبو عمرو زياد بن طارق وكان قد أنت عليه مائة وعشرون سنة قال سمعت أبا جزول زهير بن صرد الجشمى يقول لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين يوم هوازن وذهب يفرق السى والشاء أتيته فأنشأت أقول هذا الشعر: أمنن علينا رسول الله في كرم * فانك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضة قد عاقها قدر * مشتت شملها في دهرها غير أبقت لنا الدهر هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركهم نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك تملاها من محضها الدرر إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتى وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فانا معشر زهر إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه * من أمهاتك إن العفو مشتهر ياخير من مرجت كمت الجياد به * عند الهياج إذا ما استوقد الشرر إنا نؤمل عفوا منك تلبسه * هذى البرية إذ تعفو وتنتصر فاعف عفا الله عما أنت راهبه * يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر قال فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال ما كان لى ولبنى عبدالمطلب فهو لكم وقالت قريش ما كان لنا فهو لله ولرسوله وقالت الانصار ما كان لنا فهو لله ولرسوله.


(1) بضم الراء وكسر الحاء المهملة. (*)

[ 225 ]

قال الطبراني لا يروى عن زهير بن صرد بهذا التمام إلا بهذا الاسناد تفرد به عبيدالله بن رماحس. ومما قيل من الشعر في يوم حنين قول العباس بن مرداس السلمى عفى مجدل من أهله فمتالع * فمطلى أريك قد خلا فالمصانع ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا * رخى وصرف الدهر (1) للحى جامع حبيبة ألوت بها غربة النوى * لبين فهل ماض من العيش راجع فان تتبع الكفار غير ملومة * فانى وزير للنبى وتابع دعانا إليه خير وقد علمتهم * خزيمة والمرار منهم وواسع فجئنا بألف من سليم عليهم * لبوس لهم من نسج داود رائع نبايعه بالاخشبين وإنما * يد الله بين الاخشيين نبايع فجسنا مع المهدى مكة عنوة * بأسيافنا والنقع كاب وساطع علانية والخيل يغشى متونها * حميم وآن من دم الجوف ناقع ويوم حنين حين سارت هوازن * الينا وضاقت بالنفوس الاضالع صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا * قراع الاعادي منهم والوقائع أمام رسول الله يخفق فوقنا * لواء كخذروف السحابة لامع عشية ضحاك بن سفيان معتص * بسيف رسول الله والموت كانع (2) نذود أخانا عن أخينا ولو نرى * مصالا لكنا الاقربين نتابع ولكن دين الله دين محمد * رضينا به فيه الهدى والشرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا * وليس لامر حمه الله دافع وقوله: ما بال عينك فيها عائر سهر * مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر


(1) في الاصل " الدار " (2) في الاستيعاب " واقع ". وسيأتى تفسير الغريب. (*)

[ 226 ]

عين تأويها من شجوها أرق * فالماء يعمرها طورا وينحدو كأنهم نظم در عند ناظمه * تقطع السلك منه فهو منتبر (1) يا بعد منزل من ترجو مودته * ومن أنى دونه الصمان والحفر دع ما تقدم من عهد الشباب فقد * ولى الشباب وزار الشيب والذعر واذكر بلاء سليم في مواطنها * وفى سليم لاهل الفخر مفتخر قوم هم تصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم * ولا تجاوز في مشتاهم البقر إلا سوامح كالعقيان مقربة * في دارة حولها الاخطار والعكر يدعى خفاف وعوف في جوانبها * وحى دكوان لا ميل ولا صجر الضاربون جنود الشرك ضاحية * ؟ ؟ ؟ مكة والارواح تبتدر حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم * نخل بظاهرة البطحاء منقعر ونحن يوم حنين كان مشهدنا * للدين عزا وعند الله مدخر إذ نركب الموت مخضرا بطائنه * والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللوامع والضحاك يقدمنا * كما مشى الليث في غاباته الخدر في مأزق من مكر الحرب كلكلها (2) * يكاد يأفل منه الشمس والقمر وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا * لله ننصر من شئنا وننتصر حتى تأوب أقوام منازلهم * لولا المليك ولولا نحن ما صدروا فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا * إلا وأصبح منا فيهم أثر قال وتركت من شعر العباس ما يبدو فضله ويستحسن مثله إيثارا للاختصار والله الموفق.


(1) في نسخة " منتثر ". (2) الكلكل في أصل معناه: الصدر. (*)

[ 227 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بغزوة حنين وما اتصل بها ] حنين بن قانية بن مهلايل هو الذى ينسب إليه الموضع. وهى غزوة حنين وهوازن وأوطاس سميت بأوطاس باسم الموضع الذى كانت فيه الوقعة أخيرا حيث اجتمع فلالهم وتوجه إليهم أبو عامر الاشعري كما سبق. والوطيس التنور وفى هذه الغزوة قال عليه السلام الآن حمى الوطيس حين استعرت الحرب وهى من الكلم التى لم يسبق إليها صلى الله عليه وسلم وكذلك قوله عليه السلام في غير هذه الوقعة يا خيل الله اركبي وقوله فانقض به أي صوت بلسانه في فيه من النقيض وهو الصوت. وقوله راعى ضأن يجهله بذلك. وفرار من كان معه عليه السلام يوم حنين قد أعقبه رجوعهم إليه سرعة وقاتلهم معه حتى كان الفتح ففى ذلك نزلت (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) إلى قوله (والله غفور رحيم) كما قال فيمن تولى يوم أحد (ولقد عفا الله عنهم) وإن اختلف الحال في الواقعتين. ويوم حنين قال عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه فصار حكما مستمرا. وقتل أبو طلحة يومئذ عشرين وأخذ أسلابهم. وفى هذه المسألة خلاف بين العلماء ليس هذا موضع ذكره. وفى خبر جبير بن مطعم عن رؤيته الملائكة رأيت مثل البجاد من النمل - والبجاد السكساء - وقد قال غيره يومئذ رأيت رجالا بيضا على خيل بلق فكانت الملائكة. والبغلة التى كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ هي المسماة فضة التى أهداها له فروة بن نفاثة. والمجدل القصر وهو في هذا البيت اسم على لمكان. ومطلاء يمدو يقصر وهى أرض تعقل الرجل

[ 228 ]

عن المشى. وحذروف السحاب اراد به البرق الذى في السحاب. وكانع حاضر نازل. والضحاك بن سفيان كانت بيده راية سليم يوم حنين. قال البرق ليس هو الضحاك بن سفيان الكلابي إنما هو الضحاك بن سفيان السلمى. وفى رواية غير البكائى عن إبن إسحق رفع نسبه إلى بهتة بن سليم لم يذكر أبو عمر السلمى. وقوله نذوذ أخانا البيت يريد أنه من سليم وسليم من قيس كما أن هوازن من قيس كلاهما ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس. ومعناه نقاتل إخوتنا وننودهم عن إخوتنا من سليم، ولو ترى في حكم الدين مصالا مفعلا من الصولة لكنا مع الاقر بين يريد هوازن. والحماطة من ورق الشجر ما فيه خشونة. والعايز كالشئ ينخس في العين لانه يعورها. والسهر الرجل لانه لما لم يفتر عنه فكأنه سهر ولم ينم. والصمان والحقر موضعان. وقوله لا يغرسون فسيل النخل يعنى أهل المدينة يعير هم بذلك. والمقربة الخيل التى قربت مرابطها. والاخطار جمع خطر وهو القطيع الضخم من الابل. والعسكر ما فوق خمسمائة من الابل. ضاحية كل شئ نواحيه البارزة. والظاهرة من الارض ما غلظ منها.

[ 229 ]

[ سرية الطفيل بن عمرو الدوسى ] إلى ذى الكفين في شوال سنة ثمان قال ابن سعد قالوا: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى الطائف بعث الطفيل ابن عمرو إلى ذى الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسى يهدمه وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف فخرج سريعا إلى قومه فهدم ذا الكفين وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه ويقول: يا ذا الكفين لست من عباد كا * ميلادنا أقدم من ميلاد كا أنا حششت النار في فؤادكا قال وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف بعد مقدمه بأربعة، أيام وقدم بدابة ومنجنيق وقال يا معشر الازد من يحمل رايتكم فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية قالوا النعمان بن الرازية اللهيى قال أصبتم.

[ 231 ]

[ غزوة الطائف ] في شوال سنة ثمان قال ابن سعد قالوا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين يريد الطائف وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم و ؟ ؟ ؟ للقتال وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قريبا من حصن الطائف وعسكر هناك فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب من المسلمين ناس بجراحة وقتل منهم اثنا عشر رجلا فارتفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم وكان معه من فسائه أم سلمة وزينب فضرب لهما قبتين وكان يصلى بين القبتين حصار الطائف كله فحاصرهم ثمانية عشر يوما ويقال خمسة عشر يوما. وقال ابن اسحق بضعا وعشرين ليلة. وقال ابن هشام سبعة عشر يوما، ونصب عليهم المنجنيق وهو أول ما رمى به في الاسلام فيما ذكر ابن هشام. روينا عن ابن سعد قال أنا قبيصة بن عقبة قال أنا سفيان الثوري عن ثور ابن يزيد عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما. قال ابن اسحق حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة (1) ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكات الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم * (هامش * (1) آلة تتخذ من جلود وخشب يدخل فيها الرجال ويقربونها من الحصن لينقبوه.

[ 232 ]

ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون. قال ابن سعد ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنى أدعها لله وللرحم. ونادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما عبد نزل إلى من الحصن وخرج إلينا فهو حر. فخرج منهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة نزل في بكرة فقيل أبو بكرة فعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف. واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلى فقال ما ترى فقال ثعلب في حجر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضررك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا ترحل ولم يفتح علينا الطائف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاغدوا على القتال فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قافلون إن شاء الله فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله وحده صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده فلما ارتحلوا واستقلوا قال قولوا آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. وقيل يا رسول الله ادع الله على ثقيف قال اللهم اهدثقيفا وائت بهم مسلمين.

[ 233 ]

[ تسمية من استشهد بالطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ] عن ابن إسحق سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس وعرفطة بن خباب حليف لهم من الازد بن الغوث، قال ابن هشام ويقال حباب وعبد الله ابن أبى بكر الصديق رمى بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبى أمية المخزومى وعبد الله بن عامر بن ربيعة العدوى حليف لهم والسائب بن الحارث السهمى وأخوه عبدالله. ومن بنى سعد بن ليث جليحة بن عبدالله ومن الانصار ثابت بن الجذع السلمى والحرث بن سهل بن أبى صعصعة المازنى النجارى والمنذر بن عبدالله الساعدي ومن الاوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطائف إلى الجعرانة وبها قسم غنائم حنين كما تقدم. قال ابن سعد ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدقين قالوا لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال المحرم سنة تسع بعث المصدقين يصدقون العرب فبعث عيينة بن حصن إلى بنى تميم وبعث يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار ويقال بعث كعب بن مالك وبعث عباد بن بشر الاشهلى إلى سليم ومزينة وبعث رافع بن مكيث إلى جهينة وبعث عمرو بن العاص إلى بنى فزارة وبعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بنى كلاب وبعث بسر بن سفيان الكعبي إلى بنى كعب وبعث ابن الاتبية الازدي إلى بنى ذبيان وبعث رجلا من بنى سعد هذيم على صدقاتهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقيه (1) أن يأخذوا العفو منهم ويتوقوا كرائم أموالهم. قال


(1) المصدق: الذى يجمع الزكاة. (*)

[ 234 ]

ابن إسحق وبعث المهاجرين أبى أمية إلى صنعاء فخرج عليه العنسى وهو بها وبعث زياد بن لبيد إلى حضر موت وبعث عدى بن حاتم على طئ وبنى أسد وبعث مالك بن نويرة على صدقات بنى حنظلة وفرق صدقات بنى سعد على رجلين: الزبرقان بن بدر على ناحية وقيس بن عاصم على ناحية والعلاء بن الحضرمي على البحرين وبعث عليا إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم. [ سرية عيينة بن حصن الفزارى إلى بنى تميم ] وكانوا فيما بين السقيا وأرض بنى تميم وذلك في المحرم سنة تسع قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزارى إلى بنى تميم في خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصارى فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحراء فدخلوا وسرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع ولوا وأخذ منهم أحد عشر رجلا ووجدوا في المحلة إحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا فجلبهم إلى المدينة فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث فقدم فيهم عدة (1) من رؤسائهم عطارد بن حاجب والزبرقان ابن بدر وقيس بن عاصم والاقرع بن حابس وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد وعمرو بن الاهتم ورباح بن الحارث بن مجاشع فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري فعجلوا وجاءوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا يا محمد اخرج الينا فخرج


(1) في الظاهرية زيادة " قيل كانوا سبعين ". (*)

[ 235 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد فقدموا عطارد ابن حاجب فتكلم وخطب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم ونزل فيهم (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثر هم لا يعقلون) فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسرى والسبي. وذكر ابن اسحق ما وقع بينهما من المفاخرة وما وقع بين الشاعرين الزبرقان بن بدر وحسان بن ثابت من المفاخرة نظما فأنشد الزبرقان: نحن الكرام فلا حى يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الاحياء كلهم * عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن نطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس الفزع بما ترى الناس يأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم عبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا فلا ترانا إلى حى نفاخرهم * إلا استقادوا فكانوا الرأس يقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه * فيرجع القوم والاخبار تستمع إنا أبينا ولم يأب لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر نرتفع وأنشد لحسان مجيبا له: إن الذوائب من فهر وإخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بهم كل من كانت سريرته تقوى الاله وكل الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة * إن الخلائق فاعلم شرها البدع

[ 236 ]

إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لادنى سبقهم تبع لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا أعفة ذكرت في الوحى عفتهم * لا يطبعون ولا يؤذى بهم طبع لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طمع إذا نصبنا لحى لم ندب له * كما يدب إلى الوحشية الذرع نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلاخور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلبة في أرساغها فدع خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الامر الذى منعوا فان في حربهم فاترك عداوتهم * شرا يخاض عليه السم والسلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفاوتت الاهواء والشيع أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره * فيما أحب لسان حائك صنع فانهم أفضل الاحياء كلهم * إن جد بالناس جد القول أو شمعوا فلما فرغ حسان قال الاقرع بن حابس إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولاصواتهم أعلى من أصواتنا فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم. (1)


(1) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 237 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر ] والكلام على شئ من غريب شعره الاقرع بن حابس لقب واسمه فراس وكان في رأسه قرع فلقب بذلك. ذكر ذلك عن ابن دريد. واسم عيينة بن حصن حذيفة وكانت عينه جحظت فلقب بذلك. والزبرقان القمر قال الشاعر: تضئ به المنابر خين يرقى * عليها مثل ضوء الزبرقان والزبرقان الخفيف العارضين واسمه الحصين. وقوله إذا لم يؤنس الفزع يريد إذا كان الجدب ولم يكن في السماء سحاب يتفزع. والتفزع تفرق السحاب. والكوم جمع كوماء وهى العظيمة السنام. والاعتباط الموت في الحداثة. قال من لم يمت عبطة يمت هرما. ومتعوا ارتفعوا متع النهار إذا ارتفع. والذرع ولد البقر وجمع ذرعان. وبقرة مذرع إذا كانت ذات ذرعان. والسلع شجر مر. وشمعوا أي ضحكوا وفى الحديث " من تتبع المشمعة شمع الله به " يريد من ضحك من الناس فأفرط في المزح وشمعت الجارية والدابة شموعا لعبت ومعناه في البيت هزلوا ومنه امرأة شموع إذا كانت مزاحة. وذكر أن قيس بن عاصم كان يبغض عمرو بن الاهتم وهو الذى ضرب أباه فهتم فاه (1) فشهر بالاهتم واسمه سنان بن سمى فغض منه بعض الغض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فأعطاه رسول الله صلى


(1) أي كسر ثناياه. (*)

[ 238 ]

لله عليه وسلم كما أعطى القوم. ولما دار بين عمرو وزبرقان قال عليه السلام يومئذ إن من البيان لسحرا. وذلك أن عمرا قال في الزبر قان إنه لمطاع في أدينه سيد في عشيرته فقال الزبرقان لقد حسدني يا رسول الله لشرفي ولقد علم أفضل مما قال فقال عمرو إنه لزير المروءة ضيق العطن لئيم الخال فعرف الانكار في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت وسخطت فقلت أقبح ما علمت ولقد صدقت في الاولى وما كذبت في الثانية، ويقال كانت أم الزبرقان باهلية فذلك أراد عمرو. [ سرية قطبة بن عامر بن حديدة ]. إلى خثعم بناحية بيشة قريبا من تربة في صفر سنة تسع قال ابن سعد قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قطبه في عشرين رجلا إلى حى من خثعم بناحية تبالة وأمره أن يشن الغارة فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحاضرة ويحذرهم فضربوا عنقه ثم أقاموا حتى نام الحاضر فشنوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا وقتل قطبة بن عامر من قتل وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة وجاء سيل أتى فحال بينهم وبينه فما يجدون إليه سبيلا وكانت سهمانهم أربعة أبعرة والبعير يعدل بعشر من الغنم بعد أن أفرد الخمس.

[ 239 ]

[ سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بنى كلاب ] في شهر ربيع الاول سنة تسع قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى القرطاء عليهم الضحاك ابن سفيان بن عوف بن أبى بكر الكلابي ومعه الاصيد بن سلمة بن قرط فلقوهم بالزخ زخ لاوة فدعوهم إلى الاسلام فأبوا فقاتلوهم فهزموهم فلحق الاصيد أباه سلمة وسلمة على فرس له في غدير بالزخ ودعا أباه إلى الاسلام وأعطاه الامان فسبه وسب دينه فضرب الاصيد عرقوبى فرس أبيه فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء ثم استمسك حتى جاء أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه الزخ بالزاى والخاء المعجمتعين. (1)


(1) في النهاية: زج لاوة هو بضم الزاى وتشديد الجيم موضع نجدى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحاك بن سفيان يدعو أهله إلى الاسلام. وذكره في القاموس في حرف الجيم

[ 240 ]

[ سرية علقمة بن محرز المدلجى إلى الحبشة ] في شهر ربيع الآخر سنة تسع قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من الحبشة ترا آهم أهل جدة فبعث إليهم علقمة بن محرز في ثلثمائة فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه. فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأذن لهم فتعجل عبدالله بن حذافة السهمى فيهم فأمره على من تعجل وكانت فيه دعابة فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها ويصطنعون فقال عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار فقام بعض القوم فتحجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها فقال اجلسوا إنما كنت أضحك معكم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أمركم بمعصية فلا تطيعوه. [ سرية عكاشة بن محصن ] إلى الجباب أرض عذرة وبلى وكانت في شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة

[ 241 ]

[ سرية على بن أبى طالب رضى الله عنه ] إلى الفلس صم طى ليهدمه في التاريخ قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب في خمسين ومائة رجل من الانصار عل مائة بعير وخمسين فرسا ومعه راية سوداء ولواء أبيض إلى الفلس ليهدموه فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر. فهدموا الفلس وحرقوه وملؤا أيديهم من السبى والنعم والشاء. وفى السبى أخت عدى بن حاتم وهرب عدى إلى الشام ووجدوا في خزانة الفلس ثلاثة أسياف رسوب والمخذم (1) وسيف يقال له اليماتى وثلاثة أدراع. واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبى أبا قتادة واستعمل على الماشية والرقة عبدالله بن عتيك فلما نزلوا رككا (2). وعزل للنبى صلى الله عليه وسلم صفيا رسوبا والمخدم ثم صار له بعد السيف الآخر وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة. والفلس بضم الفاء وسكون اللام.


(1) بكسر الميم. (2) شرقي سلمى. (*)

[ 242 ]

[ خبر كعب بن زهير مع النبي صلى الله عليه وسلم وقصيدته ] وكان فيما بين رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف وغزوة تبوك قال إبن إسحق ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف كتب بجير ابن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقى من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة ابن أبى وهب قد هربوا في كل وجه فان كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه لا يقتل أحدا جاءه تائبا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك وكان كعب قد قال: ألا أبلغا عنى بجيرا رسالة * فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل * على أي شئ غير ذلك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا (1) فان كنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعالكا (2) سقاك بها المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا قال وبعث بها إلى بحير فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في نسخة: على خلق لم ألف أما ولا أبا عليه وما تلفى عليه أبا لكا (2) سيأتي تفسير الغريب. في حاشية الاصل (بلغ مقابلة لله الحمد).

[ 243 ]

فأنشده إياها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سقاك بها المأمون صدق وإنه لكذوب وأنا المأمون ولما سمع " على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه " قال أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه. ثم قال بجير لكعب: من مبلغ كعبا فهل لك في التى * تلوم عليها باطلا وهى أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده * فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت * من النار إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شئ دينه * ودين أبى سلمى على محرم فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الارض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدو فقالوا هو مقتول فلما لم يجد من شئ بدا قال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لى فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقم إليه واستأمنه فذكر لى أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه فقال يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تابئا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال أنا يارسول الله كعب بن زهير. قال ابن اسحق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الانصار فقال يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه عنك فانه قد جاء تائبا نازعا. قال فغضب

[ 244 ]

كعب على هذا الحى من الانصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال في قصيدته التى قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم إثرها لم يفد مكبول (1) وما سعاد غداة البين إذ برزت * إلا أغن غضيض الطرف مكحول تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت * كأنه منهل بالراح معلول شجت بذى شبم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول تنفى الرياح القذى عنه وأفرطه * من صوب غادية بيض يعاليل ويل امها خلة لو أنها صدقت * بوعدها أو لو أن النصح مقبول لكنها خلة قد شيط من دمها * فجع وولع وإخلاف وتبديل فما تقوم على حال تكون بها * كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالوصل الذى زعمت * إلا كما يمسك الماء الغرابيل كانت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيدها إلا الا باطيل أرجو وآمل أن يعجلن في أمد * وما لهن اخال الدهر تعجيل فلا يغرنك ما منت وما وعدت * إن الامانى والاحلام تضليل أمست سعاد بأرض لا يبلغها * إلا العتاق النجيبات المراسيل ولا يبلغها إلا عذافرة * فيها على الاين إرقال وتبغيل من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول ترمى النجاد بعينى مفرد لهق * إذا توقدت الحزاز والميل ضخم مقلدها فعم مقيدها * في خلقها عن بنات الفحل تفضيل حرف أخوها أبوها من مهجنة * وعمها خالها قوداء شمليل


(1) شرح الغريب في الصفحة 213 وفى النسخ المطبوعة اختلاف ألفاظ مشهورة

[ 245 ]

يمشى القراد عليها ثم يزلفه * منها لبان وأقراب زهاليل عيرانة قذفت بالنحل عن عرض * مرفقها عن بنات الزور مفتول قنواء في حرتيها للبصير بها * عتق مبين وفى الخدين تسهيل كأن ما فات عينيها ومذبحها * من خطمها ومن اللحيين برطيل تمر مثل عسيب النخل ذاخصل * في غارز لم تخونه الاحاليل تهوى على يسرات وهى لاهية * ذوابل وقعهن الارض تحليل سمر العجايات يتركن الحصى زيما * لم يقهن سواد الاكم تنعيل يوما يظل به الحرباء مرتبيا * كأن ضاحيه في النار مملول وقال للقوم حاديهم وقد جعلت * بقع الجنادب يركضن الحصى قيلوا كان أوب ذراعيها وقد عرقت * وقد تلفع بالقور العساقيل أوب يدى فاقد شمطاء معولة * قامت فجاو بها نكد مثا كيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها * لما نعى بكرها الناعون معقول تفرى اللبان بكفيها ومدرعها * مشقق عن تراقيها رعابيل تمشى الغواة بجنبيها وقولهم * إنك يا ابن أبى سلمى لمقتول وقال كل صديق كنت آمله * لا ألهينك إنى عنك مشغول فقلت خلوا طريقي لا أبا لكم * فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته * يوما على آلة حدباء محمول أنبئت أن رسول الله أو عدني * والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال‍ * - قرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم * أذنب ولو كثرت في الاقاويل لقد أقوم مقاما لو يقوم به * يرى ويسمع ما قد أسمع الفيل لظل يرعد من وجد بوادره * إن لم يكن من رسول الله تنويل

[ 246 ]

حتى وضعت يمينى ما أنازعها * في كف ذى نقمات قيله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه * وقيل إنك منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الارض مخدره * في بطن عثر غيل دونه غيل يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما * لحم من الناس معفور خراديل إذا يساور قرنا لا يحل له * أن يترك القرن إلا وهو مفلول منه تظل سباع الجو نافرة * ولا تمشى بواديه الاراجيل ولا يزال بواديه أخو ثقة * مضرج البز والدرسان مأكول إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم * ببطن مكة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم * ضرب إذا عرد السود التنابيل شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق * كأنها حلق القفعاء مجدول ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم * قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم * وما لهم عن حياض الموت تهليل قال ابن هشام: قال كعب هذه القصيدة بعد قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وبيته حرف أخوها أبوها. ويمشى القراد. وبيته عيرانة قذفت. وبيته تمر مثل عسيب النخل. وبيته تفرى اللبان. وبيته إذا يساور قرنا. وبيته ولا يزال بواديه عن غير ابن إسحق قال ابن اسحق: قال عاصم بن عمر بن قتادة فلما قال كعب * إذا عرد السود التنابيل * وإنما يريد معشر الانصار لما كان صاحبنا صنع به وخص المهاجرين من قريش من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 247 ]

حته غضبت عليه الانصار فقال بعد أن أسلم يمدح الانصار ويذكر بلاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعهم من اليمن: من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقنب من صالحي الانصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر * إن الخيار هم بنو الاخيار الباذلين نفوسهم لنبيهم * يوم الهياج وفتية الاحبار والذائدين الناس عن أديانهم بالمشرفى وبالقنا الخطار المكرهين السمهرى بأدرع * كسوالف الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة * كالجمر غير كليلة الابصار والبائعين نفوسهم لنبيهم * للموت يوم تعانق وكرار بتطهرون يرونه نسكا لهم * بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت ببطن خفية * غلب الرقاب من الاسود ضوار وإذا حللت ليمنعوك إليهم * أصبحت عند معاقل الاعفار ضربوا عليا يوم بدر ضربة * دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الاقوام علمي كله * فيهم لصدقني الذين أمارى قوم إذا خوت النجوم فانهم * للطارقين النازلين مقارى في العز من غسان في جرثومة * أعيت محافرها على المنقار

[ 249 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر ] أبو سلمى ربيعة بن رياح أحد بنى مزينة. والمأمون يعنى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قريش تسميه أيضا الامين. ولعا كلمة تقال للعائر دعاء له بالاقالة. تبلت المرأة فؤاد الرجل رمته بهجرها فقطعت قلبه. ومعلول من العلل وهو الشرب الثاني والاول النهل ومنه قوله منهل ويستعمل معلول أيضا من الاعتلال كما يقول الخليل في العروض. حكاه ابن القوطية ولم يعرفه ابن سيده. وشجت بذى شبم يعنى الخمر وشجت كسرت من أعلاها لان الشجة لا تكون إلا في الرأس والشبم البرد والشبم البارد. قاله الاصمعي وقال شج الشئ إذا علاه ومن هذا شج الشراب وهو أن يعلوه بالماء فيمزجه به. ومشمول ضربه الشمال. وأفرطه أي ملاه. عن السهيلي وعن عيره سبقه وتقدمه. واليعاليل السحاب وقيل جبال ينحدر الماء من أعلاها. واليعاليل أيضا الغدران واحدها يعلول لانه يعل الارض بمائه. وقال ابن سيده اليعلول الحبابة من الماء وهو أيضا السحاب المطرد. وقيل القطعة البيضاء من السحاب. واليعول المطر بعد المطر. وبعد هذا البيت في القصيدة وليس من الرواية: من اللواتى إذا ما خلة صدقت * يشفى مضاجعها شم وتقبيل بيضاء مقبلة عجزاء مدبرة * لا يشتكى قصر منها ولا طول

[ 250 ]

قال الخشنى شيط مثل شاط يقال شاط دمه إذا سال وشاطت القدر إذا غلت والصواب فيه سيط أي خلط ومزج. وكذلك فسره السهيلي أي خلط بلحمها ودمها. وهذه الاخلاق التى وصفها بها من الولع وهو عندهم الكذب. والخلف والفجع: قال ابن سيده الفجيعة الرزيئة بما يكره فجعه يفجعه فجعا. والغول التى تتراءى بالليل. والسعلاة التى تتراءى بالنهار من الجن. وعرقوب بن صخر من العماليق. وقيل بل هو من الاوس أو الخزرج وقصته في إخلاف الوعد مشهورة حين وعد أخاه جنى نخلة له وعدا بعد وعد ثم جدها ليلا ولم يعطه شيئا. قاله السهيلي وغيره وقال كان يسكن المدينة يثرب. والبيت المشهور * مواعيد عرقوب أخاه بيثرب * ومن الناس من يقول يترب. يعنى أرضا للعماليق ولم تكن يثرب سكنى العماليق فان كان من ساكنى المدينة كما ذكره السهيلي فالبيت مستقيم على الرواية المشهورة. النجيبات السلسة السير والنجيبات السريعة. والمراسيل السهلة السير التى تعطيك ما عندها عفوا. عذا فرة صلبة. إرقال اسراع. والتبغيل قال السهيلي ضرب من السير سريع. وقال غيره سير البغال عرضتها جهة شوقها. والنجاد الارض الصلبة. واللهق الحمار الوحشى. وقال مفرد لانه يرمى ببصره نحو الاتن ولا يمشى إلا كدا معهن. والحزاز ما غلظ من الارض. والميل الاعلام. وقال السهيلي ما اتسع من الارض. القوداء الطوبلة العنق. والشمليل السريعة السير. والحرف الناقة الضامر. من مهجنة من إبل مستكرمة هجان. قال أبو القاسم وقوله أبوها أخوها أي إنها من جنس واحد في الكرم وقيل إنها من فحل حمل على أمه فجاءت بهذه الناقة فهو أبوها وأخوها وكانت للناقة التى هي أم هذه بنت أخرى من الفحل الاكبر فعمها خالها على هذا وهو عندهم من أكرم النتاج. واللبان الصدر. وأقراب زهاليل خواصر ملس. وبنات الزور يعنى اللحمات النابتة في الصدر. والبرطيل حجر مستطيل وهو أيضا المعول. والعسيب عظم

[ 251 ]

الذنب وجمعه عسبان. والخصل شعر الذنب. والتخون قال الاصمعي التنقص والتخون أيضا التعهد. لم تخونه الاحاليل يريد رويت من اللبن. والاحاليل الذكور. واليسر اللين والانقياد واليسر السهل. قال ابن سيده وإن قوائمه ليسرات أي سهلة واحدتها يسرة ويسرة. وتحليل أي قليل. والعجايات عصب يكون في اليدين والرجلين الواحدة عجاية. والزيم المتفرقة. والقور الحجارة السود. والعساقيل هنا السراب. قال أبو القاسم الخثعمي وهذا من المقلوب أراد وقد تلفعت القور بالعساقيل. وقوله شمطاء معولة جعلها شمطاء لانها يائس من الولد فهى أشد حزنا. والخراديل القطع من اللحم وفى الحديث " ومنهم المخردل " في صفة المارين على الصراط أي تخردل لحمه الكلاليب التى حول الصراط. والاراجيل جمع جمع وهو جمع أرجل وأرجل جمع رجل. والدريس الثوب الخلق. وزولوا أي هاجروا. والتنابيل القصار. والفقعاء نبت قاله أبو حنيفة. والتهليل الفزع والجبن. وكعب بن زهير من فحول الشعراء هو وأبوه وكذلك ابنه عقبة بن كعب وابن عقبة أيضا العوام وهو القائل: ألا ليت شعرى هل تغير بعدنا * ملاحة عينى أم عمرو وجيدها وهل بيت أثوابها بعد جدة * ألا حبذا اخلاقها وجديدها ومما يستحسن لكعب قوله: لو كنت أعجب من شئ لاعجبني سعى الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لامور ليس يدركها * فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل * لا تنتهى العين حتى ينتهى الاثر

[ 252 ]

يستحسن له أيضا قوله في النبي صلى الله عليه وسلم: تخدى به الناقة الادماء معتجرا (1) * بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم ففى عطافيه أو أثناء بردته * ما يعلم الله من دين ومن كرم


(1) الخدى ضرب من السير. ومعتجر أي ملتف (*)

[ 253 ]

[ غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع ] توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزو الروم قال ابن اسحق وكان ذلك في زمن عسرة من الناس وجدب من البلاد وحين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذى هم عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشقة وشدة الزمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بنى سلمة يا جد هل لك العام في جلاد بنى الاصفر فقال يا رسول الله أتأذن لى ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء منى وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الاصفر أن لا أصبر فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد أذنت لك ففيه نزلت (ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتني) وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر. فأنزل الله فيهم (وقالوا لا تنفروا في الحر. الآية) ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. وذكر ابن سعد قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وجاء البكاؤون وهم سبعة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا

[ 254 ]

ما ينفقون) وهم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى المازنى وعمرو بن عنمة (1) وسلمة ابن صخر والعرباض بن سارية. وفى بعض الروايات وعبد الله بن مغفل ومعقل ابن يسار. وعند ابن عائذ فيهم مهدى بن عبدالرحمن. وبعضهم يقول البكاؤون بنو مقرن السبعة وهم من مزينة. وابن إسحق يعد فيهم عمرو بن الحمام بن الجموح وقال وبعض الناس يقول عبدالله بن عمرو المزني بدل ابن المغفل وهرمى بن عبدالله الواقفى وفيما ذكر ابن إسحق أنه بلغه أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضرى لقى أبا ليلى وابن المغفل وهما كذلك فأعطاهما ناضحا (2) له وزودهما شيئا من تمر. وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم. قال ابن سعد وهم اثنان وثمانون رجلا وكان عبدالله بن أبى بن سلول قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين فكان يقال ليس عسكره بأقل العسكرين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق يصلى بالناس واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري وقيل سباع بن عرفطة. ذكره ابن هشام والاول أثبت. فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عبدالله بن أبى ومن كان معه وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة السالمى وأبو ذر الغفاري. وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا من الناس والخيل عشرة آلاف فرس وأقام بها عشرين ليلة يصلى ركعتين ولحقه بها أبو خيثمة السالمى وأبو ذر وهرقل يومئذ بحمص. وفيما ذكر ابن إسحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما أراد الخروج خلف على بن أبى طالب على أهله فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالا


(1) علبة بضم العين. وعنمة بفتح العين والنون والميم. (2) أي جملا يستقى عليه (*)

[ 255 ]

وتخفيفا منه فأخذ على سلاحة ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف (1) فقال يا نبى الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت منى فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلى وأهلك أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى. فرجع على إلى المدينة. ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أيا ما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين في عريشين لهما في حائطه قدرشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيها ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح (2) والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالنصف ثم قال والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيأ لى زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير ابن وهب إن لى ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة قالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى لك يا أبا خيثمة ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له


(1) هو موضع قريب من المدينة. (2) بكسر الضاد أي الشمس. (*)

[ 256 ]

بحير وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر فقال لا تشربوا من مائها شيئا ولا يتوضأ منه للصبرة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل ولا تأكلوا منها شيئا ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ففعل الناس إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره فأما الذى خرج لحاجته فانه خنق على مذهبه. وأما الذى ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلى طئ فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه ثم دعا للذى خنق على مذهبه فشفى. وأما الآخر الذى وقع بجبلى طئ فان طيئا أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة. قال ابن إسحق بلغني عن الزهري أنه قال لما من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم. قال ابن إسحق فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى كان ببعض الطريق ضلت ناقته فقال زيد بن اللصيت (1) وكان منافقا أليس محمد يزعم أنه نبى ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته فقال عليه السلام إن رجلا يقول وذكر مقالته وإنى والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلنى الله عليه وهى في الوادي في شعب كذا وكذا قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها فذهبوا فجاؤوه بها ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون تخلف فلان فنقول دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم


(1) بضم اللام وفتح الصاد، وروى " اللصيب " بالموحدة. (*)

[ 257 ]

الله منه. وتلوم (1) أبو ذر على بعيره. فلما أبطا عليه اخذ متاعه فحمله على ظهره ؟ ؟ ؟ خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شيا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا ذر فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده. قال ابن إسحق فحدثني بريدة بن سفيان الاسلمي عن محمد بن كعب القرظى عن عبدالله بن مسعود قال لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني ثم ضماني على قارحة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا ذلك به وأقبل عبدالله بن مسعود في رهط من أهل العراق عمار (2) فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قدكادت الابل تطأها وقام إليها الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه قال فاستهل عبدالله يبكى ويقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك. ثم نزل هو أصحابه فواروه ثم حدثهم عبدالله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو بن عوف. ومنهم رجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له مخشن (3) بن حمير يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى


(1) أي: انتظر. (2) أي: معتمرين. (3) في ضبط اسمه خلاف. (*)

[ 258 ]

تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بنى الاصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لكأنكم غدا مقرنين في الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشن بن حمير والله لوددت أنى أقاضي على أن يضرب كل منا مائة جلدة وانا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر أدرك القوم فانهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فان أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) وقال مخشن بن حمير والله يا رسول الله قعد بى اسمى واسم أبى فكان الذى عفى عنه في هذه الآية فتسمى عبدالرحمن وسأل الله أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. وذكر ابن عائذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل تبوك في زمان قل ماؤها فيه فاغترف رسول الله صلى الله عليه وسلم غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلات فهى كذلك حتى الساعة. ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب إيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية وأتاه أهل جرباء وأدرح فأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا وهو عندهم وكتب ليحنة بالمصالحة: بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحنة بن رؤبة وأهل إيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فانه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيبة لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر.

[ 259 ]

[ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ] إلى أكيدر دومة قال ابن اسحق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبدالملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد إنك ستجده يصيد البقر فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته فأتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله قالت فمن يترك هذه قال لا أحد فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم (1) فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستبله خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه. وفيه قال عليه السلام لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته. وقال ابن سعد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا في أربعمائة وعشرين فارسا سرية إلى أكيدر في رجب سنة تسع بدومة الجندل وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة. وذكر نحو ما تقدم وقال وأجار خالد أكيدر من القتل حتى


(1) جمع مطرد كمنبر رمح قصيرر يطعن به الوحش. (*)

[ 260 ]

يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل ففعل وصالحه على ألفى بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح فعزل للنبى صلى الله عليه وسلم صفيا خالصا ثم قسم الغنيمة فأخرجا الخمس وكان للنبى صلى الله عليه وسلم ثم قسم ما بقى في أصحابه فصار لكل واحد منهم خمس فرائض. وذكر ابن عائذ في هذا الخبر أن أكيدر قال عن البقر والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة ولقد كنت أضمر لها اليومين والثلاثة ولكن قدر الله. وذكر موسى بن عقبة اجتماع أكيدر ويحنة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما إلى الاسلام فأبيا وأقرا بالجزية فقاضا هما رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية دومة وعلى تبوك وعلى إيلة وعلى تيماء وكتب لهما كتابا. رجع إلى خبر تبوك: قال ابن اسحق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة وكان في الطريق ماء يخرج من وشل (1) ما يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادى المشقق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه قال فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال من سبقنا إلى هذا الماء ؟ فقيل له يا رسول الله فلان وفلان وفلان فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نصحه (2) به ومسحه بيده ودعا رسول الله


(1) الوشل الماء القليل ووشل الماء وشلا أي قطر وقيل الوشل حجر أو جبل يقطر منه الماء. (2) أي: رشه. (*)

[ 261 ]

صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو به فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما إن له حسا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بقيتم أو من بقى منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه. قال وحدثني محمد بن ابراهيم بن الحرث التيمى أن عبدالله بن مسعود كان يحدث قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات وإذا هم قد حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول ادنيا إلى أخا كما فدلياه إليه فلما هيأه لشقه قال اللهم إنى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه قال يقول عبدالله بن مسعود يا ليتني كنت صاحب الحفرة. وقال صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة تبوك إن بالمدينة لاقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر.

[ 263 ]

[ امر مسجد الضرار ] ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل في أوان (1) بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان أصحاب مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه فقال إنى على جناح سفر وحال شغل أو كما قال صلى الله عليه وسلم ولو قدمنا إن شاء الله لاتينا كم فصبلينا لكم فيه. فلما نزل بذى أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بنى سالم بن عوف ومعن بن عدى أخابنى العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك بن الدخشم لمعن انظرني حتى أخرج اليك بنار من أهلى فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه. ونزل فيه من القرآن (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) إلى آخر القصه. وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا خذام بن خالد من بنى عبيد بن زيد أحد بنى عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الشقاق وثعلبة بن حاطب من بنى أمية بن زيد ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الازعر من بنى ضبيعة بن زيد


(1) في نسخة " بذى عوان " وفى أخرى " بذى أوان ". وعند القاضى عياض الصواب فيه " ذو أروان ". (*)

[ 264 ]

وعباد بن حنيف وجارية بن عامر وابناه مجمع وريد ونبتل بن الحرث وبحزج وبحاد ابن عثمان من بنى ضبيعة ووديعة بن ثابت من بنى أمية رهط أبى لبابة بن عبد المنذر. وقد كان تخلف عنه رهط من المنافقين وتخلف الثلاثة الذين ذكرناهم كعب ومرارة وهلال فأما المنافقون فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعذرهم الله ولا رسوله. وأما الثلاثة الآخرون فروينا من طريق البخاري قال حدثنا يحيى بن بكير فثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك أن عبدالله بن كعب بن مالك كان قائد كعب من بنيه جين عمى قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن غزوة تبوك قال كعب لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أنى كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها إنما ؟ ؟ ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لى بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. كان من خبرى أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت في تلك الغزاة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتها في تلك الغزاة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذى يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحى من الله. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكى أتجهز معهم فأرجع

[ 265 ]

ولم اقض شيئا فاقول في نفسي انا قادر عليه فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لاتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ثم غدت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لى ذلك فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا (1) عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب فقال رجل من بنى سلمة يا رسول الله حبسه برذاه ونظره في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال كعب بن مالك فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همى وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من أهلى فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عنى الباطل وعرفت أنى لن أخرج منه بشئ أبدا فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعالى فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال ما خلفك ألم تكن قدا بتعت ظهرك فقلت بلى إنى والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به على ليوشكن الله أن


(1) أي: ظنينا في دينه متهما بالنفاق. (*)

[ 266 ]

يسخطك على ولئن حدثتك حديث صدق مجد على فيه ؟ ؟ ؟ لارجو فيه عفو الله لا والله ما كان لى من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضى الله فيك فقمت وثار رجال من بنى سلمة فاتبعوني فقالوا لى والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون قد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك فوالله ما زالوا يؤنبونى حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقى هذا أحد قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفى فذكروا لى رجلين صالحين شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لى ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغير والنا حتى تنكرت في نفسي الارض فما هي التى أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباى فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطواف في الاسواق ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى وإذا التفت نحوه أعرض عنى حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة وهو ابن عمى وأحب الناس إلى فسلمت عليه فوالله مارد على السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناى وتوليت حتى تسورت الجدار، قال فبينا أنا أمشى

[ 267 ]

بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان فإذا فيه أما بعد فانه بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأته وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا قال لا بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقى بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الامر. قال كعب فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربك قالت إنه والله ما به حركة إلى شئ والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هاذا فقال لى بعض أهلى لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لا مرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدرينى ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا بينا أنا جالس على الحال التى قد ذكر الله تعالى ضاقت على نفسي وضاقت على الارض بما رحبت سمعت صوت صارخ أو في على جبل سلح بأعلى صوته (1) يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج. وآذن رسول الله صلى


(1) في نسخة زيادة " يقول ". (*)

[ 268 ]

الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشرونا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلى رجل فرسا. وسعى ساع من أسلم فأوفى على ذروة الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذى سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونى بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك. قال كعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهنأنى والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة. قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال لا بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله والى رسوله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت فأنى أمسك سهمي الذى بخيبر فقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم هذا كذبا وإنى لارجو أن يحفظني الله فيما بقيت وأنزل الله تعالى على رسوله عليه السلام (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين) فوالله ما أنعم

[ 269 ]

الله على نعمة قط بعد أن هداني للاسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فان الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لاحد فقال الله تبارك وتعالى (سيحلفون بالله لكم) إلى قوله (فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) قال كعب وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله تعالى (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) وليس الذى ذكر الله مما خلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. (1)


(1) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 271 ]

[ امر وفد ثقيف وإسلامها ] في شهر رمضان سنة تسع قال ابن اسحق وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وقد ثقيف وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يقبل إلى المدينة فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتحدث قومه انهم قاتلوك وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة للامتناع الذى كان منهم فقال عروة يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم - قال ابن هشام من أبصارهم - وكان فيهم كذلك محببا مطاعا فخرج يدعو قومه إلى الاسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الاسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فيزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك، ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بنى عتاب بن مالك يقال له وهب بن جابر فقيل لعروة ما ترى في دمك قال كرامة أكرمنى الله بها وشهادة ساقها الله إلى فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم فدفنوه معهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه إن مثله في قومه لكمثل صاحب

[ 272 ]

س في قومه، ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كما أرسلوا عروة فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير وكان سن عروة بن مسعود، وعرضوا عليه ذلك فأبى أن يفعل وخشى أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة فقال لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الاحلاف وثلاثة من بنى مالك فيكونون ستة فبعثوا مع عبديا ليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معنب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب ومن بنى مالك عثمان بن أبى العاص بن بشر بن عبد دهمان أخابنى يسار وأوس بن عوف أخابنى سالم ونمير بن خرشة بن ربيعة أخابنى الحارث فخرج بهم فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة فاشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه فلقيه أبو بكر فقال له أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكون أنا أحدثه ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقدومهم عليه. ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اكتتبوا كتابهم وكان خالد الذى كتبه وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالدا حتى أسلموا، وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية وهى اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى رسول الله ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة وسنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد قدومهم فأبى عليهم أن يدعها

[ 273 ]

شيئا مسمى وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاسلام فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه وأما الصلاة فانه لاخير في دين لاصلاة فيه فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبى العاص وكان من أحدثهم سنا وذلك أنه كان أحرصهم على التفقة في الاسلام وتعلم القرآن فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك أبو سفيان عليه. وقال ادخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذى الهرم فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها ليضربها بالمعول وقام قومه دونه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها. ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس واهالك واها لك فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبى سفيان وحليها مجموع ومالها من الذهب والفضة والجذع وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الاسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شئ أبدا فأسلما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم توليا من شئتما فقالا نتولى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالكما أبا سفيان بن حرب فقالا وخالنا أبا سفيان فلما أسلم أهل الطائف ووجه أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو مليح

[ 274 ]

ابن عروة أن يقضى عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فقال له قارب بن الاسود وعن الاسود يا رسول الله فاقضه وعروة والاسود أخوان لاب وأم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الاسود مات مشركا فقال قارب يا رسول الله لكن تصل مسلما ذا قرابة يعنى نفسه وإنما الدين على وإنما أنا أطلب به فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضى دين عروة والاسود من مال الطاغية فقضى وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كتبه لهم: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين إن عضا وج (1) وصيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فانه يجلد وينزع ثيابه فان تعدى ذلك فانه يؤخذ فيبلغ النبي محمدا صلى الله عليه وسلم وأن هذا أمر النبي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب خالد بن سعيد بن العاص بأمر الرسول محمد بن عبدالله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) بفتح الواو وتشديد الجيم اسم الطائف. (*)

[ 275 ]

[ حج ابى بكر بالناس في سنة تسع ] قال ابن سعد قالوا استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق على الحج فخرج ؟ ؟ ؟ ثلاثمائة رجل من المدينة وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة قلدها وأشعرها بيده عليها ناجية بن جندب الاسلمي وساق أبو بكر خمس بدنات فلما كان بالعرج - وابن عائذ يقول بضجنان - لقيه على بن أبى طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء فقال له أبو بكر استعملك رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج قال لا ولكن بعثنى أقرأ براءة على الناس وأنبذ إلى كل ذى عهد عهده فمضى أبو بكر فحج بالناس وقرأ على بن أبى طالب براءة يوم النحر عند الجمرة ونبذ إلى كل ذى عهد عهده وقال لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ثم رجعا قافلين إلى المدينة. وفيما ذكر ابن عائذ أن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين ويعارضهم المشركون باعلاء أصواتهم ليغلطوهم بذلك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ويطوف رجال منهم عراة ليس على رجل منهم ثوب بالليل يعظمون بذلك الحرمة ويقول بعضهم أطوف بالبيت كما ولدتني أمي ليس على شئ من الدنيا خالطه الظلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج ذلك العام وأمر الله ببراءة وذكر تمام الخبر. وفيه فلما كان يوم النحر يوم الحج الاكبر أذن ببراءة من عهد كل مشرك لم يسلم

[ 276 ]

أن لا يدخل المسجد الحرام بعد ذلك العام وبين لهم مدة الله التى ضرب على لسان نبيه أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاءوا فقالوا بل الآن لا نبتغى تلك المدة نبرأ منك ومن ابن عمك إلا من الضرب والطعن فحج الناس عامهم ذلك فلما رجعوا أرغب الله المشركين فدخلوا في الاسلام طوعا وكرها. وكان العهد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عاما وخاصا فالعام أن لا يصد أحد عن البيت جاءه ولا يخاف أحد في الاشهر الحرم فانتقض ذلك بسورة براءة والخاص بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب إلى آجال مسماة ولذلك قال (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا - الآية) ذكر معناه ابن اسحق وذكر تمام الآى من سورة براءة وتفسيرها.

[ 277 ]

[ وفود العرب ] وفى سنة تسع قدمت وفود العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تسمى بذلك ففيها قدم وفد بنى تميم الذى تقدم ذكره. وفيها قدم وفد بنى عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر. قاله ابن اسحق قال وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم فقدم عامر ابن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه يا عمر إن الناس قد أسلموا فأسلم قال والله لقد كنت آليت لا أنتهى حتى يتبع العرب عقبى فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لاربد إذا قدمنا على الرجل فانى شاغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل يا محمد خالنى قال لا والله حتى تؤمن بالله وحده قال يا محمد خالنى وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يجير شيئا فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال يا محمد خالنى قال لاحتى تؤمن بالله وحده لا شريك له فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اكفني عامر بن الطفيل فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر لاربد ويلك يا أربد أين ما كنت أمرتك به والله ما كان على ظهر الارض رجل هو أخوف

[ 278 ]

عندي على نفسي منك وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا قال لا أبا لك لا تعجل على والله ما هممت بالذى أمرتنى به من أمره إلا دخلت بينى وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف. وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بنى سلول فجعل يقول يا بنى عامر أغدة البكر في بيت امرأة من بنى سلول ثم خرج أصحابه حين وأروه التراب حتى قدموا أرض بنى عامر فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا ما وراءك يا أربد قال لا شئ والله لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقلته فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.

[ 279 ]

[ قدوم ضمام بن ثعلبة ] قرأت على أبى الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني بسفح قاسيون أخبركم أبو اليمن الكندى قراءة عليه وأنتم تسمعون سنة سبع وستمائة وأبو محمد عبد العزيز بن الاخضر إجازة من بغداد قالا أنا الحافظ أبو القاسم بن السمرقندى سماعا قال أنا أبو الحسين بن النقور قال أنا أبو القاسم عيسى بن على بن الجراح الوزير قراءة عليه وأنا أسمع فثنا أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عبد العزيز البغوي فثنا اسحق ابن ابراهيم المروزى قال حدثنى أبو عمارة حمزة بن الحارث بن عمير وهو أبو عمير قال سمعت أبى يذكر عن عبيدالله بن عمر عن سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه متكئا - أو قال جالسا - جاء هم رجل من أهل البادية فقال أيكم ابن عبدالمطلب قالوا هذا الامغر المرتفق قال حمزة الامغر الابيض مشرب حمرة، والمرتفق مثل المتكئ - قال فدنا منه وقال إنى سائلك فمشتد عليك في المسألة فقال سل عما بدالك فقال أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك آلله أرسلك قال اللهم نعم قال وأنشدك بالله آلله أمرك أن تصلى خمس صلوات في كل يوم وليلة قال اللهم نعم قال وأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا قال اللهم نعم قال وأنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من اثنى عشر شهرا قال اللهم نعم قال فأنشدك

[ 280 ]

بالله آلله أمرك أن يحتج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا قال اللهم نعم قال فانى قد آمنت وصدقت وأنا ضمام بن ثعلبة وأما هذه الهناة فوالله إن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية. قال حمزة فسمعت أبى يقول الهناة الفواحش قال فلما أن ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقه الرجل. قال فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة. وذكر ابن اسحق هذا الخبر وقال فيه إن ضماما قال لقومه عند ما رجع إليهم إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ومانها كم عنه قال فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما قال يقول عبدالله بن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. ذكره عن محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس. (1)


(1) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 281 ]

[ قدوم الجارود بن بشر بن المعلى ] في وفد عبدالقيس وكان نصرانيا قال ابن إسحق فحدثني من لا أتهم عن الحسن قال لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه فعرض عليه رسول الله صلى الل عليه وسلم الاسلام ودعاه إليه ورغبه فيه فقال يا محمد إنى قد كنت على دين وإنى تارك دينى لدينك أفتضمن لى دينى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا ضامن ان قد هداك الله إلى ما هو خير منه قال فأسلم وأسلم أصحابه ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال والله ما عندي ما أحملكم عليه فقال يا رسول الله فان بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس أفنتبلغ عليها إلى بلادنا قال لا إياك وإياها فانما تلك حرق النار. فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه وكان حسن الاسلام صليبا على دينه حتى هلك وقد أدرك الردة فلما رجع قومه من كان أسلم منهم إلى دينه الاول مع المغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الاسلام فقال أيها الناس إنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لم يشهد. وقد روينا خبر قدومه من حديث سليمان بن على عن على ابن عبدالله عن عبدالله بن العباس وفيه إنشاده النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه في قومه:

[ 282 ]

يا نبى الهدى أتنك رجال * قطعت فدفدا (1) وآلا فالا (2) وطوت نحوك الضحاضع (3) طرا * لا تخال الكلال فيه كلالا كل دهناء (4) يقصر الطرف عنها * أرقلتها قلاصنا (5) إرقالا وطوتها الجياد تجمع فيها * بكماة كأنجم تتلألأ تبتغى دفع بؤس يوم عباس * أوجل القلب ذكره ثم هالا


(1) الفدفد: الفلاة من الارض. (2) الآل السراب. (3) الضحضاح هو مارق من الماء على وجه الارض. (4) الدهناء الفلاة. (5) أي قطعتها نوقنا. (*)

[ 283 ]

[ قدوم بنى حنيفة ] ومعهم مسيلمة الكذاب قال ابن اسحق وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الانصار ثم من بنى ؟ ؟ ؟ فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بنى حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لو سألتنى هذا العسيب ما أعطيتكه. قال ابن اسحق وقد حدثنى شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كل على خلاف هذا: أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفى ركابنا يحفظها لنا قال فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم وقال أما إنه ليس بشركم مكانا أي لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الذى يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوه بما أعطاه فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم وقال إنى قد أشركت في الامر معه وقال لوفده الذين كانوا معه ألم يقل لكم حين ذكر تمونى له أما إنه ليس بشركم مكانا ما ذاك إلا لما كان يعلم أنى قد

[ 284 ]

أشركت في الامر معه ثم جعل يسجع لهم ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا ووضع عنهم الصلاة وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبى فأصفقت مع حنيفة على ذلك فالله أعلم أي ذلك كان. قلت كان مسيلمة صاحب نيرو جات يقال إنه أول من أدخل البيضة في القارورة وأول من وصل جناح الطائر المقصوص وكان يدعى أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها. قتله زيد بن الخطاب رضى الله عنه يوم اليمامة وقال رجل من نبى حنيفة يرثيه: لهفى عليك أبا ثمامه * لهفى على ركني شمامه كم آية لك فيهم * كالشمس تطلع من غمامه حكاه السهيلي وقال كذب بل كانت آياته منكوسة يقال إنه تفل في بئر قوم سألوه ذلك تبركا فملح ماؤها ومسح رأس صبى فقرع قرعا فاحشا ودعا لرجل في ابنين له بالبركة فرجع إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب ومسح على عينى رجل استشفى بمسحه فابيضت عيناه.

[ 285 ]

[ قدوم زيد الخيل بن مهلهل الطائى ] في وفد طئ قال ابن اسحق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طئ فيهم زيد الخيل وهو سيدهم فلما انتهوا إليه كلمهم وعرض عليهم الاسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال عليه السلام ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما قيل فيه إلا زيد الخيل فانه لم يبلغ كل ما فيه. ثم سماه زيد الخير وقطع له فيد وأرضين معه وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى قومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ينج زيد من حمى المدينة فانه قال قد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى وغير أم ملدم (1) فلم يثبته فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى بها فمات فلما أحس زيد بالموت قال: أمر تحل قومي المشارق غدوة * وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني * عوائد من لم يبر منهن يزهد فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان من كتبه التى أقطعها له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحرقتها بالنار. قال أبو عمر وقيل بل مات في آخر خلافة عمر وكان قد أسر عامر بن الطفيل قبل إسلامه وجز ناصيته. وكان له ابنان مكنف وبه كان يكنى وحريث أسلما وصحبا النبي صلى الله عليه وسلم وشهدا قتال أهل الردة مع خالد.


(1) بكسر الميم وقيل تفتح والدال المهملة، وتعجم. (*)

[ 286 ]

[ قدوم عدى بن حاتم الطائى ] قال ابن اسحق وكان يقول فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به منى أما أنا فكنت امرا شريفا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع (1) فكنت في نفسي على دين وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بى فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته فقلت لغلام كان لى عربي وكان راعيا لابلى اعزل لا أبا لك اعزل لى من إبلى أجمالا ذللا سمانا فاحبسها قريبا منى فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فأذني ففعل ثم إنه أتانى ذات غداة فقال يا عدى ما كنت صانعا إذا غشيك محمد فاصنعه الآن فانى قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا هذه جيوش محمد قال فقلت فقرب لى أجمال فقربها فاحتملت بأهلى وولدى ثم قلت ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طئ وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام فجعلت بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه وكانت امرأة جزلة (2) فقالت يا رسول


(1) أي: يأخذ الربع من الغنيمة دون أصحابه. (2) أي: عاقلة. (*)

[ 287 ]

الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن على من الله عليك وقال من وافدك قالت عدى بن حاتم فقال الفار من الله ورسوله. ثم مضى وتركني حتى إذا كان من الغد مربى فقلت له مثل ذلك وقال لى مثل ما قال بالامس حتى إذا كان بعد الغد مر بى وقد يئست فأشار إلى رجل من خلفه أن قومي فكلميه قالت فقمت إليه فقلت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد (1) فامنن على من الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلت فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنينى. فسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن كلميه فقيل هو على بن أبى طالب فأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة قالت وإنما أريد أن آتى أخى بالشام قالت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لى فيهم ثقة وبلاغ قالت فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملنى وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدى فوالله إنى لقاعد في أهلى إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا قال فقلت ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت على انسجلت تقول القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والديك عورتك قال قلت أي أخيه لا تقولي إلا خيرا فوالله مالى من عذر لقد صنعت ما ذكرت قال ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل قالت أرى والله أن تلحق به سريعا فان يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله وإن يك ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت قال قلت والله إن هذا للرأى قال فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه فقال من الرجل فقلت عدى بن حاتم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق بى إلى بيته فوالله إنه لعامد بى إليه إذ لقيته امرأة


(1) سيأتي تفسير الغريب. (*)

[ 288 ]

ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال قلت في نفسي والله ما هذا بملك قال ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلى فقال اجلس على هذه قال فقلت بل أنت فاجلس عليها قال بل أنت فجلست عليها وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض قال قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك ثم قال إيه يا عدي بن جاتم ألم تك ركوسيا (1) قال قلت بلى قال أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع قال قلت بلى قال فان ذلك لم يكن يحل لك في دينك قال قلت أجل والله قال وعرفت أنه نبى مرسل يعلم ما يجهل ثم قال لعلك يا عدى إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليو شكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بال قد فتحت عليهم قال فأسلمت قال فكان عدى يقول مضت اثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها ولا تخاف حتى تحج هذا البيت وايم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه. الركوسية قوم لهم دين قوله وغاب الوافد بالواو وقال بعض الناس لا معنى له إلا على وجه بعيد. قال ووجدت الرقام ذكره في كتابه الرافد بالراء وهو أشبه.


(1) بفتح الراء وضم الكاف فرقة لهم دين أخذ من النصرانية والصابئين. (*)

[ 289 ]

[ قدوم فروة بن مسيك المرادى ] قال ابن اسحق وقدوم فروة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة وقد كان قبيل الاسلام بين مراد وهمدان وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له الردم فكان الذى قاد إلى مراد همدان الاجدع بن مالك في ذلك اليوم - وابن هشام يقول مالك بن خزيم وعن الدارقطني وابن ماكولا فيه حريم بفتح الحاء مكسور الراء المهملتين قبل هو والد مسروق بن الاجدع. حكاه الدارقطني وتبعه ابن ماكولا وهو مما أنكره الوقثى وقال ليس مالك بن حريم جد مسروق كما زعم لان مالكا من بنى دالان بن سابقة بن ناشح بن ذافع بن مالك بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان ومسروقا من بنى معمر بن الحارث بن سعد بن عبدالله بن وداعة بن عمرو بن عامر بن ناشح رأيته بخط الاستاذ أبى على الشلوبين وقد أسقط بين جشم بن خيوان حاشد بن جشم. كذا هو عند الرشاطى جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف. ولما توجه فروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل حان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي أؤم محمدا * أرجو فواضلها وحسن ثرائها

[ 290 ]

وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم قال يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم ولا يسوءه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (*)


(1) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 291 ]

[ قدوم عمرو بن معدى كرب وقدم عمرو بن معدى كرب في أناس من بنى زبيد قدم عمرو فأسلم وكان قد قال لقيس بن مكشوح المرادى وقيس ابن أخته يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبى فانطلق بنا إليه حتى نعم علمه فان كان نبيا كما يقول فانه لن يخفى علينا إذا لقيناه اتبعناه وإن كان غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه قيس ذلك وسبقه رأيه فركب عمرو حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصدقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيسا أوعد عمرا فقال عمرو في ذلك شعرا أوله: أمرتك يوم ذى صنعا * ء أمرا باديا رشده وأقام عمرو في قومه من بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو. قاله ابن اسحق. وذكر أبو عمرو من طريق ابن عبد الحكم فثنا الشافعي قال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن قال: إذا اجتمعتما فعلى الامير وإذا افترقتما فكل واحد منكم أمير فاجتمعا وبلغ عمرو بن معدى كرب مكانهما فأقبل في جماعة من قومه فلما دنا منهما قال دعوني حتى آتى هؤلاء

[ 292 ]

القوم فأنى لم أسم لاحد قط إلا هابني. فلما دنا منهما نادى أنا أبو ثور أنا عمرو بن معدى كرب فابتدره على وخالد وكلاهما يقول لصاحبه خلنى وإياه ويفديه بأبيه وأمه فقال عمرو إذ سمع قولهما العرب تفزع بى وأرانى لهؤلاء جزرة. فانصرف عنهما وكان عمرو فارس العرب مشهورا بالشجاعة وكان شاعرا محسنا فمما يستجاد من شعره قوله: أعادل عدتي يزنى (1) ورمحي * وكل مقلص سلس القياد أعادل إنما أفنى شبابى * إجابتى الصريح إلى المنادى مع الابطال حتى سل جسمي * وأقرح عاتقي حمل النجاد (2) ويبقى بعد حلم القوم حلمي * ويفنى قبل زاد القوم زادي تمنى أن يلاقيني قييس * وددت وأينما منى ودادى فمن ذا عاذري من ذى سفاه * يرود بنفسه شر المراد أريد حباءه (3) ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد يريد قيس بن مكشوح. وأسلم قيس بعد ذلك وله ذكر في الصحابة وقيل كان إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان شجاعا فارسا شاعرا. وكان يناقض عمرا وهو القائل لعمرو فلو لا قيتنى لاقيت قرنا (4) * وودعت الحبائب بالسلام لعلك موعدى ببنى زبيد * وما قامعت من تلك اللئام ومثلك قد قرنت له يديه * إلى اللحيين يمشى في الخطام


(1) في الاستيعاب " بدنى ". (2) بكسر النون حمائل السيف. (3) بالكسر والمد العطاء. وفى رواية " حياته ". (4) القرن الكفء (*)

[ 293 ]

[ قدوم الاشعث بن قيس ] وقدم الاشعث بن قيس في ثمانين راكبا من كندة فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده وقد رجلوا جمهم وتكحلوا وعليهم جبب الحبرة قد كففوها بالحرير فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألم تسلموا قالوا بلى قال فما بال هذا الحرير في أعمناقكم قال فشقوه منها فألقوه وقالوا يا رسول الله نحن بنوآ كل المرار (1) وأنت ابن آكل المرار. قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نحن بنى النضير ابن كنانة لا نفقو أمنا ولا ننتفى من أبينا. كان الاشعث رئيسا مطاعا في الجاهلية وجيها في قومه في الاسلام إلا أنه كان ممن ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم راجع الاسلام في خلافة أبى بكر الصديق وشهد بعد ذلك مع سعد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند ومات سنة أربعين أو اثنين وأربعين بالكوفة. وآكل المرار الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن كندة وقيل جده حجر بن عمر أكل هو وأصحابه في غزوة شجرا يقال له المرار وللنبى صلى الله عليه وسلم جدة من كندة مذكورة هي أم كلاب بن مرة فذلك أراد الاشعث.


(1) بضم الميم (*)

[ 294 ]

[ قدوم صرد به عبدالله الازدي ] وقدم صرد بن عبدالله الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من الازد فأمره على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن فخرج حتى نزل بجرش وهى يومئذ مدينة مغلقة وبها قبائل من قبائل اليمن. وقد ضوت (1) إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم فحاصروهم فيها قريبا من شهر وامتنعوا فيها منه. ثم إنه رجع عنهم قافلا حتى إذا كان ببلد يقال له شكر (2) ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا. وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يرتادان وينظر ان فبينما هما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية بعد العصر إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأى بلاد الله شكر فقام الجرشيان فقالا يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر وكذلك تسميه أهل جرش فقال انه ليس بكشر ولكنه شكر. قالا فما شأنه يا رسول الله قال إن بدن الله لتنحر عنده الآن قال فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان فقال لهما ويحكمها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينعى الآن لكما قومكما فقوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن


(1) أي انضموا إليهم (2) بفتح الشين وسكون الكاف جبل باليمن. (*)

[ 295 ]

ومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال اللهم ارفع عنهم فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى قومهما فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبدالله في اليوم الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال وفى الساعة التى ذكر فيها ما ذكر فخرج وقد جرش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم. وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير ورسولهم إليه باسلامهم الحارث بن كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان وبعث إليه زرعة ذو يزن باسلامهم فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال والى النعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان أما بعد: فانى أحمد الله اليكم الذى لا إله إلا هو أما بعد فانه وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبر ما قبلكم وأنبأنا باسلامكم وقتلكم المشركين وأن الله قد هدا كم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله تعالى وسهم النبي وصفيه وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وما سقى الغرب نصف العشر وأن في الابل الاربعين ابنة لبون وفى ثلاثين من الابل ابن لبون ذكر وفى كل خمس من الابل شاة وفى كل عشر من الابل شاتان وفى كل أربعين من البقر بقرة وفى كل ثلاثين من القر تبيع جذع أو جذعة وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة أنها فريضة الله التى فرض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فانه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ولهم ذمة الله وذمة رسوله وأنه من أسلم من يهودى

[ 296 ]

أو نسراني فانه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فانه لا يرد عليها وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا فمن أدى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان له ذمة الله وذمة رسوله ومن منعه فانه عدو لله ولرسوله، أما بعد فان محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا معاذ ابن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرارة وأصحابهم وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من محالفيكم وأبلغوها رسلي وأن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا أما بعد فان محمدا شهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله. ثم إن مالك بن مرارة الرهاوى قد حدثنى أنك قد أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين فابشر بخير وآمرك بحمير خيرا ولا تخونوا ولا تخاذلوا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مولى غنيكم وفقير كم وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاهل بيته إنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وأن ما لكاقد بلغ الخبر وحفظ الغيب وآمركم به خيرا فانه منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله.

[ 297 ]

[ إسلام فروة بن عمرو ] قال ابن اسحق وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي رسولا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسلامه وأهدى له بغلة بيضاء. وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معاون وما حولها من أرض الشام فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه أخذوه فحبسوه عندهم ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ماء لهم يقال له عفراء فلسطين فزعم الزهري ابن شهاب أنهم لما قدموا ليقتلوه قال: أبلغ سراة المسلمين بأننى * سلم لربى أعظمي ومقامى ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الاولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فان استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الاسلام ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه فأقام فيهم خالد يعلمهم الاسلام وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل ويقبل معه وفدهم فأقبل وأقبل معه وفدهم منهم قيس بن الحصين ذى القصة ويزيد بن عبدالمدان ويزيد ابن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبدالله الضبابى وقال لهم

[ 298 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية قالوا لم نكن نغلب أحدا قال بلى قالوا كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم قال صدقتم وأمر عليهم قيس بن الحصين فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو في ذى القعدة فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذو القصة لقب لابي قيس قيل له ذلك لقصة كانت بحلقه لا يكاد يبين منها. [ قدوم رفاعة الجذامي ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي وأهدى برسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما وأسلم فحسن إسلامه وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى قومه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد إنى بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله والى رسوله فمن أقبل منهم ففى حزب الله وحزب رسوله ومن أدبر فله أمان شهرين. فلما قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا ثم ساروا إلى الحرة حرة الرجلاء فنزلوها.

[ 299 ]

[ وفد همدان ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد همدان منهم مالك بن نمط ومالك بن أيفع وضمام بن مالك السلمانى وعميرة بن مالك الخارفى (1) فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية على الرواحل المهرية (2) والارحبية ومالك بن نمط يرتجز بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: اليك جاوزن سواد الريف * في هبوات الصيف والخريف مخطمات بحبال الليف وذكروا له كلاما كثيرا حسنا فصيحا فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا أقطعهم فيه ما سألوه وأمر عليهم مالك بن نمط واستعمله على من أسلم من قومه وأمره بقتال ثقيف فكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار إليه. وكان مالك بن نمط شاعرا محسنا فقال:


(1) خارف بطن من همدان. (2) بفتح الميم نسبة إلى مهرة. (*)

[ 300 ]

ذكرت رسول الله في حمة الدجى * ونحن بأعلى رحرحان وصلدد وهن بنا خوص قلائص تغتلى * بركبانها في لاحب متمدد على كل فتلاء الذراعين جسرة * تمر بنا مر الهجف الخفيدد حلفت برب الراقصات إلى منى * صوادر بالركبان من هضب قردد بأن رسول الله فينا مصدق * رسول أتى من عند ذي العرش مهتد فما حملت من ناقة فوق رحلها * أشد على أعدائه من محمد وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه * وأمضى بحد المشرفى المهند الهجف الظليم المسن. والخفيدد الطويل الساقين من الظلمان. (1)


(1) في حاشية الاصل (بلغ مقابلة لله الحمد). (*)

[ 301 ]

[ وفد تجيب ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد تجيب وهم من السكون ثلاثة عشر رجلا قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التى فرض الله عليهم فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأكرم منزلهم وقالوا يا رسول الله سقنا اليك حق الله في أموالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوها فاقسموها على فقرائكم قالوا يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا. فقال أبو بكر يا رسول الله ما وفد علينا وفد من العرب مثل ما وفد به هذا الحى من تجيب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد به خيرا شرح صدره للايمان وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء فكتب لهم بها وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن فازداد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رغبة وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم فأقاموا أياما ولم يطلبوا اللبث فقيل لهم ما يعجلكم فقالوا نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامنا إياه وما رد علينا. ثم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه فأرسل إليهم بلالا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود قال هي بقى منكم أحد قالوا غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سنا قال فأرسلوه الينا فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض حاجتك منه فانا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنى امرؤمن بنى أبذى (1). قال الواقدي هو أبذى بن عدى وأم


(1) على وزن أعمى، من ولده جماعة من أهل العلم. (*)

[ 302 ]

عدى تجيب بنت ثوبان بن سليم بن مذحج واليها ينسبون. يقول الغلام من الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم فاقض حاجتى يا رسول الله قال وما حاجتك قال إن حاجتى ليست كحاجة أصحابي وإن كانوا قدموا راغبين في الاسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم وإنى والله ما أعملني من بلادي إلا أن تسأل الله عزوجل أن يغفر لى وأن يرحمنى وأن يجعل غناى في قلبى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل إلى الغلام اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه. ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه فانطلقوا راجعين إلى أهليهم ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمنى سنة عشر فقالوا نحن بنو أبذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل الغلام الذى أتانى معكم قالوا يا رسول الله والله ما رأينا مثله قط ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله إنى لارجو أن يموت جميعا فقال رجل منهم أو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الاودية فلا يبالى الله عزوجل في أيها هلك قالوا فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعه بما رزق. فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع من رجع من أهل اليمن عن الاسلام قام في قومه فذكرهم الله والاسلام فلم يرجع منهم أحد. وجعل أبو بكر الصديق رضى الله عنه يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا.

[ 303 ]

[ وفد بنى ثعلبة ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى ثعلبة سنة ثمان مرجعه من الجعرانة أربعة نفر فنزلوا دار رملة بنت الحارث وجاءهم بلال بجفنة (1) من ثريد بلبن وسمن فأكلوا وشهدوا الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له إنه لا إسلام لمن لاهجرة له فقال عليه السلام حيثما كنتم واتقيتم الله فلا يضركم. ثم لما جاؤوا يدعونه قال لبلال أجزهم فأعطى كل رجل منهم خمس أواقى فضة. [ وفد بنى سعد هذيم ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو سعد هذيم من قضاعة في سنة تسع. ذكره الواقدي عن ابن النعمان منهم عن أبيه قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا في نفر من قومي وقد أوطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد غلبة وأذاخ (2) العرب والناس صنفان إما داخل في الاسلام راغب فيه وإما خائف من السيف فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى على جنازة في المسجد فقمنا خلفه ناحية ولم ندخل


(1) أي: قصعة، وفى الاصل بالحاء المهملة وهو غلط. (2) أي: قهرها. (*)

[ 304 ]

مع الناس في صلاتهم حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبايعه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر الينا فدعا بنا فقال من أنتم فقلنا من بنى سعد هذيم فقال أمسلمون أنتم قلنا نعم قال فهلا صليتم على أخيكم قلنا يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أينما أسلمتم فأنتم مسلمون قال فأسلمنا وبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيدينا على الاسلام ثم انصرفنا إلى رحالنا وقد كنا خلفنا عليها أصغرنا فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبنا فأتى بنا إليه فتقدم صاحبنا فبايعه على الاسلام فقلنا يا رسول الله إنه أصغرنا وإنه خادمنا فقال أصغر القوم خادمهم بارك الله عليه قال فكان والله خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فكان يؤمنا. ولما أردنا الانصراف أمر بلالا فأجازنا بأواقى من فضة لكل رجل منا فرجعنا إلى قومنا فرزقهم الله الاسلام.

[ 305 ]

[ وفد بنى فزارة ] قال أبو الربيع بن سالم في كتابه المسمى بالاكتفاء في مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازى الثلاثة الخلفاء: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك قدم عليه وفد بنى فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن والحر بن قيس بن حصن ابن أخى عيينة بن حصن وهو أصغر هم فنزلوا في دار بنت الحارث وجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالاسلام وهو مسنتون (1) على ركاب عجاف (2) فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم فقال أحدهم يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جنابنا وغرث (3) عيالنا فادع لنا ربك يغثنا واشفع لنا إلى ربك وليشفع لنا ربك اليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله ويلك هذا أنا أشفع إلى ربى عزوجل فمن ذا الذى يشفع ربنا إليه لا إله إلا هو العلى العظيم وسع كرسيه السموات والارض فهى تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عزوجل ليضحك من شفقكم وأزلكم (4) وقرب غياثكم فقال الاعرابي يا رسول الله ويضحك ربنا عزوجل قال


(1) أي أجدبوا وقحطوا. (2) أي هزيلة. (3) أي جاع. (4) الازل الضيق. (*)

[ 306 ]

نعم قال الاعرابي لن يعدمك من رب يضحك خير فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وصعد المنبر فتكم بكلمات وكان لا يرفع يديه في شئ من الدعاء إلا رفع الاستسقاء (1) فرفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه: اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك واحى بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مريحا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذابا ولا هدما ولا غرقا ولا محقا اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الاعداء فقال أبو لبابة بن عبد المنذر الانصاري فقال يا رسول الله التمر في المرابد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب (2) مربده بازاره قالوا لا والله ما في السماء سحاب ولا قزعة (3) وما بين المسجد وبين سلع من شجر ولا دار فطلت من وراء سلع سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فوالله ما رأينا الشمس سبتا وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بازاره لئلا يخرج التمر منه فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فدعا ورفع يديه مداحتى رؤى بياض إبطيه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب (4) وبطون الاودية ومنابت الشجر قال فانجابت السحابة السحاب عن المدينة انجياب الثوب.


(1) نفى لرفع خاص وهو الرفع بظهر الكفين كما في مسلم وأبى داود، وأما في سائر الدعاء فقد كان يرفع بطونهما. (2) مخرج ماء المطر من جرين التمر. (3) قطعة غيم. (4) أي الروابي الصغار. (*)

[ 307 ]

[ وفد بنى اسد ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى أسد عشرة رهط فيهم وابصة ابن معبد وطليحة بن خويلد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد مع أصحابه فسلموا وتكلموا فقال متكلمهم يا رسول الله إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله وجئناك يا رسول الله ولم تبعث الينا بعثا ونحن لمن ورائنا. قال محمد بن كعب القرظى فأنزل الله على رسول عليه السلام (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين). وكان مما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه يومئذ العيافة (1) والكهانة وضرب الحصى فنهاهم عن ذلك كله فقالوا يا رسول الله إن هذه أمور كنا نفعلها في الجاهلية قال رأيت خصلة بقيت قال وما هي قالوا الخط (2) قال عامه نبى من الانبياء فمن صادف مثل علمه علم.


(1) العيافة معرفة الامور بالتقفى. والكهانة المعرفة بخبر الجن. (2) علم الرمل. (*)

[ 308 ]

[ وفد بهراء ] وذكر الواقدي عن كريمة بنت المقداد قالت سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب تقول قدم وفد بهراء من اليمن وهم ثلاثة عشر رجلا فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد ونحن في منازلنا ببنى حديلة فخرج إليهم المقداد ؟ ؟ ؟ بهم وأنزلهم وجاءهم بجفنة من حيس (1) كنا قد هيأناها قبل أن يحلوا لنجلس عليها فحملها أبو معبد المقداد وكان كريما على الطعام فأكلوا منها حتى نهلوا وردت الينا القصعة وفيها أكل فجمعنا تلك الاكل في قصعة صغيرة ثم بعثنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سدرة مولاتي فوجدته في بيت أم سلمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضباعة أرسلت بهذا قالت سدرة نعم يا رسول الله قال ضعى ثم قال ما فعل ضيف أبى معبد قلت عندنا فأصاب منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلا هو ومن معه في البيت حتى نهلوا وأكلت معهم سدرة ثم قال اذهبي بما بقى إلى ضيفكم قالت سدرة فرجعت بما بقى في القصعة إلى مولاتي قالت فأكل منها الضيف ما أقاموا نرددها عليهم وما تغيض حتى جعل الضيف يقولون يا أبا معبد إنك لتنهلنا من أحب الطعام الينا وما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام إنما هو العلق (2) أو نحوه ونحن عندك في الشبع فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل منها أكلا وردها فهذه بركة أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل القوم يقولون نشهد أنه رسول الله وازدادوا يقينا وذلك الذى أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعلموا الفرائض وأقاموا أياما ثم جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعوه وأمر لهم بجوائزهم ثم انصرفوا إلى أهليهم.


(1) هو الطعام المتخذ من التمر والاقط والسمن (2) جمع علقة وهى ما يتبلغ به من العيش (*)

[ 309 ]

[ وفد بنى عذرة ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى عذرة في صفر سنة تسع اثنا عشر رجلا فيهم جمرة بن النعمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من القوم فقال متكلهم من لا تنكر نحن بنو عذرة إخوة قصى لامه نحن الذين عضدوا قصيا وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبنى بكر ولنا قرابات وأرحام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحبا بكم وأهلا ما أعرفني بكم فأسلموا وبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح الشام وهرب هرقل إلى ممتنع بلاده ونهاهم عن سؤال الكاهنة وعن الذبائح التى كانوا يذبحونها وأخبرهم أن ليس عليهم إلا الاضحية فأقاموا أياما بدار رملة ثم انصرفوا وقد أجيزوا.

[ 310 ]

[ وفد بلى ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بلى في ربيع الاول سنة تسع فأنزلهم رويفع بن ثابت البلوى عنده وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له هؤلاء قومي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحبا بك وبقومك فأسلموا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذى هدا كم للاسلام فكل من مات منكم غلى غير الاسلام فهو في النار. وقال له أبو الضبيب شيخ الوفد يا رسول الله إن لى رغبة في الضيافة فهل لى في ذلك أجر قال نعم وكل معروف صنعته إلى غنى أو فقير فهو صدقة قال يا رسول الله ما وقت الضيافة. قال ثلاثة أيام فما كان بعد ذلك فهو صدقة. ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك قال يا رسول الله أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الارض قال لك أو لاخيك أو للذئب قال فالبعير قال مالك وله دعه حتى يجده صاحبه، قال رويفع ثم قاموا فرجعوا إلى منزلي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي منزلي يحمل تمرا فقال استعن بهذا التمر فكانوا يأكلون ومن غيره فأقاموا ثلاثا ثم ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجازهم ورجعوا إلى بلادهم.

[ 311 ]

[ وفد بنى مرة ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى مرة ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث بن عوف فقال يا رسول الله إنا قومك وعشيرتك نحن قوم من بنى لؤى بن غالب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للحارث أين تركت أهلك قال بسلاح وما والاها قال فكيف البلاد قال والله إنا لمسنتون وما في المال مخ فادع الله لنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اسقهم الغيث فأقاموا أياما ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مودعين له فأمر بلالا أن يجيزهم فأجازهم بعشر أواقى عشر أواقى فضة وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتى عشرة أوقية ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا البلاد مطيرة فسألوا متى مطرتم فإذا هو ذلك اليوم الذى دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وأخصبت بعد ذلك بلادهم. [ وفد خولان ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة عشر وفد خولان وهم عشرة فقالوا يا رسول الله نحن على من وراءنا من قومنا ونحن مؤمنون بالله عز وجل مصدقون برسوله قدضر بنا اليك آباط الابل وركبنا حزون (1) الارض وسهولها


(1) الامكنة الوعرة. (*)

[ 312 ]

والمنة لله ولرسوله علينا وقدمنا زائرين لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما ذكرتم من مسيركم إلى فان لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة وأما قولكم زائرين لك فانه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة قالوا يا رسول الله هذا السفر الذى لاتوى (1) عليه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل عم أنس وهو صنم خولان الذى كانوا يعبدونه قالوا بشر بدلنا الله ما جئت به وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به ولو قد قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله فقد كنا منه في غرور وفتنة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أعظم ما رأيتم من فتنته قالوا لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرمة فجمعنا ما قدرنا عليه وابتعنا مائة ثور ونحرناها لعم أنس قربانا في غداة واحدة وتركناها تردها السباع ونحن أحوج إليها من السباع فجاءنا الغيث من ساعتنا ولقد رأينا العشب يوارى الرجال ويقول قائلنا أنعم علينا عم أنس. وذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقتسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءا له وجزء الله بزعمهم قالوا كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له أو نسمى زرعا آخر حجرة لله فإذا مالت الريح فالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس وإذا مالت الريح فالذي جعلناه لعم أنس لم نعجله لله. فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عزوجل أنزل عليه في ذلك (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا. الآية) قالوا وكنا نتحاكم إليه فنكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الشياطين تكلمكم. وسألوه عن فرائض الدين فأخبرهم وأمرهم بالعهد وأداء الامانة وحسن الجوار لمن جاوروا وأن لا يظلموا أحدا قال فان الظلم ظلمات يوم القيامة. ثم ودعوه بعد أيام وأجازهم ورجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس. الحجرة الناحية.


(1) أي: لا ضياع ولا خسارة وهو من التوى الهلاك.

[ 313 ]

[ وفد بنى محارب ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى محارب عام حجة الوداع وهم كانوا أغلظ العرب وأفظه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المواسم أيام عرضه نفسه على القبائل يدعوهم إلى الله فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عشرة نائبين عن من وراءهم من قومهم فأسلموا وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الظهر إلى العصر فعرف رجلا منهم فأمده النظر فلما رآه المحاربي يديم النظر إليه قال كأنك يا رسول الله توهمني قال لقد رأيتك فقال المحاربي أي والله لقد رأيتنى وكلمتني بأقبخ الكلام ورددتك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ثم قال المحاربي يا رسول الله ما كان في أصحابي أشد عليك يومئذ ولا أبعد عن الاسلام منى فاحمد الله الذى أبقاني حتى صدقت بك ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معى على دينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه القلوب بيد اله عزوجل فقال المحاربي يا رسول الله استغفر لى من مراجعتي إياك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الاسلام يجب ما كان قبله من الكفر ثم انصرفوا إلى أهليهم. (1)


(1) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 314 ]

[ وفد صداء ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد صداء في سنة ثمان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثا إلى اليمن وهيأ بعثا استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة وعقد له لواء أبيض ودفع إليه راية سوداء وعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل منهم وعلم بالجيش فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش وأنالك بقومي فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد من صدور قناة وخرج الصدائى إلى قومه فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا منهم فقال سعد ابن عبادة يا رسول الله دعهم ينزلوا على فنزلوا عليه فحباهم وأكرمهم وكساهم ثم راح بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الاسلام وقالوا نحن لك على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الاسلام فوافى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة رجل في حجة الوداع. ذكر هذا الواقدي عن بعض بنى المصطلق. وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائى أنه الذى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له اردد الجيش وأنا لك بقومي فردهم قال وقدم وفد قومي عليه

[ 315 ]

فقال لى يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك قال قلت بلى من الله عزوجل ومن رسوله. وكان زياد هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره قال فاعتشى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي سار ليلا - واعتشينا معه وكنت رجلا. قويا قال فجعل أصحابه يتفرقون عنه ولزمت غرزه (1) فلما كان في السحر قال أذن يا أخا صداء فأذنت على راحلتي ثم سرنا حتى نزلنا فذهب لحاجته ثم رجعل فقال يا أخا صداء هل معك ماء قلت معى شئ في إداوتى (2) قال هاته فجئت به فقال صب فصببت ما في الاداوة في القعب وجعل أصحابه يتلاحقون ثم وضع كفه على الاناء فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور ثم قال يا أخا صداء لولا أنى أستحبى من ربى عزوجل لسقينا واستقينا ثم توضأ وقال أذن في أصحابي من كانت له حاجة بالوضوء فليرد قال فوردوا من آخر هم ثم جاء بلال يقيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم فأقمت ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا وكنت سألته قبل أن يؤمرني على قومي ويكتب إلى بذلك كتابا ففعل فلما سلم - يريد من صلاته - قام رجل يتشكى من عامله فقال يا رسول الله انه أخذنا بذحول (3) كانت بيننا وبينه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاخير في الامارة لرجل مسلم ثم قام رجل فقال يا رسول الله اعطني من الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يكل قسمها إلى ملك مقرب ولا نبى مرسل حتى جزأها على ثمانية أجزاء فان كنت جزءا منها أعطيتك وإن كنت غنيا عنها فانما هو صداع في الرأس وداء في البطن فقلت في نفسي ها تان خصلتان حين سألت الامارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غنى عنها فقلت يا رسول الله هذان كتاباك


(1) أي: ركابه. (2) الاداوة بالكسر إناء صغير من جلد. (3) أي عداوات وضفائن. (*)

[ 316 ]

فاقبلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت إنى سمعتك تقول لاخير في الامارة لرجل مسلم وأنا مسلم وسمعتك تقول من سأل من الصدقة وهو عنها غنى فانما هو صداع في الرأس وداء في البطن وأنا غنى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن الذى. قلت كما قلت فقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال دلنى على رجل من قومك أستعمله فدللته على رجل منهم فاستعمله قلت يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها وإذا كان الصيف قال علينا فتفرقنا على المياه والاسلام اليوم فينا قليل ونحن نخاف فادع الله عزوجل لنا في بئرنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ناولنى سبع حصيات فناولته فعر كهن بيده ثم دفعهن إلى وقال إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة حصاة وسم الله قال ففعلت فما أدركنا لها قعرا حتى الساعة. [ وفد غسان ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد غسان في شهر رمضان سنة عشر ثلاثة نفر فأسلموا وقالوا لا ندري أيتبعنا قومنا أم لا وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائز وانصرفوا راجعين فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم وكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الاسلام وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك فلقى أبا عبيدة فخبره باسلامه فكان يكرمه.

[ 317 ]

[ وفد سلامان ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد سلامان سبعة نفر فيهم حبيب بن عمرو السلامى فأسلموا وقال حبيب فقلت أي رسول الله ما أفضل الاعمال قال الصلاة في وقتها ثم ذكر حديثا طويلا وصلوا معه يومئذ الظهر والعصر قال فكانت صلاة العصر أخف في القيام من الظهر ثم شكوا له جدب بلادهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اللهم اسقهم الغيث في دارهم فقلت يا رسول الله ارفع يديك فانه أكثر وأطيب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه ثم قام وقمنا عنه فأقمنا ثلاثا وضيافته تجرى علينا ثم ودعناه وأمر لنا بجوائز فأعطينا خمس أواقى لكل رجل منا واعتذر الينا بلال وقال ليس عندنا اليوم مال فقلت ما أكثر هذا وأطيبه ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت في اليوم الذى دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة. قال الواقدي وكان مقدمهم في شوال سنة عشر.

[ 318 ]

[ وفد بنى عبس ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى عبس فقالوا يا رسول الله قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لاهجرة له ولنا أموال ومواش وهى معايشنا فان كان لا إسلام لمن لاهجرة له فلا خير في أموالنا بعناها وهاجرنا من آخرنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم (1) من أعمالكم شيئا وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خالد بن سنان هل له عقب فأخبروه أنه لا عقب له كانت له ابنة فانقرضت وأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن خالد بن سنان فقال نبى ضيعه قومه.


(1) ينقصكم. (*)

[ 319 ]

[ وفد غامد ] قال الواقدي وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غامد سنة عشر وهم عشرة فنزلوا في بقيع الغرقد وهو يومئذ أثل وطرفاء (1) ثم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا عند رحلهم أحدثهم سنا فنام عنه وأتى سارق وسرق عيبة (2) لاحدهم فيها أثواب له. وانتهى القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وأقروا له بالاسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع من شرائع الاسلام وقال لهم من خلفتم في رحالكم قالوا أحدثنا يا رسول الله قال فانه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت فأخذ عيبة أحدكم فقال أحد القوم يا رسول الله ما لاحد من القوم عيبة غيرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذت وردت إلى موضعها فخرج القوم سراعا حتى أتوا رحلهم فوجدوا صاحبهم فسألوه عما خبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فزعت من نومى ففقدت العيبة فقمت في طلبها فإذا رجل قد كان قاعدا فلما رأني ثار يعدومنى فانتهيت إلى حيث انتهى فإذا أثر حفر وإذا هو قد غيب العيبة فاستخرجتها فقالوا نشهد أنه رسول الله فانه قد أخبرنا بأخذها وأنها قدردت فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وجاء الغلام الذى خلفوه فأسلم. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبى بن كعب فعلمهم قرآنا وأجازهم صلى الله عليه وسلم كما كان يجيز الوفود وانصرفوا.


(1) نوعان من الشجر متشابهان. (2) العيبة مستودع الثياب. (*)

[ 320 ]

[ وفد النخع ] وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد النخع وهم آخر وفد. قدموا للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة في مائتي رجل فنزلوا دار الاضياف ثم جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالاسلام وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل فقال رجل منهم يقال له زرارة بن عمرو يا رسول الله إنى رأيت في سفري هذا عجبا قال وما رأيت قال رأيت أتانا تركتها في الحى كأنها ولدت جديا أسفع أحوى (1) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تركت أمة لك مصرة على حمل قال نعم قال فانها قد ولدت غلاما وهو ابنك قال يا رسول الله فما باله أسفع أحوى قال ادنى منى فدنا منه فقال هل بك من برص تكتمه قال والذى بعثك بالحق ما علم به أحد ولا اطلع عليه غيرك. قال فهو ذلك قال يا رسول الله ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان (2) قال ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته. قال يا رسول الله ورأيت عجوزا شمطاء خرجت من الارض قال تلك بقية الدنيا قال ورأيت نارا خرجت من الارض فحالت بينى وبين أبن لى يقال له عمرو وهى تقول لظى لظى بصير وأعمى أطعموني أكا ؟ ؟ ؟ أهلكم ومالكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فتنة تكون في آخر الزمان قال يا رسول الله وما الفتنة قال يقال الناس إمامهم ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه - يحسب المسئ فيها أنه


(1) أسفع أي أسود مشربا حمرة. والاحوى الذى سواده ليس بخالص. (2) القرط الذى يعلق في شحمة الاذن. والدملج المعضد من الحلى. والمسكة السوار.

[ 321 ]

محسن ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحل من شرب الماء وإن مات ابنك أدركت الفتنة وإن مت أنت أدركها ابنك قال يا رسول الله ادع الله أن لا أدركها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم لا يدركها فمات وبقى ابنه وكان ممن خلع عثمان. والمسك مفتوح الميم والسين المهملة الذبل والمسك الاسورة والخلاخل من الذبل والقرون والعاج واحدته مسكة. قاله ابن سيده. [ ذكر بعثه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك ] يدعوهم إلى الاسلام بعث دحية الكلبى إلى قيصر ملك الروم. وعبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى ملك فارس. وعمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي ملك الحبشة. وحاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية. وعمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكى عمان، وسليط بن عمرو العامري إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن على الحنفيين ملكى اليمامة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين. وشجاع بن وهب الاسدي إلى الحارث بن أبى شمر الغساني ملك تخوم الشام ويقال بعثه إلى جبلة بن الايهم الغساني، والمهاجرين أبى أمية المخزومى إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى ملك اليمن.

[ 323 ]

[ ذكر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ] وما كان من خبر دحية معه ذكر الواقدي من حديث ابن عباس ومن حديثه خرج في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الاسلام وبعث بكتابه مع دحية الكلبى وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله عزوجل فيما أبلاه من ذلك فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال التمسوا لنا هاهنا من قومه أحدا نسألهم عنه. قال ابن عباس فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارا وذلك في الهدنة التى كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش قال فأتانا رسول قيصر فانطلق بنا حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه عليه التاج وحوله عظماء الروم فقال لترجمانه سلهم أيهم أقرب نسبا بهذا الذى يزعم أنه نبى قال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا وليس في الركب يومئذ رجل من بنى عبد مناف غيرى قال قيصر ادنوه منى ثم أمر بأصحابى فجعلوا خلف ظهرى ثم قال لترجمانه قل لاصحابه إنما قدمت هذا أمامكم لاسأله عن هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى وإنما جعلتكم خلف كتفيه لتردوا عليه كذبا إن قاله. قال أبو سفيان فوالله لولا الحياء يومئذ أن يأثروا على كذبا لكذبت عليه ولكني

[ 324 ]

استحييت فصدقت وأنا كاره ثم قال لترجمانه قل له كيف نسب هذا الرجل فيكم قلت هو فينا ذو نسب قال قل له هل قال هذا القول أحد منكم قبله قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال هل كان من آبائه ملك قلت لا قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال فهل يزيدون أو ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا قال فهل يغدر قلت لا ونحن الآن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف حربكم وحربه قلت دول وسجال ندال عليه مرة ويدال علينا أخرى قال يأمركم به قلت يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الامانة فقال لترجمانه قل له إنى سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وسألتك هل قال هذا القول منكم أحد قبله فزعمت أن لا فلو كان أحد منكم قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك هل كان من آبائه ملك قلت لا فقلت لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم فقلت ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل وسألتك هل يزيدون أو ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الايمان حتى يتم وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فزعمت أن لا وكذلك الايمان حين يخالط بشاشة القلوب لا يسخطه أحد وسألتك هل قاتلتموه فقلت نعيم وأن حربكم وحربه دول وسجال يدال عليكم مرة وتدالون عليه أخرى وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة وسألتك

[ 325 ]

ماذا يأمركم به فزعمت أن يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الامانة وهو نبى وقد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أظن أنه فيكم وإن كان ما أتانى عنه حقا فيوشك أن يملك موضع قدمى هاتين ولو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقيه ولو كانت عنده لغسلت قدميه. قال أبو سفيان ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبدالله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فانى أدعوك بدعاية الاسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فان عليك إثم اليريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. قال أبو سفيان فلام قضى مقالته وفرغ من الكتاب علت أصوات الذين حوله وكثر لغطهم فلا أدرى ما قالوا وأمر بنا فأخرجنا فلما خرجت أنا وأصحابي وخلصنا قلت لهم قد أمر أمر ابن أبى كبشة هذا ملك بنى الاصفر يخافه قال فوالله مازلت ذليلا مستيقنا أن أمره سيظهر حتى أدخل الله على الاسلام. ويروى في خبر أبى سفيان أنه قال لقيصر لما سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم أيها الملك ألا أخبرك عنه خبرا نعرفه به أنه قد كذب قال وما هو قلت أنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجد كم هذا مسجد إيلياء (1) ورجع الينا في تلك الليلة قبل الصباح قال وبطريق إيلياء عند رأس قيصر فقال صدق قال وما علمك بهذا قال إنى كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد فلما كانت تلك الليلة أغلقت الابواب كلها غير باب واحد غلبنى فاستعنت عليه عمالى ومن يحضرني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول جبلا فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا هذا باب


(1) أي بيت المقدس. (*)

[ 326 ]

سقط عليه التحاف والبنيان فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى فرجعت وتركت البايين مفتوحتين فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذى في زاوية المسجد منقوب وإذا فيه أثر مربط الدابة فقلت لاصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبى وقد صلى الليلة في مسجد هذا فقال قيصر لقومه يا معشر الروم ألستم تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة نبيا بشركم به عيسى بن مريم ترجون أن يجعله الله فيكم قالوا بلى قال فان الله قد جعله في غيركم في أقل منكم عددا وأضيق منكم بلدا وهى رحمة الله عزوجل يضعها حيث يشاء. اليريسيون دهاقين القرى وكانوا إذ ذاك مجوسا.

[ 327 ]

[ ذكر توجه عبدالله بن حذافة السهمى إلى كسرى ] بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الواقدي من حديث الشفاء بنت عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن حذافة السهمى منصرفه من الحديبية إلى كسرى وبعث معه كتابا مختوما فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أدعوك بداعية الله فانى أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين أسلم تسلم فان أبيت فعليك إثم المجوس. قال عبدالله بن حذافة فانتهيت به إلى بابه فطلبت الاذن عليه حتى وصلت إليه فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه فأخذه ومزقه فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مزق ملكه. وذكر أيضا من حديث أبى هريرة وغيره أن كسرى بينا هو في بيت كان يخلو فيه إذا رجل قد خرج إليه وفى يده عصا فقال يا كسرى إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فأسلم تسلم واتبعه يبق لك ملكك قال كسرى أخر هذا عنى آثرا ما فدعا حجابه وبوابيه فتواعدهم وقال من هذا الذى دخل على قالوا والله ما دخل عليك

[ 328 ]

أحد وما ضيعنا لك بابا، ومكث حتى كان العام المقبل أتاه فقال له مثل ذلك وقال الا تسلم أكسر العصا قال لا تفعل أخر ذلك آثرا ما ثم جاء العام المقبل ففعل مثل ذلك وضرب بالعصا على رأسه فكسرها وخرج من عنده ويقال إن ابنه قتله في تلك الليلة وأعلم الله بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم لحدثان كونه فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك رسل باذان إليه وكان باذان عامل كسرى على اليمن فلما بلغه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ودعاءه إلى الله كتب إلى باذان أن ابعث إلى هذا الرجل الذى خالف دين قومه فمره فليرجع إلى دين قومه فان أبى فابعث إلى برأ ؟ ؟ ؟ - ويروى وإلا فليوا عدك يوما تقتتلون فيه. فلما ورد كتابه إلى باذان بعث بكتابه مع رجلين من عنده فلما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلهما وأمرهما بالمقام فأقاما أياما ثم أرسل اليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة فقال انطلقا إلى باذن فأعلماه أن ربى عزوجل قد قتل كسرى في هذه الليلة فانطلقا حتى قدما على باذان فأخبراه بذلك فقال إن يكن الامر كما قال فوالله إن الرجل لنبى وسيأتى الخبر بذلك إلى يوم كذا فأتاه الخبر بذلك فبعث باذان باسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقال إن الخبر أتاه بمقتل كسرى وهو مريض فاجتمعت إليه أساورته (1) فقالوا من تؤمر علينا فقال لهم ملك مقبل وملك مدبر فاتبعوا هذا الرجل وادخلوا في دينه واسلموا. ومات باذان فبعث رؤوسهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدهم يعرفونه باسلامهم.


(1) الاساورة للفرس جمع اسوار وهم الفرسان. (*)

[ 329 ]

[ ذكر إسلام النجاشي ] كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه مع عمرو بن أمية الضمرى ذكر ابن اسحق أن عمرا قال له يا أصحمة إن على القول وعليك الاستماع إنك كأنك في الرقة علينا منا وكأنا في الثقة بك منك لانا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه ولم تخفك على شئ قط إلا أمناه وقد أخذنا الحجة عليك من فيك الاتجيل بيننا وبينك شاهد لايرد وقاض لا يجور وفى ذلك الموقع الحز وإصابة المفصل وإلا فأنت في هذا النبي الامي كاليهود في عيسى بن مريم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الناس فرجاك لما لم يرجهم له وأمنك على ما خافهم عليه لخير سالف وأجر ينتظر فقال النجاشي أشهد بالله انه للنبى الذى تنتظره أهل الكتاب وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل وأن العيان ليس بأشفى من الخبر. وذكر الواقدي أن ذلك الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة سلم أنت فانى أحمد اليك الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقة من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذى جاءني فانى رسول الله وإنى أدعوك وجنودك إلى الله عزوجل وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى.

[ 330 ]

فكتب إليه النجاشي: بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبى الله من الله ورحمة الله وبركاته والله الذى لا إله إلا هو أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فو رب السماء والارض إن عيسى بن مريم لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا إنه كما ذكرت. وقد عرفنا ما بعثت به الينا وقد قربنا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين. الثفروق علاقة ما بين النواة والقمع. وتوفى النجاشي سنة تسع بالحبشة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يموته يومه وخرج بالناس إلى المصلى فصلى عليه والناس خلفه صفوف وكبر عليه اربعا

[ 331 ]

[ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ] مع حاطب بن أبى بلتعة بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبدالله االى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد فانى أدعوك بداعية الاسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فان عليك إثم القبط ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. وختم الكتاب فخرج به حاطب حتى قدم عليه الاسكندرية فانتهى إلى حاجبه فلم يلبثه أن أوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال حاطب للمقوقس لما لقيه إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الاعلى فأخذه الله نكال الآخرة والاولى فانتقم به ثم انتقم منه واعتبر بغيرك ولا يعتبر بك. قال هات قال إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه وهو الاسلام الكافي به الله فقد ما سواه إن هذا النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له يهود وأقربهم منه النصارى ولعمري ما بشارة موسى بعيسى بن مريم إلا كبشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل النوراة إلى الانجيل وكل نبى أدرك قوما فهم من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه فأنت ممن أدرك هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به فقال المقوقس إنى قد نظرت

[ 332 ]

في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر ؟ ؟ ؟ هود فيه ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب ووجدت معه آلة النبوة باخراج الخبى والاخبار بالنجوى وسأنظر. وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية له ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية فكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبدالله من المقوقس عظيم القبط سلام أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا بقى وكنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك وبعثت اليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة وأهديت لك بغلة لتركبها والسلام عليك. ولم يزد على هذا. ولم يسلم الجاريتان مارية وسيرين والبغلة دلدل بقيت إلى زمن معاوية وكانت شهباء. وذكر الواقدي في هذا الخبر أن المقوقس وصف لحاطب أشياء من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وقال القبط لا يطاوعونى في اتباعه ولا أحب أن تعلم بمحاورتى إياك وأنا أضمن بملكي أن أفارقه وسيظهر على البلاد وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده حتى تظهر على من هاهنا فارجع إلى صاحبك فقد أمرت له بهدايا وجاريتين أختين وبغلة من مراكبي وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا وغير ذلك وأمرت لك بمائة دينار وخمسة أثواب فارحل من عندي ولا تسمع منك القبط حرفا واحدا فرحلت من عنده وقد كان لى مكرما في الضيافة وقلة اللبث ببابه ما أقمت عنده إلا خمسة أيام. وإن الوفود وفود العجم ببابه منذ شهر وأكثر. قال حاطب فذكرت قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه. قال الدارقطني اسمه جريج بن ميناء أثبته أبو عمر في الصحابة ثم أمر بأن يضرب عليه. وقال يغلب على الظن أنه لم يسلم. وكانت شبهته في إثباته إياه في الصحابة أولا رواية رواها ابن إسحق عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: أخبرني المقوقس أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدحا من قوارير فكان يشرب فيه.

[ 333 ]

[ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى العبدى ] مع العلاء بن الحضرمي بعد انصرافه من الحديبية ذكر الواقدي باسناد له عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته فإذا فيه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يدعوه فيه إلى الاسلام فكتب المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد يا رسول الله فانى قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الاسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه وبأرضى مجوس ويهود فأحدث إلى في ذلك أمرك فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك فانى أحمد اليك الله الذى لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد فانى أذكرك الله عزوجل فانه من ينصح فانما ينصح لنفسه فانه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعنى ومن نصح لهم فقد نصح لى وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا وإنى قد شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية. أسلم المنذر هذا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامه ومات قبل ردة أهل البحرين. وذكر ابن قانع أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو الربيع بن سالم ولا يصح ذلك.

[ 334 ]

[ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جيفر وعبد ] ابني الجلندى الازديين ملكى عمان مع عمرو بن العاص بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبدالله إلى جيفر وعبد ابني الجلندى. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فانى أدعو كما بداعية الاسلام أسلما تسلما فانى رسول الله إلى الناس كافة لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين. وإنكما إن أقررتما بالاسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالاسلام فان ملككما زائل عنكما وخيل تحل بساحتكما وتظهر نبوتى على ملككما. وكتب أبى بن كعب وختم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب. قال عمرو ثم خرجت حتى انتهيت إلى عمان فلما قدمتها عمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا فقلت إنى رسول رسول الله اليك وإلى أخيك فقال أخى المقدم على بالسن والملك وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك تم ؟ ؟ ؟ وما تدعو إليه قلت أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه وتشهد أن محمدا عبده ورسوله قال يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك فان لنا فيه قدوة فقلت مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ووددت أنه كان أسلم وصدق به وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للاسلام قال فمتى تبعته قلت قريبا فسألني أين كان إسلامى فقلت عند النجاشي وأخبرته أن النجاشي قد أسلم قال فكيف صنع قومه بملكه قلت أقروه واتبعوه قال والاساقفة والرهبان اتبعوه قلت نعم قال انظر يا عمرو ما تقول

[ 335 ]

إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من كذب قلت ما كذبت وما نستحله في ديننا. ثم قال ما أرى هر قل علم باسلام النجاشي قلت بلى قال بأى شئ علمت ذلك قلت كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال لا والله ولو سألني درهما واحدا ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له يناق أخوه أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين دينا محدثا قال هر قل رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به والله لو لا الضن بملكي لصنعت كما صنع. قال انظر ما تقول يا عمرو قلت والله صدقتك. قال عبد فأخبرني ما الذى يأمر به وينهى عنه قلت يأمر بطاعة الله عزوجل وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب فقال ما أحسن هذا الذى يدعو إليه لو كان أخى يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخى أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا قلت إنه إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. قال إن هذا الخلق حسن وما الصدقة فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الاموال حتى انتهيت إلى الابل فقال يا عمرو تؤخذ من سوائم مواشينا التى ترعى الشجر وترد المياه قلت نعم فقال والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا. قال فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبرى. ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه فأخذ أعوانه بضبعى فقال دعوه فأرسلت فذهبت لاجلس فأبوا أن يدعوني أجلس فنظرت إليه فقال تكلم بحاجتك فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه فقرأه حتى انتهى إلى آخره نم دفعه إلى فقرأه مثل قراءته إلا أنى رأيت أخاه أرق منه. ثم قال ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت فقلت تبعوه إما راغب في الدين وإما مقهور

[ 336 ]

بالسيف قال ومن معه قلت الناس قد رغبوا في الاسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال فما أعلم أحدا بقى غيرك في هذه الحرجة وأنت إن تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل ويبيد خضراءك فأسلم تسلم ويستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال. قال دعني يومى هذا وارجع إلى غدا فرجعت إلى أخيه فقال يا عمرو إنى لارجو أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لى فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أنى لم أصل إليه فأوصلني إليه فقال إنى فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدى وهو لا تبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى. قلت وأنا خارج غدا فلما أيقن بمخرجي خلابه أخوه فقال ما نحن فيما قد ظهر عليه وكل من أرسل إليه قد أجابه فأصبح فأرسل إلى فأجاب إلى الاسلام هو وأخوه جمعيا وصدقا النبي صلى الله عليه وسلم وخليا بينى وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم. وكانا لى عونا على من خالفني.

[ 337 ]

[ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن على ] الحنفي صاحب اليمامة مع سليط بن عمرو العامري بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هوذة بن على سلام على من اتبع الهدى واعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر أسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك. فلما قدم عليه سليط بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم مخنوما أنزله وحباه وقرأ عليه الكتاب فرد ردا دون رد وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني فاجعل إلى بعض الامر أتبعك. وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر فقدم بذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه وقال لو سألني سبابة (1) من الارض ما فعلت باد وباد ما في يديه. فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الفتح جاءه جبريل عليه السلام بأن هوذة قد مات فقال صلى الله عليه وسلم أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدى فقال قائل يا رسول الله من يقتله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت وأصحابك فكان كذلك. وفيما ذكر الواقدي أن أركون دمشق عظيم من عظماء النصارى كان عند هوذة فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال جاءني كتابه يدعوني إلى الاسلام فلم أجبه قال الا ركون لم لا تجيبه فقال ضننت بدينى وأنا ملك قومي ولئن تبعته لم أملك قال بلى والله لئن اتبعته ليملكنك وإن الخيرة لك في اتباعه. وإنه للنبى العربي الذى بشر به عيسى بن مريم وإنه لمكتوب عندنا في الانجيل محمد رسول الله. وذكر باقى الخبر.


(1) السبابة: البلحة. (*)

[ 338 ]

[ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرث بن أبى شمر الغساني ] مع شجاع بن وهب ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شجاعا إلى الحارث ابن أبى شمر وهو بغوطة دمشق فكتب إليه مرجعه من الحديبية بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الحرث بن أبى شمر سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق وإنى أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملك. فختم الكتاب وخرج به شجاع بن وهب قال فانتهيت إلى حاجبه فأجده يومئذ وهو مشغول بتهيئة الانزال والالطاف لقيصر وهو جائى من حمص إلى إيلياه حيث كشف الله عنه جنود فارس شكرا لله تعالى. فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه إنى رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال حاجبه لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا. وجعل حاجبه وكان روميا اسمه مرى يسألنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه فكنت أحدثه فيرق حتى يغلبه البكاء ويقول إنى قرأت في الانجيل وأجد صفة هذا النبي صلى الله عليه وسلم بعينه فكنت أراه يخرج بالشام فأراه قد خرج بأرض القرظ فأنا أؤمن به وأصدقه وأنا أخاف من الحارث بن أبى شمر أن يقتلنى قال شجاع فكان يعنى هذا الحاجب يكرمني ويحسن ضيافتي ويخبرني عن الحارث باليأس منه ويقول هو يخاف قيصر قال فخرج الحارث يوما وجلس فوضع التاج على رأسه فأذن لى عليه فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه ثم رمى به. وقال من ينتزع منى ملكى أنا سائر

[ 339 ]

إليه ولو كان باليمن جئته على بالناس فلم يزل جالسا يعرض حتى الليل. وأمر بالخيل أن تنعل ثم قال اخبر صاحبك بما ترى وكتب إلى قيصر يخبره خبرى فصادف قيصر بايلياء وعنده دحية الكلبى وقد بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه ألا تسر إليه واله عنه ووافنى بايلياء. قال ورجع الكتاب وأنا مقيم فدعاني وقال متى تريد أن تخرج إلى صاحبك قلت غدا فأمر لى بمائة مثقال ذهبا ووصلني مرى بنفقة وكسوة وقال اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم منى السلام وأخبره أنى متبع دينه. قال شجاع فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال باد ملكه وأقرأته من مرى السلام وأخبرته بما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق. وابن هشام يقول بأن المرسل إليه جبلة بن الايهم بدل الحارث بن أبى شمر. وقد تقدم فيما ذكرناه عن ابن إسحق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرث بن عبد كلال ومن معه باليمن.

[ 340 ]

[ سرية على بن ابى طالب إلى اليمن ] قال ابن سعد يقال مرتين احداهما في شهر رمضان سنة عشر من مهاجره وعقد له لواء وعممه بيده وقال امض ولا تلتفت فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلونك. فخرج في ثلاثمأة فارس وكانت أول خيل دخلت إلى تلك البلاد وهى بلاد مذحج ففرق أصحابه فأتوا بنهب غنائم وأطفال ونساء وشاء وغير ذلك وجعل على على الغنائم بريدة بن الحصيب الاسلمي فجمع إليه ما اصابوا ثم لقى جمعهم فدعاهم إلى الاسلام فأبوا ورموا بالنبل والحجارة فصف أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمى ثم حمل عليهم على بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلا فتفرقوا وانهزموا فكف عن طلبهم ثم دعاهم إلى الاسلام فأسرعوا وأجابوا وتابعه نفر من رؤسائهم على الاسلام وقالوا نحن على من وراءنا من قومنا وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله وجمع على الغنائم فجرأها على خمسة اجزاء فكتب في سهم منها لله وأقرع عليها فخرج أول السهام سهم الخمس وقسم على على اصحابه بقية الغنم ثم قفل فوافى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وقد قدمها للحج سنة عشر. قال الرشاطى وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على بن أبى طالب في سرية إلى اليمن وذلك في شهر رمضان سنة عشر من الهجرة فأسلت همدان كلها في يوم واحد وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ كتابه خر لله ساجدا ثم جلس فقال السلام على همدان وتتابع أهل اليمن على الاسلام. انتهى كلام الرشاطى ويشبه ان تكون هذه هي السرية الاولى وما في الاصل هو السرية. الثانية والله اعلم.

[ 341 ]

[ حجة الوداع ] قال الفقيه الحافظ أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الفارسى (1) أعلم عليه السلام الناس انه حاج ثم أمر بالخروج معه فأصاب الناس بالمدينة جدري أو حصبة منعت من شاء الله تعالى ان تمنع من الحج معه فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان عمرة في رمضان تعدل حجة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام حجة الوداع التى لم يحج من المدينة منذ هاجر عليه السلام إليها غيرها فأخذ على طريق. الشجرة وذلك يوم الخميس لست بقين من ذى القعدة سنة عشر نهارا بعد أن ترجل وادهن وبعد أن صلى الظهر بالمدينة وصلى العصر من ذلك اليوم بذى الحليفة ليلة الجمعة وطاف تلك الليلة على نسائه ثم اغتسل ثم صلى بها الصبح ثم طيبته عائشة ام المؤمنين رضى الله عنها بيدها بذريرة (2) وبطيب فيه مسك ثم أحرم ولم يغسل الطيب ثم لبد رأسه وقلد بدنته نعلين وأشعرها في جانبها الايمن وسلت (3) الدم عنبها وكانت هدى. تطوع وكان عليه السلام ساق الهدى مع نفسه ثم ركب راحلته وأهل حين انبعثت به من عند المسجد مسجد ذى الحليفة بالقرآن بالعمرة والحج معا وذلك قبل الظهر بيسير وقال للناس بذى الحليفة من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن


(1) هو ابن حزم. (2) نوع من الطيب مجموع من أخلاط. (3) أي مسح. (*)

[ 342 ]

أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل. وكان معه عليه السلام من الناس جموع لا يحصيها إلا خالقهم ورازقهم عزوجل. ثم لبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وقد روى أنه عليه السلام زاد على ذلك فقال لبيك إله الخلق وأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية. وولدت اسماء بنت عميس الخثعمية زوج ابى بكر الصديق رضى الله عنه محمد بن أبى بكر فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتستثفر (1) بثوب وتحرم وتهل ثم نهض عليه السلام وصلى الظهر بالبيداء ثم تمادى واستهل هلال ذى الحجة ليلة الخميس ليلة اليوم الثامن من خروجه من المدينة فلما كان بسرف حاضت عائشة رضى الله عنها وكانت قد أهلت بعمرة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتنقض رأسها وتمتشط وتترك العمرة وتدعها وترفضها ولم تحل منها وتدخل على العمرة حجا وتعمل جميع أعمال الحج حاشى الطواف بالبيت ما لم تطهر. وقال عليه السلام وهو بسرف للناس من لم يكن منكم معه هدى وأراد أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدى فلا. فمنهم من جعلها عمرة كما أبيح له ومنهم من تمادى على نية الحج ولم يجعلها عمرة وهذا فيمن لاهدى معه وأما من معه الهدى فلم يجعلها عمرة أصلا. وأمر عليه السلام في بعض طريقه ذلك من كان معه هدى ان يهل بالقران بالحج والعمرة معا ثم نهض عليه السلام إلى أن نزل بذى طوى فبات بها ليلة الاحد لاربع خلون لذى الحجة فصلى الصبح بها ودخل مكة نهارا من أعلاها من كداء من الثنية العليا صبيحة يوم الاحد المذكور المؤرخ فاستلم الحجر الاسود وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة سبعا ورمل ثلاثا منها ومشى أربعا


(1) أي تشد على فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشى قطنا فتمنع سيل الدم. (*)

[ 343 ]

يستلم الحجر الاسود والركن اليماني في كل طوفة ولا يمس الركنين الآخرين اللذين في الحجر وقال بينهما (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ثم صلى عند مقام ابراهيم عليه السلام ركعتين يقرأ فيهما مع أم القرآن (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) جعل المقام بينه وبين الكعبة وقرأ عليه السلام إذا أتى المقام (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) ثم رجع إلى الحجر الاسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا فقرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبدأ بما بدأ الله به فطاف بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعيره يخب ثلاثا ويمشى أربعا إذا رقى الصفا استقبل القبلة ونظر إلى البيت ووحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده انجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ثم يدعو ثم يفعل على المروة مثل ذلك. فلما اكمل عليه السلام الطواف والسعى أمر كل من لا هدى معه بالاحلال قارنا كان أو مفردا وإن بحلوا الحل كله من وطئ النساء والطيب والمخيط وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية وهو يوم منى فيهلوا حينئذ بالحج ويحرموا عند نهوضهم إلى منى وأمر من معه الهدى بالبقاء على إحرامهم وقال لهم عليه السلام حينئذ إذ تردد بعضهم لو استقبلت من أمرى ما استد برت ما سقت الهدى حتى أشتريه ولجعلتها عمرة ولاحللت كما أحللتم ولكني سقت الهدى فلا أحل حتى انحر الهدى وكان أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وعلى ورجال من أهل الوفر (1) ساقوا الهدى فلم يحلوا وبقوا ؟ ؟ ؟ كما بقى هو عليه السلام محرما لانه كان ساق الهدى مع نفسه وكن أمهات المؤمنين لم يسقن هديا فأحللن وكن قارنات حجا وعمرة وكذلك فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء بنت أبى بكر الصديق أحلتا حاشى عائشة رضى الله عنها من أجل حيضها لم تحل كما ذكرنا وشكا على فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ حلت وصدقها


(1) الوفر: المال الكثير. (*)

[ 344 ]

عليه السلام في انه امرها بذلك وحينئذ سأله سراقة بن مالك بن جعشم الكنانى فقال يا رسول الله متعتنا هذه لعامنا هذا أم للابد ولنا أم للابد فشبك عليه السلام اصابعه وقال بل لابد الابد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وأمر عليه السلام من جاء إلى الحج على غير الطريق التى اتى عليه السلام عليها ممن أهل باهلال كاهلاله بأن يبقوا على حالهم فمن ساق منهم الهدى لم يحل فكان على في أهل هذه الصفة ومن كان منهم لم يسق الهدى أن يحل فكان ابو موسى الاشعري من أهل هذه الصفة وأقام عليه السلام بمكة محرما من أجل هديه يوم الاحد المذكور والاثنين والثلاثاء والاربعاء وليلة الخميس ثم نهض صلى الله عليه وسلم بكرة يوم الخميس وهو يوم منى ويوم التروية مع الناس إلى منى وفى ذلك الوقت أحرم بالحج من الابطح كل من كان احل من أصحابه رضى الله عنهم فأحرموا في نهوضهم إلى منى في اليوم المذكور فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى الظهر من يوم الخميس المذكور والعصر والمغرب والعشاء الآخرة وبات بها ليلة الجمعة وصلى بها الصبح من يوم الجمعة ثم نهض عليه السلام بعد طلوع الشمس من يوم الجمعة المذكور إلى عرفة بعد أن أمر عليه السلام بأن تضرب له قبة من شعر بنمرة فأتى عليه السلام عرفة ونزل في قبته التى ذكرنا حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فر حلت تم أتى بطن الوادي فخطب على راحلته خطبة ذكر فيها عليه السلام تحريم الدماء والاموال والاعراض ووضع فيها أمور الجاهلية ودماءها واول ما وضع دم ابن ربيعة بن الحرث ابن عبدالمطلب كان مسترضعا في بنى سعد بن بكر فقتله هذيل. وذكر النسابون أنه كان صغيرا يحبو امام البيوت وكان اسمه آدم فأصابه حجر عائر أو سهم غرب من يد رجل من بنى هذيل فمات.

[ 345 ]

ثم ترجع إلى وصف عمله عليه السلام ووضع أيضا عليه السلام في خطبته بعرفة ربا الجاهلية واول ربا وضعه ربا عمه العباس رضى الله عنه وأوصى بالنساء خيرا وأباحهم ضربهن غير مبرح إن عصين بما لا يحل وقضى لهن بالرزق والكسوة بالمعروف على أزواجهن وأمر بالاعتصام بعده بكتاب الله عزوجل وأخبر أنه لا يضل من اعتصم به وأشهد الله عزوجل على الناس أنه قد بلغهم ما يلزمه فاعترف الناس بذلك وأمر عليه السلام أن يبلغ ذلك الشاهد الغائب وبعثت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهى ام عبدالله بن العباس لبنا في قدح فشر به عليه السلام أمام الناس وهو على بعيره فعلموا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن صائما في يومه ذلك فلما أتم الخطبة المذكورة أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا لكن صلاهما عليه السلام بالناس مجموعتين في وقت الظهر بأذان واحد لهما معا وباقامتين لكل صلاة منهما إقامة ثم ركب عليه السلام راحلته حتى أتى الموقف فاستقبل القبلة وجعل جبل المشاة بين يديه فلم يزل واقفا للدعاء وهنالك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم في جملة الحجيج فمات فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يكفن في ثوبيه ولا يمس بطيب ولا يحنط ولا يغطى رأسه ولا وجهه. وأخبر عليه السلام أنه يبعث يوم القيامة ملبيا وسأله قوم من أهل نجد هنالك عن الحج فأعلمهم عليه السلام بوجوب الوقوف بعرفة ووقت الوقوف بها وأرسل إلى الناس أن يقفوا على مشاعرهم فلم يزل عليه السلام واقفا حتى غربت الشمس من يوم الجمعة المذكور

[ 346 ]

ودهبت الصفرة أردف أسامة بن زيد خلفه ودفع عليه السلام وقد ضم زمام القصواء ناقته حتى أن رأسها ليصيب طرف رحله ثم مضى يسير العنق فإذا وجد فجوة نص - وكلاهما ضرب من السير والنص آ كد هما والفجوة الفسحة من الناس - كلما أتى ربوة من تلك الروابي أرخى للناقة زمامها قليلا حتى يصعدها وهو عليه السلام يأمر الناس بالسكينة في السير. فلما كان في الطريق عند الشعب الايسر نزل عليه السلام فيه فبال وتوضأ وضوءا خفيفا وقال لاسامة المصلى أمامك. أو كلاما هذا معناه ثم ركب حتى أتى المزد لفة ليلة السبت العاشر من ذى الحجة فتوضأ ثم صلى بها المغرب والعشاء الآخرة مجموعتين في وقت العشاء الآخرة دون خطبة لكن بأذان واحد لهما معا وباقامتين لكل صلاة منهما إقامه ولم يصل بينهما شيئا ثم اضطجع عليه السلام بها حتى طلع الفجر فقام وصلى الفجر بالناس بمزدلفة يوم السبت المذكور وهو يوم النحر وهو يوم الاضحى وهو يوم العيد وهو يوم الحج الاكبر مغلسا أول انصداع الفجر. وهناك سأله عروة بن مضرس الطائى وقد ذكر له عمله أله حج فقال له عليه السلام إن من أدرك الصلاة يعنى صلاة الصبح بمزدلفة في ذلك اليوم مع الناس فقد أدرك الحج وإلا فلم يدركه واستأذنته سودة وأم حبيبة في أن يدفعا من مزدلفة ليلا فأذن لهما ولام سلمة في ذلك وهن أمهات المؤمنين رضى الله عنهن وأذن أيضا عليه السلام للنساء والضعفاء في ذلك بعد وقوف جمعهم بمزدلفة وذكر هم الله تعالى بها. إلا أنه عليه السلام أذن للنساء في الرمى بليل ولم يأذن للرجال في ذلك لا لضعفائهم ولا لغير ضعفائهم وكان ذلك اليوم يوم كونه عليه السلام عند أم سلمة فلما صلى عليه السلام الصبح كما ذكرنا بمزدلفة أتى المشعر الحرام بها فاستقبل القبلة فدعا الله عزوجل وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفا بها حتى أسفر جدا وقبل أن تطلع الشمس فدفع عليه السلام حينئذ من

[ 347 ]

مزدلفة وقد أردف الفضل بن عباس وانطلق أسامة على رجليه في سباق قريش وهنالك سألت الخثعمية النبي عليه السلام الحج عن أبيها الذى لا يطيق الحج فأمرها أن تحج عنه وجعل عليه السلام يصرف بيده وجه الفضل بن عباس عن النظر إليها والى النساء وكان الفضل أبيض وسيما وسأله أيضا عليه السلام رجل عن مثل ما سألت الخثعمية فأمر عليه السلام بذلك ونهض عليه السلام يريد منى فلما أتى بطن محسر حرك ناقته قليلا وسلك عليه السلام الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى منى فأتى الجمرة التى عند الشجرة وهى جمرة العقبة فرماها عليه السلام من أسفلها بعد طلوع الشمس من اليوم المؤرخ بحصى التقطها له عبدالله ابن عباس من موقفه الذى رمى فيه مثل حصى الخذف وأمر بمثلها ونهى عن أكبر منها وعن الغلو في الدين فرماها عليه السلام وهو على راحلته بسبع حصيات كما ذكرنا يكبر مع كل حصاة منها وحينئذ قطع عليه السلام التلبية ولم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة التى ذكرنا ورماها عليه السلام راكبا وبلال وأسامة أحدهما يمسك بخطام ناقته عليه السلام والآخر يظله بثوبه من الحر. وخطب عليه السلام الناس في اليوم المذكور وهو يوم النحر بمنى خطبة كررها أيضا فيها تحريم الدماء والاموال والاعراض والابشار وأعلمهم عليه السلام فيها بتحريم يوم النحر وحرمة مكة على جميع البلاد وأمر بالسمع والطاعة لمن قام بكتاب الله عزوجل وأمر الناس بأخذ مناسكهم فلعله لا يحج بعد عامه ذلك وعلمهم مناسكهم وأنزل المهاجرين والانصار والناس منازلهم وأمر أن لا يرجعوا بعده كفارا ولا يرجعوا بعده ضلالا يضرب بعضهم رقاب بعض وأمر بالتبليغ عنه وأخبر بأن رب مبلغ أوعى من سلمع ثم انصرف عليه السلام إلى المنحر بمنى فنحر ثلاثا وستين بدنة ثم أمر عليها فنحر ما بقى منها مما كان على أتى به من اليمن مع ما كان عليه السلام

[ 348 ]

أتى به من المدينة وكانت تمام المائة. ثم حلق عليه السلام رأسه المقدس وقسم شعر فأعطى من نصفه الشعرة والشعرتين وأعطى نصفه الثاني كله ابا طلحة الانصاري وضحى عن نسائه بالبقر وأهدى عمن كان اعتمر منهن بقرة وضحى هو عليه السلام في ذلك اليوم بكبشين أملحين وحلق بعض الصحابة وقصر بعضهم فدعا عليه السلام للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة وأمر عليه السلام أن يؤخذ من البدن التى ذكرنا من كل بدنة بضعة فجعلت في قدر وطبخت فأكل هو عليه السلام وعلى من لحمها وشربا من مرقها وكان عليه السلام قد اشرك عليا فيها ثم أمر عليا بقسمة لحومها كلها وجلودها وجلاها وأن لا يعطى الجازر شيئا منها على جزارتها واعطى عليه السلام الاجرة على ذلك من عند نفسه واخبر الناس أن عرفة كلها موقف حاشى بطن عرنة وأن مزدلفة كلها موقف حاشى بطن محسر وأن منى كلها منحر وان فجاج مكة كلها منحر ثم تظيب عليه السلام قبل أن يطوف طواف الافاضة ولا حلالة قبل أن يحل في يوم النحر وهو يوم السبت المذكور طيبته عائشة رضى الله عنها أيضا بطيب فيه مسك ثم نهض عليه السلام راكبا إلى مكة في يوم السبت المذكور نفسه فطاف في يومه ذلك طواف الافاضة وهو طواف الصدر قبل الظهر وشرب من ماء زمزم بالدلو ومن نبيذ السقاية ثم رجع من يومه ذلك إلى منى فصلى الظهر. هذا قول ابن عمر وقالت عائشة وجابر بل صلى الظهر ذلك اليوم بمكة وهذا هو الفصل الذى اشكل علينا الفصل فيه لصحة الطرق في ذلك ولا شك أن احد الخبرين وهم والثانى صحيح ولا ندرى أيهما هو. وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس وهى شاكية فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأذن لها وطافت أيضا عائشة ذلك اليوم وفيه طهرت وكانت رضى الله عنها حائضا أيضا يوم عرفة وطافت أيضا صفية في ذلك اليوم ثم حاضت بعد ذلك ليلة النفر

[ 349 ]

ثم رجع عليه السلام إلى منى وسئل عليه السلام حينئذ عن ما تقدم بعضه على بعض من الرمى والحلق والنحر والافاضة فقال في كل ذلك لا حرج وكذلك قال أيضا في تقديم السعي بين الصفا والمروة قبل الطواف بالكعبة وأخبر عليه السلام بأن الله تعالى انزل لكل داء دواء إلا الهرم وعظم اثم من اقترض عرض امرئ مسلم ظلما. فأقام هنالك باقى يوم السبت وليلة الاحد ويوم الاحد وليلة الاثنين ويوم الاثنين وليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء وهذه أيام منى وهذه هي أيام التشريق يرمى الجمار الثلاث كل يوم من هذه الايام الثلاثة بعد الزوال بسبع حصيات كل يوم لكل جمرة يبدأ بالدنيا وهى التى تلى مسجد منى ويقف عندها للدعاء طويلا ثم التى تليها وهى الوسطى ويقف أيضا عندها للدعاء كذلك ثم جمرة العقبة ولا يقف عندها ويكبر عليه السلام مع كل حصاة. وخطب الناس أيضا يوم الاحد ثانى يوم النحر وهو يوم الرؤوس. وقد روى أيضا أنه عليه السلام خطبهم أيضا يوم الاثنين وهو يوم الاكارع. وأوصى بذى الارحام خيرا وأخبر عليه السلام أنه لا تجنى نفس على أخرى واستأذنه العباس عمه في المبيت بمكة من أجل سقايته فأذن له عليه السلام وأذن للرعاء أيضا مثل ذلك ثم نهض عليه السلام بعد زوال الشمس من يوم الثلاثاء المؤرخ وهو آخر أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من ذى الحجة وهو يوم النفر إلى المحصب وهو الابطح فضربت بها قبته ضربها أبو رافع مولاه وكان على ثقله عليه السلام. وقد كان عليه السلام قال لاسامة إنه ينزل غدا بالمحصب خيف بنى كنانة وهو المكان الذى ضرب فيه ابو رافع قبته وفاقا من الله عزوجل دون ان يأمره عليه السلام بذلك. وحاضت صفية أم المؤمنين ليلة النفر بعد أن أفاضت فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فسأل أفاضت يوم النحر فقيل له نعم فأمرها أن تنفر وحكم فيمن كانت حاله كحالها أيضا بذلك وصلى عليه السلام بالمحصب

[ 350 ]

الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخرة من ليلة الاربعاء الرابع عشر من ذى الحجه وبات بها ليلة الاربعاء المذكورة ورقد رقدة. ولما كان يوم النحر ويوم النفر رغبت إليه عائشة بعد أن طهرت أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها عليه السلام انها قد حلت من حجها وعمرتها وأن طوافها يكفيها ويجزئها لحجها وعمرتها فأبت إلا أن تعمر عمرة مفردة فقال لها ألم تسكونى طفت ليالى قدمت قالت لا فأمر عبدالرحمن بن أبى بكر أخاها أن يردفها ويعمرها من التنعيم ففعلا ذلك وانتظرها عليه السلام بأعلى مكة حتى انصرفت من عمرتها تلك وقال لها هذه مكان عمرتك وأمر الناس أن لا ينصرفوا حتى يكون آخر عهدهم الطواف بالببت ورخص في ترك ذلك للحائض التى قد طافت طواف الافاضة قبل حيضها. ثم أنه عليه السلام دخل مكة في الليل من ليلة الاربعماء المذكورة فطاف بالبيت طواف الوداع لم يرمل في شئ منه سحرا قبل صلاة الصبح من يوم الاربعاء المذكور ثم خرج من كدى أسفل مكة من الثنية السفلى والتقى بعائشة رضى الله عنها وهو ناهض إلى الطواف المذكور وهى راجعة من تلك العمرة التى ذكرنا ثم رجع عليه السلام وأمر بالرحيل ومضى عليه السلام من فوره راجعا إلى المدينة وخرج من مكة من الثنية السفلى فكانت مدة اقامته عليه السلام بمكة منذ دخلها إلى أن خرج منها إلى منى إلى عرفة إلى مزدلفة إلى منى إلى المحصب إلى أن وجه راجعا عشرة أيام فلما أتى ذا الحليفة بات بها فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده. ثم دخل عليه السلام المدينة نهارا من طريق المعرس والحمد لله وحده.

[ 351 ]

[ واما عمره عليه السلام فأربع ] روينا من حديث قتادة قال قلت لانس كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قال أربعا عمرته التى صده عنها المشركون عن البيت من الحديبية في ذى القعدة وعمرته أيضا من العام المقبل حين صالحوه في ذى القعدة وعمرنه حين قسم غنائم حنين من الجعرانة في ذى القعدة وعمرته مع حجته. وقد روى عن ابن عباس أن عمرة الجعرانة كانت لليلتين بقيتا من شوال.

[ 352 ]

[ سراية اسامة بن زيد بن حارثة إلى ابني ] وهى أرض الشراة ناحية البلقاء قالوا لما كان يوم الاثنين لاربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجره أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال سر إلى موضع مقتل ابيك فاوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الاخبار فان ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الادلاء وقدم العيون والطلائع معك فلما كان يوم الاربعاء بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فحم وصدع فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة لواء بيده ثم قال اغز بسم الله وفى سبيل الله فقاتل من كفر بالله فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الاسلمي وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الاولين والانصار إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم بن حريس فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة فصعد المنبر وحمد الله وأنثى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فما قالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ولئن طعنتم في امارتي أسامة لقد طعنتم في امارتي اياه من قبله وايم الله ان كان لخليقا للامارة وان ابنه من بعده لخليق للامارة وإن كان لمن أحب الناس إلى وإنهما لمخيلان

[ 353 ]

لكل خير - أي لمظنة لكل خير - فاستوصوا به خيرا فانه من خياركم ثم نزل فدخل بيته وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الاول سنة احدى عشرة وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرجون إلى المعسكر بالجرف وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول انفذوا بعث أسامة. فلما كان يوم الاحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبى صلى الله على هو سلم مغمور وهو اليوم الذى لدوه (1) فيه فطأطأ أسامة فقبله والنبى صلى الله عليه وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على اسامة قال اسامة فعرفت أنه يدعو لى ورجع اسامة إلى معسكره ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقا فقال له أغد على بركة الله فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمة أم أيمن قد جاءه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت فتوفى حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة ودخل بريدة ابن الحصيب بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرزه عنده فلما بويع لابي بكر أمر بريدة بن الحصيب ان يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضى لوجهه فمضى بهم إلى معسكرهم الاول فلما ارتدت العرب كلم أبو بكر في حبس أسامة فأبى وكلم أبو بكر أسامة في عمر أن يأذن له في التخلف ففعل فلما كان هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة خرج أسامة فسار إلى أبنى (2) عشرين ليلة


(1) أي جعلوا الدواء في جانب فمه. (2) بوزن حبلى. (*)

[ 354 ]

فشن عليهم الغارة وكان شعارهم " يا منصور أمت " فقتل من أشرف له وسبى من قدم عليه وحرق في طوائفها بالنار وحرق منازلهم وحرئهم ونخلهم فصارت أعاصير من الدخاخين وأجال الخيل في عرصاتهم وأقاموا يومهم ذلك من تعبئة ما أصابوا من الغنائم وكان أسامة على فرس أبية سبحة وقتل قاتل أبيه في الغارة وأسهم للفرس سهمين وللفارس سهما وأخذ لنفسه مثل ذلك فلما أمسى أمر الناس بالرحيل ثم أغذ (1) السير فوردوا وادى القرى في تسع ليال ثم بعث بشيرا إلى المدينة بسلامتهم ثم قصد بعد في السير فسار إلى المدينة ستا وما أصيب من المسلمين أحد. وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونهم سرورا بسلامتهم، ودخل على فرس أبيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة بن الحصيب حتى انتهى إلى باب المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطة يكونون بالبلقاء فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما.


(1) أي أسرع. (*)

[ 355 ]

[ ذكر الحوادث جملة بعد قدوم رسول الله ] صلى الله عليه وسلم المدينة في السنة الاولى: جعلت صلاة الحضر أربع ركعات وكانت ركعتين بعد مقدمه عليه السلام بشهر وفيها صلى الجمعة حين ارتحل من قباء إلى المدينة صلاها في طريقه ببنى سالم وهى أول جمعة صلاها وأول خطبة خطبها في الاسلام وفيها بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده ومساكنه ومسجد قباء وفيها بدء الاذان وفيها المؤاخاة بين المهاجرين والانصار بعد مقدمه بثمانية أشهر وفيها أسلم عبدالله بن سلام ومات أسعد بن زرارة وأعرس النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة وبعث حمزة بن عبدالمطلب في ثلاثين من المهاجرين يعترض عيرا لقريش في رمضان وبعث عبيدة بن الحارث في ستين رجلا من المهاجرين إلى بطن رابغ وبعث سعد بن أبى وقاص إلى الخرار في ذى القعدة في عشرين من المهاجرين يعترض لعير قريش وغزوة الابواء وغزوة ودان في صفر. وفى السنة الثانية: غزوة بواط وطلب كرز بن جابر. وغزوة ذى العشيرة وسرية عبدالله بن جحش إلى نخلة وغزوة بدر الكيرى ووفاة رقية ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وسرية عمير بن عدى وسرية سالم بن عمير وغزوة بنى قينقاع وغزوة السويق وغزوة كركرة الكدر وتحويل القبلة وفرض صوم

[ 356 ]

شهر رمضان في شعبان على رأس سبعة عشر شهرا وفرض زكاة الفطر قبل العيد بيومين ووفاة عثمان بن مظعون بعد مشهده بدرا وفيها ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أحدهما عن أمته والآخر عن محمد وآله، ومولد عبدالله بن الزبير ومولد النعمان بن بشير وأعرس على بفاطمة. وفى السنة الثالثة: السرية لكعب بن الاشرف وغزوة غطفان وغزوة بنى سليم وسرية زيد بن حارثة إلى القردة وغزوة أحد وغزوة حمراء الاسد وسرية أبى سلمة إلى قطن وسرية عبدالله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بعرنة وبئر معونة والرجيع وتزويجه عليه السلام حفصة بنت عمر وتزويجه زينب بنت خزيمة وتزويج عثمان ابن عفان أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم ومولد الحسن بن على وتحريم الخمر وقيل في الرابعة. وفى السنة الرابعة: تحريم الخمر وغزوة بنى النضير وبدر الموعد وذات الرقاع وصلاة الخوف ورجمه عليه السلام اليهودي واليهودية ومولد الحسين بن على ووفاة زينب بنت خزيمة وتزويجه عليه السلام أم سلمة وتزويجه أيضا زينب بنت جحش على الاصح ونزول الحجاب. وفى السنة الخامسة: غزوة دومة الجندل وغزوة المريسيع وحديث الافك وقد تقدم الخلاف في ذلك. وقول عبدالله بن أبى (لئن رجعنا إلى المدينة). وغزوة الخندق وبنى قريظة وتزويجه عليه السلام ريحانة بنت يزيد النضرية وجويرية بنت الحرث وسرية عبدالله بن عتيك إلى أبى رافع وسرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء وفيها زلزلت المدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيعتبكم فاعتبوه. وفيها سابق بين الخيل.

[ 357 ]

وفى السنة السادسة: غزوة بنى لحيان وغزوة الغابة وسرية عكاشة إلى الغمر ومحمد بن مسلمة إلى ذى القصة فأصيبوا وبعث أبى عبيدة إلى ذى القصة فهربوا. وسرية زيد بن حارثة إلى بنى سليم وسريته إلى العيص وسريته إلى الطرف وسريته إلى حسمى وسريته إلى وادى القرى وسريته إلى أم قرفة وسرية ابن عوف إلى دومة الجندل وعلى إلى بنى سعد بن بكر وابن عتيك إلى أبى رافع على قول. وقد تقدم في الخامسة. وسرية عمرو بن أمية الضمرى وسلمة بن أسلم لقتل أبى سفيان بمكة وعمرة الحديبية وبيعة الرضوان وفيها قحط الناس فاستسقى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا في رمضان. وفى السنة السابعة: غزوة خيبر وسرية عمر إلى تربة وسرية أبى بكر إلى بنى كلاب أو فزارة وبشير بن سعد إلى بنى مرة وغالب الليثى إلى الميفعة وبشير بن سعد إلى يمن وجبار وعمرة القضية وسرية ابن أبى العوجاء إلى بنى سليم وسرية غالب إلى بنى الملوح وسريته إلى فدك وتزويجه عليه السلام أم حبيبة بنت أبى سفيان وصفية بنت حيى وميمونة بنت الحارث وقدوم جعفر من الحبشة وأبى موسى ومن معه وإسلام أبى هريرة وعمران بن الحصين. وبعثه عليه السلام الرسل على الملوك واتخاذ الخاتم لختم الكتب وتحريم الحمر الاهلية والنهى عن متعة النساء. وفى السنة الثامنة: قدم خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وعمرو بن العاص فاسلموا. وسرية شجاع بن وهب إلى بنى عامر وكعب بن عمرو إلى ذات أطلاح غزوة مؤتة. سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وسرية الخبط وسرية أبى قتادة إلى خضرة ثم إلى بطن إضم غزوة الفتح سرية خالد بن الوليد إلى العزى وعمرو بن العاص إلى سواع وسعد بن زيد الاشهلى إلى مناة في رمضان. سرية خالد

[ 358 ]

بن الوليد إلى بنى جزيمة. غزوة حنين. سرية الطفيل بن عمرو إلى ذى الكفين. غزوة الطائف. سرية عيينة بن حصن إلى بنى تميم. سرية قطبة بن عامر إلى خثعم بعث الوليد بن عقبة إلى بنى المصطلق. اتخاذ المنبر والخطبة عليه وحنين الجذع وهو أول منبر عمل في الاسلام. وفيها أقاد النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من هذيل برجل من بنى ليث ومولد ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم ووفاة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيها وهبت سودة يومها لعائشة حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها. وفى السنة التاسعة: إيلاؤه عليه السلام من نسائه وسرية الضحاك إلى بنى كلاب وعلقمة إلى الحبشة وعلى إلى الفاس وعكاشة إلى الجناب وتبوك وهدم مسجد الضرار وقدوم الوفود ولعان عويمر العجلاني مع امرأته وموت عبدالله بن أبى وحج أبى بكر بالناس ونداء على بسورة براءة وموت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وموت النجاشي. وفى السنة العاشرة: سرية خالد بن الوليد إلى بنى عبد المدان بنجران وعلى إلى اليمن وحجة الوداع ونزول (اليوم أكملت لكم دينكم) الآية ونزول (يأيها الذين آمنو ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) الآية. وكانوا لا يفعلونه قبل ذلك وموت ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم.

[ 359 ]

[ ذكر نبذة من معجزاته عليه السلام ] وإن كان أكثر ما نورده هنا قد سبق ايراده لكن مفرقا والغرض الآن ذكره مجموعا كما فعلنا في الباب الذى قبله. فمن ذلك: القرآن وهو أعظمها، وشق الصدر وإخباره عن البيت المقدس وانشقاق القمر وأن الملامن قريش تعاقدوا على قتله فخرج عليهم فخفضوا أبصارهم وسقطت اذقانهم في صدورهم وأقبل حتى قام على رؤسهم فقبض قبضة من تراب وقال شاهت الوجوه وحصبهم فما أصاب رجلا منهم شئ من ذلك الحصى إلا قتل يوم بدر ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم فهزمهم الله تعالى ونسج العنكبوت عليه في الغاروما كان من أمر سراقة بن ملك بن جعشم إذ تبعه في خبر الهجرة فساخت قوائم فرسه في الارض الجلد ومسح على ضرع عناق (1) ولم ينز عليها الفحل فدرت وقصة شاة أم معبد ودعوته لعمر أن يعز الله به الاسلام ودعوته لعلى أن يذهب الله عنه الحر والبرد وتفل في عينيه وهو أرمد فعوفى من ساعته ولم يرمد بعد ذلك ورد عين قتادة ابن النعمان بعد أن سالت على خده فكانت أحسن عينيه ودعا لعبد الله بن عباس بالتأويل والفقه في الدين ودعا لجمل جابر فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا ودعا لانس بطول العمر وكثرة المال والولد ودعا في تمر حائط جابر بالبركة فأوفى غرماءه وفضل ثلاثة عشر وسقا واستسقى عليه السلام فمطروا أسبوعا ثم استصحى لهم


(1) الانثى من أولاد المعز. (*)

[ 360 ]

؟ ؟ ؟ السحابة، ودعا على عتيبة بن أبى لهب فأكله الاسد بالزرقاء من الشام وشهدت له الشجر بالرسالة في خبر الاعرابي الذى دعاه إلى الاسلام فقال هل من شاهد على ما تقول فقال نعم هذه السمرة (1) ثم دعاها فأقبلت فاستشهدها فشهدت أنه كما قال ثلاثا ثم رجعت إلى منبتها وأمر شجرتين فاجتمعتا ثم افترقتا وأمر أنسا أن ينطلق إلى نخلات فيقول لهن أمركن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجتمعن فاجتمعن فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أما كنهن فعدن ونام فجاءت شجرة تشق الارض حتى قامت عليه فلما استيقظ ذكرت له فقال هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم على فأذن لها وسلم عليه الحجر والشجر ليالى بعث: السلام عليك يا رسول الله وقال انى لا عرف حجرا كان بمكة يسلم على قبل أن أبعث إنى لاعرفه الآن وحن إليه الجذع وسبح الحصى في كفه وسبح الطعام بين أصابعه وأعلمته الشاة بسمها وشكا إليه البعير قلة العلف وكثرة العمل وسألته الضبية أن يخلصها من الحبل لترضع ولديها وتعود فخلصها فعادت وتلفظت بالشهادتين وأخبر عن مصارع المشركين يوم بدر فلم يعد واحد منهم مصرعه وأخبر أن طائفة من أمته يغزون في البحر وأن أم حرام بنت ملحان منهم فكان كذلك وقال لعثمان بن عفان تصيبه بلوى شديدة فأصابته وقتل وقال للانصار إنكم ستلقون بعدى أثرة فكانت زمن معاوية وقال في الحسن إلى ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فصالح معاوية وحقن دماء الفئتين من المسلمين وأخبر بقتل الاسود العنسى الكذاب وهو بصنعاء ليلة قتله وبمن قتله وقال لثابت بن قيس تعيش حميدا وتقتل شهيدا فقتل يوم اليمامة وارتد رجل ولحق بالمشركين فبلغه انه مات فقال ان الارض لا تقبله فكان كذلك


(1) نوع من الشجر. وفى نسخة " الشجرة ". (*)

[ 361 ]

وقال لرجل يأكل بشماله كل بيمينك فقال لا أستطيع فقال له لا استطعت فلم يطلق أن يرفعها إلى فيه بعد. ودخل مكة عام الفتح والاصنام حول الكعبة معلقة وبيده قضيب فجعل يشير به إليها ويقول جاء الحق وزهق الباطل وهى تتساقط. وقصة مازن بن الغضوبة وخبر سواد بن قارب وأمثالها كثير وشهد الصب بنبوته وأطعم ألفا من صاع شعير بالخندق فشبعوا والطعام أكثر مما كان وأطعمهم من تمر يسير أيضا بالخندق وجمع فضل الازواد على النطع فدعا لها بالبركة ثم قسمها في العسكر فقامت بهم وأتاه أبو هريرة بتمرات قد صفهن في يده وقال أدع لى فيهن بالبركة ففعل قال أبو هريرة فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله وكنا تأكل منه ونطعم حتى انقطع في زمن عثمان ودعا أهل الصفة لقصعة ثريد قال أبو هريرة فجعلت أتطاول ليدعوني حتى قام القوم وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار لقمة فوضعها على أصابعه وقال لى كل بسم الله فوالذي نفسي بيده مازلت آكل منها حتى شبعت ونبع الماء من بين أصابعه حتى شرب القوم وتوضؤا وهم ألف وأربعمائة وأتى بقدح فيه ماء فوضع أصابعه في القدح فلم تسع فوضع أربعة منها وقال هلموا فتوضؤا أجمعين وهم من السبعين إلى الثمانين وورد في غزوة تبوك على ماء لا يروى واحدا والقوم عطاش فشكوا إليه فأخذ سهما من كنانته وأمر بغرسه فيه ففار الماء وارتوى القوم وكانوا ثلاثين ألفا وشكا إليه قوم ملوحة في مائهم فجاء في نفر من أصحابه حتى وقف على بئرهم فتفل فيه فتفجر بالماء العذب المعين وأتته إمرأة بصبى لها أقرع فمسح على رأسه فاستوى شعره فذهب داؤه وانكسر سيف عكاشة بن محصن يوم بدرفأ عطاه جذلا من حطب فصار في يده سيفا ولم يزل بعد ذلك عنده وكذلك وقع لعبدالله

[ 362 ]

ابن جحش يوم أحدو عزت كدية (1) بالخندق عن ان ياخذها المعول فضربها فصارت كثيبا أهيل (2) ومسح على رجل ابن عتيك في خبر أبى رافع وقد انكسرت فكأنه لم يشتكها قط. ومعجزاته صلى الله عليه وسلم أكثر من أن يجمعها كتاب أو يحصرها ديوان.


(1) أي صخرة. (2) أي رملا سائلا. (*)

[ 363 ]

[ ذكر اولاده صلى الله عليه وسلم ] روينا عن ابن سعد قال أنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال كان أول من ولد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوة القاسم وبه كان يكنى ثم ولدت له زينب ثم رقية ثم فاطمة ثم أم كلثوم ثم ولد له في الاسلام عبدالله فسمى الطيب الطاهر وأمهم جميعا خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى فكان أول من مات من ولده القاسم. ثم مات عبدالله بمكة فقال العاص بن وائل السهمى قد انقطع ولده فهو أبتر فأنزل الله (إن شانئك هو الابتر) وقيل بل الطيب والطاهر ابنان سواه وقيل كان له الطاهر والمطهر ولدا في بطن وقيل كان له الطيب والمطيب ولدا في بطن أيضا وقيل إنهم كلهم ماتوا قبل النبوة وقال الزبير بن بكار ولدله القاسم ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ثم عبدالله هكذا رأيته بخط شيخنا الحافظ أبى محمد الدمياطي رحمه الله قال وفيه نظر. وأما أبو عمر فحكى عن الزبير غير ذلك قال ولد له القاسم وهو أكبر ولده ثم زينب ثم عبدالله وكان يقال له الطيب ويقال له الطاهر ولد بعد النبوة ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية هكذا الاول فالاول ثم مات القسم بمكة وهو أول ميت مات من ولده ثم عبدالله مات أيضا بمكة. وقال ابن إسحق ولدت له خديجة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى والطاهر

[ 364 ]

والطيب فهلكوا في الجاهلية. وأما بناتة فكلهن أدركن الاسلام وأسلمن وهاجرن معه. قال أبو عمر وقال على بن عبد العزيز الجرجاني: أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم وهو أكبر ولده ثم زينب. وقال ابن الكلبى زينب ثم القاسم ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ثم عبدالله وكان يقال له الطيب والطاهر. قال وهذا هو الصحيح وغيره تخليط وكانت سلمى مولاة صفية بنت عبدالمطلب تقبل خديجة في أولادها وكانت تعق عن كل غلام بشاتين وعن الجارية بشاة. وكان بين كل ولدين لها سنة وكانت تسترضع لهم وتعد ذلك قبل ولادها. فأما زينب فتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس بن عبد مناف أمه ؟ ؟ ؟ بنت خويلد فولدت له عليا أردفه النبي صلى الله عليه وسلم وراءه يوم الفتح. ومات مراهقا وأمامة تزوجها على بعد خالتها فاطمة زوجها منه الزبير بن العوام، وكان أبوها أبو العاص أوصى بها إلى الزبير فلما قتل على رضى الله عنه وأمت أمامة منه قالت أم الهيثم النخعية أشاب ذؤابتى وأذل ركني * أمامة حين فارقت القرينا تطيف به لحاجتها إليه * فلما استيأست رفعت رنينا ثم تزوجها بعد على المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب فولدت له يحيى ابن المغيرة وهلكت عنده وقد قيل إنها لم تلد لعلى ولا للمغيرة. ولدت زينب سنة ثلاثين من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وماتت سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبها وكان زوجها أبو العاص محبا فيها وهو القائل في بعض أسفاره إلى الشام: ذكرت زينب لما وركت أرما * فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما

[ 365 ]

بنت الامين جزاها الله صالحة * وكل بعل سيثنى بالذى علما وأما رقية فتزوجها عثمان بن عفان فولدت له عبدالله مات بعدها وقد بلغ ست سنين. وتوفيت رقية يوم قدوم زيد بن حارثة بشيرا بقتلى بدر وقيل كان مولدها سنة ثلاث وثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم. وأما أم كلثوم فتزوجها عثمان بعد موت رقية وماتت سنة تسع من الهجرة ولم تلد له. وأما فاطمة فتزوجها على وبنى بها مرجعهم من بدر فولدت له حسنا وحسينا ومحسنا مات صغيرا وأم كلثوم وزينب وماتت فاطمة بعد أبيها بثلاثة أشهر وقيل بستة وقيل بثمانية وكذلك اختلف في مولدها. قال المدائني قبل النبوة بخمس سنين. وقال ابن السراج سمعت عبيدالله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشمي يقول ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر وذكر الزبير أن عبدالله بن حسن بن حسن دخل على هشام بن عبدالملك وعنده الكلبى فقال هشام لعبدالله بن حسن يا أبا محمد كم بلغت فاطمة من السن فقال ثلاثين سنة فقال هشام للكلبى كم بلغت من السن فقال خمسا وثلاثين سنة فقال هشام لعبد الله ابن حسن اسمع الكلبى يقول ما تسمع وقد عنى بهذا الشأن فقال عبدالله ابن حسن يا أمير المؤمنين سلنى عن أمي وسل الكلبى عن أمه وكان على رضى الله عند قد خطب عليها ابنة أبى جهل فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدوالله عند رجل واحد أبدا قال فترك على الخطبة. روينا من طريق مسلم حدثنا أحمد بن حنبل فثنا يعقوب بن ابراهيم فثنا أبى عن الوليد بن كثير قال حدثنى محمد بن عمرو بن حلحلة الدولي أن ابن شهاب حدثه أن على بن الحسين حدثه أنهم حين قدموا المدينة لقيه المسور بن

[ 366 ]

مخرمة فذكر حديثا وفيه أن على بن أبى طالب خطب بنت أبى جهل على فاطمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم وفيه قوله عليه السلام والله لا تجتمع بنت رسول الله " صلى الله عليه وسلم " وبنت عدوالله مكانا واحدا أبدا. قلت كذا وقع في هذا الحديث قوله عن المسور وأنا يومئذ محتلم وهو وهم فان المسور ممن ولد في السنة الثانية من الهجرة بعد مولد ابن الزبير بأربعة أشهر فلم يدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحو الثمانية أعوام ولا يعد من كانت هذه سنه محتملا. وقد روى الاسماعيلي في صحيحه هذا الحديث من هذا الوجه عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار فثنا يحيى بن معين عن يعقوب فذكره بسنده وفيه عن المسور " وأنا يومئذ كالمحتلم " يعنى في ثبته وحفظه ما يسمعه فبينت هذه الرواية الصواب ودار الحمل فيه على من دون يعقوب بين أحمد ومسلم ووجدت الطبراني في معجمه الكبير قد رواه عن عبدالله بن أحمد عن أبيه كرواية مسلم فبرئ مسلم من عهدته أيضا كما برئ يعقوب ومن فوقه وقد رواه البخاري عن سعيد بن محمد الجرمى عن يعقوب كرواية مسلم عن أحمد فهو حديث اختلف فيه على يعقوب جوده يحيى بن معين. ثم ولدت له صلى الله عليه وسلم مارية بنت شمعون القبطية ابراهيم وعق عنه بكبش يوم سابعه وحلق رأسه حلقه أبو هند فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين وأمر بشعره فدفن في الارض وسماه يومئذ فيما قال الزبير والصحيح أنه سماه ليلة مولده وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت إلى زوجها أبى رافع فأخبرته أنها قد ولدت له غلاما فجاء أبو رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشره فوهب له عبدا وكان مولده في ذى الحجة سنة ثمان من الهجرة ومات في ربيع الاول سنة عشر وقد بلغ ستة عشر شهرا. وقد قيل في سنه ووفاته غير ذلك مات في بنى مازن عند ظئره أم بردة خولة بنت المنذر

[ 367 ]

ابن زيد بن لبيد وغسلته وحمل من بيتها على سرير صغير وصلى عليه وكبر أربعا ودفن بالبقيع ورش عليه الماء وقال الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وقال ابن له ظئرا (1) تتم رضاعه في الجنة وقال لو عاش لو ضعت الجزية عن كل قبطى. وقال لو عاش ابراهيم مارق له خال (2).


(1) الطثر المرضعة. (2) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 369 ]

[ ذكر اعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم ] أبو طالب عبد مناف والزبير وعبد الكعبة وأم حكيم وعاتكة وبرة وأروى وأميمة وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم وعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقيق هؤلاء وقد تقدم ذكره وحمزة والمقوم وجحل واسمه المغيرة وصفية وزاد بعضهم العوام وأمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة بنت عم آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس وضرار وأمهما نتلة وقيل نتيلة بنت جناب بن كلب من النمر بن قاسط والحارث وهو أكبر ولد عبدالمطلب وبه كان يكنى وشقيقة قثم وهلك قثم صغيرا وأمهما صفية بنت جندب بن حجير ابن زياب بن حبيب بن سواءة وأبو لهب عبدالعزى وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول من خزاعة والغيداق واسمه مصعب وقيل نوفل ولقب الغيداق لجوده وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك من خزاعة فأعمامه عليه السلام اثنا عشر ومن الناس من يعدهم عشرة فيسقط عبدالكعبة ويقول هو المقوم ويجعل الغيداق وحجلا واحدا ومن الناس من يعدهم تسعة فيسقط قثم. وأما عماته فست لا خلاف في ذلك وكلهن بنات فاطمة المخزومية إلا صفية فهى من هالة الزهرية هذا هو المشهور عند أهل النسب. وقد ذكر أن أروى لفاطمة المخزومية. ولم يسلم من أعمامه عليه السلام إلا حمزة والعباس على الصحيح. وقد

[ 370 ]

حكى إسلام أبى طالب وقد سبق ذكره. وأما العمات فاسلام صفية معروف محقق وفى أروى خلاف. ذكرها العقيلى في الصحابة قال أبو عمر وأبى غيره من ذلك وذكر الواقدي في خبر أنها أسلمت وكذلك اختلف في إسلام عاتكة والمشهور عندهم أن عاتكة لم تسلم هي صاحبة الرؤيا يوم بدر. فأما أبو طالب فولده طالب وعقيل وجعفر وعلى وكان كل من هؤلاء أكبر من الذى يلبه بعشر سنين وأختهم أم هانئ فاختة أسلموا ويقال هند قيل وحمانة بنت أبى طالب أخت ثانية لهم قسم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقا من خيبر وهى أم عبدالله بن أبى سفيان بن الحرث بن عبدالمطلب أسلموا كلهم إلا طالبا. وأما الزبير فولده عبدالله شهد يوم حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم وثبت معه وكان فارسا مشهورا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ابن عمى وحبى ومنهم من يروى أنه كان يقول ابن أمي وحبى قال أبو عمر لا أحفظ له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روت أختاه ضباعة وأم الحكم وكانت سنه يوم توفى النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من ثلاثين سنة وقتل شهيدا بأجنادين في خلافة أبى بكر سنة ثلاث عشرة بعد أن أبلى بها بلاء حسنا. وضباعة وصفية وأم الحكم وأم الزبير بنات الزبير لهن صحبة ولا عقب لعبد الله بن الزبير هذا. وأما حمزة فأسلم قد بما وعز به الاسلام وكفت قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما كانوا ينالون منه خوفا من حمزة رضى الله عنه وعلما منهم أنه سيمنعه وكان عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخاه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة الاسلمية وكان أسن منه بيسير وأم كل منهما ابنة عم لام الآخر شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأحدا وبها مات شهيدا قتله وحشى بن حرب قيل كان يقاتل بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم بسيفين ويقول أنا أسد الله. ذكره الحاكم وروى بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتانى جبريل فأخبرني أن

[ 371 ]

حمزة مكتوب في أهل السموات أسد الله ورسوله. وروى أن حمزة قتل جنبا فغسلته الملائكة وقال صحيح الاسناد. وكان له من الولد يعلى وعمارة وقال مصعب ولد لحمزة خمسة رجال لصلبه وماتوا ولم يعقبوا وقال الزبير ولم يعقب أحد من بنى حمزة إلا يعلى وحده فانه ولد له خمسة رجال لصلبه وماتوا ولم يعقبوا. ومن أولاد حمزة أمامة ويقال أمة الله. وكان الواقدي يقول فيها عمارة قال أبو بكر الخطيب انفرد الواقدي بهذا القول وإنما عمارة ابنه له ابنته وقد تقدم ذكره. وله أيضا ابنة تسمى أم الفضل وابنة تسمى فاطمة ومن الناس من يعدهما واحدة وفاطمة هذه إحدى الفواطم التى قال عليه السلام لعلى وقد بعث الله حلة تشقها خمرا بين الفواطم وهن فاطمة بنت أسد أم على وفاطمة بنت محمد زوجه عليه السلام وفاطمة ابنة حمزة هذه وفاطمة ابنة عتبة. وأما العباس فيكنى أبا الفضل بابنه وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أو ثلاث وكان رئيسا في قريش وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية شهد العقبة مع رسول الله صلى الله على هو سلم ليشترط له على الانصار وشهد بدرا مع المشركين مكرها وفدى يومئذ نفسه، وعقيلا ونوفلا ابني أخويه أبى طالب والحارث وأسلم قبل فتح خيبر وكان يكتم إسلامه إلى يوم فتح مكة فأظهره وقيل أسلم قبل يوم بدر وكان يكتم ذلك وشهد يوم حنين وثبت. وهو القائل: ألا هل أتى عرسي مكرى ومقدمي * بوادي حنين والاسنة تشرع وكيف رددت الخيل وهى مغيرة * بزوراء تعطى في اليدين وتمنع نصرنا رسول الله صفى الحرب سبعة * وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا وثامننا لاقى الحمام بسيفه * بما مسه في الله لا يتوجع وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: العباس أجود قريش كفا وأوصلها. وروى أن

[ 372 ]

العباس لم يمر بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز إجلالا له وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجله واستسقى به عمر عام الرمادة سنة سبع عشرة فسقوا ففى ذلك يقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب: بعمى سقى الله الحجاز وأهله * عشية يستسقى بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب راغبا * فماكر حتى جاء بالديمة المطر وكان من دعاء العباس وهو يستسقى: اللهم أنت الراعى لا تهمل الضالة ولا تدع الكبير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى فأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا فانه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون. وفضائل العباس كثيرة ومناقبه مشهورة توفى سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه عثمان وقيل في وفاته غير ذلك. وولد العباس سبعة لام الفضل لبابة بنت الحارث وسيأتى ذكر نسبها عند ذكر أختها ميمونة في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهم الفضل وعبد الله وعبيدالله ومعبد وقثم وعبد الرحمن وأم حبيبة شقيقتهم وتمام وكثير لام ولد والحارث وأمه من هذيل وعون بن العباس قال أبو عمر لم أقف على اسم أمه قال وكل بنى العباس لهم رواية وللفضل وعبد الله وعبيدالله سماع ورواية. وكان الفضل أكبر هم وتمام أصغرهم وقد روى تمام عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تدخلوا على قلحا (1) استاكوا. وكان الفضل جميلا وعبد الله عالما وعبيدالله سخيا جوادا وكان تمام من أشد الناس بطشا وكان العباس يحمل تماما ويقول:


(1) القلح: صفرة تعلوا لا سنان ووسخ يركبها، وهو حث على استعمال السواك. (*)

[ 373 ]

تموا بتمام فصاروا عشره يا رب فاجعلهم كراما برره واجعل لهم ذكرا وأثم الثمره ويقال ما رؤيت قبور أشد تباعدا بعضها من بعض من قبور بنى العباس ابن عبدالمطلب. استشهد الفضل بأجنادين ومات معبد و عبدالرحمن بافريقية وعبد الله بالطائف وعبيدالله باليمن وقثم بسمرقند وكثير بالينبع وقد يقع في ذلك خلاف ليس هذا موضعه. وأما الحارث وهو أكبر ولد عبدالمطلب وبه كان يكنى: قال الحافظ عبد الغنى المقدسي رحمه الله تعالى لم يدرك الاسلام وأسلم من أولاده أربعة نوفل وربيعة وأبو سفيان وعبد الله فكان نوفل أسن إخوته وأسن من أسلم من بنى هاشم ولم يذكر المغيرة فيهم وقد ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتابه في الصحابة فيكون خامسا لهم غير أنه قال ومنهم من يجعل المغيرة اسم أبى سفيان والصحيح الاول يعنى أنه غيره. وأما أبو لهب فأبوه كناه بذلك لحسن وجهه. قال السهيلي كنى بأبى لهب مقدمة لما يصير إليه من اللهب وكان بعد نزول السورة فيه لا يشك مؤمن أنه من أهل النار بخلاف غيره من الكفار - يعنى الموجودين - فان الاطماع لم تنقطع من إسلامهم. وامرأته أم جميل بنت حرب بن أمية اسمها العوراء فولد أبو لهب عتبة ومعتبا شهدا حنينا وثبتا فيه وأختهما درة لها صحبة وأخوهم عتيبة قتله الاسد بالزرقاء من أرض الشام بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليه وبعضهم يجعل عتبة المكبر عقير الاسد وعتيبة الصحابي والمشهور الاول. وأما ضرار فانه مات أيام أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلم وكان من فتيان قريش جمالا وسخاء. وأما الغيداق فكان أكثر قريش

[ 374 ]

مالا وكان جوادا. وأما المقوم وجحل فولد لهما وانقطع العقب منهما. وأما عبد الكعبة فلم يدرك الاسلام ولم يعقب. وأما قثم فهلك صغيرا كما تقدم. وأما أم حكيم وهى البيضاء فكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف فولدت له عامرا وبنات منهن أروى أم عثمان بن عفان وهى توءمة عبدالله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف في ذلك. وهى التى وضعت جفنة الطيب للمطيبين في حلقهم، وكانت تقول إنى لحصان (1) فما أكلم وصناع (2) فما أعلم. وأما عاتكة فكانت عند أبى أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ولدت له عبدالله له صحبة وزهيرا وقريبة مختلف في صحبتهما وهم إخوة أم سلمة لابيها وهى صاحبة الرؤيا بمكة يوم بدر وقد تقدمت. وأما برة فكانت عند أبى رهم بن عبدالعزى بن أبى قيس بن عبدود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤى فولدت له أبا سبرة له صحبة شهد بدرا والمشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلف عليها عبد الاسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وقيل بل كانت عنده قبل أبى رهم فولدت لعبد الاسد أبا سلمة عبدالله زوج أم سلمة صحابي مشهور توفى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة زوجه. وأما أميمة فكانت عند جحش بن رئاب ابن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة فولدت له عبدالله المجدع في الله بدعائه المقتول يوم أحد شهيدا رضى الله عنه وأبا أحمد الشاعر الاعمى وعبيدالله أسلما أيضا وهاجروا إلى أرض الحبشة ثم تنصر هنالك عبيدالله. وزينب أم المؤمنين وحمنة وكانت عند مصعب بن عمير ثم خلف عليها


(1) أي: عفيفة. (2) يقال امرأة صناع إذا كان لها صنعة تعملها بيديها وتكسب بها. (*)

[ 375 ]

طلحة بن عبيدالله فولدت له محمدا وعمران وكانت تستحاض وكانت ممن خاض في حديث الافك وجلد فيه ان صح أتهم جلد واوتكنى حمنة هذه أم حبيبة عند قوم وعند الاكثرين أم حبيبة غيرها وكانت أم حبيبة تحت عبدالرحمن بن عوف وكانت تستحاض. حديثها في صحيح مسلم وكان شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي رحمه الله يقول هن زينب وحمنة وأم حبيب ويعد ما عدا ذلك وهما وقيده بخطه على صحيح مسلم في الفوائد التى كتبها على نسخته وقد علقت عنه هذه الفوائد. وأما أروى فمختلف في إسلامها كما تقدم. وحكاه أبو عمر عن الواقدي في خبر يسنده أن ابنها طليب بن عمير حملها على ذلك فوافقته وأسلمت وكانت بعد ذلك تعاضد النبي صلى الله عليه وسلم وتحض ابنها على نصرته. وقد رواه الحاكم وزعم أنه على شرط البخاري. وكانت تحت عمير بن وهب بن عبدالدار بن قصى فولدت له طليب بن عمير كان بدريا من فضلاء الصحابة وقتل بأجنادين شهيدا ولا عقب له ثم خلف عليها كلدة بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصى - وهو عند أبى عمر كلدة ابن عبد مناف والصحيح الاول - فولدت له فاطمة. ورأيته في كتاب أبى عمر أروى وليس بشئ. فولدت فاطمة هذه زينب بنت أرطاة بن عبد شر حبيل بن هاشم المذكور آنفا فولدت زينب كيسة بنت الحارث بن كريز بن ربيعة زوج مسيلمة ابن حبيب الكذاب. ثم خلف على كيسة ابن عمها عبدالله بن عامر بن كريز ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعوذه وتفل في فيه فجعل يتسوغ ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام إنه لمسقى فكان له يعالج أرضا إلا ظهر له الماء وهو الذى عمل السقايات بعرفة وشق نهر البصرة، جمع له عثمان بين ولاية البصرة وفارس وهو ابن أربع وعشرين سنة وكان سخيا جوادا وفيه يقول زياد الاعجم: أخ لك لا تراه الدهر إلا * على العلات مبتسما جوادا

[ 376 ]

أخ لك ما مودته بمذق (1) * إذا ما عاد فقر أخيه عادا سألناه الجزيل فما تلكى * وأعطى فوق منيتنا وزادا وأحسن ثم أحسن ثم عدنا * فأحسن ثم عدت له فعادا مرارا ما رجعت إليه إلا * تبسم ضاحكا وثنى الوسادا وأما صفية فأسلمت وهاجرت وكانت عند الحرث بن حرب أخى أبى سفيان بن حرب فولدت له صيفي بن الحارث ثم خلف عليها العوام بن خويل بن أسد بن عبدالعزى بن قصى فولدت له الزبير والسائب صحابيين مشهورين وعبد الكعبة وأم حبيب تزوجها خالد بن جزام فولدت له أم حسين لا عقب لها. توفيت صفية رضى الله عنها سنة عشرين ودفنت بالبقيع ولها ثلاث وسبعون سنة.


(1) أي صافية غير مدخولة. (*)

[ 377 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بهذا الفصل ] سوى ما تقدم جحل بتقديم الجيم على الحاء المهملة. وهو السقاء الضخم قال ابن دريد واسمه مصعب وجحل لقب وغيره يقول اسمه المغيرة كما سبق والجحل نوع من اليعاسيب عن صاحب العين وقال أبو حنيفة كل شئ ضخم فهو جحل ذكره السهيلي وكان الدارقطني يقول هو حجل بتقديم الحاء ويفسر بالخلخال أو القيد. وقثم قد ذكرنا أنه شقيق الحارث وكان ابن قدامة يقول الحارث لا شقيق له والذى رواه ابن سعد يسنده عن ابن الكلبى أن قثم شقيق العباس وضرار. قال ابن سيدة قثم الشئ يقثمه قثما جمعه ويقال قثام أي أقثم مطرد عند سيبويه وموقوف عند أبى العباس وقثم له من العطاء قثما أكثر وقثم اسم رجل مشتق منه. وقثام من أسماء الضبع وقثم الذكر من الضباع وكلاهما معدول عن فاعل وفاعلة وقد تكرر هذا الاسم لابن عبد المطلب ولا بن عباس. وكان قثم بن العباس واليا لعلى على مكة أردفه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له واستشهد بسمرقند. قال ابن عبد البر وقال الزبير في الشعر الذى أوله: هذا الذى تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم انه قاله بعض شعراء المدينة في قثم بن العباس، وزاد الزبير في الشعر بيتين أو ثلاثة منها قوله: كم صارخ بك مكروب وصارخة * يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم

[ 378 ]

قال ولا يصح في قثم بن العباس وذلك شعر آخر على عروضه وقافيته. وما قاله الزبير فغير صحيح ثم قال أبو عمر وفى قثم بن العباس هذا يقول داود بن أسلم: عتقت من حلى ومن رحلتي * ياناق إن بلغتني من فثم إنك إن أدنيت منه غدا * خالفني البؤس ومات العدم في كفه بحر وفى وجهه * بدر وفى العرنين (1) منه شمم أصم عن قيل الخنا سمعه * وما عن الخير به من صمم لم يدر ما " لا " وبلى قد درى * فعافها واعتاض منها " نعم " كذا قال أبو عمر وإنما الشعر في قثم بن العباس بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب كان واليا على اليمامة لابي جعفر المنصور وكان داود بن أسلم من شعراء الدولة العباسية فأين هو من ذلك الزمان. وتقدم ذكر أبى سفيان بن الحرث وكان عليه السلام يقول أبو سفيان خير أهلى أو من خير أهلى وفيه كان يقول عليه السلام كل الصيد في جوف الفرا. وقيل في أبى سفيان بن حرب وكان أبو سفيان بن الحارث أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وابن عمه وكان فارسا مشهورا وشاعرا مطبوعا أنشد له أبو عمر: لقد علمت قريش غير فخر * بأنا نحن أجودهم حصانا وأكثر هم دروعا سابغات * وأمضاهم إذا طعنوا سنانا وأدفعهم لدى الضراء عنهم * وأبينهم إذا نطقوا لسانا


(1) أي الانف. والشمم ارتفاع في قصبة الانف مع استواء أعلاه. (*)

[ 379 ]

قال أبو عمرو كان أحد الخمسة المشبهين بالنبي صلى الله عليه وسلم وهم جعفر بن أبى طالب والحسن بن على وقثم بن العباس وأبو سفيان بن الحارث والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. ولم يزد على ذلك وإلى السائب هذا ينسب الامام الشافعي قال المؤلف فقلت في ذلك شعرا: بخمسة شبه المختار من مضر * يا حسن ماخولوا من شبهه الحسن بجعفر وابن عم المصطفى قثم * وسائب وأبى سفيان والحسن قلت وممن كان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم أيضا عبدالله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرا فقال هذا شبهنا. وروى أنه عليه السلام قال إذا رآه يا بنى عبد شمس هذا أشبه بنا منه بكم. وأبو لهب اسمه لبنى كذا هو عند الجماعة وفسره السهيلي بشئ يتميع من بعض الشجر عن أبى حنيفة قال ويقال لبعضه الميعة. والذى ذكره أبو عمر في اسم أمه لبى على وزن فعلى من اللب على قياس قول ابن دريد في حبى من الحب وقال السهيلي بنت هاجر بكسر الجيم. (1)


(1) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 381 ]

[ ذكر أزواجه وسراريه ] سلام الله عليه وعليهن روى عبدالملك بن محمد النيسابوري بسنده عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تزوجت شيئا من نسائى ولا زوجت شيئا من بناتى إلا بوحى جاءني به جبريل عن ربى عزوجل. فأول من تزوج صلى الله عليه وسلم خديجة وقد تقدم ذكرها. ثم سودة بنت زمعة بن قيس ابن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى بعد خديجة على الصحيح ومن الناس من يقول تزوج عائشة قبلها، وأصدق النبي صلى الله عليه وسلم سودة أربعمائة. وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر ابن غنم بن عدى بن النجار بنت أخى سلمى بنت عمرو بن زيد أم عبدالمطلب وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبدشمس بن عبدود أخى سهل وسهيل وسليط وحاطب ولكلهم صحبة، وهاجر بها السكران إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها فلما حلت تزوجها عليه السلام في السنة العاشرة من النبوة وقيل في الثامنة وماتت بعده بالمدينة في آخر خلافة عمر بن الخطاب هذا هو المشهور في وفاتها وابن سعد يقول عن الواقدي توفيت سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية وكانت قد كبرت عنده فأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة فأمسكها وقيل بل طلقها وراجعها والصحيح الاول قال الدمياطي وقال أبو عمر أسلت عند

[ 382 ]

النبي صلى الله عليه وسلم فهم بطلاقها فقالت لا تطلقني وأنت في حل من شأني فانما أريد أن أحشر في أزواجك وانى قد وهبت يومى لعائشة وانى لا أريد ما تريد النساء فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفى عنها. ثم عائشة بنت أبى بكر الصديق أم عبدالله اكتنت بابن أختها عبدالله بن الزبير باذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بذلك وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر وقيل بنت عمير بن عامر من بنى دهمان بن الحارث. كانت تسمى لجبير بن مطعم فسلها أبو بكر منهم وزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. روى أبو معاوية عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت سبع سنين وبنى بى وأنا بنت تسع وقبض عنى وأنا بنت ثمان عشرة. رويناه من طريق النسائي عن أبى كريب وأحمد بن حرب عن أبى معاوية. وتزوجها عليه السلام بمكة في شوال سنة عشر من النبوة. فلما هاجر إلى المدينة بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة يأتيان بعياله سودة وأم كلثوم وفاطمة وأم أيمن وابنها أسامة وخرج معهم عبدالله بن أبى بكر بعيال أبى بكر أم رومان وعائشة وأسماء فقدموا المدينة فأنزلهم في بيت لحارثة بن النعمان ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يبنى مسجده فلما فرغ من بنائه بنى بيتا لعائشة وبيتا لسودة وأعرس بعائشة في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره وقيل سبعة أشهر وقيل ثمانية عشر. وكان مقامه في بيت أبى أيوب إلى أن تحول إلى مساكنه سبعة أشهر وقبض عنها وهى بنت ثمان عشرة ومكثت عنده تسع سنين وخمسة أشهر ولم يتزوج بكرا غيرها يقال انها أتت من النبي صلى الله عليه وسلم بسقط ولا يثبت وكانت فضائلها جمة ومناقبها كثيرة قال عليه السلام فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام

[ 383 ]

وقيل له أي النساء (1) أحب اليك قال عائشة قيل فمن الرجال قال أبوها. ونزلت براءتها في القرآن وقبض عليه السلام ورأسه في حجرها ودفن في بيتها وقال أبو الضحى عن مسروق ورأيت مشيخة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الاكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبى رباح كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال هشام بن عروة عن أبيه ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وقال الزهري لو جمع علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وفيها يقول حسان يمدحها ويعتذر إليها: حصان رزان (2) ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (3) عقيله (4) أصل من لؤى بن غالب * كرام المساعى مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها * وطهرها من كل بغى وباطل فان كان ما قد قيل عنى قلته * فلا رفعت سوطي إلى أناملي وكيف وودى ما حييت ونصرتي * لآل رسول الله زين المحافل توفيت سنة ست وقيل سنة سبع وقيل سنة ثمان وخمسين وصلى عليها أبو هريرة ودفنت بالبقيع ليلا. ونزل في قبرها القاسم بن محمد وابن عمه عبدالله بن


(1) في نسخة " أي الناس " وهو غلط. (2) أي: عفيفة رزينة. (3) الغرث الجوع وهو إستعارة عن كفها عن الغيبة. (4) أي: كريمة. بكسر الخاء أي طبيعتها وسجيتها. (*)

[ 384 ]

عبدالرحمن وعبد الله بن أبى عتيق وعبد الله وعروة ابنا الزبير وقد قاربت سبعا وسنين سنة ومولدها سنة أربع من النبوة. تم حفصة بنت عمر بن الخطاب وأمها قدامة بنت مظعون وهى شقيقة عبدالله ابن عمر وأسن منه. مولدها قبل النبوة بخمس سنين كانت تحت خنيس بن حذافة السهمى فتوفى عنها من جراحات أصابته ببدر وقيل بأحد والاول أشهر. فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من مهاجره على القول الاول أو بعد أحد على الثاني. وكان عمر قد عرضها على أبى بكر قبل أن يتزوجها عليه السلام فلم يرجع إليه أبو بكر كلمة فغضب من ذلك ثم عرضها على عثمان حين ماتت رقية فقال ما أريد أن أتزوج اليوم فانطلق عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه عثمان وأخبره بعرض حفصة عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تتزوج حفصة خيرا من عثمان ويتزوج عثمان خيرا من حفصة ثم تزوج عليه السلام حفصة وزوج ابنته أم كلثوم عثمان وطلق عليه السلام حفصة تطليقة ثم راجعها وذلك أن جبريل نزل عليه فقال له راجع حفصة فانها صوامة قوامة وانها زوجتك في الجنة ومن حديث عقبة بن عامر قال طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فبلغ ذلك عمر فحثا (1) على رأسه التراب وقال ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم من الغد وقال إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر ثم أراد أن يطلقها ثانية فقال له جبريل لا تطلقها فانها صوامة قوامة الحديث. توفيت في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة وحمل سريرها بعض الطريق ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها


(1) أي: رمى. (*)

[ 385 ]

ونزل في قبرها عبدالله وعاصم ابنا عمر وسالم وعبد الله وحمزة بنو عبدالله بن عمر وقد بلغت ثلاثا وستين سنة وقيل ماتت سنة إحدى وأربعين وأوصت إلى عبدالله أخيها بما أوصى إليها عمر وبصدقة تصدقت بها بمال وقفته بالغابة. ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبدالله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان كانت تدعى أم المساكين لرأفتها بهم كانت عند الطفيل ابن الحارث فطلقها فتزوجها أخوه عبيدة فقتل يوم بدر شهيدا كما سبق فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة ومكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت في آخر شهر ربيع الآخر على رأس تسعة وثلاثين شهرا من الهجرة وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنها بالبقيع وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها. ولم يمت من أزواجه في حياته إلا هي وخديجة وفى ريحانة خلاف وقال أبو عمر كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند عبدالله بن جحش حكاه عن ابن شهاب قال وقتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث ولم تلبث عنده إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة. وحكى عن على بن عبد العزيز الجرجاني انها كانت أخت ميمونة لامها قال ولم أر ذلك لغيره ولما خطبها عليه السلام جعلت أمرها إليه فتزوجها واشهدوا صداقها اثنتى عشرة أو قية ونشا (1) وأرادت أن تعتق جارية لها سوداء فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تفدين بها بنى أخيك أو أختك من رعاية الغنم. ثم أم سلمة واسمها هند بنت أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم


(1) بفتح النون وتشديد الشين وهو عشرون درهما. (*)

[ 386 ]

وكانت قبله عند أبى سلمة عبدالله بن عبد الاسد وهما أول من هاجر إلى أرض الحبشة ولدت له برة سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب وسلمة وعمر ودرة شهد أبو سلمة بدرا وأحدا ورمى بها بسهم في عضده فمكث شهرا يداويه ثم برأ الجرح وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والانصار إلى قطن وهو جبل بناحية فيد فغاب تسعا وعشرين ليلة ثم رجع إلى المدينة فانتفض جرحه فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع فاعتدت أم سلمة وحلت لعشر بقين من شوال سنة أربع فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من وشوال المذكور وأبو عمر يقول تزوجها في شوال سنة اثنتين وليس بشئ لانه قال في وفاة أبى سلمة انها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وهو لم يتزوجها إلا بعد انقضاء عدتها من أبى سلمة بالوفاة وقال لها إن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي وإن شئت ثلثت ودرت فقالت بل ثلث. وخطبها عليه السلام فقالت انى سنة وذات أيتام وشديدة الغيرة فقال أنا أسن منك وعيالك عيال الله ورسوله وأدعو الله لك فيذهب عنك الغيرة فدعا لها فكان كذلك. توفيت في خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين على الصحيح. وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة بن فراس وقد قيل في اسم أم سلمة رملة وليس بشئ. ثم زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم ابن دودان بن أسد بن خزيمة وكان اسمها يرة فسماها زينب. أمها أميمة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت قبله عند زيد بن حارثة مولاه ثم طلقها فلما حلت زوجه الله إياها من السماء سنة أربع وقيل سنة ثلاث وقيل سنة خمس وهى يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة وأولم عليها وأطعم المسلمين خبزا ولحما وفيها نزل الحجاب

[ 387 ]

وهى التى قال الله في حقها (فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها) ولما تزوجها تكلم في ذلك المنافقون وقالوا حرم محمد نساء الولد وقد تزوج إمرأة ابنه فأنزل الله عزوجل (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) الآية وقال (أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) فدعى زيد بن حارثة وكان يدعى زيد بن محمد وكانت تفخر على نسائه عليه السلام تقول آباؤكن أنكحو كن وان الله تعالى أنكحني إياه من فوق سبع سموات وغضب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولها لصفية بنت حيى تلك اليهودية فهجرها لذلك ذا الحجة والمحرم وبعض صفر ثم أتاها وكانت كثيرة الصدقة والايثار وهى أول نسائه لحوقا به توفيت سنة عشرين أو إحدى وعشرين وكانت عائشة تقول هي التى تسامينى في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رأيت إمرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة. وقال عليه السلام لعمر بن الخطاب في حقها إنها لاواهة قال رجل أي رسول الله وما الاواه قال الخاشع المتضرع وان ابراهيم لحليم أواه منيب. ثم جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة وهو المصطلق بن سعيد بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء سباها يوم المريسيع في غزوة بنى المصطلق. وقد تقدم ذكرها وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس كاتبها على تسع أواقى فأدى عليه السلام عنها كتابتها وتزوجها وقال الشعبى كانت جويرية من ملك اليمين فأعتقها عليه السلام وتزوجها وقال الحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم على جويرية وتزوجها وقيل جاء أبوها فافتداها ثم أنكحها رسول الله بعد ذلك. وكان اسمها برة فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية. وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 388 ]

عند مسافع بن صفوان المصطلقى. وكانت جميلة قالت عائشة كانت جويرية عليها ملاحة وحلاوة لا يكاد يراها أحد إلا وقعت بنفسه وعند ما تزوجها عليه السلام قال الناس صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم من سبايا بنى المصطلق قالت عائشة فلم نعلم إمرأة كانت أكثر بركة على قومها منها. توفيت بالمدينة في شهر ربيع الاول سنة ست وخمسين وصلى عليها مروان بن الحكم وهو أمير المدينة وقد بلغت سبعين سنة لانه تزوجها وهى بنت عشرين سنة. وقيل توفيت سنة خمسين وهى بنت خمس وستين سنة ولابيها الحارث بن أبى ضرار صحبة وكان قد قدم في فداء ابنته جويرية بأباعر فاستحسن منها بعيرين فغيبهما بالعقيق في شعب ولم يعترف بهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم عنهما فقال والله لم يطلع على ذلك أحد أشهد أنك رسول الله وأسلم. ذكره ابن إسحق والواقدى. ثم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة بن شمعون بن زيد من بنى النضير وبعضهم يقول من بنى قريظة وكانت متزوجة فيهم رجلا يقال له الحكم وكانت جميلة وسيمة وقعت في سبى بنى قريظة فكانت صفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها بين الاسلام ودينها فاختارت الاسلام فأعتقها وتزوجها وأصدقها إثنتى عشرة أوقية ونشاوأعرس بها في المحرم سنة ست في بيت سلمى بنت قيس النجارية بعد أن حاضت حيضة وضرب عليها الحجاب فغارت عليه غيره شديدة فطلقها تطليقة فأكثرت البكاء فدخل عليها وهى على تلك الحال فراجعها. ولم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع سنة عشر. وقيل كانت موطوءة له بملك اليمين والاول أثبت عند الواقدي وأما أبو عمر فقال ريحانة سرية النبي صلى الله عليه وسلم. لم يزد على ذلك ووالدها شمعون يأتي ذكره في موالى النبي صلى الله عليه وسلم.

[ 389 ]

؟ ؟ ؟ أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف الاموية. أمها صفية بنت أبى العاص بن أمية عمة عثمان بن عفان هاجرت مع زوجها عبيدالله بن جحش إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فولدت له حبيبة وبها كانت تكنى وتنصر عبيدالله هناك وثبتت هي على الاسلام وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي فزوجه إياها والذى عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص وأصدقها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار على خلاف محكى في الصداق والعاقد من كان وبعثها مع شر حبيل بن حسنة وجهزها من عنده كل ذلك في سنة سبع. وقد قيل في اسمها هند وزوجها من النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان وكان الصداق مائتي دينار وقيل أربعة آلاف درهم وقد عقد عليها النجاشي وكان قد أسلم وقيل إنما تزوجها عليه السلام بالمدينة مرجعها من الحبشة والاول أثبت في ذلك كله وكان أبو سفيان في حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له إن محمدا قد نكح ابنتك فقال هو الفحل لايقدع أنفه وكان أبو عبيدة يقول تزوجها عليه السلام سنة ست وليس بشئ وقد وقع في الصحيح (1) قول أبى سفيان يوم الفتح للنبى صلى الله عليه وسلم أسألك ثلاثا فذكر منهن أن تتزوج يا رسول الله أم حيبية يعنى ابنته فأجابه عليه السلام لما سأل. وهذا مخالف لما اتفق عليه أرباب السير والعلم بالخبر وقد أجاب عنه الحافظ المنذرى جوابا يتساوك (2) هزلا فقال يكون أبو سفيان ظن أن بما حصل له من الاسلام تجددت له عليها ولاية فأراد تجديد العقد يوم ذلك لا غير. توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين وبعد موتها إستلحق معاوية زيادا


(1) أي صحيح مسلم. قال العزبن جماعة في سيرته: وقد عد هذا من أوهام مسلم. (2) التساوك: السير الضعيف. (*)

[ 390 ]

وقال قبله والاول أشبه تحرجا من دخوله عليها وكان الذى جسره على إستلحاقه إياه الابيات التى لابي سفيان يخاطب بها عليا: أما والله لولا خوف واش * يرانى يا على من الاعادي لاظهر أمره (1) صخر بن حرب * وإن تكن (2) المقالة عن زياد فقد طالت مجاملتي ثقيفا * وتركي فيهم ثم الفؤاد (3) ثم صفية بنت حيى بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج ابن أبى حبيب بن النضير بن النحام بن ينحوم من بنى إسرائيل من سبط هارون ابن عمران عليه السلام كان أبوها سيد بنى النضير فقتل مع بنى قريظة. وأمها برة بنت شموال أخت رفاعة بن شموال القرظى وكانت عند سلام بن مشكم. ثم خلف عليها كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق الشاعر النضرى فقتل عنها يوم خيبر ولم تلد لاحد منهما شيئا فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها. وبعض العلماء يعد ذلك من خصائصه عليه السلام. وكانت جميلة لم تبلغ سبع عشرة سنة. روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم إشترى صفية بنت حيى بسبعة أرؤس وخالفه عبد العزيز بن صهيب وغيره عن أنس فقالوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع سبى خيبر جاءه دحية الكلبى فقال أعطني جارية من السبى فقال إذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيى فقيل يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير وإنها لا تصلح إلا لك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم


(1) في النسخة الظاهرية " شره ". (2) في نسخة " ولم يكن ". (3) في هامش الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 391 ]

خذ جارية من السبى غيرها. وقال ابن شهاب كانت مما أفاء الله عليه فحجبها وأولم عليها بتمر وسويق وقسم لها ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على صفية وهى تبكى فقال لها ما يبكيك قالت بلغني أن عائشة وحفصة تنالان منى ويقولان نحن خير من صفية نحن بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه قال أفلا قلت لهن كيف تكن خيرا منى وأبى هرون وعمى موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة قال أبو عمر روينا أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقالت ان صفية تحب السبت وتصل اليهود فبعث إليها عمر فأسلها فقالت أما السبت فانى لم أحبه منذ أبدلني الله به يوم الجمعة وأما اليهود فان لى فيهم رحما فأنا أصلها ثم قالت للجارية ماخملك على ما صنعت قالت الشيطان قالت إذهبي فأنت حرة وكانت صفية قدرأت قبل ذلك أن قمرا وقع في حجرها فذكرت ذلك لابيها فضرب وجهها ضربة أثرت فيه وقال إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب فلم يزل الاثر بها حتى أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فأخبرته الخبر. وماتت صفية سنة خمسين في رمضان وقيل سنة اثنتين وخمسين. ودفنت بالبقيع وورثت مائة ألف درهم بقيمة أرض وعرض وأوصت لا بن أختها بالثلث بوكان يهوديا. ثم ميمونة بنت الحرث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبدالله بن هلال بن عامر بن صعصعة وكان إسمها برة فسماها ميمونة زوجه إياها العباس عمه وكانت خالة ابن عباس وهى أخت لبابة الكبرى أم بنى العباس ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد وعصماء وعزة وأم حفيد هزيلة لاب وأم وأخواتهن لامهن أسماء وسلمى وسلامة بنات عميس. وزاد بعضهم زينب بنت خزيمة وأمهن هند بنت عوف ابن زهير بن الحارث بن حماطة الحميرية وكانت ميمونة في الجاهلية عند مسعود ابن عمرو بن عمير الثقفى ففارقها وخلف عليها أبورهم بن عبدالعزى بن أبى قيس

[ 392 ]

ابن عبدود بن نصربن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى فتوفى عنها فنزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة سبع وفيها اعتمر عمرة القضية في ذى القعدة وقد اختلف الرواية هل تزوجها عليه السلام وهو محرم أو وهو حلال فلما قدم مكة أقام بها عليه السلام ثلاثا فجاءه سهيل بن عمرو في نفر من أصحابه من أهل مكة فقال يا محمد أخرج عنا اليوم آخر شرطك فقال دعوني ابنتى بامرأتي وأصنع لكم طعاما فقال لا حاجة لنابك ولا بطعامك أخرج عنا فقال سعد يا عاض بظر أمه أرضك وأرض أمك دونه لا يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يشاء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهم فانهم زارونا لا نؤذيهم فخرج فبنى بها بسرف حيث تزوج بها وهنالك ماتت في حياة عائشة سنة إحدى وخمسين وقد بلغت ثمانين سنة وقد قيل في وفاتها غير ذلك وهى آخر من تزوج عليه السلام وقال ابن شهاب هي التى وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم. وقال السهيلي لما جاءها الخاطب وكانت على بعير رمت بنفسها من على البعير وقالت البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء نساؤه المدخول بهن اثنتا عشرة امرأة منهن ريحانة وقد ذكرنا الخلاف فيها ومات عليه السلام عن تسع منهن. قال الحافظ أبو محمد الدمياطي وأما من لم يدخل بها ومن وهبت نفسها له ومن خطبها ولم يتفق تزويجها فثلاثون امرأة على اختلاف في بعضهن والله اعلم. قال المؤلف ولنذكر من تيسر لنا ذكره منهن فمنهن أسماء بنت الصلت السلمية وأسماء بنت النعمان بن الجون بن شراحيل. وقيل بنت النعمان بن الاسود بن حارثة ابن شراحيل من كندة. وأسماء بنت كعب الجونية ذكرها ابن إسحق من رواية

[ 393 ]

يونس بن بكير عنه ولا أراها والتى قبلها إلا واحدة. وجمرة بنت الحارث الغطفانى خطبها عليه السلام لابيها فقال إن بها سوءا ولم يكن فرجع فوجدها قد برصت. وأميمة بنت شراحيل لها ذكر في صحيح البخاري. وحبيبة بنت سهل الانصارية التى اختلعت من ثابت بن قيس كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتزوجها ثم تركها فتزوجها ثابت قاله ابن الاثير. وخولة بنت الهذيل بن هبيرة بن قبيصة ابن الحارث بن حبيب التغلبية ذكرها أبو عمر عن الجرجاني. وخولة أو خويلة بنت حكيم السلمية كانت امرأة صالحة فاضلة تكنى أم شريك قيل هي التى وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم وقد يكونا اثنتين فالله أعلم. وسنا بنت الصلت وهى عند أبى عمر بنت أسماء بنت الصلت وقيل أسماء أخ لها وقيل تزوجها ثم طلقها وقيل ماتت قبل أن تصل إليه وقيل لما علمت أنه تزوجها عليه السلام ماتت من الفرح. وسودة القرشية كانت مصبية خطبها عليه السلام فاعتذرت ببنيها وكانوا خمسة أو ستة فقال لها خيرا. وشراف بنت خليفة أخت دحية الكلبى تزوجها فهلكت قبل دخوله بها. وصفية بنت بشامة بن نضلة أخت الاعور بن بشامة أصابها سباء فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن شئت أنا وإن شئت زوجك قالت زوجي فأرسلها إليه فلعنتها بنو تميم. والعالية بنت ظبيان بن عمر ابن عوف بن عبد بن أبى بكر بن كلاب تزوجها عليه السلام وكانت عنده ما شاء الله ثم طلقها قاله أبو عمر وقال قل من ذكرها. وعمرة بنت يزيد بن الجون الكلابية تزوجها فبلغه أن بها برصا فطلقها ولم يدخل بها وقيل هي التى تعوذت منه فقال لها لقد عذت فطلقها وأمر أسامة فمتعها بثلاثة أثواب. وعمرة بنت معاوية الكندية ذكرها ابن الاثير. وأم شريك العامرية قال ابن عبد البر إسمها غزية بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رفاعة بن حجر ويقال حجير بن عبد

[ 394 ]

ابن معيص بن عامر بن لؤى يقال هي التى وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قيل ذلك في جماعة سواها. أم شريك بنت جابر الغفارية ذكرها أحمد بن صالح في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فاخته بنت أبى طالب بن عبدالمطلب خطيها عليه السلام لابيها عمه أبى طالب وخطبها هبيرة بن أبى وهب فزوجها أبو طالب من هبيرة. فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي تزوجها وخيرها حين نزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها فكانت بعد ذلك تلفظ البعر وتقول أنا الشقية إخترت الدنيا. حكاه أبو عمر ورده وقيل التى تقول أنا الشقية هي المستعيذة منه وقيل غير ذلك. فاطمة بنت شريح قال ابن الامين ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قتيلة بنت قيس بن معدى كرب أخت الاشعث تزوجها قبل موته بيسير ولم تكن قدمت عليه ولارآها قيل وأوصى أن تخير فان شاءت ضرب عليها الحجاب وحرمت على المؤمنين وإن شاءت طلقت ونكحت من شاءت فاختارت النكاح فتزوجها بعد عكرمة بن أبى جهل. وليلى بنت الخطيم أخت قيس الانصارية عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فتزوجها ثم رجعت فقالت أقلنى فقال قد فعلت. ملكية بنت داود ذكرها ابن حبيب. مليكة بنت كعب الليثى تزوجها وقيل دخل بها وقيل لم يدخل بها. هند بنت يزيد بن البرصاء من بنى أبى بكر بن كلاب. ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد ابن صالح هي عمرة بنت يزيد قال أبو عمر فيه نظر لان الاضطراب فيه كثير جدا. وأما سراريه فكن أربعة مارية بنت شمعون القبطية أم ولده ابراهيم وكانت من جفنى من كورة أنصنا من صعيد مصر أهداها إليه المقوقس ومعها ؟ ؟ ؟ سيرين وألف مثقال وعشرون ثوبا من قباطى مصر والبغلة الشهباء دلدل وحمار أشهب

[ 395 ]

يقال له يعفور أو عفير وخصى يسمى ما بور وقيل إنه ابن عمها ومن عسل بنها (1) فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم العسل ودعا في عسل بنها بالبركة فولدت له عليه السلام مارية ابراهيم. وقد تقدم ذكره. وريحانة بنت يزيد النضرية وقد سبق ذكرها. وقال أبو عبيدة كان له أربع مارية وريحانة وأخرى جميلة أصلبها في السبى وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. وقال قتادة كان للنبى صلى الله عليه وسلم وليدتان مارية وريحانة وبعضهم يقول ربيحة القرظية. [ ذكر خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ] أنس بن مالك الانصاري وهند وأسماء ابنا حارثة الاسلميان. وربيعة بن كعب الاسلمي. وكان عبدالله بن مسعود صاحب نعليه كان إذا قام ألبسه إياهما وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم. وكان عقبة بن عامر الجهنى صاحب بغلته يقود به في الاسفار. وأسلع بن شريك صاحب راحلته. وبلال بن رباح المؤذن. وسعد مولى أبى بكر الصديق. وأبو الخمراء قيل اسمه هلال بن الحارث وقيل هلال بن ظفر حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمر ببيت على وفاطمة فيقول: (السلام عليكم أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وذو مخمر ابن أخى النجاشي ويقال ابن أخته ويقال ذو مخبر. وبكير بن شداخ الليثى. ويقال بكر وأبو ذر الغفاري ورزينة إمرأة حديثها عن النبي صلى الله عليه


(1) قرية في مصر على النيل. (*)

[ 396 ]

وسلم في فضل يوم عاشوراء عند أهل البصرة. وأربد كذا وجدته فيهم غير منسوب و ؟ ؟ ؟ ذكر ابراهيم بن سعد عن ابن إسحق فيمن هاجر إلى المدينة أربد بن حمير فلا أدرى أهوهو أم لا والاسود بن مالك الاسدي اليماني وأخوه الحدرجان بن مالك وجزء بن الحدرجان ذكرهم ابن مندة وثعلبة بن عبدالرحمن الانصاري له حديث حسن طويل من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر قال كان فتى من الانصار يحف برسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثه أنه مر بباب رجل من الانصار فاطلع فيه فوجد إمرأة الانصاري تغتسل فكرر النظر، وذكر باقى الحديث بطوله في سبب توبته. ذكره أبو محمد الرشاطى وقال أغفله أبوعمرولم ينبه عليه ابن فتحون وقد رأيت عن أبى حاتم البستى قال في ثعلبة هذا مات خوفا من الله في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إشارة إلى هذا الحديث. وسالم خادمه عليه السلام وبعضهم يقول مولاه ومنهم من يقول أبو سلمى راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر بعضهم سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل هو سالم المذكور. وسابق ذكره أبو عمر وقال وقد روى عنه حديث واحد من حديث الكوفيين اختلف فيه على شعبة ومسعر والصحيح فيه عنهما ما رواه هشيم وغيره عن أبى سفيان عن سابق بن ناجية عن أبى سلام خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ولا يصح سابق في الصحابة والله أعلم. والحديث الذى أشار إليه عن أبى سلام خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد يقول حين يمسى وحين يصبح ثلاث مرات رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا إلا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة قال أبو عمر ومن قال في أبى سلام هذا أبو سلامة فقد أخطأ. هو أبو سلام الهاشمي ذكره في الصحابة وفى خدم النبي صلى الله عليه وسلم خليفة بن خياط. وصفية خدمت النبي

[ 397 ]

صلى الله عليه وسلم روت عنها أمة الله بنت رزينة في الكسوف مرفوعا قاله ابن عبد البر. ومهاجر مولى أم سلمة روى أبو عمر من حديثه قال خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس سنين لم يقل لشئ صنعته لم صنعته ولا لشئ تركته لم تركته. ونعيم بن ربيعة بن كعب ذكر عن ابن مندة. وأبو نعيم وأبو عبيدة قال أبو عمر قيل خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل مولاه لا أقف له على اسم. ومن النساء سوى ما تقدم: أمة الله بنت رزينة وقدم تقدم ذكر أمها. وخولة جدة حفص بن سعيد ذكرها أو عمر وقال لها حديث في تفسير قوله تعالى (والضحى والليل إذا ؟ ؟ ؟ ما ودعك ربك وما قلى). ليس إسناده مما يحتج به. ومارية جدة المثنى ابن صالح لها حديث عند الكوفيين. ومارية أم الرباب لها حديث عند البصريين ذكرهما أبو عمر وذكر حديثيهما، وقال في الثانية لا أدرى أهى التى قبلها أم لا. [ ذكر موالى رسول الله ] صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى وابنه أسامة بن زيد وأخوه لامه أيمن ابن عبيد بن أم أيمن، استشهد أيمن يوم حنين وكان على مطهرة النبي صلى الله عليه وسلم. وأسلم ابن عبيد. وأبو رافع واسمه أسلم وقيل ابراهيم وقيل هرمز وكان للعباس بن عبد المطلب وقيل كان لسعيد بن العاص أبى أحيحة. وأبو رافع أيضا والد البهى بن أبى رافع وقيل كان اسمه رافعا كان لابي أحيحة سعيد بن العاص فمات فورثه بنوه فعتق بعضهم وبعضهم وهب نصيبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الاول عند ابن أبى خيثمة والبخاري ومصعب الزبيري

[ 398 ]

ومنهم من يقول هما اثنان. وأبو أثيلة رأيته بخط شيخنا الحافظ أبى محمد الدمياطي ولم يسمه ولم ألق له ذكرا أكثر من أن أبا عمر قال في الصحابة أبوأثلة قيل اسمه راشد حجازى له صحبة. وكذلك قال أبو أحمد الحاكم وكناه أبا أثيلة مصغرا. وأبو كبشة واسمه سليم شهد بدرا. وأنسة يكنى أبا مشرح. وثوبان ويكنى أبا عبدالله. وشقران واسمه صالح، ورباح أسود كان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسار نوبى، وفضالة وأبو السمح قيل اسمه إياد ضل فلا يدرى أين مات، وأبو مويهبة، ورافع وكان لسعيد بن العاص. وأفلح ومابور ومدعم أسود وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي، وكركرة كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم. وزيد جد بلال بن يسار بن زيد. وعبيد وطهمان وكيسان وذكوان ومروان وواقد وأبو واقد وسندر وهشام وحنين وسعيد وأبو عسيب واسمه أحمر وأبو لبابة وأبو لقيط وسفينة واسمه مهران بن فروخ مولى أم سلمة. وأبو عبيد وسعد وضميرة بن أبى ضميرة جد الحسين بن عبدالله بن ضميرة. وأبو هند وأبو بكرة نفيع وأخوه نافع وأبو كندير سعيد وسلمان الفارسى وسالم وسابق. وقد تقدم في الخدم ذكر شئ من ذلك. وعبيدالله بن أسلم ونبيه وهشام ووردان وأنجشة وكان حاديا وهو الذي قال له: رفقا بالقوارير. وباذام ذكره النووي عن أبى موسى ونقل له حديثا. وحاتم ذكره ابن الاثير عن أبى موسى. وزيد بن بولا ودوس ورفيع وأبو ريحانة شمعون وتقدم ذكر ريحانة هذه. وعبيد بن عبد الغفار وغيلان وقفيز غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره عبدالغنى بن سعيد والدارقطني في المؤتلف والمختلف من طريق أنس بن مالك. وكريب ومحمد بن عبدالرحمن. ومحمد غير منسوب ومكحول وذكر أنه عليه السلام وهبه أخته من الرضاعة الشيماء، ونبيل وهرمز وأبو البشير وأبو صفية وكان يسبح بالنوى. ومن النساء أم أيمن الحبشية واسمها

[ 399 ]

بركة، وسلمى أم رافع، ومارية وريحانة وربيحة. وقد تقدم ذكرهن، وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد وميمونة بنت أبى عسيب، وأم ضميرة وأم عياش وأميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم روى عنها جبير بن نفير قاله أبو عمر وقيسر القبطية أهداها له المقوقس مع مارية وسيرين قيل انه عليه السلام وهبها لابي جهم بن حذيفة وقيل وهبها لجهم بن قيس العبدى وذكر ابن يونس أن زكرياء بن الجهم بن قيس لقيسر أخت مارية هذه وأما سيرين فوهبها لحسان بن ثابت فولده عبدالرحمن منها. وقد ذكرنا في هذا الفصل ميمونة بنت سعد وميمونة بنت أبى عسيب ذكرهما أبو عمر. وذكر معهما ميمونة ثالثة وقال في كل منهن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينسب الثالثة غير انه فرق بينهن بروايتهن. وذكر لكل واحدة حديثا غير الآخر. [ ذكر اسمائه ] عليه الصلاة والسلام قد قدمنا في أول الكتاب حديث الترمذي إن لى أسماء انا محمد وانا أحمد وانا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر وانا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى، وانا العاقب الذى ليس بعد نبى. وقد ذكر في أسمائه الرسول والمرسل النبي الامي الشهيد المصدق النور المعلم البشير المبشر النذير المنذر المبين الامين العبد الداعي السراج المنير الامام الذكر المذكر الهادى المهاجر العامل المبارك الرحمة الآمر الناهي الطيب الكريم المحلل المحرم الواضع الرافع المجير خاتم النبيين ثانى اثنين منصور أذن خير مصطفى مأمون قاسم نقيب المزمل المدثر العلى الحكيم المؤمن الرؤوف الرحيم الصاحب الشفيع المشفع المتوكل نبى التوبة نبى الرحمة نبى الملحمة صلى الله عليه وسلم.

[ 401 ]

[ ذكر كتابه ] عليه أفضل الصلاة والسلام أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعامر بن فهيرة وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص أبى أحيحة. وذكر شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي أيضا أخاهما سعيدا وعبد الله ابن الارقم الزهري وحنظلة بن الربيع الاسدي وأبى بن كعب وهو أول من كتب له من الانصار وثابت بن قيس بن شماس، وزيد بن ثابت وشرحبيل بن حسنة ومعاوية بن ابى سفيان والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن زيد وجهيم بن الصلت والزبير ابن العوام وخالد بن الوليد والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن العاص وعبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عبدالله بن أبى ومعيقيب بن أبى فاطمة وعبد الله بن سعد بن أبى سرح العامري. وهو أول من كتب له من قريش ثم ارتد فنزلت فيه (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) وذكر في كتابه عليه السلام أيضا طلحة ويزيد بن أبى سفيان والارقم بن أبى الارقم الزهري والعلاء بن عتبة وأبو أيوب الانصاري خالد بن زيد وبريدة بن الحصيب والحصين بن نمير وأبو سلمة المخزومى عبدالله بن عبد الاسد وحويطب بن عبدالعزى وأبو سفيان بن حرب وحاطب ابن عمرو. وروينا من طريق أبى داود من حديث أبى الجوزاء عن ابن عباس قال السجل (1) كان كاتبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وروينا من طريق النزال بن سبرة * (هامش) (1) لا يعرف في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا في أصحابه من اسمه " السجل " ولا وجد إلا في هذا الخبر. من التعريف والاعلام بما أبهم في القرآن من الاعلام للسهيلي. (*)

[ 402 ]

عن على قال كان ابن خطل يكتب قدام النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا نزل (غفور رحيم) كتب رحيم غفور وإذا نزل (سميع عليم) كتب عليم سميع. وفيه فقال ابن خطل ما كنت أكتب إلا ما أريد ثم كفرولحق بمكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ابن خطل فهو في الجنة فقتل يوم الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة. هذا وهم والنزال بن سبرة له صحبة وروايته عن على مخرجة في الكتب وإنما الحمل فيه على من هو دونه وهذه الواقعة معروفة عن ابن أبى سرح وهو ممن كان النبي عليه السلام أهدر دمه يوم الفتح كابن خطل فقتل ابن خطل، ودخل بابن أبى سرح على رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فراجع الاسلام بين يديه عليه السلام فقبله بعد تلوم وقد أوردنا ذلك قبل هذا في يوم الفتح. ولم ينقم على ابن أبى سرح بعد ذلك شئ في إسلامه. ومات ساجدا رحمه الله ورضى عنه. وذكر ابن دحية فيهم رجلا من بنى النجار غير مسمى قال كان يكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تنصر فلما مات لم تقبله الارض. [ ذكر حراسه ومن كان يضرب الاعناق ] بين يديه ومؤذنيه حرسه يوم بدر حين نام في العريش سعد بن معاذ. ويوم أحد محمد بن مسلمة ويوم الخندق الزبير بن العوام. وحرسه ليلة بنى بصفية أبو أيوب الانصاري بخيبر أو ببعض طريقها فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني. وحرسه بوادي القرى بلال وسعد بن أبى وقاص وذكوان بن عبد قيس. وكان على حرسه عباد بن بشر فلما نزلت (والله يعصمك من الناس) ترك الحرس. وكان الذين يضربون بين يديه الاعناق على بن أبى طالب والزبير والمقداد ومحمد ابن مسلمة وعاصم بن ثابت، ومؤذنوه بلال وعمرو بن أم مكتوم الاعمى وسعد القرظ ابن عائذ مولى عمار بن ياسر، وأبو محذورة سمرة بن معير وقيل أوس.

[ 403 ]

[ العشرة من اصحابه والحواريون ] وأهل الصفة وليس من العشرة والحواريين إلا من تقدم نسبه فلينظر (1) في موضعه وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبى وقاص وسعد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضى الله عنهم. وأنشدت بيتا جمعهم فيه ناظمه والذى تقدم توطئة له: لقد بشرت بعد النبي محمد * بجنة عدن زمرة سعداء سعيد وسعد والزبير وعامر * وطلحة والزهرى والخلفاء وأما الحواريو: والحوارى الخليل وقيل الناصر وقيل الصاحب المستخلص فكلهم من قريش وهم الخلفاء الاربعة حمزة وجعفر وأبو عبيدة وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وطلحة والزبير. وأما أصحاب الصفة فقوم فقراء لا منزل لهم غير المسجد. روينا عن ابن سعد قال أنا محمد بن عمر قال حدثنى محمد بن نعيم المجمر عن أبيه قال سمعت أبا هريرة يقول رأيت ثلاثين رجلا من أهل الصفة يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عليهم أردية. عد منهم أبو هريرة وأبو ذر وواثلة بن الاسقع وقيس بن طخفة الغفاري. وقد ذكر في عددهم أكثر من ذلك بكثير.


(1) في نسخة " فينظر ". (*)

[ 405 ]

[ ذكر سلاحه عليه السلام ] سيف يقال له مأثور ورثه من أبيه وقدم به المدينة. والعضبب أرسل إليه به سعد ابن عبادة عند توجهه إلى بدر. وذو الفقار كان في وسطه مثل فقرات الظهر غنمه يوم بدر وكان للعاص بن منبه السهمى وكان ذو الفقار مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد في حروبه كلها، وكانت قائمته وقبيعته وحلقته وعلاقته فضة وهى بكسر الفاء وقيد أيضا بفتحها. والصمصامة سيف عمرو بن معدى كرب وكان مشهورا. وأصاب من سلاح بنى قينقاع ثلاثة أسياف سيفا قلعيا بفتح اللام نسبة إلى مرج قلعة بالبادية والبتار والحتف، وكان له أيضا الرسوب والمخذم أصابهما مما كان على الفلس صنم طئ وهو بضم الفاء وسكون اللام. والقضيب فتلك عشرة. وكانت له درع يقال لها ذات الفضول لطولها أرسل إليه بها سعد بن عبادة حين سار إلى بدر. وذات الوشاح. وذات الحواشى. ودرعان أصابهما من بنى قينقاع السغدية وفضتي يقال السغدية كانت درع داود لبسها لقتال جالوت. والبتراء والخرتق فتلك سبع. وكان له من القسى خمس: الروحاء والصفراء من نبع والبيضاء من شوحط أصابهما من بنى قينقاع. والزوراء والكتوم لا نخفاض صوتها إذا رمى عنها.

[ 406 ]

وكانت له جعبة وهى الكنانة يجمع فيها نبله، ومنطقة من أديم مبشور ثلاث حلقها، وأبزيمها وطرفها فضة وثلاثة أتراس الزلوق وفتق، وأهدى له ترس فيه تمثال عقاب أو كبش فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك التمثال، وخمسة أرماح ثلاثة من بنى قينقاع والمثوى والمثنى. وكانت له حربة تسمى النبعة ذكرها السهيلي وحربة كبيرة إسمها البيضاء وحربة صغيرة دون الرمح شبه العكاز يقال لها العنزة، وكان له مغفران الموشح والمسبوغ أو ذو السبوغ وراية سوداء مربعة يقال لها العقاب وراية بيضاء يقال لها الزينة وربما جعل فيها الاسود. وروى أبو داود في سننه من حديث سماك بن حرب عن رجل من قومه عن آخر منهم قال رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء. وروى أبو الشيخ بن حيان من حديث ابن عباس قال كان مكتوبا بأعلى راياته لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال الحافظ أبو محمد الدمياطي قال يوسف ابن الجوزى روى أن لواءه أبيض مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان ؟ ؟ ؟ يسمى الكن وكان له محجن قدر ذراع أو أكثر يمشى ويركب به ويعلقه بين يديه على بعيره وكان له مخصرة تسمى العرجون وقضيب يسمى الممشوق من شوحط (1) وقدح يسمى الريان وآخر مضبب يقدر أكثر من نصف المدفيه ثلاثة ضبات من فضة وحلقة كانت للسفر. وثالث من زجاج وكان له ثور من حجارة يقال له المخضب يتوضأ فيه وكان له مخضب من شبه (2) يكون فيه الحناء وركوة تسمى الصادرة ومغسل من صفر (3) وربعة اسكندرانية من هدية المقوقس يجعل فيها مشطا من عاج ومكحلة ومقراظا


(1) نوع من الشجر، وكذا النبع. (2) أرفع النحاس. (3) الصفر: النحاس. (*)

[ 407 ]

ومسواكا ومرآة. وكانت له أربعة أزواج خفاف أصابها من خيبر ونعلان سبتيتان وخف ساذج أسود من هدية النجاشي وقصعة وسرير وقطيفة. وقد اختلفت الروايات في صفة الخاتم فيحتمل أن تكون خواتم متعددة. وقد كان له خاتم من فضة وخاتم من ذهب لبسه ثم طرحه، وخاتم حديد ملوى بفضة نقشه " محمد رسول الله ". وكان يتبخر بالعود ويطرح معه الكافور. وقال ابن فارس ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ثوبي حبرة وازارا عمانيا وثوبين صحاريين وقميصا صحاريا وآخر سحوليا وجبة يمانية وكساء أبيض وقلانس صغارا لاطئة ثلاثا أو أربعا. وازارا طوله خمسة أشبار وخميصة وملحفة مورسة، وكان يلبس يوم الجمعة برده الاحمر ويعتم. وكان له صلى الله عليه وسلم عمامة يعتم بها يقال لها السحاب وهبها لعلى وعمامة سوداء ويلبس يوم الجمعة ثوبا غير ثيابه المعتادة كل يوم ولا يخرج يوم الجمعة إلا معتما بعمامة يرسلها بين كتفيه ويديرها ويغرزها. وكان له رداء مربع وكان له فراش من أدم حشوه ليف وكساء أحمر وكساء من شعر وكساء أسود ومنديل يمسح به وجهه. وسئلت حفصة ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت مسح يثنيه ثنيتين فينام عليه فلما كان ليلة ثنيته بأربع ثنيات ليكون أوطأ فلما أصبح قال ما فرشتم لى قلنا هو فراشك ثنيناه أربعا قال ردوه لحاله الاول فانه منعتني وطأته صلاة الليل. ذكره الترمذي في الشمائل. وكان له قدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل، رواه أبو داود والنسائي. وكان له سرير بنام عليه قوائمه من ساج بعث به إليه أسعد بن زرارة فكان الناس بعده يستحملون عليه موتاهم تبركا به.

[ 408 ]

[ ذكر فوائد تتعلق بهذا الفصل ] سوى ما تقدم البتار والمخذم القاطع. والحتف الموت. والرسوب من رسب في الماء إذا غاص فيه لان ضربته تغوض في المضروب به. ومرج القلعة قريب من حلوان على طريق همدان. والسغد موضع تصنع به الدروع عن ابن القطاع. والخرنق ولد الارنب. والفسطاط البيت من الشعر. والكن ما يستر من الحر والبرد. والمغفر ما يلبسه الدارع على رأسه من زرد أو نحوه. ورداء مربع طوله أربعة أذرع وإنما اختلف في عرضه فقيل ذراع وشبر وقيل ذراعان وشبر. وقدح من عيدان مفتوح العين المهملة ساكن الياء آخر الحروف. والعيدان النخلة السحوق قال الشاعر: إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت * عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم بنات نعش ونعش لا كسوف لها * والشمس والبدر منها الدهر في الرقم (1)


(1) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 409 ]

[ ذكر خيله عليه أفضل الصلاة والسلام ] وما له من الدواب والنعم السكب وكان اسمه قبل أن يشتريه الضرس إشتراه بعشرة أواق أول ما غزا عليه أحدا ليس للمسلمين غيره. وفرس أبى بردة بن نيار ويسمى ملاوح وكان أغر طلق اليمين محجلا كميتا وقيل كان أدهم روى ذلك عن ابن عباس، شبه بفيض الماء وانسكابه والضرس الصعب السئ الخلق، والملاوح الضامر الذى لا يسمن والعظيم الالواح وهو الملواح أيضا. وكان له فرس يقال له المرتجز سمى بذلك لحسن صهيله كأنه ينشد رجزا وكان أبيض وهو الذى شهد له فيه خزيمة بن ثابت فجعل شهادته شهادة رجلين وقيل هو الطرف بكسر الطاء المهملة نعت المذكر خاصة وقيل هو النجيب والطرف والنجيب الكريم من الخيل. وكان له أيضا اللحيف ولزاز والظرب فأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبى البراء وأما لزاز فأهداه له المقوقس وأما الظرب فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي. اللحيف فعيل بمعنى فاعل كأنه يلحف الارض بذنبه وقيل فيه بضم اللام وفتح الحاء على التصغير. ولزاز من قولهم لاززته أي لا صقته كأنه يلتصق بالمطلوب لسرعته وقيل لاجتماع خلقه والملزز المجتمع الخلق، والظرب واحد الظراب وهى الروابي الصغار سمى به لكبره وسمنه وقيل لقوته وصلابته، وفرس يقال له الورد أهداه له تميم الدارى فأعطاه عمر بن الخطاب فحمل عليه في سبيل الله ثم وجده يباع برخص فقال له تشتره، والورد لون بين الكميت والاشقر.

[ 410 ]

وفرس يدعى سبحة من قولهم فرس سابح إذا كان حسن مد اليدين في الجرى وسبح الفرس جريه. قال شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي رحمه الله فهذه سبعة متفق عليها: وهى السكب والمرتجز واللحيف ولزاز والظرب والورد وسبحة. وكان الذى يمتطى عليه ويركب السكب. وقيل كانت له أفراس أخر غيرها: وهى الابلق حمل عليه بعض أصحابه وذو العقال وذو اللمة والمرتجل والمرواح والسرحان واليعسوب واليعبوب والبحر وهو كميت والادهم والشحاء والسجل وملاوح والطرف والنجيب. هذه خمسة عشر مختلف فيها. وذكر السهيلي في خيله عليه السلام الضريس وذكر ابن عساكر فيها مندوبا وذو العقال بضم العين وبعضهم يشدد قافه وبعضهم يخففها وهو ظلع (1) في قوائم الدواب. واللمة بين الوفرة والجمة فإذا وصل شعر الرأس إلى شحمة الاذن فهى وفرة فإذا زادت حتى ألمت بالمنكبين فهى لمة فإذا زادت فهى جمة. والارتجال خلط الفرس العنق بالهملجة وهما ضربان من السير. والمرواح من الريح لسرعته. والسرحان الذئب وهذيل تسمى الاسد سرحانا. واليعسوب طائر وهو أيضا أمير النحل. والسيد يعسوب قومه واليعسوب غرة تستطيل في وجه الفرس. واليعبوب الفرس الجواد وجدول يعبوب شديد الجرى والشحاء من قولهم فرس بعيد الشحوة أي بعيد الخطوة. ومندوب من ندبه فانتدب أي دعاه فأجاب. وأما البغال والحمر فكانت له بغلة شهباء يقال لها دلدل أهداها له المقوقس مع حمار يقال له عفير. وبغلة يقال لها فضة أهداها له فروة بن عمرو الجذامي مع حمار يقال له يعفور فوهب البغلة لابي بكر الصديق رضى الله عنه. وبغلة أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة. وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببغلة وجبة من سندس. وقيل أهدى له كسرى بغلة ولا يثبت.


(1) أي: عرج. (*)

[ 411 ]

وعن ابن عباس أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة فكان يركبها. فهذه ست. وأما النعم فكانت له ناقة التى هاجر عليها تسمى القصواء والجدعاء والعضباء وكانت شهباء. وعن قدامة بن عبدالله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يرمى على ناقة صهباء والصهباء الشقراء. وعن نبيط بن شريط قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته على جمل أحمر. وبعث عليه السلام خراش ابن أمية يوم الحديبية إلى قريش على جمل يقال له الثعلب. وكان في هديه عام الحديبية جمل كان لابي جهل في رأسه برة من فضة غنمه يوم بدر ليغيظ به المشركين وكان مهريا (1) وكانت له عشرون لقحة (2) بالغابة وهى التى أغار عليها عيينة بن حصن الفزارى وقد سبق خبرها ولقحة غزيرة تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان أهداها له الضحاك بن سفيان. وكانت له خمس عشرة لقحة بذى الجدر (3) يرعاها يسار أغار عليها العرنيون. وقد تقدم الخبر عن ذلك. وكانت له بذى الجدر أيضا سبع لقائح. وكانت له لقحة تسمى الحفدة السريعة ومهرية بعث إليه بها سعد بن عبادة من نعم ابن عقيل. وكانت له لقحة تسمى مروة. وكان له صلى الله عليه وسلم من الغنم مائة شاة لا يريد أن تزيد على ذلك كلما ولد الراعى بهمة ذبح مكانها شاة وكانت له شاة تسمى غوثة وقيل غيثة وشاة تسمى قمر وعنز تسمى اليمن وكانت له سبعة أعنز منائح ترعاهن أم أيمن. وأما البقر فلم ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك منها شيئا.


(1) نسبة لقبيلة كما تقدم. (2) اللقحة بالفتح والكسر الناقة ذات اللبن. (3) ذو الجذر على ستة أميال من المدينة من ناحية قباء. قاله الصغانى. (*)

[ 413 ]

[ ذكر صفته ] صلى الله عليه وسلم قد تقدم في حديث أم معبد شئ من ذلك. وقرئ على أبى (1) عبدالله محمد ابن عبدالمؤمن بن أبى الفتح الصوري وأنا أسمع بدمشق أخبركم الشيخان أبو اليمن زيد ابن الحسن بن زيد بن الحسن الكندى قراءة عليه وأنت تسمع وأبو أحمد عبد الوهاب ابن على بن سكينة إجازة قالا أنا أبو عبد الله الحسين بن على بن أحمد سماعا عليه زاد ابن سكينة والحافظ أبو القاسم اسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندى سماعا قالا أنا أبو الحسين بن النقور قال ابن سكينة. وأخبرتنا فاطمة بنت أبى حكيم الخبرى قالت أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن عمر بن المسلمة قالا أنا أبو القاسم عيسى بن على ابن عيسى بن الجراح الوزير. قال أخبرنا أبو القاسم عبدالله بن محمد البغوي فثنا عمر بن زرارة فثنا الفياض بن محمد عن عبدالله بن منصور عن سعد بن طريق عن الاصبغ عن نباتة عن على قال كان الحسين بن على يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث سمع بعضها منه وسأله أن يحلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال كان فخما مفخما يتلالا وجهه كالقمر ليلة البدر أقصر من المشذب وأطول من المربوع عظيم الهامة رجل الشعر إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون واسع الجبين أزج الحاجبين سوابغ في غير


(1) " أبى " ساقطة من الاصل، والتصحيح من النسخة الظاهرية. (*)

[ 414 ]

قرن أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم سهل الخدين أشنب مفلج الاسنان دقيق المسربة كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة معتدل الخلق بادنا متماسكا سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط عارى الثديين والبطن وما سوى ذلك أشعر الذراعين والمناكب وأعالى الصدر طويل الزندين سائر الاصابع شئن الكفين والقدمين سبط العظام خمصان الاخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء صلى الله عليه وسلم. وقد روينا حديث الحسن بن على فثنا خالي هند ابن أبى هالة عن صفة النبي صلى الله عليه كما سبق وفيه أزج الحاجبين سوابغ من غير قرن بينهما عرق يدره الغصب. وفيه كث اللحية أدعج سهل الخدين ضليع الفم وفيه إذا زال زال تقلعا ويخطو تكفؤا ويمشى هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الارض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام. قلت صف لى منطقه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الاحزان دائم الفكرة ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ويتكلم بجوامع الكلم فضلا لا فضول فيه ولا تقصير دمثا ليس بالجافى ولا بالمهين يعظم النعمة وان دقت ولا يذم شيئا لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشى حتى ينتصر له لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث أتصل بها فضرب بايهامه اليمنى راحته اليسرى وإذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه التبسم ويفترعن مثل حب الغمام. قال الحسن فكتمتها الحسين بن على زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأل أباه عن مدخل رسول

[ 415 ]

الله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئا قال الحسين سألت أبى عليه السلام عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك فكان إذا أوى إلى مجلسه جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءا لله تعالى وجزءا لاهله وجزءا لنفسه ثم جزأ جزآه بينه وبين الناس فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدخر عنهم شيئا فكان من سيرته في جزء الامة إيثار أهل ذى الفضل باذنه قسمته على قدر فضلهم في الدين منهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والامة في مسألته عنهم واخبارهم بالذى ينبغى لهم ويقول ليبلغ الشاهد منكم الغائب وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجة فانه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره يدخلون روادا ولا يتفرقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة يعنى فقهاء. قلت فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا يفرقهم يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره وخلقه ويتفقد أصحابة ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويصوبه ويقبح القبيح ويوهنه معتدل الامر غير مختلف ولا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره الذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يوطن الاماكن وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهى به المجلس ويأمر بذلك ويعطى كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من

[ 416 ]

جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه من ساله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. ؟ ؟ ؟ وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء متفاضلين فيه بالتقوى مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة لا ترفع فيه الاصوات ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته يتعاطفون بالتقوى متواضعين يوفرون فيه الكبير ويرحمون الصغير ويرفدون ذا الحاجة ويرحمون الغريب. فسألته عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه قد ترك نفسه من ثلاث الرياء والاكثار ومالا يعنيه وترك الناس من ثلاث كان لا يذم أحدا ولا يعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير وإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديث حديث أولهم. يضحك مما يضحكون منه ويعجب مما يعجبون ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق ويقول إذ رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فارفدوه ولا تطلبوا الثناء إلا من مكا فئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام. قلت كيف كان سكوته قال كان سكوته على أربع على الحلم والحذر والتقدير والتفكر فأما تقديره ففى تسوية النظر والاستماع من الناس وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى وجمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر فكان لا يغضبه شئ يستفزه وجمع له في الحذر أربع أخذه بالحسن ليقتدى به وتركه القبيح لينتهى عنه واجتهاد الرأى بما أصلح أمته والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة. قال القاضى أبو الفضل عياض بن موسى اليحصى رحمه الله بعد إيراده حديث هند بن أبى هالة هذا.

[ 417 ]

[ فصل ] في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله قوله المشذب أي البائن الطول في نحافة وهو مثل قوله في الحديث الآخر ليس بالطويل الممغط. والشعر الرجل الذى كأنه مشط فتكسر قليلا ليس بسبط ولا جعد. والعقيقة شعر الرأس أراد إن انفرقت من ذات نفسها فرقها وإلا تركها معقوصة ويروى عقيصته. وأزهر اللون نيره وقيل أزهر حسن ومنه زهرة الحياة الدنيا أي زينتها وهذا كما قال في الحديث الآخر ليس بالابيض الامهق ولا بالادم. والامهق هو الناصع البياض والادم الاسمر اللون ومثله في الحديث الآخر أبيض مشرب أي فيه حمرة. والحاجب الازج المقوس الطويل الوافر الشعر. والاقنى السائل الانف المرتفع وسطه والاشم الطويل قصبة الانف. والقرن اتصال شعر الحاجبين وضده البلج ووقع في حديث أم معبد (1) وصفه بالقرن والادعج الشديد سواد الحدقة وفى الحديث الآخر أشكل العين وأسجر العين وهو الذى في بياضه حمرة. والضليع الواسع. والشنب رونق الاسنان وماؤها وقيل رقتها وتحزين فيها كما يوجد في أسنان الشباب والفلج فرق بين الثنايا. ودقيق المسربة خيط الشعر الذى بين الصدر والسرة. بادن دو لحم مماسك معتدل الخلق يمسك بعضه بعضا مثل قوله في الحديث الآخر لم يكن بالمطهم ولا بالمكا ثم أي ليس بمسترخى اللحم والمكلثم القصير الذقن. وسواء


(1) قصتها مشهورة وقد تقدمت. وفى نسخة " أبى سعيد ". (*)

[ 418 ]

البطن والصدر أي مستويهما. ومشيح الصدر إن صحت هذه اللفظة فيكون من الاقبال وهو أحد معاني أشاح أي أنه كان بادى الصدر ولم يكن في صدره قعس وهو تطامن فيه وبه يتضح قوله قبل سواء البطن والصدر أي ليس بمتقاعس الصدر ولا مفاض البطن ولعل اللفظ مسيح بالسين المهملة وفتح الميم بمعنى عريض كما وقع في الرواية الاخرى. وحكاه ابن دريد. والكراديس رءوس العظام وهو مثل قوله في الحديث الآخر جليل المشاش والكتد والمشاش رءوس المناكب والكند مجتمع الكتفين. وشثن الكفين والقدمين لحيمهما والزندان عظما الذراعين وسائل الاطراف أي طويل الاصابع. وذكر ابن الانباري أنه روى ساين بالنون وهما بمعنى تبدل اللام من النون إن صحت الرواية بها. وأما الرواية الاخرى وسائر الاطراف فاشرة إلى فخامة جوارحه كما وقعت مفصلة في الحديث. ورحب الراحة أي واسعها وقيل كنى به عن سعة العطاء والجود. خمصان الاخمصين أي متجافي أخمص القدم. وهو الموضع الذى لا تناله الارض من وسط القدم. ومسيح القدمين أي أملسهما لهذا قال ينبو عنهما الماء وفى حديث أبى هريرة خلاف هذا قال فيه إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص وهذا يوافق معنى قوله مسيح القدمين وبه قالوا سمى المسيح ابن مريم أي لم يكن له أخمص. وقال السهيلي في المسيح بن مريم فعيل بمعنى فاعل لانه كان يؤتى بذوى العاهات فيمسح على مواضعها فتزول والمسيح الدجال بمعنى مفعول أي ممسوح العين كما جاء في الحديث. رجع إلى الاول وقيل مسيح لا لحم عليهما وهذا أيضا يخالف قوله شثن القدمين. والتقلع رفع الرجل بقوة والتكفؤ الميل إلى سنن المشى وقصده والهون الرفق والوقار. والذريع الواسع الخطو أي أن مشيه كان يرفع فيه رجليه بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال ويقصد سمته وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة كما قال كأنما ينحط من صبب. وقوله يفتتح الكلام

[ 419 ]

ويختمه بأشداقه أي لسعة فمه والعرب تتمادح بهذا وتذم بصغر الفم. وأشاح مال وانقبض. وحب الغمام البرد. وقوله فيرد ذلك بالخاصة على العامة أي جعل من جزء نفسه ما يوصل الخاصة إليه فتوصل عنه للعامة وقيل يجعل منه للخاصة ثم يبذلها في جزء آخر للعامة ويدخلون روادا أي محتاجين إليه. ولا ينصرفون إلا عن ذواق وقيل عن علم يتعلمونه ويشبه أن يكون على ظاهره أن في الغالب والاكثر. والعتاد العدة والشئ الحاضر المعد ز والمؤازرة المعاونة. وقوله لا يوطن المواطن أي لا يتخذ لمصلاه موضعا معلوما وقد ورد نهيه عن هذا مفسرا في غير هذا الحديث. وصابره أي حبس نفسه على ما يريد صاحبه. ولا تؤبن فيه الحرم أي لا يذكرن بسوء ولا تنثى فلتاته أي لا يتحدث بها أي لم يكن فيه فلتة. ويرفدون يعينون، والسخاب الكثير الصياح. وقوله ولا يقبل الثناء إلا من مكا فئ قيل مقتصد في ثنائه ومدحه وقيل إلا من مسلم وقيل إلا من مكا فئ على يد سبقت من النبي صلى الله عليه وسلم. ويستفزه يستخفه وفى حديث آخر في وصفه منهوس العقب أي قليل لحمها وأهدب الاشفار أي طويل شعرها.

[ 420 ]

[ ذكر خاتم النبوة ] عن جابر بن سمرة قال رأيت للنبى صلى الله عليه وسلم عند كتفيه مثل بيضة الحمامة تشبه جسده وفى لفظ سلعة مثل بيضة الحمامة. وقد روى عن أبى رمثة أنه شعر مجتمع عند كتفيه. وروى عنه أيضا أنه مثل بيض الحمامة وأنه قال يا رسول الله ألا أدا ويك منها فقال يداويها الذى وضعها. وروى عنه أيضا قال مثل التفاحة وعن سلمان الفارسى أنه قال كان مثل بيضة الحمامة بين كتفيه وقيل على نغض كتفه الايسر وقيل كانت بضعة لحم كلون بدنه وقيل كانت كزر الحجلة وقيل كانت ثلاث شعرات مجتمعات وقيل كانت شامة خضراء محتفرة في اللحم وقال عبد الله بن سرجس رأيت خاتم النبوة جمعا عليه خيلان كأنها الثآليل عند ناغض وروى عند غضروف كتفه اليسرى وفى رواية سود رواه مسلم وقيل مثل البندقة وقيل كأثر المحجم وقيل كركبة العنز أسنده أبو عمر عن عباد بن عمرو وقيل نور عن ابن عائذ في مغازيه بسنده إلى شداد بن أوس فذكر حديث الرضاع وشق الصدر. وفيه وأقبل الثالث يعنى الملك وفى يديه خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه ووجد ؟ ؟ ؟ زمانا وقيل ولد وهو به. وذكر الواقدي عن شيوخه قالوا لما شكوا في موت النبي صلى الله عليه وسلم وضعت اسماء بنت عميس يدها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إنه قد توفى وقد رفع الخاتم من بين كتفيه. فهذا الذى عرف به موته عليه السلام.

[ 421 ]

[ ذكر جمل من اخلاقه ] عليه أفضل الصلاة والسلام قال الله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) قالت عائشة رضى الله عنها كان خلقه القرآن يعنى التأدب بآدابه والتخلق بمحاسنه والالتزام لاوامره وزواجره وقد قال صلى الله عليه وسلم بعثت لاتمم مكارم الاخلاق. وقال أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان عليه السلام أرجح الناس حلما. وروى أنه لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه وقالوا لو دعوت عليهم فقال انى لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون. وكان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس عفوا لا ينتقم لنفسه. ولما تصدى له غورث بن الحارث ليقتله والسيف بيده وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من يمنعك منى قال له " الله " فسقط السيف من يده فقال له عليه السلام وقد أخذ السيف " من يمنعك منى " فقال كن خير آخذ. فتركه وعفا عنه فجاء إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس. وعفا عليه السلام عن اليهودية التى سمته في الشاة بعد اعترافها على الصحيح، ولم يؤاخذ لبيد بن الاعصم إذ سحره ولا عبدالله بن أبى وأشباهه من المنافقين بعظيم ما نقل عنهم قولا وفعلا. وكان صلى الله عليه وسلم اسخى الناس كفا ما سئل شيئا فقال لا. وأعطى صفوان بن أمية غنما ملات واديا بين جبلين فقال أرى محمدا يعطى عطاء من لا يخشى الفقر. ورد على هوازن سباياهم وكانت ستة آلاف وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله. وحملت إليه تسعون الف

[ 422 ]

درهم فوضعت على حصير ؟ ؟ ؟ قال إليها يقسمها فمارد سائلا حتى فرغ منها. وذكر عن معوذ بن عفراء قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب يعنى طبقا واجر زغب يريد قثاء فأعطاني ملء كفه حليا وذهبا. وروينا عن الشافعي فثنا الحسين ابن عبدالله القطان بالرقة فثنا عمر بن حفص فثنا أبو عبد الصمد العمى فثنا أبو عمران الجونى عن عبدالله بن الصامت عن أبى ذر قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طبخت فأكثر المرق واقسم في أهلك وجير انك. رواه مسلم عن أبى كامل واسحق بن ابراهيم عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبى عمران به. وكان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس سئل البراء أفررتم يوم حنين قال لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر. وفيه فما رئى يومئذ أحد كان أشد منه. وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر على فرس لابي طلحة عرى والسيف في عنقه وهو يقول لن تراعو. وقال عمران بن حصين ما لقى النبي. صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب. وقال على بن أبى طالب كنا إذا حمى أو اشتد اليأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحذ أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتنى يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا وقيل كان الشجاع هو الذى يقرب منه صلى الله عليه وسلم بقربه من العدو وكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء واكثرهم عن العورات إغضاء قال الله تعالى (ان ذلكم كان يؤذى النبي فيستحيى منكم والله لا يستحيى من الحق). وعن أبى سعيد

[ 423 ]

الخدرى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ؟ ؟ حياء من العدراء في خدرها وكان ادا كره شيئا عرفناه في وجهه - الحديث. وعن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا ولكن يقول ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا. ينهى عنه ولا يسمى فاعله. وعن أنس في حديث أنه عليه السلام كان لا يواجه أحدا بما يكره. وعن عائشة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا بالاسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة. ولكن يعفو ويصفح. وعنها ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط. وروى عنه أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد وأنه كان يكنى عن ما اضطره الكلام إليه مما يكره. وكان صلى الله عليه وسلم أوسع الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، هذا من كلام على في صفته. وعن قيس بن سعد قال زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا وطأ عليه بقطيفة (1) فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال سعد يا قيس اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قيس فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم اركب فأبيت فقال إما أن تركب وإما أن تنصرف فانصرفت، وفى رواية اركب أمامى فصاحب الدابة احق بمقدمها. وعن عائشة في حديث عنه صلى الله عليه وسلم انه ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته الا قال لبيك. وقال جرير ما حجبى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رأني الا تبسم. وكان صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويجيب دعوة الحر والعبد والامة والمسكين ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر، قال أنس ما التقم أحد اذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحى رأسه حتى يكون الرجل


(1) هي كساء له خمل. (*)

[ 424 ]

هو الذى ينحى رأسه، وما أخذه بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ. ولم ير مقدما ركبتيه بين يدى جليس له، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم يرقط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد يكرم من يدخل عليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التى تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ويكنى أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه وروى أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلى إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته فإذا فرغ عاد إلى صلاته، وكان أكثر الناس تبسما وأطيبهم نفسا ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب، قال عبدالله بن الحارث ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما شفقته صلى الله عليه وسلم على خلق الله ورأفته بهم ورحمته لهم فقد قال الله تعالى فيه (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) وقال (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال بعضهم من فضله عليه السلام أن الله أعطاه إسمين من أسمائه فقال (بالمؤمنين رءوف رحيم) ومن ذلك تخفيفه وتسهيله عليهم وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم كقوله لولا أن أشق على أمتى لامرتهم بالسواك مع كل وضوء، وخبر صلاة الليل ونهيهم عن الوصال وكراهية دخول الكعبة ليلا يعنت أمته ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة وانه كان يسمع بكاء الصبى فيتجوز في صلاته، ولما كذبه قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال مرنى بما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين (1) قال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم


(1) الاخشيان: الجبلان المطيفان بمكة وهما أبو قبيس والاحمر. (*)

[ 425 ]

من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا. وروى ابن المنكدر أن جبريل عليه السلام قال للنبى صلى الله عليه وسلم إن الله أمر السماء والارض والجبال أن تطيعك فقال أوخر عن أمتى لعل الله أن يتوب عليهم، قالت عائشة ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقال اين مسعود كان رسول الله صلى الله وسلم يتخولنا (1) بالموعظة مخافة السآمة علينا. وروى أنه عليه السلام قال لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا فانى أحب أن أخرج اليكم وأنا سليم الصدر، وكان صلى الله عليه وسلم أوصل الناس لرحم وأقومهم بالوفاء وحسن العهد. وروينا من طريق أبى داود فثنا محمد بن سنان فثنا ابراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الكريم عن عبدالله بن شقيق عن أبيه عن عبدالله بن أبى الحمساء قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه ؟ ؟ ؟ نسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئته فإذا هو في مكانه، فقال يافتى لقد شققت على أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك. وعن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى بهدية قال إذهبوا بها إلى بيت فلانة فانها كانت صديقة لخديجة انها كانت تحب خديجة، ودخلت عليه إمرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها فلما خرجت قال إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الايمان، وقال عليه السلام إن آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء غير أن لى رحما سأبلها ببلالها (2) وعن أبى قتادة وفد وفد للنجاشي فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم، فقال له أصحابه نكفيك فقال انهم كانوا لاصحابنا مكرمين وإنى أحب أن أكافئهم. ولما جئ بأخته من الضاعة الشيماء في سبى هوازن بسط لها رداءه وخيرها بين المقام عنده والتوجه


(1) أي يتعاهدنا. (2) أي: أصلهم في الدنيا ولا أغنى عنهم من الله شيئا.

[ 426 ]

إلى ؟ ؟ ؟ فاختارت قومها فمتعها، وكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعا على علو منصبه فمن ذلك أن الله خيره بين أن يكون نبيا ملكأ أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا فقال له إسرافيل عند ذلك فان الله قد أعطاك بما تواضعت إنك سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه الارض وأول شافع، وخرج على قوم من أصحابه فقاموا له فقال لا تقوموا كما تقوم الاعاجم يعظم بعضها بعضا، وقال إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد، وكان يركب الحمار ويردف خلفه ويعود المساكين ويجالس الفقراء ويجيب دعوة العبد ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم حيث ما انتهى به المجلس جلس، وقال لامرأة أتته في حاجة إجلسى يا أم فلان في أي طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضى حاجتك فجلست وجلس، وكان يدعى إلى خبز الشعير والاهالة السنخة (1) فيجيب، وحج على رحل رث عليه قطيفة ما تساوى أربعة دراهم، وأهدى في حجه ذلك مائة بدنة، وكان يبدأ من لقيه بالسلام. وروينا عن أبى بكر الشافعي فثنا أبو جعفر محمد بن حماد بن ماهان فثنا محمد بن عبدالرحمن بن بكر فثنا محمد بن سواء عن سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبيان فسلم عليهم، وكان في بيته في مهنة أهله يفلى ثوبه ويحلب شاته ويخصف نعله ويخدم نفسه ويعلف ناضحه ويقم (2) البيت ويعقل (3) البعير ويأكل مع الخادم ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق. وعن أنس إن كانت الامة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت حتى يقضى حاجتها، وكان صلى الله عليه


(1) الاهالة كل ما يؤ تدم به، وقيل هو ما أذيب من الالية والشحم وقبل الدسم الجامد. والسنخة المتغيرة الريح. (2) أي يكنس. (3) أي يربط. (*)

[ 427 ]

وسلم يسمى الامين قبل النبوة لما عرفوا من أمانته وعدله. وعن الربيع بن خثيم كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الاسلام، وقال النضر بن الحارث لقريش قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر لا والله ما هو بساحر. وفى الحديث عنه ما لمست يده يد إمرأة قط لا يملك رقها وقال ويحك فمن يعدل إن لم أعدل. وعن الحسن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ أحدا بقرف (1) أحد ولا يصدق أحدا على أحد، وكان أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة ويستعملها كثيرا ويحض عليها، ومن مروءته صلى الله عليه وسلم نهيه عن النفخ في الطعام والشراب والامر بالاكل مما يلى والامر بالسواك وانقاء البراجم والرواجب (2) واستعمال خصال الفطرة. وأما زهده في الدنيا وعبادته وخوفه ربه عزوجل فقد توفى ودرعه مرهونة عند يهودى في نفقة عياله، وكان يدعو اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. وعن عائشة قالت ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبر برحتى مضى لسبيله، وفى رواية من حبر شعير يومين متواليين، وقالت عائشة ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا، قالت ولقد مات وما في بيتى شئ يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لى، وقال لى إنى عرض على أن يجعل لى بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب بل أجوع يوما وأشبع يوما فأما اليوم الذى أجوع فيه فأتضرع اليك وأدعوك وأما اليوم الذى أشبع فيه فأحمدك وأثنى عليك، وقال ابن عباس


(1) القرف: التهمة. (2) البراجم هي العقد التى في ظهور الاصابع، يجتمع فيها الوسخ، والرواجب هي ما بين عقد الاصابع من داخل. (*)

[ 428 ]

كان صلى الله عليه وسلم يبيت هو وأهله الليالى المتتابعة طاويا لا يجدون عشاء. وكان يقول لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وفى حديث المغيرة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه، وقالت عائشة كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة (1) وأيكم يطيق ما كان يطيق، وقالت كل يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يضوم. وقال عوف بن مالك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فاستاك ثم توضأ ثم قام يصلى فقمت معه فبدأ فاستفتح البقرة فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ولا بآية عذاب إلا وقف فتعوذ ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول سبحان ذى الجبروت والملكوت والعظمة، ثم سجد وقال مثل ذلك ثم قرأ آل عمران، ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك، وعن عائشة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة، وقال صلى الله عليه وسلم انى لاستغفر الله في اليوم مائة مرة. (2)


(1) الديمة: المطر الدائم في سكون، شبهت عمله في دوامه بديمة المطر. (2) في حاشية الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 429 ]

[ ذكر مصيبة الاولين والآخرين من المسلمين ] ؟ ؟ ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قفل صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع أقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وضرب على الناس بعثا أميره أسامة بن زيد. وقد تقدم ذكره وهو آخر بعوثه فبينا الناس على ذلك ابتدئ صلوات الله عليه وسلامه بشكواه الذى قبضه الله ؟ ؟ ؟ إلى ما أراد من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الاول فكان أول ما ابتدئ به صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى بقيع الغرقد مقبرتهم من جوف الليل فاستغفر لهم. ثم رجع إلى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك. قالت عائشة رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه فقال بل أنا والله يا عائشة وارأساه. قالت ثم قال وما ضرك لومت قبلى فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك. قلت والله لكأنى بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز (1) به وهو في بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن في أن يمرض في بيتى فأذن له. قالت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه الارض حتى دخل بيتى. قال ابن عباس الرجل الآخر على بن ابى طالب، ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) أي اشتد وجعه. (*)

[ 430 ]

واشتد به وجعه فقال أهريقوا على من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم فأقعدناه في مخضب (1) لحفصة بنت عمرو، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول حسبكم حسبكم. وعن الزهري قال حدثنى أيوب بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به انه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم ثم قال ان عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسه يريد. فقال نفديك بأنفسنا وأبنائنا. فقال على رسلك يا أبا بكر ثم قال أنظروا هذه الابواب اللافظة في المسجد فسدوها إلا باب أبى بكر فانى لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه، وأراد عمر فتح كوة لينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم منها فمنعه من ذلك، وقال عليه السلام للعباس ما فتحت عن امرى ولا سددت عن امرى واستبطأ الناس في بعث اسامة فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر - وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والانصار - فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس أنفذوا بعث اسامة فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وانه لخليق للامارة وإن كان أبوه لخليقا بها. ؟ ؟ ؟ نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكمش (2) الناس في جهازهم واستعز برسول الله وجعه فخرج اسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ فضرب به عسكره وتتام إليه الناس وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسول عليه السلام. ومن حديث عبدالله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالانصار يوم صلى واستغفر لاصحاب أحد وذكر من امرهم ما ذكر فقال


(1) المخضب إجانة تغسل فيها الثياب. (2) أي أسرع. (*)

[ 431 ]

يا معشر المهاجرين استوصوا بالانصار خيرا فان الناس يزيدون وان الانصار على على هيئتها لا تزيد فانهم كانوا عيبتي التى أويت إليها فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عليه السلام يوعك (1) وعكا شديدا دخل عليه أبو سعيد الخدرى وعليه قطيفة فوضع يده عليه فوجد حرارتها فوق القطيفة فقال ما أشد حماك فقال إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الاجر. وعن علقمة قال دخل عبدالله بن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه ثم قال يا رسول الله انك لتوعك وعكا شديدا. قال أجل انى أو عك كما يوعك رجلان منكم. قال قلت يا رسول الله ذلك بأن لك أجرين الحديث. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلى بالناس فصلى بهم فيما روينا سبع عشرة صلاة وصلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤتما به ركعة ثانية من صلاة الصبح. ثم قضى الركعة الباقية وقال لم يقبض نبى حتى يؤمه رجل من قومه. وقال عليه السلام في مرضه ذلك مر الناس فليصلوا يقول ذلك لعبد الله ابن زمعة بن الاسود فذهب ابن زمعة فقدم عمر لنيبة أبى بكر فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته أخرج رأسه حتى أطلعة للناس من حجرته ثم قال لا لا لا ليصل لهم ابن أبى قحافة. وعن أبى سعيد الخدرى في هذا الخبر قال فانفضت الصفوف وانصرف عمر فما برحنا حتى طلع ابن أبى قحافة وكان بالسنح (2) فتقدم فصلى بالناس وتبسم عليه السلام لما رأى من هيئة المسلمين في صلاتهم سرورا بذلك. وقال ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فتنازعوا فلم يكتب. وقالت عائشة آخر ما عهد الينا أن لا يترك بجزيرة العرب دينان. وقالت أم سلمة عامة وصيته عند الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم. وقالت عائشة سمعته يقول


(1) أي يتألم. (2) منازل بنى الحارث بن الخزرج في المدينة. (*)

[ 432 ]

قبل ذلك ما من نبى يموت حتى يخبر قالت فسمعته وهو يقول اللهم الرفيق الاعلى فعلمت انه ذاهب. وفى خبر عنها فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول اللهم أعنى على سكرات الموت. وذكر ابن سعد في وفاته عليه السلام خبرا فيه انه لما بقى من أجله ثلاث نزل عليه جبريل فقال يا أحمد إن الله أرسلني اليك إكراما لك وتفضيلا لك وخاصئ‍ لك يسألك عما هو أعلم به منك يقول لك كيف تجدك وفيه إن ذلك ثلاث المرة بعد المرة وفى الثالثة صحبه ملك الموت فاستأذن عليه فأذن له ثم استأذنه في قبض نفسه أو تركها وان الله أمره بطاعته في ذلك. فقال جبريل يا أحمد ان الله قد إشتاق اليك قال فاقبض يا ملك الموت كما أمرت به. قال جبريل السلام عليك يا رسول الله هذا آخر موطئ الارض. فتوفى صلى الله عليه وسلم وجاءت التعرية يسمعون الصوت ولا يرون الشخص السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة إن في الله عزاء عن كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل ما فات فبا الله فثقوا وإياه فارجوا فان المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وقد ذكر أن هذا المعزى هو الخضر عليه السلام. واختلف أهل العلم في اليوم الذى توفى فيه بعد اتفاقهم على انه يوم الاثنين في شهر ربيع الاول: فذكر الواقدي وجمهور الناس أنه الثاني عشر. قال الربيع بن سالم وهذا لا يصح وقد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه. وقد تقدمه السهيلي إلى بيانه لان حجة الوداع كانت وقفتها يوم الجمعة. فلا يستقيم أن يكون يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الاول سواء أتمت الاشهر كلها أو نقصت كلها أوتم بعضها ونقص بعضها. قال الطبراني يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الاول. قال أبو بكر الخوارزمي أول يوم منه وكلاهما ممكن.

[ 433 ]

ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجته (1) الملائكة دهش الناس وطاشت عقولهم واختلفت أحوالهم في ذلك فأما عمر فكان ممن خبل فجعل يقول انه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران حين غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم. وأما عثمان فأخرس حتى جعل يذهب به ويجاء وهو لا يتكلم. وأقعد على وأضنى عبدالله بن أنيس من الضنى وهو المرض. وبلغ أبا بكر الخبر وكان بالسنح فجاء وعيناه تهملان فقبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكى. وقال بأبى أنت وأمى طبت حيا وميتا. وتكلم كلاما بليغا سكن به نفوس المسلمين وثبت جأشهم. وكان أثبت القوم رضى الله عنه وغسله عليه السلام على والعباس وابناه الفضل وقثم ومولياه اسامة وشقران. وحضرهم أوس بن خولى الانصاري. وكفن في ثلاثة اثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. وصلى عليه المسلمون أفذا ذا لم يؤمهم أحد وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها. ودخل قبره العباس وعلى والفضل وقثم وشقران وأطبق عليه تسع لبنات. ودفن في الموضع الذى توفاه الله فيه حول فراشه. وكانوا قد اختلفوا في غسله فقالوا والله ما ندرى أنجرد رسول الله من ثيابه كما تجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه. فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم وكلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: إغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون عليه الماء فوق القميص ويدلكونه والقميص دون أيديهم: فأسنده على إلى صدره والعباس والفضل وقنم يقلبونه معهم وأسامة وشقران يصبان الماء وعلى يغسله بيده. واختلفوا في موضع دفنه هل يكون في مسجده أو مع أصحابه: فقال أبو بكر ادفنوه في الموصع الذى قبض فيه فان الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب فعلموا ان قد صدق. وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة وأبو طلحة


(1) أي غطته. (*)

[ 434 ]

زيد بن سهل يلحد كاهل المدينة فاختفلوا كيف يصنع بالنبي صلى الله عليه وسلم فوجه العباس رجلين أحدهما لابي عبيدة بن الجراح والآخر لابي طلحة. وقال اللهم خر لنبيك فحضر أبو طلحة فلحد له. ولما فرغ من جهازه يوم الثلاثاء وكانت وفاته يوم الاثنين حين زاغت الشمس قال على لقد سمعنا همهمة ولم نر شخصا سمعنا هاتفا يقول: أدخلوا رحمكم الله فصلوا على نبيكم. ثم دفن من وسط الليل ليلة الاربعاء وكانت مدة شكواه ثلاث عشرة ليلة. ولما دفن عليه السلام قالت فاطمة ابنته عليها السلام: اغبر آفاق السماء وكورت * شمس النهار وأظلم العصران فالارض من بعد النبي كئيبة * أسفا عليه كثيرة الرجفان فليبكه شرق البلاد وغربها * ولتكبه مضر وكل يمان وليبكه الطود المعظم جوه * والبيت ذو الاستار والاركان يا خاتم الرسل المبارك ضوءه * صلى عليك منزل الفرقان ويروى أنها تمثلت بشعر فاطمة بنت الا حجم: قد كنت لى جبلا ألوذ بظله * فتركتني أمشى بأجرد ضاح قد كنت ذات حمية ما عشت لى * أمشى البراز وكنت أنت جناحى فاليوم أخضع للذليل وأتقى * منه وأدفع ظالمي بالراح وإذا دعت قمرية شجنا لها * ليلا على فنن دعوت صباح ومما ينسب لعلى أو فاطمة رضى الله عنهما. ماذا على من شم تربة أحمد * ألا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنها * صبت على الايام عدن لياليا

[ 435 ]

وقال أنس بن مالك لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى المدينة أضاء منها كل شئ. فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ. وما نفضنا الايدى من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. وقد روى عنه عليه السلام انه قال لتعز المسلمين في مصائبه المصيبة بى. وفى حديث عنه أنا فرط لامتي لن يصابوا بمثلى، وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب يرثيه: أرقت فبات ليلى لا يزول * وليل أخى المصيبة فيه طول وأسعدنى البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها * تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحى والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه * نفوس الناس أو كربت تسيل نبى كان يجلو الشك عنا * بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا ولا نخشى ضلالا * علينا والرسول لنا دليل أفاطم ان جزعت فذاك عذر * وان لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر * وفيه سيد الناس الرسول ولو فتحنا باب الاكثار وسمحنا بايراد ما يستحسن في هذا الباب من الاشعار لخرجنا جنحنا إليه من الايجاز والاختصار فالاشعار في هذا كثيرة ولانواع الاسى والاسف مثيرة فياله من خطب جل عن الخطوب ومصائب علم دمع العين كيف يصوب ورزء غربت له النيرات ولا تعلل بشروقها بعد الغروب. وحادث هجم هجوم الليل فلا نجاء منه لهارب ولا فرار منه لمطلوب ولا صباح له فيجلو غياهبه المملة ودياجيه المدلهمة، ولكل ليل إذا دجى صباح يؤوب. ومن سر أهل

[ 436 ]

الارض ثم بكى أسى بكى بعيون سرها وقلوب فان الله وإنا إليه راجعون من نار حنيت عليها الاضالع لا تخبو ولا تخمد ومصيبة تستك منها المسامع لا يبلى على مر الجديدين حزنها المجدد: وهل عدلت يوما رزيئة هالك * رزيئة يوم مات فيه محمد وما فقد الماضون مثل محمد * ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. * * * قد انتهى بنا الغرض فيما أوردناه إلى ما أردناه، ولم نسلك بعون الله فيه غير الاقتصاد الذى قصدناه فمن عثر فيه على وهم أو تحريف أو خطأ أو تصحيف فليصلح ما عثر عليه من ذلك وليسلك سبيل العلماء في قبول العذر هنالك. ومع مر بخبر لم أذكره أو ذكرت بعضه فلعه بحسب موضعه من التبويب أو نسقه في الترتيب أو الاختصار الذى اقتضاه التهذيب أو لنكارة في متنه تنقم على واضعه أو لانى ما مررت به في مواضعه. ومن برئ من الاحاطة أيها الناظر اليك فليس لك أن تلزمه بكل ما يرد عليك. * * *

[ 437 ]

[ ذكر الاسانيد التى وقعت لى من المصنفين ] الذين أخرجت من كتبهم في هذا المجموع ما اخرجته وما كان فيه من (صحيح البخاري) فأخبرنا به الشيخ أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن على بن نصر الحرانى بقراءة والدى رحمة الله عليه وأنا أسمع قال أنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن هبة الله بن البيع الحافظ قراءة عليه وأنا أسمع ببغداد سنة ستمائة وغيره إجازة. قالوا أنا أبو الوقت عبد الاول بن عيسى قال أنا أبو الحسن الداودى قال أنا أبو محمد بن حموية قال أنا أبو عبد الله الفربرى عنه. وما كان فيه من (صحيح مسلم) فأخبرنا به أبو محمد عبد العزيز بن الحافظ أبى الفتوح نصر بن أبى الفرج بن على الحصرى قراءة وأنا أسمع لجميعه قال أنا أبو الحسين المؤيد بن محمد بن على الطوسى إجازة قال أنا أبو عبد الله محمد بن الفضل ابن أحمد الصاعدي الفراوى قال أنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسى قال أنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن عيسى بن عمروية الجلودى قال أنا أبو سفيان قال أنا مسلم. وقد سمعت قطعة منه على أبى بكر محمد بن الحافظ أبى الطاهر اسماعيل ابن عبدالله بن الانماطى بسماعه من أبى القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل الانصاري بن الحرستانى. وباجازته من المؤيد بن محمد قال الاول أنبأنا وقال الثاني أخبرنا أبو عبد الله الفراوى بسنده. وما كان فيه من (سنن أبى داود) فأخبرنا به أبو الفضل عبدالرحيم بن يوسف ابن يحيى بن العلم الموصلي قراءة عليه وأنا أسمع لجميعه خلا من قوله باب المستبان

[ 438 ]

إلى باب الارجوحة فاجازة قال أنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ قراءة عليه في الخامسة. وهو سمع الكتاب كاملا من أبى البدر ابراهيم بن محمد بن منصور الكرخي بعضه. ومن أبى الفتح مفلح بن أحمد بن محمد الدومى كما هو مثبت عندي على الاصل. قال أنا أبو بكر الخطيب الحافظ قال أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي عن أبى على اللؤلؤي عنه. وما كان فيه من كتاب (الجامع لابي عيسى الترمذي) فأخبرنا بجميعه أبو عبدالله محمد بن ابراهيم بن ترجم المازنى قراءة عليه وأنا أسمع لبعضه وبقراءتي عليه لبعضه قال أنا أبو الحسن على بن أبى الكرم نصر بن البنا قراءة عليه وأنا أسمع لبعضه قال أنا أبو الفتح عبدالملك بن أبى القاسم الكروخى قال أنا بجميعه القاضى أبو عامر محمود بن القاسم الازدي وأبو بكر أحمد بن عبد الصمد الغورجى. وأخبرنا من أول الكتاب إلى مناقب عبدالله بن عباس أبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقى. ومن مناقب ابن عباس إلى آخر كتاب العلل أبو المظفر عبيدالله بن على بن يس قال أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحى قال أنا أبو العباس أحمد بن محمد المحبوبى فثنا الترمذي. وما كان فيه من (سنن أبى عبدالرحمن النسائي) فأخبرنا به غير واحد من شيوخنا سماعا. قال أنا عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن سالم بن باقا البغدادي. قال أنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي قال أنا أبو محمد عبدالرحمن بن حمد بن الحسن الدونى قال أنا أبو نصر أحمد بن الحسين بن الكسار قال أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحق بن السنى عنه. وما كان فيه من (سنن ابن ماجه) فقد قرأت الكتاب كاملا على أبى على يعقوب بن أحمد بن فضائل الحلبي. قلت له أخبرك الامام موفق الدين أبو محمد

[ 439 ]

عبد اللطيف بن يوسف البغدادي قراءة عليه وأنت تسمع بحلب فأقر به قال أنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي قال أنا أبو منصور محمد بن الحسين المقوم إجازة إن لم يكن سماعا ثم ظهر سماعه قال أنا أبو طلحة القاسم بن أبى المنذر الخطيب قال أنا أبو الحسن على بن ابراهيم القطان عنه. وما كان فيه عن ابن إسحق فمن كتاب (السيرة النبوية) من رواية أبى محمد عبدالملك بن هشام النحوي وتهذيبه عن زياد بن عبدالله البكائى عنه. وقد قرأتها على أبى المعالى أحمد بن إسحق الابرقوهى إلا يسيرا فسمعته بقراءة غيرى عليه قال أنا أبو محمد عبدالقوى بن عبدالله بن الجباب قراءة عليه وانا أسمع وإجازة لما خالف المسموع ان خالف. ومن أصل ابن الجباب كانت القراءة قال انا أبو محمد عبدالله بن رفاعة بن غدير السعدى قال انا القاضى ابو الحسن الخلعي قال انا ابن النحاس قال انا ابن الورد عن ابن البرقى عن ابن هشام ولى في هذا الكتاب أسانيد أخر. وما كان فيه من (كتاب المغازى عن موسى بن عقبة) فقد سمعت من شيخنا الامام عز الدين أحمد بن ابراهيم بن الفرج الفاروثى أكثر هذا الكتاب، وأجاز لى سائره بسماعه من أبى محمد اسماعيل بن على بن ؟ ؟ ؟ الجوهرى بسماعه من أبى بكر احمد بن المقرب الكرخي قال انا ابو طاهر احمد بن الحسن بن أحمد بن الباقلانى عن أبى طالب حمزة بن الحسين بن أحمد بن سعيد بن القاسم بن شعيب بن الكوفى عن أبى الحسن على بن محمد الشونيزى عن أحمد بن زنجوية المخرمى عن ابراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عنه. وما كان فيه من (كتاب المغازى عن أبى عبدالله محمد بن عائذ القرشى الكاتب) فقد قرأت على أبى القاسم الخضر بن أبى الحسين بن الخضر بن عبدان

[ 440 ]

الازدي الدمشقي بها بعض هذا الكتاب، وأجازني سائره وناولني جميعه قال انا أبو محمد الحسن بن على بن الحسين بن الحسن بن محمد بن البن الاسدي قراءة عليه وانا أسمع بجامع دمشق قال انا جدى قال أنا أبو القاسم بن أبى العلاء قال انا أبو محمد بن أبى نصر قال انا أبو القاسم على بن يعقوب بن ابراهيم بن أبى العقب قال انا أبو عبد الملك أحمد بن ابراهيم القرشى. وما كان فيه عن محمد بن سعد فمن (كتاب الطبقات الكبير) له. وقد قرأت معظم هذا الكتاب على الشيخ الامام بهاء الدين أبى محمد عبد المحسن بن الصاحب محيى الدين محمد بن احمد بن هبة الله بن أبى جرادة العقيلى وأجاز لى جميع ما يرويه وكان سمعه كاملا من الحافظ أبى الحجاج يوسف بن خليل بن عبدالله الدمشقي وذهب يسير من أصل سماعه فلم يقدر عليه حين قراءتى عليه قال ابن خليل انا أبو محمد عبدالله بن دهبل بن على بن منصور بن ابراهيم بن كارة سماعا عليه ببغداد قال انا القاضى أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبداله الانصاري عن أبى محمد الحسن بن على الجوهرى قال انا أبو عمر محمد بن العباس بن ركرياء بن حيوية قال قرئ على أبى الحسن أحمد بن معروف بن بشر بن موسى الخشاب وانا أسمع في شعبان سنة ثمان عشرة وثلاثمائة قال انا أبو محمد الحارث بن محمد ابن أبى أسامة التميمي قال انا ابن سعد. هذا الاسناد من أول الكتاب إلى آخر ما فيه من خبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذى أخرج منه في هذا المجموع ما أخرج وقد يتغير إسناده في باقى الكتاب ولا حاجة بنا إلى بيانه غير أنى رأيت بعض من كتبه عن ابن دهبل أسنده عن القاضى ابى بكر سماعا لجميع ما ذكر عن الجوهرى إجازة من اول الكتاب إلى قوله ذكر مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من حين نبئ إلى الهجرة. وعن أبى إسحق البرمكى أيضا إجازة قالا انا ابن

[ 441 ]

حيوية والذى وقع لى في إسناد ابن خليل بالعنعنة لم يتبين فيه السماع من الاجازة. وقد أخبرنا به إجازة الشيخ المسند أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن على ابن نضر بن منصور الحرانى قال انا أبو محمد عبدالله بن على بن كارة قراءة عليه وانا أسمع بسنده لبعضه وإجازة لسائره بسنده المذكور أيضا. وما كان فيه عن أبى القاسم سليمان بن أحمد (الطبراني) فأخبرني أبو عبد الله محمد بن عبدالمؤمن بن أبى الفتح الصوري بقراءتي عليه وبقراءة الحافظ أبى الحجاج المزى أخبركم الشيخان أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح الصالحانى وأم حبيبة عائشة بنت معمر بن الفاخر إجازة من أصبهان قالا أخبرتنا أم ابراهيم فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية وعائشة حاضرة قالت أم ابراهيم انا أبو بكر بن ريذة قال انا الطبراني وما كان فيه عن (أبى يعلى الموصلي) فأخبرنا به أيضا ابن عبدالمؤمن بقراءتي عليه قال انا أبو مسلم المؤيد بن عبدالرحيم بن أحمد بن محمد بن الاخوة وعائشة بنت معمر بن الفاخر إجازة قالا انا أبو الفرج سعيد بن أبى الرجاء الصيرفى قال انا أبو نصر ابراهيم بن محمد بن على الكسائي قال انا أبو بكر محمد بن ابراهيم المقرئ عنه. وما كان فيه عن (أبى بشر الدولابى) فهو مما قرأته بدمشق على الشيخ الامام أبى العباس أحمد بن ابراهيم الفاروثى أخبركم الامير أبو محمد الحسن بن على بن الحسن السيدى قال انا الحافظ ابو الفضل محمد بن ناصر سماعا قال انا ابو طاهر محمد بن احمد بن أبى الصقر الانباري قال انا ابو البركات احمد بن عبد الواحد بن الفضل ابن نظيف الفراء قال انا ابو محمد الحسن بن رشيق عنه. وما كان فيه عن ابى بكر الشافعي فمن (الفوائد المعروفة بالغيلانيات) من رواية ابن طالب محمد بن محمد بن ابراهيم بن غيلان البزار عنه وقد سمعتها عنه بقراءة

[ 442 ]

والدى رحمه الله على ابى الفضل عبدالرحيم بن يوسف بن يحيى بن العلم ثم قرأتها على أبى الهيجاء غازى بن ابى الفضل بن عبد الوهاب الدمشقي قالا اخبرنا أبو ابو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ قال انا ابو القاسم هبة الله بن محمد بن محمد بن الحصين عن ابن غيلان. وما كان فيه عن (أبى عروبة الحسين بن ابى معشر الحرانى) فمما سمعته على الشيخ ابى عبدالله بن عبدالمؤمن بن ابى الفتح بظاهر دمشق عن زاهر بن ابى طاهر ومحمود بن احمد الثقفين وهشام بن عبدالرحيم الاصبهانيين إجازة بسماعهم من ابى نصر محمد بن حميد الكبريتى قال انا ابو مسلم محمد بن على بن مهزبرد النحوي قال انا ابو بكر المقرئ عنه. وما كان فيه عن (ابى الحسين بن جميع الغساني) فمن معجمه وقد قرأته على الشيخ ابى حفص عمر بن عبد المنعم بن عذير القواس بعربيل بظاهر دمشق بغوطتها أخبركم القاضى ابو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستانى حضورا في الرابعة سنة تسع وستمائة قال انا جمال الاسلام ابو الحسن على بن المسلم بن محمد السلمى قال انه الحسين بن احمد بن طالب الخطيب عنه. وما كان فيه عن ابى عمر فمن (كتاب الدرر في إختصار المغازى والسير) له وهو مما روينه عن والدى رحمه الله عن شيخه ابى الحسين محمد بن احمد بن السراج عن خاله ابى بكر بن خير عن ابى الحجاج الشنتمرى عن ابى على الغساني عنه. وما كان فيه عن أبى محمد عبدالله بن على (الرشاطى) فمن كتابه في (الانساب) وأخبرنا به والدى عن أبى الحسين بن السراج إجازة قال انا أبو محمد عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن عبيدالله الحجرى إجازة إن لم يكن سماعا عليه قال أخبرنا الرشاطى قراءة عليه.

[ 443 ]

وما كان فيه عن القاضى أبى الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبى فمن كتابه المسمى (بالشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم) وقد سمعته كاملا بقراءة والدى رحمه الله بمصر على القاضى الامام على الدين أبى الحسن محمد ابن الشيخ الامام جمال الدين أبى على الحسين بن عتيق بن رشيق بمصر في سنة سبع وسبعين وستمائة قال أنا الامام أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكنانى سماعا عليه سنة تسع وستمائة قال أنا الامام أبو عبد الله محمد بن عبدالله بن محمد ابن عيسى التميمي إجازة قال انا القاضى عياض سماعا. وما كان فيه عن الاستاذ أبى القاسم (السهيلي) فمن روايتي عن والدى رحمه الله قال انا الشيخ الرواية الزاهد أبو الحسين محمد بن أحمد بن السراج إجازة إن لم يكن سماعا. وقد سمع عليه الكثير بقراءة والده قال قرئ كتاب (الروض الانف) والمشرع الروى على أبى القاسم عبدالرحمن بن أبى الحسن الخثعمي السهيلي مصنفه من أوله إلى آخره مرتين وأنا أشمع. ومن كتابه هذا أثبت ما أثبت عنه هنا. وربما أثبت فوائد في الفصول المتعلقة بشرح الاخبار السابقة لها وما اشتملت عليه من الغريب من فوائد ألفيتها بخط جدى أبى بكر محمد بن أحمد علقها عن شيخه الاستاذ أبى على عمر بن محمد الازدي بن الشلوبين عند قراءة السيرة الهشامية عليه وأثبتها في طرر كتابه رحم الله جميعهم ونفعنا بما يسر لنا من ذلك بمنه وكرمه آمين. هذا آخر كتاب السيرة النبوية والحمد لله رب العالمين لا شريك له وصلواته وسلامه على خير خلقه وصفوته وخاتم رسله محمد وآله وصحبه وسلم تمت بتاريخ ضحوة الخميس 7 شعبان المنير عام 1079 عرفنا الله خيره ووقانا ضيره آمين

[ 445 ]

وجد في آخر الاصل: بلغ مقابلة وتصحيحا بقدر الطاقة والامكان في النسخة المنسوخ منها وهى نسخة جيدة مكتوبة عليها: بلغ مقابلة على أصلين صحيحين بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه على يد محصله لنفسه ليفوز ببركته وبركة مؤلفه يوم الاربعاء الثالث عشر من المحرم الفاتح عام ثمانين وألف أرانا الله خيره ووقانا ضيره أحمد بن أحمد قل ابن المختار بن يوسف بن دنبسل الفلاني كتبه له الاخ الفاضل ولده نسبا أحمد ابن محمد طاعوين محمد بن أبى بكر بن على بن دنبسل والد يوسف المذكور جزاه الله تعالى أفضل الجزاء وختم لناوله بالحسنى بعد طول العمر في نعمة وسرور ورزقنا وإياه ذرية طيبة وغفر لنا ولو الدينا ولجميع المسلمين آمين يا رب العالمين انه سميع مجيب صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. وقد نظم هذا الكتاب القاضى فتح الدين النابلسي في أرجوزة سماها الفتح القريب في سيرة الحبيب) وهى في ثلاث مجلدات قال في خطبتها نظمت منها في خمسين نهارا تسعة آلاف بيت استوفت هذه الجملة متون عيون الاثر. ثم كمل تطريرا لله الحمد وله الشكر وعنده المزيد والمنة بتاريخ نهار الاثنين 17 من المحرم أول شهور العام المكمل 1080 أرانا الله خيره وكفانا شره آمين.

[ 446 ]

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فقد قرأت هذا الكتاب من أوله إلى آخره على مؤد بنا شيخ الاسلام خطيب الخطباء فصيح البلغاء جمال الانام حسنة الايام أبى محمد عبدالله بن العلاء شيخ الاسلام الحظى النجم أبى عبدالله محمد بن جماعة الكنانى أدام الله تعالى رفعته وفسح مدته وأجزت به عن الشيخ الامام شمس الدين محمد بن بدر الدين حسن بن على القرشى الفرسيسى سماعا عليه لجميع الكتاب قال أنا الامام العالم الحافظ محمد بن سيد الناس اليعمرى المصنف سماعا عليه لجميعه. * * * الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فقد قرأ على هذه السيرة الشريفة من تأليف الامام الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليعمرى رحمه الله من أولها إلى آخرها باجازتى لها ولغيرها من الامامين العالمين العلامتين الحافظ سراج الدين أبى حفص عمر بن الامام أبى الحسن الوادياشى الشهير بابن الملقن والفقيه شهاب الدين أبى العباس أحمد بن حمدان الازرعى الشافعيان قالا أنا بها إجازة المؤلف ابن سيد الناس المشار إليه الشيخ الفاضل الصالح الخير المحصل عماد الدين أبو الفداء اسماعيل بن الشيخ برهان الدين أبى إسحق ابراهيم بن أبى رحمة المغربي نفع الله به ؟ ؟ ؟. وصح ذلك وثبت في مجالس كثيرة آخرها يوم الخميس عاشر شهر ربيع الآخر من سنة خمس بل ست وثلاثين وثمانمائة وقد أجزت له ما يجوز لى روايته وأجزت له رواية ما ألفته. قاله ابراهيم بن محمد بن خليل سبط ابن العجمي الحلبي وكتب وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى وآله وصحبه وسلم تسليما. " انتهى ما في آخر الاصل "

[ 447 ]

وقوبلت على النسخة الموجودة في دار الكتب الظاهرية بدمشق وقد كتب عليها: هذا ما وقفه الوزير والمشير المفخم جناب الحاج أسعد باشا والى الشام وأمير الحاج على مدرسة والده المغفور له الحاج اسماعيل باشا طاب ثراه واشرط الواقف المذكور أنه لا يخرج من مكانه. ومما كتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله. وبعد فلما كان في سنة سبع وثمانين بعد الالف أخبرنا سيدنا ومولانا العالم العلامة ولى الدين الشيخ منصور الطوخى عن شيخه شيخ الاسلام العالم العلامة الشيخ محمد البابلي قال أخبرنا العلامة الشيخ ابراهيم اللقانى قال أخبرنا العلامة الشيخ السنهوري قال أخبرنا الشيخ نجم الدين الغيطى قال أخبرنا شيخ الاسلام زكريا الانصاري قال أخبرنا الحافظ ابن حجر العسقلاني قال أخبرنا الشمس الفرسيسى قال أخبرنا الامام أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمرى رضى الله عنه. رويناه عنه بهذا السند ورحمهم الله تعالى أجمعين ونفعنا ببركاتهم. وكاتب الاحرف الفقير أبو بكر بن أبى الفتح الدلجى قرأه على المذكور في ا لدرس.

[ 448 ]

وجاء في خاتمة أقدم نسخة صححنا عليها من نسخ الخزانة التيمورية ودار الكتب المصرية ما يأتي: آخر كتاب السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وكان الفراغ من كتابتها يوم الجمعة ضحى عاشر جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثمانمائة على يد الفقير إلى عفو الله تعالى وغفرانه حسين بن شبل بن ابراهيم بن على بن حسن الشافعي عفا الله تعالى عنه بمنه وكرمه وغفر له ولوالديه. وفى آخرها كتابة بخط البرهان الحلبي الشهير بسبط ابن العجمي تاريخها سنة وبعد فلما كان في سنة سبع وثمانين بعد الالف أخبرنا سيدنا ومولانا العالم العلامة ولى الدين الشيخ منصور الطوخى عن شيخه شيخ الاسلام العالم العلامة الشيخ محمد البابلي قال أخبرنا العلامة الشيخ ابراهيم اللقانى قال أخبرنا العلامة الشيخ السنهوري قال أخبرنا الشيخ نجم الدين الغيطى قال أخبرنا شيخ الاسلام زكريا الانصاري قال أخبرنا الحافظ ابن حجر العسقلاني قال أخبرنا الشمس الفرسيسى قال أخبرنا الامام أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمرى رضى الله عنه. رويناه عنه بهذا السند ورحمهم الله تعالى أجمعين ونفعنا ببركاتهم. وكاتب الاحرف الفقير أبو بكر بن أبى الفتح الدلجى قرأه على المذكور في ا لدرس.

[ 448 ]

وجاء في خاتمة أقدم نسخة صححنا عليها من نسخ الخزانة التيمورية ودار الكتب المصرية ما يأتي: آخر كتاب السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وكان الفراغ من كتابتها يوم الجمعة ضحى عاشر جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثمانمائة على يد الفقير إلى عفو الله تعالى وغفرانه حسين بن شبل بن ابراهيم بن على بن حسن الشافعي عفا الله تعالى عنه بمنه وكرمه وغفر له ولوالديه. وفى آخرها كتابة بخط البرهان الحلبي الشهير بسبط ابن العجمي تاريخها سنة 825 تفيد قراءة كاتبها حسين بن شبل المذكور لها عليه قراءة صحيحة وأنه جازه بها وبسائر ما تجوز له روايته. والحواشي التى علقتها مقتبسة من (الاقتباس لحل مشكل سيرة ابن سيد الناس للجمال بن عبد الهادي) ولم يغتنى عن المراجعة والاستدراك عليه في كثير من المواطن. * * * تم طبع الكتاب والحمد لله

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية