الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عيون الاثر - ابن سيد الناس ج 1

عيون الاثر

ابن سيد الناس ج 1


[ 1 ]

السيرة النبوية المسمى عيون الاثر

[ 3 ]

السيرة النبوية المسمى عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير تأليف محمد بن عبد الله بن يحي ابن سيد الناس 671 ه‍ - 734 ه‍ المجلد الاول مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة طبعة جديدة مصححة 1406 ه‍ - 1986 م مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر هاتف: 831640 - 800621 - 273636 - 275867 ص ب: 5251 / 13 بيروت - لبنان

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الناشر تنفيذا للعهد الذي قطعته مؤسستنا على نفسها، وانسجاما مع الخط الذي رسمته لمسيرتها في خدمة لغة الضاد وقراء العربية، وتحقيقا لغايتها في العمل على نشر امهات الكتب والذخائر العربية والاسلامية، وخدمة التراث الانساني. وتحقيقا لهذه الاهداف فقد رأينا العمل على اصدار كتاب السيرة النبوية الجليلة المسمى عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير. لما لهذا السفر النفيس من قيمة علمية وتاريخية واسلامية كبيرة، تتضح جلية ويبرز من خلالها الجهد المضني والبحث الدقيق الذي قدمه مؤلفه الامام الحافظ أبو الفتح محمد بن محمد بن عبدالله بن محمد بن يحيى المعروف بابن سيد الناس المتوفى سنة 734 ه‍. ويتضمن هذا الكتاب بحثا دقيقا وشاملا لسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مبينا شمائله ونسبه ومولده ورضاعته ومعجزاته منذ الصغر مرورا بدقائق حياته في طفولته وشبابه وزواجه ودعوته حتى وفاته. كما يتضمن الكثير من اخباره ومغازيه وبعوثه. كما يتطرق الحديث إلى ذكر اعمامه وازواجه واولاده وحليته وغيرها كثير مما ذكره العلماء. وقد عمدنا إلى طبع هذا الكتاب بطريقة التصوير الطباعي -

[ 6 ]

الاوفست - حرصا على قيمة الكتاب العلمية وتحاشيا للتصحيف والتحريف والاغلاط والتشويه، وحرصا على روح الطبعة التي اخذناها عنها، سيما وانها نسخة محققة ومقابلة على عدة نسخ بواسطة المشاهير ذوي الباع الطويل في هذا الحقل ومنهم السيدان المبارك والتنوخي. هذا ولم نألو جهدا أو نقصر في العمل على اخراجه بطباعة انيقة فاخرة بحلة قشيبة ممتازة. ولا نجد بدا من التنويه بما لهذه السيرة من مزايا على ما سبقها من مؤلفات تبحث في سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فهي تعتبر من امهات السير المعتمدة على وثيق الاخبار، وفيها وفي مقدمتها وشهرتها ما يغني عن التعريف بها. واذ تفخر مؤسستنا بنشر هذا السفر النفيس فانها تعد لتقديم المزيد من كتب التراث ونفائس الحضارة العربية والاسلامية، وتعاهد القراء الكرام على المثابرة وبوضع الجهد والامكانيات في العمل على اغناء المكتبة العربية بالمزيد من النفائس والذخائر خدمة للتراث الانساني. والله من وراء القصد مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 9 ]

(ترجمة المؤلف) قال ابن العماد في كتابه " شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج 6 ص 108 ": وفيها " أي سنة 734 " توفى فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد ابن عبدالله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس الشافعي الامام الحافظ اليعمرى الاندلسي الاشبيلى المصرى المعروف بابن سيد الناس. قال ابن قاضى شهبة: ولد في ذى القعدة - وقيل في ذى الحجة - سنة إحدى وسبعين وستمائة بالقاهرة، وسمع الكثير من الجم الغفير، وتفقه على مذهب الشافعي، وأخذ علم الحديث عن والده وابن دقيق العيد، ولازمه سنين كثيرة وتخرج عليه وقرأ عليه أصول الفقه، وقرأ النحو على ابن النحاس، وولى دار الحديث بجامع الصالح، وخطب بجامع الخندق. وصنف كتبا نفيسة: منها السيرة الكبرى سماها (عيون الاثر) في مجلدين، واختصره في كراريس وسماه نور العيون، وشرح قطعة من كتاب الترمذي إلى كتاب الصلاة في مجلدين، وصنف في منع بيع أمهات الاولاد مجلدا ضخما يدل على علم كثير. وذكره الذهبي في معجمه المختص وقال: أحد أئمة هذا الشأن كتب بخطه المليح كثيرا، وخرج وصنف وصحح وعلل وفرع وأصل وقال الشعر البديع، وكان حلو النادرة حسن المحاضرة جالسته وسمعت قراءته وأجاز لى مروياته.... وقال ابن كثير: اشتغل بالعلم فبرع وساد أقرانه في علوم شتى من الحديث والفقة والنحو وعلم السير والتاريخ وغير ذلك، وقد جمع سيرة حسنة في مجلدين.

[ 10 ]

وقد حرر وحبر واجاد وافاد ولم يسلم من بعض الانتقاد، وله الشعر والنثر الفائق وحسن التصنيف والترصيف والتعبير وجودة البديهة وحسن الطوية والعقيدة السلفية والاقتداء بالاحاديث النبوية..، ولم يكن بمصر في مجموعه مثله في حفظ الاسانيد والمتون والعلل والفقه والملح والاشعار والحكايات... وقال ابن ناصر الدين: كان اماما حافظا عجيبا مصنفا بارعا شاعرا اديبا دخل عليه واحد من الاخوان يوم السبت حادى عشر شعبان فقام لدخوله ثم سقط من قامته فلقف ثلاث ومات من ساعته. ودفن بالقرافة عند ابن ابي جمرة رحمهما الله تعالى. انتهى ما ذكره صاحب الشذرات باختصار بعضه. وقال الحسينى " في ذيل تذكرة الحفاظ ص 16 ": ابن سيد الناس الامام العلامة المفيد الاديب البارع المتقن فتح الدين أبو الفتح محمد بن الامام الحجة ابي عمرو محمد ابن حافظ المغرب ابى بكر محمد بن احمد بن عبدالله بن سيد الناس الاندلسي اليعمرى المصرى الشافعي. ولد سنة احدى وسبعين وستمائة. واجاز له النجيب عبد اللطيف وجماعة، وسمع من العز الحرانى وغازي الحلاوى وابن الانماطى وخلق، وقدم دمشق ليالى وفاة ابن البخاري فلم يدركه، وسمع ابن المجاور ومحمد بن مؤمن والتقى الواسطي وخلق، قال الذهبي: هو احد ائمة هذا الشأن كتب بخطه المليح كثيرا وخرج وصنف وعلل وفرع واصل وقال الشعر البديع وكان حلو النادرة كيس المحاضرة جالسته وسمعت بقراءته واجاز لى مروياته. مات فجأة في حادى عشر شعبان سنة اربع وثلاثين وسبعمائة ودفن بالقرافة، وكان اثريا في المعتقد يحب الله تعالى ورسوله. وقال السيوطي " في ذيل طبقات الحفاظ ص 350 ": الامام العلامة المحدث الحافظ الاديب البارع أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن احمد بن عبدالله بن محمد بن يحيى بن محمد بن محمد بن ابى القاسم بن محمد بن عبدالله بن عبد العزيز ابن سيد الناس بن ابي الوليد بن منذر بن عبد الجبار بن سليمان اليعمرى الاندلسي

[ 11 ]

الاصل المصرى. ولد في ذى القعدة سنة احدى وسبعين وستمائة، وسمع من غازى والعز وخلائق نحو الالف، ولازم ابن دقيق العيد وتخرج عليه واعاد عنده وكان يحبه ويثنى عليه، واخذ العربية عن البهاء بن النحاس وكتب الخط المغربي والمصري فأتقنهما، وكان احد الاعلام الحفاظ اماما في الحديث ناقدا في الفن خبيرا بالرجال والعلل والاسانيد عالما بالصحيح والسقيم له حظ من العربية. حسن التصنيف صحيح العقيدة اديبا شاعرا بارعا متفننا في البلاغة ناظما ناثرا مترسلا، ولى درس الحديث بالظاهرية وغيرها. وصنف السيرة الكبرى والصغرى وشرح الترمذي لم يكمله فأتمه الحافظ ابو الفضل العراقى. مات في شعبان سنة اربع وثلاثين وسبعمائة ولم يخلف في مجموعه مثله.

[ 12 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله محلى محاسن السنة المحمدية بدرر اخبارها. ومجلى ميامن السيرة النبوية عن غرر آثارها. ومؤيد من اقتبس نور هدايته من مشكاة انوارها. ومسدد من التمس عز حمايته من ازرق سنانها وابيض بتارها. ومسهل طريق الجنة لمن اتبع مستقيم صراطها واهتدى بضياء منارها. ومذلل سبيل الهداية لمن اقتفى سرائر سيرها وسير اسرارها. احمده على ما اولى من نعم قعد لسان الشكر عن القيام بمقدارها. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغنا من ميادين القبول غاية مضمارها وتسوغنا من مشارع الرحمة اصفى مواردها واعذب انهارها واشهد ان محمدا عبده ورسوله الذى ابتعثه وقد طمت (1) بحار الكفر بتيارها وطغت شياطين الضلال بعنادها واصرارها. وعتت طائفة الاوثان وعبدة الاصنام على خالقها وجبارها. فقام بأمره حتى تجلت غياهب ظلمها عن سنا ابدارها. وجاهد في الله حق جهاده حتى اسفر ليل جهلها عن صباح نهارها. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حازت نفوسهم الابية من مراضيه غاية اوطارها. وفازت من سماع مقاله ورواية احواله ورؤية جلاله بملء مسامعها وافواهها وابصارها. وسلم تسليما كثيرا.


(1) أي ارتفعت وزادت (*)

[ 13 ]

وبعد فلما وقفت على ما جمعه الناس قديما وحديثا من المجاميع في سير النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه وايامه إلى غير ذلك مما يتصل به. لم ار الا مطيلا مملا أو مقصرا باكثر المقاصد مخلا. والمطيل اما معتن بالاسماء والانساب. والاشعار والآداب أو آخر يأخذ كل مأخذ في جمع الطرق والروايات. ويصرف إلى ذلك ما تصل إليه القدرة من العنايات. والمقصر لا يعدو المنهج الواحد. ومع ذلك فلا بد وان يترك كثيرا مما فيه من الفوائد، وان كانوا رحمهم الله هم القدوة في ذلك. ومما جمعوه يستمد من اراد ما هنالك. فليس لى في هذا المجموع الا حسن الاختيار من كلامهم. والتبرك بالدخول في نظامهم. غير ان التصنيف يكون في عشرة انواع كما ذكره بعض العلماء فأحدها جمع المتفرقات وهو ما نحن فيه فانى ارجو ان الناظر في كتابي هذا لا يجد ما ضمنته اياه في مكان ولا مكانين ولا ثلاثة ولا اكثر من ذلك الا بزيادة كثيرة تتعب القاصد وتتعذر بها على اكثر الناس المقاصد فاقتضى ذلك ان جمعت هذه الاوراق وضمنتها كثيرا مما انتهى إلى من نسب سيدنا ونبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومولده. ورضاعه. وفصاله. واقامته في بنى سعد. وما عرض له هنالك من شق الصدر وغيره. ومنشائه وكفالة عبدالمطلب جده اياه إلى ان مات. وانتقاله إلى كفالة عمه ابى طالب بعد ذلك. وسفره إلى الشام. ورجوعه منه. وما وقع له في ذلك السفر من اظلال الغمامة اياه واخبار الكهان والرهبان عن نبوته. وتزويجه خديجة عليها السلام. ومبدأ البعث والنبوة ونزول الوحى. وذكر قوم من السابقين الاولين في الدخول في الاسلام. وما كان من الهجرتين إلى ارض الحبشة، وانشقاق القمر، وما عرض له بمكة من الحصار بالشعب. وامر الصحيفة وخروجه إلى الطائف. ورجوعه بعد ذلك إلى مكة وذكر

[ 14 ]

العقبة. وبدء اسلام الانضار. والاسراء. والمعراج. وفرض الصلاة واخبار الهجرة إلى المدينة ودخوله عليه السلام المدينة. ونزوله حيث نزل. وبناء المسجد واتخاذ المنبر. وحنين الجذع. ومغازيه وسيره وبعوثه. وما نزل من الوحى في ذلك. وعمره وكتبه إلى الملوك. واسلام الوفود. وحجة الوداع. ووفاته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. ثم اتبعت ذلك بذكر اعمامه وعماته وازواجه واولاده وحليته وشمائله وعبيده وامائه ومواليه وخيله وسلاحه وما يتصل بذلك مما ذكره العلماء في ذلك على سبيل الاختصار والايجاز سالكا في ذلك ما اقتضاه التاريخ من ايراد واقعة بعد اخرى لا ما اقتضاه الترتيب من ضم الشئ إلى شكله ومثله حاشا ذكر ازواجه واولاده عليه السلام فانى لم اسق ذكرهم على ما اقتضاه التاريخ بل دخل ذلك كله فيما اتبعت به باب المغازى والسير من باب الحلى والشمائل ولم استثن من ذلك الا ذكر تزويجه عليه السلام خديجة عليها السلام لما وقع في امرها من اعلام النبوة. وقد اتحفت الناظر في هذا الكتاب من طرف الاشعار بما يقف الاختيار عنده. ومن نتف الانساب بما لا يعدو التعريف حده ومن عوالي الاسانيد بما يستعذب الناهل ورده. ويستنجح الناقل قصده. وارحته من الاطالة بتكرار ما يتكرر منها وذلك انى عمدت إلى ما يتكرر النقل منه من كتب الاحاديث والسنن والمصنفات على الابواب والمسانيد وكتب المغازى والسير وغير ذلك مما يتكرر ذكره فاذكر ما اذكره من ذلك باسانيدهم إلى منتهى ما في مواضعه واذكر اسانيدى إلى مصنفي تلك الكتب في مكان واحد عند انتهاء الغرض من هذا المجموع. واما ما لا يتكرر النقل منه الا قليلا أو ما لا يتكرر منه نقل فما حصل من الفوائد الملتقطة والاجزاء المتفرقة فانى اذكر تلك الاسانيد عند ذكر ما اورده بها ليحصل بذلك الغرض من الاختصار وذكر الاسانيد مع عدم التكرار. فاما الانساب فمن ذكرته استوعبت نسبه إلى ان يصل إلى فخذه أو بطنه المشهور

[ 15 ]

أو ابعد من ذلك من شعبه أو قبيلته بحسب ما يقتضيه الحال ان وجدته فان تكرر ذكره لم ارفع في نسبه واكتفيت بما سلف من ذلك غير انى انبه على المكان الذى سبق فيه نسبه مرفوعا بعلامة ارسمها بالحمرة فمن ذكر في السابقين الاولين اعلمت له " 3 " وللمهاجرين الاولين إلى ارض الحبشة " ها " وللثانية " هب " ولمهاجرة المدينة " ه " ولاهل العقبة الاولى " عا " والثانية " عب " وللمذكورين في النقباء " ق " ولاهل العقبة الثالثة " عج " وللبدريين " ب " ولاهل احد " ا ". وعمدتنا فيما نورده من ذلك على محمد بن اسحق إذ هو العمدة في هذا الباب لنا ولغيرنا غير انى قد اجد الخبر عنده مرسلا وهو عند غيره غير مسندا فاذكره من حيث هو مسند ترجيحا لمحل الاسناد. وان كانت في مرسل ابن اسحق زيادة اتبعته بها ولم اتتبع اسناد مراسيله وانما كتبت ذلك بحسب ما وقع لى، وكثيرا ما انقل عن الواقدي من طريق محمد بن سعد وغيره اخبارا ولعل كثيرا منها لا يوجد عند غيره فالى محمد بن عمر انتهى علم ذلك ايضا في زمانه، وان كان قد وقع لاهل العلم كلام في محمد بن اسحق وكلام في محمد بن عمر الواقدي اشد منه فسنذكر نبذة مما انتهى إلى من الكلام فيهما جرحا وتعديلا فإذا انتهى ما انقله من ذلك اخذت في الاجوبة عن الجرح فصلا فصلا بحسب ما يقتضيه النظر ويؤدى إليه الاجتهاد والله الموفق: فأما ابن اسحق فهو محمد بن اسحق بن يسار بن خيار ويقال ابن يسار بن كوثان (1) المدينى مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف أبو بكر وقيل أبو عبدالله رأى انس بن ملك وسعيد بن المسيب وسمع القاسم بن محمد ابن ابى بكر الصديق وابان بن عثمان بن عفان ومحمد بن على بن الحسن بن على بن ابى طالب وابا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف و عبدالرحمن بن هرمز الاعرج ونافعا مولى ابن عمر والزهرى وغيرهم، وحدث عنه ائمة العلماء منهم يحيى بن سعيد الانصاري


(1) بضم الكاف وثاء مثلثة وآخره نون (*)

[ 16 ]

وسفيان الثوري وابن جريج وشعبة والحمادان وابراهيم بن سعد وشريك ابن عبدالله النخعي وسفيان بن عيينة ومن بعدهم. ذكر ابن المدينى عن سفيان ابن عيينة انه سمع ابن شهاب يقول لا يزال بالمدينة علم ما بقى هذا يعنى ابن اسحق وروى ابن ابى ذئب عن الزهري انه رآه مقبلا فقال لا يزال بالحجاز علم كثير ما بقى هذا الاحول بين اظهرهم، وقال ابن علية: سمعت شعبة يقول محمد ابن اسحق صدوق في الحديث، من رواية يونس بن بكير عن شعبة: محمد بن اسحق امير المحدثين وقيل له لم قال لحفظه، وقال ابن ابي خيثمة حدثنا ابن المنذر عن ابن عيينة انه قال ما يقول اصحابك في محمد بن اسحق قال قلت يقولون انه كذاب قال لا تقل ذلك قال ابن المدينى سمعت سفيان بن عيينة سئل عن محمد بن اسحق فقيل له ولم يرو اهل المدينة عنه قال جالسته منذ بضع وسبعين سنة وما يتهمه احد من اهل المدينة ولا يقولون فيه شيئا، وسئل أبو زرعة عنه فقال من تكلم في محمد بن اسحق هو صدوق. وقال أبو حاتم يكتب حديثه وقال ابن المدينى مدار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ستة فذكرهم ثم قال وصار علم الستة عند اثنى عشر احدهم ابن اسحق. وسئل ابن شهاب عن المغازى فقال هذا اعلم الناس بها يعنى ابن اسحق. وقال الشافعي من اراد ان يتبحر في المغازى فهو عيال على ابن اسحق، وقال احمد بن زهير سألت يحيى بن معين عنه فقال قال عاصم بن عمر ابن قتادة لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن اسحق، وقال ابن ابي خيثمة حدثنا هرون بن معروف قال سمعت ابا معوية يقول كان ابن اسحق من احفظ الناس فكان إذا كان عند الرجل خمسة احاديث أو اكثر جاء فاستودعها محمد بن اسحق فقال احفظها على فان نسيتها كنت قد حفظتها على. وروى الخطيب باسناد له إلى ابن نفيل ثنا عبدالله بن فائد قال كنا إذا جلسنا إلى محمد بن اسحق فأخذ في

[ 17 ]

فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن. وقال أبو زرعة عبدالرحمن بن عمر والنصرى (1). محمد بن اسحق قد اجمع الكبراء من اهل العلم على الاخذ عنه منهم سفيان وشعبة وابن عيينة والحمادان وابن المبارك وابراهيم بن سعد وروى عنه من الاكابر يزيد بن ابى حبيب. وقد اختبره اهل الحديث فرأوا صدقا وخيرا مع مدحة ابن شهاب له. وقد ذاكرت دحيما قول ملك يعنى فيه فرأى ان ذلك ليس للحديث انما هو لانه اتهمه بالقدر، وقال ابراهيم بن يعقوب الجوزجانى الناس يشتهون حديثه وكان يرمى بغير نوع من البدع. وقال ابن نمير كان يرمى بالقدر وكان ابعد الناس منه، وقال البخاري ينبغى ان يكون له الف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها احد وقال على بن المدينى عن سفيان ما رأيت احدا يتهم محمد بن اسحق وقال أبو سعيد الجعفي كان ابن ادريس معجبا بابن اسحق كثير الذكر له ينسبه إلى العلم والمعرفة والحفظ، وقال ابراهيم الحربى حدثنى مصعب قال كانوا يطعنون عليه بشئ من غير جنس الحديث، وقال يزيد بن هارون ولو سود احد في الحديث لسود محمد بن اسحق. وقال شعبة فيه امير المؤمنين في الحديث. وروى يحيى بن آدم ثنا أبو شهاب قال قال لى شعبة بن الحجاج عليك بالحجاج بن ارطاة (2) وبمحمد بن اسحق، وقال ابن علية قال شعبة اما محمد بن اسحق وجابر الجعفي فصدوقان وقال يعقوب ابن شيبة سألت ابن المدينى كيف حديث محمد بن اسحق صحيح ؟ قال نعم حديثه عندي صحيح قلت له فكلام مالك فيه قال لم يجالسه ولم يعرفه ثم قال على ابن اسحق أي شئ حدث بالمدينة قلت له فهشام بن عروة قد تكلم فيه قال على الذى قال هشام ليس بحجة لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها وسمعت عليا يقول ان حديث محمد بن اسحق ليتبين فيه الصدق يروى مرة حدثنى أبو الزناد ومرة ذكر


(1) بالنون المفتوحة والصاد المهملة الساكنة. (2) في الاصل " ارطاط " وهو غلط ظاهر. (*)

[ 18 ]

أبو الزناد وروى عن رجل عن من سمع منه يقول حدثنى سفيان بن سعيد عن سالم أبى النضر عن عمر " صوم يوم عرفة " وهو من أروى الناس عن أبى النضر ويقول حدثنى الحسن ابن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب في " سلف وبيع " وهو من أروى الناس عن عمرو بن شعيب وقال على لم أجد لابن إسحق الا حديثين منكرين نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم " إذا نعس أحدكم يوم الجمعة " والزهرى عن عروة عن زيد بن خالد " إذا مس أحدكم فرجه " هذين لم يروهما عن أحد والباقون يقول ذكر فلان ولكن هذا فيه ثنا، وقال مرة وقع إلى من حديثه شئ فما انكرت منه إلا أربعة أحاديث ظننت ان بعضه منه وبعضه ليس منه، وقال البخاري رأيت على بن المدينى يحتج بحديثه وقال لى نظرت في كتابه فما وجدت عليه الا حديثين ويمكن ان يكونا صحيحين، وقال العجلى ثقة، وروى المفضل بن غسان عن يحيى بن معين ثبت في الحديث، وقال يعقوب بن شيبة سألت يحيى بن معين عنه في نفسك شئ من صدقه قال لا هو صدوق. وروى ابن أبى خيثمة عن يحيى ليس به بأس وقال ابن المدينى قلت لسفيان كان ابن إسحق جالس فاطمة بنت المنذر فقال أخبرني أنها حدثته وأنه دخل عليها، فاطمة هذه هي زوج هشام بن عروة وكان هشام ينكر على ابن إسحق روايته عنها ويقول لقد دخلت بها وهى بنت تسع سنين وما رآها مخلوق حتى لحقت بالله، وقال الاثرم سألت أحمد بن حنبل عنه فقال هو حسن الحديث.

[ 19 ]

(ذكر الكلام في محمد بن إسحق والطعن عليه) روينا عن يعقوب بن شيبة قال سمعت محمد بن عبدالله بن نميرو ذكر ابن إسحق فقال إذ حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق وإنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة، وقال أبو موسى محمد بن المثنى ما سمعت يحيى القطان يحدث عن ابن إسحق شيئا قط، وقال الميمونى ثنا أبو عبد الله احمد بن حنبل بحديث استحسنه عن محمد بن إسحق وقلت له يا أبا عبدالله ما أحسن هذه القصص التى يجئ بها ابن إسحق فتبسم إلى متعجبا، وروى ابن معين عن يحيى بن القطان أنه كان لا يرضى محمد بن إسحق ولا يحدث عنه، وقال عبد الله بن أحمد وسأله رجل عن محمد بن أسحق فقال كان أبى يتتبع حديثه ويكتبه كثيرا بالعلو والنزول ويخرجه في المسند وما رأيته اتقى حديثه قط قيل له يحتج به قال لم يكن يحتج به في السنن، وقيل لاحمد يا أبا عبدالله: إذا تفرد بحديث تقبله قال لا والله إنى رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا وقال ابن المدينى مرة هو صالح وسط وروى الميمونى عن ابن معين ضعيف. وروى عنه غيره ليس كذلك وروى الدوري عنه ثقة ولكنه ليس بحجة، وقال أبو زرعة عبدالرحمن بن عمرو قلت ليحيى بن معين وذكرت له الحجة فقلت محمد بن اسحق منهم فقال كان ثقة إنما الحجة عبيد الله ابن عمر وملك بن أنس وذكر قوما آخرين، وقال أحمد بن زهير سئل يحيى عنه مرة فقال ليس بذاك ضعيف قال وسمعته مرة اخرى يقول هو عندي سقيم ليس بالقوى وقال النسائي ليس بالقوى وقال البرقانى سألت الدارقطني عن محمد بن إسحق بن يسار

[ 20 ]

عن أبيه فقال جميعا لا يحتج بهما وإنما يعتبر بهما، وقال على قلت ليحيى بن سعيد كان ابن إسحق بالكوفة وأنت بها قال نعم قلت تركته متعمدا قال نعم ولم أكتب عنه حديثا قط، وروى أبو داود عن حماد بن سلمة قال لولا الاضطرار ما حدثت عن محمد بن اسحق وقال احمد قال ملك وذكره فقال دجال من الدجاجلة، وروى الهيثم ابن خلف الدوري ثنا أحمد بن إبراهيم ثنا أبو داود صاحب الطيالسة قال حدثني من سمع هشام بن عروة وقيل له إن ابن إسحق يحدث بكذا وكذا عن فاطمة فقال كذب الخبيث، وروى القطان عن هشام أنه ذكره فقال العدو لله الكذاب يروى عن امرأتي من أين رآها وقال عبدالله بن أحمد فحدثت أبى بذلك فقال وما ينكر لعله جاء فاستأذن عليها فأذنت له احسبه قال ولم يعلم، وقال مالك كذاب وقال ابن ادريس قلت لمالك وذكر المغازى فقلت له قال ابن إسحق أنا بيطارها فقال نحن نفيناه عن المدينة، وقال مكى بن ابراهيم جلست إلى محمد بن اسحق وكان يخضب بالسواد فذكر أحاديث في الصفة فنفرت منها فلم أعد إليه وقال مرة تركت حديثه وقد سمعت منه بالرى عشرين مجلسا. وروى الساجى عن المفضل بن غسان حضرت يزيد ابن هرون وهو يحدث بالبقيع وعنده ناس من أهل المدينة يسمعون منه حتى حدثهم عن محمد بن إسحق فأمسكوا وقالوا لا تحدثنا عنه نحن أعلم به فذهب يزيد يحاولهم فلم يقبلوا فأمسك يزيد، وقال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل ذكره فقال كان رجلا يشتهى الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه، وسئل أبو عبدالله ايما أحب اليك موسى بن عبيدة الربذى أو محمد بن إسحق قال لا محمد بن إسحق وقال أحمد كان يدلس إلا ان كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماعا قال حدثنى وإذا لم يكن قال قال، وقال أبو عبدالله قدم محمد بن إسحق إلى بغداد فكان لا يبالى عمن يحكى عن الكلبى وغيره وقال ليس بحجة، وقال الفلاس كنا عند

[ 21 ]

وهب بن جرير فانصرفنا من عنده فمررنا بيحيى القطان فقال أين كنتم فقلنا كنا عند وهب بن جرير يعنى نقرأ عليه كتاب المغازى عن أبيه عن ابن إسحق فقال تنصرفون من عنده بكذب كثير، وقال عباس الدوري سمعت أحمد بن حنبل وذكر محمد بن إسحق فقال أما في المغازى وأشباهه فيكتب وأما في الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا ومديده وضم أصابعه، وروى الاثرم عن أحمد كثير التدليس جدا أحسن حديثه عندي ما قال أخبرني وسمعت، وعن ابن معين ما أحب ان أحتج به في الفرائض. وقال ابن أبى حاتم ليس بالقوى ضعيف الحديث وهو أحب إلى من افلح ابن سعيد يكتب حديثه، وقال سليمان التيمى كذاب وقال يحيى القطان ما تركت حديثه إلا لله أشهد أنه كذاب وقد قال يحيى بن سعيد قال لى وهيب بن خالد أنه كذاب قلت لوهيب ما يدريك قال قال لى مالك أشهد أنه كذاب قلت لمالك ما يدريك قال قال لى هشام بن عروة أشهد أنه كذاب قلت لهشام ما يدريك قال حدث عن امرأتي فاطمة الحديث. قلت والكلام فيه كثير جدا وقد قال أبو بكر الخطيب قد احتج بروايته في الاحكام قوم من أهل العلم وصدف عنها آخرون وقال في موضع آخر قد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحق غير واحد من العلماء لاسباب منها أنه كان يتشيع وينسب إلى القدر ويدلس وأما الصدق فليس بمدفوع عنه إنتهى كلام الخطيب. وقد استشهد به البخاري. وأخرج له مسلم متابعة واختار أبو الحسن بن القطان أن يكون حديثه من باب الحسن لاختلاف الناس فيه. وأما روايته عن فاطمة فروينا عن أبى بكر الخطيب قال أنا القاضى ابو بكر أحمد بن الحسن الحرشى ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم ثنا أبو زرعة عبدالرحمن بن عمرو بدمشق ثنا أحمد بن خالد الوهبى ثنا محمد بن إسحق عن فاطمة بنت المنذر عن اسماء بنت أبى بكر قالت سمعت امرأة وهى تسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ان لى ضرة وأنى اتشبع من زوجي بما لم يعطنيه

[ 22 ]

لتغيظها بذلك قال " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " وقال أبو الحسن بن القطان الحديث الذى من أجله وقع الكلام في ابن إسحق من روايته عن فاطمة حتى قال هشام إنه كذاب وتبعه في ذلك مالك وتبعه يحيى بن سعيد وتابعوا بعدهم تقليدا لهم حديث " فلتقرصه ولتنضح (1) ما لم ترو لتصل فيه " وقد روينا من حديثه عنها غير ذلك. (ذكر الاجوبة عما رمى به) قلت أما ما رمى به من التدليس والقدر والتشيع فلا يوجب رد روايته ولا يوقع فيها كبير وهن وأما التدليس فمنه القادح في العدالة وغيره ولا يحمل ما وقع هاهنا من مطلق التدليس على التدليس المقيد بالقادح في العدالة، وكذلك القدر والتشيع لا يقتضى الرد إلا بضميمة أخرى ولم نجدها هاهنا. وأما قول مكى بن ابراهيم أنه ترك حديثه ولم يعد إليه فقد علل ذلك بأنه سمعه يحدث أحاديث في الصفات فنفر منه وليس في ذلك كبير أمر فقد ترخص قوم من السلف في رواية المشكل من ذلك وما يحتاج إلى تأويله لا سيما إذا تضمن الحديث حكما أو أمرا آخرا وقد تكون هذه الاحاديث من هذا القبيل. وأما الخبر عن يزيد بن هرون أنه حدث أهل المدينة عن قوم فلما حدثهم عنه أمسكوا فليس فيه ذكر لمقتضى الامساك وإذا لم يذكر لم يبق إلا ان يحول الظن فيه وليس لنا ان نعارض عدالة مقبولة بما قد تظنه جرحا، وأما ترك يحيى القطان حديثه فقد ذكرنا السبب في ذلك وتكذيبه إياه رواية عن وهيب بن خالد عن مالك عن هشام فهو ومن فوقه في هذا الاسناد تبع لهشام وليس ببعيد من ان يكون ذلك هو المنفر لاهل المدينة عنه في الخبر السابق


(1) النضح: الرش، ويأتى بمعنى الغسل. (*)

[ 23 ]

عن يزيد بن هارون وقد تقدم الجواب عن قول هشام فيه عن احمد بن حنبل وعلى بن المدينى بما فيه مغنى. وأما قول ابن نمير انه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة فلو لم ينقل توثيقه وتعديله لتردد الامر في التهمة بما بينه وبين من نقلها عنه وأما مع التوثيق والتعديل فالحمل فيها على المجهولين المشار إليهم لا عليه، وأما الطعن على العالم بروايته عن المجهولين فغريب قد حكى ذلك عن سفيان الثوري وغيره وأكثر ما فيه التفرقة بين بعض حديثه وبعض فيرد ما رواه عن المجهولين ويقبل ما حمله على المعروفين. وقد روينا عن أبى عيسى الترمذي قال سمعت محمد بن بشار يقول سمعت عبدالرحمن بن مهدى يقول ألا تعجبون من سفيان بن عيينة لقد تركت لجابر الجعفي لما حكى عنه أكثر من الف حديث ثم هو يحدث عنه قال الترمذي وقد حدث شعبة عن جابر الجعفي وإبراهيم الهجرى ومحمد بن عبيد الله العرزمى وغير واحد ممن يضعف في الحديث وأما قول أحمد يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا وقد تتحد الفاظ الجماعة وان تعددت اشخاصهم وعلى تقدير أن لا يتحد اللفظ فقد يتحد المعنى روينا عن واثلة ابن الاسقع قال إذا حدثتكم على المعنى فحسبكم. وروينا عن محمد بن سيرين قال كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد، وقد تقدم من كلام ابن المدينى أن حديثه ليتبين فيه الصدق يروى مرة حدثنى أبو الزناد ومرة ذكر أبو الزناد الفصل إلى آخره ما يصلح لمعارضة هذا الكلام، واختصاص ابن المدينى سفيان معلوم كما علم اختصاص سفيان بمحمد بن إسحق. وأما قوله كان يشتهى الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه فلا يتم الجرح بذلك حتى ينفى ان تكون مسموعة له ويثبت أن يكون حدث بها ثم ينظر بعد ذلك في كيفية الاخبار فان كان بألفاظ لا تقتضي السماع تصريحا فحكمه حكم المدلسين ولا يحسن الكلام معه إلا بعد النظر في مدلول تلك الالفاظ وان كان يروى ذلك عنهم مصرحا بالسماع

[ 24 ]

ولم يسمع فهذا كذب صراح واختلاق محض لا يحسن الحمل عليه إلا إذا لم يجد للكلام مخرجا غيره. وأما قوله لا يبالى عمن يحكى عن الكلبى وغيره فهو أيضا إشارة إلى الطعن بالرواية عن الضعفاء لمحل ابن الكلبى من التضعيف والراوي عن الضعفاء لا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن يصرح باسم الضعيف أو يدلسه فان صرح به فليس فيه كبير أمر روى عن شخص ولم يعلم حاله أو علم وصرح به ليبرأ من العهدة. وان دلسه فاما ان يكون عالما بضعفه أولا فان لم يعلم فالامر في ذلك قريب وان علم به وقصد بتدليس الضعيف وتغييره واخفائه ترويج الخبر حتى يظن أنه من أخبار أهل الصدق وليس كذلك فهذه جرجة من فاعلها وكبيرة من مرتكبها وليس في اخبار أحمد عن ابن إسحق ما يقتضى روايته عن الضعيف وتدليسه إياه مع العلم بضعفه حتى ينبنى على ذلك قدح أصلا. وجواب ثان محمد بن إسحق مشهور بسعة العلم وكثرة الحفظ فقد يميز من حديث الكلبى وغيره مما يجرى مجراه ما يقبل مما يرد فيكتب ما يرضاه ويترك ما لا يرضاه وقد قال يعلى بن عبيد قال لنا سفيان الثوري اتقوا الكلبى فقيل له فانك تروى عنه فقال أنا أعرف صدقه من كذبه ثم غالب ما يروى عن الكلبى أنساب واخبار من أحوال الناس وأيام العرب وسيرهم وما يجرى مجرى ذلك مما سمح كثير من الناس في حمله عمن لا تحمل عنه الاحكام وممن حكى عنه الترخص في ذلك الامام أحمد وممن حكى عنه التسوية في ذلك بين الاحكام وغيرها يحيى بن معين وفى ذلك بحث ليس هذا موضعه. وأما قول عبدالله عن أبيه لم يكن يحتج به في السنن فقد يكون لما أنس منه التسامح في غير السنن التى هي جل علمه من المغازى والسير طرد الباب فيه وقاس مروياته من السنن على غيرها وطرد الباب في ذلك يعارضه تعديل من عدله، وأما قول يحيى ثقة وليس بحجة فيكفينا التوثيق ولو لم يكن يقبل الامثل العمرى ومالك لقل المقبولون. وأما ما نقلناه عن يحيى بن سعيد من طريق ابن المدينى

[ 25 ]

ووهب بن جرير فلا يبعد ان يكون قلد مالكا لانه روى عنه قول هشام فيه وأما قول يحيى ما أحب ان احتج به في الفرائض فقد سبق الجواب عنه فيما نقلناه عن الامام أحمد رحمهم الله على أن المعروف عن يحيى في هذه المسألة التسوية بين المرويات من أحكام وغيرها والقبول مطلقا أو عدمه من غير تفصيل وأما ما عدا ذلك من الطعن فأمور غير مفسرة ومعارضة في الاكثر من قائلها بما يقتضى التعديل وممن يصحح حديثه ويحتج به في الاحكام أبو عيسى الترمذي رحمه الله وأبو حاتم بن حبان ولم نتكلف الرد عن طعن الطاعنين فيه الا لما عارضه من تعديل العلماء له وثنائهم عليه ولولا ذلك لكان اليسير من هذا الجرح كافيا في رده اخباره إذ اليسير من الجرح المفسر منه وغير المفسر كاف في رد من جهلت حاله قبله ولم يعدله معدل وقد ذكره أبو حاتم ابن حبان في كتاب الثقات له فاعرب عما في الضمير فقال تكلم فيه رجلان هشام ومالك فاما هشام فأنكر سماعه من فاطمة، والذى قاله ليس مما يجرح به الانسان في الحديث وذلك ان التابعين كالاسود وعلقمة سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها بل سمعوا صوتها وكذلك ابن اسحق كان يسمع من فاطمة والستر بينهما مسبل قال وأما مالك فانه كان ذلك منه مرة واحدة ثم عاد له إلى ما يحب وذلك أنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم من ابن اسحق وكان يزعم أن مالك من موالى ذى أصبح وكان مالك يزعم أنه من أنفسها فوقع بينهما لذلك مفاوضة فلما صنف مالك الموطأ قال ابن اسحق إئتوني به فأنا بيطاره فنقل ذلك إلى مالك فقال هذا دجال من الدجاجلة يروى عن اليهود، وكان بينهما ما يكون بين الناس حتى عزم محمد على الخروج إلى العراق فتصالحا حينئذ وأعطاه عند الوداع خمسين دينارا ونصف ثمرته تلك السنة. ولم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث انما كان

[ 26 ]

ينكر عليه تتبعه غزوات النبي صلى الله عليه وسلم من اولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنضير وما أشبه ذلك من الغرائب عن اسلافهم. وكان بن اسحق يتتبع ذلك عنهم ليعلم ذلك من غير ان يحتج بهم وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن صدوق. قلت ليس ابن اسحق أبا عذرة هذا القول في نسب مالك فقد حكى شئ من ذلك عن الزهري وغيره، والرجل أعلم بنسبه وتأبى له عدالته وامامته ان يخالف قوله علمه، وأما قول ابن اسحق أنا جهبذها فقد أتى أمرا إمرا وارتقى مرتقى وعرا ولم يدر ما هنالك من زعم أنه في الاتقان كمالك وقد القته آماله في المهالك من انفه في الثرى وهو يطاول النجوم الشوابك. وأما الواقدي فهو محمد بن عمر بن واقد أبو عبدالله المدينى سمع ابن أبى ذئب ومعمر بن زاشد ومالك بن أنس ومحمد بن عبدالله ابن أخى الزهري ومحمد بن عجلان وربيعة بن عثمان وابن جريج وأسامة بن زين وعبد الحميد بن جعفر والثوري وأبا معشر وجماعة، روى عنه كاتبه محمد بن سعد وأبو حسان الزيادي ومحمد بن إسحق الصاغانى وأحمد بن الخليل البرجلانى و عبدالله بن الحسين الهاشمي وأحمد بن عبيد بن ناصح ومحمد بن شجاع الثلجى والحرث بن أبى أسامة وغيرهم. ذكره الخطيب أبو بكر وقال هو ممن طبق شرق الارض وغربها ذكره ولم يخف على احد عرف أخبار الناس أمره وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم من المغازى والسير والطبقات وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم والاحداث التى كانت في وقته وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم وكتب الفقه واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك وكان جوادا كريما مشهورا بالسخاء، وقال ابن سعد: محمد بن عمر بن واقد أبو عبد الله مولى عبدالله بن بريدة الاسلمي كان من أهل المدينة قدم بغداد في سنة ثمانين ومائة في دين لحقه فلم يزل بها وخرج إلى الشام والرقة ثم رجع إلى بغداد فلم يزل بها إلى أن قدم المأمون من خراسان فولاه القضاء بعسكر المهدى فلم يزل قاضيا

[ 27 ]

حتى مات ببغداد ليلة الثلاثاء لاحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة سنة سبع ومائتين ودفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران وهو ابن ثمان وسبعين سنة وذكر انه ولد سنة ثلاثين ومائة في آخر خلافة مروان بن محمد. وكان عالما بالمغازي واختلاف الناس واحاديثهم، وقال محمد بن خلاد سمعت محمد بن سلام الجمحى يقول: محمد بن عمر الواقدي عالم دهره. وقال ابراهيم الحربى: الواقدي آمن الناس على اهل الاسلام وقال الحربى ايضا كان الواقدي اعلم الناس بأمر الاسلام فأما الجاهلية فلم يعمل فيها شيئا، وقال يعقوب بن شيبة لما انتقل الواقدي من الجانب الغربي إلى ها هنا يقال انه حمل كتبه على عشرين ومائة وقر وقيل كانت كتبه ستمائة قمطر (1) وقال محمد بن جرير الطبري قال ابن سعد كان الواقدي يقول ما من احد الا وكتبه اكثر من حفظه وحفظى اكثر من كتبي. وروى غيره عنه قال ما ادركت رجلا من ابناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته هل سمعت احدا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه أو نحو هذا الكلام، وقال ابن منيع سمعت هرون الفروى يقول رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة فقلت اين تريد قال اريد أن أمضى إلى حنين حتى أرى الموضع والوقعة، وقال ابراهيم الحربى سمعت المسيبى يقول رأيت الواقدي يوما جالسا إلى اسطوانة في مسجد المدينة وهو يدرس فقلنا له أي شئ تدرس فقال حزبى من المغازى. وروينا عن أبى بكر الخطيب قال وأنا الازهرى قال أنا محمد بن العباس قال أنا أبو أيوب قال سمعت ابراهيم الحربى يقول وأخبرني إبراهيم بن عمر البرمكى ثنا عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبرى ثنا محمد ابن أيوب بن المعافى قال قال ابراهيم الحربى سمعت المسيبى يقول قلنا للواقدي


(1) الوقر بالكسر: الحمل النقيل، والقمطر: ما تصان فيه الكتب. (*)

[ 28 ]

هذا الذى تجمع الرجال تقول ثنا فلان وفلان وجئت بمتن واحد لو حدثتنا بحديث كل رجل على حدة قال يطول فقلنا له قد رضينا قال فغاب عنا جمة ثم أتانا بغزوة احد عشرين جلدا وفى حديث البرمكى مائة جلد فقلنا له ردنا إلى الامر الاول. معنى اللفظين متقارب، وعن يعقوب بن شيبة قال ومما ذكر لنا ان مالكا سئل عن قتل الساحرة فقال أنظروا هل عند الواقدي في هذا شئ فذاكروه ذلك فذكر شيئا عن الضحاك بن عثمان فذكروا أن مالكا قنع به. وروى أن مالكا سئل عن المرأة التى سمت النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ما فعل بها فقال ليس عندي بها علم وسأسأل أهل العلم قال فلقى الواقدي قال يا ابا عبدالله ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة التى سمته بخيبر فقال الدى عندنا انه قتلها فقال مالك قد سألت اهل العلم فأخبروني انه قتلها. وقال أبو بكر الصاغانى لولا انه عندي ثقة ما حدثت عنه، حدث عنه اربعة ائمة أبو بكر بن ابى شيبة وابو عبيد واحسبه ذكر ابا خيثمة ورجلا آخر. وقال عمرو الناقد قلت للدراوردى الواقدي فقال ذلك امير المؤمنين في الحديث وسئل أبو عامر العقدى عن الواقدي فقال نحن نسأل عن الواقدي انما يسأل هو (1) عنا ما كان يفيدنا الاحاديث والشيوخ بالمدينة الا الواقدي. وقال الواقدي لقد كانت الواحى تضيع فأؤتى بها من شهرتها بالمدينة يقال هذه الواح ابن واقد. وقال مصعب الزبيري والله ما رأينا مثله قط قال مصعب وحدثني من سمع عبدالله بن المبارك يقول كنت اقدم المدينة فما يفيدني ولا يدلني على الشيوخ الا الواقدي. وقال مجاهد بن موسى ما كتبت عن احد احفظ منه. وسئل عنه مصعب الزبيري فقال ثقة مأمون وكذلك قال المسيبى. وسئل عنه معن بن عيسى فقال انا اسأل عنه هو يسأل عنى. وسئل عنه أبو يحيى الزهري فقال ثقة مأمون. وسئل عنه ابن


(1) في نسخة دار الكتب " الواقدي " مكان " هو ". (*)

[ 29 ]

نمير فقال اما حديثه عنا فمستو واما حديث اهل المدينة فهم اعلم به. وقال يزيد ابن هارون ثقة. وقال عباس العنبري هو احب إلى من عبد الرزاق. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ثقة. وقال ابراهيم واما فقه ابى عبيد فمن كتاب محمد بن عمر الواقدي الاختلاف والاجماع كان عنده. وقال ابراهيم الحربى من قال ان مسائل مالك بن انس وابن ابى ذئب تؤخذ عمن هو اوثق من الواقدي فلا يصدق لانه يقول سألت مالكا وسألت ابن ابى ذئب. وقال ابراهيم بن جابر: حدثنى عبدالله بن احمد بن حنبل قال كتب ابى عن ابى يوسف ومحمد ثلاثة قماطر قلت له كان ينظر فيها قال كان ربما نظر فيها وكان اكثر نظره في كتب الواقدي. وسئل ابراهيم الحربى عما انكره احمد على الواقدي فقال انما انكر عليه جمعه الاسانيد ومجيئه بالمتن واحدا. وقال ابراهيم وليس هذا عيبا فقد فعل هذا الزهري وابن اسحق. قال ابراهيم لم يزل احمد بن حنبل يوجه في كل جمعة بحنبل بن اسحق إلى محمد بن سعد فيأخذ له جزءين من حديث الواقدي فينظر فيهما ثم يردهما ويأخذ غيرهما، وكان احمد بن حنبل ينسبه لتقليب الاخبار كأنه يجعل ما لمعمر لابن اخى الزهري وما لابن اخى الزهري لمعمر، واما الكلام فيه فكثير جدا قد ضعف ونسب إلى وضع الحديث وقال احمد هو كذاب وقال يحيى ليس بثقة. وقال البخاري والرازي والنسائي متروك الحديث وللنسائي فيه كلام اشد من هذا وقال الدارقطني ضعيف، وقال ابن عدى احاديثه غير محفوظة والبلاء منه. قلت سعة العلم مظنة لكثرة الاغراب وكثرة الاغراب مظنة للتهمة والواقدى غير مدفوع عن سعة العلم فكثرت بذلك غرائبه. وقد روينا عن على بن المديني انه قال. للواقدي عشرون ألف حديث لم نسمع بها. وعن يحيى بن معين اغرب الواقدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين ألف حديث وقد روينا عنه من تتبعه آثار مواضع الوقائع وسؤاله من أبناء الصحابة والشهداء ومواليهم عن أحوال

[ 30 ]

سلفهم ما يقتضى انفرادا بروايات وأخبار لا تدخل تحت الحصر وكثيرا ما يطعن في الراوى برواية وقعت له من انكر تلك الرواية عليه واستغربها منه ثم يظهر له أو لغيره بمتابعة متابع أو سبب من الاسباب براءته من مقتضى الطعن فيتخلص بذلك من العهدة. وقد روينا عن الامام أحمد رحمه الله ورضى عنه أنه قال ما زلنا ندافع أمر الواقدي حتى روى عن معمر عن الزهري عن نبهان عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم " افعمياوان انتما " فجاء بشئ لا حيلة فيه والحديث حديث يونس لم يروه غيره. وروينا عن احمد بن منصور الرمادي قال قدم على بن المدينى بغداد سنة سبع ومائتين والواقدى يومئذ قاض علينا وكنت أطوف مع على على الشيوخ الذين يسمع منهم فقلت أتريد أن تسمع من الواقدي ثم قلت له بعد ذلك لقد أردت ان اسمع منه فكتب إلى أحمد بن حنبل كيف تستحل الرواية عن رجل روى عن معمر حديث نبهان مكاتب أم سلمة وهذا حديث يونس تفرد به قال أحمد بن منصور الرمادي فقدمت مصر بعد ذلك فكان ابن أبى مريم يحدثنا به عن نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن نبهان، قود رواه أيضا يعقوب ابن سفيان عن سعيد بن أبى مريم عن نافع بن يزيد كرواية الرمادي قال الرمادي فلما فرغ ابن أبى مريم من هذا الحديث ضحكت فقال مم تضحك ؟ فأخبرته بما قال على وكتب إليه أحمد فقال لى ابن ابى مريم إن شيوخنا المصريين لهم عناية بحديث الزهري وكان الرمادي يقول هذا مما ظلم فيه الواقدي: فقد ظهر في هذا الخبر أن يونس لم ينفرد به وإذ قد تابعه عقيل فلا مانع من أن يتابعه معمر وحتى لو لم يتابعه عقيل لكان ذلك محتملا وقد يكون فيما رمى به من تقليب الاخبار ما ينحو هذا النحو. قد أثبتنا من كلام الناس في الواقدي ما يعرف به حاله والله الموفق. وربما حصل إعلام في بعض الاحيان بغريبة توجد في الخبر وتنبيه على مشكل يقع فيه متنا أو اسنادا على وجه الايماء والاشارة لا على سبيل التقصى وبسط العبارة.

[ 31 ]

وسميته بعيون الاثر في فنون المغازى والشمائل والسير. والله المسؤل أن يجعل ذلك لوجهه الكريم خالصا وأن يؤوينا إلى ظله إذا الظل أضحى في القيامة قالصا بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.

[ 33 ]

(ذكر نسب سيدنا ونبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم) محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ويدعى شيبة الحمد بن هاشم وهو عمرو العلى ابن عبد مناف واسمه المغيرة بن قصى ويسمى زيدا ويدعى مجمعا أيضا قال الشاعر: أبوكم قصى كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. هذا هو الصحيح المجمع عليه في نسبه، وما فوق ذلك مختلف فيه. ولا خلاف ان عدنان من ولد اسماعيل نبى الله بن ابراهيم خليل الله عليهما السلام وانما الخلاف في عدد من بين عدنان واسماعيل من الآباء فمقل ومكثر وكذلك من ابراهيم إلى آدم عليهما السلام لا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله: روينا عن ابن سعد أخبرنا هشام أخبرني أبى أبو سلمة عن ابى صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان بن أدد ثم يمسك ويقول كذب النسابون قال الله عزوجل وقرونا بين ذلك كثيرا. وقال ابن عباس لو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه لعلمه. وعن عائشة رضى الله عنها ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تخرصا. وقد روى نحو ذلك عن عمر وعكرمة وغير واحد. والذى رجحه بعض النسابين في نسب عدنان انه ابن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيذار بن الذبيح اسماعيل بن الخليل ابراهيم بن تارح وهو آزر بن ناحور بن ساروح بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ

[ 34 ]

ابن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي عليه السلام بن يارد بن مهلاييل بن قنيان بن أنوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم عليهما أفضل الصلاة والسلام. أخبرنا أحمد بن ابراهيم القاروثى الامام بدمشق انبأ الحسين بن على العلوى ببغداد انبأ ابن ناصر قراءة عليه وانا أسمع انبأ أبو طاهر بن أبى الصقر الانباري أنبأ القاضى أبو البركات احمد بن عبد الواحد بن الفضل الفراء انبأ الشريف ابو جعفر محمد بن عبدالله بن ظاهر الحسينى ثنا أبو سليمان احمد بن محمد بن المكى بالمدينة سنة تسع وتسعين ومائتين ثنا ابراهيم بن حمزة الزبيري ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن ابن ابى ذئب عمن لا يتهم عن عمرو بن العاصى فذكر حديثا وفيه قال يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله اختار العرب على الناس واختارني على من انا منه ثم انا محمد بن عبدالله حتى بلغ النضر بن كنانة ثم قال فمن قال غير هذا فقد كذب. وبه عن عبد العزيز بن محمد عن ابن أبى ذئب عن جبير بن أبى صالح عن ابن شهاب عن سعد بن ابى وقاص قال قيل يا رسول الله قتل فلان لرجل من ثقيف فقال أبعده الله انه كان يبغض قريشا. وروينا من طريق مسلم ثنا محمد بن مهران الرازي ومحمد بن عبدالرحيم بن سهم جميعا عن الوليد بن مسلم ثنا ابن مهران ثنا الاوزاعي عن أبى عمار شداد أنه سمع واثلة بن الاسقع يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم. والعرب على ست طبقات: شعب وقبيلة وعمارة وبطن وفخذ وفصيلة. وسميت الشعوب لان القبائل تشعبت منها. وسميت القبائل لان العمائر تقابلت عليها فالشعب تجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع

[ 35 ]

الافخاذ، والفخذ تجمع الفصائل: فيقال مضر شعب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنانة قبيلته وقريش عمارته وقصى بطنه وهاشم فخذه وبنو العباس فصيلته. هذا قول الزبير، وقيل بنو عبدالمطلب فصيلته وعبد مناف بطنه وسائر ذلك كما تقدم. وقيل بعد الفصيلة العشيرة وليس بعد العشيرة شئ. وقيل الفصيلة هي العشيرة وقيل غير ذلك. (ذكر تزويج عبد الله بن عبدالمطلب) آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وكانت في حجر عمها وهيب بن عبد مناف قال الزبير: وكان عبدالله أحسن رجل رؤى في قريش قط وكان أبوه عبد المطلب قد مر به فيما يزعمون على امرأة من بنى أسد بن عبدالعزى وهى أخت ورقة بن نوفل وهى عند الكعبة فقالت له اين تذهب يا عبدالله قال مع ابى قالت لك مثل الابل التى نحرت عنك وكانت مائة وقع على الآن قال أنا مع ابى ولا استطيع خلافه ولا فراقه وانشد بعض اهل العلم في ذلك لعبد الله بن عبدالمطلب (1) أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه كيف بالامر الذى تبغينه أخبرنا الامام العلامة أبو العباس احمد بن ابراهيم الواسطي سماعا بدمشق انبأ الامير أبو محمد الحسن بن على العلوى ببغداد سماعا عليه قال أخبرنا الحافظ


(1) هنا في هامش نسخة دار الكتب المصرية: بلغ. (*)

[ 36 ]

أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن على السلامى قراءة عليه وانا اسمع قال أنبأ أبو طاهر بن أبى الصقر أنبأ القاضى أبو البركات احمد بن عبد الوهاب الفراء أنبأ الشريف أبو جعفر محمد بن عبدالله الحسينى ثنا أبو بكر الخضر بن داود بمكة ثنا الزبير بن بكار حدثنى سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) قال أحدكم من أنفسكم لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ". وروينا عن ابن سعد قال انبأ هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن ابيه قال كتبت للنبى صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية. وروينا مرفوعا من حديث ابن عباس وعائشة رضى الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " خرجت من نكاح غير سفاح ". رجع إلى الاول: فخرج به عبدالمطلب حتى أتى به وهيب بن عبد مناف ابن زهرة وهو يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا فزوجه آمنة بنت وهب وهى يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه ووقع عليها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج من عندها فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت فقال لها مالك لا تعرضين على اليوم ما عرضت بالامس فقالت له فارقك النور الذى كان معك بالامس فليس لى بك اليوم حاجة وقد كانت سمعت من أخيها ورقة بن نوفل انه كائن في هذه الامة نبى. قال أبو عمر كان تزوجها وعمره ثلاثون سنة وقيل خمس وعشرون وقيل بينهما ثمانية وعشرون عاما. وتزوج عبدالمطلب في ذلك المجلس هالة بنت وهيب بن عبد مناف فولدت له حمزة والمقوم وحجلا وصفية أم الزبير. قال محمد بن السائب الكلبى: لما تزوج عبدالله ابن عبدالمطلب آمنة أقام عندها ثلاثا وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها.

[ 37 ]

(ذكر حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم) قال ابن اسحاق ويزعمون فيها يتحدث الناس والله أعلم أن أمه كانت تحدث أنها أتيت حين حملت به فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الامة فإذا وقع إلى الارض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا. ومن طريق محمد بن عمر عن على بن زيد عن عبدالله بن وهب بن زمعة عن أبيه عن عمته قالت كنا نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حملت به أمه آمنة بنت وهب كانت تقول ما شعرت بأنى حملت به ولا وجدت له ثقلة (1) كما يجد النساء إلا أنى أنكرت رفع حيضتي، وربما كانت تقول وأتانى آت وأنا بين النائم واليقظان فقال هل شعرت أنك حملت فكأني أقول ما أدرى فقال إنك قد حملت بسيد هذه الامة ونبيها وذلك يوم الاثنين الحديث وأمهلني حتى دنت ولادتي أتانى فقال قولى أعيذه بالواحد. وعن الزهري قال قالت آمنة لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته.


(1) في نسخة " ثقلا ". (*)

[ 38 ]

(ذكر وفاة عبدالله بن عبدالمطلب) قال ابن إسحق ثم لم يلبث عبدالله بن عبدالمطلب أن هلك وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به. هذا قول ابن اسحق. وغيره يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المهد حتى توفى أبوه، رويناه عن الدولابى. وذكر ابن أبى خيثمة انه كان ابن شهرين وقيل ابن ثمانية وعشرين شهرا. وقبره في المدينة في دار من دور بنى عدى بن النجار كان خرج إلى المدينة يمتار تمرا وقيل بل خرج به إلى أخواله زائرا وهو ابن سبعة أشهر. وفى خبر سيف بن ذى يزن: مات أبوه فكفله جده وعمه. وروى ابن وهب عن يونس بن ابن شهاب قال بعث عبد المطلب ابنه عبدالله يمتار له تمرا من يثرب فمات بها وهو شاب عند أخواله ولم يكن له ولد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذى رجحه الواقدي وقال هو أثبت الاقاويل عندنا في موت عبد الله وسنه أنه كان خرج إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات ففرغوا من تجاراتهم وانصرفوا فمروا بالمدينة و عبدالله بن عبدالمطلب يومئذ مريض فقال أنا أتخلف عند أخوالى بنى عدى بن النجار وأقام عندهم مريضا شهرا ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبدالمطلب عن عبدالله فقالوا خلفناه عند أخواله بنى عدى بن النجار وهو مريض فبعث إليه عبدالمطلب أكبر ولده الحرث فوجده قد توفى ودفن في دار النابغة قيل كان بينه وبين ابنه عليه السلام ثمانية عشر عاما. وقد تقدم في تزويج عبدالله آمنة ما حكى عن السلف في ذلك.

[ 39 ]

(ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم) وولد سيدنا ونبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول عام الفيل قيل بعد الفيل بخمسين يوما. وقال الزبير حملت به أمه صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق في شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى. وولد صلى الله عليه وسلم في الدار التى تدعى لمحمد بن يوسف أخى الحجاج يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان وقيل بل يوم الاثنين في ربيع الاول لليلتين خلتا منه. قال أبو عمر وقد قيل لثمان خلون منه وقيل إنه أول اثنين من ربيع الاول وقيل لاثنتى عشرة ليلة خلت منه عام الفيل وقيل إنه ولد في شعب بنى هاشم. وروى عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل: أخبرناه أبو المعالى احمد بن إسحق فيما قرأت عليه قلت قال أخبركم الشيخان أبو الفرج الفتح بن عبدالله بن محمد بن على بن عبد السلام وأبو العباس أحمد بن أبى الحسين بن أبى الفتح بن صرما " ح " (1) قال وقرأت على الامام أبى إسحق ابراهيم بن على بن احمد الحنبلى الزاهد بسفح قاسيون قال قلت له أخبركم أبو البركات داود بن احمد بن محمد البغدادي قالوا أنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الاموى سماعا عليه قال أنا أبو الحسين احمد بن محمد بن النقور قال أنا أبو الحسين على بن عمر السكرى قال أنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج بن محمد ثنا يونس بن أبى اسحق عن أبى اسحق عن سعيد بن جبير عن


(1) هذه الحاء توضع لتحويل السند من راو إلى آخر. (*)

[ 40 ]

ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل. وعن قيس بن مخرمة قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل فنحن لدان. وقيل بعد الفيل بشهر وقيل بأربعين يوما وقيل بخمسين يوما. وذكر أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي قال كان قدوم الفيل مكة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم. وقد قال ذلك غير الخوارزمي وزاد يوم الاحد قال وكان اول المحرم تلك السنة يوم الجمعة قال الخوارزمي وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بخمسين يوما يوم الاثنين لثمان خلت من ربيع الاول وذلك يوم عشرين من نيسان قال وبعث نبينا يوم الاثنين لثمان خلت من ربيع الاول سنة احدى واربعين من عام الفيل فكان من مولده إلى ان بعثه الله اربعون سنة ويوم، ومن مبعثه إلى اول المحرم من السنة التى هاجر فيها اثنتا عشرة سنة وتسعة اشهر وعشرون يوما وذلك ثلاث وخمسون سنة تامة من عام الفيل. وذكر ابن السكن من حديث عثمان بن ابى العاص عن امه فاطمة بنت عبدالله انها شهدت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ليلا قالت فما شئ انظر إليه من البيت الا نور وانى لانظر إلى النجوم تدنو حتى انى لاقول لتقعن على. ويقال وضعت عليه جفنة فانفلقت عنه فلقتين فكان ذلك من مبادئ امارات النبوة في نفسه. وذكر ابن ابى خيثمة عن ابى صالح السمان قال قال كعب انا لنجد في كتاب الله عزوجل محمد مولده بمكة. وعن عبدالملك بن عمير قال قال كعب انى اجد في التوراة عبدى احمد المختار مولده بمكة. وحكى أبو الربيع بن سالم ان بقى بن مخلد ذكر في تفسيره ان ابليس لعنه الله رن اربع رنات رنة حين لعن ورنة حين اهبط ورنة حين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورنة حين نزلت فاتحة الكتاب. اخبرنا الشيخ أبو الحسن على بن محمد الدمشقي بقراءتي عليه قلت له اخبركم الشيخان أبو عبدالله محمد بن نصر بن عبدالرحمن بن محمد بن محفوظ القرشى والامير سيف الدولة أبو عبدالله محمد بن غسان بن غافل بن نجاد

[ 41 ]

الانصاري قراءة عليهما وانت حاضر في الرابعة قالا انا الفقيه أبو القاسم على بن الحسن الحافظ قراءة عليه ونحن نسمع قال انا المشائخ أبو الحسن على بن المسلم ابن محمد بن الفتح بن على الفقيه وابو الفرج غيث بن على بن عبد السلام بن محمد بن جعفر بن الارمنازى الصوري الخطيب وابو محمد عبد الكريم بن حمزة ابن الخضر بن العباس الوكيل بدمشق قالوا انا أبو الحسن احمد بن عبد الواحد ابن محمد بن احمد بن عثمان بن ابى الحديد السلمى قال انا جدى أبو بكر محمد بن احمد قال انا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل الخرائطي ثنا على بن حرب ثنا أبو ايوب يعلى بن عمران من آل جرير بن عبد الله البجلى قال حدثنى مخزوم بن هانئ المخزومى عن ابيه واتت له خمسون ومائة سنة قال لما كان ليلة ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس (1) ايوان كسرى وسقطت منه اربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان ابلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فلما اصبح كسرى افزعه ذلك فصبر عليه تشجعا ثم رأى ان لا يدخر - وقال الفقيه انه لا يدخر - ذلك عن مرازبته فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: تدرون فيما بعثت اليكم قالوا لا الا ان يخبرنا الملك فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران فازداد غما إلى غمه ثم اخبرهم ما رأى وما هاله فقال الموبذان (2) وانا اصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة رؤيا ثم قص عليه رؤياه في الابل فقال أي شئ يكون هذا يا موبذان قال: حدث يكون في ناحية العرب وكان اعلمهم في انفسهم فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر اما بعد فوجه إلى برجل عالم بما اريد ان اسأله عنه فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بعيلة الغساني فلما ورد عليه قال


(1) أي اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت. (2) هو قاضى القضاة بالفرس. (*)

[ 42 ]

له الك علم بما اريد ان اسألك عنه قال ليخبرني الملك أو ليسئلني عما احب فان كان عندي منه علم والا اخبرته بمن يعلمه فأخبره بالذى وجه إليه فيه قال علم ذلك عند خال لى يسكن مشارف الشام يقال له سطيح قال فأته فاسأله عما سألتك عنه ثم ائتنى بتفسيره فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح وقد اشفى على الضريح فسلم عليه وكلمه فلم يرد عليه سطيح جوابا فأنشأ يقول * أصم أم يسمع غطريف اليمن * في ابيات ذكرها. قال فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول عبد المسيح على جمل مشيح إلى سطيح وقد اشفى على الضريح بعثك ملك بنى ساسان لارتجاس الايوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى ابلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة وفاض وادى السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول: شمر فانك ماضى الهم شمير * لا يفزعنك تفريق وتغيير - ان يمس ملك بنى ساسان افرطهم * فان ذا الدهر اطوار دهارير - فربما ربما اضحوا بمنزلة * تهاب صولهم الاسد المهاصير - منهم اخو الصرح بهرام واخوته * والهرمزان وسابور وسابور - والناس اولاد علات فمن علموا * ان قد اقل فمحقور ومهجور - وهم بنو الام اما ان رأوا نشبا * فذاك بالغيب محفوظ ومنصور - والخير والشر مقرونان في قرن * فالخير متبع والشر محذور - فلما قدم المسيح على كسرى اخبره بما قال له سطيح فقال كسرى إلى ان يملك منا اربعة عشر ملكا كانت امور وامور فملك منهم عشرة في اربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضى الله عنه. قال ابن اسحق فلما وضعته امه

[ 43 ]

ارسلت إلى جده عبدالمطلب انه قد ولد لك غلام فانظر إليه فأتاه ونظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما امرت ان تسميه فيزعمون ان عبد المطلب اخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو الله ويتشكر له ما اعطاه ثم خرج به إلى امه فدفعه إليها. وولد صلى الله عليه وسلم معذورا مسرورا أي مختونا مقطوع السرة ووقع إلى الارض مقبوضة اصابع يده مشيرا بالسباحة كالمسبح بها. حكاه السهيلي (1). روينا عن ابن جميع ثنا عمر بن موسى بالمصيصة ثنا جعفر بن عبد الواحد قال قال لنا صفوان ابن هبيرة ومحمد بن البرسانى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه وسلم مختونا.


(1) زاد في نسخة دار الكتب الظاهرية: اخبرنا أبو حفص عمر بن عبد المنعم الدمشقي بقراءتي عليه بعربيل - قرية بغوطة دمشق - اخبركم أبو القاسم بن الحرستانى قراءة عليه وانت حاضر في الرابعة فأقر به. اخبرنا جمال الاسلام أبو الحسن على بن مسلم السلمى اخبرنا اببو نصر الحسين بن محمد بن طلاب حدثنا ابن جميع. (*)

[ 45 ]

(ذكر تسمية محمدا واحمد صلى الله عليه وسلم) روينا عن ابى جعفر محمد بن على من طريق ابن سعد قال امرت آمنة وهى حامل برسول الله صلى الله عليه وسلم ان تسميه احمد. وروينا عن ابن اسحق فيما سلف انها اتيت حين حملت به فقيل لها انك قد حملت بسيد هذه الامة وفيه ثم سميه محمدا. وروينا من طريق الترمذي ثنا سعيد بن عبدالرحمن المخزومى ثنا سفيان عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن ابيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لى اسماء انا محمد وانا احمد وانا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر وانا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى وانا العاقب الذى ليس بعدى نبى، وصححه وقال في الباب عن حذيفة. وروى حديث جبير البخاري ومسلم والنسائي وسيأتى الكلام على بقية الاسماء ان شاء الله تعالى. وذكر أبو الربيع بن سالم قال ويروى ان عبد المطلب انما سماه محمدا لرؤيا رآها زعموا انه رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الارض وطرف في المشرق وطرف في المغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا اهل المشرق والمغرب يتعلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه اهل المشرق والمغرب ويحمده اهل السماء والارض فلذلك سماه محمدا مع ما حدثته به امه. وروينا عن ابى القاسم السهيلي رحمه الله قال لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم قبله صلى الله عليه وسلم الا ثلاثة طمع آباؤهم حين سمعوا بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وبقرب زمانه وانه يبعث بالحجاز ان يكون ولدا لهم، ذكرهم ابن فورك في كتاب الفصول وهم محمد

[ 46 ]

ابن سفيان بن مجاشع جد الفرزدق الشاعر والآخر محمد بن احيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمر بن عوف بن مالك بن الاوس والآخر محمد بن حمران وهو من ربيعة وذكر معهم محمدا رابعا انسيته وكان آباء هؤلاء الثلاثة قد وفدوا على بعض الملوك الاول وكان عنده علم بالكتاب الاول فأخبرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وباسمه وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملا فنذر كل واحد منهم ان ولد له ولد ذكر ان يسميه محمدا ففعلوا ذلك. وروينا عن القاضى ابى الفضل عياض رحمه الله في تسميته عليه السلام محمدا واحمد قال في هذين الاسمين من بدائع آياته وعجائب خصائصه ان الله جل اسمه حمى ان يسمى بهما احد قبل زمانه اما احمد الذى اتى في الكتب وبشرت به الانبياء فمنع الله تعالى بحكمته ان يسمى به احد غيره ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك وكذلك محمد ايضا لم يسم به احد من العرب ولا غيرهم إلى ان شاع قبيل وجوده صلى الله عليه وسلم وميلاده ان نبيا يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب ابناءهم بذلك رجاء ان يكون احدهم هو والله اعلم حيث يجعل رسالاته، وهم محمد بن احيحة بن الجلاح الاوسي ومحمد بن مسلمة الانصاري ومحمد بن براء البكري ومحمد بن سفيان بن مجاشع ومحمد بن حمران الجعفي ومحمد بن خزاعي السلمى لا سابع لهم ويقال ان اول من سمى به محمد بن سفيان واليمن تقول محمد بن اليحمد الازدي ثم حمى الله كل من سمى به ان يدعى النبوة أو يدعيها احد له حتى تحققت السمتان له ولم ينازع فيهما والله اعلم.

[ 47 ]

(ذكر الخبر عن رضاعه صلى الله عليه وسلم) وما يتصل بذلك من شق الصدر روينا عن ابن سعد قال انا محمد بن عمر بن واقد الاسلمي قال حدثنى موسى (1) ابن شيبة عن عميرة بنت عبدالله بن كعب بن مالك عن برة بنت ابى تجراة قالت اول من ارضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثويبة بلبن ابن لها يقال له مسروح اياما قبل ان تقدم حليمة وكانت قد ارضعت قبله حمزة بن عبدالمطلب وبعده ابا سلمة بن عبد الاسد. اخبرنا أبو العباس الساوى بقراءة والدى عليه قال انا أبو روح المطهر بن ابى بكر البيهقى سماعا عليه قال انا أبو بكر الطوسى قال انا أبو على الخشنامى قال انا احمد بن الحسن النيسابوري قال انا محمد بن احمد قال انا محمد ابن يحيى ثنا محمد بن عبيد ثنا الاعمش عن سعد بن عبيدة عن ابى عبدالرحمن عن على قال قلت يا رسول الله مالك لا تنوق في قريش ولا تتزوج منهم قال وعندك قلت نعم ابنة حمزة قال تلك ابنة اخى من الرضاعة. قرأت على ابى النور اسمعيل ابن نور بن قمر الهيتى بسفح قاسيون اخبرك أبو نصر موسى بن عبد القادر الجيلى قراءة عليه وانت تسمع قال انا أبو القاسم سعيد بن احمد بن البناء قال انا أبو نصر محمد بن محمد الزينبي قال انا أبو بكر محمد بن عمر بن على الوراق ثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الاشعث ثنا أبو موسى عيسى بن حماد زغبة قال انا الليث عن هشام بن عروة عن عروة عن زينب بنت ابى سلمة عن ام حبيبة انها قالت


(1) في حاشية الاصل: بلغ المقابلة ولله الحمد. (*)

[ 48 ]

دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هل لك في اختى ابنة ابى سفيان، وفيه قالت فوالله لقد انبئت انك تخطب درة بنت ابى سلمة قال ابنة ابى سلمة قالت نعم قال فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لى انها لابنة اخى من الرضاعة ارضعتني واياها ثويبة فلا تعرضن على بناتكن ولا اخواتكن الحديث. وذكر الزبير ان حمزة اسن من النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين. وحكى أبو عمر نحوه وقال وهذا لا يصلح عندي لان الحديث الثابت ان حمزة و عبدالله بن عبد الاسد ارضعتهما ثويبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ان تكون ارضعتهما في زمانين. قلت واقرب من هذا ما روينا عن ابن اسحق من طريق البكائى انه كان اسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين والله اعلم. واسترضع له من بنى سعد بن بكر امرأة يقال لها حليمة بنت ابى ذؤيب وكانت تحدث انها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بنى سعد بن بكر قالت وفى سنة شهباء لم تبق لنا شيئا قالت فخرجت على أتان لى قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض (1) بقطرة لبن وما ننام ليلتنا اجمع مع صبينا الذى معنا من بكائه من الجوع ما في ثديى ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه ولكنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على اتانى تلك فلقد اذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة الا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها انه يتيم وذلك انا انما كنا نرجو المعروف من ابى الصبى فكنا نقول يتيم ما عسى ان تصنع امه وجده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معى الا اخذت رضيعا غيرى فلما اجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي والله انى لاكره ان ارجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لاذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال لا عليك ان تفعلي عسى الله ان يجعل لنا فيه بركة قالت فذهبت إليه فأخذته وما حملني على اخذه الا انى لم اجد غيره


(1) بض الماء يبض بضيضا أي سال قليلا قليلا. (*)

[ 49 ]

فلما اخذته رجعت به إلى رحلى فلما وضعته في حجري اقبل ثدياى بما شاء من لبن وشرب حتى روى وشرب معه اخوه حتى روى ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك فقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا انها الحافل فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة يقول صاحبي حين اصبحنا تعلمي والله يا حليمة لقد اخذت نسمة مباركة قلت والله انى لارجو ذلك، ثم خرجت وركبت اتانى وحملته عليها معى فوالله لقطعت بالركب ما يقدر على شئ من حمرهم حتى ان صواحبي ليقلن لى يا بنت ابى ذؤيب ويحك اربعى (2) علينا ألست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى والله انها لهى فيقلن والله ان لها لشأنا قالت ثم قدمنا منازلنا من بنى سعد ولا اعلم ارضا من ارض الله اجدب منها فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب انسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت ابى ذؤيب فتروح اغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم يزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا (1) فقدمنا به على امه ونحن احرص شئ على مكثه فينا لما نرى من بركته فكلمنا امه وقلت لها لو تركت بنى عندي حتى يغلظ فانى اخشى عليه وباء مكة فلم نزل به حتى ردته معنا فرجعنا به فوالله انه بعد مقدمنا به بأشهر مع اخيه لفى بهم لنا خلف بيوتنا إذ اتانا اخوه يشتد فقال لى ولابيه ذاك اخى القرشى عبدالله قد اخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه قالت فخرجت انا وابوه نحوه فوجدنا قائما منتقعا لوجهه قال فالتزمته


(1) أي اقتصرى وارفقي. (2) استجفر الصبى إذا قوى على الاكل. (*)

[ 50 ]

والتزمه ابوه فقلنا مالك يا بنى قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا ادرى ما هو قالت فرجعنا به إلى خيامنا وقال لى ابوه يا حليمة لقد خشيت ان يكون هذا الغلام قد اصيب فألحقيه بأهله قبل ان يظهر ذلك به قالت فاحتملناه فقدمنا به على امه فقالت ما أقدمك به يا ظئر (1) ولقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك قلت قد بلغ الله بابنى وقضيت الذى على وتخوفت الاحداث عليه فأديته عليك كما تحبين قالت ما هذا شأنك فأصدقيني خبرك قالت فلم تدعني حتى اخبرتها قالت أفتخوفت عليه الشيطان قلت نعم قالت كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وان لبنى شأنا أفلا اخبرك خبره قلت بلى قالت رأيت حين حملت به انه خرج منى نور اضاء له قصور بصرى من ارض الشام ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان اخف منه ولا ايسر منه ووقع حين ولدته وانه لواضع يديه بالارض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانطلقي راشدة. قال السهيلي وذكر غير ابن اسحق في حديث الرضاع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقبل الا على ثديها الواحد وتعرض عليه الآخر فيأباه كأنه قد اشعر ان معه شريكا في لبانها وكان مفطورا على العدل مجبولا على جميل المشاركة والفضل صلى الله عليه وسلم. ويروى ان نفرا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له يا رسول الله اخبرنا عن نفسك قال نعم انا دعوة ابى ابراهيم وبشارة عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ورأت امى حين حملت بى انه قد خرج منها نور اضاء له قصور الشام واسترضعت في بنى سعد بن بكر فبينا انا مع اخ لى خلف بيوتنا نرعى بهما لنا اتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبى فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قلبى وباطنى بذلك الثلج حتى انقياه ثم قال احدهما لصاحبه زنه بعشرة


(1) الظئر: المرضع. (*)

[ 51 ]

من امته فوزننى بعشرة فوزنتهم ثم قال زنه بمائة من امته فوزننى بهم فوزنتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزننى بهم فوزنتهم فقال دعه عنك فلو وزنته بأمة (1) لوزنها. وفى رواية فاستخرجا منه مغمز الشيطان وعلق الدم. وفيها وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن. قوله في هذا الخبر وما في شارفنا ما يغديه قيل بالدال المهملة من الغداء وقيل بالمعجمة وقال أبو القاسم وهو اتم من الاقتصار على ذكر الغداء دون العشاء. وعند بعض الناس يعذبه ومعناه ما يقنعه حتى يرفع رأسه وينقطع عن الرضاع يقال منه عذبته واعذبته إذا قطعته عن الشرب ونحوه والعذوب وجمعه عذوب بالضم ولا يعرف فعول جمع على فعول غيره قاله أبو عبيد انتهى كلام السهيلي رحمه الله وانشدني ابى رحمه الله لبعض العرب يهجو قوما بات ضيفهم: بتنا عذوبا وبات البق يلبسنا * نشوى القراح (2) كأن لاحى بالوادي - وذكر في فعول غير عذوب وحكى ذلك عن " كتاب ليس " لابن خالويه. وقوله أدمت بالركب حبستهم وكأنه من الماء الدائم وهو الواقف. ويروى أذمت أي الاتان أي جاءت بما تذم عليه أو يكون من قولهم بئر ذمة أي قليلة الماء. وقوله يسوطانه يقال سطت اللبن أو الدم أو غيرهما اسوطه إذا ضربت بعضه ببعض والمسوط عود يضرب به. وقوله مغمز الشيطان هو الذى يغمزه الشيطان من كل مولود الا عيسى بن مريم وامه لقول امها حنة انى اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ولانه لم يخلق من منى الرجال وانما خلق من نفخة روح القدس قال السهيلي ولا يدل هذا على فضله عليه السلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لان محمدا عندما نزغ ذلك منه ملئ حكمة وايمانا بعد ان غسله روح القدس بالثلج والبرد. وقد روى انه عليه السلام ليلة الاسراء أتى بطست من ذهب ممتلئ حكمة وايمانا فأفرغ في قلبه وانه غسل قلبه بماء زمزم فوهم بعض اهل العلم من روى ذلك ذاهبا في ذلك


(1) في نسخة " بأمته ". (2) أي الماء الذى لا يخالطه شئ. (*)

[ 52 ]

إلى انها واقعة متقدمة التاريخ على ليلة الاسراء بكثير. قال السهيلي وليس الامر كذلك بل كان هذا التقديس وهذا التطهير مرتين الاولى في حال الطفولية لينقى قلبه من مغمز الشيطان والثانية عندما اراد ان يرفعه إلى الحضرة المقدسة وليصلى بملائكة السموات ومن شأن الصلاة الطهور فقدس باطنا وظاهرا وملئ قلبه حكمة وايمانا وقد كان مؤمنا ولكن الله تعالى قال (ليزداد الذين آمنوا ايمانا). رجع إلى الاول: وانطلق به أبو طالب وكانت حليمة بعد رجوعها من مكة لا تدعه ان يذهب مكانا بعيدا فغفلت عنه يوما في الظهيرة فخرجت تطلبه حتى تجده مع اخته فقالت في هذا الحر فقالت اخته يا أمه ما وجد اخى حرا رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع تقول امها أحقا يا بنية قالت أي والله قال تقول حليمة اعوذ بالله من شر ما نحذر على ابني فكان ابن عباس يقول رجع إلى امه وهو ابن خمس سنين وكان غيره يقول رد إليها وهو ابن اربع سنين وهذا كله عن الواقدي وقال أبو عمر ردته ظئره حليمة إلى امه بعد خمس سنين ويومين من مولده وذلك سنة ست من عام الفيل واسلمت حليمة بنت ابى ذؤيب وهو عبدالله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قبيصة ابن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن. قال أبو عمر روى زيد بن اسلم عن عطاء ابن يسار قال جاءت حليمة ابنة عبدالله ام النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فقام إليها وبسط لها رداءه فجلست عليه. روت عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنها ابنها عبدالله بن جعفر. قرئ على ابى العباس احمد ابن يوسف الصوفى وانا اسمع سنة ست وسبعين قال انا أبو روح البيهقى سماعا عليه سنة خمس وستمائة قال انا الامام أبو بكر محمد بن على الطوسى قراءة عليه ونحن نسمع قال انا أبو على نصر الله بن احمد بن عثمان الخشنامى قال انا أبو بكر احمد بن الحسن النيسابوري قال انا أبو على محمد بن احمد الميداني قال انا أبو

[ 53 ]

عبدالله محمد بن خالد بن فارس ثنا أبو عاصم النبيل عن جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة عن ابى الطفيل قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحما بالجعرانة وانا غلام شاب فأقبلت امرأة فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه فقعدت عليه فقال من هذه قال امه التى ارضعته. هكذا روينا في هذا الخبر وكذا حكى أبو عمر بن عبد البر عن حليمة بنت ابى ذؤيب انها اسلمت وروت ومن الناس من ينكر ذلك. وحكى السهيلي انها كانت وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بعد تزويجه خديجة تشكو إليه السنة (1) وان قومها قد أسنتوا فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرات. وذكر أبو اسحق بن الامين في استدراكه على ابى عمر خولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش التى ارضعت النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر غيره فيهن ايضا ام ايمن بركة حاضنته عليه السلام.


(1) أي الجدب، وأسنتوا أي اجدبوا. (*)

[ 55 ]

(ذكر الخبر عن وفاة امه آمنة بنت وهب) وحضانة ام ايمن له وكفالة عبدالمطلب اياه قال ابن اسحق فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع امه آمنة وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت امه آمنة بالابواء بين مكة والمدينة قال أبو عمر بن عبد البر وقيل ابن سبع سنين قال وقال محمد بن حببب في الخبر توفيت امه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين وقال وتوفى جده عبدالمطلب بعد ذلك بسنة وأحد عشر شهرا سنة تسع من عام الفيل وقيل انه توفى جده عبدالمطلب وهو ابن ثمان سنين. رجع إلى ابن اسحق قال وكانت قد قدمت به على اخواله من بنى عدى بن النجار تزيره اياهم فماتت وهى راجعة إلى مكة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبدالمطلب وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول ذلك الفراش حتى يخرج إليه لا يجلس عليه احد من بنيه اجلالا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه اعمامه ليؤخروه عنه فيقول عبدالمطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا بنى فوالله ان له لشأنا ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع. قرأت على احمد بن محمد المقدسي الزاهد اخبرك أبو اسحق ابراهيم بن عثمان عن محمد بن عبدا لباقي عن احمد بن الحسن قال أبو اسحق وانا احمد بن محمد بن على بن صالح قال انا أبو بكر احمد بن الحسين قالا انا أبو على بن شاذان قال انا ابن درستويه قال انا يعقوب بن سفيان ثنا أبو الحسن مهدى ابن عيسى قال انا خالد بن عبدالله الواسطي عن داود بن ابى هند عن العباس

[ 56 ]

ابن عبدالرحمن عن كندير (1) بن سعيد عن ابيه قال حججت في الجاهلية فبينا انا اطوف بالبيت إذا رجل يقول: رد إلى راكبي محمدا * اردده رب واصطنع عندي يدا - قال قلت من هذا قال عبدالمطلب بن هاشم بعث ابن ابنه في ابل له ضلت وما بعثه في شئ الا جاء به قال فما برحت حتى جاء بالابل معه قال فقال يا بنى حزنت عليك حزنا لا يفارقنى بعده ابدا قالوا وكانت ام ايمن تحدث تقول كنت احضن رسول الله صلى الله عليه وسلم فغفلت عنه يوما فلم أدر الا بعبد المطلب قائما على رأسي يقول يا بركة قلت لبيك قال اتدرى اين وجدت ابني قلت لا ادرى قال وجدته مع غلمان قريبا من السدرة لا تغفلي عن ابني فان اهل الكتاب يزعمون ان ابني نبى هذه الامة وانا لا آمن عليه منهم وكان لا يأكل طعاما الا قال على بابنى فيؤتى به إليه. وروينا عن ابن سعد قال انا هشام بن محمد بن السائب الكلبى قال حدثنى الوليد بن عبدالله بن جميع الزهري عن ابن لعبد الرحمن بن موهب ابن رباح الاشعري حليف بنى زهرة عن ابيه قال حدثنى مخرمة بن نوفل قال الزهري قال سمعت امى رقيقة (2) بنت صيفي بن هاشم بن عبد مناف تحدث وكانت لدة عبدالمطلب قال تتابعت على قريش سنون ذهبن بالاموال وأشفين على الانفس قالت فسمعت قائلا يقول في المنام يا معشر قريش ان هذا النبي المبعوث منكم وهذا ابان خروجه وبه يأتيكم بالحيا والخصب فانظروا رجلا من اوسطكم نسبا طوالا عظاما ابيض مقرون الحاجبين اهدب الاشفار جعدا سهل الخدين رقيق العرنين فليخرج هو وجميع ولده وليخرج منكم من كل بطن رجل فتطهروا وتطيبوا ثم استلموا الركن ثم ارقوا إلى رأس ابى قبيس ثم يتقدم هذا الرجل


(1) بكسر الكاف وسكون النون وكسر الدال وآخره راء مهملة. (2) بضم الراء وسكون الياء وقافين مفتوحتين (*)

[ 57 ]

فيستسقى وتؤمنون فانكم ستسقون فأصبحت فقصت رؤياها عليهم فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبدالمطلب فاجتمعوا إليه وخرج من كل بطن منهم رجل ففعلوا ما امرتهم به ثم علوا على ابى قبيس ومعهم النبي صلى الله عله وسلم وهو غلام فتقدم عبدالمطلب وقال لاهم (1) هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك واماؤك وبنات امائك وقد نزل بنا ما ترى وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف واشفت على الانفس فأذهب عنا الجدب وائتنا بالحيا والخصب فما برحوا حتى سالت الاودية وبرسول صلى الله عليه وسلم سقوا فقالت رقيقة بنت ابى صيفي بن هاشم بن عبد مناف: بشيبة الحمد اسقى الله بلدتنا * وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر - فجاد بالماء جونى له سبل * دان فعاشت به الانعام والشجر - منا من الله بالميمون طائره * وخير من بشرت يوما به مضر - مبارك الامر يستسقى الغمام به * ما في الانام له عدل ولا خطر -


(1) أي: اللهم (*)

[ 59 ]

(ذكر وفاة عبدالمطلب) وكفالة ابى طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ان عبدالمطلب بن هاشم هلك عن سن عالية مختلف في حقيقتها قال أبو الربيع ابن سالم ادناها فيما انتهى إلى ووقفت عليه خمس وتسعون سنة ذكره الزبير واعلاها فيما ذكره الزبير ايضا عن نوفل بن عمارة قال كان عبيد بن الابرص ترب (1) عبد المطلب وبلغ عبيد مائة وعشرين سنة وبقى عبدالمطلب بعده عشرين سنة وكانت وفاته سنة تسع من عام الفيل وللنبى صلى الله عليه وسلم يومئذ ثمان سنين وقيل بل توفى عبدالمطلب وهو ابن ثلاث سنين. حكاه أبو عمر. وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مهلك جده عبدالمطلب مع عمه ابى طالب وكان عبدالمطلب يوصيه به فيما يزعمون وذلك ان عبدالله ابا رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا طالب اخوان لاب وام فكان أبو طالب هو الذى يلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده فكان إليه ومعه. وذكر الواقدي ان ابا طالب كان مقلا من المال وكانت له قطعة من الابل تكون بعرنة فيبدو إليها فيكون فيها ويؤتى بلبنها إذا كان حاضرا بمكة. فكان عيال ابى طالب إذا اكلوا جميعا وفرادى لم يشبعوا وإذا اكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا فكان أبو طالب إذا اراد ان يغديهم أو يعشيهم يقول كما انتم حتى يأتي ابني فيأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم وان كان لبنا شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم اولهم ثم تناول القعب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم من القعب الواحد


(1) اي: في سنه. (*)

[ 60 ]

وان كان احدهم ليشرب قعبا وحده فيقول أبو طالب انك لمبارك. وكان الصبيان يصبحون شعثا رمصا (1) ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهينا كحيلا وقالت ام ايمن وكانت تحضنه ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا جوعا قط ولا عطشا وكان يغدو إذا اصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول انا شبعان.


(1) الرمص: وسخ يجتمع في موق العين. (*)

[ 61 ]

(ذكر سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه ابى طالب إلى الشام) وخبره مع بحيرا الراهب وذكر نبذة من حفظ الله تعالى لرسوله عليه السلام قبل النبوة قال أبو عمر سنة ثلاث عشرة من الفيل وشهد بعد ذلك بثمان سنين يوم الفجار سنة احدى وعشرين. وقال أبو الحسن الماوردى خرج به عليه السلام عمه أبو طالب إلى الشام في تجارة له وهو ابن تسع سنين. وذكر ابن سعد باسناد له عن داود بن الحصين انه كان ابن اثنتى عشرة سنة. قال ابن اسحق ثم ان ابا طالب خرج في ركب إلى الشام فلما تهيأ للرحيل صب به (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب وقال والله لاخرجن به معى ولا يفارقنى ولا افارقه ابدا أو كما قال فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من ارض الشام وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان إليه علم اهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ ذط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته يزعمون انه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حين اقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم اقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حتى اظلت الشجرة وتهصرت اغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع


(1) اي: تعلق به. (*)

[ 62 ]

ثم ارسل إليهم انى قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأحب ان تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبيدكم وحركم فقال له رجل منهم والله يا بحيرا ان بك اليوم لشانا ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا ما شأنك اليوم قال له بحيرا صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت ان أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم فلما نزل بحيرا في القوم لم ير الصفة التى يعرف ويجد عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن احد منكم عن طعامي قالوا له يا بحيرا ما تخلف (1) أحد ينبغى له ان يأتيك الا غلام وهو أحدث القوم سنا فتخلف في رحالهم قال لا تفعلوا أدعوه فليحضر هذا الطعام معكم فقال رجل من قريش واللات والعزى ان كان للؤما بنا ان يتخلف ابن عبد الله بن عبدالمطلب عن طعام من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه واجلسه مع القوم فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى اشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا فقال له يا غلام أسألك بحق اللات والعزى الا ما أخبرتني عما أسألك عنه وانما قال له بحيرا ذلك لانه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تسألني باللات والعزى شيئا فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له بحيرا فبالله الا ما أخبرتني عما أسألك عنه فقال له سلنى عما بدا لك فجعل يسأله عن اشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده فلما فرغ اقبل على عمه ابى طالب فقال ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو بابنك وما ينبغى لهذا الغلام ان يكون ابوه حيا قال فانه ابن اخى قال فما فعل ابوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت فارجع بابن اخيك إلى بلده واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فانه كائن


(1) في نسخة دار الكتب الظاهرية زيادة " عن طعامك ". (*)

[ 63 ]

لابن اخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى اقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام فزعموا ان نفرا من اهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رأى بحيرا في ذلك السفر الذى كان فيه مع عمه ابى طالب فأرادوه فردهم عنه بحيرا في ذلك وذكرهم الله تعالى وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفاته وأنهم ان أجمعوا لما ارادوا لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا عنه. قوله فصب به رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبابة رقة الشوق وصببت أصب وعند بعض الرواة فضبث به أي لزمه قاله السهيلي. وروينا من طريق الترمذي ثنا الفضل بن سهل أبو العباس الاعرج البغوي ثنا عبد الرحمن بن غزوان أبو نوح قال انا يونس بن ابى اسحق عن ابى بكر بن ابى موسى عن ابيه قال خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في اشياخ من قريش فلما اشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين فقال الاشياخ من قريش ما علمك فقال انكم حين اشرفتم على العقبة لم يبق شجر ولا حجر الا خر ساجدا ولا يسجدان الا لنبى وانى لاعرفه بخاتم النبوة اسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به وكان هو في رعية الابل قالوا ارسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فئ الشجرة فلما جلس مال فئ الشجرة عليه فقال انظروا إلى فئ الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ان لا يذهبوا به إلى الروم فان الروم ان رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه فالتفت فإذا سبعة قد اقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا ان هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق

[ 64 ]

طريق الا بعث إليه بأناس وانا قد اخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا فقال هل خلفكم احد هو خير منكم قالوا انما اخبرنا خبره بعثنا لطريقك هذا قال افرأيتم امرا اراد الله ان يقضيه هل يستطيع احد من الناس رده قالوا لا قال فبايعوه واقاموا معه قال انشدكم بالله ايكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت. قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه. قلت ليس في اسناد هذا الحديث الا من خرج له في الصحيح و عبدالرحمن بن غزوان أبو نوح لقبه فراد انفرد به البخاري ويونس بن ابى اسحق انفرد به مسلم ومع ذلك ففى متنه نكارة وهى ارسال ابى بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم بلالا وكيف وابو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين فان النبي صلى الله عليه وسلم أسن من ابى بكر بأزيد من عامين وكانت للنبى صلى الله عليه وسلم تسعة اعوام على ما قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره، أو اثنا عشر على ما قاله آخرون، وايضا فان بلالا لم ينتقل لابي بكر الا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاما فانه كان لبنى خلف الجمحيين وعند ما عذب في الله على الاسلام اشتراه أبو بكر رضى الله عنه رحمة له واستنقاذا له من ايديهم وخبره بذلك مشهور. وقوله فبايعوه ان كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبي صلى الله عليه وسلم فقريب وان كان غير ذلك فلا ادرى ما هو. رجع إلى خبر ابن اسحق وكان صلى الله عليه وسلم يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره انه قال لقد رأيتنى في غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ ازارا وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة فانى لاقبل معهم كذلك وادبر إذ لكمنى لاكم ما أراه لكمة وجيعة ثم قال شد عليك ازارك قال فأخذته فشددته على ثم جعلت احمل الحجارة على رقبتي وازارى على من بين اصحابي. قال السهيلي وهذه القصة انما وردت في الحديث الصحيح في بنيان الكعبة كان صلى الله عليه

[ 65 ]

وسلم يحمل الحجارة وازاره مشدود عليه فقال له العباس يابن اخى لو جعلت ازارك على عاتقك ففعل فسقط مغشيا عليه ثم قال ازارى ازارى فشد عليه ازاره وقام يحمل الحجارة. وفى حديث آخر انه لما سقط ضمه العباس إلى نفسه وسأله عن شأنه فأخبره انه نودى من السماء ان اشدد عليك ازارك يا محمد قال وانه لاول ما نودى. قال وحديث ابى اسحق ان صح محمول على ان هذا الامر كان مرتين في حال صغره وعند بنيان الكعبة. وذكر البخاري عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ما هممت بسوء من امر الجاهلية الا مرتين. وقد قرأت على ابى عبدالله بن ابى الفتح الصوري بمرج دمشق: اخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستانى سماعا عليه قال انا ابو محمد طاهر بن سهل بن بشر بن احمد الاسفراينى قال انا أبو الحسين محمد ابن مكى بن عثمان الازدي قال انا القاضى أبو الحسن على بن محمد بن اسحق الحلبي ثنا أبو عبدالله الحسين بن اسماعيل المحاملى ببغداد ثنا أبو الاشعث احمد بن المقدام ثنا وهب بن جرير ثنا ابى عن محمد بن اسحق. وبه قال وحدثني محمد بن عبدالله بن قيس ابن مخرمة عن الحسن بن محمد بن على عن ابيه عن جده على بن ابى طالب رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما هممت بقبيح مما يهم به اهل الجاهلية الا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله عزوجل منها قلت ليلة لفتى كان معى من قريش بأعلى مكة في غنم لاهله يرعاها ابصر لى غنمي حتى اسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان قال نعم فخرجت فلما جئت ادنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير فقلت ما هذا فقالوا فلان تزوج فلانة لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عينى فنمت فما أيقظني الا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ما فعلت فأخبرته ثم فعلت الليلة الاخرى مثل ذلك فسمعت مثل ذلك فقيل لى مثل ما قيل لى فسمعت كما سمعت حتى غلبتني عينى فما أيقظني الا مس الشمس

[ 66 ]

ثم رجعت إلى صاحبي فقال لى ما فعلت فقلت ما فعلت شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما هممت بغيرهما بسوء مما يعمله اهل الجاهلية حتى اكرمني الله عزوجل بنبوته. وذكر الواقدي عن ام ايمن قالت كانت بوانة صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك له وتحلق عنده وتعكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة فكان أبو طالب يحضره مع قومه ويكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحضر ذلك العيد معهم فيأبى ذلك قالت حتى رأيت ابا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن يومئذ اشد الغضب وجعلن يقلن انا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا ويقلن ما تريد يا محمد ان تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع مرعوبا فزعا فقلنا ما دهاك قال انى اخشى ان يكون بى لمم فقلنا ما كان الله عزوجل ليببتليك بالشيطان وكان فيك من خصال الخير ما كان فما الذى رأيت قال انى كلما دنوت من صنم منها تمثل لى رجل ابيض طويل يصيح بى وراءك يا محمد لا تمسه قالت فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ صلوات الله عليه وسلامه.

[ 67 ]

(ذكر رعيته صلى الله عليه وسلم الغنم) روينا عن محمد بن سعد قال انا سويد بن سعيد واحمد بن محمد الازرقي قالا ثنا عمرو ابن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشى عن جده سعيد يعنى ابن عمرو عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث الله نبيا الا راعى غنم قال له اصحابه وانت يا رسول الله قال وانا رعيتها لاهل مكة بالقراريط. وروينا عن ابن سعد قال أنا احمد بن عبدالله بن يونس ثنا زهير ثنا أبو اسحاق قال كان بين اصحاب الابل واصحاب الغنم تنازع فاستطال أصحاب الابل قال فبلغنا والله أعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال بعث موسى وهو راعى غنم وبعث داود وهو راعى غنم وبعثت وأنا راعى غنم أهلى بأجياد. (شهوده صلى الله عليه وسلم يوم الفجار ثم حلف الفضول) قال السهيلي والفجار بكسر الفاء بمعنى المفاجرة كالقتال والمقاتلة وذلك أنه كان قتالا في الشهر الحرام ففجروا فيه جميعا فسمى الفجار وكانت للعرب فجارات أربعة ذكرها المسعودي آخرها فجار البراض وهو هذا وكان لكنانة ولقيس فيه أربعة أيام مذكورة يوم شمظة ويوم العيلاء (1) وهما عند عكاظ ويوم الشرب وهو أعظمها يوما فيه قيد حرب بن أمية وسفيان وأبو سفيان ابنا أمية أنفسهم كى لا يفروا فسموا العنابس ويوم الحريرة عند نخلة ويوم الشرب انهزمت قيس إلا


(1) في الاصل " الفلاء " والتصحيح من النسخة الظاهرية والاقتباس. (*)

[ 68 ]

بنى نصر منهم فانهم ثبتوا وكان انقضاء أمر الفجار على يدى عتبة بن ربيعة وذلك أن هوازن تواعدوا مع كنانة للعام المقبل بعكاظ فجاءوا للوعد وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة وكان عتبة بن ربيعة يتيما في حجره فضن به حرب وأشفق من خروجه معه فخرج عتبة بغير إذنه فلم يشعروا إلا وهو على بعيره بين الصفين ينادى يا معشر مضر علام تفانون فقالت له هوازن ما تدعو إليه قال الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتعفوا عن دمائنا قالوا وكيف قال ندفع لكم رهنا منا قالوا ومن لنا بهذا قال أنا قالوا ومن انت قال انا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فرضوا به رضيت به كنانة ودفعوا إلى هوازن اربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في ايديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم وانقضت حرب الفجار وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل فيها. وروينا عن ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم شهدها وله عشرون سنة وقال قال عليه السلام قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أنى لم أكن فعلت. وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف الفضول منصرف قريش من الفجار. قال محمد بن عمر وكان الفجار في شوال وهذا الحلف في ذى القعدة وكان أشرف حلف كان قط وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وبنو أسد بن عبدالعزى في دار ابن جدعان فصنع لهم طعاما فتعاقدوا وتعاهدوا بالله لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة وقال عليه السلام ما أحب أن لى بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم وأنى أغدر به بعينه. قال محمد بن عمر ولا نعلم أحدا سبق بنى هاشم بهذا الحلف.

[ 69 ]

(ذكر سفره عليه السلام إلى الشام مرة ثانية) وتزويجه خديجة عليها السلام بعد ذلك قال ابن إسحق ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة تزوج خديجة بنت خويلد فيما ذكره غير واحد من أهل العلم. وقال ابن عبد البر وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام في تجارة لخديجة سنة خمس وعشرين وتزوج خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما في عقب صفر سنة ست وعشرين وذلك بعد خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام من يوم الفيل. وقال الزهري كانت سن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة قال أبو عمر وقال أبو بكر بن عثمان وغيره كان يومئذ ابن ثلاثين سنة قالوا وخديجة يومئذ بنت اربعين سنة. وروينا عن أبى بشر الدولابى قال وحدثني ابن البرقى أبو بكر عن ابن هشام عن غير واحد عن أبى عمرو بن العلاء قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة. وروينا عن أبى الربيع بن سالم قال وذكر الواقدي باسناد له له إلى نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية قال وقد رويناه ايضا من طريق أبى على بن السكن وحديث أحدهما داخل في حديث الآخر مع تقارب اللفظ وربما زاد أحدهما الشئ اليسير على الآخر وكلاهما ينمى إلى نفيسة قالت لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الامين لما تكاملت فيه من خصال الخير قال له أبو طالب يا ابن أخى أنا رجل لا مال لى وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة وليس لنا مادة ولا تجارة وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث

[ 70 ]

رجالا من قومك في عيرانها فيتجرون لها في مالها ويصيبون منافع فلو جئتها فوضعت نفسك عليها لاسرعت اليك وفضلتك على غيرك لما يبلغها عنك من طهارتك وان كنت لاكره أن تأتى الشام وأخاف عليك من يهود ولكن لا نجد من ذلك بدا وكانت خديجة بنت خويلد إمرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة وتبعث بها إلى الشام فتكون عيرها كعامة عير قريش وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربة وكانت قريش قوما تجارا ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم بشئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلها ترسل إلى في ذلك فقال أبو طالب إنى أخاف أن تولى غيرك فتطلب أمرا مدبرا فترقا وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له وقبل ذلك ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه فقالت ما علمت أنه يريد هذا ثم أرسلت إليه فقالت إنه دعاني إلى البعثة اليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقى أبا طالب فذكر له ذلك فقال ان هذا لرزق ساقه الله اليك فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدم الشام فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له نسطورا فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه فقال يا ميسرة من هذا الذى نزل تحت هذه الشجرة فقال ميسرة رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى ثم قال له في عينيه حمرة قال ميسرة نعم لا تفارقه قال الراهب هو هو وهو آخر الانبياء ويا ليت أنى أدركه حين يؤمر بالخروج فوعى ذلك ميسرة ثم حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم سوق بصرى فباع سلعته التى خرج بها واشترى فكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة فقال الرجل أحلف باللات والعزى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حلفت بهما قط فقال الرجل القول قولك ثم قال لميسرة

[ 71 ]

وخلا به يا ميسرة هذا نبى والذى نفسي بيده وإنه لهو تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم فوعى دلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعا وكان ميسرة يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره قال وكان الله عزوجل قد ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة من ميسرة فكان كأنه عبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران (1) تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية لها معها نساء فيهن نفيسة بنت منية فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل وهو راكب على بعيره وملكان يظلان عليه فأرته نساءها فعجبن لذلك ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخبرها بما ربحوا فسرت بذلك فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت فقال لها ميسرة قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام وأخبرها بقول الراهب نسطورا وقول الآخر الذى خالفه في البيع قالوا وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح وأضعفت له ما سمت له فلما استقر عندها هذا وكانت امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهى يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو يقدر عليه فعرضت عليه نفسها فقالت له فيما يزعمون يا ابن عم إنى قد رغبت فيك لقرابتك ووسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك فلما قالت له ذلك ذكر ذلك لاعمامه فخرج مع عمه حمزة بن عبدالمطلب رضى الله عنه حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها فقال أبو الربيع هكذا ذكر ابن اسحق وذكر الواقدي وغيره من حديث نفيسة أن خديجة أرسلتها إليه دسيسا فدعته إلى تزويجها. قلت وقد روينا ذلك عن ابن سعد قال: أنا محمد بن عمر بن واقد الاسلمي ثنا موسى


(1) هو واد بن مكة وعسفان. (*)

[ 72 ]

ابن شيبة عن عميرة بنت عبدالله بن كعب بن مالك عن أم سعد بنت سعد بن الربيع عن نفيسة بنت منية قالت كانت خديجة بنت خويلد إمرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهى يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك قد طلبوها وبذلوا لها الاموال فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد ان رجع من عيرها من الشام فقلت يا محمد ما يمنعك ان تزوج قال ما بيدى ما أتزوج به قلت فان كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب قال فمن هي قلت خديجة قال فكيف لى بذلك قالت قلت على قال فأنا أفعل فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا فأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها فحضر ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فزوجه أحدهم فقال عمرو بن أسد هذا الفحل لا يقدع أنفه (1) وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة وهى يومئذ بنت أربعين سنة ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة. وذكر ابن إسحق ان أباها خويلد بن أسد هو الذى أنكحها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك وجدته عن الزهري وفيه وكان خويلد أبوها سكران من الخمر فلما كلم في ذلك أنكحها فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق (2) فلما صحا من سكره قال ما هذه الحلة والطيب فقيل له أنكحت محمدا خديجة وقد ابتنى بها فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه. وقال محمد بن عمر: الثبت عندنا المحفوظ من أهل العلم ان أباها خويلد بن أسد مات قبل الفجار وأن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورأيت ذلك عن غير الواقدي. وقد قيل إن أخاها عمرو بن خويلد هو الذى أنكحها منه والله أعلم. وروينا عن أبى بشر الدولابى ثنا يونس بن عبد الاعلى عن عبدالله بن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري قال فلما استوى رسول الله صلى الله


(1) أي: انه كفء كريم لا يرد. (2) أي: طيبته بطيب. (*)

[ 73 ]

عليه وسلم وبلغ أشده وليس له كبير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة وهو سوق بتهامة واستأجرت معه رجلا آخر من قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عنها ما رأيت من صاحبة لاجير خيرا من خديجة ما كنا نرجع أنا وصاحبى إلا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبؤه لنا. وروينا عن أبى بشر محمد بن احمد بن حماد قال وحدثني أبو أسامة الحلبي ثنا حجاج بن أبى منيع ثنا جدى عن الزهري قال تزوجت خديجة بنت خويلد بن أسد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين الاول منهما عتيق بن عايذ بن عبدالله بن عمر ابن مخزوم فولدت له جارية وهى أم محمد بن صيفي المخزومى، ثم خلف على خديجة بعد عتيق بن عايذ أبو هالة التميمي وهو من بنى أسيد بن عمرو فولدت له هند بن هند. كذا وقع في هذه الرواية عتيق بن عايذ والصواب عابد بالباء قاله الزبير وسمى الزبير الجارية التى ولدتها منه هندا واسم أبى هالة هند بن زرارة بن النباش ابن غذى بن خبيب بن صرد بن سلامة بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم فيما رويناه عن الدولابى: حدثنا أبو الاشعث احمد بن المقدام العجلى ثنا زهير بن العلاء ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة بن دعامة فذكره. قال ابن اسحق وكانت خديجة قد ذكرت لورقة بن نوفل بن اسد بن عبدالعزى وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذا كان الملكان يظلانه فقال ورقة لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبى هذه الامة قد عرفت انه كائن بهذه الامة نبى ينتظر هذا زمانه أو كما قال فجعل ورقة يستبطئ الامر. وله في ذلك أشعار منها ما رواه يونس بن بكير عن ابن اسحق: أتبكر أم أنت العشية رائح * وفى الصدر من إضمارك الحزن قادح لفرقة قوم لا أحب فراقهم * كأنك عنهم بعد يومين نازح

[ 74 ]

واخبار صدق خبرت عن محمد * يخبرها عنه إذا غاب ناصح بأن ابن عبد الله احمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الاباطح وظني به ان (1) سوف يبعث صادقا * كما ارسل العبدان نوح وصالح


(1) في الاصل " عن " بدل " ان " والتصحيح من النسخة الظاهرية. (*)

[ 75 ]

(ذكر بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى) ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة قال موسى بن عقبة وانما حمل قريشا على بنائها ان السيل كان اتى من فوق الردم الذى صنعوا فأخر به فخافوا ان يدخلها الماء وكان رجل يقال له مليح (1) سرق طيب الكعبة فأرادوا ان يشيدوا بنيانها وان يرفعوا بابها حتى لا يدخل الا من شاءوا وأعدوا لذلك نفقة وعمالا ثم عمدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر من ان يمنعهم الله الدى ارادوا. قال ابن اسحق ثم ان القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنيانها (2) كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن فاختصموا فيه كل قبيلة تريد ان ترفعه إلى موضعه دون الاخرى حتى تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت وأدخلوا ايديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم فمكثت قريش على ذلك اربع ليال أو خمسا ثم انهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض اهل الرواية ان ابا امية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وكان يومئذ اسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه اول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم ففعلوا فكان اول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الامين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم هلم إلى ثوبا فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده


(1) بضم الميم وسكون الهاء المثناة من تحتها. (2) في نسخة " لبنائها ". (*)

[ 76 ]

صلى الله عليه وسلم ثم بنى عليه. وحكى السهيلي انها كانت تسع اذرع من عهد اسمعيل يعنى ارتفاعها ولم يكن لها سقف فلما بنتها قريش قبل الاسلام زادوا فيها تسع اذرع فكانت ثمان عشرة ذراعا ورفعوا بابها عن الارض فكان لا يصعد إليها الا في درج أو سلم وأول من عمل لها غلقا تبع ثم لما بناها ابن الزبير زاد فيها تسع اذرع فكانت سبعا وعشرين ذراعا وعلى هذا هي إلى الآن. وكان بناؤها في الدهر خمس مرات الاولى حين بناها شيث بن آدم عليهما السلام والثانية حين بناها إبراهيم على القواعد الاولى والثالثة حين بنتها قريش قبل الاسلام بخمسة أعوام والرابعة حين احترقت في عهد ابن الزبير بشررة طارت من أبى قبيس فوقعت في أستارها فاحترقت وقيل ان إمرأة أرادت أن تجمرها فطارت شرارة من المجمرة فاحترقت فشاور ابن الزبير في هدمها من حضر فهابوا هدمها وقالوا نرى أن تصلح ما وهى ولا تهدم فقال لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها فهدمها حتى انتهى إلى قواعد ابراهيم وأمرهم أن يزيدوا في الحفر فحركوا حجرا منها فرأوا تحته نارا وهو لا أفزعهم فأمرهم أن يغروا القواعد وان يبنوا من حيث انتهى الحفر. وفى الخبر أنه سترها حين وصل إلى القواعد فطاف الناس بتلك الاستار فلم تخل من طائف حتى لقد ذكر ان يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب واشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها. فلما استتم بنيانها ألصق بابها بالارض وعمل لها خالفا أي بابا آخر من ورائها وأدخل الحجر فيها وذلك لحديث حدثته به خالته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ألم ترى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد ابراهيم حين عجزت بهم النفقة. ثم قال عليه السلام لولا حدثان قومك بالجاهلية لهدمتها وجعلت لها خلفا وألصقت بابها بالارض ولادخلت الحجر فيها أو كما قال عليه السلام. قال ابن الزبير فليس بنا اليوم عجز عن النفقة فبناها على مقتضى حديث عائشة. فلما قام عبدالملك بن مروان قال لسنا من تخليط

[ 77 ]

أبى خبيب بشئ فهدمها وبناها على ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من بنائها جاءه الحارث بن أبى ربيعة المعروف بالقباع وهو أخو عمر بن أبى ربيعة الشاعر ومعه رجل آخر فحدثاه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث المتقدم فندم وجعل ينكث في الارض بمخصرة في يده ويقول وددت أنى تركت أبا خبيب وما تحمل من ذلك. فهذه المرة الخامسة. فلما قام أبو جعفر المنصور أراد أن يبنيها على ما بناها ابن الزبير وشاور في ذلك فقال له مالك بن أنس أنشدك الله يا أمير المؤمنين وأن تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه فيه. وقد قيل إنه نبى في أيام جرهم مرة أو مرتين لان السيل كان قد صدع حائطه ولم يكن ذلك بنيانا وإنما كان صلاحا لما وهى منه وجدارا يبنى بينه وبين السيل بناه عامر الجادر. وكانت الكعبة قبل ان يبنيها شيث عليه السلام خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم ويأنس بها لانها أنزلت إليه من الجنة وكان قد حج إلى موضعها من الهند. وقد قيل أيضا إن آدم هو أول من بناها. ذكره ابن اسحق في غير رواية البكائى. وفى الخبر أن موضعها كان غثاءة على الماء قبل ان يخلق الله السموات والارض فلما بدأ الله يخلق الاشياء خلق التربة قبل السماء فلما خلق السماء وقضاهن سبع سموات دحى الارض أي بسطها وذلك قوله سبحانه وتعالى (والارض بعد ذلك دحاها) وإنما دحاها من تحت مكة ولذلك سميت أم القرى. وفى التفسير أن الله سبحانه حين قال للسموات والارض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) لم يجبه بهذه المقالة إلا أرض الحرم فلذلك حرمها. وفى الحديث أن الله حرم مكة قبل أن يخلق السموات والارض الحديث.

[ 79 ]

(ذكر ما حفظ من الاحبار والرهبان والكهان) وعبدة الاصنام من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى ما تقدم قال ابن اسحق وكانت الاحبار من يهود والرهبان من النصارى والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب من زمانه أما الاحبار من يهود والرهبان من النصارى فعما وحدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه. وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين فيما تسترق من السمع إذ كانت لا تحجب عن ذلك وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره ولا تلقى العرب لذلك فيه بالا حتى بعثه الله ووقعت تلك الامور التى كانوا يذكرون فعرفوها فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد التى كانت تقعد فيها لاستراقه فرموا بالنجوم فعرف الجن أن ذلك لامر حدث من أمر الله في العباد يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين بعثه يقص عليه خبرهم إذ حجبوا (قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدا). فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك

[ 80 ]

لئلا يشكل الوحى بشئ من خبر السماء فيلبس على أهل الارض ما جاءهم من الله فيه لوقوع الحجة وقطع الشبهة فآمنوا به وصدقوا ثم ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم. وقول الجن (وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن) الآية هو ان الرجل من العرب من قريش وغيرهم كان إذا سافر فنزل بطن واد من الارض ليبيت فيه قال إنى أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة من شر ما فيه. وذكر أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمى بها ثقيف وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بنى علاج وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا فقالوا له يا عمرو ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم قال بلى فانظروا فان كانت معالم النجوم التى يهتدى بها في البر والبحر ويعرف بها الانواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التى يرمى بها فهو والله طى هذه الدنيا وهلاك هذا الخلق الذى فيها وان كانت نجوما غيرها وهى ثابتة على حالها فهذا لامر أراد الله بهذا الخلق. وقد روى أبو عمر النمري من طريق أبى داوود ثنا وهب بن بقية عن خالد. وبه قال وحدثنا محمد بن العلاء عن ابن إدريس كلاهما عن حصين عن عامر الشعبى قال لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجمت الشياطين بنجوم لم يكن يرجم بها قبل فأتوا عبد ياليل بن عمرو الثقفى فقالوا إن الناس قد فزعوا وقد أعتقوا رقيقهم وسيبوا أنعامهم لما رأوا في النجوم فقال لهم وكان رجل أعمى لا تعجلوا وانظروا فان كانت النجوم التى تعرف فهى عند فناء الناس وان كانت لا تعرف فهو من حدث فنظروا فإذا هي نجوم لا تعرف فقالوا هذا من حدث فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. وروينا من طريق مسلم ثنا الحسن بن على الحلواني وعبد بن حميد قال حسن ثنا يعقوب وقال عبد حدثنى يعقوب بن ابراهيم بن سعد ثنا أبى عن صالح عن

[ 81 ]

ابن شهاب قال حدثنى على بن حسين ابن عبدالله بن عباس قال أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الانصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمى بمثل هذا عبد. حدثنى يعقوب بن ابراهيم بن سعد ثنا أبى عن صالح عن ابن شهاب قال قالوا الله ورسوله أعلم كنا نقول ولد الليلة رجل عليم ومات رجل عظيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فانها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ماذا قال فيسخبر بعض أهل السموات بعضا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقذفون فيه ويزيدون. أخبرنا أبو محمد بن اسماعيل المسكى قراءة عليه وأنا أسمع قال أنا أبو عبدالله بن أبى المعالى ابن محمد بن الحسين نزيل الاسكندرية سماعا قال أنا أحمد بن محمد الشافعي قراءة عليه وأنا أسمع قال أنا أحمد بن على بن الحسين قال أنا الحسن بن أحمد قال أنا عبدالله بن جعفر قال أنا يعقوب بن سفيان ثنا يوسف بن حماد المعنى ثنا عبد الاعلى عن محمد بن اسحق. وروينا من طريق البكائى عن ابن اسحق ومعناهما واحد وهذا اللفظ للبكائى عن ابن سحق. قال وحدثني صالح بن ابراهيم عن محمود بن لبيد عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان من أصحاب بدر قال كان لنا جار من يهود من بنى عبد الاشهل فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت فقالوا له ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا ان الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم قال نعم والذى يحلف به ولود أن له بحظه من تلك النار

[ 82 ]

أعظم تنور في داره يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه بان ينجو من تلك النار غدا فقالوا له ويحك يا فلان وما آية ذلك قال نبى مبعوث من نحو هذه البلاد وأشار بيده إلى مكة واليمن قالوا ومتى نراه ؟ فنظر إلى وأنا من أحدثهم سنا فقال ان يستنفد هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا فقلنا له ويحك يا فلان ألست الذى قلت لنا فيه ما قلت قال بلى ولكن ليس به. وروينا عن محمد بن سعد قال أنا محمد بن عمر قال حدثنى الحجاج بن صفوان عن أبى حسين عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عنبسة السلمى قال رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية وذلك أنها باطل فلقيت رجلا من أهل الكتاب من أهل تيماء فقلت إنى امرؤ ممن يعبد الحجارة فينزل الحى ليس معهم إله فيخرج الرجل منهم فيأتى بأربعة أحجار فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلها يعبده ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره إذا نزل منزلا سواه فرأيت أنه إله باطل لا ينفع ولا يضر فدلني على خير من هذا فقال يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها فإذا رأيت ذلك فاتبعه فانه يأتي بأفضل الدين فلم يكن لى همة منذ قال لى ذلك إلا مكة فأتي فأسأل هل حدث فيها حدث فيقال لا ثم قدمت مرة فسالت فقالوا حدث فيها رجل يرغب عن الهة قومه ويدعو إلى غيرها فشددت راحلتي برحلها ثم قدمت منزلي الذى كنت أنزل بمكة فسألت عنه فوجدته مستخفيا ووجدت قريشا عليه أشداء فتلطفت له حتى دخلت عليه فسألته فقلت أي شئ أنت قال نبى فقلت ومن أرسلك قال الله قلت وبم أرسلك قال بعبادة الله وحده لا شريك له وبحقن الدماء وبكسر الاوثان وصلة الرحم وأمان السبيل فقلت نعم ما أرسلت به قد آمنت بك وصدقتك أتأمرني أن أمكث معك أو أنصرف فقال ألا ترى كراهة الناس ما جئت به فلا تستطيع أن تمكث

[ 83 ]

كن في أهلك فإذا سمعت بى قد خرجت مخرجا فاتبعني فمكثت في أهلى حتى إذا خرج إلى المدينة سرت إليه فقدمت المدينة فقلت يا نبى الله أتعرفني قال نعم أنت السلمى الذى أتيتني بمكة وذكر باقى الحديث. وروينا عن ابن اسحق قال حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا ان مما دعانا إلى الاسلام مع رحمة الله لنا وهداه لما كنا نسمع من احبار يهود كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكان لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا لنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الآن يقتلكم قتل عاد وارم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله عزوجل وعرفنا ما كانوا يتواعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا ففى ذلك نزلت هذه الآيات في البقرة (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). وذكر الواقدي عن عطاء بن يسار قال لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال أجل والله انه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين أنت عبدى ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الاسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله يفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. قال عطاء ثم لقيت كعب الاحبار فسألته فما اختلفا في حرف. وروينا عن ابن اسحق قال حدثنى عاصم بن عمر عن شيخ من بنى قريظة قال قال لى هل تدرى عم كان اسلام ثعلبة ابن سعية واسيد بن سعية واسيد بن عبيد نفر من هدل (1) اخوة قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا ساداتهم في الاسلام قال قلت لا قال فان رجلا من يهود من


(1) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة. وذكره السهيلي بفتح الهاء والدال. (*)

[ 84 ]

أهل الشام يقال له ابن الهيبان (2) قدم علينا قبل الاسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس افضل منه فأقام عندنا فكنا إذا قحط المطر قلنا له اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا فيقول لا والله حتى تقدموا بين يدى نجواكم صدقة فنقول له كم فيقول صاعا من تمر أو مدين من شعير فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ثم حضرته الوفاة عندنا فلما عرف انه ميت قال يا معشر يهود ما ترونه أخرجنى من أمر الخمر والخمير إلى ارض البؤس والجوع فقلنا أنت أعلم قال فانما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجرة فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه قد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فانه يبعث بسفك الدماء وسبى الذرارى والنساء ومن خالفه فلا يمنعنكم ذلك منه فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وحاصر بنى قريظة قال هؤلاء الفتية وكانوا اشبانا أحداثا يا بنى قريظة والله انه للنبى الذى عهد إليكم فيه ابن الهيبان قالوا ليس به قال بلى والله انه لهو بصفته فنزلوا وأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم. وذكر الواقدي عن النعمان السبائى قال وكان من أحبار يهود باليمن فلما سمع بذكر النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه فسأله عن أشياء ثم قال إن أبى كان يختم على سفر يقول لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنبى قد خرج بيثرب فإذا سمعت به فافتحه قال نعمان فلما سمعت بك فتحت السفر فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة وإذا فيه ما تحل وما تحرم وإذا فيه أنك خير الانبياء وأمتك خير الامم واسمك أحمد صلى الله عليك وسلم وأمتك الحمادون قربانهم دماؤهم وأناجيلهم صدورهم لا يحضرون قتالا إلا وجبريل معهم يتحنن الله إليهم كتحنن الطير على أفراخه ثم قال لى إذا سمعت به فاخرج إليه وآمن به وصدق به فكان النبي صلى الله عليه


(2) بفتح الهاء وكسر الياء المثناة من تحت المشددة وفتح الباء الموحدة وآخره نون. (*)

[ 85 ]

وسلم يجب أن يسمع أصحابه حديثه فأتاه يوما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا نعمان حدثنا فابتدأ النعمان الحديث من أوله فرئى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ثم قال اشهد أنى رسول الله. ويقال ان النعمان هذا هو الذى قتله الاسود العنسى وقطعه عضوا عضوا وهو يقول أشهد أن محمدا رسول الله وأنك كذاب مفتر على الله عزوجل ثم حرقه بالنار. أخبرنا الشيخان أبو الفضل عبدالرحيم بن يوسف بن يحيى الموصلي وأبو الهيجاء غازى بن أبى الفضل بن عبد الوهاب قراءة على الاول وأنا أسمع وبقراءتي على الثاني قالا أنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد الدارقزى قراءة عليه قال الاول وأنا في الخامسة وقال الثاني وأنا أسمع قال أنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني قال أنا أبو طالب محمد بن محمد بن ابراهيم بن غيلان البزار قال أنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن إبراهيم الشافعي ثنا محمد بن يونس ثنا يعقوب بن محمد الزهري ثنا عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن جعفر عن أبى عون عن المسور بن مخرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس ابن عبدالمطلب قال قال لى أبى عبدالمطلب بن هاشم خرجت إلى اليمن في رحلة الشتاء والصيف فنزلت على رجل من اليهود يقرأ الزبور فقال يا عبدالمطلب بن هشام ائذن لى أنظر في بعض جسدك قال قلت فانظر ما لم يكن عورة قال فنظر في منخرى قال أجد في إحدى منخريك ملكا وفى الاخرى نبوة فهل لك من شاعة قال قلت وما الشاعة قال الزوجة قال قلت أما اليوم فلا قال فإذا قدمت مكة فتزوج قال فقدم عبد المطلب مكة فتزوج هالة بنت وهيب بن زهرة فولدت له حمزة وصفية وتزوج عبدالله آمنة بنت وهب فولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت قريش تقول فلج عبدالله على أبيه (1).


(1) الفلج: الظفر والفوز. هنا في هامش الاصل " بلغ مقايلة " (*)

[ 87 ]

(خبر سلمان الفارسى رضى الله عنه) روينا عن ابن إسحق قال حدثنى عاصم عن محمود عن ابن عباس قال حدثنى سلمان الفارسى من فيه قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جى وكان أبى دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه لم يزل حبه إياى حتى حبسني في بيت كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذى يوقدها لا يتركها تخبو ساعة وكانت لابي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما فقال لى يا بنى إنى قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب إليها فاطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال لى ولا تحتبس عنى فانك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل أمر من أمرى فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدرى ما أمر الناس لحبس أبى اياى في بيته فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الذى نحن عليه فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبى فلم آتها ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فرجعت إلى أبى وقد بعث في طلبى وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي بنى أين كنت ألم أكن عهدت اليك ما عهدت اليك قلت يا أبت مررت بالناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بنى ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه فقلت له كلا والله إنه لخير من ديننا قال فخافني فجعل في رجلى قيدا ثم حبسني في بيته وبعثت

[ 88 ]

إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم فقدم عليهم تجار من النصارى فاخبروني فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنونى بهم قال فلما أرادوا الرجعة أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلى ثم قدمت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين علما قالوا الاسقف في الكنيسة فجئته فقلت له إنى قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك فأخدمك في كنيستك وأتعلم من علمك وأصلى معك قال أدخل فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه شيئا منها إكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ثم مات واجتمعت النصارى ليدفنوه قلت لهم ان هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها إكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا فقالوا لى وما علمك بذلك قلت أنا أدلكم على كنزه فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا فلما رأوها قالوا والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ورموه بالحجارة وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له يا فلان إنى قد كنت معك وأحببتك حبا شديدا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك من الامر ما ترى فالى من توصى بى وبم تأمرني فقال أي بنى والله ما أعلم أحدا على ما كنت عليه ولقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجل بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته ان ألحق بك وأخبرني أنك على أمره فقال لى أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت يا فلان إن فلانا أوصى بى اليك وأمرني

[ 89 ]

باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فالى من توصى بى وبم تأمرني قال يا بنى والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبرى وما أمرنى به صاحبي فقال أقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث ان نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان ان فلانا كان أوصى بى إلى فلان ثم أوصى بى فلان اليك فالى من توصى بى وبم تأمرني قال يا بنى والله ما أعلم بقى أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم فأته فانه على مثل ما نحن عليه فان أحببته فأته فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبرى فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم واكتسبت حتى كانت لى بقرات وغنيمة ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إنى كنت مع فلان فأوصى بى إلى فلان ثم أوصى بى فلان إلى فلان ثم أوصى بى فلان اليك فالى من توصى بى وبم تأمرني قال أي بنى والله ما أعلمه أصبح على مثل ماكنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أطل زمان نبى مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فان استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بى نفر من كلب تجار فقلت لهم إحملونى إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه فقالوا نعم فأعطيتموها وحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادى القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودى فكنت عنده فرأيت النخل فرجوت أن يكون البلدة التى وصف لى صاحبي ولم يحق عندي فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بنى قريظة من المدينة فابتاعنى منه فحملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها وبعث

[ 90 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة فوالله إنى لفى رأس عذق (1) لسيدي أعمل له فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه قال يا فلان قاتل الله بنى قيلة والله إنهم الآن مجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبى فلما سمعتها أخذتنى العرواء (2) حتى ظننت أنى ساقط على سيدى فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك ما تقول فغضب سيدى ولكمنى لكمة شديدة ثم قال مالك ولهذا أقبل على عملك فقلت لا شئ إنما أردت أن أستثبته عما قال، وقد كان عندي شئ جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له انه قد بلغني انك رجل صالح ومعك اصحاب لك غرباء ذووا حاجة وهذا شئ كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه كلوا وأمسك يده فلم يأكل فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته فقلت إنى رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه فأكلوا معه فقلت في نفسي هاتان اثنتان ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد (3) قد تبع جنازة من اصحابه وعلى شملتان لى وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبي فلما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أنى أستثبت في شئ وصف لى فألقى الرداء عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكبت عليه أقبله وأبكى فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول فتحولت فجلست بين يديه فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يابن عباس فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه


(1) العذق بالفتح النخلة. (2) أي الرعدة. (3) مقبرة المدينة. (*)

[ 91 ]

ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد قال سلمان ثم قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نخلة أحييها له بالفقير (1) وأربعين أوقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية (2) والرجل بعشرين ودية والرجل بخمسة عشر والرجل بعشر والرجل ببقدر ما عنده حتى اجتمعت لى ثلاثمائة ودية فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فأتني أكن أنا أضعها بيدى ففقرت وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته فخرج معى إليها فجعلنا نقرب إليه الودى ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى فرغت فوالذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة فأديت النخل وبقى على المال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال ما فعل الفارسى المكاتب فدعيت له فقال خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان قلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما على قال خذها فان الله سيؤدى بها عنك فأخذتها فوزنت لهم منها والذى نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتنى معه مشهد. وذكر أبو عمر في خبر سلمان من طريق يزيد بن الحباب قال حدثنى حسين بن واقد عن عبدالله ابن بريدة عن أبيه أن سلمان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوم من اليهود بكذا وكذا درهما وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل يعمل فيها سلمان حتى تدرك فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل كله إلا نخلة غرسها عمر فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة التى غرسها عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غرسها قالوا: عمر فقلعها وغرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمت من عامها. وذكر البخاري رحمه الله


(1) هو من الفقر وهو حفر البئر وقيل بئر لا ماء فيه أو ماؤه قليل. (2) أي نخلة صغيرة. (*)

[ 92 ]

حديث سلمان كما ذكره ابن اسحق غير أنه ذكر ان سلمان غرس بيده ودية واحدة وغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرها فعاشت كلها إلا التى غرس سلمان. هذا معنى حديث البخاري رحمه الله. وعن سلمان أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره خبره أن صاحب عمورية قال له إئت كذا وكذا من أرض الشام فان بها رجلا بين غيضتين يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا يعترضه ذوو الاسقام فلا يدعو لاحد منهم إلا شفى فسله عن هذا الدين الذى تبتغى فهو يخبرك عنه قال سلمان فخرجت حتى جئت حيث وصف فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الاخرى فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفى وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التى يريد أن يدخل إلا منكبه فتناولته فقال من هذا والتفت إلى فقلت يرحمك الله أخبرني عن الحنيفية دين ابراهيم قال إنك لتسأل عن شئ ما يسأل عنه الناس اليوم قد أظلك نبى يبعث بهذا الدين من أهل الحرم فأته فهو يحملك عليه ثم دخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كنت صدقتني لقد لقيت عيسى بن مريم. رواه ابن اسحق عن داود ابن الحصين قال حدثنى من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز قال قال سلمان فذكره. قيل ان الرجل المطوى الذكر في هذا الاسناد هو الحسن بن عمارة فان يكنه فهو ضعيف عندهم قاله السهيلي. وقال وإن ضح هذا الحديث فلا نكارة في متنه فقد ذكر الطبري أن المسيح عليه السلام نزل بعد ما رفع وأمه وامرأة أخرى عند الجذع الذى فيه الصليب يبكيان فكلمهما وأخبرهما أنه لم يقتل وأن الله رفعه وأرسله إلى الحواريين ووجههم إلى البلاد وإذا جاز ان ينزل مرة جاز أن ينزل مرارا ولكن لا يعلم به انه هو حتى ينزل النزول الظاهر فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما جاء في الصحيح والله أعلم. ويروى انه إذا نزل تزوج امرأة من

[ 93 ]

جذام ويدفن إذا مات في روضة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله فقر لثلثمائة ودية معناه حفر. وقوله احييها له بالفقير قيل الوجه بالتفقير. وقطن النار خازن النار وخادمها. والعرواء الرعدة. ورأيت بخط جدى رحمه الله فيما علقه على نسخته بكتاب السيرة الهشامية من حواشى كتاب أبى الفضل عياض بن موسى وغيره قال الصدفى العرواء الحمى النافض والبرحاء الحمى الصالب والرحضاء الحمى التى تأخذ بالعروق والمطواء التى تأخذ بالتمطى والثوباء التى تأخذ بالتثاؤب. وذكر ابن إسحق في خبر زيد بن عمرو ابن نفيل قال وكان زيد قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الارض يطلب الحنيفية دين ابراهيم عليه السلام فكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما رأته تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل وكان الخطاب وكلها به فقال إذا رأيتيه هم بأمر فآذنينى به ثم خرج يطلب دين ابراهيم عليه السلام ويسأل الرهبان والاحبار حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ثم أقبل فجال الشام كلها حتى إذا انتهى إلى راهب بميفعة (1) من الارض البلقاء كان ينتهى إليه علم النصرانية (2) فيما يزعمون فسأله عن الحنيفية دين ابراهيم عليه السلام فقال إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ولكن قد أظلك زمان نبى يخرج من بلادك التى خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية فالحق به فانه مبعوث الآن هذا زمانه. وقد كان زيد شام اليهودية والنصرانية فلم يرض منها شيئا فخرج سريعا حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه. قال ابن اسحق وكان فيما بلغني عما كان وضع عيسى بن مريم فيما جاءه من الله من الانجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أثبت لهم يحنس (3) الحوارى حين نسخ لهم الانجيل من عهد عيسى بن مريم إليهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أبغضني فقد


(1) الميفعة العالي من الارض. (2) في الظاهرية " علم أهل النصرانية ". (3) بضم الياء وفتح الحاء وتشديد النون، ويجوز فيها الفتح والكسر معا. (*)

[ 94 ]

بغض الرب ولولا انى صنعت بحضرتهم صنايع لم يصنعها أحد قبلى ما كانت لهم خطيئة ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يغروننى وايضا للرب ولكن لابد أن تتم الكلمة التى في الناموس انهم أبغضوني مجانا أي باطلا فلولا قد جاء المنحمنا هذا الذى يرسله الله اليكم من عند الرب روح القسط هذا الذى من عند الرب خرج فهو شهيد على وأنتم ايضا لانكم قديما كنتم معى على هذا قلت لكم لكى لا تشكوا. والمنحمنا بالسريانية هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو بالرومية البرقليطس. قال ابن هشام وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرياسة إلى غيره ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التى قبله ولم يكسرها فخرج الرئيس الذى كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يمشى فعثر فقال ابنه تعس الابعد يريد النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبوه لا تفعل فانه نبى واسمه في الوضائع يعنى الكتب فلما مات لم يكن له همة إلا أن شد فكسر الخواتم فوجد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن اسلامه فحج وهو الذى يقول: إليك تغدو قلقا وضينها * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها وقد روينا عن دحية بن خليفة الكلبى في توجهه بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم وان ملك الروم قال لقومه هذا كتاب النبي الذى بشرنا به المسيح من ولد اسمعيل ابن ابراهيم عليهما السلام. وسيأتى بسنده إن شاء الله تعالى عند ذكر كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك. أخبرنا الامام أبو عبدالله محمد بن ابراهيم المقدسي حضورا في الرابعة بقراءة والدى رحمة الله عليه بالقاهرة وأبو عبد الله محمد بن عبدالمؤمن ابن أبى الفتح بقراءتي عليه بمرج دمشق قالا أنا أبو البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب قال أنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الارموى قال أنا أبو القاسم يوسف بن أحمد بن محمد المهروانى بانتقاء أبى بكر الخطيب البغدادي الحافظ

[ 95 ]

عليه قال أنا أبو سهل محمود بن عمر العكبرى ثنا أبو صالح سهل بن اسمعيل الموسوي ثنا أبو العباس عبدالله بن وهب الغزى بالرملة ثنا محمد بن أبى السرى العسقلاني ثنا شيخ بن أبى خالد البصري ثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نقش خاتم سليمان بن داود عليهما السلام لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروينا عن محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر حدثنى العطاف بن خالد عن خالد بن سعيد قال قال تميم الدارى كنت بالشام حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت إلى بعض حاجتى فأدركني الليل فقلت أنا في جوار عظيم هذا الوادي فلما أخذت مضجعي إذا مناد ينادى لا أراه عذ بالله فان الجن لا تجير أحدا على الله تعالى فقلت أيم تقول ؟ فقال قد خرج رسول الاميين رسول الله وصلينا خلفه بالحجون وأسلمنا واتبعناه وذهب كيد الجن ورميت بالشهب فانطلق إلى محمد فأسلم فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهبا به وأخبرته الخبر فقال صدقوك نجده يخرج من الحرم ومهاجره الحرم وهو خير الانبياء فلا تسبق إليه قال تميم فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت. (خبر قس بن ساعدة الايادي) قرئ على الشيخة الاصيلة أمة الحق شامية ابنة الامام الحافظ أبى على الحسن ابن محمد بن محمد بن محمد البكري وأنا أسمع بالقاهرة قالت أنا أبو محمد عبد الجليل ابن أبى غالب بن أبى المعالى بن مندوية الاصبهاني قراءة عليه وأنا أسمع سنة عشر وستمائة قال أنا أبو المحاسن نصر بن المظفر بن الحسين البرمكى الجرجاني سماعا عليه سنة تسع وأربعين وخمسمائة قال أنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن

[ 96 ]

النقور قال أنا أبو الحسن على بن عمر بن محمد بن الحسن الحربى ثنا أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ثنا محمد بن حسان بن خالد السمتى أبو جعفر سنة ثمان وعشرين ومائتين وفيها توفى ثنا محمد بن الحجاج اللخمى عن مجالد عن الشعبى عن ابن عباس قال قدم وفد عبد قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيكم يعرف قس بن ساعدة الايادي قالوا كلنا يا رسول الله يعرفه قال فما فعل قالوا هلك قال ما أنساه بعكاظ على جمل أحمر وهو يقول أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت إن في السماء لخبرا وإن في الارض لعبرا مهاد موضوع وسقف مرفوع ونجوم تمور وبحار لا تغور أقسم قس قسما حتما لئن كان في الامر رضى ليكونن سخطا إن لله لدينا هو أحب إليه من دينكم الذى أنتم عليه مالى أرى الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا. ثم قال أيكم يروى شعره فأنشدوه: في الذاهبين الاولين * من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * تمضى الاصاغر والاكابر لا يرجع الماضي إلى * ولا من الباقين غابر أيقنت انى لا محالة * حيث صار القوم صائر وقرأت على أبى الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني بدمشق أخبركم أبو اليمن زيد بن الحسن الكندى قراءة عليه وأنتم تسمعون قال أنا الحافظ أبو القاسم اسمعيل بن أحمد بن عمر بن السمرقندى قراءة عليه وأنا اسمع قال أنا أبو صالح احمد بن عبدالملك المؤذن ثنا أبو عبدالرحمن محمد بن الحسين السلمى ثنا أبو العباس الوليد بن سعيد بن حاتم بن عيسى الفسطاطى بمكة من حفظه وزعم أن له خمسا وتسعين سنة في ذى الحجة سنة ست وستين وثلثمائة على باب ابراهيم قال ثنا

[ 97 ]

محمد بن عيسى بن محمد الاخباري ثنا أبى عيسى بن محمد بن سعيد القرشى ثنا على بن سليمان عن سليمان بن على عن على بن عبدالله عن عبدالله بن عباس قال قدم الجارود ابن عبدالله وكان سيدا في قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والذى بعثك بالحق لقد وجدت صفتك في الانجيل ولقد بشر بك ابن البتول فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله قال فآمن الجارود وآمن من قومه كل سيد فسر النبي صلى الله عليه وسلم بهم وقال يا جارود هل في جماعة وفد عبدالقيس من يعرف لنا قسا قالوا كلنا نعرفه يا رسول الله وأنا من بين يدى القوم كنت أقفو أثره كان من أسباط العرب فصيحا عمر سبعمائة سنة أردك من الحواريين سمعان فهو أول من تأله من العرب كأنى أنظر إليه يقسم بالرب الذى هو له ليبلغن الكتاب اجله وليوفين كل عامل عمله ثم أنشأ يقول: هاج للقلب من جواه ادكار * وليال خلالهن نهار في أبيات آخرها: والذى قد ذكرت دل على الله * نفوسا لها هدى واعتبار فقال النبي صلى الله عليه وسلم على رسلك يا جارود فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أورق (1) وهو يتكلم بكلام ما أظن انى احفظه فقال أبو بكر يا رسول الله فانى أحفظه كنت حاضرا ذلك اليوم بسوق عكاظ فقال في خطبته: يا أيها الناس اسمعوا وعوا وإذا وعيتم فانتفعوا انه من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت مطر ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمهات وأحياء وأموات جمع وأشتات وآيات بعد آيات إن في السماء لخبرا وان في الارض لعبرا ليل ذاج وسماء ذات أبراج وأرض ذات رتاج وبحار ذات أمواج مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا أقسم قس قسما لا حانثا فيه ولا آثما ان لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذى أنتم عليه ونبيا قد حان حينه وأظلكم أوانه فطوبى لمن آمن


(1) هو ما في لونه بياض إلى سواد. (*)

[ 98 ]

به فهداه وويل لمن خالفه وعصاه ثم قال تبا لارباب الغفلة من الامم الخالية والقرون الماضية يا معشر إياد أين الآباء والاجداد وأين المريض والعواد وأين الفراعنة الشداد أين من بنى وشيد وزخرف ونجد وغره المال والولد أين من بغى وطغى وجمع فأوعى وقال انا ربكم الاعلى ألم يكونوا أكثر منكم أموالا وأطول منكم آجالا وأبعد منكم آمالا طحنهم الثرى بكلكله ومزقهم بتطاوله فتلك عظامهم بالية وبيوتهم خاوية عمرتها الذئاب العاوية كلا بل هو الله الواحد المعبود ليس بوالد ولا مولود ثم أنشأ يقول في الذاهبين الاولين * من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * تمضى الاصاغر والاكابر لا يرجع الماضي إلى * ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لامحا * لة حيث صار القوم ضائر قام ثم جلس وقام رجل اشدق اجش (1) الصوت فقا لقد رأيت من قس عجبا خرجت أطلب بعيرا لى حتى إذا عسعس الليل وكاد الصبح ان يتنفس هتف بى هاتف يقول يأيها الراقد في الليل الاحم * قد بعث الله نبيا في الحرم من هاشم أهل الوفاء والكرم * يجلو دجنات الليالى والبهم (2) قال فأدرت طرفي فما رأيت شخصا فأنشأت أقول يأيها الهاتف في داجى الظلم * أهلا وسهلا بك من طيف ألم بين هداك الله في لحن الكلم * من ذا الذى تدعو إليه تغتنم قال فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول ظهر النور وبطل الزور وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحبور صاحب النجيب الاحمر والتاج المغفر والوجه الازهر والحاجب الاقمر والطرف الاحور صاحب قول شهادة أن لا إله الا الله فذلك محمد المبعوث


(1) أي: غليظ. (2) دجنات أي: ظلمات، واليهم جمع ليهم وهى السود. (*)

[ 99 ]

إلى الاسود والاحمر أهل المدر والوبر ثم أنشأ يقول الحمد لله الذى لم يخلق الخلق عبث * ولم يخلنا سدا من بعد عيسى واكترث أرسل فينا احمدا خير نبى قد بعث * صلى عليه الله ما حج له ركب وحث قال ولاح الصباح وإذا بالفنيق (1) يشقشق (2) إلى النوق فملكت خطامه وعلوت سنامه حتى إذا لغب فنزل في روضة خضرة فإذا انا بقس بن ساعدة في ظل شجرة وبيده قضيب من أراك ينكث به في الارض وهو يقول: يا ناعى الموت والملحود في جدث * عليهم من بقايا بزهم حرق دعهم فان لهم يوما يصاح بهم * فهم إذا انتبهوا من نومهم فرقوا حتى يعودوا بحال غير حالهم خلقا جديدا كما من قبله خلقوا منهم عراة ومنهم في ثيابهم * منها الجديد ومنها المنهج الخلق قال فدنوت منه فسلمت عليه فرد على السلام فإذا أنا بعين حرارة في ارض خوارة ومسجد بين قبرين وأسدين عظيمين يلوذان به وإذا بأحدهما قد سبق الآخر إلى الماء فتبعه الآخر يطلب الماء فضربه بالقضيب الذى في يده وقال له ارجع ثكلتك أمك حتى يشرب الذى ورد قبلك فرجع ثم ورد بعده فقلت له ما هذان القبران قال هذان قبرا أخوين كانا لى يعبدان الله عزوجل معى في هذا المكان لا يشركان بالله شيئا فأدركهما الموت فقبرتهما وها أنا بين قبريهما حتى ألحق بهما ثم نظر اليهما وجعل يقول خليلي هبا طالما قد رقدتما * أجدكما لا تقضيان كراكما ألم تعلما أنى بسمعان مفردا * ومالى فيه من خليل سواكما مقيم على قبريكما لست بارحا * طوال الليالى أو يجيب صداكما


(1) بفتح الفاء وكسر النون وهو الجمل المكرم لا يركب ولا يهان لكرامته. (2) أي: يخرج شقشقته من جوفه فينفخها فتظهر من شقه عند هياجه. (*)

[ 100 ]

أبكيكما طول الحياة وما الذى * يرد على ذى لوعة ان بكاكما كأنكما والموت اقرب غائب * بروحى في قبريكما قد أتاكما أمن طول نوم لا تجيبان داعيا * كأن الذى يسقى العقار (1) سقاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية * لجدت بنفسى ان تكون فداكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله قسا إنى ارجو أن يبعثه الله عزوجل أمة وحده (2) (خبر سواد بن قارب) وكان يتكهن في الجاهلية وكان شاعرا ثم اسلم قرأت على أبى عبدالله بن ابى الفتح بن وثاب الصوري بالزعيزعية (3) بمرج دمشق قلت له أخبركم الشيخان المؤيد هشام بن عبد الرحيم بن أحمد بن محمد البغدادي نزيل أصبهان وأم حبيبة عائشة بنت معمر بن الفاخر القرشية إجازة قالا: أنا أبو الفرج سعيد ابن أبى الرجاء الصيرفى قراءة عليه ونحن نسمع بأصبهان قال أنا أبو نصر ابراهيم بن محمد بن على الاصبهاني الكسائي قال انا أبو بكر محمد بن ابراهيم بن على بن عاصم بن المقرئ قال أنا أبو يعلى أحمد بن على بن المثنى الموصلي ثنا يحيى بن حجر بن النعمان السامى ثنا على بن منصور الانباري عن عثمان بن عبدالرحمن الوقاصى عن محمد بن كعب القرظى قال بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه ذات يوم جالسا إذ مر به رجل فقيل يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار قال ومن هذا قالوا هذا سواد بن قارب


(1) أي: الخمر. (2) قال الحافظ ابن كثير قصة قس لها طرق كلها ضعيفة وهى مع ضعفها كالمتعاضدة على اثبات اصل القصة. (3) بضم ففتح فسكون فكسر فكسر ففتح بتشديد من قرى مرج دمشق. (*)

[ 101 ]

الذى أتاه رئيه بظهور النبي صلى الله عليه وسلم قال فأرسل إليه عمر رضى الله عنه فقال له أنت سواد بن قارب قال نعم قال أنت الذى أتاك رئيك بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قال فأنت على ما كنت عليه من كهانتك قال فغضب وقال ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين فقال عمر سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك فأخبرني باتيانك رئيك بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتانى رئيى فضربني برجله قال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل ان كنت تعقل انه قد بعث رسول من لؤى بن غالب يدعو إلى الله عزوجل والى عبادته ثم أنشأ يقول عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما صادق الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم * ليس قداماها كأذنابها قال قلت دعني أنام فانى امسيت ناعسا فلما كانت الليلة الثانية أتانى فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل ان كنت تعقل انه قد بعث رسول من لؤى بن غالب يدعو إلى الله عزوجل والى عبادته ثم أنشأ يقول عجبت للجن وتخبارها * وشدها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمن الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها وأحجارها قال قلت دعني أنام فانى أمسيت ناعسا فلما كانت الليلة الثالثة أتانى فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل ان كنت تعقل انه قد بعث رسول من لؤى بن غالب يدعو إلى الله عزوجل والى عبادته ثم أنشأ يقول عجبت للجن وتجساسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما خير الجن كأنجاسها

[ 102 ]

فارحل إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينك إلى راسها فقمت فقلت قد إمتحن الله قلبى فرحلت ناقتي ثم أتيت المدينة فإذا رسول الله وصحبه حوله فدنوت فقلت اسمع مقالتي يا رسول الله قال هات فأنشأت أقول: أتانى نجيبي بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لؤى بن غالب فشمرت من ذيلي الازار ووسطت * بى الذعلب (1) الوجناء بين السباسب فأشهد أن الله لا رب غيره * وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يابن الاكرمين الاطايب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل * وان كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعة * سواك بمغن عن سواد بن قارب قال ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رؤى الفرح في وجوههم. قال فوثب إليه عمر بن الخطاب رضى الله عنه فالتزمه وقال قد كنت اشتهى أن أسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك رئيك اليوم قال اما منذ قرأت القرآن فلا ونعم العوض كتاب الله من الجن ثم أنشأ عمر يقول كنا يوما في حى من قريش يقال لهم آل ذريح وقد ذبحوا عجلا لهم والجزار يعالجه إذ سمعنا صوتا من جوف العجل ولا نرى شيئا يا آل ذريح أمر نجيح صائح يصيح بلسان فصيح يشهد أن لا إله إلا الله. وقد روينا خبر سواد هذا من طريق البخاري ثنا يحيى ابن سليمان قال حدثنى ابن وهيب قال حدثنى عمر أن سالما حدثه عن عبدالله ابن عمر فذكر الخبر أخصر مما سقناه وفى الالفاظ إختلاف. قال السهيلي ولسواد ابن قارب هذا مقام حميد في دوس حين بلغهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما. قال


(1) الذعلب بكسر الدال المشددة وسكون العين وكسر اللام الناقة السريعة. (*)

[ 103 ]

ومن هذا الباب خبر سوداء بنت زهرة بن كلاب وذلك انها حين ولدت ورآها أبوها زرقاء سيماء أمر بوأدها وكانوا يئدون من البنات ما كانت على هذه الصفة فأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك فلما حفر لها الحافر وأراد دفنها سمع هاتفا يقول لا تئد الصبية وخلها في البرية فالتفت فلم ير شيئا فعاد لدفنها فسمع الهاتف يسجع بسجع آخر في المعنى فرجع إلى أبيها وأخبره بما سمع فقال إن لها لشأنا وتركها فكانت كاهنة قريش فقالت يوما لبنى زهرة ان فيكم نذيرة أو تلد نذيرا فاعرضوا على بناتكم فعرضن عليها فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب فقالت هذه النذيرة أو ستلد نذيرا. وهو خبر طويل ذكر الزبير يسيرا منه. وذكره بطوله أبو بكر النقاش. (خبر مازن بن الغضوبة) أخبرنا على بن محمد التغلبي قال أنا محمد بن غسان بن غافل وغيره قالا أنا على بن الحسن الدمشقي قال أنا الشيخان أبو القاسم زاهر وأبو بكر وجيه ابنا طاهر بن محمد الشحاميان بنيسابور قالا أنا أبو حامد أحمد بن الحسن الازهرى قال أنا أبو محمد الحسن ابن أحمد المخلدى قال أنا أبوعمران موسى بن العباس الجوينى ثنا على بن حرب ثنا المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن عبدالله العماني عن مازن بن الغضوبة قال كنت أسدن صنما بسمال قرية بعمان فعترنا ذات يوم عنده عتيرة وهى الذبيحة فسمعنا صوتا من الصنم يقول: يا مازن إسمع تسر * ظهر خير وبطن شر * بعث نبى من مضر بدين الله الكبر * فدع نحيتا من حجر * تسلم من حر سقر

[ 104 ]

قال ففزعت لذلك فقلت إن في هذا لعجبا. قال ثم عترت بعد أيام عتيرة فسمعت صوتا من الصنم يقول. اقبل إلى أقبل * تسمع مالا يجهل * هذا نبى مرسل * جاء بحق منزل فآمن به كى تعدل * عن حر نار تشعل * وقودها بالجندل فقلت إن في هذا لعجبا (1) وانه لخير يراد بى فبينا نحن كذلك إذ قدم رجل من أهل الحجاز قلنا ما الخبر وراءك قال ظهر رجل يقال له أحمد يقول لمن أتاه أجيبوا داعى الله فقلت هذا نبأ ما سمعته فثرت إلى الصنم فكسرته جذاذا وركبت راحلتي فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح لى الاسلام فأسلمت وقلت كسرت بادر أجذاذا وكان لنا * ربا نطيف به ضلا بتضلال بالهاشمي هدانا من ضلالتنا * ولم يكن دينه منى على بال يا راكبا بلغن عمرا واخوتها * أنى لمن قال ربى بادر قالى يعنى بعمرو بنى الصامت واخوتها بنى الخظامة. قال مازن فقلت يا رسول الله انى مولع بالطرب وبشرب الخمر وبالهلوك من النساء وألحت علينا السنون فذهبن بالاموال وهزلن الذرارى والعيال وليس لى ولد فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينى بالحيا (2) ويهب لى ولدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ابدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وبالخمر ريا لا إثم فيه وبالعهر عفة الفرج وائته بالحيا وهب له ولدا قال مازن فأذهب الله عنى ما كنت أجد وتعلمت شطر القرآن وحججت حججا وأخصبت عمان ووهب الله لى حيان بن مازن وأنشدت أقول: إليك رسول الله خبت مطيتي * تجوب الفيافي من عمان إلى العرج لتشفع لى يا خير من وطئ الحصى * فيغفر لى ربى وأرجع بالفلج إلى معشر خالفت في الله دينهم * فلا رأيهم رأيى ولا شرجهم شرجي


(1) في النسخ " ان هذا لعجبا " (2) أي: المطر (*)

[ 105 ]

وكنت امرأ بالرعب والخمر مولعا * شبابى حتى آذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر خوفا وخشية (1) * وبالعهر إحصانا فحصن لى فرجى فأصبحت همى في الجهاد ونيتي * فلله ما صومي ولله ما حجى وروينا عن زمل بن عمرو العذري قال كان لبنى عذرة صنم يقال له خمام فكانوا يعظمونه وكان في بنى هند بن حرام بن ضبة بن عبد بن كثير بن عذرة وكان سادنه رجلا يقال له طارق وكانوا يعترون عنده فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم سمعنا صوتا يقول يا بنى هند بن حرام ظهر الحق وأودى خمام ودفع الشرك الاسلام. قال ففزعنا لذلك وهالنا فمكثنا أياما ثم سمعنا صوتا وهو يقول يا طارق يا طارق بعث النبي الصادق بوحى ناطق صدع صادعة بأرض تهامة لناصريه السلامة ولخاذليه الندامة هذا الوداع منى إلى يوم القيامة. قال زمل فوضع الصنم لوجهه. قال زمل فابتعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من قومي وأنشدته شعرا قلته: إليك رسول الله أعملت نصها * أكلفها حزنا وقوزا من الرمل لانصر خير الناس نصرا مؤزرا * وأعقد حبلا من حبالك في حبلى وأشهد أن الله لا شئ غيره * أدين له ما أثقلت قدمى نعلي. في خبر ذكره وروينا عن ابن هشام ابن بعض أهل العلم حدثه أنه كان لمرداس أبى عباس ابن مرداس السلمى وثن يعبده وهو حجر يقال له ضمار فلما حضر مرداس قال لعباس أي بنى أعبد ضمار فانه ينفعك ويضرك فبينما عباس يوما عند ضمار إذ سمع من جوف ضمار مناديا يقول: قل للقبائل من سليم كلها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد ان الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد أودى ضمار وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد


(1) في نسخة " وعفة " ولعله غلط. (*)

[ 106 ]

فحرق العباس ضمار ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم. وروى أبو جعفر العقيلى عن رجل من بنى لهب يقال له لهيب أو لهيب بن مالك قال حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة فقلت بأبى وأمى نحن أول من عرف حراسة السماء وزجر الشياطين ومنعهم من إستراق السمع عند قذف النجوم وذلك أنا إجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له خطر بن مالك وكان شيخا كبيرا قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة وكان من أعلم كهاننا فقلنا له يا خطر هل عندك علم من هذه النجوم التى يرمى بها فانا قد فزعنا لذلك وخفنا سوء عاقبتها فقال إئتوني بسحر أخبركم الخبر الخير أم ضرر أو لامن أو حذر قال فانصرفنا عنه يومنا فلما كان من غد في وجه السحر أتيناه فإذا هو قائم على قدميه شاخص في السماء بعينيه فناديناه يا خطر يا خطر فأومأ الينا أمسكوا فأمسكنا فانقض نجم عظيم من السماء وصرخ الكاهن رافعا صوته أصابه أصابه خامره عقابه عاجله عذابه أحرقه شهابه زايله جوابه يا ويله ما حاله بلبله بلباله عاوده خباله تقطعت حباله وغيرت أحواله. ثم أمسك طويلا يقول يا معشر بنى قحطان: أخبركم بالحق والبيان * أقسمت بالكعبة والاركان والبلد المؤتمن السدان * قد منع السمع عتاة الجان بثاقب بكف ذى سلطان * من أجل مبعوث عظيم الشان يبعث بالتنزيل والفرقان * وبالهدى وفاضل القرآن تبطل به عبادة الاوثان قال فقلت ويحك يا خطر إنك لتذكر أمرا عظيما فماذا ترى لقومك فقال أرى لقومي ما أرى لنفسي * أن يتبعوا خير نبى الانس برهانه مثل شعاع الشمس * يبعث في مكة دار الحمس بمحكم التنزيل غير اللبس

[ 107 ]

فقلنا له يا خطر وممن هو فقال والحياة والعيش انه لمن قريش ما في حكمه طيش ولا في خلقه هيش (1) يكون في جيش وأى جيش من آل قحطان وآل أيش. فقلنا بين لنا من أي قريش هو فقال والبيت ذى الدعائم انه لمن نجل هاشم من معشر أكارم يبعث بالملاحم وقتل كل ذى ظالم ثم قال هذا هو البيان أخبرني به رئيس الجان. ثم قال الله أكبر جاء الحق وظهر وانقطع عن الجن الخبر. ثم سكت وأغمى عليه فما أفاق إلا بعد ثلاثة فقال لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله لقد نطق عن مثل نبوة وانه ليبعث يوم القيامة أمة وحده. قال السهيلي المعنى وصابه مثل وشاح وأشاح وتكون الهمزة بدلا من واو مكسورة. وروينا من طريق ابن ماجه ثنا محمد بن يحيى ثنا اسرائيل ثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ان قريشا أتوا إمرأة كاهنة فقالوا لها أخبرينا أشبهنا أثرا بصاحب المقام فقال إن أنتم جررتم كساء على هذه السهلة ثم مشيتم عليها أنبأتكم فجروا كساء ثم مشى الناس عليها فأبصرت اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت هذا أقربكم إليه شبها ثم مكثوا بعد ذلك عشرين سنة أو ما شاء الله ثم بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن أبى خيثمة ثنا موسى ثنا حماد عن حميد عن عكرمة ان نفرا من قريش مروا بجزيرة من جزائر البحر فإذا هم بشيخ من جرهم فقال ممن أنتم قلنا نحن من أهل مكة من قريش فقال الشيخ ذات يوم لقد طلع الليلة نجم لقد بعث فيكم نبى قال فنظروا فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث تلك الليلة. قرئ على أبى عبدالله محمد بن عبدالمؤمن المقدسي وأنا أسمع بغوطة دمشق أخبرتكم أم النور عين الشمس بنت أحمد بن أبى الفرج الثقفى إجازة قالت أنا أبو الفتح إسمعيل بن الفضل بن أحمد بن الاخشيد قراءة عليه ثنا الشيخ الزكي أبو القاسم الفضل بن أحمد بن أحمد بن محمود الثقفى ثنا أبو


(1) أي: ليس عنده حدة وسرعة غضب. (*)

[ 108 ]

بكر أحمد بن يوسف بن ابراهيم الثقفى ثنا أبو على الحسن ابن محمد بن إله المعدل ثنا عمرو بن على ثنا عبيد الله بن عبدالمجيد ثنا القاسم بن الفصل ثنا أبو نضرة عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال بينما راع يرعى بالجزيرة إذ عرض الذئب لشاة من شائه فحال الراعى بين الذئب وبين الشاة فأقعى الذئب على ذنبه فقال ألا تتقى الله تحول بينى وبين رزق ساقه الله إلى. فقال الراعى هل أعجب من ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الانس. فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب منى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحرتين (1) يحدث الناس بأنباء ما قد سبق فساق الراعى شاءه فأتى المدينة فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثه بما قال الذئب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الراعى إن من أشراط الساعة كلام السباع الانس والذى نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم الرجل شراك نعله وعذبة صوته ويخبره بما صنع أهله. وذكر الواقدي باسناد له قال كان أبو هريرة يحدث ان قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا وكانوا يتحاكمون إلى أصنامهم. وفيه قال أبو هريرة رضى الله عنه فبينا الخثعمون عند صنمهم إذ سمعوا هاتفا يهتف: يأيها الناس ذوو الاجسام * ومسندو الحكم إلى الاصنام أكلكم أوره كالكهام * أما ترون ما أرى امامى من ساطع يجلو دجى الظلام * ذاك نبى سيد الانام من هاشم في ذروة السنام * مستعلن بالبلد الحرام جاء بهد الكفر بالاسلام * أكرمه الرحمن من إمام قال أبو هريرة فأمسكوا عنه ساعة حتى حفظوا ذلك ثم تفرقوا فلم تمض بهم ثالثة حتى فجئهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قد ظهر بمكة فما أسلم الخثعميون حتى إستأخر إسلامهم ورأوا عبرا عند صنمهم. قال ابن إسحق وحدثني على بن نافع الجرشى أن


(1) أي: المدينة لانها بين حرتين عظيمتين: والحرة هي الارض ذات الحجارة السود. (*)

[ 109 ]

جنبا بطنا من اليمن كان لهم كاهن في الجاهلية فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب قالت له جنب أنظر لنا في أمر هذا الرجل واجتمعوا إليه في أسفل جبل فنزل عليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له فرفع رأسه إلى السماء طويلا ثم جعل ينزو ثم قال أيها الناس إن الله أكرم محمدا واصطفاه وطهر قلبه وحشاه ومكثه فيكم أيها الناس قليل ثم اشتد في جبله راجعا من حيث جاء. والاخبار في هذا كثيرة. (ذكر المبعث، متى وجبت له صلى الله عليه وسلم النبوة) قرئ على أبى عبدالله محمد بن عبدالمؤمن بن أبى الفتح الصوري وأنا أسمع أخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل بن الحرستانى قراءة عليه وأنتم تسمعون فأقر به قال أنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن أبى الخضر السلمى سماعا عليه قال أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكنانى قال أنا تمام بن محمد الرازي قال أنا أحمد بن سليمان ثنا يزيد بن محمد ثنا أبوالجماهر ثنا سعيد بن بشير ثنا قتادة عن الحسن عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث. أخبرنا محمد بن اسمعيل بن عبدالله بن الانماطى بقراءة والدى عليه وأنا أسمع قال أنا ابن الحرستانى سماعا وأبو الحسن المؤيد ابن محمد بن على الطوسى إجازة قال أنا وقال ابن الحرستانى أنبأنا الامام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوى قال أنا أبو حفص بن مسرور قال أنا أبو عمرو بن نجيد ثنا محمد بن أيوب الرازي قال أنا محمد بن سنان العوقى ثنا ابراهيم

[ 110 ]

ابن طهمان عن بديل عن عبدالله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا قال كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد. (كم كانت سنه صلى الله عليه وسلم حين بعث) أخبرنا أبو حفص عمر بن عبد المنعم بن القواس بقراءتي عليه بعربيل بغوطة دمشق قلت له أخبركم القاضى الامام أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل الانصاري قراءة عليه بحضورك في الرابعة فأقر به قال أنا جمال الاسلام أبو الحسن السلمى قال أنا أبو نصر الحسين بن محمد بن طلاب قال أنا أبو الحسين بن جميع ثنا خالد بن محمد بدمياط ثنا محمد بن على الصائغ ثنا محمد بن بشر التنيسى ثنا الاوزاعي قال حدثنى ربيعة بن أبى عبدالرحمن قال حدثنى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس الاربعين وقبض على رأس الستين وما في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.

[ 111 ]

(خبر بعثه عليه السلام إلى الاسود والاحمر) أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى بقراءة والدى عليه أخبركم أبو على ضياء بن أبى القاسم عن الخريف قال أنا أبو بكر محمد بن عبدا لباقي بن محمد الانصاري قال أنا أبو الحسن على بن عيسى الباقلانى قال أنا أحمد بن جعفر ثنا الحسن بن الطيب البلخى ثنا قتيبة بن سعيد ثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك قام من الليل يصلى فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم قال لهم لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلى اما أولهن فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلى إنما يرسل إلى قومه. ونصرت بالرعب على العدو ولو كان بينى وبينه مسيرة شهر لملئ منى رعبا. وأحلت لى الغنائم كلها وكان من قبلى يعظمونها كانوا يحرمونها. وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلى يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم. والخامسة قيل لى سل فان كل نبى قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهى لكم ولمن شهد أن لا إله إلى الله. قرئ على عبدالرحيم بن يوسف الموصلي وأنا اسمع اخبركم ابن طبرزد قال أنا ابن الحصين أنا ابن غيلان عن أبى بكر الشافعي ثنا ابراهيم ابن عبدالله بن مسلم ثنا سليمان بن حرب ثنا شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن أبى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع بى من يهودى أو نصراني ثم لم يسلم دخل النار. قال ابن إسحق فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله رحمة للعالمين وكافة للناس وكان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبى بعثه قبله

[ 112 ]

بالايمان به والتصديق له والنصر على من خالفه وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه بقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى - أي ثقل ما حملتكم من عهدي - قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) فأخذ الله الميثاق عليهم جميعا بالتصديق له والنصر وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من اهل هذين الكتابين. وعن عائشة رضى الله عنها ان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله به كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح وحبب الله إليه الخلوة فلم يكن شئ أحب إليه من أن يخلو وحده. وروينا عن ابى بشر الدولابى قال حدثنى محمد بن حميد أبو قرة ثنا سعيد بن عيسى بن تليد قال حدثنى المفضل بن فضلة عن أبى الطاهر عبدالملك بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمه عبدالله بن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم انه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم انه رأى في المنام رؤيا فشق ذلك عليه فذكر ذلك لصاحبته خديجة بنت خويلد فقالت له أبشر فان الله لا يصنع بك إلا خيرا فذكر لها أنه رأى ان بطنه أخرج فطهر وغسل ثم أعيد كما كان قالت هذا خير فأبشر ثم استعلن به جبريل فأجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه وبشره برسالة ربه حتى اطمأن ثم قال اقرأ قال كيف أقرأ قال (اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم) فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربه واتبع الذى جاء به جبريل من عند الله وانصرف إلى أهله فلما دخل على خديجة قال أرأيتك الذى كنت أحدثك ورأيته في المنام فانه جبريل استعلن فأخبرها بالذى جاءه من الله عزوجل وسمع فقالت أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا فاقبل الذى أتاك الله وأبشر

[ 113 ]

فانك رسول الله حقا. وروينا من طريق الدولابى عن محمد بن عايذ ثنا محمد بن شعيب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عطاء بن أبى مسلم عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث الله عز وجل محمدا على رأس خمس سنين من بنيان الكعبة وكان أول شئ أراه إياه من النبوة رؤيا في النوم فذكر نحو ما تقدم وفى آخره فلما قضى إليه الذى أمر به انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم منقلبا إلى أهله لا يأتي على حجر ولا شجر إلا سلم عليه سلام عليك يا رسول الله فرجع إلى بيته وهو موقن قد فاز فوزا عظيما الحديث. وروينا من طريق مسلم ثنا أبو بكر بن ابى شيبة ثنا يحيى بن أبى كثير عن ابراهيم بن طهمان قال حدثنى سماك بن حرب عن جابر ابن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث إنى لاعرفه الآن. وفى رواية يونس عن ابن إسحق بسنده إلى أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة انى إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر قالت معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك فوالله انك لتؤدى الامانة وتصل الرحم وتصدق الحديث فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت خديجة له فقالت يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده وقال انطلق بنا إلى ورقة فقال ومن أخبرك قال خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال انى إذا خلوت وحدي سمعت نداء من خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الارض فقال له لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك ثم إئتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين قل لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر له ذلك فقال له ورقة أثبت (1) فأنا أشهد أنك الذى بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وانك نبى مرسل وانك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن أدركني ذلك لاجاهدن معك فلما توفى ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد


(1) في نسخة " أبشر " في مكان " أثبت ". (*)

[ 114 ]

رأيت القس في الجنة وعليه ثياب الحرير لانه آمن بى وصدقني يعنى ورقة. وروينا عن أبى بكر الشافعي ثنا محمد بن يونس بن موسى ثنا عثمان بن عمر بن فارس قال أنا على بن المبارك الهنائى عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة قال سألت جابر بن عبدالله فقال لا أحدثك الا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا فنظرت عن يسارى فلم أر شيئا فنظرت من خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء والارض فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا على ماء باردا فدثروني وصبوا على ماء باردا فنزلت هذه الآية (يأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر) رواه مسلم عن ابن مثنى عن عثمان بن عمر بن فارس. وروينا من حديث الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال إقرأ قال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال إقرأ قلت ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما انا بقارئ فأخذني فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم ارسلني فقال (اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم قال لخديجة أي خديجة مالى وأخبرها الخبر قال لقد خشيت على نفسي قالت له خديجة كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم

[ 115 ]

تصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى وهو ابن عم خديجة أخى أبيها وكان أمرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الانجيل بالعربية ما شاء الله ان يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة أي عم اسمع من ابن أخيك قال ورقة بن نوفل يا ابن أخى ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا هو الناموس الذى أنزل على موسى يا ليتني فيها جذعا يا ليتني اكون حيا حين يخرجك قومك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجى هم قال ورقة نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وان يدركنى يومك انصرك نصرا مؤزرا. رويناه من حديث مسلم عن أبى الطاهر عن ابن وهب عن يونس عنه وهذا لفظه. ورويناه من طريق البخاري وغيره ولفظهم متقارب. وروينا من طريق الدولابى ثنا يونس بن عبد الاعلى ثنا عبدالله بن وهب قال اخبرني يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضى الله عنها فذكر نحو ما تقدم وفى آخره ثم لم ينشب ورقة ان توفى وفتر الوحى فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة كى يلقى نفسه منها تبدى له جبريل عليه السلام فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طال عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك فإذا أوفى ذروة تبدى له جبريل فقال مثل ذلك. وعن عبيد بن عمير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر فكان يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل ان يدخل بيته الكعبة فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله ثم يرجع إلى بيته حتى

[ 116 ]

إذا كان الشهر الذى اراد الله به فيه ما اراد من كرامته وذلك الشهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التى اكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قلت ما اقرأ فغتنى به حتى ظننت انه الموت ثم ارسلني فقال اقرأ فقلت ما اقرأ فغتنى به حتى ظننت انه الموت ثم ارسلني فقال اقرأ قلت ماذا أقرأ ما اقول ذلك إلا افتداء منه ان يعود لى بمثل ما صنع قال (اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى فكأنما كتب في قلبى كتابا فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وانا جبريل رفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وانا جبريل فوقفت أنظر إليه فما اتقدم وما اتأخر وجعلت اصرف وجهى عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما اتقدم أمامى وما ارجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عنى وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلى ثم حدثتها بالذى رأيت فقالت ابشر يا ابن عمى واثبت فوالذي نفسي بيده إنى لارجو ا أن تكون نبى هذه الامة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من اهل التوراة والانجيل فأخبرته بما اخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم انه رأى وسمع فقال ورقة قدوس قدوس والذى نفسي بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الاكبر الذى كان

[ 117 ]

يأتي موسى وانه لنبى هذه الامة فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع ما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال له يا ابن اخى اخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة والذى نفسي بيده انك لنبى هذ الامة ولقد جاءك الناموس الاكبر الذى جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتقاتلنه ولئن انا ادركت ذلك اليوم لانصرن الله نصرا يعلمه ثم ادنى رأسه منه فقبل يأفوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله. وروينا عن ابى بشر ثنا عبد الله بن عبد الرحيم ثنا عبدالملك بن هشام عن زياد قال قال محمد بن اسحق حدثنى اسماعيل بن ابى حكيم مولى آل الزبير انه حدث عن خديجة انها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ابن عم أتستطيع ان تخبرني بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاء فأخبرني به فجاءه جبريل عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خديجة هذا جبريل قد جاءني قالت قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى قال فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد على فخذها اليمنى فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها ثم قالت هل تراه قال نعم قال فتحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت هل تراه قال لا قالت يا ابن عم اثبت وأبشر فوالله انه لملك ما هذا بشيطان. وفى رواية يونس وروى عطاء بن السائب وابو بشر وابن اسحق كلهم عن سعيد بن جبير دخل حديث بعضهم في بعض عن ابن عباس قال كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون فيه فلما رموا بالشهب وحيل بينهم وبين

[ 118 ]

خبر السماء قالوا: ما هذا الا لشئ حدث في الارض وشكوا ذلك إلى ابليس لعنه الله فقال: ما هذا الا لامر حدث فائتوني من تربة كل ارض فانطلقوا يضربون مشارق الارض ومغاربها يبتغون علم ذلك فأتوه من تربة كل ارض فكان يشمها ويرمى بها حتى اتاه الذين توجهوا إلى تهامة بتربة من تربة مكة فشمها وقال من ها هنا يحدث الحدث فنظروا فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث ثم انطلقوا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة معه من اصحابه بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلى بهم صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذى حال بيننا وبين خبر السماء فولوا إلى قومهم منذرين فقالوا: يا قومنا انا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد وذكر تمام الخبر. وقال شعبة عن مغيرة عن ابراهيم النخعي نزلت عليه (يأيها المدثر) وهو في قطيفة. وقال شيبان عن الاعمش عن ابراهيم اول سورة أنزلت عليه (اقرأ باسم ربك الذى خلق) وهو قول عائشة وعبيد بن عمير ومحمد بن عباد بن جعفر والحسن البصري وعكرمة ومجاهد والزهرى. روينا عن ابى على بن الصواف ثنا جعفر بن احمد ثنا محمد بن خالد بن عبدالرحمن ثنا ابراهيم بن عثمان وهو ابن ابى شيبة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان من الانبياء من يسمع الصوت فيكون نبيا بذلك وان جبريل يأتيني فيكلمني كما يأتي احدكم صاحبه فيكلمه. أخبرنا عبدالله ابن احمد بن فارس التميمي وغيره سماعا وقراءة قالوا انا أبو اليمن الكندى قراءة عليه ونحن نسمع قال انا أبو القاسم الحريري قال انا أبو طالب العشارى قال انا أبو الحسين الواعظ ثنا أبو الحسن على بن محمد بن احمد المصرى ثنا بكر بن سهيل ثنا شعيب بن يحيى ثنا الليث بن سعد قال حدثنى سعيد بن ابى سعيد عن ابيه عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من الانبياء من نبى الا وقد اعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وانما الذى اوتيت وحيا اوحاه الله

[ 119 ]

عزوجل إلى فأرجو ان اكون اكثرهم تابعا يوم القيامة. وكان نزول جبريل له عليه السلام فيما ذكر يوم الاثنين لسبع في رمضان وقيل لسبع عشرة مضت منه. رواه البراء بن عازب وغيره. وعن ابى هريرة انه كان في السابع والعشرين من رجب وقال أبو عمر يوم الاثنين لثمان من ربيع الاول سنة احدى واربعين من عام الفيل وقد قيل غير ذلك. (ذكر فوائد تتعلق بهذه الاخبار) حديث أنس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين المتفق عليه بين أهل النقل مما فيه إقامته عليه السلام بالمدينة عشرا وأما إقامته بمكة فمختلف في مقدارها. وسيأتى ذلك في آخر الكتاب عند ذكر وفاته عليه السلام. وأما سنه عليه السلام حين نبئ فالمروى عن ابن عباس وجبير بن مطعم وقباث بن اشيم وعطاء وسعيد بن المسيب كالمروى عن أنس وهو الصحيح عند أهل السير وغيرهم: قال أبو القاسم السهيلي وقد روى أنه نبئ لاربعين وشهرين وفى حديث عمرو بن شعيب فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى والمراد والله أعلم ينتظرون فراغه من الصلاة وأما حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين فقد كان انقطع منذ نزلت (والله يعصمك من الناس) وذلك قبل تبوك والله أعلم. وحديث جابر بن سمرة إنى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم على، هذا هو المعروف بغير زيادة. وقد روى أن ذلك الحجر هو الحجر الاسود. يحتمل أن يكون هذا التسليم حقيقة وان يكون الله انطقه بذلك كما خلق الحنين في الجذع ويحتمل ان يكون مضافا إلى ملائكة يسكنون هناك من باب (واسأل القرية)

[ 120 ]

فيكون من مجاز الحذف وهو علم ظاهر من أعلام النبوة على كلا التقديرين. وفى حديث عبيد بن عمير في خبر نزول جبريل عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءني وانا نائم فهذه حالة. وحديث عائشة وغيرها انه كان في اليقظة فهذه حالة ثانية ولا تعارض لجواز الجمع بينهما بوقوعهما معا ويكون الاتيان في النوم توطئة للاتيان في اليقظة. وقد قالت عائشة: أول ما بدئ به عليه السلام من الوحى الرؤيا الصادقة. وعن الشعبى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل به اسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحى ثم وكل به جبريل فجاءه بالقرآن والوحى فهذه حالة ثالثة لمجئ الوحى. ورابعة وهى أن ينفث في روعه الكلام نفثا كما قال عليه السلام إن روح القدس نفث في روعى ان نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب. وخامسة وهى أن يأتيه الوحى في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه وقيل ان ذلك يستجمع قلبه عندءلك الصلصلة فيكون أوعى لما يسمع. وسادسة وهى أن يكلمه الله من وراء حجاب إما في اليقظة كما في ليلة الاسراء وإما في النوم كما في حديث معاذ أتانى ربى في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملا الاعلى وكان الملك يأتيه عليه السلام تارة في صورته له ستمائة جناح كما روى وتارة في صورة دحية الكلبى. فهذه حالات متعددة ذكر معناه السهيلي. وقوله فغطنى ويروى فسأبنى ويروى سأتثنى ويروى فزعتني وكلها واحد وهو الخنق والغم. والناموس صاحب سر الملك. وقال بعضهم الناموس صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر. ومؤزرا من الازر وهو القوة والعون. واليأفوخ مهموز ولا يقال في رأس الطفل يأفوخ حتى يشتد وإنما يقال له الغاذية. وفترة الوحى لم يذكر لها ابن اسحق مدة معينة قال أبو القاسم السهيلي وقد جاء في بعض الاحاديث المسندة أنها كانت سنتين ونصف سنة والله أعلم.

[ 121 ]

(ذكر صلاته عليه السلام أول البعثة) قال ابن اسحق حدثنى بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ليريه كيف الطهور للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل يتوضأ ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل فتوضأت كما توضأ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صلى به جبريل فصلت بصلاته كذا ذكره ابن اسحق مقطوعا وقد وصله الحارث بن أبى أسامة: ثنا الحسن بن موسى عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد قال حدثنى أبى زيد بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحى إليه أتاه جبريل عليه السلام فعلمه الوضوء فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح (1) بها فرجه قال السهيلي. وقد رويناه من طريق ابن ماجه عن ابراهيم بن محمد الفريابى عن حسان بن عبدالله عن ابن لهيعة عن عقيل عن الزهري بسنده بمعناه. وقد روى نحوه عن البراء بن عازب وابن عباس رضى الله عنهم. وفى حديث ابن عباس وكان ذلك أول من الفريضة. وعن مقاتل بن سليمان فرض الله في أول الاسلام الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى ثم فرض الخمس ليلة المعراج. وأما إمامة


(1) أي: رش. (*)

[ 122 ]

جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم عند البيت ليريه أوقات الصلوات الخمس فليس هذا موضع الحديث وإن كان ابن إسحق وضعه هنا من طريق ابن عباس لاتفاق أصحاب الحديث الصحيح على أن هذه الواقعة كانت صبيحة الاسراء وهو بعد هذا بأعوام كما سيأتي مبينا عند ذكر أحاديث المعراج والاسراء إن شاء الله تعالى.

[ 123 ]

(ذكر أول الناس إيمانا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم) وأول الناس إيمانا خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى بن كلاب فيما أتت به الآثار وذكره أهل السير والاخبار منهم ابن شهاب وقتادة وغيرهما. وروينا عن الدولابى ثنا أبو أسامة الحلبي ثنا حجاج بن أبى منيع ثنا جدى عن الزهري قال كانت خديجة أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. وروينا عن الدولابى أيضا ثنا احمد بن المقدام أبو الأشعث ثنا زهير بن العلاء ثنا سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة قال كانت خديجة أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من النساء والرجال وهو قول موسى بن عقبة وابن إسحق والواقدى والاموى وغيرهم. قال ابن إسحق كانت خديجة أول من آمنت بالله ورسوله وصدقت ما جاء من عند الله عزوجل ووازرته على أمره فخفف الله بذلك عن رسوله فكان لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رضى الله عنها. أخبرنا عبدالرحيم بن يوسف المزى بقراءة والدى عليه قال انا أبو حفص بن طبرزد قال أنا محمد بن عبدا لباقي قال أنا الحسن بن على الجوهرى قال أنا ابن الشخير قال أنا اسحق يعنى ابن موسى الرملي ثنا سهل بن بحر ثنا عبيد يعنى ابن يعيش ثنا أبو بكر بن عياش عن الشيباني عن عبدالله بن أبى أوفى رضى الله عنه قال بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ببيت في الجنة من ذهب لا صخب فيه ولا نصب. أخبرنا أحمد بن عبدالرحمن الحارثى ويحيى بن أحمد الجرامى في آخرين قالوا أنا أبو عبدالله بن أبى المعالى قال أنا أبو محمد السعدى قال أنا على بن الحسين

[ 124 ]

المصرى قال أنا أبو العباس احمد بن الحسين بن جعفر العطار قراءة عليه وأنا أسمع أنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري ثنا أبو عبدالله محمد بن رزيق بن جامع المدينى سنة سبع وتسعين ومائتين قال ثنا أبو الحسين سفيان بن بشر الاسدي الكوفى ثنا على بن هاشم بن البريد عن محمد بن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جده أبى رافع قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول يوم الاثنين وصلت خديجة رضى الله عنها آخر يوم الاثنين وصلى على يوم الثلاثاء من الغد الحديث. ثم على بن أبى طالب رضى الله عنه واسم أبى طالب عبد مناف بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب وكان على أصغر من جعفر بعشر سنين وجعفر أصغر من عقيل بعشر سنين وعقيل أصغر من طالب بعشر سنين. قال أبو عمر وروى عن سلمان وأبى ذر والمقداد وخباب وجابر وأبى سعيد الخدرى وزيد بن أرقم أن على بن أبى طالب أول من أسلم وكذلك قال ابن إسحق وهو قول ابن شهاب إلا أنه قال من الرجال بعد خديجة وهو قول الجميع في خديجة وأسلم أخواه جعفر وعقيل بعد ذلك وكان يومئذ ابن ثمان سنين وقيل عشرة وقيل اثنتى عشرة وقيل خمس عشرة. قال ابن اسحق وكان مما أنعم الله عليه أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام وذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه وكان من أيسر بنى هاشم يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه قال العباس نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا إنا نريد ان نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه وقال لهما أبو طالب إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما ويقال عقيلا وطالبا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل على مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 125 ]

حتى بعثه الله نبيا فاتبعه على وآمن به وصدقه ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه. روينا من طريق أبى بكر الشافعي بالاسناد المتقدم ثنا محمد بن بشر ابن مطر ثنا محمد بن حميد ثنا سلمة بن الفضل قال حدثنى محمد بن إسحق عن يحيى ابن أبى الاشعث عن اسمعيل بن اياس بن عفيف الكندى وكان عفيف أخا الاشعث بن قيس لامه وكان ابن عمه عن أبيه عن جده عفيف الكندى قال كان العباس بن عبدالمطلب لى صديقا وكان يختلف إلى اليمن يشترى العطر ويبيعه أيام الموسم فبينما أنا عند العباس بمنى فأتاه رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلى فخرجت امرأة فتوضأت ثم قامت تصلى ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلى فقلت ويحك يا عباس ما هذا الدين قال هذا دين محمد بن عبد الله ابن أخى يزعم أن الله بعثه رسولا هذا ابن أخى على بن أبى طالب قد تابعه على دينه وهذه امرأته خديجة قد تابعته على دينه فقال عفيف بعد ان أسلم ورسخ في الاسلام يا ليتني كنت رابعا. وذكر ابن اسحق عن بعض أهل العلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبى طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا امسيا رجعا كذلك فمكثا ما شاء الله ان يمكثا ثم ان أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن أخى ما هذا الدين الذى أراك تدين به قال أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ورسله ودين أبينا ابراهيم أو كما قال صلى الله عليه وسلم بعثنى الله به رسولا إلى العباد وأنت أي عم احق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابنى إليه وأعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب أي ابن أخى إنى لا استطيع ان افارق دين آبائى وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص اليك بشئ تكرهه ما بقيت. وذكروا انه قال لعلى

[ 126 ]

أي بنى ما هذا الدين الذى انت عليه فقال يا ابت آمنت برسول الله وصدقت بما جاء به وصليت معه لله واتبعته فزعموا انه قال له اما انه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه. قال ابن إسحق: ثم اسلم زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة كذا عند ابن هشام الكلبى مولى رسول الله فكان اول ذكر أسلم وصلى بعد على بن ابى طالب وكان زيد اصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بن خويلد بأربعمائة درهم ثم وهبته خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وتتبع اهله خبره حتى دلوا عليه فأتوا في طلبه فخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المكث عنده أو الرجوع مع اهله فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام عنده وخبره بذلك مشهور. ثم اسلم أبو بكر بن ابى قحافة رضى الله عنه واسمه عتيق وقيل عبدالله وعتيق لقب لحسن وجهه وعتقه وقيل غير ذلك واسم ابى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤى فلما اسلم اظهر إسلامه ودعا إلى الله والى رسوله وكان أبو بكر مألفا لقومه محببا سهلا وكان انسب قريش لقريش واعلمهم بها وبما كان فيها من خير وشر وكان تاجرا ذا خلق ومعروف فكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لتجارته وحسن مجالسته وغير ذلك فجعل يدعو إلى الاسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم بدعائه فيما بلغني عثمان بن عفان بن ابى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة. والزبير بن العوام بن خويلد بن اسد بن عبد العزى بن قصى. و عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب ابن مرة. وسعد بن أبى وقاص واسم أبى وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب. وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد

[ 127 ]

ابن تيم بن مرة فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بلغني ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبى بكر ابن أبى قحافة ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه. قال فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالاسلام فصلوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقوا ما جاءه من عند الله. ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ابن هلال بن اهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر. وأبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلالي بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى. والارقم بن أبى الارقم عبد مناف بن أسد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم. وعثمان ابن مظعون بن حبيب بن وهيب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى وأخواه قدامة و عبدالله. وعبيدة بن الحرث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى بن كلاب. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبدالعزى بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى. وعند ابن هشام تقديم عبدالله بن قرط بن رياح. وامرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل المذكور. وأسماء ابنة أبى بكر وعائشة أختها وهى صغيرة. وخباب بن الارت بن جندلة بن سعد ابن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيدة مناة بن تميم الخزاعى ولاء الزهري حلفا وعمير بن أبى وقاص أخو سعد. و عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن هالة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة وعند ابن هشام فيه خلاف ما ذكرناه حليف بنى زهرة. ومسعود بن ربيعة القارئ بن عمرو بن سعد بن عبدالعزى بن جمالة بن غالب بن محلم بن عايذة ابن سبيع بن الهون بن خزيمة بن القارة. وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى. وعياش بن أبى ربيعة بن المغيرة

[ 128 ]

ابن عبدالله بن عمر بن مخزوم. وامرأته أسماء بنت سلامة بن مخربة بن جندل ابن أبير بن نهشل بن دارم الدارمية التميمية. وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى. وعامر بن ربيعة العنزي باسكان النون وهو فيما ذكر ابن الكلبى عامر بن ربيعة الاصغر ابن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة الاكبر بن رفيدة بن عبدالله وهو عنز بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار حكاه الرشاطى. قال وذكر أبو عمر في نسبه اختلافا كثيرا لا يتحصل منه شئ وهو حليف آل الخطاب. و عبدالله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وأخوه أبو أحمد حليفا بنى أمية. وجعفر بن أبى طالب. وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة من خثعم كذا هو عند ابن إسحق وعند أبى عمر أسماء بنت عميس بن معد بن الحرث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن حلف بن أفتل وهو جماعة خثعم بن انمار على اختلاف في انمار. وقيل أسماء بنت عميس بن مالك بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة ابن عامر بن زيد بن نسر بن وهب الله. وحاطب بن الحرث بن معمر بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح. وامرأته فاطمة بنت المجلل بن عبدالله بن أبى قيس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى وأخوه خطاب وامرأته فكيهة بنت يسار. ومعمر بن الحرث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة ابن جمح. والسائب بن عثمان بن مظعون. والمطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحرث بن زهرة. وامرأته رملة بنت أبى عوف بن صبيرة بن سعيد بن سعد ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى. والنحام نعيم بن عبدالله بن

[ 129 ]

أسد بن عبدالله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب. وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر. وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن خثعمة بن سعد بن مليح بن عمرو بن خزاعة. وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى. وأبو حذيفة مهشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة ابن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم حليف بنى عدى. وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة من بنى سعد ابن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حلفاء بنى عدى. وعمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوديم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الاكبر بن يام بن عنس وهو زيد بن مالك بن أدد ومالك جماع مذحج حليف بنى مخزوم وصهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل ابن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أوس مناة بن أسلم ابن النمر بن قاسط كذا هو عند ابن الكلبى. وعند أبى عمر سنان بن خالد بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد قال إلى هنا نسب ابن إسحق ونسبه الواقدي وخليفة وابن الكلبى وغيرهم فقالوا صهيب بن سنان بن خالد بن عبد عمرو بن طفيل بن كعب بن سعد ومنهم من يقول ابن سفيان بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة من النمر بن قاسط يقال له الرومي وكان مولى لعبد الله بن جدعان. وذكر أبو عمر في السابقين أبا ذر جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليل بن خمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وأبا نجيح السلمى عمرو بن عبسة بن منقد بن خالد ابن حذيفة بن عمر بن خلف بن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بهثة بن سليم ومازن

[ 130 ]

ابن مالك أمة بجلة بنت هناءة بن مالك بن فهم واليها ينسب البجلى بسكون الجيم ذكره كذلك الرشاطى وحكى عن أبى عمر في نسبه غير ذلك وصحح ما ذكرناه. وحكى عن أبى عمر في نسبه غاضرة بن عتاب وزعم أنه خطأ وأن الصواب في ذلك النسب ناضرة بن خفاف قال أبو عمر ولكنهما يعنى أبا ذر وأبا نجيح رجعا إلى بلاد قومهما وذكر فيهم عتبة بن مسعود أخا عبدالله بن مسعود. وكان سبب اسلام عبدالله بن مسعود رضى الله عنه ما رويناه من طريق أبى على بن الصواف بالسند المتقدم حدثنا عبدالله بن احمد بن حنبل ورويناه من طريق الطبراني في معجمه الصغير ثنا عمرو ابن عبدالرحمن السلمى قالا ثنا ابراهيم بن الحجاج الشامي واللفظ للاول قال ثنا سلام أبو المنذر ثنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبدالله بن مسعود قال كنت في غنم لآل عقبة بن أبى معيط فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ابن أبى قحافة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل عندك لبن قلت نعم ولكني مؤتمن قال فهل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل قلت نعم فأتيته بشاة شصوص قال سلام وهى التى ليس لها ضرع فمسح النبي صلى الله عليه وسلم مكان الضرع ومالها ضرع فإذا ضرع حافل مملوء لبنا قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بصخرة منقعرة فاحتلب النبي صلى الله عليه وسلم فسقى أبا بكر وسقاني ثم شرب ثم قال للضرع اقلص فرجع كما كان قال فلما رأيت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله علمني فمسح رأسي وقال بارك الله فيك فانك غلام معلم قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن عنده على حراء إذ نزلت عليه سورة المرسلات فأخذتها وإنها لرطبة بفيه أو إن فاه لرطب بها فلا أدرى بأى الآيتين ختم (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) أو (فبأى حديث بعده يؤمنون) وأخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وأخذت بقية القرآن من أصحابه فبينا نحن نيام على حراء أو على الجبل فما نبهنا إلا صوت النبي صلى الله عليه وسلم منعها منكم الذى منعكم منها قال قلت يا رسول الله وما ذاك قال حية خرجت من ناحية الجبل.

[ 131 ]

(ذكر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه وغيرهم إلى الاسلام) قال ابن اسحق ثم دخل الناس في الاسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الاسلام بمكة وتحدث به ثم إن الله عزوجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه وأن ينادى في الناس بأمره ويدعو إليه وكان مدة ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستسر به إلى أن أمره الله باظهاره ثلاث سنين فيما بلغني من بعثه ثم قال الله له (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) ثم قال (وأنذر عشيرتك الاقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقل إنى أنا النذير المبين) فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالاسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته صلى الله عليه وسلم إلا من عصم الله منهم بالاسلام وهم قليل مستخفون وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مظهرا له لا يرده عنه شئ فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شئ أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه ولم يسلمه لهم مشى رجال من أشرافهم إلى أبى طالب فقالوا يا أبا طالب ان أبن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فاما أن تكفه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه فانك على مثل ما نحن عليه من خلافه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو

[ 132 ]

عليه يظهر دين الله ويدعو إليه ثم شرى (1) الامر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا واكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا عليه (2) وحض بعضهم بعضا عليه ثم انهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد إستنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يملك أحد الفريقين أو كما قال ثم انصرفوا عنه فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا باسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه. وذكر أن أبا طالب لما قالت له قريش هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني فقالوا لى كذا وكذا للذى قالوا له فابق على وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال له يا عم والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله وأهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخى فأقبل عليه فقال إذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ أبدا ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه (3) وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا وأسلم الينا ابن أخيك هذا الذى خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فانما هو رجل


(1) أي: عظم وتفاقم. (2) أي حث بعضهم بعضا عليه (3) من هنا إلى قوله " وعداوتهم " زيادة من النسخة الظاهرية. (*)

[ 133 ]

كرجل قال والله لبئس ما تسوموننى أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله مالا يكون أبدا فقال المطعم بن عدى والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال له أبو طالب والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم على فاصنع ما بدا لك فحقب الامر وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا قال ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله تعالى منهم رسوله بعمه أبى طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بنى هاشم وبنى المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وأقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبى لهب: روينا عن أبى بكر الشافعي ثنا إسحق بن الحسن بن ميمون الحربى ثنا عبد الله بن رجاء ثنا سعيد بن سلمة ابن أبى الحسام ثنا محمد بن المنكدر أنه سمع ربيعة بن عباد أو عياد الدؤلى يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على الناس في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول يأيها الناس إن الله يأمركم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا قال ووراءه رجل يقول يأيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم فسألت من هذا الرجل فقيل أبو لهب. قال ابن إسحق ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وان وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا قالوا فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول فيه قال بل أنتم فقولوا أسمع قالوا نقول كاهن قال والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا فنقول مجنون

[ 134 ]

قال والله ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته قالوا فنقول شاعر قال ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهجزه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده قالوا فما تقول يا ابا عبد شمس قال والله ان لقوله لحلاوة وان اصله لعذق وان فرعه لجناة وما انتم بقائلين من هذا شيئا الا اعرف انه باطل وان اقرب القول فيه لان تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا له أمره وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها. قوله لعذق بفتح العين المهملة وسكون الذال إستعارة من النخلة التى ثبت أصلها وهو العذق. ورواية ابن هشام لغدق بغين معجمة وكسر الدال المهملة من الغدق وهو الماء الكثير. قال السهيلي ورواية ابن إسحق أفصح لانها إستعارة تامة يشبه آخر الكلام لاوله. * * *

[ 135 ]

(ذكر ما لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم) من أذى قومه وصبره وما من الله به من حمايته له أخبرنا الامام أبو عبدالله محمد بن ابراهيم المقدسي وأبو محمد بن عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى قراءة عليهما وأنا حاضر فالاول قال أنا أبو اليمن الكندى والثانى قال أنا أبو على بن أبى القاسم البغدادي قالا أنا محمد بن عبدا لباقي قال أنا ابن حسنون قال أنا أبو القاسم السراج هو موسى بن عيسى بن عبدالله ثنا محمد بن محمد بن سليمان ثنا أبو طاهر احمد بن عمر بن السرح ثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني الليث بن سعد عن إسحق بن عبدالله عن أبان بن صالح عن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن العباس بن عبدالمطلب قال كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل فقال إن لله على إن رأيت محمدا أن أطأ على عنقه فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت عليه فاخبرته بقول أبى جهل فخرج غضبان حتى دخل المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم من الحائط فقلت هذا يوم شر نبشته فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ (اقرأ باسم ربك الذى خلق) حتى بلغ شأن أبى جهل (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) قال فقال إنسان لابي جهل يا أبا الحكم هذا محمد فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى والله لقد سد أفق السماء على فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد. قرأت على الامام الزاهد أبى اسحق ابراهيم بن على بن أحمد بسفح قاسيون أخبركم أبو البركات داود بن أحمد بن محمد البغدادي قراءة عليه وانت تسمع فأقر به قال أنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف قال أنا أبو الغنائم عبد

[ 136 ]

الصمد بن على بن محمد بن المأمون قال أنا الشيخ أبو الحسن على بن عمر بن أحمد الدارقطني ثنا أبو عبدالله الحسين بن محمد بن سعيد البزاز ومحمد بن هارون الحضرمي قالا ثنا محمد بن منصور الطوسى ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا عبد السلام هو ابن حرب عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزل (تبت يدا أبى لهب) جاءت إمرأة أبى لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضى الله عنه فلما رآها قال يا رسول الله إنها إمرأة بذية فلو قمت لا تؤذيك قال إنها لن تراني فجاءت فقالت يا أبا بكر صاحبك هجاني قال لا وما يقول الشعر قالت أنت عندي تصدق وانصرفت قلت يا رسول الله لم ترك قال لا لم يزل ملك يسترنى منها بجناحه. قرأت على أبى عبدالله محمد بن عثمان بن سلامة بدمشق أخبركم أبو القاسم الحسن بن على بن الحسين بن الحسن بن محمد بن البن الاسدي قراءة عليه وأنت تسمع فأقر به قال أنا جدى قال أنا القاسم بن أبى العلاء قال أنا أبو محمد بن أبى نصر قال أنا خيثمة ثنا هلال يعنى ابن العلاء الرقى ثنا سعيد بن عبدالملك ثنا محمد ابن سلمة عن أبى عبدالرحيم عن زيد هو ابن أبى أنيسة عن أبى إسحق عن عمرو ابن ميمون الاودى ثنا عبدالله بن مسعود قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام ورفقة من المشركين من قريش ونبى الله صلى الله عليه وسلم يصلى وقد نحر قبل ذلك جزور وقد بقى فرثه (1) وقذره فقال أبو جهل ألا رجل يقوم إلى هذا القذر يلقيه على محمد ونبى الله صلى الله عليه وسلم ساجد إذ انبعث أشقاها فقام فألقاها عليه قال عبد الله فهبنا أن نلقيه عنه حتى جاءت فاطمة رضى الله عنها فألقته عنه فقام فسمعته يقول وهو قائم يصلى اللهم اشدد وطأتك على مضر سنين كسنى يوسف عليك بأبى الحكم بن هشام - وهو أبو جهل - وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد ابن عتبة وعقبة بن أبى معيط وأمية بن خلف ورجل آخر ثم قال: رأيتهم من العام


(1) أي ما في كرشه (*)

[ 137 ]

المقبل صرعى بالطوى طوى بدر صرعى بالقليب (1). وأخبرنا ابن الواسطي فيما قرأت عليه قال أنا ابن ملاعب قال أنا الارموى قال أنا ابن المأمون ثنا الدارقطني ثنا أبو بكر محمد بن احمد بن صالح الازدي ثنا الزبير بن بكار قال حدثنى أبويحيى هارون بن بكر بن عبد الله الزهري عن عبدالله بن سلمة عن عبدالله بن عروة بن الزبير عن أبيه عن جده عن عروة (2) بن الزبير قال حدثنى عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه عثمان بن عفان قال أكثر ما نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم انى رأيت يوما قال عمرو فرأيت عينى عثمان بن عفان زرفتا من تذكر ذلك قال عثمان بن عفان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويده في يد أبى بكر وفى الحجر ثلاثة نفر جلوس عقبة بن أبى معيط وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره فعرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فدنوت منه حتى وسطته فكان بينى وبين أبى بكر وأدخل اصابعه في اصابعي حتى طفنا جميعا فلما حاذاهم قال أبو جهل والله لا نصالحك ما بل بحر صوفة وأنت تنهى أن نعبد ما يعبد آباؤنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى ذلك ثم مضى عنهم فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك حتى إذا كان في الشوط الرابع ناهضوه ووثب أبو جهل يريد ان يأخذ بمجامع ثوبه فدفعت في صدره فوقع على استه ودفع أبو بكر أمية بن خلف ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبى معيط ثم انفرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف ثم قال أما والله لا تنتهون حتى يحل بكم عقابه عاجلا قال عثمان فوالله ما منهم رجل إلا أخذه أفكل (3) وهو يرتعد فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بئس القوم أنتم لنبيكم ثم انصرف إلى بيته وتبعناه خلفه حتى انتهى إلى باب بيته ووقف على السدة ثم أقبل


(1) أي البئر (2) هذا خطأ صريح، والصواب " عن جده عروة " (3) بسكون الفاء وفتح الكاف أي الرعدة. (*)

[ 138 ]

علينا بوجهه فقال أبشروا فان الله عزوجل مظهر دينه ومتم كلمته وناصر نبيه ان هؤلاء الدين ترون مما يذبح الله بأيديكم عاجلا ثم انصرفنا إلى بيوتنا فوالله لقد رأيتم قد ذبحهم الله بأيدينا. ومن ذلك خبر إسلام حمزة بن عبد المطلبب رضى الله عنه: روينا عن ابن إسحق قال حدثنى رجل من أسلم وكان واعية ان أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لامره فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى نادى قريش فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبدالمطلب أن أقبل متوشحا سيفه راجعا من قنص (1) له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على نادى قريش إلا وقف. وتحدث معهم وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته قالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبى الحكم بن هشام وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله بن من كرامته فخرج يسعى ولم يقف على أحد معدا لابي جهل إذا لقيه أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال أتشتمه فأنا على دينه أقول ما يقول فرد على ذلك إن استطعت فقامت رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فانى والله قد سببت ابن أخيك سبا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه وعلى ما تبايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فلما أسلم حمزة علمت قريش ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع وأن حمزة سيمنعه فكفوا


(1) أي صيد. (*)

[ 139 ]

عن بعض ما كانوا ينالون منه. وروينا عن ابن إسحق قال حدثنى يزيد بن أبى زياد عن محمد بن كعب القرظى قال حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادى قريش والنبى صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بضعها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون فقالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخى إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب وانك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا أبا الوليد أسمع قال يا ابن أخى إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الامر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وان كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وان كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له حتى إذا فرغ منه عتبة ورسول الله الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه قال أقد فرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاسمع منى قال افعل قال (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرأها عليه فلما سمعها عتبة منه أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك فقام عتبة إلى أصحابه فقال

[ 140 ]

بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي أنى سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بى خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذى سمعت منه نبأ فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وان يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيى فيه فاصنعوا ما بدالكم. وروينا عن الطبراني ثنا القاسم بن عياش بن حماد أبو محمد الجهنى الحذاء الموصلي ثنا محمد بن موسى الحرشى ثنا أبو خلف عبدالله بن عيسى الخراز ثنا داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء فقالوا هذا لك عندنا يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بسوء فان لم تفعل فانا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح قال ما هي قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى (1) ونعبد إلهك سنة قال حتى أنظر ما يأتيني من ربى فجاء الوحى من عند الله عزوجل من اللوح المحفوظ (قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) السورة وأنزل الله عزوجل (قل افغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون بل الله فاعبد وكن من الشاكرين). وروينا من طريق الترمذي ثنا عبد بن حميد قال أنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزرى عن ابن عباس (سندع الزبانية) قال قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلى لاطمأن على عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو فعل لاخذته الملائكة عيانا. قال ثنا أبو سعد الاشج ثنا أبو خالد عن داود بن ابى هند عن عكرمة عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى فجاء أبو جهل فقال ألم انهك عن هذا ألم انهك عن هذا فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فزبره فقال أبو جهل إنك لتعلم ما بها ناد أكثر منى فانزل الله تعالى (فليدع ناديه


(1) في هامش الاصل: " بلغ ". (*)

[ 141 ]

سندع الزبانية) قال ابن عباس والله لو دعا ناديه لاخذته زبانية الله. وروينا عن ابن عباس من طريق محمد بن إسحق اجتماع قريش وعرضهم على النبي صلى الله عليه وسلم ما عرضوا عليه من الاموال وغير ذلك وقوله عليه السلام ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثنى اليكم رسولا وأنزل على كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فان تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وان تردوه على أصبر لامر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقالوا له فسل ربك أن يسير عنا هذه الجبال التى قد ضيقت علينا وليبسط علينا بلادنا وليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصى بن كلاب فانه كان شيخ صدق فنسألهم عن ما تقول أحق هو أم باطل. وفيه وقالوا له سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك واسئله فليجعل لنا جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغى فانك تقوم بالاسواق وتلتمس المعاش وذكر قولهم فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء يفعل وقال قائلهم نحن نعبد الملائكة وهى بنات الله وقال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتى بالله والملائكة قبيلا وقال انه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لن نؤمن بالرحمن أبدا فلما قالوا له ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ومعه عبدالله بن أبى أمية المخزومى وهو ابن عمته عاتكة بنت عبدالمطلب فقال والله لا نؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتى معك بملك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك كما تقول وايم الله إن لو فعلت ذلك ما ظننت أنى أصدقك. وقال أبو جهل يا معشر قريش إنى أعاهد الله لاجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله أو كما قال فإذا سجد في صلاته فضخت (1) به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني


(1) أي: شدخت (*)

[ 142 ]

فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدالهم قالوا والله لا نسلمك لشئ أبدا فامض لما تريد فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا ما لك يا أبا الحكم قال قمت إليه لافعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الابل لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه بفحل قط فهم بى أن يأكلني. قال ابن إسحق فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك جبريل لو دنا لاخذه (1). وذكر في الخبر بعث قريش النضر بن الحارث بن كلدة وبعثوا معه عقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فانهم أهل الكتاب الاول وعندهم علم ليس عندنا من علم الانبياء فخرجا حتى قدما المدينة وسألا أحبار يهود فقالت لهما سلوه عن ثلاث فان أخبركم بهن فهو نبى مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول ما كان من أمرهم فانه قد كان لهم حديث عجيب وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الارض ومغاربها ما كان نبؤه وسلوه عن الروح ما هو وإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فانه نبى وان لم يفعل فهو رجل متقول فأقبل النضر وعقبة فقالا قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون فقال عليه السلام أخبركم غدا ولم يستثن فانصرفوا ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشئ مما سألناه عنه حتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحى عنه وشق عليه ما يتكلم به


(1) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 143 ]

أهل مكة ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، قال ابن إسحق فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد إحتبست عنى يا جبريل فقال (وما نتنزل إلا بأمر ربك) الآية وافتتح السورة بحمده وبذكر نبوة رسوله عليه السلام وفيها ذكر الفتية الذين ذهبوا وهم أصحاب الكهف وذكر الرجل الطواف وهو ذو القرنين وقال فيما سألوه عنه من الروح (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الحديث بطوله وأنا اختصرته. قال وحدثت عن ابن عباس أنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قالت أحبار يهود يا محمد أرأيت قولك (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) إيانا تريد أم قومك قال كلا قالوا فانك تتلو فيما جاءنا إنا قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها في علم الله قليل وعندكم من ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه قال فأنزل الله عليه فيما سألوه عنه من ذلك (ولو أن ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) أي إن التوراة في هذا من علم الله قليل قال وأنزل الله فيما سأله قومه لانفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الارض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى بل لله الامر جميعا) أي لا اصنع من ذلك الامر إلا ما شئت وأنزل الله عليه فيما سألوه أن يأخذ لنفسه (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق لولا انزل اليك ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز) إلى (وكان ربك بصيرا) وأنزل الله فيما قال عبدالله بن ابى أمية (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب) إلى قوله (قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا) وأنزل عليه في قولهم إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن (كذلك ارسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذى اوحينا اليك وهم يكفرون بالرحمن) وأنزل

[ 144 ]

عليه فيما قال أبو جهل وما هم به (أرأيت الذى ينهى عبدا إذا صلى) حتى آخر السورة وأنزل عليه فيما عرضوا من أموالهم (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله وهو على كل شئ شهيد) فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق حال الحسد بينهم وبين أتباعه فقال قائلهم لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون أي جعلوه لغوا وباطلا واتخذوه هزوا لعلكم تغلبونه بذلك فانكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه غلبكم. فقال أبو جهل يوما وهو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق يا معشر قريش يزعم محمد انما جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر وأنتم الناس كثرة وعددا أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم فأنزل الله عزوجل في ذلك من قوله (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) إلى آخر القصة فلما قال ذلك بعضهم لبعض جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلى يتفرقون عنه ويأبون أن يستمعوا له فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلى استرق السمع دونهم فرقا منهم فان رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فظن الذى يسمع أنهم لا يسمعون شيئا من قراءته وسمع هو شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه. وروى عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس إنما نزلت هذه الآية (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) يعنى في ذلك قال أبو عمر وكان المجاهرون بالظلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل من آمن به من بنى هاشم عمه أبا لهب وابن عمه أبا سفيان بن الحرث ومن بنى عبد شمس عتبة وشيبة ابني ربيعة وعقبة بن أبى معيط وأبا سفيان بن حرب وابنه حنظلة والحكم بن أبى العاص بن أمية ومعاوية بن المغيرة بن العاص بن أمية ومن بنى

[ 145 ]

عبد الدار النضر بن الحرث ومن بنى عبد شمس أسد بن عبدالعزى الاسود بن عبدالمطلب بن أسد بن عبدالعزى وابنه زمعة وأبا البخترى العاص بن هشام ومن بنى زهرة الاسود بن عبد يغوث ومن بنى مخزوم أبا جهل بن هشام وأخاه العاص بن هشام وعمهما الوليد بن المغيرة وابنه أبا قيس بن الوليد بن المغيرة وابن عمه قيس بن الفاكه بن المغيرة وزهير بن أبى أمية بن المغيرة أخو أم سلمة وأخاه عبدالله بن أبى أمية والاسود بن عبد الاسد أخا أبى سلمة وصيفى بن السائب ومن بنى سهم العاص بن وائل وابنه عمرا وابن عمه الحارث بن قيس بن عدى ونبيها ومنبها ابني الحجاج ومن بنى جمح أمية وأبيا ابني خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وأنيس بن معير أخا أبى محذورة والحرث بن الطلاطلة الخزاعى وعدى بن الحمراء الثقفى فهؤلاء كانوا أشد على المؤمنين مثابرة بالاذى ومعهم سائر قريش فمنهم من يعذبون ممن لا منعة له ولا جوار من قومه ومنهم من يؤذون. ولقى المسلمون من كفار قريش وحلفائهم من الاذى والعذاب والبلاء عظيما ورزقهم الله من الصبر على ذلك عظيما ليدخر لهم ذلك في الآخرة ويرفع به درجاتهم في الجنة. والاسلام في كل ذلك يفشوا في ذلك ويظهر في الرجال والنساء. وأسلم الوليد بن الوليد بن المغيرة وسلمة بن هشام أخو أبى جهل وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وجماعة أراد الله هداهم. وأسرف بنو جمح على بلال بالاذى والعذاب فاشتراه أبو بكر الصديق منهم واشترى أمه حمامة فأعتقهما وأعتق عامر بن فهيرة. وروى أن أبا قحافة قال لابنه أبى بكر يا بنى أراك تعتق قوما ضعفاء فلو أعتقت قوما جلداء يمنعوك فقال يا أبت إنى أريد ما أريد فقيل فيه نزلت (وسيجنبها الاتقى الذى يؤتى ماله يتزكى وما لاحد) إلى آخر السورة. وذكر الزهري أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والاخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى من الليل في

[ 146 ]

بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض لا تعودوا فلو رأكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئا ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخد كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا فلما أصبح الاخنس بن شريق أخذ عصاه ثم ذهب حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد فقال يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها قال الاخنس وأنا والذى حلفت به ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد قال ماذا سمعت تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجازينا على الراكب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء فمتى ندرك هذه والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه فقام عنه الاخنس وتركه. وذكر ابن إسحق حديث الاراشى الذى ابتاع منه أبو جهل الابل ومطله بأثمانها ودلالة قريش إياه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينصفه من أبى جهل استهزاء لما يعلمون من العداوة بينهما قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال من هذا فقال محمد فخرج إليه وما في وجهه من رائحة قد انتفع لونه فقال اعط هذا حقه قال نعم لا تبرح حتى أعطيه الذى له فدفعه إليه فذكر لهم الاراشى

[ 147 ]

ذلك فقالوا لابي جهل ويلك ما رأينا مثل ما صنعت قال ويحكم والله ما هو إلا ان ضرب على بابى وسمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت إليه وان فوق رأسه لفحلا من الابل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا انيابه لفحل قط والله لو أبيت لاكلنى. وذكر الواقدي عن يزيد بن رومان قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد معه رجال من اصحابه اقبل رجل من بنى زبيد يقول يا معشر قريش كيف تدخل عليكم المادة أو يجلب اليكم جلب أو يحل تاجر بساحتكم وأنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم يقف على الحلق حلقة حلقة حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ظلمك فذكر أنه قدم بثلاثة أجيال كانت خيرة ابله فسامه بها أبو جهل ثلث أثمانها ثم لم يسمه بها لاجله سائم قال فأكسد على سلعتي وظلمني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأين أجمالك قال هي هذه بالحزورة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم معه وقام أصحابه فنظر إلى الجمل فرأى جمالا فرها فساوم الزبيدى حتى ألحقه برضاه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع جملين منها بالثمن وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بنى عبدالمطلب ثمنه، وأبو جهل جالس في ناحية من السوق لا يتكلم ثم أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الاعرابي فترى منى ما تكره فجعل يقول لا أعود يا محمد لا أعود يا محمد فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عليه أمية بن خلف ومن حضر من القوم فقالوا ذللت في يدى محمد فاما ان تكون تريد أن تتبعه وإما رعب دخلك منه قال لا أتبعه أبدا إن الذى رأيتم منى لما رأيت معه لقد رأيت رجالا عن يمينه وشماله معهم رماح يشرعونها إلى لو خالفته لكانت إياها أي لاتوا على نفسي. قال أبو عمر وكان المستهزئون الذين قال الله فيهم (إنا كفيناك المستهزئين) عمه أبا لهب وعقبة بن أبى معيط والحكم بن أبى العاصى والاسود بن المطلب بن أسد أبا زمعة والاسود ابن عبد يغوث والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة والحارث بن الغيطلة السهمى

[ 148 ]

فكان جبريل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بهما من المستهزئين الوليد بن المغيرة والاسود بن المطلب والاسود بن عبد يغوث والحارث بن الغيطلة والعاص بن وائل واحدا بعد واحد فشكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل فقال كفيتكهم فهلكوا بضروب من البلاء والعمى قبل الهجرة، وفيما لقى بلال وعمار والمقداد وخباب وسعد ابن أبى وقاص وغيرهم ممن لم تكن له منعة من قومه من البلاء والاذى ما يطول ذكره: قرأت على أبى النور إسمعيل بن نور بن قمر الهيتى بالصالحية أخبركم أبو نصر موسى بن الشيخ عبد القادر الجيلى قراءة عليه قال أنا أبو القاسم سعيد بن احمد بن البناء قال أنا أبو نصر الزينبي قال انا أبو بكر محمد بن عمر بن على بن خلف قال انا أبو بكر بن أبى داود ثنا أبو موسى عيسى بن حماد زغبة عن الليث بن سعد عن هشام عن أبيه أنه قال مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذب يلصق ظهره برمضاء البطحاء في الحر وهو يقول أحد أحد فقال يا بلال صبرا يا بلال لم تعذبونه فوالذي نفسي بيده إن قلتموه لاتخذنه حنانا يقول لا تمسحن به.

[ 149 ]

(ذكر انشقاق القمر) قال الله تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر). وروينا من طريق البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الاعمش عن ابراهيم عن أبى معمر عن ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا. وذكر القاضى عياض رحمه الله قال ورواه عنه مسروق انه كان بمكة، وزاد فقال كفار قريش سحركم ابن ابى كبشة فقال رجل منهم إن محمدا إن كان سحر القمر فانه لا يبلغ من سحره ان يسحر الارض كلها فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا فسألوا فأخبروهم انهم رأوا مثل ذلك. وحكى السمرقندى عن الضحاك نحوه وقال فقال أبو جهل هذا سحر فابعثوا إلى اهل الآفاق حتى ينظروا ارأوا ذلك ام لا فأخبر أهل الآفاق انهم رأوه منشقا فقالوا يعنى الكفار هذا سحر مستمر. وروينا من طريق الترمذي ثنا عبد بن حميد قال انا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة مرتين فنزلت (اقتربت الساعة وانشق القمر) إلى قوله (سحر مستمر) يقول ذاهب. قال الترمذي ثنا عبد بن حميد ثنا محمد بن كثير ثنا سليمان بن كثير عن حصين عن محمد بن جبير ابن مطعم عن ابيه قال انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل فقالوا سحرنا محمد فقال بعضهم لئن كان سحرنا ما يستطيع ان يسحر الناس كلهم. وروى عن ابن عباس وابن عمر وحذيفة وعلى رضى الله عنهم.

[ 151 ]

(ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة) وكانت الهجرة إلى أرض الحبشة مرتين فكان عدد المهاجرين في المرة الاولى اثنى عشر رجلا واربع نسوة ثم رجعوا عندما بلغهم عن المشركين سجودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قراءة سورة (والنجم) وسيأتى ذكر ذلك فلقوا من المشركين اشد مما عهدوا فهاجروا ثانية وكانوا ثلاثة وثمانين رجلا ان كان فيهم عمار ففيه خلاف بين اهل النقل وثماني عشرة امرأة احدى عشرة قرشيات وسبعا غرباء وبعثت قريشا في شأنهم إلى النجاشي مرتين الاولى عند هجرتهم والثانية عقيب وقعة بدر وكان عمرو بن العاص رسولا في المرتين ومعه في احداهما عمارة بن الوليد وفى الاخرى عبدالله بن ابى ربيعة المخزوميان. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال فلما كثر المسلمون وظهر الايمان اقبل كفار قريش على من آمن من قبائلهم يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم قال فبلغنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن آمن به تفرقوا في الارض فان الله تعالى سيجمعكم قالوا إلى أين نذهب قال إلى هاهنا واشار بيده إلى ارض الحبشة فهاجر إليها ناس ذوو عدد منهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه حتى قدموا أرض الحبشة فكان اول من خرج عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قيل إن اول من هاجر إلى ارض الحبشة حاطب بن عمرو بن عبد شمس ابن عبد ود أخو سهيل بن عمرو وقيل هو سليط بن عمرو وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة هاربا عن ابيه بدينه ومعه امرأته سهلة بنت سهيل مسلمة مراغمة لابيها فارة عنه

[ 152 ]

بدينها فولدت له بأرض الحبشة محمد بن ابى حذيفة ومصعب بن عمير و عبدالرحمن ابن عوف وأبو سلمة بن عبد الاسد ومعه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب ومعه امرأته ليلى بنت ابى خيثمة بن غانم العدوية وابو سبرة بن أبى رهم العامري وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو - ولم يذكرها ابن إسحق فهى خامسة لهن - وسهيل بن بيضاء وهو سهيل بن وهب ابن ربيعة الفهرى و عبدالله بن مسعود الهذلى فخرجوا متسللين سرا حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب ومنهم الماشي فوفق الله لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة فخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر من حيث ركبوا فلم يجدوا أحدا منهم ثم خرج جعفر بن أبى طالب في المرة الثانية ومعه امرأته أسماء بنت عميس فولدت له هناك بنيه محمدا و عبدالله وعونا وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان ابن أمية بن محرث الكنانى وأخوه خالد بن سعيد معه امرأته أمينة بنت خلف ابن أسيد بن عامر بن بياضة الخزاعية فولدت له هناك ابنه سعيدا وابنته أم خالد واسمها أمة وعبيد الله بن جحش معه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان فتنصر هناك ثم توفى على النصرانية وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وأخوه عبدالله بن جحش وقيس بن عبدالله حليف لبنى أمية ابن أمية بن عبد شمس معه امرأته بركة بنت يسار مولاة أبى سفيان بن حرب ومعيقيب بن أبى فاطمة الدوسى حليف لبنى العاص بن أمية وعتبة بن غزوان بن جابر المازنى حليف بنى نوفل ويزيد بن زمعة بن الاسود وعمرو بن أمية بن الحرث ابن أسد والاسود بن نوفل بن خويلد بن أسد وكليب بن عمير بن وهب بن أبى كثير بن عبد قصى وسويبط بن سعد بن حرملة ويقال حريملة بن مالك العبدرى وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار

[ 153 ]

العبدرى معه امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بن جزيمة من خزاعة وابناه عمرو ابن جهم وخزيمة بنت جهم وأبو الروم بن عمير أخو مصعب بن عمير وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة وعامر بن أبى وقاص أخو سعد والمطلب بن أزهر بن عبد عوف معه امرأته رملة بنت أبى عوف بن صبيرة السهمية ولدت له هناك عبدالله بن المطلب و عبدالله بن مسعود الهذلى وأخوه عتبة بن مسعود والمقداد ابن الاسود تبناه الاسود بن عبد يغوث الزهري وهو حليف له فنسب إليه وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهرانى والحرث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب ابن سعد بن تيم بن مرة ومعه امرأته ريطة بنت الحارث التيمية فولدت له هناك موسى وزينب وعائشة وفاطمة وعمرو بن عثمان بن عمرو التيمى عم طلحة وشماس ابن عثمان بن الشريد المخزومى واسمه عثمان بن عثمان وهبار بن سفيان بن عبد الاسد بن هلال المخزومى وأخوه عبدالله بن سفيان وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وعياش بن أبى ربيعة بن المغيرة المخزومى ومعتب بن عوف بن عامر الخزاعى وبعض الناس يقول معتب حليف بنى مخزوم والسائب بن عثمان بن مظعون وعماه قدامة و عبدالله ابنا مظعون وحاطب وحطاب ابنا الحرث بن معمر الجمحى ومع حاطب زوجه فاطمة بنت المجلل العامري وولدت له هناك محمدا والحرث ابني حاطب ومع حطاب زوجه فكيهة بنت يسار وسفيان ابن معمر بن حبيب الجمحى ومعه ابناه جابر وجنادة وأمهما حسنة وأخوهما لامهما شرحبيل بن حسنة وهو شرحبيل بن عبدالله بن المطاع الكندى وقيل إنه من بنى الغوث بن مر أخى تميم بن مر وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة ابن جمح وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدى السهمى وسهم بن عمرو بن هصيص وأخواه عبدالله وقيس ابنا حذافة ورجل من بنى تميم اسمه سعيد بن عمر وكان أخا بشر بن الحرث بن قيس بن عدى لامه وهشام بن العاص أخو عمرو وعمير

[ 154 ]

ابن رئاب بن حذيفة السهمى وأبو قيس بن الحرث بن قيس بن عدى السهمى واخوته الحارث ومعمر وسعيد والسائب وبشر وأخ لهم من أمهم من تميم يقال له سعيد بن عمرو ومحمئة بن جزء الزبيدى حليف بنى سهم ومعمر بن عبدالله بن نضلة ويقال ابن عبدالله بن نافع بن نضلة العدوى وعروة بن عبدالعزى بن حرثان العدوى وعن مصعب الزبيري عروة بن أبى أثاثة بن عبدالعزى أو عمرو بن أثاثة وعدى بن نضلة بن عبدالعزى العدوى وابنه النعمان ومالك بن ربيعة بن قيس العامري وامرأته عمرة بنت أسعد (1) بن وقدان بن عبد شمس العامرية وسعد بن خولة من أهل اليمن حليف لبنى عامر بن لؤى و عبدالله بن مخرمة بن عبدالعزى و عبدالله بن سهيل بن عمرو وعماه سليط والسكران ابنا عمرو العامريون وامرأته سودة بنت زمعة وأبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة وعياض بن زهير بن أبى شداد وعثمان بن عبد غنم بن زهير بن أبى شداد وسعد بن عبد قيس ابن لقيط بن عامر الفهريون وعمار بن ياسر وفيه خلاف بين أهل السير. وقال بعض أهل السير إن أبا موسى الاشعري كان فيمن هاجر إلى أرض الحبشة وليس كذلك ولكنه خرج في طائفة من قومه من أرضهم باليمن يريد المدينة فركبوا البحر فرمتهم الريح إلى أرض الحبشة فأقام هناك حتى قدم مع جعفر بن أبى طالب فلما نزل هؤلاء بأرض الحبشة أمنوا على دينهم وأقاموا بخير دار عند خير جار وطلبتهم قريش عنده فكان ذلك سبب إسلامه. قرأت على الامام الزاهد أبى إسحق إبراهيم بن على الحنبلى بالصالحية اخبركم أبو الحسن على بن النفيس بن بورنداز (2) قال أنا أبو القاسم محمود بن عبد الكريم قال أنا أبو بكر بن ماجه قال انا أبو جعفر عن أبى جعفر عن أبى جعفر احمد بن محمد بن المرزبان عن محمد بن ابراهيم بن يحيى بن الحكم


(1) وعند ابن الجوزى والذهبي " بنت السعدى ". (2) بضم الباء وسكون الواو وفتح الراء وسكون النون وفتح الدال وآخره زاى. (*)

[ 155 ]

الحزورى (1) عن محمد بن سليمان لوين (2) ثنا حديج (3) بن معاوية عن أبى إسحق عن عبدالله بن عتبة عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ثمانين رجلا منهم عبدالله بن مسعود وجعفر و عبدالله بن عرفطة وعثمان ابن مظعون رضى الله عنهم، وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية فقدما على النجاشي فدخلا عليه وسجدا له وابتداره فقعد واحد عن يمينه والآخر عن شماله فقالا إن نفرا من بنى عمنا نزلوا أرضك فرغبوا عنا وعن ملتنا قال وأين هم قالوا بأرضك فأرسل في طلبهم فقال جعفر رضى الله عنه أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فدخل فسلم فقال ما لك لا تسجد للملك قال إنا لا نسجد إلا لله عز وجل قالوا ولم ذاك قال إن الله تعالى أرسل فينا رسولا وأمرنا ان لا نسجد إلا لله عزوجل وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو بن العاص فانهم يخالفونك في ابن مريم وأمه قال فما تقولون في ابن مريم وأمه قال كما قال الله عزوجل روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التى لم يمسها بشر ولم يفرضها (4) ولد قال فرفع النجاشي عودا من الارض فقال يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما تزيدون على ما يقولون اشهد أنه رسول الله وانه الذى بشر به عيسى في الانجيل والله لولا ما انا فيه من الملك لاتيته فأكون أنا الذى أحمل نعليه وأوضئه وقال انزلوا حيث شئتم وأمر بهدية الآخرين فردت عليهما قال وتعجل عبدالله بن مسعود فشهد بدرا وقال انه لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موته استغفر له ولعمارة بن الوليد مع عمرو ابن العاص في هذا الوجه خبر مشهور ذكره أبو الفرج على بن الحسين الاصبهاني وغيره. وقال عمرو يخاطب عمارة:


(1) بفتح الحاء المهملة وفتح الزاى والواو المشددة. (2) بضم اللام وفتح الواو وسكون الياء. (3) بالتصغير. وفى الاصل بالخاء المعجمة. (4) بكسر الراء وسكون الضاد أي: لم يؤثر فيها. (*)

[ 156 ]

إذا المرء لم يترك طعاما يحبه * ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة * إذا ذكرت أمثالها تملا الفما ولم يذكر ابن إسحق مع عمرو إلا عبدالله بن أبى ربيعة في رواية زياد. وفى رواية ابن بكير لعمارة بن الوليد ذكر فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي في أحسن جوار فلما سمعوا بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثمانى نسوة فمات منهم رجلان بمكة وحبس بمكة سبعة نفر، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا فلما كان شهر ربيع الاول وقيل المحرم سنة سبع من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي كتابا يدعوه فيه إلى الاسلام وبعث به مع عمرو بن أمية الضمرى فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وقال لو قدرت أن آتيه لاتيته وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان ففعل وأصدق عنه تسعمائة دينار وكان الذى تولى التزويج خالد بن سعيد ابن العاص بن أمية وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من بقى عنده من أصحابه ويحملهم ففعل فجاءوا حتى قدموا المدينة فيجدون رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يدخلوهم في سهمانهم ففعلوا. وكان سبب رجوع الاولين الاثنى عشر رجلا ومن ذكر معهم من النساء فيما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوما على المشركين (والنجم إذا هوى) حتى بلغ (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى) ألقى الشيطان كلمتين على لسانه " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى " فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد وسجد القوم جميعا ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود ويقال إن أبا احيحة سعيد بن

[ 157 ]

العاص أخذ ترابا فسجد عليه ويقال كلاهما فعل ذلك فرضوا بما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذ جعلت لها نصيبا فنحن معك فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم حتى جلس في البيت فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة فقال جبريل ما جئتك بهاتين الكلمتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه (وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا اليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا) إلى قوله (ثم لا تجد لك علينا نصيرا) قالوا ففشت تلك السجدة في الناس حتى بلغت أرض الحبشة فقال القوم عشائرنا أحب الينا فخرجوا راجعين حتى إذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبانا من كنانة فسألوهم عن قريش فقال الركب ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملا ثم ارتد عنها فعاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر فتركناهم على ذلك فائتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة ثم قالوا قد بلغنا مكة (1) فندخل فننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله ثم يرجع فدخلوا مكة ولم يدخل أحد فيهم إلا بجوار إلا ابن مسعود فانه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة. قال الواقدي وكانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا شعبان وشهر رمضان وكانت السجدة في شهر رمضان فقدموا في شوال سنة خمس. قال السهيلي ذكر هذا الخبر يعنى خبر هذه السجدة موسى بن عقبة وابن إسحق من غير طريق البكائى وأهل الاصول يدفعون هذا الحديث بالحجة ومن صححه قال فيه أقوالا: منها أن الشيطان قال ذلك وأشاعه والرسول لم ينطق به وهذا جيد لولا أن في حديثهم أن جبريل قال لمحمد ما أتيتك بهذا، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها من قبل نفسه


(1) " مكة " ساقطة من الاصل، والتصحيح من النسخة الظاهرية التى يؤيدها السياق. (*)

[ 158 ]

وعنى بها الملائكة أن شفاعتهم ترتجى، ومنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قالها حاكيا عن الكفرة وأنهم يقولون ذلك فقالها متعجبا من كفرهم قال والحديث على ما خيلت غير مقطوع بصحته. قلت بلغني عن الحافظ عبد العظيم المنذرى رحمه الله أنه كان يرد هذا الحديث من جهة الرواة بالكلية وكان شيخنا الحافظ عبدالمؤمن الدمياطي يخالفه في ذلك. والذى عندي في هذا الخبر أنه جار مجرى ما يذكر من أخبار هذا الباب من المغازى والسير. والذى ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص في الرقائق ومالا حكم فيه من أخبار المغازى وما يجرى مجرى ذلك وأنه يقبل فيها من لا يقبل في الحلال والحرام لعدم تعلق الاحكام بها، وأما هذا الخبر فينبغي بهذا الاعتبار أن يرد إلى ما يتعلق به إلا أن يثبت بسند لا مطعن فيه بوجه ولا سبيل إلى ذلك فيرجع إلى تأويله.

[ 159 ]

(ذكر اسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه) قرأت على عبدالرحيم بن يوسف المزى أخبركم أبو حفص بن طبرزد قال أنا أبو بكر بن عبدا لباقي قال أنا أبو على الحسن بن غالب الحربى ثنا أبو عبدالله محمد بن احمد المالكى القاضى ثنا الحسين بن إسحق ثنا أبو علقمة عبدالله بن عيسى الفروى ثنا عبد المالك بن الماجشون عن الزنجي بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب. وقرأت على أبى الفداء إسمعيل بن عبدالرحمن بن عمرو الفراء بسفح قاسيون أخبركم أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى (1) التغلبي فأقر به قال أنا الشيخان الشريف أبو طالب على بن حيدرة بن جعفر الحسينى وأبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد بن البن الاسدي قالا أنا أبو القاسم على بن محمد بن أبى العلاء قال أنا أبو محمد عبدالرحمن بن عثمان بن أبى نصر التميمي قال أنا أبو خيثمة بن سليمان ثنا محمد بن عوف ثنا سفيان الطائى قال قرأت على إسحق ابن ابراهيم الحنينى قال ذكره أسامة بن زيد عن أبيه عن جده أسلم قال قال لنا عمر بن الخطاب أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامى قلنا نعم قال كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا أنا في يوم حار شديد الحر بالهاجرة في بعض طرق مكة إذ لقيني رجل من بعض قريش فقال لى أين تذهب يا ابن الخطاب أنت تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الامر في بيتك قال قلت وما ذاك قال أختك قد صبت قال فرجعت مغضبا وقد كان رسول الله صلى


(1) بصادين مهملتين الاولى مفتوحة والثانية ساكنة على وزن سكرى. (*)

[ 160 ]

الله عليه وسلم يجمع الرجل والرجلين إذا أسلم عند الرجل به قوة فيكونان معه ويصيبان من طعامه قال وقد ضم إلى زوج أختى رجلين قال فجئت حتى قرعت الباب فقيل من هذا قلت ابن الخطاب قال وكان القوم جلوسا يقرءون صحيفة معهم قال فلما سمعوا صوتي تبادروا واختفوا وتركوا أو نسوا الصحيفة من أيديهم قال فقامت المرأة ففتحت لى قال فقلت لها يا عدوة نفسها قد بلغني انك قد صبوت قال فأرفع شيئا في يدى فأضربها به قال فسال الدم قال فلما رأت المرأة الدم بكت ثم قالت يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت قال فدخلت وأنا مغضب قال فجلست على السرير فنظرت فإذا بكتاب في ناحية البيت فقلت ما هذا الكتاب اعطنيه فقالت لا أعطيكه لست من أهله أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تطهر وهذا لا يمسه إلا المطهرون قال فلم أزل بها حتى أعطتنيه فإذا فيه (بسم الله الرحمن الرحيم) فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت الصحيفة من يدى قال ثم رجعت إلى نفسي فإذا فيها (سبح لله ما في السموات والارض وهو العزيز الحكيم) قال فكلما مررت بالاسم من أسماء الله عزوجل ذعرت ثم ترجع إلى نفسي حتى بلغت (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) حتى بلغ إلى قوله (إن كنتم مؤمنين) قال فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فخرج القوم يتبادرون بالتكبير إستبشارا بما سمعوا منى وحمدوا لله عزوجل ثم قالوا يا ابن الخطاب أبشر فان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يوم الاثنين فقال اللهم أعز الاسلام بأحد الرجلين إما أبو جهل بن هشام وإما عمر بن الخطاب وإنا نرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك فأبشر قال فلما أن عرفوا منى الصدق قلت لهم أخبروني بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا هو في بيت في أسفل الصفا وصفوه قال فخرجت حتى قرعت الباب قيل من هذا قلت ابن الخطاب قال وعرفوا شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلموا إسلامى قال فما اجترأ أحد أن يفتح الباب قال

[ 161 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتحوا له فان يرد الله به خيرا يهده قال ففتحوا لى وأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارسلوه قال فأرسلوني فجلست بين يديه قال فأخذ بمجمع قميصي فجبذنى إليه ثم قال أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده قال قلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة قال وقد كان الرجل إذا أسلم استخفى ثم خرجت فكنت لا أشاء أن أرى رجلا إذا أسلم ضرب إلا رأيته قال فلما رأيت ذلك قلت لا أحب أن لا يصيبني ما يصيب المسلمين قال فذهبت إلى خالي وكان شريفا فيهم فقرعت الباب عليه فقال من هذا قلت ابن الخطاب قال فخرج إلى فقلت له أشعرت أنى قد صبوت قال نعم فقلت نعم قال لا تفعل قال قلت بلى قد فعلت قال لا تفعل فأجاف الباب دوني وتركني قال قلت ما هذا بشئ قال فخرجت حتى جئت رجلا من عظماء قريش فقرعت عليه الباب قال من هذا قلت عمر بن الخطاب قال فخرج إلى فقلت له هل شعرت أنى قد صبوت فقال أو فعلت قلت نعم قال فلا تفعل قلت قد فعلت قال لا تفعل ثم قام فدخل فأجاف الباب دوني قال فلما رأيت ذلك انصرفت فقال لى رجل تحب أن يعلم اسلامك قال قلت نعم قال فإذا جلس الناس في الحجر واجتمعوا أتيت فلانا لرجل لم يكن يكتم السر فاصغ إليه فقل له فيما بينك وبينه انى قد صبوت فانه سوف يظهر عليك ذلك ويصيح ويعلنه قال فلما اجتمع الناس في الحجر جئت إلى الرجل فدنوت منه فأصغيت إليه فيما بينى وبينه فقلت أعلمت أنى قد صبوت قال فقال أصبوت قلت نعم قال فرفع صوته بأعلاه قال ألا إن ابن الخطاب قد صبأ قال فما زال الناس يضربوني وضربتهم قال فقال خالي ما هذا قال فقيل ابن الخطاب قال فقام على في الحجر فاشار بكمه فقال ألا انى قد أجرت ابن أختى قال فانكشف الناس عنى قال وكنت لا أشاء أن أرى أحدا من المسلمين يضرب الا رأيته وأنا لا أضرب قال فقلت ما هذا

[ 162 ]

بشئ حتى يصيبني مثل ما يصيب المسلمين قال فأمهلت حتى إذا جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي فقلت اسمع فقال ما أسمع قال قلت جوارك عليك رد قال فقال لا تفعل يا ابن أختى قال قلت بلى هو ذاك فقال ما شئت قال فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الاسلام. وروينا هذا الخبر من طريق ابن إسحق وفيه قال وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة وكانت عند سعيد بن زيد كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد وهم مستخفون باسلامهم من عمر وكان نعيم النحام رجل من قومه قد أسلم وفيه أن عمر خرج متوشحا سيفه يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء وأن الذى قال له ما قال نعيم وأن خبابا كان في بيت اخته يقرئهم القرآن وأن الذى كان في الصحيفة سورة (طه) وأن الذى أذن في دخوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبدالمطلب والرجل الذى صرح باسلام عمر عند ما قاله جميل بن معمر الجمحى الذى يقال له ذو القلبين وفيه نزلت (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) على أحد الاقوال وفيه يقول الشاعر: وكيف ثوائى بالمدينة بعد ما * قضى وطرا منها جميل بن معمر ورويناه من طريق ابن عائذ قال أخبرني الوليد بن مسلم قال حدثنى عمر بن محمد قال حدثنى أبى محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر فذكر القصة وفيها فأتيته بصحيفة فيها (طه) فقرأ فيها ما شاء الله قال عمر فلما بلغ (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وفيها قالوا يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب يستفتح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائذنوا له فان يرد الله به خيرا يهده وإلا كفيتموه (1) باذن الله قال محمد يعنى ابن عائذ وهذا وهم وإنما الذى قال إن يرد الله به خيرا وإلا كفيتموه حمزة وفى


(1) في نسخة " كفيتكموه ". (*)

[ 163 ]

الخبر عن ابن عائذ قال عمر فحدثني أبى محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر أن أباه زيد بن عبدالله بن عمر حدثه عن عبيد الله بن عمر قال فبينا هو خائف على نفسه إذ جاءه العاص بن وائل عليه حلة وقميص مكفف بالحرير فقال مالك يا ابن الخطاب قال زعم قومك أنهم سيقتلونني إذا أسلمت قال العاص لا سبيل اليك فما عدا أن قالها العاص فأمنت عليه قال عبدالله بن عمر فخرج عمر والعاص فإذا الوادي قد سال بالناس فقال لهم أين تريدون قالوا هذا الذى قد خالف دين قومه قال لا سبيل إليه فارجعوا فرجعوا. وذكر محمد بن عبدالله بن سنجر الحافظ فيما رأيته عنه باسناده إلى شريح بن عبيد قال قال عمر بن الخطاب خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش فقرأ (انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) قال قلت كاهن علم ما في نفسي فقرأ (ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون) إلى آخر السورة قال فوقع الاسلام في قلبى كل موقع. وقد ذكر غير هذا في خبر إسلام عمر رضى الله عنه أيضا فالله أعلم أي ذلك كان. أخبرنا الامام أبو عبدالله محمد ابن ابراهيم المقدسي وأبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى قراءة عليهما وأنا حاضر في الرابعة قال الاول أنا أبو اليمن الكندى قراءة عليه وأنا أسمع وقال الثاني أنا أبو على بن الخريف قراءة عليه وأنا حاضر أسمع في الخامسة قالا أنا أبو بكر محمد بن عبدا لباقي الانصاري قال أنا أبو الحسين محمد بن احمد بن حسنون قال أنا معافى بن ابراهيم بن زكريا بن طراز قال أنا عبدالله يعنى البغوي ثنا عبيد الله بن عمر ثنا عبدالله بن خراش عن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس قال لما أسلم عمر رضى الله عنه نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد لقد إستبشر أهل السماء باسلام عمر رضى الله عنه.

[ 165 ]

(ذكر الخبر عن دخول بنى هاشم وبنى المطلب) ابني عبد مناف في الشعب وما لقوا من سائر قريش في ذلك قال أبو عمر أنا عبدالله بن محمد ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا محمد بن سلمة المرادى قال أنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبدالرحمن أبى الاسود وأنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ ثنا مطرف بن عبدالرحمن ابن قيس ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب وانا عبدالله بن محمد ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا محمد بن اسحق المسيبى قالا ثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب دخل حديث بعضهم في بعض قال ثم ان كفار قريش اجمعوا امرهم واتفق رأيهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا قد افسد ابناءنا ونساءنا فقالوا لقومه خذوا منادية مضاعفة ويقتله رجل من غير قريش وتريحوننا وتريحون انفسكم فأبى قومه بنو هاشم من ذلك فظاهرهم بنو المطلب بن عبد مناف فأجمع المشركون من قريش على منابذتهم واخراجهم من مكة إلى الشعب فلما دخلوا إلى الشعب امر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المؤمنين ان يخرجوا إلى ارض الحبشة وكان متجرا لقريش فكان يثنى على النجاشي بأنه لا يظلم عنده احد فانطلق إليها عامة من آمن بالله ورسوله ودخل بنو هاشم وبنو المطلب شعبهم مؤمنهم وكافرهم فالمؤمن دينا والكافر حمية فلما عرفت قريش ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد منعه قومه اجمعوا على ان لا يبايعوهم ولا يدخلوا إليهم شيئا من الرفق وقطعوا عنهم الاسواق ولم يتركوا طعاما ولا اداما ولا بيعا الا بادروا إليه واشتروه دونهم ولا يناكحوهم ولا يقبلوا منهم صلحا ابدا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها

[ 166 ]

في الكعبة وتمادوا على العمل بما فيها من ذلك ثلاث سنين فاشتد البلاء على بنى هاشم في شعبهم وعلى كل من معهم فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من قصى ممن ولدتهم بنو هاشم ومن سواهم فأجمعوا امرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة وبعث الله على صحيفتهم الارضة فأكلت ولحست ما في الصحيفة من ميثاق وعهد وكان أبو طالب في طول مدتهم في الشعب يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتى فراشه كل ليلة حتى يراه من اراد به شرا أو غائلة فإذا نام الناس امر احد بنيه أو اخوته أو بنى عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها فلم يزالوا في الشعب على ذلك إلى تمام ثلاث سنين ولم تترك الارضة في الصحيفة اسما لله عزوجل الا لحسته وبقى ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم فأطلع الله رسوله على ذلك فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي طالب فقال أبو طالب لا والثواقب ما كذبتني فانطلق في عصابة من بنى عبد المطلب حتى اتوا المسجد وهم خائفون لقريش فلما رأتهم قريش في جماعة انكروا ذلك وظنوا انهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم برمته إلى قريش فتكلم أبو طالب فقال قد جرت امور بيننا وبينكم نذكرها لكم فائتوا بصحيفتكم التى فيها مواثيقكم فلعله ان يكون بيننا وبينكم صلح وانما قال ذلك أبو طالب خشية ان ينظروا في الصحيفة قبل ان يأتوا بها فأتوا بصحيفتهم معجبين لا يشكون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع إليهم فوضعوها بينهم وقالوا لابي طالب قد آن لكم ان ترجعوا عما احدثتم علينا وعلى انفسكم فقال أبو طالب انما اتيتكم في امر هو نصف بيننا وبينكم ان ابن اخى اخبرني ولم يكذبنى ان هذه الصحيفة التى في ايديكم قد بعث الله عليها دابة فلم تترك فيها اسما له الا لحسته وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم فان كان الحديث كما بقول فأفيقوا فلا والله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا

[ 167 ]

وان كان الذى يقول باطلا دفعنا اليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم فقالوا قد رضينا بالذى تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد اخبر بخبرها قبل ان تفتح فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا هذا سحر ابن اخيك وزادهم ذلك بغيا وعدوانا. وقال ابن هشام وذكر بعض اهل العلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي طالب يا عم ان ربى قد سلط الارضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما لله الا اثبتته ونفت منها القطيعة والظلم والبهتان قال أربك اخبرك بهذا قال نعم قال فوالله ما يدخل عليك احد ثم خرج إلى قريش فقال يا معشر قريش ان ابن اخى اخبرني وساق الخبر بمعنى ما ذكرناه. وقال ابن اسحق وابن عقبة وغيرهما: وندم منهم قوم فقالوا هذا بغى منا على اخواننا وظلم لهم فكان اول من مشى في نقض الصحيفة هشام بن عمرو بن الحارث العامري وهو كان كاتب الصحيفة وابو البخترى العاص بن هشام ابن الحارث بن اسد بن عبدالعزى والمطعم بن عدى. إلى هنا انتهى خبر ان لهيعة عن ابى الاسود يتيم عروة وموسى بن عقبة عن ابن شهاب. وذكر ابن اسحق فيهم زهير بن ابى امية بن المغيرة المخزومى وزمعة بن الاسود بن المطلب. وذكر ابن اسحق في اول هذا الخبر قال وقد كان أبو جهل فيما يذكرون لقى حكيم ابن حزام ومعه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فتعلق به وقال اتذهب بالطعام إلى بنى هاشم فقال له أبو البخترى طعام كان لعمته عنده افتمنعه ان يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى ابو جهل حتى نال احدهما من صاحبه فأخذ ابوالبخترى لحى بعير فضربه به فشجه ووطئه وطئا شديدا. وذكر أبو عبدالله محمد بن سعد هشام بن عمرو العامري المذكور وقال كان اوصل قريش لبنى هاشم حين حصروا في الشعب ادخل عليهم في ليلة ثلاثة احمال طعاما فعلمت بذلك قريش فمشوا إليه حين اصبح فكلموه

[ 168 ]

في ذلك فقال انى غير عائد لشئ خالفكم فانصرفوا عنه ثم عاد الثانية فأدخل عليهم ليلا حملا أو حملين فغالظته قريش وهمت به فقال أبو سفيان بن حرب دعوه رجل وصل اهل رحمه اما انى احلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان احسن بنا. وعن ابن سعد وكان الذى كتب الصحيفة بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصى فشلت يده وحصروا بنى هاشم في شعب ابى طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خروجهم في السنة العاشرة وقيل مكثوا في الشعب سنتين.

[ 169 ]

(ذكر خبر أهل نجران) قال ابن إسحق ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فلما سمعوه فاضت عينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوا وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقال لهم خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون (2) لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال ما نعلم راكبا أحمق منكم أو كما قالوا فقال لهم سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نأل من أنفسنا خيرا. ويقال إن النفر من النصارى من أهل نجران ويقال فيهم نزلت (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به) إلى قوله (لا نبتغى الجاهلين) وقال الزهري ما زلت أسمع من علمائنا انهن نزلن في النجاشي وأصحابه.


(1) في الظاهرية زيادة " إلى الله ". (2) في نسخة " ترادون " وفى نسخة أخرى " تردادون ". (*)

[ 171 ]

(ذكر وفاة خديجة وأبى طالب) روينا عن الدولابى ثنا أبو الاشعث أحمد بن المقدام العجلى ثنا زهير بن العلاء ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال توفيت خديجة بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين وهى أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال وثنا احمد بن عبد الجبار قال حدثنى يونس بن بكير عن ابن إسحق قال ثم ان خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان هلاك خديجة وأبى طالب وكانت خديجة وزيرة صدق على الاسلام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكن إليها قال وقال زياد البكائى عن ابن إسحق إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد وكان هلاكهما بعد عشر سنين مضين من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك قبل مهاجره صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث سنين. وذكر ابن قتيبة أن خديجة توفيت بعد أبى طالب بثلاثة أيام. وذكر البيهقى نحوه. وعن الواقدي توفيت خديجة قبل أبى طالب بخمس وثلاثين ليلة وقيل غير ذلك فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبى طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه احدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهى تبكى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تبكى يا بنية فان الله مانع أباك ويقول بين ذلك ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب. قال ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا

[ 172 ]

ثقله قال بعضهم لبعض إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها فانطلقوا بنا إلى أبى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فانا والله ما نأمن أن ينتبزونا أمرنا فمشوا إلى أبى طالب وكلموه وهم أشراف قومه عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم فقالوا يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه وليدعنا وديننا وندعه ودينه فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال يا ابن أخى هؤلاء أشراف قومك وقد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم كلمة واحدة تعطونيها وتملكون بها وأبى ان يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله لاستغفرن لك ما لم انه عنك فأنزل الله عزوجل (ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) وأنزل الله في أبى طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) ورواه مسلم من حديث أبى هريرة أيضا وفيه لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الخرع (1) لاقررت بها عينك. وفى الصحيح من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح (2) من النار. وعن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أهون


(1) أي الضعف. وفى الاصل " الخزع " وهو خطأ، وفى نسخة " الجزع " قال في النهاية: قال ثعلب إنما هو بالخاء والراء. وفى الاقتباس: واختاره جماعة وصوبه القاضى عياض وغيره. (2) الضحضاح في الاصل مارق من الماء على وجه الارض ما يبلغ الكعبين فاستعاره للنار. وقيل الضحضاح هو ما قرب من القعر. (*)

[ 173 ]

اهل النار في النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلى منهما دماغه. وأخبرنا عبدالرحيم (1) بقراءة والدى عليه اخبركم أبو على حنبل بن عبدالله بن الفرج قال انا أبو القاسم بن الحصين قال أنا أبو على بن المذهب قال انا أبو بكر القطيعى قال انا عبدالله بن احمد ثنا أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبى إسحق قال سمعت ناجية بن كعب يحدث عن على انه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبا طالب مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اذهب فواره فقال انه مات مشركا قال اذهب فواره فلما واريته رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لى اغتسل. واخبرنا أبو الفضل بن الموصلي قال اخبرنا أبو على بن سعادة الرصافي قال انا هبة الله بن محمد الشيباني قال انا الحسن بن على التميمي أنا احمد بن جعفر بن حمدان قال أنا عبدالله بن احمد ثنا أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبى رزين عمه قال قلت يا رسول الله أين أمي قال أمك في النار قال قلت أين من مضى من اهلك قال أما ترضى ان تكون أمك مع أمي قال عبدالله قال أبى الصواب حدس. وذكر بعض اهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل راقيا في المقامات السنية صاعدا في الدرجات العلية إلى ان قبض الله روحه الطاهرة إليه وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه وسلم بعد أن لم تكن وأن يكون الاحياء والايمان متأخرا عن تلك الاحاديث فلا تعارض. وقال السهيلي شهادة العباس لابي طالب لو أداها بعد ما أسلم كانت مقبولة لان العدل إذا قال سمعت وقال من هو أعدل منه لم اسمع أخذ بقول من أثبت السماع ولكن العباس شهد بذلك قبل ان يسلم. قلت قد أسلم العباس بعد ذلك وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في الظاهرية " عبدالرحيم المزى ". (*)

[ 174 ]

عن حال أبى طالب فيما أخبرنا عبدالرحيم بن يوسف بقراءة أبى عليه وقرأت على أبى الهيجاء غازى بن أبى الفضل قال أنا أبو حفص بن طبرزد قال انا ابن الحسين قال انا أبو طالب بن غيلان قال انا أبو بكر الشافعي ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدى ثنا سفيان ثنا عبدالملك بن عمير قال سمعت عبدالله بن الحرث بن نوفل قال سمعت العباس يقول قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحفظك وينصرك فهل نفعه ذاك قال نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح (1). صحيح الاسناد مشهور متفق عليه من حديث العباس في الصحيحين ولو كانت هذه الشهادة عنده لاداها بعد إسلامه وعلم حال أبى طالب ولم يسأل، والمعتبر حالة الاداء دون التحمل. وفيما ذكره السهيلي ان الحرث بن عبدالعزى أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فأسلم وحسن اسلامه في خبر ذكره من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحق عن أبيه عن رجال من بنى سعد بن بكر.


(1) الضحضاح مارق من الماء على وجه الارض ما يبلغ الكعبين فاستعاره للنار. (*)

[ 175 ]

(ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف) وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة قال ابن إسحق ولما هلك أبو طالب ونالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تكن تنال منه في حياته خرج إلى الطائف وحده - وقال ابن سعد ومعه زيد بن حارثة - يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم اخوة ثلاثة عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة ابن غيرة بن عوف بن ثقيف وعند أحدهم امرأة من قريش من بنى جمح فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمهم ما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالف من قومه فقال له أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر أما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى (1) أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم فيما ذكر لى إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا على وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه فلم يفعلوا أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس. قال موسى بن عقبة قعدوا له صفين على طريقه فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما (2) بالحجارة حتى أدموا رجليه. زاد سليمان التيمى انه صلى الله عليه وسلم كان إذا أذلقته


(1) في الظاهرية " ما ينبغى لى ان اكلمك ". (2) الرضخ هو الدق والكسر (*)

[ 176 ]

الحجارة (1) قعد إلى الارض فيأخذون بعضديه فيقيمونه فإذا مشى رجموه وهم يضحكون وقال ابن سعد: وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه شجاجا قال ابن عقبة فخلص منهم ورجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم فاستظل في ظل حبلة (2) يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان، وقد تقدم أنه البراء بن معرور. فلما انتهت البيعة صرخ الشيطان من رأس العقبة يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة (3) أتسمع أي عدو الله أما والله لافرغن لك فاستأذنه العباس ابن عبادة في القتال فقال لم نؤمر بذلك وتطلب المشركون خبرهم فلم يعرفوه ثم شعروا به حين انصرفوا فاقتفوا آثارهم فلم يدركوا إلا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فأما سعد فكان ممن عذب في الله وأما المنذر فأعجزهم وأفلت. ونمى خبر سعد بن عبادة إلى جبير بن مطعم والحرث بن حرب ابن أمية على يدى أبى البخترى بن هشام فأنفذه الله بهما. وقال ضرار ابن الخطاب الفهرى: تداركت سعدا عنوة فأخذته * وكان شفاء لو تداركت منذرا ولو نلته طلت هناك جراحة * وكان حريا أن يهان ويهدرا فأجابها حسان بأبيات ذكرها ابن إسحق. فلما قدموا المدينة أظهروا الاسلام وكان عمرو بن الجموح ممن بقى على شركه وكان له صنم يعظمه فكان فتيان ممن أسلم من بنى سلمة يدلجون بالليل على صنمه فيطرحونه في بعض حفر بنى سلمة منكسا رأسه في عذر الناس فإذا أصبح عمرو قال ويحكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة


(1) أي بلغت منه الجهد حتى قلق. (2) الحائط هاهنا البستان من النخيل إذا كان عليه جدار، والحبلة هي الاصل أو القضيب من شجر الاعناب. (3) " الجباجب " مكان سيأتي الكلام عليه، و " ازب العقبة " اسم شيطان (*)

[ 177 ]

ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه فإذا أمسى عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك إلى أن غسله مرة وطهره ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له ما أعلم من يصنع بك ما أرى فان كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك فلما أمسى ونام عمرو غدوا عليه وأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر (1) من عذر الناس وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم رضى الله عنه وحسن إسلامه (2) (وهذه تسمية من شهد العقبة) وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، هذا هو العدد المعروف وإن زاد في التفصيل على ذلك فليس ذلك بزيادة في الجملة وإنما هو لمحل الخلاف فيمن شهد فبعض الرواة يثبته وبعضهم يثبت غيره بدله وقد وقع ذلك في غير موضع في أهل بدر وشهداء أحد وغير ذلك. وهم من الاوس ثم من بنى عبد الاشهل أسيد بن حضير أبو الهيثم مالك بن التيهان سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الاشهل وسعد بن زيد بن عامر بن عمرو بن جشم بن الحارث بن الخزرج وبنو جشم عدادهم في بنى عبد الاشهل شهداء العقبة في قول الواقدي وحده وهو معدود في البدريين عند غيره. وقد اختلف في نسبه وهو عند ابن اسحق سعد بن زيد ابن مالك بن عبيد بن كعب بن عبد الاشهل. ومن بنى حارثة بن الحرث بن


(1) أي غائط (2) هنا في هامش الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد (*)

[ 178 ]

الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس ظهير بن رافع بن عدى بن زيد بن جشم ابن حارثة أبو بردة هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم ابن ذبيان بن هميم بن كاهل بن ذهل بن هنى بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة حليف لهم بهيز بن الهيثم بن نامى بن مجدعة بن حارثه بن الحرث بن الخزرج - وبهيز بالباء الموحدة عند بعضهم وبالنون عند آخرين. ومن بنى عمرو ابن عوف سعد بن خيثمة رفاعة بن عبد المنذر عبدالله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو معن بن عدى بن الجد بن العجلان بن ضبيعة عويم بن ساعدة. ومن الخزرج ثم من بنى النجار أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار ومعاذ بن عفراء وأخواه معوذ وعوف وعمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو ابن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار أسعد بن زرارة النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحرث بن سواد بن غنم عند الواقدي وحده. ومن بنى مبذول عامر بن منه وهو مكروب موجع وإذا في الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله. قال فلما رآه ابنا ربيعة وما لقى تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له كل فما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال بسم الله ثم أكل فنظر عداس في وجهه ثم قال والله إن هذا لكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال نصراني وأنا من أهل نينوى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال له عداس وما يدريك ما يونس بن متى

[ 179 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخى كان نبيا وأنا نبى فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه فلما جاءهما عداس قالا له ويلك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدى ما في الارض شئ خير من هذا لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبى قالا ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فان دينك خير من دينه. وروينا في الصحيح من حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت فانطلقت على وجهى وأنا مهموم فلم أستفق إلا وأنا بقرن التعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث اليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم على فقال يا محمد ذلك لك فما شئت وان شئت أن أطبق عليهم الاخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا. وذكر ابن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف ولم يجيبوه لما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته صار إلى حراء ثم بعث إلى الاخنس بن شريق ليجيره فقال أنا حليف والحليف لا يجير فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال إن بنى عامر لا تجير على بنى كعب فبعث إلى المطعم بن عدى فأجابه إلى ذلك ثم تسلح المطعم وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى عنده ثم انصرف إلى منزله. ولاجل هذه السابقة التى سلفت للمطعم بن عدى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر لو كان المطعم بن عدى حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له (1)


(1) تقدم الاخشبان وهما جبلا مكة. (*)

[ 181 ]

(ذكر اسلام الجن) وفى انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف مر به النفر من الجن وهو بنخلة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وهم فيما ذكر ابن اسحق سبعة من جن نصيبين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قام من جوف الليل وهو يصلى. والخبر بذلك ثابت من طريق عبدالله ابن مسعود رضى الله عنه: قرأت على أبى عبدالله بن أبى الفتح الصوري بمرج دمشق أخبركم أبو القاسم بن الحرستانى سماعا عليه فأقر به قال أنا أبو محمد طاهر ابن سهل قال أنا أبو الحسين مكى قال أنا القاضى أبو الحسن الحلبي قال حدثنى إسحق بن محمد بن يزيد ثنا أبو داود يعنى سليمان بن سيف ثنا أيوب بن خالد ثنا الاوزاعي قال حدثنى ابراهيم بن طريف قال حدثنى يحيى بن سعيد الانصاري قال حدثنى عبدالرحمن بن أبى ليلى قال حدثنى عبدالله بن مسعود قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة صرف الله النفر من الجن الحديث. ورويناه من حديث أبى المعلى عن عبد الله بن مسعود قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحى مكة فخط لى خطا وقال لاتحدثن شيئا حتى آتيك ثم قال لا يروعنك أو لا يهولنك شئ تراه ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط (1) قال وكانوا كما قال الله (كادوا يكونون عليه لبدا) فأردت أن أقوم فأذب عنه بالغا ما بلغت ثم ذكرت عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثت ثم انهم تفرقوا عنه فسمعتهم يقولون يا رسول الله ان شقتنا بعيدة ونحن منطلقون فزودنا الحديث. وفيه فلما ولوا قلت


(1) الزط: جيل من الناس. (*)

[ 182 ]

من هؤلاء قال هؤلاء جن نصيبين. وروينا من حديث أبى عبدالله الجدلي عن عبدالله وفيه قال ثم شبك أصابعه في أصابعي وقال ابى وعدت ان تؤمن بى الجن والانس فأما الانس فقد آمنت بى وأما الجن فقد رأيت. وروى أبو عمر من طريق أبى داود ثنا محمد بن المثنى ثنا أبو معاوية عن الاعمش عن ابى ظبيان عن ابى عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال لما كانت ليلة الجن أتت النبي صلى الله عليه وسلم سمرة فأذنته بهم فخرج إليهم. قال أبو داود ثنا هارون بن معروف ثنا سفيان عن مسعر عن عمرو بن مرة عن ابى عبيدة ان مسروقا قال قال له أبوك انا ان شجرة أنذرت النبي صلى الله عليه وسلم بالجن. وروينا حديث ابى فزارة عن ابى زيد مولى عمرو بن حريث ثنا عبدالله بن مسعود قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انى قد أمرت أن أقرأ على اخوانكم من الجن فليقم معى رجل منكم ولا يقم رجل في قلبه مثقال حبة خردل من كبر فقمت معه وأخذت اداوة فيها نبيذ فانطلقت معه فلما برز خط لى خطا وقال لى لا تخرج منه فانك إن خرجت لم ترنى ولم أرك إلى يوم القيامة قال ثم انطلق فتوارى عنى حتى لم أره فلما سطع الفجر أقبل فقال لى أراك قائما فقلت ما قعدت فقال ما عليك لو فعلت قلت خشيت أن اخرج منه فقال أما انك لو خرجت منه لم ترنى ولم أرك إلى يوم القيامة هل معك وضوء قلت لا فقال ما هذه الاداوة قلت فيها نبيذ قال تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ وأقام الصلاة فلما قضى الصلاة قام إليه رجلان من الجن فسألاه المتاع فقال ألم آمر لكما ولقومكما بما يصلحكما قالا بلى ولكن أحببنا أن يشهد بعضنا معك الصلاة فقال ممن أنتما قالا من أهل نصيبين فقال أفلح هذان وأفلح قومهما وأمر لهما بالروث والعظم طعاما ولحما ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بعظم أو روثة. رويناه من حديث قيس ابن الربيع وهذا لفظه. ومن حديث الثوري واسرائيل وشريك والجراح بن مليح وأبى عميس كلهم عن أبى فزارة وغير طريق أبى فزارة عن أبى زيد لهذا

[ 183 ]

الحديث أقوى منها للجهالة الواقعة في أبى زيد ولكن أصل الحديث مشهور عن ابن مسعود من طرق حسان متظافرة يشهد بعضها لبعض ويشد بعضها بعضا ولم يتفرد طريق أبى زيد إلا بما فيها من التوضؤ بنبيذ التمر وليس ذلك مقصودنا الآن ويكفى من أمر الجن ما في سورة الرحمن وسورة قل أوحى إلى وسورة الاحقاف (وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) الآيات. وذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر بالجن وهم يستمعون له يقرأ حتى نزلت عليه (وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن) الآية. وروينا عن ابن هشام قال حدثنى خلاد بن قرة بن خالد السدوسى وغيره من مشائخ بكر بن وائل من أهل العلم أن أعشى بنى قيس بن ثعلبة خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الاسلام فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا ألا أيها ذا السائلى أين يممت * فان لها في أهل يثرب موعدا وآليت لا آوى لها من كلالة * ولا من حفا حتى تلاقى محمدا متى ما تناخى عند باب ابن هاشم (1) * تراخى وتلقى من فواضله ندى نبيا يرى مالا يرون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا له صدقات ما تغب ونائل * وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة محمد * نبى الاله حين أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله * فترصد للموت الذى كان أرصدا (2) فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم فقال له يا أبا بصير


(1) " ما " ساقطة. (2) في نسخة " فترصد للمرء الذى كان أرصدا " وهو غلط ظاهر. (*)

[ 184 ]

فانه يحرم الزنا فقال الاعشى والله إن ذلك لامر مالى فيه من أرب فقال يا أبا بصير فانه يحرم الخمر قال الاعشى اما هذه فوالله ان في النفس لعلالات منها ولكني منصرف فأرتوي منها عامى هذا ثم آتيه فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله " لا آوى لها من كلالة " أي لا أرق. وفى هذه الابيات عن غير ابن هشام بعد قوله * أغار لعمري في البلاد وأنجدا (1): به أنقذ الله الانام من العمى * وما كان فيهم من يريع إلى هدى وقوله فلما كان بمكة وهم ظاهر لان تحريم الخمر إنما كان بعد أحد وفى الابيات: * فان لها في أهل يثرب موعدا * وهو أيضا مما يبين ذلك والله أعلم. (خبر الطفيل بن عمرو الدوسى) روينا عن محمد بن سعد قال انا محمد بن عمر قال حدثنى عبدالله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبى عون الدوسى وكان له حلف في قريش قال كان الطفيل شريفا شاعرا نبيلا كثير الضيافة فقدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها فمشى إليه رجال من قريش فقالوا يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذى بين اظهرنا قد أعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه وبين الرجل وأخيه قال فوالله ما زالوا بى حتى أجمعت أن لا اسمع منه شيئا ولا أكلمه فأبى الله إلا ان يسمعني بعض قوله فمكثت حتى انصرف إلى بيته فقلت يا محمد إن قومك قالوا لى كذا وكذا حتى سددت أذنى بكرسف (2) لئلا اسمع قولك فاعرض على أمرك فعرض عليه السلام وتلا عليه القرآن فقال لا


(1) وفى معجم الشعراء " ص 401 " إختلاف ايضا. (2) الكرسف القطن. (*)

[ 185 ]

والله ما سمعت قولا قط أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه فأسلمت فقلت يا نبى الله انى امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الاسلام فادع الله ان يكون لى عونا عليهم قال اللهم اجعل له آية فخرجت حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عينى مثل المصباح فقلت اللهم في غير وجهى فانى أخشى ان يظنوا أنها مثلة فتحول في رأس سوطي فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور كالقنديل المعلق قال فأتاني أبى فقلت له قال دينى دينك فأسلم ثم أتتنى صاحبتي فذكر مثل ذلك فأسلمت ثم دعوت دوسا إلى الاسلام فابطئوا على ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقلت يا رسول الله قد غلبتني دوس فادع الله عليهم وقال اللهم اهد دوسا فخرجت إليهم ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن اسلم من قومي وهو بحيبر بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس فأسهم لنا مع المسلمين وقلنا يا رسول الله اجعلنا ميمنتك واجعل شعارنا مبرور ففعل ثم قلت بعد فتح مكة يا رسول الله ابعثنى إلى ذى الكفين صنم عمرو بن حممة (1) حتى احرقه فبعثه. وجعل الطفيل يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا * ميلادنا اكبر من ميلادكا أنا حشوت النار في فؤادكا قال فلما احرقته اسلموا جميعا ثم قتل الطفيل باليمامة شهيدا. والخبر عند ابن سعد طويل وأنا اختصرته (2)


(1) في الاصل " حميمة " وعليها علامة " صح "، وفى نسخة " حممة " قال البرهان الحلبي والذى نحفظ حممة بغير ياء بين الميمين، وقد ذكره المصنف فيما بعد كذلك وكذلك هو في الاستيعاب. (2) هنا في هامش الاصل " بلغ المقابلة " (*)

[ 187 ]

(ذكر الحديث عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم) ومعراجه وفرض الصلاة قرأت على أبى عبدالله بن أبى الفتح الصوري أخبركم الشيخان أبو مسلم المؤيد ابن عبدالرحيم بن احمد بن محمد بن الاخوة وأم حبيبة عائشة بنت معمر بن الفاخر القرشية اجازة قالا أنا أبو الفرج سعيد بن أبى الرجاء الصيرفى قراءة عليه ونحن نسمع بأصبهان قال أنا أبو نصر ابراهيم بن محمد بن على الاصبهاني الكسائي قال أنا أبو بكر محمد بن ابراهيم بن المقرئ قال أنا أبو يعلى احمد بن على بن المثنى ثنا محمد بن اسمعيل بن على الوساوسى ثنا ضمرة بن ربيعة عن يحيى ابن أبى عمرو الشيباني عن أبى صالح مولى أم هانئ قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلس وأنا على فراشي فقال شعرت أنى نمت الليلة في المسجد الحرام فأتاني جبريل عليه السلام فذهب بى إلى باب المسجد فإذا دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل مضطرب الاذنين فركبته فكان يضع حافره مد بصره إذا أخذ في هبوط طالت يداه وقصرت رجلاه وإذا أخذ في صعود طالت رجلاه وقصرت يداه وجبريل عليه السلام لا يفوتنى حتى انتهينا إلى بيت المقدس فأوثقته بالحلقة التى كانت الانبياء توثق بها فنشر لى رهط من الانبياء فيهم ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فصليت بهم وكلمتهم وأتيت باناءين أحمر وأبيض فشربت الابيض فقال لى جبريل عليه السلام شربت اللبن وتركت الخمر لو شربت الخمر لارتدت أمتك ثم ركبته فأتيت المسجد الحرام فصليت به الغداة فتعلقت بردائه وقلت أنشدك الله ابن عم أن تحدث بها (1) قريشا فيكذبك من صدقك فضرب بيده على ردائه فانتزعه من يدى فارتفع عن بطنه فنظرت إلى عكنه (2) فوق


(1) في نسخة " بهذا الخبر ". (2) أي: ماتننى من لحم البطن. (*)

[ 188 ]

ردائه وكأنه طى القراطيس وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد يخطف بصرى فخررت ساجدة فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج فقلت لجاريتي نبعة ويحك اتبعيه فانظري ماذا يقول وماذا يقال له فلما رجعت نبعة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى نفر من قريش في الحطيم فيهم المطعم بن عدى بن نوفل وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة فقال إنى صليت الليلة العشاء في هذا المسجد وصليت به الغداة وأتيت فيما بين ذلك بيت المقدس فنشر لى رهط من الانبياء منهم ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فصليت بهم وكلمتهم فقال عمرو بن هشام كالمستهزئ صفهم لى فقال أما عيسى ففوق الربعة ودون الطويل عريض الصدر ظاهر الدم جعد الشعر يعلوه صهبة كأنه عروة بن مسعود الثقفى، وأما موسى عليه السلام فضخم آدم طويل كأنه من رجال شنوءة كثير الشعر غائر العينين متراكب الاسنان مقلص الشفتين خارج اللثة عابس، وأما ابراهيم عليه السلام فوالله لاشبه الناس بى خلقا وخلقا فضجوا وأعظموا ذلك فقال المطعم بن عدى بن نوفل كل أمرك قبل اليوم كان امما غير قولك اليوم أشهد أنك كاذب نحن نضرب أكباد الابل إلى بيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا تزعم أنك أتيته في ليلة واللات والعزى لا أصدقك وما كان هذا الذى تقول قط. وكان للمطعم بن عدى حوض على زمزم أعطاه إياه عبدالمطلب فهدمه فأقسم باللات والعزى لا يسقى منه قطرة أبدا فقال أبو بكر رضى الله عنه يا مطعم بئس ما قلت لابن أخيك جبهته (1) وكذبته أنا اشهد أنه صادق فقال يا محمد صف لنا بيت المقدس قال دخلته ليلا وخرجت منه ليلا فاتاه جبريل عليه السلام فصوره في جناحه فجعل يقول باب منه كذا في موضع كذا وأبو بكر رضى الله عنه يقول صدقت صدقت قالت نبعة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ يا أبا بكر


(1) أي: استقبلته بالمكروه (*)

[ 189 ]

إن الله عزوجل قد سماك الصديق قالوا يا مطعم دعنا نسئله عما هو أغنى لنا من بيت المقدس يا محمد أخبرنا عن عيرنا فقال أتيت على عير بنى فلان بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم وانطلقوا في طلبها فانتهيت إلى رحالهم ليس بها منهم أحد وإذا قدح ماء فشربت منه فسلوهم عن ذلك فقالوا هذه واللات والعزى آية ثم انتهيت إلى عير بنى فلان فنفرت منى الابل وبرك منها جمل أحمر عليه جوالق مخطط ببياض لا أدرى أكسر البعير أم لا فسألوهم عن ذلك فقالوا هذه والاله آية ثم انتهيت إلى عير بنى فلان بالابواء يقدمها جمل أورق (1) ها هي تطلع عليكم من الثنية فقال الوليد بن المغيرة ساحر فانطلقوا فنظروا فوجدوا كما قال فرموه بالسحر وقالوا صدق الوليد ابن المغيرة فيما قال وأنزل الله تبارك وتعالى (وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) قلت يا أم هانئ ما الشجرة الملعونة في القرآن قالت الذين خوفوا فلم يزدهم التخويف إلا طغيانا كبيرا. وروينا من طريق البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال حدثنى أبو سلمة بن عبدالرحمن قال سمعت جابر بن عبد الله انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لى بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وانا انظر إليه. وقرأت على أبى حفص عمر بن عبد المنعم بن القواس بعربيل بغوطة دمشق أخبركم أبو القاسم بن الحرستانى في الرابعة فأقر به قال انا جمال الاسلام أبو الحسن على بن المسلم السلمى قال انا أبو نصر الحسين بن محمد ابن احمد بن طلاب الخطيب سماعا قال انا أبو الحسين محمد بن احمد بن جميع ثنا محمد بن صالح بن زكريا بن يحيى بن داود بن زكريا العثماني ثنا احمد بن العلاء ثنا زيد بن أسامة عن سفيان عن مسعر عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بداية فوق الحمار ودون البغل خطوه مد البصر فلما دنا منه


(1) أي: اسمر (*)

[ 190 ]

اشمأز فقال جبريل اسكن فما ركبك احد أكرم على الله من محمد. وعن عائشة وأم سلمة وأم هانئ وابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم قالوا أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الاول قبل الهجرة بسنة من شعب أبى طالب إلى بيت المقدس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حملت على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل وفى فخذيها جناحان تحفز بهما رجليها فلما دنوت لاركبها شمست (1) فوضع جبريل يده على معرفتها (2) ثم قال ألا تستحيين يا براق فما تصنعين والله ما ركب عليك احد قبل محمد أكرم على الله منه فاستحيت حتى ارفضت عرقا ثم قرت حتى ركبتها الحديث. وفى رواية يونس بن بكير عن ابن إسحق في هذا الخبر أنه عليه السلام وعد قريشا بقدوم العير الذين أرشدهم إلى البعير وشرب إناءهم أن يقدموا يوم الاربعاء فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كربت الشمس ان تغرب فدعا الله فحبس حتى قدموا كما وصف قال ولم تحبس الشمس إلا له ذلك اليوم وليوشع بن نون.


(1) أي منعت ظهرها. (2) أي: منبت عرفها من رقبتها (*)

[ 191 ]

(حديث المعراج) روينا من طريق مسلم حدثنا شيبان بن فروخ ثنا حماد بن سلمة ثنا ثابت البنانى عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التى تربط بها الانبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام باناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل صلى الله عليه وسلم اخترت الفطرة ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل قيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه قال ففتح لنا فإذا بابنى الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا بى ودعوا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم إذا هو قد أعطى شطر الحسن قال فرحب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قال وبعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بادريس فرحب بى ودعا لى بخير قال الله عزوجل (ورفعناه مكانا عليا)

[ 192 ]

ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون صلى الله عليه وسلم فرحب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى صلى الله عليه وسلم فرحب بى ودعا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابراهيم صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم ذهب بى إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع ان ينعتها من حسنها فأوحى الله إلى ما أوحى ففرض على خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فان أمتك لا تطيق ذلك فانى قد بلوت بنى اسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربى فقلت يا رب خفف عن أمتى فحط عنى خمسا فرجع إلى موسى فقلت حط عنى خمسا قال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فسله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربى تبارك وتعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات في كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه شيئا فان عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه. قال الشيخ أبو أحمد ثنا أبو العباس الماسرجسى ثنا شيبان بن فروخ ثنا حماد بن

[ 193 ]

سلمة بهذا الحديث. وقد روينا من طريق ابن شهاب عن أنس بن مالك قال كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فرج سقف بيتى وأنا بمكة فنزل جبريل عليه السلام ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء الحديث. قال ابن شهاب وأخبرني ابن حزم ان ابن عباس وأبا حبة الانصاري يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بى حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الاقلام وفيه ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك. وفى حديث مالك بن صعصعة فلما جاوزته يعنى موسى بكى فنودى ما يبكيك قال يا رب هذا غلام بعثته بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتى وفيه ثم رفع لى البيت المعمور فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون الف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما زين عليهم. وفى حديث أبى هريرة وقد رأيتنى في جماعة من الانبياء فحانت الصلاة فأممتهم فقال قائل يا محمد هذا ملك خازن النار فسلم عليه والتفت فبدأني بالسلام. وكلها في الصحيح وحديث ثابت عن أنس أحسنها مساقا. وروينا من طريق الترمذي حدثنا يعقوب بن ابراهيم الدورقى ثنا أبوتميلة عن الزبير بن جنادة عن ابى بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه فخرق بها الحجر وشد به البراق. وذكر ابن إسحق في حديث أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم رؤيته آدم في سماء الدنيا تعرض عليه أرواح بنيه فيسر بمؤمنيها ويعبس بوجهه عند رؤية كافريها ثم قال رأيت رجالا لهم مشافر (1) كمشافر الابل في أيديهم قطع من نار كالافهار (2) يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما قال ثم رأيت


(1) المشافر جمع مشفر وهو شفة البعير. (2) جمع فهر وهو الحجر. (*)

[ 194 ]

رجالا لهم بطون لم ار مثلها قط بسبيل ال فرعون يمرون عليهم كالابل المهيومة (1) حين يعرضون على النار بطونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك قال قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أكلة الربا قال ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب قال قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن قال ثم رأيت نساء معلقات بثديهن فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء اللاتى أدخلن على الرجال ما ليس من أولادهم. وقد اختلف العلماء في المعراج والاسراء هل كانا في ليلة واحدة أم لا وأيهما كان قبل الآخر وهل كان ذلك كله في اليقظة أو في المنام أو بعضه في اليقظة وبعضه في المنام وهل كان المعراج مرة أو مرات واختلفوا في تاريخ ذلك: والذى روينا عن ابن سعد في المعراج عن محمد بن عمر عن أبى بكر بن عبدالله بن أبى سبرة وغيره من رجاله قالوا كان عليه السلام يسأل ربه أن يريه الجنة والنار فلما كانت ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته نائم ظهرا أتاه جبريل ومكائيل فقالا انطلق إلى ما سألت الله فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم فأتى بالمعراج فإذا هو أحسن شئ منظرا فعرجا به إلى السموات سماء سماء الحديث. وذكر السهيلي رحمه الله خلاف السلف في الاسراء هل كان يقظة أو مناما وحكى القولين وما يحتج به لكل قول منهما ثم قال وذهبت طائفة ثالثة منهم شيخنا أبو بكر بن العربي إلى تصديق المقالتين وتصحيح المذهبين وأن الاسراء كان مرتين احداهما في نومه توطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدء بنوته الرؤيا الصالحة ليسهل عليه أمر النبوة فانه عظيم


(1) أي: التى أصابها الهيام وهو داء يكسبها العطش فتشرب فلا تروى. وقيل الهائم المخالف للقصد في كل شئ. (*)

[ 195 ]

تضعف عنه القوى البشرية وكذلك الاسراء سهلة عليه بالرؤيا لان هوله عظيم فجاء في اليقظة على توطئة وتقدمة رفقا من الله بعبده وتسهيلا عليه. ورجح هذا القول أيضا للجمع بين الاحاديث الواردة في ذلك فان في ألفاظها اختلافها وتعدد الواقعة أقرب لوقوع جميعها. وحكى قولا رابعا قال كان الاسراء بجسده إلى بيت المقدس في اليقظة ثم أسرى بروحه عليه السلام إلى فوق سبع سموات ولذلك شنع الكفار قوله أتيت بين المقدس في ليلتى هذه ولم يشنعوا قوله فيما سوى ذلك. قال وقد تكلم العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الاسراء فروى عن مسروق عن عائشة أنها أنكرت أن يكون رآه قالت ومن زعم أن محمدا رأى به فقد أعظم الفرية على الله، واحتجت بقوله سبحانه (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار). وروينا من طريق الترمذي حدثنا ابن أبى عمر ثنا سفيان عن مجالد عن الشعبى قال لقى ابن عباس كعبا بعرفة فسأله عن شئ فكبر حتى جاوبته الجبال فقال ابن عباس إنا بنو هاشم نقول إن محمدا رأى ربه فقال كعب إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين. وروينا من طريق مسلم عن أبى ذر قلت يا رسول الله هل رأيت ربك قال رأيت نورا. وفى حديث آخر عند مسلم قال نورا انى أراه. وفى تفسير النقاش عن ابن عباس أنه سئل هل رأى محمد ربه فقال رآه رآه حتى انقطع صوته. وفى تفسير عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وذكر إنكار عائشة أنه رآه فقال الزهري ليست عائشة أعلم عندنا من ابن عباس. وفى تفسير ابن سلام عن عروة أنه كان إذا ذكر إنكار عائشة يشتد ذلك عليه. وقول أبى هريرة في هذه المسألة كقول ابن عباس أنه رآه. قال أبو القاسم والمتحصل من هذه الاقوال أنه رآه لا على أكمل ما تكون الرؤية على نحو ما يراه في حظيرة القدس عند الكرامة العظمى والنعيم الاكبر ولكن دون ذلك والى هذا يومئ قوله رأيت نورا. قلت وقوله

[ 196 ]

تعالى (لا تدركه الابصار) لا يعارض هذه لانه لا يلزم من الرؤية الادراك. وأما فرض الصلوات الخمس فكان ليلة المعراج وقد ذكرنا عن الواقدي من طريق ابن سعد أنه كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا من مكة إلى السماء. ومن يرى أن المعراج من بيت المقدس وأنه هو والاسراء في تاريخ واحد فقد ذكرنا في الاسراء أنه ليلة سبع عشرة من ربيع الاول قبل الهجرة بسنة وبعد المبعث بتسع أو اثنى عشر على حسب اختلافهم في ذلك وهذا هو المشهور: قال أبو عمر وقد روى الوقاصى عن الزهري أن الاسراء وفرض الصلاة كان بعد المبعث بخمس سنين. وأبعد من ذلك ما حكاه أبو عمر أيضا قال وقال أبو بكر محمد بن على بن القاسم في تاريخه ثم أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا قال ولا أعلم أحدا من أهل السير قال ذلك ولا أسند قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم. وفى صبيحة ليلة المعراج كان نزول جبريل وامامته بالنبي صلى الله عليه وسلم ليريه أوقات الصلوات الخمس كما هو مروى من حديث ابن عباس وأبى هريرة وبريدة وأبى موسى وأبى مسعود وأبى سعيد وجابر وعمرو بن حزم والبراء وغيرهم وكان ذلك عند البيت وأم به مرتين مرة أول الوقت ومرة آخره ليعلمه بذلك كله. وأما عدد ركعاتها حين فرضت فمن الناس من ذهب إلى أنها فرضت أول ما فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا وأقرت صلاة السفر على ركعتين روى ذلك عن عائشة والشعبى وميمون بن مهران ومحمد ابن اسحق وغيرهم. ومنهم من ذهب إلى أنها فرضت أول ما فرضت أربعا إلا المغرب ففرضت ثلاثا والصبح ركعتين. كذلك قال الحسن البصري ونافع بن جبير ابن مطعم وابن جريج. ومنهم من ذهب إلى أنها فرضت في الحضر أربعا وفى السفر ركعتين ويروى ذلك عن ابن عباس. وقال أبو إسحق الحربى أول ما فرضت

[ 197 ]

الصلاة بمكة فرضت ركعتين أول النهار وركعتين آخره وذكر في ذلك حديث عائشة فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين ثم زاد فيها في الحضر. هكذا حدث به الحربى عن احمد بن الحجاج عن ابن المبارك عن ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة حكى ذلك أبو عمر قال وليس في حديث عائشة دليل على صحة ما ذهب إليه الحربى ولا يوجد هذا في أثر صحيح بل فيه دليل على أن الصلاة التى فرضت ركعتين ركعتين هي الصلوات الخمس لان الاشارة بالالف واللام في الصلاة اشارة إلى معهود. روينا عن الطبراني ثنا الحسن ابن على بن الاشعث المصرى ثنا محمد بن يحيى بن سلام الافريقى قال حدثنى أبى قال حدثنى عثمان بن مقسم عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن يسار عن عمر بن عبد العزيز قال حدثنى عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها قالت فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة المقيم وأثبتت صلاة المسافر كما هي. وقد روينا عن السائب بن يزيد مثل ذلك. روينا عن أبى العباس بن السراج ثنا قتيبة ثنا عبد العزيز عن سعيد بن سعيد عن السائب بن يزيد أنه قال فرضت الصلاة ركعتين ثم زيد في صلاة المقيم وأقرت صلاة المسافر. قال أبو عمر قول الشعبى في هذا أصله من حديث عائشة ويمكن أن يكون قد أخذه عن مسروق أو الاسود عنها فأكثر ما عنده عن عائشة فهو عنهما. قلت قد وقع لنا ذلك من حديثه عن مسروق كما ظن أبو عمر. روينا من طريق السراج ثنا احمد بن سعيد الرباطى ثنا محبوب بن الحسن ثنا داود عن الشعبى عن مسروق عن عائشة قالت فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين فلما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لانها وتر النهار. وأما ابن إسحق فخبر عائشة عنده عن صالح بن كيسان عن عروة عنها فيمكن أن يكون أخذه من مناك. وأما ميمون بن مهران

[ 198 ]

فروى ذلك عنه من طريق سالم مولى أبى المهاجر وسالم غير سالم من الجرح، ومن قال بهذا من اهل السير قال ان الصلاة اتمت بالمدينة بعد الهجرة بشهر وعشرة ايام وقيل بشهر. واما من قال فرضت اربعا ثم خفف عن المسافر فأخبرنا الامام الزاهد أبو اسحق ابراهيم بن على بن احمد الواسطي قراءة عليه وانا اسمع بسفح قاسيون اخبركم الشيخان أبو البركات داود بن احمد بن محمد بن ملاعب قراءة عليه وانت تسمع بدمشق وابو علي الحسن بن اسحق بن موهوب بن احمد بن محمد ابن الخضر الجواليقى سماعا عليه ببغداد قال الاول انا أبو عبدالله محمد بن سلامة ابن الرطبى قراءة عليه وانا اسمع وقال الثاني اخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغونى قالا انا أبو القاسم على بن احمد بن محمد بن البسرى قال انا أبو طاهر محمد ابن عبدالرحمن المخلص ثنا يحيى يعنى ابن محمد بن صاعد ثنا لوين بن محمد بن سليمان ثنا حماد بن زيد عن ايوب عن ابى قلابة عن رجل من بنى عامر قال والرجل حى فاسمعوه منه يقال له انس بن مالك قال ابن صاعد هو القشيرى ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث خيلا فغارت على ابل جار لى فانطلق في ذلك ابى وعمى أو قرابة لى قريبة قال فقدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطعم فقال هلم إلى الغداء قال انى صائم قال صلى الله عليه وسلم هلم احدثك عن ذلك ان الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصيام وعن الحبلى والمرضع الحديث. خالف ايوب يحيى ابن ابى كثير فرواه عن ابى قلابة عن جعفر بن عمرو بن امية الضمرى عن ابيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رويناه من طريق السراج ثنا داود بن رشيد ثنا الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عنه. ومع صحة الاسنادين فتصويب الاول اولى من جعلهما حديثين عند ابى قلابة لاشتهار هذا الخبر من طريق انس القشيرى وبعد تعدد هذه الواقعة والله اعلم قالوا ووضع لا يكون الا من فرض ثابت وبما روينا من طريق ابى العباس الثقفى ثنا اسحق بن ابراهيم قال ثنا عبدالله بن

[ 199 ]

ادريس ثنا ابن جريج عن ابن ابى عمار عن عبدالله بن بابيه عن يعلى بن امية قال قلت لعمر بن الخطاب ليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة ان خفتم فقد أمن الناس فقال عمر عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. رواه مسلم عن اسحق بن ابراهيم فوقع لنا موافقة عالية له قالوا ولم يقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا الا بعد نزول آية القصر في صلاة الخوف وكان نزولها بالمدينة وفرض الصلاة بمكة. فظاهر هذا يقتضى ان القصر طارئ على الاتمام. واما قول ابن عباس انها فرضت في الحضر اربعا وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة فقرأت على ابى العباس احمد بن هبة الله بن عساكر بجامع دمشق اخبرتكم زينب بنت عبد الرحمن الشعرى اجازة قالت انا الشيخان أبو محمد اسمعيل بن القاسم بن ابى بكر القارئ سماعا وابو عبدالله الفراوى اجازة قالا انا عبد الغافر الفارسى قال انا بشر بن احمد الاسفرائنى قال ثنا أبو سليمان داود بن الحسين البيهقى ثنا يحيى بن يحيى ثنا أبو عوانة عن بكير بن الاخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال فرض الله عزوجل الصلاة على لسان نبيكم في الحضر اربعا وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة. رواه مسلم عن يحيى فوافقناه بعلو. وقرأت على الشيخة الاصيلة مؤنسة خاتون بنت الملك العادل سيف الدين ابى بكر بن ايوب اجازة اخبرتك ام هانئ عفيفة بنت احمد بن عبد الله الفارقانية اجازة انا أبو طاهر عبد الواحد بن الصباغ قال انا أبو نعيم الحافظ قال انا ابن الصواف قال انا بشر بن موسى ثنا محمد بن سعيد يعنى ابن الاصبهاني ثنا شريك وابو وكيع عن زبيد عن عبدالرحمن بن ابى ليلى عن عمر قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو وكيع على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم. وروينا عن الطبراني ثنا محمد بن سهل الرباطى ثنا سهل بن عثمان

[ 200 ]

ثنا شريك عن قيس بن وهب عن ابى الكنود قال سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال ركعتان نزلت من السماء فان شئتم فردوها. واما قول الحربى فبعيد غير انه قد قيل ان الصلاة قبل فرضها كانت كذلك وسيأتى. قال أبو عمر وقد اجمع المسلمون ان فرض الصلاة في الحضر اربعا الا المغرب والصبح لا يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا ولا يضرهم الاختلاف فيما كان اصل فرضها إذ لا خلاف بينهم فيما آل إليه امرها واستقر عليه حالها، واما الصلاة طرفي النهار فروينا عن ابن الصواف بالسند المذكور آنفا ثنا ابراهيم بن اسحق الضبى ثنا محمد ابن ابان عن ابى اسحق عن عمارة بن رويبة الثقفى قال سمع اذناى ووعى قلبى من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وجبت له الجنة ومن ذلك قوله تعالى (وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار).

[ 201 ]

(ذكر عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب) اخبرنا محمد بن ابراهيم المقدسي الامام قراءة عليه وانا حاضر في الرابعة وعبد الرحيم بن يوسف المزى قراءة عليه وانا اسمع بالجامع الازهر قال الاول اخبرنا ابو اليمن زيد بن الحسن الكندى بن زيد قراءة عليه وانا اسمع وقال الثاني اخبرني أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ سماعا عليه في الخامسة قالا انا أبو بكر محمد بن عبدا لباقي بن محمد الانصاري قال انا أبو الحسن على بن ابراهيم بن عيسى الباقلانى قال انا أبو بكر محمد بن اسمعيل الوراق ثنا أبو احمد اسمعيل بن موسى ابن ابراهيم الحاسب ثنا أبو بكر بن ابى شيبة ثنا محمد بن عبدالله الاسدي ثنا اسرائيل يعنى ابن يونس عن عثمان بن ابى المغيرة الثقفى عن سالم بن ابى الجعد عن جابر بن عبدالله قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول ألا رجل يعرض على قومه فان قريشا قد منعوني ان ابلغ كلام ربى. واخبرنا عبدالرحيم بن يوسف الموصلي بقراءة والدى عليه وغازي بن ابى الفضيل بن عبد الوهاب الدمشقي بقراءتي عليه قالا انا ابن طبرزذ قال انا ابن الحصين قال انا ابن غيلان قال انا محمد بن عبدالله الشافعي ثنا اسحق بن الحسن بن ميمون الحربى ثنا عبدالله بن رجاء ثنا سعيد بن سلمة بن ابى الحسام ثنا محمد بن المنكدر انه سمع ربيعة بن عباد أو عباد الدؤلى يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على الناس في منازلهم قبل ان يهاجر إلى المدينة يقول يأيها الناس ان الله يأمركم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا قال ووراءه رجل يقول يأيها الناس

[ 202 ]

إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم فسألت من هذا الرجل فقيل أبو لهب. وذكر ابن إسحق عرضه عليه السلام نفسه على كندة وعلى كلب وعلى بنى حنيفة قال ولم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم وعلى بنى عامر بن صعصعة. وذكر الواقدي دعاءه عليه السلام بنى عبس إلى الاسلام وانه أتى غسان في منازلهم وبنى محارب كذلك. وذكر قاسم بن ثابت فيما رأيته عنه من حديث عبدالله ابن عباس عن على بن أبى طالب في خروجهما هو وابو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك قال على وكان أبو بكر في كل خير مقدما فقال ممن القوم فقالوا من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بأبى أنت وأمى هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالا ولسانا وكانت له غديرتان وكان أدنى القوم مجلسا من أبى بكر رضى الله عنه فقال له أبو بكر رضى الله عنه كيف العدد فيكم فقال مفروق إنا لنزيد على الالف ولن تغلب الالف من قلة فقال أبو بكر كيف المنعة فيكم فقال مفروق علينا الجهد ولكل قوم جد فقال أبو بكر فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم فقال مفروق إنا لاشد ما نكون غضبا حين نلقى وإنا لاشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الاولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا أخرى (1) لعلك أخو قريش فقال أبو بكر أو قد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا فقال مفروق قد بلغنا انه يذكر ذلك فالام تدعو يا أخا قريش فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله وأن تؤونى وتنصروني فان قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغنى الحميد فقال مفروق والى م تدعو أيضا يا أخا قريش فقال


(1) " أخرى " ساقطة من الاصل والتصحيح من الظاهرية. (*)

[ 203 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا ولا تقتلوا أولادكم من املاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) فقال مفروق وإلى م تدعو أيضا يا أخا قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون) فقال مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال هذا هانئ ابن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ قد سمعنا مقالتك يا اخا قريش وانى أرى ان تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له اول ولا آخر زلة في الرأى وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ومن ورائنا قوم نكرة ان نعقد عليهم عقدا ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى قد سمعت مقالتك يا اخا قريش والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته الينا ليس له اول ولا آخر وانما إنما نزلنا بين صريى (1) اليمامة والسمامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذان الصريان فقال أنهار كسرى ومياه العرب فأما ما كان من انهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول وانا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ان لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا وانى ارى ان هذا الامر الذى تدعونا إليه انت هو مما يكرهه الملوك فان احببت ان نؤويك وننصرك مما يلى مياه العرب فعلنا فقال رسول الله


(1) بفتح الصاد تثنية صرى وهو الماء الذى يطول استنقاعه. (*)

[ 204 ]

صلى الله عليه وسلم ما اسأتم في الرد إذ فصحتم في الصدق وان دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه ارأيتم ان لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله ارضهم وديارهم واموالهم ويفرشكم نساءهم اتسبحون الله وتقدسونه فقال النعمان بن شريك اللهم لك ذا فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (يأيها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا) ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدى فقال يا أبا بكر يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتجازون فيما بينهم قال ثم دفعنا إلى مجلس الاوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا صدقا صبرا ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله يدعو إلى دين الله ويأمر به كل من لقيه ورآه من العرب إلى ان قدم سويد بن الصامت أخو بنى عمرو بن عوف من الاوس فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فلم يبعد ولم يجب ثم انصرف إلى يثرب فقتل في بعض حروبهم. قال ابن إسحق فان كان رجال من قومه ليقولون إنا لنراه قد قتل وهو مسلم. وقدم مكة أبوالحيسر أنس بن رافع في فتية من قومه بنى عبد الاشهل يطلبون الحلف فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فقال رجل منهم اسمه اياس بن معاذ وكان شابا يا قوم هذا والله خير مما قدمنا له فضربه أبوالحيسر وانتهره فسكت ثم لم يتم لهم الحلف فانصرفوا إلى بلادهم ومات اياس بن معاذ فقيل انه مات مسلما.

[ 205 ]

(بدء اسلام الانصار وذكر العقبة الاولى) والانصار بنو الاوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء ابن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الازد دراء (1) بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ عامر بن يشجب بن يعرب بن يقطن قحطان. قال ابن اسحق فلما أراد الله اظهار دينه واعزاز نبيه وانجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذى لقى فيه النفر من الانصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا فقال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالى يهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الاسلام وكان مما صنع الله بهم في الاسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل علم وكتاب وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شئ قالوا لهم إن نبيا مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وارم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض تعلموا والله انه للنبى الذى توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا له إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فان يجمعهم الله عليك


(1) بكسر الدال المهملة وفتح الراء مهموز ممدود. (*)

[ 206 ]

فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا. وهم فيما ذكر لى ستة نفر من الخزرج ثم من بنى النجار وهم تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الاكبر اسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار. وعوف بن الحرث بن رفاعة بن الحرث بن سواد بن غنم بن مالك ابن النجار. وابن سعد يقول سواد بن مالك بن غنم بن مالك وهو ابن عفراء. ومن بنى زريق رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق. ومن بنى سواد بن غنم بن كعب بن سلمة قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد. ومن بنى سلمة بن سعد بن على بن اسد بن شاردة بن تزيد بن جشم ثم من بنى حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام. ومن بنى عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة جابر بن عبدالله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد. قال أبو عمر ومن أهل العلم بالسير من يجعل فيهم عبادة بن الصامت ويسقط جابر بن رئاب والله أعلم.

[ 207 ]

(ذكر العقبة الثانية) حتى إذا كان العام المقبل قدم مكة من الانصار اثنا عشر رجلا منهم خمسة من الستة الذين ذكرناهم أبو أمامة وعوف بن عفراء ورافع بن مالك وقطبة وعقبة، وبقيتهم معاذ بن الحرث بن رفاعة وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور. وذكوان ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد (1) بن عامر بن زريق الزرقى، وذكروا انه رحل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فسكنها فهو مهاجري أنصارى قتل يوم أحد. وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج. ومن بنى سالم بن عوف بن عمر بن عوف بن الخزرج العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم. ومن حلفائهم يزيد بن ثعلبة بن خزمة - بسكون الزاى والطبري يفتحها - بن أصرم بن عمرو ابن عمارة - بفتح العين وتشديد الميم - بن مالك من بنى فزارة من بلى ومن الاوس بن حارثة أخى الخزرج ثم من بنى جشم أخى عبد الاشهل بن جشم بن الحرت بن الخزرج من يعده مولى لهم ابن عمرو بن مالك بن الاوس أبو الهيثم مالك بن التيهان - أهل الحجاز يخففون الياء وغيرهم يشددها - بن مالك بن عمرو بن زيد بن جشم بن عمرو بن جشم ومن الناس من يعده مولى لهم من بلى. ومن بنى أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس عويم بن ساعدة بن عايش بن قيس بن النعمان بن


(1) " خلدة " بفتح الخاء وسكون اللام وفتح الدال، " مخلد " بضم الميم وفتح الخاء وفتح اللام المشددة. (*)

[ 208 ]

زيد بن أمية بن زيد بن أمية بن زيد فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء عند العقبة على بيعة النساء ولم يكن أمر القتال بعد. أخبرنا احمد بن يوسف السماوي بقراءة والدى عليه سنة ست وسبعين قال أنا أبو روح المطهر بن أبى بكر البيهقى سماعا عليه قال أنا أبو بكر الطوسى قال أنا نصر الله بن أحمد الخشنامى قال أنا أحمد بن الحسن النيسابوري قال أنا محمد بن أحمد ثنا محمد بن يحيى الذهلى ثنا عبد الرزاق قال أنا معمر عن الزهري عن أبى إدريس الخولانى عن عبادة بن الصامت قال بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرا أنا منهم فتلا عليهم آية النساء لا تشركوا بالله شيئا ثم قال ومن وفى فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو طهر له أو قال كفارة ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. رواه البخاري. حدثنى إسحق بن منصور قال أنا يعقوب ابن ابراهيم ثنا ابن اخى ابن شهاب عن عمه فذكره بمعناه فلما انصرفوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يعلم (1) من أسلم منهم القرآن ويدعو من لم يسلم إلى الاسلام فنزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة وكان مصعب بن عمير يدعى المقرئ والقارئ وكان يؤمهم وذلك أن الاوس والخزرج كره بعضهم ان يؤمه بعض فجمع بهم أول جمعة جمعت في الاسلام. وعند ابن إسحق أول من جمع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة. روينا عن أبى عروبة ثنا هاشم بن القاسم ثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال بلغنا ان أول ما جمعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع بالمسلمين مصعب ابن عمير بن عبد مناف. وبه قال ثنا هاشم ثنا ابن وهب قال أخبرني ابن جريج عن سليمان بن موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه يأمره بذلك. وروينا من طريق أبى داود ثنا قتيبة بن سعيد ثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحق عن


(1) في الظاهرية " يعلمان ". (*)

[ 209 ]

محمد بن أبى أمامة بن سهل عن أببه عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك - وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره - عن أبيه كعب بن مالك انه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لاسعد بن زرارة فقلت له إذا سمعت النداء ترحمت لاسعد بن زرارة فقال لانه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بنى بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات قلت كم أنتم يومئذ قال أربعون. بقيع الخضمات بالباء وقع في هذه الرواية وقيده البكري بالنون (1)، وقال هزم النبيت جبل على بريد من المدينة. قال السهيلي تجميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة وتسميتهم إياها بهذا الاسم هداية من الله لهم قبل أن يؤمروا بها ثم نزلت سورة الجمعة بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فاستقر فرضها واستمر حكمها ولذلك قال عليه السلام أضلته اليهود والنصارى وهداكم الله له. وذكر عبد بن حميد ثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل ان تنزل الجمعة الحديث. وروى الدارقطني عن ابن عباس إذن النبي صلى الله عليه وسلم بها لهم قبل الهجرة. وقد روينا من طريق أبى عروبة الاثر عن سليمان بن موسى بذلك (2).


(1) قال في النهاية: نقيع الخضمات هو موضع بنواحي المدينة. (2) هنا في هامش الاصل: بلغ مقابلة لله الحمد. (*)

[ 211 ]

(ذكر اسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير) على يدى معصب بن عمير قال ابن اسحق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب و عبدالله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد دار بنى الاشهل ودار بنى ظفر فدخل حائطا (1) من حوائط بنى ظفر فجلسا فيه واجتمع اليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لاسيد بن حضير لا أبا لك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا فانه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما فأخذ أسيد ابن حضير حربته ثم أقبل اليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال المصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه ثم قال مصعب إن يجلس هذا أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما الينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما ان ورائي رجلان ان اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما الآن وهو سعد بن معاذ ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد


(1) أي بستانا. (*)

[ 212 ]

وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم فلما وقف على النادى قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما باسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك فقام سعد مغضبا مبادرا تخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة فأخذ الحربة من يده وقال والله ما أراك أغنيت عنا شيئا ثم خرج اليهما فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لاسعد بن زرارة يا أبا امامة أما والله لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت منى هذا أتغشانا في دارينا بما نكره، وقد قال أسعد ابن زرارة لمصعب بن عمير أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان قال فقال له مصعب أو تقعد فتسمع فان رضيت أمرا قبلته وان كرهته عزلنا عنك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن قالا فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم ثم قال لهما كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تركع ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه ثم شهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادى قومه ومعهم أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع اليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بنى عبد الاشهل كيف تعلمون أمرى فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة (1) قال فان كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى


(1) قال أبو عبيد: يقال فلان ميمون النقيبة إذا كان مبارك النفس. وقال ابن السكيت إذا كان ميمون الامر بنجح فيما يحاول، وقال ثعلب إذا كان ميمون المشورة. (*)

[ 213 ]

في دار بنى عبد الاشهل رجل ولا إمرأة إلا مسلما أو مسلمة. قال أبو عمر حاشى الاصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش فانه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة. رجع إلى ابن إسحق قال ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الاسلام حتى لم يبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من الاوس بن حارثة، قال أبو عمر وكانوا سكانا في عوالي المدينة فأسلم منهم قوم وكان سيدهم أبو قيس صيفي بن الا سلب فتأخر إسلامه وإسلام سائر قومه إلى أن مضت بدر وأحد والخندق ثم أسلموا كلهم. ورأيت في التاريخ الاوسط للبخاري أن أهل مكة سمعوا هاتفا يهتف قبل إسلام سعد بن معاذ: فان يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف فحسبوا أنه يريد القبيلتين سعد هزيم من قضاعة وسعد بن زيد مناة بن تميم حتى سمعوه يقول: فيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعى الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف في أبيات وقد روينا ذلك أطول من هذا.

[ 215 ]

(ذكر البراء بن معرور وصلاته إلى القبلة) وذكر العقبة الثالثة قال ابن اسحق ثم ان مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الانصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق فحدثني معبد بن كعب بن مالك ان أخاه عبدالله وكان من أعلم الانصار حدثه أن أباه كعبا حدثه وكان ممن يشهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها قال خرجنا من حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا يا هؤلاء إنى قد رأيت رأيا والله ما أدرى أتوافقوني عليه أم لا قال قلنا وما ذاك قال رأيت أن لا أدع هذه البنية منى بظهر يعنى الكعبة وأن أصلى إليها قال قلنا والله وما بلغنا أن نبينا يصلى إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه قال فقال إنى لمصل إليها قال قلنا له لكنا (1) لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال وقد كنا عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الاقامة على ذلك قال فلما قدمنا مكة قال لى يا ابن أخى انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فانه والله لقد وقع في نفسي منه شئ لما رأيت من خلافكم إياى فيه قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من


(1) في نسخة " والله " مكان " لكنا ". (*)

[ 216 ]

أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تعرفانه قلنا: لا قال: فهل تعرفان العباس بن عبدالمطلب عمه قلنا: نعم قال: وكنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فإذا دخلتما المسجد هو الرجل الجالس مع العباس قال فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم معه فسلمنا ثم جلسنا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال: نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر قال نعم قال فقال له البراء بن معرور يا نبى الله إنى خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للاسلام فرأيت أن لا أجعل هذه البنية منى بظهر فصليت إليها وخالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شئ فماذا ترى يا رسول الله قال لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى إلى الشام وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس كما قالوا نحن أعلم به منهم ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من واسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا فنمنا (1) تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا إمرأتان من نسائنا


(1) في نسخة " فمكثنا " مكان " فنمنا ". (*)

[ 217 ]

نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بنى مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو ابن عدى بن نابى إحدى نساء بنى سلمة وهى أم منيع قال فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبدالمطلب وهو يومئذ على دين قومه الا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول من تكلم فقال يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحى من الانصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وانه قد أبى إلا الانحياز اليكم واللحوق بكم فان كنتم ترون انكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وان كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به اليكم فمن الآن فدعوه فانه في عز ومنعة من قومه وبلده قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام ثم قال أبايعكم على ان تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء ابن معرور بيده ثم قال نعم والذى بعثك بالحق لمنعنك مما نمنع منه نساءنا ازرنا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة (1) ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله ان بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها يعنى اليهود فهل عسيت ان نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم انا منكم وأنتم منى أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا إلى منكم


(1) أي الدروع. (*)

[ 218 ]

اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس فمن الخزرج ثم من بنى النجار أسعد بن زرارة بن عدس ومن بنى مالك الاغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحرث بن الخزرج عبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الاكبر بن مالك الاغر. وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الاغر. ومن بنى زريق رافع بن مالك بن العجلان. ومن بنى سلمة ثم بنى حرام عبدالله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام. ومن بنى عبيد بن عدى ابن غنم بن كعب بن سلمة البراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد. ومن بنى طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبى خزيمة بن ثعلبة بن طريف. ومن بنى ثعلبة بن الخزرج أخى طريف المنذر بن عمرو بن خنيس بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة. ومن بنى غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت. ومن الاوس ثم من بنى عبد الاشهل بن جشم بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد ابن عبد الاشهل. ومن بنى السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس سعد بن خيثمة بن الحرث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب ابن حارثة بن غنم بن السلم. ومن بنى أمية بن زيد رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر (1) بن زيد بن أمية. قال ابن هشام وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة. وروينا عن أبى بكر البيهقى بسنده إلى مالك قال فحدثني شيخ من الانصار أن جبريل عليه السلام كان يشير له إلى من يجعله نقيبا. وقد قيل إن الذى تولى الكلام مع الانصار وشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسعد ببن زرارة. وروينا من


(1) بفتح الزاى وسكون النون وفتح الباء وآخره راء. (*)

[ 219 ]

طريق العدنى ثنا يحيى بن سليم عن ابن خيثم عن أبى الزبير عن جابر فذكر حديث العقبة وفيه فأخذه بيده يعنى النبي صلى الله عليه وسلم أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين إلا أنا فقال رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطى إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وان اخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وان تعضكم السيوف فأما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ومفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله وأما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله فقالوا يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها الحديث. وقيل بل العباس بن عبادة بن نضلة. روينا عن ابن اسحق قال حدثنى عاصم ابن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة يا معشر الخزرج انكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس فذكر نحو ما تقدم قال فأما عاصم فقال والله ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأما عبدالله بن أبى بكر فقال ما قال ذلك العباس إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبدالله بن أبى بن سلول فيكون أقوى لامر القوم فالله أعلم أي ذلك كان. وكانت هذه البيعة على حرب الاسود والاحمر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه واشترط عليهم لربه وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة فأول المبايعين فيها مختلف فيه: فرويناه عن ابن اسحق من طريق البكائى ومن طريق أبى عروبة عن سليمان ابن سيف عن سعيد بن بزيع عنه قال بنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو عبد الاشهل مالك بن النجار سهل بن عتيك بن النعمان بن زيد بن معاوية بن عمرو بن عتيك ابن عمرو بن عامر. ومن بنى حديلة (1) أبى بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن


(1) بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة (*)

[ 220 ]

معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وحديلة أم معاوية بن عمرو وهى ابنة مالك ابن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ولم يذكره ابن اسحق. ومن بنى مغالة وهم بنو عدى بن عمرو بن مالك بن النجار أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدى أبو طلحة زيد بن سهل بن الاسود بن حرام. ومن بنى مازن بن النجار قيس بن أبى صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول وابن هشام يقول: هو غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء، وغيرهما يثبتهما معا. ومن بنى الحرث بن الخزرج عبدالله بن رواحة سعد بن الربيع خارجة بن يزيد بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس ابن مالك الاغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس - بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام للدارقطني وبكسرها وتخفيف اللام عند غيره - ابن زيد (1) بن مناة بن مالك الاغر خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة ابن امرئ القيس بن مالك الاغر عبدالله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه بن زيد الحرث بن الخزرج. وبعضهم يقول في زيد زيد مناة وابن عمارة يسقط ثعلبة صاحب الاذان. ومن بنى الابجر خدرة بن عوف بن الحرث بن الخزرج عبدالله بن ربيع ابن قيس بن عامر بن عباس الابجر. ومن بنى أخيه خدارة بن عوف عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة بن عطية بن خدارة بن عوف بن الحرث أبو مسعود وكان أحدثهم سنا، وابن إسحق يسقط منه عطية، وأسيرة عنده بالياء يسيرة وذكرها الدارقطني وأبو بكر الخطيب عن ابن اسحق نسيرة بالنون المضمومة ووهم الامير وابن عبد البر من قال ذلك، وأما ابن عقبة فقال أسيرة بفتح الهمزة وكذلك اختلفوا في تقييد عسيرة فمنهم من يفتح العين ويكسر السين ومنهم من


(1) في نسخة " يزيد " ولعله خطأ. (*)

[ 221 ]

يفتح السين وبضم العين، وخدارة منهم من يقولها بالجيم ومنهم من يقولها بالخاء المعجمة والذين يقولونها بالجيم منهم من يضمها ومنهم من يكسرها. ومن بنى زريق ابن عبد حارثة رافع بن مالك بن العجلان ذكوان بن عبد قيس عباد بن قيس ابن عامر بن خالد بن عامر بن زريق بدل الحرث بن قيس بن خالد بن مخلد بن عامر بن زريق وعند ابن الكلبى خلدة بدل خالد. ومن بنى بياضة بن عامر بن زريق زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدى بن أمية بن بياضة فروة ابن عمرو بن ودقة بن عبيد بن عامر بن بياضة خالد بن قيس بن مالك بن العجلان ابن عامر بن بياضة. ومن بنى سلمة ثم من بنى عبيد البراء بن معرور وابنه بشر سنان بن صيفي بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد الطفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان بن عبيد. قال ابن سعد لا أحسبه إلا وهما ومعقل ويزيد ابنا المنذر بن سرح بن خناس بن سنان بن عبيد ومسعود بن يزيد بن سبيع بن خنساء بن سنان بن عبيد والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عبيد ويزيد بن خدام - وبعضهم يقول حرام - بن سبيع بن خنساء بن سنان بن عبيد، وجبار (1) بن صخر بن امية بن خنساء بن سنان بن عبيد ويقال خناس والطفيل بن مالك بن خنساء بن سنان بن عبيد. ومن بنى سلمة أيضا ثم من بنى سواد ثم من بنى كعب ابن سواد كعب بن مالك بن أبى كعب بن القين، وعند غيره كعب بن أبى كعب بن عمرو بن القين بن كعب بن سواد رحل. ومن بنى غنم بن سواد قطبة ابن عامر بن حديدة وأخوه يزيد بن عمرو بن حديدة أبو اليسر كعب بن عمرو ابن عباد بن عمرو بن غنم صيفي بن سواد بن عباد المذكور خمسة. ومن بنى نابى ابن عمرو بن سواد ثعلبة بن غنمة بن عدى بن نابى أخوه عمر وعبس بن عامر ابن عدى بن نابى خالد بن عمرو بن عدى بن نابى عبدالله بن أنيس بن أسعد


(1) بفتح الجيم والباء الموحدة المشددة. (*)

[ 222 ]

ابن حرام بن حبيب بن مالك بن غنم بن كعب بن تيم بن بهثة بن ناشزة بن يربوع بن البرك وبرة والبرك دخل في جهينة حليف لهم. وعند أبى عمر تيم بن نفاثة (1) ابن اياس بن يربوع خمسة وعامر بن نابى أبو عقبة المذكور في العقبة الاولى ذكره ابن الكلبى، وعمير بن عامر بن نابى شهد المشاهد كلها قاله ابن الكلبى، قال الدمياطي ولم أر من تابعه على ذكر عمير في الصحابة. ومن بنى سلمة ثم من بنى حرام عبدالله بن عمرو بن حرام ابنه جابر ثابت بن الجذع (2) ثعلبة بن زيد ابن الحرث بن حرام عمير وقيل عمرو بن الحرث بن ثعلبة بن الحرث بن حرام، وابن هشام يقول لبدة بدل ثعلبة عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام ابنه معاذ. ولم يذكر ابن إسحق عمر لخديج بن سلامة بن أوس بن عمرو بن كعب بن القراقر بن الضحيان أبوشبات (3) حليف لهم من قضاعة سبعة. ومن بنى أدى بن سعد أخى سلمة بن سعد معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدى بن كعب بن عمرو بن أدى عداده في بنى سلمة لانه كان أخا سهل بن محمد بن الجند ابن قيس بن صخر بن سنان بن عبيد لامه. ومن بنى غنم بن عوف أخى سالم الحبلى عبادة بن الصامت العباس بن عبادة بن نضلة يزيد بن ثعلبة البلوى حليفهم عمرو بن الحرث بن لبدة بن عمرو بن ثعلبة مالك بن الدخشم بن مالك ابن الدخشم بن مرضخة بن غنم وأبو معشر ينكر شهوده العقبة خمسة وهم من القواقل. ومن بنى الحبلى سالم رفاعة بن عمرو بن زيد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن سالم وابنه مالك بن رفاعة ذكره الاموى، وعقبة بن وهب بن كلدة بن الجعد بن هلال بن الحارث بن عمرو بن عدى بن جشم بن عوف بن بهثة بن


(1) بضم النون وثاء مثلثة. (2) بكسر الجيم وسكون الذال. (3) الضحيان بفتح الضاد وسكون الحاء، ابن شباث بضم الشين وفتح الباء. (*)

[ 223 ]

عبدالله بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان حليف لهم ثلاثة. ومن بنى ساعدة سعد بن عبادة المنذر بن عمرو والمرأتان من بنى مازن بن النجار نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن أم عمارة. ومن بنى سلمة أم منيع أسماء بنت عمرو بن عدى بن نابى. قال أبو عمر وقد ذكر بعض أهل السير فيهم أوس بن عباد بن عدى في بنى سلمة. (ذكر فوائد تتعلق بخبر هذه العقبة) قول البراء نمنعك مما نمنع منه أزرنا: العرب تكنى عن المرأة بالازار وتكنى به أيضا عن النفس وتجعل الثوب عبارة عن لابسه ويحتمل هنا الوجهين. قاله السهيلي. قال ومعرور معناه مقصود ورأيت بخط جدى أبى بكر محمد بن احمد رحمه الله: البراء في اللغة ممدود: آخر ليلة من الشهر وبها سمى البراء بن معرور وكانت العرب تسمى بما تسمعه حال ولادة المولود. قلت وابنه بشر بن البراء الذى سوده رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنى سلمة كما ذكر ابن اسحق وكما أنبأنا محمد بن أبى الفتح الصوري بقراءة الحافظ أبى الحجاج المزى عليه وأنا أسمع أخبركم أبو القاسم بن الحرستانى قراءة عليه وأنتم تسمعون فأقر به قال أنا أبو الحسن بن قبيس قال أنا أبو الحسن بن أبى الحديد قال أنا جدى أبو بكر قال أنا أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي ثنا أبو بكر احمد بن منصور الرمارى ثنا عبد الرزاق قال أنا معمر عن الزهري عن أبى بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبنى ساعدة من سيدكم قالوا جد بن قيس قال بم سودتموه

[ 224 ]

قالوا انه أكثرنا مالا وانا على ذلك لنزنه (1) بالبخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأى داء أدوا من البخل قالوا فمن قال سيدكم بشر بن البراء بن معرور وكان أول من استقبل القبلة (2) حيا وميتا وكان يصلى إلى الكعبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى إلى بيت المقدس فأطاع النبي صلى الله عليه وسلم فلما حضره الموت قال لاهله استقبلوا بى الكعبة كذا روينا في هذا الخبر. وروينا عن عمرو بن دينار ومحمد ابن المنكدر والشعبى من طريق ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بل سيدكم الجعد الابيض عمرو بن الجموح. وذكره السهيلي عن الزهري، والذى وقع لنا عن الزهري كرواية ابن اسحق وأنشد أبو عمر (3) في ذلك لشاعر الانصار: وقال رسول الله والحق قوله * لمن قال منا من تعدون سيدا فقلنا له جد بن قيس على التى * نبخله فيها وما كان أسودا فسود عمرو بن الجموح لجوده * وحق لعمرو بالندى أن يسودا في أبيات ذكرها. وقد بقى علينا في الخبر الذى أسندناه آنفا موضعان ينبغى التنبيه عليهما أحدهما قوله لبنى ساعدة وليس بشئ ليس في نسب هؤلاء ساعدة هم بنو سلمة ابن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج. والثانى قوله في بشر بن البراء وكان أول من استقبل الكعبة حيا وميتا وإنما ذلك أبو البراء غير شك. كذلك رويناه فيما سلف وكذلك رويناه عن أبى عروبة ثنا ابن شبيب ثنا عبد الرزاق قال أنا معمر قال قال الزهري: البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيا وميتا. وذكر يزيد بن خزام هو عند ابن اسحق وعند موسى


(1) أي: نتهمه. (2) في نسخة " الكعبة ". (3) في الاصل " أبو عمرو ". (*)

[ 225 ]

ابن عقبة يزيد بن خدارة وعند أبى عمر يزيد بن حرام ويزيد بن خزمة - بسكون الزاى عند ابن اسحق وابن الكلبى وفتحها الطبري - وهو يزيد بن ثعلبة ابن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة - بفتح العين وتشديد الميم. وفروة بن عمرو بن وذقة عند ابن اسحق بالذال المعجمة وقال ابن هشام بالدال المهملة ورجحه السهيلي فسر الودقة بالروضة الناعمة. وقال وإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم النقباء اثنى عشر اقتداء بقوله سبحانه في قوم موسى (وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا) وقوله يا أهل الجباجب يعنى منازل منى. وأزب العقبة شيطان. وقوله بل الدم الدم والهدم الهدم: قال ابن هشام الهدم بفتح الدال، وقال ابن قتيبة كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار دمى دمك وهدمى هدمك أي ما هدمت من الدماء هدمته أنا قال ويقال ايضا بل اللدم اللدم والهدم الهدم وأنشد: * ثم الحقى بهدمي ولدمي * فاللدم جمع لادم وهم أهله الذين يلتدمون عليه إذا مات وهو من لدمت صدره إذا ضربته. والهدم قال ابن هشام الحرمة وإنما كنى عن حرمة الرجل وأهله بالهدم لانهم كانوا أهل نجعة وارتحال ولهم بيوت يستخفونها يوم ظعنهم فكلما ظعنوا هدموها، والهدم بمعنى المهدوم كالقبض ثم جعلوا الهدم وهو البيت المهدوم عبارة عما حوى ثم قالوا هدمي هدمك أي رحلتي رحلتك.

[ 227 ]

(ذكر الهجرة إلى المدينة) قال ابن اسحق فلما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة العقبة وكانت سرا عن كفار قومهم وكفار قريش أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالا أولهم فيما قيل أبو سلمة ابن عبد الاسد المخزومى وحبست عنه امرأته أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم بمكة نحو سنة ثم أذن لها بنو المغيرة الذين حبسوها في اللحاق بزوجها فانطلقت وحدها مهاجرة حتى إذا كانت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بنى عبد الدار وكان يومئذ مشركا فشيعها حتى أوفى على قرية بنى عمرو بن عوف بقباء قال لها هذا زوجك في هذه القرية ثم انصرف راجعا إلى مكة فكانت تقول ما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن ابى طلحة. وقد قيل إن أول المهاجرين مصعب بن عمير. روينا عن أبى عروبة ثنا ابن بشار وابن المثنى قالا ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبى اسحق قال سمعت البراء يقول كان أول من قدم المدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ثم عامر ابن ربيعة حليف بنى عدى بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم. قال أبو عمر وهى أول ظعينة دخلت من المهاجرات المدينة. وقال موسى بن عقبة وأول امرأة دخلت المدينة أم سلمة ثم عبدالله بن جحش بن رئاب بأهله وأخيه عبد بن جحش أبى أحمد وكان ضريرا وكان منزلهما ومنزل أبى سلمة وعامر على مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بقباء في بنى عمرو بن عوف. قال أبو عمر وهاجر

[ 228 ]

جميع بنى جحش بنسائهم فعدا أبو سفيان على دارهم فتملكها وكانت الفارعة بنت أبى سفيان بن حرب تحت أبى احمد بن جحش، وزاد غير أبى عمر فباعها من عمرو ابن علقمة أخى بنى عامر بن لؤى فذكر ذلك عبدالله بن جحش لما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضى يا عبدالله أن يعطيك الله بها دارا في الجنة خيرا منها قال بلى قال فذلك لك فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة كلمه أبو أحمد في دارهم فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس لابي احمد يا أبا احمد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا في شئ أصيب منكم في الله فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. رجع إلى خبر ابن إسحق: وكان بنو غنم بن دودان أهل اسلام قد أوعبوا (1) إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة رجالهم ونساءهم عكاشة بن محصن ابن حرثان بن قيس بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة أبو محصن حليف بنى أمية وأخوه عمرو بن محصن وشجاع وعقبة ابنا وهب بن ربيعة ابن أسد بن صهيب بن مالك بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وأربد بن جميرة - وقال ابن هشام حميرة بالحاء وهو عند ابن سعد حمير - ومنقذ بن نباتة بن عامر بن غنم بن دودان (2) وسعيد بن رقيش ومحرز بن نضلة بن عبدالله ابن مرة بن كبير بن غنم وزيد بن رقيش وقيس بن جابر ومالك بن عمرو وصفوان ابن عمرو وثقف بن عمرو حليف بنى عبد شمس وربيعة بن أكتم بن سخبرة ابن عمرو بن لكيز بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد والزبير بن عبيدة وتمام ابن عبيدة وسخبرة بن عبيدة ومحمد بن عبدالله بن جحش. ومن نسائهم زينب


(1) أي: خرجوا جميعهم. (2) في نسخة زيادة " ابن اسد ". (*)

[ 229 ]

بنت جحش وام حبيبة بنت جحش وجد امة بنت جندل وأم قيس بنت محصن وأم حبيبة بنت ثمامة وآمنة بنت رقيش وسخبرة بنت تميم وحمنة بنت جحش. وقال أبو عمر ثم خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبى ربيعة في عشرين راكبا فقدموا المدينة فنزلوا في العوالي في بنى أمية بن زيد وكان يصلى بهم سالم مولى أبى حذيفة وكان أكثرهم قرآنا وكان هشام بن العاص بن وائل قد أسلم وواعد عمر بن الخطاب أن يهاجر معه وقال تجدني أو أجدك عند إضاءة بنى غفار ففطن لهشام قومه فحبسوه عن الهجرة. ثم إن أبا جهل والحرث بن هشام - ومن الناس من يذكر معهما أخاهما العاصى بن هشام - خرجا حتى قدما المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فكلما عياش بن أبى ربيعة وكان أخاهما لامهما وابن عمهما وأخبراه أن أمه قد نذرت أن لا تغسل رأسها ولا تستظل حتى تراه فرقت نفسه وصدقهما وخرج راجعا معهما فكتفاه في الطريق وبلغا به مكة فحبساه بها إلى أن خلصه الله تعالى بعد ذلك بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له في قنوت الصلاة اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبى ربيعة. قال ابن إسحق فحدثني بعض آل عياش بن أبى ربيعة أنهما حين دخلا مكة دخلا به نهارا موثقا ثم قالا يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال ابن هشام وحدثني من أثق به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة من لى بعياش بن أبى ربيعة وهشام بن العاص فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة أنا لك يا رسول الله بهما فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا فلقى امرأة تحمل طعاما فقال لها أين تريدين يا أمة الله قالت أريد هذين المحبوسين تعنيهما فتبعها حتى عرف موضعهما وكانا محبوسين في بيت لا سقف له فلما أمسى تسور عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما فكان يقال السيف ذو المروة لذلك ثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت أصبعه فقال:

[ 230 ]

هل أنت إلا أصبع دميت * وفى سبيل الله ما لقيت ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. قال ابن اسحق ونزل عمر بن الخطاب حين قدم المدينة ومن لحق به من أهله وقومه وأخوه زيد بن الخطاب وعمرو و عبدالله ابنا سراقة ابنا المعتمر بن أنس بن اداة بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب وخنيس بن حذافة السهمى وكان صهره على ابنته حفصة بنت عمر بن الخطاب خلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وواقد بن عبدالله التميمي حليف لهم وخولى بن أبى خولى ومالك بن أبى خولى واسم أبى خولى عمرو بن زهير قيل جعفى وقيل عجلى وقيل غير ذلك حليفان لهم وبنو البكير اربعتهم إياس وعاقل وعامر وخالد حلفاؤهم من بنى سعد بن ليث على رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر في بنى عمرو بن عوف بقباء وقد كان منزل عياش بن أبى ربيعة معه عليه حين قدما المدينة ثم تتابع المهاجرون فنزل طلحة بن عبد الله وصهيب بن سنان على خبيب ابن اساف ويقال بل نزل طلحة على سعد بن زرارة أخى بنى النجار كذا قال ابن سعد وإنما هو أسعد. قال ابن هشام وقد ذكر لى عن أبى عثمان النهدي أنه قال بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذى بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك لا والله لا يكون ذلك فقال لهم صهيب أرأيتم ان جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى قالوا نعم فقال فانى قد جعلت لكم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ربح صهيب ربح صهيب. قال ابن اسحق ونزل حمزة بن عبدالمطلب وزيد بن حارثة وأبو مرثد كناز بن الحصين بن يربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طريف بن جلان بن غنم بن غنى بن يعصر الغنوى كذا ذكره أبو عمر عن ابن اسحق. وأما ابن الرشاطى فقال حصين بن عمرو بن يربوع بن طريف بن خرشة بن

[ 231 ]

عبيد بن سعد بن عوف بن كعب بن جبلان بن غنم بن غنى وابنه مرثد وأنسة وأبو كبشة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن هدم أخى بنى عمرو ابن عوف بقباء ويقال بل نزلوا على سعد بن خيثمة ويقال بل نزل حمزة بن عبدالمطلب على أسعد بن زرارة ونزل عبيدة بن الحرث وأخواه الطفيل والحصين ومسطح بن أثاثة واسمه عمرو بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصى وسويبط بن سعد بن حرملة وطليب بن عمير وخباب مولى عتبة بن غزوان على عبدالله بن سلمة أخى بنى العجلان بقباء ونزل عبدالرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبى رهم على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ ونزل أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولى أبى حذيفة وعتبة بن غزوان على عباد بن بشر بن وقش ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت أخى حسان ويقال بل نزل الاعزاب من المهاجرين على سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه أحد من المهاجرين إلا من حبس أو افتتن إلا على بن أبى طالب وأبو بكر، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر أن يكون هو. (1)


(1) هنا في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 233 ]

(ذكر يوم الزحمة) قال ابن اسحق: ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منعة فحزروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة وهى دار قصى ابن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبدالله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر أبى الحجاج وغيره ممن لا أتهم عن عبدالله بن عباس قال لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غدوا في اليوم الذى اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم ابليس لعنه الله في هيئة شيخ جليل عليه بت (1) له فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذى اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا أجل فادخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش من بنى عبد شمس عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب. ومن بنى نوفل ابن عبد مناف طعيمة بن عدى وجبير بن مطعم والحرث بن عمرو بن نوفل.


(1) بفتح الباء الموحدة هو الكساء الغليظ المربع، وقيل الطيلسان من خز ونحوه، وقيل كساء من الصوف. (*)

[ 234 ]

ومن بنى عبد الدار بن قصى النضر بن الحرث بن كلدة. ومن بنى أسد بن عبد العزى أبوالبخترى بن هشام وزمعة بن الاسود وحكيم بن حزام. ومن بنى مخزوم أبو جهل بن هشام. ومن بنى سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج. ومن بنى جمح أمية ابن خلف أو من كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فاجمعوا فيه رأيا قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم احبسوه في الحديد واغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهير والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم قال الشيخ النجدي لا والله ما هذا لكم برأى والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه فلاوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأى فانظروا إلى غيره فتشاوروا ثم قال قائل منهم نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت، قال الشيخ النجدي والله ما هذا لكم برأى ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حى من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله وحديثه حتى يبايعوه ثم يسير بهم اليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد أدبروا فيه رأيا غير هذا قال فقال أبو جهل بن هشام والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم ؟ قال أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه فانهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل فعقلناه

[ 235 ]

لهم قال يقول الشيخ النجدي القول ما قال هذا الرجل هذا الرأى ولا أرى غيره فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه قال فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلى بن أبى طالب نم على فراشي وتسج (1) ببردى هذا الحضرمي الاخضر فنم عليه فانه لن يخلص اليك شئ تكرهه منهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام. فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال لما اجتمعوا وفيهم أبو جهل بن هشام فقال وهم على بابه إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الاردن وان لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها قال وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال نعم أنا اقول ذلك وأنت أحدهم وأخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات (يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم) إلى قوله (فأغشيناهم فهم لا يبصرون) حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال وما تنتظرون هاهنا قالوا محمدا قال قد خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته أفما ترونها بكم قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده فلم يزالوا كذلك حتى


(1) أي: تغط. (*)

[ 236 ]

أصبحوا فقال على على الفراش فقالوا والله لقد صدقنا الذى كان حدثنا فكان مما أنزل الله من القرآن في ذلك (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وقول الله تعالى (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فانى معكم من المتربصين).

[ 237 ]

(ذكر فوائد تتعلق بهذه الاخبار) قوله بقباء (1) هو مسكن بنى عمرو بن عوف على فرسخ من المدينة ويمد ويقصر ويؤنث ويذكر ويصرف ولا يصرف. وذكر في مهاجري بنى دودان بن أسد بنات جحش بن رئاب وهن زينب وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب وهى التى كانت عند زيد بن حارثة ونزلت فيها (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) وحمنة بنت جحش وهى التى كانت تحت عبدالرحمن بن عوف وأم حبيبة، وقال السهيلي أم حبيب، وحكاه أبو عمر وقال هو قول أكثرهم، وكان شيخنا الحافظ أبو محمد عبدالمؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله يقول أم حبيب حبيبة، وأما الحافظ أبو القاسم بن عساكر فعنده أم حبيبة واسمها حمنة فهما اثنتان على هذا فقط ولم أجد في جمهرة ابن الكلبى وكتاب أبى محمد بن حزم في النسب غير زينب وحمنة، والسهيلى يقول كانت زينب عند زيد بن حارثة وأم حبيب تحت عبدالرحمن بن عوف وحمنة تحت مصعب بن عمير. قال ووقع في الموطأ وهم أن زينب كانت تحت عبدالرحمن بن عوف ولم يقله أحد والغلط لا يسلم منه بشر غير أن شيخنا أبا عبدالله محمد بن نجاح أخبرنا أن أم حبيب كان اسمها زينب فهما زينبان غلبت على إحداهما الكنية فعلى هذا لا يكون في حديث الموطأ وهم. وذكر جدامة بنت جندل - وهى بالدال المهملة ومن أعجمها


(1) بضم القاف. (*)

[ 238 ]

فقد صحف - قال السهيلي وأحسبها جدامة بنت وهب. قلت جدامة بنت جندل غير معروفة والذى ذكره أبو عمر جدامة بنت وهب أسلمت بمكة وهاجرت مع قومها إلى المدينة لا يعرف غير ذلك. وذكر في المهاجرين محرر بن نضلة وابن عقبة يقول فيه محرز بن وهب. وذكر في خبر يوم الزحمة تشاور قريش في أمره عليه السلام ولم يسم المشيرين وكان الذى أشار بحبسه أبوالبخترى بن هشام والذى أشار باخراجه ونفيه هو أبو الأسود ربيعة بن عمير أخو بنى عامر بن لؤى ذكره السهيلي عن ابن سلام.

[ 239 ]

(أحاديث الهجرة وتوديع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة) قرأت على أبى حفص عمر بن عبد المنعم بعربيل من غوطة دمشق أخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد الانصاري حضورا في الرابعة قال انا أبو الحسن السلمى قال انا أبو نصر الحسين بن محمد بن احمد بن طلاب الخطيب قال انا ابن جميع ثنا ابراهيم بن معاوية ثنا عبدالله بن سليمان ثنا نصر بن عاصم ثنا الوليد ثنا طلحة عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله إنى لاخرج منك وإنى لاعلم أنك احب بلاد الله إلى الله وأكرمها على الله تعالى ولولا أن اهلك اخرجوني منك ما خرجت منك. وكان أبو بكر يستأذنه عليه السلام في الهجرة فيثبطه ليكون معه من غير أن يصرح له بذلك كما اخبرنا الامام أبو عبدالله محمد بن ابراهيم المقدسي بقراءة والدى عليه وأنا حاضر في الرابعة وأبو عبدالله محمد بن عبدالمؤمن بقراءتي عليه بظاهر دمشق قالا أخبرنا أبو ملاعب قال أنا الارموى قال أنا يوسف بن محمد بن احمد قال أنا أبو عمر بن مهدى قال أنا ابن مخلد ثنا ابن كرامة ثنا أبو أسامة عن هشام عن ابيه عن عائشة رضى الله عنها قالت استأذن أبو بكر في الخروج من مكة حين اشتد عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أقم فقال يا رسول الله اتطمع ان يؤذن لك فيقول إنى لارجو ذلك فانتظره أبو بكر ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم آت يوم ظهرا فناداه فقال اخرج من عندك فقال يا رسول الله إنما هنا ابنتاى قال شعرت أنه قد أذن لى في الخروج فقال يا رسول الله الصحبة فقال الصحبة قال يا رسول الله عندي ناقتان قد

[ 240 ]

أعدتهما للخروج فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم احداهما وهى الجدعاء فركبها فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور فتواريا فيه وكان عامر بن فهيرة غلاما لعبدة بن الطفيل وهو أخو عائشة لامها وكانت لابي بكر منحة (1) فكان يروح بها ويغدو عليها ويصبح فيدلج إليهم ثم يسرح ولا يفطن له أحد من الرعاء فلما خرجا خرج معهما يعقبانه حتى قدم المدينة فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة. (حديث الغار) قرأت على أبى الفتح الشيباني بدمشق أخبركم الحسن بن على بن الحسين بن الحسن بن محمد بن البن الاسدي قراءة عليه وأنت تسمع قال انا جدى قال انا أبو القاسم بن أبى العلاء قال انا ابن أبى النصر قال انا خيثمة ثنا عبد الله بن احمد الدورقى ثنا مسلم بن ابراهيم ثنا عوف بن عمرو القيسي أخو رياح القيسي ثنا أبو مصعب المكى قال أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة ابن شعبة فسمعتهم يتحدثون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم على أربعين ذراعا تعجل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا له مالك قد رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت انه ليس فيه أحد فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله عزوجل قد درأ عنه.


(1) أي: غنم. (*)

[ 241 ]

(حديث الهجرة (1) وخبر سراقة بن مالك بن جعشم) روينا من طريق البخاري ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل قال ابن هشام فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لم أعقل أبوى إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد الغارة فقال أين تريد يا أبا بكر قال أبو بكر أخرجنى قومي فأريد أن أسيح في الارض فأعبد ربى قال ابن الدغنة فان مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل مع ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويتحمل الكل ويقرى الضيف ويعين على نوائب الحق فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فانا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لابي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا لابي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين


(1) هكذا العنوان في نسخة، وفى نسخة اخرى (ذكر الهجرة إلى المدينة). (*)

[ 242 ]

وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يكاد يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا كنا اجرنا أبا بكر بجوارك على ان يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا ان يفتن نساءنا وأبناءنا بهذا فان احب ان يقتصر على ان يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا ان يعلن بذلك فسله ان يرد اليك ذمتك فانا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لابي بكر الاستعلان، قالت عائشة فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال قد علمت الذى عاقدت لك عليه فاما ان تقتصر على ذلك وإما ان ترجع إلى ذمتي فانى لا احب ان تسمع العرب انى اخفرت في رجل عقدت له فقال له أبو بكر فانى أرد اليك جوارك وأرضى بجوار الله، والنبى صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين إنى رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين، وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك فانى أرجو أن يؤذن لى فقال أبو بكر هل ترجو ذلك بأبى أنت قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة فبينا نحن جلوس يوما في بيت ابى بكر في نحر الظهيرة قال قائل لابي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فدى له أبى وأمى والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابي بكر أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبى أنت يا رسول الله قال فانه قد أذن لى في الخروج فقال أبو بكر الصحابة بأبى أنت يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال أبو بكر فخذ بأبى أنت

[ 243 ]

يا رسول الله احدى راحلتي هاتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بالثمن قالت عائشة فجهزناهما أحت الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبدالله بن أبى بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من بنى الديل وهو من بنى عبد بن عدى هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمى وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم على طريق السواحل. قال ابن شهاب وأخبرني عبدالرحمن بن مالك المدلجى وهو ابن أخى سراقة بن مالك بن جعشم ان أباه اخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر دية كل واحد لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بنى مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إنى قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي ان تخرج بفرسي وهى من وراء اكمة فتحبسها على

[ 244 ]

وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه (1) وخفضت عاليه حتى أتيت فرسى فركبتها فرفعتها تقرب بى حتى دنوت منهم فعثرت بى فرسى فخررت عنها فقمت فأهويت بيدى إلى كنانتي فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها اضربهم ام لا فخرج الذى اكره فركبت فرسى وعصيت الازلام تقرب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وابو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسى في الارض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لاثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالازلام فخرج الذى اكره فناديتهم بالامان فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم ان سيظهر امر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له ان قومك جعلوا فيك الدية واخبرتهم اخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآنى ولم يسألانى الا ان قالا اخف عنا فسألته ان يكتب لى كتاب امن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لى في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا بكر ثياب بياض. وسمع المسلمون بالمدينة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما اطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم (2) لامر ينظر إليه فبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي


(1) الزج الحديدة التى في اسفل الرمح. (2) الاطم هو ببناء مرتفع. (*)

[ 245 ]

ان قال بأعلى صوته يا معاشر (1) العرب هذا جدكم الذى تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بنى عمرو بن عوف وذلك في يوم الاثنين من شهر ربيع الاول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الانصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى ابا بكر حتى اصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذى أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته فسار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا (2) للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر سعد بن زرارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا ان شاء الله تعالى المنزل ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله. وقع في البخاري في رواية ابى ذر عن ابى الهيثم الكشميهنى عن الفربرى (3) هنا زيادة فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا ابر ربنا واطهر اللهم ان الاجر أجر الآخرة * فارحم الانصار والمهاجرة


(1) في نسخة " يا معشر ". (2) المربد هو الموضع الذى يجعل فيه التمر لينشف كالبيدر للحنطة. (3) في الاصل " القوبرى ". (*)

[ 246 ]

تمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لى. قال ابن شهاب ولم يبلغنا في الاحاديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الابيات. كذا وقع في هذا الخبر ان الذى كسا رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا بكر الزبير وذكر موسى ابن عقبة انه طلحة بن عبيد الله في خبر ذكره. وروينا من طريق البخاري ان ابا بكر كان يسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم من هذا فيقول هذا الرجل يهدينى الطريق قال فيحسب الحاسب انه يعنى الطريق وانما يعنى سبيل الخير. وروينا من طريق ابن اسحق انه عليه السلام اعلم عليا بخروجه وأمره ان يتخلف بعده حتى يؤدى عنه الودائع التى كانت عنده للناس وانا ابا بكر خرج بماله كله وهو فيما قيل خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم. اخبرنا عبدالله بن احمد بن فارس ويوسف بن يعقوب بن المجاور قراءه على الاول وانا اسمع بالقاهرة وبقراءتي على الثاني بسفح قاسيون قالا ثنا أبو اليمن الكندى قال اخبرنا هبة الله بن احمد الحريري قال انا أبو طالب العشارى قال انا أبو الحسين بن سمعون ثنا عمر بن الحسن بن على بن مالك قال انا يحيى بن اسمعيل الجريرى (1) ثنا جعفر بن على ثنا سيف عن بكر بن وائل عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما احد أمن على في صحبته وذات يده من ابى بكر وما نفعني مال ما نفعني مال ابى بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابا بكر خليلا. وجهل اهل مكة الخبر عنهم إلى ان سمعوا الهاتف يهتف بالشعر الذى فيه ذكر ام معبد فعلموا انهم توجهوا نحو يثرب وانهم قد نجوا منهم.


(1) بفتح الجيم وكسر الراء نسبة إلى جرير بن عبدالله. (*)

[ 247 ]

(حديث ام معبد (1)) اخبرنا الشيخان أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف المزى بقراءه والدى عليه وابو الهيجاء غازى بن ابى الفضل بقراءتي عليه قالا انا ابن طبرزذ قال انا ابن الحصين قال انا ابن غيلان قال انا أبو بكر الشافعي ثنا محمد بن يونس القرشى ثنا عبد العزيز بن يحيى مولى العباس بن عبدالمطلب ثنا محمد بن سليمان بن سليط الانصاري قال حدثنى ابى عن ابيه عن جده ابى سليط وكان بدريا قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ومعه أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة مولى ابى بكر وابن اريقط يدلهم على الطريق مروا بأم معبد الخزاعية وهى لا تعرفهم فقال لها يا ام معبد هل عندك من لبن قالت لا والله وان الغنم لعازبة قال فما هذه الشاة التى أرى لشاة رآها في كفاء البيت قالت شاة خلفها الجهد عن الغنم قال اتأذنين في حلابها قالت لا والله ما ضربها من فحل قط فشأنك بها فدعا بها فمسح


(1) ذكر المؤلف خبر سراقة بن مالك قبل قصة ام معبد، وقد قال مغلطاى في سيرته انه عليه السلام نزل بقديد على ام معبد... فذكر قصتها ثم قال فلما راحوا من قديد تعرض لهما سراقة بن مالك المدلجى فذكر قصته. فالحاصل ان الترتيب يقتضى ذكر قصة ام معبد قبل قصة سراقة كما شرطه المؤلف في اول سيرته ولعله فعل ذلك لان خبر سراقة في الصحيح وحديث الهجرة لا ينفك عنه. وحديث ام معبد ليس كذلك ولا هو في الصحيح. (*)

[ 248 ]

ظهرها وضرعها ثم دعا باناء يربض (1) الرهط فحلب فيه فملاه فسقى اصحابه عللا بعد نهل ثم حلب فيه آخر فغادره عندها وارتحل فلما جاء زوجها عند المساء قال يا ام معبد ما هذا اللبن ولا حلوبة في البيت والغنم عازبة (2) قالت لا والله الا انه مر بنا رجل ظاهر الوضاءة متبلج الوجه في اشفاره وطف (3) وفى عينيه دعج (4) وفى صوته صحل (5) غصن بين الغصنين لا تشنأه من طول ولا تقتحمه من قصر لم تعبه ثجلة (6) ولم تزره صعلة (7) كأن عنقه ابريق فضة إذا صمت فعليه البهاء وإذا نطق فعليه وقار له كلام كخرزات النظم ازين اصحابه منظرا واحسنهم وجها اصحابه يحفون به إذا امر ابتدروا امره وإذا نهى ايتفقوا عند نهايته قال هذه والله صفة صاحب قريش ولو رأيته لاتبعته ولاجتهدن ان افعل. قال فلم يعلموا بمكة اين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر حتى سمعوا هاتفا على رأس ابى قبيس وهو يقول: جزى الله خيرا والجزاء بكفه * رفيقين قالا خيمتي ام معبد هما رحلا بالحق وانتزلا به * فقد فاز من امسى رفيق محمد فما حملت من ناقة فوق رحلها * ابر وأوفى ذمة من محمد واكسى لبرد الحال قبل ابتذاله * واعطى برأس السابح المتجرد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد


(1) أي: يرويهم حتى يناموا ويمتدوا على الارض من ربض أي اقام. (2) أي: في المرعى البعيد. (3) أي: في شعر اجفانه طول. (4) أي: شدة سواد. (5) أي: غير حاد. (6) أي: ضخم بطن. (7) أي: صغر رأس. (*)

[ 249 ]

وبه قال أبو بكر الشافعي حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان ثنا احمد بن محمد بن ايوب ثنا ابراهيم بن سعد عن محمد بن اسحق قال حدثت عن اسماء بنت ابى بكر رضى الله عنهما انها قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم اتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب ابى بكر رضى الله عنه فخرجت إليهم فقالوا اين ابوك يا بنت ابى بكر قالت قلت والله لا ادرى اين ابى قالت فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدى لطمة خرم منها قرطي قالت ثم انصرفوا فمضى ثلاث ليال ما ندرى اين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اقبل رجل من الجن من اسفل مكة يغنى بأبيات غنى بها العرب وان الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج بأعلى مكة: جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين قالا خيمتي ام معبد هما نزلا بالهدى واغتدوا به * فأفلح من امسى رفيق محمد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. وقد روينا حديث اسماء هذا متصلا من حديث هشام بن عروة عن ابيه عن اسماء اخبرناه عبدالله بن احمد بن فارس قراءة عليه وانا اسمع بالقاهرة وابو الفتح يوسف ابن يعقوب الشيباني بقراءتي عليه بسفح قاسيون قالا انا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندى قال انا أبو القاسم هبة الله بن احمد بن عمر الحريري قال انا أبو طالب محمد بن على بن الفتح قال انا أبو الحسين محمد بن احمد ثنا عمر بن الحسن بن على ابن مالك الشيباني قال انا يحيى بن اسمعيل ثنا جعفر بن على ثنا سيف عن هشام ابن عروة عن ابيه عن اسماء ابنة ابى بكر رضى الله عنهما قالت ارتحل النبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر فلبثنا اياما ثلاثة أو اربعة أو خمس ليال لا ندرى اين توجه ولا يأتينا

[ 250 ]

عنه خبر حتى اقبل رجل من الجن الحديث بنحو ما تقدم. وروينا عن ابى بكر الشافعي بالسند المتقدم ثنا بشر بن انس أبو الخبر ثنا أبو هشام محمد بن سليمان ابن الحكم بن ايوب بن سليمان بن زيد بن ثابت بن يسار الكعبي الربعي الخزاعى قال حدثنى عمى ايوب بن الحكم قال الشافعي وحدثني احمد بن يوسف بن يوسف ابن تميم البصري ثنا أبو هشام محمد بن سليمان بقديد قال حدثنى عمى ايوب بن الحكم عن حزام بن هشام عن ابيه هشام عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة فذكر نحو ما تقدم من خبر أبى سليط وذكر الابيات وزاد فيها: فيالقصى ما زوى الله عنكم * به من فعال لا تجازى وسودد سلوا أختكم عن شاتها وإناتها * فانكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت * عليه صريحا ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها بحالب * ترددها في مصدر ثم مورد فلما سمع بذلك حسان بن ثابت قال يجاوب الهاتف: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقدس من يسرى إليهم ويغتدى ترحل عن قوم فضلت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وقد نزلت منه على أهل يثرب * ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبى يرى مالا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مسجد وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد (1)


(1) في " مجمع الزوائد " اختلافات وغلط يصحح مما جاء هنا. (*)

[ 251 ]

واجتاز رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ذلك بعبد يرعى غنما فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقى بسنده عن قيس بن النعمان قال لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفيين مرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال ما عندي شاة تحلب غير أن هاهنا عناقا (1) حملت أول وقد أخدجت (2) وما بقى لها لبن فقال ادع بها فدعا بها فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت وقال جاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعى ثم حلب فشرب فقال الراعى بالله من أنت فوالله ما رأيت مثلك قال أو تراك تكتم على حتى أخبرك قال نعم قال فانى محمد رسول الله فقال أنت الذى تزعم قريش أنك صابئ قال انهم ليقولون ذلك قال فأشهد أنك رسول الله وأن ما جئت به حق وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى وأنا متبعك قال إنك لن تستطيع ذلك يومك فإذا بلغك أنى قد ظهرت فائتنا.


(1) العناق هي الانثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. (2) أي ولدت قبل أوانها. (*)

[ 252 ]

(ذكر فوائد تتعلق بهذه الاخبار) العثان بضم العين المهملة والثاء المثلثة: شبه الدخان وهو مفسر في الخبر بذلك وجمعه عواثن. الحمال جمع أو مصدر أي هذا الحمل أو المحمول من اللبن افضل من حمال خيبر التمر والزبيت المحمول منها، قيل رواه المستملى بالجيم فيهما وله وجه والاول أظهر. وأم معبد عاتكة بنت خالد إحدى بنى كعب من خزاعة وهى أخت حبيش بن خالد الذى روينا الخبر من طريقه وله صحبة وكان منزلها بقديد (1). وأبو سليط اسيرة بن عمرو أنصارى من بنى النجار شهد بدرا وما بعدها. ووقع في الابيات التى رويناها في الخبر من طريقه * فما حملت من ناقة فوق رحلها * البيت. والذى يليه في ذلك الشعر وليس ذلك بمعروف والمعروف في هذا الشعر أنه لابي اناس الديلى رهط أبى الاسود صحابي ذكره أبو عمر وعمه سارية بن زنيم الذى قال له عمر بن الخطاب يا سارية الجبل، وكان أبو أناس شاعرا وهو القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلم رسول الله انك قادر * على كل حاف من تهام ومنجد وهى طويلة منها: وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد وتضمن حديث أم معبد أشياء من صفة النبي صلى الله عليه وسلم يأتي شرحها في الشمائل إن شاء الله تعالى. وكفاء البيت سترة في البيت من اعلاه إلى اسفله من مؤخره، وقيل الكفاء الشقة التى تكون في مؤخر الخباء وقيل هو كساء يلقى على الخباء كالازار حتى يبلغ الارض وقد اكفى البيت. ذكره ابن سيده.


(1) مصغر هو موضع بين مكة والمدينة. (*)

[ 253 ]

(ذكر دخوله عليه السلام المدينة) وكان اهل المدينة يتوكفون (1) قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغهم توجهه إليهم فكانوا يخرجون كل يوم لذلك اول النهار ثم يرجعون حتى كان يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول خرجوا لذلك على عادتهم فرجعوا ولم يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم من يومه ذلك حين اشتد الضحاء فنزل بقباء على بنى عمرو بن عوف على كلثوم بن هدم وكان يجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة. قال الواقدي ونزل على كلثوم ايضا جماعة من الصحابة منهم أبو عبيدة بن الجراح والمقداد بن عمرو وخباب بن الارت وسهيل وصفوان ابنا بيضاء وعياض بن زهير و عبدالله بن مخرمة ووهب بن سعد بن ابى سرح ومعمر بن ابى سرح وعمرو بن ابى عمرو من بنى محارب بن فهر وعمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو وكل هؤلاء قد شهد بدرا ثم لم يلبث كلثوم ان مات قبل بدر وكان رجلا صالحا غير مغموص عليه انتهى كلام الواقدي. وقيل نزل ابو بكر على خبيب بن اساف وقيل على خارجة بن زيد بن ابى زهير وأقام على بمكة ثلاث ليال حتى ادى الودائع التى كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم للناس ثم جاء فنزل على كلثوم فكان يقول كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة فرأيت انسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه قال فاستربت شأنه فقلت يا أمة الله من هذا الرجل الذى يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج


(1) أي: ينتظرون ويتوقعون. (*)

[ 254 ]

لك قالت هذا سهل بن حنيف قد عرف أنى امرأة لا أحد لى فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال احتطى بهذا فكان على يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف. وكان فيمن خرج لينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من اليهود فيهم عبدالله بن سلام. أخبرنا الشيخان أبو الفضل عبدالرحيم ابن يوسف وأبو الهيجاء غازى بن أبى الفضل قالا انا أبو حفص عمرو بن محمد بن طبرزد قال انا أبو القاسم بن الحصين قال انا أبو طالب بن غيلان قال انا أبو بكر الشافعي ثنا معاذ ثنا مسدد ثنا يحيى عن عوف ثنا زرارة قال قال عبدالله ابن سلام لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قيل قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فانجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل فلما رأيت وجهه صلى الله عليه وسلم عرفت ان وجهه ليس بوجه كذاب فأول ما سمعته يقول افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الارحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. وأشرقت المدينة بقدومه صلى الله عليه وسلم وسرى السرور إلى القلوب بحلوله بها. روينا من طريق ابن ماجه حدثنا بشر بن هلال الصواف ثنا جعفر بن سليمان الضبعى ثنا ثابت عن أنس بن مالك قال لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الايدى حتى أنكرنا قلوبنا. وروى ابن أبى خيثمة عن أنس شهدت يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوأ. وروى البخاري من حديث البراء بن عازب قال فما رأيت اهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. قال ابن اسحق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة. وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك.

[ 255 ]

وقد روينا عن أنس من طريق البخاري إقامته فيهم أربع عشرة ليلة. والمشهور عند أصحاب المغازى ما ذكره ابن اسحق فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بنى سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذى في بطن الوادي وادى رانونا فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بنى سالم بن عوف فقالوا يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قالوا خلوا سبيلها فانها مأمورة - لناقته - فخلوا سبيلها فانطلقت حتى وازت دار بنى بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بنى بياضة فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة فقال خلوا سبيلها فانها مأمورة فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بنى ساعدة فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بنى الحرث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد و عبدالله بن رواحة في رجال من بنى بلحارث بن الخزرج فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قالوا خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها حتى إذا مرت بدار عدى بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبدالمطلب سلمى بنت عمرو وإحدى نسائهم اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة في رجال من بنى عدى بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة قالوا خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به

[ 256 ]

ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تلحلحت (1) وأرزمت (2) ووضعت جرانها (1) ونزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) أي أقامت ولزمت مكانها، وفى الاصل " تحلحلت " والتصويب من النهاية. (2) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاى أي صوتت، وفى رواية " رزمت " بفتح الراء والزاى أي لم تقم من الاعياء. (3) جران البعير مقدم عنقه. (*)

[ 257 ]

(بناء المسجد) وسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لى وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه فعمل فيه المهاجرون والانصار ودأبوا فيه فقال قائل من المسلمين: لئن قعدنا والنبى يعمل * لذاك منا العمل المضلل وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الاول إلى صفر من السنة الداخلة يبنى له فيها مسجده ومساكنه. وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أبى أن يأخذه إلا بثمن فالله أعلم. فبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده وجعل عضادتيه الحجارة وسواريه جذوع النخل وسقفه جريدها بعد أن نبش قبور المشركين وسواها وسوى الخرب وقطع النخل وعمل فيه المسلمون. ومات أبو أمامة أسعد بن زرارة حينئذ فوجد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدا شديدا وكان قد كواه من ذبحة (1) نزلت به وكان نقيب بنى النجار فلم يجعل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبا بعده وقال لهم أنا نقيبكم فكانت من مفاخرهم. وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى قال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبى أيوب


(1) داء يكون في الحلق يخنق صاحبه. (*)

[ 258 ]

وأراده قوم من الخزرج على النزول عليهم فقال المرء مع رحله فكان مقامه في منزل أبى أيوب سبعة أشهر ونزل عليه تمام الصلاة بعد مقدمه بشهر ووهبت الانصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل فضل كان في خططها (1) وقالوا يا نبى الله إن شئت فخذ منازلنا فقال لهم خيرا قالوا وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يجمع بمن يليه في مسجد له فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فيه ثم انه سأله أسعد أن يبيعه أرضا متصلة بذلك المسجد كانت في يده ليتيمين في حجره يقال لهما سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم كذا نسبهما البلاذرى وهو يخالف ما سبق عن ابن اسحق وغيره والاول أشهر، قال فعرض عليه أن يأخذها ويغرم عنه لليتيمين ثمنها فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وابتاعها منهما بعشرة دنانير أداها من مال أبى بكر ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ وبنى به المسجد ورفع أساسه بالحجارة وسقف بالجريد وجعلت عمده جذوعا فلما استخلف أبو بكر لم يحدث فيه شيئا واستخلف عمر فوسعه فكلم العباس بن عبدالمطلب في بيع داره ليزيدها يه فوهبها العباس لله والمسلمين فزادها عمر في المسجد ثم ان عثمان بناه في خلافته بالحجارة والغصة وجعل عمدة حجارة وسقفه بالسلاج وزاد فيه ونقل إليه الحصباء من العقيق. وكان أول من اتخذ فيه المقصورة مروان بن الحكم بناها بحجارة منقوشة ثم لم يحدث فيه شئ إلى أن ولى الوليد بن عبدالملك بن مروان بعد أبيه فكتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو عامله على المدينة يأمره بهدم المسجد وبنائه وبعث إليه بمال وفسيفساء ورخام وبثمانين صانعا من الروم والقبط من أهل الشام ومصر فبناه وزاد فيه وولى القيام بأمره والنفقة عليه صالح بن كيسان وذلك في سنة سبع وثمانين، ويقال في سنة ثمان وثمانين ثم لم يحدث فيه أحد من الخلفاء شيئا حتى استخلف المهدى. قال الواقدي بعث


(1) أي: أراضيها. (*)

[ 259 ]

المهدى عبدالملك بن شبيب الغساني ورجلا من ولد عمر بن عبد العزيز إلى المدينة لبناء مسجدها والزيادة فيه وعليها يومئذ جعفر بن سليمان بن على فمكثا في عمله سنة وزادا في مؤخره مائة ذراع فصار طوله ثلاثمائة ذراع وعرضه مائتي ذراع. وقال على بن محمد المدائني ولى المهدى جعفر بن سليمان مكة والمدينة واليمامة فزاد في مسجد مكة ومسجد المدينة فتم بناء مسجد المدينة في سنة اثنتين وستين ومائة، وكان المهدى أتى المدينة في سنة ستين قبل الهجرة فأمر بقلع المقصورة وتسويتها مع المسجد.

[ 260 ]

(ذكر الموادعة بين المسلمين واليهود) قال ابن اسحق وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والانصار ووادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم انهم أمة واحدة من دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وذكر كذلك في بنى ساعدة وبنى جشم وبنى النجار وبنى عمرو بن عوف وبنى النبيت وبنى الاوس وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (1) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن وأن ذمة الله واحدة يجبر عليهم أدناهم وأن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس وأن من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم وأن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن من دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء أو عدل


(1) أي: طلب دفعا على سبيل الظلم، ويجوز أن يراد بها العطية. (*)

[ 261 ]

بينهم وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا وأن المؤمنين يبئ بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله وأن المتقين على أحسن هدى وأقومه وأنه لا يجبر مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود يد إلا أن يرضى ولى المقتول وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه وان لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه وأن من نصره أو آواه فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل وانكم مهما اختلفتم فيه من شئ فان مرده إلى الله والى محمد وان اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وأن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم بنى النجار مثل مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. وذكر مثل ذلك ليهود بنى النجار وبنى الحارث وبنى ساعدة وبنى جشم وبنى الاوس وبنى ثعلبة وبنى الشطبة وأن جفنة بطن من ثعلبة وأن بطانة يهود كأنفسهم وان البر دون الاثم وان موالى ثعلبة كأنفسهم وانه لا يخرج منهم أحد إلا باذن محمد وانه لا ينجحر عن ثأر جرح وانه من فتك فبنفسه إلا من ظلم وان الله على أبر هذا وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وان بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم وانه لن يأثم أمرؤ بحليفه وان النصر للمظلوم وان يثرب حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وانه لا تجار حرمة إلا باذن أهلها وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو استجار يخاف فساده فان مرده إلى الله والى محمد صلى الله عليه وسلم وان الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وانه لاتجار قريش ولا من نصرها وان بينهم النصر على من دهم يثرب وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فانهم يصالحونه ويلبسونه وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فانهم لهم على المؤمنين

[ 262 ]

إلا من حارب في الدين على كل انسان حصتهم من جانبهم الذى قبلهم وان يهود الاوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لاهل الصحيفة مع البراء المحض من أهل هذه الصحيفة وان البر دون الاثم لا يكتسب كاسب إلا على نفسه وان الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم وان من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم وان الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا ذكره ابن اسحق، وقد ذكره ابن أبى خيثمة فأسنده: حدثنا احمد بن جناب أبو الوليد ثنا عيسى بن يونس ثنا كثير ابن عبدالله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والانصار فذكر بنحوه.

[ 263 ]

(شرح ما فيه من الغريب) الربعة الحالة التى جاء الاسلام وهم عليها من كتاب المزني قال الخشنى ربعة وربعة، وكذلك رباعة ورباعة. والمفرح رواه ابن جريج مفرجا. قال أبو عبيد ومعناهما واحد وقال أبو عبيد سمعت محمد بن الحسن يقول هذا يروى بالحاء وبالجيم قال أبو العباس ثعلب المفرح المثقل من الديون وبالجيم الذى لا عشيرة له. وقال أبو عبيدة المفرج بالجيم أن يسلم الرجل فلا يوالى أحدا بقود فتكون جنايته على بيت المال لانه لا عاقلة له فهو مفرج، وقال بعضهم هو الذى لا ديوان له وقال أبو عبيد القاسم بن سلام عن محمد بن الحسن هو القتيل يوجد بأرض فلاة لا يكون عند قرية فانه يودى من بيت المال ولا يطل دمه. وقوله وان المؤمنين يبئ بعضهم عن بعض يعنى أن دماءهم متكافئة يقال ما فلان ببواء لفلان أي بكفؤ له ويقال باء الرجل بصاحبه يبوء بواء إذا قتل به كفؤا. ولم يفسره ابن قتيبة ومعناه يقتل بعضهم قاتل بعض يقال أبأت لفلان قاتله أي قتلته. ويوتغ يفسد قاله ابن هشام. نقلت هذه الفوائد من خط جدى رحمه الله من حواشى كتابه الذى تقدم ذكرها.

[ 264 ]

(ذكر المواخاة) وكانت المواخاة مرتين الاولى بين المهاجرين بعضهم وبعض قبل الهجرة على الحق والمواساة آخى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم فآخى بين أبى بكر وعمر. وبين حمزة وزيد بن حارثة. وبين عثمان و عبدالرحمن بن عوف. وبين الزبير وابن مسعود. وبين عبيدة بن الحارث وبلال. وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبى وقاص. وبين أبى عبيدة وسالم مولى أبى حذيفة. وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله. وبين على ونفسه صلى الله عليه وسلم. قرأت على أبى الربيع سليمان بن احمد المرجاني بثغر الاسكندرية وغيره عن محمد بن عماد قال انا ابن رفاعة قال انا الخلعي قال انا أبو العباس احمد ابن الحسن بن جعفر العطار وثنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري ثنا أبو عبد الله محمد بن رزيق (1) بن جامع المدينى ثنا أبو الحسين سفيان بن بشر الاسدي ثنا على بن هاشم بن البريد عن كثير النواء عن جميع بن عمير عن عبدالله بن عمر قال آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين اصحابه فآخى بين أبى بكر وعمر وفلان وفلان حتى بقى على عليه السلام وكان رجلا شجاعا ماضيا على أمره إذا أراد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن أكون أخاك قال بلى يا رسول الله رضيت قال فأنت أخى في الدنيا والآخرة قال كثير فقلت لجميع بن عمير أنت تشهد بهذا على عبدالله بن عمر قال نعم أشهد فلما نزل عليه السلام المدينة آخى بين المهاجرين والانصار على المواساة والحق في دار أنس بن مالك فكانوا


(1) هو محمد بن رزيق بن جامع - بتقديم الراء على الزاى. (*)

[ 265 ]

يتوارثون بذلك دون القرابات حتى نزلت وقت وقعة بدر (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فنسخت ذلك. وكانت المواخاة بعد بنائه عليه السلام المسجد. وقد قيل كان ذلك والمسجد يبنى، وقال أبو عمر بعد قدومه عليه السلام المدينة لخمسة أشهر. قرئ على أبى عبدالله بن أبى الفتح المقدسي بمرج دمشق وأنا أسمع أخبركم ابن الحرستانى سماعا قال أنا أبو الحسن على بن احمد بن منصور ابن قبيس الغساني قراءة عليه وأنا أسمع قال أنا أبو الحسن احمد بن عبد الواحد ابن محمد بن أبى الحديد السلمى قال أنا جدى أبو بكر محمد بن احمد بن عثمان قال أنا محمد بن جعفر بن محمد أبو بكر الخرائطي قراءة عليه ثنا سعدان ثنا يزيد بن هارون قال أنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلا من كثير كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالاجر كله قال لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم. وبه إلى الخرائطي ثنا سعدان بن نصر ثنا أبو معاوية ثنا الاعمش عن نافع عن ابن عمر قال لقد رأيتنا وما الرجل المسلم بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. رواه مسلم عن أبى كريب والترمذي والنسائي عن هناد كليهما عن أبى معاوية فوقع لنا بدلا عاليا لهم (1). وقال ابن اسحق آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والانصار فقال تواخوا في الله أخوين أخوين ثم أخذ بيد على بن أبى طالب فقال هذا أخى فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أخوين وحمزة وزيد بن حارثة أخوين واليه أوصى حمزة يوم أحد. وذكر سنيد بن داود أن زيد بن حارثة واسيد بن الحضير اخوان وهو حسن إذ هما انصاري ومهاجرى، واما المواخاة بين حمزة وزيد فقد ذكرناها في المرة الاولى.


(1) ليس هو في مسلم ولا الترمذي ولا النسائي. (*)

[ 266 ]

رجع إلى ابن إسحق: وجعفر بن ابى طالب ومعاذ بن جبل اخوين وانكره الواقدي لغيبة جعفر بالحبشة، وعند سنيد أن المواخاة كانت بين ابن مسعود ومعاذ بن جبل. رجع: أبو بكر بن أبى قحافة وخارجة بن زيد بن أبى زهير أخوين وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين وابو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخوين و عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة ابن وقش اخوين ويقال بل الزبير وعبد الله بن مسعود. قلت هذا كان في المواخاة الاولى قبل الهجرة وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر أخوين وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك اخوين وسعيد بن زيد وأبى بن كعب اخوين ومصعب ابن عمير وابو أيوب خالد بن زيد أخوين وابو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر اخوين وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان اخوين ويقال بل ثابت بن قيس بن الشماس وابوذر والمنذر بن عمرو أخوين، وانكره الواقدي لغيبة ابى ذر عن المدينة وقال لم يشهد بدرا ولا أحدا ولا الخندق وإنما قدم بعد ذلك وعنده طليب ابن عمير والمنذر بن عمرو أخوين. رجع إلى ابن إسحق: وحاطب بن أبى بلتعة وعويم بن ساعدة اخوين وسلمان الفارسى وابو الدرداء اخوين وبلال وابو رويحة عبدالله بن عبدالرحمن الخثعمي اخوين. وعند سنيد بن داود فيما حكاه أبو عمر المواخاة بين أبى مرثد وعبادة بن الصامت وبين سعد وسعد بن معاذ وبين عبدالله بن جحش وعاصم ابن ثابت بن أبى الافلح وبين عتبة بن غزوان وأبى دجانة وبين أبى سلمة بن عبد الاسد وسعد بن خيثمة وبين عثمان بن مظعون وأبى الهيثم بن التيهان. وزاد

[ 267 ]

غيره وبين عبيدة بن الحرث وعمير بن الحمام وبين الطفيل بن الحرث أخى عبيدة وسفيان بن نسر (1) بن زيد من بنى جشم بن الحرث بن الخزرج وبين الحصين أخيهما و عبدالله بن جبير وبين عثمان بن مظعون والعباس بن عبادة بن نضلة وبين صفوان ابن بيضاء ورافع بن المعلى وبين المقداد وابن رواحة وبين ذى الشمالين ويزيد ابن الحرث من بنى حارثة وبين عمير بن أبى وقاص وخبيب بن عدى وبين عبد الله بن مظعون وقطبة بن عامر بن حديدة وبين شماس بن عثمان وحنظلة بن أبى عامر وبين الارقم بن أبى الارقم وطلحة بن زيد وبين زيد بن الخطاب ومعن بن عدى وبين عمرو بن سراقة وسعد بن زيد من بنى عبد الاشهل وبين عاقل بين البكير ومبشر بن عبد المنذر وبين عبد الله بن مخرمة وفروة بن عمرو البياضى وبين خنيس بن حذافة والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح وبين سبرة بن أبى رهم وعبادة بن الخشخاش وبين مسطح بن أثاثة وزيد بن المزين وبين عكاشة بن محصن والمجذر بن ذياد حليف الانصار وبين عامر بن فهيرة والحرث بن الصمة وبين مهجع مولى عمر وسراقة بن عمرو بن عطية من بنى غنم بن مالك بن النجار. كل هذا المزيد عن أبى عمر، وقيل كان عددهم مائة خمسين من المهاجرين وخمسين من الانصار. وزيد بن المزين كذا وجد بخط أبى عمر بزاى مفتوحة وياء آخر الحروف مشددة مفتوحة. وفى أصل ابن مفوز: المزين مكسور الميم ساكنة الزاى مفتوحة الياء. وعند ابن هشام ابن المزني. قال ابن اسحق فلما دون عمر الدواوين بالشام وكان بلال قد خرج إلى الشام فأقام بها مجاهدا فقال عمر لبلال إلى من تجعل ديوانك قال مع أبى رويحة لا أفارقه أبدا للاخوة التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بينى وبينه فضمه إليه وضم ديوان


(1) بالنون ذكره الامير، وقال ابن اسحق " بن بشير " وقال أبو معشر " بن بشر ". (*)

[ 268 ]

الحبشة إلى خثعم لمكان بلال منهم فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشام. أخبرنا عبدالرحيم بن يوسف الموصلي وغازي بن أبى الفضل الدمشقي قالا أنا عمر بن محمد بن معمر قال أنا هبة الله بن محمد قال أنا أبو طالب محمد بن محمد قال أنا أبو بكر محمد بن عبدالله ثنا أبو عبدالله الحسين بن عمر الثقفى ثنا العلاء بن عمرو الحنفي ثنا أيوب بن مدرك عن مكحول عن أبى أمامة قال لما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين الناس آخى بينه وبين على. أخبرنا أبو عبد الله بن أبى الفتح فيما قرأ عليه الحافظ أبو الحجاج المزى وانا اسمع قال له اخبرك القاضى أبو القاسم عبد الصمد بن محمد الانصاري قراءة عليه وأنت تسمع فأقر به قال أنا أبو الحسن على بن احمد المالكى سماعا قال انا أبو الحسن احمد بن عبد الواحد السلمى قال أنا جدى أبو بكر محمد بن احمد قال انا محمد بن جعفر الخرائطي ثنا سعدان بن يزيد ثنا يزيد بن هارون قال انا حميد الطويل عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف هاجر إلى المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع فقال له سعد يا عبدالرحمن انى من أكثر الانصار مالا وانا مقاسمك وعندي امرأتان فأنا مطلق احداهما فإذا انقضت عدتها فتزوجها فقال له بارك الله لك في أهلك ومالك. رواه البخاري من حديث حميد عن أنس أطول من هذا.

[ 269 ]

(بدء الاذان) وكان الناس إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحين مواقيتها من غير دعوة فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل بوقا كبوق اليهود الذين يدعون به لصلاتهم ثم كرهه ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين في الصلاة فبينما هم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه أخو بلحارث بن الخزرج النداء روينا من طريق أبى داود ثنا عباد بن موسى الختلى وزياد بن أيوب وحديث عباد أتم قالا حدثنا هشيم عن أبى بشر قال زياد أنا أبو بشر عن أبى عمير بن أنس عن عمومة له من الانصار قال اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها فقيل له أنصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك قال فذكر له القنع يعنى الشبور (1) وقال زياد شبور اليهود فلم يعجبه ذلك وقال هو من أمر اليهود قال فذكر له الناقوس فقال هو من أمر النصارى فانصرف عبدالله بن زيد وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرى الاذان في منامه قال فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال يا رسول الله إنى لبين نائم ويقظان إذ أتانى آت فأراني الاذان قال وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما قال ثم اخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ما منعك ان تخبرني فقال سبقني عبدالله بن زيد فاستحييت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فانظر ماذا يأمرك به عبدالله بن زيد فافعله فأذن بلال.


(1) القنع بضم القاف، والشبور بفتح الشين المعجمة وضم الباء المشددة وهو البوق. (*)

[ 270 ]

قال أبو بشر فاخبرني أبو عمير ان الانصار تزعم أن عبدالله بن زيد لولا أنه كان يومئذ مريضا لجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا. وروينا عن ابن إسحق من طريق زياد ومن طريق أبى داود ثنا محمد بن منصور الطوسى ثنا يعقوب ثنا أبى عن محمد بن إسحق قال حدثنى محمد بن ابراهيم بن الحرث التيمى عن محمد ابن عبدالله بن زيد بن عبد ربه قال حدثنى أبى عبدالله بن زيد قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس يجمع للصلاة طاف بى وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبدالله أتبيع الناقوس قال وما تصنع به فقلت ندعو به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت بلى فقال تقول: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حى على الصلاة حى على الصلاة حى الفلاح حى الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. قال ثم استأخر عنى غير بعيد ثم قال تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حى على الصلاة حى على الفلاح قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فانه أندى صوتا منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول والذى بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد. اللفظ لابي داود. قال ابن هشام وذكر ابن جريج قال قال لى عطاء سمعت عبيد بن عمير يقول ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة فبينما عمر بن الخطاب يريد ان يشترى خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام ان لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا للصلاة فذهب إلى النبي

[ 271 ]

صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذى رأى وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحى بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اخبره بذلك قد سبقك بذلك الوحى وكان يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلال وابن أم مكتوم وأبو محذورة وسعد القرظ وهو ابن عائذ مولى عمار بن ياسر وكان يلزم التجارة في القرظ فعرف بذلك وكان يؤذن لاهل قباء، وابن أم مكتوم عمرو ابن قيس العامري. وقيل عبدالله وابو محذورة سمره بن معير وقيل أوس. وروينا عن الطبراني حدثنا أبو عبدالرحمن النسائي ثنا إسحق بن ابراهيم بن راهويه ثنا معاذ بن هشام ثنا أبى عن عامر الاحول عن مكحول عن عبدالله بن محيريز عن ابى محذورة قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الله اكبر الله اكبر الله اكبر اشهد أن لا إله إلا الله اشهد أن لا إله إلا الله اشهد أن محمدا رسول الله اشهد أن محمدا رسول الله ثم يعود فيقول اشهد أن لا إله إلا الله اشهد أن لا إله إلا الله اشهد أن محمدا رسول الله اشهد أن محمدا رسول الله حى على الصلاة حى على الصلاة حى على الفلاح حى على الفلاح الله أكبر الله اكبر لا إله إلا الله. رواه النسائي في سننه كذلك. ورواه مسلم عن ابى راهويه فوقع لنا عاليا وهذا من أعز الموافقات. قال ابن إسحق ونصبت عند ذلك احبار يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة بغيا وحسدا وضغنا لما خص الله به العرب من أخذه رسوله منهم وانضاف إليهم رجال من الاوس والخزرج ممن كان غسا على جاهليته فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالمبعث إلا ان الاسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه فظهروا بالاسلام واتخذوه جنة من القتل ونافقوا في السر فكان هواهم مع يهود وكان احبار يهودهم الذين يسئلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنتونه ليلبسوا الحق بالباطل فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسئلون عنه إلا قليلا من المسائل في الحلال والحرام كان المسلمون يسئلون عنها فمن اليهود الموصوفين بذلك

[ 272 ]

حيى بن اخطب واخواه ياسر وجدى وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وكعب بن الاشرف و عبدالله بن صوريا الاعور من بنى ثعلبة بن الفطيون (1) ولم يكن بالحجاز في زمانه أعلم بالتوراة وابن صلوبا ومخيريق وكان حبرهم. وذكر ابن إسحق منهم جماعة منهم عبد الله بن سلام وكان خيرهم وأعلمهم وكان اسمه الحصين فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله. (2)


(1) بكسر الفاء وسكون الطاء وفتح الياء. (2) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 273 ]

(إسلام عبدالله بن سلام رضى الله تعالى عنه) وهو من بنى اسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب نبى الله وهو حليف للقواقلة وهم بنو غنم وبنو سالم ابني عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج. روينا عن ابن سعد أخبرنا عبدالله بن عمر وأبو معمر المنقرى ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال أقبل نبى الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قالوا جاء نبى الله فاستشرفوا ينظرون إذ سمع به عبدالله بن سلام وهو في نخل لاهله يخترف (1) لهم منه فعجل أن يضع التى يخترف لهم فيها فجاء وهى معه فسمع من نبى الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله قال فلما خلى نبى الله صلى الله عليه وسلم جاء عبدالله بن سلام فقال أشهد أنك رسول الله حقا وأنك جئت بحق ولقد علمت اليهود أنى سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن اعلمهم فادعهم فاسئلهم عنى قبل أن يعلموا أنى قد أسلمت فانهم ان يعلموا انى قد أسلمت قالوا في ما ليس في فأرسل نبى الله صلى الله عليه وسلم إليهم فدخلوا عليه فقال لهم نبى الله صلى الله عليه وسلم يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذى لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقا وانى جئتكم بحق اسلموا قالوا ما نعلمه فأعادها عليهم ثلاثا وهم يجيبونه كذلك قال فأى رجل فيكم عبدالله بن سلام قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن اعلمنا قال أفرأيتم ان أسلم قالوا حاشى لله ما كان ليسلم فقال يا ابن سلام أخرج عليهم فخرج إليهم فقال يا معشر اليهود


(1) أي: يجتنى. (*)

[ 274 ]

ويلكم اتقوا الله والله الذى لا إله إلا هو إنكم لتعلمون انه رسول الله حقا وانه جاء بالحق فقالوا كذبت فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري من حديث عبد العزيز بن صهيب. وروينا من طريق البخاري حدثنى حامد بن عمر عن بشر بن المفضل ثنا حميد ثنا أنس أن عبدالله بن سلام بلغه مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فأتاه يسئله عن أشياء فقال انى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى ما أول اشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة وما بال الولد ينزع إلى أبيه وإلى أمه قال أخبرني بهن جبريل آنفا قال ابن سلام ذاك عدو اليهود من الملائكة قال أما أول اشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت (1) فذكر نحو ما تقدم. وروينا عن ابن سعد أخبرنا يزيد بن هارون قال انا جويبر عن الضحاك في قوله (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى اسرائيل على مثله) قال جاء عبدالله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن اليهود أعظم قوم عضيهة (2) فسلهم عنى وخذ عليهم ميثاقا أنى إن اتبعتك وآمنت بكتابك ان يؤمنوا بك وبكتابك الذى أنزل عليك واخبئني يا رسول الله قبل ان يدخلوا عليك فأرسل إلى اليهود فقال ما تعلمون عبدالله بن سلام فيكم قالوا خيرنا واعلمنا بكتاب الله سيدنا وعالمنا وافضلنا قال ارأيتم ان شهد أنى رسول الله وآمن بالكتاب الذى أنزل على تؤمنون بى قالوا نعم قدعاه فخرج عليهم عبدالله بن سلام فقال يا عبدالله بن سلام أما تعلم


(1) أي: يواجهون بالباطل. (2) أي: كذبا وبهتانا ونميمة. (*)

[ 275 ]

أنى رسول الله تجدونى مكتوبا عندكم في التوراة والانجيل أخد الله ميثاقكم ان تؤمنوا بى وان يتبعني من أدركني منكم قال بلى قالوا ما نعلم انت رسول الله وكفروا به وهم يعلمون انه رسول الله وان ما قال حق فأنزل الله (قل ارأيتم إن كان من عند الله - يعنى الكتاب - والرسول وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله - يعنى عبدالله بن سلام - فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم الظالمين) ففى ذلك نزلت هذه الآية.

[ 277 ]

(خبر مخيريق) قال ابن اسحق: وكان حبرا عالما غنيا كثير الاموال من النخل وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته وما يجد في علمه وغلب عليه إلف دينه فلم يزل على ذلك حتى كان يوم أحد يوم السبت قال والله يا معشر يهود إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق قالوا إن اليوم يوم السبت قال لا سبت لكم ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد وعهد إلى من وراءه من قومه ان قتلت هذا اليوم فأموالى إلى محمد يصنع فيها ما أراه الله فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يقول مخيريق خير يهود وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله فعامة صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها. وقال الواقدي كان مخيريق أحد بنى النضير حبرا عالما فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل ماله له وهو سبعة حوائط (1) فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة وهى الميثب والضيافة والدلال وحسنى وبرقة والاعواف ومشربة أم ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى مارية القبطية. وذكر ابن اسحق عن عبدالله بن أبى بكر قال حدثت عن صفية ابنة حيى أنها قالت كنت أحب ولد أبى إليه وإلى عمى أبى ياسر فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة غدوا عليه ثم جاءا من العشى فسمعت عمى يقول لابي أهو هو قال نعم والله قال أتعرفه وتثبته قال نعم قال فما نفسك منه قال عداوته والله ما بقيت. وذكر ابن إسحق من المنافقين زوى بن الحرث والحرث بن سويد وجلاس


(1) أي: بساتين. (*)

[ 278 ]

ابن سويد وكان ممن تخلف عن غزوة تبوك وقال لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن سعد وكان في حجر جلاس خلف على أمه فقال له عمير والله يا جلاس إنك لاحب الناس إلى وأحسنهم عندي يدا ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عنك لافضحنك عنها ولئن صمت عنها ليهلكن دينى ولاحداهما أيسر على من الاخرى، ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال جلاس فحلف جلاس بالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كذب على عمير وما قلت ما قال فأنزل الله تعالى (يستحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) إلى قوله (وما لهم في الارض من ولى ولا نصير) فزعموا أنه تاب فحسنت توبته. وزاد ابن سعد في هذا الخبر: فقال يعنى جلاسا قد قلته وقد عرض الله على التوبة فأنا أتوب فقبل ذلك منه، وكان له قتيل في الاسلام فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ديته فاستغنى بذلك. قال وكان قد هم أن يلحق بالمشركين قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للغلام وفت أذنك. وقال الواقدي ولم ينزع الجلاس عن خير كان يصنعه إلى عمير فكان ذلك مما عرفت به توبته، وأخوه الحارث هو الذى قتل المجذر بن ذياد البلوى يوم أحد بأبيه سويد بن الصامت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب بقتل الحارث إن ظفر به ففاته فكان بمكة ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة فأنزل الله فيه فيما بلغني عن ابن عباس (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم) إلى آخر القصة. وقال الواقدي إن الحارث أتى مسلما بعد الفتح وكان قد ارتد ولحق بالمشركين فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بالمجذر، ومن بنى ضبيعة بن زيد بجاد بن عثمان ونبتل بن الحرث وهو الذى قال إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه فأنزل الله فيه (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) وأبو حبيبة بن الازعر وكان ممن بنى مسجد الضرار وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وهما اللذان عاهدا

[ 279 ]

الله (لن آتانا من فضله) إلى آخر القصة ومعتب الذى قال يوم أحد (لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هاهنا) وهو الذى قال يوم الاحزاب كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط فأنزل الله (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا). وأنكر ابن هشام دخول ثعلبة ومعتب في المنافقين وعباد بن حنيف أخو سهل وعثمان وجارية بن عامر وابناه مجمع وزيد. وقيل لا يصح عن مجمع النفاق. وذكر آخرين ومن بنى أمية بن زيد وديعة بن ثابت وهو الذى كان يقول (إنما كنا نخوض ونلعب) ومن بنى عبد خدام بن خالد وهو الذى أخرج مسجد الضرار من داره وبشر ورافع بن زيد. ومن بنى النبيت عمر بن مالك بن الاوس مربع ابن قيظى وأخوه أوس وأوس الذى قال يوم الخندق إن بيوتنا عورة فأذن لنا فلنرجع إليها فأنزل الله فيه (يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة) الآية. ومن بنى ظفر حاطب بن أمية وبشير بن أبير والحرث بن عمرو بن حارثة. وعند ابن إسحق بشير وهو أبو طعمة سارق الدرعين الذى أنزل الله فيه (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) وقزمان حليف لهم وهو المقتول يوم أحد بعد أن أبلى في المشركين قتل نفسه بعد أن أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار. ولم يكن في بنى عبد الاشهل منافق ولا منافقة إلا أن الضحاك بن ثابت اتهم بشئ من ذلك ولم يصح. ومن الخزرج من بنى النجار رافع بن وديعة وزيد ابن عمرو وعمر بن قيس وقيس بن عمرو بن سهل. ومن بنى جشم بن الخزرج الجد بن قيس وهو الذى يقول يا محمد إئذن لى ولا تفتني. ومن بنى عوف بن الخزرج عبدالله بن أبى بن سلول وكان رأس المنافقين وهو الذى قال (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل) في غزوة بنى المصطلق وفيه نزلت سورة المنافقين بأسرها.

[ 280 ]

قال أبو عمر: وزيد بن أرقم هو الذى رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبدالله بن أبى قوله لئن رجعنا إلى المدينة فأكذبه عبدالله ابن أبى وحلف فأنزل الله تصديق زيد بن أرقم فتبادر أبو بكر وعمرو إلى زيد ليبشراه فسبق أبو بكر فأقسم عمرو أن لا يبادره بعدها إلى شئ وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بأذن زيد وقال وفت أذنك يا غلام. ووديعة وسويد وداعس من رهط ابن سلول وهم و عبدالله بن أبى الذين كانوا يدسون إلى بنى النضير حين حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اثبتوا فوالله لئن أخرجتم لنخرجن معكم القصة. وكان النفاق في الشيوخ ولم يكن في الشباب إلا في واحد وهو قيس بن عمرو بن سهل رجع إلى ابن إسحق: فكان ممن تعوذ بالاسلام وأظهره وهو منافق من أحبار يهود من بنى قينقاع سعد بن حنيف وزيد بن اللصيت ونعمان بن أوفى بن عمرو وعثمان بن أوفى وزيد بن اللصيت هو الذى قال حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه الخبر بما قال عدو الله إن قائلا قال يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ولا يدرى أين ناقته وإنى والله ما أعلم إلا ما علمني ربى وقد دلنى الله عليها وهى في هذا الشعب قد حبسها شجرة بزمامها فذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصف. ورافع بن حريملة وهو الذى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات " قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين " ورفاعة بن زيد بن التابوت وهو الذى اشتدت الريح يوم موته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قافل من غزوة بنى المصطلق " إنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار " وسلسلة بن برهام وكنانة بن صوريا وكان هؤلاء يحضرون المسجد فيسخرون من المسلمين فأمر صلى الله عليه وسلم باخراجهم منه فأخرجوا ففيهم نزل صدر سورة البقرة إلى المائة منها. قال ابن اسحق وكتب رسول الله صلى الله

[ 281 ]

عليه وسلم إلى يهود خيبر فيما حدثنى مولى لآل زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد ابن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب موسى وأخيه والمصدق لما جاء به موسى ألا إن الله تعالى قد قال لكم يا معشر يهود أهل التوراة وإنكم تجدون ذلك في كتابكم (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) وإنى أنشدكم بالله وأنشدكم بما أنزل عليكم وأنشدكم بالذى أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى وأنشدكم بالذى أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله إلا أخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل عليكم أن تؤمنوا بمحمد وإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم قد تبين الرشد من الغى فأدعوكم إلى الله والى نبيه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن يهود كانوا يستفتحون على الاوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام بن مشكم أحد بنى النضير ما جاءنا بشئ نعرفه ما هو بالذى كنا نذكره لكم فأنزل الله في ذلك من قولهم (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. قال ابن إسحق: وقال مالك بن الضيف حين بعث رسول الله صلى الله عليه

[ 282 ]

وسلم وذكر لهم ما أخذ الله عليهم له من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه والله ما عهد الينا في محمد عهد وما أخذ له علينا ميثاق فأنزل الله فيه (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون) وقال ابن صلوبا القطيونى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد ما جئتنا بشئ نعرفه وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله في ذلك من قوله تعالى (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون) وقال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد إئتنا بكتاب تنزله من السماء نقرؤه وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك فأنزل الله في ذلك (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل) وكان حيى بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم فكانا جاهدين في رد الناس عن الاسلام بما استطاعا فأنزل الله فيهما (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) الآية. ولما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حريملة ما أنتم على شئ وكفر بعيسى وبالانجيل فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود ما أنتم على شئ وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة فأنزل الله تعالى (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ) الآية. وقال رافع بن حريملة يا محمد إن كنت رسولا من الله كما تقول فقل لله فليكلمنا فأنزل الله (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) وقال عبد الله بن صوريا الاعور ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك فأنزل الله تعالى (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) الآية. وسأل معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد نفرا من أحبار يهود

[ 283 ]

عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه فأنزل الله (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) الآية. ودعا عليه السلام اليهود إلى الاسلام فقال له رافع ومالك بن عوف بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فأنزل الله (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) ولما أصاب الله قريشا يوم بدر جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بنى قينقاع حين قدم المدينة فقال يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشا قالوا له يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وانك لم تلق مثلنا وأنزل الله (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) الآية والتى بعدها. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعتهم من يهود فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو والحارث بن زيد وعلى أي دين أنت يا محمد قال على ملة ابراهيم ودينه قالا فان ابراهيم كان يهوديا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلم إلى التوراة فهى بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) الآية والتى تليها. وقال أحبار يهود ما كان ابراهيم إلا يهوديا وقالت نصارى نجران ما كان إلا نصرانيا فأنزل الله (يا أهل الكتاب لم تحاجون في ابراهيم) الآيات إلى (والله ولى المؤمنين). وقال عبدالله بن صيف وعدى بن زيد والحرث بن عوف بعضهم لبعض تعالوا نؤمن بما أنزل الله على محمد غدوة ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم فأنزل الله (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) إلى قوله (والله واسع عليم) وقال أبو نافع القرظى حين اجتمعت الاحبار من يهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم

[ 284 ]

إلى الاسلام أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم وقال رجل من نصارى نجران مثله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ الله أن يعبد غير الله فأنزل الله تعالى (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله) الآية. ثم ذكر ما أخذ عليهم من الميثاق بتصديقه فقال (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) إلى آخر القصة. ومر شاس بن قيس وكان شيخا قد عسا (1) عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاوس والخزرج يتحدثون فغاظه ما رأى من إلفتهم وجماعتهم بعد ما كان بينهم من العداوة فقال قد اجتمع ملا بنى قيلة بهذه البلاد لا والله مالنا معهم إذا اجتمعوا من قرار فأمر فتى شابا من يهود كان معهم فقال اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بغاث وما كان فيه وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الاشعار ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا حتى تواثب رجلان على الركب أوس بن قيظى من الاوس وجبار بن صخر من الخزرج فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه إن شئتم رددتها الآن جذعة وغضب الفريقان جميعا وقالوا قد فعلنا موعدكم الظاهرة - والظاهرة الحرة - السلاح السلاح فخرجوا وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الاسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم من الكفر وألف به بينكم فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فبكوا وعانق الرجال من الاوس الرجال من الخزرج ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنز الله في شاس بن


(1) أي: كبر. (*)

[ 285 ]

قيس (قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا) الآية. وفى أوس وجبار (يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) إلى قوله (أولئك لهم عذاب عظيم) وكان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار فأنزل الله تعالى (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) إلى (عليم بذات الصدور) ودخل أبو بكر بيت المدراس فقال لفنحاص اتق الله وأسلم والله إنك لتعلم أن محمدا لرسول الله فقال والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه الينا لفقير فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا وقال لولا العهد الذى بيننا وبينك لضربت عنقك فشكاه فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له أبو بكر ما كان منه فأنكر قوله ذلك فأنزل الله تعالى (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) الآية. وأنزل في أبى بكر (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) الآية. وكان كردم ابن قيس وأسامة بن حبيب في نفر من يهود يأتون رجالا من الانصار يتنصحون لهم فيقولون لهم لا تنفقوا أموالكم فانا نخشى عليكم الفقر فأنزل الله فيهم (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله - أي التوراة التى فيها تصديق ما جاء محمد - وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) وكان رفاعة ابن زيد بن التابوت من عظماء يهود إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك ثم طعن في الاسلام وعابه فأنزل الله فيه (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل) إلى (ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبدالله بن صوريا الاعور وكعب ابن أسد فقال لهم يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذى

[ 286 ]

جئتكم به لحق قالوا ما نعرف ذلك فأنزل الله (يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا) وقال سكين بن عدى بن زيد يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شئ بعد موسى فأنزل الله تعالى (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) إلى قوله (وكان الله عزيزا حكيما) ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة منهم فقال لهم أما والله إنكم لتعلمون أنى رسول الله قالوا ما نعلمه وما نشهد عليه فأنزل الله تعالى (لكن الله يشهد بما أنزل اليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا) وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو وشاس بن عدى فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله تعالى فيهم (وقالت اليهود والنصارى نحن أب ناء الله وأحباؤه) الآية. ودعاهم إلى الاسلام مرة وحذرهم عقوبة الله فأبوا عليه فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب يا معشر يهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون انه رسول الله ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته، فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهوذا ما قلنا لكم هذا وما أنزل الله من كتاب بعد موسى وما أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده فأنزل الله وذلك في قولهما (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير) الآية. واجتمع أحبارهم في بيت المدراس فأتوا برجل وامرأة زنيا بعد إحصانهما فقالوا حكموا فيهما محمدا فان حكم فيهما بحكمكم من التجبية وهو الجلد بحبل من ليف يطلى بقار ثم نسود وجوههما ثم يحملان على حمارين وجوهما من قبل أدبار الحمارين فانما هو ملك فان حكم فيهما بالرجم فهو نبى فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه ففعلوا، فمشى رسول الله صلى الله

[ 287 ]

عليه وسلم حتى أتى بيت المدراس فقال لهم أخرجوا إلى علماءكم فأخرجوا له عبدالله ابن صوريا فخلا به يناشده هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة قال اللهم نعم أما والله يا أبا القاسم انهم ليعرفون أنك نبى مرسل ولكنهم يحسدونك قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهما فرجما عند باب مسجده ثم جحد ابن صوريا بعد ذلك نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله (يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) الآية. وفى بعض طرق هذا الحديث أن حبرا منهم جلس يتلو التوراة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده على آية الرجم فضرب عبدالله بن سلام يده وقال هذه آية الرجم أبى أن يتلوها عليك. الحديث. وقال كعب بن أسد وابن صلوبا وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فانما هو بشر فأتوه فقالوا قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا وان بيننا وبين بعض قومنا خصومة فنحاكمهم اليك فتقضى لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) إلى قوله (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة منهم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال (نؤمن بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به فأنزل الله (يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل من قبل وان أكثركم فاسقون) وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك ابن الصيف ورافع بن حريملة فقالوا يا محمد ألست تزعم أنك على ملة ابراهيم ودينه

[ 288 ]

وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها من الله حق قال بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم ان تبينوه للناس فبرئت من احداثكم قالوا فانا نأخذ بما في أيدينا فانا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك فأنزل الله تعالى (قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل اليكم من ربكم) الآية. وكان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الاسلام ونافقا فكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله تعالى (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء) إلى قوله (والله أعلم بما كانوا يكتمون). وقال جبل بن أبى قيشير وشمويل بن زيد يا محمد متى الساعة إن كنت نبيا فأنزل الله (يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى) الآية وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى ومحمود ابن دحية في نفر منهم فقالوا له كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله فأنزل الله (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم) الآية. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود ابن سيحان وعزير بن أبى عزير في جماعة منهم فقالوا إنا لا نرى ما جئت به متسقا كما تتسق التوراة أما يعلمك هذا إنس ولا جن فقال لهم أما والله انكم لتعلمون أنه من عند الله وأنى رسول الله تجدون ذلك مكتوبا عندكم في التوراة قالوا فان الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء فأنزل علينا كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه وإلا جئناك بمثل ما تأتى به فأنزل الله (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) وقال قوم منهم لعبد الله بن سلام حين أسلم ما تكون النبوة في العرب ولكن صاحبك ملك منقول ثم جاءوا فسألوه عن ذى القرنين فقص عليهم ما جاءه من الله فيه مما كان قص على قريش

[ 289 ]

وهم كانوا ممن أمر قريشا أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه حين بعثوا إليهم النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط وأتى رهط منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه فغضب حتى امتقع لونه ثم ساورهم غضبا لربه فجاءه جبريل فسكنه وأنزل عليه (قل هو الله أحد) السورة فلما تلاها عليهم قالوا فصف لنا كيف خلقه وكيف ذراعه وكيف عضده فغضب أشد من غضبه الاول فأتاه جبريل من الله تعالى بقوله تعالى (وما قدروا الله حق قدره) الآية. وكان الذين حزبوا الاحزاب من قريش غطفان وبنى قريظة حيى ابن أخطب وسلام بن أبى الحقيق أبو رافع والربيع بن الربيع بن أبى الحقيق وأبو عمار ووحوح بن عامر وهوذة بن قيس فإما وحوح وأبو عمار وهوذة فمن بنى وائلة وسائرهم من بنى النضير فلما قدموا على قريش قالوا هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الاول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد فسألوهم فقالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه ومن اتبعه فأنزل الله فيهم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) إلى قوله (ملكا عظيما). قال ابن إسحق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم في الاربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤل أمرهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رجلهم واسمه الايهم وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل أسقفهم وخيرهم وحبرهم وامامهم فكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس فبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم

[ 290 ]

فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى جنبه أخ له يقال له كوز بن علقمة فعثرت بغلة أبى حارثة فقال كوز (1) تعس الا بعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة بل أنت تعست قال ولم يا أخى قال بلى والله انه للنبى الذى كنا ننتظر فقال له كوز فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا قال ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني ودخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات (2) جبب وأردية في جمال رجال بنى الحرث بن كعب فقال يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم فقالوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فصلوا إلى المشرق وكان تسمية الاربعة عشر السيد والعاقب وأبو حارثة وأوس والحرث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد و عبدالله ويحنس فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة والعاقب والايهم وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف في امرهم يقولون هو الله ويقولون هو ولد الله ويقولون هو ثالث ثلاثة وكذلك قول النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيى الموتى ويبرئ الاسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائرا، وذلك كله بأمر الله تبارك وتعالى وليجعله آية للناس، ويحتجون في قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله فعلنا وامرنا وخلقنا وقضينا فيقولون لو كان واحدا ما قال الا فعلت


(1) بضم الكاف وآخره زاى. كذا قيده ابن ماكولا، وهو كور بن علقمة. واما كرز بن علقمة بالراء بدل الواو فهو صحابي غيره. (2) من ثياب اليمن (*)

[ 291 ]

وامرت وقضيت وخلقت ولكنه هو عيسى ومريم ففى كل ذلك من قولهم نزل القرآن فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم اسلما قالا قد اسلمنا قال انكما لم تسلما فاسلما قالا بلى قد اسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكما من الاسلام دعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب واكلكما الخنزير قالا فمن ابوه يا محمد فصمت فلم يجبهما فأنزل الله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه والفصل من القضاء بينه وبينهم وامر بما امر من ملاعنتهم ان ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك فقالوا يا ابا القاسم دعنا ننظر في امرنا ثم نأتك بما تريد ان تفعل فيما دعوتنا إليه فانصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب وكان ذا رأيهم فقالوا يا عبد المسيح ما ترى فقال والله يا معشر النصارى لقد عرفتم ان محمدا لنبى مرسل ولقد جاءكم من خبر صاحبكم ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط فبقى كبيرهم ولا نبث صغيرهم وانه للاستئصال منكم ان فعلتم فان كنتم قد ابيتم الا الف دينكم والاقامة على ما انتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا ابا القاسم قد رأينا ان لا نلاعنك وان نتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا من اصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في اشياء اختلفنا فيها من اموالنا فانكم عندنا رضى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتونى العشية ابعث معكم القوى الامين فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول ما احببت الامارة قط حبى اياها يومئذ رجاء ان يكون صاحبها فرحت إلى الظهر مهجرا فلما صلى بنا رسول الله صلى عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه ويساره فجعلت اتطاول ليراني فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى ابا عبيدة بن الجراح فدعاه فقال اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه قال عمر فذهب بها أبو عبيدة رضى الله عنه.

[ 292 ]

(خبر عبدالله بن ابى سلول وابى عامر الفاسق) وكان يقال له الراهب قال ابن اسحق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كما حدثنى عاصم ابن عمر بن قتادة وسيد اهلها عبدالله بن ابى سلول لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان لم يجتمع الاوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من احد الفريقين حتى جاء الاسلام وغيره ومعه في الاوس رجل هو في قومه من الاوس شريف مطاع أبو عامر عبد عمر بن صيفي بن النعمان احد بنى ضبيعة بن زيد وهو أبو حنظلة الغسيل يوم احد وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح فكان يقال له الراهب فشقيا بشرفهما، اما ابن ابى فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم فجاءهم الله برسوله وهم على ذلك فلما انصرف قومه عنه إلى الاسلام ضغن ورأى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سلبه ملكا عظيما فلما رأى قومه قد أبوا الا الاسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق، واما أبو عامر فأبى الا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الاسلام فخرج منهم إلى مكة ببضعة عشر رجلا مفارقا للاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا الراهب ولكن قولوا الفاسق وكان قد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان يخرج إلى مكة ما هذا الذى جئت به قال جئت بالحنيفية دين ابراهيم عليه السلام قال فأنا عليها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انك لست عليها قال بلى انك ادخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها قال ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية قال الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجل فكان هو ذلك خرج إلى مكة فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج إلى الطائف فلما اسلم اهل الطائف خرج إلى الشام فمات بها طريدا غريبا وحيدا.

[ 293 ]

(جماع ابواب مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه وسراياه) ولما أذن الله عزوجل لنبيه في القتال كانت اول آية نزلت في ذلك (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير) كما روينا من طريق ابن عروبة ثنا سلمة ثنا عبد الرزاق قال انا الثوري عن الاعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان يقرأ (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) قال وهى اول آية نزلت في القتال. وروينا عن ابن عائذ قال اخبرنا الوليد بن محمد عن محمد بن مسلم الزهري قال وكان اول آية نزلت في القتال قوله عزوجل (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوى عزيز) قرئ على ابى محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى وانا اسمع اخبركم أبو على بن ابى القاسم بن الخريف حضورا في الخامسة قال انا ابو بكر محمد بن عبدا لباقي بن محمد الانصاري قال انا أبو الحسن على بن ابراهيم الباقلانى قال انا أبو بكر احمد بن جعفر القطعي قال انا أبو مسلم اببراهيم بن عبد الله البصري قال حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن ابن عجلان عن المقبرى عن ابيه عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على الله تعالى.

[ 294 ]

(ذكر الخبر عن عدد مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه) روينا عن ابن سعد قال انا محمد بن عمر بن واقد الاسلمي ثنا عمر بن عثمان ابن عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومى وموسى بن محمد بن ابراهيم بن الحرث التيمى ومحمد بن عبدالله بن مسلم ابن اخى الزهري وموسى بن يعقوب بن عبدالله ابن وهب بن زمعة بن الاسود و عبدالله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري ويحيى بن عبد الله بن ابى قتادة الانصاري وربيعة بن عثمان بن عبدالله بن الهدير التيمى واسمعيل بن ابراهيم بن ابى حبيبة الاشهلى و عبدالحميد ابن جعفر الحكمى وعبد الرحمن بن ابى الزناد ومحمد بن صالح التمار قال ابن سعد وانا رويم بن يزيد المقرئ ثنا هارون بن ابى عيسى عن محمد بن اسحق قال وانا حسين بن محمد عن ابى معشر قال وانا اسمعيل بن عبدالله بن ابى اويس المدنى عن اسمعيل بن ابراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا كان عدد مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم التى غزا بنفسه سبعا وعشرين وكانت سراياه التى بعث فيها سبعا واربعين سرية وكان ما قاتل فيه من المغازى تسع غزوات بدر القتال وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف. فهذا ما اجتمع لنا عليه، وفى بعض رواياتهم انه قاتل في بنى النضير ولكن الله جعلها له نفلا خاصة وقاتل في غراة وادى القرى منصرفه من خيبر وقتل بعض اصحابه وقاتل في الغابة. فأول مغازيه صلى الله عليه وسلم بنفسه:

[ 295 ]

(غزوة ودان) روينا عن ابى عروبة ثنا سليمان بن سيف ثنا سعيد بن بريع ثنا محمد بن اسحق قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر غازيا على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر صفر حتى بلغ ودان وكان يريد قريشا وبنى ضمرة وهى غزوة الابواء ثم رجع إلى المدينة وكان استعمل عليها سعد ابن عبادة فيما ذكره ابن هشام. قال ابن اسحق فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذى وادعه منهم عليهم مخشى بن عمرو الضمرى وكان سيدهم في زمانه ذلك ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا

[ 296 ]

(بعث حمزة وعبيدة بن الحرث) روينا عن ابن اسحق قال فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاول وبعث في مقدمه ذلك عبيدة بن الحرث بن المطلب ابن عبد مناف في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار احد فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة فلقى بها جمعا عظيما من قريش فلم يكن بينهم قتال الا ان سعد بن ابى وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان اول سهم رمى به في الاسلام ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار وكان على القوم عكرمة بن ابى جهل وقال ابن هشام مكرر ابن حفص بن الاخيف. قال ابن اسحق فكانت راية عبيدة فيما بلغنا اول راية عقدت في الاسلام وبعض العلماء يزعم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين اقبل من غزوة الابواء قبل ان يصل إلى المدينة وبعث في مقامه ذلك حمزة ابن عبدالمطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيض في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار احد فلقى ابا جهل بن هشام في ذلك الساحل في ثلاثمائة راكب فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى وكان موادعا للفريقين جميعا فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال فقال وبعض الناس يقول كانت راية حمزة اول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ان

[ 297 ]

بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبه ذلك على الناس. وروينا عن موسى بن عقبة ان اول البعوث بعث حمزة في ثلاثين راكبا فلقوا ابا جهل في ثلاثين ومائة راكب من المشركين ثم كانت الابواء على رأس اثنى عشر شهرا ثم بعث عبيدة فلقوا بعثا عظيما من المشركين على ماء يدعى الاحياء من رابغ قال وهو اول يوم التقى فيه المسلمون والمشركون في قتال. وروينا عن ابن عائذ عن الوليد عن ابن لهيعة عن ابى الاسود عن عروة ان راية حمزة هي الاولى. وروينا عنه ايضا عن محمد بن شعيب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن ابيه عن عكرمة عن ابن عباس ذكر بعث عبيدة ثم بعث حمزة بنحو ما ذكر ابن اسحق وروينا عن ابن سعد ان اول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبدالمطلب في شهر رمضان على رأس سبعة اشهر لواء ابيض وكان الذى حمله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوى في ثلاثين راكبا من المهاجرين. قال ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم احدا من الانصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا، وذلك انهم شرطوا له انهم يمنعونه في دارهم وخرج حمزة يعرض لعير (1) قريش قد جاءت من الشام تريد مكة وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل ثم سرية عبيدة في ستين من المهاجرين إلى بطن رابغ في شوال على رأس ثمانية اشهر عقد له لواء ابيض حمله مسطح بن اثاثة فلقى ابا سفيان بن حرب في مائتين من اصحابه على ماء يقال له احيا. وقال ابو عمر ابني من بطن رابغ على عشرة اميال من الجحفة وانت تريد قديدا عن يسار الطريق وانما نكبوا عن الطريق ليرعوا ركابهم.


(1) العير: القافلة وهى الابل والدواب تحمل الطعام وغيره من التجارات. (*)

[ 298 ]

(سرية سعد بن ابى وقاص) إلى الخراز في ذى القعدة على رأس تسعة اشهر. عقد له لواء ابيض حمله المقداد خمسين ومائة ويقال في مائتين من قريش من المهاجرين ممن انتدب ولم يكره أحدا على الخروج وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها وخرج يعترض لعير قريش حين أبدأت إلى الشام فكان قد جاءه الخبر بقفولها من مكة فيها أموال قريش فبلغ ذا العشيرة وهى لبنى مدلج بناحية الينبع وبين ينبع والمدينة تسعة برد فوجد العير التى قد خرج إليها قد مضت قبل ذلك بأيام وهى العير التى خرج إليها حين رجعت من الشام فكانت بسببها وقعة بدر الكبرى.

[ 299 ]

(غزوة بواط (1)) قال ابن إسحق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الاول يريد قريشا حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا واستعمل على المدينة السائب بن مظعون فيما ذكر ابن هشام، وحمل اللواء وكان أبيض سعد بن معاذ فيما ذكر ابن سعد، وقال وخرج في مائتين من اصحابه يعرض لعير قريش فيها أمية بن خلف الجمحى ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير.


(1) كغراب: جبال جهينة على ابراد من المدينة. (*)

[ 300 ]

(غزوة العشيرة) قال ابن إسحق: في أثناء جمادى الاولى يعنى من السنة الثانية ثم غزا قريشا حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جمادى الاولى وليالي من جمادى الآخرة ووادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة وفيها كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أبا تراب حين وجده نائما هو وعمار بن ياسر وقد علق به تراب فأيقظه عليه السلام برجله وقال له مالك أبا تراب لما يرى عليه من التراب ثم قال ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين قلنا بلى يا رسول الله قال أحيمر ثمود الذى عقر الناقة والذى يضربك يا على على هذه - ووضع يده على قرنه حتى يبل منها هذه وأخذ بلحيته - واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد فيما ذكر ابن هشام. وذكر ابن سعد أنها كانت في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا وحمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حمزة بن عبدالمطلب وكان أبيض وخرج في ذلك لاصحابه وقال قد نهانى أن أستكره أحدا منكم فمضوا لم يتخلف عليه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران أضل سعد ابن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه (1) فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبدالله بن جحش وأصحابه حتى نزل بنخلة فمرت به عير لقريش فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبدالله بن المغيرة وأخوه نوفل المخزوميان والحكم ابن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف عليهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقالوا عمار.


(1) أي: يركبه أحدهما مرة والآخر أخرى. (*)

[ 301 ]

(غزوة بدر الاولى) قال ابن إسحق: فلم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالى قلائل لا تبلغ العشر حتى أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح (1) المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر وفاته كرز بن جابر فلم يدركه واستعمل على المدينة فيما قال ابن هشام زيد بن حارثة، وذكر ابن سعد أنها في ربيع الاول على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة وحمل اللواء فيها على بن أبى طالب قال والسرح ما رعوا من نعمهم.


(1) السرح: الابل والمواشى التى تسرح للرعى. (*)

[ 302 ]

(سرية عبدالله بن جحش) وبعث عبدالله بن جحش في رجب مقفله من بدر الاولى ومعه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد وكتب له كتابا وأمره ان لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به ولا يستكره احدا من اصحابه وكان اصحابه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وعكاشة بن محصن الاسدي وعتبة بن غزوان وسعد بن ابى وقاص وعامر بن ربيعة من عنز بن وائل حليف بنى عدى وواقد بن عبدالله أحد بنى تميم حليف لهم وخالد بن البكير وسهيل بن بيضاء فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من اخبارهم فلما نظر في الكتاب قال سمعا وطاعة ثم قال ابن عمرو وبعثه في عشرين من المهاجرين. ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الابواء، وهى غزوة ودان وكلاهما قد ورد وبينهما ستة اميال وكانت على رأس اثنى عشر شهرا من الهجرة وحمل اللواء حمزة بن عبدالمطلب فكانت الموادعة على ان بنى ضمرة لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعا ولا يعينون عليه عدوا ثم انصرف عليه السلام إلى المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة (1)


(1) في الاصل " خمسة عشر ". (*)

[ 303 ]

لا بأس عليكم منهم وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم والله لئن تركتم القوم في هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لنقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الاقدام عليهم ثم شجعوا انفسهم عليهم واجمعوا قتل من قدروا عليه منهم واخذ ما معه فرمى واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر (1) عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان وأفنت القوم نوفل بن عبدالله فأعجزهم وأقبل عبدالله بن جحش واصحابه بالعير والاسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وقد ذكر بعض آل عبدالله ابن جحش ان عبدالله قال لاصحابه ان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس وذلك قبل ان يفرض الله الخمس من المغانم فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير وقسم سائرها بين اصحابه. قال ابن اسحق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما امرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقف العير والاسيرين وأبى ان يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في ايدى القوم وظنوا انهم قد هلكوا وعنفهم اخوانهم من المسلمين فيما صنعوا وقالت قريش إذا استحل محمد واصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم واخذوا فيه الاموال وأسروا فيه الرجال. فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة انما اصابوا ما اصابوا في شعبان وقالت يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله عمرو عمرت الحرب والحضرمى حضرت الحرب وواقد بن عبدالله وقدت الحرب فجعل الله عليهم ذلك لا لهم فلما اكثر الناس في ذلك انزل الله تعالى (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج اهله منه اكبر عند الله والفتنة اكبر من القتل) ففرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه


(1) أي: كان اسيرا. (*)

[ 304 ]

وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والاسيرين وبعث إليه قريش في فداء عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفديكما حتى يقدم صاحبانا يعنى سعد بن ابى وقاص وعتبة بن غزوان فانا نخشاكم عليهما فان تقتلوهما نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن اسلامه واقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات في بئر معونة شهيدا واما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا. فلما تجلى عن عبدالله بن جحش واصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الاجر فقالوا يا رسول الله أتطمع ان تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين فأنزل الله فيهم (ان الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء. والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير ثم قسم الفئ بعد كذلك. قال ابن هشام وهى اول غنيمة غنمها المسلمون وعمرو بن الحضرمي اول من قتل المسلمون وعثمان والحكم اول من أسر المسلمون فقال في ذلك ابو بكر الصديق، ويقال هي لعبد الله بن جحش: تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد * وكفر به والله راء وشاهد شفينا (1) من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد وذكر موسى بن عقبة ومحمد بن عائذ نحو ذلك غير انهما ذكرا ان صفوان بن بيضاء بدل سهيل اخيه ولم يذكرا خالدا ولا عكاشة. وذكر ابن عقبة فيهم عامر


(1) في الظاهرية " سقينا " مكان " شفينا ". (*)

[ 305 ]

ابن اياس وقال ابن سعد كان الذى اسر الحكم بن كيسان المقداد بن عمرو وذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن جحش في اثنى عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان بعيرا إلى بطن نخلة وهو بستان ابن عامر وان سعد بن ابى وقاص كان زميل عتبة بن غزوان فضل بهما بعيرهما فلم يشهدا الوقعة، والذى ذكره موسى بن عقبة ان ابن جحش لما قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير اصحابه تخلف رجلان سعد وعتبة فقدما بحران ومضى سائرهم. وقال ابن سعد ويقال ان عبدالله بن جحش لما رجع من نخلة خمس ما غنم وقسم بين اصحابه سائر المغانم فكان اول خمس خمس في الاسلام ويقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم بدر وأعطى كل قوم حقهم، وفى هذه السرية سمى عبدالله بم جحش امير المؤمنين (1)


(1) لكونه كان مؤمرا على جماعة من المؤمنين. (*)

[ 306 ]

(تحويل القبلة) قرئ على الشيخ ابى عبدالله محمد بن ابراهيم المقدسي وانا حاضر في الرابعة اخبركم أبو الحسن على بن النفيس بن بورنداز قراءة عليه ببغداد وأقر به قال انا ابو الوقت عبد الاول بن عيسى قال انا أبو عطاء بن ابى عاصم قال انا حاتم بن محمد بن يعقوب ثنا أبو العباس محمد بن محمد بن الحسن الفريزنى (1) ثنا أبو جعفر وجابر بن عبدالله بن فورجة ثنا مالك بن سليمان الهروي عن يزيد بن عطاء عن ابى اسحق عن البراء بن عازب قال لقد صلينا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعه عشر شهرا وكان الله يعلم انه يحب ان يوجه نحو الكعبة فلما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إليها صلى رجل معه ثم اتى قوما من الانصار وهم ركوع نحو بيت المقدس فقال لهم وهم ركوع اشهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه نحو الكعبة فاستداروا وهم ركوع فاستقبلوها رواه البخاري وغيره من حديث ابى اسحق عن البراء. ورويناه من طريق ابن سعد ثنا الحسن ابن موسى ثنا زهير ثنا أبو اسحق عن البراء الحديث وفيه وانه صلى اول صلاة صلاها العصر وصلاها معه قوم فخرج رجل ممن صلاها معه فمر على اهل مسجد وهم راكعون فقال اشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكان يعجبه ان يحول قبل البيت وكانت اليهود قد اعجبهم إذ كان يصلى قبل بيت المقدس واهل الكتاب فلما ولى وجهه قبل البيت انكروا


(1) بفتح الفاء والراى (*)

[ 307 ]

ذلك وفيه انه مات على على القبلة قبل ان تحول قبل البيت رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى (وما كان الله ليضيع ايمانكم ان الله بالناس لرءوف رحيم) وقد اتفق العلماء على ان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة كانت إلى بيت المقدس وان تحويل القبلة إلى الكعبة كان بها واختلفوا كم اقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلى إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة وفى أي صلاة كان التحويل وفى صلاته عليه السلام قبل ذلك بمكة كيف كانت. فأما مدة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس بالمدينة فقد رويناه انه كان ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا وروينا بضعة عشر شهرا. (1) قال الحربى ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ربيع الاول فصلى إلى بيت المقدس تمام السنة وصلى من سنة اثنتين ستة اشهر ثم حولت القبلة في رجب. وكذلك روينا عن ابن اسحق قال ولما صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة وصرفت في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في خبر ذكره، وسنذكره بعد تمام هذا الكلام ان شاء الله تعالى وقال موسى بن عقبة وابراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبدالرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ان القبلة صرفت في جمادى. وقال الواقدي انما صرفت صلاة الظهر يوم الثلاثاء في النصف من شعبان. كذا وجدته عن ابى عمر بن عبد البر. والذى رويناه عن الواقدي من طريق ابن سعد ثنا ابراهيم بن اسمعيل ابن ابى حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس. قال ابن سعد وانا عبدالله بن جعفر الزهري عن عثمان بن محمد الاخنسى وعن غيرهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان يحب ان يصرف إلى الكعبة فقال يا جبريل وددت ان الله صرف


(1) في حاشية الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 308 ]

وجهى عن قبلة يهود فقال جبريل انما انا عبد فادع ربك وسله، وجعل إذا صلى إلى بيت المقدس يرفع رأسه إلى السماء فنزلت (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) فوجه إلى الكعبة إلى الميزاب. ويقال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ثم امر ان يوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون ويقال بل زار رسول الله صلى الله عليه وسلم ام بشر بن البراء بن معرور في بنى سلمة فصنعت له طعاما وحانت الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ركعتين ثم امر ان يوجه إلى الكعبة فاستقبل الميزاب فسمى المسجد مسجد القبلتين وذلك يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا. وفرض صوم شهر رمضان في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا. قال محمد بن عمر وهذا الثبت عندنا. قال القرطبى الصحيح سبعة عشر شهرا وهو قول مالك وابن المسيب وابن اسحق. وقد روى ثمانيه عشر وروى بعد سنتين وروى بعد تسعة اشهر أو عشرة اشهر والصحيح ما ذكرناه اولا، واما الصلاة التى وقع فيها تحويل القبلة ففى خبر الواقدي هذا انها الظهر، وقد ذكرنا في حديث البراء قبل هذا انها العصر. وقد روينا عن ابن سعد قال انا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة قال انا ثابت عن انس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى نحو بيت المقدس فنزل (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) فمر رجل بقوم من بنى سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر فنادى ألا ان القبلة قد حولت إلى الكعبة فمالوا إلى الكعبة. وروينا عن ابن سعد قال انا الفضل بن دكين ثنا قيس بن الربيع ثنا زياد بن علاقة عن عمارة بن اوس الانصاري قال صلينا احدى صلاتي العشى فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة فنادى ان الصلاة قد وجهت نحو الكعبة تحول أو تحرف امامنا نحو الكعبة والنساء والصبيان، وليس في هذين

[ 309 ]

الخبرين ما يعارض ما قبلهما لان بلوغ التحويل غير التحويل. وقرئ على ابى عبدالله بن ابى الفتح بن وثاب الصوري وانا اسمع اخبركم الشيخان أبو مسلم المؤيد ابن عبدالرحيم بن احمد بن محمد بن الاخوة البغدادي نزيل اصبهان وابو المجد زاهر بن ابى طاهر الثقفى الاصبهاني اجازة قال الاول اخبرنا أبو الفرج سعيد ابن اببى رجاء الصيرفى وقال الثاني انا أبو الوفاء منصور بن محمد بن سليم قالا انا ابو الطيب عبد الرزاق بن عمر بن موسى بن شمة قال انا أبو بكر محمد بن ابراهيم ابن على بن عاصم قال انا على بن العباس المقانعى عن محمد بن مروان عن ابراهيم ابن الحكم بن ظهير قال وثنا سفيان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال كانوا يصلون الصبح فانحرفوا وهم ركوع. واما كيف كانت صلاته صلى الله عليه وسلم قبل تحويل القبلة فمن الناس من قال كانت صلاته صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس من حين فرضت الصلاة بمكة إلى ان قدم المدينة ثم بالمدينة إلى وقت التحويل: روينا من طريق ابى بكر محمد بن ابراهيم بن المقرئ بالسند المذكور آنفا قال ثنا على بن العباس المقانعى عن محمد بن مروان عن ابراهيم بن الحكم بن ظهير عن ابيه عن السدى في كتاب الناسخ والمنسوخ له قال قوله تعالى (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها) قال قال ابن عباس اول ما نسخ الله تعالى من القرآن حديث القبلة. قال ابن عباس ان الله تبارك وتعالى فرض على رسوله الصلاة ليلة اسرى به إلى بيت المقدس ركعتين ركعتين الظهر والعصر والعشاء والغداة والمغرب ثلاثا فكان يصلى إلى الكعبة ووجهه إلى بيت المقدس قال ثم زيد في الصلاة بالمدينة حين صرفه الله إلى الكعبة ركعتين رجعتين الا المغرب فتركت كما هي

[ 310 ]

قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه يصلون إلى بيت المقدس وفيه قال فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سنة حتى هاجر إلى المدينة قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه ان يصلى قبل الكعبة لانها قبلة آبائه ابراهيم واسمعيل قال وصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى هاجر إلى المدينة وبعد ما هاجر ستة عشر شهرا إلى بيت المقدس قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينتظر لعل الله ان يصرفه إلى الكعبة قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليهما السلام وددت انك سألت الله ان يصرفني إلى الكعبة فقال جبريل لست استطيع ان ابتدئ الله جل وعلا بالمسألة ولكن ان سألني اخبرته قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء ينتظر جبريل ينزل عليه قال فنزل عليه جبريل وقد صلى الظهر ركعتين إلى بيت المقدس وهم ركوع فصرف الله القبلة إلى الكعبة. الحديث، وفيه فلما صرف الله القبلة اختلف الناس في ذلك فقال المنافقون ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها وقال بعض المؤمنين فكيف بصلاتنا التى صلينا نحو بيت المقدس فكيف بمن مات من اخواننا وهم يصلون إلى بيت المقدس تقول قبل الله عزوجل منا ومنهم أم لا، وقال ناس من المؤمنين كان ذلك طاعة وهذا طاعة نفعل ما امرنا النبي صلى الله عليه وسلم وقالت اليهود اشتاق إلى بلد ابيه وهو يريد ان يرضى قومه ولو ثبت على قبلتنا لرجونا ان يكون هو النبي الذى كنا ننتظر ان يأتي، وقال المشركون من قريش تحير على محمد دينه فاستقبل قبلتكم وعلم انكم أهدى منه ويوشك ان يدخل في دينكم فأنزل الله في جميع ذلك الفرق كلها فأنزل في المنافقين (ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم - إلى دين الاسلام - وكذلك جعلناكم امة وسطا) إلى آخر الآية. وانزل في المؤمنين (وما جعلنا القبلة التى كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) يقول

[ 311 ]

الا لنبتلى بها وانما كان قبلتك التى تبعث بها إلى الكعبة ثم تلا (وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله) قال من اليقين قال المؤمنون كانت القبلة الاولى طاعة وهذه طاعة فقال الله عزوجل (وما كان الله ليضيع ايمانكم) قال صلاتكم لانكم كنتم مطيعين في ذلك ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم (قد نرى تقلب وجهك في السماء - يقول تنتظر جبريل حتى ينزل عليك - فلنولينك قبلة ترضاها - يقول تحبها - فول وجهك شطر المسجد الحرام - نحو الكعبة - وانه للحق من ربك) أي انك تبعث بالصلاة إلى الكعبة. وانزل الله في اليهود (ولئن أتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك) قال لئن جئتهم بكل آية انزلها الله في التوراة في شأن القبلة انها إلى الكعبة ما تبعوا قبلتك، قال وانزل الله في اهل الكتاب (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) قال يعرفون ان قبلة النبي الذى يبعث من ولد اسمعيل عليهما السلام قبل الكعبة كذلك هو مكتوب عندهم في التوراة وهم يعرفونه بذلك كما يعرفون ابناءهم وهم يكتمون ذلك وهم يعلمون ان ذلك هو الحق يقول الله تعالى (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) يقول من الشاكين قال ثم انزل في قريش وما قالوا فقال (لئلا يكون للناس عليكم حجة - قال لكيلا يكون لاحد من الناس حجة - الا الذين ظلموا منهم) يعنى قريشا، وذلك قول قريش قد عرف محمد انكم اهدى منه فاستقبل قبلتكم ثم قال (فلا تخشوهم) قال فحين قالوا يوشك ان يرجع إلى دينكم يقول (لا تخشوا ان اردكم في دينهم) قال (ولاتم نعمتي عليكم) أي أظهر دينكم على الاديان كلها. كل هذا عن السدى من كتابه في الناسخ والمنسوخ وهو يروى لنا بالاسناد المذكور وهو يروى عن ابى مالك عن ابن عباس ثم يتخلل سياق خبره فوائد عن بعض رواة الكتاب ثم يقول جامعه عند انقضائها وعوده إلى الاول رجع إلى السدى ثم يقول عنه قال ابن عباس كذا قال ابن

[ 312 ]

عباس كذا في اخبار متعددة متغايرة فيحتمل ان يكون ذلك عنده عن ابى مالك عن ابن عباس ويحتمل الانقطاع ولو كان ذلك في خبر واحد لكان اقرب إلى الاتصال، والسدى هذا هو الكبير اسمعيل بن عبدالرحمن يروى عن انس وعبد خير روى عنه الثوري وشعبة وزائدة، وكان يجلس بالمدينة في مكان يقال له السد فنسب إليه، احتج به مسلم ووثقه بعضهم وتكلم فيه آخرون. والسدى الصغير هو محمد بن مروان المذكور في الاسناد إليه مضعف عندهم. وقال آخرون انه عليه السلام صلى اول ما صلى إلى الكعبة ثم انه صرف إلى بيت المقدس. قال أبو عمر: ذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم اول ما صلى إلى الكعبة ثم انه صرف الى بيت المقدس فصلت الانصار نحو بيت المقدس قبل قدومه عليه السلام بثلاث وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه ستة عشر شهرا ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة. وقال ابن شهاب وزعم ناس والله أعلم انه كان يسجد نحو بيت المقدس ويجعل وراء ظهره الكعبة وهو بمكة ويزعم ناس انه لم يزل يستقبل الكعبة حتى خرج منها فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس. قال أبو عمر وأحسن من ذلك قول من قال انه عليه السلام كان يصلى بمكة مستقبل القبلتين يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. وقد روينا ذلك من طريق مجاهد عن ابن عباس. قرأت على الامام الزاهد ابى اسحق ابراهيم ابن على بن احمد بن فضل بن الواسطي بسفح قاسيون اخبركم الشيخ أبو البركات داود بن احمد بن محمد بن ملاعب البغدادي وابو الفضل عبد السلام بن عبدالله ابن احمد بن بكران بن الزاهرى سماعا عليهما الاول بالشام والثانى بالعراق لاقا اخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن زهير بن البسرى بن الزاغونى زاد ابن ملاعب وابو منصور انوشتكين بن عبدالله الرضواني قال انا أبو القاسم على بن احمد بن محمد بن البسرى وقال ابن الزاغونى انا الشريف أبو نصر محمد بن محمد الزينبي

[ 313 ]

قالا انا أبو طاهر محمد بن عبدالرحمن ببت العباس المخلص ثنا يحيى ثنا الحسن بن يحيى الارزى أبو على بالبصرة ثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن سليمان يعنى الاعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا ثم صرف إلى الكعبة. وروينا عن ابن سعد قال انا هاشم بن القاسم ثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظى قال ما خالف نبى نبيا قط في قبلة ولا في سنة الا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس من حين قدم المدينة ستة عشر شهرا ثم قرأ (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا). وقد ذكرنا فيما سلف حديث البراء بن معرور وتوجهه إلى الكعبة وفيه دليل على ان الصلاة كانت يومئذ إلى بيت المقدس ولما كان صلى الله عليه وسلم يتحرى القبلتين جميعا لم يتبين توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة. قال السهيلي وكرر الباري سبحانه وتعالى الامر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات لان المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة اصناف اليهود لانهم لا يقولون بالنسخ في اصل مذهبهم واهل الريب والنفاق اشتد انكارهم له لانه كان اول نسخ نزل وكفار قريش لانهم قالوا ندم محمد على فراق ديننا وكانوا يحتجون عليه فيقولون يزعم محمد انه يدعونا إلى ملة ابراهيم واسمعيل وقد فارق قبلة ابراهيم واسمعيل وآثر عليها قبلة اليهود فقال الله له حين امره بالصلاة إلى الكعبة (لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا منهم) على الاستثناء المنقطع أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وذكر الآيات إلى قوله (ليكتمون الحق وهم يعلمون) أي يكتمون ما علموا من ان الكعبة هي قبلة الانبياء. وروينا من طريق ابى داود في كتاب الناسخ والمنسوخ له قال حدثنا احمد بن صالح ثنا عنبسة عن يونس عن ابن شهاب قال كان سليمان بن عبدالملك لا يعظم ايلياء (1) كما يعظمها اهل البيت قال فسرت معه


(1) أي: بيت المقدس. (*)

[ 314 ]

وهو ولى عهد قال ومعه خالد بن يزيد بن معاوية قال سليمان وهو جالس فيها والله ان في هذه القبلة التى صلى إليها المسلمون والنصارى لعجبا قال خالد بن يزيد اما والله انى لاقرأ الكتاب الذى انزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم وأقرأ التوراة فلم تجدها اليهو في الكتاب الذى انزل الله عليهم ولكن تابوت السكينة على الصخرة فلما غضب الله على بنى اسرائيل رفعه فكانت صلاتهم إلى الصخرة على مشاورة منهم. وروى أبو داود ايضا ان يهوديا خاصم ابا العالية في القبلة فقال أبو العالية ان موسى عليه السلام كان يصلى عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام فكانت الكعبة قبلته وكانت الصخرة بين يديه، وقال اليهودي بينى وبينك مسجد صالح النبي عليه السلام فقال أبو العالية فانى صليت في مسجد صالح وقبلته إلى الكعبة واخبر أبو العالية انه صلى في مسجد ذى القرنين وقبلته إلى الكعبة. قلت قد تقدم في حديث البراء ان رجلا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم تحويل القبلة ثم أتى قوما من الانصار فأخبرهم وهم ركوع فاستداروا، ولم يسم المخبر في ذلك الخبر والرجل هو عباد بن نهيك بن اساف الشاعر بن عدى بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو النبيت بن مالك بن الاوس عمر في الجاهلية زمانا واسلم وهو شيخ كبير فوضع النبي صلى الله عليه وسلم عنه الغزو وهو الذى صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم القبلتين في الظهر ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت القبلة ثم أتى قومه بنى حارثة وهم ركوع في صلاة العصر فأخبرهم بتحويل القبلة فاستداروا إلى الكعبة. وقد ذكر أبو عمر هذا الرجل بذلك لكنه لم يرفع نسبه انما قال عباد بن نهيك فقط ونسبه الخطمى فلم يصنع شيئا فخطمة هو عبد الله بن جشم بن مالك بن الاوس ليس هذا منه هذا حارثى وبنو خطمة تأخر اسلامهم.

[ 315 ]

(ذكر فرض صيام شهر رمضان وزكاة الفطر) وسنة الاضحية روينا عن ابن سعد قال انا محمد بن عمر ثنا عبدالله بن عبدالرحمن الجمحى عن الزهري عن عروة عن عائشة. قال الواقدي وانا عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال وانا عبد العزيز بن محمد عن ربيح بن عبدالرحمن بن ابى سعيد الخدرى عن ابيه عن جده قالوا نزل فرض شهر رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة بزكاة الفطر وذلك قبل ان تفرض الزكاة في الاموال وان تخرج عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والانثى صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من زبيب أو مدان من بر وكان يخطب صلى الله عليه وسلم قبل الفطر بيومين فيأمر باخراجها قبل ان يغدو إلى المصلى وقال اغنوهم يعنى المساكين عن طواف هذا اليوم وكان يقسمها إذا رجع، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العيد يوم الفطر بالمصلى قبل الخطبة، وصلى العيد يوم الاضحى وأمر بالاضحية واقام بالمدينة عشر سنين يضحى في كل عام قالوا وكان يصلى العيدين قبل الخطبة بغير اذان ولا اقامة وكان يجعل العنزة (1) بين يديه وكانت العنزة للزبير بن العوام قدم بها من ارض الحبشة فأخذها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى اشترى كبشين


(1) العنزة مثل نصف الرمح أو اكبر شيئا. (*)

[ 316 ]

سمينين اقرنين املحين (1) فإذا صلى وخطب يؤتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فيذبحه بيده بالمدية ثم يقول هذا عن امتى جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لى بالبلاغ ثم يؤتى بالآخر فيذبحه هو عن نفسه ثم يقول هذا عن محمد وآل محمد فيأكل هو واهله منه ويطعم المساكين فكان يذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية. قال محمد بن عمر وكذلك تصنع الائمة عندنا بالمدينة.


(1) الاملح هو الذى بياضه اكثر من سواده، وقيل هو النقى البياض. (*)

[ 317 ]

(ذكر المنبر وحنين الجذع) قرأت على الشيخة الاصيلة ام محمد مؤنسة خاتون بنت السلطان الملك العادل سيف الدين ابى بكر بن ايوب بالقاهرة قلت لها اخبرتك الشيخة ام هانئ عفيفة بنت احمد بن عبدالله الفارقانية اجازة فأقرت به قالت انا أبو طاهر محمد بن احمد بن عبد الواحد الصباغ قال انا أبو نعيم احمد بن عبدالله الحافظ ثنا أبو على ابن الصواف ثنا الحسين بن عمر ثنا ابى ثنا المعلى بن هلال عن عمار الدهنى (1) عن ابى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن ام سلمة انها قالت قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قوائم منبرى هذا رواتب في الجنة قال وكانت اساطين المسجد من دوم وظلاله من جريد النخل وكانت الاسطوانة تلى المنبر عن يسار المنبر إذا استقبلته دومة، قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسند ظهره إليها يوم الجمعة إذا خطب الناس قبل ان يصنع منبر. فأول يوم وضع المنبر استوى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا في الساعة التى كان يستند فيها إلى الاسطوانة ففقدته الاسطوانة فجارت جوار الثور أو خارت خوار الثور والنبى صلى الله عليه وسلم على المنبر فنزل النبي صلى الله عليه وسلم إليها فأتاها فوضع يده عليها وقال لها اسكني أو اسكتي ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منبره. وقرأت على ابى الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني بسفح قاسيون اخبركم أبو العباس الخضر بن كامل بن سالم بن سبيع قراءة عليه وانتم تسمعون سنة ست أو سبع وستمائة وابو اليمن زيد بن الحسن الكندى اجازة ان لم يكن سماعا قال الاول انا ابوالدر ياقوت بن عبدالله الرومي وقال الثاني انا


(1) بضم الدال المهملة نسبة إلى دهن بن معاوية حى من بجيلة. (*)

[ 318 ]

ابو الفتح محمد بن محمد بن البيضاوى قالا انا أبو محمد عبدالله بن محمد بن هزازمرد. " ح " وقرأت على ابى النور اسمعيل بن نور بن قمر الهيتى اخبركم الشيخ أبو نصر موسى ابن الشيخ عبد القادر الجيلى قراءة عليه وانت تسمع فأقر به قال انا أبو القاسم سعيد بن احمد بن الحسن بن البناء قال انا أبو القاسم على بن احمد بن محمد بن البسرى قالا انا أبو طاهر محمد بن عبدالرحمن بن العباس المخلص ثنا عبدالله يعنى البغوي ثنا شيبان بن فروخ ثنا مبارك بن فضالة ثنا الحسن عن انس بن مالك قال كان رسول الله صلى عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها فلما كثر الناس قال ابنوا لى منبرا قال فبنوا له عتبتان فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انس وانا في المسجد فسمعت الخشبة تحن حنين الواله فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكنت فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه لمكانه من الله عزوجل فأنتم احق ان تشتاقوا إلى لقائه. قال القاضى عياض رواه من الصحابة بضعة عشر منهم ابى بن كعب وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك و عبدالله بن عمر و عبدالله بن عباس وسهل ابن سعد وابو سعيد الخدرى وبريدة وأم سلمة والمطلب بن ابى وداعة كلهم يحدث بمعنى هذا الحديث، قال الترمذي وحديث انس صحيح وفى حديث جابر فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، وفى رواية انس حتى ارتج المسجد بخواره، وفى رواية سهل وكثر بكاء الناس لما رأوا فيه، وفى رواية المطلب حتى تصدع وانشق حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت، زاد غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان هذا بكى لما فقد من الذكر، وزاد غيره: والذى نفسي بيده لو لم التزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به فدفن تحت المنبر. وفى حديث ابى انه اخذه

[ 319 ]

ابى فكان عنده إلى ان اكلته الارض وعاد رفاتا، وفى حديث بريدة فقال يعنى النبي صلى الله عليه وسلم ان شئت اردك إلى الحائط الذى كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك ويجدد لك خوص وثمرة وان شئت اغرسك في الجنة فيأكل اولياء الله من ثمرك ثم اصغي له عليه السلام يستمع ما يقول فقال بل تغرسني في الجنة فسمعه من يليه فقال عليه السلام قد فعلت واخبرنا عبدالرحيم بن يوسف الموصلي بقراءة والدى عليه قال انا ابن طبرزذ قال انا ابن عبدا لباقي قال انا الجوهرى قال انا ابن الشخير ثنا العباس بن احمد ثنا محمد بن ابان ثنا أبو القاسم ابن ابى الزناد عن سلمة بن وردان قال سمعت ابا سعيد بن المعلى يقول سمعت عليا يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين قبري ومنبرى روضة من رياض الجنة ورويناه من حديث جابر وفيه وان منبرى على ترعة من ترع الجنة. (1)


في حاشية الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد " (*)

[ 321 ]

(غزوة بدر الكبرى) وكانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان قال ابن اسحق: ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبى سفيان بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها اموال لقريش وتجارة من تجارتهم وفيها ثلاثون رجلا من قريش أو اربعون منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص وقال ابن عقبة وابن عائذ في اصحاب ابى سفيان هم سبعون رجلا وكانت عيرهم الف بعير ولم يكن لحويطب بن عبدالعزى فيها شئ فلذلك لم يخرج معهم، وقال ابن سعد هي العير التى خرج لها حتى بلغ ذا العسيرة تحين قفولها من الشام فبعث طلحة بن عبيد الله التيمى وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يتجسسان خبر العير قال ابن اسحق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة و عبدالله ابن ابى بكر ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس كل قد حدثنى بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها اموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك انهم لم يظنوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الاخبار ويسأل من لقى من الركبان تخوفا من امر الناس حتى اصاب خبرا من بعض الركبان ان محمدا قد استنفر اصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره ان يأتي قريشا فيستنفرهم إلى اموالهم ويخبرهم ان

[ 322 ]

محمدا قد عرض لها في اصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة. وقال ابن سعد فخرج المشركون من اهل مكة سراعا ومعهم القيان والدفوف واقبل أبو سفيان بن حرب بالعير وقد خافوا خوفا شديدا حين دنوا من المدينة واستبطئوا ضمضما والنفير حتى وردوا بدرا وهو خائف فقال لمجدي بن عمرو هل احسست احدا من عيون محمد. قال ابن اسحق فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قالا وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب فقالت له يا اخى والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد افظعتني وتخوفت ان يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عنى ما احدثك فقال لها وما رأيت قالت رأيت راكبا اقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر (1) لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينا هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس ابى قبيس فصرخ بمثلها ثم اخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار الا دخلتها منه فلقة، قال العباس والله ان هذا لرؤيا وانت فاكتميها ولا تذكريها ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة ابن ربيعة وكان صديقا له فذكرها له واستكتمه اياها فذكرها الوليد لابيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش، قال العباس فغدوت لاطوف بالبيت وابو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رأني أبو جهل قال يا ابا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل الينا فلما فرغت اقبلت حتى


(1) الغدر هو ترك الوفاء، واكثر ما يستعمل هذا في النداء بالشتم يقال يا غدر ويقال في الجمع يا آل غدر. (*)

[ 323 ]

جلست معهم فقال لى أبو جهل يا بنى عبدالمطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال ذاك الرؤيا التى رأت عاتكة قال فقلت وما رأت قال يا بنى عبدالمطلب اما رضيتم ان تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها انه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يك حقا ما تقول فسيكون وان تقضى الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا انكم اكذب اهل بيت في العرب، قال العباس فوالله ما كان منى إليه كبير الا انى جحدت ذلك وانكرت ان تكون رأت شيئا. وعند ابن عقبة في هذا الخبر ان العباس قال لابي جهل هل انت منته فان الكذب فيك وفى اهل بيتك فقال من حضرهما ما كنت يا ابا الفضل جهولا ولا خرفا. وكذلك قال ابن عائذ وزاد فقال له العباس مهلا يا مصفر استه، ولقى العباس من عاتكة اذى شديدا حين افشى من حديثها. رجع إلى خبر ابن اسحق: قال ثم تفرقنا فلما امسيت لم تبق امرأة من بنى عبدالمطلب الا اتتنى فقالت اقررتم لهذا الفاسق الخبيث ان يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وانت تسمع ثم لم تكن عندك غير لشئ مما سمعت قال فقلت قد والله فعلت ما كان منى إليه من كبير وايم الله لا تعرضن له فان عاد لاكفيكنه قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وانا حديد مغضب أرى انى قد فاتني منه امر احب ان ادركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله انى لامشى نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأوقع به وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر قال إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال قلت في نفسي ماله لعنه الله أ كل هذا فرق منى ان أشاتمه قال فإذا هو قد سمع ما لم اسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة اموالكم مع ابى سفيان قد

[ 324 ]

عرض لها محمد في اصحابه لا أرى ان تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عنى ما جاء من الامر فتجهز الناس سراعا وقالوا يظن محمد واصحابه ان تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين اما خارج واما باعث مكانه رجلا وأوعبت قريش فلم يتخلف من اشرافها احد الا ان ابا لهب ابن عبدالمطلب قد تخلف وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها على ان يجزى عنه بعثه فخرج عنه وتخلف أبو لهب. قال ابن عقبة وابن عائذ خرجوا في خمسين وتسعمائة مقاتل وساقوا مائة فرس. وروينا عن ابن سعد قال انا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن ابى اسحق عن ابى عبيدة بن عبدالله عن ابيه قال لما أسرنا القوم في بدر قلنا كم كنتم قال كنا ألفا. قال ابن اسحق وحدثني عبد الله بن ابى نجيح ان امية بن خلف كان اجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فأتاه عقبة بن ابى معيط وهو جالس في المسجد بين ظهرانى قومه بمجمر يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا ابا على استجمر فانما انت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به قال ثم تجهز وخرج مع الناس، قيل وكان سبب تثبطه ما ذكره البخاري في الصحيح من حديثه مع سعيد بن معاذ وابى جهل بمكة وقول سعد له انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انه قاتلك قلت المشهور عند ارباب السير ان النبي صلى الله عليه وسلم انما قال ذلك لاخيه ابى بن خلف بمكة قبل الهجرة وهو الذى قتله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يوم احد بحربته وهذا ايضا لا ينافى خبر سعد والله اعلم. قال ابن اسحق: ولما فرغوا من جهازهم واجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب فقالوا انا نخشى ان يأتونا من خلفنا

[ 325 ]

فتبدى لهم ابليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكنانى المدلجى وكان من اشراف بنى كنانة فقال انا جار لكم من ان تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه فخرجوا سراعا. وذكر ابن عقبة وابن عائذ في هذا الخبر واقبل المشركون ومعهم ابليس لعنه الله في صورة سراقة يحدثهم ان بنى كنانة وراءه وقد اقبلوا لنصرهم وان لا غالب لكم اليوم من الناس وانى جار لكم. قال ابن اسحق وعمير بن وهب أو الحرث بن هشام كان الذى رآه حين نكص على عقبيه عند نزول الملائكة وقال انى أرى ما لا ترون فلم يزل حتى اوردهم ثم اسلمهم ففى ذلك يقول حسان: سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا دلاهم بغرور ثم اسلمهم * ان الخبيث لمن والاه غرار في ابيات ذكرها. قال ابن اسحق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في ليال مضت من شهر رمضان في اصحابه، قال ابن هشام لثمان ليال خلون منه، وقال ابن سعد يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت منه بعد ما وجه طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعشر ليال وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره بئر ابى عنبة وهى على ميل من المدينة فعرض اصحابه ورد من استصغر وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر كان المهاجرون منهم اربعة وستين رجلا وسائرهم من الانصار وثمانية تخلفوا لعذر ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهامهم واجورهم ثلاثة من المهاجرين عثمان بن عفان خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فأقام عليها حتى ماتت وطلحة وسعيد بن زيد

[ 326 ]

بعثهما يتجسسان خبر العير وخمسة من الانصار أبو لبابة بن عبد المنذر خلفه على المدينة وعاصم بن عدى العجلاني خلفه على اهل العالية والحرث بن حاطب العمرى رده من الروحاء إلى بنى عمرو بن عوف لشئ بلغه عنهم والحرث بن الصمة كسر من الروحاء وخوات بن جبير كسر ايضا. قال ابن اسحق ودفع اللواء إلى مصعب ابن عمير وكان ابيض وكان امام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان احداهما مع على بن ابى طالب والاخرى مع بعض الانصار، وقال ابن سعد كان لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الاوس مع سعد بن معاذ كذا قال، والمعروف ان سعد بن معاذ كان يومئذ على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وان لواء المهاجرين كان بيد على. قرئ على ابى حفص عمر بن عبد المنعم بن عمر بن عبدالله بن غدير بعربيل بغوطة دمشق وانا اسمع اخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن ابى الفضل بن الحرستانى قراءة عليه وانت حاضر في الرابعة فأقر به انا أبو الحسن على بن المسلم بن محمد السلمى سماعا قال انا أبو عبدالله الحسن بن احمد بن ابى الحديد قال انا أبو الحسن على بن موسى بن الحسين السمسار قال انا أبو القاسم المظفر بن حاجب بن مالك ابن الركين الفرغانى انا أبو الحسن محمد بن يزيد بن عبد الصمد الدمشقي ثنا احمد يعنى ابن ابى احمد الجرجاني ثنا شبابة بن سوار الفزارى ثنا قيس بن الربيع عن الحجاج بن ارطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم اعطى عليا الراية يوم بدر وهو ابن عشرين سنة. قال ابن اسحق وكانت ابل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا فاعتقبوها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى بن ابى طالب ومرثد بن ابى مرثد يعتقبون بعيرا وكان حمزة وزيد بن حارثة وابو كبشة وأنسة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا وكان أبو بكر وعمر و عبدالرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا. وروينا عن ابن

[ 327 ]

سعد قال انا يونس بن محمد المؤدب ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير وكان أبو لبابة وعلى زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا كانت عقبة النبي صلى الله عليه وسلم قالا اركب حتى نمشي عنك فيقول ما انتما بأقوى منى على المشى وما انا بأغنى عن الاجر منكما. انتهى ما رويناه عن ابن سعد، والمعروف ان ابا لبابة رجع من بئر ابى عنبة ولم يصحبهم إلى بدر رده رسول الله صلى الله عليه وسلم واليا على المدينة وقد تقدم. قال ابن اسحق وجعل على الساقة قيس بن ابى صعصعة أحد بنى مازن بن النجار فسلك طريقه إلى المدينة حتى إذا كان بعرق الظبية لقوا رجلا من الاعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا ثم ارتحل حتى أتى على واد يقال له زفران وجذع فيه ثم نزل فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال واحسن ثم قام عمر بن الخطاب فقال واحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمر الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب انت ورببك فقاتلا انا ها هنا قاعدون ولكن اذهب انت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشيروا على، فذكر ابن عقبة وابن عائذ ان عمر قال يا رسول الله انها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت والله لنقاتلنك فاتهب لذلك أهبته وأعدد لذلك عدته. رجع إلى خبر ابن اسحق: قال وانما يريد الانصار وذلك انهم عدد الناس وذلك انهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله انا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلنا إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه ابناءنا ونساءنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ان لا تكون الانصار ترى عليها نصره الا

[ 328 ]

ممن دعمه بالمدينة من عدوه وان ليس عليهم ان يسير بهم إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ لعلك تريدنا يا رسول الله فقال أجل قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به هو الحق واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما اردت فنحن معك والذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره ان تلقى بنا عدونا غدا انا لنصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى. وقد روينا من طريق مسلم ان الذى قال ذلك سعد بن عبادة سيد الخزرج وانما يعرف ذلك عن سعد بن معاذ. كذلك رواه ابن اسحق وابن عقبة وابن سعد وابن عائذ وغيرهم. واختلف في شهود سعد بن عبادة بدرا لم يذكره ابن عقبة ولا ابن اسحق في البدريين، وذكره الواقدي والمدائني وابن الكلبى فيهم. وروينا عن ابن سعد انه كان يتهيأ للخروج إلى بدر ويأتى دور الانصار يحضهم على الخزرج فنهش قبل ان يخرج فأقام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كان سعد لم يشهدها لقد كان عليها حريصا. قال وروى بعضهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب له بسهمه وأجره وليس ذلك بمجمع عليه ولا ثبت ولم يذكره احد ممن يروى المغازى في تسمية من شهد بدرا ولكنه قد شهد احدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. رجع إلى الاول: قال فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال سيروا وابشروا فان الله قد وعدني احدى الطائفتين والله لكأنى الآن انظر إلى مصارع القوم ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من اصحابه، قال ابن هشام هو وابو بكر الصديق -

[ 329 ]

قال ابن اسحق كما حدثنى محمد بن يحيى بن حبان - حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد واصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا اخبركما حتى تخبراني من انتما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اخبرتنا اخبرناك فقال الشيخ ذاك بذاك قال نعم قال الشيخ فانه قد بلغني ان محمدا واصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدق الذى اخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني ان قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فان كان الذى اخبرني صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به قريش فلما فرغ من خبره قال ممن انتما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ما " من ماء " أمن العراق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اصحابه فلما امسى بعث على بن ابى طالب والزبير بن العوام وسعد بن ابى وقاص في نفر من اصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه فأصابوا راوية لقريش فيها اسلم غلام بنى الحجاج وعريص ابو يسار غلام بنى العاص بن سعيد فأتوهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا ان يكونا لابي سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لابي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ثم سلم وقال إذا صدقا كم ضربتوهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله انهما لقريش اخبراني عن قريش قالا هم وراء هذا الكثيب الذى ترى بالغدوة القصوى والكثيب العقنقل (1) فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا ما ندرى قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا قال صلى الله عليه وسلم القوم ما بين التسعمائة والالف ثم قال لهما فمن فيهم من اشراف قريش قالا عقبة بن ربيعة


(1) العقنقل هو الكثيب العظيم المتداخل الرمل. (*)

[ 330 ]

وشيبة بن ربيعة وابو البخترى بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحرث ابن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدى بن نوفل والنضر بن الحرث وزمعة بن الاسود وابو جهل بن هشام وامية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال هذه مكة قد القت عليكم افلاذ كبدها. قال ابن عقبة وزعموا ان اول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل بن هشام جزائر (1) ثم نحر لهم صفوان بن امية بعسفان تسع جزائر ونحر لهم سهيل ابن عمرو بقديد عشر جزائر ومالوا من قديد إلى مناة من نحو البحر فظلوا فيها فأقاموا فيها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسع جزائر ثم اصبحوا بالجحفة فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشر جزائر ثم اصبحوا بالابواء فنحر لهم مقيس بن عمرو الجمحى تسع جزائر ونحر لهم العباس بن عبدالمطلب عشر جزائر ونحر لهم الحارث ابن عامر بن نوفل تسعا ونحر لهم ابوالبخترى على ماء بدر عشر جزائر ونحر لهم مقيس الجمحى على ماء بدر تسعا ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من ازوادهم. وقال ابن عائذ كان مسيرهم واقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال. قال ابن اسحق وكان بسبس بن عمرو وعدى بن ابى الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم اخذ شنا (2) لهما يستسقيان فيه ومجدى بن عمرو الجهنى على الماء فسمع عدى وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها انما تأتى العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم اقضيك الذى لك فقال مجدي صدقت ثم خلص بينهما وسمع ذلك عدى وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى اتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا ثم اقبل ابو سفيان


(1) جمع جزور وهو البعير ذكرا كان أو انثى. (2) أي: قربة. (*)

[ 331 ]

حتى تقدم العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست احدا قال ما رأيت احدا انكره الا انى قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من ابعار بعيريهما ففته ثم شمه فإذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب فرجع إلى اصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا بيسار وانطلق حتى اسرع وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن ابى الصلت بن مخرمة بن عبدالمطلب بن عبد مناف رؤيا فقال انى فيما يرى النائم وانى لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل اقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وابو الحكم بن هشام وامية بن خلف وفلان وفلان فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من اشراف قريش ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم ارسله في العسكر فما بقى خباء من أخبية العسكر الا اصابه نضح (1) من دمه قال فبلغت ابا جهل فقال وهذا ايضا نبى آخر من بنى المطلب سيعلم غدا من المقتول ان نحن التقينا. قال ابن اسحق ولما رأى أبو سفيان بن حرب انه قد احرز عيره ارسل إلى قريش انكم انما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم واموالكم وقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان (2) وتسمع بنا العرب وتحسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا اببدا بعدها، وقال الاخنس بن شريق وكان حليفا لبنى زهرة يا بنى زهرة قد نجى الله اموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بى جبنها (3) وارجعوا فانه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول


(1) أي: رشاش. (2) تعزف أي تضرب بالمعازف، والقيان: المغنيات. (3) أي: جبن هذه الملاقاة أو الخرجة التى خرجتم. (*)

[ 332 ]

هذا فرجعوا فلم يشهدها زهرى ولا عدوى ايضا ومضى القوم وكان بين طالب بن ابى طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله لقد علمنا يا بنى هاشم وان خرجتم معنا ان هواكم لمع محمد فرجع طالب إلى مكة مع من رجع ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا (1) فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه منها ما لبد لهم الارض ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على ان يرتحلوا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى جاء ادنى ماء من بدر فنزل به. قال ابن اسحق فحدثت عن رجال من بنى سلمة انهم ذكروا ان الحباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا ان نتقدمه ولا ان نتأخر عنه أم هو الرأى والحرب والمكيدة قال بل هو الرأى والحرب والمكيدة قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتى ادنى ماء من القوم فننزله ثم تغور ما وراءه من القلب (2) ثم تبنى عليه حوضا فتملاه ماء فتشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأى فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى ادنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية. وروينا عن ابن سعد في هذا الخبر فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما اشار به الحباب. قال ابن اسحق فحدثني عبدالله بن ابى بكر انه حدث ان سعد بن معاذ قال يا نبى الله ألا نبنى لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فان اعزنا الله واظهرنا على عدونا كان ذلك ما احببنا وان كانت الاخرى جلست على ركائبك


(1) أي لينا رخوا. (2) جمع قليب وهو البئر. (*)

[ 333 ]

فلحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك اقوام يا نبى الله ما نحن بأشد لك حبا منهم ولو ظنوا انك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فكان فيه. قال ابن اسحق وقد ارتحلت قريش حين اصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذى جاءوا منه إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذى وعدتني اللهم احنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له احمر ان يك في احد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر ان يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف بن ايماء بن رحضة أو ابوه ايماء ابن رحضة الغفاري بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر اهداها لهم وقال ان احببتم ان نمدكم بسلاح ورجال فعلنا قال فأرسلوا إليه مع ابنه ان وصلتك رحم قد قضيت الذى عليك فلعمري لئن كنا انما نقاتل الناس ما بنا ضعف ولئن كنا انما نقاتل الله كما يزعم محمد ما لاحد بالله من طاقة فلما نزل الناس اقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ الا قتل الا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل ثم اسلم بعد ذلك فحسن اسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذى نجاني من يوم بدر. قال وحدثني ابى رحمه الله اسحق بن يسار وغيره من اهل العلم عن اشياخ من الانصار قال لما اطمأن القوم بعثوا عمير ابن وهب الجمحى فقالوا احزر لنا اصحاب محمد فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ولكن امهلوني حتى انظر أللقوم كمين أو مدد قال فضرب في بطن الوادي حتى ابعد فلم ير شيئا فرجع إليهم

[ 334 ]

فقال ما رأيت سيئا ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم والله ما أرى ان يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا اصابوا منكم عدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال يا ابا الوليد انك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك إلى ان لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر قال وما ذلك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل امر حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلت انت على بذلك انما هو حليفي فعلى عقله وما اصيب من ماله فائت ابن الحنطلية يعنى ابا جهل بن هشام. ثم قام عتبة خطيبا فقال يا معشر قريش انكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا صلى الله عليه وسلم واصحابه شيئا والله لئن اصبتموه لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه وابن خاله ورجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فان اصابوه فذاك الذى اردتم وان كان غير ذلك الفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم فانطلقت حتى جئت ابا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فقلت له يا ابا الحكم ان عتبة ارسلني اليك بكذا وكذا للذى قال فقال انتفخ والله سحره (1) حين رأى محمدا واصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال ولكنه قد رأى ان محمدا واصحابه اكلة جزور وفيهم ابنه قد تخوف عليه ثم بعث إلى عامر الحضرمي فقال هذا حليفك يريد ان ترجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينيك فقم فانشد خفرتك ومقتل اخيك فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه فحميت الحرب وحقب امر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر وافسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة فلما بلغ عتبة قول ابى جهل انتفخ والله سحره قال سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره


(1) السحر هو الرئة، يقال للجبان قد انتفخ سحره. (*)

[ 335 ]

انا ام هو ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له (1). وقال ابن عائذ وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غر هؤلاء دينهم منهم ابوالبخترى بن هشام وعتبة بن ربيعة وابو جهل بن هشام وذكر غيرهم لما تقالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في اعينهم فأنزل الله تعالى (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم) الآية حتى نزلوا وتعبؤا للقتال والشيطان معهم لا يفاقهم. قال ابن اسحق وقد خرج الاسود بن عبد الاسد المخزومى وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال اعاهد الله لاشربن من حوضهم أو لاهدمنه أو لاموتن دونه فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب فلما التقيا ضرببه حمزة فأطن (2) قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو اصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم ان تبر يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين اخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد ابن عتبة حتى نصل من الصف دعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الانصار وهم عوف ومعوذ ابنا الحرث وامهما عفراء ورجل آخر يقال له عبدالله بن رواحة فقالوا من انتم قالوا رهط من الانصار قالوا ما لنا بكم من حاجة. وقال ابن عقبة وابن عائذ حين ذكرا خروج الانصار قال فاستحيا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لانه كان اول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد معهم فأحب النبي صلى الله عليه وسلم ان تكون الشوكة لبنى عمه فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم ان ارجعوا إلى مصافكم وليقم إليهم بنو عمهم. رجع إلى ابن اسحق ثم نادى مناديهم يا محمد اخرج الينا اكفاءنا من قومنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحرث وقم يا حمزة وقم يا على فلما قاموا ودنوا منهم


(1) أي: اعتم على رأسه بثوب. (2) أي: قطع. (*)

[ 336 ]

قالوا من انتم قال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال على على قالوا نعم اكفاء كرام فبارز عبيدة وكان اسن القوم عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز على الوليد بن عتبة فأما حمزة فلم يمهل شيبة ان قتله واما على فلم يمهل الوليد ان قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما اثبت صاحبه وكر حمزة وعلى بأسيافهما على عتبة فدففا (1) عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى اصحابه. قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان عتبة بن ربيعة قال للفتية من الانصار حين انتسبوا اكفاء كرام انما نريد قومنا قال ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقد امر رسول الله صلى الله عليه وسلم اصحابه ان لا يحملوا حتى يأمرهم وقال ان اكتنفكم القوم فانضخوهم عنكم بالنبل (2) ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه ابو بكر الصديق. قال وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن اشياخ من قومه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف اصحابه يوم بدر وفى يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بنى عدى بن النجار وهو مسند مستنتل (3) من الصف، قال ابن هشام فطعن في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد فقال يا رسول الله اوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدنى قال فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال حضر ما ترى فأردت ان يكون آخر العهد بك ان يمس جلدى جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقاله له. قال ابن اسحق ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده بالنصر ويقول فيما يقول


(1) أي اجهزا. (2) أي ارموهم بالنشاب. (3) أي متقدم. (*)

[ 337 ]

اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد وابو بكر يقول يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فان الله منجز لك ما وعدك وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال ابشر يا ابا بكر اتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه - يريد الغبار. وقال ابن سعد في هذا الخبر وجاءت ريح لم يروا مثلها شدة ثم ذهبت فجاءت ريح اخرى ثم ذهبت فجاءت ريح اخرى فكانت الاولى جبريل في الف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والثانية ميكائيل في الف من الملائكة عن ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والثالثة اسرافيل في الف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروينا من طريق مسلم حدثنا هناد بن السرى ثنا ابن المبارك عن عكرمة بن عمار قال حدثنى سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول حدثنى عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم الف واصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا فاستقبل نبى الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم انجز لى ما وعدتني، وفيه فأنزل الله عزوجل عند ذلك (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم انى ممدكم بألف من الملائكة مردفين) فأمده الله بالملائكة. قال ابو زميل فحدثني ابن عباس قال بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في اثر رجل من المشركين امامه إذ سمع صربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول اقدم حيزوم (1) فنظر إلى المشرك امامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم انفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك اجمع فجاء الانصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين الحديث. وروينا من طريق البخاري حدثنى ابراهيم ابن موسى قال انا عبد الوهاب ثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس ان النبي


(1) سيأتي تفسيره من كلام المؤلف. (*)

[ 338 ]

صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب وروينا عن ابن سعد قال انا سليمان بن حرب ثنا حماد بن بدر ثنا ايوب ويزيد ابن حازم انهما سمعا عكرمة يقرؤها فثبتوا الذين آمنوا قال حماد وزاد ايوب قال قال عكرمة فاضربوا فوق الاعناق قال كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدرى من ضربه وتندر يد الرجل لا يدرى من ضربه. قال ابن اسحق وقد رمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل فكان اول قتيل من المسلمين ثم رمى حارثة بن سراقة احد بنى عدى بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر الا ادخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام اخو بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهن بخ بخ أفما بينى وبين ان ادخل الجنة الا ان يقتلنى هؤلاء قال ثم قذف التمرات من يده واخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل، وقال ابن عقبة اول قتيل من المسلمين يومئذ عمير بن الحمام. وقال ابن سعد فكان اول من خرج من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب فقتله عامر بن الحضرمي، وكان اول قتيل من الانصار حارثة بن سراقة ويقال قتله حبان بن العرقة (1) ويقال عمير بن الحمام قتله خالد بن الاعلم العقيلى. قال ابن اسحق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الربب من عبده قال غمسة يده في القوم حاسرا فنزع درعا عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. وحدثني محمد بن مسلم عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بنى زهرة انه حدثه انه لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة فكان هو المستفتح على نفسه قال ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ حفنة من الحصباء


(1) " حبان " بكسر الحاء وتشديد الباء. و " العرقة " بفتح العين المهملة وكسر الراء. (*)

[ 339 ]

فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم نفخهم بها وامر اصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش واسر من اسر من اشرافهم. قال ابن عقبة وابن عائذ فكانت تلك الحصباء عظيما شأنها لم تترك من المشركين رجلا الا ملات عينيه وجعل المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وبادر النفر كل رجل منهم منكبا على وجهه لا يدرى اين يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه. رجع إلى خبر ابن اسحق: فلما وضع القوم ايديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشح السيف في نفر من الانصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون عليه كرة العدو ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لى في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال أجل والله يا رسول الله كانت اول وقعة اوقعها الله بأهل الشرك فكان الاثخان في القتل احب إلى من استبقاء الرجال قال وجدثنى العباس بن عبدالله بن معبد عن بعض اهله عن ابن عباس رضى الله عنهما ان النببى صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يومئذ انى قد عرفت ان رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد اخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقى منكم احدا من بنى هاشم فلا يقتله ومن لقى ابا البخترى بن هشام فلا يقتله ومن لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فانا خرج مستكرها. وذكر ابن عقبة فيهم عقيلا ونوفلا قال فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا واخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لالجمنه السيف قال فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب يا ابا حفص فقال عمر والله انه لاول يوم كنانى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى حفص أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني فلاضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول ما انا بآمن من

[ 340 ]

تلك الكلمة التى قلتها يومئذ ولا ازال منها خائفا الا ان تكفرها عنى الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا فلقى ابا البخترى المجذر بن ذياد البلوى فقال له ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك، ومع ابى البخترى زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة قال وزميلي قال له المجذر لا ما نحن بتاركي زميلك ما امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بك وحدك قال لا والله اذن لاموتن انا وهو جميعا لا تحدث عنى نساء مكة انى تركت زميلي حرصا على الحياة فقتله المجذر ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والذى بعثك بالحق لقد جهدت عليه ان يستأسر فأتيك به فأبى الا ان يقاتلني فقاتلني فقتلته. قال ابن عقبة ويزعم ناس ان ابا اليسر قتل ابا البخترى بن هشام ويأبى عظم الناس الا ان المجذر هو الذى قتله بل قتله غير شك أبو داود المازنى وسلبه سيفه فكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض ولد ابى البخترى. قال ابن اسحق حدثنى يحيى بن عباد عن عبدالله ابن الزبير عن ابيه قال وحدثنيه ايضا عبدالله بن ابى بكر وغيرهما ان عبدالرحمن ابن عوف لقيه امية بن خلف ومعه ابنه على ومع عبدالرحمن ادراعا استلبها قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التى معك قال قلت نعم فطرحت الادراع من يدى فأخذت بيده ويد ابنه وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في اللبن ثم خرجت امشى بهما. قال حدثنى عبد الواحد بن ابى عون عن سعد بن ابراهيم عن ابيه عن عبدالرحمن بن عوف ان امية بن خلف قال له من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت ذاك حمزة بن عبدالمطلب قال ذاك الذى فعل بنا الافاعيل قال عبدالرحمن فوالله انى لاقودهما إذ رآه بلال معى وكان هو الذى يعذب بلالا بمكة على ترك الاسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بصخرة عظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد فيقول بلال أحد أحد قال فلما رآه قال رأس الكفر امية بن

[ 341 ]

خلف لا نجوت ان نجا قال ثم صرخ بأعلى صوته يا انصار الله رأس الكفر امية بن خلف لا نجوت ان نجا قال قلت اسمع يا ابن السوداء قال لا نجوت ان نجا قال ثم صرخ بأعلى صوته يا انصار الله رأس الكفر امية بن خلف لا نجوت ان نجا قال فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة (1) قال فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح امية بن خلف صيحة ما سمعت مثلها قط فقلت انج بنفسك ولا نجا به فوالله ما أغنى عنك شيئا قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما قال فكان عبدالرحمن يقول يرحم الله بلالا ذهبت ادراعي وفجعني بأسيرى. قال ابن اسحق وحدثني عبدالله بن ابى بكر انه حدث عن ابن عباس قال حدثنى رجل من بنى غفار قال أقبلت انا وابن عم لى حتى اصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة (2) فننتهب مع من ينتهب قال فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول اقدم حيزوم فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانه واما انا فكدت اهلك ثم تماسكت. قال وحدثني عبدالله بن ابى بكر عن بعض بنى ساعدة عن ابى اسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا قال بعد ان ذهب بصره لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لاريتكم الشعب الذى منه خرجت الملائكة لا اشك ولا اتمارى قال وحدثني ابى اسحق بن يسار عن رجال من بنى مازن بن النجار عن ابى داود المازنى وكان شهد بدرا قال انى لاتبع رجلا من المشركين يوم بدر لاضربه إذ وقع رأسه قبل ان يصل إليه سيفى فعرفت انه قد قتله غيرى. وحدثني من لا اتهم عن مقسم مولى عبدالله بن الحارث عن عبدالله بن عباس قال كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد ارسلوها في ظهورهم ويوم حنين


(1) أي: جعلونا في حلقة كالسوار واحاطوا بنا. (2) بفتح الدال وهى الهزيمة. (*)

[ 342 ]

عمائم عمائم حمرا. وروينا هذا الخبر من طريق مالك بن سليمان الهروي عن الهياج عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس بمعناه ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون. وذكر ابن هشام عن بعض اهل العلم ان جبريل عليه السلام كانت عليه يوم بدر عمامة صفراء وكان شعارهم يوم بدر أحد أحد. قال ابن اسحق فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه امر بأبى جهل ان يلتمس في القتلى وكان اول ما لقى ابا جهل كما حدثنى ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس و عبدالله بن ابى بكر ايضا قد حدثنى ذلك قال معاذ بن عمرو بن الجموح اخو بنى سلمة سمعت القوم وابو جهل في مثل الحرجة (1) وهم يقولون ابو الحكم لا يخلص إليه قال فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت الا بالنواة تطيح من تحت مرضخة (2) النوى حين يضرب بها قال وضربنى ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدى فتعلقت بجلدة من جسمي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومى وانى لاسحبها خلفي فلما آذتنى وضعت عليها قدمى ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. قال القاضى أبو الفضل عياض بن موسى: وزاد ابن وهب في روايته فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلصقت. قال ابن اسحق ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ثم مر بأبى جهل - وهو عقير - معوذ بن عفراء فضربه حتى اثبته وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبدالله بن مسعود بأبى جهل حين امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني انظروا ان خفى عليكم في القتلى


(1) الحرجة بالتحريك شجر ملتف. (2) سيأتي تفسير الغريب. (*)

[ 343 ]

إلى اثر جرح في ركبته فانى ازدحمت يوما انا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت اشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش (1) على احدهما جحشا لم يزل اثره به قال عبدالله بن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلى على عنقه قال وقد كان ضبث بى (2) مرة بمكة فأذاني ولكزنى ثم قلت له هل اخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا اخزاني اعمد من رجل قتلتموه اخبرني لمن الدبرة قال قلت لله ولرسوله (3). قال ابن هشام ويقال اعار على رجل قتلتموه اخبرني لمن الدائرة اليوم. قال ابن اسحق وزعم رجال من بنى مخزوم ان ابن مسعود كان يقول قال لى لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعبا قال ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله ابى جهل قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله الذى لا اله غيره قال وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت نعم والله الذى لا اله غيره ثم القيت رأسه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى. اخبرنا عبدالرحيم بن يوسف الموصلي بقراءة والدى عليه قال انا أبو على حنبل ببن عبد الله الرصافي ان ابا القاسم بن الحصين اخبره قال انا أبو على بن المذهب قال انا أبو بكر القطيعى قال انا عبدالله بن احمد بن حنبل ثنا ابى ثنا يوسف بن الماجشون عن صالح بن ابراهيم بن عبدالرحمن بن قوف عن ابيه عن عبدالرحمن بن عوف انه قال انى لواقف يوم بدر في الصف نظرت عن يمينى وعن شمالى فإذا انا بين غلامين من الانصار حديثة اسنانهما تمنيت لو كنت بين اضلع منهما فغمزني احدهما فقال يا عم هل تعرف ابا جهل بن هشام قال قلت نعم وما حاجتك يا ابن اخى قال بلغني


(1) أي: خدش. (2) أي: قبض عليه. (3) في الهامش " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 344 ]

انه كان بسبب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الاعجل منا قال فغمزني الآخر فقال مثلها قال فعجبت لذلك قال فلم انشب ان نظرت إلى ابى جهل يزول في الناس فقلت لهما ألا تريان هذا صاحبكما الذى تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال ايكما قتله فقال كل واحد منهما انا قتلته قال هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلا كما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وهما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء. رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن يوسف بن الماجشون فوقع لنا عاليا. وروينا عن ابن عقبة ان عبدالله بن مسعود وجده مقنعا في الحديد وهو منكب لا يتحول فظن انه قد أثبت فتناول قائم سيفه فاستله وهو منكب لا يتحرك فرفع سابغة البيضة عن قفاه فضربه فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح وابصر في عنقه خدرا وفى يديه وكتفيه كهيئة آثار السياط فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ذاك ضرب الملائكة. وروينا عن ابن عائذ ثنا الوليد قال حدثنى خليد عن قتادة انه سمعه يحدث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان لكل امة فرعونا وان فرعون هذه الامة أبو جهل قتله الله شر قتلة قتله ابنا عفراء وقتلته الملائكة وتدافه ابن مسعود يعنى اجهز عليه. قال ابن اسحق وقاتل عكاشة بن محصن الاسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه حذلا من حطب فقال قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن ابيض الحديدة فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة وهو عنده. وقال الواقدي وحدثني اسامة ابن زيد الليثى عن داود بن الحصين عن رجال من بنى عبد الاشهل قالوا انكسر

[ 345 ]

سيف سلمة بن اسلم بن الحريس يوم بدر فبقى اعزل لا سلاح معه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب فقال اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر ابى عبيد. قال ابن اسحق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها قالت لما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى ان يطرحوا في القليب طرحوا فيه الا ما كان من امية بن خلف فانه انتفخ في درعه فملاها فذهبوا ليحركوه فتزايل فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. وروينا عن الطبري ثنا موسى ابن الحسن الكسائي ثنا شيبان بن فروخ ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن انس ابن مالك قال انشأ عمر بن الخطاب يحدثنا عن اهل بدر فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع اهل بدر بالامس من بدر يقول هذا مصرع فلان غدا ان شاء الله قال عمر فو الذى بعثه بالحق ما اخطؤا الحدود التى حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فانى وجدت ما وعدني الله حقا فقال عمر يا رسول الله كيف تكلم اجسادا لا ارواح فيها فقال ما انتم بأسمع لما اقول منهم غير انهم لا يستطيعون ان يردوا شيئا. وروينا عن ابن عائذ اخبرني الوليد بن مسلم اخبرني سعيد بن بشير عن قتادة عن انس عن ابى طلحة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثا فلما كان يوم بدر اقام ثلاثا والقى بضعة وعشرين رجلا من صناديد قريش في طوى من اطواء بدر ثم امر براحلته فشد عليها رحلها فقلنا انه منطلق لحاجة فانطلق حتى وقف على شفى الركى فجعل يقول يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان الحديث. وروينا من طريق مالك بن سليمان الهروي ثنا معمر عن حميد الطويل عن انس وفى آخره قال قتادة احياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم توبيخا لهم. هذا حمل لهذا الخبر على

[ 346 ]

ظاهره. وقد روينا عن عائشة رضى الله عنها انها تأولت ذلك وقالت انما اراد النبي صلى الله عليه وسلم انهم الآن ليعلمون ان الذى اقول لهم هو الحق ثم قرأت (انك لا تسمع الموتى) الآية. رجع إلى الخبر عن ابن اسحق: قال وتغير وجه ابى حذيفة بن عتبة عند طرح ابيه في القليب ففطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له لعلك دخلك في شأن ابيك شئ فقال لا والله لكنى كنت اعرف من ابى رأيا وحلما وفضلا فكنت ارجو ان يهديه الله للاسلام فلما رأيت ما مات عليه اخذني ذلك قال فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير. ومات يومئذ فتية من قريش على كفرهم ممن كان فتن على الاسلام فافتتن بعد اسلامه منهم من بنى اسد الحرث بن زمعة بن الاسود من بنى مخزوم ابو قيس بن الفاكه وابو قيس بن الوليد بن المغيرة. ومن بنى جمح على بن امية بن خلف. ومن بنى سهم العاصى بن منبه بن الحجاج فنزل فيهم (ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم) ثم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه لولا نحن ما اصبتموه نحن شغلنا عنكم العدو فهو لنا وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأينا ان نقتل العدو حين منحنا الله اكنافهم ولقد رأينا ان نأخذ المتاع حين لم يكن له من يمنعه ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فما انتم بأحق به منا فنزعه الله من ايديهم فجعله إلى رسول الله فقسمه في المسلمين عن بواء يقول عن السواء. وروينا عن ابن عائذ اخبرني الوليد بن مسلم قال واخبرني سعيد بن بشير عن محمد بن السائب الكلبى عن ابى صالح عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما كان يوم بدر قال من قتل قتيلا فله سلبه ومن جاء بأسير فجاء ابو اليسر بأسيرين فقال سعد أي رسول الله اما والله ما كان بنا جبن عن العدو ولا ضن بالحياة ان نصنع

[ 347 ]

ما صنع اخواننا ولكن رأيناك قد افردت فكرهنا ان تكون بمضيعة قال فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يوزعوا تلك الغنائم بينهم، المشهور ان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قتل قتيلا فله سلبه " انما كان يوم حنين واما قوله ذلك يوم بدر وأحد فأكثر ما يوجد من رواية من لا يحتج به. وقد روى ارباب المغازى والسير ان سعد بن ابى وقاص قتل يوم بدر سعيد بن العاص واخذ سيفه فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم اياه حتى نزلت سورة الانفال وان الزبير بن العوام بارز يومئذ رجلا فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه وان ابن مسعود نفله رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سلب ابى جهل. واما ابن الكلبى فمضعف عندهم وروايته عن ابى صالح عن ابن عباس مخصوصة بمزيد تضعيف. رجع إلى خبر ابن اسحق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة بشيرا إلى اهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى السافلة قال اسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اقبل عليه السلام قافلا إلى المدينة ومعه الاسارى من المشركين وفيهم عقببة بن ابى معيط والنضر بن الحرث واحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه النفل الذى اصيب من المشركين وجعل عليه عبدالله بن كعب من بنى مازن بن النجار ثم اقبل عليه السلام حتى إذا خرج من مضيق الصفراء فقسم النفل بين المسلمين على السواء وبالصفراء امر عليا فقتل النضر بن الحرث ثم بعرق الظبية قتل عقبة ابن ابى معيط فقال حين قتله من للصبية يا محمد قال النار والذى قتله عاصم بن ثابت ابن ابى الافلح وقيل على والذى اسره عبدالله بن سلمة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم. قال ابن اسحق وحدثني نبيه بن وهب اخو بنى عبد الدار ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اقبل بالاسارى فرقهم بين اصحابه وقال استوصوا بهم خيرا قال فكان ابو عزيز بن عمير بن هاشم

[ 348 ]

اخو مصعب لابيه وامه في الاسارى فقال مر بى اخى مصعب ورجل من الانصار يأسرنى فقال له شد يديك به فان امه ذات متاع لعلها تفديه منك فكنت في رهط من الانصار حين اقبلوا بى من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز واكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم اياهم بنا ثم فدى بأربعة آلاف درهم وهى اعلى الفداء. وذكر قاسم بن ثابت في دلائله ان قريشا لما توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة في اليوم الذى وقع بهم المسلمون وهو ينشد بأبعد صوت ولا يرى شخصه: ازار الحنيفيون بدرا وقيعة * سينقض منها ركن كسرى وقيصرا ابادت رجالا من قريش وابرزت * خرائد يضربن الترائب حسرا فيا ويح من امسى عدو محمد * لقد جار عن قصد الهوى وتحيرا فقال قائلهم من الحنفيون فقالوا هو محمد واصحابه يزعمون انهم على دين ابراهيم الحنيف، ثم لم يلبث النفر ان جاءهم الخبر. رجع إلى الاول: وكان اول من قدم بمصابهم الحيسمان (1) بن عبد الله الخزاعى وكان يسمى ابن عبد عمرو واسلم بعد ذلك فقال قتل عتبة وشيبة وابو الحكم وامية وفلان فقال صفوان بن امية وهو جالس في الحجر والله ان يعقل هذا فسلوه عنى فسألوه فقال هو ذاك جالسا في الحجر وقد رأيت ابه واخاه حين قتلا.


بفتح الحاء وسكون الباء وضم السين. (*)

[ 349 ]

(ذكر الخبر عن مهلك ابى لهب) قال ابن اسحق وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال قال ابو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبدالمطلب وكان الاسلام قد دخلنا اهل البيت فأسلم العباس واسلمت ام الفضل واسلمت انا وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم فكان يكتم اسلامه وكان ذا مال فلما جاء الخبر عن مصاب قريش ببدر وكنت رجلا ضعيفا اعمل الاقداح انحتها في حجرة زمزم فوالله انى لجالس فيها انحت اقداحي وعندي ام الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ اقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهرى فبينا هو جالس إذ قدم أبو سفيان بن الحرث فقال أبو لهب هلم إلى فعندك الخبر فقال والله ما هو الا ان لقينا القوم فمنحناهم اكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والارض والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شئ، قال ابو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدى ثم قلت ذلك والله الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة قال وثاورته فاحتملني فضرب بى الارض ثم برك على يضربني فقامت ام الفضل إلى عمود فضربته به ضربة فلغت (1) في رأسه شجة منكرة وقالت استضعفته ان غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش الا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته. قال ابن اسحق في رواية يونس بن بكير عنه انهم لم يحفروا له ولكن اسندوه إلى حائط


(1) أي: شدخت. (*)

[ 350 ]

وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط حتى واروه. وذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه ان العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها ويرون انها تعدى اشد العدوى فلما اصابت ابا لهب تباعد عنه بنوه وبقى بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يحاول دفنه فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه. ويروى ان عائشة رضى الله عنها كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها قال ابن اسحق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن ابيه عباد قال ناحت قريش على قتلاهم ثم قالوا د تفعلوا فيبلغ محمدا واصحابه فيشمتوا بكم ولا تبعثوا في اسراكم حتى تستأنسوا بهم لا يأرب عليكم محمد واصحاتبه في الفداء. قال ابن عقبة اقام النوح شهرا. قال ابن اسحق وكان الاسود بن المطلب قد اصيب له ثلاثة من ولده زمعة بن الاسود وعقيل بن الاسود والحرث بن زمعة وكان يحب ان يبكى على بنيه قال فبينا هو كذلك إذ سمع صوت نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره انظر هل احل النحب هل بكت قريش على قتلاها لعلى ابكى على ابى حكيمة يعنى زمعة فان جوفى قد احترق قال فلما رجع إليه الغلام قال انما هي امرأة تبكى على بعير لها اضلته قال فذلك حين يقول الاسود أتبكى ان يضل لها بعير * وتمنعها من النوم السهود فلا تبكى على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود وكان في الاسارى ابو وداعة بن ضبيرة السهمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال يعين المطلب وكأنكم به قد جاء في طلب فداء ابيه قال قالت قريش لا تعجلوا بفداء اساراكم لا يأرب (1) عليكم محمد


(1) أي: لا يتشدد. (*)

[ 351 ]

واصحابه قال المطلب صدقتم لا تعجلوا وانسل من الليل فقدم المدينة فأخذ اباه بأربعة آلاف درهم وانطلق فبعث قريش في فداء الاسارى فقدم مكرز بن حفص ابن الاخيف في فداء سهيل بن عمرو وكان الذى اسره مالك بن التخشم وكان سهيل اعلم بشفته السفلى (1). قال ابن اسحق وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء اخو بنى عامر بن لؤى ان عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله انزع ثنيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن ابدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا امثل به فيمثل الله بى وان كنت نبيا. قال ابن اسحق وقد بلغني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث انه عسى ان يقوم مقاما لا تذمه فلما قاولهم مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا هات الذى لنا قال اجعلوا رجلى مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث اليكم بفدائه ففعلوا وكان عمرو بن ابى سفيان اسيرا في يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لابي سفيان افد عمرا ابنك فقال ايجمع على دمى ومالى قتلوا حنظلة وأفدى عمرا دعوه في ايديهم يمسكونه ما بدا لهم قال فبينا هو كذلك إذ خرج سعد بن النعمان بن اكال اخو بنى عمرو بن عوف معتمرا فعدا عليه أبو سفيان فحبسه بابنه عمرو، ثم قال أبو سفيان: أرهط ابن اكال اجيبوا دعاءه * تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا فان بنى عمرو بن عوف اذلة * لئن لم يفكوا عن اسيرهم الكبلا وفى رواية بنى عمرو لئام اذلة ففدى به وكان فيهم ابو العاص بن الربيع ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته زينب بعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة ادخلتها بها عليه حين بنى عليها قال فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق


(1) أي: مشقوق الشفة السفلى. (*)

[ 352 ]

لها رقة شديدة وقال ان رأيتم ان تطلقوا لها اسيرها وتردوا عليها فافعلوا قالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذى لها. وروينا من طريق ابى داود ثنا عبد الله بن محمد النفيلى ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن اسحق عن يحيى بن عباد عن ابيه عباد بن عبدالله بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها بنحوه، وفى آخره فكان النبي صلى الله عليه وسلم اخذ عليه أو وعده ان يخلى سبيل زينب إليه وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الانصار فقال كونا ببطن يا جج حتى تمر بكما زينبب فتصحباها حتى تأتيا بها، وممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء ايضا المطلب بن حنطب وصيفى بن ابى رفاعة وابو عزة الجمحى واخذ عليه ان لا يظاهر عليه احدا. قال ابن اسحق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال جلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن امية بعد مصاب اهل بدر من قريش في الحجر بيسير وكان عمير بن وهب شيطانا من شباطبن قريش وكان ممن يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه ويلقون منه عناء وهو بمكة وكان ابنه وهب بن عمير في اسارى بدر فذكر اصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان لمن في العيش والله خير بعدهم قال له عمير صدقت اما والله لولا دين على ليس له عندي قضاء وعيال اخشى عليهم الضيعة بعدى لركبت إلى محمد حتى اقتله فان لى فيهم علة ابني اسير في ايديهم قال فاغتنمها صفوان فقال على دينك انا اقضيه عنك وعيالك مع عيالي اواسيهم ما بقوا لا يسعنى شئ ويعجز عنهم قال عمير فاكتم عنى شأني وشأنك قال افعل قال ثم امر عمير بسيفه فشحذ له وسم ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما اكرمهم الله به وما اراهم من عدوهم إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين اناخ على باب المسجد متوشحا السيف فقال هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء الا لشر

[ 353 ]

وهذا الذى حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبى الله هذا عدو الله عمير بن وهب وقد جاء متوشحا سيفه قال فأدخله على قال فأقبل عمر حتى اخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه (1) بها وقال لرجال ممن كانوا معه من الانصار ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه هذا الخبيث فانه غير مأمون ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال ارسله يا عمر ادن يا عمير ادن يا عمير فدنا ثم قال انعموا صباحا وكانت تحية اهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية اهل الجنة قال اما والله ان كنت بها يا محمد لحديث عهد قال فما جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الاسير الذى فيكم فاحسنوا فيه قال فما بال السيف في عنقك قال قبحها الله من سيوف وهل اغنت عنا شيئا قال اصدقني ما الذى جئت له قال ما جئت الا لذلك قال بلى قعدت انت وصفوان بن امية في الحجر فذكرتما اصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين على وعيال لى لخرجت حتى اقتل محمدا فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على ان تقتلني له والله حائل بينك وبين ذلك قال عمير اشهد انك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما تأتى به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحى وهذا امر لم يحضره الا انا وصفوان فوالله انى لاعلم ما اتاك به الا الله والحمد لله الذى هداني للاسلام وساقني هذا المساق ثم تشهد شهادة الحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقهوا اخاكم في دينه واقرئوه القرآن واطلقوا له اسيره ففعلوا ذلك ثم قال يا رسول اللهه انى كنت جاهدا على اطفاء نور الله شديد الاذى لمن كان على دين الله فأنا احب ان تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله والى الاسلام لعل الله يهديهم والا آذيتهم في دينهم كما كنت اؤذى اصحابك


(1) أي: جعلها في عنقه وجره بها. (*)

[ 354 ]

في دينهم قال فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة قال وكان صفوان حين خرج عمير يقول ابشروا بوقعة تأتيكم الآن تنسيكم وقعة بدر وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن اسلامه فحلف ان لا يكلمه ابدا وان لا ينفعه بنفع ابدا. (ذكر فوائد تتعلق بهذه الاخبار) بدر بن قريش بن يخلد بن النضر حفر هذه البئر فنسبت إليه. والتحسس بالحاء ان تستمع الاخبار بنفسك، وبالجيم ان تفحص عنها بغيرك. واللطيمة العير تحمل الطيب والبز. وضيعة الرجل حرفته وصناعته. والمقنب زهاء ثلاثمائة من الخيل. وقوله لاط له بأربعة آلاف درهم أي أربى له،، ومنه الحديث " وما كان من دين لا رهن فيه فهو لياط " وأصل هذه اللفظة من اللصوق. وتغور ما وراءه من القلب قيد بالعين المهملة وبالغين المعجمة وتشديد الواو، والسهيلى يقول بضم العين المهملة وسكون الواو وقال وجاء على لغة من يقول قول القول وبوع المتاع. وحقبت الحرب اشتدت. ومستنتل امام الصف: متقدم. والعريش ما يستظل به. واطن قدمه اسرع قطعها فطارت أي طنت. والمسكة السوار من الذبل وهو جلد السلحفاة. واخلف الرجل سيفه مده لحاجته. اقدم حيزوم بضم الدال اقدم الخيل وحيزوم فرس جبريل وقيل في تقييدها غير ذلك.. مرضخة النوى بالحاء المهملة وبالمعجمة وقيل الرضح بالمهملة كسر اليابس وبالمعجمة كسر الرطب. وضبث الشئ قبض

[ 355 ]

عليه بيده وضبثه ضربه. وجهيم بن الصلت اسلم عام حنين ووقع في الرواية ابن ابى الصلت. ومعوذ بن عفراء بكسر الواو وكان الوقشى يأبى الا الفتح. والمجذر عبدالله بن ذياد، قال أبو عمر ويقال ذياد والكسر اكثر. وابو اسيد مالك ابن ربيعة قال عياض قال فيه عبد الرزاق ووكيع بضم الهمزة وقال ابن مهدى بفتحها، قال احمد بن حنبل والصواب الاول. وابو داود المازنى اسمه عمرو وقيل عمير بن عامر وكان الجيانى يقول أبو داود. وذكر عياض ان ابن مسعود انما وضع رجله على عنق ابى جهل لتصدق رؤياه، قال ابن قتيبة ذكر ان ابا جهل قال لابن مسعود لاقتلنك فقال والله لقد رأيت في النوم انى اخذت حدجة حنظل فوضعتها بين كتفيك ورأيتني اضرب كتفيك بنعلى ولئن صدقت رؤياي لاطأن على رقبتك ولاذبحنك ذبح الشاة. الحدجة الحنظلة الشديدة، فلما انقضى امر بدر انزل الله فيه سورة الانفال بأسرها.

[ 357 ]

(تسمية من شهد بدرا من المسلمين) من بنى هاشم بن عبد مناف محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة بن عبدالمطلب وعلى بن ابى طالب ومن مواليهم زيد بن حارثة وانسة وابو كبشة. ومن حلفائهم أبو مرثد حليف حمزة وابنه مرثد ثمانية. ومن بنى المطلب بن عبد مناف عبيدة بن الحرث بن المطلب واخواه الطفيل والحصين ومسطح بن اثاثة اربعة. ومن بنى عبد شمس ابن عبد مناف عثمان بن عفان خلفه عليه السلام على ابنته رقية وضرب له بسهمه واجره فهو معدود فيهم وابو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسالم مولاه وصبيح مولى ابى العاص بن امية وقيل رجع لمرض اصابه ثم شهد ما بعد بدر. ومن حلفائهم عبدالله بن جحش وعكاشة بن محصن واخوه ابو سنان وابنه سنان بن ابى سنان وشجاع وعقبة ابنا وهب ويزيد بن رقيش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة ابن كبير بن غنم بن دودان وربيعة بن اسد بن خزيمة ومحرز بن نضلة وربيعة ابن اكتم. ومن حلفاء بنى كبير بن غنم بن دودان ثقف بن عمرو واخواه مالك ومدلج ويقال مدلاج وابو مخشى سويد بن مخشى الطائى حليف لهم سبعة عشر. ومن بنى نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان وخباب مولاه رجلان. ومن بنى اسد بن عبدالعزى بن قصى الزبير بن العوام وحاطب بن ابى بلتعة عمرو بن راشد بن معاذ اللخمى مولى الزبير وسعد مولى حاطب ثلاثة. ومن بنى عبد الدار ابن قصى مصعب بن عمير وسويبط رجلان. ومن بنى زهرة عبدالرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقاص واخوه عمير. ومن حلفائهم المقداد بن عمرو و عبدالله

[ 358 ]

ابن مسعود ومسعود بن ربيعة وذو الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان ابن سليم بن ملكان بن افصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة وخباب ابن الارت بن حندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن عبد مناة بن تميم لحقه سباء في الجاهلية فاشترته امرأة من خزاعة واعتقته وكانت من حلفاء بنى زهرة ثمانية. ومن بنى تيم بن مرة أبو بكر الصديق ومولياه بلال وعامر بن فهيرة وصهيب ابن سنان وطلحة بن عبيد الله " 3 " وكان بالشام فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره خمسة. ومن بنى مخزوم ابو سلمة بن عبد الاسد " 3 " وشماس بن عثمان " 3 " والارقم بن ابى الارقم " 3 " وعمار بن ياسر مولاهم " 3 " ومعتب بن عوف السلولى حليف لهم " 3 " خمسة. ومن بنى عدى بن كعب عمر بن الخطاب " 3 " واخوه زيد ومهجع مولاه وعمرو بن سراقة " هب " واخوه عبدالله " هب " وواقد بن عبدالله " هب " وخولى ومالك ابنا ابى خولى " هب " وعامر بن ربيعة " 3 " وعامر " 3 " وخالد " 3 " واياس " 3 " وعاقل " 3 " بنو البكير وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل " 3 " قدم من الشام بعد ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر فكلمه فضرب له بسهمه واجره اربعة عشر ومن بنى جمح بن عمرو عثمان بن مظعون " 3 " واخواه قدامة و عبدالله وابنه السائب بن عثمان ومعمر بن الحرث " 3 " خمسة. ومن بنى سهم خنيس بن حذافة " 3 " رجل واحد. ومن بنى عامر بن لؤى ابو سبرة بن ابى رهم " ها " و عبدالله بن مخرمة " ها " و عبدالله بن سهيل بن عمرو " ها " وعمرو أو عمير ابن عوف مولى سهيل بن عمرو وسعد بن خولة حليف لهم " ها " خمسة. ومن بنى الحرث ابن فهر أبو عبيدة بن الجراح " 3 " وعمرو بن الحارث " ها " وسهيل بن وهب " ها " واخوه صفوان ابنا بيضاء وعمرو بن ابى سرح " ها " خمسة وذكر أبو عمر فيهم وهب بن ابى سرح اخا عمرو المذكور وحكاه عن موسى بن عقبة ولم نره في مغازيه ويشبه ان يكون وهما. وقد ذكر ابن هشام عن غير ابن اسحق في بنى عامر بن لؤى وهب بن

[ 359 ]

سعد بن ابى سرح وهو ابن الحرث بن حبيب - ويقال حبيب بتشديد الياء - بن خزيمة بن مالك بن حسل بن عامر فيمن شهد بدرا وهو عند ابن عقبة، وذكر ابن عقبة فيهم عياض بن زهير بن ابى شداد بن ربيعة بن هلال بن اهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر " ها " وبعضهم يقول هلال بن مالك بن ضبة وذكره فيهم ايضا خليفة بن خياط والواقدى وحكاه أبو عمر عن ابن اسحق من رواية ابراهيم بن سعد عنه وحاطب بن عمرو العامري " 3 " ذكره ابن هشام وحكاه أبو عمر عن موسى ابن عقبة ولم نجده في مغازيه. وممن ذكره أبو عمر فيهم خريم بن فاتك الاسدي وهو خريم بن الاخرم بن شداد بن عمرو بن الفاتك بن القليب بن عمرو بن اسد ابن خريمة واخوه سبرة. قال أبو عمر وقد قيل ان خريما هذا وابنه ايمن بن خريم اسلما جميعا يوم فتح مكة والاول اصح. وقد صحح البخاري وغيره ان خريما واخاه سبرة شهدا بدرا وهو الصحيح ان شاء الله وطليب بن عمير " ها " قاله الزبير والواقدى وروى عن ابن اسحق من غير طريق البكائى. وممن ذكر فيهم كثير بن عمرو السلمى حليف بنى اسد ذكره ابن السراج في روايته عن عمر بن محمد بن الحسن الاسدي عن ابيه عن زياد عن ابن اسحق وذكر اخويه مالك بن عمرو وثقف بن عمرو وقد تقدم ذكرهما. قال أبو عمر لم ار كثيرا في غير هذه الرواية ولعله ان يكون ثقف له لقبا واسمه كثير ويزيد بن الاخنس السلمى " 3 " وابنه معن بن يزيد وابوه الاخنس ولا يعرف فيمن شهد بدرا ثلاثة اب وجد وابن الا هؤلاء واكثر اهل العلم بالسير لا يصحح شهودهم بدرا فهؤلاء اربعة وتسعون. وقد روينا عن هشام بن عروة عن ابيه عن الزبير قال ضربت يوم بدر للمهاجرين بمائة سهم وشهدها من الانصار ثم من الاوس ثم من بنى عبد الاشهل: سعد بن معاذ ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل واخوه عمرو والحارث بن اوس بن معاذ والحرث بن انس بن رافع بن امرئ القيس واخوه شريك وابنه

[ 360 ]

عبدالله ويزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس وابنه عامر واخوه زياد بن السكن عند ابن الكلبى وحده وابنه عمارة بن زياد وسعد بن ريد " عج " وسلمه بن سلامة ابن وقش " عج " وعباد بن بشر بن وقش وسلمة بن ثابت بن وقش ورافع بن يزيد ابن كرز بن سكن بن زعوراء واياس بن اوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الاعلم ابن عامر بن زعوراء بن جشم اخى عبد الاشهل من ساكنى راتج (1) واخوه الحارث ابن اوس عند ابن عقبة. ومن الناس من يقول في عتيك عبيد وابو الهيثم بن التيهان " عب " واخوه عبيد ويقال عتيك والحرث بن خزمة بن عدى بن ابى بن غنم ابن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج حليف لهم ومحمد بن مسلمة ابن خلف بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث من بنى حارثة وسلمة بن اسلم بن حريش بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث وعببد الله بن سهل بن زيد بن كعب بن عامر بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث ثلاثة وعشرون ومن بنى ظفر وهو كعب بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس قتادة بن النعمان ابن زيد بن عامر بن سواد بن كعب وعبيد بن اوس بن مالك بن سواد ونضر ابن الحرث بن عبيد بن رزاح بن كعب ومعتب بن عبيد عمه. ومن حلفائهم عبدالله بن طارق البلوى خمسة. ومن بنى حارثة بن الحراث بن الخزرج مسعود ابن عبد سعد بن عامر بن عدى بن جشم بن مجدعة بن حارثة وابو عبس عبدالرحمن بن جبر بن عمرو بن زيد بن جشم ومن حلفائهم من بلى ابو بردة هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذبيان بن هميم ابن كاهل بن ذهل بن هنى اخى فران ابني بلى اخى بهراء ابني عمرو بن الحاف ابن قضاعة ثلاثة. ومن بنى عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس ثم من بنى ضبيعة ابن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف عاصم بن ثابت بن ابى الاقلح


(1) " راتج " اطم من آطام اليهود في المدينة وتسمى الناحية به. (*)

[ 361 ]

قيس بن عصمة بن مالك بن امية بن ضبيعة ومعتب بن قشير بن مليك بن زيد ابن العطاف بن ضبيعة وابو مليك بن الازعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة وعمير بن معبد بن الازعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة اربعة. ومن بنى امية ابن زيد بن مالك مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بن زيد بن امية ورفاعة بن عبد المنذر بن زنبر وسعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن امية وعويمر ابن ساعدة " عب " ورافع بن عنجدة وهى امه وابوه عبد الحارث حليف لهم من بلى وعبيد بن ابى عبيد وثعلبة بن حاطب وزعموا ان ابا لبابة بن عبد المنذر والحارث بن حاطب بن عمر بن عبيد بن امية بن زيد خرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وامر ابا لبابة على المدينة فضرب لهما سهمين مع اصحاب بدر تسعة نفر. ومن بنى عبيد بن زيد بن مالك انيس وخداش ابنا قتادة بن ربيعة بن مطروف بن الحارث بن زيد بن عبيد واسم مطروف خالد. ومن حلفائهم من بلى معن بن عدى بن الجد بن العجلان بن ضبيعة واخوه عاصم ضرب له بسهمه في بدر وثابت بن اقرم - ويقال اقرن - بن ثعلبة بن عدى بن العجلان و عبدالله بن سلمة بن مالك بن الحرث بن عدى بن الجد ابن العجلان وزيد بن اسلم بن ثعلبة بن عدى المذكور. وربعي بن رافع بن الحرث بن زيد بن حارثة بن الجد بن العجلان ثمانيه نفر. ومن بنى معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف جبر بن عتيك بن قيس بن هيشة بن الحارث ابن امية بن معاوية وعمه الحارث بن قيس. ومن حلفائهم مالك بن نميلة بن مزينة ونميلة امه وهو مالك بن ثابت والنعمان بن عصر بن عبيد بن رائلة بن جارية ابن ضبيعة بن حرام بن جعيل بن عمرو بن جشم بن وذم بن ذبيان بن هميم بن كاهل بن دهل بن هنى بن بلى. وعصر بفتحتين عند ابن الكلبى ومكسور العين ساكن الصاد عند ابن اسحق والواقدى وابى معشر وابن عقبة قاله الدمياطي

[ 362 ]

اربعة. ومن بنى حنش بن عوف بن عمرو بن عوف سهل بن حنيف بن واهب ابن العكيم بن ثعلبة بن الحرث بن مجدعة بن عمرو بن حنش رجل. ومن بنى كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف المنذر بن محمد بن عقبة بن احيحة بن الجلاح ابن الحريش بن جحجبا بن كلفة. ومن حلفائهم ابو عقيل عبدالرحمن بن عبد الله بن ثعلبة بن ببحان بن عامر بن الحارث بن مالك بن عامر بن انيف بن جشم ابن عائذ الله بن تميم بن عوف بن مناة بن ناج بن تيم بن اراش بن عامر بن عبيلة بن قسميل بن فران بن بلى رجلان. ومن بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف عبدالله بن جبير بن النعمان بن امية بن البرك وهو امرؤ القيس بن ثعلبة واخوه خوات بن جبير قيل خرج إلى بدر فكسر بالروحاء فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب له بسهمه واجره وعمهما الحارث بن النعمان وابو ضياح النعمان بن ثابت بن النعمان بن امية والنعمان والحرث ابنا ابى خزمة بن النعمان بن امية بن البرك وابو حبة - بالباء - بن ثابت اخو اببى ضياح عند ابن القداح وابو حنة - بالنون - بن مالك بن عمرو بن ثابت بن كلفة بن ثعلبة وسالم بن عمير بن ثابت بن كلفة وعاصم بن قيس بن ثابت بن كلفة بن ثعلبة عشرة. ومن بنى غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس سعد بن خيثمة والمنذر ومالك ابنا قدامة بن الحرث بن مالك بن كعب بن النحاط والحرث بن عرفجة بن الحارث بن مالك ذكره ابن عقبة والواقدى وغيرهما وتميم مولى بنى غنم بن السلم خمسة. فجملة من ذكرنا من الاوس اربعة وسبعون. (1) وشهدها من الانصار ثم من الخزرج ثم من بنى مغالة: وهم بنو عدى بن عمرو ابن مالك بن النجار ابو شيخ ابى بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدى واخوه اوس وابو طلحة زيد بن سهل بن الاسود بن حرام بن عمرو ابن زيد مناة بن عدى المذكور ثلاثة. ومن بنى حديلة وهى بنت مالك بن زيد


(1) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 363 ]

مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج وهى ام معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار انس بن معاذ بن انس بن قيس بن عبيد ابن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وابى بن كعب " عج " وابو حبيب ابن زيد بن الحباب بن انس بن زيد بن عبيد بن زيد بن معاوية قاله ابن الكلبى ثلاثة. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار أبو ايوب خالد بن زيد " عج " وعمارة بن حزم " عج " وثابت بن خالد بن النعمان بن خنساء بن عشيرة وقال ابن هشام عشيرة بن عبد ابن عوف بن غنم وسراقة بن كعب بن عمرو بن عبدالعزى بن عزية بن عمر ابن عبد بن غوف بن غنم بن مالك بن النجار ومنهم من اسقط بعد كعب عمرا اربعة. ومن بنى ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار سليم بن قيس بن فهد واسمه خالد بن قيس بن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم وحارثة بن النعمان بن يفع ابن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم وسهيل واخوه سهل ابنا رافع بن ابى عمرو ابن عائذ بن ثعلبة بن غنم ومسعود بن اوس بن زيد بن اصرم بن زيد بن ثعلبة ابن غنم واخوه ابو خزيمة بن اوس ورافع بن الحارث بن سواد بن زيد بن ثعلبة ابن غنم كذا عند الواقدي سواد وعند ابن عمارة الاسود سبعة. ومن بنى سواد ابن غنم بن مالك بن النجار كذا عند ابن الكلبى، وابن سعد يقول سواد بن مالك ابن غنم بن مالك معاذ " عب " ومعوذ وعوف " عا " بنو الحارث بن رفاعة وامهم عفراء بنت عبيد وهم ثلاثة عند ابى معشر والواقدى وابن القداح وكان ابن اسحق يزيد فيهم رابعا يسميه رفاعة شهد عنده بدرا وانكره الواقدي والنعمان بن عمرو " عج " والنعيمان ابن عمرو وعامر بن مخلد بن الحارث بن سواد و عبدالله بن قيس بن خلدة بن الحرث بن سواد وعمرو بن قيس بن زيد بن سواد مذكور في البدريين عند ابى معشر وابن القداح والواقدى وقيس ابنه عندهم ايضا ولم يذكرهما في البدريين ابن عقبة ولا ابن اسحق، وثابت بن عمرو بن زيد بن عدى بن سواد عشرة.

[ 364 ]

ومن بنى مبذول وهو عامر بن مالك بن النجار ثعلبة بن عمرو بن محصن بن عمرو ابن عتيك بن عمرو بن عامر والحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك خرج إلى بدر فكسر بالروحاء فرده عليه السلام وضرب له بسهمه وأجره وسهل بن عتيك " عج " وعامر بن سعد بن عمرو بن ثقف واسمه كعب بن مالك بن مبذول ذكره ابن عمارة قال ابن سعد ولم يذكره غيره. ومن حلفائهم عدى بن ابى الزغباء سنان بن سبيع بن ثعلبة بن ربيعة بن زهرة بن بديل بن سعد بن عدى بن نصر بن كاهل بن مالك ابن غطفان بن قيس بن جهينة حليف بنى عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ووديعة بن عمرو بن جراد بن يربوع بن طحيل بن عمرو بن غنم بن الرابعة ابن رشدان بن قيس بن جهينة حليف بنى سواد بن غنم بن مالك النجار وابو معشر يسميه رفاعة بن عمرو وعصيمة حليف لهم من اشجع لم يذكره ابن عقبة وذكره غيره كذا قال ابن سعد، والذى قال في السيرة ان عصيمة من بنى اسد ابن خزيمة وانه حليف بنى مازن بن النجار وكذا ذكره ابن سعد في بنى مازن سبعة. ومن بنى عدى بن النجار ثم من بنى عدى بن مالك بن عدى بن النجار حارثة بن سراقة بن الحرث بن عدى وهو اول قتيل بعد مهجع وعمرو بن ثعلبة ابن وهب بن عدى ومحرر بن مالك بن عامر بن عدى وسليط بن قيس بن عمرو ابن عبيد بن مالك بن عدى وابو سليط عسيرة بن ابى خارجة عمرو بن قيس ابن مالك بن عدى وذكر الكلبى ان اباه خارجة شهد بدرا وفيه نظر وعامر بن امية بن زيد بن الحسحاس بن مالك بن عدى وابو صرمة قيس بن ابى قيس صرمة بن ابى انس قيس بن صرمة بن مالك بن عدى قال أبو عمر ولم يختلف في شهوده بدرا ولم يذكره فيهم ابن عقبة ولا ابن اسحق ولا ابن سعد وهذا عجيب من ابى عمر رحمه الله ثمانية. ومن بنى حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدى بن النجار ابو الاعور الحارث بن ظالم بن عبس بن حرام

[ 365 ]

وحرام وسليم ابنا ملحان بن خالد بن زيد بن حرام امهما مليكة بنت مالك بن عدى بن زيد مناة بن عدى بن عمرو بن مالك بن النجار. ومن حلفاء بنى عدى ابن النجار سواد بن غزية بن وهب من بلى وهو الذى قال له النبي صلى الله عليه وسلم استقدمني وهو الذى اسر خالدا والعاصي والحارث اخوة ابى جهل بن هشام اربعة. ومن بنى عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن عبدالله بن كعب ببن عمرو واحد. ومن بنى خنساء بن مبذول المذكور أبو داود عمير بن عامر بن مالك بن خنساء وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء اثنان. ومن بنى ثعلبة بن مازن بن النجار قيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر بن حبيب بن الحارث ابن ثعلبة وابو حبس المازنى تميم بن عبد عمرو بن قيس بن محرث بن الحرث بن ثعلبة. قال أبو عمر شهد بدرا وقال شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي وهذا غير ثابت وكذا هو عند ابن سعد معدود في الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق وما بعدها اثنان. ومن بنى دينار بن النجار سليم بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار والنعمان والضحاك ابنا عبد عمرو وكعب بن زيد بن قيس بن مالك ابن كعب بن عبد الاشهل وسعيد بن سهل بن مالك بن كعب بن عبد الاشهل، وابن اسحق وابو معشر يقولان في سهل سهيل وبجير بن ابى بجير حليف لهم من بلى أو جهينة ستة. ومن بنى الحارث بن الخزرج ثم من بنى مالك الاغر بن ثعلبة ابن كعب بن الخزرج عبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الاصغر بن عمرو بن امرئ القيس الاكبر بن مالك الاغر قال ابن سعد ليس له عقب وليس كذلك وسعد بن الربيع " ق " وخارجة بن زيد " عج " وخلاد بن سويد " عج " وبشير ابن سعد " عج " وسماك بن سعد اخوه ستة. ومن بنى حارثة بن ثعلبة بن كعب ابن الخزرج بن الحارث بن الخزرج يزيد بن الحرث بن قيس بن مالك بن احمر ابن حارثة واحد. ومن بنى عدى بن كعب بن الخزرج خبيب بن يساف ويقال

[ 366 ]

اساف بن عنبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم وعن حبيب بن عبدالرحمن ان جده خبيبا هذا ضرب يوم بدر فمال شقه فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه ورده فانطلق واحد. ومن بنى زيد مناة. وبعضهم يسقط مناة بن الحرث بن الخزرج عبدالله بن زيد بن عبد ربه صاحب الاذان " عج " واخوه حريث وسفيان بن نسر ويقال بشر بن عمرو بن الحرث بن كعب بن زيد مناة ثلاثة. ومن بنى عوف بن الحارث بن الخزرج ثم من بنى جدارة بن عوف تميم بن يعار بن قيس ابن عدى بن امية بن جدارة وابن عمه زيد بن المزين بن قيس بن عدى وعبد الله بن عمير بن حارثة بن ثعلبة بن خلاس بن امية بن جدارة لم يذكره ابن عمارة في البدريين وذكره غيره و عبدالله بن عرفطة بن عدى بن امية بن جدارة كذا نسبه ابن اسحق وابن سعد يقول عبدالله بن عرفطة حليف لهم وعقبة بن عمرو ابو مسعود البدرى " عج " عده البخاري في البدريين، والمشهور انه لم يشهد بدرا وانما هو منسوب إلى المات خمسة. ومن بنى الابجر خدرة بن عوف عبدالله بن الربيع " عج " واحد. ومن بنى طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج سعد بن عبادة " ق " وقع في صحيح مسلم ولم يصح شهوده بدرا وعبد ربه بن حق ابن اوس بن عامر بن ثعلبة بن وقش بن ثعلبة بن طريف اثنان. ومن بنى ثعلبة ابن الخزرج بن ساعدة المنذر بن عمرو " ق " وابو دجانة سماك بن خرشة ابولوذان ابن عبدود ببن زيد بن ثعلبة وابن الكلبى يقول سماك بن اوس بن خرشة اثنان. ومن بنى عمرو بن الخزرج بن ساعدة ابو اسيد مالك بن ربيعة بن البدن وبعضهم يقول اليدى - بن عامر وقيل عمرو بن عوف بن حارثة بن عمرو وقيل البدن وهو عامر أو عمرو بن عوف وابن عمه مالك بن مسعود بن البدن وسعد بن سعد ابن مالك بن خالد بن تعلبة بن حارثة بن عمر تجهز لبدر فمات فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره. ومن حلفائهم بسبس بن عمرو بن ثعلبة

[ 367 ]

ابن خرشة بن عمرو بن سعد بن ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة واخواه زياد وضمرة وبعضهم يقول في ضمرة ابن اخى زياد، وعند ابن سعد زياد بن كعب ابن عمرو بن عدى بن عامر بن رفاعة بن كليب بن مودعة بن عدى بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة و عبدالله بن عامر البلوى وكعب بن جماز، وبعضهم يقول حماز وعند الزمخشري حماز - بن مالك بن ثعلبة بن خرشة، وبعضهم يسقط من نسبه مالكا ثمانية. ومن بنى الحبلى اوس بن خولى بن عبدالله بن الحرث بن عبيد بن مالك بن سالم الحبلى وريد بن وديعة بن عمرو بن قيس بن جزى بن عدى بن مالك بن سالم ورفاعة بن عمرو " عج " وابنه مالك " عج " ذكره الاموى فيمن شهد العقبة وبدرا ومعبد بن عبادة بن قشعر - ويقال قشير - ابن الفدم بن سالم بن مالك بن سالم. ومن حلفائهم عقبة بن وهب " عج " وعامر ابن سلمة بن عامر وعاصم بن العكير من مزينة ثمانية. ومن بنى غنم بن عوف ابن الخزرج وهو قوقل عبادة بن الصامت " عب " والنعمان الاعرج بن مالك بن ثعلبة بن اصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم والنعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد بن فهر بن ثعلبة بن غنم ومالك بن الدخشم " عج " والحرث بن خزمة بن عدى بن ابى غنم حليف لبنى عبد الاشهل من الاوس ونوفل بن عبدالله بن نضلة بن مالك ابن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم وعتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان ومليل ابن وبرة بن خالد بن العجلان وابن اخيه عصمة بن الحصين بن وبرة عند ابن القداح والواقدى وهبيل اخوه ذكره ابراهيم بن المنذر قال حدثنى عبدالله بن محمد ابن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة عن ابيه فيمن شهد بدرا، حكاه أبو عمر وفيه نظر، وثابت بن هزال بن عمرو بن قريوش بن غنم بن امية بن لوذان بن سالم والربيع وودفة ابنا اياس بن عمرو بن غنم بن امية. ومن حلفائهم المجذر بن ذياد بن عمرو بن زمزمه بن عمرو بن عمارة بن مالك بن غصينة بن عمرو بن بثيرة بن مشنوء

[ 368 ]

ابن القشر بن تيم بن عوذ مناة بن ناج بن تيم بن اراشه بن عامر بن عميلة بن قسميل بن فران بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وعند ابن اسحق مشنو بن قشر بن تيم بن اراش ابن عامر باسقاط ما زاد على ذلك البلوى وعبدة بن الحسحاس عند الواقدي مهملة الحاء والسين ومعجمتهما عند ابن اسحق وقيل عبادة. وبحاث بن ثعلبة بن خزمة بن اصرم ابن عمرو بن عمارة بالباء الموحدة وآخرها ثاء مثلثة عند ابن الكلبى وعند ابن اسحق بالنون وآخرها باء موحدة، واخوه عبد الله بن ثعلبة وعتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية من بنى بهراء اخى بلى ابني عمرو بن الحاف بن قضاعة وابن هشام وابن القداح يقولان من بنى بهر. الابهراء قال أبو عمر وقد اختلف في شهوده بدرا وعمرو بن اياس بن زيد بن جشم من اهل اليمن من غسان تسعة عشر. ومن بنى سلمة بن سعد بن على بن اسد بن ساردة بن تزيد بن جشم، تم من بنى حرام بن كعب بن غنم بن سلمة عبدالله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن عمرو بن حرام ابو جابر وقد ذكر فيهم ابنه جابر قال الواقدي غلط من عده في البدريين من اهل العراق لم يذكره ابن عقبة ولا ابن اسحق ولا أبو معشر وعمرو بن الجموح " عج " واخوته معوذ وخلاد ومعاذ وخراش بن الصمة بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام واخوه معاذ بن الصمة، وقال محمد بن عمر ليس بثبت ولا مجمع عليه، وعمير ابن حرام بن عمرو بن الجموح شهد بدرا عند الواقدي وابن عمارة، ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن اسحق ولا أبو معشر، وعمير بن الحمام بن الجموح والحباب بن المنذر بن الجموح وعقبة بن عامر بن نابى " عا " وعمير بن عامر اخوه شهد بدرا وغيرها عند ابن الكلبى، وقال الدمياطي ولم ار من تابع ابن الكلبى على ذكره في الصحابة، وثابت بن ثعلبة وهو ابن الجذع وعمرو " عج " وقيل عمير بن الحارث. ومن مواليهم تميم مولى خراش بن الصمة وحبيب بن الاسود سبعة عشر ومن بنى سنان بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة عمرو بن طلق بن زيد بن امية

[ 369 ]

ابن سنان، ولم يذكره ابن عقبة واحد. ومن بنى عبيد بن عدى بن غنم بن كعب ابن سلمة البراء بن معرور " ق " وابنه بشر و عبدالله بن الجد بن قيس بن صخر ابن خنساء بن سنان بن عبيد وعتبة بن عبدالله بن صخر بن خنساء بن سنان وسنان بن صيفي " عج " والطفيل بن مالك " عج " والطفيل بن النعمان بن خنساء " عج " قال ابن سعد ولا احسبه الا وهلا وجبار بن صخر " عج " ويزيد بن خذام (1) ومسعود بن زيد " عج " عشرة. ومن بنى خناس بن سنان بن عبيد يزيد بن المنذر " عج " واخوه معقل " عج " و عبدالله بن النعمان بن بلذمة (2) بن خناس وابو قتادة بن ربعى بن بلذمة بن خناس مختلف في شهوده بدرا. اربعة. ومن بنى النعمان بن سنان بن عبيد عبدالله بن عبد مناف بن النعمان وخليد وخلاد ولبدة بنو قيس بن النعمان وجابر بن عبدالله بن رئاب بن النعمان. خمسة. ومن بنى ثعلبة ابن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة الضحاك بن حارثة " عج " وسواد بن رزن بن زيد بن ثعلبة. اثنان. ومن بنى ربيعة بن عبيد معبد بن قيس بن صيفي بن صخر بن حرام بن ربيعة واخوه عبدالله وحمزة بن الحمير من حلفائهم وابن اسحق يسميه خارجة - واخوه عبدالله والنعمان بن سنان مولى لهم. خمسة. ومن بنى سواد بن غنم بن كعب بن سلمة قطبة بن عامر بن حديدة " عا " وابن عمه سليم بن عمرو بن حديدة وابو اليسر كعب بن عمرو " عج " وصيفى بن سواد " عج " وثعلبة بن عنمة " عج " وعببس بن عامر بن سنان " عج " وسهل ابن قيس بن ابى بن كعب بن عمرو بن القين بن كعب بن سواد. ومن حلفائهم معاذ بن جبل " عج ". ثمانية. ومن بنى زريق ذكوان بن عبد قيس " عب " وسعد ابن عثمان بن خلدة واخوه عقبة وابن عمهما قيس بن محصن بن خلدة بن مخلد


(1) بالخاء المعجمة والذال المعجمة، وقيل " حرام " بالمهملة والراء. (2) بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الذال المعجمة، وقيل بالمهملة. (*)

[ 370 ]

ابن عامر بن زريق والحارث بن قيس " عج " وجبير بن اياس بن خلدة بن مخلد ابن عامر بن زريق ومسعود بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق وعباذ بن قيس " عج " ورافع بن مالك " عج " وابناه رفاعة وخلاد وعبيد بن زيد بن عامر بن العجلان بن عمرو ابن عامر بن زريق والعجلان بن النعمان بن عامر بن العجلان واسعد بن يزيد ابن الفاكه بن زيد بن خلدة بن عامر بن زريق والفاكه بن بشر بن الفاكه ابن زيد بن خلدة ومعاذ وعائذ ابنا ماعص بن قيس بن خلدة بن عامر ومسعود ابن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر، ومن حلفائهم من بنى مالك اخى الحارث رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عدى بن مالك واخوه هلال بن المعلى ولم يذكره ابن اسحق قال ابن الكلبى وشهد رافع وراشد وهلال وابو قيس بنو المعلى بدرا ولم يذكر ابن اسحق منهم سوى رافع. اثنان وعشرون ومن بنى بياضة بن عامر بن زريق زياد بن لبيد " عج " وخليفة بن عدى بن عمرو ابن مالك بن عامر بن بياضة وفروة بن عمرو " عج " وغنام بن اوس بن عمرو بن مالك بن عامر بن بياضة ذكره ابن الكلبى وخالد بن قيس " عج " ورحيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة بن عامر بن بياضة وعطية بن نوير بن عامر بن عطية بن عامر بن بياضة قاله ابن الكلبى. سبعة. فجملة من ذكرنا من الخزرج مائة وخمسة وتسعون، ومن الاوس اربعة وسبعون، ومن المهاجرين اربعة وتسعون فذلك ثلاثمائة وثلاثة وستون. وهذا العدد اكثر من عدد اهل بدر وانما جاء ذلك من جهة الخلاف في بعض من ذكرنا، وقد تقدم نظير ذلك في اهل العقبة والله اعلم. وكان معهم من الخيل فرس مرثد بن ابى مرثد الغنوى السبل وفرس المقداد بعرجة ويقال سبحة وقيل وفرس الزبير اليعسوب وقال ابن عقبة ويقال كان مع النبي صلى الله عليه وسلم

[ 371 ]

فرسان على احدهما مصعب بن عمير وعلى الاخرى سعد بن خيثمة ومرة الزبير ابن العوام ومرة المقداد بن الاسود. واستشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر من المسلمين عبيدة بن الحرث وعمير بن ابى وقاص - وكانت سنه ستة عشر أو سبعة عشر عاما - وعمير بن الحمام من بنى سلمة من الانصار وسعد بن خيثمة من بنى عمرو بن عوف من الاوس وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعى حليف ببنى زهرة ومبشر بن عبد المنذر من بنى عمرو بن عوف وعاقل بن البكير الليثى ومهجع مولى عمر حليفا بنى عدى وصفوان بن بيضاء الفهرى ويزيد بن الحرث من بنى الحرث بن الخزرج ورافع ابن المعلى - وفد تقدم الخلاف في اخيه هلال - وحارثة بن سراقة من بنى النجار وعوف ومعوذ ابنا عفراء اربعة عشر: ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار: ستة من الخزرج واثنان من الاوس. وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون. وروينا من طريق البخاري قال حدثنى عمر بن خالد ثنا زهير ثنا أبو اسحق قال سمعت البراء قال جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبدالله بن جبير فأصابوا منا سبعين وكان النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه يوم بدر اصاب من المشركين اربعين ومائة سبعين اسيرا وسبعين قتيلا. (1) فمن مشاهير القتلى: من بنى عبد شمس حنظلة بن ابى سفيان قتله زيد بن حارثة وعبيدة بن سعيد بن العاص قتله الزبير واخوه العاصى بن سعيد قتله على وقيل غيره وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة قتلهم حمزة وعبيدة وعلى كما تقدم وعقبة بن ابى معيط قتله عاصم بن ثابت صبرا وقيل بل على بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك والحرث بن عامر بن نوفل قتله على وطعيمة بن عدى قتله حمزة وقيل بل قتل صبرا والاول اشهر وزمعة بن الاسود بن المطلب بن اسد


(1) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (*)

[ 372 ]

وابنه الحرث بن زمعة واخوه عقيل بن الاسود وابو البخترى بن العاصى بن هشام وقد تقدم الخلاف في قاتله من هو ونوفل بن خويلد بن اسد قتله على وقيل الزبير والنضر بن الحرث قتل صبرا بالصفراء وعمير بن عثمان عم طلحة بن عبيد الله بن عثمان وابو جهل بن هشام واخوه العاصى بن هشام قتله عمر ومسعود بن ابى امية المخزومى اخو ام سلمة وابو قيس بن الوليد اخو خالد بن الوليد وقيس بن الفاكه ابن المغيرة والسائب بن ابى السائب المخزومى وقد قيل لم يقتل يومئذ واسلم بعد ذلك ومنبه ونبيه ابنا الحجاج بن عامر السهمى والعاصي والحارث ابنا منبه بن الحجاج وامية بن خلف الجمحى وابنه على. وأسر يومئذ: مالك بن عبيد الله اخو طلحة فمات اسيرا وحذيفة بن ابى حذيفة ابن المغيرة ثم قتل وقيل اخوه هشام بن ابى حذيفة، وأسر من بنى مخزوم ومن حلفائهم يومئذ اربعة وعشرون رجلا. ومن بنى عبد شمس وحلفائهم اثنا عشر رجلا منهم عمرو بن ابى سفيان والحرث بن ابى وحرة بن ابى عمرو بن امية وابو العاصى بن الربيع صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته زينب. واسر من بنى هاشم العباس بن عبدالمطلب وعقيل بن ابى طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب. ومن بنى المطلب بن عبد مناف السائب بن عبيد والنعمان بن عمرو. ومن بنى نوفل عدى بن الخيار. ومن بنى عبد الدار ابو عزيز بن عمير. ومن سائر قريش السائب بن ابى حبيش والحرث بن عامر بن عثمان بن اسد وخالد بن هشام اخو ابى جهل وصيفى بن ابى رفاعة واخوه ابو المنذر بن ابى رفاعة والمطلب بن حنطب وخالد بن الاعلم وهو القائل: ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على اقدامنا تقطر الدما وهو اول من فر يوم بدر فأدرك وأسر وعثمان بن عبد شمس بن حابر المازنى

[ 373 ]

حليف لهم وهو ابن عمة عتبة بن غزوان وامية بن ابى حذيفة بن المغيرة وابو قيس ابن الوليد اخو خالد بن الوليد وعثمان بن عبدالله بن المغيرة وابو عطاء عبدالله ابن ابى السائب بن عابد المخزومى وابو وداعة بن صبيرة السهمى - وهو اول اسير فدى منهم - وعبد الله بن ابى بن خلف الجمحى واخوه عمرو وابو عزة الجمحى وسهيل ابن عمرو العامري وعبد بن زمعة (1) بن قيس العامري وعبيد الله بن حميد بن زهير الاسدي. هؤلاء المشاهير من الاسرى والقتلى، نقلت ذلك عن ابى عمر ولولا خشية الاطالة لاتيت عليهم، وكان الفداء من اربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى الفين إلى الف درهم. وروينا عن ابن سعد قال انا الفضل بن دكين قال ثنا اسرائيل عن جابر بن عامر قال اسر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر سبعين اسيرا وكان يفادى بهم على قدر اموالهم وكان اهل مكة يكتبون واهل المدينة لا يكتبون فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه. وروينا عنه قال انا محمد بن عبدالله الانصاري فثنا هشام ابن حسان فثنا محمد بن سيرين عن عبيدة ان جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في اسارى بدر فقال ان شئتم قتلتموهم وان شئتم اخذتم منهم الفداء ويستشهد (2) قابل منكم سبعون قال فنادى النبي صلى الله عليه وسلم في اصحابه فجاءوا أو من جاء منهم فقال ان هذا جبريل يخبركم بين ان تقدموهم فتقتلوهم وبين ان تفادوهم ويستشهد قابل منكم بعدتهم فقالوا بل نفاديهم فنتقوى به عليهم ويدخل قابل منا الجنة سبعون ففادوهم.


(1) في الاصل " عبدالله بن زمعة " وهو خطأ. (2) في نسخة " واستشهد " وفى اخرى " وليستشهد " (*)

[ 374 ]

(ذكر من اسلم من اسرى بدر بعد ذلك) العباس بن عبدالمطلب. عقيل بن ابى طالب. نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب. ابو العاص بن الربيع. ابو عزيز بن عمير العبدزى. السائب بن ابى حبيش. خالد بن هشام المخزومى. عبدالله بن ابى السائب. المطلب بن حنظب. ابو وداعة السهمى. عبدالله بن ابى خلف الجمحى. وهب بن عمير الجمحى. سهيل بن عمرو العامري. عبد بن زمعة اخو سودة. قيس بن السائب المخزومى. نسطاس مولى امية بن خلف. ويذكر ان العباس كان جسيما اسره ابو اليسر كعب بن عمرو وكان دميما فقيل للعباس لو اخذته بكفك فقال ما هو الا ان لقيته فظهر في عينى كالخندمة، والخندمة جبل من جبال مكة. (فضل من شهد بدرا) روينا من طريق البخاري حدثنى اسحق بن ابراهيم قال انا جرير عن يحيى ابن سعيد عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقى عن ابيه وكان ابوه من اهل بدر قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون اهل بدر فيكم قال من افضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.

[ 375 ]

(ما قيل من الشعر في بدر) حمزة بن عبدالمطلب رضى الله عنه: ألم تر أمرا كان من عجب الدهر * وللحين اسباب مبينة الامر وما ذاك الا ان قوما افادهم * فحانوا تواص بالعقوق وبالكفر عشية راحوا نحو بدر جميعهم * فكانوا رهونا للركية (1) من بدر وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها * فساروا الينا فالتقينا على قدر فلما التقينا لم تكن مثنوية * لنا غير طعن بالمثقفة السمر وضرب ببيض يجتلى الهام حدها * مشهرة الالوان بينة الاثر ونحن تركنا عتبة الغى ثاويا * وشيبة في قتلى تجرجم في الجفر وعمر وثوى فيمن ثوى من حماتهم * فشقت جيوب النائحات على عمرو جيوب نساء من لؤى بن غالب * كرام تفرعن الذوائب من فهر اولئك قوم قتلوا في صلابهم * وخلوا لواء غير محتضر النصر لواء ضلال قاد ابليس اهله * فخاس بهم ان الخبيث إلى غدر وقال لهم إذ عاين الامر واضحا * برئت اليكم ما بى اليوم من صبر فانى ارى ما لا ترون واننى * اخاف عقاب الله والله ذو قسر (2) فقدمهم للحين حتى تورطوا * وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر فكانوا غداة البئر الفا وجمعنا * ثلاث مئين كالمسدمة الزهر وفينا جنود الله حين يمدنا * بهم في مقام ثم مستوضح الذكر فشد بهم جبريل تحت لوائنا * لدى مازق فيه مناياهم تجرى


(1) الركية: البئر. (2) في نسخة " ذو قهر ". (*)

[ 376 ]

فاد الرجل فيدا وفودا مات وافاده الله.. والجفر البئر غير المطوية. والمسدمة من قولهم فحل سدم إذا كان هائجا. والمازق موضع الحرب. ومن الناس من ينكرها لحمزة. فأجابه الحارث بن هشام المخزومى: ألا يا لقوم للصبابة والهجر * وللحزن منى والحزازة في الصدر وللدمع من عينى جودا كأنه * فريد هوى من سلك ناظمه يجرى على البطل الحلو الشمائل إذ ثوى * رهين مقام للركية من بدر فلا تبعدن يا عمرو من ذى القرابة * ومن ذى ندام كان من خلق غمر فان يك قوم صادفوا منك دولة * ولا بد للايام من دول الدهر فقد كنت في صرف الزمان الذى مضى * تريهم هوانا منك ذا سبل وعر في ابيات. ومما يعزى لعلى بن ابى طالب رضى الله عنه في ابيات: ألم تر ان الله ابلى رسوله * بلاء عزيز ذى اقتدار وذى فضل بما انزل الكفار دار مذلة * فلاقوا هوانا من اسار ومن قتل فأجابه الحارث بن هشام: عجبت لاقوام تعنى سفيههم * بأمر سفاه ذى اعتراض وذى بطل تغنى بقتلى يوم بدر تتابعوا * كرام المساعى من غلام ومن كهل مصاليت بيض من ذؤابة غالب * مطاعين في الهيجا مطاعيم في المحل اصيبوا كراما لم يبيعوا عشيرة * بقوم سواهم نازحى الدار والاهل كما اصبحت غسانة فيكم بطانة * لكم بدلا منا فيا لك من فعل

[ 377 ]

عقوقا واثما بينا وقطيعة * يرى جوركم فيها ذو الرأى والعقل فان يك قوم قد مضوا لسبيلهم * وخير المنايا ما يكون من القتل فلا تفرحوا ان تقتلوهم فقتلهم * لكم كائن خبلا مقيما على خبل في ابيات ذكرها. وقال ضرار بن الخطاب الفهرى: عجبت لفخر الاوس والحين دائر * عليهم غدا والدهر فيه بصائر وفخر بنى النجار ان كان معشر * ببدر اصيبوا كلهم ثم صائر فان تك قتلى غودرت من رجالنا * ببدر فانا بعدهم سنغادر وتردى بنا الجرد العناجيج وسطكم * بنى الاوس حتى يشفى النفس ثائر ووسط بنى النجار سوف يكرها * لنا بالقنا والدرعين زوافر فنترك صرعى تعصب الطير نحوهم * وليس لهم الا الامانى ناصر وتبكيهم من اهل يثرب نسوة * لهن بهاليل عن النوم ساهر وذلك انا لا تزال سيوفنا * بهن دم مما يحاربن مائر فان تظفروا في يوم بدر فانما * بأحمد امسى جدكم وهو ظاهر وبالنفر الاخيار هم اولياؤه * يحامون في اللاواء (1) والموت حاضر يعد أبو بكر وحمزة فيهم * ويدعى على وسط من انت ذاكر اولئك لا من نتجت من ديارها * بنو الاوس والنجار حين تفاخروا ولكن ابوهم من لؤى بن غالب * إذا عدت الانساب كعب وعامر هم الطاعنون الخيل في كل معرك * غداة الهياج الاطيبون الاكابر العناجيج جياد الخيل واحدها عنجوج. ومائر متردد.


(1) اللاواء. الشدة. (*)

[ 378 ]

ومما قاله حسان بن ثابت الانصاري: بلوت فؤادك في المقام خريدة * تشفى الضجيع ببارد بسام كالمسك تخلطه بماء سحابة * أو عاتق كدم الذبيح مدام اما النهار فلا افتر ذكرها * والليل توزعني بها احلامي أقسمت انساها واترك ذكرها * حتى تغيب في الضريح عظامي بل من لعاذلة تلوم سفاهة * ولقد عصيت على الهوى لوامى ان كنت كاذبة الذى حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الاحبة ان يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة (1) ولجام في ابيات يعير الحارث بن هشام بالفرار، وكان الحرث يقول: الله يعلم ما تركت قتالهم * حتى رموا فرسى بأشقر مزبد وعلمت انى ان اقاتل واحدا * اقتل ولا يضرر عدوى مشهدى فصددت عنهم والاحبة فيهم * طمعا لهم بلقاء يوم مفسد (2) وكان الاصمعي يقول: هذا احسن ما قيل في الاعتذار عن الفرار وكان خلف الاحمر يقول احسن ما قيل في ذلك ابيات بن ابى وهب المخزومى لعمرك ما وليت ظهرى محمدا * واصحابه جبنا ولا خيفة القتل ولكننى قلبت امرى فلم اجد * لسيفى مساغا ان ضربت ولا نبل وقفت فلما خفت ضيعة موقفي * رجعت لعود كالهزبر ابى الشبل


(1) بكسر الطاء المهملة والميم وتشديد الراء مفتوحة. الفرس المستفز للوثب والعود، وقال أبو عبيدة هو المشمر الخلق. (2) في نسخة " اسود ". (*)

[ 379 ]

وان تقاربا لفظا ومعنى فليس ببعيد من ان يكون الثاني اجود من الاول لانه اكثر انتفاء من الجبن ومن خوف القتل، وانما علل فراره بعدم افادة وقوفه فقط وذلك في الاول جزء علة والجزء الاخر قوله اقتل، وقوله رموا فرسى بأشقر مزبد يعنى الدم ويحتمل ان يكون ذلك مقيدا بكون مشهده لا يضر عدوه ومع ذلك فالثاني اسلم من ذلك معنى واصرح لفظا. ومما قاله حسان: لقد علمت قريش يوم بدر * غداة الاسر والقتل الشديد بأناحين نستجر العوالي * حماة الحرب يوم ابى الوليد قتلنا ابني ربيعة يوم ساروا * الينا في مضاعفة الحديد وقر بها حكيم يوم جالت * بنو النجار تخطر كالاسود وولت عند ذاك جموع فهر * واسلمها الحويرث من بعيد وقالت قتيلة بنت الحارث اخت النضر بن الحارث: يا راكبا ان الاثيل مظنة * من صبح خامسة وانت موفق ابلغ بها ميتا بأن تحية * ما ان تزال بها النجائب تخفق منى اليك وعبرة مسفوحة * حادت بوا كفها واخرى تخنق هلى يسمعن النضر ان ناديته * ام كيف يسمع ميت لا ينطق أمحمد يا خير ضنئ كريمة (1) * في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلننفقن * يا عز ما يغلو به ما ينفق (1) أي: ابن كريمة. (*)

[ 380 ]

فالنضر اقرب من اسرت قرابة * واحقهم ان كان عتق يعتق ظلت سيوف بنى ابيه تنوشه * لله ارحام هناك تشقق صبرا يقاد إلى المنية مثغبا * رسف المقيد وهو عان موثق فيقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه. وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب رمضان اوائل شوال.

[ 381 ]

(فصل) قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله فلما اوقع الله بالمشركين يوم بدر واستأصل وجوههم قالوا ان ثأرنا بأرض الحبشة فلنرسل إلى ملكها يدفع الينا من عنده من اتباع محمد فلنقتلهم بمن قتل منا ببدر. قال اخبرنا عبدالله بن محمد فثنا محمد بن بكر فثنا أبو داود فثنا ابن السرج فثنا ابن وهب قال اخبرني يونس عن ابن شهاب قال بلغني ان مخرج عمرو بن العاص وابن ابى ربيعة إلى ارض الحبشة فيمن كان بأرضهم من المسلمين كان بعد وقعة بدر فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مخرجهما بعث عمرو بن امية من المدينة إلى النجاشي بكتاب. قلت وقد تقدم القول عند ذكر الهجرة إلى ارض الحبشة ان توجه عمرو بكتابي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم سنة سبع يدعوه في احدهما إلى الاسلام والثانى في تزويجه عليه السلام ام حبيبة وقيل في شهر ربيع الاول منها وقيل في سنة ست حكاه أبو عمر عن الواقدي. واما عمرو بن امية فشهد بدرا وأحدا مع المشركين واسلم بعد ذلك وكان اول مشهد شهده بئر معونة فأسرته بنو عامر يومئذ فقال له عامر بن الطفيل انه كان على امى نسمة فاذهب فأنت حر عنها وجز ناصيته وبعثه ايضا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابى سفيان بن حرب بهدية إلى مكة، وسيأتى ذكر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي مع عمرو عند ذكر كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك في وضعه من هذا الكتاب ان شاء الله، وهذا الفصل ذكره أبو عمر في هذا الموضع من كتابه في المغازى وفيه نظر. (1)


(1) في هامش الاصل (بلغ مقابلة لله الحمد). (*)

[ 382 ]

(سرية عمير بن عدى) روينا عن ابن سعد قال ثم سرية عمير بن عدى بن خرشة الخطمى إلى عصماء بنت مروان من بنى امية بن زيد لخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن الخطمى وكانت تعيب الاسلام وتؤذى النبي صلى الله عليه وسلم وتحرض عليه وتقول الشعر فجاءها عمير بن عدى في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها فجسها بيده وكان ضرير البصر ونحى الصبى عنها ووضع سيفه على صدرها حتى انفذه من ظهرها ثم صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أقتلت ابنة مروان قال نعم فهل على في ذلك من شئ فقال " لا ينتطح فيها عنزان " فكانت هذه الكلمة اول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم عميرا اليعمير قيل وكان اول من اسلم من خطمة عمير بن عدى وكان يدعى القارئ كان امام قومه وقارئهم.

[ 383 ]

(سرية سالم بن عمير) روينا عن ابن سعد قال ثم سرية سالم بن عمير إلى ابى عفك (1) اليهودي في شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابو عفك من بنى عمرو بن عوف شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة وكان يهوديا وكان يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر فقال سالم بن عمير وهو احد البكائين وممن شهد بدرا على نذر ان اقتل ابا عفك أو اموت دونه فأمهل يطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة فنام ابو عفك بالفناء وسمع به سالم بن عمير فأقبل فوضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه ناس ممن هو على قوله فأدخلوه منزله وقبروه. فقالت امامة المريدية (2) في ذلك: تكذب دين الله والمرء احمدا * لعمرو الذى امناك ان بئس ما يمنى حباك حنيفا آخر الليل طعنة * ابا عفك خذها على كبر السن البيتان عن ابن سعد. وكان ابو عفك ممن نجم نفاقه حين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرث بن سويد بن الصامت وشهد سالم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفى في خلافة معاوية بن ابى سفيان، وقال فيه موسى بن عقبة سالم بن عبدالله.


(1) بفتح العين المهملة. (2) بضم الميم وكسر الراء. وهو بطن من بلى. (*)

[ 384 ]

(غزوة بنى سليم) قال ابن اسحق فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يعنى من بدر لم يقم الا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بنى سليم. قال ابن هشام واستعمل على المدينة سباع ابن عرفطة الغفاري أو ابن مكتوم. قال ابن اسحق فبلغ ماء من مياههم يقال له الكدر (1) فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.


(1) بضم الكاف وسكون الدال. (*)

[ 385 ]

(غزوة بنى قينقاع) قال ابن سعد وكانت يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره. قال ابن اسحق وكان من بنى قينقاع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بنى قينقاع ثم قال يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة واسلموا فانكم قد عرفتم انى نبى مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله اليكم قالوا يا محمد انك ترى انا قومك ولا يغرنك انك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت لهم فرصة اما والله لو حاربتنا لتعلمن انا نحن الناس، فحدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عن عكرمة عن ابن عباس قال ما نزل هؤلاء الآيان الا فيهم (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا - أي اصحاب بدر من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش - فئة تقاتل في سبيل الله واخرى كافرة ترونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء ان في ذلك لعبرة لاولى الابصار) قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة انهم كانوا اول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه. قال ابن هشام وذكر عبدالله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن ابى عون قال كان من امر بنى قينقاع ان امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بنى قينقاع وجلست إلى صائغ فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها

[ 386 ]

فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا وشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ اهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمين فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع وتبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشبث به عبدالله بن ابى فيما روينا عن ابن اسحق عن ابيه عن عباد بن الوليد بن عباد ابن الصامت قال وفيه وفى عبدالله نزلت (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض) إلى قوله (فان حزب الله هم الغالبون) وروينا عن ابن سعد قال وكانوا قوما من يهود حلفاء لعبد الله بن ابى بن سلول وكانوا اشجع يهود وكانوا صاغة فوادعوا النبي صلى الله عليه وسلم فلما كانت وقعة بدر اظهروا البغى والحسد ونبذوا العهد والمدة فأنزل الله تعالى (واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا اخاف من بنى قينقاع فسار إليهم ولواؤه بيد حمزة بن عبد المطلب وكان ابيض ولم تكن الرايات يومئذ واستخلف على المدينة ابا لبابة بن عبد المنذر وحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذى القعدة وكانوا اول من عدر من اليهود وحاربوا وتحصنوا في حصنهم فحاصرهم اشد الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ان لرسول الله صلى الله عليه وسلم اموالهم وان لهم النساء والذرية فأنزلهم فكتفوا واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمى فكلم ابن ابى فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وألح عليه فقال حلوهم لعنهم الله ولعنه معهم وتركهم من القتل وامر ان يجلوا من المدينة وتولى ذلك عبادة بن الصامت فلحقوا بأذرعات فما كان اقل بقاءهم بها وذكر ما تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم وسيأتى ذكرنا له، وخمست اموالهم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية الخمس وفض اربعة اخماس على اصحابه. فكان اول ما خمس بعد بدر. وكان الذى ولى قبض اموالهم محمد بن مسلمة. انتهى ما وجدته عن ابن سعد. كذا

[ 387 ]

وقع صفية الخمس والمعروف ان الصفى غير الخمس. روينا عن الشعبى من طريق ابى داود قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفى قبل الخمس. وعن عائشة كانت صفية رضى الله عنها من الصفى فلا ادرى اسقطت الواو أو كان هذا قبل حكم الصفى والله اعلم. وكانوا اربعمائة حاسر (1) وثلاثمائة دارع وكانوا حلفاء الخزرج


(1) الحاسر: هو الذى لا درع ولا مغفر عليه. (*)

[ 389 ]

(غزوة السويق) روينا عن محمد بن اسحق قال ثم غزا أبو سفيان بن حرب في ذى الحجة غزوة السويق. وذكر ابن سعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة لخمس خلون من ذى الحجة يوم الاحد على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره. رجع إلى ابن اسحق قال وكان أبو سفيان كما حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن لا اتهم عن عبدالله بن كعب بن مالك وكان من اعلم الانصار ان ابا سفيان حين رجع إلى مكة ورجع فل قريش من بدر نذر ان لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له نيب (1) من المدينة على بريد أو نحوه ثم خرج من الليل حتى اتى بنى النضير تحت الليل فأتى حيى بن اخطب فضرب عليه بابه فأبى ان يفتح له بابه وخافه فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم وكان سيد بنى النضير في زمانه ذلك وصاحب منزهم فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته حتى اتى اصحابه فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في اصوار (2) من نخل بها ووجدوا رجلا من الانصار وحليفا لهم في حرثهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين ونذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم في مائتين من


(1) بفتح النون وسكون الياء وهناك جبل آخر يسمى " تيت ". (2) جمع صور وهو النخل المجتمع الصغار. (*)

[ 390 ]

المهاجرين والانصار. وهذا العدد عن ابن سعد. واستعمر على المدينة بشير بن عبد المنذر فيما قال ابن هشام حتى بلغ قرقرة الكدر قال ابن سعد وجعل ابو سفيان واصحابه يتخففون للهرب وكان اصحابه مائتين كما قدمنا وقيل كانوا اربعين فيلقون جرب السويق وهى عامة ازوادهم فيأخذها المسلمون فسميت غزوة السويق، ولم يلحقوهم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة وكان غاب خمسة ايام قال ابن اسحق وقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أتطمع ان تكون لنا غزوة قال نعم.

[ 391 ]

(غزوة قرقرة الكدر) قال ابن سعد ويقال قرارة الكدر للنصف من المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره وهى بناحية معذن بنى سليم قريب من الارحضية وراء سد معونة وبين المعدن وبين المدينة ثمانية برد. وكان الذى حمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن ابى طالب. واستخلف على المدينة ابن ام مكتوم وكان بلغه ان بهذا الموضع جمعا من بنى سليم وغطفان فسار إليهم فلم يجد في المحال احدا وارسل نفرا من اصحابه في اعلى الوادي واستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطن الوادي فوجد رعاء منهم غلام يقال له يسار فسأله عن الناس فقال لا علم لى بهم انما اورد لخمس (1) وهذا يوم ربعى والناس قد ارتفعوا في المياه ونحن عزاب في الغنم فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة واقتسموا غنائمهم بصرار على ثلاثة اميال من المدينة وكانت النعم خمسمائة بعير فأخرج خمسه وقسم اربعة اخماسه على المسلمين فأصاب كل رجل منهم بعيرين وكانوا مائتي رجل وصار يسار في سهم النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وذلك انه رآه يصلى وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة. والقرقرة ارض ملساء والكدر طير في الوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع. وقد كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يذكر مسيره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة.


(1) الخمس بكسر الخاء من اظماء الابل أي ترعى ثلاثة ايام ثم ترد اليوم الرابع، وقيل أخمس الرجل أي وردت ابله خمسا. (*)

[ 392 ]

(سرية كعب بن الاشرف) روينا عن ابن سعد انها كانت لاربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره عليه السلام. قال ابن اسحق وكان من حديث كعب بن الاشرف انه لما اصيب اصحاب القليب يوم بدر وقدم زيد ابن حارثة إلى اهل السافلة و عبدالله بن رواحة إلى اهل العالية بشيرين بالفتح قال كعب وكان رجلا من طئ ثم احد بنى نبهان وكانت امه من بنى النضير احق هذا أترون ان محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذا الرجلان فهؤلاء اشراف العرب وملوك الناس والله ان كان محمد اصاب هؤلاء القوم لبطن الارض خير من ظهرها. فلما ايقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن ابى وداعة السهمى وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الاشعار ويبكى على اصحاب القليب ثم رجع إلى المدينة فتشبب (1) بنساء المسلمين حتى آذاهم. وروينا من طريق ابن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عبدالله بن لهيعة عن ابى الاسود عن عروة قال ثم انبعث عدو الله يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين (2) ويمتدح عدوهم ويحرضهم عليهم فلم يرض بذلك حتى ركب إلى قريش فاستغواهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو سفيان والمشركون اديننا احب اليك ام دين محمد واصحابه وأى دينينا أهدى في رأيك واقرب إلى الحق فقال انتم اهدى منهم سبيلا وافضل وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لنا من ابن الاشراف فقد استعلن بعداوتنا


(1) أي: تغزل بوصف محاسنهن. (2) في نسخة " والمسلمين. (*)

[ 393 ]

وهجائنا وقد خرج إلى قريش فاجمعهم على قتالنا وقد اخبرني الله عزوجل بذلك ثم قدم اخبث ما كان ينتظر قريشا تقدم عليه فيقاتلنا ثم قرأ على المسلمين ما انزل الله تعالى عليه فيه (الم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب) الآية وخمس آيات فيه وفى قريش. رجع إلى خبر ابن اسحق: فقال كما حدثنى عبدالله بن المغيث بن ابى بردة من لى من ابن الاشراف فقال له محمد بن مسلمة اخو بنى الاشهل انا لك به يا رسول الله انا اقتله قال فافعل ان قدرت على ذلك. فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب الا ما تعلق به نفسه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال لم تركت الطعام والشراب ؟ قال يا رسول الله قلت لك قولا لا ادرى هل أفين لك به ام لا قال انما عليك الجهد قال يا رسول الله انه لا بد لنا من ان نقول قال قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وكان اخا لكعب من الرضاعة وعباد بن بشر ابن وقش احد بنى عبد الاشهل والحرث بن اوس بن معاذ وابو عبس بن جبر. قلت وهؤلاء الخمسة من الاوس، ثم قدموا إلى عدو الله كعب بن الاشرف قبل ان يأتوه سلكان بن سلامة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا شعرا وكان أبو نائلة سلكان يقول الشعر ثم قال ويحك يا ابن الاشرف انى قد جئتك لحاجة اريد ذكرها لك فاكتم عنى قال افعل قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الانفس واصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا فقال كعب انا ابن الاشرف اما والله لقد كنت اخبرك يا ابن سلامة ان الامر سيصير إلى ما اقول فقال له سلكان ان اردت ان تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال اترهنوني

[ 394 ]

ابناءكم قال قد اردت ان تفضحنا ان معى اصحابا على مثل رأيى وقد اردت ان آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء واراد سلكان ان لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها قال ان في الحلقة لوفاء قال فرجع سلكان إلى اصحابه فأخبرهم خبره وامرهم ان يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام ويقال قال اترهنوني نساءكم قالوا كيف نرهنك نساءنا وانت اشب اهل يثرب واعطرهم ! قال اترهنوني ابناءكم. قال ابن اسحق فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد (1) ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله اللهم اعنهم ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته وهو في ليلة مقمرة واقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به ابو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفة فأخذت امرأته بناحيتها وقالت انك امرؤ محارب وان اصحاب الحرب لا ينزلون في مثل هذه الساعة قال انه ابو نائلة لو وجدني نائما ما ايقظنى فقالت والله انى لاعرف في صوته الشر قال يقول لها كعب لو يدعى الفتى لطعنة لاجاب فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه وقالوا هل لك يا ابن الاشرف ان تمشى معنا إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا فقال ان شئتم فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة ثم ان ابا نائلة شام يده في فود (2) رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيبا اعطر ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفود رأسه ثم قال اضربوا عدو الله فضربوه فاختلفت عليه اسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفى حين رأيت اسيافنا لا تغنى شيئا فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن الا اوقدت عليه نارا قال فوضعته


(1) بقيع الغرقد هو مقبرة اهل المدينة، وانما سمى بذلك لانه كان فيه غرقد وقطع، والغرقد من شجر العضاه وشجر الشوك. (2) سيأتي تفسير الغريب. (*)

[ 395 ]

في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغ عانته فوقع عدو الله وقد أصيب الحرث بن أوس بن معاذ فجرح في رأسه وفى رجله أصابه بعض أسيافنا قال فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد ثم على بنى قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحرث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلى فسلمنا عليه فخرج الينا فأخبرناه بمقتل عدو الله وتفل على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودى إلا وهو يخاف على نفسه. انتهى خبر ابن إسحق، وقال عباد بن بشر في ذلك شعرا: صرخت به فلم يعرض لصوتي * وأوفى طالعا من رأس جدر (1) فعدت له فقال من المنادى * فقلت أخوك عباد بن بشر وهذى درعنا رهنا فخذها * لشهر إن وفى أو نصف شهر فقال معاشر سغبوا وجاعوا * وما عدموا الغنى من غير فقر فأقبل نحونا يهوى سريعا * وقال لنا لقد جئتم لامر وفى أيماننا بيض حداد * مجربة بها الكفار نفرى فعانقه ابن مسلمة المردى * به الكفار كالليث الهزبر وشد بسيفه صلتا عليه * فقطره أبو عبس بن جبر وكان الله سادسنا فأبنا * بأنعم نعمة وأعز نصر وجاء برأسه نفر كرام * هم ناهيك من صدق وبر واستشهد عباد بن بشر يوم اليمامة، وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب


(1) هو لغة في الجدار، وفى نسخة " خدر ". (*)

[ 396 ]

قال وممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر وقتل يوم اليمامة شهيدا، وكان له يومئذ بلاء وعناء فاستشهد وهو ابن خمس وأربعين سنة.

[ 397 ]

(خبر محيصة بن مسعود مع ابن سنينة) قال ابن إسحق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة - ويقال ابن سبينة عن ابن هشام رجل من تجار يهود وكان يلابسهم ويبايعهم - فقتله وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول أي عدو الله أقتله أما والله لرب شحم في بطنك من ماله قال محيصة فقلت والله لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك قال فوالله ان كان لاول اسلام حويصة قال أي والله لو أمرك محمد بقتلى لقتلتني قال قلت نعم والله لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها قال والله ان دينا يبلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة. قال ابن إسحق حدثنى هذا الحديث مولى لبنى حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها فقال محيصة في ذلك: يلوم ابن أمي لو أمرت بقتله * لطبقت ذفراه بأبيض قاضب حسام كلون الملح أخلص صقله * متى ما أصوبه فليس بكاذب وما سرنى أنى قتلتك طائعا * وأن لنا ما بين بصرى ومارب وقيل ان الذى قتله محيصة وقال له أخوة حويصة في حقه ما قال وراجعه بما ذكرنا كعب بن يهودا. وروينا عن ابن سعد قال أنا محمد بن حميد العبدى عن معمر ابن راشد عن الزهري في قوله (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) قال هو كعب بن الاشرف.

[ 398 ]

(ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر) مما نقلته من الحواشى التى ذكرتها بخط جدى رحمه الله على قوله ما تعلق به نفسه قال هو مأخوذ من العلقة والعلقة والعلاق بلغة من الطعام إلى وقت الغداء ومعناه ما يمسك رمقه من الغذاء، ومنه ليس المتعلق كالمتأنق. وعلى قوله أنه لابد لنا من أن نقول: قال المبرد في الكامل حقه أن يقول نتقول يريد افتعل قولا اختال به، قال وفى العين قولته ما لم يقل. وقولته ادعيته عليه. وعلى قوله نرهنك من الحلقة قال هذا هو المعروف يعنى سكون اللام، وحكى سيبويه عن أبى عمرو أنهم كانوا حلقة بفتح اللام. وعلى قوله بقيع الغرقد قال الاصمعي قطعت غرقدات فدفن فيها عثمان بن مظعون فسمى المكان بقيع الغرقد لهذا السبب. وعلى قوله شام يده في فوده أي أدخل يده، والفود الشعر مما يلى الاذن. وشمت السيف إذا أغمدته وهو من الاضداد، قال والمغول سيف قصير يشتمل عليه الرجل. والثنة بين السرة والعانة. وعلى قول ابن هشام ابن سبينة، وقال الاستاذ أبو على يعنى شيخه عمر بن محمد الازدي ولم يذكره أصحاب الحديث يعنى سبينة. وعلى قوله لطبقت ذفراه طبق أصاب المفصل والذفرى في القفا. وأبو عبس بن جبر اسمه عبدالرحمن. وسلكان اسمه سعد.

[ 399 ]

(غزوة غطفان بناحية نجد) قال ابن اسحق وهى غزوة ذى أمر، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فيما قال ابن هشام. قال ابن اسحق فأقام بنجد صفرا كله وقريبا من ذلك ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا. وقال ابن سعد ذو أمر بناحية النخيل وكانت في شهر ربيع الاول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من ثعلبة ومحارب بذى أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمعهم رجل منهم يقال له دعثور بن الحرث من بنى محارب فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وخرج لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول في أربعمائة وخمسين رجلا ومعهم أفراس واستخلف على المدينة عثمان فأصابوا رجلا منهم بذى القصة (1) يقال له حبان من بنى ثعلبة فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره من خبرهم وقال لن يلاقوك لو سمعوا بمسيرك لهربوا في رءوس الجبال وأنا سائر معك فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأسلم وضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلال ولم يلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا إلا أنه ينظر إليهم في رءوس الجبال وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مطر فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبيه ونشرهما ليجفا وألقاهما على شجرة واضطجع وجاء رجل من العدو يقال له دعثور بن الحرث ومعه سيف حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال من يمنعك منى اليوم قال رسول


(1) ذو القصة بالفتح: موضع قريب من المدينة. (*)

[ 400 ]

الله صلى الله عليه وسلم ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له من يمنعك منى قال لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ثم أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الاسلام ونزلت هذه الآية (يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم) الآية ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا. وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.

[ 401 ]

(غزوة بحران) قال ابن إسحق ثم غزا يريد قريشا واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام حتى بلغ بحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع فأقام به شهر ربيع الآخر وجمادى الاولى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا. وقال ابن سعد إنه خرج لست خلون من جمادى الاولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجره وذلك انه بلغه أن بها جمعا من بنى سليم كثيرا فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه قال فأغذ (1) السير حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا في مياههم فرجع ولم يلق كيدا وكانت غيبته عشر ليال. والفرع بفتح الفاء والراء قيده السهيلي.


(1) أي: أسرع. (*)

[ 402 ]

(سرية زيد بن حارثة) إلى الفردة اسم ماء قال ابن إسحق: وكان من حديثها ان قريشا خافوا من طريقهم التى يسلكون إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب ومعهم فضة كثيرة وهى عظم تجارتهم واستأجروا رجلا يقال له فرات بن حيان يدلهم في دلك الطريق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حسان بن ثابت بعد أحد في غزوة بدر الآخرة يؤنب قريشا في أخذها تلك الطريق: دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك وقال ابن سعد كانت لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرا من مهاجره وهى أول سرية خرج فيها زيد أميرا. والفردة من أرض نجد من الربذة. والغمرة ناحية ذات عرق، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترض العير لقريش فيها صفوان بن أمية وحويطب بن عبدالعزى و عبدالله بن أبى ربيعة ومعه مال كثير وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم. وكان دليلهم فرات بن حيان فخرج بهم

[ 403 ]

على ذات عرق طريق العراق وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم فوجه زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترض لها فأصابوا العير وأفلت عيان القوم وقدموا بالعير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخمسها فبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم وقسم ما بقى على أهل السرية. وأسر فرات بن حيان فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له إن تسلم تترك فأسلم فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتل وحسن إسلام فرات بعد ذلك. وفيه قال عليه السلام ان منكم رجالا نكلهم إلى إسلامهم منهم فرات. والفردة بالفاء المفتوحة وسكون الراء، وضبطها بعضهم بفتح القاف والراء والله أعلم بالصواب. (1) * آخر الجزء الاول من تجزئة اثنين من السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لله الحمد والمنة يتلوه الثاني بغزوة أحد (2)


(1) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد ". (2) كذا في الاصل وقد تابعناه في التجزئة. (*)

[ 405 ]

(غزوة أحد) قرأت على أبى النور اسماعيل بن نور بن قمر الهيتى اخبركم أبو نصر موسى بن عبد القادر الجيلى قراءة عليه وانتم تسمعون قال أنا أبو القاسم سعيد بن أحمد ابن البناء قال أنا أبو القاسم على بن أحمد بن محمد البسرى قال. أنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص فثنا عبدالله فثنا العباس بن الوليد فثنا أبو عوانة عن عمرو بن أبى سلمة عن ابيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أحدا هذا جبل يحبنا ونحبه. وكانت في شوال سنة ثلاث يوم السبت لاحدى عشرة ليلة خلت منه عند ابن عائذ، وعند ابن سعد لسبع ليال خلون منه على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره وقيل للنصف منه. وكان من حديث أحد قال ابن اسحق كما حدثنى محمد بن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين ابن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث. عن يوم احد قالوا أو من قال منهم لما أصيب يوم بدر من كفار قريش اصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره مشى عبدالله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم واخوانهم وأبناؤهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش ان محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصاب منا ففعلوا. وقال ابن سعد لما رجع من حضر بدرا من المشركين إلى مكة وجدوا العير التى قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة فمشت اشراف قريش إلى أبى سفيان فقالوا نحن طيبو أنفس أن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد فقال أبو

[ 406 ]

سفيان فأنا أول من أجاب إلى ذاك وبنوا عبد مناف فباعوها فصارت ذهبا وكانت ألف بعير والمال خمسين الف دينار فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم واخرجوا أرباحهم وكانوا يربحون في تجاراتهم لكل دينار دينارا. قال ابن اسحق ففيهم كما ذكر لى بعض أهل العلم انزل الله تعالى (ان الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون) فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان واصحاب العير بأحابيشها (1) ومن اطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة. قال ابن سعد وكتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم كله فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن الربيع بكتاب العباس. رجع إلى خبر بن اسحق: وكان أبو عزة عمرو بن عبدالله الجمحى قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وكان فقيرا ذا عيال وحاجة وكان في الاسار فقال يا رسول الله انى فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن على صلى الله عليك فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صفوان بن أمية يا ابا عزة انك رجل شاعر فأعنا بلسانك فاخرج معنا فقال ان محمدا قد من على فلا اريد ان اظاهر عليه قال بلى فأعنا بلسانك فلك الله على ان رجعت ان أغنيك وإن أصبت ان اجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر فرجع أبو عزة ومشافع بن عبد مناف يستنفران الناس بأشعار لهما فأما أبو عزة فظفر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الوقعة بحمراء الاسد فقال يا محمد أقلنى فقال لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين ثم أمر عاصم ابن ثابت فضرب عنقه وقال سعيد بن المسيب فيه قال عليه السلام لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له وحشى يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له اخرج مع الناس فان انت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وان لا يفروا فأقبلوا حتى نزلوا بعينين - جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة - فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا


(1) التحبش: التجمع، وقيل حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشيا فسموا بذلك. (*)

[ 407 ]

حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إنى قد رأيت والله خيرا. رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب سيفى ثلما ورأيت أنى أدخلت يدى في درع حصينة فأولتها المدينة. وعن ابن هشام فأما البقر فناس من اصحابي يقتلون وأما الثلم الذى رأيت في سيفى فهو رجل من أهل بيتى يقتل وقال ابن عقبة ويقول رجال كان الذى رأى بسيفه الذى اصاب وجهه فان العدو اصابوا وجهه صلى الله عليه وسلم يومئذ وقصموا رباعيته وجرحوا شفته وسيأتى ذكر من فعل ذلك. وعن ابن عائذ أن الرؤيا كانت ليلة الجمعة. رجع إلى الاول قال ابن اسحق قال يعنى النبي صلى الله عليه وسلم فان رأيتم ان تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشر مقام وان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها، وكان رأى عبدالله بن أبى بن سلول مع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ان لا يخرج إليهم فقال رجل من المسلمين ممن اكرم الله بالشهادة يوم احد وغيره ممن فاته بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج بنا إلى اعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل فلبس لامته (1) وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الانصار يقال له مالك بن عمرو أحد بنى النجار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فان شئت فاقعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغى للنبى إذا لبس لامته ان يضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من اصحابه. قال ابن هشام واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، قال ابن إسحق حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انخزل (2) عنه عبدالله بن أبى بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني ما ندرى على ما نقتل أنفسنا فرجع بمن تبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام يقول يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر


(1) اللامة: الدرع. (2) أي انفرد. (*)

[ 408 ]

من عدوهم قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال قال فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى الله عنكم نبيه، قال ابن عقبة فلما رجع عبدالله بن أبى بثلثمائة سقط في أيدى الطائفتين من المسلمين وهما أن يقتتلا وهما بنو حارثة وبنو سلمة كما يقال. أخبرنا الامام الزاهد أبو إسحق إبراهيم بن على بن أحمد بن الواسطي قراءة عليه وأنا أسمع قال أنا المشايخ أبو البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب البغدادي وأبو نصر موسى بن عبد القادر الجيلى وأبو الفضل محمد بن محمد بن السباك قال الاولان أنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن محمد بن البنا وقال الثاني أنا أبو المعالى محمد بن محمد بن الجيان قال الاول أنا وقال الثاني أنبأنا أبو القاسم بن البسرى قال أنا أبو طاهر محمد بن عبدالرحمن الذهبي فثنا عبدالله بن محمد فثنا أبو بكر بن أبى شيبة فثنا أبو أسامة عن شعبة عن عدى بن ثابت عن عبدالله بن يزيد عن البراء بن عازب قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد خرج معه بأناس فرجعوا قال فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فقالت فرقة نقتلهم وقالت فرقة لا نقتلهم قال فنزلت (فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها طيبة وأنها تنفى الخبث كما تنفى النار خبث الفضة. وعن ابن اسحق من غير طريق زياد عن الزهري أن الانصار يوم احد قالوا يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود فقال لا حاجة لنا فيهم قال زياد وحدثني محمد بن اسحق قال ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف واستله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف (1) يا صاحب السيف شم (2) سيفك فانى أرى السيوف ستستل اليوم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه من رجل يخرج بنا على القوم من كثب - أي من قرب - من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظى وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما


(1) لعله من العيافة زجر الطير. (2) أي سل. (*)

[ 409 ]

سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثى (1) في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فانى لا أحل لك أن تدخل حائطي وقد ذكر لى أنه اخذ حفنة من تراب في يده ثم قال والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها في وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوه فهذا الاعمى أعمى القلب أعمى البصر، وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الاشهل قبل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عروة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة للمسلمين فقال رجل من الانصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال أترعى زروع بنى قيلة ولما تضارب. وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة عبدالله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بنياب بيض، والرماة خمسون رجلا فقال انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك لا نؤتين من قبلك، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار. وقال ابن عقبة وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنا عاصم ان شاء الله لما معى فقال له طلحة هل لك يا عاصم في المبارزة قال نعم فبدره ذلك الرجل فضربه بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيته فقتله فكان قتل صاحب لواء المشركين تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم " انى مردف كبشا " فلما صرع صاحب اللواء انتشر النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه وصاروا كتائب متفرقة فجاسوا العدو ضربا حتى اجهضوهم (2) عن أثقالهم وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل (3) فترجع مفلولة وحمل المسلمون على


(1) أي: يرمى. (2) أي: نحوهم وأزالوهم. (3) أي: ترمى بالنبل. (*)

[ 410 ]

المشركين فنهكوهم قتلا. وذكر ابن عائذ ان طلحة المذكور في هذا الخبر هو ابن عثمان اخو شيبة من بنى عبد الدار وكان بيده لواء المشركين يومئذ وان الرجل الذى كان بيده لواء المسلمين المهاجرين على بن أبى طالب، والذى قاله ابن هشام في هذه القصة قال ويقال ان أبا سعيد بن أبى طلحة خرج بين الصفين فنادى انا قاصم من يبارزني مرارا فلم يخرج إليه احد فقال يا اصحاب محمد زعمتم ان قتلاكم إلى الجنة وان قتلانا في النار كذبتم واللات لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلى بعضكم فخرج إليه على بن أبى طالب فاختلفا ضربتين فقتله على رضى الله عنه قال ابن هشام واجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سمرة بن جندب الفزارى ورافع بن خديج احد بنى حارثة وهما ابنا خمس عشرة سنة وكان قد ردهما فقيل له ان رافعا رام فأجازه فلما اجاز رافعا قيل له يا رسول الله فان سمرة يصرع رافعا فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد اسامة بن زيد و عبدالله بن عمر وزيد بن ثابت واسيد بن ظهير ثم اجازهم يوم الخندق وهم ابناء خمس عشرة سنة. قرأت على أبى الهيجاء غازى بن أبى الفضل اخبركم أبو على حنبل بن عبدالله بن الفرج سماعا قال أنا أبو القاسم بن الحصين قال أنا أبو على بن المذهب قال انا أبو بكر القطيعى فثنا عبدالله بن أحمد فثنا أبى فثنا يحيى عن عبيد الله قال اخبرني نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم احد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ثم عرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. رواه أبو داود عن الامام أحمد. واخبرتنا السيدة مونسة خاتون ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب رحمهما الله ورحم سلفها سماعا قالت اخبرتنا أم هانئ عفيفة بنت أحمد الفارقانية اجازة قالت انا أبو طاهر عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن الدشتج قال أنا أبو نعيم الحافظ قال انا أبو على محمد بن احمد بن الصواف فثنا جعفر ابن أحمد فثنا هشام بن عمار فثنا اسمعيل بن عياش فثنا أبو بكر الهذلى عن نافع ان عمر بن عبد العزيز سأله هل تدرون ما شهد عبدالله بن عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم من المغازى فقال نعم حدثنا عبدالله بن عمر قال كانت غزوة بدر وانا ابن ثلاث عشرة سنة فلم اخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم كانت غزوة احد وانا بن اربع عشرة سنة فخرجت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأني

[ 411 ]

استصغرني فردني وخلفني في حرس المدينة في نفر ردهم منهم زيد بن ثابت وعرابة بن اوس ورافع بن خديج وكان رافع أطولنا يومئذ فأنفذه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرده معنا وكانت غزوة الخندق وانا ابن خمس عشرة سنة وانفذني فغزوت معه فلما حدث هذا الحديث دعا كاتبه فقال اعجل على كاتبا إلى الامصار كلها فان رجالا يقدمون إلى يستفرضون لابنائهم واخوانهم فانظروا من فرضت له فاسألوهم عن اسنانهم فمن كان منهم ابن خمس عشرة سنة فافرضوا له في المقاتلة ومن كان دون ذلك فافرضوا له في الذرية. كذا وقع في هذا الخبر أوس بن عرابة وإنما هو عرابة بن أوس وأبوه أوس بن قيظى كان من كبار المنافقين وهو أحد القائلين إن بيوتنا عورة. وعرابة الذى يقول فيه الشماخ بن ضرار: رأيت عرابة الاوسي يسمو * إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين وقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم احد أيضا البراء بن عازب وأبا سعيد الخدرى وزيد بن ارقم وسعد بن عقيب بن عمرو بن عدى بن زيد بن جشم بن حارثة الانصاري الحارثى وسعد بن حبتة (1) جد أبى يوسف الفقيه وهو سعد بن بحير (2) ابن معاوية حليف بنى عمرو بن عوف امه حبتة بنت مالك وزيد بن جارية من بنى عمرو بن عوف، وذكره ابن أبى حاتم فيمن اسم أبيه على حرف الحاء يعنى ابن حارثة فوهم في ذلك وهو اخو مجمع بن جارية وجابر بن عبدالله. وليس بالذى يروى عنه الحديث. قال ابن إسحق وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل


(1) بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح التاء المثناة من فوق ثم تاء التأنيث. قال في القاموس حبتة بنت الحباب من الانصار صحابية، من نسلها أبو يوسف القاضى، قال البرهان الحلبي صريح كلامه أنها أسلمت قال ولم أر لها ذكرا في الصحابة انما ذكروا حبتة أخت خوات بن جبير بن النعمان بن أمية الانصاري. (2) بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون الياء. (*)

[ 412 ]

ومعهم مائتا فرس. قال ابن عقبة وليس في المسلمين فرس واحد قال الواقدي لم يكن مع المسلمين يوم احد من الخيل الا فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس ابى بردة. قال ابن عقبة فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن ابى جهل. قال ابن سعد وجعلوا على الخيل صفوان بن امية وقيل عمرو بن العاص وعلى الرماة عبدالله بن ابى ربيعة وكانوا مائة وفيهم سبعمائة دارع والظعن خمس عشرة امرأة. وشاع خبرهم في الناس ومسيرهم حتى نزلوا ذا الحليفة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عينين له انسا ومؤنسا ابني فضالة الظفريين ليلة الخميس لخمس مضت من شوال فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم وانهم قد حلوا ابلهم وخيلهم في الزرع الذى بالعريض حتى تركوه ليس به خضراء ثم بعث الحباب بن المنذر بن الجموح إليهم ايضا فدخل فيهم فحزرهم وجاءه بعلمهم وبات سعد بن معاذ واسيد بن حضير وسعد بن عبادة في عدة ليلة الجمعة عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرست المدينة حتى اصبحوا وذكر الرؤيا واختلافهم في الخروج كما سقناه فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بالناس ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد واخبرهم ان لهم النصر ما صبروا وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ففرح الناس بذلك ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا وحضر أهل العوالي ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ومعه أبو بكر وعمر فعمماه ولبساه، وصف الناس ينتظرون خروجه فقال لهم سعد بن معاذ واسيد بن حضير استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج فردوا الامر إليه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبس لامته وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة من ادم (1) من حمائل سيف واعتم وتقلد السيف وألقى الترس في ظهره فندموا جميعا على ما صنعوا. وقالوا ما كان لنا ان نخالفك فاصنع ما بدالك فقال لا ينبغى لنبى إذا لبس لامته ان يضعها حتى يحكم الله بينه وبين اعدائه وعقد ثلاثة ألوية لواء للاوس بيد أسيد بن الحضير ولواء المهاجرين بيد


(1) قال ابن القيم في الهدى: وكان له. ومنطقة من أديم منشور فيها ثلاث حلق من فضة وابزيم من فضة والطرف من فضة. كذا قال بعضهم، وقال ابن تيمية لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شد على وسطه منطقة. (*)

[ 413 ]

على بن أبى طالب وقيل بيد مصعب بن عمير ولواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة وفى المسلمين مائة دارع وخرج السعدان أمامه يعدوان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة دارعين، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين وأدج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر ودليله أبو خيثمة الحارثى فحانت الصلاة يعنى الصبح فصلى وانخزل (1) حينئذ ابن أبى من ذلك المكان بثلاثمائة ومعه فرس وفرس لابي بردة ابن نيار وهو يقول عصاني وأطاع الولدان ومن لا أرى له. رجع إلى خبر ابن اسحق: قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة اخو بنى ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله قال ان تضرب به في وجه العدو حتى ينحنى قال أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب إذا كانت، وحين رآه عليه السلام يتبختر قال إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن. وكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر عبد بن عمرو بن صفى بن ملك بن النعمان احد بنى ضبيعة وكان فيما ذكر ابن إسحق عن عاصم بن عمر بن قتادة خرج حين خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم معه خمسون غلاما من الاوس وبعض الناس يقول خمسة عشر وكان يعد قريشا ان لو لقى قومه لم يتخلف عليه منهم رجلان فلقيهم في الاحابيش وعبدان أهل مكة فنادى يا معشر الاوس أنا أبو عامر قالوا فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق وكان يسمى في الجاهلية الراهب. فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدى شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم بالحجارة. قال ابن اسحق وقد قال أبو سفيان لاصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم على القتال يا بنى عبد الدار أنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وانما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فاما ان تكفونا لواءنا واما ان تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به


(1) أي انفرد. (*)

[ 414 ]

وتوعدوه وقالوا نحن نسلم اليك لواءنا ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع وذلك أراد أبو سفيان فلما التقى الناس قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتى معها واخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم فقالت هند فيما تقول: ويها بنى عبد الدار * وبها حماة الادبار * ضربا بكل بتار وتقول: ان تقبلوا نعانق ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، قاتل أبو دجانة حتى امعن في الناس. قال ابن هشام وحدثني غير واحد ان الزبير بن العوام قال وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه واعطاه أبا دجانة فقلت والله لانظرن ما يصنع فاتبعته فأخذ عصابة له حمراء فعصب بها رأسه وقالت الانصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت وهكذا كان يقول إذا عصب بها فخرج وهو يقول: انا الذى عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل ان لا أقوم الدهر في الكيول (1) * إضرب بسيف الله والرسول فجعل لا يلقى احدا الا قتله. وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا الا دفف (2) عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته حمل بالسيف على رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها. قال ابن اسحق وقال ابو دجانة رأيت انسانا يحمش (3) الناس حمشا شديدا فعمدت إليه فلما حملت عليه السيف ولول فاكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اضرب به امرأة. وقاتل حمزة بن عبدالمطلب حتى قتل ارطاة بن


(1) أي: مؤخر الصفوف، وهو بفتح الكاف وضم الياء المثناة من تحت المشددة (2) أي: أجهز عليه. (3) أي: يحرضهم على القتال. (*)

[ 415 ]

شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وكان احد النفر الذين يحملون اللواء ثم مر به سباع بن عبدالعزى الغبشانى فقال له هلم يا ابن مقطعة البظور. وكانت امه ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله قال وحشى غلام جبير بن مطعم والله انى لانظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه فما يليق شيئا مثل الجمل الاورق إذ تقدم إليه سباع بن عبدالعزى فضربه ضربة فكانما اخطأ رأسه وهززت خربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته (1) حتى خرجت من بين رجليه فاقبل نحوى فغلب فوقع فامهلته حتى إذ مات جئته فأخذت حربتى ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لى بشئ حاجة غيره. وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل وكان الذى قتله ابن قمئة الليثى وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا فلما قتل مصعب اعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية عليا. وقال ابن سعد قتل مصعب بن عمير فأخذ اللواء ملك في صورة مصعب وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل وحكى دنو القوم بعضهم من بعض والرماة يرشقون خيل المشركين فتولى هوارب فصاح طلحة بن أبى طلحة صاحب اللواء من يبارز فبرز له على فقتله. وهو كبش الكتيبة الذى تقدمت الاشارة إليه في الرؤيا، ثم حمل لواءهم عثمان بن أبى طلحة فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره وبدا سحره (2) ثم حمله أبو سعيد بن أبى طلحة فرماه سعد بن أبى وقاص فأصاب حنجرته فقتله ثم حمله مسافع بن طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله ثم حمله الحارث بن طلحة فرماه عاصم فقتله ثم حمله كلاب بن طلحة فقتله الزبير بن العوام ثم حمله الجلاس بن طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله. ثم حمله ارطاة بن شرحبيل فقتله على بن أبى طالب ثم حمله شريح ابن قارظ فلسنا ندرى من قتله ثم حمله صواب غلامهم فقتل قتله سعد بن أبى وقاص. وقيل على وقيل قزمان وهو اثبت الاقاويل. رجع إلى خبر ابن اسحق والتقى حنظلة بن أبى عامر الغسيل وأبو سفيان فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الاوس فدعا أبا سفيان فضربه شداد فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان صاحبكم يعنى حنظلة لتغسله الملائكة فسئلت صاحبته فقالت خرج وهو جنب حين سمع


(1) الثنة: ما بين السرة والعانة (2) أي: صدره (*)

[ 416 ]

الهاتفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك غسلته الملائكة ثم انزل الله تعالى نصره على المسلمين فحشوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها. وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عباد عن عبدالله بن الزبير أنه قال والله لقد رأيتنى انظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر حتى كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل فأتينا من خلفنا وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد ان أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه احد من القوم. قال ابن اسحق وحدثني بعض أهل العلم ان اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به (1) وكان آخر من أخذ اللواء منهم صواب فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذه بصدره وعنقه حتى قتل عليه. قال ابن سعد فلما قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شئ ونساؤهم يدعون بالويل وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا حتى أجهضوهم (2) عن العسكر ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم وتكلم الرماة الذين على عينين واختلفوا بينهم وثبت أميرهم عبدالله بن جبير في نفر يسير دون العشرة مكانه وقال لا أجاوز امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغنى ووعظ اصحابه وذكرهم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا قد انهزم المشركون فما مقامنا ههنا فانطلقوا يتبعون العسكر وينتهبون معهم وخلوا الجبل. ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل وتبعه عكرمة بن أبى جهل فحملوا على من بقى من الرماة فقتلوهم وقتل أميرهم عبدالله بن جبير وانتقضت صفوف المسلمين واستدارت رحاهم وجالت الريح فصارت دبورا وكانت قبل ذلك صبا. ونادى ابليس ان محمدا قد قتل واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون به من العجلة والدهش ونادى المشركون بشعارهم بالعزى بالهبل. فأوجعوا في المسلمين قتلا ذريعا وولى


(1) أي: اجتمعوا حوله. (2) أي: ازالوهم (*)

[ 417 ]

من ولى منهم يومئذ، قال موسى بن عقبة ولما فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رجل منهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فارجعوا إلى قومكم فيؤمنونكم قبل ان يأتوكم فيقتلوكم فانهم داخلو البيوت وقال رجل منهم لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا وقال آخرون ان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل افلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله عزوجل شهداء منهم انس بن ملك بن النضر شهد له بها سعد بن معاذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت كذا وقع في هذا الخبر انس بن مالك بن النضر وانما هو انس بن النضر عم انس بن ملك بن النضر. رجع إلى خبر ابن سعد وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزول يرمى عن قوسه حتى صارت شظايا ويرمى بالحجر وثبت معه عصابة من أصحابه اربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق وسبعة من الانصار حتى تحاجزوا. وروى البخاري لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم الا اثنا عشر رجلا. وعن ابى طلحة غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فجعل سيفى يسقط من يدى وآخذه ويسقط وآخذه وكان يوم يوم بلاء وتمحيص اكرم الله فيه من اكرم من المسلمين بالشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقذف بالحجارة حتى وقع لشقه واصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت (1) شفته وكان الذى اصابه عتبة بن ابى وقاص. قال ابن إسحق فحدثني حميد الطويل عن انس بن ملك قال كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم احد وشج وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل يمسح الدم وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون) قال ابن هشام وذكر لى ربيح (2) بن عبدالرحمن بن ابى سعيد الخدرى عن ابيه عن ابى سعيد الخدرى ان عتبة بن ابى وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وان عبدالله بن شهاب الزهري شجه في وجهه وان ابن قمئة جرح وجنته فدخلت


(1) أي: جرحت. (2) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة وحاء مهملة. قال الترمذي قال البخاري منكر الحديث، وقال ابن عدى أرجو أنه لا بأس به. (*)

[ 418 ]

حلقتان من المغفر في وجنته ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فأخذ على بن أبى طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه طلحة بن عبدالله حتى استوى قائما ومص ملك بن سنان أبو أبي سعيد الخدرى الدم من وجهه ثم ازدرده (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مس دمى دمه لم تصبه النار. وذكر عبد العزيز ابن محمد الدراوردى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من سره ان ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الارض فلينظر إلى طلحة بن عبدالله. وعن عيسى بن طلحة عن عائشة عن أبى بكر الصديق ان أبا عبيدة بن الجراح نزع احدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيته ثم نزع الاخرى فسقطت ثنيته الاخرى فكان ساقط الثنيتين. وروينا عن ابن عائذ قال أنا الوليد بن مسلم قال فحدثني عبدالرحمن بن يزيد بن جابر أن الذى رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فجرحه في وجهه قال لما رماه فأصابه خذها وأنا ابن قمئة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقماك الله عزوجل، قال ابن جابر انصرف ابن قمئة من ذلك اليوم إلى أهله فخرج إلى غنمه فوافاها على ذروة جبل فأخذ فيها يعترض عليها ويشد عليه تيسها فنطحه نطحة ارداه من شاهقة الجبل فتقطع. قال ابن اسحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشيه القوم من رجل يشترى لنا نفسه كما حدثنى الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن عمر وقال فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الانصار وبعض الناس يقول إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا يقتلون دونه حتى كان آخرهم زيادا وعمارة فقاتل حتى أثبته الجراحة، ثم فاءت فيئة من المسلمين فأجهضوهم عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنوه منى فأدنوه منه فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام فقالت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم احد فذكر سعيد بن أبى يزيد الانصاري ان أم سعيد ابنة سعد بن الربيع كانت تقول دخلت على أم عمارة فقلت يا خالة أخبريني خبرك فقالت خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع النسا ومعى سقاء


(1) أي: ابتلعه. (*)

[ 419 ]

فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس حتى خلصت الجراحة إلى فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت من أصابك بهذا قالت ابن قمئة اقماه الله لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول دلوني على محمد فلا نجوت ان نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة ولكن ضربته ضربا على ذلك ولكن عدو الله كان عليه درعان قال ابن اسحق وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سعد فلقد رأيته يناولني النبل ويقول ارم فداك أبى وأمى حتى أنه ليناولني السهم ماله من نصل فيقول ارم به، وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها (1) فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده. واصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فحدثني عاصم بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده فكانت أحسن عينيه واحدهما. وذكر الاصمعي عن أبى معشر المدنى قال وفد أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم بديوان أهل المدينة إلى عمر بن عبد العزيز رجلا من ولد قتادة بن النعمان فلما قدم عليه قال له ممن الرجل فقال: أنا ابن الذى سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لاول أمرها * فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد حكاه أبو عمر قال ابن سعد ورمى يومئذ أبورهم الغفاري كلثوم بن الحصين بسهم فوقع في نحره. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق عليه فبرأ قال ابن اسحق وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول


(1) سية القوس ما عطف من طرفيها والجمع سيات. (*)

[ 420 ]

الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر لى ابن شهاب الزهري كعب ابن ملك قال عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين ابشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان انصت فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر وعمر وعلى وطلحة والزبير والحرث بن الصمة ورهط من المسلمين. قال موسى بن عقبة بايعوه على الموت فلما اسند رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبى بن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجوت. قال ابن عقبة قال سعيد بن المسيب فاعترض له رجال من المسلمين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه واستقبله مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار يقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبى بن خلف من فرجة من سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فوقع أبى عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم قال سعيد فكسر ضلعا من أضلاعه قال ففى ذلك نزلت (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وقال ابن اسحق في هذا الخبر كان أبى بن خلف كما حدثنى صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول يا محمد ان عندي العود فرساله أعلفه كل يوم فرقاس ذرة أقتلك عليها فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك ان شاء الله فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال قتلني والله محمد قالوا له ذهب والله فؤادك والله ان بك من بأس قال انه قد كان قال لى بمكة أنا أقتلك فوالله لو بصق على لقتلني فمات عدو الله بسرف (1) وهم قافلون به إلى مكة، وقال ابن عقبة قال والذى نفسي بيده لو كان هذا الذى بى بأهل ذى المجاز لماتوا اجمعون. رجع إلى الاول فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج على بن أبى طالب حتى ملا درقته من المهراس فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه فلم يشرب منه وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه


(1) بفتح السين وكسر الراء موضع في طريق مكة. (*)

[ 421 ]

وهو يقول اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه. فحدثني صالح بن كيسان عن من حدثه عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يقول والله ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل عتبة بن أبى وقاص وإن كان ما علمت لسئ الخلق مبغضا في قومه ولقد كفانى منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله (1). قال ابن اسحق فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم انه لا ينبغى لهم ان يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن عبدالله بن الزبير بن العوام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ اوجب طلحة حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع. قال ابن هشام وبلغني عن عكرمة عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب وذكر عمر مولى غفرة ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التى أصابته وصلى المسلمون خلفه قعودا. قال ابن اسحق وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنعى دون الاعوص. وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش في الاطام (2) مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران لا أبالك ما ننتظر فوالله ان بقى لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار (3) انما نحن هامة اليوم أو غدا أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله


(1) في حاشية الاصل بلغ مقابلة لله الحمد. (2) جمع أطم بالضم: بناء مرتفع. (3) أي شئ يسير، وانما خص الحمار لانه أقل الدواب صبرا عن الماء. (*)

[ 422 ]

صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة أبى والله أبى قالوا والله ان عرفناه وصدقوا فقال حذيفة يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين فزاده عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا. قال ابن اسحق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال كان فينا رجل أتى (1) ولا ندرى ممن هو يقال له قزمان وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكره يقول انه لمن أهل النار. قال فلما كان يوم احد قاتل قتالا شديدا فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين. وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بنى ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر قال بماذا أبشر فوالله ان قاتلت الا على أحساب قومي ولولا ذلك لما قاتلت قال فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه. وكان ممن قتل يومئذ مخيريق وقد تقدم خبره، وكان الحارث بن سويد بن الصامت منافقا لم ينصرف مع عبدالله بن أبى في حين انصرافه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعته عن غزوة احد. ونهض مع المسلمين فلما التقى المسلمون والمشركون عدا على المجذر بن زياد وعلى قيس بن زيد احد بنى ضبيعة فقتلهما وفر إلى الكفار وكان المجذر قد قتل في الجاهلية سويد بن الصامت والد الحرث المذكور في بعض حروب الاوس والخزرج. ثم ان الحرث رجع إلى المدينة إلى قومه وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء ونزل جبريل عليه فأخبره ان الحرث بن سويد قدم فانهض إليه واقتص منه لمن قتله من المسلمين غدرا يوم احد فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء في وقت لم يكن يأتيهم فيه فخرج إليه الانصار أهل قباء في جماعتهم وفى جملتهم الحرث بن سويد وعليه ثوب مورس فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عويم بن ساعدة بضرب عنقه فقال الحرب لم يا رسول الله فقال بقتلك المجذر بن زياد وقيس بن زيد فما راجعه


(1) أي غريب، يقال رجل أتى وأتاوى. (*)

[ 423 ]

الحرث بكلمة وقدمه عويم فضرب عنقه ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينزل عندهم. هذا عن أبى عمر النمري، والمأمور بضرب عنقه عند بعضهم عثمان ابن عفان وعند آخرين بعض الانصار، وفى قتل المجذر سويدا خلاف بين أهل النقل. قال ابن اسحق وحدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد عن أبى هريرة قال كان يقول حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو فيقول اصيرم بنى عبد الاشهل عمرو بن ثابت بن وقش قال الحصين فقلت لمحمود بن لبيد كيف كان شأن الاصيرم قال كان يأبى الاسلام على قومه فلما كان يوم خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له في الاسلام فأسلم ثم اخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى اثبته الجراحة قال فبينا رجال من بنى عبد الاشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا والله ان هذا للاصيرم ما جاء به لقد تركناه وانه لمنكر لهذا الحديث فسألوه ما جاء بك أحدب على قومك أو رغبة في الاسلام فقال بل رغبة في الاسلام آمنت بالله ورسوله وأسلمت ثم أخذت سيفى فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني ثم لم يلبث ان مات في ايديهم فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انه لمن أهل الجنة، وحدثني أبى اسحق بن يسار عن اشياخ من بنى سلمة ان عمرو بن الجموح كان رجلا أعرج شديد العرج، وكان له بنون اربعة مثل الاسد يشهدون المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم احد أرادوا حبسه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه والخروج معك فيه فوالله إنى لارجو أن اطأ بعرجتي هذه في الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك وقال لبنيه ما عليكم ان لا تمنعوه لعل الله يرزقه شهادة فخرج معه فقتل يوم أحد، وذكر أبو عمر في خبره قال فأخذ سلاحه وولى فلما ولى أقبل على القبلة وقال اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلى خائبا. وفيه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى نفسي بيده ان منكم من لو أقسم على الله لابره منهم عمرو بن الجموح ولقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته، وقيل حمل هو

[ 424 ]

وابنه خلاد حين انكشف المسلمون فقتلا جميعا. قال ابن اسحق ووقعت هند بنت عتبة كما حدثنى صالح بن كيسان والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد عن الآذان والانف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما وقلائد واعطت خدمها وقلائدها واقرطتها وحشيا غلام جبير بن مطعم وبقرت من كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع ان تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت: نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لى من صبر * ولا أخى وعمه وبكر شفيت نفسي وقضيت نذري * شفيت وحشى غليل صدري فشكر وحشى على عمرى * حتى ترم اعظمي في قبري فأجابتها هند بن أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت: خزيت في بدر وبعد بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر * بالهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حمام يفرى * حمزة ليثى وعلى صقري إذ رام شيب وأبوك غدري فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر ثم أن أبا سفيان حين أراد الانصراف اشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته انعمت فقال ان الحرب سجال يوم بيوم بدر اعل هبل أي أظهر دينك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا عمر فأجبه فقل الله اعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وقال ان لنا العزى ولا عزى لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا الله مولانا ولا مولى لكم عن ابن عائذ وغيره رجع فلما اجاب عمر أبا سفيان قال له أبو سفيان هلم إلى يا عمر فقال رسول الله صلى الله

[ 425 ]

عليه وسلم لعمر ائته فانظهر ما شأنه فجاءه فقال أبو سفيان انشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا. قال عمر اللهم لا وانه يسمع كلامك الآن قال أئت اصدق عندي من ابن قمئة وأبر لقول ابن قمئة إنى قتلت محمدا ثم نادى أبو سفيان أنه قال في قتلاكم مثل والله ما رضيت ولا سخطت ولا نهيت ولا أمرت ولما انصرف أبو سفيان واصحابه نادى ان موعدكم بدر للعام القابل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من اصحابه قل نعم هو بيننا وبينكم موعد ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب وقال ابن عائذ سعد بن أبى وقاص فقال اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فان كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فانهم يريدون مكة وان ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة والذى نفسي بيده ان أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لاناجزنهم قال على فخرجت في آثارهم انظر ما يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا إلى مكة وفرغ الناس لقتلاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنى محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبى صعصعة المازنى أخو بنى النجار من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع أفى الاحياء هو أم في الاموات فقال رجل من الانصار أنا انظر لك يا رسول الله ما فعل فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق قال فقلت له ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى ان انظر أفى الاحياء أنت أم في الاموات قال أنا في الاموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى السلام وقل له ان سعد ابن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى به نبيا عن أمته وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم ان سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله ان يخلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف قال ثم لم ابرح حتى مات قال فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره. قال ابن اسحق وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبدالمطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع انفه وأذناه. اخبرنا أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى وأبو الهيجاء غازى بن أبى الفضل بن عبد الوهاب بقراءة والدى عليهما وانا اسمع متفرقين قالا أنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد قال انا أبو القاسم هبة الله بن

[ 426 ]

محمد بن الحصين الشيباني قال أنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان قال انا أبو بكر محمد بن عبدالله بن ابراهيم الشافعي فثنا حامد بن محمد فثنا بشر بن الوليد فثنا صالح المرى عن سليمان التيمى عن أبى عثمان النهدي عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبدالمطلب حين استشهد فنظر إلى شئ لم ينظر إلى شئ قط كان أوجع لقلبه منه ونظر قد مثل به فقال رحمة الله عليك فانك كنت ما علمتك فعولا للخيرات وصولا للرحم ولولا حزن من بعدى عليك لسرني ان أدعك حتى تحشر من أفواه شتى أما والله مع ذلك لامثلن بسبعين منهم قال فنزل جبريل عليه السلام والنبى صلى الله عليه وسلم واقف بعد بخواتيم سورة النحل (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) إلى آخر السورة فصبر النبي صلى الله عليه وسلم فكفر عن يمينه وأمسك عما اراد. قال ابن اسحق وحدثني من لا اتهم عن مقسم مولى عبدالله بن الحارث عن ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجى (1) ببرده ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى جنب حمزة فصلى عليه وعليهم معهم حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة. وقد روينا حديث مقسم هذا عن ابن عباس أتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم احد فجعل يصلى على عشرة عشرة الحديث من طريق ابن ماجه عن محمد بن عبدالله بن نمير عن أبى بكر بن عياش عن يزيد بن أبى زياد عن مقسم به. وروينا عن ابن سعد قال أنا أبو المنذر البزار فثنا سفيان الثوري عن حصين عن أبى مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى احد. وقال ابن عقبة لم يغسلهم ولم يصل على احد منهم كما يصلى على الموتى ولم يدفنهم (2) في غير ثيابهم التى قتلوا فيها. قال أبو عمر واختلف في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهداء احد ولم يختلف عنه في انه أمر أن يدفنوا بثيابهم ودمائهم ولم يغسلوا ومثل يومئذ بعبد الله بن جحش بن رئاب غير انه لم يبقر (3) عن


(1) أي غطى. (2) في نسخة " يكفنهم ". (3) يبقر أي يشق. (*)

[ 427 ]

كبده. وروى ابن وهب عن أبى صخر عن ابن قسيط عن اسحق بن سعد ابن أبى وقاص عن أبيه ان عبدالله بن جحش قال له يوم احد ألا تأتى ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال يا رب إذا لقيت العدو غدا فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده اقاتله فيك ويقاتلني ثم ارزقني عليه الظفر حتى اقتله وآخذ سلبه فأمن عبدالله بن جحش ثم قال اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه شديدا حرده اقاتله فيك ويقاتلني فيقتلني ثم يأخذني فيجدع انفي واذني. فإذا لقيتك قلت يا عبدالله فيم جدع أنفك وأذنك فاقول فيك وفى رسولك فيقول الله صدقت قال سعد كانت دعوة عبدالله بن جحش خيرا من دعوتي لقد رأيته آخر النهار وان أذنه وأنفه معلقان في خيط. وذكر الزبير في الموفقيات ان عبدالله بن جحش انقطع سيفه يوم أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجون نخلة فصار في يده سيفا يقال ان قائمه منه وكان يسمى العرجون ولم يزل يتناقل حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار. يقال انه قتل يومئذ عبدالله أبو الحكم بن الاخنس بن شريق الثقفى ودفن هو وحمزة بن عبد المطلب في قبر واحد. قال ابن سعد ودفن عبدالله بن عمرو ابن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد ودفن خارجة بن زيد وسعد بن الربيع في قبر واحد. ودفن النعمان بن ملك وعبدة بن الخشخاش في قبر واحد وكان الناس أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم في نواحيها فنادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا القتلى إلى مضاجعهم فأدرك المنادى رجلا واحدا لم يكن دفن فرد وهو شماس بن عثمان المخزومى، وسيأتى لوفاة شماس ذكر في أشعار أحد ان شاء الله تعالى. وأما أبو عمر فقال يومئذ احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدفنوا حيث قتلوا. قال الواقدي وولى رسول الله صلى الله عليه وسلم تركة عبدالله بن جحش واشترى لابنه مالا بخيبر، و عبدالله لاميمة بنت عبدالمطلب بن هاشم عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أشرف على القتلى أنا شهيد على هؤلاء وما من جريح يجرح في الله الا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون الدم والريح ريح مسك. روينا عن أبى بكر الشافعي بالاسناد المذكور آنفا فثنا محمد بن على بن اسمعيل فثنا قطن فثنا حفص فثنا ابراهيم عن عباد بن اسحق عن

[ 428 ]

محمد بن مسلم الزهري عن عبدالله بن ثعلبة انه أخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقتلى أحد زملوهم بجراحهم إنه ليس مكلوم يكلم في الله تعالى إلا وهو يأتي يوم القيامة لونه لون دم وريحه ريح مسك. وكذلك رواه محمد بن مصعب عن الاوزاعي عن الزهري وغيره يخالفه. قال الدارقطني الصواب رواية الليث ومن وافقه. ورووه عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب عن جابر ويومئذ قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبى وقاص ارم فداك أبى وأمى. قرئ على عبدالرحيم بن يوسف بن يحيى الموصلي وأنا أسمع أخبركم أبو على حنبل ابن عبدالله بن الفرج بن سعادة الرصافي قراءة عليه وانت حاضر في الخامسة قال انا أبو القسم هبة الله بن محمد بن الحصين قال أنا أبو على الحسن بن على بن المذهب قال أنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن ملك القطيعى قال أنا عبدالله بن احمد فثنا أبى فثنا وكيع فثنا سفيان عن سعد بن ابراهيم عن عبد الله بن شداد عن على قال ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدى أحدا بأبويه الا سعد بن ملك فانى سمعته يقول له يوم أحد إرم سعد فداك أبى وأمى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهداء أنظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه امام أصحابه في القبر وكانوا يدفنون الثلاثة والاثنين في القبر. وقال ابن سعد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادفنوا عبدالله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من الصفاء قال فحفر عنهما وعليهما نمرتان (1) و عبدالله قد أصابه جرح في وجهه فيده على جرحه فأميطت يده عن وجهه فانبعث الدم فردت يده إلى مكانها فسكن الدم. وقال أنا عمرو بن الهيثم أبو قطن فثنا هشام الدستوائى عن أبى الزبير عن جابر قال صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين فأخرجناهم بعد أربعين سنة لينة أجسادهم تنثني أطرافهم. قرئ على الحرة الاصيلة أم محمد شامية بنت الحافظ صدر الدين أبى على الحسن بن محمد بن محمد بن البكري وأنا أسمع بالقاهرة سنة ثمان


(1) كل شملة مخططة من مآزر الاعراب فهى نمرة كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض. (*)

[ 429 ]

وسبعين وستمائة أخبرك الشيخ أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد الدارقذى قراءة عليه وأنت تسمعين فأقرت به قال أنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن أحمد ابن البناء قراءة عليه وأنا أسمع قال أنا القاضى أبو يعلى محمد بن الحسين بن خلف ابن الفراء قراءة عليه وأنا أسمع قال أنا أبو الحسن على بن معروف بن محمد البزاز قراءة عليه في رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة قال أنا أبو إسحق ابراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي فثنا خلاد بن أسلم قال أخبرني النضر بن شميل فثنا شعبة فثنا محمد بن المنكدر قال سمعت جابرا قال قتل أبى يوم أحد فجئت إليه وقد مثل به وهو مغطى الوجه فكشفت عن وجهه وجعلت أبكى وجعل الناس ينهوني ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني وجعلت فاطمة بنت عمر عمتى تبكيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبكيه فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه. وقرأت على عبدالله محمد بن أبى الفتح الحنبلى الصوري وأبى النور اسمعيل بن نور بن قمر الهيتى قلت للاول أخبرك أبو البركات بن ملاعب والثانى أخبركم أبو نصر موسى بن عبد القادر قالا أنا سعيد بن البناء قال أنا أبو القاسم بن البسرى قال أنا أبو طاهر المخلص فثنا يحيى يعنى ابن صاعد فثنا عبدالله بن محمد بن المسور فثنا سفيان قال أنا كوفى لنا قال أنا محمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمت ان الله أحيا أباك فقال له تمنه فقال أرد إلى الدنيا فأقتل فقال قد قضيت انهم إلى الدنيا لا يرجعون. كذا وقع في هذه الرواية عن سفيان قال أنا كوفى لنا قال انا محمد بن يحيى وكأنه تصحيف ولعل الصواب فيه ثنا سفيان قال انا كوفى لنا قال محمد بن على عن ابن عقيل وهو محمد بن على بن ربيعة السلمى أبو عتاب الكوفى ابن عم منصور بن المعتمر وأخوه لامه رأى ربعى بن حراش. روى عن ابن عقيل وغيره وروى عنه سفيان بن عيينة وغيره وثقه يحيى بن معين وقال ابن أبى حاتم عن أبيه هو من الشيعة قلت ما حاله قال صدوق لا بأس به صالح الحديث ووقع في ترجمته وهم عن ابن ابى حاتم تبع فيه البخاري على عادته نبه عليه أبو بكر الخطيب وقد أثبته هناك، وكذا ذكر هذا الخبر أبو عمر بن عبد البر قال وروى ابن عيينة عن محمد بن على السلمى عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر فذكره. ويومئذ نهى رسول الله صلى الله

[ 430 ]

عليه وسلم عن النوح قال ابن اسحق وحدثني عبد الواحد بن أبى عون عن اسماعيل ابن محمد بن سعد بن أبى وقاص قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فلما نعوا لها قالت فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله تعالى كما تحبين قالت أرونيه حتى انظر إليه قال فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل - تريد صغيرة - وكان لطلحة بن عبدالله يومئذ المقام المحمود في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الزبير وغيره وأبلى طلحة بلاء حسنا يوم احد ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه واتقى عنه النبل بيده حتى شلت اصبعه وضرب الضربة في رأسه وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم اوجب طلحة لى. وقرأت على أبى الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني بسفح قاسيون أخبرتكم أم الفضل زينب بنت محمد بن أحمد بن عقيل القيسية قراءة عليها وأنت تسمع سنة ست وستمائة قالت أنا الفقيه أبو الفتح نصر الله قال محمد بن عبد القوى المصيصى قراءة عليه ونحن نسمع قال أنا الحافظ أبو بكر احمد بن على بن ثابت الخطيب قراءة عليه وأنا أسمع قال أنا الحسن بن أبى بكر قال انا محمد بن عبدالله الشافعي فثنا محمد بن احمد بن النضر الازدي فثنا معاوية ابن عمرو عن أبى اسحق يعنى الفزارى عن حميد عن أنس قال غاب عمى أنس بن النضر عن قتال أهل بدر فقال غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين اما والله اما والله لئن اشهدني الله قتالا ليرين الله ما اصنع فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال اللهم انى أعتذر اليك مما صنع هؤلاء لاصحابه وأبرأ اليك مما جاء به هؤلاء المشركون ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال اين يا سعد واها لريح الجنة والله انى لاجد ريحها دون احد. قال سعد فما استطعت اصنع ما صنع مضى حتى استشهد قال قال انس ما عرفته الا ببنانه لانه مثل به وجدنا فيه بضعة وثمانين اثرا من بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح ورمية بسهم فكنا نتحدث ان فيه وفى اصحابه نزلت (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) وروينا عن ابن اسحق عن حميد الطويل عن انس بن النضر

[ 431 ]

يومئذ سبعين ضربة فما عرفته الا أخته عرفته ببنانه أخبرتنا السيدة الاصيلة مونسة خاتون بنت السلطان الملك العادل سيف الدين ابى بكر بن ايوب رحم الله سلفها فيما قرأته عليها عن عفيفة بنت احمد بن عبدالله الفارقانية اجازة قالت انا ابو طاهر عبد الواحد بن محمد بن احمد بن الصباغ قال انا أبو نعيم الحافظ قال انا أبو على بن الصواف فثنا محمد بن نضر يعنى ابا جعفر الصايغ فثنا ابراهيم يعنى ابن حمزة فثنا عبد العزيز يعنى ابن محمد عن عبيد الله يعنى ابن عمر عن نافع عن ابن عمر ان عمر بن الخطاب قال لاخيه زيد بن الخطاب يوم احد خذ درعى هذه يا أخى فقال له انى اريد من الشهادة مثل ما تريد فتركاها جميعا. قال ابن اسحق ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال اغسلي عن هذا دمه يا بنية فوالله لقد صدقنى اليوم وناولها على بن ابى طالب سيفه وقال وهذا فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقنى اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وابو دجانة. وروينا عن ابن عقبة ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف على مختضبا دما قال ان تكن أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح والحرث بن الصمة وسهل بن حنيف، ثم قال أخبروني عن الناس ما فعلوا وأين عامتهم ثم قال ان المشركين لن يصيبوا منا مثلها حتى نتيحهم، ومثل المشركون يومئذ بقتلى المسلمين الا ما كان من حنظلة ابن أبى عامر فان أباه كان معهم فلذلك لم يمثلوا به وذكره ابن عقبة وقال قال سهل بن سعد الساعدي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون وانهزم قوم من المسلمين منهم عثمان بن عفان وسعد بن عثمان وأخوه عقبة بن عثمان من بنى زريق وخارجة بن عامر الانصاري ثم عفا الله عنهم ونزل فيهم (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) الآية قال ابن عقبة تولوا حتى انتهوا إلى بير جرم. وروينا عن محمد بن سعد قال أبوالنمر الكنانى هو جد شريك بن عبدالله بن ابى نمر المحدث شهد أحدا مع المشركين وقال رميت يومئذ بخمسين مرماة فأصبت منها بأسهم وانى لانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وان أصحابه لمحدقون به وان النبل ليمر عن يمينه وعن شماله ويقصر بين يديه ويخرج من ورائه، ثم هداه الله للاسلام.

[ 433 ]

(ذكر فوائد تتعلق بهذه الاخبار) الاحابيش الذين حالفوا قريشا هم بنو المصطلق سعد بن عمرو وبنو الهون بن خزيمة اجتعمعوا بذنبة حبشي وهو جبل بأسفل مكة فتحالفوا بالله إنا ليد على غيرنا ما سجى ليل ووضح نهار وما رسا حبشي مكانه فسموا أحابيش باسم الجبل، قال حماد الراوية سموا أحابيش لاجتماعهم والتجمع في كلام العرب هو التحبش قاله ابن قتيبة في كتاب المعارف له: رأيت ذلك بخط جدى رحمه الله وقال انه قرأه على ابى على شيخه عمر بن محمد الازدي. والثلم ساكن اللام في السيف والثلم مفتوح اللام ثلم الوادي. وذكر أبا حيثمة الحارثى دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينبه عليه ابن هشام والذى ذكره ابن سعد وغيره أبوحثمة وهو عندهم والد سهل ابن أبى حثمة، قال أبو عمر وليس في الصحابة أبو خيثمة الا عبدالله بن خيثمة السالمى له خبر معروف في غزوة تبوك وأبو خيثمة عبدالرحمن بن أبى سبرة الجعفي والد خيثمة بن عبدالرحمن صاحب عبدالله بن مسعود، وأبو حثمة هذا عبد الله وقيل عامر بن ساعدة بن عامر بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن ملك بن الاوس نسبه كذلك أبو عمر، ونضحت النشاب بالحاء المهملة رميت. وذكر الرجز الذى قالته هند بنت عتبة * إن تقبلوا نعانق * وأوله: نحن بنات طارق * نمشي على النمارق وكذا ذكره ابن سعد فقال روى هذا الشعر لهند بنت عتبة كما قال ابن اسحق والشعر ليس لها وانما هو لهند بنت بياضة بن طارق بن رياح بن طارق الايادي قالته حين لقيت إياد جيش الفرس بجزيرة الموصل وكان رئيس اياد بياضة ابن طارق. ووقع في شعر أبى دؤاد الايادي وذكر ابو رياش وغيره ان بكر

[ 434 ]

ابن وائل لما لقيت تغلب يوم قصة ويسمى يوم التحليق اقبل الفند (1) الزمانى ومعه ابنتان وكانت احداهما تقول * نحن بنات طارق * فطارق على رواية من رواه لهند بنت عتبة أو لبنت الفند الزمانى تمثيل واستعارة لا حقيقة شبهت اباها بالنجم الطارق في شرفه وعلوه، وعلى رواية من رواه لهند بنت بياضة حقيقة لا استعارة لانه اسم جدها، قال البطليوسى والاظهر انه لبنت بياضة وإنما قاله غيرها متمثلا. وقال أبو القاسم السهيلي على قول من قال أرادت به النجم لعلوه وهذا التأويل عندي بعيد لان طارقا وصف للنجم لطروقه فلو أرادته لقالت بنات الطارق فعلى تقدير الاستعارة يكون " بنات " مرفوعا وعلى تقدير أن يكون الشعر لابنة بياضة بن طارق يكون منصوبا على المدح والاختصاص نحو * نحن بنى ضبة أصحاب الجمل * والكيول آخر القوم أو آخر الصفوف. ولولت المرأة دعت بالويل. ما يليق ما يبقى. والهنذ معجم الذال القطع ومهملها الهدم. وقوله فكأنما اخطأ رأسه اخطأ الشئ إذا لم يتعمده أي كان في إلقائه رأسه كأنه لم يتعمده ولا قصده. ويحمس الناس بالسين المهملة يشجعهم من الحماسة وبالمعجمة من أحمشت النار أوقدتها أي يغضبهم، وذكر خبر قتادة بن النعمان في ذهاب عينه ورجوعها وقد روى أن عينيه جميعا سقطتا رواه محمد بن أبى عثمان عن ملك بن أنس عن محمد بن عبدالله بن أبى صعصعة عن أبيه عن أبى سعيد عن أخيه قتادة بن النعمان قال أصيبت عيناى يوم احد فسألتا على وجنتي فأتيت بهما النبي صلى الله عليه وسلم فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان. قال الدارقطني هذا حديث غريب عن ملك تفرد به عمار بن نصر وهو ثقة ورواه الدارقطني عن ابراهيم الحربى عن عمار بن نصر هذا، وذكر قتل خسيل أبى حذيفة بن اليمان ويقال الذى قتله خطأ عتبة بن مسعود أخو عبدالله بن مسعود. والهامة كانت العرب تقول ان روح الميت تصير هامة ومنه * وكيف حياة أصداء وهام * وظمؤ حمار الحمار أقصر الدواب ظمأ وأطولها الابل، وقوله عليه السلام من رجل ينظر ما صنع سعد بن


(1) بكسر الفاء وسكون النون ودال مهملة هو لقب، واسمه سهل الزمانى كذا قاله شيخنا مجد الدين في قاموسه ولفظة الفند بالكسر الحبل العظيم أو قطعة منه ويفتح وفى الصحاح والفند قطعة من الحبل طولا والفند الزمانى الشاعر انتهى. (*)

[ 435 ]

الربيع لم يسم في الخبر قال الواقدي هو محمد بن مسلمة وذكر أبو عمر أنه أبى ابن كعب، وذكر السهيلي في حديث ابن اسحق عمن لا يتهم عن مقسم عن ابن عباس في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد انه يعنى بمن لا يتهم الحسن بن عمارة وضعف الحديث به، لكن قد ذكرناه من رواية يزيد ابن أبى زياد عن مقسم من طريق ابن ماجه، ويزيد أخرج له مسلم مقرونا بغيره في الاطعمة، وصحح الترمذي حديثه في غير ما موضع، وبينه وبين الحسن بن عمارة بون بعيد، وقد رأيت قبل هذا موضعا تكلم فيه السهيلي على رواية لابن اسحق عمن لا يتهم فقال هو الحسن بن عمارة. وهذا يحتاج إلى نقل عن ابن اسحق واقل ما في ذلك نقل عن معاصر له أو قريب منه في الطبقة والا فما المانع من أن يكون الذى لا يتهمه في هذا الخبر هو يزيد ابن أبى زياد فكثيرا ما يروى عنه وهو أجدر بالثناء عليه، وقد روى الخبر عنه أبو بكر بن عياش كما أوردناه، وعند ابن اسحق رجل آخر يقال له يزيد بن أبى زياد، وهو يزيد بن زياد بن ابى زياد ميسرة يروى عن محمد بن كعب القرظى مستور الحال. وأوجب طلحة احدث شيئا يستوجب به الجنة. الاتى الغريب لا يدرى من اين اتى وكذا وقع في هذا الخبر عند ابن اسحق، وذكره ابن سعد فقال قزمان ابن الحارث من بنى عبس حليف لبنى ظفر. الوقاع السباب. ضاحية الشئ ناحيته، انعمت افعال اسم للفعل الحسن وانعم زاد وقال السهيلي معناه انعمت الازلام وكان استقسم بها حين خروجه إلى احد. قال ابن اسحق وكان فيما انزل الله من القرآن يوم احد ستون آية من سورة آل عمران فيها صفة ما كان في يومهم يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (واذ غدوت من اهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم).

[ 437 ]

(ذكر من استشهد يوم أحد من المهاجرين) عندهم من بنى هاشم بن عبد مناف حمزة بن عبدالمطلب بن هاشم. ومن بنى أمية بن عبد شمس عبدالله بن جحش حليف لهم من بنى اسد بن حزيمة. ومن بنى عبد الدار بن قصى مصعب بن عمير. ومن بنى مخزوم بن يقظة شماس بن عثمان وزاد ابن عقبة خامسا وهو سعد مولى حاطب من بنى أسد بن عبدالعزى، وزاد ابن سعد عبدالله و عبدالرحمن ابني الهبيب من بنى سعد بن ليث ووهب ابن قابوس المزني وابن أخيه الحرث بن عقبة بن قابوس وملكا ونعمان ابني خلف ابن عوف بن دارم بن عنز بن وائلة بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم ابن أفصى بن حارثة كانا طليعتين للنبى صلى الله عليه وسلم فقتلا يوم أحد شهيدين ودفنا في قبر أحد عشر، وزاد أبو عمر وثقف بن عمرو الاسلمي حليف بنى عبد شمس وعقربة أبا بشير بن عقربة الجهنى، وذكر أن خنيس بن حذافة بن قيس ابن عدى بن سعيد بن سهم القرشى شهد أحدا ونالته بها جراحات مات منها بالمدينة وليس ذلك بشئ والمعروف انه مات بالمدينة على رأس خمسة وعشرين شهرا بعد رجوعه من بدر، وتأيمت منه حفصة بنت عمر فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان على رأس ثلاثين شهرا كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكل ذلك قبل أحد. وفى قول أبى عمر عدى بن سعيد بن سهم وهم ثان انما هو عدى بن سعد بن سهم وسعد وسعيد ابنا سهم فعدى من ولد سعد والله أعلم ومن الانصار ثم من الاوس ثم من بنى عبد الاشهل عمرو بن معاذ وابن أخيه الحارث بن اوس والحارث بن أنس وعمارة ابن زياد وسلمة وعمرو ابنا ثابت بن وقش وأبوهما وعمهما رفاعة وحسيل بن جابر ابو حذيفة بن اليمان حليف لهم وصيفى وخباب ابنا قيظى، وعند ابن سعد صيفي والحباب ابنا قيظى بن عمرو بن سهل بن مخرمة بن قلع بن حريس بن عبد الاشهل

[ 438 ]

وكان ابن الكلبى يقول حريس بن جشم أخى عبد الاشهل ليس ولده. والمشهور الاول، وعمهما عباد بن سهل وعمه معبد بن مخرمة عند ابن سعد وعنده أيضا عامر بن يزيد بن السكن وعند ابن اسحق في اخبار الوقعة مقتل زياد بن السكن حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من يشرى لنا نفسه " قال فقام زياد بن السكن في خمسة من الانصار فقاتلوا حتى قتلوا، وكان زياد آخرهم قال وبعض الناس يقول هو عمارة بن يزيد ويزيد بن السكن بن رافع وسهل رومى بن وقش ورافع بن يزيد وقرة بن عقبة بن قرة حليف لهم وفى عدادهم من ولد جشم بن الحارث ابى عبد الاشهل عندهم اياس بن اوس بن عتيك، ومن حلفائهم حبيب ابن زيد بن تيم بن امية بن خفاف بن بياضة قال أبو عمر وقيل بل قتل بصفين كذا ذكره ابن سعد حبيب بن زيد في حلفاء بنى عبد الاشهل ورأيته في موضع آخر من ولد مرة بن مالك بن الاوس وهو حبيب بن زيد بن تيم بن امية بن بياضة ابن خفاف بن سعيد بن مرة بن مالك قاله ابن الكلبى، وعبيد بن التيهان وهو عند ابن عقبة وابى معشر وابن القداح عتيك وابن عمارة ينسبه إلى جشم بن الحرث هذا وغيره يقول من حلفائهم وليس من انفسهم، وقد سبق ذلك عند ذكر اخيه ابى الهيثم. قال أبو عمر (1) وقيل قتل بصفين، وعند ابن سعد سهل بن عدى بن زياد بن عامر بن جشم اخى عبد الاشهل بن جشم بن الحرث ويسار مولى ابى الهيثم بن التيهان، اربعة وعشرون انفرد منهم ابن سعد عن ابن اسحق بتسعة. ومن بنى ظفر يزيد بن حاطب بن امية بن رافع بن سويد بن حرام ابن الهيثم بن ظفر. ومن بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو وهو النبيت بن مالك بن الاوس وعند ابن سعد قيس بن الحرث بن عدى بن جشم ابن مجدعة بن حارثة، والاقدى وابن عمارة يقولان فيه قيس بن محرث قال ابن عمارة اما قيس بن الحارث فقتل يوم اليمامة. ومن بنى عمرو بن عوف ثم من بنى امية ابن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف رفاعة بن عبد المنذر عند ابن سعد وفيه نظر. ومن بنى ضبيعة بن زيد أبو سفيان (2) بن الحارث بن قيس بن زيد


(1) لعل ابا عمر قال ذلك في غير الاستيعاب. (2) هو متفق مع ابى سفيان ابن الحرث بن عبدالمطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم في الكنية واسم الاب. (*)

[ 439 ]

ابن ضبيعة وحنظلة بن ابى عامر بن صيفي بن النعمان بن مالك بن امية بن ضبيعة قتله أبو سفيان بن حرب وكان حنظلة بن ابى سفيان قتل يوم بدر فكان ابوه أبو سفيان يقول حنظلة بحنظلة. ومن بنى عبيد بن زيد اخى ضبيعة انيس بن قتادة ومن حلفاء بنى زيد بن مالك من بنى العجلان عبد الله بن سلمة بن مالك بن الحارث بن عدى بن الجد بن العجلان وهو عند ابن اسحق حليف لبنى السلم ابن امرئ القيس، ومن بنى العجلان وانيف من بلى حلفاء بنى زيد عند ابن سعد ثابت بن الدحداح ويقال الدحداحة بن نعيم بن غنم بن اياس، ومن بنى معاوية بن مالك بن عمرو بن عوف سبيع بن حاطب بن قيس بن هئبشة بن الحرث ابن امية بن معاوية وقال فيه ابن عقبة سويبق ومن حلفائهم مالك بن نميلة (1) ذكره ابن سعد وابن هشام وليس عند ابن اسحق في روايتنا وقال أبو عمر ذكره ابراهيم بن سعد عن ابن اسحق. ومن بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف ابو حبة - بالباء - ابن عمرو بن ثابت عند آخرين منهم ابن سعد ابو حنة - بالنون - بن ثابت وعبد الله بن جبير. ومن بنى السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم وهو أبو سعد بن خيثمة. ومن بنى خطمة وهو عبدالله بن جشم بن مالك ابن الاوس عند ابن هشام الحارث بن عدى بن خرشة بن امية بن عامر بن خطمة اربعة عشر منهم تسعة متفق عليهم ومن الخزرج ثم من بنى النجار ثم من بنى سواد بن غنم بن مالك بن النجار وابن سعد يقول سواد بن مالك ابن النجار وابن سعد يقول سواد بن مالك بن غنم بن النجار والمعروف ان ولد غنم بن مالك ثلاثة عوف وثعلبة وسواد. كذا قال ابن الكلبى عمرو ابن قيس وابنه قيس وثابت بن عمرو وعامر بن مخلد وزاد ابن سعد عن ابن القداح و عبدالله بن قيس، وخالفه الواقدي فزعم انه تأخر إلى خلافة عثمان وزاد ابن هشام فيهم مالك بن اياس ولم يوصل نسبه، ومن بنى مبذول وهو عامر بن مالك بن النجار ابو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو بن ثقف بن مبذول


(1) نميلة بالنون المضمومة وهى امه، وهو مالك بن ثابت المزني، وقيل " تميلة " بالتاء المثناة من فوق وقيل نملة. (*)

[ 440 ]

كذا هو عن ابن اسحق وابن سعد يقول ثقف بن مالك بن مبذول قلت وعمرو بن مبدول ومالك بن مبذول معروفان، وكان الواقدي يقول فيه ابو اسيرة وابن عمه عمرو بن مطرف بن علقمة ومنهم من يقول فيه مطرف بن عمرو، ومن بنى مغالة وهم من بنى عمر بن مالك بن النجار اوس بن ثابت غير ان الواقدي انكر ذلك وزعم انه بقى إلى خلافة عثمان، ومن بنى عدى بن النجار انس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى وزاد ابن سعد عامر بن امية وزاد ابن هشام في بنى عمر بن مالك اياس بن عدى ولم يصل نسبه، ومن بنى مازن النجار قيس بن مخلد وكيسان عبد لهم زاد ابن سعد ورافع مولى غزية بن عمرو، ومن بنى دينار بن النجار سليم بن الحارث والنعمان بن عبد عمرو وزاد ابن سعد وابو حرام عمرو بن قيس بن مالك بن كعب بن عبد الاشهل، ومن بنى الحارث بن الخزرج خارجة بن زيد وسعد بن الربيع بن عمرو واوس ابن الارقم بن زيد بن قيس بن نعمان بن مالك الاغر، زاد ابن سعد والحارث ابن ثابت بن سفيان بن عدى بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك الاغر والحارث بن ثابت بن عبدالله بن سعد بن عمرو بن قيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك، ومن بنى الابجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الابجر كذا هو عند ابن اسحق وابن الكلبى وخليفة ابن خياط وابن سعد يخالفهم فيسقط عبيد الاول واما أبو عمر فأسقطه في نسب ابى سعيد الخدرى كما فعل ابن سعد واثبته في نسب ابيه كما قال غيره وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الابجر وهو سعد بن سويد بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن ابجر عند الدمياطي وسعد بن سويد ابن عبيد بن ابجر عند ابن سعد. وعقد أبو عمر ترجمتين في كتابه في الصحابة احداهما في باب سعد والاخرى في باب سعيد وقال في كل منهما قتل بأحد شهيدا ويحتمل ان يكون واحدا وقع الاختلاف فيه، وعتبة بن ربيع بن رافع ابن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الابجر وابن سعد يقول معاوية بن عبيد بن الابجر و عبدالله بن الربيع بن قيس ذكره ابن الكلبى، ومن بنى ساعدة ابن كعب بن الخزرج ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن

[ 441 ]

عمرو بن الخزرج بن ساعدة وثقف بن فروة بن البدى وبعضهم يفتح قافه ايضا ويقال فيه ثقيب ويقال في البدى البدن بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو ابن الخزرج وعبيد بن مسعود بن البدن قاله ابن عقبة، و عبدالله بن عمرو بن وهب بن ثعلبة بن وقش بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة وضمرة حليف لهم من جهينة وهو ضمرة بن عمرو بن كعب بن عمرو بن عدى بن عامر بن رفاعة بن كليب بن مودعة بن مودعة بن عدى بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة، ومن القواقلة وهم بنو غنم وبنو سالم ابني عوف بن عمرو بن عوف ابن الخزرج العباس بن عبادة بن نضلة ونوفل بن عبدالله بن نضلة المذكور وغير ابن اسحق يقول نوفل بن ثعلبة بن عبدالله بن نضلة والنعمان بن مالك، ومن حلفائهم المجذر بن ذياد (1) وعبدة بن الخشخاش ويقال فيه عبادة ومن بنى الحبلى وهو سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج رفاعة بن عمرو بن زيد وزيد بن وديعة ذكره الدمياطي. ومن بنى سلمة ثم من بنى حرام عبدالله بن عمرو ابو جابر وعمرو بن الجموح وابنه خلاد وابو ايمن مولى عمرو وهذا هو المشهور قال أبو عمر ويقال هو ابنه. ومن بنى سواد بن غنم سليم بن عمرو ومولاه عنترة وسهل بن قيس. ومن بنى زريق ذكوان بن عبد قيس زاد ابن سعد ورافع بن مالك ومن بنى حبيب ابن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج عبيد بن المعلى بن لوذان ابن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عدى بن مالك بن زيد بن مناة بن حبيب، سبعة واربعون عند ابن اسحق منهم سبعة وثلاثون فجميعهم ستة وتسعون منهم من المهاجرين ومن ذكر معهم احد عشر ومن الانصار خمسة وثمانون ومن الاوس ثمانية وثلاثون ومن الخزرج سبعة وابعون منهم عند ابن اسحق من المهاجرين اربعة ومن الانصار واحد وستون ومن الاوس اربعة وعشرون ومن الخزرج سبعة وثلاثون والباقون عن موسى بن عقبة وعن ابن سعد وعن ابن هشام وقد ذكر أبو عمر فيهم زياد بن السكن ابا عمارة ببن زياد وقد حكينا عن ابن اسحق كيف وقع ذكره عنده وهو داخل في المعدودين من بنى عبد


(1) المجذر بضم الميم وفتح الجيم والذال المعجمة المشددة. ابن ذياد بكسر الذال المعجمة (*)

[ 442 ]

الاشهل، وممن ذكره أبو عمر في الاستيعاب ابا زيد الانصاري وهو ابو بشير بن ابى زيد ذكره عن ابن الكلبى وفى باب الباء في باب بشير ابنه وذكر في كتاب الصحابة حارثة بن عمرو الانصاري من بنى ساعدة ولم يصل نسبه، وذكر الحافظ أبو محمد الدمياطي في نسب الاوس له خداش بن قتادة بن ربيعة بن خالد ابن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد اخا انيس بن قتادة وقال شهد بدرا وقتل بأحد قاله ابن الكلبى وقد ذكرنا اخاه انيسا في شهداء احد. وذكر أبو عمر في كتابه في المغازى منهم عمير بن عدى الخطمى وغيره يقول في عمير لم يشهد أحدا وكان ضرير البصر فقد تجاوزوا بهذه الزيادات المائة على انه قد ذكر ان قتلى أحد سبعون ومن الناس من يجعل السبعين من الانصار خاصة وكذلك قال ابن سعد في باب غزوة أحد لكنهم في تراجم الطبقات له زادوا على ذلك ويذكر في تفسير قوله تعالى (أو لما اصابتكم مصيبة مثليها) انه تسلية للمؤمنين عمن اصيب منهم يوم احد بأنهم اصابوا من المشركين يوم بدر سبعين قتيلا وسبعين اسيرا فان صح ذلك نقلا وحملا فالزيادة ناشئة عن الخلاف في التفصيل وليست زيادة في الجملة. وقتل من كفار قريش يوم أحد ثلاثة وعشرون رجلا منهم حملة اللواء من بنى عبد الدار بن قصى عشرة قد سبق ذكرهم ومنهم ابو يزيد بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار والقاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. ومن بنى اسد بن عبدالعزى عبدالله بن حميد بن زهير بن الحرث بن اسد. ومن بنى زهرة بن كلاب ابو الحكم بن الاخنس بن شريق الثقفى حليف لهم وسباع ابن عبدالعزى واسمه عمرو بن نضلة من غبشان بن سليم بن ملكان حليف لهم من خزاعة، ومن بنى مخزوم هشام بن ابى امية بن المغيرة والوليد بن العاصى بن هشام بن المغيرة وابو امية بن ابى حذيفة بن المغيرة وخالد بن الاعلم حليف لهم، ومن بنى جمح عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح وهو ابو عزة وابى بن خلف بن وهب بن حذافة قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بنى عامر بن لؤى عبيدة بن جابر وشيبة بن مالك، وذكر غير ابن اسحق فيهم شريح بن قارظ والله اعلم. ومما قيل من الشعر يوم احد قول حسان بن ثابت يذكر اصحاب اللواء من بنى عبد الدار:

[ 443 ]

منع النوم بالعشاء الهموم * وخيال إذا تغور النجوم من حبيب اصاب قلبك منه * سقم فهو داخل مكتوم لم تفتها شمس النهار بشئ * غير ان الشباب ليس يدوم رب حلم اضاعه عدم الما * ل وجهل غطى عليه النعيم لا تسببنى فلست بسبيى (1) * ان سبيى من الرجال الكريم ما ابالى أنب بالحزن تيس * ام لحاني بظهر غيب لئيم ولى البأس منكم إذ رحلتم * اسرة من بنى قصى صميم تسعة احمل اللواء وطارت * في رعاع من القنا مخزوم واقاموا حتى اتيحوا جميعا * في مقام وكلهم مذموم واقاموا حتى ازيروا شعوبا (2) * والقنا في نحورهم محطوم وقريش تفر منا لواذا (3) * ان يقيموا وخف منها الحلوم لم تطق حمله العواتق منهم * انما يحمل اللواء النجوم ومن ابيات لعبد الله بن الزبعرى ولك يكن اسلم يومئذ: يا غراب البين اسمعت فقل * انما تنطق شيئا قد فعل كل عيش ونعيم زائل * وبنات الدهر يلعبن بكل ابلغن حسان عنا آية * فقريض الشعر يشفى ذا العلل كم قتلنا من كريم سيد * ماجد الجدين مقدام بطل صادق النجدة قرم (4) بارع * غير ملتاث (5) لدى وقع الاسل حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الاشل ليت اشياخي ببدر شهدوا * جذع الخزرج من وقع الاسل فقتلنا الضعف من اشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل (1) السب بكسر السين المهملة هو الذى يساب. (2) أي الموت. (3) أي مستخفين. (4) أي سيد. (5) أي غير مضطرب، وسيأتى تفسير باقى الالفاظ.

[ 444 ]

وقال حسان يبكى حمزة من ابيات: أتعرف الدار عفا رسمها * بعدك صوب المسبل الهاطل ساءلتها عن دا فاستعجمت * لم تدر ما مرجوعة السائل دع عنك دارا قد عفا رسمها * وابك على حمزة ذى النائل المالئ الشيزى إذا اعصفت * غبراء في ذى الشبم الماحل والتارك القرن لذى لبدة * يعثر في ذى الخرص الذائل والابس الخيل إذا اخجمت * كالليث في غابته الباسل ابيض في الذروة من هاشم * لم يمر دون الحق بالباطل مال شهيدا بين اسيافكم * شلت يدا وحشى من قاتل أي امرئ غادر في ألة * مطرورة مارنة العامل اظلمت الارض لفقدانه * واسود نور القمر الناصل صلى عليه الله في جنة * عالية مكرمة الداخل كنا نرى حمزة حرزا لنا * من كل امر نابنا نازل وقال كعب بن مالك يبكى حمزة ايضا: طرقت همومك فالرقاد مسهد * وجزعت ان سلخ الشباب الاعيد ودعت فؤادك للهوى ضمرية * فهواك غورى وصحبك منجد فدع التمادي في الغواية سادرا * قد كنت في طلب الغواية تفند ولقد أنى لك ان تناهى طائعا * أو تستفيق إذا نهاك المرشد ولقد هددت لفقد حمزة هدة * ظلت بنات الجوف منها ترعد ولو انها فجعت حراء بمثلها * لرأيت رأسي صخرها يتهدد قرم تمكن في ذؤابة هاشم * حيث النبوة والندى والسودد والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت * ريح يكاد الماء منها يجمد والتارك القرن الكمى مجدلا * يوم الكريهة والقنا يتقصد

[ 445 ]

وتراه يرفل في الحديد كأنه * ذو لبدة شثن البراثن اربد عم النبي محمد وصفيه * ورد الحمام فطاب ذاك المورد وأتى المنية معلما في اسرة * نصروا النبي ومنهم المستشهد ولقد اخال بذلك هندا بشرت * لتميت داخل عصة لا تبرد مما اصبحنا بالعقنقل قومها * يوما تغيب فيه عنها الاسعد وببئر بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد حتى رأيت لدى النبي سراتهم * قسمين نقتل من نشاء ونطرد فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون عتبة منهم والاسود وابن المغيرة قد ضربنا ضربة * فوق الوريد لها رشاش مزبد وامية الجمحى قوم ميله * عضب بأيدى المؤمنين مهند فأتاك فل المشركين كأنهم * والخيل تثقفهم نعام شرد شتان من هو في جهنم ثاويا * ابدا ومن هو في الجنان مخلد وقال كعب يذكر يوم احد انشده ابن هشام: سائل قريشا غداة السفح من احد * ماذا لقينا وما لاقوا من الهرب كنا الاسود وكانوا النمر إذ زحفوا * ما ان تراقب من آل ولا نسب فكم تركنا بها من سيد بطل * حامى الذمار كريم الجد والحسب فينا الرسول شهاب ثم يتبعه * نور مضئ له فضل على الشهب الحق منطقه والعدل سيرته * فمن يجبه إليه ينج من تبب (1) نجد المقدم ماضى الهم معتزم * حين القلوب على رجف من الرعب يمضى ويذمرنا من غير معصية * كأنه البدر لم يطبع على الكذب بدا لنا فاتبعناه نصدقه * وكذبوه فكنا أسعد العرب جالوا وجلنا فما فاءوا ولا رجعوا * ونحن نتبعهم لم نأل في الطلب لسنا سواء وشتى بين أمرهما * حزب الاله وأهل الشرك والنصب


(1) أي من الهلاك والخسران (*)

[ 446 ]

وقال ضرار بن الخطاب الفهرى يذكر يوم أحد من أبيات ما بال عينك قد أزرى بها السهد (1) * كأنما جال في أجفانها الرمد أمن فراق حبيب كنت تألفه * قد حال من دونه الاعداء والبعد أم ذاك من شغب قوم لا جداء بهم * إذ الحروب تلظت نارها تقد ما ينتهون عن الغى الذى ركبوا * وما لهم من لؤى ويحهم عضد وقد نشدناهم بالله قاطبة * فما تردهم الارحام والنشد حتى إذا ما أبوا إلا محاربة * واستحصدت بيننا الاضغان والحقد سرنا إليهم بجيش في جوانبه * قواضب البيض والمحبوكة السرد فأبرز الحين قوما من منازلهم * فكان منا ومنهم ملتقى أحد وقد تركناهم للطير ملحمة * وللضباع إلى أجسادهم تفد وقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكى شماسا وكان أصيب يوم أحد رحمه الله ورضى عنه يا عين جودى بفيض غير ابساس (2) * على كريم من الفتيان لباس صعب البديهة ميمون نقيبته * حمال ألوية ركاب أفراس أقول لما أتى الناعي له جرعا * أودى الجواد وأودى المطعم الكاس وقلت لما خلت منه مجالسه * لا يبعد الله منا قرب شماس فأجابها أخوها يغزيها: اقنى حياءك في عز وفى كرم * فانما كان شماس من الناس لا تقتلي النفس إذ حانت منيته * في طاعة الله يوم الروع والباس قد كان حمزة ليث الله فاصطبري * فذاق يومئذ من كاس شماس


(1) أي الارق. (2) أي على غير مهل. (*)

[ 447 ]

وذكر أبو عمر البيتين الاول والاخير من هذه الابيات الثلاثة ونسبها لحمان يعزى أخت شماس فيه، وهو شماس بن عثمان بن الشريد بن هرمى بن عامر بن مخزوم. كذا نسبه ابن الكلبى، وزاد فيه أبو عمر سويدا بين الشريد وهرمى وليس بشئ. وشماس لقب واسمه عثمان بن عثمان قتل يوم أحد ابن أربع وثلاثين سنة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرمى ببصره يمينا ولا شمالا يومئذ إلا رأى شماسا في ذلك الوجه يذب بسيفه عنه حتى غشى رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم فترس بنفسه دونه حتى قتل فحمل إلى المدينة وبه رمق فأدخل على عائشة فقالت أم سلمة ابن عمى يدخل على غيرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احملوه إلى أم سلمة فحمل إليها فمات عندها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلى أحد فيدفن هنالك كما هو في ثيابه التى مات فيها بعد أن مكث يوما وليلة إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ولم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغسله، وكان خارجة بن زيد بن أبى زهير قد أخذته الرماح يوم أحد فجرح بضعة عشر جرحا فمر به صفوان بن أمية فعرفه فاجهز عليه ومثل به وقال هذا ممن أعزى بأبى على يوم بدر يعنى أباه أمية بن خلف. وقد ذكر بعضهم خارجة فيمن قتل أمية. ولما قتل صفوان بن أمية من قتل يوم أحد قال الآن شفيت نفسي حين قتلت الاماثل من أصحاب محمد قتلت ابن قوقل وابن أبى زهير وأوس بن أرقم.

[ 448 ]

(ذكر فوائد تتعلق بما ذكرناه من الاشعار) قال السهيلي في قول حسان " وجهل غطى عليه النعيم " رواية يونس بن حبيب غطا مخففة الطاء ومعناه عنده علا عليه النعيم. وقوله " لم تطق حمله العواتق منهم " يريد بذلك أنه عندما قتل صواب مولى بنى عبد الدار وكان عاشر مقتول تحت لوائهم سقط فرفعته امرأة منهم هي عمرة بنت علقمة كما ذكرناه من قبل ثم طرحته. وفى شعر ابن الزبعرى عبد الاشل (1) يريد عبد الاشهل. والشيزى خشب تعمل منه القصعة وقيل القصعة من خشب الجوز. الخرص الرمح القصير وجمعه خرصان. ومراه جحده. والالة الحربة. وسنان طرير ذو هيئة حسنة. ومارنة لبنة، عامل الرمح صدره، والناصل الخارج. والكوم جمع كوماء وهى الطويلة السنام. والجلاد أدسم الابل لبنا. وقال ابن القوطية ثفن الرجل ثفنا ضربه وثفن الكثيبة طردها، ذمرته لمته وحضضته.


(1) في الاصل " عبد الاشهل " (*)

[ 449 ]

(فضل شهداء أحد) روينا عن ابن اسحق قال حدثنى اسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب اخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا ياليت اخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب. فقال الله تبارك وتعالى فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله عزوجل على نبيه هذه الآيات (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء) الآيات. وذكر ابن اسحق هاهنا حدثنى الحرث بن فضيل عن محمود بن لبيد عن ابن عباس أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء على بارق نهر (1) بباب الجنة في قبة خضراء يأتيهم فيها رزقهم بكرة وعشيا. قرأته على السيدة مؤنسة ومارنة لبنة، عامل الرمح صدره، والناصل الخارج. والكوم جمع كوماء وهى الطويلة السنام. والجلاد أدسم الابل لبنا. وقال ابن القوطية ثفن الرجل ثفنا ضربه وثفن الكثيبة طردها، ذمرته لمته وحضضته.


(1) في الاصل " عبد الاشهل " (*)

[ 449 ]

(فضل شهداء أحد) روينا عن ابن اسحق قال حدثنى اسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب اخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا ياليت اخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب. فقال الله تبارك وتعالى فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله عزوجل على نبيه هذه الآيات (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء) الآيات. وذكر ابن اسحق هاهنا حدثنى الحرث بن فضيل عن محمود بن لبيد عن ابن عباس أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء على بارق نهر (1) بباب الجنة في قبة خضراء يأتيهم فيها رزقهم بكرة وعشيا. قرأته على السيدة مؤنسة خاتون ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب رحم الله سلفها أخبرتك الشيخة أم هانئ عفيفة بنت احمد بن عبدالله كتابة عن أبى طاهر عبد الواحد بن محمد بن احمد الصباغ قال أنا أبو نعيم قال أنا أبو على بن الصواف فثنا أبو جعفر احمد بن يحيى الحلواني فثنا سعيد بن سليمان فثنا عبدالله بن نمير عن محمد بن اسحق فذكره.


(1) وفى رواية " على حافة نهر ". (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية