الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نهج الايمان- ابن جبر

نهج الايمان

ابن جبر


[ 1 ]

نهج الايمان

[ 3 ]

نهج الايمان تأليف زين الدين على بن يوسف بن جبر من أعلام القرن السابع تحقيق السيد احمد الحسيني

[ 4 ]

نهج الايمان تأليف: زين الدين علي بن يوسف بن جبر تحقيق: السيد أحمد الحسيني نشر: مجتمع امام هادى عليه السلام - مشهد (الطبعة الأولى) 1418 ه‍ ليتوغراف: تيز هوش - قم العدد: 1000 نسخة طبع: ستاره - قم

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمد الشاكرين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد سيد المرسلين، وعلى آله السادة الميامين، الأئمة من ذريته الأكرمين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

[ 7 ]

تقديم (1) (مناقب آل أبي طالب) أشهر مؤلفات الشيخ رشيد الدين أبي عبد الله محمد ابن علي بن شهر آشوب المازندراني المتوفى سنة 588، وهو كتاب جامع في تاريخ الرسول الكريم والسادة المعصومين عليهم السلام من ذريته، مع التطرق إلى مناقبهم وفضائلهم وخاصة ما ورد منها في أمهات كتب أهل السنة والمشهور من مؤلفاتهم، وإكثار النقل عن المصادر المختلفة لتثبيت الإمامة وتقديم أهل البيت على غيرهم والإحتجاج على من يخالف إمامتهم. يذكر المؤلف في مقدمته بتفصيل ما دعاه إلى جمع كتابه وتأليفه، ومختصر ما يقول: (وجدت جماعة يؤولون الأخبار المجمع عليها، وجماعة زادوا في الأخبار أو نقصوا منها، وجماعة نقولا مناقب أهل البيت إلى غيرهم، وجماعة يجرحون رواة المناقب ويطعنون في ألفاظها، وجماعة يذكرون أكثر المناقب فيقولون هذا إفك قديم وبهتان عظيم، وجماعة جعلت الأمة من آل محمد والصحابة من العترة والنساء من أهل البيت، وجماعة جاهروهم بالعداوة، ونسب جماعة إلى أن حروب علي عليه السلام كانت خطأ وأنه قتل المسلمين عمدا..). ورأى أنه (بقي علماء الشيعة في أمورهم تائهين، وعلى أنفسهم خائفين، وفي الزوايا منجحرين، بل حالهم كحال الأنبياء والمرسلين.. فعلى من يعتمدون وإلى رواية من يستندون ؟ لقد قل من يوثق به وعز من يؤخذ عنه). ثم يقول: (فنظرت بعين الإنصاف ورفضت مذهب التعصب في الخلاف، وكتبت على نفسي أن أميز الشبهة من الحجة والبدعة من السنة، وأفرق بين الصحيح والسقيم والحديث من القديم. وأعرف الحق من الباطل والمفضول من الفاضل، وأظهر ما كتموا وأجمع ما فرقوا، وأذكر ما أجمعوا عليه واختلفوا فيه

[ 8 ]

على ما أدته الرواية.. فاستصوبت من عيون كتب العامة والخاصة معا، لأنه إذا اتفق المتضادان في النقل على خبر فالخبر حاكم عليهما وشاهد للمحق في اعتقاده منهما، وإذا اعتقدت فرقة خلاف ما روت ودانت بضد ما نقلت وأخبرت فقد أخطأت.. فوقفت في جمع هذا الكتاب، وذلك بعد ما أذن لي جماعة من أهل العلم والديانة بالسماع والقراءة والمناولة والمكاتبة والإجازة، فصح لي الرواية عنهم..). جمع ابن شهر آشوب في كتابه (المناقب) بين الآيات والروايات وعيون الأشعار، لتكون الحجة أبلغ والدلالة أتم، وحذف أسانيد الأحاديث لئلا يزيد حجم الكتاب ولأنه ذكر شيوخه وأسانيده إلى الكتب وأصحابها في مقدمته، وعدل عن الإطالة والإكثار والإحتجاج من الظواهر والإستدلال على فحواها ومعناها لشهرة الروايات ووضوع معناها لدى المنصفين من أرباب المذاهب. والكتاب بمجموعه مؤلف ممتاز جمع فأوعى من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والأشعار الرائقة، وتوسع في حياة أبي الأئمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فجمع أكثر فضائله ومناقبه لتثبيت إمامته التي بها تدعم إمامة بقية الأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام، وهي الأساس الفارق بين الشيعة وبقية أرباب النحل من المسلمين. (2) يروي الشيخ أبو عبد الله الحسين بن جبر (وهو من أعلام القرن السابع كتاب (مناقب آل أبي طالب) عن شيخه نجيب الدين أبي الحسين علي بن فرج السوراوي (1)، وهو يرويه عن شيخه رشيد الدين أبي عبد الله ابن شهر آشوب المازندراني، فالواسطة بين ابن جبر وابن شهر آشوب شيخ واحد هو نجيب الدين ابن فرج. بهذه الرواية أصبحت لابن جبر صلة بالكتاب، تخول له انتخاب الجيد منه.


1. له ذكر في الثقات العيون ص 198 والأنوار الساطعة ص 108. (*)

[ 9 ]

فاختار منه المهم من الأحاديث والفضائل مع زيادات قليلة رآها لازمة وسمى الاختيار ب‍ (نخب المناقب لآل أبي طالب) (1)، وذلك بإشارة تاج الدين شمس المشرق أبي الحسين علي بن محمد بن الفضل العلوي الحسيني، والنسخ التي رأيتها بلغت إلى أحوال السيدة الزهراء عليها السلام ولا أعلم أن الانتخاب تم لكل الكتاب أو بقي إلى هذا المقدار (2). ليس لدينا معلومات كافية عن ابن جبر، إلا روايته عن ابن فرج وأنه قرأ عليه المناقب وعدة كتب أخرى فأجازه رواية ما قرأه عليه وسائر الكتب والمصنفات، وأن له كتاب (الاعتبار في بطلان الاختيار) ويعني به اختيار الأمة في تعيين الإمام (3). وهذه المعلومات الطفيفة تدل على أنه كان ذا فضل ودراية في علم الكلام والمسائل الإعتقادية. وصفه ميرزا عبد الله أفندي بالفضل والعلم والكمال والجلالة، وذكر بعض من يروي عن كتابه النخب (4). ووصفه السيد هاشم البحراني بقوله: الشيخ الجليل والعالم النبيل، شيخ الطائفة ورئيسها (5). نقل سبطة الشيخ زين الدين علي عن جده في مواضع كثيرة من كتابه (نهج الإيمان)، نقل عنه نقولا هي موجودة في المناقب أيضا، وقد روى بعض الأحاديث عن جده المذكور هنا عن جده الصحابي المشهور جابر بن عبد الله الأنصاري، ولا نعلم أنه أنصاري النسب أما أو أبا، وإذا كانت النسبة من جهة أمه فيكون صاحب النخب أنصاري النسب.


1. أنظر: الذريعة 24 / 88. 2. التراث العربي في مكتبة السيد المرعشي 5 / 354. 3. أنظر: الأنوار الساطعة في المائة السابعة ص 47. 4. رياض العلماء 2 / 39. (5) نفس المصدر والصفحة. (*)

[ 10 ]

(3) بين يدي القارئ الكريم كتاب (نهج الإيمان) للشيخ زين الدين علي بن جبر، وهو يجمع مناقب وفضائل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وهي الواردة في الآيات الكريمة وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع نماذج من شعر معاريف الشعراء القدامى الناظمين للفضائل المذكورة. جمعه المؤلف دعما لإثبات الإمامة بلا فصل والوصاية الخاصة، ولذا كانت أكثر المنقولات من صحاح أهل السنة ومسانيدهم والمعروف من كتبهم الحديثية والتاريخية. كتب الفضائل المؤلفة في أهل البيت عليهم السلام اكتفى مؤلفوها فيها بنقل الأحاديث والروايات الواردة فيهم، والكتب المؤلفة في الإمامة اهتمت على الأكثر بالأدلة الكلامية والعقلية. ويمتاز كتابنا هذا باستيعاب الموضوع باختصار من الجانبين، فبحث عن الإمامة وضرورتها وإمامة علي عليه السلام بلا فصل بالأدلة الكلامية في أول الكتاب، ثم أورد في فصوله الثمانية والأربعين جانبا كبيرا من الآيات والأحاديث الواردة في فضائل أهل البيت عامة ومناقب علي عليه السلام خاصة، وفي بعض الفصول ضمن إيراد الأحاديث وبمناسبة متونها تعرض لبعض ما قيل فيها أو يمكن أن يقال ومناقشتها بأدلة رصينة وبأسلوب عقلي. وبهذا جمع بين العقل والنقل وأشبع الكلام في الموضوع كما قلنا. يقول المؤلف في مقدمة كتابه ما مختصره: (وها أنا ذاكر في هذا الكتاب دلائل أمير المؤمنين ومناقبه قليلا من كثير وقطرة من بحر غزير، وأبين ذلك بيانا واضحا صريحا مكشوفا أشهر من الشمس وأظهر من الصبح، بالآيات الإلهية والأخبار النبوية الواردة من طريق الفرقة المحقة الإثني عشرية وطريق أصحاب المذاهب الأربعة، ليظهر الحق بقول الفريقين ويرتفع عنه الشك، وبالدلائل العقلية وهي أولى بالتقدم لأن السمع فرع على العقل). ثم يقول:

[ 11 ]

(وقد جمعت أخباره من مواضع متفرقة ومظان متباعدة ومذاهب مختلفة وآراء متشعبة، ربما بلغ عدد الكتب المنقول عنها والمشار إليها ألف كتاب أو يقاربها. فاتفقت في المعنى بعد أن كانت متباينة المغيى، وأزهر ربيعها بنواحي ربوعها، حتى نطقت ألسنة الحق بأندية المذاهب المختلفة، فصدق بعضها بعضا وشهد بعضها بصحة بعض). أقول: بدأ ابن جبر بتصنيف كتاب كبير في الإمامة والمناقب، ولكن عاقت - كما يقول - دون المضي في جمعه وترصيفه العوائق، فرأى أن الأخذ بالقليل خير من تمني الكثيرة، فاكتفى بالكتاب الماثل بين أيدي القراء، وقدمه إلى الصدر الكبير جمال الدين محمد بن محمود الرازي. يبدو من آخر نستختنا أنها الجزء الأول (النصف الأول) من الكتاب، وله جزء ثاني يشتمل على إبطال الحجج والشبه التي يزعمون أنها دالة على إمامة من تقدم على علي عليه السلام. إلا أن الذي رآه ميرزا عبد الله أفندي والشيخ آقا بزرك الطهراني هو هذا المقدار الذي بأيدينا ولا نعلم أن البقية كاملة التأليف ولم تصل إلينا أو لم يوفق المؤلف لإكمال العمل كما كان في نيته. (4) أما المؤلف الشيخ زين الدين علي بن يوسف بن جبر، فالمصادر شحيحة بترجمته ولم يذكر أرباب التراجم شيئا عن حياته يروي الغلة، وليس لدى المترجمين له إلا ما استفادوه من كتابه هذا (نهج الإيمان) (1)، وهو شئ ضئيل لا يلقى ضوء يمكن به معرفة الرجل ومراحل حياته الاجتماعية والعلمية. فهو أنصاري النسب أبا أو أما ينسب إلى الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو سبط أبي عبد الله الحسين بن جبر مؤلف كتاب (نخب المناقب). وصب في بعض المواضع ب‍ (الشيخ المولى العلامة، كشاف الحقائق ومبين


1. أنظر: رياض العلماء 4 / 291. الأنوار الساطعة ص 122. (*)

[ 12 ]

الدقائق، خاتمة المجتهدين وخلاصة الحكماء والمتكلمين، جامع المعقول والمنقول محقق الفروع والأصول، زين الملة والدين..) (1). وقراءة الكتاب نفسه تكشف لنا ثقافة مؤلفه العالية وتبحره في العلوم العقلية والنقلية، بالإضافة إلى مقامه الرفيع في الأدب العربي وقوة أسلوبه في الكتابة وتركيب الجمل وحسن انتخابه فيما ينتخب ووضع الأشياء في مواضعها المناسبة وذوقه المرهف في وضع المختار من الشعر في المكان اللائق به. فهو عربي الأسلوب علمي التعبير، ذو حنكة ودربة في طرح المسائل الكلامية واستخلاص العقائد الحقة منها وإفرازها عن العقائد المزيفة. ومع أنه يستقي في كتابه هذا أكثر المعلومات الحديثية من كتاب (مناقب آل أبي طالب) لابن شهر آشوب، إلا أن فصوله لا تخلو من طرائف بديعة واستنتاجات جيدة تلفت القارئ إلى الجديد من الاستدلال والجديد من الاستخلاص. اختلفت النقول في ضبط كنية المؤلف وجده هل هي (ابن جبر) بالجيم المعجمة، أو (ابن حبر) بالحاء المهملة المكسورة، أو (ابن جبير) بإضافة الياء، فقال الأفندي بهذا الصدد: ثم إن الموجود في أكثر المواضع (الحسين بن حبر) بالحاء المهملة المكسورة، وفي بعضها بالجيم المفتوحة ثم الباء الموحدة مكبرا، وأما علي بن يوسف بن جبير فهو بالجيم قطعا والباء الموحدة ثم الياء المثناة التحتانية مصغرا. فتأمل (2). وفي نسخة الكتاب الذي نحن الآن بصدد إخراجه (جبر) بالجيم المعجمة وبدون ياء في كل المواضع، ونحن اتبعنا النسخة وأثبتناه كما فيها.


1. رياض العلماء 4 / 291. 2. المصدر السابق 2 / 40. (*)

[ 13 ]

(5) النسخة المخطوطة التي كانت أساسا لإخراج الكتاب، هي المحفوظة في مكتبة الإمام الهادي عليه السلام في المشهد الرضوي برقم ()، وهي النسخة الوحيدة التي نعرفها في ايران، كتبها محمد بن عبد الله البحراني وأتم كتابتها في ضحى يوم السب 12 شهر رجب سنة 958. استنزف تحقيق الكتاب وقتا كثيرا وجهدا متعبا، فإن النسخة وحيدة - كما قلت - كثيرة الأخطاء، كاتبها لا يعرف العربية ولا يتقيد بالتنقيط الصحيح وحفظ الرسم، فاختلط التذكير بالتأنيث والحاضر بالغائب والضمائر المفردة بالجموع، لم يميز في كثير من المواضع بين الشعر والنثر. كان علينا أن ندقق في التعابير ونصلح ما أخطأ الكاتب فيها، وكذلك فعلنا فيما تيقنا بخطئه ولم نجد وجها صحيحا لكتابته، وأغفلنا في التعليق أكثر ما قومناه من الجمل والألفاظ لئلا نزيد في حجم الكتاب فيما لا طائل تحته. ويجب أن ننبه القارئ إلى بعض مواضع لم نهتد إلى وجه الصحة فيها فأبقيناها كما هي مع التنبيه عليها، ونحن ننتظر الحصول على نسخة أخرى تعين على كشف ما أبهم علينا أو يتولى التحقيق من جديد محققون آخرون تعينهم خبرتهم العملية على إخراج الكتاب بشكل أليق، ويكون دورنا دور ناسخ استراح المحققون عن مشقة استنساخ الكتاب من جديد. أما الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والأبيات الشعرية فاستخرجناها على القرآن الكريم وكتب الحديث والتاريخ والدواوين وسائر المصادر، إلا أحاديث وأبيات قليلة بقيت غير مستخرجة لعدم توفر الكتب اللازمة لإتمام العمل كما ينبغي. وقد شكلنا الآيات كاملة، والألفاظ اللغوية. التي ربما تستصعب على القارئ فشكلنا الضروري منها مع الالماع إلى معاني لغاتها في التعاليق، وبهذا سهلنا على القارئ القراءة الصحيحة وفهم المعنى بأيسر ما يمكن. وألفت نظر القراء الكرام إلى أنني - بعون الله تعالى وتوفيقه - سأتوفر على

[ 14 ]

إخراج الكتاب مرة أخرى بتحقيق جديد ودقة في النصوص وتخريج ما لم يستخرج منها في هذه الطبعة. وإني أطلب - شاكرا سلفا - من المعنيين بتراث أهل البيت عليهم السلام أن يسعفوني بملاحظاتهم لتقويم الكتاب وتلافي الأخطاء التي فاتني تصحيحها. وختاما أقدم شكري وثنائي للسيد الأجل العلامة الآية السيد محمد حسين المصباح الذي شاء أن يفتتح مطبوعات مكتبة الإمام الهادي (ع) بهذا الكتاب الولائي، والمكتبة بعض أقسام مؤسسته الكبيرة المفيد العامرة (مجتمع امام هادى عليه السلام)، وأسأل الله عز شأنه أن يتقبل منا ومنه هذه الأعمال ويوفقنا دائما لخدمة الدين الحنيف وإخواننا المؤمنين. والسلام عليه وعلى عباد الله الصالحين. قم 20 شوال 1418 ه‍ السيد أحمد الحسيني

[ 15 ]

(الصفحة الاولى من المخطوطة)

[ 16 ]

(الصفحة الاخيرة من المخطوطة)

[ 17 ]

كتاب نهج الايمان مصنف الكتاب السيد الجليل ينقل عن جده أبي عبد الله الحسين بن جبر رحمه الله كذا وجد

[ 19 ]

بسم الله الرحمن وبه نستعين الحمد لله المحمود على الآلاء (1)، الواسع العطاء، المشكور بفضله على جميع [ أهل ] (2) الأرض والسماء، الذي عرقت (3) في مطالعة فيض نور كبريائه أنظار الأولياء وتحير في القليل من مبتدعات مخلوقاته أفكار الحكماء، وظهر فيها آيات بينات لوحدانيته تعقلها قلوب العلماء، ونطق لبيانها بعجيب الأدلة القاهرة فسمع دعاءه آذان الفضلاء. حمدا جسيما عظيما يعجز عن وصفه لسان أهل الحمد والثناء، لأنه لا حمد إلا دون حقه، ولا مدح إلا دون كرمه، ولا عدد إلا دون إحسانه، ولا مدد إلا دون سلطانه. وأشرف التحيات وأفضل الصلوات على خاتم الأنبياء، وسيد الأصفياء، وخلاصة الأولياء، ومشكاة الضياء، المختار من الذروة العلياء (4)،


1. الآلاء: النعم والعطايا، جمع ألى بالفتح وإلي وإلى. 2. الزيادة من الإكمال الجملة. 3. كذا باهمال العين، وهو بمعنى التكلف والتجشم. ويمكن أن تكون الكلمة (غرقت) بالغين المعجمة. 4. الذروة بضم الذال وكسرها: العلو والمكان المرتفع، أعلى الشئ.

[ 20 ]

وسرة البطحاء (1)، الهادي في الظلمة الطخياء (2)، محمد وآله النجباء، البدور الخلفاء. وبعد: فإني عزمت على تصنيف كتاب كبير بسيط في الإمامة والمناقب يكون هذا الكتاب كالجزء منه أو كالمدخل إليه، فعاقت دونه العوائق من محاجزة الإيام (3) ومماطلة الأزمان، فرأيت أن الأخذ في القليل خير من تمني الكثير، فإن أمهل الله الكريم أستأنف الكلام المشبع في المستقبل إنشاء الله تعالى. وها أنا ذاكر في هذا الكتاب من دلائل أمير المؤمنين علي بن أبى طالب صلوات الله عليه ومناقبه قليلا من كثير وقطرة من بحر غزير، لأن دلائله ومناقبه وفضائله وسوابقه يعجز عن حصرها باع الإحصاء لأنه سيد الأوصياء، وبعد النبي صلى الله عليه وآله أجل من فوق رقعة الغبراء (4)، أبو الأئمة الكرماء، العالم الرباني، الذي أعطته الحكمة مقاليدها (5)، وخلعت عليه صور الكمالات جدودها (6).


1 - البطحاء: مسيل واسع فيه رمل ودقاق الحصى. وبطحاء مكة معروف، وسرته وسطه وأصله، كأنه يريد أنه (ص) هو موضع شرف مكة التي هي أشرف بقاع الأرض. 2. الطخياء: الظلمة. الظلمة الطخياء: الظلمة الشديدة السواد. 3. يريد الحواجز التي يتبع بعضها بعضا بمشاكل أيام الحياة. 4. الغبراء: الأرض، مؤنث الأغبر، وهو ما لونه الغبرة. 5. جمع المقلد: المفتاح. 6. لعل الصحيح (جددها) وهي الجديدة. (*)

[ 21 ]

فهو معدن الحكمة وينبوعها، الصادر عن أنفاسه الطاهرة وعلومه القاهرة الباهرة. كلام [... ] (1) وعبقة نبوية (2). فمثل كلامه عليه السلام مستحيل أن يطرق المسامع، والدهر بإيجاده لغيره عقيم غير طائع. فهو الواجب التقدم بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، بالنظر الصحيح والدليل الريح (3). وأبين ذلك بيانا واضحا صحيحا مكشوفا أشهر من الشمس وأوضح من الصبح، بالآيات الإلهية والأخبار النبوية الواردة من طريق الفرقة المحقة الإثني عشرية وطريق أصحاب المذاهب الأربعة، ليظهر الحق بقول الفريقين ومن كلي الطريقين ويرتفع عنه الشك، حيث هو مستنبط (4) من القرآن العظيم وكلام الرسول الكريم وبالدلائل العقلية، وهي أولى بالتقدم، لأن السمع فرع على العقل، وسأذكر ذلك على ما يقتضيه الحال إنشاء الله تعالى. وقد جمعت أخباره من مواضع متفرقة ومظان متباعدة ومذاهب مختلفة وآراء متشعبة، ربما بلغ عدد الكتب المنقول منها والمشار إليها ألف كتاب أو يقاربها.


1. بياض في النسخة. 2. العبق: الذي تفوح منه رائحة الطيب، وعبقة نبوية أي نفحة من النفحات النبوية الطيبة. 3 - الأدلة العقلية والنقلية أطبقت على أن عليا امير المؤمنين عليه السلام مقدم بعد النبي صلى الله عليه وآله على غيره من المسلمين، فهو في جهاده بمحضر النبي الكريم وتفانيه في صدر الاسلام وفي علمه وتقاه مقدم باتفاق الأئمة على سائر الصحابة وعظماء أوائل المسلمين. 4 - أي تقدم علي عليه السلام على غيره. (*)

[ 22 ]

فاتفقت في المعنى بعد أن كانت متباينة المغيى (1)، وأزهر ربيعها بنواحي ربوعها (2)، فكأن ناظرها ينظر في جنة قد اغدودق ماؤها وأينعت ثمارها (3)، أو يطالع خزانة في الكتب مختلفة أجناسها. [... ] (4) بألفاظ تنبه على المقاصد وترشد إلى الدلائل، حتى نطقت ألسنة الحق بأندية المذاهب المختلفة، فصدق بعضها بعضا وشهد بعضها بصحة بعض، وما دق على رؤوس الأشهاد. هلموا - رحمكم الله - إلى ما ظهر سبيله [... ] (5). وسميته ب‍ (نهج الإيمان) حيث كان إليه (6) قائدا وعليه هاديا، بعد الإعتراف بقلة البضاعة وعدم [ الاستطاعة، فرب ] (7) حامل فقه إلى من هو أفقه منه. وقد تسجع الورقاء وهي حمامة * وقد تنطر الأوتار وهي جماد (8) وحيث كان المولى الصاحب الصدر الكبير المعظم ذو الأخلاق الجميلة


1. لا تقرأ الكلمة واضحة، ولعلة يقصد أن الآيات والأحاديث اتفقت في المعنى والمقصود بعد أن وردت في مواضع ومناسبات شتى. 2. الربوع جمع الربع: الدار. 3. اغدودق الماء: كثر وعذب: أينع الثمر: أدرك وطاب وحان قطافة. 4. بياض في الأصل. 5. بياض في الأصل. 6. يريد: كان الكتاب الى الايمان قائدا... 7. بياض في النسخة وزيادة منا لإكمال الكلام. 8. سجع الخطيب: نطق بكلام مقفى له فواصل، وسجعت الحمامة: حدرت ورددت صوتها. الورقاء: الحمامة التي يضرب لونها إلى الخضرة. تنطر لعل الصحيح (تنتر) بمعنى تجهر بصوتها وألحانها. (*)

[ 23 ]

والبهجة الحميدة والغرة الرشيدة شرف الإسلام والمسلمين جمال الدين (محمد بن محمود الرازي) أدام الله في عز الدين والدنيا مدته وأطال بالتأييد نصره وقدرته وحرس من الغير مهجته، من رؤساء الملة ونبلاء الإمامية، محبا للعلوم راغبا في انتشارها، أهديت هذا الكتاب لخزانته ليكثر له وللمؤمنين به النفع إنشاء الله. وها أنا أسمل من الناظر (1) أثواب صفحه وجلابيب عفوه. مستمدا من الله تعالى المعونة والتوفيق، عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون. فصل [ تعريف المؤلف بكتابه ] أسوقه إلى فضل هذا الكتاب ليحصل العلم بعظيم فضله وثوابه وجسيم أجره وحسن مآبه. معلوم أن علم الإمامة علم شريف جليل، وهو من الواجبات المهمات، فلا يقبل عمل ممن لا يعرف إمام زمانه، وقد ازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع، ولم يستبد بالمعقول دون المنقول، وقد أخذ من صفوهما واغترف من بحرهما، واجتنى الثمرة من أغصانهما. وهذا كتاب سمط (2) قد حوى أربعة دلائل (3): إما دلالة على امامة إمام حق وصدق، أو ذكر منقبة أو فضيلة له، أو نقض حجة وشبهة يعتقد بها إمامة


1. أسمل: أطلب الإصلاح، يعني أطلب الإصلاح بإسدال أثواب الصفح على ما أخطأت فيه. 2. سمط: منقى مصفوف. 3. في المخطوطة (دلدال) وهو خطأ واضح. (*)

[ 24 ]

من عداه أو كلام يكون تمهيدا وسببا ووسيلة إلى أحدهم. فما بين دفتي (1) هذا الكتاب لا يخرج عن هذه الدالي الأربعة، والدلالة والنقض أفضل من المناقب، لأنهما أصلان والمنقبة فرع، وذكر المناقب عبادة، وهي أيضا دالة على إخلاص المحبة، ومن أخلص في محبته غنم أجره، واختص بأوصاف أوردها. روى الفريقان (2) المختلفان والرهطان المتباينان أن ذكر أمير المؤمنين علي بن أبى طالب عليه السلام عبادة (3)، روى ذلك كثير من الأصحاب: منهم الشيخ الجليل محمد بن علي (4) بن الحسين بن شاذان رحمه الله تعالى في آخر باب من كتابه (كتاب المناقب)، روى حديثا مسندا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ذكر علي بن أبي طالب عبادة (5). روى الخطيب الخوارزمي في كتابه (كتاب الأربعين) (6) في الفصل


1. دفتا الكتاب: جنباه، ما احتواه الجلد من أوله إلى آخره. 2. في المخطوطة (روى أن الفريقان) وهو خطأ ظاهر. 3. روي من طريق أهل السنة في: الفتح الكبير 2 / 120، البداية والنهاية 7 / 357، الجامع الصغير 1 / 583، المناقب لابن المغازلي ص 206، المناقب للخوارزمي ص 362، فرائد السمطين 2 / 68. ومن طريق الشيعة في: الأمالي للصدوق ص 119، مائة منقبة لابن شاذان ص 136، بحار الأنوار 38 / 197، و 199. مع اختلاف يسير في هذه المصادر في اللفظ أو السند. 4. يختصر المؤلف في هذا الاسم عند ذكره في مختلف المواضع من كتابه، والصحيح (محمد بن أحمد بن علي). 5. مائة منقبة ص 136. 6. هو المعروف بالمناقب وسماه المؤلف هكذا، ولعل الكتاب كان في أربعين فصلا وصلا إلينا في النسخة الموجودة سبعة وعشرون فصلا. (*)

[ 25 ]

الثالث والعشرين حديثا مسندا إلى عائشة قالت: قال رسول الله (ص): ذكر علي بن أبى طالب عبادة (1). وروى الخوارزمي في أول كتابه المقدم ذكره بروايته عن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله تعالى جعل لأخي علي بن أبي طالب فضائل لا تحصى عددها كثرة (2)، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر [ ولو وافى القيامة بذنوب الثقلين ] (3)، ومن كتب فضيلة من فضائل علي لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لذلك الكتابة رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له ما الذنوب التي اكتسبها بالنظر (4) وهذا الحديث بعينه رواه جماعة كثيرة من الأصحاب. وروى الشيخ الجليل محمد بن علي بن الحسين بن شاذان في كتابه (كتاب المناقب المائة) في المنقبه السابعة والثلاثين حديثا مسندا عن عبد الله بن عمر قال: سألت (5) رسول الله صلى الله عليه وآله عن علي بن أبى طالب، فغضب وقال: ما بال أقوام يذكرون من له عند الله منزلة [ كمنزلتي ] ومقام كمقامي إلا النبوة، ألا من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني رضي الله عنه، [ ومن رضي الله عنه ] كافأه بالجنة. [ ألا ومن أحب عليا استغفرت


1. المناقب للخوارزمي ص 362. 2. في المصدر: لا تحصى كثرة. 3. هذه الجملة ليست في المصدر. 4. المناقب للخوارزمي ص 32 مع اختلاف في بعض الألفاظ. وانظر أيضا امالي الصدوق ص 119. 5. في المصدر: سألنا. (*)

[ 26 ]

له الملائكة، وفتحت له أبواب الجنة ] يدخل من أي باب شاء بغير حساب. ألا من أحب عليا أعطاه الله كتابه بيمينه وحاسبه حسابا يسيرا إلى حساب الأنبياء. ألا ومن أحب عليا لم يخرج من الدنيا حتى يشرب من الكوثر، ويأكل من [ شجرة ] طوبى، ويرى مكانه في الجنة. ألا ومن أحب عليا هون الله عليه سكرات الموت، وجعل قبره روضة من رياض الجنة. [ ألا ] ومن أحب عليا أعطاه الله [ في الجنة ] بكل عرق في بدنه حوراء، وشفعه في مائتين (1) من أهل بيته، وله بكل شعرة في بدنه مدينة في الجنان. ألا ومن عرف عليا وأحبه بعث الله إليه ملك الموت كما يبعثه إلى الأنبياء، ورفع الله عنه أهوال منكر ونكير، ونور قبره وفسحه مسيرة سبعين عاما، وبيض وجهه يوم القيامة. ألا ومن صاحب عليا (2) أظله الله في ظل عرشه مع الصديقين والهشداء والصالحين، وآمنه يوم الفزع الأكبر والأهوال الصاخة (3). ألا ومن أحب عليا تقبل الله منه حسناته، وتجاوز عن سيئاته، وكان في الجنة رفيق حمزة سيد الشهداء. [ ألا ومن أحب عليا ضحك الله إليه، ومن يضحك الله إليه نجاه من النار. ألا ومن أحب عليا اثبت الله الحكمة في قلبه، وأجرى على لسانه بالصواب، وفتح الله له أبواب الجنة ] (4) ألا ومن أحب عليا سمي أسير الله في الأرض، وباهى الله به ملائكة


1. في المصدر: في ثمانين. 2. في المصدر: ألا ومن أحب عليا. 3. في المصدر: وآمنه من الفزع الأكبر وأهوال يوم الصاخة. ويوم الصاخة: يوم القيامة كما في قوله تعالى * (فإذا جاءت الصاخة) * [ عبس: 33 ]، فانها تصخ الأسماع، أي تقرعها وتصمها. أنظر: مجمع البحرين (صخخ). 4. هذه الزيادة ليست في المصدر. (*)

[ 27 ]

السماوات (1) وحملة العرش. ألا ومن أحب عليا ناداه ملك من تحت العرش: أن (2) يا عبد الله استأنف العمل فقد غفر الله [ لك ] الذنوب كلها. [ ألا ومن أحب عليا جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ]. ألا ومن أحب عليا وضع الله على رأسه تاج الكرامة، وألبسه حلة العز. ألا ومن أحب عليا مر على الصراط كبرق خاطب (3) ولم ير صعوبة المرور. [ ألا ومن أحب عليا كتب الله له براءة من النار، وبراءة من النفاق، وجوازا على الصراط، وأمانا من العذاب ]. ألا ومن أحب عليا لا ينشر له ديوان، ولا ينصب له ميزان، وقيل له: أدخل الجنة بغير حساب. ألا ومن أحب عليا (4) أمن من الحساب ومن الصراط (5). ألا ومن أحب عليا وبات على حبه صافحته الملائكة (6)، وزارته أرواح الأنبياء، وقضى الله له كل حاجة كانت له عند الله عز وجل. ألا (7) ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة (8). وروى في كتابه المقدم ذكره في المنقبة الحادية والأربعين حديثا مسندا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله


1. في المصدر: ملائكته. 2. ليس في المصدر: أن. 3. في المصدر: كالبرق الخاطف. 4. في المصدر: ألا ومن أحب آل محمد. 5. في المصدر: والميزان والصراط. 6. في المصدر: ألا ومن مات على حب آل محمد صافحته الملائكة. 7. هذه القطعة ليست في المصدر. 8. مائة منقبة ص 64 - 66 والزيادات منه. (*)

[ 28 ]

يقول: معاشر المسلمين اعملوا أن لله بابا (1) من دخله أمن من النار ومن الفزع الأكبر فقام إليه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: يا رسول الله إهدنا إلى هذا الباب حتى نعرفه. قال: هو علي بن أبى طالب سيد الوصيين وأمير المؤمنين وأخو رسول الله (2) وخليفته (3) على الناس أجمعين. معاشر الناس من أحب أن يتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليتمسك بعلي بن أبى طالب عليه السلام، فإن ولايته ولايتي وطاعته طاعتي. معاشر الناس من أحب أن يعرف الحجة بعدي فليعرف علي بن أبى طالب. معاشر الناس من يتوالى ولاية (4) فليقتد بعلي بن أبى طالب بعدي والأئمة من ذريته، فإنهم خزان علمي. فقام جابر بن عبد الله الأنصاري وقال: يا رسول الله وما عدتهم (5) ؟ فقال: يا جابر سألتنى رحمك الله عن الإسلام بأجمعه، عدتهم عدة الشهور، وهي عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض (6)،


1. في بعض نسخ المصدر: اعلموا أن الله تعالى جعل لكم بابا. 2. في المصدر: وأخو رسول رب العالمين. 3. في بعض نسخ المصدر: وخليفة الله. 4. في المصدر: من أراد أن يتولى الله ورسوله. 5. في المصدر: فقال... وما عدة الأئمة ويريد: عدد الأئمة عليهم السلام. 6. في المصدر هكذا: وعدتهم عدة العيون التي انفجرت لموسى بن عمران عليه السلام حين ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وعدتهم عدة نقباء بني اسرائيل قال الله تعالى * (وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا) * [ المائدة: 12 ]، الأئمة يا جبر اثنا عشر اماما. أولهم علي بن أبى طالب وآخرهم القائم المهدي صلوات الله عليهم أجمعين. (*)

[ 29 ]

وعدتهم عدة نقباء بنى اسرائيل، وبعث الله منهم اثني عشر نقيبا، أولهم علي وآخرهم القائم عليه السلام (1). وروى في كتابه المقدم ذكره بالمنقبة الثمانين حديثا مسندا عن عثمان بن عفان قال: سمعت عمر بن الخطاب قال: سمعت أبا بكر [ بن أبى قحافة ] يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله [ تبارك و ] تعالى خلق من نور [ وجه ] علي بن أبى طالب ملائكة يسبحون الله تعالى ويقدسونه (2) ويكتبون ثواب ذلك لمحبيه ومحبى ولده صلوات الله عليهم (3). وروى في كتابه المقدم ذكره في المنقبة الخامسة والتسعين حديثا مسندا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: [ من أحب عليا عليه السلام قبل الله منه صلاته وصيامه وقيامة واستجاب دعاءه، ألا و ] من أحب عليا أعطاه الله بكل عرق في بدنه مدينة في الجنة، ألا ومن أحب عليا (4) أمن من الحساب والميزان والصراط، ألا ومن أحب عليا وآل محمد أنا (5) كفيله بالجنة معا لأنبياء، ألا ومن أبغض عليا (6) جاء يوم القيامة مكتوب بينه عينيه: آيس من رحمة الله (7).


1. مائة منقبة ص 71. 2. في المصدر: يسبحون ويقدسون. 3. مائة منقبة ص 148 والزيادات منه. 4. في المصدر: ألا ومن أحب آل محمد. 5. في المصدر: ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا. 6. في المصدر: ألا ومن أبغض آل محمد. 7. مائة منقبة ص 107. والزيادة منه. (*)

[ 30 ]

فصل [ مؤهلات الناظر في الإمامة ] ينبغي أن يعلم الناظر أولا أن لكل مسألة موضعا مخصوصا من العلم الذي هو جزء منه، لا يقدم عليه ولا يؤخر عنه. وهذا العلم بالإمامة إنما هو مبني على الأصول الثلاثة، وهي (1) التوحيد والعدل والنبوة. وموضع هذا العلم أن يكون رابعا لهذه الأصول المذكورة. فعلى الناس في هذا العلم أن يسلم المبادئ التي عليها بناء الإمامة ولا يعترض عليها بها، فإن خالجه شك أو وهم فليرجع إلى الكتب المخصوصة بتلك العلوم الشريفة، ففيها ما يشفي الغليل وينقع الصدي (2)، ويؤخر النظر في الإمامة إلى إتقان المبادئ التي هي الأصول لهذا العلم. ألم تر أن الباحث عن قدرة الله تعالى لا يتكلم في حدوث الأجسام بل يكون ذلك عنده معلوما. وكذا هذا العلم مبني على تلك الأصول الصحيحة، فيسلم أن العالم محدث والله تعالى محدثه من غير أصول قديمة ولا ثابتة في العدم بل كانت منتفية على كل حال. وأنه تعالى واجب الوجود لذاته أزلا وأبدا، وأنه تعالى واحد فرد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، قادر على جميع المقدورات لا يعجزه شئ منها، عالم بجميع المعلومات لا يشتبه عليه شئ فيها، بصير بالمدركات، مريد للطاعة كاره للمعصية، حي موجود، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، ويسبح كل محدث له عظيم


1. في المخطوطة: وهو. 2. ينقع: يروى. الصدي: العطش الشديد. (*)

[ 31 ]

عزته، ويقدس علو صمديته، ويدل على جلال أحديته ودوام سر مديته وكمال قدرته، ويعتقد عدله في قضيته، لا يخل بواجب ولا يفعل قبيحا، لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وأزاح عللهم، وبعث إليهم الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، بل تكون له الحجة البالغة على خلقه. وختم برسول محمد صلى الله عليه وآله الأنبياء، وأنه رسول صدق أمين معصوم، قائل بالصدق حامل لأعباء الرسالة. وأن شرعه ناسخ لما قبله، مؤبد إلى يوم الدين. إلى غير ذلك من الأصول التي يجب العلم بها على كل مكلف. فهذا ما يجب عليه علمه أولا على سبيل الجملة، لأن الأمة من أهل الحق مجتمعة والإتفاق منعقد على أن الإخلال بمعرفة الله تعالى وتوحيده والإخلال بمعرفة رسله وحججه عليهم السلام كفر محض. ولا فرق بين الإخلال بهذه المعارف وبين الشك فيها أو اعتقاد ما يقدح فيها، لأن الإخلال بالواجب يعم الكل. وإذا كان الجهل بهذه المعارف كفرا فالعلم بها - لوجوبه أو لوجه وجوبه - هو الإيمان. والإخلال بالامامة وشروطها يعود بالنقض على أدلة التوحيد والعدل من وجهين: (أحدهما) أن الإمامة لطف في التكاليف العقلية التي يجب فعلها إقداما أو تركها إحجاما، فمتى لم يعرف المكلف الإمامة بشروطها مع ما تقرر في عقله من كونها لطفا، أداه ذلك إلى الشك في عدل الله سبحانه وتعالى، وأنه ممن يجوز أن يخل بشرائط التكليف ولا يزيح علة المكلفين فيما كلفهم.

[ 32 ]

وهذا هو الكفر بالله تعالى. (والوجه الثاني) أنه قد تقرر في الشريعة أفعال هي ألطاف للمكلفين إلى يوم القيامة. فمتى لم يعلم المكلف أن لها حافظا من قبل الله تعالى معصوما لا يجوز عليه الخطأ، لم يبق له وثوق بالشرع ولم يأمن من أن يضل عن اللطف، فيؤدي ذلك إلى القدح في العدل. فإذن لابد من المعرفة بالإمامة وشروطها. والخلق الكثير والجم الغفير - مع اتفاقهم على وجوب الإمامة - قد اختلفوا في وجه وجوبها، وفي شروطها، وفي طريق ثبوتها، وفي أعيان الأئمة. فيكون الكلام في هذا الكتاب في مقدمة وفصول: فالمقدمة مشتملة على وجوب الإمامة ووجوب عصمة الإمام من غير تعين زيد أو عمرو. والفصول تشتمل على أن علي بن أبى طالب عليه السلام هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، وأنه معصوم منصوص عليه من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله (ص)، وأن الأئمة المعصومين الأحد عشر من ذريته عليهم السلام، وأن أبا بكر والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ليس لهم في الإمامة مراح ولا مغدى (1)، وأن بعدهما عنها مثل بعد المشرقين.


1 - مراح بالفتح: الموضع الذي يروح منه القوم أو يروحون إليه، كالمغدى من الغداة. أي ليس لهم في الإمامة موضع يستقرون به، لأنه لا نصيب لهم فيها. انظر: لسان العرب (روح).

[ 33 ]

ذكر المقدمة: فصل (في ذكر وجوب الإمامة وبيان حقيقتها) الإمامة لها حقيقة في اللغة، وهي التقدم. والايتمام: هو الاقتداء، ومعناه الإتباع (1). والإمامة غير الإمام (2)، والإمام هو المتبع، ولهذا يسمون من يصلي بالناس (إماما) لتقدمه عليهم واقتدائهم به. وأما عند المتكلمين: فهي رئاسة دينية مشتملة على ترغيب عموم الناس في حفظ مصالحهم الدينية والدنياوية وزجرهم عما يضرهم بحسبهما. وقال آخرون: الإمامة رئاسة عامة لشخص من الأشخاص بحق الأصالة لا نيابة عن غير هو في دار التكليف. واحترزوا بقولهم (لشخص) من الأمراء والقضاة، وبقولهم (بحق الأصالة) ممن استخلفه الإمام نائبا عنه، وبقولهم (لا نيابة عن غير هو في


1. قال ابن فارس: وأما الهمزة والميم فأصل واحد، يتفرع منه أربعة أبواب، وهي الأصل والمرجع والجماعة والدين. وهذه الأربعة متقاربة. معججم مقاييس اللغة (أم). 2. فان الإمامة هي المنصب، والإمام القائم بالمنصب. (*)

[ 34 ]

دار التكليف) احترازا من نص النبي أو الإمام على إمام بعده، فإنه لا يثبت رئاسة مع وجود الناص عليه. وعلى هذا القول يكون كل نبي إماما ولا ينعكس، فيقع التفاوت بينهم تفاوت العام والخاص. وأما الإمام: فهو الإنسان الذي له الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا بحق الأصالة في دار التكليف. واختلف الناس في الإمامة على أربعة أقوال: منهم: من لم يوجبها أصلا، وهم الخوارج والأصم من المعتزلة. وحجتهم في ذلك أن قالوا: يجوز أن يتناصف الناس [ بينهم ] (1) ولا يحتاجون إلى إمام. وهذا القول باطل، من حيث أنه تقدير لأمر لم يحصل، لأن التناصف غير حاصل بين الناس على مرور الأوقات. ولو قيل لهم: في أي وقت حصل التناصف بين الناس ؟ ما أمكنهم الإشارة إلى وقت قط، فعلم بطلان ذلك. وربما قالوا: ليس لها وجه وجوب في العقل، وإذا لم يكن لها وجه وجوب فيه لم يجب. قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن ما ليس له وجه وجوب في العقل فليس بواجب، لأنه إذا لم يكن له جهة وجوب لم يكن بأن يجب أولى من [ أن ] لا يجب وبالعكس، واعتلوا لنفي هذا القول. وقولهم (ليس لها وجه وجوب في العقل) باطل بما يذهب إليه الإمامية وغيرهم. ومنهم: من يوجبها سمعا، مثل أبى هاشم وأبى علي ومن وافقهما.


1. زيادة منا لاستقامة الكلام. (*)

[ 35 ]

وحجتهم أن الرئاسة لا تجب قبل ورود الشرع، وإنما تجب من حيث الشرع لإقامة الحدود، كالجرم للزاني والقطع للسارق والحد للمفتري، إلى غير ذلك. وليس لأحد من الأمة أن يقيم هذه الحدود وإنما يقيمها الإمام، من غير خلاف بين الأمة، فعند ذلك تجب الرئاسة. ويستدلون على وجوبها بالآيات والأخبار. ومنهم: من أوجبها عقلا لدفع الضرر، وأوجب نصب الإمام على المكلفين بهذا الإعتبار، وهم النظام والخياط وأبو الحسن البصري ومن وافقهم. ومنهم: من أوجبها عقلا وسمعا، لكونها لطفا في أداء الواجبات واجتناب المقبحات، وأوجب نصب الإمام على الله سبحانه وتعالى، وهم الإمامية الإثنا عشرية. وهذا هو المذهب الصحيح على ما يأتي بيانه إنشاء الله تعالى. فقد بان على هذه الأقوال الأربعة أن علم الإمام (1) قد ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، ولم يستند بالمنقول دون المعقول، وقد أخذ من صفوهما واغتر ف من بحرهما واجتنى الثمرة من أغصانهما، فهو لأجل ذلك من أشرف العلوم وأجلها.


1. يريد علم معرفة الإمام. (*)

[ 36 ]

فصل (في ذكر وجوب نصب الإمام على الله سبحانه وتعالى) الدليل على وجوب نصب الإمام على الله تعالى هو: أن العادة جارية في جميع الأزمنة أن الناس متى كان لهم رئيس يرجعون إليه في تدبير أمورهم ويفزعون إليه عند اختلاف أحوالهم، مهيب ذو قوة يردع الناس (1) وينصف المظلوم من الظالم، يؤدب الجناة ويقم العصاة ويقمع الغواة ويضع الأشياء مواضعها، كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد ويكثر الصلاح ويقل الفساد، ومتى خلوا من رئيس موصوف بما ذكر إنعكس الأمر فيما بينهم [... ]، فهو واجب على الله سبحانه وتعالى [... ] (2) تحققها، والدافع لهم جاحد للضروريات. وقد ضربوا لذلك الأمثال وأنشدوا فيه الأشعار، فمن أمثالهم: مثل الملك والدين مثل الروح والجسد، فلا انتفاع بروح من غير جسد ولا بجسد من غير روح. وقالوا: إن الملك والدين أخوان توأمان لا قوام لأحدهما إلا بالآخر. ومن أشعارهم في المعنى ما ذكروه عن الأفوه الأودي (3) - قالوا: وكان من حكماء العرب: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا إذا تولى سراة القوم أمرهم * نمى على ذلك أمر الناس فازدادوا


1. المخطوطة (يروع الناس) ولا نراه صحيحا. 2. بياضات في المخطوطة. 3. في المخطوطة (الأزدي) وهو خطأ. (*)

[ 37 ]

تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت * فإن تولت فبالأشرار تنقاد (1) وقال النابغة: فلا خير في حلم إذا لم تكن له * موانع تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أو ورد القوم أصدرا (2) وقال آخر: * تهدى الرعية ما استقام الرئيس * فما يكون عليه الحكماء والعقلاء والشعراء لم يمكن إنكاره ولا يجوز إبطاله. وأما الثانية - وهي أن اللطف واجب على الله تعالى - من حيث الحكمة وعدله يقتضي ذلك، ولا يماري في ذلك من يقول بالعدل. ولأن اللطف أيضا لطفان: لطف يؤدي تركه إلى فساد، وذلك يجب فعله على الله تعالى كنصب النبي أو الإمام للخلق يهتدون به. ولطف لا يؤدي تركه إلى فساد، كترك زيد أن يدخله الله الجنة تفضلا منه وتلطفا بزيد. فإن قيل: لا نسلم أن الإمامة لطف في أمور الدين، وكونها لطفا فيها غير معلوم، غاية ما يعلم حصول المضار الدنيوية بفواتها، ودفع المضار الدنيوية غير واجب على الله تعالى، مع تمكنة المكلف من الإحتراز منها وإرشاده إليها.


1. ورد البيت الأول من هذه الأبيات وبيتان غير ما هنا في العقد الفريد 1 / 9 و 5 / 308. 2. العقد الفريد 5 / 276 وفيه (فلا خير) و (بوادر تحمى) و (أورد الأمر أصدرا). وجاء البيت الأول أيضا في 1 / 95 و 2 / 52. (*)

[ 38 ]

فالجواب: هذا جحد للمعلوم لا [... ] (1) العادات وارتفاع العصمة عن الأمة بوقوع المباغتة على ترك العادات الشاقة، ويجزم أن مع وجود الإمام تكون الأمة إلى زوال ذلك أقرب. ولا معنى للألطاف الدينية إلا ما يكون المكلف معها أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية، وجحد ذلك عين السفسطة. فإن قيل: وإذا كانت الإمامة لطفا فلا يجب فعله على الله تعالى إلا إذا خلا من وجوه المفاسد. فالجواب: جميع وجوه المفسدة مرتفع ههنا جزما وحتما، لأن صدرو المفسدة المفروضة مستحيل في حق الله تعالى، لأنه لا يفعل قبيحا، لكونه عالما بقبحه وغنيا عنه، وكل من كان كذلك لا يفعل قبيحا على القول بالتحسين والتقبيح. ولأن القبيح صفة نقص، والنقص محال على الله تعالى. وكذا في حق الإمام لكونه معصوما، ويأتى بيان عصمته إنشاء الله. وإن وجبت من المكلفين اختيارا لم يمنع وجوب الإمامة على الله تعالى، كما لم يمنع ذلك وجوب كثير من الواجبات بتقدير وقوع مفسدة من العبد. فان قيل: المفسدة ملازمة للإمامة من حيث هي. فالجواب: يلزم منه محذوران: أحدهما استحالة تصور وجود الإمامة منفكة عن تلك المفسدة تحقيقا للزوم، والثاني استحالة أن يأمر به الشرع عن تحقق ذلك الفرض، لكن الشرع أمر بذلك مطلقا.


1. بياض في المخطوطة. (*)

[ 39 ]

وجه آخر من العلم الضروري: إنه كيف ما فرض لطف الإمامة، فإنه إما أن يكون صافيا عن المفسدة وراجحا عليها، لأنه لو جوز خلاف هذين الأمرين لما حكم العقل بوجود الصلاح مع الإمام وانتفائه مع عدمه حكما مطلقا، لكن العقل حكم بذلك مطلقا، فلا يكون ذلك الإحتمال مؤثرا في إيجاب ذلك اللطف. فان قيل: لا نسلم تعين وجوب الإمامة على الله تعالى، لأنه لا يحتمل أن يكون هناك لطف آخر يقوم مقامها. فالواجب: تجب الإمامة على الله تعالى لأنه لطف مقرب، بدليل أن اللطف مفض إلى غرض المكلف، وليس فيه وجه من وجوه القبح كما تقدم ولا يؤدي إلى ما لا نهاية له، وكل ما كان كذلك فهو واجب في الحكمة. أما أنه مفض إلى غرض المكلف فلأن الكلام على هذا التقدير، وأما أنه ليس فيه (1) وجه من وجوه القبح فلأن وجوه القبح مضبوطة وليس فيه شئ منها. وإن كل ما كان كذلك كان واجبا في الحكمة، فلأن داعي الحكمة متعلق [ به ] (2) والصوارف منتفية عنه، وكل ما تعلق به الداعي وانتفى الصارف عنه فانه يجب أن يفعل. وجه آخر: لو لم يفعل الباري تعالى اللطف على هذا التقدير لكان ناقضا لغرضه، ونقض الغرض قبيح.


1. في المخطوطة: منه 2. الزيادة منا لاستقامة الكلام. (*)

[ 40 ]

بيان أنه يكون ناقضا لغرضه: أن من دعى غيره إلى طعام وعلم أنه يحضر إن أرسل إليه لاغضاضة عليه في إرساله ولم يرسل فإنه يكون غير مريد لحضوره، والعلم بذلك ظاهر. وجه آخر: لو لم يجب فعل اللطف لكان الباري مخلا بما يجب عليه في الحكمة، إذا لا فرق بين من منع اللطف وعدم التمكين. وقوله: يحتمل أن يكون هناك لطف آخر يقوم مقامها. ممنوع، لأنه لو كان له بدل لما حكم العقل حكما مطردا على مرور الأوقات بكون المكلفين معه إلى الطاعة أقرب إلى الطاعة وأبعد من المعصية، ولكن العقل يقف في الحكم بذلك على انتفاء البدل، لكن العقل حكم بذلك مطلقا، وذلك دليل على عدم البدل. وجه آخر: لطف الرئاسة مما لا يتصور ثبوت البدل فيه وإن تصور ثبوت البدل في غيره من الألطاف، وذلك لأنه لو تصور للرئاسة بدل في باب اللطف لكان من المجوز عند العقلاء أن يكون حال المكلفين الجائزي الخطأ ولهم رئيس مهيب وسائس يؤدبهم ويقومهم ويدفع ظالمهم عن مظلومهم ويسكن الفتن قبل انتشارها واشتدادها، كحالهم مع فقد الرئيس الموصوف، لقيام ذلك البدل مقام لطف الرئاسة. ومعلوم ضرورة خلاف ذلك وأن حالتيهم لا تستويان فيما ذكر، فعلم أن لطف الرئاسة لا بدل له. ولو اعتراض على المعتزلة بمثله في إيجابهم المعارف العلم بالثواب

[ 41 ]

والعقاب على كل مكلف لكونها لطفا، وقيل لهم: إذا كنتم تجوزون دخول البدل في الألطاف فأجيزوا أن يكون للطف المعارف بدل في حق بعض المكلفين حين يستغني به عن بعض المعارف. لما أجابوا إلا بمثله. وجه آخر: مع فرض جواز الخطأ على المكلفين يكون انضياف الإمامة إلى أي لطف فرض، إما اللطف المقرب أو اللطف المطلق، أدعى إلى وقوع الطاعة وارتفاع المعصية. ومع انفراد ذلك اللطف المفروض عن الإمامة يكون الحال بالضد من ذلك، فلا تنفك الإمامة عن كونها لطفا كيفما كان، ومع ذلك يجب أن لا يقوم مقامها شئ اللهم إلا أن يدعى لطف ينتهي بالمكلفين إلى العصمة، فعند ذلك نسلم سقوط فرض الإمامة، لأن الموجب للإمامة عقلا إنما هو جواز الخطأ على المكلفين، فينتفي الموجب عند انتفاء موجبه. وجه آخر: لا ريب أن مع تسليم المقدمة الأولى - وهي أن الناس متى كان لهم رئيس مطاع يؤدب الجناة ويقمع الغواة وينتصف للمظلوم من الظالم كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد - لا يصح البدل للطف الرئاسة، ومتى قيل بالبدل كان جحدا للمقدمة المذكورة، وذلك عين السفسطة بلا مراء. طريق في وجوب ذلك على الله تعالى: قد علم كل عاقل بالضرورة أن كل حاكم يتعلق به حكم من أحكام جماعة يكون إمضاء ذلك الحكم مصلحة لهم والتوقف فيه مفسدة لهم، فلا

[ 42 ]

يريد الحاكم إلا ما يقتضي مصلحتهم، فيقبح منه أن لا يقيم لهم من يمضي فيهم ذلك الحكم إذا لم يتول (1) بنفسه. وكذلك يذمون كل والي مصر أو راعي قطيعة يغيب عنهم غير مخلف من يقوم فيهم مقامه مع عدم الموانع ويوبخونه. والباري سبحانه وتعالى هو الحاكم على الإطلاق، وقد تعلق به أحكام المكلفين، بل ليس لغيره التصرف فيهم على الإطلاق. وإنفاد كل ما يقوم الرئيس القاهر الآمر الزاجر العادل فيهم مصلحة لهم، وهو لا يريد إلا ما يقتضي مصلحتهم ولا يقوم بنفسه بجيمع ذلك، فيقبح منه أن لا يقيم فيهم من يقوم بها، أي يجب عليه نصب الإمام لهم. وهو [ تعالى ] لا يخل بواجب ولا يفعل قبيحا بالوجهين اللذين تقدما، فيجب عليه تعالى نصب الإمام. طريق للحكماء: قالوا: الإنسان مدني الطبع، أن لا يمكن تعيشه إلا باجتماعه مع أبناء نوعه، ليقوم كل واحد بشئ مما يحتاجون إليه في معاشهم من الأغذية والملبوسات والأبنية وغير ذلك، فيتعاونوا في ذلك، إذ يمتنع أن يقدر واحد على جميع ما يحتاج إليه من غير معاونة غيره. وإذا كان كل إنسان مجبولا على شهوة وغضب، فمن الممكن أن يستعين من أبناء نوعه من غير أن يعينهم، فلا يستقيم أمرهم إلا بعدل. ولا يجوز أن يكون مقرر ذلك العدل أحد منهم من غير مزية، إذ لو كان كذلك


1. في المخطوطة: إذا لم يتولا. (*)

[ 43 ]

لما استقام أمرهم. وكلامهم هذا يؤذن بوجوب رئيس له مزية على سائر رعيته، والإمام يمتاز على سائر الأمة بعصمته، فتكون الإمامة على وفق ما أصله الحكماء. فإن قيل: لو وجب نصب الإمام لكان ذلك مشروطا بانبساط يده أولا مع ذلك الشرط، والقسمان باطلان، أما الملازمة ظاهرة: فأما بطلان الأول فلأن الأزمان تنقضي مع أنه لا يرى إمام منبسط اليد متمكن من إمضاء الأحكام، بل لا يعلم وجود مثله. وأما الثاني فباطل، إذ لا فائدة في إمام هذا شأنه. فالجواب: لا يكون مشروطا. وقوله (لا فائدة في إمام هذا شأنه) ممنوع، لأن فيه فوائد جمة أيسرها (1) قيام الحجة على المكلفين. وتحقيق هذا: إن لطف الإمامة ذو شعب ثلاث: منه ما يختص بالله تعالى كنصب الرئيس، ومنه ما يختص بالإمام وهو قبول اللطف والقيام بأعباء ما حمل، ومنه ما يختص بالمكلف وهو الإنقياد لأوامر الإمام والمعاضدة له. فلو أخل الله سبحانه بنصبه لكان مخلا بما يجب عليه في الحكمة، وذلك قبيح لا يفعله إلا جاهل بقبحه أو محتاج إليه، ويتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولما انزاحت علة المكلفين فيجب أن ينصب الله تعالى، بحيث إذا أخل المكلف بالقبول يكون فوات مصلحته بسوء اختياره، كما كان فوات مصلحة الكافر بسوء اختياره. وكذا المصلحة المخلة بالشرعيات، فلا وسط مخل بلطف المعرفة. وهذان مخلان بلطف الإمامة والشرعيات.


1. في المخطوطة: أيرها. (*)

[ 44 ]

فإن قيل: الغرض بنصب الإمام يتقيد بالأحكام الشرعية، فيكون نصبه تبعا لها، وإذا لم يكن الأصل معلوما عقلا فالفرع أولى بذلك. فالجواب: الغرض به تقوية دواعي المكلفين إلى الطاعة وترك المعصية، وذلك بعد الواجبات والمقباحات العقلية والشرعية، فإذا وجبت الشرعيات كانت الإمامة لطفا في العقليات. فإن قيل: لو كانت الإمامة واجبة على الله تعالى لعلمت الصحابة ذلك أو معظمهم، لكن لو علموا ذلك لما عولوا على نصب إمام وتفحصوا عن ذلك الإمام الذي نصبه الله تعالى [... ]. [... ] (1) يقع ذلك لم يكن ما ادعته الإمامية حقا. لا يقال: لعل الصحابة لا تعلم ذلك، وإن علمه آحاد منهم لم يتمكنوا من الإعتراض على النافين، كما أن النص على علي عليه السلام [ كان ] معلوما وعجز العارفون به عن الإعتراض عن المعولين على الإختيار. لأنا نقول: أما ذهاب ذلك على جملة الصحابة فبعيد، إذ يستحيل أن يدعى ان آحاد الأمة (2) أعرف بطرق النظر من الصحابة أجمع، وأما تمثيل ذلك بالنص، فظاهر البطلان، لأن ما شهد به العقل يمكن اثباته عند كل عاقل، ولا كذلك ما يدعيه ناقل النص، لأنه يخبر بما سمعه، فجائز أن يجحد دعواه. فاجواب: العلم بنصب الإمام علم نظري لا ضروري، والعلم النظري قد يذهب على كثير. نعم لا يذهب ذلك على كل الصحابة، بل فيهم جماعة


1. بياض في المخطوطة. 2. في المخطوطة: آحاد الامامة. (*)

[ 45 ]

كثيرة عرفوا ذلك. قوله: لو عرف ذلك الصحابة لما عولوا على التعين على امام. فالجواب: ليس كلهم فعل ذلك، وإنما فعله منهم من علم وجحد أو جهل، وكيف يكون كلهم فعل ذلك وقد شهد من رجال الصحابة وأعيانهم اثنا عشر رجلا في مجلس واحد وأبو بكر على المنبر يوم الجمعة، وشهدوا بين الملأ العظيم على رؤوس الأشهاد أن الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام وأنه هو الإمام دون غيره. وتأتي شهادتهم مفصلة إنشاء الله بالفصل التاسع والثلاثين. قوله: لو عرفوا ذلك لفحصوا عن ذلك. فالجواب: إن الصحابة بين عارف بوجوب الإمامة عقلا مقر بعين الإمام، وبين عارف منكر، وبين شاك، فالأول لا حاجة [ له ] إلى الفحص، والفريقان الآخران لا يفحصان. هذا لعلة، وذلك لجهله. قوله: لو أدرك ذلك (1) بعض لاعترض على الآخرين. فالجواب: قد وقع ذلك كما روي أن سعد بن عويمر بن ساعدة قال: إن الخلافة لا تكون إلا في أهل بيت النبوة، فاجعلوها حيث جعلها الله. وكما اعترض وأنكر على أبي بكر جماعة كثيرة لا تحصى وامتنعوا من بيعته، كالعباس والعقيل وسلمان وبريدة وحذيفة وسعيد بن العاص الأموي وأبى ذر والمقداد وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وأبى الهيثم التيهاني وسهل بن حنيف وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي بن كعب وأبى أيوب الأنصاري.


1. في المخطوطة: لولا أن ذلك. (*)

[ 46 ]

فإن قيل: هذه أخبار آحاد. فالجواب: يكفي تجويزها في طريق الاحتمال إلى ما استدلوا به، وليس عدم نقلهم للاعتراض دليل عدم الاعتراض، ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه. مع أن أخبار الاعتراض والنكير على أبى بكر عند الفرقة المحقة اكثر من أن تحصى، وليس لانتشارها حد، وهي خارج عن حيز أخبار الآحاد منتظمة عندهم في سلك المتواترات، ينقلها الخلف عن السلف والصغير عن الكبير في الأقطار المتباعدة باللغات المختلفة. سلم جدلا للخصم أنها غير متواترة، فيقال: السبب الذي لأجله لم يتواتر النكير هو قوة المنتصبين وضعف المعترضين وخوف الناقلين، وذلك يوجب الإستتار بالنكير، فيقع بارزا فيقل النقل، ثم يعتوره خوف الناقل فيكاد يضمحل، لولا أن يريد الله إظهار الحق لعباده كما قال الله تعالى * (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره) * (1). فإن قيل: إذا كانت الإمامة لطفا في الأمور الدينية وعلي بن أبى طالب عليه السلام هو المنصوص عليه من الله تعالى ورسوله، فما باله لما نهض بالإمامة نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون. فلو أن قائلا يقول: إنها مفسدة صريحة. لكان قوله أقرب من قولكم إنها لطف، لأن غاية الفساد نشأ من نهوضه. فالجواب: هذا الفساد إن قدح في إمامته وكونها لطفا، لقدح في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وكونها لطفا، بل في نبوة نوح وابراهيم وموسى وعيسى وهود وصالح وأكثر الأنبياء عليهم السلام، وذلك لأن النبي عليه


1. سورة الصف: 8. (*)

[ 47 ]

السلام لما بعث وقع من منكري نبوته في قريش وغيرهم من القبائح والمعاصي، كتكذيبه ورميه بالسحر والكهانة ومخاصمته وحروبه ما لولا انبعاثه لكان لا يقع شئ منه. وكذا القول في معاملة قوم نوح معه وإلقاء نمرود لابراهيم عليه السلام في النار وقتل فرعون السحرة وقوله لموسى ولهم * (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلا قطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل) * وما صنع اليهود بعيسى من قتل وصلب، وما صنع عاد وثمود بهود وصالح. فلولا انبعاث هؤلاء الأنبياء عليهم السلام لما وقع شئ من هذه القبائح، فيجب على مقتضى هذا الإعتراض أن يكون بعثة هؤلاء مفسدة. فكل ما يدفع هذا الإلزام فهو الجواب. فإن قيل: المكذبون (2) للأنبياء كانوا عصاة كفارا قبل بعثتهم، فكان كفرهم ومعصيتهم متقدم على انبعاث الأنبياء عليهم السلام. فالجواب: ليس الكلام في المعاصي السالفة بل فيما تجدد عند الإنبعاث، وعلى هذا الإعتراض يكون تكليف الكافر والعاصي مفسدة من حيث أنها تقع عند المتكلفين بالكفر والمعصية، ولولا تكليفهما لما وقع لا الكفر ولا المعصية، فكل ما دفع هذا الإلزام فهو أيضا جوابه. وجه آخر: وكان يلزم من خلق الشهوة والنفرة مفسدة، لأن الفساد الذي هو


1. سورة طه: 71. 2. في المخطوطة: المكذبين. (*)

[ 48 ]

ارتكاب القبيح المنهي والإخلال بالواجب الذي ينتفر عنه (1) طبع المكلف يقع عنده، ولو لاه ما كان (2) يقع، ولكنه لما كان معدودا في التمكن لم تكن مفسدة. إذا تقرر هذا فنصب أمير المؤمنين عليه السلام والنص عليه بالإمامة تمكين للقوم من أن يعرفوه إماما فيطيعوه وينصروه وينزلوا تحت أمره ونهيه، فيصلوا بذلك إلى ما هو لطف لهم وتصرف فيهم، إذ هم لا يتمكنون من معرفة إمامته إلا بالنص عليه، فلا يكون حيثية نصبه والنص عليه مفسدة وإن وقع عنده فساد عظيم. وبهذا الاعتبار يندفع كون بعثة الأنبياء عليهم السلام مفسدة، لأنها معدودة في التمكين، إذ الأمم بانبعاثهم وإظهار الإعلام عليهم يتمكنون من معرفة نبوتهم، فيعرفون مصالحهم التي يجهلونها، فلا يلزم من أن يكون بعثتهم مفسدة وإن وقع عندها الفساد العظيم. وبمثله يدفع كون تكليف الكافر والعاصي مفسدة، لأن التكليف هو تمكين المكلف من أن يجعل المكلف نفسه مستحقا للثواب أو العقاب. فلم يلزم فيه أيضا مفسدة وإن وقع عنده الكفر والمعصية. فقد بان فساد قولهم من أن مقارفة الفساد إنما [ هو ] من نهوض علي عليه السلام بالدلائل القاهرة الباهرة.


1. في المخطوطة: ينفر عنه. 2. في المخطوطة: ولولا ما كان. (*)

[ 49 ]

دليل آخر على وجوب الامامة: من المعلوم أن أحكام الشريعة ليس على جميعها أدلة قاطعة لا من تواتر ولا إجماع بحيث يرتفع الاختلاف، وإذا كانت الأمة مكلفة بالعمل بالشرع وجب على الله سبحانه وتعالى - من حيث العدل والحكمة - أن يجعل لها طريقا إلى معرفة الصحيح منها. وليس ههنا إلا قول الإمام الذي هو قائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله. وليس لأحد أن يقول: الكتاب والسنة يقومان مقام الإمام. لأن الكتاب والسنة لا يرفعان الإختلاف بين الأمة، من حيث أنهما يحتملان وجوه التأويل، فإذن لابد من إمام يرفع الإختلاف ويرتق الفتق ويجمع الكلمة. وكذا الإجتهاد في المسائل، فإنه لا يرفع الاختلاف. وكذا القياس. مع أن هذين النوعين لا يسوغ استعمالها في شرع نبينا عليه السلام على الصحيح من المذهب. دليل آخر من كتاب الله عز وجل: قال الله عز وجل منبها على وجوب الإمامة * (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) * (1) ظاهر اللفظ الشريفة وعمومه يقتضي وجود الإمام في كل زمان. وقال جل قائلا * (إني جاعل في الأرض خليفة) (2) بدأ سبحانه بالخليفة قبل الخليفة.


1. سورة الاسراء: 71. 2. سورة البقرة: 30. (*)

[ 50 ]

وقال سبحانه * (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) * (1) وهذا عام في سائر الأمم، وعمومه يقتضي أن كل زمان حصلت فيه أمة مكلفة بدين لابد لها من نذير، ففي أزمنة الأنبياء عليهم السلام هم النذر للإمم، وفي غيرها الأئمة عليهم السلام. وقال تعالى * (فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين * أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) * (2) دليل ظاهر على أنه لا يخلو كل زمان من حافظ للدين، إما نبي أو إمام. وقال تبارك وتعالى (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم) * (3). وقال تبارك وتعالى * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) * (4) أخبر تعالى أنه يأتي من كل أمة بشهيد، ويأتي به عليه السلام شهيدا على هؤلاء، فيجب أن يكون الشهداء حكمهم حكمه في كونهم حججا لله تعالى، وذلك يقتضي أن في كل زمان شهيدا إما نبي أو إمام. إلى غير ذلك من الآيات الشريفة التي تدل على هذا المعنى ذكر صفات للامام: من صفات الإمام المعرفة بجميع الأحكام، من حيث إن تقديم المفضول


1. سورة فاطر: 24. 2. سورة الأنعام: 89 - 90. 3. سورة النحل: 89. 4. سورة النساء 41. (*)

[ 51 ]

يوجب تناقض الأصول. وصفات الأئمة نوعان: ما يعرف عقلا، وما يعرف سمعا. فالأول: أن يكون معصوما عن كل قبيح، منزها عن كل معصية، منصوصا عليه، مدلولا على عينه بالمعجز، وأن يكون أعلم الناس بالأحكام الشرعية ووجوه السياسة والتدبير، وأن يكون أفضل من رعيته. وأن لا يكون مشني الخلقة لأجل التنفير. وأما ما يعرف سمعا: فهو أن يكون رجلا عدلا هاشميا، أعلم الناس وأفصحهم وأحكمهم وأتقاهم وأشجعهم وأشرفهم وأنصحهم وأصبرهم وأزهدهم وأسماهم وأعبدهم وأشفقهم عليهم وأشدهم تواضعا لله وآخذهم بما أمر الله به وآلفهم عما نهى الله عنه، وأولى الناس منهم بأنفسهم، ويولد مختونا، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه للفراسة الصادقة، ولا يكون له ظل لأنه مخلوق من نور الله تعالى، وإذا وقع إلى الأرض من بطن أمه وقع عليه راحتيه رافعا صوته بالشهادتين، ولا ينام قلبه، ويكون محدثا، ويكون دعاؤه مستجابا، ولا يرى له حدث لأن الله تعالى وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، ولا يحتلم، ولا ينتاب، ولا يتمطى، ويكون رائحته المسك. وأن يكون صاحب الوصية الظاهرة، ويكون له الدليل والمعجز في خرق العادة، وإخباره بالحوادث التي تظهر قبل حدوثها بعد معهود من النبي عليه السلام. ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسيفه ذو الفقار و يستوي عليه درعه.

[ 52 ]

ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة يقال لها (ديوان المؤمن)، وصحيفة فيها أسماء أعدائه إلى يوم القيامة. ويكون عنده (الجامعة)، وهي صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط أمير المؤمنين عليه السلام، وقيل إنها حمل جلد بقرة. ويكون عنده (الجفر الأحمر)، وهو وعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله، ولن يخرج حتى يخرج القائم عليه السلام. ويكون عنده (الجفر الأبيض، وهو وعاء فيه توراة موسى عليه السلام وانجيل عيسى وزبور داود وكتب الله المنزلة. ويكون له الغابر وهم علم ما مضى، والزبور وهو علم ما بقي (1)، ونقر في الأسماع وهو حديث الملائكة، ونكت في القلوب وهو الإلهام، وسماع وهو أن الصوت (2) مثل صوت السلسلة في الطست. وربما تأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائين، وربما يخاطب. فمتى حصلت هذه الصفات في شخص من الأشخاص كان إماما مفترض الطاعة على جمعيع الخلائق.


1. في مجمع البحرين (زبر): ومنه حديث أهل البيت عليهم السلام (عملنا على ثلاثة وجوه ماض وغابر وحادث، أما المضاي فمضى، وما الغابر فمزبور) أي مكتوب في الجفر وغيره (وأما الحادث فقذف في القلوب). 2. كذا. ولعل الصحيح (رن الصوت). (*)

[ 53 ]

فصل (في ذكر وجوب العصمة للامام) الدليل على العصمة: هو: أن شريعة النبي صلى الله عليه وآله مؤبدة لازمة لكل مكلف باقية (1) إلى يوم القيامة، ولا بد لها من حافظ، وحفظها لا يخلوا: إما أن يكون الى الأمة جميعها، أو إلى بعضها. لا يجوز أن يكون الحافظ لها الأمة جميعا، لأن الأمة يجوز عليها السهو والغلط وتعمد الباطل، لأن العصمة مرتفعة عن كل واحد من الرعية، وما جاز على آحادها جاز على جميعها. فان قيل: الشريعة محفوظة بالأمة، والدلالة السمعية قامت بأن الأمة لا تجتمع على ضلال بقول الرسول عليه السلام (لا تجتمع أمتي على ضلال) (2). فالجواب: ان أحكام الشريعة لم تجتمع عليها الأمة، بل رأينا في الحكم الواحد أقوالا مختلفة وأجوبه شتى. هذا مع تسليم الخبر وتسليم روايته بالرفع، فأما من جزم (تجتمع) وجعل (لا) في الخبر ناهية لم يبق في الخبر دلالة، فيكون النبي صلى الله عليه وآله نهى الأمة أن تجتمع على ضلال.


1. في المخطوطة: مؤيدة - باقي. 2. جمع الحاكم في المستدرك 1 / 115 - 116 ألفاظ هذا الحديث وطريقه المختلفة. (*)

[ 54 ]

جواب آخر: وهو ان لفظه الخبر والمراد منه النهي، كقوله تعالى * (ومن دخله كان آمنا) * (1) أي أمنوه، وكقول الرسول عليه السلام (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) (2)، لأن المؤمن قد يلدغ من جحر مرارا كثيرة. فلو كان خبرا حقيقة لامتنع لدغه مرتين، للأخبار الصادرة عن الرسول عليه السلام، لأنه لا يقول إلا حقا. فإن قيل: هذه نكرة في طريق النفي، وهي تفيد العموم، كقولهم (لا رجل في الدار). فيكون تقدير كلامه عليه السلام: لا ضلالة على الأمة. فالجواب: من شرط النكرة أن تلي (لا) من غير فصل، ولذلك (إن) نصب، لأن التقدير لا رجل في الدار، فلما حذف حرف الخافض انتصب الاسم. وليس كذلك ههنا، لأن الفعل والفاعل فاصل بينهما، فهي بخلاف ما قيل، فلا بد إذن من إمام ويكون ذلك الإمام معصوما لا يجوز عليه ما يجوز على الأئمة من السهو والغلط وتعمد الباطل بحيث يحفظها ويتلافى ما يحدث فيها، لأن تركها بغير حافظ إهمال لها، ولا يجوز ذلك من حيث العدل والحكمة. دليل آخر على وجوب العصمة: يجب أن يكون الإمام معصوما أفضل الخلق، أعلم الأمة بأحكام الشريعة وأشجعهم وأعرفهم بالسياسة.


1. سورة آل عمران: 97. 2. مسند الإمام أحمد 2 / 115، 379. (*)

[ 55 ]

والدليل على عصمته هو: أن العلة المحوجة إلى إمام جواز ارتفاع العصمة عن الرعية ووقوع الخطأ منهم، لأنهم لو كانوا معصومين لما احتاجوا إلى إمام كالملائكة. والإمام لا يخلو من أن يكون معصوما أو غير معصوم، فإن كان معصوما فهو الغرض، وإن لم يكن معصوما فقد شارك الرعية في علة الحاجة إلى الإمام، فيجب أن يكون له إمام، والكلام في إمامه كالكلام فيه فيؤدي إلى الترامي، وهو باطل. فوجب كون الإمام معصوما. دليل آخر: الإمام إذا لم يكن معصوما لم يؤمن منه أن يواقع ما يستحق به التأديب والحد، ولا يقيم على ذلك إلا إمام بلا خلاف بين الأمة فيه. فيحتاج أن يكون له إمام وللامام إمام أبدا، أو ينتهي من يؤمن منه مواقعة ما يستحق به التأديب والحد، ولا يكون ذلك إلا الإمام المعصوم، فوجب كون الإمام معصوما. دليل آخر: الأمة قد اختلفت في أحكام شرعية لم ينطق بها الكتاب ولا توجد في السنة المقطوع بها، فلا بد من إمام معصوم ليعلم منه تلك الأحكام على صحة، لأن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا إلا إذا كانت موافقة للكتاب العزيز أو السنة المقطوع بها أو الإجماع أو الدليل العقلي، والرأي والقياس ليسا بطريقين إلى العلم (1) بالأحكام الشرعية عند الفرقة المحقة.


1. في المخطوطة: إلى العالم. (*)

[ 56 ]

والاجماع لا ينعقد ولا يصح العمل به إلا أن يكون فيه الإمام المقطوع على عصمته، لأن كل واحد من الرعية غير معصوم، فجواز الخطأ حاصل فيهم وجائز عليهم، فلا بد من إمام معصوم يحصل الثقة والسكون إليه، فوجب كون الإمام معصوما. فإن قيل: يلزم من ذلك وجود رؤساء كثيرين معصومين في عصر واحد حتى ينتصب في كل بلدة بل في كل محلة رئيس، لأن كثرة الصلاح وقلة الفساد بذلك يتم، والرئيس الواحد لا يمكنه التصرف في جميع الخلق في أقطار الأرض. فالجواب: لا بد من رئيس وسائس في كل بقعة ليكون أهل تلك البقعة من غير [... ] (1)، لكنهم ولاة للإمام ونوابه وعماله. ولا يجب كونهم معصومين، لأنهم مر عيون برئاسة الإمام المعصوم الذي هو رئيس الكل، فيقطع التسلسل. ولا يلزم في ذلك وجود عدة أئمة في عصر واحد، لأن الإمام إنما هو الرئيس الذي لا رئيس عليه ولا يد فوق يده. ولكن لو فرض أن يكمل الله سبحانه وتعالى شروط التكليف في جميع المكلفين دفعة واحدة وكلفهم بمرة واحدة في غير ترتيب في أقطار العوالم، فإنه لابد من أن ينصب في كل بقعة من البقاع وقطر من الأقطار إماما معصوما يسوس من في ذلك المكان ويمكنه من سياستهم، لأنه لو لم ينصب كذلك ونصب شخصا واحدا إماما في جميع الأقطار لكان لا تصل إلى جميل أهل الأقطار سياسته ولا نوابه وعماله إلا في مدة طويلة، فيؤدي إلى خلو أهل الأقطار في تلك


1. كلمة لا تقرأ في المخطوطة. ولعلها (من غير سائس). (*)

[ 57 ]

المدة من لطف الإمامة مع حاجتهم إليه، وذلك لا يليق بالحكمة. إلا أن هذا أمر مقدر غير واقع، والموجود المحقق خلافه، والإجماع إنما انعقد على أن الإمام واحد في كل عصر من الأعصار. دليل آخر: لو جاز وقوع الذنب من الإمام لكان بتقدير وقوعه: إما أن يتبع، وإما أن لا يتبع. ويلزم من الأول الأمر بالذنب، ومن الثاني خروج الإمام من كونه إماما. ولا يقال: هذا منقوض بنواب الإمام، وبأن المحذور إنما يلزم من وقوع الذنب لا من تجوز وقوعه، لأن الفرق بين الإمام ونوابه ظاهر، وذلك أن النواب مع وقوع الخطأ [ منهم ] يأخذ عليهم الإمام، فهم محتاجون مع جواز خطأهم إلى الإمام، ولهم إمام والإمام لا إمام له. وقولهم: إن المحذور إنما يلزم من وقوع الذنب لا من جوازه. فالجواب: جواز وقوع الذنب يستلزم فرض الوقوع من المحال، لأنه لولا سلامته عن المحال لما كان جائزا. دليل آخر: لو جاز وقوع الذنب منه لكان مع فرض وقوعه ظالما، لكن الظالم لا يصلح للإمامة. أما الأولى فلأن الظلم وضع الشئ في غير موضعه فيكون ظالما، وأما الثانية بقوله تعالى لابراهيم عليه السلام * (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) * (1).


1. سورة البقرة: 124. (*)

[ 58 ]

لا يقال: هذا [ لا ] يتناول إلا من وقع منه الظلم لا من يجوز منه وقوع الظلم ولا يقع. لأن الجواب: إذا لم يكن واجب العصمة كان جائز الخطأ، وجائز الخطأ يمكن وقوع الظلم منه، ومع وقوعه لا ينال العهد، فيكون جواز الخطأ مستلزم إمكان فرض وقوعه، وفرض وقوعه مستلزم للمنع من وصول العهد إليه. دليل آخر: الأمة متعبدة بالشرع، مثل العبادات والعقود والمواريث وأحكام الجنايات، ولا ريب أن تفاصيل ما جاء [ به ] الشرع في هذه الأقطاب الأربعة لا يعلم ضرورة بأدلة العقل. والقياس والإجتهاد (1) ليسا دليلين على الصحيح من المذاهب. وليس بنصوص الكتاب العزيز والسنة المقطوع بها ما يدل على التفصيل. وكذا الإجماع من حيث أن عدمه ظاهر في اكثر الشريعة، لوجود الاختلاف في مثل قوله تعالى (أقيموا الصلاة) (2)، فنص على الصلاة ولم ينص في الكتاب ولا في السنة المقطوع بها على تفصيلها المختلف فيه بين الأمة، مثل قراءة وكيفية وكتف وتكبير واقعاء وقول (آمين) آخر الحمد. وقوله تعالى * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (3)، واسم اليد يطلق على هذه الجارحة إلى المنكب وإلى المرفق وإلى الزند وإلى أصول


1. يريد الاجتهاد برأي، كما يتضح ذلك مما سيأتي من بينات المؤلف. 2. سورة البقرة: 43. 3. سورة المائدة: 38. (*)

[ 59 ]

الأصابع، ويقول (كتبت بيدي) أي بأطراف أصابعه. قال الله تعالى * (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) * (1)، والكتابة تقع بأطراف الأنامل فقط. فبان أن اسم اليد ينطلق إلى كل واحدة من هذه الغايات، وقد أمر بقطع يد السارق، فمن أي الغايات تقطع. فيجب أن يكون في الأمة معصوم مقطوع بعصمته مأمون الخطأ والزلل من جهته ليرجع إليه في المسكوت عنه في الكتاب والسنة، وإلا كانت الأمة متعبدة بما لا تهدي إليه، وذلك تكليف ما لا يطاق، وهو قبيح، والقبيح نقص، وهو على الله محال. ولأن القبيح إنما يفعله جاهل بقبحه أو محتاج إليه، فيتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. دليل آخر على العصمة: قد ثبت أن شرع محمد صلى الله عليه وآله مؤبد لازم لجميع أمته من لدن عصره إلى انقراض التكليف، وحال جميع أهل الأعصار في التعبد بشرعه حال واحد. وما هذه حاله لابد له من حافظ معصوم موثوق به يحفظه بعد الرسول عليه السلام ويؤديه إلى أهل الأعصار المستقبلة حتى يحصل لهم الثقة بوصول الشرع إليهم، ومع فقد المعصوم تنتفي الثقة عنهم وهم متعبدون به فيلزم تكليف ما لا يطاق، وهو منتف بما ذكر أولا، فثبت أنه لا بد من حافظ للشرع. وإذا ثبت وتقرر وجوب كون الشرع محفوظا، لم يخل من أن يكون


1. سورة البقرة: 79. (*)

[ 60 ]

محفوظا، بالكتاب، أو السنة المقطوع بها، أو بهما معا، أو بالاجماع، أو بأخبار الآحاد، أو بالرأي والقياس، أو بمعصوم. ومن زاد على هذه الأجناس السبعة خالفه الإجماع. أما الكتاب فمعلوم أن تفاصيل الشرع ليست مبينة فيه، فكيكف يكون الشرع به محفوظا. ثم الكتاب نفسه لابد له من حافظ أيضا موثوق به يحفظه من التبديل والتغيير لتطرقهما إليه. وأما السنة المقطوع بها والإجماع فمعلوم أيضا أن جميع الشرع ليس مبينا فيهما، إذ لو كان كذلك لارتفع الخلاف فيه. وأما أخبار الآحاد التي ليست بموافقة، والرأي والقياس فلم يثبت لهم حجة على الأصح من الأقوال، فكيف يحفظ الشرع بهم. فتعين كون الشرع محفوظا بامام معصوم، وهو المطلوب. فإن قيل: هذا الدليل والذي قبله يدلان على وجوب العمل بالقياس والإجتهاد في الرأي، لأن جميع ما تعبدنا الله به في الشرع ليس مبين في الكتاب ولا في السنة ولا حصل الإجماع عليه، فلا بد وأن يكون لنا طريق إلى معرفة المسكوت عنه في هذه الأدلة من قول معصوم أو الرجوع إلى الرأي والقياس، ولم يثبت وجود معصوم، فيجب الرجوع إلى القياس والإجتهاد في الرأي، وإلا كان تكليف ما لا يطاق. فالجواب: إن الدليل القاهر قد دل على أن التعبد بالقياس والإجتهاد في الرأي غير جائز في الشرعيات - على ما هو مبين في أصول الفقه - مع أن كثيرا من أهل الجمهور قال ببطلانه، منهم الفخر الرازي، فإنه أبطل القياس من أربعين وجها، وليس هذا الكتاب بصدد أصول الفقه.

[ 61 ]

وإذا دل الدليل على أن التعبد بالقياس غير جائز، وجب أن يكون في الأمة معصوم يمكن الرجوع إليه في المسكوت عنه، وإلالزم تكليف مالا يطاق، وهو محال. ومن الناس من أجاز تكليف ما لا يطاق، فخرج بذلك عن القول بعد الله سبحانه وتعالى. فصل [ الدليل على أفضلية الإمام ] وأما الدليل على كونه أفضل وأعلم الناس بأحكام الشريعة وبوجوه السياسة والتدبير، فيدل عليه وجهان: الأول: أنه مقدم في ذلك، فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى فبالاجماع لأن الكلام على هذا التقدير، وأما الثانية فلأنه معلوم قبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه. ألا ترى أنه يقبح تقديم ضعيف الخط على ابن مقلة وابن البواب في الخط، وكذا يقبح تقديم المبتدئ في الفقه على أبي حنيفة والشافعي في الفقهيات، وهكذا تقديم المسترشد في الأصول على أبي هاشم وأبي الحسين في الأصول. وإنما قبح جميع ذلك لأنه تقديم المفضول على الفاضل فيما هو متقدم عليه فيه، بدلالة أن من عرف ذلك عرف قبحه وإن لم يعرف شيئا آخر، ومن لم يعرف ذلك لم يعرف قبحه، وإنما عرفه على أوصاف أخر سوى وجوه القبح. فيجب أن يكون تقديم المفضول على الفاضل فيما هو متقدم عليه هو وجه القبح لا غير. وهذا هو استدلال القوم على أن كون الفعل ظلما أو القول كذبا وغيرهما من وجوه القبح هي المؤثرة في القبح لا غير.

[ 62 ]

وإذا كان الأمر كذلك وكان الله تعالى هو الناصب للامام وجب أن يكون أفضل ظاهرا وباطنا وأكثر ثوابا، لأنه تعالى مطلع على الباطن. والإمام إمام في الدين وفيما يتعلق بتكليف المكلفين الذي الغرض فيه تعريضهم للمنافع الدينية، فيجب أن يكون في ذلك أفضل منهم وأن يكون أكثر ثوابا منهم. وهذا بخلاف من نصبه الناس بالإختيار، لأن المختارين لا طريق لهم إلى علم الباطن وطريقهم غلبة (1) الظن لا غير. فإن قيل: يجوز تقديم المفضول على الفاضل إذا كان في الفاضل مانع يمنع من تقديمه وفي تقديم المفضول مصلحة. فالجواب: لا يجوز ذلك، لأن كون تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه وجه قبح، ومع ثبوت وجه القبح يقبح الفعل وإن ثبت فيه عدة من وجوه الحسن. ألا ترى إن الظلمة لما ثبت أنها (2) وجه قبح لم يجز أن يحسن ظلم قط بسبب أن يكون فيه مصلحة لأحد أو تناول نفع عاجل. فإن قيل: هذا باطل، لأن النبي عليه السلام قدم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص على أبي بكر وعمرو وزيد بن حارثة على جعفر بن أبى طالب، والمقدم عليه ههنا أفضل. فالجواب: إنما قدم النبي صلى الله عليه وآله المذكورين في أمر الحرب ومقاومة العدو، وقد كانوا أفضل ممن قدمهم عليهم في ذلك، فإن خديعة عمرو بن العاص ومكره غير خاف، وقد قال عليه السلام: الحرب


1. في المخطوطة: وطريق غلبة... 2. كذا، ولعل الصحيح في العبارة: أن الظلم لما ثبت أنه....

[ 63 ]

خدعة (1). وكذلك شجاعة خالد ظاهرة. فليس في ذلك شئ من تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه. وأما زيدا كان أفضل من جعفر في أمر الحرب، على أنه قد روي أن جعفرا كان المقدم والمرجوع إليه أولا، فلما حدث به ما حدث وطار إلى الجنة - على ما وردت به الرواية - تقدم زيد (2). ويدل على وجوب كونه عالما بجميع أحكام الشرع: ما قد ثبت أنه إمام في جميع [... ] متول (3) للحكم في سائره جليله وحقيره، فلو لم يكن عالما بجميع ذلك لقبح توليته ذلك، إذ من المعلوم عند العقلاء قبح تولية الأمر من لا يعلمه ولا يعلم أكثره وإن كان له طريق إلى تعلمه، من حيث أن الملحوظ والمراعى عندهم كونه عالما بما وليه. ولا التفات للعقل إلى إمكان تعلمه في خروج تلك التولية من القبح، بدليل أن الملك إذا أراد أن يولي بعض الناس الوزارة ويجعل تدبير ملكه إليه، فإنه لا يحسن منه أن يختار لذلك إلا من يليق بمعرفته في أمور الوزارة وأنه لا يخفى عليه جليلها وحقيرها، ويقبح منه أن يستوزر في ملكه من لا يعرف شيئا منها أو أكثرها، وإن كان يمكنه تعلم ذلك من معلم أو بتجربة واختبار، ولو استوزر من وصفناه لكان واضعا للشئ في غير موضعه مضيعا أمر ملكه مستحقا للذم والتوبيخ من كل عاقل بفعله ذلك.


1. صحيح البخاري 4 / 77، وقد خرج الحديث بمضامين مختلفة أصحاب الصحاح والمسانيد. 2. أنظر تفصيل غزوة مؤتة في سيرة ابن هشام 2 / 828، تاريخ الطبري 3 / 36. 3. كذا في المخطوطة (في جميع متول)، والعبارة ناقصة. (*)

[ 64 ]

وكذا الشخص لو وكل في حكوماته من لا معرفة له بمواقع الحكم ويدل على علمه بوجوه السياسة وتدبير الحروب ما قد ثبت بالشرع من الجهاد ومحاربة الكفار والذب عن بيضة الإسلام وتجيش الجيوش لحفظ الثغور، وإن الإمام في جميع ذلك مقدم فيه مقتدى به في قليله وكثيره. وإذا كان كذلك وجب اتصافه بالشجاعة وحسن السياسة والتدبير، بما ذكر من قبح تقديم المفضول على الفاضل. وجه آخر: الإمام مساو لغيره في التكاليف، ومختص بكونه لطفا لغيره في التحريك إلى الطاعات، وذلك اللطف إنما يتم باجتهاده وقبوله للقيام بأعباء الإمامة، فيكون راجحا على المكلفين في تكليفه، فيجب أن يكون اكثر ثوابا. فإن قيل: يلزم أن يكون المصلي تماما أرجح ثوابا من المصلي تقصيرا. فالجواب: الأمر كذلك إذا عرف تساويهما في صلاح الباطن، والإمام يعرف صلاح باطنه قطعا بما ثبت من عصمته، فيكون مستحقا لزيادة الثواب حتما بزيادة تكليفه. وجه آخر: الإمام يجب أن يكون عالما بجميع أحكام الدين حافظا للشرع، بدليل ما تقدم. ولأن تجويز ألا يكون عالما ببعض الأحكام يوجب التنفير عن قبول قوله، وذلك مما يجب أن نفر عنه. ولا يجب كونه أحسن الناس صورة، وإنما يجب أن لا يكون ناقص

[ 65 ]

الخلقة مشني الصورة على وجه ينفر القلب عن قبول قوله، لأن ذلك التنفير عنه [... ] (1). فصل [ تعيين الإمام بلا فصل ] قد ثبت فيما تقدم أن الإمام لا بد أن يكون معصوما قطعا ويقينا، فإذا ثبت ذلك فطريق القسمة تقتضي أن يقال: الأمة بين قائلين: أحدهما يقول بوجوب العصمة في الإمام، والآخر لا يقول بذلك. ومعلوم أن كل من يقول بوجوب العصمة في الإمام قال: إن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله إنما هو أمير المؤمنين علي بن أبى طالب عليه السلام. ومن لم يقل بوجوب العصمة للامام قال: الإمام أبو بكر. وليس فيهم من قال بوجوب العصمة مع أن الإمام أبو بكر، فالقول به خروج عن الإجماع، فيكون باطلا مضمحلا. وإذا كان هذا القول باطلا لخروجه عن الاجماع، وثبت ما سلف من وجوب العصمة، ثبته واستقر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل. طريق آخر: اختلفت الأمة على ثلاثة أقوال في تعيين الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل: قائل يقول بإمامة علي بن أبى طالب عليه السلام، وقائل


1. محذوف في المخطوطة. (*)

[ 66 ]

يقول بامامة أبى بكر، وقائل يقول بامامة العباس رضي الله عنه. ولا رابع لهذه الأقوال الثلاثة. وقد اجتمعت الفرق الثلاث عن أن أبا بكر والعباس لم يكونا مقطوعا على عصمتها، فبطل بذلك إمامتهما، بدليل ما ثبت من وجوب العصمة للإمام وأنه لا بد وأن يكون معصوما. وإذا بطلت إمامتها بفقد العصمة فيهما تحقق واستقر إمامة علي عليه السلام، وقد خرج الحق عن أقوال الأمة. طريقة أخرى: بالبناء على أن من شرط الإمام أن يكون أكثر ثوابا عند الله تعالى على القطع من كل واحد من الأمة، بأن يقال: كل من قال بذلك قال إن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل علي بن أبى طالب عليه السلام. فإن قيل: أبو بكر أفضل من علي عليه السلام. فالجواب: إن المخالف [ في ] ذلك قال بتفضيل أبي بكر في الظاهر دون أن يكون أفضل عند الله تعالى. طريقة أخرى: بالبناء على أن من شرط الإمام أن يكون أعلم من الأمة بجميع الأحكام جليلها وحقيرها، بأن يقال: كل من قال بذلك قال: إن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله علي بن أبى طالب عليه السلام، لأن كل من قال ان الإمام غيره لم يجعل كونه أعلم شرطا، فسقط قوله بذلك.

[ 67 ]

والكلام في الإمامة يبنى على خمسة أصول: الأصل الأول يتضمن حقيقة الرئاسة ووجوبها، الثاني صفات الرئيس وهذه المقدمة حاوية لهما كما ذكرت، الأصل الثالث هل الطريق إلى تعينه النص أو الاختيار، الأصل الرابع تعيينه، الأصل الخامس حديث الغيبة. ومن الأصحاب أيديهم الله تعالى من ألحق أصلا سادسا لأحكام البغاة. ويرد ذلك إنشاء الله تعالى. فصل (في ذكر إبانة النص وانقسامه) النص هو الإظهار والإبانة (1)، فمن ذلك قولهم: فلان قد نص قلوصه، إذا أبانها بالسير وأبرزها من جملة الإبل. وكذلك سمي المفرش العالي منصة، لأن الجالس عليه يبين بالظهور من الجماعة، ولهذا قيل: العروس على المنصة. وكذلك نص العالم مسألته أي أبانها. ومن ذلك قول الشاعر: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصت ولا بمعطل يريد إذا هي أظهرته. وحقيقة النص في هذا المعنى هو المنبئ عن المقول فيه على سبيل الإظهار. وأما انقسامه فعلى ضربين: النص الجلي، والنص الخفي. فالنص الجلي كقول النبي صلى الله عليه وآله لعلي بن أبى طالب


1. قال ابن فارس: نص النون والصاد أصل صحيح يدل على رفع وارتفاع وانتهاء في الشئ، منه قولهم نص الحديث إلى فلان: رفعه إليه. معجم مقاييس اللغة (نص). (*)

[ 68 ]

صلوات الله عليه: سلموا على علي بإمرة المؤمنين. وكقوله عليه السلام فيه: هذا خليفتي فاسمعوا له وأطيعوا. وكل كلام علم سامعوه من الرسول عليه السلام منه اضطرارا. وأما النص الخفي فهو الذي لا يقطع على سامعيه من الرسول عليه السلام أنهم علموا المراد منه اضطرارا ويجوز أن يكون علموه استدلالا، وأما الآن منقطع على أنه لا يعلم المراد منه إلا استدلالا، مثل قوله عليه السلام فيه: من كنت مولاه فعلي مولاه. أنت مني بمنزلة هارون من موسى (1). وينقسم النص قسمة أخرى، وهي على ضربين أيضا: أحدهما ينفرد بنقله الشيعة الإمامية خاصة وإن [ كان ] في أصحاب الحديث من رواه على وجه نقل إخبار الأخبار وهو النص الجلي، والآخر نقله المؤالف والمخالف وتلقاه جميع الأمة بالقبول على اختلاف آرائهم ومذاهبهم ولم يقدم أحد منهم على جحده وإنكاره ممن يعتد بقوله وإن اختلفوا في تأويله والمرد منه، وهو النص الخفي. إذا عرف هذا فالنص من الله سبحانه وتعالى على علي بن أبى طالب صلوات الله عليه وآله [ ورد ] في آيات كثيرة من القرآن وفي أخبار الفريقين عن نبي الهدى صلى الله عليه وآله، وستري ذلك فيما بعد مفصلا إنشاء الله تعالى.


1. هذه الأحاديث ستذكر في محالها من هذا الكتاب. (*)

[ 69 ]

فصل (في ذكر شئ من معجزاته عليه السلام) (على سبيل الجملة) ظهور المعجز على يد علي بن أبي طالب عليه السلام دلالة على صحة ما ادعاه من الإمامة، لأن ظهور المعجز يدل على صدق من ظهر على يده فيما يدعيه، لأنه يقع موقع التصديق ويجري مجرى قوله لما يدعي: صدقت فيما تدعيه. وإذا كان هذا حكم المعجز ما يمتنع أن يظهره الله تعالى على يد من ادعى الإمامة، يدل به على عصمته ووجوب طاعته والانقياد له، كما لا يمتنع أن يظهره الله تعالى على يد من يدعي النبوة. فإن قيل: لو جاز ظهور المعجز على يد غير الأنبياء لاقتضى تجويز ظهوره على (يد) غيرهم التنفير عن النظر إليهم. فالجواب: ظهور نفس المعجز دال على صدق المدعي ويرجع إلى قوله في كونه نبيا أو إماما أو ليس بنبى ولا إمام، ولو لزم التنفير عن النظر لأجل تجويز الناظر أن يكون من ظهر على يده المعجز ليس بنبي لزم مثله في النفور إذا كان الناظر قبل نظره في المعجز مجوزا أن يكون شعبذة (1) أو سحرا، ومعلوم أن مع هذا التجويز الأخير لم يحصل معه شئ من التنفير، فكذا مع التجويز في الأول (2).


1. الشعوذة والشعبذة: خفة في اليد وأعمال كالسحر، ترى الشئ للعين بغير ما هو عليه. 2. في المخطوطة: والأول. (*)

[ 70 ]

وقد نقل عنه علماء السير والآثار واستقامت به الأخبار ونظم فيه الشعراء الأشعار - رجوع الشمس له مرتين، في حياة النبي (ص) مرة وبعد وفاته أخرى، وكان من حديث رجوعها في المرة الأولى ما رواه الشيخ المفيد رحمه الله في إرشاده عن أسماء بنت عميس وأم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبى سعيد الخدري في جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله كان ذات يوم في منزله وعلي عليه السلام بى يديه إذ جاءه جبرئيل عليه السلام يناجيه عن الله سبحانه وتعالى، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين عليه السلام، فلم يرفع رأسه [ عنه ] حتى غابت الشمس، فاضطر أمير المؤمنين عليه السلام [ لذلك ] ] إلى صلاة العصر جالسا يومي بركوعه وسجوده وإيمائة، فلما أفاق من غشيته قال لأمير المؤمنين: أفاتتك صلاة العصر ؟ قال له: لم أستطع أن أصليها قائما لمكانك يا رسول الله والحال التي كنت علهيا في استماع الوحي. فقال له: أدع لترد (1) عليك الشمس حتى تصليها قائما في وقتها كما فاتتك، فإن الله يجيبك لطاعتك لله ولرسوله. فسأل أمير المؤمنين عليه السلام الله عز وجل في رد الشمس، فردت [ عليه ] حتى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، ثم صلى أمير المؤمنين صلاة العصر في وقتها ثم غربت، فقالت أسماء: أما والله لقد سمعنا لها عند غروبها [ صريرا ] كصرير المنشار في الخشبة (2).


1. في المصدر: ادع الله ليرد عليك. 2. الارشاد للمفيد 1 / 345، والإضافات منه. (*)

[ 71 ]

وروى هذا الحديث أهل المذاهب الأربعة (1)، رواه منهم أبو [ محمد ] عبد الله [ بن ] محمد بن عثمان المزني الملقب بابن السقاء (2) حتى أسنده إلى أسماء بنت عميس المذكورة. ورواه منهم الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتابه الموسوم بالمناقب باسناده أن النبي صلى الله عليه وآله كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي عليه السلام، فلم يصل العصر حتى غابت الشمس (3)، فقال الرسول صلى الله عليه وآله: [ صليت يا علي ؟ قال: لا. فقال رسول الله: اللهم ] (4) إن عليا كان على طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس. قال الراوي للحديث: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غابت حتى رجعت الصلاة العصر في الوقت، فقام علي فصلى العصر، فلما قضى صلاته غابت الشمس، فإذا النجوم مشتبكة ] (5). ورواه أيضا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الحافظ الهمداني حتى أسنده إلى أبى رافع قال: رقد رسول الله صلى الله عليه وآله على فخذ أمير المؤمنين علي عليه السلام وحضرت صلاة العصر ولم يكن


1. هذه المنقبة مروية في كثير من المصادر، فانظر للتوسع: فضائل الإمام علي من تاريخ دمشق 2 / 286 - 305، كفاية الطالب ص 380، المناقب للخوارزمي ص 306، المناقب لابن المغازلي ص 906، تذكرة الخواص ص 55. 2. تصحيح الاسم من المناقب لابن المغازلي وتاريخ دمشق. 3. في المصدر: حتى غربت الشمس. 4. الزيادة من المصدر. 5. المناقب لابن المغازلي ص 96. والزيادة الأخيرة من ذيل الحديث الذي يلي هذا الحديث. (*)

[ 72 ]

علي صلى وكره أن يوقظ النبي عليه السلام حتى غابت الشمس [ فلما استيقظ قال: ما صليت أبا الحسن العصر ؟ قال: لا يا رسول الله، فدعا النبي صلى الله عليه، فرددت الشمس على علي ] (1) كما غابت (2) حتى رجعت لصلاة العصر في الوقت، فقام علي فصلى العصر فلما قضى صلاة العصر غابت الشمس، فإذا النجوم مشتبكة (3). وأما رجوعها عليه بعد النبي عليه السلام، فإنه لما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، وصلى علي عليه السلام بنفسه في طائفة مع العصر، فلم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس، ففاتت الصلاة كثيرا منهم وفات الجمهور فضل الاجتماع معه، فتكلموا في ذلك، فلما سمع [ كلامهم فيه سأل الله تعالى رد الشمس عليه ليجمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه الله تعالى إلى ردها عليه، وكانت في الأفق على الحالة التي تكون عليها وقت الصعر، فلما سلم القوم غابت الشمس، فسمع لها وجيب شديد، فهال الناس ذلك واكثروا من التسبيح والتقديس والتهليل والاستغفار ] (4).


1. الزيادة من المصدر. 2. في المخطوطة: فما غابت. والتصحيح من المصدر. 3. المناقب لابن المغازلي ص 98. 4. في المخطوطة بياض في هذا الموضع بمقدار صفحة ونصف، وأتممنا الحديث من كتاب كشف اليقين ص 112. (*)

[ 73 ]

الفصل الأول: في آية التطهير. الفصل الثاني: في حديث يوم الغدير. الفصل الثالث: في حديث الخاتم. الفصل الرابع: في قول الله تعالى * (إني جاعلك للناس إماما) *. الفصل الخامس: في ذكر الصادقين. الفصل السادس: في قوله تعالى * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * وأن الحق هو علي وأن الحق معه. الفصل السابع: في ذكر الوصية. الفصل الثامن: في الوصية أيضا. الفصل التاسع: في ذكر العشيرة. الفصل العاشر: في حديث أخذ براءة. الفصل الحادي عشر: في ذكر السنن. الفصل الثاني عشر: في حديث الميثاق. الفصل الثالث عشر: في ذكر طالوت. الفصل الرابع عشر: في ذكر المبيت. الفصل الخامس عشر: في ذكر المحبة له من الله ومن رسوله، يتضمن حديث خيبر. الفصل السادس عشر: في ذكر المحبة أيضا، يتضمن حديث الطائر ووجوب محبته. الفصل السابع عشر في ذكر (أنا مدينة العلم وعلي بابها) و (دار الحكم وعلي بابها).

[ 74 ]

الفصل الثامن عشر: في ذكر المباهلة. الفصل التاسع عشر: في ذكر الهداية. الفصل العشرون: في ذكر آية * (أولى الأرحام) *. الفصل الحادي والعشرون: في ذكر المؤاخاة. الفصل الثاني والعشرون: في ذكر المنزلة. الفصل الثالث والعشرون: في ذكر المؤاخاة. الفصل الرابع والعشرون: في ذكر سد الأبواب إلا بابه عليه السلام. الفصل الخامس والعشرون: في أن حب علي عليه السلام علم على الإيمان وبغضه علم على النفاق. الفصل السادس والعشرون: في تسميته عليه السلام بأمير المؤمنين. الفصل السابع والعشرون: في قول النبي لعلي (أنت من وأنا منك). الفصل الثامن والعشرون: في قوله تعالى * (ولما ضرب ابن مريم مثلا) * الآية. الفصل التاسع والعشرون: في ذكر المودة للقرابة. الفصل الثلاثون: في ذكر الولاية وأن حزب علي هو الغالب. الفصل الحادي والثلاثون: في ذكر الصديقين. الفصل الثاني والثلاثون: في حديث خاصف النعل. الفصل الثالث والثلاثون: في ذكر المناشدة. الفصل الرابع والثلاثون: في ذكر الصراط المستقيم. الفصل الخامس والثلاثون: في أنه عليه السلام العروة الوثقى وحبل الله وصالح المؤمنين والأذن الواعية والنبأ العظيم.

[ 75 ]

الفصل السادس پوالثلاثون: في ذكر قوله تعالى * (أولئك هم خير البرية) *. الفصل السابع والثلاثون: في قوله تعالى * (أفمن كان على بينة من ربه) * وقوله تعالى * (ومن عنده أم الكتاب) * وأنه عليه السلام نور الله وأنه الهدى وأنه جنب الله وحجة الله وأن مثله مثل الكعبة. الفصل الثامن والثلاثون: في ذكر الدرجات. الفصل التاسع والثلاثون: في ذكر الشهادة. الفصل الأربعون: في ذكر الطاعة وأن مثل أهل البيت عليهم السلام مثل سفينة نوح. الفصل الحادي والأربعون: في ذكر قوله تعالى * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) * الآية. الفصل الثاني والأربعون: في ذكر المناجاة وقوله تعالى * (طوبى لهم وحسن مآب) *. الفصل الثالث والأربعون: في حديث الإرتقاء. الفصل الرابع والأربعون في ذكر وجوه السنة. الفصل الخامس والأربعون: في قوله تعالى * (وبئر معطلة وقصر مشيد) * وذكر الحسنة ويوم الخندق. الفصل السادس والأربعون: في ذكر الدلالات والأمارات، وهي أربعون حديثا على إمامته (1) عليه السلام. الفصل السابع والأربعون: في مساواته بأحد وعشرين نبيا وبلقمان


1. في المخطوطة: على أمته. (*)

[ 76 ]

وذي القرنين عليهم الصلاة والسلام. الفصل الثامن والأربعون: في أن مناقب علي عليه السلام لا تحصى كثرة.

[ 77 ]

الفصل الأول (في آية التطهير) قال الله تعالى * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1). روى الشيخ السعيد المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله: أن هذه الآية نزلت في بيت أم سلمة، ورفع السند إليها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله في البيت ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وقد جللهم بعباء خيبرية وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأنزل الله تعالى الآية، فتلاها عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت أم سلمة رضي الله عنها: ألست يا رسول الله من أهل بيتك ؟ فقال لها:: إنك على خير، ولم يقل لها إنك من أهل بيتى (2). وروى أصحاب الحديث: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية فقال: سلوا عنها عائشة. فقالت عائشة: إنها نزلت في بيت أختي أم سلمة فسلوها


1. سورة الأحزاب: 33. 2. قد ذكر صاحب البرهان في تفسير القرآن 3 / 309 - 325 والعلامة المجلسي في البحار 35 / 207 - 236، كثيرا من الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة في نزول الآية الكريمة في الخمسة الطاهرين عليهم السلام. (*)

[ 78 ]

عنها فانها أعلم بها مني. وأما ما ذكره أصحاب المذاهب الأربعة في ذلك فكثير (1): فمنه ما رواه الفقيه الشافعي علي بن المغازلي في كتابه المعروف بالمناقب مسندا إلى أم سلمة أنها قالت: نزلت هذه الآية * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * في رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام (2). ورواه عن زاذان عن الحسن بن علي قال: لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله [ وإياه ] (3) في كساء [ لأم سلمة ] (4) خيبري ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتى وعترتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (5). ورواه عن أم سلمة بطريق آخر أنها قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا عندي فأرسل إلى الحسن والحسين وفاطمة وعلي صلوات الله عليهم، قالت: وانتزع كساء تحتي فألقاء عليه وعليهم ثم قال: [ اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا [ مرارا ]. قالت: قلت له: وأنا معكم. قال: إنك على خير [ أو إلى خير ] (6)


1. روى السيوطي في الدر المنثور 6 / 603 - 607 أحاديث في ذلك بمختلف الألفاظ والطرق والأسانيد. 2. المناقب لابن المغازلي ص 302. 3. ليست هذه الكلمة في المصدر. 4. الزيادة من المصدر. 5. المناقب لابن المغازلي ص 302. 6. المناقب لابن المغازلي ص 303. مع اختلافات طفيفة في بعض الألفاظ والزيادات

[ 79 ]

ورواه لهذا الحديث من عدة طرق أخر، منها ما هو المسند إلى المذكورين. فهذه الروايات الست رواها الفقيه الشافعي المذكور مسندة عن المذكورين. ومن ذلك ما رواه ابن عبد ربه في الجزء التاسع والعشرين من العقد في فضائل علي بن أبي طالب قال: وجمع النبي (ص) عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فألقى عليهم كساءه وضمهم إلى نفسه، ثم تلا هذه الآية * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *، فتأولت الشيعة الرجس أنه ههنا الخوض في غمرة الدنيا ولذاتها. هذا آخر حديث ابن عبد ربه (1). ومن ذلك ما رواه احمد بن حنبل مسندا عن شداد بن عمارة (2) قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليا عليه السلام [ فشتموه فشتمته معهم، فلما قاموا قال لي: [ لم شتمت أمير المؤمنين ؟ قلت: رأيت القوم شتموه فشتمته معهم. فقال: ] (3) ألا أخبرك بما رأيته من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قلت: بلى. قالت: أتيت فاطمة عليها السلام أسألها عن علي، فقالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله [ فجلس ] (4) ومعه علي وحسن وحسين آخذ


منه 1. العقد الفريد 4 / 311. 2. في المصدر: عن شداد أبى عمار. 3. الزيادتان ليستا في المصدر، ولكنهما وردتا في تفسير ابن كثير 3 / 483 نقلا عن مسند الامام. 4. ليست الكلمة في المصدر، وهي زيادة غير لازمة. (*)

[ 80 ]

كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه - أو قال كساء - ثم تلا هذه الآية * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * ثم قال: (1) اللهم هؤلاء أهل بيتى وأهل بيتي أحق (2). ومن مسنده رواه مسندا عن أم سلمة قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله في بيتي يوما إذ قالت الخادم: إن عليا وفاطمة بالسدة (3). قالت: فقال: قومي فتنحي لي عن أهل بيتى (4). قال: فقمت فتنحيت في [ ناحية ] (5) البيت قريبا، فدخل علي وفاطمة والحسنان وهما صبيان صغيران (6). قالت: فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما (7) واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى وقبل فاطمة وأغدف عليهم (8) خميصة سوداء (9) وقال: اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتى. قلت: وأنا يا رسول. فقال وأنت (10).


1. في المصدر: وقال. 2. مسند الامام احمد 4 / 107. 3. السدة باب الدار. 4. في المصدر: قال قومي عن أهل بيتي. 5. الزيادة من المصدر. 6. في المصدر: ومعهم الحسن والحسين صبيان صغيران. 7. في المصدر: فقبلهما ووضعهما في حجره. 8. أغدف عليهم: أسبل عليهم. الخميصة: ثوب أسود مربع. 9. في المصدر: واعتنق عليا وفاطمة ثم أغدف عليهما ببردة له وقال... 10. مسند الامام احمد 6 / 204. (*)

[ 81 ]

ومن ذلك ما رواه من مسنده مسندا عن أم سلمة بطريق آخر: تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله كان في بيتها وأتته فاطمة عليها السلام ببرمة فيها خزيرة (1)، فدخلت بها عليه، قال: ادعي لي زوجك وابنيك (2). قالت: فجاء علي وحسن وحسين عليهم السلام، فدخلوا [ عليه ] (3) فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو وهم على (4) منام له على دكان (5) تحته كساء له خيبري. قالت: وأنا في الحجرة أصلي (6)، فأنزل الله تعالى هذه الآية * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. قالت: فأخذ فضل الكساء وكساهم به (7)، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء وقال: (اللهم) (8) هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالت: فأدخلت رأسي البيت وقلت: وأنا معكم يا رسول الله. قال: إنك إلى خير [ إنك إلى خير ] (9).


1. البرمة: القدر من الحجر. الخزيرة: لحم يقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. وقيل هي حسا من دقيق ودسم. قيل إذا كان من دقيق فهو حريرة، وإذا كان من نخالة فهو خزيرة. 2. في المصدر: فقال لها ادعي زوجك وابنيك. 3. زيادة من المصدر. 4. في الصمدر: وهو على. 5. الدكان: مجلس كالمصطبة. 6. في المصدر: وأنا أصلي في الحجرة. 7. في المصدر: فغشاهم به. 8. الزيادة من المصدر. 9. الزيادة من المصدر. (*)

[ 82 ]

قال عبد الملك: وحدثني بها أبو سلمة (1) مثل حديث عطاء سواء، قال عبد الملك: وحدثني داود بن أبى عوف الحجاف (2) عن شهر بن حوشب (3) عن أم سلمة بمثله سواء (4) ومن ذلك ما رواه عن أم سلمة بطريق آخر: إن رسول الله الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة: ايتينى بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء [ فدكيا ] (5). قالت: (6) ثم وضع يده عليهم وقال: اللهم إن هؤلاء آن محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد و [ على ] آل محمد إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي وقال: إنك على خير (7). ومن ذلك ما رواه واثلة بن الأسقع بطريق آخر قال: طلبت عليا في منزله، فقالت فاطمة: ذهب يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فجاءا جميعا فدخلا ودخلت معهما، فأجلس عليا عن يساره وفاطمة عن يمينه والحسن والحسين بين يديه، ثم التفع عليهم (8) ثوبه وقال * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا تطهيرا) * اللهم إن هؤلاء


1. في المصدر: قال عبد الملك وحدثني أبو ليلى عن أم سلمة. 2. في المصدر: ابن الجحاف. 3. في المصدر: عن حوشب. 4. مسند الامام احمد 6 / 292. 5. الزيادة من المصدر. 6. في المصدر: قال. 7. مسند الامام احمد 6 / 323. 8. التفع بالثوب: اشتمل به وتغطى به. (*)

[ 83 ]

أهلي، اللهم إن هؤلاء أحق. قال واثلة: فقلت من ناحية: وأنا من أهلك يا رسول الله. قال: وأنت من أهلي. قال واثلة: فلذلك أرجى (1) ما أرجو من عملي. ومن ذلك ما رواه عن شداد بن عبد الله قال واثلة بن الأسقع (2) قد جئ برأس الحسين بن علي عليهما السلام، قال: فلقيه رجل من أهل الشام فأظهر سرورا، فغضب واثلة وقال: والله لا أزال أحب عليا وحسنا وحسينا أبدا بعد إذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله في منزل أم سلمة وجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبله، وجاء الحسين فأجلسه على فخذه اليسرى وقبله، ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه، ثم دعا بعلي عليه السلام فجاء فجلس بين يديه ثم أردف عليهم (3) كساء خيبريا كأني أنظر إليه، ثم قال * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا) *. قلت لواثلة: ما الرجس قال: الشك في الله (4). ومن ذلك ما رواه عن عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتى (5) تسعة رهط (6). والخبر طويل نذكر منه موضع الحاجة إليه، قال: قال ابن عباس رحمه الله: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ثوبه فوضعه على علي عليه السلام وفاطمة والحسن والحسين وقال * (إنما يريد الله


1. في المخطوطة: أرجو ما أرجو. 2. يتكرر الاسم في المخطوطة: واثلة بن الأصقع. 3. أردف عليهم: اتبعه عليهم ووضعه. 4. هذا أحد مصاديق الرجس وليس كل معناه. 5. في المصدر: إذ أتاه. 6. أي تسعة أشخاص ض، فان الرهط إذا أضيف إلى العدد أريد منه الشخص والنفس. (*)

[ 84 ]

ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1). ومن ذلك عن أم سلمة بطريق آخر غير الطريق الأول قال: قالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله حين جاء نعي الحسين [ بن علي ] عليه السلام لعنت أهل العراق فقالت: قتلوه قتلهم الله، غروه وأذلوه لعنهم الله، فاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد جاءته فاطمة غداة (2) ببرمة قد صنعت فيها عصيدة (3) تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: أين ابن عمك ؟ قالت: هو في البيت. قال: إذهبي فادعيه وائتني بابنيه. قالت: فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما بيد، وعلي يمشي في أثرهما، حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأجلسها في حجره وجلس علي على يمينه وجلست فاطمة على يساره (4). قالت أم سلمة: فاجتذب (5) من تحتي كساء خيبريا كان بساطا لنا على المنامة (6) في المدينة، فلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ طرفي الكساء (7) وألوى بيده اليمنى إليه ربه عز وجل وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتى أذهب عنهم الرجس وطهرم تطهيرا (8). قلت: يا رسول الله ألست من أهلك ؟ قال:


1. مسند الامام احمد 1 / 330. 2. في المصدر: غدية. 3. العصيدة: دقيق يلت بالسمن ويطبح. 4. في المصدر: عن يمينه عن يساره. 5. في المصدر: فاجتبذ. وهو بمعنى الجذب. 6. في المخطوطة: المبانة. 7. في المصدر: فلفه النبي عليهم جميعا فأخذ بشماله طرفي الكساء. 8. تكررت هذه العبارة في المصدر ثلاث مرات. (*)

[ 85 ]

بلى، وأدخلني (1) في الكساء [ قالت: فدخلت في الكساء ] (2) بعد ما قضى دعاءه لابن عمه علي وابنيه وابنته فاطمة عليهم السلام (3). هذه الأخبار الثمانية رواها احمد بن حنبل مسندة عن المذكورين. ومن صحيح البخاري المصنف يرفعه إلى مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة عن عائشة. وسيأتي الخبر. وأما مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المصنف يرفع السند إلى عائشة أيضا، قالا جميعا: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وآله غداة وعليه مرط مرحل (4) من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. ومن تفسير الثعلبي قال في تفسير قوله تعالى * (طه) * قال: قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: طه طهارة أهل بيت محمد عليهم السلام، ثم قرأ * (إنما يريد الله) * الآية. وفي تفسيره أيضا ما رفعه إلى أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نزلت هذه الآية في خمسة، في وفي علي وفي حسن وحسين وفاطمة * (إنما يريد الله) * الآية (5).


1. في المصدر: فأدخلني. 2. الزيادة من المصدر. 3. مسند الامام احمد 6 / 298. 4. المرط: كساء. والمرحل: الموشى المنقوش عليه صور رحال الابل. 5. تفسير ابن كثير 3 / 485. (*)

[ 86 ]

ومن تفسيره أيضا باسناده إلى أبى داود عن أبى الحمراء قال: أقمت بالمدينة تسعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في كل غداة يقوم على باب علي وفاطمة عليهما السلام، فيقول: الصلاة * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. ومن ذلك من صحيح أبى داود وهو كتاب السنن وموطأ مالك مسندا إلى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر لما نزلت هذه الآية قريبا من ستة أشهر، يقول: الصلاة أهل البيت * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1). ومن ذلك من مسند عائشة في الجمع بين الصحيحين للحميدي في الحديث الرابع والستين من أفراد مسلم من طريقين: أحدهما أن النبي صلى الله عليه وآله خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم قال * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (2). ومن ذلك من صحيح أبى داود في الجزء الثالث في باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله مثل هذه الألفاظ المنقولة في الجمع بين الصحيحين للحميدي سواء. ومن ذلك من صحيح أبى داود في موضع آخر في تفسير الآية باسناده أن النبي صلى الله عليه وآله - مثل لفظه في الجمع بين الصحيحين للحميدي


1. أنظر: مسند الامام احمد 3 / 259 و 285، والدر المنثور 6 / 605. 2. صحيح مسلم 4 / 1883. (*)

[ 87 ]

- وزاد في آخره: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ومن ذلك من صحيح مسلم في الجزء الرابع في ثالث كراس في باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام باسناده إلى سعد بن أبى وقاص يذكر في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله عدة فضائل لعلي بن أبي طالب وخاصته ويقول في أواخره: لما نزلت هذه الاية * (فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم ونساؤنا ونساءكم وأنفسها وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي (2). فقد بان لك أن هذه الآية الشريفة العظيمة نزلت في أهل البيت المذكورين عليهم السلام بنقل الفرقة المحقة، ونقل أهل المذاهب الأربعة، ولا يسعهم الجحود لذلك، وقد نطقت به أئمتهم الذين يأخذون منهم معالم دينهم. وهذه توجب العصمة لعلي وفاطمة وولديهما عليهم السلام، لأن إذهاب الرجس لا يكون إلا بالعصمة من الذنوب، لأن الذنوب من أرجس الرجس والتطهير التنزيه عن الإثم وعن كل قبيح، وكذا ذكره أحمد بن فارس اللغوي في مجمله. وحمل التأويل على ما جاء به الأثر أولى من حمله على الظن والترجيم، مع أن الله تعالى قد دل على صحة ذلك بتضمن هذه الآية بقوله


1. سورة آل عمران: 61. 2. صحيح مسلم 4 / 1871، وفيه: اللهم هؤلاء أهلي. (*)

[ 88 ]

* (أهل البيت) * وفسره رسول الله صلى الله عليه وآله وقال * [ هؤلاء ] أهل بيتى) وأشار إلى الأربعة المذكورين عليهم السلام. والخبر في الإرادة ههنا إنما هو خبر عن وقوع الفعل خاصة دون الإرادة التى يكون بها الفظ الأمر أمرا، لأن قوله تعالى * (يريد الله ليبين لكم) * (1) وقوله تعالى * (يريد الله بكم اليسر) * (2) لفظ عام في الآيتين، فلو لم يكن بين آية التطهير وبين هاتين الآيتين فرق لما كان لتخصيصها بأهل البيت عليهم السلام معنى، لأنه جل جلاله أراد بها المدح هلم، ولا يحصل المدح إلا بوقوع الفعل. وموصوفية أهل البيت عليهم السلام بالطهارة إما أن يكون وصفا عدميا أو ثبوتيا: الأول محال، لأنه نقيض اللا موصوفية، وهو وصف سلبى، ونقيض السلب ثبوت. فثبت أن موصوفيتهم عليهم السلام بالطهارة وصف ثبوتي لاسلبي، فوجب وصفهم بالطهارة واختصاصهم بها، وثبت فيهم ولهم دون غيرهم. فإن قيل: أراد بها أزواج النبي صلى الله عليه وآله. فالجواب: ذلك باطل، لأن إذهاب الرجس لا يكون إلا بالعصمة، بدليل ما سبق، وهن غير معصومات. جواب آخر: جمع المذكر بالميم وجمع المؤنث بالنون، والفصل بينهما بهاتين العلامتين، ولا يجوز عند أهل اللسان وضع علامة المؤنث على المذكر ولا وضع علامة المذكر على المؤنث، ولا استعملوا ذلك في حقيقة


1. سورة النساء: 26. 2. سورة البقرة: 185. (*)

[ 89 ]

ولا مجاز، والله تبارك وتعالى أتى بالميم وأسقط النون التي هي علامه المؤنث مكررة في صدر الكلام من قوله تعالى * (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) * إلى قوله * (وأطعن الله ورسوله) * ثم عدل بالكلام عنهن وأتى بعلامة المذكر فقال جل قائلا * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *، علم أنه لم يوجه الخطاب إلى المذكور الأول باتفاق أهل العربية، ثم عام إلى ذكر الأزواج فقال تعالى * (واذكرن ما يتلى في بيوتكن) *، فدل ذلك على إخراج من أخرجه الكلام الآلهي من آل محمد عليهم السلام بما علقه من حكم الطهارة الموجبة للعصمة وجليل الفضيلة. وهذا يسمى نقل خطاب مذكر إلى مؤنث، كما نقل خطاب الحاضر إلى الغائب في قوله تعالى * (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) * (1)، وذلك للفصاحة والبلاغة. فان قيل: إن الإذهاب لا يكون إلا بعد الثبوت في قوله تعالى * (ليذهب عنكم الرجس) * يدل على أنه كان ثابتا فيهم. فالجواب: إن هذا ليس بشئ، لأن التخيل الذهني لا يكون ثابتا، ألا ترى أنك تقول (2) للمخاطب (أذهب الله عنك كل مرض) * وإن كان غير حاصل فيه، لكن الخيال الذهني لما تصور ذلك حسن الدعاء له بإذهابه عنه مع أنه غير حاصل فيه. فهذه الآية تزيل الخيال الذي يتصوره الإنسان في ذهنه.


1. سورة يونس: 22. 2. في المخطوطة: لا تقول. (*)

[ 90 ]

فقد ثبت عصمة مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكل من قال بالعصمة قال هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل. فالقول بوجوب العصمة مع أن الإمام غيره خروج عن الإجماع. وقد تقدم القول في وجوب العصمة للإمام وثبت عصمته، فوجب أن يكون إماما وبطلت إمامة من عداه بارتفاع العصمة عنه. فإن قيل: إذا كان الإمام معصوما كان مجبورا ولا فضيلة له، لأن معصوما اسم مفعول. فالجواب: إن اسم المفعول قد يعبر به عن الفاعل، وكذا اسم الفاعل يعبر به عن المفعول، قال الله تعالى * (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) * (1) وقال تعالى * (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) * (2) أي معصوما، وكذا قوله * (من ماء دافق) * (3) إي مدفوق، فيكون الإمام عاصما لنفسه مؤيدا من الله سبحانه وتعالى. قال الشاعر: بأبي خمسة هم جنبوا الرجس كرام وطهروا تطهيرا أحمد المصطفى وفاطمة أعني وعليا وشبرا وشبيرا من تولاهم توالى ذو العرش ولقاه نظرة وسرورا وعلى مبغضيهم لعنة الله * وأصلاهم الملك سعيرا.


1. سورة الاسرار: 45. 2. سورة هود: 43. 3. سورة الطارق: 6. (*)

[ 91 ]

الفصل الثاني (في حديث يوم الغدير) قال الله تعالى * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) * (1). نزلت هذه الاية في علي عليه السلام، يعنى بلغ ما أنزل إليك في علي بن أبي طالب، فمن ذلك ما روته فرقة الشيعة (2): رواه الشيخ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (3) مسندا عن زيد بن أرقم قال (4): لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع جاء حتى


1. سورة المائدة: 67. 2. اتفقت تفاسير الشيعة على أن الآية الكريمة نزلت في تنصيب علي عليه السلام بالامامة، وانظر بعض الأحاديث في ذلك تفسير البرهان 1 / 488 - 491. وتجد نص خطبة الغدير أو بعضها أيضا في البحار 37 / 204 وعوالم العلوم 15 - 3 / 178 نقلا عن جملة من المصادر الشيعية. 3. أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري هذا صاحب كتاب (دلائل الامامة) غير أبى جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري صاحب كتابي (التاريخ) و (التفسير) المعروفين. 4. يبدو أن المؤلف أخذ خطبة النبي (ص) من دلائل الامامة للطبري، وهو في القسم الساقط من الدلائل، وهنا قارنا النسخة بما في كتاب الاحتجاج للطبرسي ص 55 - 67، والحديث فيه مسند ويختلف مع ما هنا في بعض الألفاظ نشير إلى ما لابد منه (*)

[ 92 ]

نزل بغدير خم بالجحفة (1) بين مكة والمدينة، ثم أمر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك (2)، ثم نودي بالصلاة جامعة، فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم شديد الحر، وإن منا من يضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر والرمضاء، ومنا من يضعه فوق رأسه، فصلى بنا صلى الله عليه وآله، ثم التفت إلينا فقال: (الحمد لله الذي علا في توحده، ودنا في تفرده، وجل في سلطانه، وعظم في أركانه، وأحاط بكل شئ [ علما ] (3) وهو في مكا نه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه). (حميدا لم يزل ومحمودا لا يزول، ومبدئا ومعيدا وكل أمر إليه يعود، بارئ المسموكات (4)، وداحي المدحوات، قدوس سبوح رب الملائكة والروح، متفضل على جميع من برأه، متطول على كل من ذرأه). (يلحظ كل نفس (5) والعيون لا تراد. كريم حليم ذو أناة، قد وسع كل


ولا نتتبع كل الاختلافات بينهما. 1. غدير خم: مجمع مياه أو بئر. سمي باسم رجل صباغ أضيف إليه الغدير الذي هو بين مكة والمدينة بالجحفة، وقيل هو على ثلاثة أميال من الجحفة، معجم البلدان 2 / 389. الجحفة: قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام، وهي الآن خراب بينها وبين غدير خم ميلان. معجم البلدان 2 / 111. 2. الدوحات جمع الدوحة، وهي الشجرة العظيمة المتسفة. قم: كنس ونظف. 3. زيادة من الاحتجاج. 4. المسموكات: السماوات وما فيها. 5. في الاحتجاج: كل عين. (*)

[ 93 ]

شئ رحمة، ومن عليهم بنعمته، لا يعجل بانتقامه، ولا يبادر إليهم بما يستحقون من عذابه). (قد فهم السرائر، وعلم الضمائر، ولم تخف عليهم المكنونات (1)، ولا اشتبهت عليه الخفيات، له الإحاطة بكل شئ، والغلبة لكل شئ (2)، والقوة في كل شئ، والقدرة على كل شئ، ليس كمثله شئ، وهو منشئ كل شئ، وحي حين لا حي، ودائم حي، وقائم بالقسط (3)، لا إله إلا هو العزيز الحكيم). (جل عن أن تدركه الأبصار [ وهو يدرك الأبصار ] (4)، وهو اللطيف الخبير، لا يلحق وصفه أحد من معاينة، ولا يحده أحد كيف هو من سر ولا علانية إلا بما دل هو على نفسه عزوجل). (أشهد أنه الله الذي ملأ الدهر قدسه، والذي يغشى الأبد نوره، والذي ينفذ أمره بلا مشاور، ولا معه شريك في تقديره، ولا معاون في تدبيره (5)). (وصور ما ابتدع على غير مثال، وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلف ولا احتيال. أنشأها فكانت وبرأها فبانت، فهو الله لا إله إلا هو المتقين الصنعة والحسن الصبغة. العدل الذي لا يجوز، والإكرام الذي إليه ترجع الأمور).


1. في المخطوطة: المكتوبات. 2. في الاحتجاج: على كل شئ. 3. في الاحتجاج: وهو منشئ الشئ حين لا شئ. دائم قائم بالقسط. 4. الزيادة من الاحتجاج. 5. في الاحتجاج: بلا مشاورة مشير.. ولا تفاوت في تدبير. (*)

[ 94 ]

(أشهد أنه الله الذي تواضع كل شئ لعظمته، وذل كل شئ لهيبته (1)، مالك الأملاك (2) ومسخر الشمس والقمر، كل شئ يجري لأجل مسمى، يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل، يطلبه حثيثا). (قاصم كل جبار عنيد، و [ مهلك ] (3) كل شيطان مريد، لم يكن له ضد، ولم يكن معه ند (4). أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد). (الها واحدا، وربا ماجدا، يشاء فيمضي، ويريد فيقضي، ويعلم ويحصي، ويميت ويحيى، ويفقر ويغني، ويضحك ويبكي، ويدني ويقصي، ويمنع ويعطي، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شئ قدير). (لا مولج لليل في نهار ولا مولج للنهار في ليل إلا هو (5)، مستجيب للدعاء، مجزل للعطاء. محص للأنفاس، رب الجنة والناس. الذي لا تشكل عليه لغة، ولا تضجره مستصرخة (6)، ولا يبرمه إلحاح الملحين). (العاصم للصالحين، والموفق للمفلحين، مولى المؤمنين، ورب العالمين، الذي استحق من الخلق أن يشكره ويحمده على كل حال) (7).


1. في الاحتجاج: تواضع كل شئ لقدرته وخضع كل شئ لهيبته. 2. في الاحتجاج: ملك الأملاك ومفلك الأفلاك. 3. الزيادة من الاحتجاج. 4. في الاحتجاج: لم يكن معه ضد ولاند. 5. في الاحتجاج: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل لا اله الا هو العزيز الغفار. 6. في الاحتجاج: لا يشكل عليه شئ ولا يضجره صراخ المستصرخين. 7. في الاحتجاج: الذي استحق من كل من الخلق أن يشكره ويحمده. (*)

[ 95 ]

(أحمده كثيرا وأشكره دائما على السراء والضراء والشدة والرخاء، أؤمن به وبملائكته وكتبه ورسله، أسمع لأمره وأطيع، وأبادر إلى ما أوراه، وأسلم إلى قضاة (1)، رغبة في طاعته وخوفا من عقوبته، لأنه الله الذي لا يؤمن مكره ولا يخاف جوره، أقر له على نفسي بالعبودية، وأشهد له بالربوبية، وأؤدي ما أوحى به إلى، حذرا من أن لا أفعل فيحل بي منه قارعة لا يدفعها عني أحد، وإن عظمت حيلته وصفت خلته). (لا إله إلا هو، وقد أعلمني أني إذا لم أبلغ ما أنزل إلي من ربي فما بلغت رسالته، وقد تضمن لي العصمة، وهو الله الكافي الكريم، أوحى إلي: بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) * إلى آخر الآية). (معاشر الناس. وما قصرت فيما بلغت، ولا قعدت عن تبليغ ما نزله (2)، وأنا أبين لكم سبب نزول هذه الآية: إن جبرئيل هبط علي مرارا ثلاثا يأمرني عن السلام رب السلام (3) أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي، الذي محله مني محل هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدي، وهو وليكم من بعد الله ورسوله، وقد أنزل الله بذلك آية هي * (إنما وليكم الله ورسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (4) وعلي


1. في الاحتجاج: وأبادر إلى كل ما يرضاه وأستسلم لقضائه. 2. في الاحتجاج: ما قصرت في تبليغ ما أنزل الله تعالى الي. 3. في الاحتجاج: عن السلام ربي وهو السلام. 4. سورة المائدة: 55. (*)

[ 96 ]

ابن أبي طالب الذي أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع، يريد الله تعالى في كل حال). (فسألت جبرئيل عليه السلام أن يستعفي لي السلام من تبليغ ذلك إليك - أيها الناس - لعلمي بقلة المتقين وكثرة المنافقين، ولإعدال الآيمين وإدغال الآثمين، وحيلة المستسرين الذى (1) وصفهم الله تعالى في كتابه بأنهم * (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) *، وكثرة أذاهم لي مرة بعد مرة (3) حتى سموني أذنا، وزعموا أني هو لكثرة ملازمته إياي وإقبالي عليه وقبوله مني، حتى أنزل الله في ذلك لا إله إلا هو * (الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم) * (4) إلى آخر الآية (5). (ولو شئت أن أسمي القائلين بأسمائهم لأسميتهم، وأن أومي إليهم بأعيانهم لأومأت، وأن أدل عليهم لدللت، ولكني والله بسرهم (6) قد تكرمت، وكل ذلك لا يرضي الله إلا أن أبلغ ما أنزل الله إلي * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) * الآية. فاعلموا معاشر الناس ذلك وافهموه). (واعلموا أن الله (7) قد نصبه لكم وليا وإماما، فرض طاعته على


1. في الاحتجاج: وختل المستهزئين بالاسلام الذين. 2. سورة النور: 15. 3. في الاحتجاج: أذاهم لي في غير مرة. 4. سورة التوبة: 6. 5. في الجمل الأخير بعض الاختلاف عما في الاحتجاج. 6. في الاحتجاج: في أمورهم. 7. في الاحتجاج بعد الآية: فاعلموا معاشر الناس أن الله. (*)

[ 97 ]

المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين لهم باحسان، وعلى البادي والحاضر، وعلى العجمي والعربي، وعلى الحر والمملوك والصغير والكبير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى كل موحد (1) ماض حكمه وجائز قوله ونافذ أمره، ملعون من خالفه، مرحوم من صدقه (2)، قد غفر الله لمن سمع وأطاع له) (3). (معاشر الناس. إنه آخر مقام أقوم في هذا المشهد، فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لأمر الله ربكم فإن الله هو مولاكم وعلي إمامكم، ثم إن الامامة في ولدي الذين من صلبه إلى يوم القيامة، يوم تلقون الله ورسوله، لاحلال إلا ما أحله الله وهم لكم، ولا حرام إلا ما حرم الله عليكم، وهو وا لله عرفني الحلال والحرام وأنا أفضيت بعلمه إليه) (4). (معاشر الناس. فضلوه (5)، ما من علم إلا وقد أحصاه الله في، وكل علم علمته فقد علمته عليا، وهو المبين لكم بعدي) (6).


1. في المخطوطة: وعلى كل موجود. 2. في الاحتجاج: مرحوم من تبعه مؤمن من صدقه. 3. في الاحتجاج: فقد غفر الله له ولمن سمعه منه وأطاع له. 4. في الاحتجاج: فان الله عز وجل هو مولاكم والهكم، ثم من دونه محمد وليكم القائم المخاطب لكم، ثم من بعدي علي وليكم وامامكم بأمر ربك، ثم الامامة في ذريتي من ولدي إلى يوم تلقون الله ورسوله، لا حلال الا ما أحله الله، ولا حرام الا ما حرمه الله، عرفني الحلال والحرام وأنا أفضيت لما علمني ربي من كتابه من حلاله وحرامه إليه. 5. ليست هذه الكلمة في الاحتجاج. 6. في الاحتجاج: وكل ما علمت فقد أحصيته في امام المتقين. وما من علم الا علمته عليا، وهو الامام المبين. (*)

[ 98 ]

(معاشر الناس. لا تضلوا عنه، ولا تفرقوا منه، ولا تستنكفوا عن ولايته، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه، لا تأخذه في الله لومة لائم. [ ثم انه ] أول من آمن بالله ورسوله، و [ هو ] الذي فدى رسول الله بنفسه، و [ هو ] الذي كان مع رسول الله ولا أحد يعبد الله مع رسوله [ من الرجال ] غيره) (1). (معاشر الناس. فضلوه، فقد فضله الله، واقبلوه فقد نصبه الله). (معاشر الناس. إنه إمام من الله، ولن يتوب الله على أحد أنكره (2)، ولن يغفر [ الله ] له، حتما على الله أن يفعل ذلك [ بمن خالف أمره فيه ]، وأن يعذ به عذابا [ شديدا ] نكرا (3) أبد الآبد ودهر الداهر، واحذروا أن تخالفوه فتضلوا، فتصلوه بنار وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) (4). (معاشر الناس. بى والله بشر الأولون من النبيين والمرسلين، وأنا والله خاتم النبيين والمرسلين، والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين، فمن شك في ذلك فقد كفر كفر الجاهلية الأولى، ومن شك في شئ من قولي فقد شك في الكل منه، والشاك في ذلك في النار). (معاشر الناس، حباني الله (5) بهذه الفضيلة منا منه علي واحسانا منه إلي، لا إله إلا هو، له الحمد مني أبدا الآبد ودهر الداهر على كل حال).


1. الزيادات من الاحتجاج. 2. في الاحتجاج: أنكر ولايته. 3. الزيادات من الاحتجاج. 4. اشارة إلى سورة البقرة: 24. 5. في المخطوطة: جائني الله. (*)

[ 99 ]

(معاشر الناس، فضلوا عليا، فهو أفضل الناس بعدي من ذكر وأنثى، بنا أنزل الرزق (1) وبقي الخلق، ملعون من خالفه مغضوب عليه، قول عن جبرئيل، وقول الله أن تخالفوه إن الله خبير بما تعملون) (3). (معاشر الناس. تدبروا القران وافهم آياته [ وانظروا إلى ] (4) محكماته ولا تتبعوا متشابهه، فو الله لن يبين لكم زواجره ولن يوضح لكم تفسيره إلا الذي أنا آخذ بيده ومصعده إلي، وشائل عضده ورافعها بيدي، ومعلمكم أن من كنت مولاه فعلي مولاه، ع لي بن أبي طالب أخي ووصيي، أمر من الله نزله علي) (5). (معاشر الناس. إن عليا والطيبين من ولدي من صلبه هم الثقل الأصغر والقرآن هو الثقل الأكبر، وكل واحد منهما منبئ على صاحبه [ وموافق له ] لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، أمر الله في خلقه وحكمه في أرضه) (6). (ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، ألا إن الله تعالى قال وأنا قلت عن الله، ألا وإنه لا أمير المؤمنين غير أخي هذا، ولا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره). ثم ضرب بيده إلى عضده فرفعه، وكان أمير المؤمنين منذ أول ما صعد


1. في المخطوطة: ما نزل الله الرزق. 3. سورة الحشر: 18. 3. هذه الأسطر تختلف كثيرا عما في الاحتجاج. 4. الزيادة من الاحتجاج. 5. في الاحتجاج: وموالاة من الله عز وجل أنزلها علي. 6. في الاحتجاج: هم أمناء الله في خلقه وحكماؤه في أرضه. (*)

[ 100 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله منبره على درجة دون مقامه متيمنا عن وجه رسول الله كأنهما في مقام واحد، فرفعه رسول الله بيده وبسطها إلى السماء وشال عليا حتى صارت رجله مع رجله من ركبة رسول الله صلوات الله عليهما، ثم قال (1): (معاشر الناس. هذا علي أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بى (2) وعلى تفسير كتاب الله ربى والدعاء إليه والعمل (3) بما يرضاه والمحارب لأعدائه والدال على طاعته (4) والناهي عن معصيته، خليفة رسول الله وأمير المؤمنين، والإمام الهادي من الله بأمر الله، يقول (5) الله عز وجل * (ما يبدل القول لدي) * (6) بأمرك أقول: ا للهم وال من والاه، وعاد من عاداه، [ وانصر من نصره واخذل من خذله ] (7)، والعن من من أنكره، واغضب على من جحده [ حقه ] (8). اللهم انك أنزلت الآية في علي عند تبيين ذلك ونصبك إياه لها * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ومن يبتغ غيصر الإسلام دينا فلن يقبل منه


1. هذه الأسطر في الاحتجاج اختصرت. 2. في الاحتجاج: على أمتي. 3. في الاحتجاج: والداعي إليه والعامل. 4. في الاحتجاج والموالي على طاعته. 5. في الاحتجاج: والامام الهادي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر الله، أقول وما يبدل. 6. سورة ق: 29. 7. هذه الزيادة ليست في الاحتجاج. 8. الزيادة من الاحتجاج. (*)

[ 101 ]

وهو في الآخرة من الخاسرين) * (1). اللهم إني أشهدك [ وكفى بك شهيدا ] (2) أني قد بلغت). (معاشر الناس. إنما أكمل الله لكم دينكم بامامته، فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي (3) من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله * (فأولئك الذين حبطت أعمالهم وفي النار هم فيها خالدون * لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) *) (4). (معاشر الناس. هذا علي أنصركم لي وأحق الناس بى [ وأقربكم إلي وأعزكم علي ] (5)، والله عنه وأنا راضيان، وما نزلت آية رضى إلا فيه، ولا خاطب الله الذين آمنوا إلا بدأ به، وما نزلت آية مدح في القرآن إلا فيه، ولا شهد الله بالجنة في * (هل أتى على الإنسان) * إلا له، ولا أنزلها في سواه، ولا مدح بها غيره). (معاشر الناس. هو يؤدي دين الله (7)، والمجادل عن رسول الله، والتقي النقي الهادي المهدي، نبيه خير نبي وهو خير وصي) (8). (معاشر الناس. ذرية كل نبي من صلبه وذريتي من صلب أمير المؤمنين


1. سورة آل عمران 85. 2. الزياد من الاحتجاج. 3. في الاحتجاج: وبمن يقوم مقامه من ولدي. 4. سورة البقرة: 217 - 218. 5. الزيادة من الاحتجاج. 6. سورة الدهر: 1. 7. في الاحتجاج ناصر دين الله. 8. في الاحتجاج: نبيكم خير نبى، ووصيكم خير وصي، وبنوه خير الأوصياء. (*)

[ 102 ]

علي بن أبي طالب). (معاشر الناس. إن ابليس أخرج آدم من الجنة بالحسد، فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم، أهبط آدم إلى الأرض بخطيئة هو صفوة الله، فكيف أنتم فإن أتيتم وأنتم أعداء. والله (1) ما يبغض عليا إلا شقي، ولا يوالي عليا إلا تقي، ولا يؤمن به إلا مؤمن مخلص في علي والله نزلت سورة العصر * (بسم الله الرحمن الرحيم * إن الإنسان لفي خسر) * إلا علي الذي رضي بالحق والصبر) (2). (معاشر الناس، قد أشهدني الله وأبلغتكم (3). * (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) * (4). معاشر الناس. * (إتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) *) (5). (معاشر الناس. آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه * (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) * (6). (معاشر الناس. النور من الله تعالى في، ثم مسلوك في علي (7)، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي الذي يأخذ بحق الله وبكل حق هولنا، يقتل


1. في الاحتجاج: وكيف بكم وأنتم أنتم، ومنكم أعداء الله، انه لا يبغض. 2. لم تنقل السورة كاملة بنصها. 3. في الاحتجاج: قد استشهدت الله وبلغتكم رسالتي. 4. سورة النور: 54.. سورة البقرة: 134. 6. سورة النساء: 47. 7. في الاحتجاج: في مسلوك ثم في علي. (*)

[ 103 ]

المقصرين والغادرين (1) والمخالفين والخائنين [ والآثمين ] (2) والظالمين من جميع العالين). (معاشر الناس. إني أنذركم أني رسول الله، قد خلت من قبلي الرسل، فإن مت أو قتلت انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين والصابرين (3). ألا إن عليا هو الموصوف بالصبر وشكر، ثم من بعده ولده من صلبه). (معاشر الناس. لا تتمنوا على الله فينا ما لا يعطيكم الله ويسخط عليكم ويبتليكم بسوط عذاب إن ربك لبالمرصاد) (4). (معاشر الناس. ستكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون). (معاشر الناس. إنهم وأشياعهم وأنصارهم وأتباهم في الدرك الأسفل من النار وبئس مثوى المتكبرين) (5). (معاشر الناس. إني أدعها إمامة ووراثة، وقد بلغت ما بلغت، حجة على كل حاضر وغائب، وعلى كل أحد ممن ولد ومن لم يولد [ ومن شهد ] ولم


1. في الاحتجاج: لأن الله عز وجل قد جعلنا حجة على المقصرين والمعاندين. 2. الزيادة من الاحتجاج. 3. إشارة إلى سورة آل عمران: 144. 4. في الاحتجاج: لا تمنوا على الله اسلامكم فيسخط عليكم ويصيبكم بعذاب من عنده انه لبالمرصاد. 5. زاد في الاحتجاج هنا: ألا انهم أصحاب الصحيفة، فلينظر أحدكم في صحيفته، قال: فذهب على الناس الا شرذمة منهم أمر الصحيفة. (*)

[ 104 ]

يشهد، فليبلغ الحاضر الغائب والوالد الولد إلى يوم القيامة، وسيجعلونها ملكا واغتصابا (1) فعند ها يفرغ لكم الثقلان من يفرغ (2) ويرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران). (معاشر الناس. إن الله تعالى لم يكن ليذركم على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب). (معاشر الناس. إنه ما من قرية إلا والله مهلكها قبل يوم القيامة، ومهلكها الإمام المهدي، والله مصدق وعده). (معاشر الناس. قد ضل قبلكم أكثر الأولين، والله قد أهلك الأولين مخالفة أنبيائهم وهو مهلك الآخرين). ثم تلا الآية (3) إلى آخرها ثم قال: (معاشر الناس. إن الله أمرني ونهاني، وقد أمرت عليا ونهيته، وعلم الأمر والنهي لديه (4)، فاسمعوا لأمره وانتهوا لنهيه (5) ولا تفرق بكم السبل عن سبيله). (معاشر الناس. أنا صراط الله المستقيم الذي أمركم أن تسلكوا الهدى


1. زاد في الاحتجاج: ألا لعن الله الغاصبين والمغتصبين. 2. في الاحتجاج: وعندها سنفرغ لكم أيها الثقلان. 3. يقصد الآيات من سورة المرسلات: 16 - 19. والأسطر الأربعة الأخيرة تختلف كثيرا عما في الاحتجاج. 4. في الاحتجاج: فعلم الأمر والنهي من ربه عز وجل. 5. في الاحتجاج: فاسمعوا لأمره تسلموا، وأطيعوا تهتدوا، وانتهوا لنهيه ترشدوا، وصيروا إلى مارده، ولا تتفرق بكم.. (*)

[ 105 ]

إليه (1)، ثم علي من بعدي، ثم ولدي من صلبه أئمة الهدى، يهدون بالحق وبه يعدلون). ثم قرأ الحمد وقال: (فيمن ذكرت فيهم والله نزلت، ولهم والله شملت، وإياهم خصت وعمت، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وحزب الله هم الغالبون. ألا إن أعدائهم السفهاء والعادون وإخوان الشياطين الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (2). ألا إن أولياءهم الذين ذكر الله في كتابه المؤمنين الذين وصف الله وقال (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) * (3) إلى آخر الاية. (ألا إن أولياء هم المؤمنون الذين وصفهم الله أنهم * (لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) * (4). (ألا إن أوليائهم الذين آمنوا ولم يرتابوا. ألا ان أوليائهم الذين يدخلون الجنة بسلام وتتلقاهم الملائكة بالتسليم أن طبتم فادخلوها خالدين. ألا إن أولياءهم الذين يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب). (ألا إن أعدائهم الذين يصلون سعيرا. ألا إن أعداءهم يسمعون لجهنم شهيقا ويرون لها زفيرا. [ ألا إن أعداءهم الذين قال الله فيهم ] (5): * (كلما


1. في الاحتجاج: الذي أمركم باتبعاه. 2. تختلف الجمل في الاحتجاج عما هنا من قوله: فيمن ذكرت 3. سورة المجادلة: 22. 4. سورة الانعام: 82. 5. الزيادة من الاحتجاج. (*)

[ 106 ]

دخلت أمة لعنت أختها) * (1) إلى آخر الآية. ألا إن أعداءهم أعداء الله الذين قال الله * (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير) (2) إلى آخر الاية. ألا فسحقا لأصحاب السعير. ألا إن أولياءهم * (الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) *) (3). (معاشر الناس. شتان ما بين السعير والأجر الكبير) (4). (معاشر الناس. عدونا كل من ذمه الله ولعنه، وولينا كل من أحبه الله ومدحه). (معاشر الناس. ألا وإني أنا النذير وعلي البشير) (5). (معاشر الناس. أنا منذر وعلي هادي). (معاشر الناس. ألا إني نبي وعلي وصي). (معاشر الناس، ألا إني رسول وعلي إمام، والأئمة من بعده ولده، والأئمة منه ومن ولده. ألا وإني والدهم وهم يخرجون من صلبه. ألا وإني والدهم والأئمة منا القائم المهدي الظاهر على الدين كله. ألا وإنه المنتقم من الظالمين. ألا وإنه فاتح الحصون وهادمها. ألا إنه غالب كل قبيله من الشرك وهازمها. ألا إنه المدرك لكل ثار لأولياء الله. ألا إنه ناصر دين الله. ألا إنه المصباح من البحر العميق. ألا إنه الواسم كل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله، ألا إنه خيرة الله ومختاره. ألا إنه وارث كل علم والمحيط


1. سورة الأعراف: 38. 2. سورة الملك: 12. 4. في الاحتجاج: بين السعير والجنة. 5. هذه الجملة ليست في الاحتجاج. (*)

[ 107 ]

بكل فهم. ألا إنه المخبر عن ربه والمشيد لأمر آبائه. ألا إنه الرشيد السديد. لا إنه المفوض إليه، ألا إنه قد بشر به كل من سلف بين يديه، ألا إنه الباقي حجة الله، ولا حجة بعده، ولا حق إلا معه، ولا نور إلا عند. ألا إنه لا غالب له ولا منصور عليه. ألا إنه ولي الله في أرضه، وحكمه في خلقه، وأمينه في علانيته وسره) (1). (معاشر الناس. إني قد بينت لكم وأفهمتكم، وهذا علي يفهمكن بعدي. ألا وإني عند انقضاء خطبتي أدعوكم على مصافقتي (2) على يدي ببيعته والإقرار له ثم مصافقته بعد يدي. ألا وإني قد بايعت الله وعلي قد بايع لي، وأنا آخذكم بالبيعة له عن الله عز وجل * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) * (3) إلى آخر الآية. (معاشر الناس. وإن الحج [ والصفا والمروة ] (4) والعمرة من شعائر الله * (فمن حج البيت أو اعتمر) * (5) إلى آخر الآية. (معاشر الناس حجوا البيت، فما ورده أهل بيت إلا نموا وأيسروا، ولا تخلفوا عنه إلا بتروا وافتقروا) (6). (معاشر الناس. ما وقف بالمؤقف مؤمن إلا غفر الله له ما سلف من ذنبه.


1. هذه الأوصاف تختلف عما في الاحتجاج لفظا وترتيبا. 2. المصافقة ضرب اليد على اليد للبيعة. 3. سورة الفتح: 10. ونكث العهد والبيع نقضه ونبذه. 4. الزيادة من الاحتجاج. 5. سورة البقرة: 158. 6. في الاحتجاج: فما ورده أهل بيت الا استغنوا، ولا تفرقوا عنه الا افتقروا. (*)

[ 108 ]

إلى وقته ذلك، فإذا انقضت حجته استؤنف به). (معاشر الناس. الحاج معانون (1)، نفقاتهم مخلفة عليهم، والله لا يضيع أجر المحسنين). (معاشر الناس. [ حجوا البيت ] (2) بكمال في الدين وتفقه، ولا تنصرفوا عن المشاهد إلا بتوبة وإقلاع) (3). (معاشر الناس. أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة كما أمرتم، فلئن طال عليكم الأمد فقصرتم أو نسيتم فعلي وليكم الذي نصبه الله لكم [ بعدي ] أو من خلفه مني ومنه، يخبركم بما تسألون ويبين لكم ما لا تعلمون. ألا وإن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأعدهما، فأمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، أمرت فيه أن آخذكم بالبيعة عليكم والصفقة منكم بقبول ما جئت به من الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والأولياء من بعده الذين هم مني ومنه، إمامة فيهم قائمة خاتمها المهدي يوم يلقى الله الذي يقضي ويقدر الآن) (4). (معاشر الناس. وكل حلال دللتكم عليه وحرام نهيتكم عنه فإني لم أرجع عن ذلك ولم أبدل. ألا فاذكروا ذلك واحفظوه، وتواصوا به ولا تبدلوه (5). ألا وإني أجدد القول: ألا فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر. ألا وإن رأس الأمر بالمعروف [ والنهي عن


1. في الاحتجاج: الحجاج معاونون. 2. الزيادة من الاحتجاج. 3. يريد من الاقلاع ترك الذنوب. 4. في الاحتجاج: أئمة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الذي يقضي بالحق. 5. اضاف في الاحتجاج: ولا تغيروه. (*)

[ 109 ]

المنكر ] (1) أن تنتهوا إلى قولي وتبلغوه إلى من يحضره وتأمروه بقبوله عني وتنهوه عن مخالفته، فإنه أمر من الله ذي الآلاء، لا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر بحضرة إمام) (2). (معاشر الناس. القرآن فيكم وعلي والأئمة من بعده، وقد عرفتكم أنهم مني ومنه، فلن تضلوا ما تمسكتم بهم) (3). (معاشر الناس. التقوى التقوى، أحذركم الساعة كما قال الله تعالى * (إن زلزلة الساعة شئ عظيم) * (4) أذكروا المآب والحساب ووضع الموازين والمحاسبة بين يدي رب العالمين والثواب والعقاب، من جاء بالحسنة فأثيب ومن جاء بالسيئة فليس له في الجنان نصيب). (معاشر الناس. إنكم أكثر من أن تصافقوا بكف واحدة في وقت واحد، وقد أمرني الله ان آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت أمره لعلي أمير المؤمنين ومن جاء بعده من الأئمة، مني ومنه على ما أعلمتكم أن ذريتي من صلبه، قولوا بأجمعكم: إنا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلغت من أمر ربك وربنا في أمر إمامنا علي أمير المؤمنين ومن ولدت من صلبه من الأئمة. تبايعك على ذلك قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا، على ذلك نحن نموت ونبعث، لا نغير ولا نبدل ولا نشك ولا نرتاب، ولا نرجع


1. الزيادة من الاحتجاج. 2. في الاحتجاج: ولا نهي عن منكر الا مع امام معصوم. 3. في الاحتجاج: القرآن يعرفكم أن الأئمة من بعده ولده وعرفتكم أنه مني وأنا منه، حيث يقول في كتابه * (وجعلها كلمة باقية في عقبه) * [ الزخرف: 28 ] وقلت: لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما. 4. سورة الحج: 1. (*)

[ 110 ]

في عهد ولا ميثاق، نعطي الله تعالى ونعطيك (1) وعليا أمير المؤمنين والأئمة الذين ذكرت أنهم منك من صلبه متى جاءوا ودعوا بعد الحسن والحسين اللذين قد عرفتم مكانهما مني ومحلهما عندي ومنزلتهما من ربي، قد أديت ذلك إليكم، إنهما سيد اشباب أهل الجنة، وإنهما الإمامان بعد أبيهما علي وأنا أبوهما من قبله). (فقولوا: أعطيناك بذلك الله وأنت وعليا أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة الذين ذكرت على عهد وميثاق، فهي مأخوذة لأمير المؤمنين من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا ومصافقة أيدينا. من أدركها بعده أولا فقد أقربها بلسانه، لا نبغي بذلك ولا يرى الله منا عنه حولا أبد الآبد) (2). (نحن نؤدي ذلك إلى كل من رأينا ممن ولدنا ولم نلده. أشهدنا الله بذلك وكفى بنا شهيدا وأنت علينا به شهيد، وكل من أطاع الله ممن ظهر واستتر من ملائكة الله وجنوده وعبيده، والله أكبر من كل شهيد). (معاشر الناس. ما تقولون، فإن الله يعلم كل صوت وخافية كل نفس وعين، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليهما، ومن بايع فانما يبايع الله * (يد الله فوق أيديهم) * إلى آخر الآية (3). (معاشر الناس. بايعوا الله وبايعوني وبايعوا عليا أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة منهم في الدنيا إلى الآخرة، فإنها كلمة باقية (4)، يهلك والله


1. في الاحتجاج: نطيع الله ونطيعك. 2. في الاحتجاج: من أدركهما بيده وأقربهما بلسانه، ولا نبغي بذلك بدلا ولا نرى من أنفسنا عنه حول أبدا. وليس فيه الجملة التي تليه إلى قوله: أشهدنا الله... 3. سورة الفتح: 10. 4. في الاحتجاج: فاتقوا الله وبايعوا عليا أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة (*)

[ 111 ]

بها من غدر ويرحم الله من وفى * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) * (1). قولوا الذي قلت لكم، وسلموا على علي بإمرة المؤمنين، قولوا: * (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) *) (2) وقولوا * (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله) * (3) إلى آخر الآية. (معاشر الناس. إن فضائل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عند الله، وقد أنزلها في القرآن اكثر من أن احصيها في مقام واحد، فمن أنبأكم بها وعرفها فصدقوه). (معاشر الناس. من يطع الله ورسوله وعليا والأئمة الذين ذكرتهم فقد فاز فوزا عظيما). (معاشر الناس. السابقون السابقون إلى مبايعته وموالته، والسلام عليه بإمرة المؤمننى، أولئك المقربون (4) في جنات النعيم). (معاشر الناس. قولوا ماى رضى الله عنكم (5) من القول * (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد) * (6).


كلمة طيبة باقية. 1. سورة الفتح: 10. 2. سورة البقرة: 285. 3. سورة الاعراف: 43. 4. في الاحتجاج: أولئك هم الفائزون. 5. في الاحتجاج: أولئك هم الفائزون. 5. في الاحتجاج: ما يرض الله به عنكم. 6. سورة ابراهيم: 8. (*)

[ 112 ]

اللهم اغفر للمؤمنين، واغضب على الكافرين، والحمد لله رب العالمين). فبادر الناس (1) ب‍ (نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا)، وتداكوا (2) على رسول الله وعلى علي صلوات الله عليهما وآلهما [ فصاقوا بأيديهم ] (3). وكان أول من صافق رسول الله صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي الصحابة من المهاجرين الأولين وباقي الناس أجمعين على قدر منازلهم، إلى أن صليت الظهر والعصر في وقت واحد، وباقي ذلك اليوم إلى أن صليت العشاء والعتمة في وقت واحد، ووصلوا البيعة والصفقة ثلاثا. ورسول الله صلى الله عليه وآله كلما بايعه فوج يقول: الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين. تمت الخطبة. قوله تعالى * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) * (4) الآية، فيما خمسة أشياء: كرامة، وأمر، وحكاية، وعزل، وعصمة. وقد أجمع أهل السير والآثار على نقل خبر يوم الغدير من طرق كثيرة: فأما محمد بن جرير الطبري فأورده في كتابه من نيف وسبعين طريقا (5).


1. في الاحتجاج: فناداه القوم سمعنا. 2. تداكوا عليه: ازدحموا عليه. 3. الزيادة من الاحتجاج. 4. سورة المائدة: 67. 5. يريد به أبا جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري صاحب التاريخ والتفسير (*)

[ 113 ]

وأما احمد بن محمد بن سعيد بن عقدة أورده من مائة وخمسين طريقا، وقيل من مائة وخمسة طرق، وأفرد له كتابا (1). وأما الشيخ السعيد أبو جعفر الطوسي أورده من مائة وخمسة وعشرين طريقا. ورواه مشايخ غير المذكورين من طرق لا تحصى كثرة. وأما أهل المذاهب الأربعة فرواياتهم في هذا الخبر كثيرة: فمن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده مسندا إلى البراء بن عازب قال: قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر، فنزلنا بغدير خم ونودي فينا الصلاة الجامعة، وكسح (2) لرسول الله تحت شجرتين، وصلى الظهر، وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفهسم ؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى. فأخذ بيد علي فقال [ لهم ] (3): من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وقال فلقيه عمر بن الخطاب [ بعد ذلك ] فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت [ وأمسيت ] (4) مولى كل مؤمن


المشهورين، حيث له كتاب الولاية في مجلدين كبيرين ذكر فيه حديث الغدير من خمسة وسبعين طريقا. أنظر: الغدير في التراث الاسلامي ص 35. 1. يعرف كتابه ب‍ (كتاب الولاية). أنظر: المصدر السابق ص 41. 2، كسح: كنس. 3. ليست الزيادة في المصدر. 4. الزيادتان منه. (*)

[ 114 ]

ومؤمنة (1). ومن ذلك ما أسنده إلى زيد بن أرقم قال: قال زيد بن أرقم نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلانها (بهجير ]. قال: فخطبنا وظلل لرسول الله صلى الله عليه وآله بثوب على شجرة [ سمرة ] من الشمس، فقال: أو لستم تعلمون، أو لستم تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى. قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه (2)، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (3). ومن ذلك ما رواه عن أبى الطفيل قال: جمع الناس علي عليه السلام في الرحبة ثم قال: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام، فقام ثلاثون من الناس - وقال أبو نعيم [ وهو من السند المحذوف ] (4): فقام انسان كثير - فشهدوا حين أخذه بيده فقال: أيها الناس أتعلمون (5) أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (6). ومن ذلك ما رواه مسند إلى علي بن أبي طالب: أن النبي عليه السلام


1. مسند الامام احمد 4 / 281. وقريب منه في سنن ابن ماجة 1 / 43. 2. في المصدر: فان عليا مولاه. 3. مسند الامام احمد 4 / 372. والزيادتان منه. 4. ليست الزيادة في المصدر. 5. في المصدر: فقال للناس أتعلمون. 6. مسند الامام احمد 4 / 370، وزاد في آخره: قال فخرجت وكأن في نفسي شيئا، فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إني سمعت عليا يقول كذا وكذا. قال: فما تنكر ؟ قد سمعت رسول الله يقول ذلك له.

[ 115 ]

قال يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه (1). ومن ذلك ما رواه عن شعبة وشعبة أسنده إلى النبي عليه السلام أن النبي قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. قال سعيد بن جبير: وأنا قد سمعت مثل هذا عن ابن عباس. قال: أظنه قال: وكتمته (2). هذه الروايات الخمس رواها احمد بن حنبل في مسنده مسندة عن المذكورين. ومن ذلك ما رواه أبو بكر بن مرودويه الحافظ عندهم باسناده إلى أبى سعيد الخدري (3) أن النبي صلى الله عليه وآله دعا الناس إلى غدير خم، أمر بما تحت الشجرة من الشوك فقم، وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس إلى علي، فأخذ بضبعيه فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبط رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يفترقا حتى نزلت هذه الآية * (اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) *. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي. ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فقال حسان بن ثابت: أتأذن لي يا رسول الله أن أنشد أبياتا ؟ قال: قل على بركة الله. فقال


1. مسند الامام احمد 1 / 152. 2. في ملحقات احقاق الحق 6 / 230 روي حديث شعبة من المناقب للامام احمد. وانظر صحيح الترمذي 5 / 633. 3. روى محمد بن سليمان هذا الحديث باختلاف يسير في المناقب 1 / 118، وفيه تخريجه. (*)

[ 116 ]

حسان: يا معشر قريش اسمعوا شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله (1): يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا بأني مولاكم نعم ونبيكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وأنت نبينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا وقال هناك اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا قال: فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. وهذا الحديث الذي رواه أبو بكر بن مردويه رواه أيضا الشيخ الموصوف أبو عبد الله محمود بن عمران المرزباني باسناده في أواخر الجزء الرابع من كتاب (مرقاة الشعر) إلى آخر الأبيات التي لحسان بن ثابت (2). ومن ذلك ما ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد الفريد في الجزء التاسع والعشرين في فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام قال: وقال النبي عليه السلام: من كنت مولاه فعلي مولاه، الهم وال من والله وعاد من عاداه (3) وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار. ومن ذلك ما رواه عبد الله بن احمد بن حنبل مسندا عن رياح بن الحرث


1. من الطبيعي أن لا تذكر هذه الأبيات فبي ديوان حسان بن ثابت، لأنها تتصدى لفضيلة من فضائل علي عليه وتثبيت امامته، ويجب في قاموس القوم أن تستر بالمقدار الممكن، أنظر لمعرفة مصادر هذه الأبيات الغدير 2 / 34 فما بعد. 2. ذكره كذلك ابن طاوس في الطرائف ص 146. 3. العقد الفريد 4 / 311 وليس فيه ذيل الحديث. ورواه أيضا 5 / 99 من جملة احتجاج المأمون على الفقهاء، في فضائل علي عليه السلام. (*)

[ 117 ]

قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب ؟ قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. قال رياح: فلما مضوا تبعتهم وسألت من هم ؟ (1) قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري (2). ومن ذلك ما رواه زاذان أبى عمر (3) قال: سمعت عليه عليه السلام في الرحبة وهو ينشد الناس: من شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول ما قال، فقام ثلاثة عشر رجلا شهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه (4)، اللهم وال من والاده وعاد من عاداه. ومن ذلك ما رواه عن زيد بن أرقم قال: كنا بالجحفة فخرج رشول الله صلى الله عليه وآله [ الينا ] ظهرا وهو آخذ بيد علي عليه السلام فقال: أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى. قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه. قال الراوي: فقلت له: هل قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال: إنما أخبرك ما سمعت (5).


1. في المصدر: سألت من هؤلاء. 2. مسند الامام احمد 5 / 419، وذكر حديثا آخر عن رياح بمعناه. 3. كذا في المخطوطة، وفي ميزان الاعتدال 2 / 63. وفي المصدر: زاذان بن عمر 4. مسند الامام احمد 1 / 84 وليس فيه الذيل. 5. مسند الامام احمد 4 / 368، واول الحديث فيه: عن عطية العوفي: سألت زيد بن أرقم فقلت له: انا ختنا لي حدثني عنك بحديث في شأن علي رضي الله عنه يوم غدير خم فأنا أحب أن أسمعه منك. فقال: انكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم. (*)

[ 118 ]

ومن ذلك ما رواه عن سعيد بن وهب قال: نشد علي الناس، فقام خمسة أو ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، فشهدوا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه (1). ورواه عن شعبة بن أبى اسحاق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه (2). ورواه عن البرا ء بن عاز برواية أخرى غير المتقدمة، وذكر في آخرها أن النبي صلى الله عليه وآله قال: هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فلقيه عمر فقال له: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (3). وفي صدرها المحذوف أن النبي صلى الله عليه وآله كان أخذ بيد علي بن أبي طالب. وروى حديثا رفعه إلى زيد بن أرقم: أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم غدير خم لعلي بن أبي طالب: من كنت مولاه فعلي مولاه - قالها النبي أربع مرات (4). ومن ذلك ما رواه عن عبد الرزاق حتى رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من كنت مولاه فعلي مولاه.


فقلت له: ليس عليك مني بأس. فقال: نعم كنا بالجحفة... 1. مسند الامام احمد 5 / 366، وقريب منه في 1 / 118. 2. مروي في ملحقات الاحقاق عن المناقب للامام احمد 6 / 236 و 335. 3. مسند الامام احمد 4 / 281. 4. في ملحقات احقاق الحق 6 / 226 منقول عن المناقب للامام احمد وليس فيه (أربع مرات).

[ 119 ]

هذه الأحاديث الثمانية رواها عبد الله بن احمد بن حنبل مسندة عن المذكورين. ورواه احمد بن حنبل منسدا عن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه (1). ورواه أيضا عن الفضل بن دكيل إلى أن رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من كنت مولاه فعلي مولاه (2). ورواه عبد الله بن احمد عن عبد الله بن الصقر باسناده أن عليا عليه السلام ذكر عند رجل وعنده سعد بن أبى وقاص، قال له سعد: تذكر عليا، إن له مناقب أربعا لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من كذا وكذا - وذكر حمر النعم - قوله (لأعطين الراية) وقوله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) وقوله (من كنت مولاه فعلي مولاه)، ونسي الراوي للحديث واحدة (3). ومن ذلك في صحيح مسلم في الجزء فالرابع على حد ثمانية عشر قائمة من أوله ذكر يوم الغدير (4). ومن ذلك في تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى * يا أيها الرسول بلغ ما أنل إليك من ربك) * قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام: معناه بلغ ما أنزل إليك من ربك في فضل علي بن بأي طالب (5).


1. مسند الامام احمد 5 / 347. 2. ملحقات احقاق الحق 6 / 261 عن المناقب للامام احمد. 3. صحيح مسلم 4 / 1871. سنن الترمذي 5 / 638. 4. صحيح مسلم 4 / 1873. 5. بمضمون أحاديث تفسير الثعلبي مروي في تفسير البرهان 1 / 490. (*)

[ 120 ]

وفي نسخة أخرى أنه عليه السلام قال: يا أهيا الرسول بلغ ما أنزل اليك في علي، قال: هكذا أنزلت. وراه جعفر بن محمد: فلما نزلت الآية أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. ورواه الثعلبي في موضع آخر حتى رفعه إلى البراء قال: لما أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بغدير خم فنادى: إن الصلاة جامعة، وكسح للنبى تحت شجرتين، فأخذ بيد علي فقال ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال: فلقيه عمر فقال: هنيئا لك يا بن ابى طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ورواه أيضا مرفوعا إلى ابن عباس في قوله تعالى * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) * الآية: نزلت في علي عليه السلام، أمر النبي صلى الله عليه وآله بأن يبلغ فيه، فأخذ رسول الله بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (سأل سائل بعذاب واقع) * (1) حتى رفعه: إن الحرث بن النعمان الفهري أتى رسول الله صلى الله عليه وآله في ملأ من أصحابه، فقال: يا محمد أمرتنا بكذا وكذا فقبلنا، ثم لم ترض بهذا - يعني الشهادتين والصلاة والصوم والحج - حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلته (من كنت مولاه فعلي مولاه)، وهذا شئ منك أم من الله ؟ فقال: والذي لا اله إلا هو أنه من أمر الله. فتولى الحرث بن النعمان وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء


1. سورة المعراج: 1. (*)

[ 121 ]

أو ائتنا بعذاب أليم. فرماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره، وأنزل الله تعالى الآية المتقدمة. وفيه حديث طويل حذف اختصارا. ورواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس من افراد مسلم. وروى أيضا في الجمع بين الصحاح الستة لرزين بن معاوية العبدري في باب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على حد ثلث الجزء الثالث. وذكر في صحيح أبى داود السجستاني وهو كتاب السنن. ومن صحيح الترمذي قال: عن أبي سرحة وزيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه (1). وذكر في الجمع بين الصحاح الستة في الباب المقدم ذكره قبل صحيح أبى داود، وذكره في صحيح أبى داود وهو كتاب السنن. ومن صحيح الترمذي عن حصين بن سبرة أنه قال لزيد بن حيان: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله. فذكر حديثا طويلا وذكر فيه خما وأن النبي قام فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة عند الجحفة (2) ورواه الفقيه الشافعي علي بن المغازلي في كتابه الموسوم بالمناقب من اثني عشر طريقا. وقال ابن المغازلي بعد ذكر رواياته ليوم الغدير: هذا


1. سنن ترمذى 5 / 633. 2. أنظر صحيح مسلم 4 / 1873، مسند الامام احمد 4 / 366. (*)

[ 122 ]

حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1). وقال: قال الفضل بن محمد: هذا حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد روى حديث غدير خم مائة نفس، منهم العشرة، وهو حديث ثابت لا أعرف له علة [، تفرد علي بهذه الفضيلة لم يشركه فيه أحد. هذا آخر كلام الشيخ الفقيه الشافعي ابن المغازلي، من أراد الوقوف على رواياته الإثني عشر فعليه بالكتاب المشار إليه، ففي ما ذكر كفاية عنها. وهذا الذي أوردته من حديث يوم الغدير أو أومأت إليه إنما هو قليل من كثير. ومن يستدل باليسير على الكثير وبالجرعة على البحر الغزير، لأن كل فرقة روى فيه أشياء كثيرة من طرق مختلفة ومضان متباعدة لا يمكن حصرها وعدها. وروي أن يوم الغدير لعلي بن أبي طالب ستون ألف شاهد (2)، وقيل ستة وثمانون ألف شاهد. ومعلوم أن أولئك من الأماكن المتفرقة والأمصار المتباعدة، كل شهد ذلك المحفل العظيم من رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع كل حاج إلى مدينته فحدث ما عاين وشهد من رسول الله، فشاع ذلك في العباد وذاع في البلاد. حتى انتشر جلباب الحق ونسقت أعلامه وهدر فنيقه ونطق لسانه في عرصة كل قوم (3).


1. المناقب لابن المغازلي ص 16 - 27. 2. ستون ألف من حضر بيعة الغدير وشهدها. 3. الجلباب: الثوب الواسع. الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذى ولا يركب لكرامته. وهذه كلها كناية عن سعة انتشار خبر الغدير بحيث لا يمكن رده وانكاره. (*)

[ 123 ]

وإذا بلغ الخبر دون هذا المبلغ خرج عن حكم أخبار الآحاد وانتظم في سلك المتواترات ووجب العمل عليه والانقياد إليه، والجاحد له كالجاحد للبلدان والوقائع المشهورة التي لا يرتاب فيها أحد من العقلاء. وقول النبي صلى الله عليه وآله في هذا الخبر (من كنت مولاه فعلي مولاه)، لفظة (المولى) تفيد الأولى وإن كانت تفيد تسعة أقسام أخر، إلا أن الأقسام إذا اعتبرتها وجدتها راجعة إلى الأولى بحسب ما يضاف إليه. ترتيب الأقسام التسعة: ابن العم، قال الله تعالى * (وإني خفت الموالي من ورائي) * (1) أراد بني العم. قال الشاعر (2): مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا والجار، والحليف، والمعتق، ومالك الرق، والناصر، وضامن الجريرة، والسيد المطاع، ترتيب بيانها: ابن العم إنما سمي (مولى) لأنه يعقل عن ابن عمه (3) ويحوز ميراثه، فكان بذلك أولى من غيره. والجار (مولى) لأنه أولى بالملاصقة من البعيد، وأولى بالشفعة في العقار من غيره.


1. سورة مريم: 5. 2. هو اللهبي يخاطب بني أمية. أنظر: لسان العرب (ولى) *، والشطر الثاني من البيت فيه (امشوا رويدا كما كنتم تكونونا). 3. أي يؤدي الدية عنه. (*)

[ 124 ]

والحليف (مولى) لأنه أولى بنصرة حليفه ممن لا حلف بينه وبينه. والمعتق (مولى) لأنه أولى بنصرة معتقه من غيره. والمعتق (مولى) لأنه أولى بميراثه ممن لم يعتقه. ومالك الرق (مولى) لأنه أولى بتدبير عبده من غيره. والناصر (مولى) لأنه اختص بالنصرة فصار بها أولى من غيره. وضامن الجريرة (مولى) لأنه ألزم نفسه ما يلزم المعتق، فكان بذلك أولى ممن لم يضمن. والسيد المطاع (مولى) لأنه أولى بالطاعة ممن عداه. فهذه الأقسام التسعة المذكورة راجعة إلى الأولى كما قدر، وقد نصوا على [ أن ] لفظة (مولى) * تفيد الأولى بقوله تعالى * (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير) * (1) أراد تعالى هي أولى بكم. ذكر ذلك أبو عبيدة بن المثنى، وهو مقدم في علم اللغة والعربية، وهو من جملة الخوارج. وذكر ذلك أيضا ابن قتيبة، وهو عامي المذهب. ولم أن الحق في هذه اللفظة غير المذكور لعدلا إليه. وقول لبيد (2) على ذلك: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه (3) * مولى المخافة خلفها وأمامها أراد لبيد أن الظبية تحيرت فلم تدر أخلفها أولى بالمخافة أم أمامها. وقول الأخطل يمدح عبد الملك بن مروان:


1. سورة الحديد: 15. 2. من معلقة لبيد، انظر: ديوانه ص 173. 3. في المخطوطة: تحسب أنها. والتصحيح من الديوان ولسان العرب. (*)

[ 125 ]

فأصبحت مولاها من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا يريد بقوله هذا أن ابن مروان أولى بسياسة الأمة وتدبيرها، وهو أيضا خليفة مطاع الأمر. وذكر الفراء في كتاب معاني القرآن في تفسير هذه الآية: إن الولي والمولى في لغة العرب شئ واحد. وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه المعروف بتفسير المشكل في القرآن في ذكره أقسام مولى: إن المولى والولي الأولى بالشئ. واستشهد على ذلك بالآية المقدم ذكرها وببيت لبيد وغيره من الشعر. والذي يدل أيضا على أن المراد بلفظة (مولى) الأولى: لأن (1) إذا حملت عليها كانت شاملة للمعاني العشرة، فكأن حملها عليها أولى لهذا المعني، واللفظ إذا حمل على التخصيص كان أولى من حمله على الاشتراك، لأن في حمله على الاشتراك إخلالا بالمفهوم، فحمله على التخصيص أولى تحصيلا للمفهوم. ويدل أيضا على أن المراد بلفظة (مولى) الأولى قراءة عبد الله بن مسعود، فإنه روي أنه قرأ * (إنما مولاكم الله ورسوله والذين آمنوا) فجعل المولى عوضا من الولي لأنهما بمعنى واحد. وفي الأخبار (أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل) (2)، أراد بمولاها وليها.


1. في المخطوطة: فكأنها. 2. كنز العمال 16 / 309. (*)

[ 126 ]

مع أن شعر حسان بن ثابت بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله - وقد سبق - دليل على أن النبي أراد الإمامة وفرض الطاعة دون الأقسام الباقية. وكيف يحسن ممن نظر في الأمور أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله هبط في ذلك الوقت بالحاج العظيم، وكان الرجل يستظل بدابته ويضع رداءه تحت قدميه من شدة الرمضاء والحر الشديد، حتى أن النبي (ص) استعفى ثلاث مرات أن يعفيه الله من ذلك المقام فلم يعفه، وخاف الرسول أن يقتله الناس فبشره الله بالعصمة من الناس وأنذره إن لم يفعل فما بلغ رسالته، فقال جل قائلا * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) * (1)، والرسول صلى الله عليه وآله أفضل البرية وأرجحهم رأيا وأكملهم حكمة، والمراد من الله تعالى إليه متصلة، والله المتعالي أمره بذلك. أيحسن حينئذ منه - والحال هذه - أن يقول: إن الرسول صلى الله عليه وآله أراد إعلام الناس أن علي بن أبي طالب عليه السلام ابن عمه أو ناصره أو جاره أو مالك رقه أو معتقه إلى غير ذلك من أقسام الغلظة النبوية (2). فيكون الرسول صلى الله عليه وآله مع شرفه العظيم نزل في ذلك الوقت النائل لتحصيل الحاصل. وهل يصلح ذلك المحفل المشهور والتبليغ الذي بلغ النهاية القصوى والغاية العظمى والتنزيل بالوحي من الله جل وعلا والتهنئة من أبى بكر وعمر (هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة) وقوله


1. سورة المائدة: 67. 2. كذا في المخطوطة. (*)

[ 127 ]

أيضا (بخ بخ لك يا بن أبي طالب)، ومصافقة الناس للنبى صلى الله عليه وآله ولعلي عليه السلام ثلاثة أيام، لشئ غير الخلافة وفرض الطاعة. وقول عمر (بخ بخ) مذكور في روايات الفقيه ابن المغازلي التي أو مأت إليها. وموصوفية علي عليه السلام بالموالاة إما أن يكون وصفا عدميا أو ثبوتيا: الأول محال، لأنه نقيض اللاموصوفية، وهي وصف سلبى، ونقيض السلب ثبوت، فثبت موصوفية علي بالموالاة، وثبت اختصاصه بها دون غيره، لاستحالة قيام الصفة الواحدة التي هي المولاة بمحلين. ويدل أيضا على أن المراد ب‍ (مولى) اللأولى أن النبي صلى الله عليه وآله خطب أولا فقال: ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى. فقال عاطفا عليه: فمن كنت مولاه فعلي مولاه. فوجب عمله على المقدمة، بدلالة أن القائل إذا قال لجماعة: ألستم تعرفون عندي فلانا - وسمى لهم عبدا من عبيده - قالوا: بلى. فقال عند ذلك: إشهدوا أن عبدي حر. فإنه لا يصح العتق إلا على ذلك العبد الذي قررهم على معرفته وذكره لهم باسمه أولا. ومتى أراد غير كان الكلام عبثا ولغوا، ويتعالى منصب النبوة عن ذلك. ولأن العبودية حاصلة في العبد المذكور وفي العبيد الباقية، فذكر العبد الذي سماه وقررهم عليه ثم عطف بذكر العبد لا ينطلق العتق إلا على العبد المذكور أولا وإن كان باقي العبيد يشركه في العبودية، لأن العطف على المحتمل المذكور أولى من العطف على المحتمل الذي لم يجر له ذكر.

[ 128 ]

دليل آخر: إذا قال: ألستم تعرفون داري الفلانية، وميزها وحددها من دوره. فإذا قالوا: بلى. قال لهم: فاشهدوا أن داري وقف على المساكين. لم يجز أن يحمل قوله في الدار التى وقفها إلا على أنها الدار التي قدرهم على معرفتها وميزها وحددها لهم. وأما الألف في (ألست) فإنه للتقرير والإيجاب، بدليل قوله تعالى * (أليس الله بأحكم الحاكمين) * (1) أراد تعالى إيجاب الحكم له. قال الشاعر (2): ألستم خير من ربك المطايا * وأندى العالمين بطون راح أراد الإيجاب. وقد ذكر الأخفش أن الألف في (ألست) للإيجاب. والنبي صلى الله عليه وآله قررهم بألف الإيجاب في ألست، فوجب لعلي عليه السلام ما وجب للرسول، فكأنه قال حينئذ: من كنت أولى به وطاعتي عليه واجبة [ فعلي أولى به طاعته عليه واجبة ] (3). وحيث أنه صلى الله عليه وآله مفترض الطاعة وأولى بالمؤمنين بأنفسهم فكذلك علي بن أبي طالب عليه السلام، وكل شئ ثبتت للرسول بالمقدمة التي قدمها فهو ثابت لعلي عليه السلام. ومما يدل على أن المراد ب‍ (المولى) الإمامة لا غير: ان الصحابة فهمت ذلك [ منه ] وأنشدت فيه الأشعار، مثل حسان بن ثابت وقيس به سعد به


1. سورة التين 8. 2. من قصيدة لجرير. شرح شواهد المغني 1 / 42. 3. زيادة منا لاستقامة الكلام.

[ 129 ]

عبادة والتهنئة من عمر وغيره، ولم يرد أحد عليهم في ذلك، والنبي عليه السلام بمرأى ومسمع لم يرد عليهم ولا قال: إني ما أردت الإمامة. فدل على الإمامة لا غير. وهذا الإستدلال على تقدير أن النبي صلى الله عليه وآله ما قال في يوم الغدير من الكلام بعد المقدمة إلا (من كنت مولاه فعلي مولاه) حسب، وأما على ما روته الفرقة المحقة وتواترت به أخبارهم ونقلته علماؤهم شرقا وغربا فيه شفاء لما في الصدور (1). وفيه النص الجلي على علي بن أبي طالب بأنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل على سائر الأمة، وولايته واجبة ثابتة لازمة مفترضة كولاية النبي صلى الله عليه وآله سواء، بلا خلاف بينهم في ذلك، وذلك بدلالة اللفظ لا بدلالة الإلتزام. ويوم الغدير يوم نصب الأوصياء، لأن موسى عليه السلام نصب فيه وصيه يوشع بن نون، ونصب عيسى عليه السلام وصيه شمعون الصفا، وسليمان بن داود عليه السلام نصب فيه وصيه آصف، وكذا نبينا محمد صلى الله عليه وآله نصب فيه وصيه علي بن أبي طالب عليه السلام (2). وفي ذلك يقول علي بن أبي طالب في أبيات له (3): أنا البطل الذي لا تنكرون * ليوم كريهة وليوم سلم


1. يريد قول النبي في ذيل كلامه: اللهم وال من والاه. وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فان هذه الأدعية تدل بوضوح على مقصوده صلى الله عليه وآله من لفظة (مولى). 2. من حديث مذكور في المناقب لابن شهر اشوب 3 / 59 3. البيت الثاني ورد في جملة أبيات لعلي عليه السلام في الغدير 2 / 25. (*)

[ 130 ]

وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم وأوصياني لأمته بحلمي * فهل فيكم له قدم كقدمي وقال دعبل (1): فقال ألا من كنت مولاه منكم * فهذا له مولاه بعيد وفاتي (2) أخي ووصيي وابن عمي ووارثي * وقاضي ديوني من جميع عداتي وقال العوفي (3): من قال أحمد في يوم الغدير له * من كنت مولاه من عجم وعرب فإن هذا له مولى ومنذرها * يا حبذا هو مولى لي ويا بأبي (4) وقال الأمير أبو فراس (5): تبا لقوم تابعوا أهواءهم * فيما يسوؤهم غدا عقباه أتراهم لم يسمعوا ما خصه * منه النبي من المقال أتاه إذ قال في يوم الغدير معالنا * من كنت مولاه فذا مولاه وقال الكميت وكان قريب العهد (6): ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا


1. ديوان دعبل ص 148. 2. في المخطوطة: بهذا.. بعد. 3. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 41. 4. في المصدر: هو من مولى. 5. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 39. 6. الهاشميات للكميت ص 81 إلا البيت الثالث، وكلها في مناقب ابن شهر اشوب 3 / 35. (*)

[ 131 ]

ولكن الرجال تبايعوها * فكم لك مثلها خطابا منيعا (1) فلم أر مثل ذاك اليوم يوما * ولم أر مثله حقا أضيعا تناسوا حقه فبغوا عليه * على ترة وكان بهم قريعا (2) وروى أن ابن الكميت رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول له: أنشدني قصيدة أبيك - يعني هذه - فأنشدته إياه، فلما وصلته إلى قوله (ولم أر مثله حقا أضيعا) بكى رسول الله بكاء شديدا وقال: صدق أبوك رحمه الله، أي والله ولم أر مثله حقا أضيعا. ثم انتبه. وإنما ذكر الكميت (الدوح) لأن الغدير كان في وادي الأراك عند شجرات خمس دوحات عظام. وقال قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في قصيدته الامية التي أولها (3): قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل إلى قوله: وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل يوما قال النبي من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل إنما قاله النبي على الأمة * حتما ما فيه قال وقيل وقا عمرو بن العاص في أبيات له:


1. رواية الديوان: فلم أر مثلها خطرا مبيعا. 2. رواية الديوان: بلا ترة وكان لهم قريعا. الترة: الذحل وأخذ الثار. والقريع: السيد الغالب. 3. المناقب لابن شهراشوب 3 / 37. (*)

[ 132 ]

وضربته كبيعة بخم * معاقدها من الناس الرقاب هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب وقال الزاهي (1): من قال أحمد يوم الغدير له بالنقل عن خبر في الصدق مأثور (2) قم يا علي فكن بعدي لهم علما واسعد بمنقلب في البعث محبور (3) مولاهم أنت والموفي بأمرهم نصا بوحي على الأفهام مسطور وذاك أن إله الخلق (4) قال له بلغ وكن عند أمري خير مأمور فإن عصيت ولم تفعل فإنك ما بلغت أمري ولم تصدع بتذكيري ومما يزيد هذا الخبر وضوحا وبيانا وظهورا وعرفانا: أنه قد بلغ في الإنتشار والإشتهار إلى حد لا يوازى به خبر من الأخبار، ولحق في المعرفة والبيان بالعلم بالحوادث الكبار والبلدان، فلا يجحده إلا معاند ولا يرده إلى مكابر.


1. المصدر السابق 3 / 30. 2. في المصدر: بالنقل في خبر الصدق مأثور. 3. محبور: مسرور ومبهج. 4. في المصدر: إله العرش.

[ 133 ]

وأي خبر (1) قد جمع في وراية معرفة طرقه أكثر من ألف مجلد من تصانيف الخاصة والعامة في المتقدمين والمتأخرين، وذكره سوى من تقدم: محمد بن اسحاق، وأحمد البلاذري، ومسلم بن الحجاج، وأبو نعيم الإصبهاني، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر بن مردويه، وابن شاهين المروزي، وأبو بكر الباقلاني، وأبو المعالي الجويني، وأبو سعيد الخركوشي، وأبو المظفر السمعاني، وأبو بكر بن شيبة، وعلي بن الجعد، وشعبة، والأعمش، وابن عباس، وابن الثلاج، والشعبي، والزهري، والإقليشي، والجعابي، وابن البيع، وابن ماجة، والألكاني، وشريك القاضي، وأبو يعلى الموصلي من عدة طرق، وابن بطة من ثلاثة وعشرين طريقا. والمذكورون كلهم من أهل المذاهب الأربعة (2). وقد صنف علي بن هلال المهلبي كتاب (الغدير) وأحمد بن محمد بن سعيد كتاب (من روى خبر غدير خم)، ومسعود الشجري كتابا في رواة هذا الخبر وطرقها، والداري (3) صنف كتابا فيه أسماء رواة الخبر على حروف المعجم. وقال الفقيه أبو جعفر محمد بن شهراشوب رحمه الله سمعت أبا علي العطار الهمداني يقول: أروي هذا الحديث على مائتي وخمسين طريقا. قال: وقال جدي شهر اشوب: سمعت أبا المعالي الجويني يتعجب


1. من هنا مأخوذ من المناقب لابن شهراشوب 3 / 33. 2. المذكورون هنا بعضهم رواة لخبر الغدير وبعضهم أورد الخبر في مؤلفه. 3. في المصدر: واستخرج منصور اللاني الرازي في كتابه أسماء رواتها على حروف المعجم. (*)

[ 134 ]

ويقول: شاهدت مجلدا ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر مكتوبا عليه: المجلدة الثامنة والعشرون من طرق قوله (من كنت مولاه فعلي مولاه) ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون. وأما الصاحب الكافي فقد رواه عن القاضي أبي بكر الجعابي، ورواه أبو بكر الجعابي عن رجال ونساء ذكر أسماءهم جدي أبو عبد الله الحسين ابن جبر رحمه الله في كتابه (نخب المناقب لآل أبي طالب) وعددها فإذا هي سبعة وثمانون نفسا، منهم خمس نساء: فاطمة الزهراء عليها السلام، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانئ، وفاطمة بنت حمزة. والشعراء قد نظمت فيه من الأشعار ما لا يحصى لانتشاره، مثل دعبل والعوني والسيد الحميري، فمن ذلك أن السيد الحميري رحمه الله ذكر حديث يوم الغدير في أحد وعشرين موضعا من شعره.

[ 135 ]

الفصل الثالث (في حديث الخاتم قال الله تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (1). نقلت الأمة أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لما تصدق بخاتمه وهو راكع. أما الفرقة المحقة: روى منهم الشيخ ابن بابويه رحمه الله في الأمالي مسندا عن عمر بن الخطاب قال: [ والله ] لقد تصدقت بأربعين خاتما وأنا راكع لينزل في ما نزل في علي بن أبي طالب فما نزل (2). ورواه صاحب الكافي مسندا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: لما نزلت * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * الآية، اجتمع نفر [ من أصحاب رسول الله صلى عليه وآله ] في مسجد المدينة، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في هذه الآية ؟ فقال بعضهم: إن


1. سورة المائدة: 55. 2. الأمالي للصدوق ص 108 والزيادة منه. (*)

[ 136 ]

كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها وإن آمنا فإن هذا ذل حين يسلط علينا ابن أبي طالب. فقالوا: قد عملنا أن محمدا صادق فيما يقول، ولكن نتولاه ولا نطيع عليا فيما أمرنا، فنزلت الآية * (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) * (1) يعني [ يعرفون ] ولاية علي [ وأكثرهم لكافرون ] بولاية علي (2). ورواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (3)، ورواه جدي أبو عبد الله الحسين بن جبر رحمه الله في كتابه كتاب (نخب المناقب لآل أبي طالب). وأما ما رواه أهل المذاهب الأربعة، فمنه: ما ذكره الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (إنما وليكم الله) * الآية، قال: قال السدي وعتبة بن أبي حكيم وغالب بن عبد الله: إنما عنى بهذه الآية علي ابن أبي طالب عليه السلام، لأنه مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه (4). ومثل ذلك روى الزمخشري في كتابه الكشاف في التفسير (5). ورواه الثعلبي من عدة طرق: فمنها ما أسنده إلى عباية الربعي قال: بينا عبد الله بن العباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول (قال رسول الله) إلا وقال الرجل (قال رسول الله)، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت ؟ فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس من عرفني


1. سورة النحل: 83. 2. الكافي 1 / 427 والزياتان منه. 3. دلائل الإمامة ص 54. 4. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 5. 5. الكشاف 1 / 649. (*)

[ 137 ]

فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله بهاتين وإلا فصمتا ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله. أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوما من الأيام صلاة ظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء فقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان مختما فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله - فلما فرغ من صلاته رفع رأسه وقال: اللهم إن موسى سألك فقال * (رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هرون أخي * أشدد به أزر * وأشركه في أمري) * (1) فأنزلت به قرآنا ناطقا * (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) * (2)، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري. قال أبو ذر: فما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله الكلمة حتى نزل جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى فقال: يا محمد اقرأ. قال: وما أقرأ ؟ قال: إقرأ * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون


1. سورة طه: 25 - 32. 2. سورة القصص: 35. (*)

[ 138 ]

الزكاة وهم راكعون) * (1). ومن ذلك ما روي في الجمع بين الصحاح الستة لرزين من الجزء الثالث من الأجزاء الثلاثة في تفسير سورة المائدة في قوله تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله) * الآية (2). ومن ذلك من صحيح النسائي عن ابن سلام قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلنا: إن قومنا حادوا لما صدقنا الله ورسوله وأقسموا أن لا يكلمونا، فأنزل الله تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة) *، ثم أذن بلال لصلاة الظهر، فقام الناس يصلون، فمن بين ساجد وراكع وشائل، إذ سأل سائل، فأعطى علي خاتمه وهو راكع، فأخبر السائل رسول الله صلى الله عليه وآله، فقرأ علينا رسول الله * (إنما وليكم الله ورسوله) * إلى قوله * (الغالبون) * (3). ومن ذلك ما رواه الشيخ الفقيه ابن المغازلي من خمس طرق، منها ما رفعه إلى ابن عباس قال: مر سائل بالنبي صلى الله عليه وآله وفي يده خاتم، قال: من أعطاك هذا الخاتم ؟ قال: ذلك الراكع، وكان علي يصلي، فقال [ النبي ]: الحمد لله الذي جعلها في وفي أهل بيتي (4). ومنها ما رفعه إلى علي بن عابس قال: دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، قال أبو مريم: حدث عليا الحديث الذي حدثني به عن


1. أنظر تخريج هذا الحديث في كشف اليقين ص 119. 2. أنظر ملحقات إحقاق الحق 3 / 505. 3. مذكور بمضمونه في شواهد التنزيل 1 / 180. 4. المناقب لابن المغازلي ص 312. (*)

[ 139 ]

أبي جعفر. قال: كنت عند أبي جعفر جالسا إذ مر عليه ابن عبد الله بن سلام، فقلت: جعلت فداك هذا ابن الذي عنده علم الكتاب. قال: لا، ولكنه صاحبكم علي بن أبي طالب الذي أنزل فيه آيات من كتاب الله عز وجل * (ومن عنده أم الكتاب) *، * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) * (2)، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * (3). ومنها ما رفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام في قوله * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * قال: الذين آمنوا علي بن أبي طالب. ومنها ما رفعه إلى ابن عباس أيضا في قوله * (إنما وليكم الله) * الآية، قال: نزلت في علي بن أبي طالب (4). ومنها ما رفعه إلى ابن عباس أيضا قال: كان علي راكعا، فجاء مسكين فأعطاه خاتمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أعطاك هذا الخاتم ؟ قال أعطاني هذا الراكع. فأنزل الله هذه الآية (5). ونزول هذه الآية في علي عليه السلام ذكره سوى المذكورين كثير من العلماء وأجمعوا عليه، فمن جملة أولئك: الماوردي، والقشيري، والقزويني، والنيسابوري، والفلكي، والطوسي، والطبري، وأبو مسلم الإصفهاني في تفاسيرهم عن السدي ومجاهد والحسن والأعمش وعتبة ابن أبي حكيم وغالب بن عبد الله وقيس بن الربيع وعباية الربعي


1. الصحيح كما في المصدر * (الذي عنده علم من الكتاب) * [ سورة النمل: 40 ]. 2. سورة هود: 17. 3. المناقب لابن المغازلي ص 314. 4. المصدر السابق: 313. 5. المصدر ص 111. (*)

[ 140 ]

وعبد الله بن عباس وأبي ذر الغفاري - وقد ذكرت عنه شيئا مما رواه. ورواه ابن البيع في معرفة أصول الحديث عن عبد الله بن عمر بن علي ابن أبي طالب، والواحدي في أسباب نزول القرآن عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والسمعاني في فضائل الصحابة عن حميد الطويل عن أنس، وسليمان بن أحمد في معجمه الأوسط عن عمار، وأبو بكر البيهقي في الشفا، ومحمد الفتال - وقيل إنه إمامي المذهب - ذكره في التنوير وفي الروضة عن عبد الله بن سلام، وابراهيم الثقفي عن محمد بن الحنفية، وعبيد الله بن أبي رافع - وذكر أنه إمامي المذهب - وعبد الله بن عباس وأبو صالح والشعبي ومجاهد وزرارة بن أعين عن محمد بن علي الباقر عليه السلام في روايات مختلفة الألفاظ متفقة المعاني. وفي أسباب النزول للواحدي، والنطنزي في الخصائص عن ابن عباس، والفلكي في الإبانة عن جابر الأنصاري وناصح التميمي وابن عباس والكلبي عن ابن سلام وفي تفسير أبي مسلم (1). فقد اتضح بنقل الفريقين أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، فإذا ثبت ذلك فوجه الإستدلال أن يعتبر كلمة ليتضح معناها. قوله تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) *، (إنما) كلمة مركبة م حرفين (إن) وهي للإثبات و (ما) وهي للنفي، فعلى هذا هي مختلفة لما أثبت نافية لما ثبت. قال الله تعالى * (إنما إلهكم الله) * (2) أراد ثوبت الإلهية سبحانه له ونفيها عن غيره. وكذا وقوله تعالى لنبيه عليه


1. هذه المصادر مذكورة في المناقب لابن شهراشوب 3 / 5. 2. سورة طه: 97. (*)

[ 141 ]

السلام: * (إنما أنت منذر) * (1) أراد ثوبت الإنذار لنبيه ونفيها عن غيره. وبها استدل ابن عباس [ على ] أن الربا في النسيئة لا غير، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إنما الربا في النسيئة) (2)، ومنه قول الشاعر (3): وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وقوله (4) * (إنما العزة للكاثر * وإن احتج المعترض بقوله: * (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) * (5). فالجواب: إنه للمبالغة، فكأنه تعالى قال: لا ولي لكم إلا الله ورسوله والذين آمنوا و (الولي) و (الأولى) و (المولى) بمعى واحد، وقد مر بيانه في فصل الغدير. فأوجب الله سبحا نه ولايته، ثم عطف عليها بولاية الرسول، ثم عطف بولاية الذين آمنوا - وهذا معلوم بغير خلاف - بواو العطف، لأن العطف


1. سورة الرعد: 7. 2. كنز العمال 4 / 115. 3. من بيت للفرزدق في ديوانه 2 / 153، وهو: أنا الضامن الراعي عليهم وإنما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي 4. من بيت الأعشى في ديوانه ص 94، وهو: ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر 5. سورة الأنفال: 2. (*)

[ 142 ]

يقتضي الاختصاص، وحكم المعطوف ههنا حكم المعطوف عليه، لأنه عطف مفرد على مفرد. فيكون لعلي بن أبي طالب عليه السلام من ثبوت الولاية ما ثبت لله عز وجل ولرسوله عليه السلام، لأنه المعني بالذين آمنوا كما مر بيانه. ومما يزيد ذلك بيانا وإيضاحا أن علي بن أبي طالب هو المعبر عنه بالذين آمنوا: إن الله قد وصفه بصفة في قوله: * (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون) *، فليس كل من يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة في الماضي والمستقبل يدخل تحت هذا القول، وإنما ذلك مختص بمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة في حال ركوعه كما وصف تعالى، لأنه محمول على الحال عند التجويز لا يحمل على غيره، لأن القائل إذا قال (لقيت زيدا وهو راكب) و (رأيته وهو يأكل) لا يفهم منه إلا أنه لقيه في حال ركوبه ورآه في حال أكله، وكذا قوله تعالى لا يفهم منه إلا أنهم يؤتون الزكاة في حال ركوعهم لا فيما مضى ولا فيما يستقبل. فإذا ثبت له الولاية ثبتت له الإمامة ووجبت طاعته، وإذا ثبتت طاعته ثبتت عصمته، لأنه سبحانه إذا أوجب له من فرض الطاعة مثل ما أوجبه لنفسه ولنبيه عليه السلام اقتضى ذلك طاعته في كل شئ. وهذا برهان عصمته، لأنه لو لم يكن كذلك لجاز منه الأمر بالقبيح فيقبح طاعته، وإذا قبحت كان تعالى قد أوجب فعل القبيح، وقد علم بأن ذلك لا يجوز عليه سبحانه وتعالى. وهذ الصفة - وهي إيتاء الزكاة في حال الركوع - لم تثبت إلا لعلي عليه السلام خاصة دون الأمة بأسرها.

[ 143 ]

وهذه الصفة المراد بها تعين علي عليه السلام دون تعين الصدقة، كما يقال (الأمير صاحب العمامة السوداء) فهو الأمير وإن لبس العمامة بيضاء أو سوداء. فإن قيل: لفظ (الذين آمنوا) يقتضي الجمع، فكيف نسب إلى أمير المؤمنين وحده ؟ فالجواب: لفظ (الذين) وإن كان للجمع فإنه بعرف الإستعمال يعبر به عن الواحد المعظم، ولذلك ذكره الله تفخيما وتعظيما، ولذلك نظائر كثيرة، فصار بالعرف حقيقة لكثرة استعماله، قال الله تعالى * (نحن نقص عليك أحسن القصص) * (1) وقال تعالى * (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) * (2) أراد به إبراهيم عليه السلام وحده، وقيل أراد النبي عليه السلام وحده (3). إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، مثل قوله * (سنة من قد أرسلنا) * (4)، * (ولقد آتينا) * (5). وحمل (الذين) على الإستغراق يقتضي أن يكون المؤمنون الذين خوطبوا بقوله تعالى * (وليكم) * داخلين فيه، وهذا يوجب أن يكون كل واحد منهم ولي نفسه، فلا بد وأن يخص بالواحد على سبيل الحقيقة. ولو حملوها على العموم ما أفادهم شيئا، لأن العموم لا صيغة له تخصه، لأن ما يكون عموما يجوز أن يكون خصوصا.


1. سورة يوسف: 3. 2. سورة البقرة: 199. 3. أنظر الأحاديث في ذلك في تفسير البرهان 2 / 201. 4. سورة الإسراء: 77. 5. سورة البقرة: 87. (*)

[ 144 ]

فإن قيل: لفظ (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) يقتضي الإستقبال. فالجواب: ليست مختصة للإستقبال، لأن ما يكون في أوله أحد الزوائد الأربع فإنه مشترك بين الحال والإستقبال، بل هو أليق بالحال، وإنما يخلص للإستقبال بدخول السين فيه أو سوف، ومعلوم سقوطهما من اللفظ، فيجب حملها حينئذ على الإشتراك بين الحال والإستقبال. وقد بين فيما مضى أن اللفظ محمول على الحال عند النحاة، فيجب حملها عليه. وجه آخر: إذا اجتمع الإشتراك والتخصيص ووقع التعارض بينهما فالتخصيص أولى، لأن [ في ] الإشتراك إخلالا بالمفهوم، فيجب حملها حينئذ على كلا الوجهين على الحال دون غيره. فإن قالوا: إنها نزلت في جماعة وأخبر الله تعالى أنه وليهم ورسوله ثم وصفهم، وذكر طريقهم. فالجواب: إن ذلك كان يقتضي التكرار، لأنه تعالى إذا قال (الذين يقيمون الصلاة) دخل الركوع في الصلاة، فلا معنى لقوله (راكعون). وأيضا فأولئك الذين كانوا في ذلك الوقت ركوعا وسجودا لم يثبت لأحد منهم الصفة التي ذكرها الله تعالى في الآية، وهي إعطاء الزكاة في حال الركوع، بل ثبتت لأمير المؤمنين عليه السلام بما اتفق عليه أهل النقل. وقد مضى طرق ذلك.

[ 145 ]

فإن قيل: إن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت (1)، فكيف يقال إنها تختص بعلي عليه السلام. فالجواب: إنها رواية آحاد ولا يسلم بها أكثر الأمة، وما روي في نزولها في أمير المؤمنين مجمع عليه بقول الفريقين. وأيضا فإن الرواية التي تضمنت نزول الآية في عبادة فيها: إن عبادة كان مخالفا لليهود، فلم أسلم قطعت اليهود حلفه، فعظم ذلك عليه فأنزل الله هذه الآية فيه تسلية وتقوية لقلبه، وإنه وإن كانت اليهود قطعت حلفه فإن الله وليه ورسوله والذين آمنوا - الآية (2). وهذا لايمنع من حمل الآية عليه، لأن الصحيح أن الآية إذا نزلت في سبب لا يقصر عليه فقط، لأن العام لا يجب قصره على سببه الذي خرج عليه، بل يجب حمله على عمومه. وفي القرآن كثير من ذلك، مثل آية الظهار، فإنها غير مقصورة على المجادلة في زوجها، ومثل قوله تعالى * (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) * (3) فإنها غير مقصورة على الخارج. وقيل: إنه صيفي بن أكثم. فإن قيل: إن أمير المؤمنين عليه السلام كان جوادا، ومثله لا يجب عليه الزكاة، والآية خرجت مخرج المدح. وما تقوله الإمامية ليس بمدح، لأن فيه ترك المسنون من الصلاة.


1. الدرر المنثور 3 / 104. 2. تفسير الطبري 6 / 287. 3. سورة النساء: 100. (*)

[ 146 ]

فليس بشئ أصلا، إنما هو تعليل فليس بنافع، لأن أمير المؤمنين عليه السلام لا يستبعد أن يكون مالكا في تلك الحال الأول نصابا يجب فيه الزكاة من الفضة، وهو مائتا درهم، لأن من ملك هذا القدر في وقت من الأوقات لا يقال إنه ليس بجواد. ومن الممكن أن يكون ذلك تطوعا، ويسمى زكاة عند الفقهاء، لأن لفظ (الزكاة) يقع على الواجب والمندوب، من حيث إن حقيقتها في اللغة النمو، وإنما سميت زكاة في الشرع لأنها تطهر صاحبها وتزكيه، قال تعالى * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) * (1). فإن قيل: لو كانت الزكاة واجبة عليه لاحتجاج في تسليمها إلى انعقاد النية المكذكورة، فيكون قد جدد في الصلاة نية أخرى، وذلك لا يجوز إذا فرض أنها واجبة عليه، فلا بد من النية للزكاة. ولكن قد يجوز تأخيرها إلى حين الفراغ ثم يجدد نية الزكاة في الحال، والخاتم إذا كان من فضة فهو من جنس ما يجب فيه الزكاة، ولو كان من غير الجنس لجاز إعطاؤه الفقير بالقيمة عند الفقهاء. هذا على القول بأن النية الزائدة لا تجوز في الصلاة، وما المانع أن يجدد الإنسان في حال صلاته نية نذر وغيره. والجواب عن السؤال الثاني - وهو قولهم إن الآية خرجت مخرج المدح وإعطاء الخاتم فيه ترك المسنون من الصلاة - فيقال على سبيل الجملة: إن أمير المؤمنين عليه السلام أفقه الأمة وأعلمها، وهو أعلم بما فعل، وفعله لذلك هو الحجة الكبرى في جوازه.


1. سورة التوبة: 103. (*)

[ 147 ]

وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن سعيد قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقول (سلوني) إلا علي بن أبي طالب (1). وروى أيضا أحمد حديثا أسنده إلى سعيد بن المسيب قال: كان عمر يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن (2). وإذا صدر هذا الفعل اليسير ممن تروون عنه مثل هذه، فهو أدرى بما فعل على صحيح نقلهم. ويمكن أنه أشار عليه السلام إلى السائل إشارة خفية بيده الشريفة التي فيها الخاتم، ففهم السائل من تلك الإشارة أنه عليه السلام أراد إعطاءه الخاتم فخلعه من أصبعه الشريفة، وذلك فعل قليل لا يفسد الصلاة. ويمكن أيضا أن يكون الفعل في الصلاة كان مباحا قليلا كان أو كثيرا، كما أن الكلام كان فيها مباحا ثم نسخ بعد ذلك. وكل هذا جائز. وجملة الأمر وعقد الباب أن الذي فعله لو كان مفسدا لصلاته لما أثنى الله سبحانه وتعالى عليه في فعله ومدحه فيه. وقد روى جدي رحمه الله في كتابه المقدم ذكره حديثا مسندا: أن عليا عليه السلام لما تصدق بالخاتم كان يصلي نافلة الظهر (3). وروى أبو نعيم الحافظ خبرا مسندا إلى عمار بن ياسر قال: وقف بعلي ابن أبي طالب سائل وهو راكع في صلاته تطوعا، فنزع خاتمه


1. رواه الإمام أحمد في مناقب الصحابة 2 / 646. 2. أنظره في المناقب للخوارزمي ص 96. 3. ورد هذا في المناقب لابن شهر اشوب عن أبي ذر 3 / 7. (*)

[ 148 ]

للسائل (1). فقد ظهر النص عليه من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله صلى الله عليه وآله، وهذا لا ملجأ للهارب منه. وموصوفية علي عليه السلام بالولاية ههنا وصف ثبوتي يختص به دون غيره، كموصوفيته بالمولاة في فصل الغدير. بدليل ما سبق فيه. قال ابن حماد (2): رأيت النص يفضح جاحديه * ويلجئهم إلى ضيق الخناق ولو كان اجتماع القوم رشدا * لما أدى إلى طول افتراق وهذا حديث مشهور شائع لا يمكن إنكاره، وقد نظمه كثير من الشعراء، منهم حسان بن ثابت يقول (3): أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي (4) * وكل بطئ في الهدى ومسارع أيذهب مدحى والمخبر صادق (5) * وما المدح في جنب الإله بضائع فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا * فدتك نفوس القوم يا خير راكع (6) فأنزل فيك الله خيرا ولاية * وثبتها (7) في محكمات الشرائع


1. أنظر تفسير البرهان 2 / 482. 2. المناقب لابن شهراشوب 1 / 310. 3. المصدر السابق 3 / 10. 4. في المصدر: وأسرتي. 5. في المصدر: أيذهب مدح من محبك ضائعا. 6. في المصدر: علي فدتك النفس يا خير راكع. 7. في المصدر: وبينها. (*)

[ 149 ]

وقال الوراق (1): علي أبو السبطين صدق راكعا * بخاتمه سرا ولم يتجهم (2) فلما أتاه سائل مد كفه * فلم يستو حتى حباه بخاتم للعوني (3): أبن لي من في القوم جاد بخاتم * على السائل المعتر (4) إذ جاء قانعا وجاد به سرا فأفشاه ربه * وبين ما كان المصدق راكعا وقال بعضهم (5): أوفى الصلاة مع الزكاة ففاقها (6) والله يرحم عبده الصبارا من ذا بخاتمه تصدق راكعا * فأسره (7) في نفسه إسرارا ولبعضهم (8): هو الزاهد الموفي على كل زاهد * فما قطع الأيام بالشهوات


1. المناقب لابن شهراشوب 3 / 13. 2. في المخطوطة: ولم يتهجم - المتجهم: عابس الوجه. 3. المناقب لابن شهراشوب 3 / 12. 4. في المصدر: على السائل المعني. 5. المناقب لابن شهراشوب 3 / 14. 6. في المصدر: أقامها. 7. في المصدر: وأسره. 8. لطلائع بن رزيك الملك الصالح، كما في المناقب لابن شهر اشوب 2 / 117. (*)

[ 150 ]

بإيثاره بالقوت (1) يطوي على الطوى (2) إذا أمه المسكين في الأزمات تقرب للرحمن إذ كان راكعا بخاتمه في جملة القربات


1. في المخطوطة: للقوت. 2. الطوى: الجوع. (*)

[ 151 ]

الفصل الرابع في قوله تعالى (إني جاعلك للناس إماما) قال الله تعالى لابراهيم عليه السلام * (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) * (1). فبين تعالى بمحكم القرآن العظيم أن من كان ظالما في وقت من الأوقات لا يجوز أن يكون إماما، والشرك بالله تعالى هو الظلم، قال الله تعالى * (إن الشرك لظلم عظيم) * (2). وحقيقة الظلم وضع الشئ في غير موضعه، والمشرك قد وجه عبادته إلى الأصنام أو غيرها وهي غير مستحقة للعبادة. ويتبين على ذلك إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام بلا فصل، لأن من تولى الأمر غيره كان ظالما فيما سلف من أحواله في عبادته لمن لا يستحق العبادة. وإذا بطلت إمامة من تقدمه بهذا الإعتبار ثبتت إمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل. فإن قيل: من أين أن المراد بلفظة * (عهدي) * الإمامة، وهي كلمة


1. سورة البقرة: 124. 2. سورة لقمان: 12. (*)

[ 152 ]

محتملة للإمامة وغيرها: قيل: دلالة موضوع اللفظ على ذلك، لأنه سبحانه وتعالى قال لإبراهيم * (إني جاعلك للناس إماما) * وحكى عنه قوله: * (ومن ذريتي) *، ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام أراد: واجعل من ذريتي أئمة، بدلالة قولهم (1): * علفتها (2) تبنا وماء باردا * أراد: وسقيتها ماء باردا. ثم قال تعالى عقيب ذلك * (لا ينال عهدي الظالمين) *، فأشار بالعهد إلى ما تقدم من سؤال إبراهيم، ليطابق الكلام ويشهد بعضه لبعض. ولفظ * (عهدي) * إذا كان مشتركا وجب أن يحمل على كل ما يصلح له ويصلح أن يكون عبارة عنه، فيقال: إن الظاهر يقتضي أن كل ما يتناوله اسم العهد لا ينال الظالم، ويجري ذلك مجرى قول القائل: لا ينال عطائي الأشرار، في أن الظاهر يقتضي أن جنس عطائه لا يناله شرير ولا يختص بعطاء دون عطاء. وذرية إبراهيم انتهت إلى محمد وعلي عليهما السلام، لأنهما لم يسجدا لمن لا يستحق السجود. الدليل على ذلك ما رواه الفقيه [ ابن ] المغازلي في كتابه كتاب المناقب بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا دعوة [ أبي ] (3) إبراهيم. قلت (4): يا رسول الله


1. لسان العرب (علف). 2. في المخطوطة: أعلفتها. 3. الزيادة من المصدر. 4. في المصدر: قلنا.

[ 153 ]

كيف (1) صرت دعوة أبيك إبراهيم ؟ قال: أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم * (إني جاعلك للناس إماما) * فاستخف إبراهيم الفرح، قال: يا رب ومن ذريتي أئمة مثلي ؟ فأوحى [ الله ] (2) إليه يا إبراهيم (3) إني لا أعطيك عهدا لا أفي به (4). قال: يا رب ما العهد الذي لا تفي [ لي ] (5) به ؟ قال: لا أعطيك لظالم من ذريتك عهدا (6). قال إبراهيم عندها: * (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس) * (7). قال النبي صلى الله عليه وآله: وانتهت (8) الدعوة إلى وإلى علي، لم يسجد أحدنا لصنم (9)، فاتخذني [ الله ] (10) نبيا وعليا (11) وصيا (12). وعلي بن أبي طالب هو الإمام باللفظ الجلي دون الإلتزام الخفي بنقل الفريقين، فمن ذلك ما روته الفرقة المحقة ورواه جدي رحمه الله في نخبه مرفوعا إلى الباقر عليه السلام قال: لما نزل قوله تعالى * (كل شئ


1. في المصدر: وكيف. 2. الزيادة من المصدر. 3. في المصدر:: أن يا إبراهيم. 4. في المصدر: أفي لك به. 5. الزيادة من المصدر. 6. ليس في المصدر: عهدا. 7. سورة إبراهيم: 35.. في المصدر: فانتهت. 9. في المصدر: لم نسجد أحد منا لصنم قط. 10. الزيادة من المصدر. 11. في المصدر: واتخذ عليا. 12. المناقب لابن المغازلي ص 276، والنظر: شواهد التنزيل 1 / 411. (*)

[ 154 ]

أحصيناه في إمام مبين) * (1) قام رجلان من مجلسهما فقالا: يا رسول الله هو التوراة ؟ قال: لا. قالا: هو الإنجيل ؟ قال: لا. قالا: هو القرآن ؟ قال: لا. فأقبل علي عليه السلام، فقال النبي عليه السلام: هذا هو الإمام الذي أحصى الله تعالى فيه كل شئ (2). ومن ذلك ما رواه الشيخ الفاضل الفقيه ابن بابويه في الأمالي (3) وذكره عدة مشايخ في كتبهم - والنقل من كتاب جعفر بن محمد المشهدي - رحمهم الله جميعا بسنده إلى ابن عباس قال: قال ابن عباس: صعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فخطب واجتمع الناس إليه فقال: (يا معشر المؤمنين إن الله عز وجل أوحى إلي أني مقبوض وأن ابن عمي [ عليا ] (4) مقتول، وإني أيها الناس أخبركم خبرا لو عملتم (5) به سلمتم وإن تركتموه هلكتم، [ إن ] (6) ابن عمي عليا هذا أخي (7) ووزيري، وهو خليفتي، وهو المبلغ عني، وهو إمام المتقين وقائد الغر المحجلين، إن استرشدتموه أرشدكم، وإن اتبعتموه (8) نجوتم، وإن خالفتموه ضللتم، وإن


1. سورة يس: 12. 2. تفسير البرهان 4 / 6، المناقب لابن شهراشوب 3 / 77. 3. الأمالي للصدوق ص 62. 4. الزيادة من المصدر. 5. في المخطوطة: علمتم. وهو خطأ. 6. الزيادة من المصدر. 7. في المصدر: هو أخي. 8. في المصدر: وإن تبعتموه. (*)

[ 155 ]

أطعتموه فلله أطعتم، وإن عصيتموه فلله عصيتم، وإن بايعتموه فلله (1) بايعتم، وإن نكثتم بيعته فبيعة الله نكثتم، إن الله عزوجل أنزل علي القرآن، وهو الذي من خالفه ضل ومن ابتغى علمه عند غير علي هلك). (يا أيها الناس (2) اسمعوا قولي واعرفوا حق نصيحتي، ولا تخلفوني في أهل بيتي إلا بالذي أمرتم به من حفظهم، فإنهم حامتي (3) وقرابتي وإخوتي وأولادي، وإنكم مجموعون مساءلون عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، إنهم أهل بيتي، فمن آذاهم فقد اذاني (4)، [ ومن ظلمهم ظلمني، ومن أذلهم أذلني ] (5) ومن أعزهم فقد أعزني، ومن أكرمهم فقد أكرمني، ومن نصرهم نصرني، [ ومن خذلهم خذلني ] (6)، ومن طلب الهدى في غيرهم فقد كذبني). (أيها الناس اتقوا الله وانظروا ما أنتم قائلون إذا لقيتموه، فإني خصم لمن آذاهم، ومن كنت خصمه خصمته. أقول [ قولي ] (7) هذا وأستغفر الله لي ولكم). وأما ما رواه أهل المذاهب الأربعة: فمنه ما رواه الفقيه الشافعي [ ابن ] المغازلي في كتاب المناقب من عدة


1. في المصدر: فالله. في المواضع الثلاثة. 2. في المصدر: أيها الناس. 3. الحامه: خاصة الرجل من أهله وولده الذين يهتم لهم. 4. في المصدر: آذاهم آذاني، وهكذا في بقية الجمل ليس فيها (فقد). 5. الزيادة من المصدر. 6. الزيادة من المصدر. 7. الزيادة من المصدر. (*)

[ 156 ]

طرق بأسانيدها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إنك سيد الوصيين (1)، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، ويعسوب المؤمنين، تم الخبر (2). واليعسوب الذكر من النحل الذي يقدما. وهكذا أيضا ذكره أحمد بن يحيى ثعلب (3). فادرا (4) اليعسوب إمام النحل أنه يقدمها. فمعناه حينئذ إمام المؤمنين. وقال أبو حنيفة الدينوري: متى عجز اليعسوب عن الطيران حملته النحل حملا، وإن هلك وبقيت النحل لا تعسل بعده وجعل يطير مع وجه الأرض (5). قال الصاحب (6): أيعسوب دين الله صنو نبيه * ومن حبه فرض من الله واجب مكانك من فوق الفراقد لائح ومجدك من أعلى السماء مراقب (7) وسيفك في جيد الأعادي قلائد * قلائد لم يعكف عليهن ثاقب (8)


1. سيد المسلمين - خل، وكذا في المصدر. 2. المناقب لابن المغازلي. 3. هذا النقل من المناقب أيضا. 4. كذا في المخطوطة. 5. العبارة مشوشة وفهيا أخطاء. 6. ديوان الصاحب ابن عباد ص 185. 7. في الديوان: أعلى السماك. 8. في الديوان: جيد في. وتعكف. (*)

[ 157 ]

وروى الفقيه ابن المغازلي عن أسعد بن زرارة الأنصاري عن أبيه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما كان ليلة أسرى بي إلى السماء إذا قصر أحمر من ياقوته تتلألأ (2)، فأوحى الله إلي (3) في علي: إنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين (4). وروى الفقيه المذكور (5) عن الراوي المذكور بطريق آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انتهيت ليلة أسري بي إلى سدرة المنتهى، فأوحي إلي في علي ثلاث: إنه إمام المتقين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم. وروى الفقيه المذكور في المناقب (6) حديثا رفعه إلى أبي برزة (7) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى عهد إلى في علي عهدا، فقلت: يا رب بينه لي. فقال الله عز وجل: اسمع. قلت: سمعت. قال: إن عليا راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي أللزمتها للمتقين (8)، من أحبه أحبني، ومن أطاعه أطاعني، فبشره بذلك.


1. في المصدر: عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصاري عن أبيه. وقد ورد الاسم في أسد الغابة 1 / 68 و 3 / 116 بما يخالف ما في الكتاب. 2. في المصدر: من ياقوت يتلألأ. 3. في المصدر: فأوحى إلي. 4. المناقب لابن المغازلي ص 104. 5. المصدر السابق ص 105. 6. نفس المصدر ص 46. 7. في المخطوطة: إلى بردة. وهو خطأ. 8. في المصدر: المتقين. (*)

[ 158 ]

قال: قال: فبشرته. قال: فقال علي: يا نبي الله (1) أنا عبد الله وفي قبضته، فإن يعذبني فبذنوبي (2) ولم يظلمني، وإن يتم الذي بشرني [ به ] (3) فالله أولى به. قال: فقلت (4) اللهم أجل قلبه واجعل ربيعه الإيمان بك. فقال الله عز وجل: فإني قد فعلت ذلك به (5). ثم إن الله عهد إلي: أني أستخصه من البلاء ما لا أخص به أحدا من أصحابك (6). فقلت (7): يا رب أخي وصاحبي. فقال الله تعالى: إن هذا أمر قد سبق، إنه مبتلى ومبتلى به. ومن ذلك ما ذكره الخطيب (8) في تاريخه مسندا عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول اله صلى الله عليه وآله: ما في القيامة راكب غيرنا نحن أربعة. قال له عمه العباس (9): ومن هم يا رسول الله ؟ قال: أما أنا فعلى البراق - ووصفها عليه السلام بوصف طويل حذف اختصارا - قال: ومن يا رسول الله ؟ قال: وأخي صالح على ناقة الله وسقياها التي عقرها قومه (10). قال: ومن يا رسول الله ؟ قال: وعمي حمزة أسد الله وأسد رسوله سيد


1. ليس في المصدر: يا نبي الله. 2. في المصدر: فبذنبي. 3. الزيادة من الصمدر. 6. في المخطوطة. فقال. 5. ليس في المصدر: به. 6. في المصدر: من أصحابي. 7. في المخطوطة: فقال. 8. تاريخ بغداد 11 / 112 عن عكرمة عن ابن عباس، ويشبهه ما فيه 13 / 122 عن الأصبغ بن نباتة عن ابن عباس. وانظر: المناقب للخوارزمي ص 359. 9. في المصدر: فقام إليه عمه العباس بن عبد المطلب فقال: من هم. 10. إشارة إلى ما في سورة هود: 64 - 68. (*)

[ 159 ]

الهشداء على ناقتي. قال: ومن يا رسول الله ؟ قال: وأخي علي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنة، زمامها من لؤلؤ رطب، عليها محمل من ياقوت أحمر، قضبانها من الدر الأبيض، على رأسها (1) تاج من نور، لذلك التاج سبعون ألف ركن (2)، وما من ركن إلا وفيه ياقوتة حمراء تضئ للراكب (3) المحث، عليه حلتان خضراوتان، وبيده لواء الحمد، وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، يقول الخلائق: ما هذا إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو حامل عرش (4). فينادي مناد من بطنان العرش: ليس هذا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا حامل عرش، هذا علي ابن أبي طالب وصي رسول رب العالمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين. ومن ذلك ما رواه أبو بكر ابن مردويه (5) - وهو من ثقاتهم - مسندا إلى أبان بن تغلب عن مسلم قال: سمعت أبا ذر والمقداد وسلمان قالوا: كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وما معنا غيرنا، إذ أقبل ثلاث رهط من المهاجرين البدريين، فقال رسول الله: تفترق أمتي بعدي ثلاث فرق: فرقة أهل حق لا يشوبونه بباطل، مثلهم كمثل الذهب كلما فتته النار ازداد جودة وطيبا، وإمامهم هذا لأحد الثلاثة، وهو الذي أمر الله في كتابه


1. في المخطوطة: على رأسه. 2. في المصدر: سبعون ركنا. 3. في المخطوطة: ما بين ركن إلى ركن إلا وفيه ياقوتة حمل يعني للراكب. 4. ليس في المصدر: أو حامل عرش. 5. منقول عن ابن مردويه في تفسير البرهان 2 / 214. (*)

[ 160 ]

* (إماما ورحمة) * (1). وفرقة [ أهل باطل ] لا يشوبونه بحق، مثلهم كمثل خبث الحديد كلما فتته بالنار ازدادا خبثا، وإمامهم هذا لأحد الثلاثة، [ وفرقة لأهل ضلالة مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وإمامهم هذا لأحد الثلاثة (2). قال: فسألتهم عن أهل الحق وإمامهم. فقالوا: هو علي ابن أبي طالب عليه السلام وإمام المتقين. وأمسك عن الاثنين، فجهدوا أن يسميهما فلم يفعل. تم الخبر. وإذا كان رهطان متضادان وفي أمرهما متباينان (3) فظهر بالخبر المأثور حسن المرجع لأحدهما كان ذلك دليلا باهرا وعلما ظاهرا على مقر الحق وزحلقة الباطل (4). وهذا الخبر المذكور رواه أخطب خطباء خوازم موفق بن محمود وهو من أعيانهم وأبو الفرج والمعافى بن زكريا (5). وفي رواية الخطيب الموفق الخوارزمي: إن علي بن أبي طالب عليه السلام إمام أمة محمد، وحجة الله تعالى بعد النبي عليه السلام. ويرد في حديث المبيت إنشاء الله تعالى. تنبيه: موصوفية علي عليه السلام بالإمامة: إما أن يكون وصفا عدميا أو


1. سورة هود: 17. 2. الزيادات من الصمدر. 3. في المخطوطة: متضاديان - مبينان. 4. أي منحدر الباطل ومهواه. 5. الصحيح: أبو الفرج المعافى بن زكريا. (*)

[ 161 ]

ثبوتيا. الأول محال، لأنه يقتضي اللاموصوفية، وهي وصف سلبي ونقيض السلب ثبوت، فثبت أن موصوفيته عليه السلام بالإمامة وصف ثبوتي لا سلبي، فوجب وصفه بالإمامة واختصاصه بها دون غيره، لاستحالة قيام الصفة الواحدة التي هي الإمامة بمحلين. فقد ظهر لك من نقل الجهتين أن علي بن أبي طالب عليه السلام هو إمام الأمة باللفظ الصريح الجلي الذي لا حاجة له إلى تأويل، وفي ذلك غاية المراد من ثبوت الإمامة له عليه السلام ونفيها عن غيره. ومما يزيد ذلك بيانا وإيضاحا: أن الإمامة جعلها (1) الله تعالى لكشف الحيرة عن الأمة، وعلي بن أبي طالب عليه السلام هو كاشف الحيرة عن الأمة فيما تحتاج إليه من سائر علومها، وأبو بكر ليس بيده من كشف الحيرة شئ من سائر العلوم. ومما يشهد بصحة ذلك ما رواه الشيخ السعيد المفيد رحمه الله في كتاب العيون والمحاسن قال: قال هشام بن الحكم: قلت لعمرو بن عبيد: لي سؤال. قال: هات. قلت (2): لك عين ؟ قال: نعم. قلت: فما ترى بها ؟ قال: الألوان والأشخاص. فقلت: فلك أنف ؟ قال: نعم. فقلت: ما تصنع به ؟ قال: أشم به الرائحة. فقلت: فلك فم ؟ قال: نعم. قلت: فما تصنع به ؟ قال: أذوق به الطعم. قلت: ألك قلب ؟ قال: نعم. قلت: فما تصنع به ؟ قال: أميز كلما ورد على هذه الجوارح حقيقة به. قلت: ليس لها غناء عن القلب ؟ قال: لا. قلت: وكيف ذلك وهي سليمة ؟ قال: يا بني الجوارح إذا شكت في


1. في المخطوطة: جعله الله. 2. في المخطوطة: قلنا. (*)

[ 162 ]

شئ شمته أو رأته أو ذاقته ردته إلى القلب فيتيقن اليقين ويبطل الشك. قلت: فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح ؟ قال: نعم. قلت: فلا بد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح ؟ قال: نعم. قلت: يا مروان إن الله تعالى لم يترك جوارحا حتى جعل لها إماما يصحح الصحيح وينفي لها ما شكت فيه، ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم، ويقيم إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك. تم الخبر (1). وإذا فقدت هذه الصفة - وهي كشف الحيرة عن الأمة - في أبي بكر ووجدت في علي عليه السلام، كان ذلك بيانا واضحا على أنه الإمام دون أبي بكر. فكيف وقد نطقت رواياتهم بأنه هو الإمام. وهو المطلوب. وحيث ثبت له اسم الإمامة مطلقا وجبت إمامته كذلك، ومن قيدها فعليه الدلالة ولا دلالة له.


1. هذا الحديث مذكور في أمالي الصدوق ص 472 والإحتجاج للطبرسي ص 367 وغيرهما. (*)

[ 163 ]

الفصل الخامس (في ذكر الصادقين) قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (1). أمر سبحانه وتعالى بالكون مع الصادقين ثم وصفهم في كتابه فقال جل قائلا * (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين والسائلين وفي الرقات وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) * (2). فنعتهم الله تعالى بسبعة عشر نعتا، ثم هذه النعوت المذكورة لم تكن حاصلة إلا لعلي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه الحاوي لها بأسرها وتفرد بها دون غيره ولم تجتمع لأحد سواه. فإذا وجب الكون معه، وإذا وجب الكون معه، وجبت متابعته وثبتت إمامته وطاعته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل، لمطلق الأمر


1. سورة التوبة: 119. 2. سورة البقرة: 177. (*)

[ 164 ]

وبالكون مع الصادقين، ثم بالكون مع من عهد إليهم من ذريته المتصفين بصفته عليهم السلام. فأول النعوت الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله لابنته فاطمة عليها السلام: زوجتك أقدمهم سلما وأكثرهم علما (1). ومن ذلك قول علي عليه السلام وقد بلغه من الخوارج مقال أنكره: أم يقولون إن عليا يكذب، فعلى من أكذب ؟ أعلى الله أكذب فأنا أول من عبده، أم على رسوله فأنا أول من آمن به وصدقه ونصره (2). وذلك معروف مشهور من الفريقين، وما نقل أهل المذاهب الأربعة كثير، منه في مسند أحمد بن حنبل يرفعه إلى ابن عباس قال: إن عليا عليه السلام أول من أسلم. ومن ذلك ما رفعه إلى الحسن وغيره: إن عليا أول من أسلم بعد خديجة (3). ومن ذلك ما رفعه إلى زيد بن أرقم قال: أول من أسلم مع النبي صلى الله عليه وآله علي عليه السلام (4). وروى عن زيد بن أرقم بطريق آخر قال: أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله علي عليه السلام (5).


1. في كنز العمال 11 / 605 عدة أحاديث بهذا المضمون. 2. بمضمونه في البحار 40 / 111 عن الإختصاص للمفيد. 3. في المناقب للخوارزمي ص 15 حديثان بلفظ: أنا أول من أسلم. 4. مسند الإمام أحمد 4 / 368 و 371. 5. نفس المصدر 4 / 368. (*)

[ 165 ]

وروى عن حبة العرني (1) بطريق آخر قال: قال حبة: سمعت عليا عليه السلام يقول: أنا أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله (2). وروى عن حبة بطريق ثالث قال: قال رأيت عليا عليه السلام يضحك يوما لم أره ضحك أكثر منه حتى بدت نواجذه، قال: بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله - وذكر حديثا حذفته اختصارا - ثم قال: اللهم إني لا أعرف أن عبدا لك من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك محمد - قال ذلك ثلاث مرات - ثم قال: لقد صلينا قبل أن يصلي أحد سبعا (3). ومن ذلك ما رفعه إلى علي عليه السلام قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله ثلاث سنين قبل أن يصلي معه أحد (4). ومن ذلك ما رفعه إلى عبد الله بن يحيى قال: سمعت عليا يقول: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث سنين قبل أن يصلي أحد من الناس (5). كل هذه الروايات رواها أحمد بن حنبل في مسنده مستندة عن المذكورين (6). ومن ذلك ما ذكره ابن عبد ربه في الجزء التاسع والعشرين من العقد في


1. في المخطوطة: العربي. وهو خطأ، أنظر: تبصير المنتبه 3 / 1002. 2. مسند الإمام أحمد 1 / 141. 3. نفس المصدر 1 / 99 مع اختلاف في الألفاظ. 4. المناقب للكوفي 1 / 297 عن عبد الله بن أحمد (في الهوامش). 5. المناقب لابن المغازلي ص 194. 6. الحديثان الأخيران مذكوران في مناقب أمير المؤمنين من (فضائل الصحابة) لابن حنبل. (*)

[ 166 ]

فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بدأ فيها بهذه الفضيلة فقال: أسلم علي عليه السلام وهو ابن خمس عشرة سنة (1)، وهو أول من شهد أن لا اله إلا الله [ وأن محمدا رسول الله ] (2). وفي تفسير الثعلبي في سورة براءة في قوله تعالى * (والسابقون السابقون) * (3) قال: اختلف أهل العلم في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله بعد امرأته خديجة بنت خويلد مع اتفاقهم على أنها أول من آمن بالنبي وصهره علي بن أبي طالب، وهو قول ابن عباس وجاء [ عن ] ابن عبد الله وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر (4) وربيعة الرأي (5) وأبي حيان والمزني، وقال الكلبي: أسلم علي وهو ابن تسع سنين، وقال مجاهد وابن إسحق: أسلم علي وهو ابن عشر سنين. قال: وروى ابن اسحق (6) قال: حدثني عبد الله بن [ أبي ] (7) نجيح عن مجاهد قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب عليه السلام وما صنع الله له وأراده [ به ] (8) من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة (9) شديدة، وكان أبو


1. في المخطوطة: خمسة عشر سنة. 2. العقد الفريد 4 / 311، والزيادة منه. 3. سورة الواقعة: 10. 4. في المخطوطة: المكندر. وهو خطأ. 5. في المخطوطة: الرازي. وهو خطأ. 6. هذا النص منقول عن ابن إسحاق في السيرة لابن هشام 1 / 262. 7. الزيادة من المصدر. 8. الزيادة من المصدر. 9. الأزمة: الشدة والقحط. (*)

[ 167 ]

طالب ذا عيال كثير (1)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس أخوك أبو طالب (2) كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا لنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفيهما عنه (3). فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال لهما أبو طالب: إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله صلوات الله عليه وآله حتى أسلم (4). قال (5): وروى إسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف، قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت مكة أيام الحج، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، وكان العباس لي صديقا، وكان يختلف إلى اليمن يشتري العطر فيبيع في أيام الموسم، فبينما أنا والعباس بمنى إذ جاء رجل شاب حين حلقت الشمس في السماء، فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبه فقام مستقبلها، فلم يلبث أن جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفه، فركع الشاب وركع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدا فسجدا معه، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فقلت: يا عباس أمر عظيم.


1. في المخطوطة: كثيرة. 2. في المصدر: إن أخاك أبا طالب. 3. في المصدر: وتأخذ أنت رجلا فنكلهما عنه. 4. في المصدر: حتى بعثه الله فأتبعه علي وآمن به وصدقه. 5. سيرة ابن إسحاق ص 137، مع اختلاف في بعض الألفاظ. (*)

[ 168 ]

فقال: أمر عظيم. فقلت: ويحك ما هذا ؟ فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، يزعم أن الله بعثه رسولا وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح على يديه، وأيم الله ما على ظهر الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء. قال عفيف الكندي: ما أسلم ورشح الإسلام في قلب غيرهم، يا ليتني كنت رابعا. وروى أن أبا طالب قال لعلي عليه السلام: يا بني ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ قال: يا أبت آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء به وصليت معه. فقال له: أما إن محمدا لا يدعو إلا إلى خير، تسليم واعتراف بصحة دعواه، لأن حقيقة الإيمان التسليم والتصديق لما أتى به النبي صلى الله عليه وآله. وروى عبيد الله بن محمد عن العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين (1). ومن ذلك من مناقب الفقيه الشافعي [ ابن ] المغازلي يرفعه إلى ابن عباس في قول الله عز وجل * (والسابقون السابقون) * (2) قال: سبق يوشع بن


1. إحقاق الحق 4 / 211 عن الكشف والبيان المخطوط، وفي 15 / 510 عن مصادر أخرى. 2. سورة الواقعة: 10. (*)

[ 169 ]

نون إلى موسى، وسبق صاحب يس إلى عيسى (1)، وسبق علي إلى محمد (2). وروى أيضا خبرا يرفعه إلى أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم يصل معي أحد غيره (3). وروى أيضا خبرا رفعه إلى أنس بن مالك قال: قال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صلت الملائكة علي وعلى علي سبعا، وذلك أنه لم يرفع إلى السماء شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا مني ومنه (4). وروى أيضا حديثا رفعه إلى سليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول الناس ورودا علي الحوض أولهم إسلاما علي بن أبي طالب (5). فقد بان بقول الفريقين أنه أول من آمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله، وفي السبق وغيره يقول ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب عند بيعة أبي بكر: ما كنت أحسب هذا الأمر منتقلا * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالآيات والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي ومن * جبريل عونا له بالغسل والكفن


1. في المخطوطة: وسبق موسى إلى فرعون صاحب يس إلى عيسى. وهو خلط صححناه من المصدر. 2. المناقب لابن المغازلي ص 320. 3. المصدر ص 14. 4. المصدر السابق ص 14. 5. نفس المصدر ص 16. (*)

[ 170 ]

من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن ما ذا الذي ردكم عنه فنعلمه * ما ان بيعتكم من أول الفتن وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين (1): إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من المحن (2). وجدناه أولى الناس بالناس إنه * أطب (3) قريش بالكتاب وبالسنن وإن قريشيا لا تشق غباره * إذا ما جرى يوما على الضمر البدن (4) ففيه الذي فيهم من الخير كله * وما فيهم مثل الذي فيه من حسن وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه قد كان في سالف الزمن وأول من صلى من الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذو المنن وصاحب كبش القوم (5) في كل مجمع (6) * يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن (7)


1. المناقب لابن شهراشوب 3 / 226. 2. في المصدر: من الفتن. 3. في المخطوطة: لطب. الطب: التأني في الأمور. 4. الضامر: الهزيل. البدنة: الناقة، جمعها بدن. 5. الكبش: سيد القوم، ومنه كبش الكتيبة لقائدها. 6. في المصدر: وقعة. وهو الأنسب. 7. في المخطوطة: لذي الدمن. (*)

[ 171 ]

فذاك الذي تثنى الخناصر (1) باسمه إمامهم حتى أغيب في الكفن وقول خزيمة لا شك فيه، لأن الرسول عليه السلام كان يقضي الحكم بشهادته وحدها لا غير. وقال زفر بن زيد بن حذيفة الأساني (2): فحوطوا عليا وانصروه فإنه * وصي وفي الإسلام أول أول وقال قيس بن عبادة (3): هذا علي وابن عم المصطفى * أول من أجابه ممن دعا هذا الإمام لا نبالي (4) من غوى لعبد الرحمن بن حنبل حليف بني جمح في أبيات له: علي وصي المصطفى ووزيره * وأول من صلى لذي العرش واتقى وكان أمير المؤمنين ابن فاطم * بكم إن عرى خطب أبر وأرفقا وقال أبو الأسود الدؤلي (5):


1. في المخطوطة: يبنى الخناصر. 2. كذا في المخطوطة. وفي شرح النهج لابن أبي الحديد 13 / 232: زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي. والبيت مذكور فيه. 3. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 81. 4. في المخطوطة: ولا نبالي. 5. ديوان أبي الأسود ص 103. (*)

[ 172 ]

وإن عليا لكم مفخر * يشبه بالأسد الأسود (1) أما إنه ثاني العابدين (2) بمكة والله لم يعبد والأشعار في ذلك كثيرة لا تحصى. وأما إيتاء المال على حبه والوفاء بالعهد وغيره فإن سورة هل أتى تواترت أخبار الفريقين على أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وفيها إيتاء المال على حبه وغيره مما وصف في الآية. ويدل على نزولها فيهم من طريق أهل المذاهب الأربعة ما رواه الزمخشري في كتابه الكشاف من عدة طرق في تفسير * (هل أتى على الإنسان) *: فمنها ما رفعه إلى ابن عباس (3) قال: مرض الحسن والحسين عليهما السلام، فعادهما جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر وعمر وعامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشئ. فقال علي عليه السلام: إن برأ ولداي مما بهما صمت ثلاثة أيام شكرا لله تعالى، وقالت فاطمة وجاريتهم فضة مثل ذلك،


1. البيت في الديوان هكذا: وإن عليا لكم مصحر * ألا إنه الأسد الأسود 2. في الديوان: ثالث العبادين. 3. الكشاف 4 / 670 مع اختلاف في بعض الألفاظ والتفاصيل. وانظر المناقب لابن المغازلي ص 267. (*)

[ 173 ]

فألبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق علي إلى شمعون بن حارثا (1) الخيبري فاقترض منه ثلاثة أصوع من شعير. وفي حديث مهران الباهلي (2): فانطلق إلى جار له يهودي يعالج الصوف (3) يقال له شمعون بن حارثا (4)، فقال له: هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها لك ابنة محمد صلى الله عليه وآله بثلاثة أصوع من شعير ؟ فقال: نعم. فأعطاه الصوف والشعير، فأخبر فاطمة عليها السلام بذلك فقبلت وأطاعت. قال: فقامت عليها السلام إلى صاع وطحنته واختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرص، وصلى علي مع النبي المغرب وأتى المنزل، فوضع الطعام بين يديهم إذ أتاهم مسكين، فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه علي عليه السلام فأمر بإعطائه. فأعطوه ومكثوا يومهم وليلهم لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. فلما أن كان يوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع الثالث فطحنته واختبزته، وصلى علي مع النبي ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فأتاهم يتيم فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه علي عليه


1. في المناقب: ابن جابا. 2. ورد الحديث بما يشبه ما هنا مع تفصيل أكثر في المناقب لابن المغازلي ص 268، وفيه: ابن مهران الباهلي. 3. في المخطوطة: يعلج الصوف. 4. في المصدر: ابن جابا. (*)

[ 174 ]

السلام فأمر بإعطائه، فأعطوه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة عليها السلام إلى الصاع الثالث فطحنته واختبزته، وصلى علي مع النبي ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فأتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسرونا ولا تطعمونا، فسمعه علي عليه السلام فأمر بإعطائه. قال: فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. فلما كان اليوم الرابع وقد وفوا نذرهم أخذ علي بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين، وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما أبصر النبي قال: يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم، فانطلق بنا إلى منزل فاطمة. فانطلقوا إليها وهي في محرابها [ تصلي ] قد لصق بطنها [ بظهرها ] (1) من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها النبي قال: واغوثاه بالله، أهل بيت محمد يموتون جوعا. فهبط جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد خذها، هنأك الله في أهل بيتك. قال: وما آخذ يا جبرئيل ؟ فأقرأه * (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) * إلى قوله * (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) * إلى آخر السورة. وروى الثعلبي في تفسيره قال: قوله عز وجل * (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا) * قال: هي عين في دار النبي صلى الله عليه وآله تفجر إلى دور الأنبياء


1. الزيادتان من المناقب. (*)

[ 175 ]

عليهم السلام والمؤمنين. وقوله * (يوفون بالنذر) * يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة * (ويخافون يوما كان شره مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبه) * يقول شهوتهم الطعام وإيثارهم مسكينا من مساكين المسلمين ويتيما من يتامى المسلمين وأسيرا من أسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم * (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) *. قال: والله ما قالوا هذا بألسنتهم ولكنهم أضمروه في صدورهم، فأخبر الله عز وجل بإضمارهم، يقولون: لا نريد منكم جزاء ولا شكورا فتمنون (1) علينا به، ولكنا أعطيناكم لوجه الله تعالى وطلب ثوابه. قال الله عز وجل * (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا) * نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب * (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) * يسكنونها ويلبسونه ويفرشونه * (متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) *. وقال ابن عباس: فبينما أهل الجنة إذ رأوا ضوء كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان له، فيقول أهل الجنة: قد قال ربنا عز وجل * (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) * فيقول لهم رضوان: ليست هذه شمسا ولا قمرا، ولكن هذه فاطمة وعلي ضحكا ضحكا أشرقت الجنان من نور ضحكهما. وزاد محمد بن علي الغزالي (2) على ما ذكره الثعلبي في كتابه المعروف


1. في المخطوطة: أفتمنون. 2. الظاهر أنه يريد (بلغة الخواص في الأكوان إلى معدن الإخلاص) لمحيي الدين (*)

[ 176 ]

بالبلغة: إنهم عليهم السلام نزلت عليهم مائدة من السماء أكلوا منها سبعة أيام. وحديث المائدة ونزولها عليهم عليهم السلام معروف مشهور، وقد رواه صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي في كتابه في ذلك (1). قال الحصكفي رحمه الله يقول شعرا (2): قوم أتى في هل أتى مدحهم (3) * ما شك في ذلك إلا ملحد قوم لهم في كل أرض مشهد * لا بل لهم في كل قلب مشهد وأما قوله تعالى * (وفي الرقاب) *. فمن المعلوم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عمر أراضي كثيرة وأعتق بثمنها رقابا كثيرة وأعان من كان منهم في شدة. وأما الزكاة فقد تقدم قول الفريقين فيها في فصل الخاتم. وأما قوله تعالى * (وحين البأس) * فحين البأس هو الوقت الذي يكثر فيه الفرار من الزحف، ومعلوم قطعا وبتا أن علي بن أبي طالب عليه السلام لم يول (4) دبرا قط. وقيل: إن درعه كان مقدما بلا مؤخر (5)، وإن الملائكة


محمد بن علي ابن العربي - أنظر: كشف الظنون 1 / 252. 1. المناقب للخوارزمي ص 168. 2. المناقب لابن شهراشوب 2 / 227. 3. في المصدر: مدحتهم. 4. في المخطوطة: لو يولي. 5. هذا كان من عادة كبار شجعان العرب، لأنهم يستنكفون من إعطاء ظهرهم إلى (*)

[ 177 ]

تعجبت من حملاته وبذل جهده في الذب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله. فمن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده مسندا إلى أبي رافع عن أبيه قال: لما قتل علي عليه السلام أصحاب الألوية يوم أحد قال جبرئيل: يا رسول الله إن هذه هي المواساة. فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه (1). تم الخبر. ومن نظر في الغزوات علم أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان مختصا بحسن البلاء في غزواته مع ابن عمه رسول الله (ص) والصبر العظيم وثبوت القدم معه حين يزل قدم غيره، ويكافح الأعداء ويطفئ نيران الحروب ويفرج الكرب العظيم بنكال سيفه، ويكسر وقعة وشدة وطئته، حتى أن ملكا يقال له رضوان مدحه ونادى في السماء فقال (2): لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي وسمع النبي صلى الله عليه وآله الصوت فقال: أما تسمع يا علي مديحك في السماء، وأخبره باسم الملك المادح له. وفي ذلك يقول حسان بن ثابت (3):


ساحة الميدان للفرار منها، فيستغنون بذلك من مؤخر الدرع. 1. رواه في فرائد السمطين 1 / 257، وأرجعه المعلق إلى الفضائل لابن حنبل. 2. المصدر السابق 1 / 258. 3. المناقب لابن شهراشوب 3 / 341 من دون نسبة، ولم ترد الأبيات في ديوان حسان. (*)

[ 178 ]

جبريل نادى في السما (1) * والنقع ليس بمنجلي والخيل تعثر بالجما * جم والوشيج الذبل والمسلمون قد أحدقوا (2) * حول النبي المرسل هذا النداء لمن له ال‍ * زهراء ربة منزل لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي فإن قيل: في الحديث إن رضوان هو المادح، فكيف يقول حسان جبريل نادى. فيقال: إن رضوان مدح ونادى هو وغيره. وقال الحميري رحمه الله (3): وله بلاء يوم أحد صالح * والمشرفية تأخذ الأدبارا إذ جاء جبريل فنادى معلنا * في المسلمين وأسمع الأبرارا لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى * إلا علي إن عددت فخارا وفي شجاعته عليه السلام يقول عمرو بن العاص: إذا نادت صوارمه نفوسا * فليس لها سوى نعم جواب طعام سيوفه مهج الأعادي * وفيض دم القريب لها شراب وبين سنانه والدرع صلح * وبين البيض والبيض اصطحاب (4)


1. في المصدر: في الوغى. 2. في المصدر: والمسلمون بأسرهم. 3. ديوان الحميري ص 215. 4. يريد: بين السيوف والخوذ الذي يوضع على الرأس اصطحاب حيث يضرب عليها كثيرا لشجاعته. (*)

[ 179 ]

وضربته كبيعته بخم * معاقدها من الناس الرقاب (1) هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب قال المأمون الخليفة العباسي: ألام على شكر الوصي أبي الحسن * وذلك عندي من عجائب ذي المنن خليفة خير الناس والأول الذي * أعان رسول الله في السر والعلن وفي شجاعته عليه السلام يقول أسد بن أياس يحرض مشركي قريش على قتله (2): في كل مجمع غابة أخزاكم * جزع أبر على المذاكي القرح (3) لله دركم ألما تنكروا * قد ينكر (4) الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمة الذي أفناكم * ذبحا وقتلة قصعة لم تذبح (5) أعطوه خرجا واتقوا بضريبة (6) * فعل الذليل وبيعة لم تربح أين الكهول وأين كل دعامة * في المعضلات وأين زين الأبطح * أفناهم قصعا وضربا يفتري * بالسيف يعمل حده لم يصفح أفناهم قصعا وضربا يفتري * بالسيف يعمل حده لم يصفح وشجاعته عليه السلام لا يختلف فيها، لأنها أشهر من كرم حاتم الطائي. ومن هذه صفته جدير أن يصبر حين البأس.


1. يريد: إن بيعته على رقاب المسليمن الذين بايعوه بخم، كما أن ضربته على رقاب الكافرين في الحروب. 2. المناقب لابن شهراشوب 3 / 145. 3. المذاكي من الخيل: التي أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان. 4. في المخطوطة: وقد ينكر. 5. في المخطوطة: وقتلا فضعه. قصع الرجل أوهامته: ضرب ببسط كفه على رأسه. 6. في المخطوطة: واتقوه بضربة. (*)

[ 180 ]

وقد روي: أن يوم أحد فر الناس ولم يثبت إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وثمانية من الأنصار، وقيل أربعة أو خمسة (1). وروى ابن قتيبة في المعارف: أن الشيخين انهزما يوم أحد مع من انهزم، ولم يثبت مع أمير المؤمنين إلا ثمانية من بني هاشم ذكرهم ابن قتيبة. وهو عامي المذهب. وفي ذلك يقول العباسي رضي الله عنه شعرا (2): نصرنا رسول الله في الحرب تسعة * وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا (3) والتاسع أيمن بن عبيد قتل بين يدي النبي صلى الله عليه وآله. وكذا في غير هذا الموضع: فإنه الملازم لابن عمه رسول الله (ص). وأما يوم بدر فإنه قتل خمسة وثلاثين شجاعا، وقتل جميع المسلمين خمسة وعشرين رجلا (4). وفي الرواية: أنه عرف قتلى علي من قتلى المسلمين أنه ليس في المقتول إلا ضربة واحدة من علي عليه السلام وقتلى المسلمين في الواحد منهم خمس ضربات إلى ست ضربات أو أقل أو أكثر (5). وأما أبو بكر فإنه انهزم يوم حنين، وفر بأحد، وولى الدبر يوم التقى الجمعان، وأسلم رسول الله صلى الله عليه وآله فيها وفي غيرها من المواطن إلى الأعداء، مع ما كتب الله عليه من الجهاد والذب عن وجه


1. أنظر: كنز العمال 10 / 436، الكافي 8 / 110، الإرشاد للمفيد ص 37. 2. المناقب لابن شهراشوب 2 / 30. 3. في المخطوطة: من فر عنه وأقشعوا. أقشعوا: تفرقوا. 4. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 96، كشف الغمة 1 / 184. 5. كشف الغمة 1 / 255. (*)

[ 181 ]

رسول الله. وكان جبانا هلوعا خائفا ضعيفا، لم يبارز قط قرنا ولا قاوم بطلا ولا سفك بيده دما، وقد شهد مع رسول الله (ص) مشاهده، وكان لكل واحد من الصحابة أثر إلا لأبي بكر، وكل هذا المعنى يشهد بذلك. وأما علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه صبر عند الشدائد وضنك المكائد وضيق المراصد، لم يول قط دبرا، ولا فر من قرن، ولا هاب في الحرب خصما، ولا رهب جيشا، ولا نكس له راية، ولا لقي عسكرا إلا تكافأه وقتل منه الصناديد والشجعان. وحيث انتظمت النعوت المذكورة في الآية بأسرها في علي بن أبي طالب عليه السلام وجب الكون معه بالأمر الإلهي، ووجب التخلف عن غيره لأنه غير متصف بالنعوت المذكورة. وأما قوله تعالى * (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) * (1) إنما هو تعظيم وتفخيم لعلي بن أبي طالب عليه السلام، لأن الواحد المعظم يعبر عنه بالجمع، وقد تقدم بيانه. وإذا انضاف إليه أهل بيته المتصفين بصفته كان الكلام عبارة عنهم.


1. سورة البقرة: 177. (*)

[ 182 ]

وجه آخر: قال الله تعالى * (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) * (1). ذكر المفسرون العلماء (2) أن هذه الآية نزلت في حق علي بن أبي طالب وحمزة عليهما السلام، فلما قتل حمزة صار التنزيل خاصا في على، وأمن منه التبديل لسائر الأشياء بمحكم التنزيل واختصاصه.


1 سورة الأحزاب: 23. 2. انظر: شواهد التنزيل 2 / 5، تفسير البرهان 3 / 301. (*)

[ 183 ]

الفصل السادس في قوله تعالى * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) وأن الحق هو علي وأن الحق معه قال الله تعالى * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * (1). روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أنا المنذر وعلي بن أبي طالب هو الهاد (2). روى جدي أبو عبد الله الحسين بن جبر رحمه الله في كتابه الموسوم بنخب المناقب لآل أبي طالب عليهم السلام: حدثنا مسندا عن ابن عباس في قوله * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * قال: نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (3). ورواها عن علي عليه السلام * (ولكل قوم هاد) * قال: أنا (4). وقد صنف أحمد بن محمد بن سعيد (5) كتابا في قوله * (إنما أنت منذر


1. سوره الرعد: 7. 2. أنظر بمضمونه: تفسير العياشي 2 / 204، الكافي 1 / 192. 3. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 101. 4. شواهد التنزيل 1 / 391. 5. يريد الحافظ ابن عقدة الجارودي. أنظر: رجال النجاشي 1 / 240. (*)

[ 184 ]

ولكل قوم هاد) *، ذكر فيه أنها أنزلت في علي بن أبي طالب. ورواها جدي في كتابه المقدم ذكره مسندة عن الضحاك والزجاج قال * (إنما أنت منذر) * رسول الله * (ولكل قوم هاد) * علي بن أبي طالب (1). وذكرها الحسكاني في شواهد التنزيل (2)، والمرزباني فيما نزل من القرآن في علي عليه السلام. وروى جدي في كتابه المقدم ذكره قال: قال أبو برزة (3): دعا رسول الله (4) صلى الله عليه وآله بالطهور وعنده علي بن أبي طالب عليه السلام، فأخذ [ رسول الله ] (5) بيد علي بعد ما تطهر فألصقها (6) بصدره ثم قال: إنما أنت منذر، ثم ردها إلى صدر علي ثم قال: ولكل قوم هاد (7). ورواها الثعلبي في تفسيره مسندة عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على صدره وقال: أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب (8) علي بن أبي طالب فقال: أنت الهادي، يهتدي بك المهتدون من بعدي (9).


1. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 101. 2. شواهد التنزيل 1 / 381 - 395 في عدة أحاديث. 3. في المخطوطة: قال بردة، والتصحيح من المصدر. 4. في المخطوطة والمناقب: دعا لنا رسول الله. 5. الزيادة من المصدر. 6. في المصدر: فألزقها. 7. شواهد التنزيل 1 / 393، وعنه المناقب لابن شهر اشوب 3 / 101. 8. في المخطوطة: على منكب، والتصحيح من المصدر. 9. تفسير الطبري 13 / 108، وعنه في تفسير ابن كثير 2 / 501.

[ 185 ]

ورواها الثعلبي مسندة إلى علي عليه السلام قال: المنذر النبي صلى الله عليه وآله، والهادي رجل من بني هاشم - يعني نفسه (1). وذكرها جدي في نخبه عن عبد الله بن عطاء عن أبي جعفر عليه السلام قال: فالنبي المنذر، وبعلي يهتدي المهتدون (2). وذكرها عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وآله: أنا المنذر وعلي الهادي (3). ورواها عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن هذه الآية، فقال [ لي ]: هادي هذه الأمة علي بن أبي طالب (4). وقد مضى قول الفريقين في علي عليه السلام أنه هو الهادي. وأما كونه هو الحق والحق معه: روى جدي في كتابه المقدم ذكره حديثا مسندا عن أبي الورد الإمامي المذهب عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى * (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق) * (5) قال: علي بن أبي طالب عليه السلام (6). وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى * (يا أيها الناس قد


1. تفسير ابن كثير 2 / 502، شواهد التنزيل 1 / 390. 2. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 102، وعنه تفسير البرهان 2 / 282. 3. تفسير العياشي 2 / 204. 4. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 102، تفسير البرهان 2 / 282 والزيادة منه. 5. سورة الرعد: 19. 6. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 75. (*)

[ 186 ]

جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم) * (1) يعني بولاية علي عليه السلام (2). وعن الباقر عليه السلام في قوله تعالى * (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن) * (3) يعني بولاية علي بن أبي طالب * (ومن شاء فليكفر) * (4). وعنه عليه السلام في قوله تعالى * (ويستنبئونك أحق هو) * (5) يسألونك: يا محمد علي وصيك ؟ قال: إي وربي إنه لوصيي (6). وعن محمد بن مروان عن السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى * (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق) * (7) قال: علي عليه السلام (8). وعن أبي بن كعب: نزلت * (والعصر) * في أمير المؤمنين عليه السلام وأعدائه، بيانه: * (إلا الذين آمنوا) * لقوله (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) الآية، وقوله * (وعملوا الصالحات) * لقوله (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) لأنها في علي عليه السلام نزلت بقول الفريقين، وقد


1. سورة النساء: 170. 2. تفسير العياشي: 1 / 285. 3. سورة الكهف: 29. 4. تفسير البرهان 2 / 465. 5. سورة يونس: 53. 6. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 75، تفسير العياشي 2 / 123 وفيه (.. عن علي إماما هو ؟ قل إي وربي إنه لحق). 7. سورة الرعد: 19. 8. تفسير البرهان 2 / 287. (*)

[ 187 ]

مضى بالفصل الثالث. وقوله * (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) * لقوله صلى الله عليه وآله: الحق مع علي وعلي مع الحق. * (وتواصوا بالصبر) * لقوله (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس)، وعلي بن أبي طالب هو الصابر حين البأس (1)، وقد تقدم القول بذلك في الفصل الخامس. وعن أبي ذر أنه سئل عنه اختلاف الناس عند، فقال: عليك بكتاب الله والشيخ علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي مع الحق والحق معه وعلى لسانه، والحق يدور حيثما دار علي (2). وعن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه أنه سلم يوم الجمل على عائشة فلم تكلمه: أسألك بالذي لا إله إلا هو ألا سمعتك تقولين: الزم علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الحق مع علي وعلي مع الحق، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض. قالت: بلى قد سمعت ذلك منه (3). قال: وأتى عبد الله ومحمد ابنا بديل إلى عائشة وناشداها بذلك فاعترفت (4). هذا كله ذكره جدي المذكور في نخبه، وذكره السمعاني في فضائل الصحابة إلا أنه قال: علي مع الحق والحق مع علي (5).


1. مأخوذ من المناقب لابن شهر اشوب 3 / 76 مع تصرف قليل. 2. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 76. 3. المصدر السابق 3 / 76. 4. نفس المصدر والصفحة. 5. المصدر نفسه والصفحة. (*)

[ 188 ]

وفي تفسير الثمالي في قوله تعالى * (طسم * تلك آيات الكتاب) * (1): إن من الآيات مناديا ينادي من السماء في آخر الزمان: ألا إن الحق مع علي وشيعته (2)، وأما ما ذكره أهل المذاهب الأربعة: روى سعد بن أبي وقاص عن النبي عليه السلام قال: علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار (3)، وروى عبيد الله بن عبد الله حليف بني أمية: إن معاوية قال لسعد: أنت الذي لا تعرف حقنا من باطل غيرنا فتكون معنا أو علينا، فجرى بينهما كلام، فروى سعد هذا الخبر المذكور، فقال معاوية: لتجيئني بمن سمعه معك أو لأفعلن. قال: أم سلمة، فأدخلوا (4) عليها فقالت: صدق، في بيتي قاله (5). وروى مالك بن جعونة العرني عنها نحو هذا (6). وهذه الأخبار الثلاثة ذكرها عنهم جدي في كتابه المقدم ذكره. وقال الخطيب في تاريخه: عن [ أبي ] ثابت (7) مولى أبي ذر الغفاري قال: دخلت على أم سلمة، فرأيتها تبكي [ وتذكر عليا ] (8) وقالت: سمعت رسول


1. سورة الشعراء: 1 - 2. (*) 2. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 76. 3. مجمع الزوائد 7 / 235 باختلاف يسير. 4. في المصدر: فدخلوا. 5. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 77. 6. نفس المصدر والصفحة. 7. في المخطوطة: عن ثابت، والتصحيح من المصدر. 8. الزيادة من المصدر. (*)

[ 189 ]

الله صلى الله عليه وآله يقول: علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة (1). ورواه القاضي أبو الحسن الجرجاني في صفوة التاريخ. ومن ذلك ما رواه أبو بكر محمد بن الحسين الآجرى - وهو تلميذ أبي بكر ولد أبي داود السجستاني - في الجزء الثاني من كتاب السبعة بإسناده إلى علقمة بن قيس والأسود بن يزيد حتى رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله في حديث طويل يقول في آخره: إن عمار بن ياسر دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله، فرحب به وقال: يا عمار [ إنه ] سيكون في أمتي بعدي هنات واختلاف حتى يختلف السيف [ فيما ] بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الذي عن يميني علي بن أبي طالب (2)، فإن سلك [ الناس ] كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل الناس طرا، يا عمار إن عليا لا يردك (3) عن هدى [ ولا يدلك على ردى ]، يا عمار طاعة علي من طاعتي وطاعتي من طاعة الله (4). ومن ذلك ما رواه أحمد بن مردويه في كتابه المناقب عن عدة طرق: فمنها ما رفعه إلى عائشة أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:


1. تاريخ بغداد 14 / 321. 2. في المصدر: فعليك بهذا الأصلع عن يميني، يعني علي بن أبي طالب. 3. في المخطوطة: لا ينزل. ولعل الصحيح فيه: لا يزل. 4. فرائد السمطين 1 / 178 عن علقمة بسند غير ما في كتابنا، والزيادات منه وفيه بعض الإختلاف في كلمات. (*)

[ 190 ]

الحق مع علي وعلي مع الحق، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (1). ومنها ما أسنده إلى أبي بكر موسى بن مردويه يرفعه إلى الأصبغ بن نباتة قال: لما أصيب زيد بن صوحان يوم الجمل أتاه علي (2) وبه رمق، فوقف عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو لما به، فقال: رحمك الله يا زيد، فو الله ما عرفتك (3) إلا خفيف المؤنة كثير المعونة. قال: فرفع إليه رأسه وقال: وأنت يرحمك الله، فو الله ما عرفتك إلا بالله عارفا وبآياته (4)، والله ما قاتلت معك من جهل ولكني سمعت حذيفة بن اليمان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ألا وإن الحق معه يتبعه، ألا فميلوا معه (5). ومنها ما أسنده إلى سالم مولى أبي ذر الغفاري عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي مع الحق والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض (6). * (المناقب - مخطوط، وانظر النقل عنه عن عائشة في عدة أحاديث منقولة [ في ملحقات إحقاق الحق 5 / 636 - 638. 2. في المخطوطة: أتى علي. 3. في المصدر: ما عرفناك. 4. في المصدر: إلا بالله عالما وبآياته عارفا. 5. المناقب للخوارزمي ص 177 عن ابن مردويه. 6. مضى عن أبي ثابت مولى أبي ذر بلفظ (علي مع الحق والحق مع علي)، وفي ملحقات الإحقاق 16 / 399 عدة أحاديث يذكر فيها القرآن. (*)

[ 191 ]

وذكر الخطيب (1) في تاريخه قال: إن علقمة والأسود كررا معاتبة أبي أيوب على نصرته لعلي بن أبي طالب عليه السلام، فرادهما إيضاحا لعذره بما كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال الخطيب: إن علقمة والأسود أتيا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقالا له: يا أبا أيوب إن الله أكرمك بنزول محمد صلى الله عليه وآله في بيتك [ وبمجئ ناقته ] (2) تفضلا من الله تعالى وإكراما لك حتى أناخت ببابك دون الناس [ جميعا ]، ثم جئت بسيفك على عاتقك في ضرب (3) أهل لا إله إلا الله. فقال: يا هذا إن الرائد لا يكذب أهله (4)، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرنا بقتال ثلاثة مع علي عليه السلام، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فأما الناكثون فقد قاتلناهم وهم أهل الجمل طلحة والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا عنهم - يعني معاوية وعمرو بن العاص، وأما المارقون فهم أهل الطرفاوات وأهل السعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم ولكن لابد من قتالهم إنشاء الله تعالى. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعمار رضي الله عنه: تقتلك الفئة الباغية وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك، يا عمار [ بن ياسر ] إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس كلهم واديا [ غيره ] فاسلك مع


1. ذكر الخطيب في هذا الحديث بحضور أبي أيوب حرب صفين، ولكنه في 1 / 153 نفى حضوره بها وقال إنه حضر حرب النهروان. 2. الزيادتان ليستا في المصدر. 3. في المصدر: تضرب به. 4. الرائد: الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث، وهذا المثل يضرب للذي لا يكذب إذا حدث. أنظر: لسان العرب (رود).

[ 192 ]

علي، فإنه لن يدليك إلى ردى ولن يخرجك عن هدى، يا عمار من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من در، ومن تقلد سيفا أعان به عدوه قلده [ الله ] يوم القيامة وشاحين من نار. قلنا: يا هذا حسبك رحمك الله [ حسبك رحمك الله ] (1). وفي الآية المذكورة دليل على تقديمه على كل من نازعه الخلافة وأنه أحق بها منه، لأن مطلق الاسم له لكونه عليه السلام الهادي يقتضي كونه هاديا في سائر أوقاته، وقد ثبت ذلك الاسم له بقول الله تعالى مجملا وبقول الرسول عليه السلام مخصصا - على ما نقل الفريقان في تفسيرها. وموصوفية علي عليه السلام بكونه الهادي وصف ثبوتي لا سلبي، يختص به دون غيره، كموصوفيته بالإمامة، بدليل ما تقدم في الفصل الرابع. وقال الحميري رحمه الله (2): هما أخوان ذا هدا إلى ذا * وذا فينا لأمته نذير فأحمد منذر وأخوه هاد * دليل لا يضل ولا يجور (3) كسابق حلبة ولا مظل * إمام الخيل حيث يرى البصير (4) وفي ظاهر الخبر المذكور ما يقتضي عصمته عليه السلام ووجوب الإقتداء به، لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يخبر على الإطلاق


1. تاريخ بغداد 13 / 186 والزيادات منه. وانظر: تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام علي عليه السلام) 3 / 214. 2. ديوان السيد الحميرى ص 200. 3. في الديوان: ولا يحير. 4. في المخطوطة: وله مصلى.. يرى المصير. (*)

[ 193 ]

بأن الحق مع علي، ووقوع القبيح [ غير ] جائز منه، لأنه إذا وقع كان الإخبار كذبا، وذلك لا يجوز عليه (ص). وأما قوله في الخبر (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)، وفي خبر [ أبي ] ثابت مولى أبي ذر (لا يفترقان حتى يردا علي الحوض)، فإن لا ولن لنفي المستقبل عند أهل العربية، فيجب أن يكون الحق والقرآن مع علي عليه السلام لا ينتفيان عنه أبدا، وإذا كان الحق والقرآن لا ينتفيان عنه أبدا ثبتت إمامته وبطلت إمامة من ناوأه. (*)

[ 195 ]

الفصل السابع (في ذكر الوصية) قال الله تعالى * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) * (1). نبه سبحانه وتعالى على جواز الوصية، لأن من المعلوم نسخ هذه الآية (2)، لكن الواجب إذا نسخ بقي الجواز، لأن المقتضي لحصول الجواز قائم. والناسخ لا يصلح أن يكون معارضا، لأن ماهية الواجب مركبة من جواز الفعل ومن منع تركه، والمركب يجري في ارتفاعه ارتفاع أحد قيديه. ولا يجوز أن يمضي رسول الله صلى الله عليه وآله بغير وصي، وقد أوصى إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ابتداء وانتهاء وفيما بين ذلك. فحصل له الأخذ بالطرفين، فطرف الإبتداء يوم الدار ويأتي في فصله إنشاء الله، وطرف الإنتهاء حديث يوم الغدير وقد مضى. والأخبار في ذلك من جهة الفرق لا تحصى كثرة:


1. سورة البقرة: 180. 2. أنظر المناقشة في نسخ الآية في: الناسخ والمنسوخ لابن العتايقي ص 30. (*)

[ 196 ]

روى الطبري بإسناده إلى سلمان قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله إنه لم يكن نبي إلا وله وصي، فمن وصيك ؟ قال: وصيي وخليفتي في أهلي وخير من أترك من بعدي مؤدي ديني ومنجز عداتي علي بن أبي طالب (1). وروى حديثا مسندا إلى أبي الطفيل أنه قال علي عليه السلام لأصحاب الشورى: أناشدكم الله هل تعلمون أن لرسول الله صلى الله عليه وآله وصيا غيري ؟ قالوا: اللهم لا (2). وذكر جدي رحمه الله في كتابه نخب المناقب لآل أبي طالب قال: روى سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: [ إن ] وصيي وخليفتي وخير من أترك من بعدي ينجز موعدي ويقضي ديني علي بن أبي طالب (3). وذكر عن مطير بن خالد، عن أنس وقيس بن ماناه (4) وعبادة بن عبد الله، عن سلمان [ كليهما ] (5)، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا سلمان سألتني عن وصيي من أمتي، فهل تدري من كان وصي موسى من أمته (6) ؟ فقلت: كان ويوشع بن نون فتاه. فقال: هل تدري لم كان إوصى إليه ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أوصى إليه لأنه كان أعلم أمته بعده، ووصيي


1. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 58. 2. المصدر السابق 3 / 58. 3. المصدر، والزيادة منه. 4. كذا في المخطوطة والمصدر، وفي ميزان الإعتدال 3 / 398: قيس بن ميناء. 5. الزيادة من المصدر. 6. في المصدر: فهل تدري لمن كان أوصى إليه موسى. (*)

[ 197 ]

وأعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب (1). قال: وروى قريبا منه أحمد في فضائل الصحابة. وذكر عن أبي رافع قال: لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله غشي عليه، فأخذت بقدميه أقبلهما وأبكي، فأفاق وأنا أقول: من لي ولولدي من بعدك يا رسول الله. فرفع إلي رأسه وقال: الله بعدي ووصيي صالح المؤمنين (2). تم الخبر. و (صالح المؤمنين) هو علي بن أبي طالب عليه السلام، ويأتي الخبر على ذلك في الفصل الخامس والثلاثين إنشاء الله. وذكر عن زيد بن علي عن أبيه: إن أبا ذر لقيه علي عليه السلام، فقال [ له ] أبو ذر: أشهد لك بالولاء والإخاء والوصية (3). وذكر عن الأعمش، عن عباية، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه جبرئيل وعنده علي، فقال: هذا علي خير الوصيين (4). وذكر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: خلق الله تعالى مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي، فأنا أكرمهم على الله ولا فخر، وخلق الله عز وجل مائة ألف وصي وأربعة وعشرين ألف وصي، فعلي أكرمهم على الله [ وأفضلهم ] (5). هذا مذكور في نخبه المشار إليها إلى المذكورين. ومن ذلك في مسند أحمد بن حنبل يرفعه مسندا إلى أنس بن مالك قال:


1. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 58 مع اختلاف في الجمل الأخيرة. 2. المصدر السابق. 3. نفس المصدر، وفيه (والرخاء) وهو خطأ. 4. نفس المصدر 3 / 59. 5. نفس المصدر 3 / 59 وليس فيه (وأفضلهم). (*)

[ 198 ]

قلنا لسلمان: سل النبي من وصيه. فقال له سلمان: يا رسول الله من وصيك ؟ فقال: يا سلمان من كان وصي موسى ؟ قال: يوشع بن نون. قال: قال وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب (1). ومن ذلك ما ذكره الفقيه الشافعي علي ابن المغازلي في كتابه كتاب المناقب في تفسير قوله تعالى * (والنجم إذا هوى) * (2) مرفوعا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من انقض هذا النجم في منزله فهو الوصي [ من ] بعدي. فقام فتية من بني هاشم فنظروا فإذا الكوكب قد انقض في منزل على عليه السلام، قالوا: يا رسول الله غويت في حب علي، فأنزل تعالى * (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى) * إلى قوله * (بالأفق الأعلى) * (3). وحذف صدر الكلام اختصارا. وروى أيضا في مناقبه حديثا رفعه إلى عبد الله بن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من نبي إلا وله وصي ووارث (4)، وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب (5). وفي [ الجمع ] بين الصحيحن للحميدي في الحديث التاسع من المتفق عليه من مسلم والبخاري من سند عبد الله بن أبي أوفى عن طلحة بن مصرف (6) قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل كان النبي أوصى ؟ فقال:


1. أخرجه ابن حنبل في الفضائل 2 / 615. 2. سورة النجم: 1. 3. المناقب لابن المغازلي ص 310، وقريب منه عن أنس في 266. 4. في المصدر: لكل نبي وصي ووارث 5. المناقب لابن المغازلي ص 200. 6. في المخطوطة (منصرف). (*)

[ 199 ]

لا. فقلت: فكتب على الناس الوصية وأمر بالوصية (1) ؟ فقال: أوصى بكتاب الله (2). قال الحميدي: وفي حديث مهدي زيادة ذكرها أبو مسعود وأبو بكر البرتاني ولم يخرجها البخاري ولا مسلم فيما عندنا من كتابيهما، وهي: قال: قال هرقل بن شرحيل: أبو بكر كانى يتأمر على وصي رسول الله. وفي حديث وكيع فقلت: فكيف أمر الناس بالوصية. وفي حديث نمير: كيف كتب على المسلمين الوصية (3). وذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة عن الأسود ابن يزيد قال: ذكروا عند عائشة أن عليا وصي - وفي رواية أزهر أنهم قالوا: إنه وصي - فلم تكذبهم، وذكرت أنها سمعت ذلك من النبي عليه السلام حين وفاته. وفي صحيح مسلم في الثلث الأخير من الجزء الثالث من أجزاء ستة في كتاب الفرائض خبر مسند عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما حق [ امرئ ] مسلم [ له ] شئ يوصي به، يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة (4). قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي ليلة


1. كذا وفي البخاري: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية، وفي مسلم: فلم كتب على المسلمين الوصية أو فلم أمروا بالوصية. 2. صحيح البخاري 4 / 2 و 6 / 18، صحيح مسلم 3 / 1256. 3. صحيح مسلم 3 / 1256. 4. صحيح البخاري 2 / 4، صحيح مسلم 3 / 1250 والزيادتان منهما، وفيهما (يوصي فيه). (*)

[ 200 ]

منذ سمت رسول الله (ص) قال ذلك إلا وعندي وصيتي (1). قال: وحدثني أبو حنتمة ورفع السند إلى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما حق امرئ مسلم له شئ يريد (2) أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته [ مكتوبة ] عنده (3). ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي في الحديث الثامن والستين بعد المائة من المتفق عليه من مسلم والبخاري خبر مسند إلى ابن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده. وأخرجه البخاري من هذا الطريق هكذا، وأخرجه مسلم من حديث الزهري عن سالم عن أبيه بنحوه، إلا أنه قال: يبيت ثلاث ليال. قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك إلا وعندي وصيتي (4). ومن ذلك ما رواه الحافظ أبو بكر موسى بن مردويه - وهو حجة عند أهل المذاهب - بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله - وكانت من ألطف نسائه وأشدهن له حبا - قال: وكان لها مولى يحضنها ورباها، وكان لا يصلي صلاة إلا وسب عليا وشتمه، فقالت له: يا أبت ما حملك على سب علي ؟ قال: لأنه قتل عثمان وشرك في دمه. قالت له: إنه


1. قول ابن عمر جاء في صحيح مسلم 3 / 1250. 2. كلمة (يريد) في صحيح مسلم فقط. 3. صحيح البخاري 4 / 2، صحيح مسلم 3 / 1249، سنن أبي داود 3 / 112، والزيادة منها. 4. أنظر موارد الحديث والإختلاف فيه في المصادر المذكورة سابقا. (*)

[ 201 ]

لو لا أنك مولاي ربيتني وأنك عندي بمنزلة والدي ما حدثتك بسر رسول الله (ص)، ولكن اجلس حتى أحدثك عن علي ما رأيته. ثم حدثته حديثا طويلا في معنى ما صنع النبي صلى الله عليه وآله وعلي في بيتها من المناجاة الطويلة ومنعها من الدخول عليهما، حتى ضنت أن يومها قد ذهب، ثم أذن لها بعد ذلك بالدخول، فقالت في آخر الحديث: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أم سلمة لا تلوميني، فإن جبرئيل أتاني بما هو كائن من بعدي، وأمرني أن أوص به عليا من بعدي، وكنت بين جبرئيل وبين علي، جبرئيل عن يميني وعلي عن شمالي، فأمرني جبرئيل أن آمر عليا بما هو كائن مبعدي إلى يوم القيامة، فاعذريني ولا تلوميني، إن الله عز وجل اختار من كل أمة نبيا [ واختار ] لكل نبي صويا، فأنا نبي هذه الأمة وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي من بعدي. فهذا ما شهدت من علي، الآن يا أبتاه سبه أودعه. فأقبل أبوها يناجي الليل والنهار [ ويقول ]: اللهم اغفر لي ما جهلت من أمر علي، فإن وليي ولي علي وعدوي عدو علي. وتاب المولى توبة نصوحا، وأقبل فيما بقي من دهره يدعو الله أن يغفر له (1)، وحذفت وسط الخبر اختصارا. وأما الخبر الذي مضى ذكره من مسند عبد الله بن أبي أوفى (2) وأنه لما سئل هل كان النبي صلى الله عليه وآله أوصى ؟ فقال: لا. فلما سئل ثانية


1. أنظر الحديث في ملحقات إحقاق الحق 4 / 76 عن ابن مردويه، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه إلا في أواخر الحديث. 2. عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، مات سنة ست أو سبع وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة. أنظر: أسد الغابة 3 / 121، تهذيب التهذيب 5 / 132. (*)

[ 202 ]

قال: نعم، أوصى بكتاب الله. وسكت عن ذكر العترة، فإن هذا عبد الله بن أبي أوفى أسند حديثه إلى نفسه لا غير، وإذا كان من نفسه فوجود حديثه وعدمه سواء. ويدل على بطلانه أشياء: منها أنه مخالف للكتاب العزيز والسنة المحمدية، ومنها أن هذا عبد الله المذكور معلوم انحرافه عن علي عليه السلام. وهذا فسق وإن شئت كفر. ثم لو كان عدلا كان خبره من الأخبار التي لا توجب علما ولا عملا ووجب اطراحه ومخالفته، وإنه مخالف للكتاب والسنة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أورد لكم خبران مختلفان فما وافق كتاب الله فخذوا به وما خالف الكتاب والسنة فطرحوه. فوجب اطراحه مع العدالة فكيف مع عدمها. والقرآن وأخبار الفريقين ناطقة بجواز الوصية، يدل على ذلك ما روته الفرقة المحقة الأثنى عشرية بأن النبي صلى الله عليه وآله أوصى بكتاب الله وبالعترة الشريفة. وأنه قال في مواضع لا تحصى كثرة: إني تارك فيكم الثقلين خليفتين إن أخذتم بما لم تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (1). ومما رواه أهل المذاهب الأربعة فكثير: منه في مسند أحمد بن حنبل بأسناده إلى علي بن ربيعة قال: لقيت زيد ابن أرقم وهو داخل على المختار أو خارج من عنده، فقلت له: أسمعت


1. أنظر الأحاديث في هذا المعنى من طرق الشيعة، تفسير البرهان 1 / 9 فما بعدها. (*)

[ 203 ]

من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني تارك فيكم الثقلين ؟ قال: نعم (1). ومن مسنده ما رفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (2). قال ابن نمير وهو من رواة هذا الخبر: قال بعض أصحابنا عن الأعمش قال: قال فانظروني كيف تخلفوني فيهما. ومن مسنده ما رفعه إلى زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو ما بين السماء إلى الأرض - وعترتي أهل بيتي، وإنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض (3). ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طرق من طرق، منها في الجزء الرابع من أجزاء ستة في أواخر الكراس الثانية بإسناده إلى زيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين كذا وكذا - وذكر حديثا حذفته اختصارا - قال زيد بن حيان: قال النبي صلى الله عليه وآله كذا وكذا - وذكر حديث يوم الغدير وقال في آخره: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فخذوا بكتاب الله


1. مسند الإمام أحمد 4 / 371. 2. المصدر السابق 3 / 14 و 17 باختلاف في بعض الألفاظ. 3. نفس المصدر 5 / 181، وفيه (لن يفترقا). (*)

[ 204 ]

واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي [ أذكركم الله في أهل بيتي ] (1). ورواه أيضا مسلم في صحيحه في الجزء الرابع المذكور في موضع آخر. وفي كتابا السنن وفي صحيح الترمذي بإسنادهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، وهو حبل ممدود من السماء إلى الأرض: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني في عترتي (2). ومن ذلك ما ذكره ابن عبد ربه في كتاب العقد في خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع يقول فيها: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وأهل بيتي (3). ومن ذلك ما رواه الفقيه الشافعي في كتابه من عدة طرق بأسانيدها، فمنها: قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني قد تركت فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا


1. صحيح المسلم 4 / 1873 - 74، مسند الإمام أحد 4 / 366. 2. سنن الترمذي 5 / 662، وفيه (ولن) و (تخلفوني فيهما). 3. العقد الفريد 4 / 58، وفيه (لم تضلوا)، (أهل بيتي) في بعض النسخ كما في الهامش. (*)

[ 205 ]

حتى يردا علي الحوض، فانظروا ماذا تخلفوني فيهما (1). ومن ذلك ما ذكره جار الله الزمخشري بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: فاطمة مهجة قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها أحباء ربي، وحبل ممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم به نجى ومن تخلف عنه هوى (2). ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسير سورة آل عمران في قوله تعالى * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * (3) بأسانيده، منها قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين، إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض - أو قال إلى الأرض - وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند زيد بن أرقم من عدة طرق بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: قام رسول الله [ يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ [ وذكر ]، ثم قال: أما بعد [ ألا يا ] أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني (4) تارك فيكم ثقلين [ أولهما ]: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على


1. المناقب لابن المغازلي ص 235. 2. ملحقات إحقاق الحق 13 / 79 باختلاف في بعض الألفاظ عن المناقب للزمخشري المخطوط وعن غيره. وانظر: فرائد السمطين 2 / 66. 3. سورة آل عمران: 103. 4. في المصدر: وأنا. (*)

[ 206 ]

كتاب الله ورغب [ فيه ] ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي [ أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ] (1). ومن ذلك ما روي في الجمع بين الصحاح الستة لرزين في الجزء الثالث من أجزاء أربعة من صحيح أبي داود السجستاني وهو كتاب السنن ومن صحيح الترمذي عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، [ و ] لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (2). فهذه الأخبار المتواترة التي رواها أئمة القوم تدل على خلاف ما قاله عبد الله بن أبي أوفى في أن الوصية بكتاب الله فقط من دون العترة المعظمة الشريفة، ولم يوافقه أحد من الفريقين. فبان بطلان قوله في الوصية أصلا وإنكاره في العترة فقط، لأنه مخالف للكتاب والسنة الواردة من طريق المؤالف والمخالف. وفي بعض هذا كفاية في الرد عليه، وحجته في إنكاره كأن لا حجة، وهي حجة باطلة مضمحلة لا أصل لها ولا دليل عليها، وهي كبيت العنكبوت. فإذن بطل قوله على كل حال، ولأن الإجماع على هذه الأخبار ممن رواها منعقد على خلافه، فقد ثبتت الوصية بالعترة بقول الفريقين. والعترة هي ولد الرجل وولد ولده، وقيل الأقرب إليه مثل العم وابن


1. صحيح مسلم 4 / 1873 والزيادات منه، ومثله في مسند الإمام أحمد 4 / 367. 2. سنن الترمذي 5 / 663. (*)

[ 207 ]

العم (1). والوصية مشتقة من وصى يوصي، وهو الوصل، قال الشاعر: نصى الليل بالأيام حتى صلاتنا * مقاسمة قد شق أنصافها السفر (2) ومعنى الوصية أن يصل الموصي تصرفه بما يكون بعد الموت ما قبل الموت. والنبي صلى الله عليه ؟ أراد أن يصل تصرفه بما يكون بعد الموت بما قبل الموت بنصه على وصيه علي بن أبي طالب، فمن قدم على علي عليه السلام فقد منع النبي صلى الله عليه وآله من غرضه. وقد بان جواز الوصية من الكتاب العزيز والسنة النبوية بقول الفريقين، فلا يحسن الإنكار لها حينئذ. ثم يقال للمنكر لها بعد: إنه جاحد للمروي، لأن كتب أئمته قد نطقت بها بعد أن نطق بها كتاب ربه بأنها حق على المتقين، والنبي عليه السلام سيد المتقين، فعلى [ هذا ] الوصية لا تخلو من أن تكون برا وطاعة أو تكون عبثا، ولا يجوز أن تكون عبثا، لأن الله تعالى قد أمر بها ورسوله كما مر بيانه، وأمرهما يتعالى عن العبث، فتحتم كونها برا وطاعة. وحيث هي كذلك فلا يجوز للرسول عليه السلام تركها على رأي من يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يوص، لأنه يوجه إلى نبيه التوبيخ، لأنه أمر بما لم يفعل، لقوله تعالى * (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) * الآية (3).


1. أنظر لسان العرب (عتر) حيث يتبين منه أن العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، في قول أكثر اللغويين، وهو ولد فاطمة البتول عليها السلام. 2. ديوان ذي الرمة ص 217، وفيه (يشتق). 3. سورة البقرة: 44. (*)

[ 208 ]

وقد قال الله تعالى حاكيا عن شعيب وهو دونه عليه السلام * (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) * (1). فكيف يأمر نبينا عليه السلام بالوصية في الشئ اليسير ويتركها في الشئ الكثير والجم الغفير، ولزوم الوصية في حقه أوكد وأوجب، لأنه سيدهم ونبيهم والآمر بها. والأمر عند بعضهم يقتضي الوجوب، وقال آخرون مطلق الأمر إذا كان من حكيم اقتضى كون المأمون به مندوبا إليه وإنما يعلم الوجوب بدلالة زائدة. وذهب آخرون بوجوب التقوف في مطلب الأمر بين الإيجاب والندب، والرجوع إلى كل واحد منهما بدلالة على على الظاهر، فإنه كان تركه قبيحا فهو واجب وإن كان تركه ليس بقبيح فهو ندب، والذم حاصل في تركهما. قال النبي صلى الله عليه وآله: من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية. وهذا ذم وإن شئت تكفير، فوجبت الوصية على الأقوال الثلاثة. روى مسلم في صحيحه في الجزء الثالث من أجزاء ستة في الثلث الأخير منه في كتاب الفرائض بإسناده إلى ابن شهاب عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة (2). وروى نحو ذلك من عدة طرق، وقد تقدم خبر منها، وهو المسند عن


1. سورة هود: 88. 2. صحيح مسلم 5 / 663. (*)

[ 209 ]

سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله (1). فظهرت الوصية حينئذ بالأمر من الله ورسوله، واتباع الرسول من أهم الواجبات، قال الله تعالى * (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) * (2) الآية، وقال * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * (3). وإذا فعلها النبي صلى الله عليه وآله وأمر بها فقد حصل منه القول بها والفعل لها، والفعل لا يدخله المجاز، فتحقق جوازها على كل حال. وإذا ثبت فهو في حق الرسول عليه السلام أوكد وألزم لما سبق من القول. وأما تركها فلا يخلو من أن يكون طاعة أو معصية، فإن كان معصية فالرسول منزه عنها بقوله تعالى * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (4) وقوله * (وما أنا من المتكلفين) * (5) يعني من يفعل ما لم يؤمر به. وإن كان تركها طاعة وفعله الرسول صلى الله عليه وآله فيجب على الأمة متابعته، لما سبق من الأدلة. وإذا شاء خلافه بطل الأمر بها من الله ورسوله بعد أن كان ثابتا، ولم يكن للأمر الإلهي ولا للأمر النبوي فائدة. ولو جاز ذلك لكان يجوز في كل آية ظاهرها ظاهر الأمر أن يراد بذلك خلافه، وكذا أوامر رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد صرح القرآن بخلاف ذلك، قال تبارك وتعالى * (اتبعوا


1. نفس المصدر. 2. سورة الأعراف: 157. 3. سورة الحشر: 7. 4. سورة الأنعام: 50. 5. سورة ص: 86. (*)

[ 210 ]

ما أنزل إليكم من ربكم) * (1) وقال تعالى * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * (2). فظهر بطلانه، وإذا بطل ثبت جواز الوصية بالوحي العزيز وسنة الرسول عليه السلام. والكتب في قوله * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) * (3) كالكتب في قوله * (كتب عليكم الصيام) * (4) وكالكتب في قوله * (كتب عليكم القتال) * (5) أي فرض عليكم القتال والصوم. وحيث إن الوجوب في الوصية منسوخ فنسخه لا يمنع من جوازه كما تقدم. لو ترك هذا القول بمعزل ونظر في الحال بعين الإنصاف، كيف يتصور العاقل اللبيب المتفكر الأريب أن محمدا صلى الله عليه وآله ترك الأمة بأسرها في ظلم الحيرة والإختلاف والإهمال والضلال. ما هكذا تقتضي السياسة المرضية ولا سعة الرحمة الإلهية ولا الأخلاق النبوية، فكيف نسب ذلك الإهمال إليه وقد قال الله تعالى مثنيا عليه * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم) * (6) مع أنهم قد روى في الجمع بين الصحيحين للحميدي في الحديث الخامس والخمسين من أفراد مسلم من مسند عبد الله بن عمر قال: أمر


1. سورة الأعراف: 3. 2. سورة الحشر: 7. 3. سورة البقرة: 180. 4. سورة البقرة: 183. 5. سورة البقرة: 216. 6. سورة التوبة: 128. ما عنتم: ما وقعتم فيه من مشاق الأمور. (*)

[ 211 ]

النبي صلى الله عليه وآله في غزاة مؤتة زيد بن حارثة وقال: إن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة (1). وذلك لئلا يقع الاختلاف وينشر أمرهم في غزاة واحدة، فكيف يترك الأمة في حيرة مدى الأزمان الطويلة والأوقات المديدة، والعقلاء توبخ أكارا خلف فاسا ومسحاة ترك الوصية فيهما. وروت الخاصة والعامة أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: هذا ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي. وما أنكره أحد، ويأتي أخبارهم بوجوب ولايته عليه السلام في فصل الثلاثين مفصلة انشاء الله. ومن سماه الله وليا كان بالنص بالوصية عليه حريا. قال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين في أبياته المذكورة أولا (2): إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من المحن (3) وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه قد كان في سالف الزمن وقال عبد الرحمن بن حنبل في أبيات له: لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا * صدوقا وللمختار قدما مصدقا أبا حسن فارضوا به وتبايعوا * فليس كمن فيه لذي العيب منطقا عليا وصي المصطفى ووزيره * وأول من صلى لذي العرش واتقى وكان أمير المؤمنين ابن فاطم * بكم إن عرى دهرا أبر وأرفقا


1. أنظر: السيرة النبوية لابن هشام 4 / 15. 2. المناقب لابن شهر اشوب: 3 / 226، البيت الأول والخامس من ثمانية أبيات. 3. في المصدر (من الفتن). (*)

[ 212 ]

وقال زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي (1): فحوطوا عليا وانصره فإنه * وصي وفي الإسلام أول أول وقال النعمان بن زيد صاحب راية الأنصار في أبيات له ينشد: يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات عرف وأتى منكر ما لقريش لا علا كعبها * من قدموا اليوم ومن أخروا مثل علي من خفي حقه * عليهم والشمس لا تستر وليس يطوى علم باهر * شام يد الله له تنشر حتى يزيلوا صدع ملمومة * والصدع في الصخرة لا يحبر كبش قريش في وغى حربها * صديقها فاروقها الأكبر وكاشف الكرب إذا خطه * أعيا على واردها المصدر


1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13 / 232. (*)

[ 213 ]

الفصل الثامن في الوصية أيضا قال الله تعالى * (فبهداهم اقتده) * (1) يعني بهدى النبيين من قبلك، والأنبياء كلهم مضوا بالوصية، فوجب على نبينا عليه السلام الإقتداء بهم في الوصية. وموسى قد ثبت أنه أوصى إلى يوشع بن نون، وعيسى أوصى إلى شمعون. وقد مضى ذلك في رواياتهم عن أحمد بن حنبل في الفصل السابع، فلا وجه لتكراره. ومما يدل على ظهور الوصية مناظرات آل أبي طالب وعلماء شيعتهم في مجالس الملوك والوزراء، ومقالاتهم في النص من النبي صلى الله عليه وآله على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وذلك شئ لا يقدر الإنسان على حصر تفصيله بل يكفي الإشارة بمثله (2): فمن ذلك ما ذكره جماعة من أصحاب التواريخ والعلماء (3): إن المأمون


1. سورة الأنعام: 90. 2. تجد طرفا من المناظرات المذكورة في أواخر كتاب الإحتجاج للطبرسي. 3. تفصيل هذا الإحتجاج مذكور في كثير من المصادر الحديثية، منها عيون أخبار الرضا 2 / 284. (*)

[ 214 ]

الخليفة جمع أربعين رجلا من علماء المذاهب الأربعة وناظرهم بعد أن بسطهم ووثقهم من الإنصاف، وأثبت عليهم الحجة بأن علي بن أبي طالب عليه السلام وصي رسول الله (ص) وخليفته والمستحق للقيام مقامه في أمته، وأورد نصوصا كثيرة قد نقلها المسلمون و [ نقلوا ] (1) تفصيلها في مناظرته، فاعترف الأربعون نفسا أن عليا هو المنصوص عليه بالخلافة. وللمأمون أبيات كثيرة في ذلك، وقد ذكر له الصولي في كتاب الأوراق أبياتا، وهن: الأم على شكر الوصي أبي الحسن * وذلك عندي من عجائب ذي المنن ولو لاه ما عدت لهاشم إمرة * وكانت على الأيام تقضى وتمتهن خليفة خير الناس والأول الذي * أعان رسول الله في السر والعلن فولى بني العباس ما اختص غيرهم * ومن منه أولى بالمكارم والمنن فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى * وفاض عبيد الله جودا على اليمن وقسم أعمال الخلافة بينهم * فلا زلت مربوطا بذي الشكر مرتهن ومن ذلك ما رواه أهل المذاهب، رواه الفقيه الشافعي في كتاب المناقب (2) والثعلبي في تفسيره عن أنس بن مالك، قال: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله بساط من بهندف (3)، فقال لي: يا أنس بن مالك ابسطه، فبسطته، ثم قال: أدع العشرة، فدعوتهم، فلما دخلوا أمرهم بالجلوس على


1. زيادة منا لاستقامة الكلام 2. المناقب لابن المغازلي ص 232، والزيادات منه. 3. في المخطوطة (خندف)، وهو خطأ. بهندف: بليدة من نواحي بغداد في آخر أعمال النهروان بين بادريا وواسط، وكانت تعد من أعمال كسكر. معجم البلدان 1 / 516. (*)

[ 215 ]

البساط، ثم دعا عليا فناجاه طويلا، ثم رجع علي فجلس على البساط، ثم قال: يا ريح احملينا، فحملتنا الريح. [ قال ]: فإذا البساط يدف بنا دفا (1)، ثم قال: يا ريم ضعينا. ثم قال: أتدرون في أي مكان أنتم ؟ قلنا: لا. قال: هذا موضع الكهف والرقيم، قومو فسلموا على إخوانكم. قال فقمنا رجلا رجلا، فسلمنا عليهم، فلم يردوا علينا، فقام علي عليه السلام فقال: السلام عليكم يا معشر الصديقين (2) والشهداء. فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال: فقلت: فما بالهم ردوا عليك ولم يردوا علينا ؟ فقال [ لهم علي عليه السلام ]: ما بالكم لم تردوا على إخواني ؟ فقالوا: إنا معشر (3) الصديقين والشهداء لا نكلم بعد الموت إلا نبيا أو وصيا. قال: يا ريح احملينا. فحملتنا تدف بنا دفا، ثم قال: يا ريح ضعينا، فوضعتنا (4) فإذا نحن بالحرة (5). قال: [ فقال ] علي عليه السلام: ندرك النبي صلى الله عليه وآله في آخر ركعة. فتوضأنا وأتيناه (6) وإذا النبي يقرأ في آخر ركعة * (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا


1. الدف: تحريك الطائر جناحيه كالحمام. 2. في المصدر: معاشر الصديقين. 3. في المصدر: إنا معاشر. 4. في المصدر: فوضعهم. 5. في المخطوطة: بالحيرة، وهو خطأ. 6. في المصدر: فطوينا وأتينا. (*)

[ 216 ]

عجبا) * (1). وزاد الثعلبي في هذا الحديث على ابن المغازلي قال: فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر زمان عند خروج المهدي عليه السلام، يسلم عليهم فيحييهم الله عز وجل، ثم يرجعون إلى رقدتهم ولا يقومون إلى يوم القيامة. والفرقة المحقة روت هذا الخبر من طرق كثيرة. وقد انطوى هذا الخبر على عدة من الدلائل: منها: طاعة الريح له. وهذه تضاعي آية سليمان بن داود عليه السلام في حمل بساطه. ومنها: إحياء الموتى. وهذه تشابه آية عيسى عليه السلام في إحياء الموتى. ومنها: شهادة الصديقين والشهداء له عليه السلام بالوصية. ومنها: إخباره بالغيب من أنه يلحق الرسول عليه السلام في آخر ركعة، وكان كذلك. ومن ذلك من كتاب شواهد التنزيل ما ذكره صاحب الكتاب مسندا عن عبد الله بن العباس في تأويل قوله تعالى * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * (2) الآية، قال: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله: من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة


1. سورة الكهف: 9. 2. سورة الأنفال: 25. (*)

[ 217 ]

الأنبياء قبلي (1). ومن كتاب أبي عبد الله محمد بن السراج في تأويل هذه الآية بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا بن مسعود إنه قد نزلت علي آية * (واتقوا فتنة) * الآية، وأنا مستودعكها ومنير لك خاصة الظلمة، فكن لما أقول لك واعيا وعني له مؤديا، من ظلم عليا مجلسي هذا كمن جحد نبوتي ونبوة من كان قبلي. فقال له الراوي: يا أبا عبد الرحمن أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم. قال: قلت كيف وليت للظالمين ؟ قال: لا جرم حليت عقوبة عملي، وذلك أني لم أستأذن إمامي كما استأذنه جندب وعمار وسلمان، فأنا أستغفر الله وأتوب إليه (2). وروى الشيخ محمد بن جعفر المشهدي الحائري في كتابه كتاب ما اتفق فيه من الأخبار في فضل الأئمة الأطهار، حدثنا مسند إلى الباقر عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن علي بن أبي طالب خليفة الله وخليفتي، وحجة الله وحجتي، وباب الله وبابي، وصفي الله وصفيي، وحبيب الله وحبيبي، وخليل الله وخليلي، وسيف الله وسيفي، وهو أخي وصاحبي ووزيري ووصيي، ومحبه محبي ومبغضه مبغضي، ووليه وليي وعدوه عدوي، وحربه حربي وسلمه سلمي، وقوله قولي وأمره أمري، وزوجته ابنتي، وولداه ابني، وهو سيد الوصيين وخير أمتي أجمعين (3).


1. شواهد التنزيل 1 / 271. 2. شواهد التنزيل 1 / 271. 3. قريب منه في ملحقات إحقاق الحق 4 / 297 وفيه (وحزبه حزبي). (*)

[ 218 ]

وروى في كتابه المشار إليه حديثا مسندا إلى الإمام علي بن الحسين عليهما السلام قال: كنت أمشي خلف عمي وأبي الحسن والحسين عليهما السلام في بعض طرقات المدينة، وأنا يومئذ غلام قد باهرت الحلم (1) أو كدت، فلقيهما جابر بن عبد الله الأنصاري وأنس بن مالك وجماعة من قريش وأنصار، فلم يتمالك جابر حتى انكب على أيديهما وأرجلهما يقبلهما، فقال له رجل من قريش كان نسيبا لمروان: أتصنع هذا يا أبا عبد الله في سنك وموضعك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وكان جابر قد شهد بدرا، قال له: إليك عني، فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ومكانهما ما أعلم لقبلت ما تحت أقدامهما من التراب. ثم أقبل جابر على أنس وقال: يا أبا حمزة أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله فيهما بأمر ما ظننت أنه يكون في بشر. فقال أنس: وما الذي أخبرك يا أبا عبد الله ؟ قال علي بن الحسين عليه السلام: فانطلق الحسن والحسين عليهما السلام، ووقفت أنا أسمع محاورة القوم. فأنشأ جابر يحدث، قال: بينا رسول الله ذات يوم في المسجد وقد خف من حوله إذ قال لي: يا جابر ادع لي ابني حسنا وحسينا، وكان صلى الله عليه وآله شديد الكلف بهما، فانطلقت فدعوتهما وأقبلت أحمل هذا مرة وهذا مرة حتى جئته بهما، فقال لي وأنا أعرف السرور في وجهه لما رأى من حنوي عليهما وتكريمي إياهما: أتحبهما يا جابر ؟ قلت: وما يمنعني من ذلك فداك أبي وأمي ومكانهما منك مكانهما. قال: أفلا أخبرك عن فضلهما ؟ قلت: بلى بأبي


1. أي قاربت الحلم.

[ 219 ]

أنت وأمي. قال: إن الله تعالى لما أحب أن يخلقني خلقني نطفة بيضاء، فأودعها صلب آدم عليه السلام، فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر إلى نوح وإبراهيم عليهما السلام، ثم كذلك إلى عبد المطلب، لم يصبني من دنس الجاهلية شئ، ثم افترقت تلك النطفة شطرين إلى عبد الله وأبي طالب، فولدني أبي فختم الله بي النوبة، وولد علي (1) فختمت به الوصية، ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي وفاطمة فولدتا الحسن والحسين، فختم الله بهما أسباط النبوة، وجعل ذريتي منهما، وأمرني بفتح مدينة - أو قال مدائن - الكفر، وأقسم ربي ليظهرن منهما ذرية طيبة يملأ بهم الأرض عدلا بعد ما ملئت جورا، فهما طهران مطهران، وهما سيد شباب أهل الجنة، طوبى لمن أحبهما وأباهما وأمهما، وويل لمن حادهم وأبغضهم. وروى محمد بن جعفر في كتابه أيضا حديثا مسندا إلى عثمان بن عفان (2)، قال عثمان: كنت عند أبي بكر وقد وفد عليه من بلاد الروم وفد فيه راهب من رهبان النصارى، فأتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه بختي (3) موقر ذهبا وفضة، وأبو بكر جالسا ونحن حوله جماعة من المهاجرين والأنصار، ودخل علينا وحيانا ورحب بنا وتصفح وجوهنا، ثم قال: أيكم خليفة رسول الله وأمير دينكم (4) ؟ فأومأنا إلى أبي


1. في المخطوطة: وولد عليا، وهو خطأ. 2. أنظر الحديث في الاحتجاج ص 205، باختلاف في بعض الألفاظ، والزيادات منه. 3. البختي: الإبل الخراسانية، تنتج من بين عربية وفالج، واللفظ أعجمي معرب. 4. في المصدر: وأمين دينكم. (*)

[ 220 ]

بكر، فأقبل [ إليه ] بوجهه وقال: أيها الشيخ ما اسمك ؟ قال: اسمي عتيق. قال: ثم ماذا ؟ قال: صديق. قال: ثم ماذا ؟ قال: لا أعرف لنفسي اسما غيره. قال: لست بصاحبي. فقال: ما حاجتك ؟ قال: أنا من بلاد الروم جئت منها ببختي موقر ذهبا وفضة لأسأل أمير هذه الأمة عن مسألة إن أجابني عليها أسلمت وبما أمرني أطعت وهذا المال بينكم فرقت، وإن عجز عنها رجعت إلى ورائي بما معي ولم أسلم. فقال له أبو بكر: فسل عما بدالك. فقال [ الراهب ]: والله لا أفتتح الكلام حتى تؤمنني من سطوتك وسطوة أصحابك. فقال أبو بكر: أنت آمن وليس عليك بأس، قل ما شئت. فقال الراهب: أخبرني عن شئ ليس لله ولا من عند الله، وعن شئ لا يعلمه الله. فارتشع أبو بكر ولم يحر جوابا، ثم صبر هنيئة، ثم قال لبعض من حضر: ائتني بأبي حفص عمر. فجاءه فجلس عنده، فقال: يا أيها الراهب سله. فأقبل الراهب إلى عمر وقال له مثل ما قال لأبي بكر، فلم يحر جوابا [ ثم أتي بعثمان، فجرى بين الراهب وعثمان مثل ما جرى بينه وبين أبي بكر وعمر. فلم يحر جوابا ]، فقال الراهب: أشياخ كرام ذو وفجاج لإسلام (1). ثم نهض ليخرج، فقال أبو بكر: يا عدو الله لو لا العهد لخضبت الأرض بدمك. فقام سلمان أتى علي بن أبي طالب [ وهو جالس في صحن داره ] ومعه الحسن والحسين ابناه، [ وقص عليه القصة، فقام علي وخرج ومعه الحسن والحسين حتى أتى المسجد ]، فلما رأى الناس عليا كبروا [ الله ]


1. في المخطوطة: ذو تاج الإسلام. (*)

[ 221 ]

وحمدو الله، فلما جلس قال أبو بكر للراهب: سل هذا، فعنده ما تلتمس من العلوم، وهو صاحبك وبغيتك. فأقبل الراهب بوجهه إلى علي عليه السلام ثم قال: يا فتى ما اسمك ؟ قال: اسمي عند اليهود (آليا)، وعند النصارى (ايليا)، وعند والدي علي، وعند أمي حيدرة. فقال: ما محلك من نبيك ؟ قال: أخي وأنا صهره وابن عمه. قال الراهب: أنت صاحبي ورب عيسى، أخبرني عن شئ ليس لله ولا من الله ولا من عند الله وعن شئ لا يعلمه الله. فقال له علي: [ على الخبير سقطت ]، أما قولك (ما ليس لله) فإن الله تعالى ليس له صاحبة ولا ولد، وأما قولك (ولا من عند الله) فليس عنده ظلم للعباد، وأما قولك (لا يعلمه الله) فأن الله لا يعلم له شريكا في الملك. فقام الراهب فقطع زناره وأخذ برأسه وقبل ما بين عينيه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك الخليفة وأمين هذه الأمة ومعدن الدين والحكمة ومنبع عين الحجة، وقد قرأت اسمك في التوراة والإنجيل والقرآن كما ذكرت، ووجدنا في الكتب السالفة حيدرة، ووجدتك بعد النبي وصيا وللإمارة وليا، وأنت أحق بهذا المجلس من غيرك، فأخبرني ما شأنك معزولا عن مقامك (1) ؟ فأجابه علي عليه السلام بشئ. فقام الراهب وسلم المال إليه بأجمعه، فما برح علي من مكانه حتى فرقه في مساكين أهل المدينة ومحاويجهم، وانصرف الراهب إلى أهله


1. في المصدر: فأخبرني ما شأنك وشأن القوم. (*)

[ 222 ]

مسلما. وهذا الخبر قد اشتمل على عدة دلائل: منها: إقرار أبي بكر بأن عند علي عليه السلام ما يلتمس من العلوم. وفي هذا ثبوت الإمامة لعلي دونه بقوله تعالى * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع) * الآية (1). ومنها: قوله أنه (صاحبك وبغيتك). وبغية الراهب خليفة الرسول وأمين الأمة، وفيه إقرار لعلي عليه السلام بالخلافة والإمارة. ومنها: أن اسم علي عليه السلام مكتوب في الكتب السالفة كما كتب اسم النبي، كما قال الله تعالى * (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) * (2). ومنها: أن النصراني اعترف له بالوصية بعد النبي صلى الله عليه وآله، وأنه أحق بالإمامة وأولى بمجلس رسول الله (ص)، وأنه قرأ اسمه في التوراة والإنجيل والكتب السالفة ووجده كما ذكر. وروى سليم بن قيس الهلالي في كتابه حديثا مسندا إلى علي عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة سبعون منها في النار وواحدة منها في الجنة وهي التي اتبعت وصي موسى، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة إحدى وسبعون فرقة في النار وفرقة في الجنة وهي التي اتبعت وصي عيسى، وأمتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون فرقة في


1. سورة يونس: 35. 2. سورة الأعراف: 157. (*)

[ 223 ]

النار وواحدة في الجنة وهي التي اتبعت وصيي، ثم ضرب بيده على منكبي (1). وروى (2) أهل السير واشتهر به الخبر عند الفريقين حتى نظمته الشعراء وخطبت به البلغاء ونقله الفقهاء والعلماء واشتهر ذكره في الآفاق حتى استغنى بشهرته عن إيراد الإسناد له، وذلك أن الجماعة روت أن علي بن أبي طالب لما توجه إلى صفين لحق أصحابه عطش شديد ونفد ما كان معهم من الماء، فأخذوا يمينا وشمالا يلتمسون الماء فلم يجدوا له أثرا، فعدل بهم أمير المؤمنين عليه السلام عن الجادة وسار قليلا، فلاح [ لهم ] دير في وسط البرية، فسار بهم نحوه، حتى إذا صار في فنائه أمر من ينادي ساكنه بالاطلاع إليهم، فنادوه (3) فاطلع، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هل قرب قائمك هذا ماء يتغوث به هؤلاء القوم ؟ فقال: هيهات بيني وبين الماء أكثر من فرسخين، وما بالقرب [ مني ] شئ من الماء، ولولا أنني أوتي بماء يكفيني كل شهر على التقتير لتلفت عطشا. فقال أمير المؤمنين: أسمعتم ما قال الراهب ؟ قالوا: نعم، أفتأمرنا بالمسير [ إلى ] حيث أومأ إليه لعلنا ندرك الماء وبنا رمق (4) ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا حاجة بكم إلى ذلك.


1. أحاديث بهذا المضمون في: كتاب سليم 2 / 605، الكافي 8 / 224، تفسير العياشي 1 / 331، الخصال ص 585. 2. أنظر: الإرشاد للمفيد 1 / 334، بحار الأنوار 41 / 260، ويشبهه في وقعة صفين ص 144. 3. في المخطوطة: فنادهم. 4. في الإرشاد: وبنا قوة. (*)

[ 224 ]

ولوى عنق بغلته نحو القبلة وأشار لهم إلى مكان بقرب الدير فقال: اكشفوا الأرض في هذا المكان. فعدل جماعة منهم إلى الموضع فكشفوه بالمساحي، فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع، قالوا: يا أمير المؤمنين ههنا صخرة لا تعمل فيها المساحي. فقال لهم: إن هذه الصخرة على الماء، فإن زالت عن موضعها وجدتم الماء، فاجتهدوا في قلبها، فاجتمع القوم وراموا تحريكها فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا واستصعبت عليهم. فلما رآهم عليه السلام قد اجتمعوا وبذلوا الجهد في قلع الصخرة فاستصعبت عليهم، لوى رجله على سرجه حتى صار على الأرض، ثم حسر عن ذراعية الشريفين ووضع أصابعه المباركة تحت جانبيها فحركها، ثم قلعها بيده ودحى بها أذرعا كثيرة، فلما زالت عن مكانها ظهر لهم بياض الماء. فتبادروا إليه وشربوا منه، وكان أعذب ماء شربوا في سفرهم وأبرده وأصفاه، فقال لهم: تزودوا وارتووا، ففعلوا ذلك. ثم جاء إلى الصخرة فتناولها بيده الكريمة ووضعها حيث كانت، وأمر أن يعفى أثرها بالتراب. والراهب ينظر من فوق ديره. فلما استوفى علم ما جرى نادى: يا معشر الناس أنزلوني [ أنزلوني ]، فاحتالوا في إنزاله، فوقف بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، فقال [ له ]: يا هذا أنت نبي مرسل ؟ قال: لا. قال: فملك مقرب ؟ قال: لا. قال: فمن أنت ؟ قال: أنا وصي محمد رسول الله. قال: أبسط يدك أسلم لله تعالى على يدك. فبسط أمير المؤمنين عليه السلام يده وقال [ له: اشهد الشهادتين، فقال ]: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبد ورسوله، وأشهد أنك وصي رسول الله وأحق الناس بالأمر من بعده. وأخذ من أمير المؤمنين

[ 225 ]

عليه السلام شرائط الإسلام (1). ثم قال [ له ]: ما الذي دعائك الآن إلى الإسلام بعد طول مقامك في هذا الدير على الخلاف ؟ قال: أخبرك يا أمير المؤمنين، إن هذا الدير بني على طلب (2) قالع هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها، وقد مضى عالم قبلي لم يدركوا ذلك وقد رزقنيه الله عز وجل، وإنا نجد في كتاب من كتبنا ونأثر عن علمائنا (3) أن بهذا الصقع عينا عليها صخرة لا يعرف مكانها إلا نبي أو وصي نبي، وإنه لا بد من ولي لله يدعوا إلى الحق، آيته معرفة مكان هذه الصخرة وقدرته على قلعها، وإني لما رأيتك قد فعلت ذلك تحققت ما كنا ننتظره وبلغت الأمنية منه، فأنا اليوم مسلم على يدك ومؤمن بحقك ومولاك. فلما سمع [ ذلك ] أمير المؤمنين عليه السلام بكى حتى اخضلت لحيته المقدسة الطاهرة من الدموع، ثم قال: الحمد لله الذي لم أك عنده منسيا، الحمد لله الذي كنت في كتبه مذكورا. ثم دعا الناس وقال لهم: اسمعوا ما يقول أخوكم هذا المسلم. فسمعوا مقاله وكثر حمدهم لله وشكرهم على النعمة التي أنعم [ الله ] بها عليهم من معرفتهم لحق (4) أمير المؤمنين عليه السلام. ثم سار الراهب معه بين يديه في جملة أصحاب حتى لقي أهل الشام،


1. في الإرشاد: فأخذ أمير المؤمنين عليه شرائط الإسلام. 2. في المخطوطة: على طالب. 3. في المخطوطة: وتأثير من علمائنا. 4. في الإرشاد: في معرفتهم بحق أمير المؤمنين. (*)

[ 226 ]

فكان الراهب في جملة من استشهد معه، فتولى عليه السلام أمره وصلى عليه ودفنه وأكثر من الإستغفار له، وكان إذا ذكره يقول ذاك مولاي. وفي هذا الحديث ضروب من المعجز: أحدها: علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن ارتضى الثاني: القوة الباهرة التي خرق الله بها العادة، وميزه بها عليه السلام دون غيره. وفيه بشارة عظيمة جسيمة بأنه مذكور في الكتب الخالية، وفيها شهادة له عليه السلام بالوصية. ولا ريب أن المعجز طريق ثبوت نبوة الأنبياء عليهم السلام، وكذا في حقه عليه السلام. فثبتت إمامته ثوبتا لازما كثبوت نبوة الأنبياء، حيث ظهر المعجز على يده وادعى الإمامة، وإن كان معجزه من طريق أخبار الآحاد كالاعتماد على يقين أخبار معجز رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي ذلك يقول السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله في قصيدته البائية المذهبة (1): ولقد سرى (2) فيما يسير بليلة * بعد الهدو (3) بكربلا في موكب حتى أتى متبتلا في قائم * ألقى قواعده بقاع مجدب ما فيه من أنس به مستأنس (4) * غير الوحوش وغير أصلع أشيب (5)


1. ديوان الحميري ص 90. 2. في المخطوطة: ولقد شرى. 3. في الديوان: بعد العشاء. 4. في الديوان، تأتيه ليس بحيث تلقى عامرا. 5. في المخطوطة: غير أضلع أشنب. (*)

[ 227 ]

في مدمج زلق أشم كأنه * حلقوم أبيض ضيق مستصعب فدنا فصاح به فأشرف مائلا * كالنسر فوق شظية من مرقب هل قرب قائمك التي بوأته * ماء يصاب فقال ما من مشرب إلا بغاية فرسخين ومن لنا * بالماء بين نقا وقفر سبسب (1) فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلى * ملساء (2) يبرق كاللجين المذهب قال اقلبوها إنكم إن تقلبوا * ترووا ولا تروون إن لم تقلب فاعصو صبوا في قلعها فتمنعت (3) * منهم تمنع صعبة لم تركب حتى إذا أعيتهم أهوى لها * كفا متى ترد المغالب تغلب فكأنها كرة بكف حزور * عبل الذراع دحى بها في ملعب فسقاهم من تهتها متسلسلا * عذابا يزيد على الزلال الأعذب (4) حتى إذا شربوا جميعا ردها * ومضى فخلت مكانها لم يقرب أعني ابن فاطمة الإمام ومن يقل (5) * في فضله وفعاله لم يكذب ومن ذلك ما ذكره من أهل المذاهب الأربعة الموفق الخطيب الخوارزمي مسندا إلى سلمان (6) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي: يا علي تختم [ باليمين ] تكن من المقربين، قال: يا رسول الله وما


1. في الديوان: وقي سبسب. 2. في المخطوطة: ملتاء. 3. في المخطوطة: فاعصوصبت. 4. في ديوان: على الألذ. 5. في الديوان: ابن فاطمة الوصي. 6. المناقب للخوارزمي ص 326، والزيادتان منه. (*)

[ 228 ]

المقربون ؟ قال: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل (1). قال: فبم أتختم [ يا رسول الله ] ؟ قال: بالعقيق الأحمر، فإنه أول حجر أقر لله بالوحدانية (2)، ولي بالنبوة، ولك بالوصية، ولولدك بالإمامة، ولمحبيك، ولشيعة ولدك بالفردوس. وروى الفقيه الشافعي (3) حديثا رفعه إلى أبي أيوب الأنصاري: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مرض مرضة، فدخلت عليه فاطمة تعوده وهوناقه من مرضه (4)، فلما رأت ما برسول الله (ص) من الجهد والضعف خنقتها العبرة حتى جرت دمعتها (5)، فقال لها: يا فاطمة إن الله عز وجل اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع إليها الثانية فاختار منها بعلك فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصيا، أما علمت يا فاطمة أن لكرامة الله إياك زوجك أعظمهم حلما وأقدمهم سلما وأعلمهم علما. فسرت بذلك فاطمة عليها السلام واستبشرت. ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة وله (6) ثمانية أضراس ثواقب: إيمان بالله، وبرسوله، وحكمته، وتزويجه فاطمة، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقضاؤه بكتاب الله عز وجل.


1. ليس في المصدر: وإسرافيل. 2. في المصدر: فإنه جبل أقر لله بالوحدانية. 3. المناقب لابن المغازلي ص 101. 4. في المخطوطة: في مرضه. 5. في المصدر: حتى خرجت. 6. في المصدر: لعلي. (*)

[ 229 ]

يا فاطمة إنا أهل البيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين والآخرين [ قبلنا ] - أو قال الأنبياء ولم يدركها أحد من الآخرين - غيرنا: منا (1) أفضل الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمك (2)، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر ابن عمك (2)، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك والذي نفسي بيده، ومنا مهدي هذه الأمة منا (3). فروايات الوصية (4) في كتب الفرقة المحقة أكثر من أن تحصى، وأخبارهم بها قد طبقت الأرض شرقا وغربا، لا يتخالجهم شك في ذلك. وما زالت الوصية تتجدد لعلي بن أبي طالب عليه السلام من يوم دار - وهو من مبدأ الوصية - إلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله. روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا عن ابن عباس في وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال النبي: يا عباس يا عم رسول الله تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي ديني ؟ قال العباس: يا رسول الله عمك شيخ كبير ذو عيال كثيرة، وأنت تباري الريح سخاء وكرما، وعليك من العداة ما لا ينهض به عمك. فأقبل على علي السلام وقال: يا أخي تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي ديني ؟ فقال: نعم يا رسول الله. فقال: أدن مني. فدنا منه فضمه إليه ونزع خاتمه من يده، فقال: خذ هذا فضعه في


1. في المصدر: نبينا. 2. في المصدر: وهو عم أبيك. 3. في المصدر: ومنا والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة. 4. في المخطوطة: فرق والوصية، وهو خطأ. (*)

[ 230 ]

يدك، ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته فدفع ذلك إليه، والتمس عصابة كان يشدها على بطنه إذا لبس درعه - وروي أن جبرئيل عليه السلام نزل بها من السماء - فجئ بها إليه فدفعها إلى علي وقال: اقبض هذا في حياتي، ودفع إليه بغلته وسرجها وقال: امض على اسم الله إلى منزلك. ثم أغمي عليه. الخبر (1). من كلام الصحاب: الذي آخاه، وأجابه حين دعاه، وصدقه قبل الناس ولباه، وساعده وواساه، وشيد الدين وبناه، وهزم الشرك وأخزاه، وبنفسه على فراشه فداه، ومانع عنه وحماه، وأرغم من عانده وقلاه، وغسله وواراه، وأدى دينه وقضاه، وقام بجميع ما أوصاه، ذلك أمير المؤمنين لا سواه. وقال السيد الحميري رحمه الله (2): علي وصي المصطفى (3) وابن عمه * وأول من صلى لذي العزة العالي وناصره في كل يوم كريهة * إذا كان يوم ذو هرير وزلزال وقال الفضل بن عباس رحمه الله (4): وكان ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله حقا وصهره * وأول من صلى وما ذم جانبه


1. أنظر الكافي 1 / 236، علل الشرائع ص 166 و 168 عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، مع اختلاف في بعض الألفاظ والجمل. 2. ديوان الحميري ص 334. 3. في الديوان: وصي النبي المصطفى. 4. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 64. (*)

[ 231 ]

وقال الكميت رحمه الله (1): ونعم ولي الأمر بعد نبيه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب ولابن العودي رحمه الله (2): وقلتم مضى عنا بغير وصية * ألم أوص لو طاوعتم وعقلتم وقد قلت من لو يوص من قبل موته * يمت جاهلا بل أنتم قد جهلتم نصبت لكم بعدي إماما يدلكم * على الله فاستكبرتم وضللتم وذكر ابن عبد ربه في الجزء الأول من كتاب العقد أبيات المذحجية (3) تمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام: وهي: إما هلكت أبا الحسين فلم تزل * بالحق تعرف هاديا مهديا فاذهب عليك صلاة ربك وما دعت * فوق الأراك (4) حمامة قمريا قد كنت بعد محمد خلفا لنا * أوصى إليك وكنت بنا وفيا (5) فاليوم لا خلف نؤمل بعده (6) * هيهات نأمل بعده إنسيا


1. الهاشميات للكميت ص 49، وفيه (بعد وليه). 2. المناقب لابن شهر اشوب 1 / 311. 3. هي أم سنان بنت خيثمة بن خرشة المذحجية. 4. في المصدر: فوق الغصون. 5. في المصدر خلف كما.. أوصى إليك بنا فكنت وفيا. 6. في المصدر: يؤمل. (*)

[ 232 ]

وقال دعبل رحمه الله (1): سقيت لبيعة أحمد ووصيه * أعني الإمام ولينا المحمودا (2) أعني الذي نصر النبي محمدا * قبل البرية ناشئا ووليدا أعني الذي كشف الكروب ولم يكن في الحرب عند لقائها رعديدا أعني الموحد قبل كل موحد * لا عابدا وثنا ولا جلمودا


1. ديوان دعبل ص 172. 2. في الديوان: المحسودا. (*)

[ 233 ]

الفصل التاسع في ذكر العشيرة قال الله تعالى آمرا لنبيه صلى الله عليه وآله * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * (1). روي من طريق الخاصة (2) مما استفاض به الخبر وانتشر به الذكر واستغنى بشهرته وتواتره عن إيراد الأسانيد، وأجمع عليه كافة العلماء وشهد بصحته نقاد الآثار: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله تعالى * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * جمع رسول الله (ص) بني عبد المطلب ممتثلا لأمر ربه في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا [ أو ينقصون رجلا ] (3) كما نقله الرواة، وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مد من البر ويعد لهم صاع من لبن، وقد كان الرجل منهم معروفا بأكل الجذعة في مقام واحد ويشرب الفرق من


1. سورة الشعراء: 214. 2. أنظر: تفسير القمي 2 / 124، تفسير القمي 2 / 124، تفسير البرهان 3 / 190، علل الشرائع ص 170. 3. الزيادة من نصوص الأحاديث. (*)

[ 234 ]

الشراب (1)، وكان قصده عليه السلام بإعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم إظهار المعجز لهم في شبعهم وريهم من طعام وشراب لا يشبع الواحد منهم ولا يرويه. ثم أمر بتقديمه لهم، فأكلت الجماعة كلها من ذلك الطعام اليسير حتى تملوا منه ولم يبن ما أكلوا منه وشربوا، فبهرهم بذلك وبين لهم آية نبوته وعلامة صدقه ببرهان الله تعالى فيه، ثم قال لهم بعد ما شبعوا من الطعام ورووا من الشراب: يا بني عبد المطلب إن الله تعالى أرسلني إلى الخلق كافة وأليكم خاصة فقال * (وأنذر عشيرتك الأقربين) *، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار، شهادة إن لا اله إلا الله وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي. فلم يجبه أحد منهم. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: فقمت بين يديه من بينهم وأنا إذ ذاك أصغرهم سنا وأخمصهم ساقا وأرمصهم عينا (2)، فقلت: أنا يا رسول الله أوازرك على هذا الأمر. فقال: اجلس. ثم أعاد القول على القوم ثانية فصمتوا، فقمت وقلت مثل مقالتي الأولى. فقال: اجلس. ثم أعاد على القوم ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقمت وقلت: أنا


1. الفرق: إناء يكتال به. 2. أخمصهم: أرقهم. الرمص: سيلان الدمع من العين. (*)

[ 235 ]

أوازرك يا رسول الله على هذا الأمر. فقال: اجلس، فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي. فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: يا أبا طالب ليهنك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا عليك. وروى ذلك الطبري في تاريخه (1) والجرجاني في الصفوة، إلا أنهما قالا: فأحجم القوم، فقام علي فقال: أنا يا نبي الله أكن وزيرك. فأخذ برقبتي ثم قال: هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قالا: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. وروى جدي رحمه الله في كتاب نخب المناقب (2) حديثا مسندا إلى علي عليه السلام قال: فقلت: أنا يا رسول الله. قال: أنت، وأدناني وتفل في في. فقاموا يتضاحكون ويقولون: بئسما حبا ابن عمه أن اتبعه (3) وصدقه. وروى الطبري (4) أيضا عن ربيعة بن ناجد: أن رجلا قال لعلي: يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك ؟ فقال بعد كلام ذكر فيه حديث الدعوة: فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه وكنت من أصغر القوم. قال: فقال اجلس، ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس،


1. تاريخ الطبري 2 / 319، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ. 2. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 33. 3. في المصدر: إذ أتبعه. 4. تاريخ الطبري 2 / 321. (*)

[ 236 ]

حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي. قال: فبذلك ورثت ابن عمي [ دون عمي ] (1). وأما ما ذكره أهل المذاهب، فمنه ما رواه أحمد بن حنبل (2) حتى رفعه عن عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: يا بن عباس (3) إما أن تقوم معنا وإما أن تخلوبنا عن هؤلاء. قال ابن عباس: بل أنا أقوم معكم. [ قال ]: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى. قال: فابتدروا فتحدثوا، فلا ندري ما قالوه، فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف، وقعوا في رجل له عشر خصال، وقعوا في رجل قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لأبعثن رجلا لا يخزيه الله أبدا يحب الله ورسوله. [ قال ]: فاستشرف لها من استشرف، فقال: أين علي ؟ قالوا: هو في الحرى يطحن. قال: وما كان أحدكم ليطحن. قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر. قال: فنفث في عينه ثم هز الراية ثلاثا فأعطاها إياه، فجاء بصفية بنت حيي. قال: ثم بعث فلانا بسورة التوبة فبعث عليا فأخذها منه وقال: لا يؤديها إلا رجل مني وأنا منه، أو قال: يواليني، وقال لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة. فهذا حديث يوم الدار لما نزلت الآية * (وأنذر عشيرتك الأقربين) *، وهو المقصود من إيراد الخبر، وها أنا أورد تمامه، وربما أشرت إلى


1. الزيادة من المصدر. 2. مسند الإمام أحمد 1 / 330، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ، وفيه تفصيل اختصر مؤلفنا مواضع منه. وانظر أيضا: كفاية الطالب ص 241. 3. في المصدر: با أبا عباس. (*)

[ 237 ]

الخصلة التي تكون من جملتها، وأذكر فيما بعد أنها من جملة الخصال العشر، وتمام الخبر: قال ابن عباس: وكان أول من آمن بالله من الناس، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ثوبه فوضعه على علي وفاطمة والحسن والحسين فقال * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. قال: وشرى علي نفسه، لبس ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم نام مكانه. قال: فكان المشركون يتوهمون أنه رسول الله، فجاءه أبو بكر وعلي نائم، قال أبو بكر يحسب أنه نبي الله: يا نبي الله. قال: فقال له علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه. قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه في الغار. قال: وجعل يرمى بالحجارة كما يرمى نبي الله وهو يتضور قد لف رأسه بالثوب لا يخرجه، حتى أهيج فكشف رأسه فقالوا: كان صاحبك نرميه فلا يتضور وقد استنكرنا ذلك. قال: وخرج بالناس في غزاة تبوك، فقال علي عليه السلام: أخرج معك. قال: فقال له نبي الله: لا. فبكى علي، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك ليس بنبي بعدي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. قال: وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة. قال: وسد أبواب المسجد غير باب علي عليه السلام. قال: ودخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره. قال: وقال من كنت مولاه فإن عليا مولاه.

[ 238 ]

وروى أحمد بن حنبل أيضا (1) حديثا رفعه إلى علي عليه السلام قال: لما نزلت * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بأربعين رجلا من أهل بيته، إن كان الرجل منهم ليأكل جذعة وإن كان شاربا فرقا، فقدم إليهم فأكلوا حتى شبعوا، فقال لهم: من يضمن عن ديني ومواعيدي فيكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي. فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي عليه السلام: أنا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي يقضي ديني عني وينجز مواعيدي. ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره رفعه إلى البراء قال: لما نزلت * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * جمع رسول الله صلى الله عليه واله بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس، فأمر عليا أن يدخل شاة وأدمها، ثم قال: أدنوا باسم الله، فدنا القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن (2) فجرع منه جرعة ثم قال لهم: اشربوا باسم الله، فشربوا حتى رووا. فبدرهم أبو لهب فقال لهم: هذا ما سحركم به الرجل. فسكت النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل والبشير لما يحيى به أحد، جئتكم بالدنيا والآخرة فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، ومن يواخيني ويوازرني يكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني. فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم ويقول علي: أنا. فقال: أنت. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمر


1. مسند الإمام أحمد 1 / 111. 2. القعب: القدح الضخم الغليظ. (*)

[ 239 ]

عليك. وهذه البيعة كانت بعد مبعثه عليه السلام بثلاث سنين، ومثل ذلك ذكر الطبري في تاريخه والخركوشي في تفسيره. وذكر محمد بن إسحاق في كتابه (1) عن أبي مالك عن ابن عباس وعن ابن جبير أنه لما نزل قوله * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني هشام وهم يومئذ أربعون رجلا، وأمر عليا أن ينضج رجل شاة ويخبز لهم صاعا من طعام وجاء بعس من لبن، ثم جعل يدخل إليه عشرة عشرة حتى شبعوا، وإن منهم لمن يأكل الجذعة ويشرب الفرق وأراهم بذلك الآية الباهرة. وفي رواية البراء بن عازب وابن عباس أنه نذرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل. ثم قال النبي عليه السلام: إني بعثت إلى الأسود والأبيض والأحمر، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين، وإني لا أملك لكم من الله حظا إلا أن تقولوا (لا اله إلا الله). فقال أبو لهب: ألهذا دعوت. ثم تفرقوا عنه، فنزلت * (تبت يدا أبي لهب وتب) *. ثمن دعا دفعة أخرى وأطعمهم وأسقاهم، ثم قال لهم: يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكامها، وما بعث الله نبيا إلا جعل له وصيا أخا ووزيرا، فأيكم يكون أخي ووزيري ووصيي ووارثي وقاضي ديني. وفي رواية أبي بكر الشيرازي عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، وفي منسد العشيرة وقضايا الصحابة عن أحمد بإسناده عن ربيعة بن ناجد:


1. في سيرة ابن إسحاق ص 145 ما يشبه مضمون ما هنا. (*)

[ 240 ]

فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي. فلم يقم أحد، وكان علي أصغر القوم يقول: أنا. فقال في الثالثة: أجل، وضرب بيده على يد أمير المؤمنين. وفي تفسير الخركوشي عن ابن عباس وابن جبير وأبي مالك، فقال علي وهو أصغر القوم: أنا يا رسول الله. فقال: أنت، فلذلك كان وصيه. قال: فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمر عليك. وفي حديث أبي رافع أنه قال أبو بكر للعباس: أنشدك الله تعالى إن رسول الله صلى الله عليه وآله جمعكم وقال: يا بني عبد المطلب إنه لم يبعث الله نبيا إلا جعل له من أهله وزيرا وأخا ووصيا وخليفة في أهله، فمن يقم منكم يبايعني علي أن يكون أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أهلي، فبايعه علي ما شرط له ؟ قال: نعم. وهذه الروايات مذكورة أيضا في كتاب جدي المقدم ذكره. وهذه الجملة صحيحة بنقل الفريقين، وفيها الوصية والولاية والخلافة والوارثة والوزارة والأخوة، وقد نقل هذا المعنى نقلا صحيحا مكشوفا قد ملأ المشرق والمغرب، نقله كثير من الثقات الصادقين وطائفة عظيمة من العلماء المتباعدي الأقطار المتبايني البلدان المختلفي المذاهب واللغات: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي بن أبي طالب: أنت خليفتي ووزيري ووصيي من بعدي ووليي. والقرآن نزل مجملا بالنذارة، وفسره الرسول عليه السلام بالخلافة والوزارة والوصية والولاية إلى غير ذلك. كما أنزل سبحانه وتعالى

[ 241 ]

* (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (1)، فبينه الرسول صلى الله عليه وآله ووصفه بالعدد والكمية والوقت والنصاب والعفو إلى غير ذلك مما فصله وبينه، فهكذا ههنا بين المراد من الآية، وهي الخلافة والوزارة والولاية إلى غير ذلك. ومنهم من ذكر (خليفتي في أهلي) مع أن هذا الخصوص للأهل معارض بالعموم، فإن أكثر الأخبار (وخليفتي من بعدي) و (ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي)، وهذا عام في الأهل وغيرهم. ثم لو لم يكن ثم عموم لما أفادهم شيئا، لأنه عليه السلام إذا قال (خليفتي في أهلي) لم يمنع من أنه خليفة على غير أهله، لأن دليل الخطاب لا يعمل على أكثر الناس. وجه آخر: الإجماع منعقد من الأمة على أن الإمام واحد، فالقول بإمامة علي على الأهل فقط وبإمامة أبي بكر على الأمة يقتضي وجود خليفتين، وذلك باطل بالإجماع. تنبيه: موصوفية علي عليه السلام ههنا بالخلافة والولاية والوزارة والأخوة والوصية والوراثة: إما أن يكون وصفا عدميا، أو ثبوتيا، الأول محال، لأنه يقتضي اللاموصوفية: وهي وصف سلبي يقتضي السلب ثبوتا، فثبت أن موصوفيته بهذه المزايا المذكورة وصف ثبوتي لا سلبي، فوجب وصفه


1. سورة البقرة: 43. (*)

[ 242 ]

واختصاصه بها دون غيره. وأما قوله عليه السلام (ووزيري) فالوزير مأخوذ من الوزر، وهو الجبل العظيم الذي يعتصم به من الهلاك، ومن الأزر، وهو الظهر، معناه أشدد به أزري. وقال الحميري رحمه الله (1): وكان لأحمد الهادي وزيرا * كما هارون كان وزير موسى وكان له أخا وأمين غيب * على الوحي حين يوحى وقال ابن الحجاج رحمه الله: أنا مولى محمد وعلي * والأمين شبر وشبير أنا مولى وزير أحمدنا * من حبا ملكه بخير وزير وللسيد الحميري رحمه الله ينشد (2): وقيل له أنذر عشيرتك الأولى * وهم من شباب أربعين وشيب (3) فقال لهم إني رسول إليكم * ولست أراني عندكم بكذوب وقد جئتكم من عند رب مهيمن * جزيل العطايا للجزيل وهوب فأيكم يقفوا مقالي فأمسكوا * فقال ألا من ناطق ومجيب (4) ففاز بها منهم علي وسادهم * وما ذاك من عاداته بغريب وقال أيضا رحمه الله (5):


1. ديوان السيد الحميري ص 63. 2. ديوان السيد الحميري ص 118. 3. الديوان (أربعون). 4. في الديوان: فمجيبي. 5. ديوان السيد الحميري ص 204. (*)

[ 243 ]

ويوم قال له جبريل قد علموا * أنذر عشيرتك الأدنين إن نذروا فقام يدعوهم من دون أمته * فما تخلف عنه منهم بشر فمنهم آكل في مجلس جذعا * وشارب مثل عس وهو محتضر فصدهم عن نواحي قصعة شبعا * فيها من الحب صاع فوقه الوذر (2) فقال يا قوم إن الله أرسلني * إليكم فأجيبوا الله وادكروا فأيكم يجتبي قولي ويؤمن بي * إني نبي رسول فانبرى غدر فقال تبا أتدعونا لتلفتنا * عن ديننا ثم ثار القوم فانتشروا (3) من ذا الذي قال منهم وهو أحدثهم * سنا وخيرهم في الذكر إذ سطروا آمنت أنك (4) قد أعطيت نافلة * لم يعطها أحد جن ولا بشر وإن ما قلته حق وإنهم * إن لم يجيبوا فقد خابوا وقد خسروا ففاز منهم بها والله أكرمه * فكان سباق غايات إذا ابتدروا


1. في الديوان: إن بصروا. 2. الوذر - بسكون الذال وفتحها - جمع الوذرة، وهي: القطعة الصغيرة من اللحم 3. في الديوان: ثم قام القوم فاشتمروا. 4. في الديوان: آمنت بالله. (*)

[ 245 ]

الفصل العاشر في حديث أخذ براءة قال الله تعالى * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) * (1) الموجب لنبذ العهد (2) أن النبي عليه السلام عاهد قريشا يوم الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، فدخلت خزاعة في عهد النبي عليه السلام ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان مع هذا عهود بين النبي وبين قبائل العرب، فغدرت بنو بكر على خزاعة فقتلت منها ورفدتهم قريش بالسلاح، فتظاهروا بنو بكر وقريش على خزاعة نقضا عهدهم، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على النبي عليه السلام وأنشا (3). يا رب إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا (4)


1. سورة الأنفال: 58. 2. أنظر: تاريخ الطبري 3 / 44، السيرة النبوية لابن هشام 4 / 36، تفسير القمي 2 / 313، بحار الأنوار 21 / 100. 3. تختلف بعض الألفاظ الأبيات في المصادر، وما هنا موافق الرواية ابن هشام في السيرة، مع زيادات هنا وليست فيها 4. الأتلد القديم: (*)

[ 246 ]

كنت لنا ربا وكنا ولدا (1) * ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا (2) * وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا * أبيض مثل السيف ينمي صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا * في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا فزعموا أن لست تدعو أحدا (3) * فهم أذل أو أقل عددا (4) هم بيتونا بالحطيم هجدا (5) * وقتلونا ركعا وسجدا فقال النبي: لانصرت إن لم أنصركم، وتجهزوا إلى مكة، ففتح الله له مكة، ثم خرج إلى غزاة تبوك وأرجف المنافقون ونقضوا عهودهم، فأمر الله بإلقاء العهود إليهم ليأذنوا بالحرب، فلذلك أنزلت الآية المذكورة. ولأن الخوف إنما يكون بنقض العهود. وكان المشركون (6) يطوفون عراة، فكره النبي عليه السلام أن يحج والحال هذه فبعث صدر براءة مع أبي بكر لينبذ بها عهد المشركين، فما سار غير بعيد نزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. فاستدعى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام وقال: اركب ناقتي العضباء


1. في المصدر: قد كنتم ولدا وكنا ولدا. 2. أعتد: حاضر، من الشئ العتيد وهو الحاضر. 3. في المصدر: وزعموا أن لست أدعو أحدا. 4. في المخطوطة: أو أقل منهم عددا، وهو خطأ. 5. في المصدر: بالوثير هجدا. 6. أنضر: الدرر المنثور 3 / 9، تفسير العياشي 2 / 74، تفسير القمي 1 / 281. (*)

[ 247 ]

والحق أبا بكر وخذ براءة من يده وامض بها إلى مكة فانبذ بها عهد المشركين إليهم وخير أبا بكر من أن يسير مع ركابك أو يرجع إلي. فركب أمير المؤمنين عليه السلام الناقة العضباء وسار حتى لحق أبا بكر، فلما رآه جزع من لحوقه واستقبله وقال: فيم جئت يا أبا الحسن، أسائر أنت معي أم لغير ذلك ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن ألحقك وأقبض منك الآيات من براءة وأنبذ بها عهد المشركين إليهم، وأمرني أن أخيرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه. فقال: بل أرجع إلى النبي (ص). فلما دخل على النبي قال: يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق إلي فيه، فلما توجهت إليه رددتني عنه، مالي أنزل في قرآن ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: لا، ولكن الأمين هبط علي عن الله تعالى بأنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، وعلي مني، ولا يؤدي إلا علي. وهذا حديث شائع ذائع بين الفريقين لا يختص به فريق دون الآخر. وروى أحمد بن حنبل في مسنده (1) رفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وآله دعى أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني النبي فقال [ لي ]: أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، واذهب [ به ] إلى [ أهل ] مكة فاقرأها عليهم. فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبي فقال: يا رسول الله نزل في شئ ؟ قال: لا ولكن جبريل جاءني فقال: لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك.


1. مسند الإمام أحمد 1 / 151 والزيادات منه، كفاية الطالب ص 225. (*)

[ 248 ]

ورواه أيضا عبد الله المذكور (1) حتى رفعه إلى أنس بن مالك: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة، فلما بلغ ذا الجحفة بعث إليه فرده وقال: لا يذهب بها إلا رجل من أهل بيتي، فبعث عليا عليه السلام. ورواه أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر بسورة براءة على الموسم وأربع كلمات إلى الناس، فلحقه علي في الطريق فأخذ السورة والكلمات، فكان علي يبلغ وأبو بكر على الموسم، فإذا قرأ السورة نادى: ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يقرب المسجد مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله (ص) عقد فأجله مدته، حتى قال رجل: لو لا أن نقطع الذي بيننا وبين ابن عمك من الحلف لبدأنا بك. فقال علي: لو لا أن رسول الله أمرني أن لا أحدث شيئا حتى آتيه لقتلتك. ورواه أيضا عبد الله المذكور مرفوعا إلى علي عليه السلام بطريق آخر قال: إن النبي صلى الله عليه وآله حين بعثه ببراءة فقال: يا نبي الله إني لست باللسن ولا بالخطيب. قال: فلا بد أن تذهب بها أنت. قال: فإن كان ولا بد فأذهب بها أنا. قال: فانطلق فان الله يثبت لك لسانك ويهدي قلبك. ثم وضع يده على فمه. وروى البخاري في صحيحه (2) في الجزء الأول منه على حد ثلثة الأول في باب ما يستر من العورة بإسناده إلى أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في


1. يريد عبد الله بن أحمد بن حنبل، وهذه الأحاديث مأخوذة من فضائل الصحابة. 2. صحيح البخاري 1 / 103 و 6 / 81. (*)

[ 249 ]

تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر [ نؤذن ] بمنى: أن لا يحج (1) بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله (ص) عليا فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وذكره أيضا في نصف الجزء الخامس من الكتاب المذكور (2) في باب قوله تعالى * (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر) * (3) حتى رفعه إلى أبي هريرة أيضا بإسناد آخر قال: بعثني أبو بكر تلك الحجة في المؤذنين الذين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حماد: ثم أردف النبي صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن علي في أهل منى يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن تفسير الثعلبي (4) حديث مسند عن محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما - وذكر حديثا طويلا حذفت صدره اختصارا، قال في آخره:


1. في المصدر: ألا لا يحج. 2. صحيح البخاري 6 / 81. 3. سورة التوبة: 3. 4. رواه الطبري في تفسيره 10 / 63، وفيه: حدثنا أحمد بن إسحاق. (*)

[ 250 ]

فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر تلك السنة على الموسم ليقيم للناس الحج، وبعث معه أربعين آية من صدر براءة ليقرأها على الموسم، فلما سار دعا رسول الله عليا فقال: أخرج بهذه الصفة من صدر براءة لتقرأها على أهل الموسم إذا اجتمعوا. فخرج علي على ناقة رسول الله العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة وأخذها منه، فرجع أبو بكر إلى النبي وقال: يا رسول الله أنزل في شئ ؟ قال: لا ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني. قال الثعلبي: قال الشافعي: حدثني محمد بن هريرة عن أبيه، قال: كنت مع علي حين بعثه النبي صلى الله عليه وآله ينادي، فكان إذا ضحل صوته ناديت. قلت: بأي شئ كنتم تنادون ؟ قال: بأربع: لا يطوف بالكعبة عريان. ومن كان له عند رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا مشرك. وحذف عجزه اختصارا. ومن الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري في الجزء الثاني في تفسير سورة براءة من صحيح أبي داود وهو السنن وصحيح الترمذي (1) قال: عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر وأمره أن ينادي في الموسم ببراءة، ثم أردفه عليا، فبينا أبو بكر ببعض الطريق إذ سمع رغاء (2) ناقة رسول الله العضباء، فقام أبو بكر فزعا يظن أنه حدث أمر، فدفع إليه علي كتابا [ فيه ] هؤلاء الكلمات: فإنه لا ينبغي أن يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي، فانطلقا. فاقم علي عليه السلام أيام التشريق ينادي:


1. سنن الترمذي 5 / 275 مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ. 2. الرغاء: صوت الناقة. (*)

[ 251 ]

ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشعر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت بعد اليوم عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة. قال: علي عليه السلام ينادي بها، فإذا أعيى أمر غيره فنادى. وروى حديث براءة كثير من العلماء وأصحاب التواريخ والمفسرين، منهم الطبري والبلاذري والترمذي والواقدي والشعبي والسدي والواحدي والقرطبى والقشيري والسمعاني وابن بطة ومحمد بن إسحاق وأبو يعلى الموصلي والأمش وسماك بن حريث في كتبهم عن عروة بن الزبير وأبي هريرة وأنس وأبي رافع وزيد بن نفيع وابن عمر وابن عباس، واللفظ له: إنه لما نزل * (براءة من الله ورسوله) * إلى تسع آيات، أنفذ النبي عليه السلام أبا بكر إلى مكة لأدائها، فنزل جبريل وقال: إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك. فقال النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين علي عليه السلام أبا بكر إلى مكة لأدائها، فنزل جبريل وقال: إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك. فقال النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين علي عليه السلام: اركب ناقتي العضباء والحق أبا بكر وخذ براءة من يده. قال: ولما رجع أبو بكر إلى النبي جزع وقال: يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت إليه الأعناق، فلما توجهت إليه رديتني عنه. فقال النبي النبي: الأمين هبط إلي عن الله تعالى أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، وعلي مني، ولا يؤدي عني إلا علي. وروى جدي رحمه الله في كتاب نخب المناقب لآل أبي طالب: حدثنا مسندا في خبر أن عليا عليه السلام قال: إني لست بالخطيب وأنا حديث السن. فقال: لا بد وأن تذهب بها أو أذهب بها. قال: أما إذا كان كذلك فأنا

[ 252 ]

أذهب بها يا رسول الله. قال: اذهب فسوف يثبت الله لسانك ويهدي قلبك. وروى حديثا عن أبى بصير عن أبى جعفر عليه السلام قال: خطب الناس فاخترط سيفه فقال: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن بالبيت مشرك، ومن كان له مدة فهو إلى مدته، ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر. قال جدي رحمه الله: وزيادة في مسند الموصلي: ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. قال: وقال السدي وأبو مالك وابن عباس وزين العبادين عليه السلام: الآذان علي بن أبي طالب، نادى به قال: وفي حديث عن الباقر عليه السلام قال: قام خداش وسعيد أخوا عمرو بن عبدود فقالا: وما يسرنا على أربعة أشهر، بك برئنا منك ومن ابن عمك، وليس بيننا وبين ابن عمك إلا السيف والرمح، وإن شئت بدأنا بك. فقال علي عليه السلام: هلم ثم قال: * (واعلموا أنكم غير معجزي) * إلى قوله * (إلى مدتهم) * (1). قال: وفي رواية عن النسابة ابن الصوفي: إن النبي عليه السلام قال في خبر طويل: إن أخي موسى ناجى ربه على جبل طور سيناء، فقال في آخر الكلام: امض إلى فرعون وقومه القبط وأنا معك لا تخف، فكان جوابه ما ذكره الله * (إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون) * (2) وهذا علي قد أنفذته ليسترجع براءة ويقرأها على أهل مكة وقد قتل منهم خلقا عظيما فما


1. سورة التوبة: 2. 2. سورة القصص: 33. (*)

[ 253 ]

خاف ولا توقف، فلم تأخذه في الله لومة لائم. قال: وفي رواية: فكان أهل الموسم يتلهفون عليه، وما فيهم إلا من قتل أخاه أو أباه أو عمه، فصدهم الله عنه وعاد إلى المدينة وحده سالما. إلى ههنا روى جدي المذكور. ومعلوم أن إقدام علي بن أبي طالب عليه السلام على ذلك أمر عظيم، حيث إنه قتل خلقا عظيما من أهل مكة ولم يقدم من قدومه عليهم، وموسى بن عمران عليه السلام مع عظم شأنه وشرف منزلته قدم الخوف في قدومه على فرعون وقومه القبط لأجل قتل نفس واحدة، ومن يشرف فعله على فعل الأنبياء أولى العزم عليهم السلام كان أولى بالتقدم على جميع الصحابة، لا سيما صحابي ليس له بلاء حسن قط في حرب من الحروب. وهذا الإنفاد كان أول يوم من ذي الحجة سنة سبع من الهجرة، وأداها علي عليه السلام إلى الناس يوم عرفة ويوم النحر، وهذا هو الذي أمره الله به إبراهيم عليه السلام حين قال * (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) * (1)، فكان الله تعالى أمر الخليل بالنداء أولا بقوله * (وأذن في الناس بالحج) * (2) وأمر الولي بالنداء أخيرا. وكان نبذ العهد مختصا بمن عقده، أو من يقوم مقامه في فرض الطاعة وجلالة القدر وعلو الرتبة وشرف المقام وعظم المنزلة، ومن لا يرتاب بفعاله ولا يعترض في مقاله، ومن هو كنفس العاقد، ومن أمره أمره


1. سورة الحج: 26. 2. سورة الحج: 27. (*)

[ 254 ]

وحكمه حكمه، وإذا حكم بحكم مضى واستقر وأمن فيه الاعتراض. وكان بنبذ العهد قوة الاسلام وكمال الدين وصلاح أمر المسلمين وفتح مكة واتساق أحوال الصلاح، وأراد الله تعالى أن يجعل ذلك كله على يد علي بن أبي طالب عليه السلام حتى ينوه باسمه ويعلى ذكره وينبه على فضله ويدل على علو قدره وشرف منزلته على من لم يحصل له شئ من ذلك. وجملة الأمر وعقد الباب أن بين العزل والولاية فرقا عظيما وتباينا كثيرا لا يخفى على من رزق الحجى، وفي المثل السائر (العزل طلاق الرجال). فإن كانت ولايته من النبي عليه السلام بحسن اختباره فعزله من الله سبحانه بحسن اختياره، لأن فعله تعالى على باطن الأحوال وفعل النبي عليه السلام على ظاهرها. وإذا كان أبو بكر لم يصلح لتأدية آيات يسيرة فكيف يصلح للإمامة، لأن الإمام مترجم عن الكتاب العزيز بأجمعه وعن الستة بأسرها. ومعلوم أن الفعل الصادر عن الله تعالى ورسوله يتعالى عن العبث، فما الوجه في إنفاذ الرجل أولا وأخذها منه ثانيا إلا تنبيها على الفضل وثبوتها بالاسم وتعلية الذكر ورفعة لجناب من ارتضى لتأديتها، وعكس ذلك في من عزل. ألم تر أن رسول الله صلى الله عليه وآله اختصم إليه رجلان في بقرة قتلت حمارا، فقال أحدهما: يا رسول الله بقرة هذا قتلت حماري. فقال رسول الله: اذهبا إلى أبي بكر واسألاه عن ذلك. فجاءا إلى أبي بكر وقصا

[ 255 ]

عليه قصتهما، فقال: كيف تركتما رسول الله وجئتماني ؟ قال: هو أمرنا بذلك. فقال: بهيمة قتلت بهيمة لا شئ على ربها. فعادا إلى النبي فأخبراه بذلك، فقال لهما: امضيا إلى عمرو قصا عليه قصتكما واسألاه القضاء في ذلك. فذهبا إليه وقصا عليه قصتهما. فقال لهما: كيف تركتما رسول الله وجئتماني ؟ فقالا: [ هو ] أمرنا بذلك. فقال: فكيف لم يأمر كما بالمصير إلى أبي بكر. فقالا: قد أمرنا بذلك فصرنا إليه. فقال: ما الذي قال لكما في هذه القصة ؟ قالا له: قال كيت وكيت. قال: ما أرى فيها إلا ما رأى أبو بكر. فعادا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فخبراه بالخبر، فقال: اذهبا إلى علي بن أبي طالب ليقضي بينكما. فذهبا إليه فقصا عليه قصتهما، قال عليه السلام: إن كانت البقرة دخلت على الحمار في منامه فعلى ربها قيمة الحمار لصاحبه، وإن كان الحمار قد دخل على البقرة في منامها فقتلته فلا غرم على صاحبها. فعادا إلى النبي فأخبراه بقضيته بينهما، فقال: لقد قضى علي بن أبي طالب بينكما بقضاء الله سبحانه، ثم قال: الحمد لله الذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود في القضاء. وقد روى هذه القضية بعض أهل المذاهب الأربعة وذكر أنها جرت في قضاء علي عليه السلام في اليمن. فظاهر هذه الحال: إنما قصد بها الرسول عليه السلام أن يبين بها فضل علي عليه السلام، وأن هذين الرجلين يغرب عليهما القضاء في بهيمة فكيف يصلحان للإمامة، لأن الإمام يكون حاويا على ما تحتاج إليه الرعية من سائر العلوم جليلها وحقيرها كثيرها وقليلها، وينوه بذكر ابن عمه وأنه عليه السلام يقضي بقضاء داود عليه السلام، وأن هذين رجلين لم يحكما

[ 256 ]

بما أنزل الله، وقد ذم الله تعالى من لم يحكم بما أنزل الله، ونبه على أن من يهدي إلى الحق أحق أن يتبع بقوله تعالى * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلى أن يهدي فما لكم كيف تحكمون) * (1). وفيه كفاية على الدلالة على أنه عليه السلام أحق بالإمامة من غيره. ومعلوم أن القضاء بين الناس [ من ] منازل الأنبياء والأئمة، فلا يجوز أن يحكم أحد في زمن الأنبياء إلا نائب يريد النبي أن ينوه بذكره ويبين منزلته عنه أمته ليقتدوا به بعده. وأما من تولى الحكومة في زمن النبي ليدل الحكومة على نبتوه لا على نيابته، كقوله تعالى * (ففهمناها سليمان) * (2)، فكان تفهيم سليمان في حكومة الكرم والغنم دليلا على نبوته واستحقاق الأمر في حياة أبيه وبعد وفاته. وحيث كانت الحكومة دليلا على استحقاق النبوة أو الإمامة وكانت النبوة ممتنعة في حق علي بن أبي طالب عليه السلام، ثبتت له الإمامة بهذه الطريقة، وبما تقدم في الفصل الرابع من أن علي بن أبي طالب هو إمام المؤمنين بقول الفرقين، ولم يخصوا بإمامته وقتا من الأوقاته. وفي ذلك ثبوتها له بعد النبي عليه السلام بلا فصل عند من نظر بعين الحق والإنصاف وترك حب الدنيا جانبا. ولو كان دفع براءة وإنفاذ الخصمين إلى علي عليه السلام أولا ما وضح الأمر هذا الوضوح، ولجاز أن يجول بخواطر الناس أن في الجماعة غير علي من يصلح أن يكون مؤديا لبراءة وقاضيا بين الخصمين قائما في


1. سورة يونس: 35. 2. سورة الأنبياء: 79. (*)

[ 257 ]

ذينك مقام رسول الله صلى الله عليه وآله. وبعد، فإن النهي يوجب الإنتهاء المستمر في جميع آخر الزمان، وقد وقع النهي، فيجب أن يكون مستمرا وجه آخر: قد صح أن المنسوخ لا يجوز العمل عليه، وولاية أبي بكر ههنا كذلك. وأما قول الجاحظ: إنه كان من عادة العرب في عقد الحلف وحل العقد أنه كان لا يتولى ذلك منهم إلا السيد المطاع أو رجل من رهطه. فإنه أراد أن يذمه فمدحه وأن يبعده فقربه. وقال السيد الحميري رحمه الله (1): براءة حين رد بها زريق * وكان بأن بيانها ضنينا (2) وقال (3) رسول الله أنى * يؤدي الوحي إلا الأقربونا وقال الصاحب رحمه الله (4): براءة استرسلي في القول وانبسطي * فقد لبست جمالا من توليه ولابن حماد رحمه الله (5): بعث النبي براءة مع غيره * فأتاه جبريل يحت ويوضع قال ارتجعها واعطها أولى الورى * بأدائها وهو البطين الأنزع


1. ديوان السيد الحميري ص 434. 2. في الديوان: رد بها عتيق.. بأن يبغها. 3. في المخطوطة: وقال له. 4. ديوان الصاحب ابن عباد ص 145. 5. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 147. (*)

[ 258 ]

فانظر إلى ذا النص من رب العلى * والله يخفض من يشاء ويرفع وقال العوني رحمه الله (1): بني الصطفى والمرتضى علم الهدى * إمام الهدى الكاشف الكربات ببدر وأحد والنضير وخيبر * ويوم حنين ساعة الهبوات (2) وصاحب خم والفراش وفضله * ومن خص بالتبليغ عند براة


1. المصدر السابق 3 / 237. 2. الهبوات: جمع الهبوة وهي الغبرة. (*)

[ 259 ]

الفصل الحادي عشر في ذكر السنن سنة سائر الأنبياء عليهم السلام استخلاف من يقوم مقامهم في أممهم، وقد قال الله تعالى آمرا لنبيه عليه السلام مشيرا إلى الأنبياء * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) * (1). روى جدي رحمه الله في نخبه (2) حديثا مسندا عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وعن الصادق والرضا عليهم السلام، والحديث اختصره رحمه الله قال: قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن آدم أوصى إلى ابنه شيث، وأوصى شيث إلى شبان، وشبان إلى مجلث، ومجلث إلى محوق، ومحوق إلى عثميشا، وعثميشا إلى أخنوخ وهو إدريس، وإدريس إلى ناحور، وناحور إلى نوح، ونوح إلى سام، وسام إلى عثامر، وعثامر إلى برغيشاثا، وبرغيشاثا (3) إلى يافث، ويافث إلى برة، وبرة إلى جفيسة، وجفيسة إلى عمران، وعمران إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى


1. سورة الأنعام: 90. 2. المناقب لابن شهر اشوب 1 / 310. وبمضمونه في أمالي الصدوق ص 328. 3. في المصدر (برغيشا) في الموضعين. (*)

[ 260 ]

إسماعيل، وإسماعيل إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، ويعقوب إلى يوسف، ويوسف إلى بثريا، وبثريا (1) إلى شعيب، وشعيب إلى موسى، وموسى إلى يوشع، ويوشع إلى داود، وداود إلى سليمان، وسليمان إلى آصف، وآصف إلى زكريا، وزكريا إلى عيسى، وعيسى إلى شمعون، وشمعون إلى يحيى، ويحيى إلى منذر، ومنذر إلى سليمة، وسليمة (2) إلى بردة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ودفعها إلي بردة، وأنا أدفعها إليك يا علي، وتدفعها أنت إلى وصيك، ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحد بعد واحد، حتى تدفع إلى خير أهل الأرض [ بعدك ]. وروى الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه القمي رحمه الله (3) قال: إن الله سبحانه وتعالى أمر آدم عليه السلام أن يستخلف ولده شيثا على قومه ويوصيه إليه بدينه، فاستخلفه كما أمر، وقام شيث بخلافته مدة حياته، ثم استخلف ابنه بعده، وتوالى منهم كذلك يوصي الماضي منهم إلى الباقي إلى زمن إبراهيم، فلما بعث الله إبراهيم عليه السلام نبيا ناطقا عازما على الأمم بترك ما كانوا عليه من عبادة الأوثان ويأمرهم بعبادة الرحمن وما شرع لهم من الدين مظهرا له معجزة وأعلام صدقه، فلما استوفى أجله من الله تعالى أمره أن يستخلف ابنه إسماعيل على قومه ويوصي إليه، فاستخلفه


1. في المصدر (بريثا) في الموضعين. 2. في المصدر (سلمة) في الموضعين. 3. من لا يحضره الفقيه 4 / 175، إكمال الدين ص 212 مع اختلاف فيهما في بعض الألفاظ. (*)

[ 261 ]

كما أمر وقام إسماعيل مقامه، فلما استوفى إسماعيل أجله من الله تعالى وصى إلى أخيه إسحاق بمثل ذلك، لأن أولاد إسماعيل كانوا صغارا، فلما كبر نبت ابن إسماعيل وبلغ قام بالكعبة مقام أبيه إسماعيل، وتولى ذلك منهم كذلك يوصي الماضي إلى الباقي إلى أن بعث الله موسى عليه السلام نبيا ناطقا عازما على الأمم بترك ما كانوا عليه من عبادة غير الله، ثم سأل الله أن يشد أزره بأخيه هارون شريكا في أمره وخليفة في قومه، كما نطق القرآن المجيد * (واجعل لي وزيرا من أهلي * وهارون أخي * أشدد به أزري * وأشركه في أمري) * (1) وقوله تعالى * (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح) * (2)، فأجابه الله تعالى إلى ما سأل، فتوفي هارون قبل موسى، فلما استوفى موسى مدته كان أولاده صغارا أوصى إلى ابن أخيه يوشع بن نون واستخلفه على قومه، فقام بوصيته، فلما استوفى أجله استخلف كوكب بن متى ووصى إليه، وتولى ذلك منهم كذلك يوصي الحاضر منهم إلى الغائب إلى أن بعث الله سبحانه عيسى نبيا ناطقا عازما بترك ما كانوا عليه، ثم إن عيسى استخلف شمعون الصفا ووصي إليه، فقام بدين المسيح. فاتضح بهذين الخبرين أن سنة الأنبياء عليهم السلام استخلاف الأوصياء من عهد آدم إلى عهد المسيح وإلى نبينا صلوات الله عليهم أجمعين. وقد أمر الله سبحانه نبينا محمدا صلى الله عليه واله باتباع ملة إبراهيم


1. سورة طه: 29 - 32. 2. سورة الأعراف: 142. (*)

[ 262 ]

عليه السلام والإقتداء بهدى النبيين بقوله تعالى * (واتبع ملة إبراهيم حنيفا) * (1) وقوله تعالى مشيرا إلى النبيين * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) * (2) وقال تعالى * (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا) * (3)، ولا لنفي المستقبل. فظهر أن سنة الله تعالى في النبيين الإستخلاف، وأن هذه السنة لا تتبدل على مستقبل الأوقات. ونبينا محمد صلى الله عليه وآله أوصى إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد مضى في فصوله من قول الفريقين، تبع (ص) في ذلك الوحي العظيم، وقد مضى طرف منه في أماكنه، والسنن الجارية من النبيين من قبله واقتدى بأفعالهم واقتفى آثارهم. ومما يبين ذلك ويوضحه ما رواه الفقيه الشافعي علي ابن المغازلي في كتابه كتاب المناقب مسندا عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر وقد حارب الله ورسوله، ومن شك في علي فهو كافر [ وقد حارب الله ورسوله ] (4). وفي هذا الخبر المناظر كفاية عن غيره حيث هو من كتب أئمتهم، ولا أحد أصدق من أبي ذر، لشهادة الرسول صلى الله عليه وآله بذلك، فلو لا صحة الوصية لعلي عليه السلام لم يستحقوا الكفر.


1. سورة النساء: 125. 2. سورة الأنعام: 90. 3. سورة الإسراء: 77. 4. المناقب لابن المغازلي ص 45 وليست فيه الزيادة. (*)

[ 263 ]

وقوله عليه السلام (من ناصب عليا بعدي) يقتضي عموم البعدية في كل وقت وزمان، فعلى هذا متى حصلت له منازعة من قوم في الخلافة دل ذلك على كفرهم على مقتضى الخبر وصحته في رواية القوم. وتأتي أخبار الخلافة مفصلة في فصلها إنشاء الله تعالى.

[ 265 ]

الفصل الثاني عشر في حديث الميثاق قال الله تعالى * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) * (1). وقال تعالى * (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) * (2). أما [ الآية ] الأولى: روى جدي رحمه الله في نخبه: حدثنا مسندا عن الكليني عن [ الحسن ابن ] نعيم الصحاف عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى * (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) * (3) قال: عرف الله إيمانهم بولايتنا وكفرهم بها، يوم أخذ [ عليهم ] الميثاق في صلب آدم وهم ذر (4). والآية الثانية تدل على أن الله تعالى أخذ ميثاق محمد عليه السلام على


1. سورة الأعراف: 172. 2. سورة آل عمران: 187. 3. سورة التغابن: 2. 4. الكافي 1 / 413، تفسير القمي 2 / 371. (*)

[ 266 ]

بيان الكتاب العزيز، وبيانه يشتمل على إيضاح علومه التي هي شفاء لما في الصدور، كما قال تعالى * (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) * (1)، فتحتم حينئذ بيان العلوم التي يحتوي عليها القرآن المجيد، من الآيات المحكمة والمتشابهة والناسخة والمنسوخة والعامة والخاصة وواجبها ومندوبها ومطلقا ومقيدها وما رفع لفظه وبقي حكمه، إلى غير ذلك من علوم تفاسيره وسيره وأمثاله وقصصه وأسباب نزوله ومعرفة الأسماء العظيمة التي استأثر الله بها فيه وعلمها خاصة أوليائه. فهذه العلوم الجليلة لا بد وأن يعجز منها كل أحد في الرعية، وعلم ذلك لا يسعه طاقة أحدهم، وأعظم ما يقدر على تلاوته وفسر شئ من يسير من أحكامه. فلابد حينئذ للنبي عليه السلام من خليفة يقوم بأعباء جميع ذلك، وبيان جميع علوم الكتاب المذكورة وغيرها مما تحتاج إليه الأمة، ولم تحصل هذه الصفات والعلوم بأسرها إلا لعلي عليه السلام، ومعلوم انتفاؤه عن أبي بكر. ولو جعل النبي صلى الله عليه وآله هو المبين بعد وفاته لكتاب الله سبحانه وتعالى لما كان ممتثلا للأمر، لأن البيان بعده غير موجود في أبي بكر، ودخول الخطأ على الرسول محال، فاستخلافه له محال. ومولانا علي بن أبي طالب عليه السلام [ هو ] الحاوي على العلوم بأسرها وهو المبين للجتها والمعدن لها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله والمنصوص عليه من الله ورسوله بدليل ما مضى وما يأتي إنشاء الله، وهو


1. سورة يونس: 57. (*)

[ 267 ]

المختار الذي اختار الله تعالى * (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) * (1)، ومن اختاره الله فقد أكرمه، والكرماء هم المتقون لقوله تعالى * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * (2)، والمتقون هم الخاشعون لقوله تعالى * (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب) * (3) ولقوله تعالى * (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكر للمتقين * الذين يخشون ربهم بالغيب) * (4). والخاشعون لله هم العلماء، لقوله تعالى * (كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء) * (5)، وعلي بن أبي طالب هو العالم الرباني بنقل الفريقين، وإنه أكثر الناس علما، وإن أبا بكر ليس بعالم. ولا ينبغي أن يقال: علي أعلم من أبي بكر، ولا علي أفضل من أبي بكر. لما في ذلك من أسباب الموانع. والوحي في فضل طالوت إلى شئ من الأسباب، لأن بلوغ معانيها لا يمكن (6). فهل يصلح أن يكون الخليفة المبين للكتاب والعلوم الجليلة عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا من كان يقول على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله تعالى، فما من آية إلا وأعلم حيث أنزلت بحضيض جبل أو سهل أرض، سلونى عن الفتن، فما من فتنة إلا وقد


1. سورة الدخان: 32. 2. سورة الحجرات: 13. 3. سورة ق: 31 - 33. 4. سورة الأنبياء: 48 - 49. 5. سورة فاطر: 28. 6. كذا، والعبارة فيها تشويش. (*)

[ 268 ]

علمت كبشها ومن يقتل فيها (1). وهذا الحديث رواه أيضا مسلم في صحيحه (2). وروى أيضا في أول كراس في صحيحه في تأويل سورة غافر - أعني حم تنزيل - قال: روى بعضهم عن ابن عباس أنه قال: كان علي عليه السلام يعرف به الفتن، وأراه ذكر في الحديث وكل جماعة كانت في الأرض ويكون في الأرض. وروى عنه من نحو هذا كثير. هذا آخر كلام مسلم في صحيحه. وروي من طريق الفرقة المحقة الإثني عشرية أنه قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية آية لأخبرتكم بوقت نزولها وفيم نزلت، وأنبؤكم بناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها ومحكمها ومتشابهها ومكيها ومدنيها، والله ما من فئة تضل أو تهدي إلا وأنا أعرف قائد وسائقها وناعقها إلى يوم القيامة (3). وروى جدي في كتابه المقدم ذكره: حدثنا مسندا إلى النبي صلى الله عليه وآله: أنه كان إذا نزل عليه الوحي ليلا لم يصبح حتى يخبر به عليا،


1. حديث (سلوني) مذكور بمختلف ألفاظه في: المستدرك على الصحيحين 2 / 466، الطبقات الكبير 2 / 338، فرائد المسطين 1 / 341. 2. نقل هذا النص عن صحيح مسلم في البحار 40 / 189. 3. أنظر الحديث في مصادر الشيعة بمضامينه المختلفة في: كتابه سليم ص 712 و 802 ف 94، نهج البلاغة 1 / 183، أمالي الصدوق ص 207، التوحيد للصدوق ص 305، الكافي 1 / 60، ويراجع أيضا المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث البحار ص 9561. (*)

[ 269 ]

وإذا نزل [ عليه الوحي ] نهارا لم يمس حتى يخبر به عليا عليه السلام (1). وذكر الشيخ الفاضل الفقيه أبو جعفر محمد بن شهر اشوب رحمه الله عن الصفواني أنه قال: حدثني أبو بكر ابن مهرويه بإسناده إلى أم سلمة في خبر قالت: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله، فدفع إلي كتابا فقال: من طلب هذا الكتاب منك ممن يقوم بعدي فادفعيه إليه (2). ثم ذكرت قيام أبي بكر وعمر وعثمان وأنهم ما طلبوه، ثم قالت: فلما بويع علي عليه السلام نزل عن المنبر ومر علي وقال (3): يا أم سلمة هاتي الكتاب الذي دفع إليك رسول الله صلى الله عليه وآله. [ فقالت: ] قلت له: أنت صاحبه ؟ قال: نعم، فدفعته إليه. قيل لها. ما كان في الكتاب ؟ قالت: كل شئ دون قيام الساعة (4). وفي رواية عن ابن عباس قال: فلما قام علي أتاها وطلب الكتاب، ففتحه فنظر فيه ثم قال: هذا علم الأبد (5). ومما قاله عليه السلام في معنى العلم: إن بين جنبي لعلما جما، لو أصبت له حملة (6). وقوله: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا (7).


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 44، والزيادة منه. 2. في المخطوطة: فادفعي إليه. 3. في المصدر: ومر وقال لي: 4. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 46. 5. المصدر السابق مع بعض الإختلاف. 6. نفس المصدر 2 / 47. 7. شرح مائة كلمة لابن ميثم ص 52. (*)

[ 270 ]

وروى جدي في نخبة حديثا مسندا إلى ابن أبي البختري (1) أنه روى من ستة طرق وابن المفضل (2) وإبراهيم الثقفي من أربعة عشر طريقا، منهم عدي بن حاتم والأصبغ بن نباتة وعلقمة بن قيس ويحيى بن أم الطويل وزر بن حبيش وعباية بن ربعي وعباية بن رفاعة وأبو الطفيل: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال بحضرة المهاجرين والأنصار وأشار إلى صدره: كنيف (3) ملئ علما لو وجدت له طالبا، سلوني قبل أن تفقدوني. هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه وآله، هذا ما زقني [ به ] رسول الله [ زقا ]، سلوني فإن عندي علم الأولين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي الوسادة ثم أجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينادي كل كتاب بأن حكم [ بحكم ] الله في. وفي رواية: حتى ينطق الله التوراة والأنجيل. وفي رواية أخرى: حتى يزهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول: [ يا رب ] إن عليا قضى بقضائك. ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليلة أنزلت أم في نهار أنزلته مكيها ومدنيها وسفريها وحضريها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وتأويلها


1. في المخطوطة: ابن البختري. 2. في المخطوطة: أبي المفضل. 3. في المصدر (كيف) وهو خطأ. الكنيف: السترة والساتر. (*)

[ 271 ]

وتنزيلها لأخبرتكم بها (1). وفي غرر الحكم عن الآمدي (2): سلوني قبل أن تفقدوني، فإني بطرق السموات (3) أخبر منكم بطرق الأرض (4). وفي نهج البلاغة للسيد الرضي الله عنه أنه قال: فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ [ فيما ] بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة (5) تهدي مائة وتضل ماءة إلا نبأتكم (6) بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحلة (7) رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا ويموت [ منهم ] موتا (8). وفي رواية أخرى في كتاب جدي المذكور: لو شئت أخبرت كل أحد منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت (9). وفيها عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال عليه السلام: عندي علم البلايا والمنايا والوصايا والأنصاب وفصل الخطاب ومولد الإسلام ومولد الكفر، وأنا صاحب الميسم، وأنا الفاروق الأكبر ودولة الدول،


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 48، والزيادات منه، كشف الغمة 2 / 114 مع بعض الإختلاف في الألفاظ. 2. الصحيح أن يقول: للآمدي. 3. في المصدر: بطرق السماء. 4. غرر الحكم ص 403. وانظر: كتاب سليم ص 712. 5. في المخطوطة: آية تهدي مائة. 6. في المصدر: إلا أنبأتكم. 7. في المصدر: ومحط رحالها. 8. نهج البلاغة 1 / 183 والزيادتان منه. 9. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 48. (*)

[ 272 ]

فاسألوني (1) عما يكون إلى يوم القيامة وعما كان قبلي وعلى عهدي وإلى أن يعبد الله (2). وعن [ سعيد ] ابن المسيب: ما كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أحد يقول (سلوني) (غير علي بن أبي طالب عليه السلام. وعن ابن شبرمة: ما أحد قال على المنبر (سلوني) غير علي بن أبي طالب عليه السلام (3). فرق: قال الله تعالى * (تبيانا لكل شئ) * (4) وقال * (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) * (5) وهو المعبر عنه بالإمام المبين كما تقدم بالفصل الرابع، وقال تعالى * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (6). وإذا كان كذلك لا يوجد في ظاهره، فهل يكون موجودا إلا في تأويله، كما قال تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (7). وهو الذي عني بقوله عليه السلام (سلوني قبل أن تفقدوني)، ولو كان


1. في المصدر: فسلوني. 2. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 48. 3. الروايتان في المصدر السابق. وانظر: شرح نهج البلاغة 7 / 46، و 13 / 106، كنز العمال 3 / 130. 4. سورة النحل: 89. 5. سورة يس: 12. 6. سورة الأنعام: 59. 7. سورة آل عمران: 7. (*)

[ 273 ]

إنما عني به ظاهره لكان في الأمة كثير يعلم ذلك، ولا يخطر فيه جزما، ولم يكن عليه السلام ليقول من ذلك على رؤوس الأشهاد ما يعلم أنه لا يصح من قوله وإن غيره يسألونه فيه أو يدعي على شئ منه معه. وإذا ثبت أنه لا نظير له في العلم صح أنه أولى بالإمامة، لقبح تقديم المفضول على الفاضل. ومن عجيب أمره في هذا الباب أنه لا شئ من العلوم إلا وأهله يجعلون عليا قدوة فيه، فصار قوله قبلة في الشريعة (1). فمن ذلك جمع القرآن العظيم: روى جدي في نخبه قال: قال ابن عباس: فجمع الله القرآن في قلب علي، وجمعه علي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله بستة أشهر (2). وفي أخبار أهل البيت عليهم السلام: إن عليا آلى على نفسه ألا يضع رداءه على عاتقه إلا لصلاة حتى يؤلف الكتاب العزيز ويجمعه (3). ومن ذلك العلم بالقرآن: والقراء السبعة إلى قراءته يرجعون: فأما حمزة والكسائي فيعولان على قراءة علي عليه السلام، وأما ابن مسعود قال: ما رأيت أحدا أقرأ من علي. وأما نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءتهم يرجعون فيها إلى ابن عباس وابن عباس قرأ على


1. أنظر طرفا من الكلام حول هذا الموضوع في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 17 - 30. وهذه القطعة إلى آخر الفصل أكثرها مأخوذ من المناقب لابن شهر اشوب. 2. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 50. 3. المصدر السابق. (*)

[ 274 ]

قرأ به هؤلاء القراء مخالف قراءة أبي فهو إذن مأخوذ عن علي عليه السلام. وأما عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمن بن السلمي وأبو عبد الرحمن قرأ القرآن كله على علي عليه السلام. ومنهم المفسرون كعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وهم معترفون له بالتقدم. روى في تفسير النقاش قال: قال ابن عباس: جل ما تعلمت من التفسير من علي بن أبي طالب (1). وقال أبو جعفر محمد بن شهر اشوب رحمه الله: سمعت مذاكرة أنه جاء ابن عباس رضي الله عنه إلى أمير المؤمنين عليه السلام يسأله عن تفسير القرآن، قال: ما أول القرآن ؟ قال: الفاتحة. قال: وما أول الفاتحة ؟ قال: (بسم الله). قال: وما أول بسم الله ؟ قال: بسم. قال: وما أول بسم ؟ قال: الباء. فجعل عليه السلام يتكلم في الباء طول الليل، فلما قرب الفجر قال: ولو أزدنا الليل لزدنا. وفي فضائل العكبري: قال الشعبي: ما أحد أعلم بكتاب الله بعد النبي من علي بن أبي طالب عليه السلام (2). وفي تاريخ البلاذري وحلية الأولياء قال: قال علي عليه السلام: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت، أبليل نزلت أو بنهار، ونزلت في سهل أو جبل، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا.


1. نفس المصدر ص 53. 2. هذا الحديث والحديثان بعده في المناقب لابن شهر اشوب 2 / 53. وانظر: أنساب الأشراف للبلاذري - ترجمة الإمام علي عليه السلام ص 99. (*)

[ 275 ]

وفي قوت القلوب: قال علي عليه السلام: لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الكتاب. ومنهم الفقهاء: وهو أفقههم، لأن جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون ومن بحره يغترفون: أما أهل الكوفة فقهاؤهم سفيان الثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك بن عبد الله وابن أبي ليلى، وهؤلاء يفرعون المسائل ويقولون هذا قياس قول علي عليه السلام، ويترجمون الأبواب بذلك. وأما فقهاء البصرة وهم الحسن وابن سيرين كلاهما كانا يأخذان عمن أخذ عن علي عليه السلام، وابن سيرين يفصح أنه أخذ عن الكوفيين وعن عبيدة السلماني وهو أخص الناس بعلي عليه السلام (1). وأما أهل المدينة فعنه أخذوا، وقد صنف الشافعي كتابا مفردا في الدلالة على اتباع أهل المدينة لعلي عليه السلام وعبد الله (2). وأما أهل مكة فإنهم أخذوا عن ابن عباس وعن علي عليه السلام، وقد أخذ عبد الله معظم علمه عنه عليه السلام. وفي مسند أبي حنيفة قال: قال هشام بن الحكم: قال الصادق عليه السلام لأبي حنيفة: من أين أخذت القياس ؟ قال: من قول علي وزيد بن ثابت حيت شاركهما عمر في الجد مع الإخوة، فقال له علي: لو أن شجرة انشعبت منها غصن فأنشأت من الغصن غصنان أيما أقرب إلى أحد


1. العبارة مشوشة في المخطوطة وصححناها على المناقب. 2. يريد ابن عباس. (*)

[ 276 ]

الغصنين أصاحبه الذي يخرج معه أم الشجرة ؟ فقال زيد: لو أن جدولا انبعث فيه ساقيه وانبعث من الساقية ساقيتان أيما أقرب أحد الساقيتين إلى صاحبتها أم الجدول. ومنهم الفرضيون: وهو عليه السلام أظهرهم فيها. روى في فضائل أحمد قال: قال عبد الله: إن أعلم [ أهل ] المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب. وقال الشعبي: ما رأيت أفرض من علي ولا أحسب منه. ولقد سئل عليه السلام - وهو على المنبر يخطب - عن رجل مات وترك امرأة وأبوين وبنتين: كم نصيب المرأة ؟ فقال عليه السلام: صار ثمنها تسعا. فلقبت المسألة بالمنبرية. تم الخبر. شرح ذلك: للأبوين السدسان وللبنتين الثلثان وللمرأة الثمن، عادت الفريضة فكان لها ثلاثة أسهم من أربعة وعشرين ثمنها، فلما صارت الفريضة إلى سبعة وعشرين صار ثمنها متسعا، لأن ثلاثة من سبعة وعشرين تسع، ويبقى أربعة وعشرون للابنتين ستة عشر وثمانية للأبوين. وسواء قال هذا على سبيل الإستفهام، أو على قولهم، أو على مذهب نفسه، وبين كيف يجئ الحكم على مذهب من يقول بالعول. فبين الجواب والحساب والقسمة والنسبة. ومنه المسألة الدينارية، وصورتها: ما روته العامة أنه عليه السلام سئل عن رجل مات وخلف ستمائة دينار فقسمت بين الورثة فاستحقت امرأة

[ 277 ]

منهم دينارا واحدا كم كان عدد الورثة ؟ فقال عليه السلام: كانت الورثة بنت لها أربعمائة دينار وأم لها مائة دينار وزوجة لها خمس وسبعون دينارا واثني عشر أخ وأخت واحدة لهم الباقي خمس وعشرون دينارا، للذكر مثل حظ الأنثيين، فلكل أخ ديناران وللأخت دينار واحد. ومنهم المتكلمون: وهو الأصل في الكلام، قال النبي صلى الله عليه وآله: علي رباني هذه الأمة. وفي كتاب إحياء العلوم: إن أول من سن دعوة المبتدعة بالمجادلة إلى الحق علي عليه السلام. وقد ناظره الملحدة في مناقضات القرآن، وأجاب مسألة الجاثليق حتى أسلم، ويأتي إنشاء الله تعالى. ومنهم النحاة: وهو عليه السلام واضع النحو. روي أن أبا الأسود كان في بصره سود، له بنت تقوده إلى علي عليه السلام، فقالت: يا أبتاه ما أشد حر الرمضاء، بالدال المضمومة في (أشد) تريد التعجب، فنهاها عن مقالها، فأخبر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك، فأسس النحو. وقيل: إن السبب له حديث ابنة خويلد الأسدي، وقيل: حديث سورة براءة، وقيل: حديث خلف جازه. ولا حاجة بشرح ذلك، إذ كل حديث بذلك ينسبون فيه النحو إلى علي عليه السلام.

[ 278 ]

ومنهم الخطباء: وهو أخطبهم، ألا ترى إلى خطبه، مثل خطبة التوحيد والشقشقية والغراء والقاصعة والافتخار والأشباح، بل إلى كتاب (نهج البلاغة) تصنيف السيد الرضي رضي الله عنه وكتاب خطب أمير المؤمنين. ومنهم الفصحاء والبلغاء: وهو أوفرهم حظا. قال السيد الرضي الموسوي قدس الله روحه: كان أمير المؤمنين عليه السلام شرع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا عن الكلبي عن أبي صالح: أنه اجتمعت الصحابة فتذاكرو أن الألف أكثر دخولا في الكلام، فارتجل الخطبة المونقة التي أولها: حمدت من عظمت منته وسبغت ونعمته وسبقت رحمته وتمت كلمته ونفذت مشيته وبلغت قضيته - إلى آخرها. ثم ارتجل خطبة أخرى من غير النقط، التي أولها: الحمد لله أهل الحمد ومأواه، وله أوكد الحمد وأحلاه، وأسرع الحمد وأسراه، وأظهر الحمد وأسماه، وأكرم الحمد وأولاه - إلى آخرها. ومنهم الوعاظ: ليس لأحد من الأمثال والعبر والمواعظ والزواجر مثل مقاله عليه السلام: من زرع العدوان حصد الخسران. من ذكر المنية نسي الأمنية. من قعد به العقل قام به الجهل. يا أهل الغرور ما ألهجكم بدار خيرها زهيد، وشرها عتيد، ونعيمها مسلوب، وعزيزها منكوب، ومسالمها محروب، ومالكها

[ 279 ]

مملوك، وثوابها متروك. ومنهم الفلاسفة: وهو أرجحهم. قال عليه السلام: أنا النقطة أنا الخط، أنا الخط أنا النقطة، أنا النقطة والخط. فقال جماعة: إن القدرة هي الأصل والجسم حجابه والصورة هي حجاب الجسم، لأن النقطة هي الأصل والخط حجابه والصورة هي حجاب الجسم، لأن النقطة هي الأصل والخط حجابه ومقامه، والحجاب فير الجسد الناسوتي. قال جدي في نخبه المذكورة: وسئل عليه السلام عن العالم العلوي، فقال: صور خالية عن المواد، عالية عن القوة والإستعداد، تجلى لها فأشرقت وطالعها فتلألأت، وألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله، وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة، إن ركبها بالعلم فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد. ومنهم المهندسون: وهو عليه السلام أعلمهم. روي أن رجلين مر بهما عبد مقيد، فقال أحدهما: إن لم يكن في قيده كذا وكذا فامرأته طالق ثلاثا، وحلف الآخر بخلاف مقاله، فسئل مولى العبد أن يحل قيده حتى يعرف وزنه فأبى فارتفعا إلى عمر فقال لهما: اعتزلا نساءكما. وبعث إلى علي عليه السلام وسأله عن ذلك، فدعا بأجانة وأمر الغلام أن يجعل رجله فيها ثم أمر أن يصب الماء حتى غمر القيد والرجل، ثم علم في الأجانة علامة وأمره أن يرفع رجله ونزل الماء عن العلامة، ثم أمر العبد فأدخل رجله في الماء ودعا بالحديد فوضعه في الأجانة حتى تراجع الماء إلى موضعه، ثم أمر

[ 280 ]

بوزنه فوزن، فكان وزنه مثل ذلك، فعجب منه عمر. وفي التهذيب قال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام: إني حلفت أن أزن الفيل، قال: ولم تحلفون بما لا تطيقون ؟ فقال: قد ابتليت. فأمر عليه السلام بقرقور فيه قصب، فأخرج منه قصب كثير ثم علم منبع الماء بقدر ما عرف منبع الماء قبل أن يخرج القصب، ثم صير الفيل حتى رجع إلى مقداره الذي كان انتهى إليه منبع الماء أولا، ثم أمر بوزن القصب الذي أخرج، فلما وزن قال: هذا وزن الفيل (1). ومنهم المنجمون: وهو أعلمهم، روى جدي في كتابه المقدم ذكره: حدثنا مسندا عن سعيد بن جبير أن استقبل أمير المؤمنين عليه السلام دهقان - قال: وفي رواية قيس بن سعيد أنه فرخان بن شاشوراء - استقبله من المدائن إلى حبر بغداد، فقال له: يا أمير المؤمنين تناحست النجوم الطالعات وتناحست السعود بالنحوس، فإذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الإختفاء، ويومك هذا صعب قد اقترن فيه كوكبان وانكفى فيه الميزان وانقدح من برجك النيران وليس الحرب لك بمكان. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الدهقان المنبئ بالآثار المخوف من الأقدار ما كان البارحة صاحب الميزان وفي أي برج كان صاحب السرطان وكم الطالع من الأسد والساعات في المحركات وكم بين السراري والذراري. قال: سأنظر في الإصطر لاب. فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: ويلك يا دهقان أنت مسير الثابتات أم كيف تقضي على الجاريات وأين ساعات الأسد من


1. التهذيب 8 / 318. (*)

[ 281 ]

الطالع وما للزهرة من التوابع والجوامع وما دور السواري المحركات وكم شعاع المنيرات وكم التحصيل بالغدوات. فقال: لا علم لي بذلك يا أمير المؤمنين. فقال له: ويلك يا دهقان هل نتج علمك أن انتقل بيت ملك الصين واحترقت دور بالزنج وخمدت نار فارس وانهدمت منارة الهند وغرقت سرنديب وانقض حصن الأندلس ونتج بتركه الروم بالرومية. وفي رواية أخرى: البارحة وقع بيت بالصين وانفرج برج ماجين وسقط سور سرنديب وانهزم بطريق الروم بأرمينية وفقد ديان اليهود بأبله وهاج النمل بوادي النمل وهلك ملك أفريقية، أكنت عالما بهذا ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. وفي رواية: أظنك حكمت باختلاف المشتري وزحل، إنما أنازلك في الشفق ولاح لك شعاع المريخ في السحر واتصل جرمه بجرم القمر. ثم قال: البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كل عالم سبعون ألفا والليلة يموت مثلهم. وأومى بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي، وكان جاسوسا للخوارج في عسكره، فظن الملعون أنه يقول خذوه، فأخذ بنفسه فمات. فخر الدهقان ساجدا، فلما أفاق قال أمير المؤمنين عليه السلام: ألم أدرك من عين التوفيق ؟ فقال: بلى. فقال: أنا وصاحبي لا شرقيون ولا غربيون، نحن ناشئة القطب وأعلام الفلك، أما قولك (انقدح من برجك النيران وظهر منه السرطان) فكان الواجب أن تحكم لي لا علي، أما نوره وضياؤه فعندي وأما حريقه ولهبه فذهب عني، وهذه مسألة عقيمة إحسبها إن كنت حاسبا. فقال الدهقان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك علي ولي الله.

[ 282 ]

ومنهم الحساب: وهو عليه السلام أو فرهم نصيبا. ومسألة الأرغفة الثمانية تدل على ذلك، وقد ذكرها الشيخ الطوسي رحمه الله في النهاية وذكرت في كتب شتى. ومنهم أصحاب الكيمياء: وهو أكثرهم حظا. سئل عليه السلام في أثناء خطبة: هل الكيمياء كون ؟ فقال: كان وهو كائن وسيكون، فقيل: من أي شئ هو ؟ فقال: إنه في الزيبق الرجراج والأسرب والزاج والحديد المزعفر وزنجار النحاس الأخضر، الجسور لا يوفق على عايرهن. فقيل: فهمنا لا يبلغ ذلك. فقال: اجعلوا البعض أرضا واجعلوا البعض ماء وأفلجوا الأرض بالماء وقد تم. فقيل: زدنا يا أمير المؤمنين. فقال: لا زيادة عليه، فإن الحكماء القدماء ما زادوا عليه كيمياء يتلاعب به الناس. ومنهم الأطباء: وهو عليه السلام أكثرهم فطنة. روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إذا كان الغلام ملتاث الأدرة صغير الذكر ساكن النظر فهو ممن يرجى خيره ويؤمن شره، وإذا كان الغلام شديد الأدرة كبير الذكر حاد النظر فهو ممن لا يرجى خيره ولا يؤمن شره. وعنه عليه السلام: يعيش الولد لستة أشهر ولسبعة ولتسعة، ولا يعيش لثمانية أشهر. وعنه عليه السلام: لبن الجارية يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين.

[ 283 ]

وعنه عليه السلام: يشب الصبي في كل سنة أربع أصابع بأصابع نفسه. وسئل عليه السلام عن الولد: ما باله تارة يشبه أباه وعمه وتارة يشبه أمه وخاله ؟ فقال للحسن عليه السلام: أجبه. فقال: أما الولد فإن الرجل إذا أتى أهله بنفس ساكنة وجوارح غير مضطربة اعتلجت النطفتان كاعتلاج المتصارعين، فإن غلب نطفة الرجل نطفة المرأة جاء الولد يشبه أباه، وإن غلب نطفة المرأة نطفة الرجل جاء يشبه أمه، وإذا أتاها بنفس مزعجة وجوارح مضطربة غير ساكنة اضطربت النطفتان فسقطتا عن يمنة الرحم ويسرته، فإن سقطت عن يمينة الرحم سقطت على عروق الأعمام والعمات فشبه أعمامه وعماته، وإن سقطت عن يسرة الرحم سقطت على عروق الأخوال والخالات فشبه أخواله وخالاته. فقام وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته. وروي أنه كان الخضر عليه السلام. ومنهم العلماء على طريق الصوفية: وهم يعترفون أنه عليه السلام الأصل في علومهم ولا يوجد لغيره إلا اليسير، حتى قالت مشائخهم: لو تفرغ إلى إظهار ما علم من علومنا لأعيانا في هذا الباب. وروى أهل المذاهب شيئا كثيرا في أنه عليه السلام أعلم الأمة: فمن ذلك على سبيل الجملة ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده مسندا إلى جندب بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن. ويأتي الحديث فيما بعد في تفصيل أكثر من ذلك إنشاء الله.

[ 284 ]

وقد ثبت بقول الفريقين أنه لا نظير له في العلم، وإذا كان كذلك فهو أولى وأحرى بالإمامة من غيره، لقبح تقديم المفضول على الفاضل. وهل يحسن من ذي بصيرة وقادة والمعترة نقادة وفراسة منيرة فطنة مصيبة ولب ثاقب ورأي صائب، أن يقدم على من صدر عنه علوم زاهرة ودلائل قاهرة وأعلام باهرة وآيات ناطقة ومعجزات ظاهرة، فقد وقعت الإشارة إلى صنوف اليسير: منها: ما يسأل عن الله: أين هو ؟ فيقول: في السماء على العرش. فيجوز عليه سبحانه وتعالى ما يجوز على الأجسام، جل ربنا وعلا أن يحويه مكان، أو يكون إلى مكان أقرب من مكان. روى الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الإرشاد: أن بعض أحبار اليهود جاء إلى أبي بكر، فقال له: أنت خليفة نبي هذه الأمة ؟ فقال له: نعم. قال: فإنا نجد في التوراة أن خلفاء الأنبياء أعلم أممهم، فخبرني عن الله تعالى أين هو في السماء هو أم في الأرض ؟ فقال أبو بكر: هو في السماء على العرش. فقال اليهودي: فأرى الأرض خالية منه، وأراه على هذه القول في مكان دون مكان له أبو بكر: هذا كلام الزنادقة، أغرب عني وإلا قتلتك. فولى الحبر متعجبا يستهزئ بالإسلام، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام فقال [ له ]: يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه وما أجبت [ به ]، فإنا نقول: إن الله جل جلاله أين الأين فلا أين له، وجل عن أن يحويه مكان، وهو في مكان بغير مماسة ولا مجاورة، ويحيط علما بما فيها، ولا يخلو شئ منها من تدبيره تعالى، وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم

[ 285 ]

يصدق ما ذكرته لك، فإن عرفته أتؤمن به ؟ قال اليهودي: نعم. قال: ألستم تجدون في بعض كتبكم أن موسى بن عمران عليه السلام كان ذات يوم جالسا إذ جاءه ملك من المشرق، فقال له موسى: من أين أقبلت ؟ قال: من عند الله عز وجل.، ثم جاءه ملك من المغرب فقال له: من أين جئت ؟ قال: من عند الله عز وجل. ثم جاءه ملك [ آخر ] فقال: قد جئتك من السماء السابعة من عند الله، ثم جاءه ملك آخر فقال: قد جئتك من الأرض السفلى السابعة من عند الله، فقال موسى عليه السلام: سبحان من لا يخلوم منه مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك أمير المؤمنين، أن هذا هو الحق المبين، وأنك أحق بمقام نبيك ممن استولى عليه. تم الخبر (1). وهذا الحبر العالم (2) إنما استدل على أن علي بن أبي طالب أحق بمقام الرسول صلى الله عليه وآله ممن استولى عليه، بما ظهر له من جوابه أنه هو الحق المبين، يصلح أن يكون جوابا لخلفاء النبيين، وبما ظهر له من فساد الجواب الأول، وأنه لا يصلح أن يصدر عن عالم من علماء الرعية فكيف يصلح أن يصدر من خلفاء النبيين. وقد سألت كثيرا ممن قرأ التوراة من أهل الذمة وقرأ كتاب يوشع بن نون عليه السلام وكتبا في معالم دينهم تسمى كتب النبوة، وقالوا: إن هذه


1. الإرشاد للمفيد 1 / 202 مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ، والزيادات منه. 2. في الحبر بفتح الحاء وكسرها: العالم الصالح، رئيس الكهنة عند اليهود. (*)

[ 286 ]

الكتب المذكورة تنطق بأن خليفة النبيين لابد وأن يكون أعلم الرعية، إن هذا الخليفة أسدهم رأيا وحكمة فهما وأعلاهم حسبا وأزهدهم في الدنيا وأشدهم تركا لها. أما التوراة قد ذكر ذلك في الجزء الخامس من السفر الثاني وفي الجزء الأول من السفر الخامس. وربما أن الحبر استدل بهذه الآثار التي في الكتب المتقدمة. وإذا كانت الكتب السالفة وأخبار الفريقين تنطق عن نبي الهدى أنه يجب أن يكون الوصي أعلم الأمة، وقد تقدم في صدر الفصل السابع عن أنس وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله قال لسلمان: فهل تدري لم أوصى إليه - يعني به لم أوصى موسى إلى يوشع ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أوصى إليه لأنه كان أعلم أمته بعده. فقد ظهر من علي بن أبي طالب عليه السلام أنه أعلم أنه أعلم الرعية، فيجب أن يكون الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بما نطقت به الكتب السالفة والأخبار الواردة من الطرق المختلفة، ويجب انتفاؤها عن أبي بكر لانتفاء العلوم عنه. وقد روى عن أبي بكر أنه حفظ سورة البقرة في سبعة عشر سنة ونحر جزورا للوليمة عند فراغها. وفي علوم أمير المؤمنين قال ابن العودي رحمه الله (1): ومن ذا يساميه (2) بمجد ولم يزل * يقول سلوني ما يحل ويحرم


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 47. 2. في المخطوطة: ومن ذا ينافيه. وهو خطأ. (*)

[ 287 ]

سلوني ففي جنبي علم ورثته * عن المصطفى ما فات مني به الفم سلوني عن طرق السماوات إنني * بها عن سلوك الطرق في الأرض أعلم ولو كشف الله الغطاء لم أزد به * يقينا على ما كنت أدري وأفهم وقال الزاهي رحمه الله (1): ما زلت بعد رسول الله منفردا * بحرا يفيض على الوراد زاخره أمواجه العلم والبرهان لجته * والحلم شطاه (2) والتقوى جواهره وقال السيد الحميري رحمه الله (3): علي أمير المؤمنين أخوم الهدى * وأفضل ذي نعل ومن كان حافيا أسر إليه أحمد العلم جملة * وكان له دون البرية واعيا دونه في مجلس منه واحد (4) * بألف حديث كلها كان هاديا وكل حديث من أولئك فاتح * له ألف باب فاحتواها كما هيا وقال الصاحب رحمه الله (5): هل مثل فتواك إذ قالوا مجاهرة * لو لا علي هلكنا في فتاوينا وله أيضا رحمه الله (6): من كالوصي علي عند سابقة * والقوم ما بين تضليل وتسفيه


1. المصدر السابق، وفي المخطوطة: الزاهري. 2. في المخطوطة: والحكم شطاه. 3. ديوان الحميري ص 460. 4. في المخطوطة: واحدا. 5. ديوان الصاحب ص 110. 6. الديوان نفسه ص 143، من قصيدة طويلة. (*)

[ 288 ]

من كالوصي علي عند مشكلة * وعنده البحر قد فاضت نواحيه (1) من كالوصي علي عند مخمصة * قد جاد بالقوت إيثارا لعافيه يا يوم بدر تجشم ذكر موقفه * فاللوح يحفظه والوحي يمليه وأنت يا أحد قل ما في الورى أحد * يطيق جحدا لما قد قلته فيه براءة استرسلي في القول وانتشطي * فقد لبست جمالا من توليه


1. البيت مزدوج من بيتين في الديوان، هما: من كالوصي علي عند ملحمة * والسيف يأخذ من يهوي ويعطيه من كالوصي علي عند مشكلة * وعلمه البحر قد فاضت نواحيه (*)

[ 289 ]

الفصل الثالث عشر في ذكر طالوت قال الله تبارك وتعالى * (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أني يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) * (1). ظهر بمحكم التنزيل العظيم أن سبب اصطفائه وحقه في تقديمه عليهم ما زاده الله من البسطة في العلم والجسم. فهذه الآية موافقة لدلائل العقول التي لا ينكرها إلا من ينكر الضروريات، في أن الأعلم أولى وأحق وأوجب بالتقديم في الإمامة ممن لا يساويه في العلم. ألم تر أن تقديم قليل العلم على الشافعي وأبي حنيفة قبيح جدا، وكذا لو استوزر الملك رجلا لا بصيرة له بعلم السياسة وتدبير الأحوال لقبح العقلاء عليه فعله. وقد سبق في الفصل الثاني عشر وغيره أن علي بن أبي طالب عليه


1. سورة البقرة: 247. (*)

[ 290 ]

السلام أعلم الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وآله بقول الفريقين، فوجب اتباعه، وقد قال الله تعالى * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) * (1). وعالم الأمة هو أفضل الأمة علما وعملا. قال أبو علي سينا في كتاب الشفاء في فن الخطابة: ينبغي أن يكون المشير بصيرا بمقدار حاجة كل إلى كل وبأحوال أهل الفضائل وأهل الثروة منهم، فيشير بما ينتظم به شمل المصلحة. فهذا الحكيم - كما ترى كلامه - يوجب من طريق العقول الصحيحة والحكمة القديمة أن لا يقدم للمشورة إلا العالم بمجامع الأمور الحاوية لفنون المصالح، وما نطق به القرآن وشهد بصحته صريح العقل وأوجبه الحكماء فلا سبيل على بطلانه. وحيث إنه عليه السلام أعلم الأمة بدليل ما تقدم من قول الفريقين فإن الأعلم هو الأفضل، ينبغي بيان الفضل وتفصيله: الفضل في اللغة هو الزيادة، يقال فضل الشئ على الشئ: أي زاد عليه، ويقال رجل ذو فضل: أي ذو كمال في العلم أو غيره ويجئ أيضا لمعاني أخر. قال الله تعالى * (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) * (2) أي زادهم في الأجر. وقال تعالى * (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على


1. سورة الزمر: 9. 2. سورة النساء: 95. (*)

[ 291 ]

بعض وبما أنفقوا من أموالهم) * (1) أراد به العقل والرأي، وقيل: إنه مطلق أراد به جميع ما فضل الله به الرجال على النساء من الزيادة في الميراث والشهادة، إلى غير ذلك. فعلى هذا القول الفاضل هو الزائد، والأفضل الأعظم في الزيادة، ولفظة (الأفضل) التي هي على وزن أفعل تستعمل على قسمين: أحدهما: لتفضيل شئ وقعت فيه الشركة وزاد الفاضل بمزية تخصصه، وتلك المزية إما في نفس ما اشتركا فيه، كمن يكون شجاعا وغيره أشجع منه، أو زيادة بمزية أخرى لم يحصل له أنقص، كمن يزيد على الشجاعة السماحة. والقسم الثاني: لتفضيل شئ لم يقع فيه شركة، كقوله تعالى * (خير مستقرا وأحسن مقيلا) * (2)، فهذه مقيدة، ومع الإطلاق يراد بها الزيادة في الفصل المشترك فيه، وهو الأكثر في دلالتها والمشهور منها. ولما تباينت الصفات من علم وكرم وشجاعة وزهد وورع وقضاء، إلى غير ذلك بين علي عليه السلام وبين أبي بكر، لم يجز لأجل ذلك أن يقال: على أفضل من أبي بكر. ولله در الشاعر حيث يقول: متى ما أقل مولاي أفضل منها أكن بالذي فضلته متنقصا


1. سورة النساء: 34. 2. سوة الفرقان: 24. (*)

[ 292 ]

ألم تر أن السيف يزرى بحده متى قلت هذا السيف أمضى من العصا و (أفضل) تستعمل على ثلاثة أوجه: تستعمل مع الألف واللام كقولك (زيد الأفضل)، وتستعمل مع من كقولك (زيد أفقه من عمرو) معناه يزيد فقهه على فقه، وتستعمل مضافة كقولك (زيد أفضل القوم) فزيد بعض القوم لكن فضله يزيد على فضلهم. وقد روي [ عن ] أهل المذاهب الأربعة في الفصل الثامن: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لابنته فاطمة عليها السلام: زوجتك أعظمهم حلما، وأقدمهم سلما، وأعلمهم علما. وهذه الكلمات النبوية على وزن أفعل، وهي تقتضي لعلي عليه السلام الزيادة على غيره وإن كان مساويا في الإنسانية. والمعنى الذي صار لأجله أفضل منهم هو بلوغ الغاية الحكمية وإدراك العلوم الربانية علما وعملا. وهذه الألف في (أعظمهم) و (أقدمهم) و (أعلمهم) يسمى ألف التفضل، نقل عن سيبويه أنه قال: (أحمد) على وزن أفعل يدل على فضله على سائر الأنبياء لأجل ألف التفضيل. تم النقل عن سيوبة، فيجب أن يكون الألف في صفات علي عليه السلام دلالة على فضله على سائر القرابة والصحابة لحصول ألف التفضيل. وأما الفضل فإنه جنس تحته خمسة أنواع: النوع الأول: الفضيلة العلمية. وهي العلم بالأمور الكلية والجزئية. النوع الثاني: الفضيلة العلمية، وهي كون الإنسان قائما بفضائل الأعمال

[ 293 ]

البدنية من العبادات والزهادة اللتين يحضل بهما الدار الآخرة. النوع الثالث: الفضيلة المالية، وهي أن يكون الإنسان غير محتاج إلى غيره بل الغير محتاج إليه. النوع الرابع: الفضيلة الجاهلية، وهي أن يكون الإنسان صاحب دولة وسيف مبسوط القدرة. النوع الخامس: الفضيلة النسبية، وهي أن يكون الإنسان هاشميا من طرف أو طرفين، ويكون نسبة طاهرا من الأدناس الداخلة من قبل النساء. فهذه الأنواع أمهات الفضل، وإن كان لها أخوات لم يعتبر معها. فإذا نظرت بعين الحق المجلية من قذى الأهوية والغواية المكحولة بأثمد الرشد والهداية، وجدت علي بن أبي طالب عليه السلام قد اجتمع فيه وله جميع الأنواع الخمسة: فأولها العلم: وقد مضى القول فيه بأنه حاصل فيه بقول الفريقين واللفظ النبوي، وأما أبو بكر فمعلوم انتفاء العلم، ولا تماري في ذلك. ومما يوضح علم علي عليه السلام على سبيل الجملة ما روى أبو نعيم الحافظ في كتابه الموسوم حلية الأولياء، روى حديثا مسندا إلى علقمة عن عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فسئل عن علي فقال: قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي علي تسعة [ أجزاء ] والناس جزءا واحدا (1).


1. حلية الأولياء 1 / 64. وانظر: فرائد السمطين 1 / 94. (*)

[ 294 ]

وروى جدي في نخبه عن ابن عباس قال: [ والله لقد ] أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار علم، ولإنه أعلمهم بالعشر الباقي (1). وفي تفسير النقاش قال ابن عباس: علي علم علما علمه رسول الله صلى الله عليه وآله، ورسول الله علمه الله، فعلم النبي من علم الله، وعلم علي من علم النبي، وعلمي من علم علي، وما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كالقطرة في سبعة أبحر. وفي كتاب أبي الحسن البصري: إن الخضر عليه السلام رأى عصفورا قد أخذ قطرة من البحر فوضعها على يد موسى عليه السلام، فقال: ما هذا ؟ قال: هذا العصفور يقول: والله ما علمكما في علم وصي النبي الذي يأتي في آخر الزمان إلا كما أخذت من هذا البحر. ويأتي الخبر بكماله في الفصل السادس والأربعين إنشاء الله. فأما قول عمر في ذلك فكثير: روى الخطيب في الأربعين قال: قال عمر: العلم ستة أسداس، لعلي بن أبي طالب من ذلك خمسة أسداس وللناس سدس، ولقد شاركنا في السدس حتى لهو أعلم منابه. تم الخبر (2). قول عمر في علي (أعلم) أيضا فيه ألف التفضيل، فأوجب له الفضيلة على سائر الناس، وقوله حجة واضحة عند معتقديه. ولو أخذت في تعداد هذا الجنس واستقصائه لانطوى على مجلدات، لأن علمه منتشر في سائر كتب الفريقين، وإن شئت قلت: عند أخذت، أو


1. كشف الغمة 1 / 114 قريب منه. 2. كشف الغمة 1 / 115. (*)

[ 295 ]

معظمها. والنوع الثاني وهو فضيلة العمل: فهو حاصل فيه دون غيره، لما اشتهر من زهد وعبادته. والدليل على ذلك قوله تعالى * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * (1). وهو أعلم الأمة، لما سبق من القول، فيكون خشية الله عنده أعظم ما يكون، وهي أصل الزهد والعبادة، وفاقد العلم الأريب وأن يكون بالعكس (2). النوع الثالث فضيلة المال وكون الإنسان غير محتاج إلى غيره بل الغير محتاج إليه: وهذه حاصلة لعلي عليه السلام، لأنه لما احتاج إلى الماء أنزل الله سبحانه وتعالى السطل من الجنة والمنديل من الفردوس الأعلى، ولما احتاج إلى الطعام أنزل الله له المائدة. ومن يكون مواده متصلة من المواد الإلهية والمراحم الربانية فلا أحد أغنى منه. وهذا الحديث رواه أهل المذاهب الأربعة، فمنهم الفقيه الشافعي [ ابن ] المغازلي بإسناده إلى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر وعمر: امضيا إلى علي حتى يحدثكما ما كان منه في ليلته وأنا على أثركما.


1. سورة فاطر: 28. 2. كذا، والعبارة مشوشة. (*)

[ 296 ]

قال أنس: فمضيا وضميت معهما، فاستأذن أبو بكر وعمر على علي، فخرج إليهما، فقال: يا أبا بكر حدث شئ ؟ قال: لا ولم يحدث إلا خيرا، قال لي النبي ولعمر امضيا إلى علي يحدثكما ما كان منه في ليلته، وجاء النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا علي حدثهما ما كان منك في الليل. فقال: أستحيي يا رسول الله. فقال: حدثهما فإن الله لا يستحيي من الحق. فقال علي عليه السلام: أردت الماء للطهارة وأصبحت وخفت أن تفوتني الصلاة، فوجهت الحسن في طريق والحسن في طريق والحسين في طريق في طلب الماء، فأبطئا علي، فأحزنني ذلك، فرأيت السقف قد انشق ونزل علي منه سطل مغطى بمنديل، فلما صار في الأرض نحيت المنديل عنه فإذا فيه ماء، فتطهرت للصلاة واغتسلت وصليت، ثم ارتفع السطل والمنديل والتأم السقف. فقال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أما السطل فمن الجنة، [ وأما الماء فمن نهر كوثر ]، و [ أما ] المنديل فمن استبرق الجنة، من مثلك يا علي في ليلتك وجبريل يخدمك (1). وروى هذا الحديث أيضا صدر الأئمة أخطب خوارزم، ورفع السند إلى أنس، قال: قال أنس: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة العصر وأبطأ في ركوعه [ في الركعة الأولى ] حتى ظننا أنه قدسها وغفل، ثم رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده، ثم أوجز في صلاته وسلم، ثم أقبل علينا بوجهه كأنه القمر في ليلة البدر في وسط النجوم، ثم جثا على ركبتيه وبسط قامته حتى تلألأ المسجد بنور وجهه، ثم رمى بطرفه إلى الصف


1. المناقب لابن المغازلي ص 94، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ. (*)

[ 297 ]

الأول يتفقد أصحابه رجلا رجلا، ثم رمى بطرفه إلى الصف الثاني، ثم رمى بطرفه إلى الصف الثالث يتفقدهم رجلا رجلا، ثم كثرت الصفوف على رسول الله، ثم قال: مالي لا أرى ابن عمي علي بن أبي طالب ؟ [ يابن عمي ]. فأجابه علي من آخر الصفوف وهو يقول: لبيك لبيك يا رسول الله. فنادى النبي بأعلى صوته: يا علي أدن مني. فجعل علي يتخطى رقاب المهاجرين (1) والأنصار حتى دنا المرتضى من المصطفى، فقال [ له ] النبي صلى الله عليه وآله: ما الذي خلفك عن الصف الأول ؟ قال: شككت أني على غير طهر، فأتيت منزل فاطمة فناديت: يا حسن يا حسين يا فضة. فلم يجبني أحد، وإذا هاتف من ورائي (2) وهو ينادي: يا أبا الحسن يابن عم النبي [ التفت ]. فالتفت فإذا أنا بسطل من ذهب وفيه ماء وعليه منديل، فأخذت المنديل ووضعت على منكبي الأيمن وأومأت إلى الماء، فإذا الماء يفيض على كفي، فتطهرت وأسبغت الطهر، ولقد وجدته في لين الزبد وطعم الشهد ورائحة المسك، ثم التفت ولا أدري من أخذه (3). فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله في وجهه وضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه، ثم قال: يا أبا الحسن ألا أبشرك أن السطل من الجنة والماء والمنديل من الفردوس الأعلى، والذي هيأك للصلاة جبريل، والذي مندلك ميكائيل، والذي نفس محمد بيده ما زال إسرافيل قابضا بيده على


1. في المصدر: فما زال علي يتخطى أعناق المهاجرين. 2. في المصدر: فإذا بهاتف يهتف بي من ورائي. 3. في المصدر: ولا أدري من وضع السطل والمنديل ومن أخذه. (*)

[ 298 ]

ركبتي حتى لحقت معي الصلاة، أفيلومني الناس على حبك ؟ والله تعالى وملائكته يحبونك من فوق السماء (1). وهذا الحديث أتم من الحديث الأول، وكلاهما عن أنس بن مالك، وكل حديث منهما له صفة دون الأخرى. وهذا يدل على نزول السطل عليه مرتين. يقول ابن حماد رحمه الله (2): أعطيت في الفضل ما لم يعطه أحد * كذا روى خلف منا عن السلف كالجام والسطل والمنديل يحمله * جبريل ما أحد فيه بمختلف ولما احتاج إلى الطعام نزلت من السماء مائدة فأكلوا منها سبعة أيام، وقد مضت روايتهم في ذلك في الفصل الخامس. النوع الرابع وهي فضيلة الجاهلية: وهي أن يكون الإنسان صاحب دولة وسيف مبسوط القدرة، فعلي عليه السلام تفرد بها دون الخلائق كلها، لأن دولته وولايته نزل بها الروح الأمين في قوله تعالى: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (3)، وقد ثبت نزولها فيه بقول الفريقين في الفصل الثالث.


1. المناقب للخوارزمي ص 304. 2. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 277. 3. سورة المائدة: 55. (*)

[ 299 ]

وأما سيفه فذلك لا يتخالج فيه الشك، لأن بسيفه عليه السلام قام عمود الإسلام واخضر عوده وتهدلت أغصانه وأينعت ثماره واغدو دقت أنهاره، حتى نبت زرعه ودر ضرعه واستوى به خيله ورجله، وقرأ قارئهم وتلا التالون * (ألا إن حزب الله هم الغالبون) * (1) وشهدت الملائكة أنه: لا سيف إذا ذو الفقار. النوع الخامس الفضيلة النسبية: وهي كون الإنسان هاشميا من طرف أو طرفين، وأن يكون نسبه خاليا من الأدناس الداخلة من قبل النساء. فمعلوم أنه لا نسب أعلى من نسب بني هاشم المعظم الطاهر الشريف لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وحسبك: أن نبيهم سيد ولد آدم، ووصيهم سيد الأوصياء، وشهيدهم سيد الشهداء، وفاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأمير المؤمنين عليه السلام أول من ولده هاشم مرتين. فتفرد أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الصفات التي هي أمهات الفضل دون غيره. ومعلوم ممن ناوأه في الخلافة أن هذا الأمر لم يحصل له، ومن حصل له فهو أحق وأولى بالخلافة ممن لم يحصل له شئ، كما نطق القرآن المجيد في قصة طالوت.


1. اختلطت الآية الكريمة في المخطوطة، ففي سورة المائدة: 56 * (فإن حزب الله هم الغالبون) *، وفي سورة المجادلة: 22 * (ألا إن حزب الله هم المفلحون) *. (*)

[ 300 ]

وتفضيله على سائر الأمة ليس بمستغرب له عليه السلام، لأن تفضيله على آدم ونوح وداود وسليمان وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ورد في خبر حليمة السعدية مرضعة رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنها وفدت على الحجاج بن يوسف الثقفي وأراد هلاكها لأنها تفضل عليا على الثلاثة، فقالت له لما رأت شدة غضبه عليها: الله ورسوله فضلاه عليهم، بل هو أفضل من آدم ونوح وداود وسليمان وإبراهيم وموسى وعيسى. فاشتد غضبه وقال: بما فضلتيه ؟ فذكرت: أنه أفضل من آدم بقوله تعالى * (وعصى آدم ربه فغوى) * (1) ومولاي علي بن أبي طالب نزلت فيه هل أتى وفيها * (وكان سعيكم مشكورا) * (2). ونوح امرأته خانته بحكم القرآن، وامرأة علي فاطمة الزهراء. وأما إبراهيم قال: * (رب أرني كيف تحيي الموتى) * (3) الآية، ومولاي قال (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا). وموسى خرج خائفا يترقب (4)، ومولاي لما بات على الفراش لم يخف، فأنزل الله فيه * (ومن الناس من يشري نفسه) * (5) الآية. وأما داود احتكم إليه رجلان غنم أحدهما أكل كرم الآخر، فقال: يباع الغنم وينفق على الكرم حتى يعود إلى ما كان، فقال ولده سليمان: يا أبت


1. سورة طه: 121. 2. سورة الإنسان: 22. 3. سورة البقرة: 26. 4. إشارة إلى سورة القصص: 18. 5. سورة البقرة: 207. (*)

[ 301 ]

أصل الكرم محفوظ وأصل الغنم محفوظ. قال: فكيف يا ولدي ؟ قال: يباع أصوافها وألبانها وينفق على الكرم إلى أن يعود، فأنزل الله سبحانه * (ففهمناها سليمان) * (1)، ومولاي قال فيه الرسول (علي أعلمكم، علي أقضاكم). وسليمان قال * (رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) * (2)، ومولاي قال (يا دنيا أعزبي عني، لا حاجة لي فيك، طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيها). وأما عيسى قال الله له * (ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) *، فكان جوابه الإعتذار * (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم) * (3)، ومولاي لم يجعل نفسه موضع الإعتذار في كرة النهروان، وقتلهم كلهم وقال (أنا عبد الله)، وجاهد في سبيل الله. فتجلى عنه الغضب، وأنهم لها بألف دينار، وجعلها رسما لها في كل سنة. والخبر طويل أخذ منه موضع الحاجة فقط، وفي الذي ذكرته ثبوت الفضل على بعض الأنبياء المذكورين لا على كلهم. وإذا كان من يحصل له الفضل على رعيته يجب له التقدم عليهم - كما نطق القرآن في قصة طالوت - فما حسبك بمن ثبت له الفضل على سائر رعيته وعلى بعض الأنبياء من قبله، على ما ذكر في هذا الحديث.


1. سورة الأنبياء: 79. 2. سورة ص: 35، وأول الآية * (قال رب اغفر لي وهب لي) *. 3. سورة المائدة: 116 - 118، وآخر الآية * (أنت العزيز الحكيم) *. (*)

[ 302 ]

وقال ابن الرومي رحمه الله (1): رأيتك عند الله أعظم زلفة * من الأنبياء المصطفين ذوي الرشد


1. ديوان ابن الرومي 2 / 688. (*)

[ 303 ]

الفصل الرابع عشر في ذكر المبيت قال الله تعالى * (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤف بالعباد) * (1). هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (2): وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لما أمر بالهجرة عند اجتماع الملأ من قريش على قتله، فلم يتمكن من مظاهرتهم بالخروج عن مكة وأراد الإستسراء بذلك وتعمية خبره عنهم ليتم له الخروج على السلامة منهم، ألقى خبره إلى ابن عمه علي عليه السلام واستكتمه إياه وكلفه الدفاع عنه بالمبيت على فراشه من حيث لا يعلمون أن عليا البائت على الفراش ويظنون أنه النبي عليه السلام. فوهب أمير المؤمنين نفسه لله وبذلها دون نبيه وابن عمه، وبات علي على فراش النبي عليه السلام مستترا بإزاره، وجاء القوم الذين تمالؤا على


1. سورة البقرة: 207. 2. ستذكر تفاصيل القصة وأسماء من رواها فيما يأتي من الأحاديث والرواية من طرق العامة والخاصة. (*)

[ 304 ]

قتله، وأحدقوا بأجمعهم به وعليهم السلاح يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا فيذهب دمه، لأن الملأ المجتمع عليه كان من جميع القبائل ولا يمكن بني هاشم الأخذ بثاره من جميع أولئك. ونزول هذه الآية في علي عليه السلام شئ معروف لا خفاء به (1)، رواه إبراهيم الثقفي والفلكي والطوسي بالإسناد عن الحكم عن السدي عن أبي مالك عن ابن مالك عن ابن عباس. ورواه أبو المفضل الشيباني بإسناده عن زين العابدين عليه السلام وعن أنس وأبي زيد الأنصاري عن ابن العلا. ورواه الثعلبي عنه والسدي ومعبد أنها نزلت في علي عليه السلام بين مكة والمدينة لما بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله. وروي نزولها أيضا في فضائل الصحابة عن عبد الملك العكبري وعن أبي المظفر السمعاني بإسنادهما عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: أول من شرى نفسه لله علي بن أبي طالب، كان المشركون يطلبون رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام من فراشه وانطلق هو وأبو بكر واضطجع علي على فراش رسول الله، فجاء المشركون فوجدوا عليا ولم يجدوا رسول الله (ص). ورواه الثعلبي في تفسيره وابن عقبة في ملحمته وأبو السعادات في فضائل العشرة والغزالي في إحياء العلوم وفي كيمياء الصعادة أيضا برواياتهم عن أبي اليقظان.


1. أنظر الأحاديث الكثيرة في الموضوع: تفسير البرهان 1 / 206، المناقب لابن المغازلى ص 126. (*)

[ 305 ]

ورواه من طريق الخاصة الطوسي وابن شاذان وابن بابويه والكليني وابن عقدة والبرقي وابن فياض والعبد لي والصفواني والثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس وأبي رافع وهند بن أبي هالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر أخاه. فكلاهما كرها الموت، فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل وليي علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين نبيي محمد فآثره بالحياة على نفسه، ثم ظل بائتا على فراشه يقيه بمهجته، إهبطا إلى الأرض جميعا فاحفظاه من عدوه وفهبط جبرئيل فجلس عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجعل جبريل يقول: بخ بخ من مثلك يابن أبي طالب، والله يباهي بك الملائكة، فأنزل الله * (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) * الآية. ومن مسند أحمد بن حنبل (1) حديث رفعه إلى عمر بن ميمون يشتمل على مناقب كثيرة من جملته * (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) * الآية، قال فيها: وشرى علي نفسه، لبس ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم نام مكانه، فكان المشركون يتوهمون أنه رسول الله. وقال الثعلبي في تفسير هذه الآية بإسناد رفعه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد الهجرة خلف علي بن أبي طالب عليه السلام لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه.


1. مسند الإمام أحمد 1 / 331. وقريب منه في مستدرك الحاكم 3 / 4، تفسير الطبري 9 / 229. (*)

[ 306 ]

ثم قال الثعلبي بعد كلام حذف: ففعل علي عليه السلام، فأوحى الله عز وجل إلى جبريل وميكائيل: إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر أخاه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، فاهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوه. فنزلا كان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، فقال جبرئيل: بخ بخ من مثلك يابن أبي طالب، يباهي الله بك الملائكة. فأنزل الله على رسوله وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي بن أبي طالب * (ومن الناس من يشري) * الآية. وروى الفقيه الشافعي [ ابن ] المغازلي في مناقبه حديث مبيت علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله (1). ورواه الموفق الخطيب الخوارزمي ورفع السند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال رسول الله: نزل علي جبريل صبيحة يوم الغار، فقلت: حبيبي أراك فرحا. فقال: يا محمد وكيف لا أكون كذلك وقد قرت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيك وإمام أمتك علي بن أبي طالب. فقلت: وبما أكرم الله أخي وإمام أمتي ؟ قال: باهى بعبادته البارحة ملائكته وحملة عرشه وقال: ملائكتي أنظروا إلى حجتي في أرضي بعد نبيي محمد، وقد بذل نفسه وعفر خده في التراب تواضعا لعظمتي، أشهدكم أنه إمام خلقي ومولى بريتي. تم الخبر (2).


1. المناقب لابن المغازلي ص 118 في حديث المناشدة. 2. المناقب للخوارزمي ص 125. (*)

[ 307 ]

وهذه ليلة المبيت لو وزن [ عمل ] علي فيها بأعمال الخلائق لرجح عمل علي على أعمال الخلائق، لأنها سبب نجاة رسول الله صلى الله عليه وآله وحفظ دمه، وبقاء نفسه الشريفة الطاهرة حتى صدع بأمر ربه. ولولا أمير المؤمنين عليه السلام لما تم لنبي الله صلى الله عليه وآله التبليغ والأداء، ولا استدام له العمر والبقاء، ولظفر به الحسدة والأعداء. فكل خير أتى ذلك فسببه مبيته عليه السلام. فلما أصبح القوم وأرادواع الفتك ثار إليهم، فتفرقوا عنه حين عرفوه وانصرفوا، وقد بطلت حيلتهم وانتقض ما بنوه من التدبير، ثم إنهم سألوه عن النبي: أين هو ؟ قال في حفظ الله. وفي كتاب نخب المناقب تصنيف جدي رحمه الله قال: قال: لا أدري، أو رقيب كنت عليه ! أمرتموه بالخروج فخرج. ثم أقام ثلاثة أيام بمكة يجهز عيال رسول الله صلى الله عليه وآله ويرد ودائعه ويسد مسده، وكان رسول الله عليه السلام قد استخلفه لرد الودائع، فلما أداها أقام على الكعبة ثلاثة أيام ونادى بصوت رفيع: يا أيها الناس هل من صاحب أمانة، هل من صاحب وديعة هل من صاحب عدة قبل رسول الله ؟ كل ذلك بقلب راسخ ورأي شامخ، وله من العمر يومئذ خمس وعشرون سنة. وأقام بمكة وحده مراغما لأهلها حتى أدى إلى كل ذي حق حقه، و جهز عيال رسول الله صلى الله عليه وآله، مع عظم جنايته على الكفار وأنه فوتهم غرضهم من رسول الله، ومعلوم أن من فوت أحد غرضه ازداد عليه حنقا وبغضا، لا سيما قد فوتهم شيئا عظيما. وهو مع ذلك ظاهر بينهم

[ 308 ]

ثابت الجنان قوي القلب واللسان، مع خذلان البشر له وقلة الأعوان، وهرب من هو معتضد به، وثبوته في ذلك الوقت الهائل والزلزال الذاهل شئ عظيم تعجز عنه الطباع البشرية، وهل هذا إلا تأييد من الله الكريم ؟ ! وأما استسلامه عليه السلام فأبلغ من استسلام إسماعيل لذبح إبراهيم عليهما السلام، لأن إسماعيل استسلم لوالد يرجو من شفقته السلامة من الذبح، كأن ينظر الله إلى قلب أبيه فيعفيه من ذبح ولده كما جرى، أو يموت أحدهما قبل ذلك إشفاقا من الله تعالى، حيث إنهما والد وولد، وإن كان ذبحا فيكون بغير ألم إكراما من الله تعالى لهما. وإسماعيل استسلم بالوحي من الله، فوجب عليه وعلى علي غير ذلك. وفي قوله للأعداء (هو في حفظ الله، أو رقيب كنت عليه) إظهار العداوة لهم والقوة عليهم، وتثبيت بمقام النبوة وكسر حرمتهم والرد عليهم في فعالهم. وقال جدي رحمه الله في نخبه: الشجاع الثابت بين أربعمائة سيف، أراد به عليا عليه السلام. ثم لو كان خائفا لقال: ما أدري أين مشى، واعتذر بأعذار كثيرة. وإقدامه على المبيت أعظم من المبارزة في الجهاد، وبين الحالين فرق، لأن المحارب يجوز النجاة والعطب لنفسه، فحاله مترددة بين الأمرين. وحالة مبيته ليست مترددة بين الحالتين، وإنما صبر نفسه للقتل والأسر لكثرة العدو وانهزام النبي (ص) ومكر علي لهذا العدد الكثير، فصار الظن في جواز القتل أقوى. والدليل عليه أن الله تعالى أوحى إلى جبريل وميكائيل - إلى تمام

[ 309 ]

تفسير الثعلبي لهذه الآية في هذا الفصل، وفيه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، وقوله للملكين: وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، وإذا آثره بالحياة كان مقتولا، ونسبة الله تعالى لا تقع إلا على الصحة والسداد، فنسبته أن عليا اختار العمر الطويل لمحمد عليه السلام. ويدل على ذلك قول علي عليه السلام (1): وقيت بنفسي خير من وطا الحصى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله الخلق إذا مكروا به فنجاه ذو الطول الكريم من المكر (3) وبت أراعيهم وما يثبتونني وقد صبرت نفسي على القتل والأسر وبات رسول الله في الغار آمنا وذلك في حفظ الإله وفي ستر أردت به نصر الإله تبلا وأضمرته (3) حتى أوسد في قبري


1. المناقب لابن شهر آشوب 2 / 72. ووردت الأبيات قريبة مما هنا في ديوان أمير المؤمنين ص 73، وفي أمالي الطوسي ص 469 باختلاف. 2. رواية المصدر: محمد لما خاف أن يمكروا به * فوقاه ربي ذو الجلال عن المكر 3. في المخطوطة: وأظهرته. (*)

[ 310 ]

فرق آخر: الفارس يمكنه الكر والفر والروغان والجولان إلى غير ذلك، والراجل قد ربط روحه وأوثق نفسه وألحج (1) بدنه محتسبا صابرا على مكروه الجراح وفراق الأحبة، فكيف البائت على الفراش. لكن إذا كانت المحنة أكثر كان الأجر أجزل، وأدل على شدة الإخلاص وقوة البصيرة. وعلى قدر مبالغته في الجهاد يكون له المحبة من الله تعالى، ومن أحبه الله كان جديرا بالتقدم على غير، وعلى كثرة الجبن من غيره يحصل لصاحبه عكس ذلك. وله في ذلك كله الفخر والمدح، والتفرد بهذه الفضيلة على جميع البشر والملائكة. وما امتحن الله الملكين إلا وقد علم من حالهما أنهما لا يصبران على أن يكون الواحد منهما باذلا نفسه دون أخيه ومؤثره بعمره على نفسه، ثم [ ما ] كلفهما ذلك إلا للتنبيه على فضل علي عليه السلام وليرى الملكين عملهما. والله أعلم بما أراد، وبالجملة إن فعله تبارك وتعالى لابد فيه من غرض. ومبيته عليه السلام يدل على تحقيق الوعد الصادق عنده، من قوله تعالى * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل) * (2). ثم إنه عليه السلام خرج جهارا في أناث ورحال وأموال وهوادج فيها


1. ألحج بالمكان: لزمه. 2. سورة التوبة: 111. (*)

[ 311 ]

حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وفيهن عائشة. فله المنة على أبي بكر بحفظ ولده، يقطع بهم السباسب والشعاب بين قبائل قريش ومحافلها. وذكر الواقدي وغيره: إن عليا لما عزم على الهجرة قال له العباس: إن محمدا ما خرج إلا خفيا. وذكر حديثا ثم قال له: ما أرى أن تمضى إلا في خفارة خزاعة، فقال علي عليه السلام (1): إن المنية شربة مورودة * لا تجزعن وشد للترحيل (2) إن ابن آمنة النبي محمدا * رجل صدوق قال عن جبريل أرخ الزمام ولا تخف من عائق * فالله يريدهم إلى التنكيل (3) إني بربي واثق وبأحمد * وسبيله متلا حق بسبيلي (4) وفي وصيته إليه في ماله وأهله وولده ونومته منامه وقيامه مقامه، في جميع ذلك دليل على الوصية إليه والثقة بنجدته وشجاعته وغزار أمانته وحسن بلائه وشدة دفاعه (5) عليه السلام. وقال الحميري رحمه الله (6): ومن قبل ما قد بات فوق فراشه * وأدنى وساد المصطفى وتوسدا (7)


1. الخبر والشعر في المناقب لابن شهر آشوب 2 / 71. (*) 2. في المصدر: لا تنزعن. 3. في المصدر: عن التنكيل. 4. في المخطوطة: من لاحق بسبيلي. 5. في المخطوطة: دماغه. 6. ديوان الحميري ص 167. 7. في الديوان: ومن ذا الذي قد بات.. فتوسدا. (*)

[ 312 ]

وخمر منه وجهه بلحافه * ليدفع عنه كيد من كان كيدا (1) فلما بدا صبح يلوح تكشفت * له قطع من حالك اللون أسودا ودارت به أحراسهم يطلبونه * وبالأمس ما سب النبي وأوعدا أتوا طاهرا والطيب الطهر قد مضى * إلى الغار يخشى فيه أن يتوردا فهموا به أن يقتلوه وقد سطوا * بأيديهم ضربا مقاما ومقعدا (2) وقال ابن طوطي الواسطي رحمه الله (3): ولما سرى الهادي النبي مهاجرا * وقد مكر الأعداء والله أمكر ونام علي في الفراش بنفسه * وبات ربيط الجأش ما كان يذعر (4) فوافوا بياتا والدجى متقوض * وقد لاح معروف من الصبح أسفر فألفوا أبا شبلين شاك سلاحه * له ظفر من صائك الدم أحمر (5) فصال علي بالحسام عليهم * كما صال في العريس ليث غضنفر (6) فولوا سراعا ضافرين كأنما * هم حمر من قسور الغاب تنفر فكان مكان المكر حيدرة الرضا * من الله لما كان بالناس يمكر [ وقال ] السيد الأجل المرتضى قدس الله روحه (7): ووقى الرسول على الفراش بنفسه * لما أراد حمامة أقوامه


1. في الديوان: أكيدا. 2. في الديوان: مقيما. 3. المناقب لابن شهر آشوب 2 / 74، وفي المخطوطة: ابن طوطوي. 4. في المخطوطة: وسطر الجأش. 5. الصائك: اللازق. 6. العريس: الشجر الملتف يكون مأوى للأسد. 7. ديوان الشريف المرتضى 3 / (*)

[ 313 ]

ثانيه في كل الأمور وحصنه * في النائبات وركنه ودعامه لله در بلائه ودفاعه * واليوم يغشى الدارعين قتامه فكأنما أجم العوالي غيله * وكأنما هو بينها ضرغامه طلبوا مداه ففاتهم سبقا إلى * أمد يشق على الرجال مرامه وقال بعضهم (1): مبيت علي بالفراش فضيلة * كبدر له كل الكواكب تخضع فرهن علي بالفكاك معادل وقال رحمه الله (2): وهو المقيم على فراش محمد * حتى وقاه كائدا ومكيدا وهو المقدم عند حومات الوغى * ما ليس ينكر طارفا وتليدا وللناشئ رحمه الله (4): وقى النبي بنفس كان يبذلها * دون النبي قرير العين محتسبا حتى إذا ما أتاه القوم عاجلهم * بقلب ليث يعاف الرعب ما وجبا (4) فساءلوه عن الهادي فشاجرهم * فخوفوه فلما خافهم وثبا ولبعضهم: وليلة في الفراش إذ ضمدت (5) * له عصائب لا يألو عليه انهجامها فلما تراءت ذو الفقار بكفه * أطاربها خوف الردى أوهامها وكم كربة عن وجه أحمد لم يزل * يفرجها قدما ويبقى اهتمامها


1. لعلهما من قصيدة ابن حماد. 2. لدعبل الخزاعي ديوانه ص 172. 3. المناقب لابن شهر آشوب 2 / 74. 4. في المصدر: يعاف الرشد. 5. ضمد: اشتد غيظه، ضمد عليه: حقد. (*)

[ 315 ]

الفصل الخامس عشر في ذكر المحبة له من الله ورسوله يتضمن حديث الغدير قال الله سبحانه وتعالى * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * (1). نبه سبحانه وتعالى أن المحبة منه لم تحصل للمقاتلين إلا من حيث أقدموا على بذل نفوسهم في سبيل الله، وهو الجهاد. وأمير المؤمنين عليه السلام لا يختلف في شجاعته اثنان، ومعلوم أنه كان يبذل نفسه الشريفة في سبيل الله. وجهاده يتنوع أنواعا بحسب اختلاف الأحوال: ففي مبدأ الأمر كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج من بيته تبعه أحداث المشركين يرمونه بالحجارة حتى أدموا كعبه وعروقه، فكان علي عليه السلام يحمل عليهم فينهزمون، فنزل قوله تعالى * (كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة) * (2).


1. سورة الصف: 4. 2. سورة المدثر: 50 - 51. (*)

[ 316 ]

فلما قويت شوكة الإسلام ورفعت له رايات وألويه، لم يكن علي عليه السلام قط تحت لواء أحد، وكان المقدم في سائر الغزوات إذا لم يكن الرسول، وإذا حضر فهو تاليه وصاحب الراية واللوى معا، ولا فر من رجف قط، وذلك إجماع من الأمة. فأما أبو بكر وعمر إنهما فرا في غير موضع، وكانا تحت لواء جماعة، ويوم خبير وغيره يدل على ذلك. ومعلوم أن من حاله هذا فهو ممن يحبه الله ورسوله، وأما يوم خيبر انهزم من انهزم، وقد أهل لجليل المقام راية من أهل (1)، فكان بانهزامه من الفساد ما لا يخفى به على الأولياء. ثم أعطي صاحبه الراية بعده، فكان من انهزامه مثل الذي سلف من الأول، وخيف ذلك على الإسلام، وشابه ما كان من الرجلين الانهزام. فأكبر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، وأظهر النكير والمساءة به، ثم قال معلنا: لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده. فأعطاها لأمير المؤمنين علي عليه السلام، فبان بقول النبي - الذي لا ينطق عن الهوى - ثبوت هذه المحبة (2). ولو لا اختصاص علي بغاية هذه المزية لاقتضى الكلام خروج الجماعة


1. المهلل: الذي يحمل على قرنه ثم يجبن فينثني ويرجع. 2. رويت أحاديث كثيرة جدا في فتح خيبر وإعطاء الراية لعلي عليه السلام، أنظرها مثلا في: المناقب لابن المغازلي ص 176، تاريخ الطبري 3 / 11، المسند للإمام أحمد 5 / 358، صحيح مسلم 4 / 1871، فرائد السمطين 1 / 253. (*)

[ 317 ]

بأسرها عن هذه المحبة على كل حال، وذلك محال. أو كان التخصيص له بها لا لمعنى، فيلحق بالعبث، ومنصب النبوة يتعالى عن ذلك. وثبتت هذه المزية لعلي بن أبي طالب عليه السلام، لموضع أنه كرار غير فرار، وهي منتفية عن أبي بكر وعمر، لموضع فرهما وعدم كرهما. وفي تلافي أمير المؤمنين عليه السلام بخيبر ما فرط من غيره دليل على ما توحده من الفضل فيه بما لم يشركه فيه من عداه. ولا ريب أن غاية المدح والتبجيل والتعظيم المحبة من الله ورسوله، لأنها النهاية التي لا يلتمس [ شئ ] بعدها ولا مزيد عليها، وهي الغاية القصوى والدرجة العظمى. وحديث الراية لا خفاء به عند الفريقين، غني بشهرته عن إيراد الأسانيد، وذلك أنه لما دنا رسول الله صلى الله عليه وآله من خيبر قال للناس: قفوا. فوقف، فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن أسألك خير هذه. وحذفت الرواية... (1) ورواها مرفوعا إلى أبي سعيد الخدري قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الراية وهزها وقال: من يأخذها بحقها ؟ قال فلان: أنا. قال: امض. ثم جاء رجل قال: امض. ثم قال: والذي كرم وجه محمد لأعطينها رجلا لا يفر، هاك يا علي. فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر، وجاء بعجوتها


1. بياض هنا في المخطوطة بمقدار صفحة ونصف. (*)

[ 318 ]

وقديدها (1). ورواها عن سعيد بن المسيب: أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: لأدفعن الراية إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله. فدعى عليا وأنه لأرمد ما يبصر موضع قدمه، فتفل في عينيه ثم دفعها إليه، ففتح الله عليه. ورواه مرفوعا عن [ عبد الله بن ] بريدة (2) قال: سمعت أبي يقول: حاصرنا خيبر وأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له ]، ثم أخذه عمر من الغد فخرج ورجع ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذ شدة عظيمة وجهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني دافع الراية (3) غدا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله له، فبتنا طيبة نفوسنا أن الفتح غدا. [ فلما أن أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الغداة ]، ثم قام قائما فدعا باللواء [ والناس ] على مصافهم، فدعا عليا وهو أرمد، فتفل في عينيه ودفع إليه اللواء ] وفتح له. قال بريدة: وأنا في من تطاول لها (4). وهذا ابن حنبل المذكور روى هذا الحديث في مسنده من أكثر من ثلاثة عشر طريقا، منها ما ذكرته، فمن أراد الوقوف على باقيها فعليه بالمسند


1. المسند للإمام أحمد 3 / 16. وفيه (قال امط) في الموضعين، وفي آخره: حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتهما وقد يدهما، قال مصعب: (بعجوتها وقديدها. 2. التصحيح من المسند. 3. في المصدر: اللواء. 4. مسند الإمام أحمد 5 / 353 والزيادات منه. (*)

[ 319 ]

المذكور (1). وروى البخاري في صحيحه (2) في آخر الجزء الثالث حديثا رفعه إلى سلمة بن الأكوع، قال: كان علي عليه السلام [ قد ] تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله في خيبر وكان به رمد، فقال: لن أتخلف (3) عن رسول الله، فخرج [ علي ] فلحق بالنبي، وكان (4) مساء الليلة التي فتحها [ الله ] في صباحها، فقال رسول الله: لأعطين الراية غدا - أو ليأخذن الراية - رجلا يحبه الله ورسوله - أو قال يحب الله ورسوله - يفتح الله عليه. فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله، ففتح الله عليه. وفي الجزء المذكور أيضا (5) [ روى ] حديثا مسندا إلى سهل قال: قال النبي صلى الله عليه وآله يوم خيبر: لأعطين [ هذه ] الراية غدا رجلا يفتح الله على يده، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. [ قال ]: فبات الناس يدوكون (6) ليلتهم أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجوه (7)، وقال: أين علي ؟ فقالوا: يشتكي عينيه. [ قال: فأرسلوا إليه فأتي به ] فبصق [ رسول الله ] في


1. أنظر مسند الإمام أحمد 1 / 331 عن ابن عباس، و 1 / 185 عن سعد، و 2 / 384 عن أبي هريرة. 2. صحيح البخاري 4 / 23، والزيادات منه. 3. في المصدر: أنا أتخلف. 4. في المصدر: فلما كان. 5. صحيح البخاري 5 / 171، والزيادات منه. 6. الدوك: الإضطراب، يدوكون: يضطربون. 7. في المصدر: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها. (*)

[ 320 ]

عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه [ الراية ]، فقال [ علي: يا رسول الله ] أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم [ من حق الله فيه ]، فو الله لأن يهدي بك رجلا [ واحدا ] خير لك من أن يكون لك حمر النعم. وروى البخاري أيضا في الجزء الرابع من صحيحه في رابع كراسة من الكتاب المنقولة منه، وكذا كل كراسة أو قائمة يقع تعينها في هذا الكتاب فان المقصود بها أن يكون من الكتاب المنقول منه لا من غيره، فان الخطوط قد تكون متفرقة ومجتمعة وقطع الكتاب قد يخالف بأقل أو أكثر - حديثا مسندا إلى سلمة بن الأكوع (1) قال: كان علي عليه السلام تخلف عن رسول الله، فخرج علي فلحق بالنبي، فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لأعطين الراية غدا - أو ليأخذن الراية غدا - رجلا يحبه الله ورسوله. وساق الحديث إلى آخره وأنه دفعها إلى علي عليه السلام، وحذفت باقي الحديث اختصارا. ورواها في هذا الجزء أيضا في ثلثة الأخير في مناقب أمير المؤمنين علي عليه السلام (2). ورواه أيضا البخاري في الجزء الخامس من صحيحه في رابع كراس من أوله، ورواه مسلم في الجزء الرابع في نصف الكراس الأول، ورواه


1. صحيح البخاري 5 / 171، مع اختلاف في بعض الألفاظ. 2. المصدر السابق 4 / 57. (*)

[ 321 ]

أيضا مسلم في آخر كراس من الجزء الرابع من صحيحه (1). فمن روايات البخاري ومسلم في صحيحهما (2) من بعض طرقهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس قال: أين علي. ثم ذكر إعطاء الراية وذكر مثل الحديث الأول المسند إلى سهل سواء. ومن ذلك ما رووه في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث في غزاة خيبر من صحيح الترمذي (3)، وذكره ابن عبد ربه في كتاب العقد، ورووه في الجمع بين الصحيحين للحميدي، وفي مسند سهل بن سعد، وفي مسند سعد بن أبي وقاص، وفي مسند أبي هريرة، وفي مسند سلمة بن الأكوع. ورواه الفقيه الشافعي علي بن المغازلي من طرق كثيرة، منها عن أبي هريرة (4)، فمن جملة حديثه في علي: فأخذ الراية فخرج يهرول وأنا خلف أثره، حتى ركز رايته في رضم (5) تحت الحصن، فاطلع رجل يهودي من رأس الحصن وقال: من أن ؟ قال: إنا علي. فالتفت إلى أصحابه وقال: غلبتم والذي أنزل التوراة على موسى. ورواه العلماء بالتواريخ، مثل محمد بن يحيى الأزدي وابن جرير


1. نفس المصدر 4 / 73. 2. صحيح البخاري 5 / 22، صحيح مسلم 4 / 1872. 3. صحيح الترمذي 5 / 638. 4. المناقب لابن المغازلي ص 181. 5. في الأصل: في أصلهم، والرضم: صخور عظام يرضم بعضهم فوق بعض. (*)

[ 322 ]

الطبري والواقدي ومحمد بن إسحاق وأبي بكر البيهقي في دلائل النبوة وأبي نعيم في كتاب الحلية والأبشهي في الإعتقاد. ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (ويهديك صراطا مستقيما) * (1) وذلك في فتح خيبر، قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وآله أهل خيبر حتى أصابتنا مخمصة شديدة، وإن النبي (ص) أعطى اللواء عمر بن الخطاب، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه ورجعوا إلى رسول الله يجبنه أصحابه ويجبنهم، وكان رسول الله قد أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر راية رسول الله، ثم نهض فقاتل ثم رجع، ثم أخذها عمر فقاتل ثم رجع، فأخبر بذلك رسول الله فقال: أم والله لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله وروسله يأخذها عنوة. وليس ثم علي. فلما كان الغد تطاول إليها أبو بكر وعمر ورجال من قريش رجاء كل واحد منهم أن يكون صاحب ذلك، فأرسل رسول الله (ص) سلمة بن الأكوع إلى علي عليه السلام، فجاءه على بعير، فأناخ قريبا من رسول الله وهو أرمد قد عصبت عينه بشقة برد قطري (2). قال سلمة: فجئت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله: مالك ؟ قال: رمدت. قال: أدن مني. فدنا منه، فتفل في عينه، فما شكا وجعا بعد حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بالراية.


1. سورة الفتح: 2. 2. البرود القطرية حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، لعلها من قطر بالبحرين فخففوها وكسروا القاف للنسبة. (*)

[ 323 ]

ثم ذكر الثعلبي الصفة التي جرت بين علي عليه السلام وبين مرحب وأنه بدره بضربة قد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الأضراس وأخذ المديثة (1)، وكان الفتح على يده، وحذفت بقية الخبر اختصارا. وأما قلع الباب فروى أصحاب الآثار عن الحسن بن صالح، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لما عالجت باب خيبر جعلته مجنا لي (2) وقاتلت القوم، فلما أخزاهم الله تعالى وضعت الباب على حصنهم طريقا ثم رميت به في خندقهم. فقال له رجل: لقد حملت مه ثقلا. فقال عليه السلام: ما كان إلا مثل جنتي التي في يدي في غير ذلك المقام (3). وروى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا عن جده جابر الأنصاري رضي الله عنه حديث جذب علي عليه السلام لباب خيبر، قال في آخره: حتى انتهى إلى الحصن، فاجتذب باببه فألقاه على الأرض، ثم اجتمع منا سبعون رجلا وكان جهدهم أن أعادوا الباب (4). قال: وروى أبو عبد الله الحافظ بإسناده إلى أبي رافع قال: لما دنا علي من القصوص أقبلوا يرمونه بالنبل والحجارة، فحمل حتى دنا من الباب فاقتلعه ثم رمى به خلف ظهره أربعين ذراعا، ولقد تكلف حمله أربعون


1. لعله يريد الحنك. 2. المجن: الترس، وكل ما وقى من السلاح. 3. الإرشاد للمفيد 1 / 128. 4. المناقب لابن شهر آشوب 2 / 329. (*)

[ 324 ]

رجلا فما أطاقوه (1). قال: وروى أبو القاسم محفوظ البستي وهو زيدي المذهب في كتابه الدرجات: أنه حمل - بعد ما قتل مرحب - عليهم، فنهزموا إلى الحصن، فتقدم إلى باب الحصن وضبط حلقته وكان وزنها أربعين منا، وهز الباب، فارتعد الحصن بأجمعه حتى ظنوا زلزلة، ثم هزه أرى فاقتلعه ودحى به في الهواء أربعين ذراعا (2). وذكر عن أبي سعيد الخدري قال: وهز حصن خيبر حتى قالت صفية: لقد كنت أجلست على طاق كما تجلس العروس، فوقعت على وجهي، فظننت الزلزلة، فقيل هذا علي هز الحصن يريد شأن يقلع الباب (3). وروى جدي في كتابه المقدم ذكره عن الباقر عليه السلام أنه قال: فاجتذبه إجذابا وتترس به، ثم حمله على ظهره واقتحم الحصن اقتحاما واقتحم المسلمون والباب على ظهره (4). وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الإرشاد: قال جابر: إن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوه، وانهم جربوه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا. وفي رواية جماعة ء: خمسون رجلا، وفي رواية أحمد بن حنبل: سبعون رجلا. وروى ابن جرير الطبري صاحب المسترشد: أنه حمله بشامله، وهو


1. نفس المصدر والصفحة. 2. المصدر السابق. 3. نفس المصدر. 4. نفس المصدر. (*)

[ 325 ]

أربعة أذرع في خمسة أشبار في أربع أصابع عمقا حجرا صلدا دون مليته، وأثر فيه أصابعه، وحمله بغير مقبض ثم تترس به، فضارب الأقران بسيفه حتى هجم عليهم، ثم دحاه من ورائه أربعين ذراعا. وفي رامش افزاري: إنه كان طول الباب ثمانية عشر ذراعا وعرض الخندق عشرون ذراعا، فوضع جانبا على طريق الخندق وضبط بيده جانبا حتى عبر عليها العسكر وكانوا ثمانية آلاف وسبعمائة رجل وفيهم من كان يتردد ويحف عليها. وقال أبو عبد الله الجدلي: قال له عمر: لقد حملت منه ثقلا. فقال: ما كان إلا مثل جنتي. تم الخبر. ولا ريب عند ذوي البصائر أن من حصلت منه أفعال باهرة قاهرة خارقة للعادة منافية للطبائع البشرية، دلت على صدقه فيما يقول. وهذه الآيات الباهرات والمعجزات البينات طريق له وحجة له ولمن أراد الإحتجاج له ومنهج الدليل لمن أراده. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدية ولا بحركة غذائية، ولكني أيدت بقوة ملكوتية ونفس بنور بها مضية (1). قال الشاعر: بعث النبي براية منصورة * عمر بن حنتمة الدلام الأدلما فمضى بها حتى إذا بدروا له * دون الغموص ثنى وهاب وأحجما فأتى النبي براية مردودة * أن لا تخوف عارها فتذمما


1. أمالى الصدوق ص 415. (*)

[ 326 ]

فبكى النبي لها وأنبه بها ودعى امرءا حسن البصيرة مقدما فغدا بها في فيلق ودعا له * ألا يصد بها وألا يهزما فزوى اليهود إلى الغموص وقد كسى * كبش الكتيبة ذا عزارة مخدما وثنا بناس بعده فقراهم * طلب الذباب ونحل نسر قشعما ساط الإله بحب آل محمد * ونحب من والاهم منى الدما وقال آخر رحمه الله: إن امرءا حمل الرتاج بخيبر * يوم اليهود بقدرة لموتد حمل الرتاج رتاج باب قموصها * والمسلمون وأهل خيبر شهد فرمى بها ولقد تكلف رده * سبعون كلهم له متشدد ردوه بعد مشقة وتكلف * ويقال بعضهم لبعض أرددوا وقال السيد الحميري (1): سأعطي امرءا إن شاء ذو العرش رايتي * قويا أمينا مستقلا بها غدا يحب الهي والإله يحبه * لدى الحرب ميمون النقيبة أصيدا ففاز بها منه علي ولم يزل * عليه معانا في الأمور مؤيدا على عادة منه جرت في عدوه * وكل امرئ جار على ما تعودا وقال ابن حماد رحمه الله: وصاحب يوم الفتح والراية التي * برجعتها أخزى الإله دلامها وقال سأعطيها غدا رجلا بها * مليا يوفي حقها وذمامها وقال له خذ رايتي وامض راشدا * فما كنت أخشى من يديك انهزامها


1. لم نجد الأبيات في ديوان الحميري، وفي المناقب لابن شهر آشوب 3 / 159 ذكرت بعنوان (منها)، ولعلها لابن حماد المذكور قبلها. (*)

[ 327 ]

فمر أمير المؤمنين مشمرا برايته والنصر يسري أمامها فرج باب الحصن عن أهل خيبر * ويسقي الأعادي حتفها وحمامها وجدل فيها مرحبا وهو كبشها * وأوسع آناف اليهود ارتغامها وقال العوني رحمه الله (1): ودنا إلى باب المشيد وهزه * هزا رأيت الأرض منه ترجف ورواية أخرى بأن دحا به * سبعين باعاد والقتام مسجف (2) وقال ابن رزيك رحمه الله (3): والباب لما دحاه وهو في سغب * من الصيام وما يخفى تعبده (4) وقلقل الحصن فارتاع اليهود له * وكان أكثرهم عهدا يفنده نادى بأعلى العلى جبريل ممتدحا * هذا الوصي وهذا الطهر أحمده وقال تاج الدولة ابن العضد (5): واقتلع الباب غداة خيبر * فأكبر الناس أو قد دحا (6) وقالت الأملاك لا سيف سوى * سيف علي وسواه لا فتى وعبر الجيش على راحة * والباب جسر فوق يمناه بدا وقال يعقوب النصراني: وفي خيبر والباب قد سد دونه * أتى قاصدا يسعى إليه مصمما


1. المناقب لابن شهر آشوب 2 / 332. 2. القتام: الغبار الأسود. المسجف: من السجاف، وهو الستر. 3. المناقب لابن شهر آشوب 2 / 332. 4. السغب: الجوع، وربما سمي العطش سغبا. 5. المناقب لابن شهر آشوب 2 / 333. 6. في المصدر: فكبر الناس به وقد دحا. (*)

[ 328 ]

فأنحله كفيه ثم أزاله * وأبعده رميا فيا بعد ما رمى وهذا كله خرق العادة التي لا تتيسر إلا لنبي أو وصي، وإذا لم يجز أن يكون نبيا لابد أن يكون وصيا.

[ 329 ]

الفصل السادس عشر في ذكر المحبة له أيضا يتضمن حديث الطائر ووجوب محبته قال الله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) * (1). هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، روى ذلك الفرقة المحقة (2). وأما أهل المذاهب روى منهم الثعلبي في تفسير هذه الآية قال: هو علي ابن أبي طالب. فقد نبه الله سبحانه وتعالى بمحكم القرآن ودل أهل التفسير عليه من أن الله يحب عليا وعلي يحب الله تعالى. فأما قوله تعالى * (أذلة على المؤمنين) * فالذلة ههنا الرأفة والشفقة والرحمة بالمؤمنين، حتى يكون مع كثرة الشفقة والرحمة بالمؤمنين، حتى يكون مع كثرة الشفقة والرأفة كحال الذليل،


1. سورة المائدة: 45. 2. أنظر: تفسير البرهان 1 / 479. (*)

[ 330 ]

وهو غاية المبالغة في اللطف بالمؤمنين. ومثله قول الشاعر (1): ضعيف العصا بادي العروق ترى له * عليها إذا ما أحدث الدهر إصبغا أراد وصف راع بحسن السياسة بإبلة، يريد بقوله (إصبعا) أي نعمة، لأن الإصبع في لغة العرب النعمة والأثر الحسن. ولم يرد بقوله تعالى ههنا * (أذلة) * الحير الذي هو ضد الشجاعة، لأن الآية نزلت للمدح لا للذم. وأما قوله تعالى * (أعزة على الكافرين) * إنما يكون بقتلهم وجهادهم الإنتصاف منهم. وهذه حال من لم يسبق أمير المؤمنين إليها سابق ولا لحقة إليها لا حق، بل ما قاربه فيها مقارب. وهذا مثل قول النبي صلى الله عليه وآله: أكثر أهل الجنة البله (2) فإنه لم يرد بالبله ههنا ضد اليقظة، وإنما أراد الذين يجتنبون الفواحش لا يواقعون منها شيئا أصلا، فشبههم بالبله من حيث إنهم تركوا ذلك كأنهم بله عنه لم يعرفوه أصلا، كما قال الشاعر (3): ولقد لهوت بطفلة ميادة * بلهاء تطلعني على أسرارها أراد الشاعر أنها بلهاء عن الخيانة، كأنها من إعراضها عن الخنا لا تعرفه أصلا. ولو وصفها بالبله الذي هو ضد اليقظة كان مبالغا في ذمها غير مادح لها.


1. البيت للراعي، أنظر لسان العرب (صبع)، وفيه: إذا ما أجدب الناس. 2. بحار الأنوار 5 / 128. 3. لسان العرب (بله). (*)

[ 331 ]

ومما يدل على محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام ما انتشر به الذكر واشتهرت به الرواية بين الفريقين وتواترت من حديث الطائر وقول النبي (ص): اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطائر. فجاء أمير المؤمنين فأكل معه، فكان عليه السلام أحب الخلق إلى الله وأعظمهم ثوابا عنده وأكثرهم قربا إليه وأفضلهم عملا له. فمنها: ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده مرفوعا إلى سفينة مولى رسول الله (ص) قال: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله طيرين بين رغيفين [ ولم يكن في البيت غيري وغير أنس، فجاء النبي فدعا بغذائه، فقلت: يا رسول الله قد أهدت إلينا أمرأة من الأنصار هدية ] فقدمت إليه الطيرين، فقال رسول الله: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك. فجاء علي [ بن أبي طالب وضرب الباب ضربا خفيفا، فقلت: من هذا ؟ فقال: أبو الحسن، ثم ضرب الباب ] فرفع صوته، فقال رسول الله: من هذا ؟ قال: علي. قال: فافتح له، ففتحت له فأكل مع النبي صلى الله عليه وآله من الطيرين حتى فنيا (1). ومنها ما رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي (2) مسندا إلى أنس بن مالك قال: أهدي إلى النبي صلى الله عليه وآله بحمامة (3)، فقال: اللهم ابعث إلي


1. درر السمطين 1 / 215، والزيادتان منه. 2. المناقب لابن المغازلي ص 156، والزيادة منه وفيه بعض الاختلاف في الأبفاظ. 3. في المصدر: نحامة مشوية. والنحامة: طائر العنق والرجلين أعقف المنقار أسود الجناحين وسائره أحمر وردي. (*)

[ 332 ]

أحب خلقك إليك وإلى نبيك يأكل معنا من هذه المائدة. قال: فأتى علي فقال: يا أنس استأذن لي على رسول الله. قال: فقلت: النبي عنك مشغول. فرجع علي ولم يلبث [ إلا قليلا أن رجع ] فقال: ارجع فاستأذن لي على رسول الله. فقلت مثل ذلك، فجاء ثالثة فهممت أن أقول مثل قولي الأول والثاني، فسمع النبي صلى الله عليه وآله من داخل الحجرة كلام علي فقال: [ ادخل ] يا أبا الحسن ما أبطأ بك عني. قال: قد جئت يا رسول الله مرتين وهذه الثالثة كل ذلك يردني أنس يقول: إن النبي عنك مشغول. فقال: يا أنس ما حملك على هذا ؟ فقلت: يا رسول الله سمعت الدعوة فأحببت أن يكون رجلا من قومي. فقال النبي (ص): كل يحب قومه يا أنس. ومن ذلك ما أسنده أنس بن مالك بطريق آخر (1)، قال أنس: دخلت على محمد بن الحجاج فقال: يا أبا حمزة حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، حدثنا حديثا ليس بينك وبينه [ فيه ] أحد. فقلت: تحدثوا، فإن الحديث شجون يجر بعضه بعضا، فذكر أنس حديثا عن علي، فقال له محمد بن الحجاج: أعن أبي تراب تحدثنا، دعنا من أبي تراب. فغضب أنس وقال: العلي تقول هذا، أم والله إذ قلت هذا فلأحدثنك بحديث فيه سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله [ ليس بيني وبينه أحد ]، أهديت إليه يعاقيب (2)، فأكل منها وفضلت فضلة وشئ من خبز، فلما أصبح أتيته به، فقال رسول الله: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا


1. المناقب لابن المغازلي ص 158، والزيادات منه. 2. يعاقيب جمع يعقوب: ذكر الحجل (*)

[ 333 ]

الطائر. فجاء رجل فضرب الباب، فرجوت أن يكون من الأنصار، فإذا أنا بعلي، فقلت: أليس إنما جئت الساعة، فرجع ثم قال رسول الله: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر. فجاء علي فضرب الباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: [ أئذن له، فإذا بعلي، فلما رآه رسول الله قال ] اللهم وإلي، اللهم وإلي. قال الفقيه ابن المغازلي (1): قال أسلم: روى هذا الحديث عن أنس [ بن مالك: يوسف بن إبراهيم الواسطي، وإسماعيل بن سليمان الأزرق، والزهري، وإسماعيل السدي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وثمامة ابن عبد الله بن أنس، وسعيد بن زربي - قال ابن سمعان: سعيد بن زربي إنما حدث [ به عن ثابت ] عن أنس. وقد روى جماعة عن أنس: منهم سعيد المسيب، وعبد الملك بن عمير، ومسلم الملائي، وسليمان بن الحجاج الطائفي، وابن أبي الرجاء الكوفي، وأبو الهدى (2)، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، ويغنم بن سالم بن قنبر، وغيرهم. قال ابن سمعان: وهو [ ابن ] أسلم في قوله: سعيد بن زربي، لأن سعيد بن زربي إنما حدث به عن ثابت البناني عن أنس. ورواه ابن المغازلي أيضا بطريق آخر عن أنس (3)، قال أنس أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله طائر، فقسمها بين نسائه، فأصاب كل امرأة منهن ثلاثة، فأصبح عند بعض نسائه قطايتان، فبعثت بهما إلى النبي، فقال:


1. المناقب لابن المغازلي 2. في المصدر: وابن أبي الرجاء المدني، أبو الهندي. 3. الماقب لابن المغازلي ص 161. (*)

[ 334 ]

اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك يأكل معي من هذا الطائر. فقلت: اللهم اجعله [ رجلا ] من الأنصار. فجاء علي، فقال رسول الله (ص): أنظر من على الباب، فنظرت فإذا علي، فقلت له: رسول الله على حاجة. ثم قمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فجاء علي فقال: يا أنس أنظر من على الباب. فنظرت فإذا علي، فتحت له الباب، فدخل يمشي وأنا خلفه، فقال له رسول الله: ما حبسك عني ؟ فقال: هذا آخر ثلاث مرات يردني أنس، يزعم أنك على حاجة. فقال رسول الله: ما حملك على ما صنعت ؟ فقلت: يا رسول الله سمعت دعاءك فأحببت أن يكون الرجل من قومي فقال رسول الله: إن الرجل قد يحب قومه، إن الرجل قد يحب قومه - ثلاثا. ورواه ابن المغازلي عن أنس بطريق آخر (1) قال: قال أنس: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله طيرا كان يعجبه أكله. فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل من هذا الطائر معي، فجاء علي فاستأذن على النبي، فقلت: ما عليه إذن، وكنت أحب أن يكون رجلا من الأنصار، وآله [ كلامه ] فقال: أدخل يا علي، ثم قال: وإلي. عن أنس بطريق آخر (2) قال: فقال أنس: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله طير مشوي، فلما وضع بين يديه قال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر. [ قال ]: فقلت في نفسي اللهم اجعله رجلا


1. المصدر السابق ص 162. 2. نفس المصدر ص 163. (*)

[ 335 ]

من الأنصار. [ قال ]: فجاء علي فقرع الباب قرعا خفيا، فقلت: من هذا قال: علي. فقلت: إن رسول الله على حاجة، فانصرف. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول الثانية: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر. فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الأنصار. [ قال ]: فجاء في فقرع الباب فقلت: ألم أخبرك أن رسول الله على حاجة، فانصرف. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول (1) الثالثة: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر. فجاء علي فضرب الباب ضربا شديدا، فقال رسول الله: افتح افتح افتح. قال: فلما نظر إليه رسول الله قال: اللهم وإلي [ اللهم وإلي ]. فجلس مع رسول الله (ص)، فأكل معه من الطير (2). ورواه بطريق آخر عن أنس (3) قال: قال أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قرب إليه طير. فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر. قال: فجاء علي بن أبي طالب فأكل معه. وهذا الفقيه الشافعي علي بن المغازلي روى هذا الحديث في كتابه من نحو ثلاثين طريقا أو أكثر (4). ومن ذلك ما رواه رزين بن العبدري في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث في باب مناقب أمير المؤمنين عليه السلام من صحيح أبي


1. في المصدر: فسمعته يقول. 2. الزيادات من المصدر. 3. المناقب لابن المغازلي ص 167. 4. أنظر: المناقب ص 156 - 175. (*)

[ 336 ]

داود السجستاني - وهو كتاب السنن - وأسنده إلى أنس قال: كان عند النبي صلى الله عليه وآله طائر قد طبخ له، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء علي فأكل معه. ورواه الترمذي في جامعه، وأبو نعيم في حليته، والبلاذري في تاريخه، والخركوشي في شرف المصطفى، والسمعاني في فضائل الصحابة، والطبري في الولاية، وابن البيع في الصحيح، وأبو يعلى في المسند، والنطنزي في الإختصاص. وقد رواه أيضا: محمد بن إسحاق، ومحمد بن يحيى الأسدي، وشعبة، والمازني، وابن شاهين، والسدي، وأبو بكر البيهقي، ومالك، وإسحاق ابن عبد الله أبي طلحة، وعبد الملك بن عمير، ومسعر بن كدام، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وأبو حاتم الرازي بأسانيدهم عن أنس وابن عباس وأم أيمن. ورواه ابن بطة في الإبانة بطريقين، والخطيب أبو بكر في تاريخ بغداد من سبعه طرق. وقد صنف أحمد بن محمد بن سعيد كتاب الطير. وقال القاضي عبد الجبار عن أحمد: قد صح عندي حديث الطير وما في لفظه. وقال أبو عبد الله البصري: إن طريقة أبي علي الجبائي في تصحيح الأخبار تقتضي القول بصحة هذا الخبر، لا يراده عليه السلام يوم الشورى فلم ينكروا.

[ 337 ]

ورواه الشيخ أبو جعفر محمد بن شهر اشوب مسندا عن أنس (1). وقد أخرجه علي بن إبراهيم في كتاب قرب الإسناد. وقد رواه خمسة وثلاثون رجلا من الصحابة وغيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله. فقد صح أن الله تعالى ونبيه عليه السلام يحبانه. ومجمع الحديث أن أنسا تعصب بعصابة، فسئل عنها فقال: هذه دعوة علي علي. قيل: وكيف ذاك ؟ قال: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله طائر مشوي. ثم أورد القصة في منعه لعلي ثلاث مرات وقوله للرسول عليه السلام: أحببت أن يكون رجلا من قومي، ثم قال: فرفع علي يده إلى السماء فقال: اللهم ارم أنسا بوضح لا يستره من الناس - وفي رواية لا تواريه العمامة - ثم كشف عن رأسه وقال: هذه دعوة علي، هذه دعوة علي، هذه دعوة علي. وفي كثرة الروايات عن أنس دلالة على أن النبي صلى الله عليه وآله قد تكرر منه السؤال لله عز وجل من قوله (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك) في عدة مجلس وفي عدة طائر، وأن الله تعالى أجابه في المواطن كلها التي سأله فيها. ومما يدل على ذلك أنه ورد في موضع (طائر) وفي حديث آخر (طائر مشوي)، وفي مسند آخر (طيران بين رغيفين)، وفي خبر آخر (نحامة)، وفي موضع آخر (يعاقيب) وفي حديث (قطايتان)، وفي رواية أخرى طائر (قد طبخ). فهذه المواضع السبعة كل موضع له صفة


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 318، 3 / 73. (*)

[ 338 ]

على حدتها. وفي تكرار ذلك تكثير للمحبة لعلي عليه السلام، وهذه درجة عظيمة عالية رافعة تفرد بها من دون الخلائق وأمن فيها المشاركة، وإن كان الله تعالى يحب كل متقي، لكنه عليه السلام أمن المشاركة في الدرجة العالية من المحبة التي لا ينالها أحد من الأمة. فإن قيل: قول النبي عليه السلام (ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك يأكل معي من هذا الطائر) أراد به في ذلك الوقت خاصة. فالجواب: لا يصح ذلك، لأن قوله عليه السلام لفظ عام، فمن خصه بوقت دون وقت فعليه الدلالة، لأن العام لا يخص بالإقتراح بل يخصص بدليل، ومن دون ذلك خرط القتاد ومثال الثريا. فإن قيل: هذا خبر من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علما ولا عملا، ورواه أنس وهو فاسق عند الإثني عشرية، بل ربما قالوا بتكفيره، لأنهم يقولون عنه أنه كتم الشهادة في نص الرسول عليه السلام على علي حتى دعا عليه أمير المؤمنين عليه السلام ببلاء لا تواريه الثياب فبرص على كبر السن ومات وهو أبرص، فكيف يجوز أن يعتمد على روايته. فالجواب: إن هذا الخبر - وإن كان من أخبار الآحاد - فإن الأمة بأجمعها قد تلقته بالقبول ودونوه في كتبهم، ولم ينقل أن أحدا رده على أنس ولا أنكر صحته عند روايته، فصار الإجماع عليه من الفريقين هو الحجة، والمعتمد على الإجماع. ولم يخل ببرهانه كونه من أخبار الآحاد. وأيضا فقد رواه سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد تقدم ذكره في رواية أحمد بن حنبل، وروي في الروايات التي أشرت إلى

[ 339 ]

جملتها. ثم لو كان خبر واحد وجب الأخذ به والعمل عليه، لأنه موافق للكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى * (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) * لأنها نزلت في علي عليه السلام، وقد تقدم ذلك في صدر هذا الفصل فيما رواه الثعلبي وغيره في تفسيره. وقد ثبت أيضا من روايات الفريقين أن سعي علي بن أبي طالب عليه السلام مشكور بما نزل فيه من هل أتى، ومن كان سعيه مشكورا كان محبوبا. وأما الأخبار فمحبته فيها مفترضة، وما فرض الله محبته على خلقه إلا وقد أحبه الله سبحانه وتعالى. فمن ذلك ما رواه جدي في نخبه (1) عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من زعم أنه آمن بما جئت به وهو يبغض عليا فهو كافر كاذب ليس بمؤمن. وفي كتاب إبراهيم الثقفي بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: أبشر، فإنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق. ومن ذلك في إبانة العكبري وكتاب ابن عقدة وفضائل أمد بن حنبل بأسانيدهم أن جابرا والخدري قالا: كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ببغضهم عليا عليه السلام. وفي إبانة العكبري وشرح الألكاني قال زيد بن أرقم: ما كنا نعرف المنافقين ونحن مع النبي عليه السلام إلا ببغضهم عليا وولده.


1. الأحاديث الأربعة منقولة من المناقب لابن شهر اشوب 2 / 238 - 239. (*)

[ 340 ]

والأخبار مملوءة مشحونة من ذلك. ويدل على صحته أيضا أن ورود الأخبار بأن أمير المؤمنين عليه السلام احتج به يوم الدار ويوم الشورى وذكر قصة الطائر، وناشدهم الله بها فاعترف الجميع بصحتها. ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يحتج بباطل، لا سيما وهو في مقام المنازعة والمشاجرة والتوصل بفضائله إلى أعلى الرتب من الخلافة للرسول عليه السلام، وقد علم أن الحاضرين معه في الشورى يريدون الأمر دونه. وأيضا فإن الحق معه في ذلك الوقت وغيره، فيجب أن يكون ما قالوا حقا. والدليل على أن الحق معه لا يفارقه، ما تقدم من قول الفريقين في الفصل السادس. فإن قيل: إن قول الرسول عليه السلام (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي) يريد أحب الخلق إلى الله في الكل معه خاصة دون أن يكون أحب الخلق إليه في نفسه لكثرة أعماله الصالحة في الزهادة والعبادة، إذ قد يجوز وأن يكون الله سبحانه يحب أن [ يكون ] مع نبيه من غيره أفضل منه، ويكون ذلك أحب إليه للمصلحة. فالجواب: إن محبة الله سبحانه وتعالى ليست مثل الطباع البشرية، لأنه ليس بجسم، والشهوة إنما تجوز على الأجسام، ولكن محبة الله هي الإرادة، فإذا وصف القديم سبحانه بأنه يحب من الناس أحدا فالمراد بذلك أنه يريد تعظيمه وتشريفه بقربه من طاعته وإنعامه تعالى عليه بزيادة درجاته ومنافعه، ولو أراد حب الخلق إلى الله في الأكل معه خاصة... (1)


1. في المخطوطة بياض أكثر من صفحة واحدة، من آخر الفصل السادس عشر وأول (*)

[ 341 ]

الفصل السابع عشر في حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها [... ] وروى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعلي بابها (1). ورواه الشيخ الفقيه أبو جعفر ابن بابويه في كتابه كتاب النصوص. ورواه أحمد من ثمانية طرق، وإبراهيم في كتابه كتاب النصوص. ورواه أحمد من ثمانية طرق، وإبراهيم الثقفي من سبعة طرق، وابن بطة من ستة طرق، والقاضي الجعابي من ستة طرق، وابن شاهين من أربعة طرق، والخطيب التاريخي من ثلاثة طرق، ويحيى بن معين من طريقين. ورواه السمعاني والقاضي والماوردي وأبو منصور السكري وأبو الصلت الهروي وعبد الرزاق وشريك بن عباس ومجاهد وجابر. ورواه الفقيه ابن المغازلي في كتابه كتاب المناقب (2) حدثنا مسندا عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذا وكذا. وقال في آخره: ثم مدبها صوته وقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت


الفصل السابع عشر. 1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 42، وعد طرق الحديث أيضا مأحوذ من هذا الكتاب. 2. أحاديث ابن المغازلي كلها مأخوذة من المناقب له ص 80 فما بعدها. (*)

[ 342 ]

الباب. وروى مثلها عن ابن عباس من غير مد صوت. وروى عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولا يؤت البيوت إلا من أبوابها. وروى عن ابن عباس بطريقين آخرين مثل الأول. وروى: حدثنا مسندا عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب من زعم أنه يصل إلى المدينة إلا من الباب. وروى عن جابر بطريق آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعلي بابها. وروى عن علي عليه السلام بطريق آخر: أنا مدينة العلم وأنت الباب. وروى عن ابن عباس بطريق آخر: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد الجنة فليأتها من بابها. وعن ابن عباس بطريق آخر: أنا دار الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب. وروى عن سلمة بن كهيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا دار الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب. هذه الروايات عن الفقيه المذكور، وتكون هذه الكلمات في آخر الرواية، فذكرت الكلمات وحدها لأنها الغرض، وفي بعضها تكون الكلمات فقط. وهذه تقتضي وجوب الرجوع إلى أمير المؤمنين عليه السلام، لأن النبي

[ 343 ]

صلى الله عليه وآله كنى عن نفسه الشريفة بمدينة العلم وبدار الحكمة، ثم أخبر أن الوصول إلى علمه وحكمته وإلى جنة الله سبحانه وتعالى من جهة علي خاصة، لأنه جعله كباب مدينة العلم والحكمة والجنة التي لا يدخل إليها إلا منه، وكذب من زعم أنه يصل إلى المدينة من الباب. ثم أوجب ذلك الأمر لأنه عليه السلام جعل الذي في تركه لمن زعم أنه يصل إلى المدينة لا من الباب (1). وفيه دليل على عصمته، لأنه لو كان غير معصوم لصح منه وقوع القبيح، وإذا وقع كان الإقتداء به قبيحا. وقد جعله قدوة في العلوم، فيؤدي إلى أن يكون الرسول عليه السلام قد أمر بالقبيح، وذلك محال، فالأول مثله، فثبتت عصمته. ويدل أيضا على أنه إمام الأمة، لأنه الباب لتلك العلوم، ويؤيد ذلك ما علم من اختلاف الأمة، ورجوع بعض إلى بعض، وغناه عليه السلام عنها. ويدل على ولاية علي عليه السلام وإمامته، وأنه لا يصح أخذ العلم والحكمة ودخول الجنة في حياته وبعد وفاته إلا من قبله ورواية العلم والحكمة إلا عنه، لقوله تعالى * (وأتو البيوت من أبوابها) * (2) حيث كان عليه السلام هو الباب. ويدل أيضا على أن من أخذ شيئا من هذه العلوم والحكمة التي احتوى عليها رسول الله صلى الله عليه وآله من غير جهة علي عليه السلام كان عليها رسول الله صلى الله عليه وآله من غير جهة علي عليه السلام كان عاصيا كالسارق والمتسور، لأن السارق والمتسور إذا دخلا من غير


1. في المخطوطة: إلا من الباب في الموضعين. 2. سورة البقرة: 189. (*)

[ 344 ]

الباب المأمور بها ووصلا إلى بغيتهما كانا عاصيين. وقوله عليه السلام (فمن أراد العلم فليأت الباب) ليس المراد بهذا اللفظ التخيير، لكن المراد به الإيجاب والتهديد، كقوله عز وجل * (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) * (1). والدليل على ذلك أنه ليس ههنا نبي غير محمد صلى الله عليه وآله، وهو مدينة العلم ودار الحكمة، فيكون العالم مخيرا بن الأخذ من أحدهما دون الآخر، وفقد ذلك دليل على إيجابه وأنه فرض لازم. قال البشنوي رحمه الله (2): فمدينة العلم التي هو بابها * أضحى قسيم النار يوم مآبه (3) فعدوه أشقى البرية في لظى * ووليه المحبوب يوم حسابه


1. سورة الكهف: 29. 2. كشف الغمة 2 / 43. 3. في المخطوطة: الذي هو. (*)

[ 345 ]

الفصل الثامن عشر (في ذكر المباهلة) قال الله تعالى * (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * (1). لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله معه إلى المباهلة الحسن والحسين فكانا أبناءه، ومدعا فاطمة فكانت نساءه، ودعا علي بن أبي طالب فكان نفسه. وهذا شئ ظاهر مكشوف منقول في كتب الفريقين: أما الفرقة المحقة فلا خلف فيه بينهم أصلا (2). وأما أهل المذاهب الأربعة: روى منهم الفقيه الشافعي ابن المغازلي (3) حديثا أسنده إلى الشعبي عن


1. سورة آل عمران: 61. 2. أنظر مثلا: تفسير 1 / 176، الاختصاص للمفيد ص 56 و 114، الأمالي للطوسي ص 307 و 564، الأمالي للصدوق ص 618، تفسير البرهان 1 / 286. 3. المناقب لابن المغازلي ص 263. (*)

[ 346 ]

جابر بن عبد الله. قال: لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله عليه وآله العاقب والطيب، فدعاهما إلى الاسلام، فقالا: أسلمنا يا محمد قبلك. قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الاسلام. قالا: فهات أنبئنا. قال: حب الصليب وشراب الخمر وأكل الخنزيل. فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه (1) أن يغادياه بالغداة، فغدا رسول الله (ص) فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيباه وأقرا له بالخراج، فقال النبي عليه السلام: والذي بعثني بالحق نبيا لو فعلا لأمطر الله عليهما الوادي نارا. قال جابر: فيهم نزلت الآية * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) * الآية. قال الشعبي: أبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب. هذا آخر حديث ابن المغازلي. ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره قال: قال مقاتل والكلبي: لما قرأ رسول الله هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة، فقالوا له: حتى نرجع وننظر في أمرنا نأتيك غدا. فخلى بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ديانهم: يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله والله ما لا عن قوم قط نبيا فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لنهلكن، وإن أبيتم إلا تلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد غدا رسول الله محتضنا الحسين


1. في المصدر: فوعداه. (*)

[ 347 ]

وآخذا بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلي خلفهما، وهو يقول: إذا دعوت أنا فأمنوا. فقال الأسقف: يا معشر النصارى إني أرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، فلا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. قالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم. فأبوا، فقال: إني أنابذكم. فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة ألف في صفر وألف في رجب. فصالحهم النبي صلى الله عليه وآله على ذلك وقال: والذي نفسي بيده إن العذاب كان قد نزل على أهل نجران، فلو لا عنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا. فأنزل الله تعالى * (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله فإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا (غيره وأغمر الايمان) فإن الله عليم بالمفسدين) * (1). ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (2) في الجزء الرابع في ثالث كراس من أوله في باب فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام، يرفعه إلى سعد بن


1. سورة آل عمران: 62 - 63. 2. صحيح مسلم 4 / 1871. (*)

[ 348 ]

أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله فلن أسبه، لأن تكون لي (1) واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: سمعت رسول الله يقول [ له ] وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال [ له علي ]: يا رسول الله تخلنفي (2) مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي (3). وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية فدا (4) رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فتطاولنا لها، فقال: أدعوا علي عليا، فأتي به أرمد العين (5)، فبصق في عينه ودفع إليه الراية، ففتح الله على يديه (6). ولما نزلت هذه الآية * (فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) * دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة والحسن والحسين وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي (7). ومن ذلك في صحيحه أيضا في آخره على حد كراسين يرفع الحديث إلى سعد بن أبي وقاص أيضا بطريق آخر يذكر فيه المناقب الثلاثة المقدم ذكرها.


1. في المخطوطة: لئن تكن لي. 2. في المصدر: خلفتني 3. في المصدر: لا نبوة بعدي. 4. لفظ (غدا) ليست في المصدر. 5. لفظة (العين) ليست في المصدر. 6. في المصدر: ففتح الله عليه. 7. في المصدر هؤلاء أهلي. (*)

[ 349 ]

وروى الحميدي هذا الخبر في الجمع بين الصحيحين من مسند سعد بن أبي وقاص في الحديث السادس من أفراد مسلم. فهذه رويات أئمة القوم ناطقة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يدع عند نزول هذه الآية إلا علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وإذا كان لم يدع إلا هؤلاء كان علي بن أبي طالب هو المعني عنه بالنفس، فيكون عليه السلام كنفس رسول الله صلى الله عليه وآله بمحكم الكتاب وعزيز الخطاب. وقد ثبت أنه ليس أحمد من خلق الله تعالى أجل وأشرف من رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أفضل منه ولا أعلى منه درجة، فوجب أن يكون [ علي ] عليه السلام كذلك. فإن قيل: إن القرآن نزل بلفظ الجمع. فالجواب: إن المعظم في نفسه يعبر عنه بالجمع، ولعلو قدر علي وفاطمة والحسن والحسين عبر عنهم بالجمع، وفي القرآن كثير من ذلك، حتى أنه مذكور في آية واحدة أربع مرات، قال الله تعالى * (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي) * (1) الآية. فإن قيل: لم [ لا ] يجوز أن يكون المراد نفس النبي عليه السلام في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنين فيها نصيب ؟ فالجواب: لا يصح ذلك، لأن الداعي إنما يكون داعيا لغيره، ولا يصح أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة، كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا في المباهلة إلا علي عليه السلام


1. سورة القصص 7. (*)

[ 350 ]

فقد ثبت أنه نفسه التي عناها جل اسمه في كتابه وحكم بها في تنزيله. وهذا شئ واضح لائح. وجه آخر: من المحال أن يدعو الإنسان نفسه، فالصحيح أن المراد به من يجري مجرى نفسه. ولو لم يكن الحال هذه لكان للنصارى أن يقولوا لما حمل عليا معه: حملت من لم يشترط وخالفت شرطك. وأما شبهة الواحدي في الوسيط: أن أحمد بن حنبل أراد بالأنفس بني العم والعم، والعرب تخبر عن ابن العم نفس ابن عمه، قال الله تعالى * (ولا تلوموا أنفسكم) * (1) أراد إخوانكم من المؤمنين. فإنها شبهة ضعيفة، لأن امتزاجهما عليهما السلام في كونهما نورا قبل خلق آدم عليه السلام بأوقات كثيرة، وكون ذلك النور مشتركا في التسبيح لله سبحانه وتعالى، والانتقال من صلب طاهر إلى مثله، ليس كامتزاج غيره من بني الأعمام. وتأتي الأخبار مفصلة في ذلك في فصل الخلافة إنشاء الله تعالى. ولو سلم ذلك فإنه كان للنبي صلى الله عليه وآله بنو الأعمام، فما اختار منهم إلا عليا لخصوصية فيه دون غيره، وقد كان أصحاب العباء مثل النفس الواحدة. مع أن الرسول عليه السلام بين ذلك في علي عليه السلام بلفظ آخر بيانا


1. في سورة ابراهيم الآية 22 * (فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) *. (*)

[ 351 ]

صحيحا مكشوفا معلنا معرفا نقله الفريقان بقوله عليه السلام (أنت مني وأنا منك)، وتأتي أخبارها في فصلها انشاء الله. وروى في فضائل السمعاني وتاريخ الخطيب وفردوس الديلمي عن البراء وعن ابن عباس - واللفظ لابن عباس - عن النبي صلى الله عليه وآله قال: علي مني مثل رأسي من بدني. وقوله عليه السلام: أنت مني كروحي من جسدي، وأنت مني كالضوء من الضوء، وأنت مني كزري من قميصي. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا قال: سئل النبي عليه السلام عن بعض الصحابة، فذكر فيه، فقال له قائل: فعلي. فقال: إنما سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي. روى أيضا حديثا مرفوعا إلى عبد الله بن شداد: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لوفد اليمن: لتقيمن الصلاة وتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلا كنفسي (1). تم الخبر. وعلي عليه السلام هو المشار إليه برواية أهل المذاهب، ويأتي في الفصل السابع والعشرين انشاء الله. ومن يحصل له هذا الفضل العظيم بنص القرآن المجيد من أنه نفس النبي صلى الله عليه وآله، فهوم أولى وأوجب بالتقدم من جميع خلق الله، لأن نفس النبي ومن يجري مجراها لا يجوز لمسلم أن يتقدم عليها، لأن الله تعالى منع من رفع الصوت على صوت النبي عليه السلام بقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوما لا ترفعو أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول


1. هذه الأحاديث مأخوذة من المناقب لابن شهر اشوب 2 / 246 - 248. (*)

[ 352 ]

كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) * (1). وإذا كان العمل محبطا برفع الصوت والجهر لا غير، فما حسبك بالتقدم عليه والتأخر له عن مقامه الذي قد نصبه الله سبحانه وتعالى فيه. وقد كشف الله بذلك أن علي بن أبي طالب عليه السلام قد بلغ أقصى نهايات الفضل وأعلى غايات الكمال، بمساواته للنبي (ص) في الكمال والعصمة والشرف والرفعة، وأن الله تعالى جعله وزوجته وولديه مع تفاوت سنهما حجة لنبيه عليه السلام وبرهانا على دينه ودليلا على تصديقه في دعواه للنبوة وعلامة على صدق القرآن المجيد. والقرآن المجيد هو المصدق لسائر الكتب والأنبياء عليهم السلام. بدلالة قوله تعالى * (مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل) * (2) وقوله تعالى * (مصدق لما معكم) * (3) إلى غير ذلك من الآيات، يصدق الكتب على صحة دعوة الأنبياء عليهم السلام. فظهر أن المباهلة بهم عليهم السلام معادلة ومصادقة لكل نبي ولكل كتاب، ولو علم الله سبحانه وتعالى أن إحدى المعجزات الثاقبة لنبية عليه السلام هي أبلغ من مقامهم ومسدهم في تصديق نبيه وتصديق كتابه العزيز، لكان تعالى أتى بها وترك أهل البيت عليهم السلام، لأن النبي لا يلقى الجاحدين للكتاب والنبوة [ إلا ] بأبلغ الإعجاز لهم وأرهب الآيات في قلوبهم، والله تعالى قادر على كل شئ.


1. سورة الحجرات: 2. هذا تركيب ذهني من المؤلف وليس بآية قرآنية. 3. سورة آل عمران: 81. (*)

[ 353 ]

فلو لم يرد الله سبحانه وتعالى إبانة فضل أهل البيت عليهم السلام والتنبيه على علو قدرهم وشرف منزلتهم وجلال محلهم العالي، وإلا كان أحدث لنبيه آية يعجزهم بها غير أهل بيت نبيه. ومن اختاره الله تعالى وباهل به وتحدى به على الجاحدين وجعله علامة على صدق نبيه وعلما على تصديق كتابه، ذلك أبلغ في التعبد للأمة في الإتباع له والاقتداء به، وما كان أبلغ في التعبد كان أوجب في لزوم الحجة كان واجبا مضيقا كوجوب غيره من الواجبات التي أوجبها الله تعالى. وهذا شئ لا يلحقه لأمير المؤمنين عليه السلام فيه لاحق، ولا يماثله مماثل، ولا يناسبه مناسب من غير أهل بيته عليهم السلام. وأما الكاف في قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أنت مني كروحي من جسدي، أنت مني كالضوء من الضوء، لأبعثن عليكم رجلا كنفسي، أنت مني كزري من قميصي. للتشبيه، وتشبيه الرسول لا يقع إلا على الصحة والسداد، ولا يجوز أن يشبه الشئ بخلافه ولا يمثله بضده، للمواد المتصلة إليه من الله سبحانه وتعالى، وحسبك قوله: علي مني مثل رأسي من بدني، ومفهوم منزلة الرأس من الجسد. قال الشاعر (1): بمن باهل الله أعداءه * وكان الرسول بهم أبهلا فهذا الكتاب وإعجازه * على من وفي بيت من أنزلا (2) وقال آخر:


1. من شعر ابن رزيك، المناقب لابن شهر اشوب 3 / 424. 2. في المصدر: بهم باهل، بهم باهلا، وهذا الكتاب. (*)

[ 354 ]

يا من تقيس به سواه جهالة * دع عنك هذا فالقياس مضيع لو لم يكن في النص إلا أنه * نفس النبي كفاه هذا الموضع وقال ابن حماد رحمه الله (1): وسماه رب العرش في الذكر نفسه * فحسبك هذا القول إن كنت ذاخبر وقال لهم هذا وصي ووارثي * ومن شد رب العالمين به أزري علي كزري من قميصي إشارة * بأن ليس يستغني القميص عن الزر


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 247. (*)

[ 355 ]

الفصل التاسع عشر (في ذكر الهداية) قال الله سبحانه وتعالى * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) * (1). نبه سبحانه وتعالى على أن من يهدي إلى الحق هو أحق أن يتبع، ولا يختلف اثنان إذا صحبا معهما الاصناف أن علي بن أبي طالب عليه السلام أهدى إلى الحق في علمي الأصول والفروع، فوجوب اتباعه ووجب التخلف عن أبي بكر لأنه لم يهد. فأما هداية علي عليه السلام في الأصول فهي أجل من أن تحصي: فمن ذلك ما ذكره السيد الرضي في كتاب نهج البلاغة (2) في الخطبة التي تتضمن التوحية وغيره وهي (ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه. كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلوم. فاعل [ لا ] باضطراب آلة، مقدر لا بحول فكرة، غني


1. سورة يونس: 10. 2. نهج البلاغة 2 / 142. (*)

[ 356 ]

لا باستفادة. لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله). (بتشعيره المشاعر علم أن لا مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له. ضار النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد (1). مؤلف بين متعادياتها، مقارن متبايناتها، مقرب بين متباعداتها، مفرق بين متدانياتها. لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها). (منعتها منذ القديمة، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لو لا التكملة. بها تجلى صانعها للقول، وبها امتنع عن نظر العيون). (لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري على ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه، إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذ وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره). (الذي لا يحول ولا يزول، ولا يجوز عليه الأفول، لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا. جل وعز عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء). (لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتتصوره، ولا تدركه


1. الحرور: الحر. والصرد: البرد. (*)

[ 357 ]

الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه. لا يتغير بحال، ولا يتبدل في الأحوال، ولا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره الضياء والظلام، ولا يوصف بشئ من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والأبعاض، ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية ولا أن الأشياء تحويه فتقله أو تهويه، أو أن شيئا يحمله فيمليه [ أو يعد له ]. (ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات. يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر. يحب ويرضى من غيره رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة). (يقول لما أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه، ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا). (لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع). (خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه. وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحسنها من الأود والإعوجاج، ومنعها من التهافت والإنفراج. أرسلي أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه).

[ 358 ]

إلى غير ذلك من كلامه عليه السلام. فلينظر الناظر بعين الإنصاف إلى هذا الكلام الشريف الذي يقطر عسله، وهو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، وإلى معانيه العبقة اللطيفة التي تصل إلى القلوب بلا حجاب وتلج على الأفهام من كل [ فجاج ]، لا ينبو عنها لوضوحها وجلائها فهم، ولا يقصر عن إدراكها فطنة. وقد جمع في كلامه هذا القصير ما طول فيه المتكلمون وأسهبوا من معاني التوحيد، حتى أنه عليه السلام لم يشذ عنه من كلامهم شاذ ولم يفته فائت. وهو مع ذلك قد كسي ثوب البلاغة، وجلباب البراعة، وسربال الطلاوة. وإذا نظرت إلى استخراج النتائج التي فيه وجدتها ملخصة في أصح قالب وأوجز لفظ وأجمل لباس، وإذ لحظها البصير بكتب الفلاسفة ومن أذهب عمره في استخراج دقائقهم في العلم الالهى وجدهم قد أصابوا في بعض النتائج وأخطأوا في بعضها، ومولانا عليه السلام أخذ بمقدمات النتائج وضروريها (1) حتى أنتجت له المطالب التي اتفق عليها أفلاطون وأرسطو والأماثل والأفاضل، وأولئك أخطأوا في بعضها مع التعب الشديد والكلل العنيف ليلا ونهارا. ومولانا عليه السلام وقف على كنوز الحكمة النبوية ومعادن العلوم المحمدية، لأنه بابها بقول الفريقين كما تقدم في الفصل السابع عشر، بغير تعب أثقله ولا كتاب طالعه، إلا الفيض الالهي والالهام الرباني، بواسطة النبي عليه السلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين.


1. في المخطوطة: وضرورية. (*)

[ 359 ]

ألم تركيف استدل عليه السلام على إحداث القرآن المجيد بأنه لو كان قديما لكان ألها ثانيا. وهذه الغاية القصوى التي لا يبلغها المتكلمون المدقون، ويفخرون بعلمها ويدلون بالظفر بها. وكيف وصفه عليه السلام بأنه فعله وأنشأه ولم يصفه بأنه خلقه، للفرق المعقول بين إطلاق الخلق على الكلام وإطلاق الإحداث والإنشاء عليه. وكيف فرق عليه السلام بين اللفظ والقول، وبين الحفظ والتحفظ، وبين الإرادة والضمير. وهل ذلك إلا من بحر علم عميق وركن فيه وثيق ؟ ! بيان كلمة: قال عليه السلام (سبق الأوقات كونه والعدم وجوده) كيف سبق العدم وجوده وما كان تعالى موجودا فيما لم يزل إلا والأشياء كلها معدومة، فما سبق وجوده عدمها وإنها سبق وجوده وجودها ؟ فيقال عن ذلك: إن معنى هذا الكلام أن وجوده تعالى سبق عدم ذاته لا عدم غيره من الذوات. والفائدة في ذلك أن كل موجود سواه من المحدثات فعدمه سابق لوجوده، ولهذه العلة كان محدثا، والمحدث ما كان موجودا بعد عدم، والقديم موجود لا من عدم. وأراد عليه السلام أن الوجود سبق إليه تعالى من غير عدم تقدمه، وإن جميع الذوات بخلاف ذلك. وليس لأحد أن ينكر لفظة (سبق) في هذا الموضع، فيقدر أنها تقتضي لحاق المسبوع على كل حال، ويظن أن الوجود إذا سبق العدم إليه كان العدم منطوا فيه. وذلك أنه يقال: سبق إلى كذا دون كذا، فيما يجوز عليه المسبوق وفيما لا يجوز عليه، فليست هذه اللفظة خالصة على ما يجوز على بعض

[ 360 ]

الأحوال، وإن المراد بها ههنا أن الوجود حاصل لله تعالى من غير عدم، وإن كان لا يحصل لغيره إلا عن عدم. وجه آخر: وهو أن العدم المشار إليه يكون العدم الذي يكون عقيق الوجود لا عدم الملكة، والمقصود من ذلك أنه سبحانه الأول قبل كل شئ، وأنه سبحانه وتعالى كان وحده ولا شئ معه. فهذه المعاني وغيرها قد تضمنته هذه الكلمة الواحدة، وهي (والعدم وجوده)، فما حسبك لو شرح هذه الخطبة بأسرها من له يد باسطة في علم الأصول، وتدققها وأبان ما فيها من غوامض علومها وغرائب معانيها، وأوضح في بيان متباعدها ومتدانيها، وشرح منها القضايا الحملية والشرطية، وأبان عن مقدماتها ونتائجها، لملأ منها أوراقا كثيرة واعترف بأنه مقصر عن بلوغ الغاية فيها. فهل يليق بمن كان هذه الخطبة وأمثالها قطرة من بحار علمه أن يقدم عليه من يسأل عن علم الله سبحانه وتعالى أين هو ؟ فيقول: في السماء على العرش، حتى قال له السائل اليهودي: فأرى الأرض خالية منه وأراه على هذا القول في مكان دون كان. وهل هذا إلا ليكون لله الحجة البالغة على عباده بقوله تعالى * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع) * الآية. ويحسن أن يقال ههنا قوله عليه السلام: * فدع عنك من مالت به الرمد * وخبر السائل اليهودي قد تقدم ذكره في آخر الفصل الثاني عشر.

[ 361 ]

وروى جدي رحمه الله في كتابه كتاب الاعتبار في إبطال الاختيار حديثا رفعه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه (1) قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وتقلد أبو بكر الأمر، قدم المدينة جماعة من النصارى يقدمهم جاثليق لهم له سمة ومعرفة بالكلام ووجوهه وحفظ التوراة والإنجيل وما فيهما، فقصدوا أبا بكر فقال الجاثليق: إنا وجدنا في الإنجيل رسولا يخرج من بعد عيسى وقد بلغنا خروج محمد بن عبد الله يذكر أنه ذلك الرسول، ففزعنا إلى ملكنا فجمع وجوه قومنا وأنفذنا في التماس الحق فيما اتصل بنا وقد فاتنا نبيكم محمد، وفيما قرأنا من كتبنا أن الأنبياء لا يخرجون من الدنيا إلا بعد إقامة أوصيائهم يخلفونهم في أممهم يقتبس منهم الضياء فيما أشكل، أفأنت أيها الأمير وصيه أسألك عما احتاج إليه ؟ فقال عمر: هذا خليفة رسول الله. فجثا الجاثليق لركبتيه وقال: أيها الخليفة أخبرنا عن فضلكم علينا في الدين، فإنا جئنا نسأل عن ذلك. فقال أبو بكر: نحن مؤمنون وأنتم كفارا، والمؤمن خير من الكافر، والايمان خير من الكفر. فقال الجاثليق: هذه دعوى تحتاج إلى حجة، فخبرني أنت مؤمن عند الله أم عند نفسك. فقال أبو بكر: أنا مؤمن عند نفسي ولا علم بمالي عند الله. قال: فهل أنا كافر عندك على مثل ما أنت مؤمن أو كافر عند الله ؟


1. أشار الصدوق إلى هذا الحديث في كتابه التوحيد ص 182 و 286 و 316. وانظر الحديث بكامله في بحار الأنوار 10 / 54. (*)

[ 362 ]

قال: أنت عندي كافر ولا علم بما لك عند الله. فقال الجاثليق: فما أراك إلا شاكا في نفسك وفي ولست على يقين من دينك، فخبرني ألك عند الله منزلة في الجنة بما أنت عليه من الدين تعرفها ؟ فقال: لي منزلة في الجنة أعرفها بالوعد، ولا أعلم هل أصل إليها أم لا. فقال: أفترجو لي أن يكون لي منزلة في الجنة ؟ قال: أجل أرجو ذلك. فقال الجاثليق: فما أراك إلا راجيا لي وخائفا على نفسك، فما فضلك علي في العلم ؟ ثم قال: هل اهتويت على جميع علم النبي المبعوث إليك ؟ قال: لا، ولكن أعلم منه ما قضي إلي علمه. قال: فكيف صرت خليفة النبي وأنت لا تحيط علما بما تحتاج إليه أمته، وكيف قدمك قومك على ذلك ؟ فقال عمر: كف أيها النصراني عن هذا العبث وإلا أبحنا دمك. فقال الجاثليق: ما هذا عدل على من جاء مسترشدا طالبا. قال سلمان رضي الله عنه: فكأنما ألبسنا جلباب المذلة، فنهضت حتى أتيت عليا صلوات الله عليه فأخبرته الخبر، فأقبل بأبي وأمي حتى جلس والنصراني يقول: دلوني على من أسأله عما احتاج إليه. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سل يا نصراني، فو الذي فلق حبة وبرأ النسمة لا تسألني عما مضى ولا عما يكون إلا أخبرتك به عن نبي الهدى صلى الله عليه وآله. فقال النصراني: أسألك عما سألت عنه هذا الشيخ، أخبرني أمؤمن أنت

[ 363 ]

عند الله أم عند نفسك ؟ فقال أمير المؤمنين: أنا مؤمن عند الله كما أني مؤمن في عقيدتي. فقال الجاثليق: الله أكبر، هذا كلام واثق بدينه متحقق منه بصحة يقينه، فخبرني الآن عن منزلتك في الجنة ما هي ؟ فقال: منزلتي مع النبي الأمي في الفردوس الأعلى، لا أرتاب بذلك ولا أشك في الوعد به من ربي. قال له: فبماذا عرفت الوعد بالمنزلة التي ذكرتها ؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: بالكتاب المنزل وصدق النبي المرسل. قال: فبماذا عرفت صدق نبيك ؟ قال: بالآيات الباهرات والمعجزات البينات. قال الجاثليق: هذا طريق الحجة لمن أراد الاحتجاج، فخبرني عن الله تعالى أين هوم اليوم ؟ قال: يا نصراني إن الله تعالى يجل عن الأين ويتعالى عن المكان، كان فيما لم يزل ولا مكان، وهو على ذلك اليوم، ولم يتغير من حال إلى حال. قال: أجل، أحسنت أيها العالم وأوجزت في الجواب، فخبرني عن الله تعالى أيدرك بالحواس عندك فيسك بالمسترشد في طلبه استعمال الحواس، أم كيف طريق المعرفة به إن يكن الأمر كذلك ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تعالى الملك الجبار أن يوصف بمقدار أو تدركه الخمس الحواس أو يقاس بالناس، والطريق إلى معرفته صنائعه الباهرة للعقول الدالة ذوي الاعتبار بما هو منها مشهور ومعقول. قال الجاثليق: صدقت، هذا والله هوالحق الذي قد ضل عنه التائهون

[ 364 ]

في الجهالات، فخبرني الآن عما قال نبيكم في المسيح وأنا مخلوق، ومن أين أثبت له الخلق ونفى عنه الإلهية وأوجب فيه النقص، وقد عرفت ما يعتقد فيه كثير من المتدينين ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أثبت له الخلق بالتقدير الذي لزمه والتصوير والتغيير من حال إلى حال، والزيادة التي لم تنفك منها والنقصان، ولم ينف عنه النبوة ولا أخرجه عن العصمة والكمال والتأييد، وقد جاءنا عن الله تعالى أنه مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون. فقال الجاثليق: هذا ما لا يطعن فيه، غير أن الحجاج تشترك فيه الحجة على الخلق والمحجوج منهم، فبم ثبت أيها العالم من الرغبة الناقصة عنك ؟ قال: بما أخبرك به من علمي بما كان وما يكون. قال الجاثليق: فهلم شيئا من ذكر ذلك أتحقق به صحة دعواك. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: خرجت أيها النصراني من مستقرك مستقرا لمن قصدت بسؤالك له، مضمرا خلاف ما أظهرت من الطلب والاسترشاد، فأريت في منامك مقامي وحدثت فيه بكلامي وحذرت فيه من خلافي وأمرت فيه باتباعي. قال: صدق الله الذي بعث المسيح، ما اطلع على ما أخبرتني به إلا الله تعالى، وأنه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأنك وصي رسول الله وأحق الناس بمقامه. وأسلم الذين كانوا معه كإسلامه، وقالوا: نرجع إلى صاحبنا فنخبره بما وجدنا عليه هذا الأمر وندعوه إلى الحق. فقال عمر: الحمد لله الذي هداك أيها الرجل إلى الحق وهدى من معك

[ 365 ]

إليه، غير أنه يجب أن تعلم أن النبوة في أهل بيت صاحبها والأمر من بعده لمن خاطبت أولا برضاء الأمة واصطلاحها عليه، فخبر صاحبك بذلك وتدعوه إلى طاعة الخليفة. فقال: عرفت ما قيت أيها الرجل، وأنا على يقين من أمري فيما أسررت وأعلنت. فانصرف الناس، وتقدم عمر ألا يذكر ذلك من بعد، وتوعد على ذكره بالعقاب، وقال: أم والله لو لا أني أخاف أن تقول الناس قتل مسلما لقتلت هذا الشيخ ومن معه، فإني أظن أنهم شياطين أرادوا الإفساد على هذه الأمة وإيقاع الفرقة بينها. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا سلمان أما ترى كيف يظهر الله الحجة لأوليائه وما يزيد بذلك القوم إلا نفورا. فهذا فتاوى علي بن أبي طالب وفتاوى أبي بكر في الأصول. وعلى تقدير أن أبا بكر إمام يجب الاقتداء به، فمن جملة ما يجب على المقتدى به اعتقاد ما ظهر في قوله من تجسم وشك في الدين والوصول إلى منازل الجنة والخوف على النفس على ما ظهر في خبر المفيد المشار إليه وفي هذا الخبر المذكور أيضا. وهذا الخبر المذكور رواه أيضا الشيخ الصدوق أبو جعفر الطوسي والشيخ الفقيه أبو عبد الله الحسين بن رطبة رحمهما الله تعالى، كلاهما يرفعانه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه. ولا يخل ببرهان هذين الخبرين كون نقلهما من طريق الخاصة فقط، فهما ربما منقولان في كتب الجمهور، فيكفي تجويز صحتهما ونقلهما في

[ 366 ]

قدح إمامته وإن كانا غير منقولين عندهم أصلا، فيكون اعتراف القوم بقلة علم صاحبهم دليلا على صحتهما. [ ويكفي لإثبات إمامة ] أمير المؤمنين عليه السلام ما أورده السيد المرتضى علم الهدى قدس الله روحه ونور ضريحه في كتابه الموسوم بالغرر والدرر بإسناده: أنه سأله رجل فقال: أين كان ربك قبل أن يخلق السماء والأرض ؟ فقال عليه السلام: أين سؤال عن المكان، وكان الله عز وجل ولا مكان (1). [ وروى ] الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه رحمه الله في كتابه كتاب التوحيد بإسناده (2): إن أعرابيا قام إليه يوم الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين أتقول إن الله واحد ؟ [ قال ]: فحمل الناس عليه وقالوا له: [ أعرابي ] أما ترى ما أمير المؤمنين مشغول به (3). فقال عليه السلام: دعوه، فإن الذي يريده الأعرابي هوم الذي نريده من القوم. ثم قال: يا أعرابي إن الواحد (4) على أربعة أقسام، قسمان يجوزان على الله تعالى وقسمان لا يجوزان عليه: يقول القائل (واحد) يقصد به باب الأعداد، [ فهذا ما ] لا يجوز عليه تعالى، لأنه لا ثاني له، ألم تر كفر من قال ثالث ثلاثة، وقول القائل (هو واحد من الناس) يراد بن النوع من الجنس، فهذا أيضا [ ما ] لا يجوز عليه تعالى، لأنه تشبيه وجل وعز [ ابنا ] عن ذلك.


1. أمالي المرتضى 1 / 149. 2. التوحيد للصدوق ص 83 مع اختلاف في ألفاظ، والزيادات منه. 3. في المصدر: أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب. 4. في المصدر: إن القول في أن الله واحد. (*)

[ 367 ]

و [ أما ] الوجهان الآخران [ اللذان ] يثبتان له، قول القائل (هو واحد ليس له في الأشياء شبيه)، والآخر قول القائل (إنه واحد) بمعنى أنه أحدي المعنى، لا ينقسم بوجه في وجود ولا عقل ولا رتبة، كذلك ربنا جل وعز. ومن خطبته عليه السلام مذكور في نهج البلاغة (1): (الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعمائه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود). (فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووطد الصخور (2) في ميدان أرضه). (أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة). (فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، [ ومن جهله فقد أشار إليه ]، ومن أشار إليه فقد حده فقد عده، ومن قال في ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه). (كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمقارنة، وغير


1. نهج البلاغة 1 / 7. 2. في المصدر: ووتد الصخور. (*)

[ 368 ]

كل شئ لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركاته والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده). (أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء، بال روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها (1)). (أحال الأشياء لأوقاتها، ولأم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها، وألزمها أشباحها. عالما بها قبل ابتدائها، محيطا بحدودها وانتهائها). وهذا كلامه عليه السلام قد أخذ من الحكمة ينابيعها، ومن البراعة جلابيبها، ومن البلاغة مقاليدها، وفيه من الدلالة ما تقصر الكتب المطولة عن غاية تحصيله، وتعجز عن بلوغ تفصيله، وتقر مذعنة بعلائه وتشريفه، وتخضع لغوامض علمه وتدقيقه، وتخشع لبلاغة لفظه وتلخيصه. وأما فتاوى أبي بكر في الفروع [ فقد ] مضى منها ذكر البقرة ولا حمار في الفصل العاشر. ومن ذلك ما ذكره الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الإرشاد عن رجال من الطريقين (2) قال: إن رجلا رفع إلى أبي بكر وقد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحد، فقال له: إني شربتها ولا علم لي بتحريمها، لأني نشأت بين قوم يستحلونها ولم أعلم بتحريمها حتى الآن. فأرتج على أبي بكر الأمر بالحكم عليه ولم يعلم وجه القضاء فيه، فأشار عليه بعض من حضره أن يستخبر أمير المؤمنين عليه السلام عن الحكم في ذلك. فأرسل إليه من سأله [ عنه ]، فقال أمير المؤمنين عليه السلام، مرثقتين من رجال المسلمين


1. همامة النفس: اهتمامها بالأمر وقصدها إليه. 2. الارشاد للمفيد 1 / 199. (*)

[ 369 ]

يطوفان به على مجلس المهاجرين والأنصار ويناشدانهم [ الله ] هل فيهم (1) أحد تلا عليه آية التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم الحد عليه، وإن لم يشهد أحد [ عليه من الهاجرين والأنصار أنه لا تلي عليه آية التحريم ولا أخبروه عن رسول الله (ص) ] (2) بذلك فاستتبه وخل سبيله. ففعل ذلك أبو بكر، فلم يشهد عليه أحد من المهاجرين والأنصار أنه تلي عليه آية التحريم ولا أخبروه عن رسول الله بذلك فاستتابه أبو بكر وخلى سبيله، وسلم لعلي عليه السلام في القضاء. وروي (3) أن أبا بكر سئل عن قوله عز اسمه * (وفاكهة وأبا) * (4) فلم يعرف معني (الأب) من القرآن، وقال: أي سماء تظلني أم أي أرض تقلني أم كيف أصنع إن قلت في كتاب الله برأيي بما لا أعلم، أما الفاكهة فنعرفها، وأما الأب فالله أعلم أن الأب هو الكلأ والمرعى، وأن قوله عز اسمه * (وفاكهة وأبا) * عتداد منه تعالى بإنعامه على خلقه بما غذاهم به وخلقه لهم ولأنعامهم مما تحيى به أنفسهم ويقوى به (5) أجسادهم. وقال (6): وسئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن أصبت


1. في المخطوطة: ويناشدهم هل فيهم. 2. هذه الزيادة ليست في المصدر. 3. الارشاد للمفيد 1 / 200. 4. سورة عبس: 31. 5. في المصدر: وتقوم به. 6. المصدر السابق 1 / 200. (*)

[ 370 ]

فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان. فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ما أغناه عن الرأي في هذا المكان، أما علم أن الكلالة هم الإخوة والأخوات من قبل الأم والأب ومن قبل الأب على الانفراد ومن قبل الأم أيضا على حدتها، قال الله تعالى * (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) * (1) وقال سبحانه وتعالى * (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث) * (2) تم الخبر. ولا ريب عند كل منصف ممن نظر في العلوم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو عمادها المعتمد عليه ورأسها المنقاد إليه، لأن العلوم عنه أخذت. وقد ذكرت في الفصل الثاني عشر انتساب أهل كل علم إليه وأخذهم عنه واقتباسهم منه. واعلم أن كل من حصل له التبريز في علم من العلوم فعن علي بن أبي طالب عليه السلام أخذ، وبه اقتدى، وعلى قوله اهتدى، ومن قليب علمه الجليل اغترف ماؤه، وإلى معانيه الدقيقة يعزى بهاؤه. ألم تر أن عبد الحميد كاتب بني أمية لما كتب كتابه المشهور إلى أبي مسلم الذي كان يحمله جمل، قيل له: من أين لك هذه البلاغة ؟ قال: من حفظي لألف خطبة من خطب أصيلع بني هاشم - يعني به عليا عليه السلام -


1. سورة النساء 176. 2. سورة النساء: 12. (*)

[ 371 ]

فاضت ثم فاضت (1). وأراد بقوله (أصيلع التعظيم لعلي عليه السلام، لأن العرب إذا عظمت شيئا صغرته. وأما عمرو بن بحر الجاحظ المكنى بأبي عثمان الذي هو طراز البلاغة والبيان الذي ملك زمام الفصاحة وكان علامة الدهر، قد تحير قلبه ودهش لبه فيما جمعه من الكلمات التي اعترف أنها قد حوت متفرق المعاني الحكمية المتضمنة لمكارم الأخلاق النفسانية التي أولها (لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. الناس بزمانهم أشبه من آبائهم. ما هلك امرؤ عرف قدره. قيمة كل امرئ ما يحسن. من عرف نفسه فقد عرف ربه. المرء مخبوء تحت لسانه. من عذب لسانه كثر إخوانه. بالبر يستعبد الحر) إلى تمامها (2). ومعلوم أن كلامه عليه السلام إذا وقف عليه من رزق الهداية رآه منضودا في عقد من الألفاظ الرائقة ؟ لا بالمستعمل الخلق ولا بالمشكل الغلق، بل هو أشهى إلى النفوس الخيرة والطباع الحسنة من الخرد الحسان، فأعلق بالقلوب من تعلق الجزع بالأمان (3). فإن وجدت مثله منسوبا إلى غيره فقل بتفضيله، وإن رأيت شاردا أو واردا منها عن سواه فلا تعرض عن تبجيله وتقديمه، وانزل بساحة رفعته


1. قريب منه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 24. 2. المائة كلمة المختارة من كلام علي عليه السلام، اختارها الجاحظ في رسالة مشهورة منتشرة اعتنى بها العلماء وشرحوها بشروح عديدة. 3. الجزع: خرز فيه سواد وبياض، جمع جزعة. (*)

[ 372 ]

وتعظيمه، ولج ببيت علائه وتشريفه. فقد بلغ كلامه عليه السلام في معاني التوحيد لله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن مماثلة خلقه وفي سائر العلوم، النهاية العظمى والغاية القصوى التي لا مزيد عليها بلفظ (لو أن) ولا مستثنى منها بلفظ (إلا أن). ومن بلغ في الهداية إلى الحق هذه المرتبة العالية كان أحق أن يتبع بقوله تعالى * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع) * (1) الآية، وبقوله * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * (2) وبقوله * (وما يستوي الأعمى والبصير) * (3) وبقوله * (إنما يتذكر أولوا الألباب) * (4) وبقوله تعالى * (وما يعقلها إلا العالمون) * (5) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. وإذا كان عليه السلام أحق بالإتباع وجب اتباعه مطلقا بحصول الصفة وانتفائها عن غيره، فيجب اتباعه بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، ومن خصه بوقت دون وقت فعليه الدليل. روى جدي رحمه الله في نخبه أن هذين البيتين لمولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام (6):


1. سورة يونس: 10. 2. سورة الزمر: 9. 3. سورة فاطر: 19. 4. سورة الرعد: 19. 5. سورة العنكبوت: 43. 6. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 166. (*)

[ 373 ]

محال وجود النار في وسط ظلمة (1) وأن يهتدي في ظل حيران حائر فلا تطمعوا في العدل من غير أهله ولا في هدى من غير أهل البصائر وقال بعضهم ينشد: عقم النساء فلا يلدن شبيهه * إن النساء بمثله لعقيم


1. في المصدر: في بيت ظلمة. (*)

[ 375 ]

الفصل العشرون (في ذكر آية أولى الأرحام) قال الله تعالى * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) * (1). اختلف الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله في الإمامة على أربعة أقوال: 1 - قائل يقول بالنص، وهو الفرقة المحقة الإثنا عشرية. 2 - وقائل يقول بالإختيار، وهم المذاهب الأربعة، مع أن قوما منهم قال بالنص على أبي بكر، وهو قول شاذ لا يعتمدونه. وهو قول باطل. 3 - وقائل يقول بالدعوى، وهم الزيدية. وهو قول باطل. 4 - وقائل يقول بالميراث، وهم العباسية. وهذا القول أيضا لا أصل له، لأن أحدا لا يقول به، وإنما أحدثه بعد أن لم يكن الشيخ أبو [ عثمان ] عمرو ابن بحر الجاحظ، وذلك أنه أظهره في سنة عشر ومائة من الهجرة وعمل في ذلك كتابا وذكر فيه ضروبا من الإحتجاج، وجملته أنه قال: (إن الإمامة تستحق بالميراث، وهو طريق ثبوت الإمامة، والعباس عم


1. سورة الأنفال 75. (*)

[ 376 ]

النبي، فهو أحق بالميراث من كل بعيد وقريب). كان ذلك تقربا منه إلى الخليفة المأمون، فباع دينه بدنياه. والخليفة المأمون قد تقدم بيان مذهبه في علي عليه السلام في الفصل الثامن. وعلى تقدير أن الخلافة تكون بالميراث - على ما أحدثه الجاحظ - فعلي بن أبي طالب عليه السلام أحق وأولى وأوجب بالميراث من العباس بالقرآن المجيد والأخبار النبوية، لأن الميراث يحوزه من كان له سببان دون من له سبب واحد، وعلى بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله لأبيه وأمه والعباس عمه لأبيه خاصة، فيكون علي [ أحق ] لأنه صاحب سببين، ولو لم تكن فاطمة موجودة بعد الرسول لكان علي عليه السلام أحق بتركة رسول الله (ص). ولو ورث مع الولد أحد غير الأبوين والزوج والزوجة لكان أمير المؤمنين أحق بميراث الرسول مع فاطمة من العباس، لما تقدم من اختصاصه بسببين دونه. ويدل على أن أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله من قبل الأم والأب ما نقله أهل الآثار: فمن جملته: أن أبا طالب رضي الله عنه مر على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي وعلي إلى جانبه، فلما سلم قال له: ما هذا يا بن أخ ؟ فقال له رسول الله: شئ أمرني به ربي يقربني إليه. فقال لابنه جعفر: يا بني صل جناح ابن عمك. فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعلي وجعفر يومئذ، وكان أول صلاة جماعة في الأسلام، ثم إن أبا طالب رضي الله عنه قال (1):


1. أنظر القصة والشعر في ديوان أبي طالب ص 36 في روايتين. (*)

[ 377 ]

إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والكرب (1) والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب لا تخذ لا وانصرا ابن عمكما (2) أخي لأمي من بينهم وأبي ومن ذلك ما رواه الشيخ الفاضل المفيد رحمه الله مسندا إلى جابر بن عبد الله قال: سمعت عليا يقول وينشد ورسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله يسمع (3): أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي * معه ربيت وسبطاه هما ولدي جدي وجد رسول الله منفرد * وفاطم زوجتي لا قول ذي فند فالحمد لله شكرا لا شريك له * البر بالعبد والباقي بلا أمد قال: فتبسم النبي صلى الله عليه السلام وقال: صدقت يا علي. وقال بعض الشعراء: إن علي بن أبي طالب * جدا رسول الله جداه أبو علي وأبو المصطفى * من طينة طيبها الله ولأجل ذلك إن عبد المطلب بن هاشم لما حضرته الوفاة - وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتيما - أحضر ولده أبا طالب من دون أولاده، لأن أبا طالب وعبد الله من أم واحدة، وكفله رسول الله لعلمه أن أبا طالب أولى بالشفقة على الرسول صلى الله عليه وآله.


1. في المصدر: عند احتدام الأمور والكرب، وفي الرواية الأخرى: وعصمة في نوائب الكرب. 2. في إحدى روايتي الديوان: لا تقعد وانصرا ابن عمكما. 3. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 213 (*)

[ 378 ]

فإن قيل: هذه مسألة ابن العم لا إجماع عليها من الأمة. فالجواب: إن إجماع الأمة لا عبرة به إلا أن يكون فيهم من هو معصوم، وإجماع الفرقة المحقة موافق لإجماع أهل البيت، الإمام المعصوم حاصل معهم في الإجماع، وإجماعه هو الحجة. مع أن الأخبار الواردة من الطريقين تدل على أن علي بن أبي طالب عليه السلام هو الوارث لرسول الله صلى الله عليه وآله، فمن ذلك ما تقدم ذكره في الفصل الثاني والتاسع. وجه آخر: وهو أن الآية تتضمن ذكر المهاجرين، ولم يكن العباس من المهاجرين. ولا كانت له هجرة كما جاء الأثر، وكان علي بن أبي طالب عليه السلام أحق بميراث رسول الله صلى الله عليه وآله على كل حال. وروى جدي رحمه الله في نخبة حديثا مسندا عن زيد بن علي في قوله تعالى * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * قال: ذاك علي بن أبي طالب عليه السلام، كان مهاجرا ذا رحم (1). وروى عن جابر بن يزيد (2) عن الأمام عليه السلام قال: أثبت الله بهذه الآية ولاية علي بن أبي طالب، لأن عليا عليه السلام كان أولى برسول الله صلى الله عليه وآله من غيره، لأنه كان أخاه في الدنيا والآخرة، وقد أحوز ميراثه سلاحه ومتاعه وبلغته الشهباء وجميع ما ترك، وورث كتابه من


1. تفسير البرهان 2 / 99. 2. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 193. (*)

[ 379 ]

بعده. ولم يرث الشيخان شيئا من ذلك. وأما ما ذكره أهل المذاهب الأربعة فكثير: منها ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده مرفوعا إلى زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله مسجده - وذكر قصة مؤاخاة رسول الله بين أصحابه - فقال علي يعني النبي: لقد ذهبت روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط علي فلك العتبى والكرامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق ما أخرتك إلى لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي. قال: وقال: ما أرث منك يا رسول الله ؟ قال: ما ورث الأنبياء قبلي. [ قال ]: ما ورث الأنبياء قبلك ؟ قال: كتاب الله وسنة نبيهم، وأنت معى في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة، وأنت أخي ورفيقي، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله * (إخوانا على سرر متقابلين) * (1) المتحابون في الله ينظر بعضهم إلى بعض. ورواه أيضا في مسنده مسند زيد بن أبي أوفى (2) قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أين فلان، أين فلان ؟ فجعل ينظر في وجوه أصحابه ويتفقدهم ويبعث إليهم حتى توافوا عنده، فحمد الله وأثنى عليه وآخى بينهم. وذكر حديث المؤاخاة بينهم، فقال علي عليه السلام: لقد ذهبت روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت


1. سورة الحجر: 47. 2. هذا الحديث والذي سبقه منقول من فضائل الصحابة للإمام أحمد، وليس من المسند. (*)

[ 380 ]

غيري، فإن كان هذا من سخط علي فلك العتبى والكرامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا ما أخرتك إلا لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي. قال: وما أرث منك يا رسول الله ؟ قال: ما ورث الأنبياء من قبلي. قال: وما ورث الأنبياء من قبلك ؟ قال: كتاب الله وسنة نبيه، وأنت معى في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله * (إخوانا على سرر متقابلين) * المتحابون في الله عز وجل ينظر بعضهم إلى بعض. وروى الفقيه الشافعي علي بن المغازلي في مناقبه حديثا رفعه إلى أبي [ ربيعة الأيادي عن ] عبد الله بن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكل نبي [ وصي و ] وارث، وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب (1). فإن احتجوا بالخبر الذي رووه وقالوا: إن النبي لا يورث لأنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة. فالجواب: هذا خبر غير مسلم ولم يرد إلامن راو واحد دون الخلق كله، ونرد القول عليه في حديث فدك انشاء الله. [ ولو ] سلم جدلا فيقال: هذا خبر من أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، لأنه مخالف للكتاب والسنة، وما هذه حاله يجب اطراحه، لقول النبي صلى الله عليه وآله: إذا ورد لكم خبران مختلفان فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالف الكتاب والسنة فاطرحوه. 1. المناقب لابن المغازلي ص 201، والزيادتان منه. (*)

[ 381 ]

أما مخالفته للكتاب لقوله تعالى * (وورث سليمان داود) * (1). وأما السنة فقد سبق في هذا الفصل وغيره من الفصول المتقدمة أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام (أنت وارثي). ولا حجة ولا منع في هذا الخبر الذي رووه من الميراث الذي هو المال المملوك، ولا من ميراث الكتاب والسنة اللذين ورثهما أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام. أما الدليل على الأول قوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) * (2) وقوله تعالى * (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدن والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) * (3). واللفظ في الإثنين عام لا يجوز تخصيصه إلا بدليل قاطع، ولا دليل عليه. وأما الدليل على الثاني - وهو أن الكتاب والسنة يورثان - قوله تعالى في قصة زكريا عليه السلام * (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) * (4). فكان ميراث يحيى من أبيه الكتاب والسنة وميراثه من آل يعقوب المال المملوك بغير شبهة، لأن قول زكريا (يرثني) وهو نبي أثبت الوراثة لولده. وقال نبيا محمد صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أنت وصيي


1. سورة النمل: 16. 2. سورة النساء: 11. 3. سورة النساء: 7. 4. سورة مريم: 6. (*)

[ 382 ]

وأخي ووارثي. قال علي: وما أرث منك يا رسول الله ؟ قال: ما ورث الأنبياء قبلي. قال: وما ورث الأنبياء قبلك ؟ قال: كتاب الله وسنة نبيه. فبين صلى الله عليه وآله أن الأنبياء عليهم السلام تورث الكتاب والسنة، فوجب حمل ميراث يحيى على الأثر النبوي دون غيره. فبان بالقرآن المجيد والسنة الواردة من قبل الفريقين أن أمير المؤمنين عليه السلام وارث رسول الله صلى الله عليه وآله ورث منه الكتاب والسنة، وأن فاطمة عليها السلام أحق بتركة رسول الله التي يجوز عليها التملك بشهادة القرآن العزيز لهما. ومن حكم بخلاف القرآن اتصف بخلال ثلاث مذكورة في القرآن المجيد. ولا عبرة بالخبر الذي رووه، لأنه مخالف للكتاب والسنة كما سبق القول فيه. وهذا الإرث إنما هو من قبل الله تعالى، لأن الميراث حق جعله الله تعالى للوارث وليس للموروث حكم في نقله، فيكون الله تعالى هو الناصب لعلي عليه السلام بإيتاء الكتاب والسنة، إذ هما وراثة علي عليه السلام. ويدل على ذلك قوله عليه السلام في الفصل الثاني في علي: معاشر الناس فضلوه فقد فضله الله، واقبلوه فقد نصبه الله. وأمثال ذلك في الخطبة كثير جدا. ومعلوم أن طريق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله المعجزات الجمة الكثير وقيل إنها تزيد عن ألف معجز. ولا ريب أن القرآن هو البرهان. وهو الذي يحدى به ويثبت به النبوة مع المعجزات. وهذا القران العظيم

[ 383 ]

الذي هو أكبر المعجزات وأجلها وأعظمها قد ثبت ميراثه لعلي عليه السلام من قبل الله تعالى. وهذه مرتبة عالية لا يستطيع أحد اللحوق إليها. وكذا ثبت ميراثه للسنة المحمدية. ومن كان هذا إرثه احتوى على العلوم بأسرها، لأن العلم لا يخرج عنهما. ومن ورث الكتاب والسنة كان أحق بالإقتداء، بدليل ما مضى من الآيات * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع) * الآية. ويقول * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * الآية. وأمثالهما. فوجب الوراثة والولاية لعلي عليه السلام دون العباس وأبي بكر، ودون خلق الله جميعا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل، لأنه لا واسطة بين الوارث والموروث حتما وجزما من الأمة بأسرها. فهذه القرابة القريبة لعلي بن أبي طالب من النبي (ص) قرب النسب وقرب الميراث. وأما قول الجاحظ: لو لا الكميت ولو لا ما احتج بالقرابة في شعره لم تعرف الشيعة وجه الحجة في تقديم آل محمد عليهم السلام. فهو دليل على غباوته، لأن الشيعة تحتج بالقرابة حتى الفرس منهم والنساء، يدل على ذلك ما رواه الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله في كلام أمير المؤمنين في حديثه لمعاوية في جواب كتاب قال فيه: إن رسول الله قبضه الله تعالى ونحن أهل بيته أحق الناس به، فقلنا: لا يعدل الناس عنا ولا يبخسونا حقنا، فما راعنا إلا والأنصار قد صارت إلى سقيفة بني ساعدة يطلبون هذا الأمر، فصار إليهم أبو بكر وعمر فيمن تبعهما، واحتج عليهم أبو بكر بأن قريشا أولى بمقام رسول الله (ص) منهم لأنه من قريش ويوصل بذلك الأمر دون الأنصار، فإن كان الحجة لأبي بكر بقريش فنحن

[ 384 ]

أحق الناس برسول الله ممن تقدمنا، لأنا أقرب قريش كلها إليه وأخصهم به، وإن لم يكن لنا حق مع القرابة فالأنصار على دعواهم. في كلام يتلوه لا حاجة إليه. وقد نظم علي عليه السلام هذا المعنى بيتين وهما: فإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي وأقرب إن كنت بالشورى ملكت أمورهم فكيف بهذا والمشيرون غيب وهذا خطاب منه عليه السلام لأبي بكر. وقال عليه السلام: فوا عجبا أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة (1). وأما احتجاج الفرس: فإنه لما جلس أبو بكر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ورقى المنبر، أنكر عليه جماعة كثيرة، ومن جملتهم سلمان الفارسي رضي الله عنه، فمن جملة مقال له: وإلى من تفزع إذا سئلت عمالا تعلم وفي القوم من هو أعلم منك وأقرب من رسول الله قرابة منك. ويأتي حديثه مستوفى مع حديث القوم في فصل الشهادة انشاء الله. وأما احتجاج النساء بالقرابة فكثير: منه ما رواه ابن عبد ربه في الجزء الأول من كتاب العقد في وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية، فقال لها: كيف أنت بعدنا ؟ فقالت: بخير يا معاوية، لقد كفرت [ يد ] النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة،


1. نهج البلاغة خ 190. (*)

[ 385 ]

وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة لك في الاسلام بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وآله، فأتعس الله منك الجدود، وأصغر منك الخدود، ورد الحق إلى أهله، فأصبحتم تحتجون على سائر الناس بقرابتكم من رسول الله، ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا منكم، فكنا فيكم بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون، وكان علي بعد نبينا صلى الله عليه وآله بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة وغايتكم النار (1). فلا يحسن من الجاحظ أن ينسب إلى الشيعة أيدهم الله بتقواه جهل شئ نساؤهم عارفيه من قبل أن يخلق الله الجاحظ. وهذه أبيات الكميت بن زيد الأسدي رحمه الله (2): يقولون لم يورث ولو لا تراثه * لقد شركت فيه بكيل وأرحب وعك ولخم والسكون وحمير * كندة والحيان بكر وتغلب ولانتشلت عضوين منها يحابر * وكان لعبد القيس عضو مؤرب (3) ولا انتقلت من خندف في سواهم * ولا اقتدحت قيس بها ثم أرحب وما كانت الأنصار فيها أذلة * ولا غيبا عنها إذا الناس غيب هم شهدوا بدرا وخيبر بعده * ويوم حنين والدماء تصبب وهم رائموها غير ظئر وأشبلوا * عليها بأطراف القنا وتحدبوا


1. العقد الفريد 2 / 120 مع اختلاف في بعض الألفاظ. 2. الهاشميات ص 42. 3. العضو المؤرب التام. (*)

[ 386 ]

فإني هي لم تصلح لقوم سواهم * فإن ذوي القربى أحق وأوجب (1) وقال الملك الصالح: أخدتم عن القربى خلافة أحمد * وصيرتموه بعده في أجانب وأين على التحقيق تيم بن مرة * لو اخترتم الإنصاف من آل طالب وروي (2) أن علي بن موسى الرضا عليه السلام بات ساهرا متفكرا في قول ابن أبي العوجاء، وهي هذه الأبيات: أني يكون وليس ذاك بكائن * للمشركين دعائم الإسلام لبني البنات نصيبهم من جدهم * والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وإنما * سجد الطليق مخافة الصمصام قد كان أخبرك القران بفضله * فمضى القضاء به من الحكام [ إن ابن فاطمة المنوه باسمه * حاز الوراثة عن بني الأعمام ] (3) وبقي ابن نثلة واقفا مترددا * يرثى وتسعده ذوو الأرحام (4) وقال عمرو بن حريث: لو لم يكن لك في الإمامة مهلة * إلا سوابقك التي لا تعدل


1. في الديوان: أحق وأوجب. 2. عيون أخبار الرضا 2 / 176. وفيه: فقال عليه السلام: إني بقيت ليلتي ساهرا متفكرا في قول مروان بن أبي حفصة: أني يكون وليس ذاك بكائن * لبني البنات وراثة الأعمام ثم نمت فإذا أنا بقائل قد أخذ بعضادة الباب وهو يقول: أنى يكون... إلى آخر الأبيات. 3. البيت زيد من المصدر. 4. يريد بابن نثلة العباس بن عبد المطلب. (*)

[ 387 ]

كنت المقدم قبلهم وأحقهم * إذ لا يفوتك منهم متمهل فلك المكارم والوراثة حزتها * ومناقب لك جملة لا تجهل أما ابن حرب فالإمارة صمه * لا المنجيات ولا الكتاب المنزل وقال المرزكي النحوي رحمه الله (1): ألا يا لائمي في حب أولادكم فاطم * أهل لرسول الله غيرهم عقب هم أهل ميراث النبوة والهدى * وقاعدة الدين الحنيفي والقطب أبوهم وصي المصطفى وابن عمه * ووراث علم الله والبطل الندب


1. والمناقب لابن شهر اشوب 2 / 225. (*)

[ 389 ]

الفصل الحادي والعشرون (في ذكر الخلافة) قال الله تعالى * (إني جاعل في الأرض خليفة) * (1). الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وبلا فصل علي بن أبي طالب عليه السلام بما رواه الفريقان. روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نودي: أين خليفة الله في أرضه. فيقوم داود فيقال: لسنا إياك أردنا وإن كنت لله خليفة. فيقوم أمير المؤمنين عليه السلام فيأتي النداء: يا معشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجته على عباده، فمن تعلق بحبله في دار الدنيا فليتعلق بحبله في هذا اليوم ليستضئ بنوره وليتبعه إلى الجنة (2). ومن ذلك ما رواه محمد بن موسى الشيرازي في كتابه بإسناده إلى علقمة بن مسعود قال: وقعت الخلافة من الله عز وجل في القرآن لثلاث نفر: آدم عليه السلام بقوله تعالى * (وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في


1. سورة البقرة: 30. 2. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 78. (*)

[ 390 ]

الأرض خليفة) * يعني آدم. ثم ذكر حديثا حذفته، ثم قال: والخليفة الثاني داود عليه السلام لقوله تعالى * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) * (1) يعني أرض بيت المقدس. والخليفة الثالث أمير المؤمنين عليه السلام في السورة التي تذكر فيها النور * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) * آدم وداود * (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * يعني من أهل مكة أمنا، يعني في المدينة * (يعبدونني) * ويوحدونني * (ولا يشركون بي شيئا ومن يكفر بعد ذلك) * بولاية علي بن أبي طالب * (فأولئك هم الفاسقون) * (2) يعني العاصين لله تعالى ورسوله عليه السلام. ومن ذلك ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسنده (3) ورفع الحديث إلى ابن عباس وذكر فيه مناقب كثيرة لعلي عليه السلام، من جملتها أن الرسول صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام في غزاة تبوك لما قال علي: أخرج معك ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: لا. فبكى علي، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي (4)، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. وذكر أحمد بن حنبل في مسنده حديث يوم الدار، وهو يتضمن حديث


1. سورة ص: 26. 2. سورة النور: 55. 3. مسند الإمام أحمد 1 / 331. 4. في المخطوطة: إلا انك ليس بنبي. (*)

[ 391 ]

الخلافة وغيرها، وقد تقدم في الفصل التاسع. وروى في مسنده حديثا رفعه إلى سلمان قال: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كنت وعلي نورا بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام، فلما خلق الله تعالى آدم قسم ذلك النور جزئين، فجزء أنا وجزء علي. ثم ذكر حديثا حذفته اختصارا، ثم قال في آخره: ففي النبوة وفي علي الخلافة. وكذا ذكر الفقيه ابن المغازلي حديث يوم الدار وذكر فيه الخلافة لعلي عليه السلام. وروى أيضا في كتاب المناقب حديثا أسنده إلى أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر، قد حارب الله ورسوله، ومن شك في علي فهو كافر (1). وروى الحسكاني في شواهد التنزيل بإسناده عن ابن المسيب عن ابن عباس أنه لما نزل قوله تعالى * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * (2) قال النبي عليه السلام: من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي. وروى أبو عبد الله محمد السراج في كتابه حديثا مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله من جملته: من ظلم عليا مجلسي هذا كمن جحد نبوتي ونبوة الأنبياء من قبلي (3).


1. المناقب لابن المغازلي ص 46. 2. سورة الأنفال: 25. 3. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 248، وفيه (ونبوة من كان قبلي). (*)

[ 392 ]

ومن ذلك ما روي في كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي في الباب الخامس (1) مسندا عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلقت أنا وعلي من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام، فلما خلق الله سبحانه آدم ركب ذلك النور في صلبه، فلم نزل في شئ واحد حتى افترقنا (2) في صلب عبد المطلب، ففي النبوة وفي علي الخلافة. وروي في تفسير الثعلبي في حديث يوم الدار حديث طويل يذكر في آخره: أن علي بن أبي طالب هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى الفقيه ابن المغازلي في مناقبه (3) حديثا غير حديث يوم الدار رفع السند إلى سلمان الفارسي قال: قال سلمان: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول (4): كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل، يسبح الله ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق الله آدم بألف عام، فلما خلق الله آدم ركب ذلك النور في صلبه، فلم نزل (5) في شئ واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة وفي علي الخلافة. وروى في تفسير أبي عبد الله علي بن حرب الطائي (6) أنه قال عبد الله


1. الفردوس 2 / 191. 2. في المصدر: فلم يزل.. حتى افترقا. 3. المناقب لابن المغازلي ص 88. 4. في المصدر: محمدا يقول. 5. في المصدر: فلم يزل. 6. كذا في المخطوطة وفي المناقب لابن شهر اشوب 3 / 77: تفسيري أبي عبيدة (*)

[ 393 ]

ابن مسعود: الخلفاء أربعة: آدم * (إني جاعل في الأرض خليفة) * (1)، وداود * (إنا جعلناك خليفة في الأرض) * (2) يعني بيت المقدس، وموسى (3) * (إذ قال لأخيه هارون اخلفني في قومي) * (4)، وعلي * (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات) * يعني علي بن أبي طالب * (ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) * آدم وداود وهارون * (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) * يعني الإسلام * (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * يعني أهل مكة * (يعبدونني ولا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك) * بولاية علي بن أبي طالب * (فأولئك هم الفاسقون) * (5) يعني العاصين لله ولرسوله. وروى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مرويا عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين: من لم يقل إني رابع الخلفاء فعليه لعنة الله. ثم ذكر أمير المؤمنين أنه رابع خلفاء الله تعالى آدم وداود وموسى (6). وروي في كتابي محمد ابن مردويه ومحمد السمعاني (7) بإسنادهما إلى عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا، عن ابن مسعود قال: كنت مع النبي صلى


وعلى بن حرب الطائي. وهو الصحيح. 1. سورة البقرة: 30. 2. سورة ص 26. 3. في المناقب: وهارون، قال موسى. وهو الصحيح. 4. سورة الأعراف: 146. 5. سورة النور: 55. 6. ورد ذلك في حديث في مائة منقبة لابن شاذان ص 125. 7. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 78. (*)

[ 394 ]

الله عليه وآله وقد تنفس [ الصعداء ]، فقلت: ما شأنك (1) يا رسول الله ؟ قال: نعيت إلي نفسي يا بن مسعود. قلت: استخلف. قال: من ؟ قلت: أبا بكر. فسكت، ثم مضى ساعة ثم تنفس، فقلت: ما شأنك يا رسول الله ؟ قال: نعيت إلى نفسي. قلت: فاستخلف. قال: من ؟ قلت: عمر. فسكت، ثم مضى ساعة ثم تنفس، فقلت: ما شأنك يا رسول الله ؟ قال: نعيت إلي نفسي. قلت: فاستخلف. قال: من ؟ قلت علي بن أبي طالب. فسكت ثم قال: والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين. وهذا النص بالخلافة نص جلي لا يحتمل غيره، لأن ظاهر لفظ (الخلافة) في العرب هو من قام مقام المستخلف في جميع ما كان إليه، وإنما يقتضي الإستخلاف والخلافة في بعض الأحوال بإضافات تدخل على الكلام، كقوله تعالى * (كما استخلفكم من ذرية قوم آخرين) * (2) وقوله تعالى * (هو الذي جعل الليل والنهار خلفة) * (3)، وكقول زهير (4): بها العين والآرام يمشين خلفة * وأطلاؤها ينهضن من كل مجشم وإلا فالإطلاق في العرب يقتضي ما ذكرته. تنبيه: موصوفية علي عليه السلام بالخلافة: إما أن يكون وصفا عدميا أو


1. في المصدر: مالك. 2. سورة الأنعام: 133، والصحيح في الآية الكريمة * (كما أنشأكم) *. 3. سورة الفرقان: 62. 4. لسان العرب (طلى). (*)

[ 395 ]

ثبوتيا، الأول محال لأنه نقيض اللاموصوفية، وهي وصف سلبي ونقيض السلب ثبوت، فثبت أن موصوفيته بالخلافة وصف ثبوتي لا سلبي، فوجب وصفه واختصاصه بها، لاستحالة قيام الصفة الواحدة - التي هي الخلافة - بمحلين. وقد رواها الفريقان، ولفظ رواياتهم ناطق بالخلافة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، بصريح القول الذي [ لا ] يختلج الشك فيه. في ذلك مقنع لمن نظر بعين الحق. فما بعد لفظ (الخلافة) بيان يلتمس، ولا منار يقتبس، ولا دليل أدل من ذلك. وقول النبي صلى الله عليه وآله (ففي النبوة وفي علي الخلافة) كلام عام غير مختص بوقت من الأوقات. ومتى خص في الخلافة لزم ذلك في النبوة، لأنهما في قرن واحد، ومن خصه بوقت مضي الثلاثة الذين تقدموه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله احتاج إلى دليل، ولا دليل له. وفي اتحاده عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله - وهما نور بين يدي الله سبحانه وتعالى يسبحه ويقدسه قبل أن يخلق الله آدم عليه السلام - بفرق عظيم، ولأنه الصريح من القول لا لبس فيه ولا تعمية عليه، وهو عماد يعتمد عليه ودليل يجب المصير إليه. وأما خبر أبي ذر الذي ذكره ابن المغازلي، فيقتضي الكفر بالله سبحانه وتعالى والمحاربة لله ولرسوله لمن ناصب عليا الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. ولفظ التعدية لفظ عام، فمتى اتصف مخلوق بالمناصبة لعلي افتضت له الكفر والمحاربة على ما رواه ابن المغازلي عن

[ 396 ]

أبي ذر الموصوف بالصدق بقول الرسول عليه السلام. وأما دلالة المعني في الخبر المذكور آخر هذا الفصل، فإنها دلالة واضحة بينة لائحة، لأنه عليه السلام سكت عن ذكر الأولين، فلما قال له ابن مسعود علي بن أبي طالب. أقسم النبي صلى الله عليه وآله بالله تعالى: لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين، ثم أكد مقاله بأكتعين. والحق لا يكون إلا في جهة واحدة، وقد أبانها بلفظ وقسم وتأكيد أنها جهة علي عليه السلام، فدل على أن الجهتين لاحق فيهما. قال الرضي رضي الله عنه (1): إذا ذكروه للخلافة لم تزل * تطلع من شوق رقاب المنابر إذا عددوا المجد التليد تنحلوا * على تتبرى من عقود الخناصر حريون إلا أن تهز رماحهم * ضنينون إلا بالعلى والمفاخر وقال يزيد بن مزيد (2): خلافة الله في هارون ثابتة * وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور إرث النبي لكم من دون غيركم * حق من الله في القرآن مسطور


1. ديوان الشريف الرضي 1 / 451 من قصيدة طويلة. 2. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 79. (*)

[ 397 ]

الفصل الثاني والعشرون * (في ذكر المنزلة) قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لانبي بعدي. وهذا شئ ظاهر مشتهر، غني بشهرته وتواتره عن إيراد الأسانيد، لأن الناقل له هو الناقل لخبر يوم الغدير. وقد سبق القول في صحة خبر يوم الغدير وصحة التواتر فيه من جميع الأمة المحمدية. وقد ورد هذا الكلام أيضا في مواضع لا تحصى كثرة، ونقله الفريقان نقلا معلنا مكشوفا. والنبي صلى الله عليه وآله خاطبه بذلك في مقام بعد مقام، وتأكد ذلك منه في غزاة تبوك. ولا حاجة إلى إيراد أخبار الفرقة المحقة، لما سبق من تواترهم على خبر يوم الغدير، وهذا اللفظ من جملة ذلك. وأما أهل المذاهب الأربعة: روى منهم أحمد بن حنبل في مسنده مسندا إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أنت مني بمنزلة

[ 398 ]

هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي (1). ورواه مسندا إلى سعد بن أبي وقاص (2) قال (3): دخلت على سعد فقلت: حديثا حدثته عنك حدثتنيه (4) حين استخلف النبي صلى الله عليه وآله عليا على المدينة. قال: فغضب سعد وقال: من حدثك [ به ] ؟ فقلت: إن أخبرته أن ابنه حدثنيه فيغضب عليه (5)، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين خرج في غزاة تبوك استخلف عليا على المدينة، فقال علي: يا رسول الله [ ما ] كنت أحب أن تخرج في وجه (6) إلا وأنا معك. فقال: أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي. ورواه عن سعد بن أبي وقاص بطريق آخر (7) قال: قال سعد بن أبي وقاص: خلف رسول الله صلى الله عليه وآله [ عليا ] في غزاة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان ؟ قال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي. ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل بطريق آخر غير هذه الطرق إلى سعد وغيره، ويذكر في كل طريقة منها أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي


1. مسند الامام أحمد 3 / 23. 2. نفس المصدر: 1 / 177. 3. أي ابن لسعد بن مالك وهو يحدث عن أبيه. 4. العبارة مضطربة، وفي المسند: فقلت حديثا حدثنيه عنك حين... 5. في المصدر: فكرهت أن أخبره أن ابنه حدثنيه فيغضب عليه. 6. في المصدر: وجها. 7. مسند الامام أحمد 1 / 182 و 184 و 185. (*)

[ 399 ]

عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي. وفي بعضها يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. وروى ذلك الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند سعد بن أبي وقاص في الحديث الثامن من المتفق عليه من عدة طرق. وروي ذلك في صحيح البخاري في الجزء الخامس في سادس كراس - وهي نصف الجزء - أن النبي صلى الله عليه وآله خرج إلى تبوك واستخلف عليا، فقال: أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي (1). ورواه البخاري في صحيحه في الجزء الرابع على حد ربعه الأخير (2). ورواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع على حد كراسين من آخره (3)، وأسنداه معا من عدة طرق، وفي بعض روايتها للحديث أن سعيد بن المسيب قال لسعيد المذكور: إن سعد بن أبي وقاص قال: أنت سمعته من النبي صلى الله عليه وآله يقول ذلك لعلي ؟ فوضع إصبعيه في أذنيه وقال: نعم وإلا فاستكتا (4). ورواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع في أوله في مناقب أمير المؤمنين علي عليه السلام من طرق، وقيل للراوي: أنت سمعته من النبي


1. صحيح البخاري 6 / 3. 2. المصدر السابق 5 / 24. 3. صحيح مسلم 4 / 1870 - 1871. 4. استكتا: صمتا، وأصله بمعنى ضيق الصماخ. (*)

[ 400 ]

صلوات الله عليه وآله ؟ فقال: نعم وإلا فصمتا. ورواه مجاهد في تفسيره، والنطنزي في الخصائص، وصنف أحمد بن محمد بن سعيد كتابا في طرقه، ورواه الخطيب في التاريخ، وعبد الملك العكبري في الفضائل، وابن الثلاج وعلي بن الجعد في أحاديثهما، وابن فياض في شرح الأخبار عن عمار بن سعد بن مالك عن أبيه. ورواه الفقيه ابن المغازلي في كتاب المناقب من أثكر من عشرة طرق (1)، وفي بعضها يقول: قال سعيد: قلت لسعد بن أبي وقاص: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم لا مرة ولا مرتين يقول ذلك لعلي عليه السلام. وقد صنف القاضي أبو القاسم علي بن الحسن التنوخي - وهو من أعيانهم - كتابا سماه (ذكر الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي). وروى التنوخي حديث النبي صلى الله عليه وآله لعلي (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)، عن عمر بن الخطاب، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وماك بن الحرث، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وأبي رافع مولى رسول الله (ص)، وعبد الله بن أبي أوفى، وأخيه زيد بن أبي أوفى، وأبي سريحة حذيفة بن أسيد، وأنس


1. المناقب لابن المغازلي ص 27 - 37. (*)

[ 401 ]

ابن مالك، وأبي بردة الأسلمي، وأبي أيوب الأنصاري، وعقيل بن أبي طاب، وحبش بن الجنادة السلولي، ومعاوية بن أبي سفيان، وأم سلمة زوج النبي (ص)، وأسماء بنت عميس، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، وحبيب بن أبي ثابت، وفاطمة بنت علي، وشرحبيل بن سعد. قال التنوخى: كلهم عن النبي، ثم شرح الروايات بأسانيدها وطرقها محررا. ورواه ابن عبد ربه في كتاب العقد في فضائل علي عليه السلام، قال: وقال له النبي صلى الله عليه وآله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي (1). و ذكره الحاكم أبو نصر الحيري في كتاب التحقيق لما احتج به أمير المؤمنين يوم الشورى، وهو من أعيانهم. ورووه في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة في ثلثه الأخير في مناقب مير المؤمنين عليه السلام في صحيح أبي داود وصحيح الترمذي (2). ورواه أحمد بن حنبل عن النبي عليه السلام قال لعلي يوم المؤاخاة: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. وروي في مسنده (3) حديثا أسنده إلى مخدوج بن زيد الهلالي:


1. العقد الفريد 4 / 311. 2. سنن الترمذي 5 / 638، سنن ابن ماجة 1 / 42. 3. مروي في فضائل الصحابة للامام أحمد 2 / 663، والزيادات منه، وفيه (الهذلي) بدلا عن الهلالي، وهو الصحيح. (*)

[ 402 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين المسلمين ثم قال: يا علي أنت [ أخي، وأنت ] مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، أما علمت يا علي أنا (1) أول من يدعى به يوم القيامة، يدعى بي فأقوم (2) عن يمين العرش، فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، [ ثم يدعى بأبينا ابراهيم فيقوم عن يمين العرش ]. ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض، فيقومون سماطين عن يمين العرش ويكسون حلل خضراء من حلل الجنة. ألا وإني أخبرك يا علي أن أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة، ثم أنت أول من يدعى بك لقرابتك (3) ومنزلتك عندي، فيدفع إليك لوائي، وهو لواء الحمد، فتنشره بين السماطين، آدم (4) عليه السلام وجميع خلق الله يستظلون بظل لوائي [ يوم القيامة ]، وطوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، [ قضبه فضة بيضاء، زجه درة خضراء ]، له ثلاث ذوائب من نور، ذؤابة في المشرق وذؤابة في المغرب وذؤابة في وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر: الأول (بسم الله الرحمن الرحيم)، الثاني (الحمد لله رب العالمين)، الثالث (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، طول كل سطر مسيرة ألف سنة وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن شمالك (5)، حتى تقف بيني وبين ابراهيم في ظل


1. في المخطوطة: أنه. 2. في المصدر: يوم القيامة وأنا أقوم... 3. في المصدر: يا علي أول ما يدعى بك لقرابتك مني. 4. في المصدر: فتسير به بين السماطين وإن آدم. 5. في المصدر: عن يسارك. (*)

[ 403 ]

العرش، ثم تكسى حلة خضراء من الجنة، [ ثم ] ينادى مناد من تحت العرش: نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي. أبشر يا علي، انك تكسى إذا كسيت، وتدعى إذا دعيت، وتحيى إذا حييت. وهذه أخبار القوم واضحة كما ترى من أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. فثبت لعلي عليه السلام جميع المنازل التي كانت لهارون من موسى عليهما السلام، إلا ما استثناه من النبوة وأخرجه العرف من الأخوة، ومنازل هارون من موسى أشياء: منها: أنه كان أخاه لأبيه وأمه، وهي منتفية بالعرف كما ذكرت. ومنها: أنه كان شريكه في النبوة. ومنها: أنه كان أحب قومه إليه. ومنها: أنه كان ممن شد الله بن أزره. ومنها: أنه كان مفترض الطاعة على أمته وخليفته على قومه. ومنها: أنه كان وزيره من أهله. وأما السبب والخلافة بقوله تعالى (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح) (1). وأما كونه شريكا في النبوة وغيرها بقوله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام (واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري *


1. سورة الأعراف: 142. (*)

[ 404 ]

وأشركه في أمري) * (1) فأجابه الله تعالى بقوله * (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) * (2). والسلطان هو الحجة، بدليل قوله تعالى في سورة الرحمن * (لا تنفذون إلا بسلطان) * (3) يعني بحجة. وقد وصفهما الله تعالى أنهما ومن اتبعهما الغالبون، وأجابه أيضا سبحانه وتعالى بقوله عز وجل * (قد أوتيت سؤلك يا موسى * ولقد مننا عليك مرة أخرى) * (4). وإذا كانت هذه المنازل ثابتة لهارون من أخيه موسى بمحكم الكتاب العزيز، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام إلا ما استثناه لفظا وعرفا، فوجب ثبوتها أجمع إلا ما استنثي. فإن قيل: إن هارون قد مات في حياة موسى ولم يثبت له منزلة من موسى بعد وفاته، فكيف تستدلون بذلك على حصول الإمامة لأمير المؤمنين عليه السلام بعد الوفاة. فالجواب: إن هارون كان خليفة موسى عليه السلام في حال حياته، ولو بقي إلى بعد وفاته لكانت خلافته ثابتة كما كانت في حياته، فإذا بقي أمير المومنين عليه السلام إلى بعد وفاة النبي (ص) فيجب أن تكون


1. سورة طه: 29 - 32. 2. سورة القصص: 35. 3. سورة الرحمن: 22. 4. سورة طه: 36 - 37. (*)

[ 405 ]

الخلافة حاصلة له. فإن قيل: ولم قلتم إنه لو بقي هارون بعد موسى لكانت خلافته ثابتة من موسى ؟ فالجواب: لأنه إذا ثبتت هذه المنزلة في حال الحياة فلا يجوز أن يزول عنها بعد الوفاة: لأنها منزلة جليلة لا يجوز أن يحط عنها من ثبتت له، لأن ذلك يقتضي غاية التنفير. وبعد، فإن النبي صلى الله عليه وآله جعل هذه المنازل لأمير المؤمنين عليه السلام بعده، بدلالة قوله (إلا أنه لا نبي بعدي)، فإذن ثبتت هذه المنازل لعلي بن أبي طالب عليه السلام، وفي ثبوتها له ثبوت فرض طاعته كفرض طاعة رسول الله (ص). فإن قيل: قوله عليه السلام (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) يقتضي ثبوت منزلة واحدة، إذ لو أراد أكثر من منزلة واحدة لقال بمنازل هارون، فلا يصح حمله على العموم، بل يختص بالمنزلة الواحدة. فالجواب: هذا باطل من وجهين: أحدهما - أنه عليه السلام لو أراد منزلة واحدة لما حسن أن يستثني منها، لأنه لا يصح أن يستثنى من منزلة واحدة، فحسن الاستثناء منها دليل واضح ظاهر على أنه عليه السلام أراد أكثر من منزلة واحدة. وكل من قال أراد أكثر من منزلة واحدة قال أراد جميع المنازل إلا ما استثناه [ لفظا ] وعرفا. والوجه الثاني - أن الأمة بين قائلين: قائل يقول إن الخبر خرج على سبب، وهو مقصور على سببه الذي خرج عليه. والآخر يقول إن المراد به

[ 406 ]

جميع المنازل. فإذا بطل قول الأول ثبت الثاني. والذي يدل على فساد القول الأول أشياء: منها: أن السبب الذي ذكروه طريقه الآحاد، والخبر معلوم بالتواتر، ولا يجوز أن يقصر الخبر المعلوم بالتواتر على سبب مظنون. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال هذا القول في مقام بعد مقام، وتأكد ذلك منه يوم الغدير وفي غزاة تبوك، ولو كان الخبر خارجا على سبب - كما قالوا - لما وجب قصره عليه، لأن الصحيح في أصول الفقه أن اللفظ إذا خرج على سبب لا يقصر عليه بل يحمل على عمومه. فإن قيل: لو أراد بالخبر الامامة لوجب أن يقول: أنت مني بمنزلة يوشع ابن نون. لأن هذه المنزلة كانت ليوشع بعد وفاة موسى عليه السلام، فلما لم يقل ذلك دل على أنه لم يرد الامامة بهذا الخبر. فالجواب: إن هذا قول فاسد من وجوه: أحدها: أنه إذا كان الخبر دالا على الامامة بعده لأمير المؤمنين عليه السلام فقول القائل (كان يجب أن يقول النبي كذا وكذا) اقتراح في الأدلة، وذلك فاسد بلا خلاف، لأنه كان يلزم كل أحد استدل بدليل أن يقال له: هلا استدللت بدليل آخر. ومنها: أن خلافة يوشع ليست معلومة، إنما سمع ذلك من قول اليهود ورواياتهم وروايات قليلة من غيرهم لا يعرف صحتها من فسادها. وقد قيل: إن يوشع بن نون كان نبيا مبعوثا من قبل الله تعالى، والخلافة كانت في أولاد هارون. والله أعلم. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله أراد إثبات جميع منازل هارون من

[ 407 ]

موسى لأمير المؤمنين عليه السلام، ولم يرد الخلافة حسب، وليس تلك حاصلة ليوشع، فلا يمكن أن يشبه به. فإن قيل: هذا يوجب كونه إماما معه في الحال. فالجواب: الظاهر يقتضي ذلك، لكن إذا علم بدليل الإجماع أنه لم يرد حال الحياة ثبت ما عداها. وفي الأصحاب من قال: إن منزلة الإمامة كانت ثابتة في الحال، وإنما لم يسم إماما لوجود النبي صلى الله عليه وآله. مع أن تسميته بإمرة المؤمنين في حياة النبي (ص) وارد قد نقله كثير من العلماء، وسأذكر لمعة منه بالفصل السادس والعشرين انشاء الله تعالى. ومنهم من يقول: لا تثبت رئاسة الإمام مع وجود الناص عليه، سواء كان نبيا أو إماما. وقد تقدم ذلك في فصل وجوب الامامة. وأما الاستحقاق فقد كان حاصلا. على أنه إذا كان ظاهرا الخبر يدل على ثبوت المنزلة في الحال - كما قالوا - فهذا يدل على ثبوتها فيما بعد في مستقبل الأوقات، ويخرج زمان حياة النبي صلى الله عليه وآله بالإجماع، ويبقى ما بعد النبي على ظاهره. وفي ذلك مراد الفرقة المحقة الإثني عشرية. ومتى قيل بحمله على بعد حياة عثمان. قيل: هذا ساقط بالإجماع، لأن أحدا من الأمة لم يثبت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بهذا، وإنما أثبتوها بالعقد والإختيار. وأما من أثبت إمامته بالنص من الله ورسوله أثبتها بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل.

[ 408 ]

تنبيه: موصوفية علي عليه السلام بهذه المنازل: إما أن يكون وصفا عدميا أو ثبوتيا. الأول محال، لأنه نقيض اللاموصوفية، وهي وصف سلبى، ونقيض السلب ثبوت، فثبت موصوفيه بهذه المنازل الشريفة الجليلة ثبوتا يختص به دون غيره. وفي استخلاف الرسول صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام لما توجه إلى غزاة تبوك ثبوت إمامته وولايته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، لأن حاله في الاستخلاف لم يتغير ولم يقع ثم عزل لا بقول من الرسول ولا بدليل غيره، فوجب الاستمرار في الحكم والولاية والخلافة. فإن قيل: رجوع النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة يقتضي عزله، وإن لم يقع العزل بالقول. فالجواب: الرجوع ليس بعزل عن الولاية، لا في عادة ولا في عرف. وكيف يكون العود عزلا أو يقتضي العزل وقد يجتمع الخليفة والمستخلف في البلد الواحد ولا ينفي حضوره الخلافة له. وإنما يثبت في بعض الأحوال العزل بعود المستخلف بشرط أن يستخلفه في حال الغيبة فقط دون الحضور. والنبي صلى الله عليه وآله استخلفه من غير شرط، باتفاق روايات الفريقين على نفي الشرط. فإن قيل: إن النبي عليه السلام استخلف معاذ بن جبل وابن أم مكتوم وغيرهما، ولم يوجب لهم ذلك إمامة، وكذا علي عليه السلام. فالجواب: إن الاجماع في الأمة حاصل أن هؤلاء لا حظ لهم بعد الرسول عليه السلام في إمامة ولا فرض طاعة، وذلك دليل ظاهر على

[ 409 ]

ثبوت عزلهم. فإن قيل: يختص هذا الاستخلاف بالمدينة فقط، ولا يقتضي له الإمامة التي تعم. فالجواب: إذا ثبت له عليه السلام بعد النبي (ص) فرض الطاعة واستحقاق التصرف بالأمر في بعض الأمة، وجب أن يكون إماما على سائر الأمة لأنه لا قائل من الأمة يذهب إلى اختصاص ما يجب له في هذه الحال، بل كل من أثبت هذه المنزلة أثبتها عامة على وجه الامامة، فكان الاجماع مانعا عن هذا القول. فإذن ثبتت منازل هارون من موسى لعلي من رسول الله (ص)، وثبت له الاستحقاق منه، وفي ذلك ثبوت إمامة علي عليه السلام وولايته وفرض طاعته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل كفرض طاعة رسول الله بالدلائل القاهرة والبراهين الواضحة من قول الفريقين. وفي ذلك يقول زيد بن علي عليه السلام - وقد سمع من يقدم أبا بكر وعمر على علي عليه السلام - (1): فمن شرف الأقوام يوما براية (2) فإن عليا شرفته المناقب وقول رسول الله والحق قوله وإن رغمت منه أنوف كواذب


1. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 27، الأبيات الثلاثة الأولى. 2. في المناقب: ومن شرف. ترابه. (*)

[ 410 ]

بأنك مني يا علي معالنا كهارون من موسى أخ لي وصاحب دعاه ببدر فاستجاب لأمره وما زال في ذات الإله يضارب فما زال يعلوهم به وكأنه شهاب تلقا القوابس ثاقب وقال الحميري رحمه الله ينشد (1): واذكر غداة خلابه في معرك * لما أراد إلى تبوك مضيا يوصيه حين بدا له استخلافه (2) * قولا يسر إلى أخيه خفيا [ والمسلمون ومن تأبش منهم * دون الثنية واقفون مطيا (3) ] من قبلهم لقد انتجاه لحادث * بل كان قربة الإله نجيا وقال الحماني رحمه الله (4). وأنزله منه على رغمة العدى كهارون من موسى على قدم الدهر فمن كان في أصحاب موسى وقومه كهارون لازلتم على زلل الكفر (5).


1. لم ترد الأبيات في ديوان الحميري، وهي في المناقب لابن شهر اشوب 2 / 253 مع عنوان (لغيره). 2. في المناقب: يرضيه. 3. الزيادة من المصدر: تأبش: تجمع. 4. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 27. 5. في المخطوطة: على ظلل الكفر. (*)

[ 411 ]

وقال منصور النمري رحمه الله (1): رضيت حكمك لا أبغي به بدلا * لأن حكمك بالتوفيق مقرون آل الرسول خيار الناس كلهم * وخير آل رسول الله هارون وقال الزاهي رحمه الله (2): غداة دعاه المصطفى وهو مزمع * لقصد تبوك وهو للسير مضمر فقال أقم دوني بطيبة واعلمن * بأنك للفجار بالحق مبهر فلما مضى الطهر النبي تظاهرت * عليك رجال بالمقال وأجهروا فقالوا علي قد قلاه محمد * وذاك من الأرجاس إفك ومنكر (3) فألفيته دون المعرس فانثنوا * وقالوا علي قد أتاك يكفر فعلاك خير الخلق من فوق شاهق * وذاك من الله العلي مقدر فقال رسول الله هذا إمامكم * له الله ناجى إذ هو المتخير (4)


1. نفس المصدر والصفحة. 2. المصدر السابق 3 / 24. 3. في المصدر: من الإرجاء. قلاه: أبغضه وهجره. 4. في المصدر: أيها المتحير. (*)

[ 413 ]

الفصل الثالث والعشرون (في ذكر المؤاخاة) قال الله تعالى * (إنما المؤمنون إخوة) * (1). لما نزلت هذه الآية آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين الأشكال والأنظار، بوحي من الله تعالى، ليكون كل أخ يعرف بنظيره وينسب إلى قرينه ويستدل به عليه. والإخاء رواه الفريقان: فمن روايات الفرقة المحقة ما رواه الشيخ الفقيه محمد بن جعفر المشهدي رحمه الله في كتابه الموسوم بكتاب (ما اتفق فيه من الأخبار في فضل الأئمة الأطهار) حديثا أسنده إلى عبد الله بن العباس وعبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: قالا: كان النبي صلى الله عليه وآله جالسا في مسجده إذ هبط الأمين جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول لك إقرأ. قال: وما أقرأ ؟ قال: اقرأ * (إن المتقين في جنات وعيون * أدخلوها بسلام آمنين * ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر المتقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما


1. سورة الحجرات: 10. (*)

[ 414 ]

هم منها بمخرجين) * (1). فقال: يا جبريل فما هؤلاء القوم الذين جعلهم الله إخوانا على سرر متقابلين ؟ فقال: أصحابك المنتخبون الذين وفوا بعهدك ولم ينقضوا عهدك، ألا وإن الله يأمرك أن تؤاخي بينهم في الأرض كما واخى الله بينهم في السماء. فقال النبي: صلى الله عليه وآله: إني لا أعرفهم. فقال له جبريل: ها أنا قائم بازائك في الهواء، فإذا أقمت رجلا مؤمنا قلت لك: فلان مؤمن، أقمه فواخ بينهما، فإذا أقمت كافرا قلت لك: فلان كافر، أقمه فواخ بينهما. فقال النبي (ص): أفعل ذلك يا جبريل. وقام النبي صلى الله عليه وآله فواخى بين المؤمن والمؤمن والمنافق والمنافق، فضج المنافقون وقالوا: يا محمد أيش كان في هذا، قد كان من سبيلك أن تدعنا مختلفين ولا تجعلنا إخوانا مفترقين. فعلم الله ما قالوا، فأنزل الله على نبيه * (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) * (2)، فتلاه النبي عليه السلام عليهم، فسكت القوم. وأقبل النبي صلى الله عليه وآله، فواخى بينهم إلى أن فرغ منهم، فحانت منه التفاتة، فنظر إلى علي بن أبي طالب جالسا ناحية وهو يرفع نفسه مرة ويتقاصر مرة والدموع تنحدر على خدية، فقال له النبي: مم بكاؤك يا أبا الحسن ؟ لا أبكى الله عينك. فقال عليه السلام: بكائي على نفسي. قال النبي صلى الله عليه وآله: ولم ذاك يا أبا الحسن ؟ فقال: لأنك يا رسول الله


1. سورة الحجر: 44 - 48. 2. سورة آل عمران: 179. (*)

[ 415 ]

كلما أقمت رجلا من المؤمنين قلت: إنك ستقيمني إليه وتواخي بيني وبينه، فتعدل عني إلى غيري، فقلت في نفسي: لا أصلح لمؤاخاة رجل من المؤمنين. فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما عدلت عنك، ولكن وجدت الله يعدل بي عنك، فهذا جبرئيل عليه السلام قائم في الهواء كلما أقمت رجلا من المؤمنين وأردت أن أقيمك يقول جبريل: أقعد عليا، أقعد عليا، وأخره في هذا المكان ولا تقدمه. فظننت في نفسي ما ظننت في نفسك، فغمني ذلك وأقلقني وساءني وأحزنني، فهبط علي جبريل عليه السلام وقال: يا محمد العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول لك: قد علمت عزل علي، فلا يغمك ذلك، فإنما خبأته لك، وقرنته بك، وآخيت بينك وبينه في السماء والأرض. ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وقال: (أيها الناس أنا عبد الله، أنا نبي الله، أنا حجة الله، أنا صفي الله، أنا نجي الله، أنا حبيب الله، أنا المحجة إلى الله، من خانني فقد خان الله). (قد مني الله في المفاخر والماثر، وآثرني في المفاخر، وأفردني في النظائر، فما من أحد إلا وأنا وديعة عنده، وأنا وديعة الله، أنا كنز الله، أنا صاحب الشفاعة الكبرى، أنا صاحب الكوثر واللوى، أنا صاحب الكأس الأوفى، أنا ذو الدلائل والفضائل والآيات والمعجزات. أنا السيد المسؤل في المشهود، والمقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود. أنا بشارة النفس، وخاتم المرسلين، ذو القول المبين. أنا راكب المنبر يوم الدين أنا أول محبور، وأول منشور، وأول محشور، وأول مبرور، وأول

[ 416 ]

من يدعى من القبور إذا نفخ في الصور). (أنا تاج البهاء المستور. أنا المرسل المذكور في التوراة والإنجيل والزبور وكل كتاب مسطور. أنا صاحب الشاهد والمحامد والمزاهد والمقاصد وعلم الله. أنا المنذر المبلغ عن الله. أنا الآمر بأمر الله. أنا ذو الوعد الصادق عن الله. أنا نجي السفرة، أنا إمام البررة، أنا مبيد الكفرة، أنا المنتقم من الفجرة، أنا ذو الشامة والعلامة). (أنا المكرم ليلة الأسرى، أنا الرفيع الأعلى، أنا المناجي عند سدرة المنتهى، أنا الذي دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى). (أنا السفاح، أنا الرباح، أنا النفاح، أنا الفتاح، أنا الذي يفتح أبواب الجنان، أنا المحفوف بالرضوان، أنا أول قارع أبوابها، أنا المتفكه بثمارها، أنا المحبو بأنوارها، أنا الصقال، أنا الهتاك). (أنا ابن الفواطم من قريش الأكارم، أنا أول الفوائد من سليم، أنا ابن المرضعات، أنا القسم وأبو القاسم، أنا العالم، وأنا الحليم الحاكم، وأنا الحاسم، وأنا ينبوع المكارم، أنا ابن هاشم. أنا ابن شيبة الحمد واللواء، والفخر والمجد والسناء، والجد جدي بالحمد، وما كان له بطير أبابيل، وأهلك الله جند الفيل). (أنا لي الزمزم والصفا، أنا لي العصابة واللوا، أنالي المآثر والنهى، أنا لي المشاعر والصفا، ولي من الآخرة الزلفى، ولي شجرة طوبى وسدرة المنتهى، ولي الوسيلة الكبرى، أنا باب مطالع الهدى، أنا حجة على جميع الورى). (أنا الغلاب، أنا الوهاب، أنا الوثاب، أنا على من أدبر وتولى، أنا

[ 417 ]

العجب والعجاب، أنا المنزل عليه الكتاب، أنا العطوف، أنا الرؤوف، أنا الشفيق الرفيق، أنا المخصوص بالفضيلة، أنا الموعود بالوسيلة، أنا أبو النور والإشراق، أنا المحول على البراق، أنا المبعوث بالحق إلى الآفاق). (أنا علم الأنبياء، أنا منذر الأوصياء، أنا منقذ الضعفاء، أنا أول شافع، أنا أول صادق ناطق، أنا ذو الجمل الأحمر، أنا صاحب الدرع والمغفر، أنا ذو القضيب الأبتر، أنا الفاضل، أنا الكامل، أنا المنازل، أنا قائل الصدق، وأنا المبعوث بالحق، أنا الحمام، أنا الامام، أنا السمام، أنا الخاتم، أنا الضرغام على من خالف الأحكام). (أنا داعية الساعة، أنا اقتربت، أنا الآزفة، أنا كلام اسماعيل، أنا صاحب التنزيل، أنا واضح الهدى، أنا الشاهد، أنا العابد، أنا ذو المقاصد، أنا بالخير واعد). (أنا الموعود بالسلامة لأمتي، أنا المبشر بالكرامة لعترتي، أنا المنقذ بدعوتي، أنا المفلج بحجتي، أنا إمام الأئمة، أنا عصمة الأمة، أنا دافع النقمة، أنا المبشر بالنعمة). (أنا بحر الرضى، وطود النهى، وكهف العفاف، وجهت لي الزلفى، وحفت لي الجنة، أنا ظله السكينة). (أنا من الذبيحين المفتدين بالتحف من بحبوحة الشرف، أنا جادة الإيمان، وطريق الأمان، وواضح البرهان. أنا ابن معد بن عدنان، أنا حسرة الشيطان). (ولدني تسعة من المرسلين، فسميت في قومي الأمين. أنا أم القرآن المبين. أنا طه ويس والتين والزيتون، أنا أحمد في الأولين، وفي صحف

[ 418 ]

الماضين، وفي الأمم المتقدمين، وفي القرون السالفين. أنا محمد في السماوات والأرضين). (أنا صاحب الكوثر في المجمع والمصدر، أنا المجاب في المحشر، أنا الحبيب النجيب، أنا المصيب، أنا المزمل، أنا المدثر، أنا المذكر، أنا الذي ساهمني في ظهر آدم الورى وفضلتهم والنبيون ففضلتهم أجمعين). (أنا الذي بشرهم الله بشفاعتي، وأمرهم بطاعتي، وأخذ عليهم العهد بتصديق رسالتي. أنا قائد الغر المحجلين). (أنا أفضل النبيين قدرا، وأعظمهم خطرا، وأوضحهم خيرا، وأعلاهم مستقرا، وأكرمهم أمة، وأجزلهم رحمة، وأفضلهم ذمة، وأزكاهم لمة). (وما فيكم أحد إلا وقد قرن بقرينة ووصل بحدينه، لتحقيق علم الله تعالى فيكم ومواهبه لديكم، لم يعدل بكم عن حد جناب إخوانكم وعن أعمال أشكالكم، فقد خار الله لكم ولهم. وقد أحسن الله ولطف بي إذ أخرني كي أذكركم شيئا، ألا وإن عليا حقيق بمعرفته مخصوص به، حسبه حسبي، ونسبه نسبي، وسنته متعلق بسنتي، فعلي أخي وابن عمي). (أوتيت الرسالة والحكمة وأوتي علي العلم والعصمة، وأوتيت الدعوة والقرآن وأوتي علي الوصية والبرهان، وأوتيت القضيب والناقة وأوتي علي الحوض واللواء، وأوعدت بالنجدة والشفاعة العظمى وجعل علي قسيم الجنة واللظى، وأعطيت الهيبة والوقار وأعطي علي الشرف والفخار، ووهب لي السماحة والبهاء ووهب لعلي البراعة والحجى، بشرت بالرسالة والكوثر وبشر علي بشبير وشبر، وأوتيت المثاني والقرآن العظيم وأوتي علي الصراط المستقيم، خصصت بخديجة الكبرى

[ 419 ]

وخص علي بزوجته فاطمة الزهراء خيرة النساء، حملت على الرفرف في الهواء وسمعت كلام من في السماء لوصت عند سدرة المنتهى، سئلت عن علي في الرفيع الأعلى، أرسلت بالنذارة والخوف وأعطي علي الندارة والسيف، بشرت بأعلى الجنان، طلبت أن لا يفارقني علي حيث كنت وكان). (وعدت بالمقام المحمود في اليوم المشهود ووعد علي بلواء الحمد في اليوم الموعود، وبعثت بالآيات وعلي إحدى المعجزات، وفضلت بالنصر وفضل علي بالقهر، حبيب بالرضوان وحبي علي بالغفران، وهب لي حدة النظر ووهب لعلي البأس والظفر). (أنا سابق المرسلين علي صالح المؤمنين، سطوت في المشاهدة سطى علي في المراصد، أنا خاتم النبيين علي خاتم الوصيين، أنا نبي أمتي علي مبلغ دعوتي، بعث أخي موسى بالعصا يتلقف ما يأفكون وبعثت بالسيف وفي كف علي يقسم ما يمكرون، أنا باب الهدى علي باب التقى، حرب الله حربي وحربي حرب علي). (علي صفوة اسماعيل بعدي، سبقت له دعوة الخليل وجنب عبادة الأصنام والتماثيل، ثبت على عهد رب العالمين وكسر أصنام المشركين وأحرج بذلك الظالمين، ابراهيم صفوة الله والمرسلين). (أنا وعلي صفوة ابراهيم واسماعيل، خصنا الله بالتفضيل، وطهرنا بالنتزيه عن فعل الخطائين. عجنت أنا وعلي من طين، وسكنت أنا وعلي في ظهور المؤمنين). (أنا حجة الله علي حجتي، ينطق على جناني ويخاطب على لساني، لا

[ 420 ]

تشتبه عليه ظلمة في الظلمات ولا يبلى في دينه بآفة من الآفات، وهب لي علم المشكلات وهب لعلي علم المعضلات، ربيت في حجر أبي علي وربي علي في حضني ومهدي وحجري، ونشأ في صدري، وسبق الناس كلهم إلى أمري). (فرح بالرضوان، وحبى بالغفران، وأوعد بالجنان من قبل أن يؤمن إنسان. يضرب بحدي، ويفخر بجدي، ويسطي بسعدي). (صارم جرئ عالم حاكم صابر صائم، لا تشغله الدنيا عن الذكر ولا ينقطع عند المصائب. دائم الفكر، حديد النظر، عظيم الخطر، علي الخبر، صبور وقور ذكور. شجاع إذا فلت الأبطال، وهب نفسه في يوم النزال في سورة القتال، ما انخذل قط عني ولا وقف بمحال). (غني، تقي، نقي، رضي، سخي، ولي، وفي، زكي، سني، مضي). (علي أشبه الناس إذا قضى بنوح حكما، وبهود حلما، وبصالح عزما، وبإبراهيم علما، وبإسماعيل صبرا، وباسحاق رزءا، وبيعقوب مصابا، وبيوسف تكذيبا محسودا). (علي مواهب الله، معاند في دين الله، أشبه شئ بالكليم هدى، وبعيسى بن مريم رشدا، وبي خلقا وخلقا). (جميل من الطوارق، نظيف من البوائق، جدام البوارق، عدو المنافق، لكل خير موافق، ولكل شر مفارق). (ملكوتي القلب، سماوي اللب، قدسي الصحة، يحب الرب، مناجز مبارز، غير فشل ولا عاجز). (نبت في أعراقي، وغذي بأخلاقي، وبارز بأسياقي، عدوه عدوي،

[ 421 ]

وصفيه صفيي). (سرادق الأمة، وباب الحكمة، وميزان العصمة. لا يحبه إلا مؤمن تقي، ولا يبغضه إلا منافق شقي، حبيب نجيب وجيه عند الله، معظم في ملكوت الله، لم يزل عند الله صادقا، وبسبيل الحق ناطقا، معه رقة لا تزايله). (يستبشر بذكره المؤمنون، ويسئ بذكره المنافقون، ويمقته القاسطون، ويبغضه الفاسقون، ويشنأه المارقون). (مني مبدأه، وإلي منتهاه، وفي الفردوس مثواه، وفي عليين مأواه. كريم في طرقه، مهول في عطفه، سريع في خلقه، معصوم الجناب، طاهر الأثواب). (نقي الحركات، كثير البركات، زائد الحسنات، عالي الدرجات في يوم الهبات). (مهذب، نجيب، مجيب، مطيب، أديب، مؤدب، مستأسد، مجرب، حيدرة، قسورة، ضراب، غلاب، وهاب، وثاب). (أولكم سبقا، وأولكم خلقا، صاحب سري المكتوم، وجهري المعلوم، وأمري المبروم). (طويل الباع، عبل الذراع، كشاف القناع في يوم القراع). (أريب، لبيب، حبيب، نسيب، من ربه في المنزلة قريب). (غضنفر ضرغام، ماجد هوام، مبارز قمقام، عذافر هشام، ليث همهام). (به أسكن الله الرعب في قلوب الظالمين، فأوحى إلي، أن الرعب لا

[ 422 ]

يسكن لعلي قلبا ولا يمازج له لبا). (خلقه الله من طينتي، وزوجه بابنتي وحرمتي، وأقام معي سنتي، وأوضح به حجتي، وأنار به ملكي، وهو المحنة على أمتي). (واساني بنفسه ليلة الرقد على فراشي، وحمل ابنتي رئيا جهرا، ورد ما أخذه مني عدوي قهرا). (ربيت في بيت أمه فاطمة بنت أسد وحجرها وحضنها، وربي علي في بيتي وحضني وحجري، توليت تربيته وتولت خديجة كفالته من غير رضاع أرضعته). (تتابعت منه الحكم، وتقارنت أنا وهو في العدم. محبه أسعد الأمم، وهو صاحب لواي والعلم، ما رؤي قط ساجدا لصنم، ما ثبت لي مكان قدم إلا ولعلي يد وقدم). (آمن من غير دعوة برسالتي، بعثت يوم الاثنين ضحوة وصلى علي في يومه صلاة الزوال، واستكمل من نوري ما كمل به الأنوار، قدره أعظم الأقدار). (آنسني في ظهور الآباء الزاكيات، وقارنني في الأوعية الطاهرات، وكتب اسمه واسمي على السرادقات وفي السماوات. فعلي شقيقي من ظهر عبد المطلب إلى الممات، ومحدثي في جوار الله والغرفات). (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه). (خصه الله بالعلم والتقى، وحببه إلى أهل الأرض والسما، وجعل فيه الورع والحيا، وجنبه الخوف والردى، وفرض ولايته على أهل الأرض والسماء. فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد

[ 423 ]

أبغضه الله). (علي خزانة علمي، ووعاء حكمي، ومنتهى همي، وكاشف غمي في حياتي، ومغسلي بعد مماتي، ومونسي في كل أوقاتي. علي غاسلي إذا قبضت، ومدرجي في أكفاني إذا تواريت. علي أول من يصلي علي من البشر، وممهدي في لحدي إذا حضر. علي يكفيني في الشدائد، ويحمل عني الأوائد، ويدافع عني بروحه المكائد، لا يؤذيني في علي إلا حاسد، ولا يرد فضله إلا شقي جاحد). ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: (اللهم إنك قرنتني بأحب الخلق إليك، وأعزهم عندي، وأوفاهم بذمتي، وأقربهم قرابة إلي، وأكرمهم في الدنيا والآخرة علي). وقال لعلي عليه السلام: أدن مني يا أبا الحسن، حبي الناس بالأشكال والقرناء وحباني ربي بك لأنك صفوة الأصفياء، بك يسعد من سعد وبك يشقى من شقي، أنت خليفتي في أهلي، وأنت المشتمل بفضلي والمقتدى بعدي، أدن مني يا أخي. فدنا المرتضى من المصطفى، فأكب عليه وضمه إلى صدره، وقال له: يا أبا الحسن إن الله خلقك من أنواري، لذلك وافق سرك أسراري وضميرك أضماري، تطلع روحي لروحك، شهد الله لذلك والفائزون والصابرون وحملة العرش أجمعون، يشهدون بامتزاج أرواحنا إذا كنا من نور واحد، قال الله تعالى * (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا) * (1). كفاك يا علي من نفسك علم الله فيك وكفاني علمي فيك،


1. سورة الفرقان: 54. (*)

[ 424 ]

وكل قرين ينصرف بقرينه، وانصرف النبي بعلي عليهما السلام. وروي في تاريخ البلاذري (1) والسامي وغيرهما عن ابن عباس وغيره: لما نزل قوله تعالى * (إنما المؤمنون إخوة) * آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين الأشكال والأمثال فآخى: بين أبي بكر وعمر، وبين عثمان وعبد الرحمن، وبين سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، وبين طلحة والزبير، وبين أبي عبيدة وسعد بن أبي [ وقاص ]، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب الأنصاري، وبين أبي ذر وابن مسعود، وبين سلمان وحذيفة، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين أبي الدرداء وبلال، وبين جعفر الطيار ومعاذ بن جبل، وبين المقداد وعمار، وبين عائشة وحفصة، وبين زينب بنت جحش وميمونة، وبين أم سلمة وصفية، حتى آخى بين أصحابه بأجمعهم على قدر منازلهم، ثم قال: أنت أخي وأنا أخوك يا علي. وروى حديث الأخاء شيخ أهل المذاهب القاضي أبو عمرو، ورووه من فضائل السمعاني عن أبي الصلت، ورووه في تفسير القطان وتفسير وكيع. وروى جدي رحمه الله في نخبه من طرق. وروى ابن بطة من ستة طرق (2)، منها أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله بالنخيلة وحوله سبعمائة وأربعون رجلا، فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: إن الله تعالى آخى بين الملائكة بيني وبين ميكائيل وبين اسرافيل وبين عزرائيل وبين دردائيل وبين راحيل، فآخى النبي أصحابه وآخى عليا من بينهم.


1. أنساب الأشراف - ترجمة الامام علي عليه السلام ص 91. 2. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 210. (*)

[ 425 ]

وروى أحمد بن حنبل في مسنده حديثا مسندا إلى سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين الصحابة، فبقي رسول الله (ص) وبقي أبو بكر وعمر وعلي، فآخى بين أبي بكر وعمر، وقال لعلي عليه السلام: أنت أخي. وروى في مسنده حديثا أسنده إلى عمر بن عبد الله عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله آخى بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا، فقال: يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني. قال: ولم تراني تركتك ؟ إنما تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك، فإن ذاكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يدعيها بعدك إلا كذاب. وروى في مسنده حديثا مسندا إلى ابن عباس: أن عليا عليه السلام كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل يقول * (أفإن مات أو قتل) * لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، ومن أحق به مني. وروى مسندا إلى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت على باب الجنة مكتوب (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أخوه). وروى أيضا عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مكتوب على باب الجنة (محمد رسول الله، علي أخو رسول الله) قبل أن يخلق الله السماوات بألفي عام. ورواه مسندا عن مخدوج بن زيد الهلالي: من رسول الله صلى الله عليه وآله آخي بين المسلمين، ثم قال: يا علي أنت أخي. ورواه مسندا إلى علي عليه السلام قال: طلبني رسول الله صلى الله عليه

[ 426 ]

وآله، فوجدني في حائط نائما، فضربني برجله وقال: قم، والله لأرضينك، أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل على سنتي، من مات على عهدي فهو في كنز الله، ومن مات على عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك يختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت. ورواه أحمد بن حنبل في حديث الدار (1). ومن ذلك ما رواه الفقيه ابن المغازلي مسندا إلى زيد بن أرقم قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: إن مؤاخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة. ثم قال لعلي: أنت أخي ورفيقي، ثم تلا هذه الآية * (إخوانا على سرر متقابلين) * الأخلاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض (2). وروى ابن المغازلي في مناقبه حديثا رفعه إلى أنس قال: لما كان يوم الإخاء فآخى النبي صلى الله عليه وآله بين المهاجرين والأنصار، وعلي واقف يراه ويعرف مكانه ولم يؤاخ بينه وبين أحد، فانصرف علي باكي العين، افتقده النبي [ وقال ]: ما فعل أبو الحسن ؟ فقالوا: انصرف باكي العين يا رسول الله. قال: يا بلال اذهب فأتني به. فمضى بلال إلى علي عليه السلام وقد دخل منزله باكي العين، فقالت فاطمة: ما يبكيك لا أبكى الله لك عينا. قال: يا فاطمة آخى النبي بين المهاجرين والأنصار وأنا واقف يراني ويعرف مكاني ولم يؤاخ بيني وبين أحد. قالت فاطمة عليها السلام: لا يحزنك الله، لعله إنما ادخرك لنفسه. فقال بلال: يا علي أجب النبي. فأتى علي إلى النبي، فقال النبي


1. مسند الامام أحمد 1 / 159. 2. الحديث منقول في ملحقات الاحقاق 6 / 474 عن المناقب لابن المغازلي. (*)

[ 427 ]

(ص): ما يبكيك يا أبا الحسن ؟ قال: واخيت بين المهاجرين والأنصار يا رسول الله وأنا واقف تراني وتعرف مكاني لم تؤاخ بيني وبين أحد. قال: إنما ادخرتك لنفسي، أما يسرك أن تكون أخا نبيك ؟ قال: بلى يا رسول الله، أنى لي بذلك. وأخذ بيده وأرقاه المنبر فقال: اللهم إن هذا أخي مني وأنا منه، ألا أنه بمنزلة هارون من موسى، ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه. قال فانصرف علي قرير العين، فاتبعه عمر فقال: بخ بخ يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مسلم. ورواه ابن المغازلي مرفوعا إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: أنت أخي في الدنيا والآخرة (1). ورواه مسندا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله خير إخواني علي (2). ورواه عن ابن عمر بطريق آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام يوم المؤاخاة: أنت أخي في الدنيا والآخرة. ورواه عن حذيفة بن اليمان (3) قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين والأنصار (4)، كان يؤاخي بين الرجل ونظيره، ثم أخذ بيد علي [ بن أبي طالب ] عليه السلام فقال: هذا أخي. قال حذيفة: فرسول الله


1. المناقب لابن المغازلي ص 38. 2. نفس المصدر والصفحة، وفيه: عن عبد الرحمن بن عابس عن أبيه. 3. المصدر السابق، والزيادات منه. 4. في المصدر: بين أصحابه الأنصار والمهاجر. (*)

[ 428 ]

سيد المسلمين وإمام المتقين رسول رب العالمين الذي ليس له [ في الأنام ] شبيه ولا نظير وعلي [ بن أبي طالب ] أخوه. ومن ذلك في الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري من الجزء الثالث من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام من سنن أبي داود وصحيح الترمذي قال: عن ابن عمر قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين أصحابه، جاءه علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد. قال: فسمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: أنت أخي في الدنيا والآخرة (1). وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (والسابقون السابقون) * (2) عن ابن عبادة عن عبد الله قال: سمعت عليا يقول: أنا عبد الله. وأخو رسول الله، والصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذا مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين. والإخاء أمر من الله سبحانه وتعالى، أراد أن يبين به شرف منازل الأصحاب ويميز به بين الخبيث والطيب، كما قال تعالى * (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) * (3) والمميز لهم كان جبرئيل عليه السلام. مع أن مماثلة النبي (ص) لا تقع إلا على الصحة والسداد، لأنه عليه السلام لا يجوز أن يشبه الشئ بخلافه ويمثله بضده، لكن يضع الأشياء


1. سنن الترمذي 5 / 636، وفي آخر الحديث، فقال له رسول الله... 2. سورة الواقعة: 10. 3. سورة آل عمران: 179. (*)

[ 429 ]

في مواضعها للمواد المتصلة به من الله سبحانه وتعالى. فائدة: موصوفية علي عليه السلام بهذه النعوت الجليلة المذكورة وصف ثبوتي لا سلبي يختص به دون غيره، ببيان ما مر بفصل المنزلة وغيره. وأما قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (أنت أخي في الدنيا والآخرة) يريد به أنه مناظره ومشابهه ومشاكله في جميع المنازل إلا النبوة خاصة، والعرب تقول للشئ (انه أخو الشئ) إذا شبهه وماثله وقارنه ووافق معناه، ومن ذلك قوله تعالى * (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة) * (1) وكان جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، وقوله تعالى * (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء) * (2). ومعلوم أن الأخوة في النسب فقط لا توجب فضلا، لأن الكافر قد يكون أخا المؤمن، لكن الأخوة في المماثلة والمشابهة هي الموجبة للفضل. ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام حصلت له من رسول الله (ص) الأخوة. [ والأخوة ] فيها مراتب كثيرة: منها - أنه مماثله في النفس بنص القرآن المجيد، وقد سبق بيانه في الفصل الثامن عشر في آية المباهلة. ومنها - أنه مضاهية في الولاية بقوله تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله


1. سورة ص: 23. 2. سورة مريم: 28. (*)

[ 430 ]

والذين آمنوا) * (1) وقد تقدم بيانها في الفصل الثالث. ومنها - أنه مناظره في العصمة، بدليل قوله * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (2)، وقد مضى شرحها في الفصل الأول. ومنها - أنه مشاركه ومشابهه في الأداء والتبليغ، بدليل الوحي من الله سبحانه وتعالى إلى الرسول صلى الله عليه وآله يوم إعطاء سورة براءة لغيره، فهبط جبريل عليه السلام وقال: لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك، واستعادها من أبي بكر ودفعها إليه عليه السلام، وقد ذكر ذلك في الفصل العاشر. ومنها - أنه نظيره في النسب الطاهر الكريم. ومنها - أنه نظيره في الموالاة، لقوله عليه السلام (من كنت مولاه فعلي مولاه)، وقد مر بيانه في الفصل الثاني. ومنها - فتح بابه في المسجد كفتح باب رسول الله صلى الله عليه وآله وجواره في المسجد كجواره، ويأتي بيانه في الفصل التالي لهذا الفصل انشاء الله تعالى. ومنها - أنه نظيره في النور قبل خلق آدم بأربعة آلاف عام والتسبيح والتقديس يصدر منهما لله عز وجل، وقد تقدم ذلك في الفصل الحادي والعشرين. ومنها - أنه نظيره في استحقاق الإمامة، لأنه يستحقها على طريق


1. سورة المائدة: 55. 2. سورة الأحزاب: 33. (*)

[ 431 ]

استحقاق النبي صلى الله عليه وآله للنبوة سواء، بدليل قوله تعالى لابراهيم * (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي) * (1) الآية، وقد مضى بيان ذلك، وأنهما عليهما السلام دعوة ابراهيم في الفصل الرابع. ومنها - أنه أخوه بسببين آخرين، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله كان يسمي فاطمة بنت أسد أمي، والعم يسمى أبا بدليل قوله تعالى * (وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر) * (2) الآية. وقال الزجاج: أجمع النسابون أن اسم أبي إبراهيم تارخ. وبقوله تعالى حكاية عن يعقوب * (ما تعبدون من بعدي) * (3) الآية، وإسماعيل كان عمه. إلى غير ذلك من الأشياء التي شابهه وناظره فيها، واستقصاؤها لا يحمل ذكره ههنا. ومن يكون مشاكلا ومضاهيا للرسول عليه السلام في هذه المراتب العظيمة الجليلة لا ريب أن يكون أحق بالخلافة وأجدر ممن لم يحصل له بعض واحدة من هذه المراتب. ألم تر أن أبا بكر والعباس لم يحصل لهما فتح باب في المسجد، وكذا عمر سأل فتح خوخة إلى المسجد فلم يحصل له، وقال له الرسول عليه السلام: ولا بقدر إصبع. وقال أبو بكر: يا رسول الله دع لي كوة أنظر إليها. فقال: ولا رأس إبرة. وسأل عثمان مثل ذلك فأبي عليه السلام. ويأتي بيانه في الفصل التالي


1. سورة البقرة: 124. 2. سورة الأنعام: 74. 3. سورة البقرة: 133. (*)

[ 432 ]

انشاء الله. وهذا ظاهر لمن تأمله، بين لمن تدبره، مكشوف لمن تبصره، لائح لمن تنظره، من أن الحاوي لهذه المزايا وغيرها أولى بالاقتداء وأوجب من غيره بالإمامة. ألم تر أن أبا بكر احتج ببعض مزية من هذه المزايا حصلت له الخلافة، لأنه احتج بأن الخلافة في قريش. وهذه القرابة بعيدة عن الرسول، وقرابة علي من الرسول هي القرابة القريبة واللحمة الخصيصة. قال مولانا علي بن أبي طالب صلوات الله عليه (1): أقيك بنفسي أيها المصطفى الذي * هدانا به الرحمن من عمه الجهل (2) وأفديك حوبائي وما قدر مهجتي * لمن أنتمي منه إلى الفرع والأصل (3) ومن ضمني مذ كنت طفلا ويافعا * وأنعشني بالبر والعل والنهل (4) ومن جده جدي ومن عمه عمي * ومن أهله أمي ومن بنته أهلي ومن حين آخى بين من كان حاضرا * دعاني وآخاني وبين من فضلي لك الفضل إني ما حييت لشاكر * لإتمام ما أوليت يا خاتم الرسل وقال عليه السلام أيضا (5): أنا أخو المصطفى لاشك في نسبي * معه ربيت وسبطاه هما ولدي


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 212. 2. العمه: التحير والتردد بحيث لا يدري أين يتوجه. 3. الحوباء: النفس. 4. اليافع: من شارف الاحتلام. أنشعني: أنهضني وقوى جأشي، العل: الشرب الثاني، والنهل: الشرب الأول. 4. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 213. (*)

[ 433 ]

وقال أبو هاشم الجعفري (1): أليس رسول الله آخى بنفسه * عليا صغير السن يومئذ طفلا فألا سواه كان آخى وفيهم * إذا ما عددت الكهل والشيخ والطفلا (2) فهل ذلك إلا أنه كان مثله * فألا جعلتم في اختياركم المثلا أليس رسول الله آكد عقده * فكيف ملكتم بعده العقد والحلا


1. المناقب 215 / 2 ما عدا البيت الأول. 2. في المصدر: إذا ما عددت الشيخ والكهل والطفلا. (*)

[ 435 ]

الفصل الرابع والعشرون (في ذكر سد الأبواب) قال الله تعالى * (فأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلو بيوتكم قبلة) * (1). ثم أوحى الله تعالى إلى موسى: أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله جنبا معه إلا هارون وذريته. ونبينا صلى الله عليه وآله لما قدم المهاجرون إلى المدينة بنوا حوالي مسجده بيوتا فيها أبواب شارعة في المسجد ونام بعضهم في المسجد، فأوحى الله تعالى إلى نبينا: أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله معه إلا علي وذريته عليهم السلام. وهذا شئ ظاهر لا خفاء به عند الفريقين: فمن ذلك ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسنده (2) مسندا إلى زيد ابن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أبواب شارعة في المسجد [ قال ] فقال يوما: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي.


1. سورة يونس: 87. 2. مسند الامام أحمد 4 / 329، والزيادات منه. (*)

[ 436 ]

قال: فتكلم في ذلك أناس. [ قال ]: فقام رسول الله (ص)، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه (1) قائلكم، [ وإني ] والله ما سددت شيئا ولا فتحته، لكني أمرت بشئ فاتبعته. ورواه أيضا عن عمر بن الخطاب (2) قال: لقد أوتي علي عليه السلام ثلاثا لأن أكون أوتيتها أحب إلي أن أعطى حمر النعم: جوار رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد، والراية يوم خيبر، والثالثة نسيها الراوي. قيل: لأنه من جملة السند المحذوف. ورواه المذكور في مسنده (3) عن ابن عمر قال: كنا نقول [ في زمن النبي: رسول الله ] خير الناس [ ثم ] أبو بكر ثم عمر، ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ببنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. وروى أبو زكريا ابن مندة الاصفهانى الحافظ في مسانيد المأمون (4) ورفع الحديث إلى ابن عباس قال: قال حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن عليا مني، ثم قال لعلي: أنت وارثي. وقال: إن موسى سأل الله تعالى أن يطهر [ له ] مسجدا لا يسكنه إلا


1. في المصدر: إلا باب.. وقال فيه. 2. الصحيح عن ابن عمر كما سيأتي. 3. مسند الامام أحمد 2 / 26. 4. منقول في الطرائف لابن طاوس 2 / 61 كما هنا مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ. (*)

[ 437 ]

موسى وهارون وابنا هارون، وإني سألت الله أن يطهر مسجدا لك ولذريتك من بعدك. ثم أرسل إلى أبي بكر: أن سد بابك، فاسترجع وقال: فعل هذا بغيري ؟ فقيل: بأبي بكر. فقال: لي بأبي بكر أسوة حسنة. فسد بابه. ثم ذكر رجلا آخر سد النبي صلى الله عليه وآله [ بابه ]. وذكر كلاما، ثم قال: فصعد النبي المنبر فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولا أنا فتحت باب علي، ولكن الله سد أبوابكم وفتح باب علي. ورواه الفقيه الشافعي من ثمانية طرق، فمنها ما رواه عن حذيفة بن أسيد الغفاري (1) قال: لما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله المدينة لم يكن لهم بيوت يسكنون فيها (2) فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي: لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا. ثم إن القوم بنوا بيوتا حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وإن النبي صلى الله عليه وآله بعث إليهم معاذ بن جبل، فنادى أبا بكر فقال له: إن [ رسول ] الله يأمرك أن تخرج من المسجد [ وتسد بابك الذي فيه ] (3). فقال: سمعا وطاعة، فسد بابه وخرج من المسجد. ثم أرسل إلى عمر فقال له: إن رسول الله يأمرك أن تسد بابك الذي في


1. المناقب لابن المغازلي 1 / 254، والزيادات منه. 2. في المصدر: يبيتون فيها. 3. زيادة ليست في المصدر. (*)

[ 438 ]

المسجد تخرج [ منه ]. فقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله (1). ثم أرسل إلى عثمان وعنده رقية، فقال: سمعا وطاعة، فسد بابه وخرج من المسجد. ثم أرسل إلى حمزة فسد بابه، وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله. وعلي على ذلك متردد لا يدري أهو ممن يقيم أهو ممن يخرج (2)، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد بنى له بيتا في المسجد بين أبياته، فقال له النبي: أسكن طاهرا مطهرا. فبلغ حمزة قول النبي [ لعلي ] فقال: يا رسول الله تخرجنا وتسكن غلمان بني عبد المطلب (3) فقال له [ نبي الله: لاه ] لو كان الأمر إلي ما جعلت من دونكم من أحد، والله ما أعطاه إياه إلا الله، وإنك لعلى خير من الله [ ورسوله ]، أبشر. فبشره النبي صلى الله عليه وآله، فقتل بأحد شهيدا. ونفس ذلك رجال على علي، فوجدوا في أنفسهم، وتبين فضله عليهم وعلى غيرهم من أصحاب النبي (ص)، فبلغ ذلك النبي، فقام خطيبا وقال: إن رجالا يجدون في أنفسهم في أن أسكن الله (4) عليا في المسجد، والله ما أخرجتهم ولا أسكنته، إن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى موسى وأخيه * (أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة) *، وأمر موسى أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله إلا


1. زاد في المصدر هنا: غير أني أرغب إلى الله في خوخة في المسجد، فأبلغه معاذ ما قال عمر. 2. في المصدر: يتردد.. في من يقيم أو في من يخرج. 3. في المصدر: يا محمد.. وتمسك. 4. في المصدر: في أني أسكنت عليا. (*)

[ 439 ]

هارون وذريته، وإن عليا [ مني ] بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحل مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلا علي وذريته، فمن ساءه فههنا (وأومأ بيده نحو الشام. ومنها: ما رفع حديثه إلى عدي بن ثابت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد فقال: إن الله أوحى إلى نبيه موسى عليه السلام: أن ابن لي مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا موسى وهارون وابنا هارون، وإن الله أوحى إلي أن أبني مسجدا طاهرا [ لا يسكنه ] إلا أنا وعلي وابنا علي (1). ومنها: ما رفعه إلى سعد بن أبي وقاص قال: كانت لعلي مناقب لم تكن لأحد: كان يبيت في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر، وسد الأبواب إلا باب علي (2). ومنها: ما رفعه إلى البراء بن عازب قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أبواب شارعة في المسجد، وإن النبي قال: سدوا هذه الأبواب غير باب علي، فتكلم في ذلك أناس. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله، [ فحمد الله وأثنى عليه ] ثم قال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكنني أمرت بشئ ففعلته (3). ومنها: ما رفعه عن سعد: أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بسد


1. المناقب لابن المغازلي ص 252 و 299 مع اختلاف يسير في الموضع الثاني. 2. المناقب ص 256. 3. نفس المصدر ص 257، وآخره: فاتبعته. (*)

[ 440 ]

الأبواب، فسدت وترك باب علي، فأتى العباس فقال: يا رسول الله سددت أبوابنا وتركت باب علي. فقال: ما أنا فتحتها ولا أنا سددتها (1). ومنها: ما رفعه إلى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله سد أبواب المسجد غير باب علي (2). ورفع عنه بسند آخر: أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بسد الأبواب كلها، فسدت إلا باب علي (3). ومنها: ما رفعه عن نافع مولى ابن عمر (4) قال: قلت لابن عمر: من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: ما أنت وذاك لا أم لك. ثم قال: استغفر الله، خيرهم بعده من كان يحل له ما كان يحل له ويحرم عليه ما [ كان ] يحرم عليه. قلت: من هو ؟ قال: علي سد أبواب المسجد وترك باب علي، وقال له: لك في هذا المسجد ما كان لي (5)، وعليك فيه ما علي، وأنت وارثي ووصيي، تقضي ديني وتنجز عداتي وتقتل على سنتي، كذب من زعم أنه يبغضك ويحبني. وروى حديث سد الأبواب جدي رحمه الله في نخبه مسندا إلى الباقر وإلى علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى نحو ثلاثين رجلا من الصحابة (6)، منهم: زيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد


1. المصدر السابق ص 258، وفيه: فأتاه العباس. 2. نفس المصدر والصفحة. 3. المصدر ص 260. 4. المصدر ص 261. 5. في المصدر: مالي. 6. صرح بهذا العدد الحمويني في فرائد السمطين 1 / 208. (*)

[ 441 ]

الخدري، وجابر، وأبو رافع، وأبو الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري، وأبو حازم عن ابن عباس، والعلاء بن عمرو، وشعبة عن زيد بن علي عليه السلام في جماعة كثيرة. وقال رحمه الله (1): وقد تداخلت الروايات بعضها في بعض: أنه لما قدم المهاجرون إلى المدينة بنوا حوالي مسجده بيوتا، فيها أبواب شارعة في المسجد، ونام بعضهم في المسجد فأرسل النبي صلى الله عليه وآله معاذ بن جبل فنادى: إن النبي يأمركم أن تسدوا أبوابكم إلا باب علي. فأطاعوه إلا رجل. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله، فحمد الله وأثنى عليه. ثم أورد اللفظ عن زيد بن أرقم، وهو: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، فإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكني أمرت بشئ فتبعته. ورواه في كتابه المقدم ذكره عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله. ورواه أحمد في الفضائل، ورواه أبو يعلى في مسنده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا ما فتحته ولكن الله فتحه. وروى في الخصائص العلوية، ورواه أبو بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيها الناس ما أنا سددتها وما أنا فتحتها، بل الله عز وجل سدها، ثم قرأ * (والنجم إذا هوى) * إلى قوله * (يوحى) * (2).


1. تجد هذا الكلام في المناقب 2 / 216. 2. سورة النجم: 1 - 4. (*)

[ 442 ]

وروى في مسند أبي يعلى وفضائل السمعاني وحلية الأولياء عن أبي نعيم بطريقين عن أبي صالح عن عمرو بن ميمون قال: قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سدوا أبواب المسجد كلها إلا باب علي. وروى جدي رحمه الله في نخبة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: دوا هذه الأبواب إلا باب علي قبل أن ينزل العذاب. وروى الخطيب في تاريخ بغداد بإسناده إلى زيد بن علي عن أخيه محمد بن علي عليهم السلام أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سدوا الأبواب إلا باب علي، وأومأ بيده إلى باب علي (1). وروى في مسنده العشرة عن عبد الرحمن بن الرقيم الكناني قال: خرجنا إلى المدينة في زمن الجمل، فلقينا سعد بن مالك يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي عليه السلام (2). وقد ذكر هذا الحديث في خبر العشرة التي تقدم ذكرها في الفصل الرابع. وروى صاحب الإبانة عن أبي عبد الله العكبري، وصاحب المسند عن أبي يعلى وأحمد، وفضائل أحمد، وشرف المصطفى عن أبي سعيد النيسابوري، واللفظ له قال: قال عبد الله بن عمر: ثلاثة أشياء لو كان لي واحدة منها لكان أحب إلي من حمر النعم: أحدها إعطاء الراية إياه يوم


1. تاريخ بغداد 7 / 205. 2. مسند الامام أحمد 1 / 175. (*)

[ 443 ]

خيبر، وتزويجه فاطمة إياه، وسد الأبواب إلا باب علي. قالوا: فخرج العباس يبكي وقال: يا رسول الله أخرجت عمك وأسكنت ابن عمك ؟ فقال: ما أخرجتك ولا أسكنته، ولكن الله أسكنه. وجاء حمزة يبكي ويجر عباءه الأحمر، فقال له كما قال للعباس. وقال عمر: دع لي خوخة أطلع منها إلى المسجد، فقال: ولا قدر إصبعة. فقال أبو بكر: دع لي كوة أنظر إليها، فقال: لا ولا رأس أبرة. فسأل عثمان مثل ذلك فأبى. وذكر هذه الأقوال المذكورة عن ابن عباس وحمزة والمشائخ الثلاثة. وروى جدي رحمه الله في نخبة حديثا مسندا قال: أمر الله نبيه أن يبني مسجده، فبنى فيه عشرة أبواب، تسعة للنبي وأزواجه، وعاشرها - وهو متوسطها - لعلي وفاطمة عليهما السلام، وكان ذلك في أول سنة الهجرة، وبقي على كونه، فلم يزل علي وولده في بيته إلى أيام عبد الملك بن مروان، وعرف الخبر فحسد القوم على ذلك واغتاض وأمر بهدم الدار وتظاهر أنه يريد أن يزاد في المسجد، وكان فيها الحسن بن علي فقال: لا أخرج ولا أمكن من هدمها، فضرب بالسياط وتصايح الناس، وأخرج عند ذلك وهدمت الدار وزيد في المسجد. وفي منهاج الكراجكي: انه ما بين البيت الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وبين الباب المحاذي لزقاق البقيع، وقال: فتح له الباب وسد على سائر الأصحاب. وروى في الفائق عن الزمخشري (1) أنه قال سعد: لما نودي ليخرج من في المسجد إلا آل الرسول وآل علي، خرجنا نجر - قلاعنا - وهو جمع


1. الصحيح في العبارة: وروى الزمخشري في الفائق. أنظر: 3 / 222 (قلع). (*)

[ 444 ]

قلع، وهو الكنف [ يكون فيه زاد الرعي ومتاعه) (1). وفي رواية أبي رافع (2): أنه صلى الله عليه وآله صعد المنبر وقال: إن رجالا يجدون في أنفسهم أن سكن علي في المسجد وخرجوا، والله ما فعلت ذلك إلا عن أمر ربي، [ إن ] الله تعالى أوحى إلى موسى * (أن تبوءا لقومكما بيوتا) * الآية، ثم أمر موسى أن يسكن مسجده، فلا يدخله جنب غيره وغير أخيه هارون وذريته، واعلموا رحمكم [ الله ] أن عليا مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. ولو كان كان بعدي عليا (3). وروى أبو صالح في الأربعين وأبو العلاء العطار الهمداني في كتابه بالإسناد عن أم سلمة أنه عليه السلام قال بأعلى صوته: ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض إلا للنبي وأزواجه وفاطمة بنت محمد وعلي، ألا بينت لكم أن تضلوا - مرتين. وفي جامع الترمذي ومسند أبي يعلى عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي 412 عليه السلام: يا علي لا يحل [ لأحد ] أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. وفي رواية: يا علي لا يحل لأحد في هذه الأمة غيري وغيرك. وفي رواية الخطيب في الحدائق: لا يحل أن يدخل مسجدي جنب


1. زيادة من المصدر. 2. في المخطوطة: وفي رواية ابن أبي رافع. والتصحيح من مناقب ابن شهر اشوب 2 / 221. 3. في المناقب: ولو كان كان علي. (*)

[ 445 ]

[ غيري ] غيره وغير ذريته، فمن شاء فهنا - وأشار بيده نحو الشام. فقال المنافقون: لقد ضل وغوى في أمر ختنه، فنزل * (ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى) * (1). فرق: النبي عليه السلام بنى أفعاله على ظاهر الحال، حيث كانت صالحة في فتح الأبواب للصحابة، وفي إعطاء الراية ودفع الآيات من براءة لأبي بكر، لأنه صلى الله عليه وآله لا يعلم البواطن ولا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وسد الأبواب وأخذ الآيات من أبي بكر بوحي من الله الجليل، كما نقله الفريقان، وقد تقدم ذكره بمواطنه. فكان فعله على ظاهر الحال، وفعل الباري سبحانه وتعالى في المنع على باطن الحال لا على ظاهره. فعلم من صلاح باطن علي عليه السلام ما لم يكن حاصلا للممنوع. ولو لم يكن الأمر كذلك وإلا كان اختصاصه عليه السلام بذلك دون غيره عبثا. ويتعالى فعل القديم سبحانه عن ذلك، لأن العبث نقص والنقص محال على الله. ومن قال بتحسين الفعل وتقبيحه قال: العبث قبيح، والله عالم بقبحه وغني عنه، وكل من كان كذلك امتنع صدور العبث منه. وبدليل ما مدح به نفسه ونزهها عنه بقولها عنه بقوله تعالى * (أفحسبتم أنما خلقنا كم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) * (2).


1. سورة النجم: 3. 2. سورة المؤمنون: 115. (*)

[ 446 ]

فقد ثبت صلاح الباطن والظاهر لعلي عليه السلام، بمقتضى الوحي من الله تعالى وفعل رسوله عليه السلام. واختصاص الرسول وعلي عليهما السلام بفتح بابيهما دليل ظاهر على زيادة درجات علي في الشرف والفضل والكرامة والحباء، حتى لم يبق بعدها زيادة لمستزيد، إلى أن ألحقه الله بنبيه عليه السلام. وجواز الإستطراد والمقام في المسجد - وهو جنب - دليل لائح على طهارته وشرفه، وكذا في حق ذريته الطاهرة عليهم السلام. فإذن قد تفرد عليه السلام بذلك، وهو ممن لا يضاهيه أحد من الأمة. ومن ثبت له ذلك كان الإتباع له أولى وأوجب، والإقتداء به أفرض وأوكد. وقال السيد الحميري رحمه الله (1): وخص رجالا من قريش بأن بنى * حجرا فيه وكان مسددا (2) فقيل له اسدد كل باب فتحته * سوى باب ذي التقوى علي فسددا لهم كل باب أشرعوا غير بابه * وقد كان منفوسا عليه محسدا وقال أيضا رحمة الله عليه (3): وأسكنه في المسجد الطهر وحده وزوجته والله من شاء يرفع (4)


1. ديوان الحميري ص 167، غير البيت الثالث. 2. في المخطوطة: لهم حجرا. 3. ديوان الحميري ص 282. 4. في الديوان: وزوجه. (*)

[ 447 ]

مجاوره فيه الوصي وغيره وأبوابهم في المسجد الطهر شرع فقال لهم سدوا عن الله صادقا فضنوا بها عن سدها وتمنعوا فقام رجال يذكرون قرابة وما ثم فيما يبتغي القوم مطمع (1) فعاتبه في ذاك منهم معاتب وكان له عما وللعم موضع فقال له أخرجت عمك كارها وأسكنت هذا إن عمك يجزع فقال له يا عم ما أنا بالذي فعلت بكم هذا بل الله فاقنعوا


1. في المخطوطة: فقلتم رجالا يذكرونها قرابة. (*)

[ 449 ]

الفصل الخامس والعشرون في أن حب علي بن أبي طالب علم على النجاة والإيمان وبغضه علم على النفاق والهلاك قال الله تعالى * (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) * (1). الحسنة هيهنا مودة أهل البيت وحبهم عليهم السلام، لما روي عن الحسن بن علي عليهما السلام. وروى الخوارزمي في الأربعين بإسناده إلى أنس والديلمي في الفردوس عن معاذ وجماعة عن ابن عمر قال: قال النبي عليه السلام: حب علي بن أبي طالب حسنة لا تضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة (2). تأويل الخبر: لما كان حبه هو الإيمان بالله تعالى وبغضه هو الكفر - على ما يأتي بيانه انشاء الله تعالى - استحق محبه الثواب الدائم ومبغضه العذاب الدائم، فإن قارن هذه المحبة سيئة استحق بها عقابا منقطعا، ومع ذلك يرجى له عفو من الله تعالى أو شفاعة من الرسول عليه السلام.


1. سورة الشورى: 23. 3. الفردوس للديلمي 2 / 142، المناقب للخوارزمي ص 76. (*)

[ 450 ]

وكل شئ قل ضرره بإضافته إلى ما كثر ضرره، جاز أن يقال: إنه غير ضار، كما يقال: لا ضرر على من يحب نفسه في مهلكة وإن تلف ماله. فحبه عليه السلام يصحح العقيدة، وصحة العقيدة تمنع من الخلود، فلا تضر سيئته كل الضرر، وبغضه يفسدها وفسادها يوجب الخلود ويحبط كل حسنة. وروى ابن مردويه بالإسناد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي لو أن عبدا عبد الله [ مثل ] ما قال نوح في قومه، وكان له مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله، ومد في عمره حتى حج ألف عام على قدميه، ثم قتل بين الصفار والمروة مظلوما، ثم لم يوالك يا علي لم يشم ريح الجنة [ ولم يدخلها ] (1). بيان: هذا الخبر [ يدل على ] أن العقيدة [ لو كانت ] غير صحيحة، فكان عمله هباء منثورا، قال الله تعالى * (وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية) * (2) وقال تعالى * (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنا هباء منثورا) * (3). والدليل على أن العقيدة غير صحيحة [ ما ] أثبت في هذا الكتاب من وجوب إمامته وحجته عليه السلام، فلما لم يأت المكلف بما وجب عليه من حق الإمامة فسدت عقيدة دينه فحبطت أعماله.


1. المناقب للخوارزمي ص 67 والزيادة منه. 2. سورة الغاشية: 2 - 4. 3. سورة الواقعة: 6. (*)

[ 451 ]

وفي شرف المصطفى وتاريخ النسوي حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وآله، وهو قال النبي: لو أن عبدا عبد الله بين الركن والمقام ألف عام ثم ألف عام ولم يكن يحبنا أهل البيت لأكبه الله على منخره في النار (1). وروى الفقيه الشافعي ابن المغازلي وغيره (2)، والنقل من رواية مجاهد عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب غضبانا، فقال النبي عليه السلام: ما أغضبك ؟ فقال: آذوني فيك بنو عمك. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله مغضبا فقال: يا أيها الناس من آذي عليا فقد آذاني، إن عليا أولكم إيمانا وأوفاكم بعهد الله، يا أيها الناس من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا. فقال جابر [ بن عبد الله ] الأنصاري: يا رسول الله وإن شهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله ؟ فقال: يا جابر كلمة يحتجزون بها (3) أن لا تسفك دماؤهم و [ أن لا يستباح ] أموالهم وأن [ لا ] يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى في كتابي الخطيب الخوارزمي وشيرويه الديلمي عن جابر الأنصاري قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: جاءني جبريل من عند الله بورقة آس خضراء مكتوب فيها ببياض: إني افترضت محبة علي بن أبي


1. قريب منه في فرائد السمطين 1 / 331. 2. المناقب لابن المغازلي ص 52، والزيادات منه. 3. في المخطوطة: يحتجون بها. (*)

[ 452 ]

طالب على خلقي [ عامة ]، فبلغهم ذلك عني (1). وفي معجم الطبراني (2) - وهو من أهل المذاهب الأربعة - بإسناده إلى فاطمة عليها السلام قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله باهى بكم وغفر لكم عامة ولعلي خاصة، وإني رسول الله إليكم غير هائب لقومي ولا محاب لقرابتي (3)، هذا جبريل، مخبرني أن السعيد كل السعيد (4) من أحب عليا في حياته وبعد موته، وأن الشقي كل الشقي من يبغض عليا (5) في حياته وبعد موته. وروى في الفردوس الديلمي قال: قال عمر بن الخطاب قال: النبي عليه السلام: حب علي براءة من النار (6). وروى ابن بطة في الإبانة والخطيب في الأربعين بإسنادهما عن السدي، والسدي أسنده إلى زيد بن أرقم، وروى الثعلبي في ربيع المذكرين بإسناده إلى أبي هريرة، روى هؤلاء المذكورون واللفظ لزيد [ ابن أرقم ] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن بيمينه فليتمسك بحب علي ابن أبي طالب (7).


1. المناقب للخوارزمي ص 66. 2. المعجم الكبير 22 / 415. 3. في المصدر: وإني رسول الله إليكم غير محاب لقرابتي. 4. في المصدر: حق السعيد. 5. في المصدر: من أبغض عليا. 6. الفردوس للديلمي 2 / 142. 7. فرائد السمطين 1 / 186. (*)

[ 453 ]

وهذا الخبر المذكور رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن زيد بن أرقم. وروى الشيخ الفقيه السعيد المفيد رحمه الله في إرشاده حديثا مسندا عن [ زر بن ] حبيش قال: رأيت أمير المؤمنين عليا عليه السلام على المنبر، فسمعته يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي إلي أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق (1). وروى حديثا مسندا إلى الحارث الهمداني قال: رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام جاء حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قضاء قضاه الله تعالى على لسان نبيه الأمي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق، وقد خاب من افترى (2). وروى عن [ زر بن ] حبيش بطريق آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق (3). وروى أحمد بن حنبل في مسنده مسندا إلى علي عليه السلام قال: عهد النبي صلى الله عليه وآله إلي أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق (4). وروى حديثا مسندا إلى أبي سعيد الخدري قال: ما كنا نعرف منافقي الأنصار إلا ببغضهم عليا عليه السلام.


1. الإرشاد للمفيد 1 / 40. 2. المصدر السابق. 3. نفس المصدر والصفحة. 4. مسند الإمام أحمد 1 / 95. (*)

[ 454 ]

ورواه مسندا عن جابر الأنصاري قال: ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلا ببغضهم عليا. وروى حديثا مسندا عن أم سلمة بطريقين أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: لا يبغضك إلا منافق ولا يحبك إلا مؤمن (1). وروى حديثا رفعه إلى ابن الزبير قال: قلت لجابر: كيف كان علي فيكم ؟ قال: ذلك من خير البشر، ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم إياه. وروى حديثا رفعه إلى عمار بن ياسر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي عليه السلام: طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك. وروى حديثا رفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت فهو منافق. وروى حديثا رفعه إلى عروة بن الزبير: أن رجلا وقع في علي بمحضر من عمر، فقال له عمر: تعرف صاحب هذا القبر، هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب، فلا تذكر عليا إلا بخير، فإنك إن أبغضته آذيت هذا في قبره. هذه الأحاديث الثمانية رواها أحمد بن حنبل. وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند علي بن أبي طالب عليه السلام في الحديث التاسع من افراد مسلم، وروى في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثاني على حد ثلثه في باب مناقب


1. مسند الإمام أحمد 6 / 292. (*)

[ 455 ]

أمير المؤمنين عليه السلام من صحيح أبي داود، ومن الباب المذكور أيضا من صحيح البخاري، ويليه أيضا من صحيح أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. وروى من الطريقين ما رواه جدي في نخبه، رواه على سبيل الجملة مشيرا إلى أسماء الرجال، صورة لفظه: عطية عن أبي سعيد قال النبي صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت فهو منافق. ابن مسعود قال النبي عليه السلام: من زعم أنه آمن بما جئت به وهو يبغض عليا فهو كاذب ليس بمؤمن. ابن بطة في الإبانة بإسناده عن جابر قال النبي عليه السلام: لو أن أمتي أبغضوا [ عليا ] لأكبهم الله على منا خرهم في النار. ابن عباس وأم سلمة وسلمان قال النبي عليه السلام: من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني. أم سلمة وأنس قال النبي عليه السلام ونظر إلى علي: كذب من زعم أنه يحبني ويبغض هذا. ابن بطة من ستة طرق وابن ماجة والترمذي ومسلم والبخاري وأحمد وابن البيع وأبو القاسم الاصفهاني وأبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع وأبو معاوية عن الأعمش بأسانيدهم عن زر بن حبيش قال: قال علي عليه السلام: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. الحلية وفضائل السمعاني والعكبري وشرح الألكائي وتاريخ بغداد.

[ 456 ]

عن زر بن حبيش قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: عهد إلي النبي عليه السلام أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. وقد رواه كثير النوى وسالم بن حفصة، جامع الترمذي وجامع الموصلي وفضائل أحمد عن أم سلمة قال النبي عليه السلام لعلي: لا يحبك منافق، ولا يبغضك مؤمن. كتاب إبراهيم الثقفي بإسناده عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: أبشر فإنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق، ولو لا أنت لم يعرف حزب الله. إبانة العكبري وكتاب ابن عقدة وفضائل أحمد بأسانيدهم أن جابرا والخدري قالا: كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ببغضهم عليا. إبانة العكبري وشرح الألكائي، قال زيد بن أرقم: ما كنا نعرف المنافقين ونحن مع النبي صلى الله عليه وآله إلا ببغضهم عليا وولده. الهروي في الغريبين: عبادة بن الصلت قال: كنا نبور (1) أولادنا بحب علي بن أبي طالب، فإذا رأينا أحدهم لا يحبه علمنا أنه لغير رشده. الطبري في الولاية بإسناد له عن الأصبغ بن نباتة قال علي عليه السلام: لا يحبني ثلاثة: ولد زنا، ومنافق، ورجل حملت به أمه في بعض حيضها. وروى عبادة بن يعقوب بإسناده عن يعلى بن مرة أنه كان جالسا عند النبي صلى الله عليه وآله إذ دخل علي بن أبي طالب، فقال النبي عليه


1. نبور: أي نجرب. الغريبين (بور). (*)

[ 457 ]

السلام: كذب من زعم أنه يتولاني ويحبني وهو يعادي هذا ويبغضه، والله لا يبغضه ويعاديه إلا كافر أو منافق أو ولد زنية. هذا آخر لفظه رحمه الله. فاتضح بقول الأمة بأسرها أن حبه عليه السلام علم على الإيمان والنجاة وبغضه علم على النفاق والهلاك، والمنافق من أهل جهنم بقوله تعالى * (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) * (1). فتحتم ووجب أن حبه يدخل الجنة وبغضه يدخل النار. وهذا أبلغ الغايات وأقصى النهايات في وجوب الإقتداء به والإتباع له، لأنه عليه السلام طريق السلامة ومسلك الهداية، ولأجل محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وآله له أمرا بحمبته عليه السلام. والمحبة منا الإتباع له عليه السلام والإقتداء به والقبول منه في الأوامر والنواهي، وجب ذلك وجوبا لازما مضيقا لا يجوز لأحد أن يعدل عنه. فوجب حينئذ تقديمه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل، لأن من قدم عليه غيره أخل في تلك المدة بما وجب عليه من الطاعة له، لا سيما وفي ألفاظ النبي (ص) معان كثيرة: إن السعيد كل السعيد من أحبه والشقي كل الشقي من أبغضه، وإن حبه براءة من النار، ومن آذاه بعث يهوديا أو نصرانيا وإن شهد الشهادتين، إلى غير ذلك من الأخبار، وفي تأملها غنى عن الإشارة إليه.


1. سورة النساء: 145. (*)

[ 458 ]

وجه آخر: قد ثبت أن حبه طريق النجاة، فيجب سلوكه على كل عاقل عقلا وسمعا في سائر الأوقات: أما الأول مع لوم ببديهة العقل، والثاني بقوله تعالى * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (1). وسلوك حبه إنما هو القبول منه في الأوامر والنواهي، فمن قدم عليه غيره بعد الرسول لم يكن ممتثلا لأمره ونهيه عليه السلام، فيخرج عن سلوك محبته، ومتى خرج عن محبته ضل عن طريق السلامة، فوجب تقديمه بعد النبي عليه السلام عقلا وسمعا. وجه آخر: جاء الخبر المأثور عن الرسول عليه السلام، وهو: إذا أحب الله عبدا حببه إلى خلقه. فما حسبك - عفا الله عنك - بمن فرض الله محبته على خلقه، وجعلها ذريعة إلى قبول عقيدتهم، وعلامة على طهارة مولدهم. وفي هذا مقنع ونهاية لمن أنصف من نفسه. وحذفت الأسانيد من هذا الكتاب لئلا يطول، فربما كان السند أطول من الخبر، ولأن الناظر فيه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن سلم الخبر فلا حاجة إلى السند، وإما أن يوجه الطعن إلى الخبر فله أن يطعن في سنده أيضا. ومع توجه الطعن في الخبر بسند وغير سند، لا بد من رجوعه إلى


1. سورة البقرة: 195. (*)

[ 459 ]

الكتاب المشار إليه بالأخذ منه، فيجد الخبر والسند، فلا حاجة والحال هذه إلى ذكر الأسانيد، فكل رواية منسوبة إلى رواتها حسب من دون اسم كتاب، فإن أكثرها أو كلها منقولة من كتاب الشيخ السعيد الفقيه عز الدين أبي جعفر محمد بن شهر اشوب ومن كتاب جدي الموسوم بكتاب (نخب المناقب لآل أبي طالب) عليهم السلام. لبعضهم في معنى الخبر الأول من هذا الفصل (1): وقد أتت الرواية في حديث * صحيح عن ثقات محدثينا بأن محبة الهادي علي * أجل تجارة للتاجرينا وليس تضر سيئة بخلق * يكون لها من المتخلفينا وقال الخليفة الناصر رحمه الله (2): قسما ببكة والحطيم وزمزم * والراقصات وسعيهن إلى منى بغض الوصي علامة مكتوبة * كتبت على جبهات أولاد الزنا من لم يوال في البرية حيدرا * سيان عند الله صلى أو زنى (3) أيضا في جملة أبيات كثيرة: لو أن عبدا أتى بالصالحات غدا وورد كل نبي مرسل وولي وعاش ما عاش آلافا مؤلفة خلوا من الذنب معصوما من الزلل


1. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 229. 2. المصدر السابق 2 / 241، البيت الثاني والثالث. 3. في المصدر: من لم يوال من الأنام وليه.. أم زنى. (*)

[ 460 ]

وقام ما قام قواما بلا كسل وصام ما صام صواما بلا ملل وطار في الجو لا يأوى إلى عدل أو غاص في البحر لا يخشى من البلل لم يك والله يوم الحشر منتفعا إلا بحب أمير المؤمنين علي وقوله حجة لازمة عند من يعتقد فرض طاعته. ولبعضهم في جملة أبيات: وقول رسول الله فيه مصدق * رواه ابن عباس وزيد وجابر محب علي لا محالة مؤمن * وباغضه والله لا شك كافر

[ 461 ]

الفصل السادس والعشرون في تسميته عليه السلام بإمرة المؤمنين روى الشيخ السعيد المفيد محمد بن محمد بن النعمان في كتاب الإرشاد (1) حديثا أسنده إلى أنس قال: كنت خادم رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كانت ليلة أم حبيبة بنت أبي سفيان أتيت رسول الله بوضوء، فقال [ لي ]: يا أنس [ بن مالك ] يدخل عليك من هذا الباب الساعة (2) أمير المؤمنين وخير الوصيين، أقدم الناس سلما وأكثرهم علما وأرجحهم حكما (3). فقلت: اللهم اجعله من قومي. قال: فلم ألبث أن دخل علي بن أبي طالب من الباب ورسول الله يتوضأ، فرمى (4) رسول الله الماء على وجهه حتى امتلأت عيناه منه، فقال علي: يا رسول الله أحدث في حدث ؟ فقال له النبي عليه السلام: ما حدث فيك إلا خير، إنك مني (5)


1. الإرشاد للمفيد 1 / 46. 2. زيد في المخطوطة هنا (علي بن أبي طالب)، وهي ليست في المصدر ولا تناسب السياق. 3. في المصدر: حلما. 4. في المصدر: فرد. 5. في المصدر: أنت مني. (*)

[ 462 ]

وأنا منك، تؤدي عني وتفي ديني (1) وتغسلني وتواريني في لحدي، وتسمع الناس عني وتبين لهم ما يختلفون من بعدي (2). وذكر المفيد حديثا أسنده إلى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأم سلمة: إسمعي واشهدي، هذا علي أمير المؤمنين وسيد المسلمين (3). وروى (4) حديثا مسندا إلى معاوية بن ثعلبة قال: قيل لأبي ذر رضي الله عنه: أوص. قال: قد أوصيت. قيل: إلى من ؟ قال: إلى أمير المؤمنين. قيل: عثمان ؟ قال: ولكنه أمير المؤمنين حقا علي بن أبي طالب، إنه لرب هذه الأرض ورب هذه الأمة، لو فقدتموه لأنكرتم الأرض ومن عليها (5). وروى حديثا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي - قال: وهو مشهور [ معروف ] بين العلماء بأسانيد يطول شرحها - قال: قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني سابع سبعة فيهم أبو بكر وعمر وطلحة والزبير. فقال: سلموا على علي بإمرة المؤمنين، فسلمنا عليه بذلك ورسول الله (ص) حي بين أظهرنا (6)


1. في المصدر: وتفي بذمتي. 2. في المصدر: وتبين لهم من بعدي. 3. الإرشاد للمفيد 1 / 47، وفيه: وسيد الوصيين. 4. نفس المصدر والصفحة. 5. ذيل الحديث في المصدر هكذا: قال: لا ولكن إلى أمير المؤمنين حقا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، إنه لزر الأرص ورباني هذه الأمة، لو قد فقدتموه لأنكرتم الأرض ومن عليها. 6. الإرشاد للمفيد 1 / 48. (*)

[ 463 ]

وروى جدي في نخبه في فصل المعراج حديثا مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال في آخره: ثم قال الله تعالى: من خلفت لأمتك ؟ فقال: الله أعلم. قال له: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين. وقال رحمه الله في موضع آخر من نخبه: وروى جماعة من الثقات عن الأعمش، عن عبادة الأسدي والليث، عن مجاهد، عن أبي مالك وابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه وابن جريح، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس. وروى العوام بن حوشب عن مجاهد، وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة قال: قالوا: ما أنزل في القرآن من آية فيها * (يا أيها الذين آمنوا) * إلا وعلي أميرها وشريفها (1). وفي رواية حذيفة: إن لعلي بن أبي طالب لبها، ولبابها. وفي رواية: إلا وعلي رأسها وأميرها. وروى في نخبه قال: في تفسير يوسف بن موسى القطان ووكيع بن الجراح: أميرها وشريفها، لأنه أول المؤمنين إيمانا. وفي رواية إبراهيم الثقفي وابن بطة والعكبري عن عكرمة عن ابن عباس: إلا وعلي رأسها وشريفها وأميرها. وفي صحيفة الرضا عليه السلام: ليس في القرآن * (يا أيها الذين آمنوا) * إلا في حقنا، وفي التوراة (يا أيها الناس) إلا فينا (2). وفي تفسير مجاهد قال: ما في القران * (يا أيها الذين آمنوا) * فإن لعلي سابقة ذلك، لأنه سبقهم إلى الإسلام، فسماه الله في تسع وثمانين موضعا


1. رواه الحبري في تفسيره ص 234 عن ابن عباس. 2. صحيفة الرضا ص 235، ومتن الحديث يختلف عما هنا. (*)

[ 464 ]

أمير المؤمنين وسيد المخاطبين إلى يوم الدين. وروى المنقري بإسناده عن أبي داود عن أبي بريدة. وروى عباد بن يعقوب الأسدي بإسناده عن أبي داود السبيعي عن أبي بريدة: أنه دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إذهب فسلم على أمير المؤمنين. فقال: يا رسول الله وأنت حي ؟ قال: وأنا حي. ثم جاء عمر فقال له مثل ذلك. وفي رواية السبيعي أنه قال عمر: ومن أمير المؤمنين ؟ قال: علي بن أبي طالب. قال: عن أمر الله وعن أمر رسوله ؟ قال: نعم. والرجال المذكورون في هذا السند من أهل المذاهب الأربعة ما خلا بريدة الأسلمي لا علم لي به. إبراهيم الثقفي عن عبد الله بن جبلة الكناني - وهو شيعي المذهب - عن ذريح المحاربي، عن الثمالي، عن الصادق عليه السلام: إن بريدة كان غائبا بالشام، فقدم وقد بايع الناس أبا بكر، فأتاه في مجلسه وقال: يا أبا بكر هل نسيت تسليمنا على علي أمير المؤمنين بإمرة المؤمنين واجبة من الله ورسوله ؟ فقال: يا بريدة إنك غبت وشهدنا، وإن الله يحدث الأمر بعد الأمر، ولم يكن الله ليجمع لأهل هذا البيت النبوة والملك. الثقفي والسري بن عبد الله بإسنادهما: إن عمران بن الحصين وبريدة قالا لأبي بكر: قد كنت أنت يومئذ في من سلم على علي بإمرة المؤمنين، فهل تذكر ذلك اليوم أم نسيت ؟ فقال: بل أذكره. فقال بريدة: فهل ينبغي لأحد من المسلمين أن يتأمر على أمير المومنين ؟ فقال عمر: أن النبوة والإمامة لا تجتمع في بيت واحد. فقال له بريدة: قال الله تعالى * (أم

[ 465 ]

يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكم والنبوة وآتيناهم ملكا عظيما) * (1) وقد جمع الله لهم النبوة والملك. الأعمش عن السدي (2) عن ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وآله قال لأم سلمة: إسمعي واشهدي أن هذا علي أمير المؤمنين وسيد المسلمين. بشير الغفاري والقاسم بن جندب وأبو الطفيل عن أنس في خبر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله بوضوء، قال لي: يا أنس يدخل عليك من هذا الباب الساعة أمير المؤمنين وخير الوصيين. وفي رواية الثقفي: أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين. قال أنس: فدخل علي عليه السلام. وروى ابن عباس قال: قال علي عليه السلام: السلام عليك يا رسول الله. قال: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال: يا رسول الله أنت حي وتسميني أمير المؤمنين ؟ قال: نعم، إنه سماك جبرئيل من عند الله وأنا حي: يا علي مررت أمس وأنا وجبرئيل في حديث فلم تسلم علينا، فقال: ما بال أمير المؤمنين لم يسلم علينا، أم والله لو سلم لسررنا ولرددنا عليه. وروى الخلف بن مجلد (3) عن علي عليه السلام قال: دخلت على


1. سورة النساء: 54. 2. في المناقب لابن شهر اشوب: عن عباية الأسدي. 3. في المناقب: وروى الخلق منهم ابن مخلد. (*)

[ 466 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله فوجدته نائما ورأسه في حجر دحية الكلبي، فسلمت عليه فقال دحية: وعليك السلام يا أمير المؤمنين، ويا فارس المسلمين وقائد الغر المحجلين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين - أو قال: إماما لمتقين - ثم قال لي: تعال خذ رأس نبيك في حجرك فأنت أحق بذلك. فلما دنوت من رسول الله ووضعت رأسه في حجري لم أر دحية، وفتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه وقال: يا علي من كنت تكلم ؟ قلت: دحية، وقصصت عليه القصة، فقال: لم يك ذاك دحية وإنما هو كان جبرئيل، أتى ليعرفك أن الله تعالى سماك بهذه الأسماء. الحارث بن الخزرج صاحب راية الأنصار قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: لا يتقدمك إلا كافر، ولا يتخلف عنك إلا كافر، وإن أهل السماوات يسمونك أمير المؤمنين. سلمان الفارسي قال: سألت النبي عليه السلام عن ذلك، فقال: إنه يميرهم العلم، يمتار منه ولا يمتار من أحد. وهذا الخبر يصدق ما مضى في الفصل الثاني عشر من انتساب جميع أهل العلوم إليه وروايتهم عنه. أمالي أبي سهل أحمد القطان وكافي الكليني قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لو علم الناس متى سمي علي أمير المؤمنين ما أنكروا ولا جحدوا. قلت: فمتى سمي ؟ قال: إن ربك عز وجل حين أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم، قال: ألست بربكم ومحمد

[ 467 ]

رسول وعلي أمير المؤمنين (1) ؟. وذكر الخطيب في مواضع من تاريخ بغداد: أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم الحديبية وهو آخذ بيد علي: هذا أمير البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله - يمد بها صوته. أحمد في مسند الأنصار وأبو يوسف الفسوي في المعرفة والتاريخ وأبو القاسم الألكائي في الشرح عن بريدة والبراء قالا: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله بعثين إلى اليمن، على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعلي على الناس، وإذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده. فكان صلى الله عليه وآله يؤمره على الناس ولا يؤمر عليه [ أحدا ]. إلى هنا روى جدي رحمه الله في نخبه على طريق الأختصار (2)، وأومأ إلى ما ذكره الرجال إيماء، والموجب لذلك أنه اختصر كتاب الشيخ السعيد الفقيه عز الدين أبي جعفر محمد بن شهر اشوب المازندراني السروي رحمه الله، وهو كتاب كبير بسيط سمعت بعض الأصحاب يقول: وزنت منه جزءا واحدا كان وزنه تسعة أرطال. وقال جدي رحمه الله في خطبة (نخب المناقب): وفكرت في كثرة ما جمع فيه وأنه ربما يؤدي عظم حجمه إلى العجز عن نقله، بل ربما أدى لترك النظر فيه والتصفح لجميعه، لا سيما مع سقوط الإهتمام في طلب العلم.


1. في المناقب لابن شهر اشوب 3 / 68 مع اختلاف في بعض الألفاظ. 2. هذه كلها مأخوذة من المناقب 3 / 64 - 68. (*)

[ 468 ]

فلما اختصره لهذا الكتاب (1) المذكور اقتضت الحال إلى أن يومي إلى ذكر الرجال إيماء ويداخل الروايات بعضها في بعض، ويذكر عن جميع الرواة حديثا واحدا ويذكر اختلافهم فيه. وأضاف إلى الكتاب المشار إليه من عنده رحمه الله كلاما من غير الأصل في المواضع استشهادا وتأكيدا لصحة الحديث، فاختصر منه كتابا حسنا لطيفا سماه (نخب المناقب لآل أبي طالب)، جمع فيه فوائد الكتاب التي تقوم الحجة بها، وجمع النظائر على أجل طريق وأوضح منهاج، وخالف تأليف الكتاب الأصلي، فلذلك حصل منه الإيجاز والإيماء إلى الأحاديث والروايات. وذكرت هذا تنبيها على قصده وغرضه في كتابه، فمن أراد بيان الأحاديث والأخبار ومعرفة كل حديث من هذه الأحاديث المنسوبة إلى كتاب نخب المناقب على حدته فليرجع إلى كتاب ابن شهر اشوب وغيره من الكتب التي أومأ إلى أسمائها واختصر منها ما يكون اشتهارا وتأكيدا لصحة الأحاديث. وروى أيضا في نخبه حديثا مسندا إلى الباقر عليه السلام قال: سئل الباقر عن قوله تعالى * (فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك) * (2) من هؤلاء ؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليلة أسري بي إلى السماء الرابعة أذن جبرئيل وأقام وجمع النبيين والصديقين والشهداء والملائكة، فتقدمت وصليت بهم، فلما انصرفت قال جبرئيل: قل لهم بما


1. العبارة غير مستقيمة. 2. سورة يونس: 94. (*)

[ 469 ]

تشهدون. قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأن عليا أمير المؤمنين ولي الله (1). وروى الخطيب الخوارزمي (2) حديثا مسندا عن [ سعيد بن ] جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته، فغدا [ عليه ] علي بن أبي طالب الغداة، وكان يحب أن لا يسبقه إلى أحد، فدخل فإذا النبي جالسا في صحن الدار، فإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليكم كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال دحية: وعليك السلام أصبح بخير يا أخا رسول الله. فقال [ له ] علي: جزاك [ الله ] عنا أهل البيت خيرا. فقال [ له ] دحية: إني أحبك، وإن لك عندي مدحة أزفها إليك، أنت أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين، أنت سيد ولد آدم إلى يوم القيامة ما خلا النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه إلى الجنان زفا، قد أفلح من تولاك وخسر من تخلاك، محب محمد محبوك [ ومبغضه ] مبغضوك، لم تنالهم شفاعة محمد، أدن مني يا صفوة الله وخذ رأس ابن عمك وأنت أحق به مني. فأخذ رأس النبي. فانتبه النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما هذه الهمهمة ؟ فأخبره الخبر، فقال: [ يا علي ] لم يكن دحية الكلبي، وإنما كان جبرئيل، سماك باسم سماك الله به، وهو الذي ألقى محبتك في صدور المؤمنين ورهبتك في صدور الكافرين. وروى الفقيه الشيخ محمد بن جعفر المشهدي رحمه الله في كتابه


1. تفسير البرهان 2 / 198. 2. المناقب للخوارزمي ص 322، مع بعض الإختلاف، الزيادات منه. (*)

[ 470 ]

الموسوم بكتاب (ما اتفق فيه من الأخبار في فضل الأئمة الأطهار) حديثا مسندا إلى أنس بن مالك وعبد الله بن عباس، قالا جميعا: كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وآله إذا جاء علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: السلام عليك يا رسول الله. قال: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وأنت حي يا رسول الله ؟ قال: نعم وأنا حي، إنك يا علي مررت بنا أمس يومنا وأنا وجبرئيل في حديث ولم تسلم، فقال جبرئيل: ما بال أمير المؤمنين مر بنا ولم يسلم، أما والله لو سلم لسررنا ولرددنا عليه. فقال علي عليه السلام: يا رسول الله رأيتك ودحية الكلبي قد استخليتما في حديث فكرهت أن أقطعه عليكما. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: إنه لم يكن دحية، وإنما كان جبرئيل عليه السلام، فقلت: يا جبرئيل كيف سميته أمير المؤمنين ؟ فقال: كان الله عز وجل أوحى إلي في غزاة بدر: أن اهبط على محمد فمره أن يأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يجول بين الصفين، فإن الملائكة يحبون إن ينظروا وهو يجول بين الصفين، فسماه الله في السماء أمير المؤمنين، فأنت يا علي أمير من في السماء وأمير من في الأرض وأمير من مضى وأمير من بقي، وأمير قبلك ولا أمير بعدك، إنه لا يجوز أن يسمى بهذا الاسم من لم يسمه الله تعالى. ولم يجوز الأصحاب أن يطلق هذا الاسم لغيره من الأئمة عليهم السلام، يدل على ذلك ما رواه جدي في نخبه مسندا إلى الصادق عليه السلام قال: قال رجل للصادق: يا أمير المؤمنين. فقال: مه، فإنه لا يرضى بهذه التسمية أحد إلا ابتلي ببلاء أبي جهل.

[ 471 ]

وروى محمد بن جعفر المشهدي خبر دحية الكلبي بطريق آخر مسندا عن الزبير، وذكر من جملته: أن جبرئيل قال لعلي عليه السلام: وعليك السلام يا أمير المؤمنين. وروى في كتابه أيضا حديثا مسندا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي طوبى لمن أحبك وويل لمن أبغضك وكذب بك، يا علي أنت العلم لهذه الأمة، من أحبك فاز ومن أبغضك هلك، يا علي أنا المدينة وأنت الباب. ثم ذكر حديثا طويلا، ثم قال: قال النبي عليه السلام: يا علي أنت أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين. ثم ذكر صفات أخر، ثم قال: يا علي ذكرك في التوراة، وذكر شيعتك قبل أن يخلقوا بكل خير، وكذلك ذكرهم في الإنجيل، وما أعطاك الله من علم الكتاب، فإن أهل الإنجيل يعظمون إليا وشيعته وما يعرفونهم، وأنت وشيعتك مذكورون في كتبهم، يا علي خبر أصحاب، أن ذكرهم في السماء أفضل وأعظم من ذكرهم في الأرض، ليفرحوا ويزدادوا اجتهادا. ثم وصف الشيعة بأوصاف طويلة، ثم قال لعلي عليه السلام: شيعتك على منهاج الحق ولا إستقامة، لا يستوحشون لكثرة من خالفهم، ليسوا من الرياء ولا الرياء منهم، أولئك مصابيح الدجى. وروى محمد بن جعفر المشهدي حديثا مسندا إلى عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا سيد الأولين والآخرين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وهو أخي ووارثي وخليفتي في أمتي، وولايته فريضة، وأولياؤه أولياء الله وأعداؤه أعداء الله، وهو إمام

[ 472 ]

المسلمين ومولى المؤمنين وأميرهم بعدي، فقال لها الراوي سعيد بن جبير: فما حملك على حربه ؟ فبكت وقالت: والله ما حملني على حربه إلا بغض بيت الأحماء. وكل خبر منسوب إلى هذا الشيخ الفقيه محمد بن جعفر المشهدي رحمه الله فهو من كتابه المقدم ذكره. ومن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه (1) مسندا عن معاوية بن ثعلبة [ الليثي ] أنه قال لداود بن أبي عوف: ألا أحدثك بحديث لم يختلط ؟ قلت: بلى. قال: مرض أبو ذر فأوصى إلى علي عليه السلام، فقال بعض من يعوده: لو أوصيت إلى عمر كان أحمل لوصيتك من علي. فقال: والله لقد أوصيت إلى أمير المؤمنين، حق أمير المؤمنين، والله إنه الربيع الذي يسكن إليه، ولو قد فارقكم لقد أنكرتم الناس وأنكرتم الأرض. قال: قلت: يا أبا ذر إنا لنعلم أن أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أحبهم إليك. قال: أجل. قلنا: فأيهم أحب إليك ؟ فقال: هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه - يعني علي بن أبي طالب. وروى أبو بكر ابن مردويه (2) بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة قيل: لما أصيب زيد بن صوحان بيوم الجمل أتاه علي وبه رمق، فوقف عليه أمير المؤمنين عليه السلام وهو لما به، فقال: رحمك الله يا زيد، فو الله ما عرفتك إلا خفيف [ المؤنة ] كثير المعونة. قال: فرفع [ إليه ] رأسه وقال:


1. كشف الغمة 1 / 353. 2. المناقب للخوارزمي ص 177، والزيادات منه. (*)

[ 473 ]

وأنت رحمك الله، فو الله ما عرفتك إلا بالله عارفا (1) وبآياته عارفا، والله ما قاتلت معك من جهل، ولكن سمعت حذيفة بن اليمان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ألا وإن الحق معه يتبعه، ألا فميلوا معه. وروى الفقيه الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب (2) حديثا مسندا عن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبي صلى الله عليه وآله بعضدي علي عليه السلام وقال: هذا أمير البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثم مد بها صوته فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب. وفي حلية أبي نعيم وولاية الطبري قالا: قال النبي عليه السلام: يا أنس أسكب لي وضوءا، ثم قال: فصلى ركعتين، ثم قال: يا أنس يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين. قال أنس: فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، وكتمته إذ جاء علي، فقال: من هذا يا أنس ؟ فقلت: علي. فقام مستبشرا واعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق علي بوجهه، فقال علي: يا رسول الله لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعت لي قبل. قال: وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين ما اختلفوا فيه. وهذا نص جلي ظاهر غني عن التأويل دال بلفظه هاد بنطقه، لا بدلالة


1. في المصدر: بالله عالما. 2. المناقب لابن المغازلى ص 84، مع اختلاف في بعض الألفاظ. (*)

[ 474 ]

الإلتزام. وإن تعجب فعجب [ أنهم ] يروون هذه الأخبار ونظائرها - وهي أكثر من أن تحصى لأن الذي ذكرته إنما هو قطرة من بحار ليستدل بالجرعة على اللجة - ثم يجعلونه إماما رابعا. فعلى تقدير صحة قولهم ما حال من مات في زمن المشايخ الثلاثة، فإنه لم يجب عليه القول بإمامة علي عليه السلام علي رأيهم، وأمير المؤمنين يستحق هذا الأمر وهذا الاسم مطلقا منذ حصلت له التسمية بذلك، لا يختص به وقت دون وقت ولا زمان دون زمان. ولا يجوز صرفه عن هذه التسمية، لأنها صادرة عن الله سبحانه وتعالى، فمن صرفه عنها في مدة احتاج إلى دليل، ولا دليل. فائدة: موصوفية علي عليه السلام بإمرة المؤمنين: إما أن يكون وصفا عدميا أو ثبوتيا، الأول محال، لأنه نقيض اللاموصوفية، وهي وصف سلبي، ونقيض السلب ثبوت، فثبت أن موصوفيته بالإمرة وصف ثبوتي، وهي صفة واحدة تختص به دون غيره، لاستحالة قيام الصفة الواحدة بمحلين، فوجب اختصاصه بالإمرة وثبوتها فيه وله دون غيره. وروى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا إلى أبان بن الصلت عن الصادق عليه السلام قال: سمي أمير المؤمنين إنما هو من ميرة العلم، وذلك أن العلماء من علمه امتاروا ومن ميرته استعملوا. وأما ما ذكره مجاهد في هذا الفصل من أن عليا عليه السلام سبقهم إلى الإسلام. فليس المراد بأنه كان عليه السلام على ملة غير الإسلام مثل

[ 475 ]

عبادة الصنم أو غيره ثم أسلم، لأن ذلك في حق محمد وعلي عليهما السلام محال، لأنهما على دعوة إبراهيم عليه السلام في سؤاله * (واجنبني وبني أن نعبده الأصنام) * (1)، وقد ذكر بيانه في الفصل الرابع، لكن المراد بإسلام علي في الخبر أي آمن، والإيمان هو التصديق بالله تعالى * (وما أنت بمؤمن لنا) * (2) أي بمصدق. وذلك يقتضي التبجيل والتعظيم لعلي عليه السلام وإلحاقه بالأنبياء عليهم السلام، قال الله تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام * (وأنا أول المسلمين) * (3) وفي موضع آخر * (أسلمت لرب العالمين) * (4) وعن موسى عليه السلام * (وأنا أول المؤمنين) * (5) وعن سيد البشر محمد عليه السلام * (آمن الرسول) * (6) أي صدق، وقال تعالى آمرا * (فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني) * (7) ومعنى أسلمت وجهي أي أخلصت قصدي في العبادة لله تعالى. وفي لغة العرب (أسلمت وجهي) أي أسلمت نفسي، ومعنى أسلمت نفسي أي أنفدت لأمره في إخلاص التوحيد، وهو المراد من الأنبياء ومن علي عليه السلام.


1. سورة إبراهيم: 35. 2. سورة يوسف: 17. 3. سورة الأنعام: 163. 4. سورة البقرة: 131. 5. سورة الأعراف: 143. 6. سورة البقرة: 285. 7. سورة آل عمران: 20. (*)

[ 476 ]

قال السيد الحميري (1) رحمه الله في قصيدته الرائية التي أولها: ألا الحمد لله حمدا كثيرا * ولي المحامد ربا غفورا (2) حتى انتهى إلى قوله: وفيهم علي وصي النبي (3) * بمحضره قد دعاه أميرا وكان خصيصا (4) به في الحياة * فصاهره واجتباه عشيرا وقال خطيب منبج رحمه الله (5): ومن بالأمر اجتمعت عليه * ملائكة السماء مسلمينا وسلم فيه جبريل عليه * علانية برغم الساخطينا (6)


1. ديوان السيد الحميري ص 210 و 224. 2. البيت في المخطوطة: الحمد لله كثيرا أولى * المحامد ربا غفورا ولا يخفى ما فيه. 3. في الديوان: علي إمام وصي النبي. 4. في الديوان: وكان الخصيص. 5. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 67، وتكرر اسم الشاعر فيه (خطيب منيح). 6. في المخطوطة: وسلم جبريل علانية عليه... (*)

[ 477 ]

الفصل السابع والعشرون في قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (أنت مني وأنا منك) قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (أنت مني وأنا منك) في مقام بعد مقام، حتى بان وظهر وعلن واشتهر بين الأمة، ولا حاجة إلى إيراد أخبار الفرقة المحقة في ذلك، لأن الحجة بخبر المحجوج أو كد في الحجة عليه وألزم له: فمن أخبارهم في ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه في الجزء الرابع من الأجزاء الثمانية في ثلثه الأخير في باب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إن عمر بن الخطاب قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنه راض - يعني عن علي - وقال له رسول الله: أنت مني وأنا منك (1). ورواه أيضا في صحيحه في الجزء الخامس في رابع كراس من أوله (2). ورواه في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثاني في باب مناقب


1. صحيح البخاري 5 / 22. 2. نفس المصدر 5 / 180. (*)

[ 478 ]

علي بن أبي طالب عليه السلام من عدة طرق، منها عن أبي جنادة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: علي مني وأنا من علي، لا يؤدي عني إلا أنا أو علي. ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي في مناقبه من عدة طرق، منها ما أسنده إلى محمد بن نباتة بن أبي بريدة (1) عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي، وأنت مني وأنا منك (2). ومنها ما أسنده إلى عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، [ ما تريدون من علي ]، إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي (3). ومن ذلك ما رواه عن ابن أبي بريدة (4) عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا بريدة لا تبغض عليا (5)، فإن عليا مني وأنا منه (6). ومن ذلك ما رواه عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا من علي، وقال: لا يؤدي عني إلا أنا أو علي (7). وروى هذا الحديث بعينه عن حبشي بطريقين آخرين. ومن ذلك ما رواه مسندا إلى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه


1. الصحيح (محمد بن أسامة بن زيد) كما في المصدر. 2. المناقب لابن المغازلي ص 224. 3. المصدر السابق والزيادة منه. 4. في المصدر: عن ابن بريدة. 5. في المصدر: لا تسب عليا. 6. المناقب لابن المغازلي ص 225. 7. المصدر السابق ص 227. (*)

[ 479 ]

وآله قال لعلي: أنت مني وأنا منك (1). وهذه كلها عن ابن المغازلي الشافعي. وروى أبو سعيد الواعظ في شرف النبي قال: قال النبي عليه السلام: يا علي لو لا أني أخاف أن يقال فيك ما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالة لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا تراب نعليك وفضل وضوئك يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك (2). ومن ذلك ما رواه ابن المغازلي مسندا إلى عمران بن حصين بطريق آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي (3). ومن ذلك في الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري من الجزء الثاني في مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال عمر: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنه راض، وقال له: أنت مني وأنا منك (4). ومن ذلك الباب أيضا ما أسنده إلى عمران بن حصين قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سرية واستعمل عليها عليا عليه السلام، فلما غنموا أصاب علي من السبي جارية، فتعاقدوا أن يخبروا رسول الله


1. المصدر ص 228. 2. المناقب للخوارزمي، في حديث بمضمونه. 3. المناقب لابن المغازلي ص 224. 4. مضى الحديث نقلا عن صحيح البخاري. (*)

[ 480 ]

(ص)، فلما أخبروا أعرض عنهم، ثم أقبل عليهم والغضب يلوح في وجهه فقال: ما تريدون من علي، إن عليا مني وأنا منه (1). ويليه من الباب أيضا من سنن أبي داود وصحيح الترمذي عن أبي جنادة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي (2). ومن ذلك ما رواه ابن المغازلي في كتاب المناقب مسندا إلى جابر بن عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم بعرفات وعلي تجاهه إذ قال له رسول الله: أدن مني يا علي، [ صنع جسمك من جسمي ] خلقت أنا وأنت من شجرة، فأنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة (3). ومن ذلك ما رواه مسندا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مني مثل رأسي من بدني (4). وروى عنه هذا الخبر بطريق آخر. ومن ذلك ما رواه الخطيب الخوارزمي مسندا إلى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد خير، عن علي عليه السلام قال: أهدي إلى النبي صلى الله عليه وآله شمراخ فيه موز (5)، فجعل يقشر الموز


1. صحيح الترمذي 5 / 632، والحديث هنا ملخص. 2. صحيح الترمذي 5 / 636. 3. مناقب ابن المغازلي ص 90 والزيادة منه، وبمضمونه في ص 297. 4. المصدر السابق ص 92. 5. في المصدر (قنو موز). الشمراخ والشمروخ: العذق عليه بسر أو عنب أو موز القنو والقنو: العذق أيضا. (*)

[ 481 ]

ويجعلها في فمي، فقال له قائل: يا رسول الله إنك تحب عليا ؟ قال: أو ما علمت أن عليا مني وأنا من علي (1). ومن ذلك ما رواه عبد الواحد الآمدي التميمي في الجزء الثالث من جواهر الكلام في الحكم والأحكام في حرف النداء بدأ فيها بأن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أنت مني وأنا منك. وفي فضائل السمعاني وتاريخ الخطيب وفردوس الديلمي عن البراء وابن عباس، واللفظ لابن عباس: عن النبي عليه السلام علي مني مثل رأسي من بدني (2). وفي حديث بريدة وحديث براءة وحديث جبرئيل وأنا منكما. وفي فردوس الديلمي عن عمران بن حصين قال: قال النبي عليه السلام: علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي (3). وقد روى نحو هذا عمرو بن ميمون عن ابن عباس. ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل وهي أحاديث كثيرة: منها ما أسنده إلى عبد الله بن حيطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لوفد ثقيف حين جاؤه: لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا مني - أو قال: مثل نفسي - فليضربن أعناقكم وليسبين ذراريكم وليأخذن أموالكم. قال عمر: فو الله ما اشتهيت الإمارة إلا يومئذ، فجعلت أنصب صدري


1. المناقب للخوارزمي ص 64. 2. الفردوس 3 / 62. 3. المصدر السابق 3 / 61. (*)

[ 482 ]

رجاء أن يقول: هذا، فالتفت إلى علي فأخذ بيده ثم قال: هو هذا، هو هذا - مرتين. ورواه عن حبشي بن جنادة السلولي من طريقين، يقول في أحدهما: عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: علي مني وأنا منه، لا يؤدي عني إلا أنا أو علي (1). وروى عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله خبر وفد ثقيف، وزاد فيه: إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي. وروى عن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: لما قتل علي عليه السلام أصحاب الألوية يوم أحد قال جبرئيل: يا رسول الله إن هذه لهي المواساة. فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه. قال جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله. ورواه لهذا الخبر من طريق آخر. وروى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (2) قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله بعثين [ إلى اليمن ] على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد فقال: إذا التقيتم فعلي على الناس وإذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده. [ قال ]: فلقينا بني زيد من [ أهل ] اليمن، فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى علي عليه السلام من النساء (3) امرأة لنفسه. قال بريدة: وكتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره بذلك، فلما أتيت النبي


1. مسند الإمام أحمد 4 / 165. 2. المسند 5 / 356، والزيادات منه. 3. في المصدر: من السبى. (*)

[ 483 ]

دفعت الكتاب إليه، فقرئ عليه فرأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله هذا مقام العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه، ففعلت ما أرسلت به. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بريدة لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، [ لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه ] (1). فهذه الأحاديث الخمسة في مسند أحمد بن حنبل مسندة عن المذكورين. وفي كتاب المناقب تأليف أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه [ روى ] هذا الحديث من عدة طرق. وفي رواية بريدة له زيادة، وهي: إن النبي صلى الله عليه وآله قال لبريدة: إيه عنك يا بريدة، فقد أكثرت الوقوع بعلي، فو الله إنك لتقع في رجل أن أولى الناس بكم من بعدي. وفيه زيادة أخرى، وهي: إن بريدة قال: يا رسول الله استغفر لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حتى يأتي علي، فلما جاء علي طلب بريدة أن يستغفر له، فقال النبي لعلي: إن تستغفر له فاستغفر له، فاستغفر له. وفي الحديث زيادة ثالثة، وهي: إن بريدة امتنع من مبايعة أبي بكر بعد وفاة النبي وتبعه لعلي لأجل ما كان سمعه من نص النبي عليه السلام بالولاية بعده.


1. هذه الزيادة ليست في المصدر. (*)

[ 484 ]

فرق: فقد ظهر بقولهم وروايتهم أن علي بن أبي طالب عليه السلام مثله من رسول الله صلى الله عليه وآله مثل الرأس من الجسد، وظهور المبالغة في فهذا المثل غني عن الإيضاح له، لأنه لا شئ أبلغ من مكان الرأس من الجسد. وقد تقدم القول في فصل المباهلة أنه نفس الرسول صلى الله عليه وآله، وفي فصل الإخاء أنه مناظره في مراتب كثيرة، وذلك كله يقتضي المشابهة والمماثلة. وأما من في قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (أنت مني وأنا منك) فهي تؤدي بالجنسية لا غير، لأنها في هذا اللفظ لتبيين الجنس دون أقسامها الأخر، لأنها تكون لابتداء الغاية وللتبعيض وتكون زائدة وبمعنى الأمر كقولهم من يا زيد، ويكون بمعنى اللام كقوله تعالى * (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) * أي لأجل إملاق. وكونها لابتداء الغاية لا يصح في قوله عليه السلام (أنت مني وأنا منك)، لأن الطرد والعكس ينتقضان. ولأن التبعيض يؤذن أن يكون أحدهما جزءا من الآخر. وكونها زيادة يؤذن أن أحدهما هو الآخر بعينه. فلما ظهر بطلان الأقسام الخمسة لم يبق إلا أنها للجنسية فقط. ولو قال (علي مني) حيث احتملت وجوها من التأويل، فلما قال عليه السلام (وأنا منه) دل على عظم الحال في إرادة الجنس. ومن ثبت له المشابهة والمماثلة في الجنسية بخير البشر كان الإتباع له

[ 485 ]

والإقتداء به أوجب وأفرض. وفي كونه عليه السلام مماثلا ومجانسا له صلى الله عليه وآله أول دليل على أنه أولى بمقامه من جميع الخلائق. وقوله صلى الله عليه وآله في هذه الأخبار (لا يؤدي عني إلا أنا أو علي) وقوله (وهو ولي كل مؤمن من بعدي) مرتبتان تدلان على استحقاق علي عليه السلام الإمامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله، لأنه لا يؤدي عن الرسول بعده إلا الإمام المعصوم المفروض الطاعة حتى يحصل الثقة في التأدية. وكذا لا يكون ولي المؤمنين بعده إلا الإمام المستحق للولاية، وقد ثبتت ولايته في مواطن شتى.

[ 487 ]

الفصل الثامن والعشرون في معنى قوله (ولما ضرب ابن مريم مثلا) الآية قال الله تعالى * (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالواء آلهتنا خير) * (1). سبب نزول هذه الآية (2): أن النبي صلى الله عليه وآله قال لابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: لو لا أني أخاف أن يقال فيك ما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالة لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا تراب نعليك وفضل وضوئك يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك. قال الحرث بن عمرو الفهري لقوم من أصحابه: ما وجد محمد لابن عمه مثلا إلا عيسى بن مريم، يوشك أن يجعله نبيا من بعده، والله إن آلهتنا التي كنا نعبد خير منه. فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله * (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعوني هذا صراط مستقيم) * (3).


1. سورة الزخرف: 57 - 58. 2. أنظر: الكافي 8 / 57، تفسير فرات الكوفي ص 153. 3. سورة الزخرف: 61. (*)

[ 488 ]

وفي رواية أخرى: أنه نزل * (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) * (1) الآية، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا حارث اتق الله وارجع عما قلت من العداوة لعلي بن أبي طالب. فقال: إذا كنت رسول الله وعلي وصيك من بعدك وفاطمة بنتك سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وحمزة عمك سيد الشهداء وجعفر الطيار ابن عمك يطير مع الملائكة في الجنة والسقاية للعباس، فما تركت لسائر قريش ولد أبيك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ويلك يا حارث ما فعلت ذلك ببني عبد المطلب بل الله فعله بهم. فقال: * (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة) * (2) الآية، فأنزل الله * (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) * (3) فدعى رسول الله صلى الله عليه وآله الحارث، فقال: إما تتوب أو ترحل عنا. قال: فإن قلبي لا يطاوعني إلى التوبة لكنني أرحل عنك، فركب راحلته، فلما أصحر أنزل الله عليه طيرا من السماء في منقاره حصاة مثل العدسة، فأنزلها على هامته فخرجت من دبره إلى الأرض ففحص برجليه، فأنزل الله سبحانه * (سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين) * (4) بولاية علي. قال أبو بصير: قال الصادق عليه السلام: هكذا نزل به جبرئيل عليه السلام (5). وروى أحمد بن حنبل حديثا أسنده إلى علي عليه السلام قال: قال


1. سورة الزخرف: 59. 2. سورة الأنفال: 32. 3. سورة الأنفال: 33. 4. سورة المعارج: 1 - 2. 5. تفسير البرهان 4 / 381.

[ 489 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن فيك مثلا من عيسى، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه إلى المنزل الذي ليس له (1). وقال علي عليه السلام: يهلك في رجلان: محب يفرطني بما ليس في، ومبغض يحمله شنئاني على أن يبهتني. تم الخبر (2). وقوله فيه (حتى بهتوا أمه) أي جعلوه ولد زنية. وروي عن علي عليه السلام قال: قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن فيك مثلا من عيسى، أبغضته يهود (3) حتى بهتوا أمته، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس له، ألا وإنها يهلك في اثنان: محب [ مفرط مطري ] (4) يقرظني بما ليس في، ومبغض يحمله شنئاني على أن يبهتني، ألا إني لست بنبي ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم أو كرهتم (5). وروي عن علي عليه السلام قال: قال مثلي في هذه الأمة مثل عيسى ابن مريم، أحبته طائفة فأفرطت في حبه فهلكت، وأبغضته طائفة


1. مسند الإمام أحد 1 / 160، وصدره فيه: فيك مثل من عيسى. وذيله فيه: حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست به.. من تتمة الخبر السابق، وفي المصدر: ثم قال. 3. في المخطوطة: يهود خيبر. ولا أراه مناسبا. 4. ليست الزيادة في المصدر. 5. مسند الإمام أحمد 1 / 160. (*)

[ 490 ]

فأفرطت في بغضه فهلكت (1). وروي عن علي عليه السلام قال: قال يهلك في رجلان مفرط غال، ومبغض مفرط قال (2). وفي مسنده أيضا عن علي عليه السلام: يهلك في رجلان: محب مفرط غال، ومبغض قال. وفي حديث آخر قال: قال علي عليه السلام اللهم العن كل محب لنا غال، وكل مبغض لنا قال. قال: وفي حديث آخر: يهلك في رجلان: محب مفرط، ومبغض مفتر. وفي حديث آخر: ليحبني قوم حتى يدخلوا النار في حبي، وليبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي. هذه الروايات رواها أحمد بن حنبل في مسنده بطرق مختلفة عن علي عليه السلام. وروى الفقيه الشافعي علي بن المغازلي في كتاب المناقب (3) حديثا رفعه إلى علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن الله جعل فيك مثلا من عيسى عليه السلام، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى ادعوا فيه ما ليس له بحق، ألا وإنه يهلك في محبتي مطر يفرطني بما ليس في، ومبغض مفتر بجهله شنئاني أن


(1) بحار الأنوار 35 / 317. (2) تفسير الفرات الكوفي ص 151. 3. المناقب ص 72. (*)

[ 491 ]

يبهتني (1)، ألا وإني لست بنبي ولا يوحى إلي، ولكن أعمل بكتاب الله ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله عز وجل فواجب عليكم وعلى غيركم طاعتي فيه أحببتم أو كرهتم (2). وروى عبد الواحد الآمدي التميمي في الجزء الثالث من جواهر الكلام في الحكم والأحكام في حرف ياء النداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن فيك من عيسى اثنتين: أبغضوه اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليس بها. وذكر أحمد بن عبد ربه في كتاب العقد في فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال الشعبي: مثل علي في هذه الأمة مثل المسيح بن مريم في بني إسرائيل، أحبه قوم فكفروا في حبه، وأبغضه فكفروا في بغضه (3). فرق: ومعلوم أن خصائصه الباهرة ومعجزاته القاهرة وآياته الناطقة: مثل قلع الباب وقد مضى ذكرها بالفصل الخامس عشر، وقلع الصخرة وقد تقدم بالفصل الثامن، وإخباره بالمغيبات وقد ذكرت طرفا منها بمقدمة الكتاب، قد بلغت شرف الكمال حتى التبس أمره على كثير من العقلاء واعتقدوا أنه فاطر الأرض والسماء وخالق الأموات والأحياء، كما بلغ الأمر في عيسى عليه السلام هل هو معبود أو عبد.


1. في المصدر: يصفني بما ليس.. شنئآنه لي. 2. في المصدر إلى (طاعتي فيه)، وفيه بقية لم ينقلها مؤلفنا. 3. العقد الفريد 4 / 312. (*)

[ 492 ]

ولعل الله سبحانه وتعالى لما سبق في علمه ما يجري عليه حال علي عليه السلام من كثرة الباغضين والمعاندين، وما يبلغون إليه من مساواته بمن لا يجري مجراه، كساه الله من حلل الأنوار وجليل المنار ما يبلغ به إلى غاية تقوم بها الحجة البالغة لله سبحانه وتعالى على الخلائق، ولا يبقى لهم عذر يعتذرون به في ولاية وليه عليه السلام. وقد جعل الناس في كلامه عليه السلام ثلاث مراتب: قوم أفرطوا في حبه فهلكوا وهم النصيرية، لكنهم يعتقدون أنه إله يحيي ويميت ويمنع ويرزق، لما عاينوا من أفعاله الباهرة التي يريد الله تعالى بها أنبياءه وأوصياء أنبيائه ليصح بها صدق دعواهم في النبوة والخلافة، فلما أهملوا وظيفة النظر في الدليل هلكوا، حيث شبهوا الصانع بالمصنوع والرب بالمربوب. وقوم أفرطوا في بغضهم حتى نصبوا له العداوة وحاربوه ودفعوه عن مقامه الذي نصبه الله تعالى فيه ونبه عليه بالآيات في كتابه ونص عليه الرسول في مواضع لا تحصى كثرة، فأفرطوا في بغضه حتى كتموا من النصوص ما قدروا عليه وتوعدوا الناس على نشر مناقبه وسبوه على المنابر وأخذوه ملببا - وفي حديث آخر ترك في عنق علي حبلا أسودا - وقادوه كما يقاد الجمل وأضرموا النار ببيته وسفكوا دماء ذريته الطاهرة. وقوم مقتصدة بين أولئك، جعلت عليا عليه السلام إماما ولم تتعد به ما جعل الله له. ومعلوم أن المتميز من الأمة قليل والعمى فيها كثير، وعلى ذلك مضى جمهورها.

[ 493 ]

ألم تر أن قوم موسى عليه السلام حال صعودهم من البحر وقد شاهدوا الآية العظمى، أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون، فلا عجب حينئذ أن تنقلب الأمة بعد نبيها وتختلف في وصيه. ومعلوم أن أبا بكر لم يقل أحد [ من الأمة ] بأسرها أنه إله يحيي ويميت، بل قوم يرون إمامته وقوم لا يرونها أصلا. والأمة بأسرها قائلة بإمامة علي عليه السلام، لكن منهم من يجعله أولا ومنهم من يجعله رابعا. فالخلاف حينئذ في علي بين الإلهية والإمامة. والخلاف في أبي بكر هل هو إمام أم لا ؟ وهذا تباين عظيم وتباعد مفرط قد بلغ إلى الغاية وارتفع في النهاية. عظم الفرق فيه باختلاف معانيه، وظهر هيج تباينه لافتراق معانيه، وجل عن القرب فلا يقارب فيه. ولله در الشاعر حيث يقول (1): تبا لناصبة الإمام لقد * تهافتوا في الضلال بل تاهوا (2) قاسوا عتيقا بحيد سخنت * عيونهم بالذي به فاهوا كم بين من شك في إمامته (3) * وبين من قيل إنه الله


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 339. 2. في المصدر: يا ويل نصابة الأنام لقد تتابعوا... 3. في المصدر: في هدايته. (*)

[ 495 ]

الفصل التاسع والعشرون (في ذكر المودة للقرابة) قال الله تعالى * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * (1). والقربى هم علي بن أبي طالب وفاطمة وابناهما عليهم السلام. روى أحمد بن حنبل في مسنده حديثا رفعه إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزل * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة وابناهما (2). وروى مسلم في صحيحه في الجزء الخامس في أوله على حد كراسين منه في تفسير قوله تعالى * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * قال: سئل ابن عباس عن هذه الآية، فقال ابن جبير: هي قربى آل محمد عليهم السلام (3). وروى البخاري في الجزء السادس على حد كراسين ونصف عن ابن


1. سورة الشورى: 23. 2. مسند الإمام أحمد 1 / 286. 3. سنن أبي داود 5 / 377. (*)

[ 496 ]

جبير مثل ذلك سواء (1). وروى الثعلبي في تفسير لهذه الآية قال: لما نزلت * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة وابناهما صلوات الله عليهم. وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (وآت ذا القربى حقه) * (2) قال: عني بذلك قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى السدي عن الديلمي قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام لرجل من أهل الشام: قرأت القرآن ؟ قال: نعم. قال: فما قرأت في بني إسرائيل * (وآت ذا القربى حقه) * ؟ قال: وإنكم القرابة الذين أمر الله سبحانه وتعالى أن يؤتى حقه ؟ قال: نعم. والقربى نوعان: نسبي، وحكمي، وقد اجتمعا لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أما النسبي فمعلوم لا خفاء به، لا سيما أنه أول من ولد من هاشميين. وأما الحكمي فله منه ما ليس لأحد سواه، مثل الأخوة والمصاهرة والتربية والجوار، لأن بيته عليه السلام كان في وسط أبيات رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد، والأولاد، وقصة براءة والغدير والعشيرة والراية وتبوك إلى غير ذلك، والقربى بالحكم يدل على غاية الإختصاص به.


1. صحيح البخاري 6 / 162. 2. سورة الإسراء: 26. (*)

[ 497 ]

ومما يدلك على أن قرابته أمتن القرابة برسول الله صلى الله عليه وآله، أنه عليه السلام حاز ميراثه وسلاحه ومتاعه وكراعه، فمن ذلك عمامته السحاب وبغلته الشهباء. وقد أمر الله تعالى نبيه أن لا يسأل العباد أجرا إلا المودة في القربى لا غير، فكانت مودة قرابته أجر سفارته بين ربه عز وجل وبين خلقه. وقد علم كل مسلم ما صنع به محمد صلى الله عليه وآله من بذله لنفسه الشريفة وتعزيزه بمهجته الكريمة وإبلاغه ببهجته السعيدة وإنذاره بطليعته الجميلة ومجاهدته بغرته الحميدة ولطف تدبيره بأخلاقه الواسعة العظيمة في طاعة ربه عز وجل وإنقاذ عباده من النار، كما قال الله تعالى * (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) * (1). ثم إن النبي صلى الله عليه وآله لم يدع القرابة مهملة حتى بينها وأشار إليها وعين أسماء بعضهم، كما تقدم في روايات القوم من تعيينهم لعلي وفاطمة وابناهما، فنزل القران مجملا وفسره الأمين الذي لا ينطق عن الهوى، فوجب الإنقياد إلى تفسيره والإعتماد عليه. وأما قول ابن جبير في الخبر (هم آل محمد)، فالمراد بآل محمد أهل محمد، وأهله علي وفاطمة وابناهما، بدليل ما مر بالفصل الأول، لأن أصل (آل) أهل ثم أبدل من الهاء همزة فصارت أءل، ثم أبدل من الهمزة ألف لسكونها وانفتاح ما قبلها، ولهذا إذا صغر (آل) رد إلى أصله فقيل (أهيل). وأما قوله تعالى في الآية * (إلا المودة في القربى) * قيل معنى إلا ههنا


1. سورة آل عمران: 103. (*)

[ 498 ]

بمعنى غير، وأراد بها التفخيم والتعظيم للقربى عليهم السلام، كما قال الشاعر (1): ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب لأن الشاعر أراد المبالغة في المدح. ويدل على القرابة أيضا أن الشافعي يدفع إليهم سهمهم في الفئ والغنيمة بالقرابة، ولا يعتبر فيهم الحاجة وعدم الحاجة. وظاهر القران المجيد يدل على ذلك. وأما أبو حنيفة فيدفع إليهم ذلك بالحاجة دون القرابة، كقول الفرقة المحقة. فظهر أن قرابة علي من رسول الله صلى الله عليه وآله أمتن من كل قرابة. وإذا كان أبو بكر احتج على من كان بالسقيفة بالقرابة وجعلها ذريعة له ووصلة إلى الخلافة مع بعد قرابته من النبي صلى الله عليه وآله، لأنه تقرب ببعضها أبو بكر دون غيره تقرب بها على الكمال والتمام علي بن أبي طالب دونه ودون غيره. فوجبت مودته ومودة زوجته الطاهرة البتول وابنيهما عليهم السلام، ووجبت الخلافة دون الناس جميعا للقرابة الماسة. قال علي عليه السلام:


1. البيت للنابغة الذبياني، ديوانه ص 44. (*)

[ 499 ]

من جده جدي ومن عمه عمي * ومن أهله أمي ومن بنته أهلي وقال عليه السلام: محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وبنت محمد سكني وعرسي * منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها * فمن منكم له سهم كسهمي

[ 501 ]

الفصل الثلاثون (في ذكر الولاية) (وأن حزب علي عليه السلام هو الغالب) قال الله سبحانه وتعالى * (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) * (1). هذه الآيات نزلت بيانا لولاية علي عليه السلام، لأنه المعني ب‍ (الذين آمنوا). روى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى الباقر عليه السلام: إن الآية المذكورة نزلت في علي عليه السلام (2). وقد تقدم في الفصل السادس والعشرين على سبيل الجملة أن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه هو المعبر عنه بالذين آمنوا بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا) في سائر القرآن، وأنه لبها ولبابها وشريفها ورأسها وأميرها. وروى في أسباب النزول عن الواحدي * (ومن يتول الله ورسوله


1. سورة المائدة: 56. 2. تفسير البرهان 1 / 485. (*)

[ 502 ]

والذين آمنوا) * يعني عليا * (فإن حزب الله) * يعني شيعة الله ورسوله ووليه * (هم الغالبون) * يعني هم العالون على جميع العباد (1). وروى في الكافي عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام قال: ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث (2) الله رسولا إلا بنبوة محمد ووصية علي عليهما السلام (3). وقال صاحب شرح الأخبار: قال أبو جعفر عليه السلام في قوله تعالى * (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * (4). وروى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى الصادق عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه وآله لما حمل به جبرئيل على البراق إلى السماوات، وكان أهل كل سماء يتعجبون من رسول الله، فيؤذن جبرئيل كلمة كلمة في كل سماء ويقر أهل سماء بولاية محمد وعلي عليهما السلام وفضيلة شيعتهما. وروى في نخبه حديثا مسندا إلى حذيفة بن اليمان (5) عن النبي عليه السلام في جملة خبر: إن الله تعالى فرض على الخلق خمسة فأخذوا


1. لم نجده في أسباب النزول للواحدي، والظاهر أنه من المحذوفات التي لم ترق الطابعين إثباتها. وذكره عن الواحدي في تفسير البرهان 1 / 485. 2. في المخطوطة: لم يبعث. 3. الكافي 1 / 437. 4. سورة البقرة: 132. 5. أنظر: تفسير البرهان 1 / 520، الكافي 1 / 18. (*)

[ 503 ]

أربعة وتركوا واحدا. فسئل عن ذلك، فقال: الصلاة والزكاة والحج والصوم. قالوا: فما الواحد الذي تركوا ؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب. قالوا: أهي واجبة من الله تعالى ؟ قال: نعم، قال الله تعالى ؟ قال: نعم، قال الله تعالى * (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) * (1) الآيات. للمهلبي في المعنى: فرض الولاية للوصي * أعم من كل الفروض لا عذر فيه مستفيض * للمسافر والمريض وروى محمد بن إسحاق والشعبي والأعمش وسعيد بن جبير وابن عباس وأبو نعيم الإصفهاني والحاكم الحسكاني والنطنزي وجماعة أهل البيت عليهم السلام في قوله تعالى * (وقفوهم إنهم مسؤولون) * (2) قالوا: عن ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وحب أهل البيت (3). وروى في حلية الأولياء وفضائل أحمد وخصائص الطبري عن زيد ابن أرقم عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أحب أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي عز وجل غرس قضبانها بيده، فليتول علي بن أبي طالب، فإنه لن يخرجكم من الهدى ولن يدخلكم في الضلالة. وروى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا إلى ابن عباس وأبي


1. سورة الأنعام 21. 2. سورة الصافات: 24. 3. أنظر شواهد التنزيل 2 / 106، ينابيع المودة 231. (*)

[ 504 ]

هريرة قال النبي عليه السلام: من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنة عدن منزلي فيما غرسه ربي ثم قال له (كن) فكان، فليتول علي بن أبي طالب وليا ثم بالأوصياء من ولده، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى عبد الله بن موسى قال: تشاجر رجلان في الإمامة فتراضيا بشريك بن عبد الله، فجاءا إليه، فقال شريك: حدثني الأعمش، عن شقيق، عن سلمة، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل خلق عليا قضيبا من نور، فمن تمسك به كان من أهل الجنة. فاستعظم ذلك الرجل وقال: هذا حديث ما سمعناه، نأتي ابن دراج، فأتياه فأخبراه بقصتهما فقال: لا تعجبا من هذا، حدثني الأعمش، عن أبي هريرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله خلق قضيبا من نور فعلقه ببطنان عرشه لا يناله إلا علي ومن تولاه من شيعته. فقال الرجل: هذه أخت تلك، نمضي إلى وكيع، فمضيا إليه فأخبراه بالقصة، فقال وكيع: أتعجبان من هذا، حدثني الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أركان العرش لا ينالها أحد إلا علي ومن تولاه من شيعته. قال: فاعترف الرجل بولاية علي عليه السلام. ومن ذلك ما رواه ابن شيرويه الديلمي في كتابه كتاب الفردوس في قافية الواو عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله في تفسير

[ 505 ]

قوله تعالى * (وقفوهم إنهم مسؤولون) * يعني مسؤلون عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. وفي تاريخ الخطيب: حدثنا مسندا إلى ابن عباس قال: قلت: يا رسول الله للنار جواز ؟ قال: نعم. قلت: نعم. قلت: وما هو ؟ قال حب علي بن أبي طالب (1). وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن السدي عن أبي صالح قال: لما حضرت عبد الله بن عباس الوفاة قال: اللهم إني أتقرب إليك بولاية علي ابن أبي طالب. وروى في تفسير الثعلبي وأربعين الخطيب بإسنادهما إلى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لما عرج بي إلى السماء انتهيت مع جبرئيل إلى السماء الرابعة، فرأيت بيتا من ياقوت أحمر، قال جبرئيل: هذا هو البيت المعمور، خلقه الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، قم يا محمد فصل [ إليه ]، وجمع الله النبيين فصليت بهم، فلما سلمت أتاني ملك من عند الله وقال: يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك: سل الرسل على ما أرسلتم من قبلك، فسألتهم فقالوا: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب (2). وروى جدي في نخبه: إنهم كانوا تسعين نبيا منهم موسى وعيسى عليهما السلام. وروى أبو نعيم المحدث في كتابه الذي استخرجه من كتاب


1. تاريخ بغداد 3 / 161. 2. روي قريب من هذا الحديث جدا بألفاظه عن ابن مسعود في ينابيع المودة 1 / 243. (*)

[ 506 ]

الإستيعاب في تفسير قوله تعالى * (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) * (1) فقال النبي صلى الله عليه وآله: ليلة أسري به جمع الله بينه وبين الأنبياء عليهم السلام، ثم قال: سلهم يا محمد على ماذا بعثتهم ؟ قال: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بنبوتك والولاية لعلي بن أبي طالب. ومن ذلك ما رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتابه من عدة طرق بأسانيدها عن النبي صلى الله عليه وآله والمعنى متقارب، فيها: إن النبي قال: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم لم يمش عليه إلا من معه كتاب بولاية علي بن أبي طالب (2). وقد روى هذا الخبر جماعة من الأصحاب، إلا أن فيهم من قال: لم يمر على الصراط إلا من معه جواز بولاية علي بن أبي طالب. ومن ذلك ما روي في كتاب الكليني عن أبي بصير في قوله تعالى * (ومن يطع الله ورسوله) * في ولاية علي بن أبي طالب * (فقد فاز فوز عظيما) * (3) قال: هكذا أنزلت (4). وروي في كتاب الكليني في عشرة مواضع أخرى اسم علي عليه السلام مذكور في القرآن المجيد (5). وقال الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن شهر اشوب المازندراني السروي رحمه الله: رأيت اسم علي بن أبي طالب عليه السلام في صحف


1. سورة الزخرف: 45. 2. المناقب لابن المغازلي ص 242. 3. سورة الأحزاب: 71. 4. الكافي 1 / 414. 5. ذكرت المواضع في المناقب لابن شهر اشوب 3 / 106. (*)

[ 507 ]

ابن مسعود في ثمانية مواضع. ومن ذلك ما رواه محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه في تفسير قوله تعالى * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم * الذي هم فيه المختلفون) * (1) بإسناده إلى السدي قال: أقبل صخر بن حرب حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا محمد هذا الأمر من بعدك لنا أم لمن ؟ قال: يا صخر الأمر من بعدي لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى، فأنزل الله تعالى (عم يتساءلون) يعني يسألك أهل مكة عن خلافة علي بن أبي طالب (عن النبأ العظيم) الذي هم فيه مختلفون) منهم المصدق بولايته وخلافته. قال * (كلا) * وهو رد عليهم * (سيعلمون) * سيعرفون خلافته بعدك أنها حق يكون * (ثم كلا سيعلمون) * يقول يعرفون خلافته وولايته، إذ يتساءلون منها في قبورهم، فلا يبقى ميت في شرق ولا غرب ولا بر ولا بحر إلا منكر ونكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بعد الموت، يقولان للميت: من ربك، وما دينك، ومن نبيك، ومن إمامك ؟ وروى الشيرازي في كتابه حديثا رفعه إلى ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله مالكا أن يسعر النيران السبع ويأمر رضوان أن يزخرف الجنان الثمانية، ويقول: يا ميكائيل مد الصراط على متن جهنم، ويقول: يا جبرئيل انصب ميزان العدل تحت العرش، وينادي: يا محمد قرب أمتك للحساب، ثم يأمر الله تعالى أن يعقد على الصراط سبع قناطر طول كل قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ، وعلى كل قنطرة سبعون ألف ملك قيام، فيسألون هذه الأمة رجالهم ونساءهم على النقطرة الأولى عن ولاية


1. سورة النبأ: 1 - 2. (*)

[ 508 ]

أمير المؤمنين وحب أهل بيت محمد صلوات الله عليهم، فمن أتى به جاز القنطرة الأولى كالبرق الخاطف، ومن لم يحب أهل بيت نبيه سقط على أم رأسه في قعر جهنم، ولو كان معه من أعمال البر عمل سبعين صديقا. تنبيه: موصوفية علي عليه السلام بالولاية: إما أن يكون وصفا عدميا أو ثبوتيا، الأول محال لأنه يقتضي اللاموصوفية، فهي وصف سلبي ويقتضي السلب ثبوت، فثبت أن موصوفية بالولاية وصف ثبوتي لا سلبي، فوجب وصفه واختصاصه بها، لاستحالة كون الصفة الواحدة بمحلين. وأما كون حزبه هو الحزب الغالب: روى الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله في كتاب الإرشاد حديثا أسنده إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله، قال: سئلت أم سلمة عن علي بن أبي طالب عليه السلام، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن عليا وشيعته هم الفائزون (1). وروى حديثا مسندا للنبي صلى الله عليه وآله قال: قال رسول الله: إن لله قضيبا من ياقوت أحمر لا يناله إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس منه بريئون (2). وقد مر بهذا الفصل في رواية الأعمش ما يشاكل هذا الحديث


1. الإرشاد للمفيد 1 / 41. 2. المصدر 1 / 42.

[ 509 ]

ويصدقه. وروى حديثا مسندا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب. قال: ثم التفت إلى علي عليه السلام فقال: هم شيعتك وأنت إمامهم (1). وروى حديثا عن علي عليه السلام قال: قال شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حسد الناس إياي. فقال: يا علي أن أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وذريتنا خلف ظهورنا، وأحباؤنا خلف ذريتنا، وأشياعنا عن أيماننا وشمائلنا (2). وروى أحمد بن حنبل في مسنده حديثا رفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إنه من فارقني فقد فارق الله ومن فارقك فقد فارقني. وروى حديثا مسندا عن ابن عباس يقول في آخره: إن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: من أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيب الله، وعدوك عدوي وعدو الله، الويل لمن أبغضك بعدي. وروى عن ابن عباس حديثا بطريق آخر يقول في آخره مثل مقاله في آخر الخبر المذكور عن ابن عباس. وقد تقدم بالفصل السادس من روايات الفريقين أن الحق لا يفارق عليا عليه السلام، وذلك يقتضي كون حزبه هو الغالب، وقد بدأ الله الكريم


1. المصدر السابق 1 / 42. 2. المصدر 1 / 43. (*)

[ 510 ]

في هذه الآية * (ومن يتول الله ورسوله) * (1) بنفسه ثم بنبيه ثم بالذين آمنوا، والذين آمنوا عبارة عن علي عليه السلام بما تقدم من تفسيرها. ووجوب الأمر من هذه الآية كوجوب الآية المتقدمة في الفصل الثالث * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * (2) من حيث العطف، لأنه عطف مفرد على مفرد أيضا، وفي ولايته كولاية الله سبحانه وتعالى وولاية رسوله عليه السلام. وأما قول ابن عباس مع غزارة علمه ومعرفته وعلو مكانه (اللهم إني أتقرب إليك بولاية علي بن أبي طالب) وقد ختم بها أعماله، دليل ظاهر على أنها أحب الوسائل إلى الله. وأما الحزب الغالب فهو حزب الله تعالى، وما بعد حزبه إلا حزب الشيطان الخاسر، كما قال تعالى * (أولئك حزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) * (3). وإذا كان ليس بين الحزبين حزب متوسط وكان علي عليه السلام وحزبه هو الحزب الغالب، كان المنادئ له هو الحزب الخاسر، وفي ذلك إثبات الحق له دون غيره. ومما يدل أيضا على أن حزبه حزب الله سبحانه وتعالى ما رواه الشيخ الفقيه محمد بن جعفر المشهدي رحمه الله في كتابه كتاب ما اتفق فيه من الأخبار في فضل الأئمة الأطهار مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: حربك حربي، وسلمك سلمي.


1. سورة المائدة: 56. 2. سورة المائدة: 55. 3. سورة المجادلة: 19. (*)

[ 511 ]

وقد تقدم ذلك في جملة خبر بالفصل الثامن قريبا من أوله ومما يؤكد وجوب ولايته وأنها مفترضة لازمة: أن الله تعالى بعث الأنبياء المرسلين وأولى العزم عليهم السلام عليها - كما مضى في هذا الفصل - بقول الفريقين، فإن الناس يقفون للمسألة عنها وأنهم لا يجوزون على الصراط ولا يمرون عليها إلا بها. واللفظ بوجوبها مطلق غير مقيد بزمان دون زمان، وذلك يقتضي له الإمامة بعد الرسول بلا فصل. وإذا كان الله تعالى بعث رسله السابقون لمحمد عليهم السلام على ولاية علي بن أبي طالب لا [ بد أن ] يكون مكلفا لأمة محمد عليه السلام ولاية علي بن أبي طالب. وفي هذا كفاية في المقصود. وذكر الخبر في الكتب السالفة لا يكون إلا للأولياء الأصفياء، ولا يعنى به الأمور الدنياوية، فإذن قد صح لعلي عليه السلام ا لأمور الدينية كلها، وذلك لا يصح إلا لنبي أو إمام، وهو غير نبي فلا بد وأن يكون إماما حيث اتصف بهذه الصفات، فمن خصه بوقت ما فعليه الدليل. قال البحتري (1): مخالف أمركم لله عاص * ومنكر فضلكم لاق أثاما وليس بمسلم من لم يقدم * ولا يتكم ولو صلى وصاما


1. ديوان البحتري 1 / 39، من قصيدة يمدح بها المتوكل العباسي، وقال ابن شهر اشوب في مناقبه 3 / 230 عند نقله هذين البيتين: وتنحل البحتري هذا المعنى لغيرهم فقال... (*)

[ 513 ]

الفصل الحادي والثلاثون في ذكر الصديقين قال الله سبحانه وتعالى * (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) * (1). المراد بالصديق الأكر علي بن أبي طالب عليه السلام. وروى جدي في نخبه حديثا رفعه إلى ابن عباس في تفسير الآية المتقدمة، قال: صديق هذه الأمة علي بن أبي طالب، هو الأكبر والفاروق الأعظم. ثم قال * (والشهداء عند ربهم) * هم علي وحمزة وجعفر، فهم صديقون وهم شهداء الرسل على أممهم أنهم قد بلغوا الرسالة، ثم قال * (لهم أجرهم) * على التصديق بالنبوة * (ونورهم) * على الصراط. وروى رحمه الله حديثا مسندا إلى أنس عن سمي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى * (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين) * يعني محمدا) * والصديقين) * يعني عليا وكان أول من صدقه * (والشهداء) * يعني عليا وجعفرا وحمزة * (والصالحين) *


1. سورة الحديد: 19. (*)

[ 514 ]

يعني الحسن والحسين عليهم السلام. وروى ابن بطة في الإبانة وأحمد في الفضائيل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه. وروى ابن شيرويه في الفردوس عن داود بن بلال قالا: قال النبي صلى الله عليه وآله: الصديقون ثلاثة: علي بن أبي طالب، وحبيب النجار، ومؤمن آل فرعون - يعني حزبيل. وفي رواية: علي بن أبي طالب، وهو أفضلهم (1). وذكر أمير المؤمنين عليه السلام مرارا كثيرة يقول: أنا الصديق الأكبر، والفاروق الأعظم. وفي الخبر أنه سأل عبد الله بن سلام قبل أن يسلم قال: يا محمد ما اسم علي فيكم ؟ قال: عندنا الصديق الأكبر. فقال: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، إنا نجد في التوراة: محمد نبي الرحمة، علي مقيم الحجة. وروى في شرف النبي عن الخركوشي وفي الكشف عن الثعلبي حديثا رفعاه عن أبي جعفر عليه السلام * (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) * قال: حمزة وعلي وجعفر * (فمنهم من قضى نحبه) * قال: عهده، وهو حمزة وجعفر * (ومنهم من ينتظر (2) قال: هو علي بن أبي طالب. وروى محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه تفسير هذه [ الآية ] بإسناده


1. قريب من هذا اللفظ في المناقب لابن المغازلي ص 246. 2. سورة الأحزاب: 23. (*)

[ 515 ]

عن ابن عباس قال * (الذين آمنوا) * يعني بالإيمان صدقوا بالله ورسوله أنه واحد، علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب وجعفر الطيار * (أولئك هم الصديقون) * قال: صديق هذه الأمة أمير المؤمنين، وهو الصديق الأكبر والفاروق الأعظم. وترك عجز الخبر اختصارا. وفي أربعين الخطيب بإسناده إلى ابن عباس وفضائل أحمد وكشف الثعلبي بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: قال النبي عليه السلام: إن سباق هذه الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون وعلي أفضلهم. وروى جدي رحمه الله في نخبه مسندة إلى الباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام وزيد بن علي في قوله تعالى * (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) * (1) قال: هو علي بن أبي طالب. وروى الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الإرشاد عن معاذة العدوية أنها سمعت عليا عليه السلام على منبر البصرة يقول: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم (2). وروى أحمد بن حنبل حديثا مسندا إلى عباد بن عبد الله قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله - قال ابن نمير وهو من جملة السند للحديث - وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي - قال أحمد: وهو من جملة السند أيضا - بعدي إلا كاذب مفتر، ولقد صليت


1. سورة الزمر: 33. 2. الإرشاد للمفيد: 1 / 31. (*)

[ 516 ]

قبل الناس سبع سنين، ولقد أسلمت قبل الناس بسبع سنين. وروى أحمد بن حنبل مسندا عن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصديقون ثلاثة: حبيب النجار وهو مؤمن آل يس، وحزبيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم. ورواه عن ابن أبي ليلى عن أبيه بطريق آخر قال في آخره: وعلي بن أبي طالب وهو أفصلهم. ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى * (والسابقون السابقون) * حديثا مسندا عن عباد بن عبد الله قال: سمعت عليا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين. وروى الفقيه ابن المغازلي في كتاب المناقب حديث ابن أبي ليلى عن أبيه المذكور برواية أحمد بن حنبل، وقال في آخره: وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم (1). وروى الخطيب الخوارزمي في كتاب الأربعين حديثا مرفوعا إلى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة ينادون علي بن أبي طالب بسبعة أسماء: يا صديق، يا دال، يا عابد، يا هادي، يا مهدي، يا فتى، يا علي - مر أنت وشيعتك [ إلى ] الجنة بغير حساب (2). ومعلوم عند أهل اللغة مثل أحمد بن فارس وإسماعيل بن حماد.


1. المناقب لابن المغازلي ص 246. 2. المناقب للخوارزمي ص 319. (*)

[ 517 ]

الجوهري: أن الصديق هو الملازم للصدق الدائم في صدقه (1)، والصديق من صدق عمله قوله، والنبيون كلهم صديقون، وليس كل صديق نبيا، والصديقون كلهم صالحون، وليس كل صالح نبيا، فلا يقع العكس في ذلك بل الطرد، فيكون التفاوت بينهم تفاوت العام والخاص. والصديق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى نبي، وإمام، وصالح ليس بنبي ولا إمام: فالأول - كقوله تعالى * (يوسف أيها الصديق) * (2) وكقوله تعالى * (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا) * (3). والثاني - كقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (4) وقد سبق الدليل في الفصل الخامس أن المراد بالصادقين علي بن أبي طالب ومن اجتمعت فيه الصفات من ذريته. وقد دل الدليل من قول الفريقين في هذا الفصل أن الصديق الأكبر والفاروق الأعظم هو علي بن أبي طالب، لأن الوارد، من الأخبار النبوية شركته عليه السلام مع من ليس بنبي ولا إمام وهذا هو القسم الثالث، ثم أفرده اللفظ النبوي بقوله (وعلي أفضلهم) تنبيها على فضله واختصاصه وعلو مكانه واستحقاقه للإمامة والفضل. فإذن ثبته لأمير المؤمنين عليه السلام ذلك، وثبتت له ملازمة الصدق


1. هذا ما يفهم من صيغة المبالغة (صديق). 2. سورة يوسف: 46. 3. سورة مريم: 56. 4. سورة التوبة: 19. (*)

[ 518 ]

كما ذكره أهل اللغة. وإذا كان الأمر كذلك ثبتت له الإمامة بعد النبي عليه السلام بلا فصل، لأنه صديق ملازم للصدق كما نقله الفريقان وفسره أهل اللغة، بقوله الصادق وقسمه بالله تعالى: (وأيم الله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير) إلى آخر الخطبة المعروفة بالشقشقية (1). إلى غير ذلك مما يلوح به تارة ويصرح به أخرى: بأنه أحق بالأمر ممن تقدم عليه، وأن من تقدم عليه يعلم بأن عليا عليه السلام أحق بالمقام منه، فوجب الإنقياد وقسمة النار، حيث إنه ملازم للصدق مجانب للكذب، على ما صح بالدليل القاهر من أخبار الفريقين وتفسير أئمة أهل اللغة. وفي ذلك دليل واضح وزناد قادح وعلم لائح على استحقاق الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل. فإن قيل: إن القطب لا يستقل بنفسه ولا بد في تمامه من الرحى. فالجواب: إن القطب أشد استقلالا بنفسه من باقي الرحى، لأنه يمكن أن يتحرك ويدور من غير أن يتصل به شئ، وباقي الرحى لا يمكن حركته على سبيل الدور إلا بقطب. مع أنه عليه السلام ما أراد بقوله ذلك إلا أنه أهل الإستحقاق والتفرد وبالخلافة، لأن القائل إذا قال (أنا محل القطب من الرحى) يقتضي ظاهره أن غيره لا يقوم مقامه، كما أن غير القطب لا يقوم مقام القطب، ولا يفهم


1. نهج البلاغة 1 / 25. (*)

[ 519 ]

من هذا الكلام إلا أنه أهل له وموضع له دون غيره. فاتضح لمولانا عليه السلام أنه صديق شهيد صالح، فاستحق ما في النبيين من وصف سوى النبوة. قال العبدي رحمه الله: أبو كم هو الصديق آمن واتقى وأعطى وما أكدى وصدق بالحسنى

[ 521 ]

الفصل الثاني والثلاثون في حديث خاصف النعل روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا رفعه إلى جابر بن يزيد قال: قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله: انقطع شسح نعله، فدفعها إلى علي ليصلحها، فقال عليه السلام: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا. فقال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، فابتدرنا ننظر فإذا هو علي يخصف نعل رسول الله صلوات الله عليهما. وروى في صحيح الترمذي عن ربعي بن حراش في خبر: إن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم الحديبية لسهيل بن عمرو وقد سأله رد جماعة فروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم [ بالسيف ] على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان. قالوا: من هو يا رسول الله ؟ قال: هو خاصف النعل، وكان قد أعطى عليا عليه السلام نعله يخصفها (1). ذكر الخطيب في التخاريج والسمعاني في الفضائل: أن النبي صلى الله


1. صحيح الترمذي 5 / 634. (*)

[ 522 ]

عليه وآله قال: لا تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث الله رجلا امتحن قلبه بالإيمان - الحديث سواء. وفي حلية الأولياء قال: قال الخدري: كنا نمشي مع الرسول عليه السلام فانقطع شسع نعله صلى الله عليه وآله، فتناولها علي ليصلحها، ثم مشى فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا أيها الناس إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. الحديث. قال أبو سعيد الخدري: فخرجت فبشرته بما قال رسول الله (ص)، فلم يكترث بها فرحا كأنه قد سمعه. وذكر هذا الحديث أحمد في الفضائل. وروى البخاري ومسلم ولفظه لمسلم عن الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فرقتان تخرج من بينهم فرقة ثالثة تلي قتلهم أولاهم بالحق. تم الخبر. فانظر إلى تسمية علي عليه السلام بأنه أولى بالحق. وروى ابن بطة في الإبانة حديث خاصف النعل: منها ما رواه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا. فقال عمر: أنا هو يا رسول الله. قال: لا، ولكنه خاصف النعل، فابتدرنا ننظر فإذا هو علي يخصف نعل رسول الله عليهما السلام. ورواه أحمد بن حنبل في مسنده من أربعة طرق:

[ 523 ]

منها عن أبي سعيد الخدري (1). ومنها عن ربعي بن حراش قال: حدثنا علي بن أبي طالب بالرحبة، فقال: اجتمعت قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وفيهم سهيل بن عمرو، فقالوا: يا محمد إن قومنا لحقوا بك فارددهم إلينا. فغضب حتى رؤي الغضب في وجهه ثم قال لتنتهن يا معشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان، يضرب رقابكم على الدين، قالوا: يا رسول الله أبو بكر ؟ قال: لا. قيل: فعمر ؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل بالحجرة. ورواه رزين العبدري في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث في غزاة الحديبية. وذكر هذا الحديث في سنن أبي داود. ورواه البخاري ومسلم في مواضع غير ما ذكرته عنهما أولا، فمن بعض الروايات: يا معشر قريش لتنتهن عن مخالفة أمر الله أو ليبعثن علكيم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، امتحن الله قلوبهم للتقوى. وفي بعضها يقول أبو ذر: فما راعني إلا برد كف عمر في حجزتي من خلفي، قال: من تراه يعني ؟ قلت: ما يعنيك، ولكنه يعني خاصف النعل، يعني عليا عليه السلام. وبعضها يضاهي رواية ابن حنبل. وفي هذا الدليل قاهر وبيان ظاهر، وثبوته بالذكر وإشارة بالنص على مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام من الله سبحانه وتعالى، وذلك أن


1. مسند الإمام أحمد 1 / 82. (*)

[ 524 ]

النبي صلى الله عليه وآله قال (ليبعثن الله عليكم). فكانت ولايته من الله تعالى، لأنه سبحانه هو الباعث له والرسول عليه السلام مخبر عن الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينطق عن الهوى، فثبتت ولايته بالوحي العزيز بما نطقت به أخبار الفريقين. ويزيد ذلك بيانا وإيضاحا: إن ضرب الرقاب على الدين بعد الرسول عليه السلام لا يكون إلا للإمام فقط، لأنه المتولي لها دون الأمة، وقول الرسول (يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله) يقتضي التشبيه والمماثلة، لأن الكاف للتشبيه، ومتشابه الرسول عليه السلام لابد وأن يكون حقا، للمواد المتصلة إليه من الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز أن يشبه الشئ بخلافة ولا يمثله بضده، بل يشبه الشئ بمثله ويمثله بنظيره، فيكون عليه السلام مشابهه في الولاية، لهذا ولاية التنزيل ولهذا ولاية التأويل، ويكون قتاله على التأويل مشبها لقتاله على التنزيل، لأن إنكار التأويل، كإنكار التنزيل جاحد لقبوله ومنكر التأويل جاحد للعلمل به، فهما سواء في الجحود. وليس قتال الفريقين إلا إلى النبي أو الإمام، فدل على أن المراد بذلك القول بالإمامة لاغير.. وأما قوله في بعض الروايات (التي المتحن الله قلوبهم للتقوى)، فإن المعظم في نفسه يجوز أن يعبر عنه بالجمع، وفي القرآن كثير من ذلك، حتى أنه في آية واحدة في أربعة مواضع، وهو قوله تعالى * (وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه) * الآية. وأيضا فقد ثبت لعلي عليه السلام المماثلة بالرسول صلى الله عليه وآله بما مضى بيانه في آية المباهلة في الفصل الثامن عشر وفي آية

[ 525 ]

الإخاء في الفصل الثالث والعشرين. وحديث خاصف النعل حديث مشهور بين الفريقين، وقد نظمته الشعراء، قالت علوية رحمها الله (1): وله إذا ذكر الفخار فضيلة * بلغت مدى الغايات باستيقان إذ قال أحمد إن خاصف نعله * لمقاتل بتأول القرآن قوما كما قاتلت عن تنزيله * فإذا الوصي بكفه نعلان هل بعد ذاك على الرشاد دلالة * من قائم بخلافة ومعان وقال السيد الحميري رحمه الله (2): وفي خاصف النعل البيان وعبرة * لمعتبر إذ قال والنعل ترقع لأحابه في مجمع إن منكم * وأنفسهم (3) شوقا إليه تطلع إماما على تأويله غير جائر * يقاتل بعدي لا يضل ويهلع فقال أبو بكر أنا هو قال لا * فقال أبو حفص أنا هو فأسفع فقال لهم لا لا ولكنه أخي * وخاصف نعلي فاعرفوه المرقع وقال العبدي رحمه الله (4): وقال إني على التنزيل قلت لكم * محاربا ذاك قول لا أحرقه وذاك بعدي على التأويل حربكم * من في يديه قبال النعل يخصفه فمن له علم تأويل الكتاب بها * أولى مكلفه رعيا مكلفه


1. الصحيح: قال ابن علوية.. أنظر: المناقب لابن شهر اشوب 3 / 56. 2. ديوان الحميري ص 281. 3. رواية الديوان: وأنفسكم. 4. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 56، منسوبة إلى العوني. (*)

[ 526 ]

للعبدي أيضا رحمه الله (1): لما أتاه القوم في حجراته * والطهر يخصف نعله ويرقع قالوا له إن كان أمرا من لنا * خلف إليه في الحوادث نرجع قال النبي خليفتي هو خاصف * النعل الزكي العالم المتورع


1. المصدر السابق 3 / 57. (*)

[ 527 ]

الفصل الثالث والثلاثون في ذكر المناشدة روى أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتاب (1) وهو من أعيان أهل المذاهب الأربعة، وروى صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق ابن أحمد المكي ثم الخوارزمي في كتاب الأربعين، والحديث مرفوع إلى عامر بن وائلة قال: كنت على الباب يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليا يقول: بايع الناس أبا بكر وأنا والله أحق بالأمر منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع القوم كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع أبو بكر لعمر وأنا أولى بالأمر منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا، ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان، إذن لا أسمع ولا أطيع. وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه أيضا وساق قول علي بن أبي


1. حديث المناشدة وسؤال علي عليه السلام خصومه عن فضائله وتعدادها على لسانه، مذكور في المصادر المختلفة باختصار أو إشارة، أنظر: المناقب للخوارزمي ص 207 و 301 و 314، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 61 و 362، الإصابة 2 / 408 و 4 / 80، لسان الميزان 2 / 156. (*)

[ 528 ]

طالب عن مبايعتهم لأبي بكر وعمر وما ذكره في الرواية المتقدمة سواء، إلا أنه قال في عثمان: ثم تريدون أن تبايعوا عثمان إذا أسمع وأطيع، إن عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم، لا يعرف لي فضل ولا تعرفونه لي، كأنما نحن فيه شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أن أتكلم لايستطيع عربهم ولا عجمهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك رد خصلة منها. ثم قال: أنشدكم الله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم من له عم مثل عمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله غيره ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكة في الجنة ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سيدة نساء هذه الأمة غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له سبطان الحسن والحسين سبطا هذه الأمة ابنا رسول الله غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى العصر غيري ؟

[ 529 ]

قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له رسول الله صلى الله عليه وآله حين قرب إليه الطير وأعجبه قال (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قوله، فدخلت فقال (وإلي يا رب، وإلي يا رب) غيري ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد كان أعظم عناء برسول الله صلى الله عليه وآله حين انبطحت على فراشه ووقيته بنفسي وبذلت مهجتي غيري ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد كان أقتل للمشركين عند كل شديدة تنزل برسول الله صلى الله عليه وآله مني ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد له سهم في الخاس وسهم في العام غيري ؟ قالوا: لا. قال: فأيكم أحد يطهره كتاب الله غيري، حتى سد النبي صلى الله عليه وآله أبواب المهاجرين جميعا وفتح بابي، حتى قاما إليه عماه حمزة والعباس وقالا: يا رول الله سددت أبوابنا وفتحت باب علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله (ما أنا فتحت بابه ولا أنا سددت أبوابكم بل الله فتح بابه وسد أبوابكم) ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد تمم الله نوره في السماء حين قال * (وآت ذا القربى

[ 530 ]

حقه) * (1) ؟ قالوا: اللهم لا. قال: أفيكم أحد ناجى رسول الله صلى الله عليه وآله ستة عشر مرة غيري حين نزل جبرئيل وقال * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * (2) ؟ قالوا: اللهم لا. قال: فيكم أحد ولي غمض رسول الله صلى الله عليه وآله غيري ؟ قالوا: اللهم لا. قال: أفيكم آخر الناس عهدا برسول الله حين وضعه في حفرته غيري ؟ قالوا: اللهم لا. وفي رواية أخرى عن صدر الأئمة موفق بن أحمد المكي مسندة إلى أبي ذر زيادة مناشدة علي عليه السلام لأهل الشورى، وهذا لفظها: ناشدتكم الله معاشر المهاجرين والأنصار أن جبرئيل أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، هل تعلمون من كان هذا. قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدتكم الله أتعلمون أن جبرئيل نزل على النبي (ص) فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تحب عليا وتحب من يحبه، فإن


1. سورة الإسراء: 26. 2. سورة المجادلة: 12. (*)

[ 531 ]

الله يحب عليا ويحب من يحب عليا. قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما أسري بي إلى السماء السابعة دفعت إلي رفراف من نور، ثم دفعت إلي حجب من نور، فوعد النبي صلى الله عليه وآله الجبار - لا إله إلا هو - أشياء، فلما رجع من عنده سمع مناديا ينادي من وراء الحجب: نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك علي فاستوص به، أتعلمون معاشر المهاجرين والأنصار كان هذا فقال أبو محمد عبد الرحمن بن عوف من بينهم: سمعتها من رسول الله وإلا فصمتا. قال: هل تعلمون أن أحدا كان يدخل المسجد جنبا غيري ؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدتكم الله أتعلمون أن أبواب المسجد سدها رسول الله صلى الله عليه وآله وترك بابي ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: هل تعلمون إني كنت إذا قاتلت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله قال (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فهل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين الاحد الحسن والحسين جعل رسول الله يقول: هي يا حسين. فقالت فاطمة: إن الحسين أصغر وأضعف ركنا منه. فقال لها رسول الله: ألا ترضين أن أقول أنا هي يا

[ 532 ]

حسن ويقول جبرئيل هي يا حسين، فهل لخلق مثل هذه المنزلة، نحن الصابرون ليقضي الله في هذه البيعة أمرا كان مفعولا. ثم قال: وعلمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله والقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرقه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، ولا وجد لي كذبة في قول ولا خلطة في فعل، ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما أعظم ملكا من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، لي في كل يوم علما من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم رائحة النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل عليه بالوحي، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، أنت تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي لكنك وزير وإنك لعلى خير. ولقد كنت معه لما أتاه الملأ قالوا: يا محمد إنك ادعيت عظيما لم يدع آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول وإن لم تفعل فإنك ساحر. قال لهم النبي صلى الله عليه وآله: وما تسألون ؟ قالوا: تدع لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك. قال النبي (ص): إن الله على كل شئ قدير، فإن فعل الله ذلك لكم تؤمنون وتشهدون بالحق ؟ قالوا: نعم. قال: إني سأريكم ما تطلبون،

[ 533 ]

فإني لأعلم أنكم ما تثيبون إلى خير، فإن فيكم من يطرح في القليب ومن يحزب الأحزاب. ثم قال يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله، في الذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير، حتى وقفت بين يدي رسول الله (ص) بتفرقة وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله وبعض أغصانها على منكبي وكنت عن يمينه. فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا عتوا واستكبارا: مرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشد دوي، وكادت تلتف برسول الله. قالوا كفرا وعتوا: فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره رسول الله (ص) فرجع، فقلت أنا: لا إله إلا الله، إني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من آمن بأن شجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك وإجلالا لكلمتك. فقال القوم كلهم: بل ساحر كذاب عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا - يعنوني، وإني من القوم الذين لا يأخذهم في الله لومة لائم، سيماهم سيماء الصديقين وكلامهم كلام الأبرار، عمار الليل ومنار النهار، مستمسكون بحبل الله القرآن، يحيون سنن الله وسنن رسوله، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يفسدون، قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل. هذا آخر روايته. ومعلوم أن هذا المقام مقام عظيم، يتنازعون فيه الخلافة والتوصل إليها، لا يمكن إلا أن يكون بذريعة قوية وحجة جلية، بحيث يكون المناوئ له فيها والدافع له عنها لا يستطيع رد شئ من الحجج الواردة

[ 534 ]

عليه، ولا يسعه الجحود لها لشهرتها وجلائها عند الملأ الحاضرين وغيرهم. ولو قال كلمة فيها شبهة عندهم أو يسعهم جحودها وإنكارها لنطقوا بلسان واحد، بل تسابقوا إلى الرد عليه والجحود لها. وفي إقرارهم بذلك كله دليل قاهر وبيان ظاهر على أن ذلك كله عندهم حق وصدق، وقد عرفوا صحته ووضوحه وثبوته وسمعوه ووعوه، فكان كل من حضر يوم الشورى شاهدا لعلي بن أبي طالب عليه السلام بصحة ذلك، من حيث الإقرار له به. ثم لو جحدوا ذلك كان كل ما ذكره عليه السلام له به أدلة قاطعة وبراهين واضحة من غيرهم ممن قد عرف ذلك من أهل الشرق والغرب من العرب والعجم المعاهد منهم والمشرك، ولذلك قال عليه السلام: لو أشأ أن أتكلم بما لا يستطيع به عربهم ولا عجمهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك رد خصلة منها. وإقرارهم في ذلك كالإقرار لرسول الله صلى الله عليه وآله في يوم الغدير حين قال لمن حضر: ألست أولى بكم منكم بأنفسكم ؟ قالوا: بلى. وهذه الخصال الشريفة العظيمة التي عددها عليه السلام يقوم له الحجة البالغة ببعضها لا بكلها. بل على رأيهم ببعض خصلة منها، لأن أبا بكر احتج على القوم يوم السقيفة بأنه قرشي، وكان أمير المؤمنين عليه السلام مشتغلا بالغسل لخير البشر مواظبا على تجهيزه إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه قرابة بعيدة من رسول الله صلى الله عليه وآله، أمير المؤمنين معلوم بأن قرابته من رسول الله أتم وأمتن من سائر قريش، لأنه صاحب

[ 535 ]

القرابة القريبة والمنزلة الخصيصة. وإذا قامت الحجة عندهم لأبي بكر ببعض خصلة من هذه الخصال وحصلت له الخلافة وسلم الأمر إليه وثبت له الحكم وقام مقام رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه المنزلة، وهي بعض خصلة من خصال علي عليه السلام، كان في ذلك دليل ظاهر على أن أمير المؤمنين أولى بالخلافة بعد رسول الله (ص) بحصول هذه الخصال فيه وتمامها له دون أبي بكر وغيره. وهذه بعض خصاله، فما حسبك - عفا الله عنك - بجميع خصالة التي عددها وخصاله التي لم يذكرها: مثل آية المباهلة التي هو فيها نفس رسول الله صلى الله عليه وآله. ومثل قوله * (والنجم إذا هوى) * (1) وكان هواه في داره عليه السلام. ومثل أخذه لآيات براءة. ومثل قوله تعالى * (وإنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (2) وهو المشار إليه. ومثل قلعه الصخرة عن فم القليب، ودحوه لباب خيبر، وكلام الثعبان له، وكذا الجمجمة، ونزويل الجام والمنديل عليه من الفردوس الأعلى، إلى غير ذلك من المزايا الجليلة التي يطول بذكرها الكتاب ويتسع الخطاب. وهذه المناشدة قد رواها أعيانهم، وقد قال فيها عليه السلام: بايع أبا


1. سورة النجم: 1. 2. سورة المائدة: 55. (*)

[ 536 ]

بكر وأنا والله أحق منه وأولى به منه، وفيه من الحجة ما فيه. قال بعضهم: مساع أطيل بتفصيلها * كفى معجزا ذكرها مجملا وقال خطيب خوارزم (1): هل فيهم من له زوج كفاطمة قل لا وإن مات غيضا كل ذي إحن (2) هل فيهم من له في ولده ولد مثل الحسين شهيد الطف والحسن هل فيهم من له عم يوازره كمثل حمزة في أعمام ذي الزمن هل فيهم من له صنو يكافئه كجعفر ذي المعالي الباسق الفنن هل فيهم من تولى يوم خندقهم قتال عمرو وعمرو خر للذقن هل فيهم من رمى في حال سطوته بباب خيبر لم يضعف ولم يهن هل فيهم مشتر بالنفس جنته أكرم بمثمنه الغالي وبالثمن


1. المناقب للخوارمي ص 402. 2. الإحن جمع إحنة: الحقد والحسد. (*)

[ 537 ]

هل فيهم غيره من حاز مجتهدا علم الفرائض والآداب والسنن هل سابق مثله في السابقين وما صلى فريضة يوما إلى الوثن (1) هل لا أتى (2) (هل أتى) إلا إلى أسد فتى الكتائب طود الحلم في المحن أطاع في النقض والإبرام خالقه وقد عصى نفسه في السر والعلن الناس في سفح علم الشرع كلهم لكن علي أبو السبطين في القنن (3)


1. البيت في المصدر هكذا: هل سابق مثله في السابقين له * فصل السباق وما صلى إلى الوثن 2. في المصدر: وهل أتى. 3. السفح: الحضيض الأسفل. القنن جمع القنة: الجبل المنفرد المستطيل، وقنة الجبل وأعلاه وقلته. (*)

[ 539 ]

الفصل الرابع والثلاثون في ذكر الصراط المستقيم قال الله تعالى * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) * (1). الصراط المستقيم هو علي بن أبي طالب عليه السلام في هذه الآية. روى إبراهيم الثقفي في كتابه بإسناده عن أبي بردة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله * (إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) * سألت الله أن يجعلها لعلي ففعل. وروى محمد بن مؤمن الشيرازي - وهو من أعيانهم - بإسناده إلى قتادة عن الحسن البصري أنه كان يقرأ الحرف * (هذا صراط مستقيم) *، قلت للحسن: وما معناه ؟ فقال: هذا طريق علي بن أبي طالب وذريته طريق ودين مستقيم، فاتبعوه وتمسكوا به فإنه واضح لا عوج فيه (2). وفي تفسير وكيع بن الجراح عن سفيان الثوري عن السدي عن أسباط ومجاهد عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى * (إهدنا الصراط


1. سورة الأنعام: 153. 2. بحار الأنوار 353. (*)

[ 540 ]

المستقيم) * قال: قولوا معاشر الناس: أرشدنا إلى حب النبي وأهل بيته. وفي تفسير الثعلبي وكتاب ابن شاهين حديث مرفوع إلى أبي بريدة في قول الله تعالى * (إهدنا الصراط المستقيم) * قال: صراط محمد وآله. وذكر جدي في نخبه حديثا مرويا عن الصادق عليه السلام أنه قال: الصراط المستقيم صراط محمد وأهل بيته. وروى في نخبه حديثا مسندا إلى ابن عباس في قوله تعالى * (فستعلمون من أصحاب الصراط السوي) * (1) قال: هو والله محمد أهل بيته * (ومن اهتدى) * فهم أصحاب محمد. وذكر عن حمزة بن عطا عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى * (هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل) * (2) قال: هو علي بن أبي طالب، يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (3). وذكر عن ابن عباس وعن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام في قوله تعالى * (والله يدعوا إلى دار السلام) * يعني به الجنة * (ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) * (4) يعني ولاية علي بن أبي طالب. وذكر في تفسير قوله تعالى * (وأن هذا صراطي مستقيما) * (5) يعني القرآن وولاية آل محمد عليهم السلام. وروى عن جده جابر الأنصاري: أن النبي صلى الله عليه وآله بينا


1. سورة طه: 135. 2. سورة النحل: 76. 3. كشف الغمة 1 / 331. 4. سورة يونس: 25. 5. سورة الأنعام: 153. (*)

[ 541 ]

أصحابه عنده إذ قال - وأشار بيده إلى علي: هذا صراط مستقيم فاتبعوه. وذكر عن ابن عباس أنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحكم وعلي بين يديه مقابله ورجل عن يمينه ورجل عن شماله، فقال عليه السلام: اليمين والشمال مضلة والطريق المستوي الجادة. ثم أشار بيده. إن هذا صراط علي فاتبعوه - الآية. وذكر عن الحسن قال: خرج ابن مسعود فوعظ، فقام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أي الصراط المستقيم ؟ فقال: الصراط المستقيم طرفه في الجنة وناحيته عند محمد وعلي، فمن استقام به الجادة أتى محمدا، ومن رغب عن الجادة تبع الدعاة. وذكر عن الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى * (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم) * (1) قال: إنك على ولاية علي، وهو الصراط المستقيم. إلى ههنا ذكره في نخبه رحمه الله مسندا إلى المذكورين. وفي الخصائص عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى * (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) * (2) قال: عن ولايتنا. وروى الفقيه محمد بن جعفر المشهدي في كتاب ما اتفق فيه من الأخبار في فضل الأئمة الأطهار حديثا مسندا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أنت صاحب حوضي وصاحب لوائي ومنجز عداتي وزوج حبيبه قلبي


1. سورة الزخرف: 43. 2. سورة المؤمنون: 74. (*)

[ 542 ]

ووارث علمي، وأنت مستودع مواريث الأنبياء، وأنت أمين الله في أرضه، وأنت حجة الله على خلقه، وأنت ركن الإيمان، وأنت مصباح الدجي، وأنت منار الهدى، وأنت العلم المرفوع لأهل الدنيا، من تبعك نجاو من تخلف عنك هلك. وأنت الطريق الواضح، وأنت الصراط المستقيم (1). وروى محمد بن جعفر في كتابه المذكور حديثا رفعه إلى عبد الله بن عمر قال: عهد إلى عمر بن الخطاب قال: اتبع هذا الأصلع، فإنه أول الناس إسلاما، وإنه خارج من الذنوب والخطايا، والحق معه، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول * (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم) * (2) فالناس كلهم مكبون على الوجوه غيره، لأنهم كلهم يحتاجون إلى هداه وفقهه، تم الحديث. وإذا كان علي بن أبي طالب عليه السلام هو الصراط المستقيم وحب أهل البيت وولايتهم هو الصراط المستقيم: فهذا هو الغاية التي لا مزيد عليها ولا مستدرك فيها، والأخبار المذكورة في هذا الفصل: منها ما لفظه: إن عليا وولايته هو الصراط المستقيم. ومنها: إن الصراط المستقيم حب أهل البيت وولايتهم عليهم السلام. ومنها ما قال (وإن صراطي مستقيما) يعني القرآن وولاية آل محمد عليهم السلام. فالأول قد ذكر فيه علي باسمه، وأما الثاني فإن أهل البيت عليهم


1. ينابيع المودة 1 / 397 مع بعض الإختلاف. 2. سورة الملك: 22. (*)

[ 543 ]

السلام وآل محمد بمعنى واحد، لأن أصل (آل) أهل، ثم أبدلت من الهاء همزة فعادت أءل، فأبدلت الهمزة ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها، ولهذا إذا صغر آل رد إلى أصله فقيل (أهيل)، فعاد معنى الحديث أهل بيت محمد عليهم السلام، وقد مضى القول من الفريقين بالفصل الأول من [ أن ] أهل البيت محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. فعلى جميع [ الوجوه في ] اللفظ المذكور في الأخبار علي صراط مستقيم وولاية علي صراط مستقيم. وقد جاء في تفسير قوله تعالى * (إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم) * يعني آل محمد عليهم السلام * (غير المغضوب عليهم) * يعني اليهود * (ولا الضالين) * يعني النصارى. والنعمة على آل محمد هي نعمة الإسلام، قال الله تعالى * (وأسبغ عليكم نعمه) * يعني نعمة الإسلام. فكان علي بن أبي طالب عليه السلام من هذه النعم في أعلى ذراها. ولا شئ أبلغ من ذلك في وجوب تقديمه عليه السلام، حيث إنه الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه بقوله تعالى * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) *، ونهى عن متابعة ما عداه من السبل بقوله تعالى * (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) * (1). ومضى القول: إن عليا عليه السلام صراط الله المستقيم، يعني الصراط إلى الله سبحانه وتعالى، كما يقال فلان باب السلطان إذا كان به يوصل إلى السلطان، والصراط هو الطريق الواضح، فعلي عليه السلام حينئذ هو


1. سورة الأنعام: 153. (*)

[ 544 ]

الطريق الواضح إلى الله تعالى. وإذا كان طريقه واضحا كان طريق من خالفه حائرا غير واضح، لاستحالة وجود الحق في جهتين مختلفتين. قال أبو الفتح الواسطي رحمه الله في قصيدته: هذا علي النبأ العظيم تفهموا * وهو الصراط المستقيم إلى الهدى هذا علي دينار ديني فاعلموا * فليستجيد لجيده المستنقدا

[ 545 ]

الفصل الخامس والثلاثون في أن حب علي عليه السلام هو العروة الوثقى وأنه حبل الله وصالح المؤمنين والأذن الواعية والنبأ العظيم قال الله تعالى * (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) * (1). روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا عن الرضا عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من أحب أن يتمسك بالعروة الوثقى فليتمسك بحب علي بن أبي طالب (2). وروى حديثا مسندا إلى أنس بن مالك في قوله تعالى * (ومن يسلم وجهه إلى الله) * نزل في علي، كان أول من أخلص لله * (وهو محسن) * يعني مطيع * (فقد استمسك بالعروة الوثقى) * (3) قول (لا إله إلا الله)


1. سورة البقرة: 256. 2. فضائل الصحابة 2 / 664. 3. سورة لقمان: 22. (*)

[ 546 ]

* (وإلى الله عاقبة الأمور) *، والله ما قتل علي إلا عليها (1). وروى في نخبه في تفسير قوله تعالى * (فقد استمسك بالعروة الوثقى) * يعني ولاية علي بن أبي طالب. فإن قيل: قد بين الله تعالى أن من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى. فالجواب: رد ذلك إلى الرسول عليه السلام أولى وأوجب بقوله تعالى * (ولو ردوه إلى الرسول وإلي أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (2). ثم لو كان من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله تعالى حسب حصل له التمسك بالعروة الوثقى لحصل له التمسك دون الإقرار بالنبوة وغيرها، وذلك باطل بإجماع المسلمين. ومن حيث يجب عليه التمسك بالنبي يحب عليه التمسك بمن عينه النبي صلى الله عليه وآله وقال إنه العروة الوثقى. وقال ابن حماد رحمه الله (3): علي علي القدر عند مليكه * وإن أكثرت فيه الغواة ملامها وعروته الوثقى التي من تمسكت * يداه بها لم يخش قط انفصامها قال الله تعالى * (واعتصموا بحبل الله جميعا) * (4).


1. تفسير البرهان 3 / 279. 2. سورة النساء: 83. 3. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 93. 4. سورة آل عمران: 103. (*)

[ 547 ]

روى جدي رحمه الله في نخبه مسندا إلا العنبري بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه سأله أعرابي عن هذه الآية، فأخذ رسول الله بيد علي وقال: يا أعرابي إن هذا حبل الله فاعتصم به. فدار الأعرابي خلف علي واحتضنه وقال: اللهم إني أشهدك أني قد اعتصمت بحبلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. وروى جدي في نخبه مثل ذلك مسندا إلى الباقر عليه السلام. وروى أيضا حديثا مسندا إلى الباقر عليه السلام في قوله تعالى * (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بجبل من الله وحبل من الناس) * (1) قال: حبل من الله كتاب الله، وحبل من الناس علي بن أبي طالب عليه السلام (2). وروى الثعلبي في تفسيره حديثا مرفوعا إلى أبان بن تغلب عن جعفر ابن محمد عليهما السلام قال: نحن حبل الله الذي قال تعالى * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * (3). وقد تقدم بصدر الفصل الحادي والعشرين بعجز خبره: يا معشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجته على عباده، فمن تعلق بحبله في دار الدنيا فليتعلق بحبله في هذا اليوم. يعني يوم القيامة.


1. سورة آل عمران: 112. 2. تفسير البرهان 1 / 309. 3. المصدر السابق 1 / 307. (*)

[ 548 ]

وإذا كان عليه السلام حبل الله الذي أمرنا بالإعتصام به ونهى عن التفرق عنه، كان حجة بالغة تقصر عنها كل حجة، لأن حبل الله تعالى من اعتصم به نجا ومن لم يعتصم به هلك. وهذه حالة لا شئ فوقها ولا مزيد عليها. وقال السيد الحمير رحمه الله (1): أنا وجدنا له (2) فيما نخبره * بعروة العرش موصلا بها سببا حبلا متينا بكفيه له طرف * سد العراج إليه العقد والكربا من يعتصم بالقوي من حبله فله * أن لا يكون غدا في حال من عطبا قال الله * (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) * (3) وصالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب عليه السلام. روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا رفعه إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن عليا باب الهدى بعدي، والداعي إلي ربي، وصالح المؤمنين * (ومن أحسن قولا ممن دعى إلى الله وعمل صالحا) * (4) الآية) * (5). فرق: قد رتب الله تعالى ناصره أربع مراتب، وجعل علي في وسطه، ولا


1. ديوانه ص 71. 2. في المخطوطة: إنا وجدناكم. 3. سورة التحريم: 4. 4. سورة فصلت: 33. 5. الأمالي للصدوق ص 35. (*)

[ 549 ]

يجوز أن يذكر إلا من كان أقوى الخلق نصرة لنبيه عليه السلام وأمنعهم جانبا في الدفاع. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى زيد بن علي: إن الناصر للحق وصالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وروى في تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان الأشنوي والكلبي ومجاهد وأبي صالح والمغربي عن ابن عباس قال: رأت حفصة النبي عليه السلام في حجرة عائشة مع مارية القبطية، فقال عليه السلام: أتكتمين علي حديثي. قالت: نعم. قال: إنها علي حرام، ليطيب قلبها، فأخبرت عائشة وبشرتها من تحريم مارية، فكلمت عائشة النبي عليه السلام في ذلك، فنزل * (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) * إلى قوله * (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) * قال: صالح المؤمنين علي، تقول والله أحبه * (والملائكة بعد ذلك ظهير) *. وروى السري عن أبي مالك عن ابن عباس، وأبو الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام، والثعلبي بهذا الإسناد عن موسى بن جعفر عليه السلام، وعن أسماء بنت عميس عن النبي صلى الله عليه وآله قالوا: قال النبي: صالح المؤمنين علي بن أبي طالب. وروى الثعلبي حديثا مسندا إلى محمد بن علي الباقر، ورفع السند إلى علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى * (وصالح المؤمنين) * قال: هو علي بن أبي طالب (1).


1. المناقب لابن المغازلي ص 269. (*)

[ 550 ]

فرق: صالح المؤمنين أصلح المؤمنين، بدلالة العرف والإستعمال، لأن الشخص إذ قال: فلان عالم قومه وزاهد بلده، يريد أعلم وأزهد. ويشهد بصحة ذلك ما روي عن عمرو بن العلاء من قوله: كان أوس بن حجر شاعر مصر، حتى نشأ النابغة وزهير يطأطأ، وهو شاتمهم في الجاهلية غير مدافع (1). وإنما أراد بلفظ الشاعر أشعر لا غير. وكذا قولهم: فلان شجاع القوم، لا يقال ذلك إلا إذا كان أشجعهم. وعلى هذا القول علي عليه السلام أصلح القوم، وأصلح على وزن أفعل والألف فيها تكون للتفضيل، وقد مر بيانه بفصل طالوت. فعلى هذا علي أفضل القوم. ومما يؤد ذلك أنه عليه السلام أفضل وأشجع، وأنه لا جوز أن يخبر الله أن ناصر نبيه صلى الله عليه وآله إذا وقع التظاهر عليه بعد ذكره سبحانه وتعالى وذكر جبرئيل عليه السلام إلا من كان أقوى الخلق نصرة لنبيه وأمنع جانبا في الدفاع والذب عنه. ولا يحسن ولا يليق بموضوع الكلام ذكر ضعيف النصرة ولا المتوسط فيها والحال هذه. ألا ترى أن أحد الملوك لو تهدد بعض أعدائه ممن ينازعه سلطانه ويطلب مكانه فقال: لا تطمعوا في ولا تحدثوا نفوسكم بمغالبتي فإن ناصري فلان وفلان، فلا يحسن أن يدخل في كلامه إلا من هو الغاية في النصرة المشهور بالشجاعة المعروف بحسن المدافعة. ألم تر أن معاوية حيث ذكر كثرة من معه من العدد فهدده أمير المؤمنين


1. أنظر الخبر في الأعلام للزركلي 2 / 31.

[ 551 ]

عليه السلام بمالك الأشتر رضي الله عنه حيث هو معروف بالشجاعة مشهور بحسن المدافعة عن علي عليه السلام، لأنه قال في مالك: كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله. قال الله تبارك وتعالى * (وتعيها أذن واعية) * (1). الأذن الواعية أذن علي بن أبي طالب عليه السلام. في حلية الأولياء عن علي عليه السلام، وروى الواحدي في أسباب نزول القرآن عن بريدة، وروى أبو القاسم بن حبيب في تفسيره عن زر بن حبيش عن علي عليه السلام، واللفظ له قال: قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: ضمني رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أمرني ربي أن أدنيك ولا أقصيك، وأن تسمع وتعي (2). وفي تفسير الثعلبي في رواية بريدة: وأن أعلمك وتعي، وحق على الله أن تسمع وتعي، فنزلت * (وتعيها أذن واعية) *. وذكر النطنزي في الخصائص، وذكر في أخبار أبي رافع: أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك ولا أجفوك، وحق علي أن أطيع ربي فيك، وحق عليك أن تعي. وفي محاضرات الراغب - وهو من أهل المذاهب الأربعة - قال: قال الضحاك وابن عباس، وفي أمالي الطوسي رحمه الله قال الصادق عليه السلام، وفي بعض كتب الشيعة عن سعد بن طريف عن أبي جعفر عليه


1. سورة الحاقة: 12. 2. أسباب النزول ص 294، المناقب للخوارزمي ص 282. (*)

[ 552 ]

السلام قالوا: * (وتعيها أذن واعية) * أذن علي عليه السلام (1). وفي كتاب الياقوت عن أبي عمرو غلام ثعلب، وفي الكشف والبيان عن الثعلبي قال عبد الله بن الحسن، وفي كتاب الكليني واللفظ له عن ميمون بن مهران عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله لما نزلت * (وتعيها أذن واعية) * قلت: اللهم اجعلها أذن علي، فما سمع شيئا بعدها إلا حفظة (2). وروى جدي في كتابه المقدم ذكره حديثا مسندا إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله * (وتعيها أذن واعية) * أذن علي بن أبي طالب عليه السلام، ما زلت أسأل الله تعالى منذ أنزلت أن يكون أذنك يا علي (3). وروى في نخبه حديثا مسندا إلى جابر الجعفي وعبد الله بن الحسين ومكحول قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني سألت ربي أن يجعلها أذنك يا علي، اللهم اجعلها أذن واعية أذن علي، ففعل فما نسي شيئا سمعه بعد (4). قال الله تعالى * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) * (5) علي بن أبي طالب عليه السلام. روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا إلى القطان، عن وكيع،


1. في تفسير البرهان 4 / 375 أحاديث كثيرة بهذا المعنى. 2. المناقب للخوارزمي ص 282: 3. فرائد السمطين 1 / 199. 4. شواهد التنزيل 2 / 365. 5. سورة النبأ: 1. (*)

[ 553 ]

عن سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: أقبل صخر بن حرب حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد هذا الأمر بعدك لنا أم لمن ؟ قال: يا صخر الأمر من بعدي لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى، فأنزل الله تعالى * (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) * (1). وقد تقدم بتمامه في الفصل الثلاثين من تفسير الشيرازي. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى علقمة أنه خرج يوم صفين رجل من أهل الشام وعليه سلاح ومصحف فوقه وهو يقرأ * (عم يتساءلون) * فأردت البراز له، فقال علي عليه السلام: مكانك، وخرج بنفسه وقال: أتعرف النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ؟ قال: لا. قال: والله إني النبأ العظيم الذي في اختلفتم وعلى ولايتي تنازعتم وعن ولايتي رجعتم بعد ما قبلتم وببغيكم هلكتم بعد ما بسيفي نجوتم، ويوم غدير قد علمتم قد علمتم قد علمتم، ويوم القيامة تعلمون ما عملتم. ثم علاه بسيفه ورمى رأسه ويده، ثم قال صلوات الله عليه: أبى الله إلا أن صفين دارنا * وداركم ما لاح في الأرض كوكب حتى تموت أو نموت ومالنا * ومالكم عن حومة الحرب مهرب وفي رواية الأصبغ: والله إني النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، كلا سيعلمون حين أقف بين الجنة والنار فأقول: هذا لي وهذا لك. وروى جدي في نخبه قال: لما هرب الجماعة يوم الأحد، وكان علي يضرب قدام النبي صلى الله عليه وآله وجبرئيل عن يمينه وميكائيل عن


1. شواهد التنزيل 2 / 418. (*)

[ 554 ]

يساره نزل قوله تعالى * (قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون) *. وإذا كان علي بن أبي طالب عليه السلام هو النبأ العظيم الذي عنه يسألون، ولا يبقى ميت في بر ولا بحر ولا شرق ولا غرب إلا ومنكر ونكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنين بعد الموت، يقولان للميت: من ربك، ومن نبيك، ومن إمامك ؟ على ما ذكر الشيرازي، وقد سلف بفصل الثلاثين. فهذا أدل دليل على وجوب ولايته واتباعه والإقتداء والتمسك به، لأن به المحال أن يسأل الله تعالى عبده بعد الموت عن ولاية إمام لم يكن أمره باتباعه والإقتداء به ونصب له علما ظاهرا مكشوفا في الدلالة على ذلك الإمام، ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام علم ولايته ظاهر مكشوف، بدليل الكتاب العزيز والأخبار الواردة من الفريقين. قال عمرو بن العاص في أبيات له في علي عليه السلام ينشد: هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب

[ 555 ]

الفصل السادس والثلاثون في قوله تعالى (أولئك هم خير البرية) قال الله تعالى * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) * (1) خير البرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى جدي رحمه الله في نخبه حديثا رفعه إلى الزبير وعطية العوفي وخوات قال: قال كل واحد منهم: رأيت جابرا يتوكأ على عصاه وهو يدور في سكك المدينة ومجالسهم وهو يقول: قال النبي عليه السلام: علي خير البشر، من أبى فقد كفر، ومن رضي فقد شكر. ثم يقول: معاشر الأنصار أدبوا أولادكم على حب علي، فمن أبي فلينظر في شأن أمه. وروى الدارمي بإسناده إلى عائشة، وروى ابن مجاهد في الولاية، وذكر الديلمي في الفردوس وأحمد في الفضائل والأعمش عن أبي وائل، وعن عطية عن عائشة، وقيس بن حازم، عن جرير بن عبد الله قالوا: قال النبي صلى الله عليه وآله: علي خير البشر، من أبى فقد كفر،


1. سورة البينة: 7. (*)

[ 556 ]

ومن رضي فقد شكر (1). وروى الدارمي أن عائشة لما روت هذا الخبر قيل لها: فلم حاربتيه ؟ قالت: ما حاربته من ذات نفسي إلا حملني طلحة والزبير. وفي رواية: أمر قدر وقضاء غلب. وروى جدي في نخبه عن أبي وائل ووكيع وأبي معاوية والأعمش وشريك ويوسف القطان أنهم رووا ذلك بالأسانيد أنه سئل جابر وحذيفة عن علي عليه السلام فقالا: علي خير البشر، لا يشك فيه إلا كافر. قال رحمه الله: وروى عطاء عن عائشة مثله. قال: رواه سالم بن جعد عن جابر بإحدى عشرة طريق. وذكر الطبري في تاريخه أن الخليفة المأمون أظهر القول بخلق القرآن وتفضيل علي بن أبي طالب وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة ومأتين (2). وروى أبو بكر الهذلي عن الشعبي أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله علمني شيئا ينفعني الله به. قال: عليك بالمعروف، فإنه ينفعك في عاجل دنياك وآخرتك، إذ أقبل علي فقال: يا رسول الله فاطمة تدعوك. قال: نعم. قال الرجل: من هذا يا رسول الله ؟ قال: هذا الذي يقول الله فيه * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) *. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى الباقر عليه السلام، وعن ابن


1. الفردوس للديلمي 3 / 88. 2. تاريخ الطبري 8 / 619. (*)

[ 557 ]

عباس وأبي بردة وابن شراحيل: إن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي مبتدئا * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) * أنت وشيعتك، وميعادي وميعادكم الحوض إذا حشر الناس، حيث أنت وشيعتك غرا محجلين. قال: وفي خبر: شيعتك غر محجلين. وروى جدي في كتابه المقدم ذكره حديثا مسندا إلى جده جابر الأنصاري رحمه الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي يقول: جاء خير البرية (1). وروى أبو نعيم الإصفهاني - وهو من أعيانهم - فيما نزل من القرآن في علي عليه السلام بإسناده إلى الحارث قال: قال علي صلوات الله عليه: نحن أهل بيت لا نقاس بالناس. فقام رجل فأتى ابن عباس فأخبره بذلك، فقال: صدق علي أمير المؤمنين، أو ليس النبي صلى الله عليه وآله لا يقاس بالناس، وقد نزل في علي * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) (2). وروى أبو بكر الشيرازي في كتاب نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين عليه السلام أن حدث مالك بن أنس عن حميد عن أنس قال: (إن الذين آمنوا) * نزلت في علي عليه السلام، صدق أول الناس برسول الله صلى الله عليه وآله * (وعملوا الصالحات) * تمسكوا بأداء الفرائض * (أولئك هم خير البرية) * يعني عليا أفضل الخليقة بعد النبي - إلى آخر السورة.


1. المناقب للخوارزمي ص 112. 2. النور المشتعل ص 276. (*)

[ 558 ]

وروى ابن مردويه - وهو من أعيانهم - في كتابه حديثا مسندا إلى حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي خير البشر، ومن أبى فقد كفر (1). وروى عن ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) * (2). وروى حديثا مسندا قال: نابت أصحاب محمد (ص) نائبة، فجمعهم عمر فقال لعلي: تكلم فأنت خيرهم وأعلمهم. وذكر الخطيب الخوارزمي عن جابر: أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله: علي خير البرية (3). وذكر البلاذري في التاريخ قال: قال عطية: قلنا لجابر بن عبد الله: أخبرنا عن علي عليه السلام. قال: كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. وذكر ابن عبدوس الهمداني والخطيب الخوارزمي في كتابيهما بالإسناد عن سلمان قال: قال النبي عليه السلام: إن أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب (4). وفي تاريخ الخطيب مسندا عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لم يقل علي خير البشر فقد كفر.


1. إحقاق الحق 4 / 254 عن ابن مردويه. 2. المناقب للخوارزمي ص 111. 3. المناقب للخوارزمي ص 111. 4. المناقب للخوارزمي ص 112. (*)

[ 559 ]

وفي التاريخ أيضا حديث مرفوع إلى علقمة بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير رجالكم علي بن أبي طالب، وخير شبانكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة الزهراء. وذكر الطبراني في الولاية والمناقب بإسنادهما إلى مسروق قال: قالت عائشة: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم إلى الله وسيلة، أي المخدج وأصحابه. وذكر جدي في نخبه حديثا مسندا إلى سعد بن أبي وقاص قال: دخل سعد بن أبي وقاص على معاوية بعد مصالحة الحسن عليه السلام، فقال معاوية: مرحبا بمن لا يعرف حقا فيتبعه ولا باطلا فيجتنبه. فقال أردت أن أعينك على علي بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لابنته فاطمة: أنت خير الناس أبا وبعلا. وذكر في كتابه حديثا مسندا إلى شهر بن حوشب قال: لما دون عمر ابن الخطاب الدواوين بد أبالحسن والحسين عليهما السلام فملأ حجريهما من المال، فقال ابن عمر: قدمتهما علي ولي صحبة وحجزة دونهما. فقال عمر: أسكت لا أم لك، أبوهما والله خير من أبيك وأمهما خير من أمك. وروى أحمد بن حنبل في مسنده حديثا رفعه إلى الزبير قال: قال لجابر: كيف كان علي فيكم ؟ قال: ذاك من خير البشر، ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم إياه.

[ 560 ]

فرق: قوله سبحانه وتعالى * (خير البرية) * لفظ شامل لجميع البرية، فيجب لعلي عليه السلام السيادة على جميع البرية بمقتضى اللفظ. ومن حصلت له السيادة على جميع البرية والحاجة إليه أدعى والإنقياد إليه أرعى وأحجى والاتباع له من سائر البرية أولى، وشاهد الحال في هذا المعنى أظهر من شاهد الإستدلال. ومما يدل على أنه خير البريد بعد الرسول صلى الله عليه وآله إجماع الطائفة الذين هم علماء الشيعة الإمامية، فإنهم مجمعون على أن أمير المؤمنين عليه السلام أفضل العالم بعد رسول الله (ص)، وإجماعها حجة يجب العمل به، لأن الإمام المعصوم عليه السلام فيها. وقائل في جميع ما أجمعت عليه يقولها اعتبار مبني على أن إجماعها حجة، وليس ههنا موضع بيان أن إجماعها حجة لكنه مذكور في كتب الإمامية واعتمد عليه السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الإنتصار. ومن الواعظ العالم وهو على المنبر وقد قرأ القارئ بين يديه: يا راكبا شدنية مهرية * تفري المهامه طالبا أهل الندى عرج على آل النبي محمد * بيت الفخار ومن بهم نيل الهدى من حبهم فرض على كل الورى * من بغضهم سبب الشقاوة والردى شفعاء من والاهم وأحبهم * خير البرية كل سم العدى بهم إلى الله التقرب واجب * نفسي لهم ولمن أحبهم الفدا فاشدد يديك بحبهم في هذه الدنيا لتسعد بالنعيم إذن غدا

[ 561 ]

وقال أبو الطفيل الكناني (1): أشهد بالله وآلائه * وآل يس وآل الزمر أن علي بن أبي طالب * بعد رسول الله خير البشر وقال الفضل بن عتبة بن أبي لهب (2): ألا إن خير الناس بعد محمد * مهيمنه التالية في العرف والنكر فذاك علي الطهر (3) من ذا يفوقه * أبو حسن حلف القرابة والصهر وأول من صلى وصدق نبيه * وأول من أردى الغواة لدى بدر وقال [ كعب بن ] زهير (4): صهر النبي خير الناس كلهم * فكل من رامه بالفخر مفخور صلى الصلاة مع الأمي أولهم * قبل العباد ورب الناس مكفور ولبعضهم (5): ألا إن خير الناس بعد محمد * علي وإن لام العذول وفندا وإن عليا خير من وطأ الحصا * سوى المصطفى أعني النبي محمدا هما أسلما قبل الأنام وصليا * أغارا لعمري في البلاد وأنجدا


1. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 83. 2. الغدير 3 / 232. 3. في المصدر: فذاك علي الخير. 4. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 21. 5. المصدر 2 / 28. (*)

[ 563 ]

الفصل السابع والثلاثون في قوله تعالى * (أفمن كان على بينة من ربه) * * (ويتلوه شاهد منه) * (1) وقوله تعالى * (ومن عنده علم الكتاب) * (2)، وأنه عليه السلام نور الله، وأنه الهدى، وأنه جنب الله، وأنه حجة الله، وأن مثله مثل الكعبة الشاهد علي بن أبي طالب عليه السلام. روى الطبري بإسناده إلى زين العابدين والباقر والصادق والرضا عليهم السلام: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: * (أفمن كان على بينة من ربه) * محمد و * (يتلوه شاهد) * أنا (3). وروى جدي في نخبه حديثا عن حماد بن سلمة عن ثابت قال: قال أنس * (أفمن كان على بينة من ربه) * قال: هو رسول الله صلى الله عليه وآله * (ويتلوه شاهد منه) * قال: هو علي بن أبي طالب، كان والله لسان


1. سورة هود: 17. 2. سورة الرعد: 43. 3. تفسير البرهان 2 / 212. (*)

[ 564 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله [ إلى أهل مكة في نقض عهدهم مع رسول الله ] (1). وذكره الحافظ أبو نعيم - وهو من أعيانهم - بثلاثة طرق عن عبد الله بن عبد الله الأسدي في خبر قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) * رسول الله على بينة من ربه وأنا الشاهد (2). وذكره النطنزي في الخصائص. وقد ذكر في كتاب فصيح الخطب أنه سأله ابن الكوا قال: ما أنزل فيك ؟ قال: قوله تعالى * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) *. وذكره الثعلبي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) * الشاهد علي عليه السلام (3). ورواه القاضي أبو عمرو عثمان بن أحمد وأبو نصر القسري في كتابيهما، ورواه الفلكي المفسر عن مجاهد وعن عبد الله بن شداد. وقرأ ابن مسعود * (أفمن أوتي علم من ربه ويتلوه شاهد منه) * علي. فرق: شاهد النبي على أمته يكون أعدل الخلائق، فكيف يتقدم عليه غيره وهو أيضا من النبي ؟ و (من) ههنا لتبيين الجنس، فيؤذن بأن علي بن أبي طالب عليه السلام


1. شواهد التنزيل 1 / 366، والزيادة منه. 2. المناقب لابن المغازلي ص 270. 3. شواهد التنزيل 1 / 365. (*)

[ 565 ]

من جنس الرسول عليه السلام، وقد تقدم بالفصل الثالث والعشرين ذكر محاسنهما في عدة أشياء وقوله تعالى * (ويتلوه شاهد منه) * فإنه بيان لعلي بن أبي طالب عليه السلام بأنه تالي من الرسول من غير فصل بينهما بتالي آخر، فمن جعله تاليا بعد ثلاثة فعليه الدلالة، لأن التالي هو من تلى غيره على أثره من غير فصل بينهما. ولو لم يرد تفسير هذه الآية من أن الشاهد هو علي بن أبي طالب عليه السلام لدلت الآية والخبر عليه بقوله تعالى * (ويتلوه شاهد منه) * وقول الرسول صلى الله عليه وآله له (أنت مني وأنا منك)، ولم يقلها لأحد سواه، فظهر اختصاصه بها دون غيره. وقد تقدم ذكر الأخبار بقول الفريقين بالفصل الرابع والعشرين. وأما كونه عليه السلام متصفا بعلم الكتاب، قال الله تعالى * (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * (1). روى الفرقة المحقة الإثنا عشرية أن الذي عنده علم الكتاب هو علي بن أبي طالب عليه السلام. وروى الثعلبي في تفسيره من طريقين: إن المراد بقوله في هذه الآية * (من عنده علم الكتاب) * هو علي بن أبي طالب عليه السلام. فرق: إذا كان علي بن أبي طالب عليه السلام عنده علم الكتاب كان حاجة


1. سورة الرعد 43. (*)

[ 566 ]

الأمة إليه آمن في الإتباع وأخص في الإنتجاع، لحاجتها إلى معرفة الحلال والحرام والواجب والندب في جميع الأوامر والنواهي، إلى غير ذلك مما يشتمل عليه علم الكتاب، لأنه عليه السلام المبين لجميع ذلك. وفي الإتباع له طريق النجاة من الضلال وسلوك المحجة البيضاء، لأن أخذ البيان حصل من موثوق به قد نبه الله ورسوله عليه. وفي الإتباع لغيره عكس جميع المذكور، لعدم العلم، والمعلوم ببديهة العقل وجوب سلوك طريق النجاة، فوجب الإتباع له والتمسك به عقلا وسمعا. وأما كونه عليه السلام نور الله تعالى: روى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى مولانا الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى * (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) * (1) يقول: من الكفر إلى الإيمان، يعني إلى الولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام. وروى جدي حديثا مسندا إلى الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى * (والذين كفروا) * يعني بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام * (أولياؤهم الطاغوت) * (2) نزلت في أعدائه ومن تبعهم، أخرجوا الناس من النور، والنور ولاية علي، فصاروا إلى ظلمة ولاية أعدائه (3). روى الواحدي في الوسيط وفي الأسباب والنزول قال: قال عطا في تفسير قوله تعالى * (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) *


1. سورة الأحزاب: 43. 2. سورة البقرة: 257. 3. تفسير البرهان 1 / 244. (*)

[ 567 ]

نزلت في علي وحمزة * (فويل للقاسية قلوبهم) * (1) في أبي جهل وولده (2). وروى عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أبي صالح عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى * (وما يستوي الأعمى) * أبو جهل * (والبصير) * أمير المؤمنين * (ولا الظلمات) * أبو جهل * (ولا النور) * أمير المؤمنين * (ولا الظل) * يعني ظل أمير المؤمنين في الجنة * (ولا الحرور) * يعني جهنم، ثم جمعهم جميعا وقال * (وما يستوي الأحياء) * علي وحمزة وجعفر والحسن والحسين وفاطمة وخديجة * (ولا الأموات) * (3) كفار مكة. وقال ابن رزيك رحمه الله (4): هو النور نور الله في الأرض مشرق * علينا (5) ونور الله ليس يزول سما بين أملاك السماوات ذكره * نبيه فما إن يعتريه خمول وأما كونه عليه السلام هو الهدى، قال الله تعالى * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) * (6). روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا إلى أبي الحسن الماضي عليه السلام في تفسير قوله تعالى * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) * قال: هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه، والولاية هي دين


1. سورة الزمر: 22. 2. أسباب النزول للواحدي ص 248. 3. سورة فاطر: 19 - 22. 4. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 99. 5. رواية المصدر: والنور مشرق علينا. 6. سورة التوبة: 33. (*)

[ 568 ]

الحق. قلت: * (ليظهره على الدين كله) * ؟ قال يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم، يقول الله تعالى * (والله متم نوره) * ولاية القائم * (ولو كره الكافرون) * لولاية علي عليه السلام. وروى مسندا عنه عليه السلام في تفسير قوله تعالى * (وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به) * (1) قال: الهدى الولاية، آمنا بمولانا، فمن آمن بولاية مولاه فلا يخاف بخسا ولا رهقا. وروى حديثا مسندا عن أبي الورد عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى * (وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى) * (2) قال: في أمر علي ابن أبي طالب. وأما كونه جنب الله تعالى: روى الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب حديثا مسندا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليلة عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوبا (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي جنب الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة الزهراء أمة الله، على باغضيهم لعنة الله) (3). وأما كونه عليه السلام حجة الله تعالى: روى في تاريخ الخطيب وفي الإحن والمحن عن أنس أن النبي عليه السلام نظر إلى علي فقال: أنا وهذا حجة الله على خلقه.


سورة الجن: 13. 2. سورة محمد: 32. 3. المناقب للخوارزمي ص 302، وفيه (علي حبيب الله) و (علي مبغضيهم). (*)

[ 569 ]

وفي الفردوس عن الديلمي: أنا علي حجة الله على عباده. وروى الفقيه ابن المغازلي في كتابه عن أنس وغيره قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فأتى علي مقبلا، فقال: أنا وهذا حجة الله على أمتي يوم القيامة. قوله في هذا الخبر في علي عليه السلام (إنه حجة على أمتي) * يدل على تقديمه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل، لأن قوله عليه السلام (على أمتي) كلام عام يدخل تحته جميع الأمة، وعلى تقدير أنه رابع لا يكون حجة على الأمة التي في زمن الثلاثة إلا لمن لحق منها أيامه عليه السلام، فلا يكون حجة على من لا يلحق وقد جعل حجة عليه، فيبطل هذا التقدير. وأما كونه عليه السلام مثل الكعبة: روى جدي في نخبه حديثا مرفوعا عن أبي عبد الله عليه السلام في جملة خبر أنه قال: نحن كعبة الله، ونحن قبلة الله. وروى الفقيه الشافعي حديثا مسندا إلى أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل علي فيكم - أو قال في هذه الأمة - كمثل الكعبة المسورة أو المشهورة، النظر إليها فريضة (1). وتمثيل الرسول (ص) لابد وأن يكون تمثيلا صحيحا للمواد المتصلة إليه من الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز أن يمثل الشئ بخلافه ويشبهه بضده، لكن يشبه الشئ بمثله ويمثله بنظيره. فكما أن حج الكعبة فريضة فكذا ولاية علي فريضة، فتحصل المماثلة في القدر المشترك، وهو


1. المصدر ص 107. (*)

[ 570 ]

الإيجاب، وإيجاب الحج مطلق في سائر الأوقات لا يختص بسنة دون غيرها، فولاية علي واجبة كذلك، فمن جعله رابعا فعليه الدليل. وتشبيه الصادق عليه السلام كتشبيه الرسول (ص) في أن مثلهم مثل القبلة، ومعلوم وجوب استقبالها عند الأمة بأسرها، فمن جعل عليا رابعا فقد استدبر ما وجب عليه استقباله. وقال ابن حماد رحمه الله (1): أولئك قوم لا يحاط علومهم (2) * وليس لهم في الخلق شبه ولا شكل هم أمناء الله في الأرض والسما * وهم عينه والأذن والجنب والحبل وهم أنجم الدين الذي صال ضوؤها * على ظلم الإشراك فهو لها يجلو وفي كتب الله القديمة نعتهم * وقد نطقت عن عظم فضلهم الرسل وقال أيضا عفى الله عنه (3): هو القبلة الوسطى يرى الوفد حولها * لها حرم الله المهيمن والحل وآيته الكبرى وحجته التي * أقيمت على من كان هنا له عقل


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 225. 2. رواية المصدر: لا يحاط بفضلهم. 3. المصدر السابق 2 / 171. (*)

[ 571 ]

الفصل الثامن والثلاثون في ذكر الدرجات قال الله تعالى * (نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم) * (1). الدرجات تسع: (الأولى) السبق إلى الإسلام والهجرة، قال الله تعالى * (السابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم) * (2). (الثانية) القرابة، لقوله تعالى * (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * (3) وقوله تعالى * (واتقوا الله الذي يتساءلون به والأرحام) * (4). (الثالثة) العلم بكتاب الله، قال الله * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (5). (الرابعة) العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، لقوله تعالى * (هل


1. سورة يوسف: 76. 2. سورة الواقعة: 10 - 12. 3. سورة الشورى: 23. 4. سورة النساء: 1. 5. سورة النحل: 43. (*)

[ 572 ]

يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * (1) وقوله تعالى * (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) * (2) وقوله تعالى * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * (3) وقوله تعالى * (ويرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) * (4). (الخامسة) المعرفة بالحكم، لقوله تعالى * (يحكم به ذوا عدل منكم) * (5). وقوله تعالى * (يحكم بها النبيون الذين أسلموا) * (6) وقوله تعالى * (وكيف يحكمونك وعندهم التورية فيها حكم الله) * (7) وقوله تعالى * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (8). (السادسة) درجة المجاهدين، لقول تعالى * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) * (9) الآية، وقوله تعالى * (فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) * (10) وقوله تعالى * (وقاتلوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (11).


1. سورة الزمر: 9. 2. سورة العنكبوت 49. 3. سورة فاطر: 28. 4. سورة المجادلة: 11. 5. سورة المائدة: 95. 6. سورة المائدة: 44. 7. سورة المائدة: 43. 8. سورة المائدة: 49. 9. سورة التوبة: 111. 10. سورة النساء: 95. 11. سورة البقرة: 195، وصدر الآية * (وأنفقوا في سبيل الله) *. (*)

[ 573 ]

(السابعة) الإنفاق في سبيل الله، لقوله عز وجل * (وأنفقوا مما رزقناكم) * (1) الآية، وقوله تعالى * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) * (2) وقوله تعالى * (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل) * (3) الآية. (الثامنة) الورع، لقوله تعالى * (قد أفلح المؤمنون) * ثم نعتهم فقال * (الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم لفروجهم حافظون) * (4) الآية، وقوله تعالى * (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) * (5) الآية. (الدرجة التاسعة) الزهد في الدنيا، لقوله تعالى * (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض) * (6) الآية، ولقوله تعالى * (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة) * (7) ولقوله تعالى * (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) * (8). هذه الدرجات قد أنزل الله تعالى في كل درجة منها آيات كثيرة ذكر بعضها تنبيها على ما يماثلها.


1. سورة المنافقون: 10. 2. سورة الحديد: 11. 3. سورة محمد: 38. 4. سورة المؤمنون: 1 - 4. 5. سورة النور: 37. 6. سورة يونس: 24. 7. سورة الحديد: 20. 8. سورة لقمان: 33. (*)

[ 574 ]

وهذا الدرجات المذكورة لم تحصل لأحد من خلق الله تعالى بأسرها وكمالها إلا لعلي بن أبي طالب عليه السلام: روى الشيخ المرشد أبو عبد الله الحسين بن علي البصري في كتابه كتاب الإيضاح عن أصحاب الحديث ومن ينتحل السنة قال: قلنا أخبرونا عن هذه الدرجات من الذي اجتمعت فيه ومن فيه بعضها ؟ فقالوا: السبق لعلي ولزيد به حارثة وأبي عثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعمر بن أناس كثيرة وسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وابن مسعود. وأما الثانية - وهي القرابة - فهي لعلي عليه السلام وجعفر وحمزة وعقيل والحسن والحسين وعباس وعبد الله وعبيد الله والفضل بن العباس وعبيدة بن الحارث وأخوه أبو سفيان. وأما الثالثة - وهي درجات العلم بكتاب الله سبحانه وتعالى - فهي لعلي ابن أبي طالب وأبي بن كعب وعثمان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وأبو موسى الأشعري. وأما الرابعة - وهي درجة العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله - فهي لعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وسلمان وجابر بن عبد الله وحذيفة بن اليمان. وأما الخامسة - وهي المعرفة بالحكم - فهم علي وأبو بكر وعمرو معاذ ابن جبل وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود. وأما السادسة - وهي درجة الجهاد - فهم علي وحمزة وجعفر وعبيدة ابن الحارث والزبير بن العوام وطلحة وأبو دجانة الأنصاري ومحمد بن

[ 575 ]

مسلم وسعد بن أبي وقاص والبراء بن عازب وسعد بن معاذ. تم حديثه. وهذا الدرجة درجة عظيمة شريفة جليلة، لأن فيها التغرير بالنفس والبذل للمهجة. السابعة: درجة الإنفاق، وهو عظيم في المحبة والإعتبار جسيم في التجربة والإختبار، وإنما هو جودان جود بالنفس وجود بالمال، وما عداهما قليل عندهما. قال الراوي: وهي حاصلة لعلي وأبي بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن ابن عوف. الثامنة: درجة الورع في الدين، وهم علي وأبو بكر وعمر وعبد الله بن مسعود وأبو ذر وسلمان وعمار والمقداد، وعبد الله بن عمر. التاسعة: وهي الزهد في الدنيا، وهو علي بن أبي طالب وعمر وعثمان ابن مظعون وأبو ذر وسلمان وعمار والمقداد. فيقال: إذا كان علي عليه السلام مقدما في جميع هذه الدرجات وأنها مجتمعة عنده قائمة فيه دون غيره ولم يحصل لغيره منها إلا البعض، فهو أولى وأوجب بالتقدم على غيره في منصب الإمامة، لأن أبا بكر تقرب ببعض درجة واحدة في يوم السقيفة وحصل له المقام، لأنه احتج على القوم في استحقاقه بالقرابة للرسول، وهي بعض درجة القرابة، لأن القرابة منها ما هو بعيد كقرابة أبي بكر من الرسول صلى الله عليه وآله لأنه من قريش، ومنها ما هو أقرب وأمس كقرابة علي عليه السلام من رسول الله (ص).

[ 576 ]

قال الشريف المرتضى علم الهدى قدس الله روحه: وإذا الأمور تشابهت وتبهمت (1) * فجلاؤها وشفاؤها أحكامه وإذا التفت إلى التقى صادفته * من كل بر وافر أقسامه فالليل فيه قيامه متهجدا * يتلو الكتاب وفي النهار صيامه يعفي الثلاث تعففا وتكرما * حتى يصادف زاده معتامه (2) فمضى بريئا لم يسؤه ذنوبه (3) * [ يوما ولا ظفرت به آثامه ]


1. في المخطوطة: واشتبهت. 2. في المصدر: ومقامه. المعتام: المبطئ زاده 3. في المصدر: لم تشنه ذنوبه. (*)

[ 577 ]

الفصل التاسع والثلاثون في ذكر الشهادة قال الله تعالى * (وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) * (1). وقال عليه السلام: الشهود كعام الظالمين (2). ومن المعلوم عند جميع الأمه أن من شهد له بشئ وجب دفعه إليه، ومن عليه شئ وجب عليه الخروج منه ودفعه إلى المشهود له. وقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: أحدكم يشهد له شاهدان بحق فيأخذ بحقه، وإن جدي أمير المؤمنين شهد له يوم الغدير بحقه ستون ألفا ولم يقدر على الأخذ بحقه. وقد روي في رواية أخرى: ستة وثمانون ألفا. وقد روى (3) شهادة الاثني عشر رجلا الذين هم جل المهاجرين


1. سورة الطلاق: 2. 2. الكعام: ما يشد به فم البعير لئلا يعض أو يأكل، يريد أن الشهود يشدون فم الظالم عن الكلام والتحكم. 3. نقل هذا الإحتجاج جماعة من المحدثين في كتبهم مع الإختلاف في بعض الجمل والألفاظ، أنظر: الخصال ص 461، الإحتجاج للطبرسي 75. (*)

[ 578 ]

والأنصار الفرقة المحقة، وذلك بينهم معروف مشهود لاخفاء به ولا تناكر فيه. والنقل من كتاب جدي أبي عبد الله الحسين بن جبر رحمه الله الموسوم بكتاب الإعتبار في أبطال الإختيار، رواه مسندا إلى أبان بن عثمان قال: قلت لمولانا الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: هل كان في أصحاب رسول الله (ص) أحد أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله ؟ قال: بلى يا أبان، كان الذي أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله اثنا عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، منهم: خالد بن سعيد ابن العاص وكان من بني أمية، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر، وبريدة الأسلمي، وكان من الأنصار: قيس بن سعد بن عبادة، وأبو الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري. قال: لما صعد أبا بكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض: والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال آخرون منهم: إن فعلتم ذلك أعنتم على أنفسكم، وقد قال الله تعالى * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) *، فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين نستشيره ونستطلع رأيه. قال: فانطلق القوم بأجمعهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا له: يا أمير المؤمنين تركت حقا أنت أحق به منه، ولقد أردنا أن نأتي الرجل فننزله عن منبر رسول الله (ص)، فكرهنا أن نحدث شيئا دون مشاورتك، فقم إن الحق معك وأنت أحق به وأولى منه، لأنا سمعنا رسول الله (ص)

[ 579 ]

يقول: علي مع الحق والحق مع علي يميل معه حيث مال. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وأيم الله لو فعلتم ذلك إذا لما كنتم إلا جربا، ولكنتم كالمحل في الزاد وكالكحل في العين، وأيم الله لو فعلتم ذلك إذ لأتيتموني شاهرين سيوفكم مستعدين للحرب والقتال لما أتوني فقيل لي: تبايع وإلا قتلناك، فلم أجد بدا من أن أمنع القوم عن نفسي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أوعد إلي قبل وفاته وقال: يا أبا الحسن إن الأمة من بعدي ستغدرك وتنقض عهدي، فإنك مني بمنزلة هارون من موسى، وإن الأمة من بعدي بمنزلة هارون ومن تبعه وبمنزله السامري ومن تبعه. فقلت: يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان ذلك ؟ فقال عليه السلام: إن وجدت أعوانا فبادر إليهم وجاهدهم وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوما. فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله اشتغلت بغسله والفراغ من شأنه، ثم اليت ثلاثا ألا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن إذ هو أحق وأولى، ثم أخذت بيد فاطمة عليها السلام وابني الحسن والحسين فدرت على أهل بدر وأهل السابقة، فناشدتهم حقي ودعوتهم إلى نصرتي، فما أجابني إلا أربعة رهط سلمان والمقداد وأبو ذر وعمار، ولقد راودت في ذلك أهل بيتي فأبوا علي إلا السكوت، لما علموا من دعارة في صدور القوم وبغضهم لله ولرسوله ولأهل بيت نبيهم عليهم السلام، فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل فأعرفوه ما سمعتم من رسول الله صلى الله عليه وآله، ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعقوبة وأبعد من رسول الله إذا ورد عليه. قال: فانطلق القوم بأجمعهم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه

[ 580 ]

وآله، وكان في يوم الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال الأنصرا للمهاجرين: قوموا أنتم تكلموا فإن الله تعالى أدناكم في كتابه فقال عز وجل * (لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار) *. فقلت: يابن رسول الله إن العامة لا تقرأ هكذا. فقال: فكيف يا أبان ؟ فقلت: تقرأ (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار). فقال عليه السلام: وأي ذنب كان على النبي عليه السلام حتى تاب عليه، إنما تاب الله على أمته. قال: فأول من تكلم من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص، فقام قائما على قدميه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي، ثم قال: (يا معاشر قريش، قد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لنا ونحن محتوشوه في بني قريضة وقد قتل علي عدة من رجالهم وأولي القوة منهم، فقال: يا معشر قريش إني موصيكم بوصية فاحفظوها ومودعكم أمرا فلا تضيعوه، ألا وإن عليا إمامكم من بعدي وخليفتي فيكم، بذلك أوصاني جبرئيل عن ربي تبارك وتعالى، ألا وإن لم تحفظوا فيه وصيتي ولم تؤازروه ولم تنصروه اختلفتم في أحكامكم واضطرب عليكم أمر دينكم وولي عليكم شراركم، بذلك أخبرني جبرئيل عن ربي تبارك وتعالى، ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري القائمون بأمر أمتي، اللهم من أطاعني في أهل بيتي وحفظ فيهم وصيتي اللهم فاحشره في زمرتي، ومن عصاني في أهل بيتي وضيع فيهم وصيتي اللهم فأحرمهم الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض). فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: أسكت يا خالد فلست من أهل

[ 581 ]

المشورة ولا مما يعبأ برأيه. فقال له: بل أسكت أنت يابن الخطاب، فإنك والله تنطق بغير لسانك وتعتصم بغير أركانك، وإنك لجبان في الحروب وبخيل في الجدوب لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر. قال: فارتد عمر جالسا ينكث ثناياه بأصبعة. ثم قال سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال: (يا أبا بكر إلى من تسند أمرا إذا نزل بك الأمر، وإلى من تفزع إذا سئل عما لا تعلم وفي القوم من هو أعلم منك وأقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله قرابة منك، قدمه رسول الله في حياته وعرفه إلينا بعد وفاته، فتركتم قوله وتناسيتم وصيته، فعما قليل تنقل عن دنياك وتصير إلى آخرتك، وقد علمت أن علي بن أبي طالب صاحب هذا الأمر بعد رسول الله، فلو رددت هذا الأمر إلى أهله لكان لك في ذلك النجاة من النار، على أنك قد سمعت كما سمعنا ورأيت كما رأينا، فلم ترد على ما أنت عليه وما أنت له فاعل، وقد منحتك نصحي وبذلت لك ما عندي، فإن قبلت ذلك وفقت وأرشدت) ثم جلس. وقام إليه أبو ذر رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (يا معشر قريش قد علمتم وعلم خياركم أن النبي صلى الله عليه وآله قال لنا: الأمر من بعدي لعلي بن أبي طالب ثم للأئمة من ولد الحسين. فتركتم قوله وتناسيتم وصيته واتبعتم أمر دنيا فانية وتركتم أمر الآخرة الباقية، وكذلك الأمم كفرت بعد إيمانها وجحدت بعد برها، فكفرتم وحاربتموه حذو القذة بالقذة ومثل النعل بالنعل، فعما قليل تذوقون وبال

[ 582 ]

أمركم وما قدمت أيديكم، وما الله بظلام للعبيد) ثم جلس. وقام إليه المقداد بن أسود الكندي رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (يا أبا بكر أربع على ضلعك، وقس شبرك بفترك، والزم بيتك وابك على خطيئتك، ولا تغرنك من قريش أو غادها، فعما قليل تضمحل عن دنياك وتصير إلى آخرتك، وقد علمت أن علي بن أبي طالب صاحب هذا الأمر، فأعطه ما جعله الله له ورسوله) ثم جلس. وقام إليه عمار بن ياسر رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (يا معشر قريش قد علمتم وعلم خياركم أن أهل بيت نبيكم أقدم سابقة منكم وأكثر عناء عن مصاحبتكم بنبيكم أقدم سابقة، فأعطوهم ما جعله الله ورسوله لهم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) ثم جلس. وقام إليه بريدة الأسلمي رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (يا أبا بكر أنسيت أم تناسيت أم تناعست أم خادعتك نفسك، أما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله أمرنا بالسلام على أخيه وابن عمه سبع سنين في حياته بإمرة المؤمنين، وكان يتهلل وجهه لما يراه من طاعتنا لابن عمه، فلو أعطيتموه الأمر من بعد وفاته لكان لكم في ذلك النجاة من النار، إلا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا فصمتا وهو يقول: بينا أنا واقف على الحوض أسقي منه أمتي إذ يؤخذ بطائفة من

[ 583 ]

أصحابي ذات الشمال إلى النار، فأقول: أصحابي أصحابي. فيقول جبرئيل: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فتنوا أمتك وظلموا أهل بيتك. فأقول: بعدا بعدا وسحقا إلى النار). وروى الشيخ أبو جعفر ابن بابويه رحمه الله في حديث بريدة خاصة زيادة على ما ذكره جدي رحمه الله، وهي رواية رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (أيها الناس هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وخير من أخلفه، فوازروه وانصروه ولا تتخلفوا عنه، فإنه لا يدخلكم في ضلالة ولا يخرجكم من هدى) ثم جلس. وقام إليه قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (يا أبا بكر اتق الله ولا تكن أول من ظلم محمدا في أهل بيته، ورد هذا الأمر إلى من هو أحق به منك، تحط أو زارك وتقل ذنوبك، وتلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنك راض أحب إليك من أن تلقاه وهو عليك ساخط). وقام إليه خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (يا أبا بكر ألست تعلم ويعلم المهاجرون والأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقبل شهادتي وحدي ولا يريد معي غيري ؟ فقال له مغضبا: نعم أشهد بما تشهد. فقال: يا معاشر قريش إشهدوا علي أني أشهد على رسول الله أنه قال: هذا علي إمامكم بعدي وخليفتي فيكم، فقدموه.

[ 584 ]

ولا تتقدموه، فإن قدمتموه سلك بكم طرائق الهدى، وإن تقدمتموه سلكتم طرائق الضلالة والردى، وهو باب حطة المبتلى به، مثله فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى) ثم جلس. وقام إليه أبو الهيثم التيهاني رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (معاشر قريش إشهدوا علي أني أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد خرج علينا من هذه الحجرة - يعني حجرة فاطمة - آخذا بيد علي وهو يقول: أيها الناس هذا علي أخي وابن عمي وكاشف الكرب عن وجهي ومن اختاره الله تعالى بعلا لابنتي، الشاك في علي كالشاك في الله، والتابع لعلي كالتابع لسنة رسول الله، فاتبعوه يهديكم إلى الذي تختلفون فيه من الحق) ثم جلس. وقام إليه سهل بن حنيف، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (يا معاشر قريش اشهدوا علي أني أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رأيته في هذا المكان وهو يقول: أيها الناس علي هذا إمامكم بعدي، وهو وصيي في حياتي وبعد وفاتي وقاضي ديني ومنجز وعدي وأول من يضافحني على حوضي، وطوبى لمن اتبعه ونصره والويل لمن تخلف عنه وخذله) ثم جلس. وقام إليه أبي من كعب رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، وقال: (لا أقول لكم أكثر مما قاله غيري، إني رأيت النبي صلى الله عليه وآله

[ 585 ]

وقد أقام عليا للناس علما وإماما، فقالت طائفة منهم: إنما أقامه ليعلم من كان من عدوه ومواليه أن عليا مولاه، فبلغ ذلك رسول الله (ص)، فخرج إلينا كهيئة المضب وهو آخذ بيد علي عليه السلام، ثم قال: يا أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه وإمامه وحجة الله عليه، أيها الناس إن الله عز وجل خلق السماوات وخلق لها سكانا وأهلا وجعل لأهلها حرسا، ألا وإن حرس أهل السماوات النجوم وإذا هلكت النجوم هلك من في السماء، أيها الناس إن الله خلق الأرض وجعل لها سكانا وأهلا وجعل لأهلها حرسا، ألا وإن حرس أهل الأرض أهل بيتي فإذا هلك أهل بيتي هلك من في الأرض) ثم جلس. وقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: (يا معاشر المهاجرين والأنصار أما سمعتم الله عز وجل يقول * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) * وقال تعالى * (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها) *، أفتريدون أيتاما أقرب من أيتام رسول الله، بالأمس مات جدهم واليوم غصبتموهم حقهم). ثم خنقت أبا أيوب العبرة لايستطيع كلاما، وأفحم أبو بكر على المنبر لا يحير كلاما ولا جوابا، فقام إليه عمر فقال: أنزل منها يا لكع، إذا كنت لا تقوم بحجة فلم أقمت نقسك هذا المقام، والله لقد هممت أن أخلعها منك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة. ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد

[ 586 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كان اليوم الثالث جاءهم خالد بن الوليد فقال: ما جلوسكم، فقد طمعت والله فيه بنو هاشم، وجاءهم سالم ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ ومعه ألف رجل، فخرجوا شاهرين سيوفهم يقدمهم عمر حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام جالس في نفر من أصحابه، فقال عمر: يا أصحاب علي لأن ذهب رجل منكم يتكلم بالذي تكلم به بالأمس لآخذن الذي فيه عيناه. فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه، فقال: يا بن صهاك الحبشية أبأ سيافكم تهددونا أم بجمعكم تفزعونا، والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وإنا لأكثر منكم، وإن كنا قليلين فإن حجة الله فينا، والله لو لا أني لأعلم أن طاعتي إمامي أولى بي لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري. فقام له أمير المؤمنين عليه السلام: إجلس يا خالد، فقد عرف الله مقامك وشكر لك فعلت، فجلس. وقام سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال: الله أكبر، الله أكبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا فصمتا وهو يقول: بينما أخي وابن عمي جالس في مسجدي في نفر من أصحابه إذ يثب عليه جماعة من كلاب أهل النار يريدون قتله وقتل من معه، فلست أشك إلا أنكم هم. فهم به عمر، فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض وقال: والله يابن صهاك لو لا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لأريتك أينا أقل جندا وأضعف ناصرا. ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم: انصرفوا رحمكم الله، فو الله لادخلت

[ 587 ]

هذا المسجد إلا كما دخله أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه * (إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) *، والله لادخلت إلا لزيارة رسول الله (ص) أو لقضية أقضيها، فإنه لا يجوز لحجة أقامها رسول الله أن يترك الناس في حيرة. قال أبان: قال الصادق عليه السلام: والله ما دخله إلا كما قال. قال راوي الحديث جدي رحمه الله: وهذا حديث معروف من طريق الخاصة، ثم لفضه الحق اليقين الذي لا يخالجه شك ولا وهم، إن هؤلاء المذكوين ممن لا يتوهمون في فعال ولا يكذبون في مقال، وكيف يتطرق إليهم شئ من ذلك مع جلالة قدرهم وعلو منزلتهم وشرف سابقتهم وقدم صحبتهم للرسول عليه السلام: فأما سلمان رضي الله عنه فمنزلته مجانسة كمنزلة أهل البيت عليهم السلام، لقوله صلى الله عليه وآله (سلمان من أهل البيت). و (من) ههنا لتبيين الجنس لا لغيره، لأن أقسامها الباقية لا تصح، لأن ابتداء الغاية لسلمان لا يصح أن يكون أهل البيت، وكونها زائدة لا تصح أيضا، لأنها تؤذن أن سلمان بعينه هو أهل البيت، وكونها للتبعيض يؤذن أن سلمان جزء منهم عليهم السلام، وكونها أمرا أو بمعنى اللام كقوله تعالى * (ولا تقتلوا أولادم من إملاق) * لا يصحان أيضا، فلم يبق إلا القسم الأول، وهو بيان الجنس. فثبت أنه مجانس لأهل البيت عليهم السلام. وأما أبو ذر رضي الله عنه فمعلوم ما قال فيه الرسول صلى الله عليه وآله من قوله (ما أظلت الخضراء ولا وطأ الغبراء ذو لهجة أصدق من أبي ذر) وقول الرسول عليه السلام من أمر ربه لا ينطق عن الهوى، وهذا نهاية

[ 588 ]

المراد وغاية المقصود في صدق أبي ذر. وأما المقداد فمنزلته منزلة سلمان، بمقتضى دلالة من قوله الرسول صلى الله عليه وآله (المقداد قد مني قدا). فالقول فيه وفي سلمان على صفة واحدة. وكذا منزلة عمار بن ياسر رضي الله عنه، لقوله عليه السلام (عمار جلدة بين عيني تقتله الفئة الباغية) أراد بها المجانسة. والرسول عليه السلام شبهه بالجلدة بين عينيه، وتشبيه الرسول لا يقع إلا موقع الصحة والسداد، فلا يجوز أن يشبه الشئ بخلافه ولا يمثله بضده، للمواد المتصلة إليه من الله سبحانه وتعالى، بل يمثل الشئ بما يجانسه، فثبت لهؤلاء السادة العظماء رضي الله عنهم المجانسة بالنبي وأهل بيته، لكن العصمة منتفية عنهم بالإجماع. وأما خزيمة بن ثابت رضي الله عنه فمعلوم مشتهر بين الأمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقبل شهادته وحده في الحكم ويقضي بها ويجعلها مقام شهادة عدلين، ولأجل ذلك سمي (ذو الشهادتين). وأما أبي بن كعب فشرفه ظاهر، لغزارة علمه بالكتاب المجيد. وأما أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه فحسبك من شرفه نزول سيد البشر عنده من دون أهل المدينة، وهذا الشرف من الله سبحانه وتعالى، لأن الرسول عليه السلام لما قدم المدنية ازدحم الناس عليه كل يقول: أفوز بالشرف بنزول رسول الله في منزلي. فقال النبي: إن ناقتي مأمورة أنزل حيث بركت الناقة. فبركت في باب أبي أيوب رضي الله عنه. ولو أخذت في الثناء عليهم رضي الله عنهم وتعداد ما فيهم وفضائلهم

[ 589 ]

وحسن بلائهم ودفاعهم عن الإسلام، مثل مناداة سلمان لقعبه لما أخذ السلام أنه كان إذا ذكر سلمان الفارسي يقول: بل قولوا سلمان المحمدي. ومثل دفاع خالد بن سعيد الأموي رضي الله عنه بسيفه وكلامه الذي يشفي الغليل وينقع الصدي - إلى غير ذلك لطال الكتاب واتسع الخطاب. وجملة الأمر وعقد الباب أنهم شهدوا لعلي عليه السلام، فوجب تسليم الأمر إليه دون كل أحد ونفيه عمن سواه. ومتى يوجه الظن إلى هذه الشهادة لم يبق قط شهادة سليمة من الطعن، ولو كان رجل واحد من هؤلاء المذكورين مع قوم شهدوا بشئ حتى يتهم القوم في تلك الشهادة لانتفت التهمة عن القوم بحصول الرجل الواحد من هؤلاء معهم، فما حسبك - أرشدك الله - باجتماعهم. وعلى تقدير صحة القول بالإختيار، من أنه متى اجتمع خمسة نفر من صلحاء الأمة وأهل العدالة والرأى منها على رجل هو من أهل الإمامة قد عرفوه وخبروه وعقد له واحد برضاء الأربعة، فإنه يصير إماما ثبتت الإمامة لمولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بشهادة هؤلاء المذكورين الذين هم جل أهل العدالة والرأي، ولو كان الكلام من أنفسهم حسب، لأن ذلك يتضمن غاية العقد له ونهاية الإختيار لإمامته. فما حسبك والكلام صادر عن النبي عن جبرئيل عليهما السلام عن الله سبحانه وتعالى.

[ 591 ]

الفصل الأربعون في ذكر الطاعة وأن مثل أهل البيت مثل سفينة نوح قال الله تعالى * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله ورسوله) * (1). أولوا الأمر منكم الأئمة المعصومون عليهم السلام، لأن الناس اختلفوا في أولى الأمر فقالوا: أمراء السرايا، أو علماء العامة، أو الأئمة المعصومون. وقد اجتمعت هذه الثلاثة في أمير المؤمنين عليه السلام. والفرقة المحقة قائلة بالقول الأخبر، وهو الصحيح، لأن علماء العامة مختلفون، فإذا أطاع المؤمن بعضهم عصى البعض الآخر، والله تعالى لا يأمر بذلك. وقد وصف الله أولى الأمر بصفة تدل على الإمرة والعلم جميعا، قال الله سبحانه وتعالى * (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو


1. سورة النساء: 59. (*)

[ 592 ]

ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (1) فرد سبحانه وتعالى الأمن والخوف إلى الأمراء والإستنباط إلى العلماء، لا يجتمعان إلا لأمير عالم، فإذا لا يكون إلا الأئمة المعصومون عليهم السلام. وروى الشعبي قال: قال ابن عباس: هم أمراء السرايا وعلي أولهم. وروى مجاهد في تفسيره: أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام حين خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة، فقال: يا رسول الله أتخلفني على النساء والصبيان ؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما ترضى أن تكون مني بمزلة هارون من موسى حين قال له * (أخلفني في قومي وأصلح) * (2) فقال الله تعالى * (وأولي الأمر منكم) * قال: علي بن أبي طالب، ولاه الله أمر الأمة بعد محمد حين خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة، فأمر الله تعالى العباد بطاعته وترك خلافه. وفي إبانة الفلكي: أنها نزلت لما شكى أبو بريدة من علي عليه السلام. والذي يدل على أنها في الأئمة المعصومين: أن ظاهرها يقتضي إطاعة أولي الأمر، من حيث إنه تعالى عطف الأمر بطاعتهم ولم يخص شيئا من شئ، لأنه سبحانه لو أراد التخصيص لنبيه لوقف عليه، وعدم التخصيص دليل على إرادة الكل. وفي ثبوت ذلك ثبوت إمامته عليه السلام، ألنه لا أحد يجب طاعته على ذلك الوجه بعد النبي إلا الإمام.


1. سورة النساء: 83. 2. سورة الأعراف: 142. (*)

[ 593 ]

وإذا اقتضت طاعة أولى الأمر على العموم لم يكن بد من عصمتهم، وإلا أدى إلى أنه تعالى قد أمر بالقبيح، لأن من ليس بمعصوم لا يؤمن منه وقوع القبيح والأمر به، فإذا وقع كان الإقتداء به قبيحا. فثبت وجوب العصمة، وبطل توجهها إلى علماء العامة وأمراء السرايا، لارتفاع عصمتهم واختصاص طاعتهم. وإذا بطل هذان القسمان لم يبق إلا الأئمة المعصومون فقط، وإلا خرج الحق عن الأمة. وهذه الآية قد جعل الله سبحانه وتعالى فيها عليا عليه السلام ثاني نبيه وثالث نفسه، كما جعله في أربعة وعشرين آية غيرها ثالث نفسه في عدة صفات، مثل قوله تعالى في العزة: * (إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين) * (1). * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * (2). * (وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) * (3) * (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) * (4) ثالث نفسه وثاني ملائكته في هذه الآية. * (إن الذين يؤذون الله ورسوله) * (5). * (والذين يؤذون المؤمنين) * (6).


1. سورة المنافقون: 8. والصحيح في الآية * (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) *. 2. سورة المائدة: 55. 3. سورة التوبة: 105. 4. سورة الأحزاب: 56. 5. سورة الأحزاب: 57. 6. سورة الأحزاب 58. (*)

[ 594 ]

* (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) * (1). * (شهد الله أنه لا إله إلا والملائكة وأولوا العلم) * (2). وما أشبه ذلك من نظائره (3). * * * وأما كونهم عليهم السلام مثل سفينة نوح عليه السلام: قال النبي صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق. وإذا مثل رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا بشئ لابد وأن يكون حقا وصدقا واقعا في صحة المثلية على الصحة والسداد، بدليل ما تقدم. وسفينة نوح لم تنج من الطوفان إلا من ركبها، فكذا لم ينج من أمته إلا من تمسك بولاية أهل بيه عليهم السلام. وعلي صلوات الله عليه من أهل بيته، بدليل ما تقدم من قول الفريقين في الفصل الأول وغيره. فعلى قوله من جعله إماما رابعا ثم يدركه الموت قبل أيامه لم يحصل له التمسك بولاية أهل البيت، فيكون غير ناج. وقول الرسول عليه السلام نقله المؤالف والمخالف: وروى جدي في كتابه كتاب الإعتبار في إبطال الإختيار حديثا مسندا إلى خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في علي بن أبي طالب عليه السلام: إنه باب حطة المبتلى به، مثله فيكم مثل سفينة نوح من


1. سورة التحريم: 4. 2. سورة آل عمران: 18. 3. سورة الأحزاب: 58. (*)

[ 595 ]

ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى. ومن ذلك ما روى أهل المذاهب الأربعة: روى الفقيه ابن المغازلي حديثا مسندا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا (1). وفي رواية أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق (2). وروى عن أبي ذر مثلها أيضا، وزاد في آخرها فقال: ومن قاتلنا في آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال (3). وروى عن ابن عباس بطريق آخر: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق (4). قال عمرو بن العاص في هذا المعنى: هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب وقال بعضهم رحمه الله: إذا فاض طوفان المعاد فنوحه * علي وإخلاص الولاء له فلك وقال آخر: سفينة نوح حب آل محمد * وصدق الولا ينجي من الطوفان


1. المناقب لابن المغازلي ص 132. 2. المصدر ص 132. 2. المصدر ص 133. 3. المصدر ص 134. 4. نفس المصدر والصفحة. (*)

[ 597 ]

الفصل الحادي والأربعون في ذكر قوله تعالى * (أجعلتم سقيامة الحاج) * الآية وأن مثل علي مثل سورة الإخلاص قوله تعالى * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخرة وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) * (1). سبب نزول هذه الآية: أنه افتخر علي والعباس وطلحة بن أبي شيبة، فقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشأبت في المسجد، وقالت طلحة: أنا صاحب البيت وبيدي مفتاحه ولو أشأبت في المسجد، فقال علي عليه السلام عند ذلك: ما أدري ما تقولان، لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فنزلت هذه الآية المذكورة تنبيها على نفي المساواة بين المذكورين (2). وكيف تقع المساواة بينهم والجود جودان: جود نفسي، وجود مالي، وما عداهما فهو دونهما. فكيف يشبه الجود بالنفس والتغرير بقذفها في


1. سورة التوبة: 19. 2. أنظر: أسباب النزول للواحدي ص 164، الدر المنثور 4 / 145. (*)

[ 598 ]

لهب الحرب إذا سطع قتامه واشتد زحامه وأخذت السيوف والرماح مآخذها بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وسدانة البيت وأخذ مفتاحه، ونزولها فيهم ظاهر بين الفرق. وروى الثعلبي قال: قال الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرظي: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وعباس بن عبد المطلب وطلحة بن أبي شيبة، وذلك أنهم افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ولو أشأبت في المسجد، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشأبت في المسجد، وقال علي عليه السلام: ما أدري ما تقولان، لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى * (أجعلتم سقاية الحاجة وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) * الآية (1). وروى الفقيه الشافعي علي بن المغازلي في مناقبه حديثا مسندا إلى إسماعيل بن عامر قال: نزلت هده الآية * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) * في علي والعباس (2). ورواها مسندة إلى عبد الله بن عبيدة الربذي (3) قال: قال علي عليه السلام للعباس: يا عم لو هاجرت إلى المدينة. قال: أو لست في أفضل من الهجرة وأسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام، فأنزل الله سبحانه وتعالى * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله


1. إحقاق الحق 3 / 123 عن الثعلبي. 2. المناقب لابن المغازلي ص 331. 3. في المخطوطة: البريدي. (*)

[ 599 ]

واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) * (1) وفي الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري في الجزء الثاني من صحيح النسائي حديث مسند عن القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب عليه السلام، فقال طلحة: معي مفتاح البيت ولو أشأبت فيه، وقال عباس، أنا صاحب السقاية ولو أشأبت في المسجد، وقال علي: ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل اناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله الآية المذكورة - وذكرها الراوي بكمالها. وحيث كان الجهاد جودا عظيما كما مر بيانه، ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الآية لموضع التباين بذكر أمير المؤمنين عليه السلام وقطع النظارة له، وأن من رام مشابهته ومماثلته له سبيل له إليها، لأن الله سبحانه وتعالى نوه بذكره ونبه إلى علو قدره وشرف منزلته، مضافا إلى ما آتاه الله من ولاية الأمة كولايته تعالى وولاية رسوله (ص)، يقول تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * الآية، ويقول الرسول عليه السلام: من كنت مولاه فعلي مولاه. وقد تقدم القول فيهما في الفصلين الثاني والثالث. ومثل قوله تعالى * (وأنفسنا وأنفسكم) * وقد مر بيانه بالفصل الثامن عشر، فهو دال على شرف منزلته وعلو مرتبته وأنه نفس الرسول عليه السلام. وكل من ثبت له الإيمان ثبت له السيادة عليه، فكان تفضيله بالمزايا


1. المصدر السابق ص 322. (*)

[ 600 ]

الحاصلة له مع الإيمان والجهاد لا بنفس المزايا دون الإيمان والجهاد، وإن كان عليه السلام قد بلغ فيهم الذروة العليا بحيث لا يلحقه فيهم لا حق. ألم تر أن الباري سبحانه وتعالى يمدح بنفي الرؤية والسنة والنوم، ولم يكن نفي ذلك فقط مدحة إلا بإضافة صفات أخر إليها، ألم تر أنه أضاف إلى كونه تعالى غير مدرك بالأبصار، وتمدح بنفي السنة والنوم بإضافتهما إلى الوحدانية، فقال سبحانه وتعالى * (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) *. ولو لم تكن إضافة إلى الوحدانية لم يكن في نفي السنة والنوم مدحة، لأن الملائكة لا تأخذهم سنة ولانوم، لقوله تعالى * (يسبحون له بالليل والنهار لا يفترون) * (1)، فتكملت المدحة للقديم سبحانه وتعالى بذلك. وكذا تكملت لعلي عليه السلام بإضافة المزايا إلى الإيمان والجهاد. وأما مماثلته عليه السلام بسورة الإخلاص: روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مثل علي في هذه الأمة مثل قل هو الله أحد في القرآن. وروى الفقيه ابن المغازلي حديثا مسندا إلى النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل علي في هذه الأمة مثل قل هو الله أحد في القرآن (2).


1. سورة الانبياء: 20، والصحيح في الآية * (يسبحون الليلة والنهار لا يفترون) *. 2. المناقب لابن المغازلي ص 69. (*)

[ 601 ]

فرق: وهذا مما يوجب تعظيمه وتفضيله، لأن قل هو الله أحد ثلث القرآن بالخبر المأثور المنقول، فبأي سورة عارضتها فضلت عليها ورجحت، هي نسبه الله تعالى، وعلي آية الله تعالى.

[ 603 ]

الفصل الثاني والأربعون في ذكر المناجاة وذكر (طوبى لهم وحسن مآب) قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * (1). امتحن الله سبحانه وتعالى الصحابة بهذه الآية، فأحجموا، وتقاعسوا كلهم عن مناجاة الرسول عليه السلام، وتصدق علي عليه السلام بعشر دراهم في عشر نجوات، ثم نسخت الآية. وروى الثعلبي في تفسيره قال: قال مجاهد: نهي عن مناجاة النبي صلى الله عليه وآله حتى يصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب، قدم دينارا فتصدق به، ثم نزلت الرخصة (2). وقال علي صلوات الله عليه: إن في كتاب الآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * وقال: بي خفف الله عن هذه الأمة أمر هذه الآية، فلم تنزل في أحد قبلي ولم تنزل في أحد بعدي.


1. سورة المجادلة: 12. 3. بحار الأنوار 35 / 378. (*)

[ 604 ]

وروى في الجمع بين الصحاح الستة لرزين في الجزء الثالث من الأجزاء الثلاثة في تفسير سورة المجادلة قال: قال البخاري: قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * نسختها * (فإن لم تجدوا وتاب الله عليكم) * قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: ما عمل بهذه الآية غيري، وبي خفف الله عن هذه الأمة. وروى الشريك والليث والكلبي وأبو صالح والضحاك والزجاج ومقاتل بن حسان ومجاهد وقتادة وابن عباس قالوا: كانت الأغنياء يكثرون مناجاة الرسول عليه السلام، فلما نزل قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * انتهوا، فاستقرض علي بن أبي طالب عليه السلام دينارا فتصدق به، فناجى النبي عليه السلام عشر نجوات، ثم نسخت بالآية التي بعدها. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: كان لي دينارا فبعته بعشرة دراهم، وكان كلما أردت أناجي رسول الله صلى الله عليه وآله قدمت درهما، فنسختها الآية الأخرى. وروى في جامع الترمذي وتفسير الثعلبي واعتقاد الأبشيهي عن الأشجعي والثوري وسالم بن أبي حفصة وعلي بن علقمة الأنماري عن علي عليه السلام في هذه الاية: فبي خفف الله عن هذه الأمة. وفي مسند الموصلي: فبه خفف الله عن هذه الأمة. وزاد أبو القالسم الكوفي في هذه الرواية قال: إن الله تعالى امتحن الصحابة بهذه الآية، فتقاعسوا كلهم عن مناجاة الرسول عليه السلام، فكان الرسول قد احتجب في منزله عن مناجاة أحد إلا من تصدق بصدقة، فكان

[ 605 ]

معي دينارا. وساق عليه السلام كلامه إلى أن قال: فكنت أنا سبب التوبة من الله تعالى على المسلمين حين عملت بالآية فنسخت، ولو لم أعمل بها - حتى كان عملي بها سببا للتوبة عليهم - للنزل العذاب عند امتناع الكل من العمل بها. وأخبارهم في ذلك كثيرة بألفاظ مختلفة ومعاني متقاربة والحال في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أراد أن ينوه بذكر علي عليه السلام ويجعل هذه الآية له دون غيره خاصة، لأنه سبحانه لم يجعل للصدقة مقدارا معينا، فكان يمكن أكثر الناس أن يأتوا بها، ففي تركهم العمل بها وتعقب النسخ لفعله عليه السلام دليل على أنها نزلت لمنقبة خاصة. ومما يؤيد ذلك أنه سبحانه وتعالى عالم بما يكون قبل كونه، فقد سبق علمه تعالى بحال علي عليه السلام وصدقته وحال تقاعس الصحابة عنها، فأراد سبحانه وتعالى إظهار فضله وإظهار التقاعس من غيره إبانة لفضله وشرفه وامتثاله لأمره دون غيره. وأما ذكر طوبى لهم: قال الله تعالى * (طوبى لهم وحسن مآب) * (1). ذكر الثعلبي في تفسير قال: روى معاوية بن قبرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه، تنبت الحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة. قال ابن عبدر بن عمير: هي شجرة في جنة عدن، أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله، وفي كل دار وغرفة غصن منها، لم يخل الله لونا ولا


1. سورة الرعد: 29. (*)

[ 606 ]

زهرة إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخل الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها نوع، ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل. وروى عن مقاتل قال: قال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة، عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح. وروى عن ابن عباس * (طوبى لهم) * قال: شجرة أصلها في دار علي عليه السلام في الجنة، وفي دار كل مؤمن منها غصن يقال له طوبى * (وحسن مآب) * حسن مرجع. وروى عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله * (طوبى لهم) * فقال: شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة. فقيل: يا رسول الله سألناك عنها، فقلت: شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة ؟ فقال: إن داري ودار علي غدا واحدة في مكان واحد. فرق: في اتحاد داريهما عليهما السلام دليل ظاهر على شرفه على جميع الخلائق وإذا كان رهطان متعاديان وفي أمرهما متباينان حتى ظهر بالخبر المأثور أن حسن المرجع لأحدهما، كان ذلك دليلا واضحا وعلما لا يجاور نارا قادحا على معرة الحق وزحلقة الباطل.

[ 607 ]

الفصل الثالث والأربعون في حديث الإتقاء قال الله تعالى * (قل تجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) * (1). روى الفريقان حديث الإرتقاء: من أن علي بن أبي طالب عليه السلام رقى الكتف الشريف الكريم المرصوع بخاتم النبوة، كتف سيد البشر محمد صلى الله عليه وآله: فمن ذلك ما رواه جدي رحمه الله في نخبه قال: واستنابه يوم الفتح في أمر عظيم، فإنه وقف حتى صعد على كتفه وتعلق بسطح الكعبة وصعد، وكان يقلع الأصنام بحيث تهتز حيطان الكعبة ثم يرمي بها فتنكسر. ورواه أحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما، وأبو بكر الخطيب في تاريخه، والخطيب الخوارزمي في أربعينه، ومحمد بن الصباح الزعفراني في الفضائل، وأبو عبد الله النطنزي في الخصائص. وذكر أبو بكر الشيرازي في نزول القرآن في شأن أمير المؤمنين عليه السلام عن قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال لي جابر بن


1. سورة الإسراء: 81. (*)

[ 608 ]

عبد الله: دخلنا مع النبي صلى الله عليه وآله مكة وفي البيت وحوله ثلاثمائة وستون صنما، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فألقيت كلها لوجهها، وكان على البيت صنم الطويل يقال له هبل، فنظر النبي إلى علي عليهما السلام وقال له: يا علي تركب علي أو أركب عليك لألقي هبل عن ظهر الكعبة. قال علي: قلت يا رسول الله بل تركبني. فلما جلس على ظهري لم أستطع حمله لثقل الرسالة، فقلت: يا رسول الله أركبك، فضحك وطأطأ إلي ظهره واستويت عليه، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أردت أن أمسك السماء لمسكتها بيدي، فألقيت هبل عن ظهر الكعبة، فأنزل الله * (قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) *. وروى أحمد بن حنبل وأبو بكر الخطيب في كتابيهما بالإسناد عن نعيم ابن الحكيم المدائني قال: حدثني أبو مريم عن علي بن أبي طالب قال: إنطلق بي رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الأصنام فقال: اجلس، فجلست إلى جنب الكعبة، ثم صعد رسول الله على منكبي وقال لي: انهض إلى الصنم. فنهضت، فلما رأى ضعفي قال: اجلس، فجلست وأنزلته عني، فجلس لي رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال لي: اصعد، فصعدت على منكبه ثم نهض رسول الله، فلما نهض خيل لي أني لو شئت لنلت السماء، وصعت على الكعبة وتنحى رسول الله، فألقيت صنمهم الأكبر صنم قريش، وكان من نحاس مؤتدا بأوتاد من حديد إلى الأرض، وفي رواية الخطيب: فإنه تخيل إلي لو شئت لنلت أفق السماء. قال: وحدثني أبو الحسن بن أحمد بن العاصمي، عن إسماعيل بن أحمد الواعظ، عن أبي بكر البيهقي بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام

[ 609 ]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إحملني لنطرح الأصنام من الكعبة، فلم أطق حمله، فحملني ولو شئت أتناول السماء فعلت - وفي خبر: أن أنال السماء بيدي لنلته. وروى القاضي أبو عمر قال: قال: النبي عليه السلام لعلي: قم بنا إلى الصنم الذي في أعلى الكعبة لنكسره، فقاما جميعا، فلما أتياه قال النبي صلى الله عليه وآله: قم على عاتقي حتى أرفعك إليه، فأعطاه علي ثوبه فوضعه رسول الله صلى الله عليه وآله على عاتقه ثم رفعه حتى وضعه على البيت، فأخذ علي عليه السلام الصنم وهو من نحاس فرمى به من فوق الكعبة، فنادى رسول الله: أنزل، فوثب من أعلى الكعبة كأنما له جناحان. وروى إسماعيل بن أحمد الكوفي في خبر طويل عن ابن عباس: أنه كان صنم لخزاعة من فوق الكعبة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن انطلق بنا نلقي هذا الصنم عن البيت، فانطلقا ليلا فقال له: يا أبا الحسن أرق على ظهري، وكان طول الكعبة أربعون ذراعا، فحمله رسول الله (ص) فقال: انتهيت يا علي ؟ قال: والذي بعثك بالحق لو هممت أن أمس السماء بيدي لمسستها، واحتمل الصنم فجلد به الأرض فتقطع قطعا، ثم تعلق بالميزاب وتخلى بنفسه إلى الأرض، فلما سقط ضحك، فقال النبي عليه السلام: ما يضحكك يا علي أضحك الله سنك ؟ قال: ضحكت يا رسول الله تعجبا من أني رميت بنفسي من فوق البيت إلى الأرض فما آلمت وما أصابني وجع. فقال: كيف تألم يا أبا الحسن ويصيبك وجع، إنما رفعك محمد وأنزلك جبريل. وفي أربعين الخطيب في خبر طويل قال: فانطلقت أنا والنبي عليه

[ 610 ]

السلام وخشينا أن يرانا أحد من قريش أو غيرهم، فقذفته فانكسر ونزوت من فوق الكعبة. فرق: وهذه دلالات ظاهرة وإشارات لائحة وعلامات قاهرة وأمارات كاشفة على أنه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخصهم لديه وأحفظهم لسره عليه، وفيها من علو المرتبة وشرف المنزلة ما لا ينال. ألم تر أننه قد روي أن رسول الروم لما ورد على يزيد بن معاوية وجئ إليه برأس الحسين بن علي عليهما السلام، قال له كلاما من جملته: شوها على دينكم، لنا دين خير من دينكم، إن ببلادنا كنيسة يقال لها (كنيسة الحافر)، والنصارى يغظمونها ويفزعون إليها في المسألة إلى الله تعالى في قضاء حوائجهم، يزعمون أنه حافر رجل حمار العزير في حق مذخور بها. فإذا كان هذا التعظيم لحافر رجل دابة حملت العزيز فما حسبك بمن كان قدمه على خاتم النبوة من كتف سيد الأنبياء أو على كتفه الشريف المعظم. ولا ريب أن لمقام إبراهيم الخليل عليه السلام شرفا على كل مقام لكونه مقاما لقدم إبراهيم، فيجب أن يكون قدم علي أكرم من رؤوس أعدائه، لأن مقامه كتف النبوة. وقيل: لما صعد أبو بكر المنبر نزل عن مقام الرسول مرقاة، فلما صعد عمر نزل مرقاة، فلما صعد عثمان نزل مرقاة، فلما صعد علي عليه السلام صعد إلى موضع كان يجلس عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، فسمع من الناس ضوضاء، فقال. ما هذا الضوضاء ؟ [... ] الصعود إلى موضع رسول

[ 611 ]

الله الذي [... ] تقدمك، فقال: سمعت رسول الله يقول: من قام مقامي ولم يعمل عملي أكبه الله في النار، وأنا والله العامل بعمله المتمسك بقوله الحاكم بحكمه، فلذلك قمت ههنا. ثم ذكر في خطبته: (معاشر الناس قمت مقام أخي وابن عمي لأنه أعلمني بسري وما يكون مني). وإذا كان عليه السلام قد وضع قدمه على كتفه الشريف أو على خاتم النبوة، فما هذه الأعواد حتى يستغرب له الصعود عليها، وهي ما نصبت إلا بسيفه، بل بسيفه قام الإسلام فضلا عن منابره وأعواده، وهو من محمد ومحمد منه. وقال السيد المرتضى قدس الله روحه: ولنا من البيت المحرم كلما * طافت به في موسم أقدامه وبجدنا وبصنوه دحيت عن البيت الحرام وزعزعت أصنامه وهما علينا أطلعا شمس الهدى * حتى استنار حلاله وحرامه ولبعضهم (1): قالوا مدحت علي الطهر قلت لهم * كل امتداح جميع الأرض معناه ماذا أقول لمن حطت له قدم * في موضع وضع الرحمن يمناه وقال العوني رحمه الله (2): فهذا ويومه الفتح نادى محمد * ألا قم إلى الأصنام بالبيت فاقلع (3).


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 156. 2. المصدر: 2 / 158. 3. في المصدر: حيدر فاقلع. (*)

[ 612 ]

فطاطا له حتى اعتلى فوق ظهره * فأجلل بهذا من مقام وأرفع فقال علي لو أشأ نلت عندها * سما الله أو رمت النجوم أتت معي وقال الناشئ رحمه الله (1): إمام علا من خاتم الرسل كاهلا * وقد كان عبلا يحمل الطهر كاهله ولكن رسول الله علاه عامدا * على كتفه كي لا تناهي فضائله وذلك يوم الفتح والبيت قبله * ومن حوله الأصنام والكفر شامله فشرفه خير الأنام بحمله * فبورك محمولا وبورك حامله فلما دحا الأصنام أومى بكفه * فكادت تنال الأفق منه أنامله أيعجز عنه من دحا باب خيبر * ويحمله أفراسه ورواحله وقال رحمه الله أيضا (2): أقام دين الإله إذ كسرت * يداه في فتح مكة هبلا علا على كاهل النبي ولو * رام احتمالا لأحمد حملا ولو أراد النجوم لامسها * هناه ذو العرش ما به كفلا وقال أيضا رحمه الله (3): وكسر أصناما لدي فتح مكة * فأورث حقدا كل من عبد الوثن فأبدت له عليا قريش عداوة (4) * فأصبح بعد المصطفى الطهر في محن يعادون إذ أخفت الكفر سيفه * وأضحى به دين الحنيفي قد علن


1. المصدر السابق 2 / 160. 2. المصدر 2 / 160. 3. نفس المصدر والصفحة. 4 في المصدر: قريش تراتها. (*)

[ 613 ]

ولبعضهم رحمه الله: ورقى منكبا يفوق على النجم * علوا وكسر الأصنام وللسيد الحميري رحمه الله (1): وليلة قاما يمشيان بظلمة * يجوبان جلبابا من الليل غيهبا إلى صنم كانت خزاعة تعزه * وتعبده كي يكسراه ويهربا (2) فقال اعل ظهري يا علي وحطه * فقام به خير الأنام مركبا يغادره قضا جذاذا وقال ثب * جزاك به ربي جزاء مؤربا وقال أيضا رحمه الله (3): وليلة خرجا فيها على وجل * وهم يجوبان دون الكعبة الظلما حتى إذا انتهيا قال النبي له * إنا نحاول أن نستنزل الصنما من فوقها فاعل ظهري ثم قام به * خير البرية ما استحيا ولا احتشما حتى إذا ما استوت رجلا أبا حسن * أهوى به لقرار الأرض فانحطما ناداه أحمد أن ثب يا علي لقد * أحسنت بارك ربي فيك فاقتحما


1. ديوان الحميري ص 77. 2. رواية الديوان: خزاعة كلها توقره كي.. 3. ديوانه ص 382. (*)

[ 615 ]

الفصل الرابع والأربعون في ذكر الوجوه الستة الولاية إما أن تكون على صفاء الظاهر وصلاحه، أو على الباطن، أو عليهما، أو لا عليهما. فإن كانت على الظاهر أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان أذب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف وأقتل لأعداء الله سبحانه وتعالى وأكثر آثارا في الجهاد وأعظم مناوأة لرسول الله في جميع المواطن وأشد دفاعا عنه وأحمد إسعادا له من أبي بكر، فوجبت له الولاية دون أبي بكر على الظاهر، لأن المعلوم من أبي بكر ضد ذلك، لأنه فر يوم أحد وانهزم يوم حنين ويوم خيبر وولى الدبر يوم التقى الجمعان، وأسلم رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه المواطن مع فرض الله عليه من وجوب الجهاد وحضر عليه من تولي الأدبار بقوله جل وعلا * (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) * (1) الآية. وأما إن كانت على الباطن فلا طريق إلى العلم بها إلا بالوحي من علام الغيوب، وقد قال الله تعالى * (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا


1. سورة الأنفال: 15. (*)

[ 616 ]

ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) * (1)، فكان علي هو نفس النبي، وقال * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * (2) وعلي هو المعبر عنه بالذين آمنوا، وقوله تعالى * (إنما يريد الله) * (3) الآية، وعلي من أهل البيت. وقول الرسول عليه السلام له (أنت مني وأنا منك)، (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي) فجاء علي عليه السلام وأكل معه، وقوله عليه السلام (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار المذكورة في هذا الكتاب، وقد رواها الفريقان. وكل شئ مذكور في فضله في هذا الكتاب وفي بعض ذلك دليل قاهر وبيان ظاهر وعلم لائح وزناد قادح على صفاء باطن علي عليه السلام وصلاح باطن عمله. وأما باطن أبي بكر وصلاح باطن عمله فلا طريق إلى العلم به إلا بوحي من الله تعالى، ولم ينزل فيه شئ ولم يقل الرسول عليه السلام فيه ما يدل على ذلك. فإن قيل: قد نزل فيه آيات وقال فيه الرسول عليه السلام ما يدل على ذلك. فالجواب: ذلك كله غير مسلم، لأنه من نقل القائلين بإمامة أبي بكر فقط، وليس كذلك الآيات والأخبار التي جاءت لعلي عليه السلام، لأن الناقل لها جميع الفرق على ما مر بيانه، وأما الفرقة المحقة الإثنا عشرية


1. سورة آل عمران: 61. 2. سورة المائدة: 55. 3. سورة الأحزاب: 33. (*)

[ 617 ]

فما روت نزول آية واحدة ولا نقل خبر واحد في مدح أبي بكر، فبان صلاح ظاهر علي وباطنه. وإن كانت الولاية على الظاهر والباطن معا فقد اجتمعا لعلي عليه السلام دون أبي بكر. وأما كون الولاية لا على الظاهر ولا على الباطن، فذلك شئ فاسد غني بظهور فساده عن الفتش فيه، لكون العبث ممتنعا في فعل الله تعالى. هذا على رأي من يقول بالنص، ومن قال بالإختيار كان من ثبت صفاء ظاهره وباطنه أحق بالولاية ممن جهل باطنة ولم يرجح ظاهره. وجه آخر: اتفق الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله على عدالة علي بن أبي طالب عليه السلام واختلفوا في ولايته وعصمته، فمنهم من أوجبهما ومنهم من لم يوجبهما لكن قال بالعدالة إلى حين التحكيم. واتفق الناس على أبي بكر أنه لم يكن معصوما، وا ختلفوا في عدالته، فقال قوم كان عدلا وقال الآخرون لم يكن عدلا لأنه أخذ ما ليس له، فحصل لعلي عليه السلام العدالة باتفاق الأمة واختلفوا في ولايته وعصمته، وأما أبو بكر فحصل الإتفاق عليه من الناس أنه لم يكن معصوما واختلفوا في عدالته. وظاهر أن من أجمع الناس على عدالته واختلفوا في عصمته وولايته أولى بالإمامة وأحق بالخلافة ممن اختلف الناس في عدالته وأجمعوا على نفي العصمة عنه.

[ 618 ]

وجه ثالث: احتج القوم على إمامة أبي بكر بأن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تجتمع أمتي على خطأ. وقد اجتمعت على أبي بكر، فيكون إماما. وهذا الخبر بعينه يلزم منه إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ونفيها عن أبي بكر، لأن الأمة بأسرها اجتمعت على إمامة علي، لكن منهم من قدمه بعد الرسول عليه السلام بلا فصل ومنهم من جعله رابعا، فحصل له الإجتماع من الأمة بأسرها. ولا يقدح في الإجتماع في علي كونه رابعا، لأن الإجتماع من الأمة حصل له على كلا الوجهين كونه أولا وكونه رابعا. وأما الفرقة المحقة الإثنا عشرية لم تقل بإمامة أبي بكر أصلا، فقولهم اجتمعت الأمة على أبي بكر قول باطل لم يحصل له الإجتماع من الأمة أبدا. هذا على قول من رواه بالرفع. وأما من رواه بالجزم فيكون النبي صلى الله عليه وآله نهى الأمة عن الأجتماع على الخطأ، فيكون (لا) في الخبر ناهية جازمة. ولو سلم الرفع لهم لم يجد نفعا، فإن لفظه لفظ الخبر ويراد منه النهي، كقوله عليه السلام (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، لأن المؤمن قد يلدغ من جحر مرارا كثيرة، فو كان خبرا حقيقة لامتنع لدغه لإخبار الرسول عليه السلام. وجه رابع: احتج القوم بأنهم لو قدموا عليا عليه السلام ارتد كثير من الناس، لم في قلوبهم عليه من الغوائل والأحقاد والتارات، فوجب تأخره وتقديم غيره ليؤمن وقوع هذه الحالة.

[ 619 ]

وهذا احتجاج باطل متمحل لا أصل له، لأن الله تبارك وتعالى أرسل الرسل عليهم السلام إلى من يعلم أنهم يكفرون كفارا، وكلف قوما وعلم أنهم يضلون إذا كلفهم. ومعلوم أن ضلال هؤلاء من قبل أنفسهم، وكذلك حق عليهم العذاب. وكذا كان يجب أن يقدم صاحب الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن لم يرض كان ضلاله من نفسه، فهؤلاء أدرى أم الله تعالى ورسوله بتدبير الحال. وأما الأحقاد والترات ولغوائل التي في صدور لا قوم على علي عليه السلام بسبب قتله آبائهم وأبناءهم وإخوانهم، فيجب أن يكون (ع) منزها منها لإمامته له فيها، لأنه مأمور بذلك متعبد فيه. ومثله في ذلك كمثل السياف المطيع بين يدي الملك إذا أمره امتثل لأمره وأطاع. فيجب أن يوجه الترات كلها إلى الرسول صلى الله عليه وآله حيث إنهما أمراه بذلك. وهذا قدح في دين أصحاب الترات، لأنهم لم يرضوا بالله حاكما. وكان في قتاله عليه السلام إلا كما قال تعالى * (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) * (1)، وفيه نزلت بقول الفريقين، وقد مر ذلك بالفصل السادس عشر. وهذا الذي بنوا عليه ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، فكما يمكن حصوله يمكن نفيه، فلا وجه لتعلقهم بالظن.


1. سورة المائدة: 54. (*)

[ 620 ]

قال الشاعر في هذا المعنى: لو سلموا لولاة الأمر أمرهم * ما حل بينهم في الأرض سفاك وجه خامس: إذا ثبت بالحجة القاهرة من الإجماع وجود إمام بعد النبي عليه السلام بلا فصل وثبوت إمامته على الفور ولم يكن على إمامة أبي بكر إجماع، لأن الشيعة الإثني عشرية تخالف في إمامة أبي بكر، ولأن إمامة العباس ليس عليها إجماع أيضا، لأن الشيعة والجمهور مخالفون للقائل بإمامة العباس. فحيث إن إمامة هذين لم يجمع عليها ناب ذلك مناب الإجماع في أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الإمام في تلك الحال ومستقبلها إلى أن قبضه الله تعالى. وثبوت الإمامة له على القطع والبتات، وإلا خرج الحق من الأمة وبطل ما أجمعوا عليه من وجود الإمام. وجه سادس: فاطمة عليها السلام معصومة، لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وآله لها ولعلي والحسن والحسين عليهم السلام. وقد مر قول الفريقين في ذلك في الفصل الأول، ويزيد ذلك بيانا قول النبي عليه السلام: من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله. فلو لا أن فاطمة عليها السلام كانت معصومة من الخطأ مبرأة من الزلل لجاز منها وقوع ما يجب أذاها بالأدب والعقوبة، وإذا وقع ذلك الموجب وجب أذاها، وإذا جاز وجوب أذى النبي (ص)

[ 621 ]

والأذى لله تعالى، فلما بطل ذلك دل على عصمتها. وإذا ثبتت عصمتها عليها السلام وجب القطع بقولها والبت بلفظها والعمل بنقلها، ووجب المصير إليه والإقبال عليه، وقد قالت في خطبتها التي رواها كثير من العلماء في مواضع كثيرة لا تحصى كثرة، والنقل من كتاب جدي أبي عبد الله الحسين بن جبير رحمه الله المعروف بكتاب الإعتبار في إبطال الإختيار، فمن جملة خطبتها عليها السلام أنها قالت (1): (أصبحت والله عائفة لدنيا كن قالية لرجالكن (2)، لفظتهم بعد أن عجمتهم، وسبرتهم بعد أن خبرتهم، فقبحا لفلول الحد الخور القناة وخطل الرأي واهتياص العظم، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون). (ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الأمين، وما نقموا من أبي الحسن تالله إلا نكال سيفه ونكير وقعه وشدة وطئه وتشمره في ذات الله، وتالله لو تكافؤا من ذمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله لاعتقله بيده ولسار بهم سيرا سجحا، لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح ظفتاه، ولأصدرهم مبطانا محسرهم الري غير منحل منه بطائل إلا تعمد الماهن وردعه سورة الساغب، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم،


1. روى هذه الخطبة جماعة من المحدثين مع اختلاف في بعض الألفاظ، وهي الخطبة المعروفة بالصغيرة. 2. في المخطوطة (لدنياكم) و (لرجالكم)، وهما خطأ ظاهر، لأنه الخطاب لنساء المدينة عند مجيئهن لعياد الزهراء عليها السلام. (*)

[ 622 ]

ولفتحت عليهم بركات من السماء، ولكن نقموا فيأخذهم الله بما كانوا يعملون). (ألا هلم واعجب ما عشت أن يريك الدهر العجب، فإن عجبت فقد أعجبك الحادث باهن، إلى أي لجأ استندوا وبأية عروة تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير وبئس للظالمين بدلا). (استبدلوا الذنابي بالقوادم والأعجاز بالكواهل، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا إنه هم المفسدون ولكن لا يشعرون، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون). وهذا قولها يشهد لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن الناس استبدلوا به غيره، وشبهته عليه السلام بالقوادم والكواهل وشبهت غيره بالذنابي والأعجاز. وتشبيهها عليها السلام تشبيه الصحة والسداد بما تقدم من عصمتها، ومعلوم أن شهادة المعصوم تفيد اليقين ويجب الحكم بها. ألم تر أن خزيمة بن ثابت قطع بقول الرسول عليه السلام وشهادته لنفسه في ابتياع الناقة من الأعرابي ولم يحضر البيع. ومما يدل على صدق فاطمة وعصمتها عليها السلام قول الرسول صلى الله عليه وآله: فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها. روى مسلم في الجزء الرابع حديثا مرفوعا عن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها (1).


1. صحيح مسلم 4 / 1903. (*)

[ 623 ]

ورواه بطريق آخر عن المسور بن مخرمة حدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله على المنبر وهو يقول: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب: فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم، إلا أن يختار ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح وابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها (1). وروى عن المسور بن مخرمة بطريق غير الأولين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها (2). و (من) ههنا للتبعيض، لأن فاطمة، لأن فاطمة عليها السلام جزء من رسول الله صلى الله عليه وآله، والجزء من المعصوم معصوم، إلا أن يدل دليل على نفي العصمة، فوجب عصمتها بكل وجه ووجب قبول قولها. وفي ذلك وجوب تقديم علي بن أبي طالب عليه السلام وثبوت ظلم من ظلمها ولم يقنع في ذلك.


1. المصدر 4 / 1902. 2. لم نجده في صحيح مسلم. (*)

[ 625 ]

الفصل الخامس والأربعون في ذكر البئر المعطلة والقصر المشيد والحسنة ويوم الخندق وقوله تعالى * (هذان خصمان) * وقول الرسول عليه السلام: أنا وعلي أبوا هذه الأمة قال الله تعالى وبئر معطلة وقصر مشيد) * (1) عبر بذلك عن الإمام عليه السلام. روى جدي رحمه الله في نخبه حديثا رفعه إلى الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى * (وبئر معطلة وقصر مشيد) * أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: القصر المشيد والبئر المعطلة علي. وروى حديثا مسندا عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: البئر المعطلة الإمام الصامت والقصر المشيد الإمام الناطق. وقيل: إنما مثل به علي عليه السلام لأنه مثل القصر المشيد والبئر المعطلة مثل القائم المستور الذي ليس يقتبس منه العلم مثل البئر المعطلة التي لا يستقى منها الماء.


1. سورة الحج: 45. (*)

[ 626 ]

وقال اليونسي رحمه الله (1): هو البئر والقصر المشيد وحطة * فمن نالها يسعد ومن لم ينل خسر وقال العوني رحمه الله (2): هو القصر والبئر المعطلة التي * متى فتحت يروى الأنام من السغب (3) فمن دخل القصر المشيد بناؤه * فلا ظمأ يلقى هناك ولا تعب ولشاعر آخر (4): بئر معطلة وقصر مشرف * مثل لآل محمد مستطرف فعلي القصر المشيد منهم (5) * والبئر علمهم الذي لا ينزف * * * وأما الحسنة: قال الله تعالى * (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) * (6). روى جدي في نخبه عن الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى * (ومن يقترف حسنة) * الآية، قال: المودة لعلي بن أبي طالب (7). ورواه الثعلبي عن ابن عباس قال * (ومن يقترف حسنة) * الآية، قال: المودة لعلي بن أبي طالب عليه السلام.


1. المناقب لابن شهر اشوب 3 / 107. 2. المصدر 3 / 107. 3. في المصدر: من الشرب. 4. المصدر 3 / 108. 5. في المصدر: فالقصر فضلهم الذي لا يرتقى. 6. سورة الشورى: 23. 7. تفسير البرهان 4 / 123. (*)

[ 627 ]

وروى زاذان وأبو داود السبيعي عن أبي عبد الله الجدلي عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير قوله تعالى * (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها) * قال: قال أبو عبد الله: الحسنة حبنا والسيئة بغضنا. وفي تفسير الثعلبي: ألا أنبئك بالحسنة التي من جاء بها دخل الجنة والسيئة التي من جاء بها أكبه الله في النار ولم يقبل معها عملا ؟ قلت: بلى. قال: الحسنة حبنا والسيئة بغضنا. * * * وأما الخندق: روى الواحدي والخطيب الخوارزمي عن عبد الرحمن السعدي بإسناده عن سمير بن حكم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن ود يوم الخندق أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة. فرق: وهذا مثابه لليلة المبيت، من حيث إن الخبر وارد: لو وزن عمل علي ليلة المبيت بأعمال الخلائق لرجح عمله عليه السلام على أعمال الخلائق. وقال السيد الحميري رحمه الله (1): وفي يوم جاء المشركون بجمعهم * وعمرو بن ود (2) في الحديد مقنع


1. ديوان الحميري ص 280. 2. رواية الديوان: وعمرو بن عبد. (*)

[ 628 ]

فجد له شلوا صريعا لوجهه * رهينا بقاع حوله الضبع يجمع (1) فأهلكهم ربي وردوا بغيضهم * كما أهلكت عاد الطغاة وتبع * * * وأما قوله تعالى * (هذان خصمان اختصموا في ربهم) * (2). نزلت في ستة نفر من المؤمنين والكفار تبارزوا يوم بدر، فنزل في علي عليه السلام وحمزة وعبيدة * (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) * إلى قوله * (الحميد) * (3)، والكفار عتبة وشيبة والوليد نزلت فيهم * (قطعت لهم ثياب من نار) * (4). روى البخاري عن أبي ذر: أنه كان يقسم بالله أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المذكورين. وروي في الصحيحين أنه نزل قوله تعالى * (هذا خصمان اختصموا في ربهم) * نزلت في ستة نفر من المؤمنين والكفار تبارزوا يوم بدر، وهم حمزة وعتبة وعلي والوليد وعبيدة وشيبة. وبه قال عطا وابن حنتم وقيس بن عباد وسفيان الثوري والأعمش وسعيد بن جبير والعباس، ثم قال ابن عباس * (فالذين كفروا) * يعني عبتة وشيبة والوليد * (قطعت لهم ثياب من نار) * الآيات، وأنزل في أمير المؤمنين وحمزة وعبيدة * (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا


1. رواية الديوان: تخمع. وهو مشي الضبع وكان بها عرجا. 2. سورة الحج: 19. 3. سورة الحج: 23 - 24. 4. سورة الحج: 19. (*)

[ 629 ]

الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) * إلى قوله * (صراط الحميد) *. قال الفقيه أبو ذر رحمه الله في قصيدة له: سل عنه عتبة والوليد وشيبة * والسامري وسل أبا سفيان * * * وأما ذكر الأبوة: روى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: أنا وعلي أبوا هذه الأمة. وروى أيضا: أنا وعلي مولى هذه الأمة. وروى حديثا مسندا إلى النبي عليه السلام أنه قال: أنا وعلي أبوا هذه الأمة، فعلى عاق والديه لعنة الله. وروى الثعلبي في ربيع المذكرين والخركوشي في شرف النبي عن عمارة وجابر وأبي أيوب، وفي الفردوس للديلمي وفي أمالى الطوسي عن أبى الصلت بإسناده عن أنس كلهم عن النبي عليه السلام قال: حق علي على هذه الأمة كحق الوالد على الولد. وفي كتاب الخصائص عن أنس: حق علي على المسلمين كحق الوالد على الولد. وفي مفردات أبي القاسم الراغب: إن النبي عليه السلام قال: يا علي أنا وأنت أبوا هذه لأمة وفي حقوق الآباء والأمهات أن يترحموا عليهم في الأوقات ليكون فيه أداء حقوقهم.

[ 630 ]

فرق: والقرآن المجيد ناطق بوجوب طاعة الوالدين، وقد طلب الأمر بعد النبي عليه السلام، فوجبت طاعته بمحكم القرآن، ومن خالف كتاب الله تعالى [ كفر ]، لأن أراد أن لنا على الأمة من فرض الطاعات ووجوب الشكر على النعمة ما للوالدين على الولد

[ 631 ]

الفصل السادس والأربعون في الدلائل والأمارات وهي أربعون حديثا زائدا فناقصا روى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى جابر الجعفي قال: كان ظئر علي عليه السلام التي أرضعته امرأة من بني هلال، خلفته في خباها مع أخ من الرضاعة وكان أكبر منه سنا بسنة، وكان عند الخباء قليب، فمر الصبي نحو القليب ونكس رأسه فيه، فجثا علي خلفه فعلقت رجل علي بطنب الخيمة، فجر الحبل حتى أتى على أخيه فتعلق بفرد قدميه وفرد يديه، أما اليد ففي فمه وأما الرجل ففي يده، فجاءت أمه فأدركته، فنادت: يا للحي يا للحي من غلام ميمون أمسك على ولدي. فأمسكوا الطفل من رأس القليب وهم يعجبون من قوله وفطنته، فسمته أمه مباركا، وكان الغلام من بني هلال يعرف بمعلق ميمون. قال: وولده إلى اليوم (1). وهذا هو معنى قول العوني رحمه الله (2):


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 324. 2. معاني الأخبار ص 60. (*)

[ 632 ]

واسم أخيه في بني هلال * فاسأل به إن كنت ذا سؤال معلق الميمون ذا المعالي * يذكره القوم على الليالي موهبة خص بها صبيا وكان أبو طالب يجمع ولده وولد إخوته ثم يأمرهم بالصراع، وذلك خلق في العرب، وكان علي عليه السلام يحسر عن ساعديه الشريفين وهو طفل ويصارع كبار إخوته وصغارهم وكبار بني عمه وصغارهم فيصرعهم، فيقول أبو طالب: ظهر علي، فسماه ظهيرا. للعوني رحمه الله (1): هذا وقد لقبه ظهيرا * أبوه إذ عاينه صغيرا يصرع من إخوته الكبير ا * مشمرا ساعده تشميرا (2) تراه عبلا فتلا قويا (3) فلما ترعرع عليه السلام كان يصارع الرجل الشديد فيصرعه، ويعلق الرحل الجبار بيده ويجذبه ويقلبه، وربما قبض على مراق بطنه ويرفعه إلى الهواء، وربما يلحق الحصان الجاري فيصدمه فيرده على عقبيه. وكان يأخذ من رأس الجبل حجرا ويحمله بفرد يده ثم يضعه بين يدي الناس، فلا يقدر الرجلان والثلاثة على تحريكه. وروى الخطيب في كتاب الأربعين حديثا مسندا عن محمد بن الحنفية قال: قال النبي عليه السلام: لما عرج بي إلى السماء السادسة رأيت ملكا


1. نفس المصدر والصفحة. 2. رواية المصدر: عن ساعد. 3. العبل: الضخم من كل شئ. الفتل: شديد عصب الذراع. (*)

[ 633 ]

نصفه من نار ونصفه من ثلج في جبهته مكتوب (أيد الله محمدا بعلي)، فبقيت متعجبا، فقال لي الملك: مم تعجب، كتب الله في جبهتي ما ترى قبل الدنيا بألفي عام. وفيه أيضا: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتاني جبرئيل وقد نشر جناحيه، فإذا فيهما مكتوب (لا إله إلا الله محمد النبي)، وكتب على الآخر (لا إله إلا الله علي الوصي). وروى جدي في نخبه حديثا مسندا عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن للقمر وجهين، وجه يضئ به أهل السماوات ووجه يضئ به أهل الأرض، والوجهان عليهما مكتوب، الكتابة التي على وجه السماوات (الله نور السماوات والأرض) والكتابة التي على وجه الأرض (محمد وعلي نور الأرضين). قال: وقال ابن عباس وا بن عمر: وجهه في السماوات وقفاه في الأرضين. وروى أبو محمد الفحام - وهو عامي المذهب - حديثا مسندا إلى أنس قال: إن النبي صلى الله عليه واله: ركب ذات يوم إلى جبل كدى وقال: يا أنس خذ البغلة وانطلق إلى موضع كذا تجد عليا جالسا يسبح بالحصى، فاقرأه مني السلام واحمله على البغلة وآت به إلي. قال: فلما ذهبت وجدت عليا كذلك فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يدعوك، فلما أتى رسول الله قال له: اجلس، فإن هذا موضع قد جلس فيه سبعون نبيا مرسلا، ما جلس فيه من الأنبياء أحد إلا وأنا أكرم على الله منه، وقد جلس موضع كل نبي أخ له، ما جلس من الأخوة أحد أكرم على الله منك.

[ 634 ]

قال: فرأيت غمامة بيضاء وقد أظلتهما، فجعلا يأكلان عنقود عنب وقال: كل يا أخي فهذه هدية الله إلي ثم إليك، ثم شربنا ثم ارتفعت الغمامة، ثم قال يا أنس والذي خلق ما يشاء لقد أكل من تلك الغمامة ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيا وثلاثمائة وثلاثة عشر وصيا ما فيهم نبي أكرم على الله مني ولا وصي أكرم على الله من علي. وروى في أمالي أبي عبد الله النيسابوري: أنه دخل الكاظم على الصادق والصادق على الباقر والباقر على زين العابدين وزين العابدين على الشهيد وكلهم فرحون وقائلون: إنه ناول النبي عليه السلام عليا تفاحا فسقط من يده وصار بنصفين وخرج في وسطه مكتوب (من الطالب الغالب لعلي بن أبي طالب). وعن الخطيب الخوارزي حديث مسند عن ابن عباس أنه هبط جبرئيل عليه السلام ومعه أترجة فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: هذه هدية علي بن أبي طالب، فدعاه النبي صلوات الله عليه وآله فدفعها إليه، فلما صارت في كفه انفلقت الأترجة فإذا فيها حريرة خضراء مكتوب فيها سطران خضرة نضرة (هذه هدية من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب). ويقال: كان ذلك لما قتل عمرا. وفي أحاديث علي بن الجعد - وهو عامي المذهب - عن شعبة عن قتادة في تفسير قوله تعالى * (وترى الملائكة حافين من حول العرش) * (1) قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وآله: لما كانت ليلة المعراج نظرت تحت العرش أمامي فإذا أنا بعلي بن أبي طالب قائم تحت العرش يسبح الله


1. سورة الزمر: 75. (*)

[ 635 ]

تعالى ويقدسه، قلت: يا جبرئيل سبقني علي بن أبي طالب. قال: لا لكني أخبرك، اعلم يا محمد أن الله عز وجل يكثر من الثناء والصلاة على علي ابن أبي طالب فوق عرشه، فاشتاق العرش إلى رؤيته فخلق الله هذا الملك على صورته تحت عرشه لينظر إليه، فسكن إليه شوقه، وجعل تسبيح هذا الملك وتقديسه وتمجيده ثوابا لشيعة أهل بيتك يا محمد. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا إلى ابن عباس، والحديث مختصرا: أنه لما عرج بالنبي عليه السلام إلى السماء رأى ملكا على صورة علي حتى لا تفاوت منه شئ، فظنه علي فقال: يا أبا الحسن سبقتني إلى هذا المكان فقال جبرئيل: ليس هذا علي بن أبي طالب، هذا ملك على صورته، إن الملائكة اشتاقوا إليه فسألوا ربهم أن يكون لهم من صورته على صورته فيرونه. قال رحمه الله: وفي رواية حذيفة: أنه رآه في السماء الرابعة. وقال العبدي رحمه الله (1): يا من شكت شوقه الأملاك إذ شغفت بحبه وهواه غاية الشغف فصاغ شبهك رب العالمين فما ينفك من زائر منها ومعتكف وفي كتاب أبي الحسن البصري: إن رجلا جاء إلى علي عليه السلام، فسأله عن مسائل فأجابه عنها فمضى، فقال: أتعرفون هذا، هذا أبو العباس الخضر، ولقد أخبرني أنه كان مع موسى عليه السلام على البحر فسقط


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 267. (*)

[ 636 ]

عصفور، فأخذ بمنقاره قطرة من البحر ثم جاء حتى وضعها على يد موسى، فقال: موسى: ما هذا ؟ فقال: هذا العصفور يقول: والله ما علمكما في علم وصي النبي الذي يأتي في آخر الزمان إلا كما أخذت بمنقاري هذا من هذا البحر. وروى جدي في نخبه حديثا مسندا عن جده جابر الأنصاري وعن أبي سعيد الخدري وعن عبد الله بن عباس في خبر طويل أنه قال خالد بن الوليد: رآني الأصلع - يعني عليا - عند منصرفي من قتال أهل الردة في عسكري وهو في أرض له وقد ازدحم الكلام في حلقه كهمهمة الأسد وقعقعة الرعد، قال لي: ويلك أو كنت فاعلا ؟ فقلت: أجل. فاحمرت عيناه وقال: يابن اللخناء أمثلك يقدم على مثلي أو يجسر أن يدير اسمي في لهواته. في كلام له، ثم قال: فنكسني والله عن فرسي ولا يمكنني الإمتناع منه، فجعل يسوقني إلى رحاء للحارث بن كلدة، ثم عمد إلى قطب الرحى الحديد الغليظ الذي عليه مدار الرحى، فمد في عنقي بكلتا يديه ولواه في عنقي كما ينفتل الأديم، وأصحابي كأنهم نظروا إلى ملك الموت، فأقسمت له بحق الله ورسوله، فاستحيى وخلى سبيلي. قالوا: فدعى أبو بكر جماعة الحدادين فقالوا: إن فتح هذا القطب لا يمكننا إلا أن نحميه بالنار. فبقي ذلك أياما والناس يضحكون منه، فقيل: إن عليا جاء من سفره، فأتى به أبو بكر إلى علي يشفعه في فكه، فقال علي عليه السلام: إنه لما رأى تكاثف جنوده وكثرة جموعه أراد أن يضع مني في موضعي فوضعت منه عند ما خطر بباله وهمت به نفسه. ثم قال: وأما الحديد الذي في عنقه فلعله لا يمكنني في هذا الوقت فكه، فنهضوا

[ 637 ]

بأجمعهم فأقسموا عليه، فقبض علي رأس الحديد من القطب فجعل يفتل منه بيمينه شبرا شبرا فيرمي به. فهذه مضاهية لآية داود عليه السلام بقوله تعالى * (وألنا له الحديد) * (1) الآية. وفيها روايات: أن خالدا أحدث في ثيابه وصاح صيحة منكرة وجعل يضرب برجليه، أعرض عن ذكرها اختصارا. ولبعضهم: يا خالد اذكر صنيعة حيدر * لما بعثت إليه كي تدعوه وأردت إظهار الشجاعة عند من * أجدا الشجاعة جده وأبوه ورجعت بالطوق الحديد مطوقا * هذا وأنت على الرجال نبيه فلأن جحدت فاسل أصحاب النبي * طوق الرحى في حلق من فتلوه وروى في نخبه: أن عليا عليه السلام رمى إلى حصن ذات السلاسل في المنجنيق، ونزل على حائط الحصن، وكان الحصن قد شد على حائطه سلاسل فيها غرائز من تبن أو قطن حتى لا يعمل على المنجنيق إذا رمي الحجر، فمر عليه السلام في الهواء والترس تحت قدميه، ونزل على الحائط وضرب السلاسل ضربة واحدة فقطعها وسقط الغرائز وفتح الحصن. وذلك مثل صعود الملائكة ونزولهم وإسراء النبي عليه السلام. وروى في نخبه حديثا مسندا عن جده جابر الأنصاري رحمه الله قال: صلى بنا أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فقال:


1. سورة سبأ: 10.

[ 638 ]

معاشر الناس أعظم الله لكم الأجر في أخيكم سلمان. فقالوا في ذلك، فلبس عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله ودراعته وأخذ قضيبه وسيفه وركب على العضباء وقال: يا قنبر عد عشرا، قال: ففعلت فإذا نحن على باب سلمان. قال زاذان: فلما أردكت سلمان الوفاة قلت له: من المغسل لك ؟ قال: من غسل رسول الله (ص). فقلت: إنك بالمدائن وهو بالمدينة. قال: يا زاذان إذا شددت لحيى تسمع الوجبة. فلما شددت لحييه سمعت الوجبة وأدركت الباب فإذا أنا بأمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا زاذان قضى أبو عبد الله سلمان. فقلت: نعم يا سيدي. فدخل وكشف الرداء عن وجهه، فتبسم سلمان إلى أمير المؤمنين، فقال له: مرحبا يا أبا عبد الله إذا لقيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقل ما مر على أخيك من قومك. ثم أخذ في تجهيزه، فلما صلى عليه كنا نسمع من أمير المؤمنين عليه السلام تكبيرا شديدا، وكنت رأيت معه رجلين، فقال: أحدهما جعفر أخي والآخر الخضر عليه السلام، ومع كل واحد سبعون صفا من الملائكة، في كل صف ألف ألف ملك. هذه مضاهية لآية آصف وصي سليمان عليهما السلام. وقال أبو الفضل التميمي رحمه الله (1): سمعت مني يسيرا في عجائبه وكل أمر علي لم يزل عجبا أدريت في ليلة سار الوصي إلى * أرض المدائن لما أن لها طلبا فألحد الطهر سلمانا وعاد إلى * عراص يثرب والإصباح ما قربا


1. المناقب 2 / 338. (*)

[ 639 ]

كآصف قبل رد الطرف من سبأ * بعرش بلقيس وافى يخرق الحجبا * * * كلمته السباع وكلمها مرارا كثيرة: فمن ذلك ما رواه جدي رحمه الله في نخبه مسندا عن أبي الجارود في حديثه أنه قال: أقبل أسد من البر حتى جاء إلى الكناسة، فقام بين يدي أمير المؤمنين فوضع يديه بين أذنيه فقال: ارجع إلى الله ولا تدخل دار هجرتي بعد اليوم، وبلغ ذلك السباع عني. وروى عن جويرية بن صخر قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام نحو بابل، فمضينا بغابة فإذا نحن بالأسد بارك على الطريق وأشباله خلفه، فمكنت بدابتي لأرجع، فقال لي: يا جويرية بن صخر إنما هو كلب الله، ثم قال * (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) * (1) الآية، فإذا أنا بالأسد قد أقبل نحوه يبصبص بذنبه وهو يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته يا بن عم رسول الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أبا الحارث ما تسبيحك ؟ قال: أقول سبحان من ألبسني المهابة، وقذف في قلوب العباد مني المخافة. للعوني رحمه الله: امامي كليم الليث والناس حوله * فخاطبه للوقته إذ جاءه جهرا وقال أيضا رحمه الله: علي كليم الليث في يوم بابل * ومنطق أهل الكهف المنطق الفصل وروى في نخبه حديثا مسندا عن الحسين عليه السلام قال: كنت مع


1. سورة هود: 56. (*)

[ 640 ]

أبي بالعقيق إذ لاح لنا ذئب، فجعل يهرول حتى وقف بين يدي أبي، فجعل يلطح بلسانه قدميه ويتمسح به، فقال أبي: أنطق أيها الذئب بإذن الله تعالى، فأنطقه الله تعالى يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين. ومشهد الذئب معروف: لبعضهم رحمه الله: ردت له الشمس حيث الليل مقترب * وأحسن القول في تكليمه الذئب وقال ابن رزيك رحمه الله: امام له غاض الفرات وقد طغى * وخاطبه ذئب بأرض فلات * * * روى محمد بن وهبان الذهلي في معجزات النبوة عن البراء بن عازب في خبر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أنه عبر في السماء خيط من الأوز طائر على رأس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فصرصن وصرخن، فقال أمير المؤمنين: قد سلمن علي وعليكم، فتغامز أهل النفاق بينهم، فقال أمير المؤمنين لقنبر: ناد بأعلى صوتك: أيها الوز أجيبوا أمير المؤمنين وأخا رسول الله رب العالمين، فنادى قنبر بذلك، فإذا الطير يرفرف على رأس أمير المؤمنين، فقال: قل لها: أنزلن. فلما قال لها رأيت الوز وقد ضربت بصدرها إلى الأرض حتى صارت معنا في صحن المسجد على أرض واحدة، فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يخاطبها بلغة لا نعرفها، يلززن بأعناقهن إليه (1) ويصرخن، ثم قال لهن: انطلقن بإذن الله العزيز الجبار، فإذا هن يقلن بلسان عربي مبين: السلام عليك يا


1. أي يلصقن به ويقتربن منه. (*)

[ 641 ]

أمير المؤمنين. وهذه كقوله تعالى في حق داود عليه السلام * (يا جبال أوبي معه والطير) * (1) وكقوله حاكيا عن سليمان عليه السلام * (يا أيها الناس علمنا منطق الطير) * (2). وروى في المعجزات والروضة والدلائل عن ابن عقدة والحارث بن الأعور وغيرهما قالوا: رأينا شيخا باكيا وهو يقول: أشرفت على المائة وما رأيت العدل إلا ساعة، فسئل عن ذلك فقال: أنا حجر الحميري وكنت يهوديا وأبتاع الطعام، فقدمت يوما نحو الكوفة، فلما صرت بالقبة المسبخة فقدت حمري، فدخلت الكوفة إلى الأشتر فوجهني إلى أمير المؤمنين فلما رآني قال: يا أخا اليهود إن عندنا علم البلايا والمنايا ما كان أو يكون، أخبرك أو تخبرني بماذا جئت ؟ فقلت: بل خبرني. فقال اختلست الجن مالك في القبة فما تشأ ؟ قلت: تفضلت علي آمنت بك، فانطلق معي حتى أتى القبة وصلى ركعتين ودعا بدعاء وقرأ * (يرسل عليكما شواظ من نار) * (3) الآية، ثم قال: يا عبد الله ما هذا العبث، والله ما على هذا بايعتموني وعاهدتموني يا معشر الجن. فرأيت مالا يخرج من القبة، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أن عليا ولي الله، ثم إني لما قدمت الآن وجدته مقتولا. قال ابن عقدة: إن اليهودي كان من سواد المدينة.


1. سورة سبأ: 10. 2. سورة النمل: 16. 3. سورة الرحمن: 35. (*)

[ 642 ]

للوراق القمي رحمه الله (1): علي دعا جنا بكوفان ليلة * وقد سرقوا مال اليهودي عهرم على نقض عهد أو يردوا متاعه * فردوا عليه ماله لم يقسم وروى شيرويه الديلمي بإسناده إلى موسى بن جعفر عن آبائه عن علي عليه السلام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في طرقات المدينة إذ جعل خمسة في خمس أمير المؤمنين عليه السلام، فو الله ما رأينا خمسين أحسن منهما، إذ مررنا على نخل المدينة، فصاحت نخلة بأختها: هذا موسى وأخوه هارون، فاجتزنا هما فصاحت رابعة بخامسة: هذا محمد سيد النبيين وهذا علي سيد الوصيين، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: يا علي سم نخل المدينة صيحانيا فقد صاحت بفضلك وفضلي. وروى أنه كان البستان لعامر بن سعد بعقيق السفلى. وقال ابن حماد رحمه الله (2): فتكلم النخل الذي في وسطه * بفصاحة تتعجب الثقلان من نخلة قالت هناك بأختها * هذان أكرم من مشي هذان هذا ابن عبد الله هذا صنوه * هذا علي العالم الرباني قد صاح هذا النخل ينشر فضلهم * فلأجل ذلك سمي الصيحاني روى الشيخ الفاضل الفقيه عز الدين أبو جعفر محمد بن علي بن


1. المناقب 2 / 343. 2. المصدر السابق 2 / 365. (*)

[ 643 ]

شهر اشوب رحمه الله في كتابه (1) حديثا مسندا إلى محمد الشوهاني أنه قدم أبو الضمضام العبسي إلى النبي صلوات الله عليه وآله وسلم ووعد النبي أن يأتي بأهله، فوعده أن يعطيه إذا جاء إليه ثمانين ناقة حمر الظهور بيض العيون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ويقط الحجاز، وكتب له بها كتاب إقرار، وخرج أبو الصمصام ثم جاء في قومه بني عبس كلهم مسلمين، فوجد الرسول عليه السلام قد قبض. قال: فمن الخليفة من بعده ؟ قالوا: أبا بكر. فقال أبو الصمصام لأبي بكر: يا أبا بكر إن لي على النبي ثمانين ناقة، ووصفها، فقال يا أخا العرب سألت ما فوق العقل. وأخذ سلمان بيده وأتى منزل علي بن أبي طالب عليه السلام، فقرع الباب فنادى علي: أدخل يا سلمان أنت وأبو الصمصام. فقال أبو الصمصام: هذا أعجوبة. ثم قال: يا أبا الحسن إن لي على النبي ثمانين ناقة، ووصفها، فقال علي: ناد في الناس: ألا من أراد أن ينظر إلى قضاء دين رسول الله فليخرج غدا إلى خارج المدينة. فلما كان الغداة خرج وخرج الناس وأسر إلى ولده الحسن سرا وقال: إمض يا أبا الضمضام مع ابني إلى كثيب من الرمل، فصلى الحسن ركعتين عند الكثيب وكلم الأرض بكلمات وضرب الكثيب بقضيب رسول الله صلى الله عليه وآله فانفجر الكثيب عن صخرة، فضربها بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة، فقاد أبو الصمصام ثمانين ناقة على الوصف، ورجع إلى علي عليه السلام ثم قال: هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله، إن


1. المناقب لابن شهر اشوب 2 / 371، مع اختلاف في بعض الألفاظ. (*)

[ 644 ]

الله عز وجل خلق هذه النوق في هذه الصخرة قبل أن خلق الله ناقة صالح بألفي عام. وهذا الحديث اختصرته من رواية الشيخ المذكور أولا. وروى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا عن عبد الواحد بن زيد قال: كنت في الطواف إذ رأيت جارية تقول لأختها: لا وحق المنتخب بالوصية، الحاكم بالسوية، العادل في القضية، العالي البنية، بعل فاطمة المرضية، ما كان كذا. فقلت: أتعرفين عليا عليه السلام ؟ قالت: وكيف لا أعرف من قتل أبي بين يديه يوم صفين، وإنه دخل إلى أمي ذات يوم فقال لها: كيف أنت يا أم الأيتام ؟ فقالت: بخير. ثم أخرجتني أنا وأختي هذه إليه، وكان قد ركبني من الجدري ما ذهب له بصري، فلما نظر إلى تأوه ثم قال: ما إن تأوهت من شئ رزئت به * كما تأوهت للأطفال في الصغر قد مات والدهم من كان يكلفهم * في النائبات وفي الأسفار والحضر ثم أمر يده المباركة على وجهي فانفتحت عيني لوقتي، وإني لأنظر إلى الجمل الشارد في الليلة الظلماء. وروى في نخبه حديثا مسندا إلى العسكري عليه السلام قال: إن اليهود قالت: يا محمد إن كان دعاؤكم مستجابا فادع لابن رئيسنا هذا ليعافيه من البرص والجذام. فقال النبي عليه السلام: يا أبا الحسن ادع الله له بالعافية. فدعى علي عليه السلام فعوفي وصار أحمد الناس، فشهد الشهادتين فقال أبوه: كان هذا وفاق صحته فادع علي. فقال: اللهم ابله ببلاء ابنه. فصار في الحال أبرص أجذم أربعين سنة آية للعالمين.

[ 645 ]

وروى في نخبه حديثا مسندا عن الحاتمي وعن ابن عباس قالا: أدخل أسود إلى أمير المؤمنين عليه السلام لأنه سرق، فسأله ثلاث مرات، فقال: يا أمير المؤمنين طهرني فإني سرقت، فأمر بقطع يديه، فاستقبله ابن الكوا فقال: من قطع يدك ؟ فقال: ليث الحجاز، وكبش العراق، ومصادم الأبطال، المنتقم من الجهال، كريم الأصل، شريف الفصل، محل الحرمين ووارث المشعرين، أبو السبطين، أول السابقين وآخر الوصيين من آل يس، المؤيد بجبريل الأمين، المنصور بميكائيل المبين، المحفوظ بجند السماء اجمعين، ذاك والله أمير المؤمنين على رغم الراغمين. في كلام له. قال ابن الكوا: قطع يمينك وتثني عليه، قال: لو قطعني إربا إربا ما أزددت له إلا حبا. فدخل علي أمير المؤمنين وأخبره بقصة الأسود، فقال يابن الكوا إن مجينا لو قطعناهم إربا إربا ما ازدادوا لنا إلا حبا، وإن في أعدائنا من لو ألعقناهم السمن والعسل ما ازدادوا لنا إلا بغضا، وقال للحسن: عليك بعمك الأسود. فأحضر الحسن الأسود إلى أمير المؤمنين عليه السلام، [ فأخذ ] يده ونصبها في موضعها وتغطى بردائه وتكلم بكلمات يخفيها، فاستوى يده وصار يقاتل بين يدي أمير المؤمنين إلى أن استشهد. ويقال: كان اسم هذا الأسود أفلح. وفي ذلك قال المشتاق رحمه الله (1): فقال له إني جنيت فحدني * ومن بعد حد الله مولاي فاقتلني


1. المناقب لا بن شهر اشوب 2 / 374. (*)

[ 646 ]

فجز يمين العبد من حد قطعه * ومربها راض على المرتضى يثني فقالوا له تمدح لمن لك قاطع * وذا عجب تسري به الناس في المدن فقال لهم ما كان مولاي جائرا * أقام حدود الله بالعدل وأنصفني فمروا بنحو المرتضى يخبرونه * فقال نعم استبشروا شيعتي مني ولو أنني قطعتهم في محبتي * لما زال منهم بالولاء أحد عني فألزق كف العبد مع عظم زنده * وعاد كأيام الرفاهة يستئن (1) ومر ينادي إنني عبد حيدر * على ذاك يحييني الإله ويقبلني (2) وقال ابن مكى رحمه الله: رددت الكف جهرا بعد قطع * كرد العين من بعد الذهاب [ وجمجمة الجلندي وهو عظم * رميم جاوبتك عن الخطاب ] (3). من كافي الكليني (4) عن عيسى بن سليمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يا خال إن أمير المؤمنين كان له خؤولة في بني مخزوم، وإن شابا منهم أتاه فقال: يا خال إن أخي وترني وقد حزنت عليه حزنا شديدا. فقال له: فتشتهي أن تراه ؟ فقال: نعم. قال: فأرني قبره. فخرج وتقنع برداء رسول الله صلى الله عليه وآله المستجاب، فلما انتهى إلى القبر تلم شفتاه ثم ركضه برجله، فخرج من قبره وهو يقول (وميكا) بلسان الفرس، فقال عليه السلام له: ألم تمت وأنت رجل من العرب ؟ فقال: بلى ولكن متنا


1. رواية المصدر: من عظم، والرفاءة. 2. في المصدر: ويقبرني. 3. الزيادة من المصدر. 4. الكافي 1 / 457. (*)

[ 647 ]

على سنة فلان وفلان، فانقلبت ألسنتنا، وقد رواه البطائني في الدلالات عن الصادق عليه السلام، وقد أشار إليه أبو الحسن البصري في المعتمد في الأصول. وقال الحميري رحمه الله (1): فقال له قوم إن عيسى بن مريم (2) * بزعمك يحيي كل ميت ومقبر فما ذا الذي أعطيت قال محمد * لمثل الذي أعطيه إن شئت فانظر إلى مثل ما أعطي فقالوا لكفرهم * ألا أرنا ما قلت غير معذر فقال رسول الله قم لوصيه * فقام وقدما كان غير مقصر ورداه بالمستجاب والله خصه * وقال اتبعوه بالدعاء المبرر فلما أتى ظهر البقيع دعا به (3) * فرجت قبور بالورى لم تبعثر فقالوا له يا وارث العلم اعفنا * ومن علينا بالرضى منك واغفر وروى في كتاب الخطيب الخوارزمي وشيرويه الديلمي عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: جاءني جبرئيل من عند الله بورقة آس خضراء مكتوب فيها ببياض: إني فرضت محبة علي بن أبي طالب على خلقي فبلغهم ذلك عني. روى شيرويه في الفردوس عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إنما دفع الله القطر عن بني إسرائيل بسوء رأيهم في أنبيائهم،


1. ديوان الحميري ص 242. 2. رواية الديوان: فقال له قد كان عيسى بن مريم. 3. في المخطوطة: الطهر البقيع. (*)

[ 648 ]

وإن الله يدفع القطر عن هذه الأمة ببغضهم علي بن أبي طالب (1). وفي رواية: فقام رجل فقال: يا رسول الله وهل يبغض عليا أحد ؟ قال: نعم القعود عن نصرته بغض. وروى في دلالات البطائني: أنه كان في مقدم سرير علي عليه السلام جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وزمرة من الملائكة، نسمع منهم (قدوس قدوس، أنت عزيز السلطان نافذ لأمرك، لا إله إلا أنت وبحمدك، لا إله إلا أنت رب العالمين). روى جدي في نخبه قال في حديث عمار: إن عليا عليه السلام لما قاتلهم كان معهم ثلاثون قتيلا، فحملوا بالعسكر والأفيلة على المسلمين، فلما نظر الإمام إلى ذلك كلم الأفيلة بكلام لا يفهمه الآدميون، وإذا بتسعة وعشرين فيلا قد أدارت رؤوسها وحملت على عسكر المشركين وجعلت تضرب فيهم يمينا وشمالا حتى أوصلتهم على باب عمان، ثم رجعت وهي تتكلم بكلام يسمع الناس: يا علي كلنا نعرف محمدا ونؤمن برب محمد إلا هذا الفيل الأبيض فإنه لا يعرف محمدا ولا آل محمد، فضربه الإمام بذي الفقار فرمى رأسه عن بدنه. وذلك في حديث طويل. وروى جدي رحمه الله في نخبه قال: أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر، ففزع إلى علي عليه السلام مع أصحابه، فصعد علي على تلعة وقال: كأنكم قد هالكم ما ترون، وتحرك وضرب الأرض بيده، ثم قال: مالك اسكني. فسكنت، ثم قال: أن الرجل الذي قال الله تعالى * (إذا زلزلت


1. الفردوس للديلمي 1 / 344. (*)

[ 649 ]

الأرض) * (1) الآية، وأنا الإنسان الذي أقول لها: مالك * (يومئذ تحدث أخبارها) * إياي تحدث. قال رحمه الله: وفي رواية سعيد بن المسيب وعباية بن ربعي: إن عليا عليه السلام ضرب الأرض برجله، فتحركت فقال: اسكني فلم يأن لك، ثم قرأ * (يومئذ تحدث أخبارها) *. قال: وفي حديث الأصبغ: إنه عليه السلام ركض الأرض برجله فتزلزلت، ثم قال: هي الآن، إني الذي تنبه الأرض أخبارها أو رجل مني والله لو قام قائمنا، لو خرج من هذا الموضع اثنا عشر ألف درع واثنا عشر بيضة لها وجهان ثم لبسها اثنا عشر ألف رجل من أولاد العجم ثم ليأمرنهم فليقتلن من كان على خلاف ما هم عليه. قال: وروى جماعة عن خالد بن الوليد أنه قال: رأيت عليا يسرد حلقات درعه بيده ويصلحها، فقلت: هذ كان لداود عليه السلام. فقال: يا خالد ألان الله الحديد فكيف لنا. وروى في أمالي (2) الشيخ السعيد أبي جعفر الطوسي رحمه الله حديثا مسندا عن سلمان قال: كنا جلوسا عند النبي النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب، فناوله النبي حصاة، فما استقرت الحصاة في كفه حتى نطقت (بلا إله إلا الله محمد رسول الله، رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبعلي إماما). فقال النبي عليه السلام: من أصبح منكم راضيا [ بالله ] وبولاية علي فقد أمن خوف الله وعقابه.


1. سورة الزلزال: 1. 2. الأمالي للطوسي ص 283، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ. (*)

[ 650 ]

وروى في الأغاني (1) أنه قال المدائني: إن السيد الحميري فوقف بالكناس وقال: من جاء بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا فله فرسي هذا وما علي. فجعلوا يحدثونه وينشدهم فيه، حتى روى رجل عن أبي الزعل المرادي أنه قدم أمير المؤمنين عليه السلام، فتطهر للصلاة فنزع خفه فانسابت فيه أفعى، فلما عاد ليلبسه فانقض غراب فخطفه ثم ألقاها فخرجت الأفعى منه. قال: فأعطاه السيد ما وعد وأنشد (2): ألا يا قوم للعجب العجاب * لخف أبي الحسين وللحباب عدو من عداة الجن عبد * تعبد في المزادة عن صواب (3) كرية اللون أسود ذو بصيص * حديد الناب أزرق ذو لعاب أتى خفا له فانساب فيه * لينهش رجله منه بناب فقض من السماء له عقاب * من العقبان أو شبه العقاب فطار به فحلق ثم أهوى * به للأرض من دون السحاب فصك بخفه فانساب منه * وولى هاربا حذر الحصاب (4) ودوفع عن أبي حسن علي * نقيع سمامه بعد انسياب وقال الرضي رضي الله عنه (5): أما في باب خيبر معجزات * تصدق أو مناجاة الحباب


1. الأغاني 7 / 256، مع اختلاف في الألفاظ. 2. ديوان الحميري ص 125. 3. رواية الديوان: وغد بعيد في المرادة من صواب. 4. الحصاب: الرمي بالحصباء. 5. ديوان الرضي 1 / 116، والبيت الثالث من قصيدة الحميري المذكورة قبلها. (*)

[ 651 ]

أرادت كيده والله يأبى * فجاء النصر من قبل الغراب فطار به فحلق ثم أهوى * يصك الأرض من دون السحاب ذكر الفضل الشيباني في أماليه عن حويرث قال: رأى أسدا نحو أمير المؤمنين عليه السلام يهمهم ويمسح برأسه الأرض، فتكلم عليه السلام معه بشئ، فسئل عنه فقال: إنه يشكر للحبل ودعا لي وقال: لا سلط الله أحدا منا على أوليائك. فقلت: آمين. ومن عجيب أمره ما كان من ضرب يده في الأسطوانة حتى دخل إبهامه في الحجر، وهو الآن باق في جامع الكوفة. ومن ذلك أثر سيفه في صخرة جبل ثور عند غار النبي صلى الله عليه وآله. ومن ذلك أثر رمحه في جبل من جبال بادية، وفي صخرة عند قلعة جعبر، وقد ذكر ذلك جدي في نخبه وذكره ابن شهر آشوب رحمه الله. ومعلوم أن إبراء المرضى وإحياء الموتى وكلام الجماد والحيوان إلى غير ذلك على أيدي الأنبياء والأوصياء من فعل الله وقوله تعالى * (وإذ تخرج الموتى بإذني) *. وكون هذه الأمور المذكورة في الأحاديث لا تتيسر إلا لنبي أو وصي، فلا بد وأن يكون وصيا. فإن قيل: هذه أخبار آحاد يروونها الشيعة خاصة. فالجواب: إن المسلمين بأسرهم رووا فضل علي عليه السلام، فكل طائفة روت فيه شيئا من هذه المذكور وغيره، والإستقراء يحققه، وليس كلام الحيوان والأفيلة والنحل وغير ذلك بأعجب من رد الشمس، وقد رواها أصحاب الشافعي، وقد تقدم ذلك بمقدمة الكتاب.

[ 652 ]

ورووا أنه إمام المتقين، وأن طاعته من طاعة الله تعالى، وقد سلف ذلك بالفصل الرابع. ورووا أنه عليه السلام حملته الريح على البساط وأحيى الله له أهل الكهف والرقيم، وشهدوا له بالوصية، وقد سبق ذلك بالفصل الثامن. وهذه دلائل وأمارات لمولانا عليه السلام لا يمكنهم إنكارها، حيث إن أئمتهم الذين يأخذون عنهم معالم دينهم ناقلون لها قائلون بها.

[ 653 ]

الفصل السابع والأربعون في ذكر مساواته بأحد وعشرين نبيا ولقمان الحكيم وذي القرنين وأنه يباهي به الملائكة عليهم السلام مساواته لآدم عليه السلام: قال الله تعالى * (وعلم آدم الأسماء كلها) * (1). ولعلي عليه السلام قول الرسول صلى الله عليه وآله (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وقد تقدم قول الفريقين في ذلك في الفصل السابع عشر. وزواج آدم في الجنة، وزواج علي كذلك. آدم خليفة الله بقوله تعالى * (إني جاعل في الأرض خليفة) * (2)، علي خليفة الله بما رواه المخالف والمؤالف، وقد سبق بالفصل الحادي والعشرين. فمن ذلك ما رواه الفقيه الشافعي علي بن المغازلي في كتابه كتاب المناقب مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من ناصب عليا


1. سورة البقرة: 31. 2. سورة البقرة: 30. (*)

[ 654 ]

الخلافة بعدي فهو كافر (1). الخبر. مساواته مع إدريس عليه السلام: أطعم إدريس بعد وفاته من طعام الجنة وأطعم عليا في حياته منها مرارا، فمن ذلك ما تقدم ذكره برواية أهل المذاهب الأربعة في الفصل الخامس. وسمي إدريس لأنه درس الكتب كلها وقال تعالى في علي * (ومن عنده علم الكتاب) * (2) وقد سلف بالفصل السابع والثلاثين أنها في علي عليه السلام. وإدريس أول من وضع الخط وعلي أول من وضع النحو. مساواته مع نوح عليه السلام: نجا من ركب مع نوح في السفينة ونجا من تمسك بعلي وذريته، لقول النبي عليه السلام: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق، وقد مر ذلك في الفصل الأربعين بقول الفريقين. مساواته مع إبراهيم عليه السلام: قال الله تعالى في إبراهيم * (وهديناه إلى صراط مستقيم) * (3) وقد ذكر في الفصل الرابع والثلاثين أن علي بن أبي طالب هو الصراط المستقيم وأن طريقه وطريق ذريته دين مستقيم برواية الفريقين.


1. المناقب لابن المغازلي ص 46. 2. سورة الرعد: 43. 3. ليست هذه آية من القرآن الكريم. (*)

[ 655 ]

قال الله تعالى في إبراهيم * (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) * (1) وقال تعالى * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * (2) وعلي من أهل البيت كما نقل الفريقان في الفصل الأول. قال تعالى * (وإبراهيم الذي وفى) * (3) وقال في علي * (يوفون بالنذر) * وقد تقدم ذلك في الفصل الخامس برواية الفريقين. وإبراهيم كسر الأصنام كما نطق القرآن وعلي كسر الأصنام وكان أكبرها هبل، بدليل ما ذكر في الفصل الثالث والأربعين من قول الفريقين، وكان أكبر أصنام الكفرة أفلون، وهو الذي أشار إليه إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم * (بل فعله كبيرهم هذا) * (4). مساواته مع إسماعيل عليه السلام: استسلم إسماعيل لذبح والد شفيق واستسلم علي لقتال الكفار ليلة المبيت بقول الفريقين بالفصل الرابع عشر. وذكر الفرق بين الحالتين من المبيت أعظم والمحبة فيه أشد. مساواته مع يعقوب عليه السلام: سأل الذئب هل أكل ولده أم لا، فأنطق الله الذئب وقال: لحوم الأنبياء علينا حرام. وعلي كلمه الذئب والثعبان والأسد والأفيلة والأوز، كما روي في


1. سورة هود: 73. 2. سورة الأحزاب: 33. 3. سورة النجم: 37. 4. سورة الأنبياء: 63. (*)

[ 656 ]

الفصل السابق لهذا الفصل وفي غيره. مساواته مع يوسف عليه السلام: قال يوسف * (رب قد آتيتني من الملك) * (1) وقال الله في علي * (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) * (2) وفي علي وأهل بيته نزلت بدليل ما تقدم في الفصل الخامس. وإخوة يوسف لما بان لهم زيادة النعمة وكمال الشفقة في أخيهم حسدوه، وكذا قريش حسدوا عليا حيث كان أفضل منهم في كل شئ وإخوة يوسف قالوا في الظاهر * (إنا له لحافظون) * (3) وكذا أعداء علي ناصحوه ظاهرا وبايعون وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، وقد مضى ذلك في الفصل الثاني والسادس والعشرين، وعادوه ومقتوه. وقيل ليوسف * (أيها الصديق أفتنا) * (4) وعلي الصديق الأكبر والفاروق الأعظم بقول الفريقين بالفصل الحادي والثلاثين. وقال الله تعالى في يوسف * (ولما بلغ أشده أتيناه حكما وعلما) * (5) وعلي أوتي الأخوة والوزارة والوصية والوراثة والخلافة والعلم وهو صغير أخمس الساق، وقد سبق قول الفريقين بذلك في الفصل التاسع. وقال الله تعالى حاكيا عن يوسف * (ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير


1. وسورة يوسف 101. 2. سورة الإنسان: 20. 3. سورة يوسف: 12. 4. سورة يوسف 46. 5. سورة يوسف: 22. (*)

[ 657 ]

المنزلين (1) وقد مدح الله تعالى عليا وأهل بيته بقوله تعالى * (ويطعمون الطيعام عى حبه) * (2) وبقوله * (يوفون بالنذر) * وقد سبق ذلك في الفصل الخامس بقول الفريقين. مساواته مع موسى عليه السلام: أحيى الله تعالى بدعاء موسى عليه السلام قوما بقوله تعالى * (ثم بعثناكم من بعد موتكم) * (3) وأحيى الله بدعاء علي أصحاب الكهف والرقيم بقول الفريقين في الفصل الثامن. وقد روى كثير من العلماء أن بدعاء علي أحيى الله سام بن نوح وأصحاب الكهف بوادي صرصر وغيرها، وقد اشتهر الذكر بكلام الجمجمة له عليه السلام، ومشهد الجمجمة ببابل من دلائله، وهذه الجمجمة لجلندي بن كر كر ملك الحبشة صاحب الفيل القاصد لهدم البيت الحرام، روى ذلك جدي أبو عبد الله الحسين بن جبير رحمه الله في كتاب نخب المناقب لآل أبي طالب. وعدو موسى رماه بالبرص وأنس حين رد عليا عن أكل الطائر مع رسول الله صلى الله عليه وآله رماه الله بالبرص، وقد سبق قول الفريقين بذلك في الفصل السادس. ونزل جبرئيل بعصا فأعطى الشعيب فأعطاه شعيب لموسى ونزل جبرئيل بذي الفقار فأعطاه لمحمد وأعطاه محمد لعلي عليهما السلام.


1. سورة يوسف: 59. 2. سورة الإنسان: 8. 3. سورة البقرة: 56. (*)

[ 658 ]

ارتفع موسى على الطور وارتفع علي على كتف الرسول بقول الفريقين في الفصل الثالث والأربعين. قال الله تعالى في حق موسى * (وألقيت عليك محبة مني) * (1) وأوجب محبة علي عليه السلام على الخلائق حتى أنها جنة لا تضر معها سيئة بنقل الفريقين في الفصل الخامس والعشرين. أكرم الله موسى بشبر وشبير وأكرم عليا بشبر وشبير وهما الحسن والحسين عليهما السلام. جر موسى الحجر من رأس البئر لما ورد ماء مدين وكان يجر الحجر أربعون رجلا، وعلي جر الحجر من عين راجوما وكانت مائة رجل قد عجزت عن قلعه، وقد تقدم ذكره في الفصل الثامن. مساواته مع هارون عليه السلام: هارون أول من صدق بموسى وعلي أول من صدق بمحمد صلى الله عليه وآله بقول الفريقين في الفصل الخامس. * (قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي) * (2) قال محمد صلى الله عليه وآله لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) بنقل الفريقين في الفصل الثامن والعشرين. مساواته مع يوشع عليه السلام: ردت عليه الشمس وعلي عليه السلام ردت عليه الشمس غير مرة بقول الفريقين في مقدمه الكتاب.


1. سورة طه: 39. 2. سورة الأعراف: 142. (*)

[ 659 ]

وروى جدي في نخبه حديثا مسندا أن النبي صلى الله عليه وآله قال عند وفاته لعلي عليه السلام: أنت مني بمنزلة يوشع بن نون من موسى. وقال السلامي رحمه الله: وردت لك الشمس في بابل * فساميت يوشع لما سمى مساواته بأيوب عليه السلام: قال الله تعالى في أيوب * (إنا وجدناه صابرا) * (1) وقال في علي * (الذين إذا أصابتهم مصيبة) * (2) وقال تعالى * (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) * (3) بدليل ما سبق في الفصل الخامس. صبر أيوب ثلاث سنين في البلايا وصبر علي ثلاث سنين في الشعب مع النبي صلى الله عليه وآله. مساواته مع جرجيس عليه السلام: صبر في المحن وعلي صبر في الفتن. عذب جرجيس بأنوع العذاب وعذب علي بأنواع الحروب. كسر جرجيس بأنواع العذاب وعذب علي بأنواع الحروب. كسر جرجيس صنما وكسر علي الأصنام بنقل الفريقين في الفصل الثالث والأربعين.


1. سورة ص 44. 2. سورة البقرة: 156. 3. سورة البقرة: 177. (*)

[ 660 ]

مساواته مع يونس عليه السلام: إلتقمة الحوت وهو سليم وعلي سلمت عليه الحيتان. قال الله تعالى في يونس * (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) * (1) وعلي إمام الإنس والجن. ويونس عبد الله في مكان ما عبده بشر وعلي ولد في موضع ما ولد فيه قبله ولا بعده أحد، ولد في جوف الكعبة. مساواته مع زكريا عليه السلام: كان واعظ بني إسرائيل وكافل مريم، وعلي كان مقتي الأمة وكافل فاطمة عليها السلام. مساواته بيحيى عليه السلام: قال الله تعالى فيه * (وآيتناه الحكم صبيا) * (2) وكذا أوتي علي الحكم والوزارة والخلافة صبيا، وقدت بين ذلك في الفصل التاسع برواية الفريقين: وقال الحميري رحمه الله (3): ألم تؤت الهدى والحكم طفلا * كيحيى حين أوتيه صبيا (4) مساواته بذي القرنين عليه السلام: ذو القرنين سد الله تعالى به على يأجوج ومأجوج وسد الله بعلي كيد


1. سورة الصافاات: 147. 2. سورة مريم: 12. 3. ديوان الحميري ص 459. 4. رواية الديوان (وقد أوتى الهدى) * و (يوم أوتيه). (*)

[ 661 ]

الشياطين عن الشيعة. ذو القرنين كان يعرف لغات الخلق وعلي عليه السلام علم منطق الطير والدواب والوحوش والجن والإنس والملائكة. مساواته مع لقمان الحكيم عليه السلام: قال الله تعالى * (ولقد آتينا لقمان الحكمة) * (1) فظهرت منه الحكمة، وعلي ظهرت منه العلوم واستفاضت، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا دار الحكمة وعلي بابها. وقدت مضى ذلك بقول الفريقين في الفصل السابع عشر. مساواته مع داود عليه السلام: قال الله تعالى * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) * (2) وعلي رابع الخلفاء، خلفاء الله: آدم، وموسى، وداود، وعلي خو الخليفة الرابع. وقد مضى ذكر خلافته بقول الفريقين في الفصل الحادي والعشرين. قتل داود جالوت، قتل علي عمرو بن عبدود ومرحبا. وكان لداود سلسلة الحكومة، وقال النبي صلى الله عليه وآله: أقضاكم علي. قال الله تعالى لداود * (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) * (3) وقال في علي * (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * (4) وقد


1. سورة لقمان: 12. 2. سورة ص: 26. 3. سورة ص: 20. 4. سورة الرعد: 43. (*)

[ 662 ]

سبق القول من الفريقين بذلك في الفصل السابع والثلاثين. مساواته بسليمان عليه السلام: قال الله تعالى حاكيا عنه * (رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) * (1) أعطاه الله تعالى خاتم الملك وعلي عليه السلام تصدق بالخاتم فأنزل الله فيه ولاية الملك بقوله تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * (2) الآية، وقد مضى القول من الفريقين بذلك في الفصل الثالث. سليمان طلب ملكا وعلي قال: يا صفراء يا بيضاء غري غيري. وكان سليمان سائلا للخاتم وعلي معطيا له، وسليمان وعلي عليهما السلام كل منهما مصيب للحق في ذلك طائع لله عز وجل. حملت الريح بساط سليمان وحملت الريح بساط علي الذي أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله من خندق، وقد تقدم القول من الفريقين بذلك في الفصل الثامن. وردت الشمس على سليمان وردت على علي عليه السلام غيره مرة. مساواته مع صالح عليه السلام: سماه الله تعالى صالحا وسمى الله عليا صالحا بقوله تعالى (وصالح المؤمنين) * (3) وقد سبق قوله الفريقين بذلك في الفصل الخامس والثلاثين.


1. سورة ص: 35. 2. سورة المائدة: 55. 3. سورة التحريم: 4. (*)

[ 663 ]

وأخرج صالح ناقة الله وسقياها، وأخرج علي من الجبل ثمانين ناقة وقضى بها دين رسول الله صلى الله عليه وآله، والقصة مذكورة بالفصل السابق. مساواته مع عيسى عليه السلام: [ كان ] ولادة عيسى مكانا قصيا، وولادة علي في جوف الكعبة. عيسى نزلت عليه المائدة من السماء وعلي نزلت عليه المائدة من الجنة، وقد سبق القول في ذلك برواية أهل المذاهب الأربعة في الفصل الخامس. قال الله في عيسى عليه السلام * (ويعلمه الكتاب) * (1) وقال في علي * (ومن عنده علم الكتاب) * (2). وقال عيسى * (وأحيى الموتى بإذن الله) * (3) وعلي أحيى سام بن نوح وأصحاب الكهف والرقيم والجمجمة. واختلفت الأمة في عيسى عليه السلام، قالت اليعقوبية هو الله تعالى، وقالت النسطورية هو ابن الله، وقالت الإسرائيلية هو ثالث ثلاثة، وقالت اليهود هو كذاب ساهر، وقال المسلمون هو عبد الله كما قال عيسى * (إني عبد الله) * (4). وأما علي عليه السلام قالت الغلاة إنه المعبود، وقالت الخوارج إنه كافر، وقال قوم إنه رابع، وقالت الشيعة إنه المقدم، ولأجل


1. سروة آل عمران: 48. 2. سورة الرعد: 43. 3. سورة آل عمران: 49. 4. سورة مريم: 30. (*)

[ 664 ]

ذلك قال النبي عليه السلام: إنه أشبه الخلق بعيسى بن مريم، وقد مضى القول في ذلك في الفصل الثامن والعشرين. مساواته محمد صلوات الله عليهما: محمد سيد الأنبياء علي سيد الأوصياء. ركب النبي البراق ليلة المعراج ركب علي كتف النبي عليه السلام ليلة كسر الأصنام بقول الفريقين في الفصل الثالث والأربعين. محمد خاتم الأنبياء علي خاتم الأوصياء. وعلامة النبوة في كتف محمد علامة الشجاعة في ساعدي علي عليهما السلام، وقد ذكرت مساوات له صلى الله عليه وآله في عدة أشياء في الفصل الثالث والعشرين. مساواته مع عظماء الأنبياء عليهم السلام: روى أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق بن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في حلمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى عيسى في سمته، وإلى محمد في تمامه وكماله وجماله، فلينظر إلى ذا الرجل المقبل. قال: فتطاول الناس أعناقهم وإذا هم بعلي عليه السلام، كأنما ينقب في صب وينحط من جبل. وهذا الحديث بعينه رواه ابن بطة في الإبانة مسندا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله. ورواه أنس إيضا، إلا أنه قال: وإلى إبراهيم في خلته، وإلى يحيى في زهده، وإلى موسى في بطشه فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

[ 665 ]

وروى جدي رحمه الله في نخبه حديثا مسندا إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي بن أبي طالب: شبهت لينه بلين لوط، وخلقه بخلق يحيى، وزهده بزهد أيوب، وسخاءه بسخاء إبراهيم، وبهجت ببهجة سليمان، وقوته بقوة داود. وفي فردوس الديلمي عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى يباهي بعلي بن أبي طالب كل يوم الملائكة المقربين حتى يقولوا: بخ بخ، هينئا لك يا علي.

[ 667 ]

الفصل الثامن والأربعون في أن مناقب علي عليه السلام وقضاياه لا تحصى كثرة أما بعد، فإن الذي ذكرت من مناقب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وفضائله ودلائله في هذا الجزء إنما هي قطرة من بحار متلاطمة أمواجها متقاذفة أثباجها، عظمت لجتها برضاع النبوة فأزبدت أواذيها بكأس الرسالة فاستفحلت، وصفا ضياؤها بنور المعرفة فأشرقت، فحينئذ فضائله ودلائله يقصر عن حصرها باع الإحصاء، ولا طريق لأحد إلى استيفائها واستقصائها، ومن رام ذلك فقد رام مس الشمس ورد ما فات بالأمس. روى جدي في نخبه قال: إن في حديث أبي جعفر الدوانيقي أنه سأل الأعمش: كم حديث ترويه في فضائل علي عليه السلام ؟ فقال: عشرة آلاف حديث. قال: وقال رجل لابن عباس: ما أكثر مناقب علي وفضائله، إني لأحسبها ثلاثة آلاف. فقال: أولا تقول إنها إلى ثلاثين ألفا أقرب. وروى عن السيد المرتضى قدس الله روحه أنه قال: سمعت شيخا مقدما في الرواية من أصحاب الحديث يقال له أبو حفص عمر بن شاهين يقول: إني جمعت من فضائل علي عليه السلام خاصة ألف جزء - يعني بها

[ 668 ]

الكراريس. وأما ابن عبد ربه صاحب كتاب الإستيعاب قد ذكر فضائل جليلة لعلي عليه السلام ثم اعترف بالعجز عن حصرها. وقال أحمد بن حنبل في مسنده: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما جاء لعلي عليه السلام. وروى الفقيه أبو جعفر ابن شهر آشوب رحمه الله قال: حدثني القاضي الزينبي البغدادي بإسناد له عن الليث عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لو أن الغياض أقلام والبحر مداد والجن حساب والإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب. وروى الخوارزمي في الأربعين بروايته عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله تعالى جعل لأخي علي بن أبي طالب فضائل لا تحصى عددها كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولو وافى القيامة بذنوب الثقلين، ومن كتب فضيلة من فضائل علي لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالإستماع، ومن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر. وروى حجة الإسلام ناصر بن أبي المكارم المطرزي الخوارزمي صاحب كتاب المغرب والإيضاح في شرح المقامات - وهو من أعيانهم - قال: حدثنا صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي ثم الخوارزمي ورفع السند إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أن الغياض أقلام والبحر مداد والجن حساب والانس كتاب ما

[ 669 ]

أحصوا فضائل علي بن أبي طالب. وقال العوني رحمه الله: ولو كانت الآجام كل بأسرها * تقطع أقلام وتبرى وتحصر وكانت سماء الله والأرض كاغذ * وكانت بأمر الله تطوى وتنشر وكان جميع الجن والإنس يكتبوا * وكان مداد القوم سبعة أبحر لكلت أياديهم وحال مدادهم * ولم يؤت عشر العشر من فضل حيدر وعوتب المتنبي في ترك ذكر المناقب فقال: وتركت مدحي للوصي تعمدا * إذ كان نورا مستطيلا شاملا استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالإستماع، ومن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر. وروى حجة الإسلام ناصر بن أبي المكارم المطرزي الخوارزمي صاحب كتاب المغرب والإيضاح في شرح المقامات - وهو من أعيانهم - قال: حدثنا صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي ثم الخوارزمي ورفع السند إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أن الغياض أقلام والبحر مداد والجن حساب والانس كتاب ما

[ 669 ]

أحصوا فضائل علي بن أبي طالب. وقال العوني رحمه الله: ولو كانت الآجام كل بأسرها * تقطع أقلام وتبرى وتحصر وكانت سماء الله والأرض كاغذ * وكانت بأمر الله تطوى وتنشر وكان جميع الجن والإنس يكتبوا * وكان مداد القوم سبعة أبحر لكلت أياديهم وحال مدادهم * ولم يؤت عشر العشر من فضل حيدر وعوتب المتنبي في ترك ذكر المناقب فقال: وتركت مدحي للوصي تعمدا * إذ كان نورا مستطيلا شاملا وإذا استطال الشئ قام بذاته * وكذا صفات الشمس تذهب باطلا وقال: فلو كانت سماء الله صحفا * ونبت الأرض أقلاما لباري وأبحره الغزار يغضن مدا * وأيدي الخلق تكتب باقتدار لما كتبوا الفضائل في علي * بحد يعلموه ولا اقتصار تمت بعون الله تعالى وحفظه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية