الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




اللهوف في قتلى الطفوف- السيد ابن طاووس الحسني

اللهوف في قتلى الطفوف

السيد ابن طاووس الحسني


[ 1 ]

مقتل الحسين عليه السلام المسمى باللهوف في قتلى الطفوف

[ 2 ]

الانوار الهدى تلفن: 742346 فاكس: 377880 ايران، قم، ارم، باساج القدس الطابق الارضى، رقم 75 ص. ب 3717 / 37185

[ 3 ]

مقتل الحسين عليه السلام المسمى باللهوف في قتلى الطفوف تأليف على بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسينى المتوفى 664 ه‍ ويليه كتاب: حكاية المختار في أخذ الثأر برواية أبى مخنف

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلى على محمد وال محمد

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتجلى لعباده من أفق الألباب، المجلى عن مراده بمنطق السنة والكتاب، الذى نزه اوليائه عن دار الغرور، وسما بهم إلى أنوار السرور، ولم يفعل ذلك بهم محاباة لهم على الخلائق، ولا إلجاء لهم إلى جميل الطرائق، بل عرف منهم قبولا للألطاف، وإستحقاقا لمحاسن الأوصاف، فلم يرض لهم التعلق بحبال الإهمال، بل وفقهم للتخلق بكمال الأعمال، حتى فرغت نفوسهم عمن سواه، وعرفت أرواحهم شرف رضاه، فصرفوا أعناق قلوبهم إلى ظله، وعطفوا آمالهم نحو كرمه وفضله، فترى لديهم فرحة المصدق بدار بقائه، وتنظر إليهم مسحة المشفق من أخطار لقائه، ولا تزال أشواقهم متضاعفة إلى ما قرب من مراده، وأريحيتهم مترادفة نحو إصداره وإيراده، وأسماعهم مصغية إلى

[ 6 ]

إستماع أسراره وقلوبهم مستبشرة بحلاوة تذكاره، فحياهم منه بقدر ذلك التصديق، وحباهم من لدنه حباء البر الشفيق، فما أصغر عندهم كل ما أشغل عن جلاله، وما أتركهم لكل ما باعد من وصاله، حتى أنهم يتمتعون بأنس ذلك الكرم والكمال، ويكسوهم أبدا حلل المهابة والجلال، فإذا عرفوا أن حياتهم مانعة عن متابعة مرامه، وبقائهم حائل بينهم وبين إكرامه، خلعوا أثواب البقاء، وقرعوا أبواب اللقاء، وتلذذوا في طلب ذلك النجاح، ببذل النفوس والأرواح، وعرضوها لخطر السيوف والرماح، والى ذلك التشريف الموصوف سمت نفوس أهل الطفوف، حتى تنافسوا في التقدم إلى الحتوف، وأضحوا نهب الرماح والسيوف، فما أخصهم بوصف السيد المرتضى علم الهدى، رضوا الله عليه وقد مدح من أشرنا إليه فقال: نفوس على الرمضاء مهملة * وأنفس في جوار الله يقربها كأن قاصدها بالضر نافعها * وإن قاتلها بالسيف محييها ولولا إمتثال أمر السنة والكتاب، في لبس شعار الجزع والمصاب، لأجل ما طمس من اعلام الهداية، وأسس من أركان الغواية، وتأسفا على ما فاتنا من السعادة، وتلفها على إمتثال تلك الشهادة، وإلا كنا قد

[ 7 ]

لبسنا لتلك النعمة الكبرى أثواب المسرة والبشرى. وحيث في الجزع رضا لسلطان المعاد وغرض لأبرار العباد، فها نحن قد لبسنا سربال الجزوع وأنسنا بإرسال الدموع. وقلنا للعيون جودى بتواتر البكاء وللقلوب جدى جدثوا كل النساء، فإن ودائع الرسول صلى عليه واله وسلم الرؤوف أبيحت يوم الطفوف، ورسوم وصيته بحرمه وأبنائه طمست بأيدى أممه وأعدائه. فيالله من تلك الفوادح المقرحة للقلوب، والجرائع المصرخة بالكروب، والمطائب المصغرة لكل بلوى، والنوائب المفرقة شمل التقوى والسهام التى أراقت دم الرسالة والأيدى التى ساقت سبى الجلالة والزرية التى نكست رؤوس الأبدال والبلية التى سلبت نفوس خير الال، والشماتة التى ركست أسود الرجال، والفجيعة التى بلغ رزؤها الى جبرائيل، والفظيعة التى عظمت على الرب الجليل. وكيف لا يكون ذلك وقد أصبح لحم رسوله مجردا على الرمال، ودمه الشريف مسفوكا بسيوف أهل الضلال، ووجوه بناته مبذولة لعين السائق والشامت، وسلبهن بمنظر من الناطق والصامت، وتلك الأبدان المعظمة عارية من الثياب، والأجساد المكرمة جاثية على التراب.

[ 8 ]

مصائب بددت شمل النبي ففى * قلب الهدى أسهم يطفن بالتلف وناعيات إذا مامل من وله * سرت عليه بنار الحزن والأسف فيا ليت فاطمة وأبيها عينا تنظر إلى بناتها، وبنيها مابين مسلوب وجريح ومسحوب وذبيح، وبنات النبوة مشققات الجيوت، ومفجوعات بفقد المحبوب، وناشرات للشعور، وبارزات من الخدور، ولاطمات للخدود، وعادمات للجدود، ومبديات للنياحة والعويل، وفاقدات للمحامي والكفيل، فيا أهل البصائر من الأنام، ويا ذوي النواظر والافهام، حدثوا أنفسكم بمصارع هاتيك العترة، ونوحوا بالله لتلك الوحدة والكثرة، وساعدوهم بموالاة الوجد والعبرة، وتأسفوا على فوات تلك النصرة، فإن نفوس أولئك الأقوام، ودائع سطان الأنام، وثمرة فؤاد الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وقرة عين البتول، ومن كان يرشف بفمه الشريف ثنايا هم ويفضل على امه أمهم وأباهم. إن كنت في شك فسل عن حالهم * سنن الرسول ومحكم التنزيل فهناك أعدل شاهد لذوى الحجى * وبيان فضلهم على التفصيل ووصية سبقت لأحمد فيهم * جائت إليه على يدي جبريل فيكف طاب للنفوس مع تدانى الأزمان، مقابلة احسان أبيهم بالكفران وتكدير عيشه بتعذيب ثمرة فؤاده،

[ 9 ]

وتصغير قدره بإراقة دماء أولاده، وأين موضع القبول لوصاياه بعترته وآله. وما الجواب عند لقائه وسؤاله. وقد هدم القوم ما بناه. ونادى الإسلام واكرباه. فيا لله من قلب لا ينصدع لتذكار تلك الأمور. ويا عجباه من غفلة أهل الدهور. وما عذر أهل الإسلام والايمان. في إضاعة أقسام الاحزان. ألم يعلموا أن محمدا صلى الله عليه واله وسلم موتور وجيع. وحبيبه مقهور صريع. والملائكة يعزونه على جليل مصابه. والأنبياء يشاركونه في أحزانه وأوصا به. فيا أهل الوفاء لخاتم الأنبياء علام لا تواسونه في البكاء، بالله عليك أيها المحب لوالد الزهراء، نح معها على المنبوذين بالعراء، وجد ويحك بالدموع السجام. وابك على ملوك الإسلام، لعلك تحوز ثواب المواسى في المصاب، وتفوز وبالسعادة يوم الحساب. فقد روى عن مولانا الباقر عليه السلام أنه قال كان زين العابدين عليه السلام يقول أيما مؤمن زرفت عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتى تسيل على خده بوأه الله غرفا في الجنة يسكنها أحقابا وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدينا بواه الله منزل صدق وأيما مؤمن مسه اذى فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخط النار.

[ 10 ]

وروى مولانا الصادق عليه السلام انه قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر. وروى أيضا عن آل الرسول عليهم السلم أنهم قالوا من بكى أو أبكى فينا مائة ضمنا له على الله الجنة، ومن بكى أو أبكى خمسين فله الجنة، ومن بكى أو أبكى ثلاثين فله الجنة، ومن بكى أو أبكى عشرة فله الجنة، ومن بكى أو أبكى واحدا فله الجنة ومن تباكى فله الجنة قال على بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسينى جامع هذا الكتاب. إن من أجل البواعث لنا على سلوك هذا الكتاب، إننى لما جمعت كتاب مصباح الزائر وجناح المسافر، ورأيته قد إحتوى على اقطار محاسن الزيارات، ومختار أعمال تلك الاوقات فحامله مستغعن عن نقل مصباح لذلك الوقت الشريف، أو حمل مزار كبير أو لطيف. أحببت أيضا أن يكون حامله مستغنيا عن نقل مقتل في زيارة عاشوراء إلى مشهد الحسين عليه السلام فوضعت هذا الكتاب ليضم إليه وقد جمعت هاهنا ما يصلح لضيق وقت الزوار وعدلت عن الاطالة والاكثار وفيه غنية لفتح أبواب الاشجان وبغية لنجح

[ 11 ]

أرباب الإيمان فإننا وضعنا في أجساد مغناه روح ما يليق بمعناه وقد ترجمته بكتاب اللهوف على قتلى الطفوف ووضعته على ثلاث مسالك مستعينا بالروف المالك.

[ 12 ]

المسلك الاول في الامور المتقدمة على القتال ولادة الامام الحسين (ع) كان مولد الحسين عليه السلام لخمس ليال خلون من شعبان أرب من الهجرة وقيل اليوم الثالث منه وقيل في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاثة من الهجرة. وروى غير ذلك ولما ولد هبط جبرائيل عليه السلام ومعه ألف ملك يهنون النبي صلى الله عليه واله وسلم بولادته وجاءت به فاطمة عليه السلام الى النبي صلى الله عليه واله وسلم فسر به وسماه حسينا. قال ابن عباس: في الطبقات أنبأنا عبد الله بن بكربن حبيب السهمى قال: أنبانا حاتم بن صنعة قال قالت أم الفضل زوجة العباس رضوان الله عليه، رأيت في منامي قبل مولده كأن قطعة من لحم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قطعت فوضعت في حجري ففسرت ذلك على رسول

[ 13 ]

الله صلى الله عليه واله وسلم، فقال: يا أم الفضل رأيت خيرا إن صدقت رؤياك فإن فاطمة ستلد غلاما وأدفعه إليك لترضعيه. قالت: فجرى الأمر على ذلك فجئت به يوما إليه فوضعته في حجره فبينما هو يقبله فبال فقطرت من بوله قطرة على ثوب النبي صلى الله عليه واله وسلم فقر صته فبكى، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم كالمغضب مهلا يا أم الفضل فهذا ثوبي يغسل وقد أوجعت إبنى، قالت: فتركته في حجره وقمت لآتيه بماء فجئت فوجدته صلى الله عليه واله وسلم يبكى، فقلت: مم بكائك يا رسول الله فقال صلى الله عليه واله وسلم: إن جبرائيل أتانى فأخبرني إن أمتى تقتل ولدى هذا لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. قال رواة الحديث. فلما أتت على الحسين عليه السلام من مولده سنة كاملة هبط على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إثنى عشر ملكا أحد هم على صورة الأسد، والثانى على صورة الثور، والثالث على صورة التنين، والرابع على صورة ولد آدم، والثمانية الباقون على صور شتى محمرة وجوههم باكية عيونهم قد نشروا أجنحتهم وهم يقولون، يا محمد صلى الله عليه واله وسلم سينزل بولدك الحسين عليه السلام ابن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل وسيعطي مثل أجر هابيل ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل ولم يبق في السموات ملك مقرب إلا ونزل إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم كل يقرئه السلام ويعزيه

[ 14 ]

في الحسين عليه السلام ويخبره بثواب ما يعطى ويعرض عليه تربته والنبى صلى الله عليه واله وسلم يقول: اللهم اخذل من خدله واقتل من قتله ولا تمتعه بما طلبه. قال فلما أتى على الحسين عليه السلام من مولده سنتان خرج النبي صلى الله عليه واله وسلم في سفر له فوقف في بعض الطريق وإسترجع ودمعت عيناه فسئل عن ذلك. فقال: هذا جبرائيل عليه السلام يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها كربلاء يقتل عليها ولدي الحسين ابن فاطمة عليه السلام فقيل له: من يقتله يا رسول الله ؟ فقال: رجل إسمهه يزيد لعنه الله وكأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه، ثم رجع من سفره ذلك مغموما فصعد المنبر فخطب ووعظ والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحسين، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: (اللهم إن محمدا عبدك ونبيك وهذان أطائب عترتي وخيار ذريتي. وأرومتى ومن أخلفهما في امتى وقد اخبرني جبرائيل عليه السلام أن ولدي هذا مقتول مخذور. اللهم فبارك له في قتله واجعله من سادات الشهداء اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله.) قال: فضج الناس في المسجد بالبكاء والنحيب، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم أتبكونه ولا

[ 15 ]

تنصرونه ثم رجع صلى الله عليه واله وسلم وهو متغير اللون محمر الوجه فخطب خطبة اخرى موجزة وعينا تنهملان دموعا، ثم قال: (أيها الناس إنى قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتى وأرومتى ومزاج مائى وثمرة فؤادى ومهجتي لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ألا وإنى انتظر هما وإنى لا أسئلكم في ذلك إلا ما أمرنى ربى، أمرنى ربى أن أسئلكم المودة في القربى فانظروا كيف تلقوني غدا على الحوص وقد أبغضتم عترتي وظلمتوهم ألا وإنه سترد على يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة. الاولى: سوداء مظلمة قد فزعت له الملائكة فتقف على فأقول: من أنتم ؟ فينسون ذكرى، ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب فأقول لهم: أنا أحمد بنى العرب والعجم فيقولون: نحن من أمتك يا أحمد فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدى في أهلى وعترتي وكتاب ربى ؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعناه وأما عترتك فحرصنا على أن نبيد هم عن آخر هم عن جديد الأرض فأولى عنهم وجهى فيصدرون ظما عطاشا مسودة وجوههم. ثم ترد على راية أخرى أشد سوادا من الاولى فاقول

[ 16 ]

لهم: كيف خلفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر كتاب ربى وعترتي ؟ فيقولون: أما الأكبر فخالفنا وأما الأصغر فخذلنا هم ومزقنا هم كل ممزق فأقول: إليكم عنى: فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم. ثم برد على راية اخرى تلمع وجوههم نورا فأقول لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى نحن أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم ونحن بقية أهل الحق حملنا كتاب ربنا فأحللنا حلاله وحرمنا حرامه وأحببنا ذرية نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم فنصرنا هم من كل ما نصرنا منه أنفسنا وقاتلنا معهم من ناواهم فأقول لهم: إبشروا فأنا نبيكم محمد صلى الله عليه واله وسلم ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم ثم أسقيهم من حوض فيصدرون مرويين مستبشرين ثم يدخلون الجنة خالدين فيها أبد الابدين. أخذ بيعة الحسين عليه السلام ليزيد. قال وكان الناس يتعاودون ذكر قتل الحسين عليه السلام وسيتعظمونه وير تقبون قدومه فلما توفى معاوية بن أبى سفيان (لع) وذلك في رجب سنة ستين من الهجرة كتب يزيد الى الوليد بن عتبة وكان أمير المدينة يأمره بأخذ البيعة على أهلها عامة وخاصة على الحسين عليه السلام ويقول له إن أبى عليك فاضرب عنقه وأبعث إلى برأسه فاحضر الوليد

[ 17 ]

المروان واستشاره في امر الحسين عليه السلام فقال آنه لا يقبل ولو كنت مكانك لضربت عنقه فقال الوليد ليتنى لم أك شيئا مذكورا ثم بعث الى الحسين عليه السلام فجائه في ثلاثين رجلا من أهل بيته ومواليه فنعى الوليد إليه موت معاوية وعرض عليه البيعة ليزيد، فقال: أيها الأمير إن البيعة لا تكون سرا ولكن إذا دعوت الناس غدا فادعنا معهم، فقال مروان: لا تقبل أيها الأمير عذره ومتى لم يبايع فاضرب عنقه فغضب الحسين عليه السلام ثم قال: ويل لك يابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي كذبت والله ولؤمت ثم أقبل على الوليد فقال: أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلى لا يبايع مثله. ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة. ثم خرج عليه السلام فقال مروان للوليد عصيتني ! فقال: ويحك إنك أشرت إلى بذهاب دينى ودنياى والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها وإنني قتلت حسينا والله ما أظن أحدا يلقى الله بدم الحسين عليه السلام إلا وهو خفيف الميزان لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

[ 18 ]

قال: وأصبح الحسين عليه السلام فخرج من منزله يستمع الاخبار فلقيه مروان فقال له: يا أبا عبد الله إنى لك ناصح فأطعني ترشد، فقال الحسين عليه السلام وما ذاك قل حتى أسمع ! فقال مروان: إنى آمرك ببيعة يزيد بن معاوية فإنه خير لك في دينك ودنياك. فقال الحسين عليه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعون وعلى الاسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد ولقد سمعت جدى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول الخلافة محرمة على أبى سفيان وطال الحديث بينه وبين مروان حتى إنصرف مروان وهو غضبان يقول على بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس مؤلف هذا الكتاب: والذى تحققناه أن الحسين عليه السلام كان عالما بما إنتهت حاله إليه وكان تكليفه ما إعتمد عليه. أخبرني جماعة وقد ذكرت أسمائهم في كتاب غياث سلطان الورى لسكان الثرى بإسنادهم إلى أبى جعفر محمد بن بابويه القمى فيما ذكر في أماليه بإسناده الى المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن جده عليهم السلام أن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام دخل يوما على الحسن عليه السلام فلما نظر إليه بكى.

[ 19 ]

فقال: ما يبكيك ؟ قال: أبكى لما يصنع بك. فقال الحسن عليه السلام إن الذى يؤتى إلى سم يدس إلى فأقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله عليه السلام يزدلف إليك ثلاثون الف رجل يدعون إنهم من أمة جدنا محمد صلى الله عليه واله وسلم وينتحلون الاسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وإنتهاك حرمتك وسبى ذراريك ونسائك وإنتهاب ثقلك فعندها يحل الله ببنى امية اللعنة وتمطر السماء دما ورمادا ويبكى عليك كل شئ حتى الوحوش والحيتان في البحار. وحدثني جماعة منهم من أشرت إليه بإسنادهم الى عمر النسابة رضوان الله عليه فيما ذكره في آخر كتاب الشافي في النسب بإسناده إلى جده محمد بن عمر قال: سمعت أبى عمر بن على بن أبى طالب عليه السلام يحدث أخوالى آل عقيل قال: لما إمتنع أخى الحسين عليه السلام عن البيعة ليزيد بالمدينة، دخلت عليه فوجدته خاليا فقلت له: جعلت فداك يا ابا عبد الله، حدثنى أخوك أبو محمد الحسن عن أبيه عليهما السلام ثم سبقتني الدمعة وعلا شهيقي فضمني إليه وقال: (حدثك انى مقتول فقلت: حوشيت يابن رسول الله، فقال: (سألتك بحق أبيك بقتلى خبرك فقلت: نعم فلولا ناولت وبايعت، فقال:

[ 20 ]

حدثنى أبى أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اخبره بقتله وقتلى وأن تربتي تكون بقرب تربته فتظن إنك علمت ما لم أعلمه وإنه لا أعطى الدنيا عن نفسي أبدا ولتلقين فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذريتها من أمته ولا يدخل الجنة أحد آذاها في ذريتها. أقول ولعل بعض من لا يعرف حقائق شرف السعادة بالشهادة يعتقد أن الله لا يتعبد بمثل هذه الحالة أما سمع في القرآن الصادق المقال أنه تعبد قوما بقتل أنفسهم فقال تعالى: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم). ولعله يعتقد أن معنى قوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) انه هو القتل وليس الأمر كذلك وإنما التعبد به من أبلغ درجات السعادة ولقد ذكر صاحب المقتل المروى عن مولانا الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية من ما يليق بالعقل، فروى عن أسلم قال: غزونا نهاوند وقال غيرها واصطفينا والعدو صفين أر أطول منهما ولا أعرض والروم قد الصقوا ظهور هم بحائط مدينتهم فحمل رجل منا على العدو فقال الناس: لا إله إلا الله القى نفسه الى التهلكة. فقال أبو أيوب الانصاري إنما تؤولون هذه الآية على أن حمل هذا الرجل يلتمس الشهادة، وليس كذلك

[ 21 ]

إنما نزلت هذه الآية فينا لأنا كنا قد إشتغلنا بنصرة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتركنا أهالينا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلح ما فسد منها فقد ضاعت بتشا غلنا عنها فأنزل الله أنكال لما وقع في نفوسنا من التخلف عن نصرة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا صلاح أموالنا (ولا تلقوا بأيد بكم الى التهلكة) معناه إن تخلفتم عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأقمتم في بيوتكم القيتم بأيديكم إلى التهلكة وسخط الله عليكم فهلكتم. وذلك رد علينا فيما قلنا وعزمنا عليه من الاقامة وتحريض لنا على الغزو وما أنزلت هذه الآية في رجل حمل العدو ويحرض أصحابه أن يفعلوا كفعله أو يطلب الشهادة بالجهاد في سبيل الله رجاء الثواب الآخرة. أقول: وقد نبهناك على ذلك في خطبة هذا الكتاب وسيأتى ما يكشف عن هذه الأسباب. قال رواة حديث الحسين عليه السلام مع الوليد بن عتبة ومروان فلما كان الغداة توجه الحسين عليه السلام إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين فأقام بها باقى شعبان وشهر رمضان وشوال وذى القعدة قال: وجاء عبد الله بن عباس رضوان الله عليه وعبد الله بن الزبير فأشارا إليه بالامساك. فقال لهما ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد أمرنى بأمر

[ 22 ]

وأنا ماض فيه. قال: فخرج ابن عباس وهو يقول واحسيناه. ثم جاء عبد الله بن عمر فأشار إليه بصلح أهل الضلال وحذره من القتل والقتال فقال له: يا أبا عبد الرحمن أما علمت أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا أهدى إلى بغى من بغايا بنى إسرائيل أما تعلم إن بنى إسرائيل كانوا يقتلوا ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل أمهلهم وأخذ هم بعد ذلك أخذ عزيز ذى انتقام اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي. قال: وسمع أهل الكوفة بوصول الحسين عليه السلام الى مكة وإمتناعه من البيعة ليزيد فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعى فلما تكاملوا قام سليمان بن صرد فيهم خطيبا وقال في آخر خطبته: يا معشر الشيعة إنكم قد علمتم بأن معاوية قد هلك وصار الى ربه وقدم على عمله وقد قعد في موضعه إبنه يزيد وهذا الحسين بن على عليهما السلام قد خالفه وصار الى مكة هاربا من طواغيت آل أبى سفيان وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم فإن كنتم تعلمون إنكم

[ 23 ]

ناصروه ومجاهدوا عدوه فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه قال فكتبوا إليه. كتب أهل الكوفة للحسين (ع). قال: فكتبوا (بسم الله الرحمن الرحيم).. للحسين بن على أمير المؤمنين، من سليمان بن صرد الخزاعى، والمسيب بن نجية، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر، وعبد الله بن وائل، وشيعة من المؤمنين، سلام عليك. أما بعد فالحمد الله الذى قصم عدوك وعدو أبيك من قبل الجبار العنيد الغشوم الظلموم الذى ابتز هذه الأمة أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها فبعدا له كما بعدت ثمود ثم إنه ليس علينا إمام غيرك فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق والنعمان بن بشير في قصر الامارة ولسنا نجمع معه في جمعة ولا جماعة ولا نخرج معه في عيد ولو قد بلغنا إنك أقبلت أخرجناه حتى يلحق بالشام والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يابن رسول الله وعلى أبيك من قبلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ]

[ 24 ]

ثم سرحوا الكتاب ولبثوا يومين وأنفذوا جماعة معهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل والإثنين والثلاثة والاربعة، يسئلونه القدوم عليهم وهو مع ذلك يتأنى ولا يجيبهم فورد عليه في يوم واحد سنتمائة كتاب وتواترت الكتب حتى إجتمع عنده منها في نوب متفرقة إثنى عشر ألف كتاب. قال ثم قدم عليه بعد ذلك هاني بن هاني السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفي، بهذا الكتاب وهو آخر ما ورد على الحسين عليه السلام من أهل الكوفة وفيه. بسم الله الرحمن الرحيم. للحسين بن على أمير المؤمنين عليه السلام. أما بعد فإن الناس ينتظرونك لا رأى لهم غيرك فالعجل العجل يابن رسول الله، فقد إخضرت الجنات، وأينعت الثمار، وأعشبت الارض، وأورقت الاشجار، فاقدم علينا إذا شئت فإنما تقدم على جند مجندة لك. والسلام عليك ورحمة الله وعلى أبيك من قبلك. فقال الحسين عليه السلام لهانى بن هاني السبيعى. وسعيد بن عبد الله الحنفي: خبرانى من أجتمع على

[ 25 ]

هذا الكتاب الذى كتب به إلى معكما ؟ فقالا: يابن رسول الله شبث بن ربعى، رحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمير بن عطارد. قال: فعندها قال الحسين عليه السلام فصلى ركعتين بين الركن والمقام وسأل الله الخيرة في ذلك ثم طلب مسلم بن عقيل وأطلعه على الحال وكتب معه جواب كتبهم يعدهم بالقبول ويقول ما معناه. قد نفذت إليكم ابن عمى مسلم بن عقيل ليعرفني ما أنتم عليه من رأى جميل فسار مسلم بالكتاب حتى وصل بالكوفة فلما وقفوا على كتاب إستبشار هم بإيابه ثم أنزلوه في دار المختار بن أبى عبيدة الثقفى، وصارت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمع إليه منهم جماعة قرا عليهم كتاب الحسين عليه السلام، وهم يبكون حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا. وكتب عبد الله بن مسلم الباهلى، وعمارة بن وليد، وعمر بن سعد، الى يزيد يخبرونه بأمر مسلم ويشيرون عليه بصرف النعمان بن بشير وولاية غيره. فكتب يزيد الى عبيد الله بن زياد وكان واليا على البصرة بأنه قد ولاه الكوفة وضمها إليه وعرفه أمر

[ 26 ]

مسلم بن عقيل وأمر الحسين عليه السلام وشدد عليه في تحصيل مسلم وقتله رضوان الله عليه فتأهب عبيد الله للمسير إلى الكوفة وكان الحسين عليه السلام قد كتب الى جماعة من أشراف البصرة كتابا مع مولى له إسمه سليمان ويكنى أبا رزين يدعوهم فيه الى نصرته ولزوم طاعته منهم يزيد بن مسعود النهشلي والمنذر بن الجارود العبدى، فجمع يزيد بن مسعود بنى تميم وبنى حنظلة وبنى سعد فلما حضروا قال: يا بنى تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم ؟ فقالوا: بخ بخ أنت الله فقرة الظهر ورأس الفخر حللت في الشرف وسطا وتقدمت فيه فرطا، قال، فإنى قد جمعتكم لأمر أريد أن أشارو كم فيه وأستعين بكم عليه فقالوا: إنا والله نمنحك النصيحة نجهد لك الرأى، فقل حتى نسمع فقال: إن معاوية مات فأهون به والله هالكا ومفقودا الا وإنه قد انكسر باب أحد بيعة عقد بها أمرا ظن انه قد أحكمه وهيهات والذى أراد إجتهد والله ففشل وشاور فخذل وقد قام إبنه يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدعى الخلافة على المسلمين ويتآخر عليهم بغير رضى منهم مع قصر حلم وقله علم لا يعرف من الحق موطى قدميه، فاقسم بالله قسما مبرورا لجهاده

[ 27 ]

على الدين أفضل من جهاد المشركين وهذا الحسين بن على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذو الشرف الأصيل، والرأى الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف وهو اولى بهذا الأمر لسابقته، وسنه، وقدمه، وقرابته، يعطف على الصغير ويحنوا على الكبير، فأكرم به راعى رعية وإمام قوم وحببت لله به الحجة وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحق، ولا تسكعوا في وهذا الباطل، فقد كان صخر بن قيس إنخذل بكم يوم الجمل فاغسلواها بخروجكم الى ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ونصرته والله لا يقصر أحد عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده والقلة في عشيرته وها أناذا قد لبست للحرب في ولده والقلة في عشيرته وها أناذا قد لبست للحرب لامتها وأدرعت لها بدرعها من لم يقتل يمت ومن يهرب لم يفت فاحسنوا رحمكم الله رد الجواب فتكلمت بنو حنظلة فقالوا: أبا خالد نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك إن رميت بنا أصبت وإن غزوت بنا فتحت لا تخوض والله غمرة إلا خضناها ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها ننصرك والله بأسيافنا ونقيك بأبداننا إذا شئت فافعل وتكلمت بنو سعد بن يزيد، فقالوا: يا أبا خالد، إن أبغض الاشياء إلينا خلافك والخروج من رأيك وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقى عزنا فينا فامهلنا نراجع المشهورة وناتيك

[ 28 ]

برأينا، وتكلمت بنو عامر بن تميم، فقالوا: يا أبا خالد نحن بنوا أبيك وحلفائك لا نرضى إن غضبت ولا نوطن إن ظعنت والامر إليك فادعنا نجبك وأمرنا نطعك والامر لك إذا شئت. فقال: والله يا بنى سعد لئن فعلتموها لارفع الله السيف عنكم أبدا ولا زال سيفكم فيكم. ثم كتب الى الحسين عليه السلام. [ بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد: فقد وصل كتابك وفهمت ما ندبتنى إليه ودعوتني له من الاخذ بحظى من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك وإن الله لا يخل الارض قط من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة وأنتم حجة الله على خلقه ووديعته في أرضه تفرعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها فأقدم سعدت بأسعد طائر فقد ذلك لك أعناق بنى تميم وتركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الابل الظماء لورود الماء يوم خمسها وكظها وقد ذلكت لك بنى سعد وغسلت دون صدورها بماء سحابة مزن حين إستهل برقها فلمع ]. فلما قرأ الحسين عليه السلام الكتاب قال مالك آمنك الله يوم الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر فلما تجهز

[ 29 ]

المشار إليه للخروج إلى الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير فخرج من إنقطاعه عنه. وأما المنذر بن الجارود فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد لأن المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد الله بن زياد وكانت بحرية بنت المنذر زوجة لعبيد الله بن زياد فأخذ عبيد الله بن زياد الرسول فصلبه ثم صعد المنبر فخطب وتوعد أهل البصرة على الخلاف وإثارة الأرجاف، ثم بات تلك الليلة، فلما أصبح إستناب عليهم أخاه عثمان بن زياد وأسرع هو إلى قصر الكوفة فلما قاربها نزل حتى أمسى، ثم دخلها اليلا فظن أهلها أنه الحسين عليه السلام فباشروا بقدومه ودنوا منه فلما عرفوا أنه ابن زياد تفرقوا عنه فدخل قصر الامارة وبات فيه الى الغداة، ثم خرج وصعد المنبر وخطبهم وتوعد هم على معصية السلطان ووعدهم مع الطاعة بالاحسان. مقتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة فلما سمع مسلم بن عقيل بذلك خاف على نفسه من الاشتهار فخرج من دار المختار وقصد دار هانئ بن عروة فآواه وكثر إختلاف الشيعة إليه وكان عبيد الله قد وضع المراصد عليه، فلما علم إنه في دار هاني دعا

[ 30 ]

محمد بن الاشعث وأسماء بن خارجة. وعمرو بن الحجاج وقال ما يمنع هاني بن عروة من إتياننا. فقالوا: ما ندرى وقد قيل انه يشتكى، فقال: قد بلغني ذلك وبلغني إنه قد برء وإنه يجلس على باب داره ولو أعلم أنه شاك لعدته فألقوه ومروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا فإنى لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب. فأتوه ووقفوا عليه عشية على بابه، فقالوا: ما يمنعك من لقاء الامير فإنه قد ذكرك، وقال، لو أعلم إنه شرك لعدته فقال، لهم الشكوى تمنعني فقالوا له: قد بلغه إنك تجلس كل عشية على باب دارك وقد إستبطاك والابطاء والجفاء لا يتحمله السلطان من مثلك لأنك سيد في قومك ونحن نقسم عليك إلا ما ركبت معنا فدعا بثيابه فلبسها، ثم دعا ببغلته فركبها حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه أحست ببعض الذى كان، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن أخى إنى والله لهذا الرجل الأمير لخائف فما ترى ! قال: والله يا عم ما أتخوف عليك شيئا ولا تجعل على نفسك سبيلا، ولم يكن حسان يعلم في أي شئ، بعث إليه عبيد الله فجاء هاني والقوم معه حتى دخلوا جميعا على عبيد الله فلما رأى هانيا قال: أتتك بخائن لك رجلا ثم التفت إلى شريح القاضى وكان جالسا عنده وأشار إلى هاني وأشد بيت

[ 31 ]

عمرو بن معدى كرب الزبيدى: أريد حياته ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد فقال له هاني: وما ذاك أيها الأمير ؟ فقال أيه يا هاني ما هذه الأمور التى تربص في دورك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين، جئت بمسلم بن عقيل وأدخلته في دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك وظننت إن ذلك يخفى على ! فقال: ما فعلت ؟ فقال ابن زياد: بلى قد فعلت، فقال: ما فعلت أصلح الله الأمير فقال ابن زياد: على بمعقل مولاى وكان معقل عينه على اخبارهم وقد عرف كثيرا من أسرارهم فجاء معقل حتى وقف بين يديه فلما رآه هاني عرف إنه كان عينا عليه فقال: أصلح الله الأمير والله ما بعثت إلى مسلم بن عقيل ولا دعوته ولكن جائنى مستجيرا فأجرته، فأستحيت من رده ودخلني من ذلك ذمام، فضيفته فلما إذ قد علمت فخل سبيلى حتى أرجع إليه. وآمره بالخروج من دارى إلى حيث شاء من الارض لاخرج بذلك من ذمامه وجواره فقال له ابن زياد: لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به، فقال: لا والله لا أجيئك به أبدا، أجيئك بضيفي حتى تقتله ! قال: والله لتأتينى به. قال: لا والله لا آتيك به. فلما كثر الكلام بينهما

[ 32 ]

قام مسلم بن عمرو الباهلى فقال: أصلح الله الأمير خلنى وإياه حتى أكلمه فقام فخلى به ناحية وهما بحيث يراهما ابن زياد ويسمع كلامهما إذا رفعا أصواتهما، فقال له مسلم: يا هاني أناشدك الله أن لا تقتل نفسك ولا تدخل البلاء على عشيرتك فوالله إنى لانفس بك عن القتل إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضاربيه فأدفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولام منقصة وإنما تدفعه إلى السلطان، فقال هاني: والله إن على بذلك الخزى والعار أنا أدفع جارى وضيفي ورسول ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأنا صحيح الساعدين كثير الأعوان والله لو لم أكن إلا واحد، وليس لى ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه فأخذ يناشده وهو يقول: والله لا أدفعه أبدا فسمع ابن زياد ذلك، فقال ابن زياد: ادنوه منى فأدنى منه فقال: والله لتأتينى به أو لأضربن عنقك... فقال هاني: إذن والله تكثر البارقة حول دارك... فقال ابن زياد: والهفاه عليك أبالبارقة تخوفنى ! وهانى يظن أن عشيرته يسمعونه ثم قال: أدنوه منى فأدنى منه فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى انكسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خده وجبينه على لحيته فانكسر القضيب، فضرب هاني بيده إلى قائم سيف شرطى

[ 33 ]

فجاذبه ذلك الرجل، فصاح إبن زياد: خذوه: فجروه حتى القوة في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه، فقال: اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام أسماء بن خارجة الى عبيد الله بن زياد وقيل إن القائم حسان بن أسماء. فقال ارسل غدر سائر القوم أيها الأمير أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به هشمت وجهه وسيلت دماء على لحيته وزعمت إنك تقتله فغضب ابن زياد، وقال: وأنت ها هنا ثم أمر به فضرب حتى ترك وقيد وحبس في ناحية من القصر. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى نفسي أنعاك يا هاني. قال الراوى: وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانيا قد قتل وكانت رويحة بنت عمرو هذا تحت هاني بن عروة فأقبل عمرو في مذحج كافة حتى أحاط بالقصر ونادى عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة وقد بلغنا أن صاحبنا هانيا قد قتل، فعلم عبيد الله بإجتماعهم وكلامهم فأمر شريحا القاضى أن يدخل على هاني فيشاهده، ويخبر قومه بسلامته من القتل ففعل ذلك وأخبر هم فرضوا بقوله وانصرفوا. قال وبلغ الخبر إلى مسلم بن عقيل فخرج بمن

[ 34 ]

بايعه إلى حرب عبيد الله بن زياد فتحصن منه الشام بقصر دار الامارة وإقتتل أصحابه وأصحاب مسلم وجعل أصحاب عبيد الله الذين معه في القصر يتشرفون منه ويحذرون أصحاب مسلم ويتوعدونهم بأجناد الشام فلم يزالوا كذلك، حتى جاء الليل فجعل أصجعل أصحاب مسلم يتفرقون عنه ويقول بعضهم لبعض ما نصنع بتعجيل الفتنة أن نقعد في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم فلم يبق معه سوى عشرة أنفس، فدخل مسلم المسجد ليصلى المغرب فتفرق العشرة عنه فلما رأى ذلك خرج وحيدا في دروب الكوفة حتى وقف على باب إمرأة يقال لها طوعة فطلب منها ماء فسقته ثم إستجارها فأجارته فعلم به ولدها فوشى الخبر بطريقة إلى إبن زياد فأحضر محمد بن الأشعت وضم إليه جماعة وأنفذه لاحضار مسلم فلما بلغوا دار المرأة وسمع مسلم وقع حوافر الخيل لبس درعه وركب فرسه وجعل يحارب أصحاب عبيد الله حتى قتل منهم جماعة فنادى إليه محمد بن الأشعث وقال: يا مسلم لك الأمان. فقال مسلم: وأى أمان للغدرة الفجرة ثم أقبل يقاتلهم ويرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن: أقسمت لا أقتل إلا حرا * وإن رأيت الموت شيئا نكرا أكره أن أخدع أو أغرا * أو أخلط البارد سخنامرا

[ 35 ]

كل إمرئ يوما يلاقى شرا * أضربكم ولا أخاف ضرا فنادوا إليه إنه لا يكذب ولا يغر فلم يلتفت إلى ذلك وتكاثروا عليه بعد أن أثخن بالجراح فطعنه رجل من خلفه فخر إلى الأرض فأخذ أسيرا فلما أدخل على عبيد الله لم يسلم عليه فقال له الحرس. سلم على الأمير فقال له: أسكت ويحك والله ما هو لى بأمير فقال ابن زياد، لا عليك، سلمت أم لم تسلم فإنك مقتوى فقال له مسلم: إن قتلتنى فلقد قتل من هو شر منك من هو خير منى وبعد فإنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولوم الغلبة لا أحد أولى بها منك، فقال ابن زياد: يا عاق يا شاق خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين والحقت القتنة، فقال مسلم: كذبت يا بن زياد ! إنما شق عصا المسلمين معاوية وإبنه يزيد وأما الفتنة فإنما ألحقها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بنى علاج من ثقيف وأنا أرجو أن يرزقنى الله الشهادة على يدى شر بريته فقال ابن زياد: منتك نفسك أمرا حال الله دونه وجعله لأهله، فقال له مسلم: ومن يا ابن مرجانة ؟ فقال أهله يزيد بن معاوية. فقال مسلم: الحمد لله رضينا بالله حكما بيننا وبينكم. فقال له ابن زياد: أتظن ان لك في

[ 36 ]

الأمر شيئا. فقال له مسلم: والله ما هو الظن ولكنه اليقين. فقال ابن زياد: إخبرنى يا مسلم بماذا أتيت هذا البلد وأمرهم ملتئم فشتت أمرهم بينهم وفرقت كلمتهم، فقال مسلم: ما لهذا أتيت ولكنكم أظهر تم المنكر ودفنتم المعروف وتآمر تم على الناس بغير رضى منهم وحملتمو هم على غير ما أمركم الله به وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر فأتينا هم لنأمر فيهم بالمعروف وننهى عن المنكر وندعو هم الى حكم الكتاب والسنة وكنا أهل ذلك فجعل زياد يشتمه ويشتم عليا والحسن والحسين عليه السلام. فقال له مسلم: أنت وأبوك أحق بالشتيمة، فاقض ما أنت وأبوك أحق بالشتيمة، فاقض ما أنت قاض يا عدو الله فأمر ابن زياد بكير بن حمران أن يصعد به إلى أعلى القصر فيقتله فصعد به وهو يسبح الله تعالى ويستغفره ويصلى على النبي صلى الله عليه واله وسلم فضرب عنقه فنزل مذعورا، فقال له ابن زياد ما شأنك ؟ فقال: أيها الأمير رأيت ساعة قتله رجلا أسود سئ الوجه حذا منى عاضا على إصبعه او قال على شفته، ففزعت منه فزعا لم أفزعه قط. فقال له ابن زياد (ع) لعلك دهشت. ثم أمر بهانى بن عروة فجعل يقول وامذ حجاه وأين منى مذحج واعشيرتاه وأين منى عشيرتي، فقال له: مد عنقك، فقال لهم: والله ما أنا بها سخى، وما كنت لاعينك على نفسي، فضربه غلام

[ 37 ]

لعبيد الله بن زياد يقال له رشيد فقتله. وفى قتل مسلم وهانى يقول عبد الله بن زبير الأسدى. ويقال إنها للفرزدق وقال بعضهم إنها لسليمان الحنفي. فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هاني في السوق وابن عقيل الى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوى من طمار قتيل أصابهما فرخ البغى فأصبحا * أحاديث من يسرى بكل سبيل ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم سال كل مسيل فتى كان أخى من فتاة حيية * وأقطع من ذى شفرتين صقيل أيركب أسماء الهماليج آمنا * وقد طلبته مذحج بذحول تطوف حفافيه مراد وكلهم * على رقبة من سائل ومسول فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونا بغايا أرغمت ببعول قال الراوى، وكتب عبيدالله بن زياد بخبر مسلم وهانى إلى يزيد بن معاوية فأعاد الجواب إليه يشكره فيه على فعاله وسطوته ويعرفه أن قد بلغه توجه الحسين عليه السلام إلى جهته ويأمره عند ذلك بالمؤاخذة والانتقام والحبس على الظنون والأوهام. خروج الحسين من مكة متوجها الى العراق وكان قد توجه الحسين عليه السلام من مكة يوم الثلاثاء ثلاث مضين من ذى الحجة وقيل يوم الأربعاء لثمان من

[ 38 ]

ذى الحجة سنة ستين قبل أن يعلم بقتل مسلم لأنه عليه السلام خرج من مكة في اليوم الذى قتل فيه مسلم رضوان الله عليه. وروى إنه عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال: الحمد لله ما شاء الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف، وخير لى مصرع أنا لاقيه كأنى بأوصالى تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملان منى أكراشا جوفا، وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضى الله رضانا أهل البيت نصير على بلائه ويوفينا أجر الصابرين لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لحمته وهى مجموعة له في حظيرة القدس تقربهم عينه وينجز بهم وعده من كان باذلا فينا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإننى راحل مصبحا إنشاء الله تعالى. وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الامامي في كتاب دلائل الإمامة، قال: حدثنا أبو سفيان بن وكيع عن أبيه وكيع عن الأعمش قال. قال أبو محمد الواقدي وزارة بن خلج: لقينا الحسين بن على عليهما السلام قبل أن

[ 39 ]

يخرج الى العراق فأخبرناه ضعف الناس بالكوفة وإن قلوبهم معه، وسيوفهم عليه، فأومى بيده نحو السماء ففتحت أبوا السماء ونزلت الملائكة عددا لا يحصيهم إلا الله عزوجل، فقال: لولا تقارب الاشياء وحبوط الاجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم يقينا ان هناك مصرعي ومصرع أصحابي لا ينجو منهم إلا ولدى على عليه السلام. وروى معمر بن المثنى في متقل الحسين عليه السلام، فقال: ما هذا لفظه، فلما كان يوم التروية قدم عمر بن سعد بن أبى وقاص الى مكة في جند كثيف قد أمره يزيد أن يناجز الحسين القتال إن هو ناجزه أو يقاتله إن قدر عليه. فخرج الحسين عليه السلام يوم التروية. ورويت من كتاب أصل لأحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الثقة، وعلى الاصل إن كان لمحمد بن داود القمى بالاسناد عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سار محمد بن الحنفية الى الحسين في الليلة التى أراد الخروج في صبيحتها عن مكة فقال يا أخى إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من في الحرم وأمنعه. فقال. يا أخى قد خفت أن يغتالنى يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذى يستباح به

[ 40 ]

حرمة هذا البيت فقال له: ابن الحنفية فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحى البر فإنك أمنع الناس به ولا يقدر عليك أحد فقال: أنظر فيما قلت. فلما كان السحر إرتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته التى ركبها. فقال له: يا أخى ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال بلى، قال: فما حداك على الخروج عاجلا فقال: أتانى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين أخرج فإن الله قد شاء ان يراك قتيلا، فقال له ابن الحنفية: ايا لله وإنا إليه راجعون فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال ؟ قال فقال له قد قال لى إن الله قد شاء أن يراهن سبايا وسلم عليه ومضى. وذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن أيوب بن نوح عن صفوان عن مروان بن إسماعيل عن حمزة بن حمران عن أبى عبد الله عليهم السلام قال ذكرنا خروج الحسين عليه السلام وتخلف ابن الحنفية عنه فقال أبو عبد الله عليه السلام يا حمزة إنى سأحدثك بحديث لا تسئل عنه بعد مجلسنا هذا إن الحسين عليه السلام لما فصل متوجها أمر بقرطاس وكتب.

[ 41 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم.. من الحسين بن على إلى بنى هاشم. أما بعد فإنه من لحق بى منكم إستشهد ومن تخلف عنى لم يبلغ الفتح والسلام ] وذكر المفيد محمد بن محمد بن النعمان (رض) في كتاب مولد النبي صلى الله عليه واله وسلم ومولد الأوصياء عليهم السلام بإسناده إلى أبى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام قال لما سار أبو عبد الله الحسين بن على عليهما السلام من مكة ليدخل المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسومين والمردفين في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة فسلموا عليه وقالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه إن الله عز وجل أمد جدك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بنافى مواطن كثيرة وإن الله أمدك بنا. فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتى التى أستشهد فيها وهى كربلاء فإذا وردتها فأتوني فقالوا: يا حجة الله إن الله أمرنا أن نسمع لك ونطيع فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك، فقال: لا سبيل لهم على ولا يلقوني بكريهة أواصل الى بقعتي وأتته أفواج من مؤمنى الجن، فقالوا له: لا مولانا نحن شيعتك وأنصارك فمرنا بما تشاء فلو أمرتنا بقتل كل عدو

[ 42 ]

لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك، فجزاهم خيرا وقال لهم أما قرأتم كتاب الله المنزل على جدى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في قوله تعالى: قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم) فإذا أقمت في مكاني فبمن يمتحن هذا الخلق المتعوس وبماذا يختبرون ومن ذا يكون ساكن حفرتي وقد إختارها الله تعالى لى يوم دحا الارض وجعلها معقلا لشيعتنا ومحبينا تقبل أعمالهم وصلواتهم ويجاب دعاؤهم وتسكن شيعتنا فتكون لهم أمانا في الدنيا وفى الاخرة ولكن تحضرون يوم السبت وهو يوم عاشوراء وفى غير هذا الرواية يوم الجمعة الذى في آخره أقتل ولا يبقى بعدى مطلوب من أهلى ونسبي وإخوانى وأهل بيتى ويسار رأسي الى يزيد بن معاوية (لعنهما) الله فقالت الجن: والله يا حبيب الله وابن حبيبه لولا ان أمرك طاعة وإنه لا يجوز لنا مخالفتك لخالفناك وقتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك، فقال لهم عليه السلام ونحن والله أقدر عليهم منكم ولكن ليهلك من هلك من بينة ويحيى من حى عن بينة. ثم سار حتى مر بالتنعيم فلقى هناك عيرا تحمل هدية قد بعث بها بحير بن ريسان الحميرى عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية فأخذ الهدية لأن حكم أمور المسلمين إليه.

[ 43 ]

وقال لأصحاب الجمال من أحب أن ينطلق معنا إلى العراق وفينا كراه وأحسنا معه صحبته ومن يحب أن يفارقنا أعطينا كراه بقدر ما قطع من الطريق فمضى معه قوم وامتنع آخرون. ثم سار حتى بلغ ذات عرق فلقى بشر بن غالب واردا من العراق فسأله عن أهلها، فقال: خلفت القلوب معك والسيوف مع بنى أمية، فقال: صدق أخو بنى أسد إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال الراوى: ثم سار حتى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثم إستيقظ فقال قد رأيت هاتفا يقول أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم الى الجنة فقال له إبنه على يا أبة أفلسنا على الحق فقال بلى يا بنى والله الذى إليه مرجع العباد فقال: يا أبه إذن لا نبالي بالموت، فقال الحسين عليه السلام جزاك الله يا بنى خير ما جزا ولدا عن والده ثم بات عليه السلم في الموضع المذكور فلما أصبح إذا برجل من الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي قد أتاه فسلم عليه ثم قال: يا بن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما الذى أخرجك عن حرم الله وحرم جدك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال الحسين ويحك يا أبا هرة إن بنى أمية أخذوا مالى فصبرت وشتموا عرضى فصبرت وطلبوا دمى فهربت وايم الله لتقتلني الفئة

[ 44 ]

الباغية وليلبسنهم الله ذلا شاملا وسيفا قاطعا وليسطن الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم إمرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم. ثم سار عليه السلام فحدث جماعة من بين فزارة وبجيلة قالوا: كما مع زهير بن القين لما أقبلنا من مكة فكنا نساير الحسين عليه السلام حتى لحقناه فكان إذا أراد النزول إعتزلناه فنزلنا ناحية فلما كان في بعض الايام نزل في مكان لن نجد بدا من أن ننازله فيه فبينا نحن نتغدى من طعام لنا إذ أقبل رسول الله الحسين عليه السلام حتى سلم ثم قال: يا زهير بن القين إن أبا عبد الله الحسين عليه السلام بعثنى إليك لتأتيه فطرح كل إنسان منا ما في يده حتى كأنما على رؤوسنا الطير، فقالت له زوجته وهى ديلم بنت عمرو: سبحان الله أيبعث إليه ابن رسول الله عليه السلام ثم لا تأتيه فلو أتيته. فسمعت من كلامه فمضى إليه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشرا قد اشرق وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فحول الى الحسين عليه السلام وقال لإمرأته: أنت طالق فإنى لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بنفسى وأقيه بروحى ثم أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بنى عمها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وبكت وودعته وقالت:

[ 45 ]

كان الله عونا ومعينا خار الله لك أسالك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام فقال لأصحابه من أحب أن يصحبني وإلا فهو آخر العهد منى به. ثم سار الحسين عليه السلام حتى بلغ زباله فأتاه فيها خبر مسلم بن عقيل فعرف بذلك جماعة ممن تبعه فتفرق عنه أهل الأطماع والارتياب وبقى معه أهله وخيار الاصحاب. قال الراوى: وارتج الموضع بالبكاء والعويل لقتل مسلم بن عقيل وسالت الدموع كل مسيل ثم ان الحسين عليه السلام سار قاصدا لما دعاه الله فلقيه الفرزدق الشاعر فسلم عليه وقال يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا إبن عمك مسلم بن عقيل وشيعته. قال فاستعبر الحسين عليه السلام باكيا ثم قال: رحم الله مسلما فلقد صار إلى روح الله وريحانه وجنته ورضوانه أما إنه قد قضى ما عليه وبقى ما علينا ثم أنشأ يقول: فإن تكن الدنيا تعد نفسية * فإن ثواب الله أعلى وأنبل وإن تكن الابدان للموت أنشئت * فقتل إمرة بالسيف في الله أفضل وإن تكن الارزاق قسما مقدرا فقلة حرص المرء في السعي أجمل وإن تكن الاموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل

[ 46 ]

قال الراوى: وكتب الحسين عليه السلام كتابا إلى سليمان بن صرد الخزاعى والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد وجماعة من الشعية بالكوفة وبعث به مع قيس بن مسهر الصيداوي فلما قارب دخول الكوفة إعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيد الله بن زياد (لع) ليفتشه فأخرج قيس الكتاب ومزقه فحمله الحصين بن نمير الى عبيد الله بن زياد، فلما مثل بين يديه قال له: من أنت ؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام وإبنه. قال: فلماذا خرقت الكتاب، قال: لئلا تعلم ما فيه. قال: وممن الكتاب وإلى من ؟ قال: من الحسين عليه السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسمائهم، فغضب إبن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني باسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر فتلعن الحسين بن على وأباه وأخاه، وإلا قطعتك إربا إربا، فقال قيس أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم وأما لعن الحسين عليه السلام وأبيه وأخيه فأفعل فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه واله وسلم وأكثر من الترحم على على والحسن والحسين عليهم السلام ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ولعن عتاة بنى أمية عن آخر هم. ثم قال أيها الناس أنا رسول الحسين عليه السلام اليكم وقد

[ 47 ]

خلفته بموضع كذا فأجيبوه. فأخبر ابن زياد بذلك فأمر بالقائه من أعمالي القصر، فالقى من هناك فمات فبلغ الحسين عليه السلام موتا فاستعبر بالبكاء ثم قال اللهم إجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريما وأجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك إنك على كل شئ قدير، وروى، إن هذا الكتاب كتبه الحسين عليه السلام من الحاجز وقيل غير ذلك. قال الراوى: وسار الحسين عليه السلام حتى صار على مرحلتين من الكوفة فإذا بالحر بن يزيد في ألف فارس، فقال له الحسين عليه السلام: ألنا أم علينا ؟ فقال: بل عليك يا أبا عبد الله. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ثم تردد الكلام بينهما حتى قال له الحسين عليه السلام، فإذا كنتم على خلاف ما أتتنى به كتبكم وقدمت به على رسلكم فإننى أرجع إلى الموضع الذى أتيت منه فمنعه الحر وأصحابه من ذلك. وقال: بل خذ يا إبن رسول الله طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يوصلك إلى المدينة لأعتذر أنا إلى ابن زياد بأنك خالفتني في الطريق فتياسر الحسين عليه السلام حتى وصل إلى عذيب الهجانات قال: فورد كتاب عبيد الله بن زياد (لع) إلى الحر يلومه في أمر الحسين عليه السلام ويأمره بالتضييق عليه فعرض له الحر وأصحابه ومنعوه من السير فقال له

[ 48 ]

الحسين عليه السلام: ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق. فقال له الحر بلى، ولكن كتاب الأمير عبيد الله قد وصل يأمرنى فيه بالتضييق وقد جعل على عينا يطالبني بذلك. قال الراوى: فقال الحسين عليه السلام خطيبا في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه وذكر جده فصلى عليه ثم قال: إنه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وإن الدينا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت حذاء ولم تبق منه الإصبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا فإنى لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما، فقام زهير بن القين وقال: قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين لاثرنا النهوض معك على الاقامة. وقال الراوى: وقام هلال بن نافع البجلى فقال: والله ما كرهنا لقاء ربنا وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالى من والاك ونعادى من عاداك قال: وقام برير بن خضير فقال الله يا ابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك وتقطع فيك أعضائنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.

[ 49 ]

وصول الحسين عليه السلام إلى كربلاء قال الراوى: ثم إن الحسين عليه السلام قام وركب وسار وكلما أراد المسير يمنعونه تارة ويسايرونه اخرى حتى بلغ كربلاء وكان ذلك في اليوم الثاني من المحرم فلما وصلها قال ما إسم هذه الأرض فقيل كربلاء فقال عليه السلام اللهم إنى أعوذ بك من الكرب والبلاء ثم قال هذا موضع كرب وبلاء إنزلوا هاهنا محط رحالنا ومسفك دمائنا وهنا محل قبورنا بهذا حدثنى جدى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فنزلوا جميعا ونزل الحر وأصحابه ناحية وجلس الحسين عليه السلام يصلح سيفه ويقول: يادهراف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل من طالب وصاحب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل وكل حى سالك سبيل * ما أقرب الوعد من الرحيل وإنما الأمر إلى الجليل قال الراوى: فسمعت زينب بنت فاطمة عليه السلام ذلك فقالت: يا أخى هذا كلام من أيقن بالقتل، فقال، عليه السلام نعم يا أختاه فقالت زينب واثكلاه ينعى الحسين عليه السلام إلى نفسه قال: وبكى النسوة ولطمن الخدود وشفقن الجيوب وجعلت أم كلثوم تناوى وامحمداه، واعلياه، وأماه، واأخاه، واحسيناه، واضيعتنا بعدك يا أبا عبد

[ 50 ]

الله. قيل فعزاها الحسين وقال لها: يا أختاه تعزى بعز الله فإن سكان السموات يفنون وأهل الأرض كلهم يموتون وجميع البرية يهلكون ثم قال: يا أختاه يا أم كلثوم، وأنت يا زينب وأنت يا فاطمة وأنت يا رباب انظرن إذا أنا قتلت فلا تشفقن على جيبا ولا تخمشن على وجها ولا تقلن هجرا. وروى من طريق آخر أن زينب لها سمعت مضمون الأبيات وكانت في موضع آخر منفردة مع النساء والبنات خرجت حاسرة تجر ثوبها حتى وقفت عليه وقالت واثكلاه ليت الموت أعدمنى الحيات اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبى على، وأخى الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين فنظر إليها الحسين عليه السلام فقال يا أختاه. لا يذهبن بحلمك الشيطان، فقالت: بأبى وأمى أستقتل نفسي لك الفداء فردت غصته وترقرقت عيناه بالدموع ثم قال لو ترك القطا ليلا لنام، فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك إغتصابا، فذلك أقرح قلبى وأشد على نفسي ثم أهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشية عليها، فقام عليه السلام فصب عليها الماء حتى أفاقت ثم عزاما عليها السلام بجهده وذكرها المصيبة بموت أبيه وجده صلوات الله عليهم أجمعين.

[ 51 ]

ومما يمكن أن يكون سببا لحمل الحسين عليه السلام لحرمه وعياله إنه لو تركهن عليه السلام بالحجاز أو غيرها من البلاد كان يزيد بن معاوية عليهما لعائن الله قد أنفذ ليأخذ هن إليه وصنع بهن من الاستيصال وسئ الاعمال ما يمنع الحسين عليه السلام من الجهاد والشهادة ويمتنع عليه السلام بأخذ يزيد بن معاوية لهن عن مقامات السعادة.

[ 52 ]

المسلك الثاني في وصف حال القتال وما يقرب من تلك الحال قال الراوى: وندب عبيد الله بن زياد أصحابه الى قتال الحسين عليه السلام فاتبعوه وإستخف قومه فأطاعوه واشترى من عمر بن سعد آخرته بدنياه ودعاه إلى ولاية الحرب فلباه وخرج لقتال الحسين عليه السلام في أربعة الاف فارس واتبعه ابن زياد بالعساكر (لع) حتى تكملت عنده إلى ست ليال خلون من محرم عشرون ألف فارس فضيقوا على الحسين عليه السلام حتى نال منه العطش ومن أصحابه فقام عليه السلام واتكى على قائم سيفه ونادى بأعلى صوته، فقال: انشدكم الله هل تعرفونني ؟ قالوا: نعم أنت ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسبطه. قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن جدى رسول الله، قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن إبى على بن أبى طالب عليه السلام قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله

[ 53 ]

هل تعلمون إن امى فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى صلى الله عليه واله وسلم ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن جدتى خديجة بنت خويلد أول نساء الأمة إسلاما ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم هل تعلمون إن حمزة سيد الشهداء عم أبى ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن جعفر الطيار في الجنة عمى ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: هل تعلمون إن هذا سيف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنا متقلده ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن هذه عمامة رسول الله أنا لا بسها ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن عليا عليه السلام كان أول القوم إسلاما وأعلمهم علما وأعظمهم حلما وإنه ولى كل مؤمن ومؤمنة ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فبم تستحلون دمى وأبى عليه السلام الذائد عن الحوض يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن الماء ولواء الحمد في يد أبى يوم القيامة، قالوا: قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشا، فلما خطب هذه الخطبة وسمع بناته وأخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن وارتفعت أصواتهن فوجه إليهن أخاه العباس وعليا إبنه وقال لهما سكتاهن فلعمري ليكثرن بكائهن. قال الرواى: وورد كتاب عبيد الله بن زياد على

[ 54 ]

عمر بن سعد يحثه على تعجيل القتال ويحذره من التأخير والاهمال فركبوا نحو الحسين عليه السلام وأقبل شمر بن ذى الجوشن (لع) فنادى بنو أختى عبد الله وجعفر والعباس وعثمان فقال الحسين عليه السلام أجيبوه وإن كان فاسقا فإنه بعض أخوالكم فقالوا له ما شأنك فقال يا بنى أختى أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين عليه السلام والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. قال: فناده العباس بن على عليه السلام تبت يداك ولعن ما جئتنا به من أمانك يا عدو الله أتأمرنا ان نترك أخانا وسيدنا الحسين بن فاطمة عليهما السلام وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء. قال: فرجع الشمر (لع) إلى عسكره مغضبا. قال الراوى: ولما رأى الحسين عليه السلام حرص القوم على تعجيل القتال وقلة انتفاعهم بمواعظ الفعال والمقال قال لأخيه العباس عليه السلام إن إستطعت أن تصرفهم عنا في هذا اليوم فافعل لعلنا نصلى لربنا في هذه الليلة فإنه يعلم إنى أحب الصلاة له وتلاوة كتابه. قال الراوى فسألهم العباس ذلك فتوقف عمر بن سعد (لع) فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي والله لو إنهم من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبنا هم فكيف وهم من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم فأجابو هم إلى ذلك.

[ 55 ]

قال الراوى: جلس الحسين عليه السلام فرقد ثم إستيقظ، فقال: يا أختاه إنى رأيت الساعة جدى محمد صلى الله عليه واله وسلم وأبى عليا وأمى فاطمة الزهراء وأخى الحسن وهم يقولون يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب وفى بعض الروايات غدا. قال الراوى: فلطمت زينب وجهها وصاحب وبكت فقال لها الحسين: مهلا لا تشمتي القوم بنا ثم جاء الليل فجمع الحسين عليه السلام أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم أقبل عليهم فقال: أما بعد. فإنى لا أعلم أصحابا أصلح منكم ولا أهل بيت أبر، ولا أفضل من أهل بيتى، فجزاكم الله جميعا عنى خيرا وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتى وتفرقوا في سواد هذا الليل وذروني، وهؤلاء القوم فإنهم لا يريدون غيرى. فقال له إخوته وأبناؤه، وأبناء عبد الله بن جعفر ولم نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا وبدأ هم بذلك القول العباس بن على عليه السلام ثم تابعوه. قال الراوى: ثم نظر إلى بنى عقيل حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم إذهبوا فقد أذنت لكم، وروى من طريق آخر قال فعندها تكلم إخوته وجميع أهل بيته،

[ 56 ]

وقالوا: يا ابن رسول الله فما يقول الناس لنا وماذا نقول لهم إنا تركنا شيخنا وكبيرنا وابن بنت نبينا لم نرم معه بسهم ولم نطعن معه برمح ولم نضرب بسيف لا والله يا إبن رسول الله لا نفارقك أبدا ولكنا نقيك بأنفسنا حتى نقتل بين يديك ونرد موردك فقبح الله العيش بعدك ثم قام مسلم بن عوسجة وقال نحن نخليك هكذا وننصرف عنك، وقد أحاط بك هذا العدو لا والله لا يرانى الله أبدا وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدور هم رمحي وأضا ربهم بسيفي ما ثبت قائمة بيدى ولو لم يكن لى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولم أفارقك أو أموت معك. قال وقام سعيد بن عبد الله الحنفي فقال: لا والله يا ابن رسول الله لا نخليك أبدا حتى يعلم الله أنا قد حفظنا فيك وصية رسوله محمد صلى الله عليه واله وسلم ولو علمت إنى أقتل فيك ثم أحى ثم أذرى يفعل ذلك بى سبعين مرة ما فارقتك حتى القى حمامى دونك وكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم أنال الكرامة التى لا إنقضاء لها أبدا ثم قام زهير بن القين وقال: والله يا ابن رسول الله لوددت إنى قتلت ثم نشرت ألف مرة وإن الله تعالى قد دفع القتل عنك وعن هؤلاء الفتية من إخوانك وولدك وأهل بيتك وتكلم جماعة من أصحابه بنحو ذلك، وقالوا أنفسنا لك الفداء نقيك بأيدينا ووجوهنا، فإذا نحن قتلنا بين يديك

[ 57 ]

نكون قد وفينا لربنا وقضينا ما علينا وقيل لمحمد بن بشير الحضرمي في تلك الحال قد أسر إبنك بثغر الرى فقال عند الله أحتسبه ونفسي ما كنت أحب أن يؤسر وأنا أبقى بعده فسمع الحسين عليه السلام قوله فقال: رحمك الله أنت في حل من بيعتى فأعمل في فكاك إبنك فقال: أكلتنى السباع حيا إن فارقتك. قال: فأعط إبنك هذه الأثواب والبرود يستعين بها في فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار. قال الراوى: وبات الحسين عليه السلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دوى كدوى النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد إثنان وثلاثون رجلا وكذا كانت سجية الحسين عليه السلام في كثرة صلاته وكمال صفاته. وذكر ابن عبد ربه في الجزء الرابع من كتاب العقد، قال قيل لعلى بن الحسين عليهما السلام ما أقل ولد أبيك، فقال: العجب كيف ولدت له كان يصلى في اليوم والليلة الف ركعة فمتى كان يتفرغ للنساء. قال: فلما كان الغداة أمر الحسين عليه السلام بفسطاط فضرب فأمر بجفته فيها مسك كثير وجعل عندها نورة ثم دخل ليطلى فروى أن برير بن خضير الهمداني وعبد

[ 58 ]

الرحمن بن عبد ربه الانصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعد فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن: يا برير أتضحك ما هذه ساعة ضحك ولا باطل، فقال بريد: لقد علم قومي إننى ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا وإنما أفعل ذلك إستبشارا بما نصير إليه فوالله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة ثم نعانق الحور العين. قال الراوى: وركب أصحاب عمر بن سعد (لع) فبحث الحسين عليه السلام برير بن خضير فو عظهم فلو يستمعوا وذكر هم فلو ينتفعوا فركب الحسين عليه السلام ناقته وقيل فرسه فاستنصتهم فأنصتوا، فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله وصلى على محمد صلى الله عليه واله وسلم وعلى الملائكة والأنبياء والرسل وأبلغ في المقال ثم قال: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا استصرختمونا والهين فاصرخنا كم موجفين سللتم علينا سيفا لنا في ايمانكم وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدو كم فأصبحتم البا لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل افشوه فيكم ولا أمل أصح لكم فيهم فهلا لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجاش طامن والرأى لما يستحصف ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم إليها كتهافت الفراش فسحقايا عبيد الامة

[ 59 ]

وشذاذ الاحزاب وبنذة الكتاب ومحرفى الكلم وعصبة الاثام ونفثة الشيطان ومطفى السنن أهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون أجل والله الغدر فيكم قديم وشجت إليه أصولكم وتأزرت عليه فروعكم فكنتم أخبث ثم شجا للناظر وآكلة للغاصب ألا وإن الدعى ابن الدعى قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنين وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ألا وإنى زاحف بهذه الاسرة الاسرة مع قلة العدد وخذلة الناصر ثم أوصل كلامه بأبيات فروة بن مسيك المرادى. فإن نهزم فهزا مون قدما * وإن نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جنن ولكن منايانا ودولة آخرينا إذا ما الموت رفع عن أناس * كلاكله أناخ بآخرينا فافنى ذلكم سرواة قومي * كما أفنى القرون الأولينا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فقل للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما القينا ثم أيم الله لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور عهد عهده إلى أبى عن جدى فاجمعوا أمر كم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا الى

[ 60 ]

ولا تنظرون، إنى توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم، اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسنى يوسف وسلط عليهم غلام ثقيف فيسومهم كاسا مصبرة فإنهم كذبونا وخذلونا وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ثم نزل عليه السلام ودعا بفرس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم المرتجز فركبه وعبى أصحابه للقتال. فروى عن الباقر عليه السلام إنهم كانوا خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وروى غير ذلك قال الراوى: فتقدم عمر بن سعد فرمى نحو عسكر الحسين عليه السلام بسهم وقال: إشهدوا لى عند الامير انى اول من رمى وأقبك السهام من القوم كأنها القطر، فقال عليه السلام لأصحابه قوموا رحمكم الله إلى الموت الذى لابد منه فإن هذه السهام رسل القوم إليكم فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة حتى قتل من أصحاب الحسين عليه السلام جماعة. قال فعندها ضرب الحسين عليه السلام بيده الى لحيته وجعل يقول اشتد غضب الله تعالى على اليهود إذ جعلوا له ولداواشت غضب الله تعالى على النصارى إذ جعلوه

[ 61 ]

ثالث ثلاثة، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم. أما والله لا أجيبهم الى شئ مما يريدون حتى القى الله تعالى وأنا مخضت بدمى. فروى عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال: سمعت أبى يقول لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن سعد (لع) وقامت الحرب أنزل الله تعالى النصر حتى رفرف على رأس الحسين عليه السلام ثم خير بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله فاختار لقاء الله. رواها أبو طاهر محمد بن الحسين النرسى في كتاب معالم الدين. مبارزة أصحاب الحسين (ع) وإستشهاد هم قال الراوى: ثم صاح عليه السلام أما من مغيث يغيثنا لوجه الله أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله، قال فإذا الحربن يزيد قد أقبل الى عمر بن سعد فقال أمقاتل أنت هذا الرجل ! قال: أي والله قتالا أيسره أن تطير الرؤوس وتطيح الايدى، قال: فمضى الحر ووقف موقفا من أصحاب وأخذه مثل الافكل، فقال له المهاجر بن أوس: والله إن أمرك لمريب ولو قيل لى من

[ 62 ]

أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذى أرى منك فقال والله إنى أخير نفسي بين الجنة والنار فوالله لا اختار على الجنة شيئا ولو قطعت واحرقت، ثم ضرب فرسه قاصدا إلى الحسين عليه السلام ويده على رأسه وهو يقول اللهم إليك أنبت فتب على فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيك، فقال للحسين عليه السلام: جعلت فداك أنا صاحبك الذى حبسك عن الرجوع وجعجع بك وما ظننت أن القوم يبلغون منك ما أرى وأنا تائب الى الله تعالى فهل ترى لى من توبة ؟ فقال الحسين عليه السلام نعم يتوب الله عليك. فنزل وقال: أنا لك فارسا خير منى لك راجلا وإلى النزول يصير آخر أمرى. ثم قال فإذا كنت أول من خرج عليك فأذن لى أن أكون أول قتيل بين يديك لعلى أكون ممن يصافح جدك محمد صلى الله عليه واله وسلم غدا في القيامة. قال جامع الكتاب (ره) إنما أراد أول قتيل من الان لأن جماعة قتلوا قبله كما ورد فأذن له فجعل يقاتل أحسن قتال حتى قتل جماعة من شجعان وأبطال ثم أستشهد فحمل إلى الحسين عليه السلام فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول أنت الحر كما سمتك أمك في الدنيا الاخرة. قال الراوى: وخرج برير بن خضير وكان زاهدا

[ 63 ]

عابدا فخرج إليه يزيد بن المغفل فاتفقا على المباهلة إلى الله تعالى في أن يقتل المحق منهما المبطل وتلاقيا فقتله برير ولم حتى قتل رضوان الله عليه. قال: وخرج وهب بن جناح الكلبى فأحسن في الجلاد وبالغ في الجهاد وكان معه إمرأته وولدته فرجع إليهما وقال: يا أماه أرضيت أم لا ؟ فقالت ألام ما رضيت حتى تقتل بين يدى الحسين عليه السلام وقالت إمرأته بالله عليك لا تفجعني بنفسك، فقالت له أمه يا بنى أغرب عن قولها وارجع فقاتل بين يدى ابن نبيك تنل شفاعة جده يوم القيامة، فرجع فلم يزل يقاتل حتى قطعت يداه فأخذت إمرأته عمودا فأقبلت نحوه وهى تقول فداك أبى وأمى قاتل دون الطيبين حرم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأقبل كى يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه وقالت لن أعود دون أن أموت معك، فقال الحسين عليه السلام: جزيتم من أهل بيتى خيرا ارجعي إلى النساء رحمك الله فانصرفت اليهن ولم يزال الكلبى يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه. ثم خرج مسلم بن عوسجة فبالغ في قتال الأعداء وصبر على أهوال البلاء حتى سقط إلى الأرض وبه رمق فمشى إليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر فقال له

[ 64 ]

الحسين: رحمك الله يا مسلم فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ودنا منه حبيب وقال: عز على مصرعك يا مسلم ابشر بالجنة، فقال له مسلم قولا ضعيفا بشرك الله ثم قال له حبيب لولا إننى أعلم أنى في الاثر لاحببت أتوصى إلى بكل ما أهمك، فقال له مسلم فإنى أوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت، فقال له حبيب: لأنعمنك عينا ثم مات رضوان الله عليه. فخرج عمرو بن قرطة الأنصاري فاستأذن الحسين عليه السلام فأذن له فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء وبالغ في خدمة سلطان السماء حتى قتل جمعا كثيرا من حزب ابن زياد وجمع بين سداد وجهاد وكان لا يأتي إلى الحسين عليه السلام سهم إلا أتقاه بيده ولا سيف إلا تلقاه بمهجته فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى أثخن بالجراح فالتفت إلى الحسين عليه السلام وقال: يا بن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أوفيت، فقال: نعم أنت أمامى في الجنة فاقرأ رسول الله عنى السلام وأعلمه إنى في الأثر فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه. ثم برز جون مولى أبى ذر وكان عبدا أسود فقال له ثم برز جون مولى أبى ذر وكان عبدا أسود فقال له الحسين عليه السلام أنت في إذن منى فإنما تبعتنا طلبا للعافية

[ 65 ]

فلا تبتل بطريقنا، فقال: يا بن رسول الله أنا في الرخاء الحسن قصاعكم وفى الشدة أخذلكم والله إن ريحى لنتن وإن حسبى للئيم ولوني لأسود فتنفس على بالجنة فتطيب ريحى ويشرف حسبى ويبيض وجهى، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم ثم قاتل رضوان الله عليه حتى قتل. قال الراوى: ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي فقال الحسين عليه السلام يا أبا عبد الله جعلت فداك قد هممت أن الحق بأصحابك وكرهت أن أتخلف فأراك وحيدا بين أهلك قتيلا. فقال له الحسين عليه السلام تقدم فإنا لا حقون بك عن ساعة. فتقدم فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه. قال الراوى: وجاء حنظلة بن أسعد الشامي فوقف بين يدى الحسين يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره وأخذ ينادى يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعد هم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إنى أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم يا قولا لا تقتلوا حسينا فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من إفترى ثم إلتفت إلى الحسين عليه السلام فقال له: أفلا نروح إلى ربنا ونلحق بإخواننا بلى رح إلى ما هو خير لك من

[ 66 ]

الدنيا وما فيها. وإلى ملك لا يبلى، فتقدم فقاتل قتال الأبطال وصبر على إحتمال الأهوال حتى قتل رضوان الله عليه. قال وحضرت صلاة الظهر فأمر الحسين عليه السلام زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي أن يتقدما أمامه بنصف من تخلف معه ثم صلى بهم صلاة الخوف فوصل إلى الحسين عليه السلام سهم فتقدم سعيد بن عبد الله الحنفي ووقف يقيه بنفسه ما زال ولا تخطى حتى سقط إلى الأرض وهو يقول اللهم العنهم لعن عاد وثمود اللهم أبلغ نبيك عنى السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإنى أردت ثوابك في نصر ذرية نبيك ثم قصى نحبه رضوان الله عليه فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح. قال الراوى: وتقدم سويد بن عمر بن أبى المطاع وكان شريفا كثير الصلاة فقاتل قتال الأسد الباسل وبالغ في الصبر على الخطب النازل حتى سقط بين القتلى وقد أثخن بالجراح فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون قتل الحسين عليه السلام فتحامل وأخرج سكينا من خفه وجعل يقاتلهم بها حتى قتل رضوان الله عليه. قال وجعل أصحاب الحسين عليه السلام يسارعون إلى

[ 67 ]

القتل بين يديه وكانوا كما قيل فيهم: قوم إذا نودوا لدفع ملمة * والخيل بين مدعس ومكردس لبسوا القلوب على الدروع كأنهم * يتهافتون إلى ذهاب الأنفس شهادة أهل بيته (ع) فلما لم يبق معه سوى أهل بيته خرج على بن الحسين عليه السلام وكان من أصبح الناس وجها وأحسنهم خلقا فإستأذن أباه في القتال فأذن له ثم نظر إليه نظرة آيس منه وأرخى عليه السلام عينه وبكى ثم قال: اللهم أشهد فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك صلى الله عليه واله وسلم وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إليه فصاح وقال يا بن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمى فتقدم نحو القوم فقاتل قتال شديدا وقتل جمعا كثيرا ثم رجع إلى أبيه وقال يا أبت العطش قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدنى فهل إلى شربة من الماء سبيل فبكى الحسين عليه السلام وقال واغوثاه ايا بنى قاتل قليلا فما أسرع ما تلقى جدك محمد صلى الله عليه واله وسلم فيسقيك بكأسه الاوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا فرجع إلى موقف النزال وقاتل أعظم القتال فرماه منقذ بن مرة العبدى (لع) بسهم فصرعه فنادى يا أبتاه عليك منى السلام هذا جدى يقرئك السلام ويقول لك عجل القدوم علينا ثم شهق شهقة فمات فجاء

[ 68 ]

الحسين عليه السلام حتى وقف عليه ووضع خده على خده وقال قتل الله قوما قتلوك ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا. قال الراوى: خرجت زينب بنت على عليها السلام تنادى يا حبيباه يا بن أخاه وجاءت فأكبت عليه فجاء الحسين عليه السلام فأخذها وردها إلى النساء ثم جعل أهل بيته عليهم السلام يخرج الرجل منهم بعد الرجل حتى قتل القوم منهم جماعة فصاح الحسين عليه السلام في تلك الحال: صبرا يا بنى عمومتي صبرا يا أهل بيتى فوالله لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا. قال الراوى: وخرج غلام كان وجهه شفة قمر فجعل يقاتل فضربه ابن فضيل الأزدي على رأسه ففلقه فوقع الغلام لوجهه وصاح يا عماه فجلى الحسين عليه السلام كما يجلى الصقر ثم شد شدة ليث أغضب فضرب ابن فضيل بالسيف فاتقاها بالساعد فأطنه من لدن المرفق فصاح صيحة سمعه اهل العسكر وحمل أهل الكوفة ليستنقذوه فوطأته الخيل حتى هلك. قال وانجلت الغيرة قرأيت الحسين عليه السلام قائما على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين عليه السلام يقول بعدا لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك

[ 69 ]

وبوك ثم قال عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا ينفعك صوته هذا يوم والله كثر واتره وقل ناصره ثم حمل عليه السلام الغلام على صدره حتى القاه بين القتلى من أهل بيته. قال ولما رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبته عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هل من موحد يخاف الله فينا هل من مغيث يرجو الله بإغاثتنا هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا فارتفعت أصوات النساء بالعويل فتقدم إلى باب الخيمة وقال لزينب: ناوليني ولدى الصغير حتى أودعه، فأخذه وأومأ إليه ليقبله فرماه حرملة بن الكاهل الاسدي (لع) بسهم فوقع في نحره فذبحه فقال لزينب: خذيه ثم تلقى الدم بكفيه فلما إمتلاتا رمى بالدم نحو السماء ثم قال هون على ما نزل بى إنه بعين الله قال الباقر عليه السلام: فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الارض. قال الراوى: واشتد العطش بالحسين عليه السلام فركب المسناة يريد الفرات والعباس أخوه بين يديه فاعترضته خيل ابن سعد فرمى رجل من بنى دارم الحسين عليه السلام بسهم فأثبته في حنكه الشريف فانتزع عليه السلام السهم وبسط يديه

[ 70 ]

تحت حنكه حتى امتلات راحتاه من الدم ثم رمى به وقال: اللهم إنى أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك ثم إقتطعوا العباس عنه وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه إقتطعوا العباس عنه وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه قدس الله روحه فبكى الحسين عليه السلام لقتله بكاء شديدا وفى ذلك يقول الشاعر: أحق الناس أن يبكى عليه * فتى أبكى الحسين بكر بلاء أخوه وابن والده على * أبو الفضل المضرج بالدماء ومن واساه لا يثنيه شئ * وجادله على عطش بماء قال الراوى: ثم إن الحسين دعا الناس الى البراز فلم يزل يقتل كل من بزر إليه حتى قتل مقتله عظيمة وهو في ذلك يقول: القتل أولى من ركوب العار * والعار أولى من دخول النار قال بعض الرواة فوالله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا منه وان كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيه الذئب ولقد كان يحمل فيهم ولقد تكملوا ثلاثين ألفا فيهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر ثم يرجع إلى مركزة وهو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله.

[ 71 ]

قال الراوى ولم يزل عليه السلام يقاتلهم حتى حالوا بينه وبين رحله فصاح عليه السلام ويلكم يا شيعة آل أبى سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم هذه وارجعوا إلى احسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون، قال فناداه الشمر (لع) ما تقول يا ابن فاطمة. فقال إنى أقول أقاتلكم وتقاتلونني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وجها لكم وطغاتكم من التعرض الحرمى ما دمت حيا، فقال شمر (لع): لك ذلك يابن فاطمة فقصدوه بالحرب فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجدى حتى أصابه إثنان وسبعون جراحة فوقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته فأخذ الثوب ليمسح الدم عن جبهته فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه فقال: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم رفع رأسه إلى السماء وقال الهى أنت تعلم إنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الارض ابن بنت نبى غيره، ثم أخذ السهم فأخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كأنه ميزاب فضعف عن القتال ووقف فكلما أتاه رجل إنصرف عنه كراهة ان يلقى الله بدمه حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر فشتم الحسين عليه السلام وضربه على رأسه الشريف بالسيف

[ 72 ]

فقطع البرنس ووصل السيف إلى رأسه فامتلا البرنس دما. قال الراوى: فاستدعى الحسين عليه السلام بخرقة فشد بها رأسه واستدعى بقلنسوة فلبسها وأعتم. فلبثوا هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به فخرج عبد الله بن الحسن بن عليه عليه السلام وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتد حتى وقف إلى جنب الحسين فلحقته زينب على عليها السلام لتحبسه فأبى وامتنع إمتناعا شديدا فقال لا والله لا أفارق عمى فأهوى بحر بن كعب وقيل حرملة بن كاهلى إلى الحسين عليه السلام بالسيف. فقال له الغلام ويلك يابن الخبيثة أتقتل عمى فضربه بالسيف فاتقى الغلام بيده فأطنها إلى الجلد فإذا هي معلقة فنادى الغلام يا أماه فأخذه الحسين عليه السلام وضمه إليه وقال يابن أخى على ما نزل بك وأحتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين، قال فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمه الحسين عليه السلام. مقتل الحسين (ع) ثم إن شمر بن ذى الجوشن حمل على فسطاط الحسين عليه السلام فطعنه بالرمح ثم قال: على بالنار أحرقه على من فيه، فقال الحسين عليه السلام: يابن ذى الجوشن

[ 73 ]

أنت الداعي بالنار لتحرق على أهلى، أحرقك الله بالنار، وجاء شبث فوبخه فاستحا وانصرف. قال الراوى وقال الحسين عليه السلام ابغوا لى ثوبا لا يرغب فيه أجعله تحت ثيابي لئلا أجرد منه فأتى بتبان فقال لا ذاك لباس من ضربت عليه الذلة فخرقه وجعله تحت ثيابه فلما قتل عليه السلام جردوه منه ثم استدعى الحسين عليه السلام بسراويل من حبرة ففرزها ولبسها وإنما فرزها لئلا يسلبها فلما قتل عليه السلام سلبها بحر بن كعب (لع) وترك الحسين عليه السلام مجردا فكانت يدا بحر بعد ذلك تيبسان في الصيف كأنهما عودان يابسان وتترطبان في الشتاء فتنضحان دما وقيحا إلى أن أهلكه الله تعالى. قال ولما أثخن الحسين عليه السلام بالجراح وبقى كالقنفذ طعنه صالح بن وهب المرى على خاصرته طعنة فسقط الحسين عليه السلام عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن وهو يقول: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ثم قام عليه السلام. قال الراوى وخرجت زينب من باب الفساط وهى تنادى وأخاه واسيداه وا أهل بيتاه ليت السماء أطبقت على الارض وليت الجبال تدكدكت على السهل. قال وصاح شمر بأصحابه ما تنتظرون بالرجل قال

[ 74 ]

وحملوا عليه من كل جانب فضربه زرعة بن شريك على كتفه اليسرى وضرب الحسين عليه السلام زرعة فصرعه وضرب آخر على عاتقه المقدس بالسيف ضربة كبا عليه السلام بها لوجهه وكان قد أعبا وجعل ينوء ويكب عطعنه سنان ابن أنس النخعي في ترقوته ثم أنتزع الرمح فطعنه في بوانى صدره ثم رماه سنان أيضا بسهم فوقع السهم في نحره فسقط عليه السلام وجلس قاعدا فنزع السهم من نحره وقرن كفيه جميعا فكلما امتلاتا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته وهو يقول هكذا القى الله مخضبا بدمى مغصوبا على حقى، فقال عمر بن سعد لرجل عن يمينه: إنزل ويحك إلى الحسين فأرحه قال فبدر إليه خولى ابن يزيد الأصبحي ليحتز رأسه فأرعد فنزل إليه سنان بن أنس النخعي (لع) فضرب بالسيف في حلقه الشريف وهو يقول والله إنى لأجتز رأسك وأعلم إنك ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخير الناس أبا وأما، ثم أجتز رأسه المقدس المعظم وفى ذلك يقول الشاعر: فأى رزية عدلت حسينا * غداة تبيره كفا سنان وروى أبو طاهر محمد بن الحسن الترسى في كتاب معالم الدين قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان ضجت الملائكة إلى الله بالبكاء

[ 75 ]

وقالت: يا رب هذا الحسين عليه السلام صفيك وابن بنت نبيك، قال فأقام الله ظل القائم عليه السلام وقال بهذا أنتقم لهذا. وروى إن سنانا أخذه المختار فقطع أنامله أنملة أنملة ثم قطع يديه ورجليه وأغلى له قدرا فيها زيت ورماه فيها وهو يضطرب. قال الراوى فارتفعت في السماء في ذلك الوقت غيرة شديدة سوداء مظلمة فيها ريح حمراء لا ترى فيها عين ولا أثر حتى ظن القوم إن العذاب قد جائهم فلبثوا كذلك ساعة ثم انجلت عنهم. وروى هلال بن نافع قال: إنى كنت واقفا مع أصحاب عمر بن سعد (لع) إذ صرخ صارخ أبشر أيها الامير فهذا شمر قتل الحسين عليه السلام قال فخرجت بين الصفين فوقفت عليه وإنه ليجود بنفسه فوالله ما رأيت قط قتيلا مضمخا بدمه أحسن منه ولا أنور وجها ولقد شغلنى نور وجهه وجمال هيئته عن الفكرة في قتله فإستسقى في تلك الحال ماء فسمعت رجلا يقول والله لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها فسمعته يقول يا ويلك أنا لا أرد الحامية ولا أشرب من حميمها بل أرد على جدى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأسكن معه في داره في

[ 76 ]

مقصد صدق عند مليك مقتدر وأشرب من ماء غير آسن وآشكو إليه ما ارتكبتم منى وفعلتم بى قال: فغضبوا بأجمعهم حتى كان الله لم يجعل في قلب واحد منهم من الرحمة شيئا فأجتزوا رأسه وإنه ليكلمهم فتعجبت من قلة رحمتهم وقلت والله لا أجامعكم على أمر أبدا. قال ثم أقبلوا على سلب الحسين فأخذ قميصه إسحاق بن حوية الحضرمي فلبسه فصار أبرص وامتعط شعره. وروى إنه وجد في قميصه مائة وبضع عشرة ما بين رمية وطعنة سهم وضربة. وقال الصادق عليه السلام وجد في الحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة وأخذ سراويله بحر بن كعب التيمى (لع) فروى أنه صار زمنا مقعدا من رجليه وأخذ عمامته أخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي وقيل جابر ابن يزيد الاودى (لع) فاعتم بها فصار معتوها وأخذ نعليه الاسود بن خالد (لع) وأخذ خاتمة بجدل بن سليم الكلبى وقطع اصبعه عليه السلام مع الخاتم وهذا أخذه المختار فقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط في دمه حتى هلك. وأخذ قطيفة له عليه السلام كانت من خز قيس بن الاشعث وأخذ درعه البتراء عمر بن سعد فلما قتل عمر وهبها المختار

[ 77 ]

لأبى عمرة قاتله، وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأودى وقيل رجل من نبى تميم يقال له أسود بن حنظلة وفى رواية ابن أبى سعدإنه أخذ سيفه الفلافس النهشلي وزاد محمد بن زكريا إنه وقع بعد ذلك إلى بنت حبيب بن بديل وهذا السيف المنهوب المشهور ليس بذى الفقار فإن ذلك كان مذخورا ومصونا مع أمثاله من ذخائر النبوة والامامة وقد نقل الرواة تصديق ما قلناه وصورة ما حكيناه. قال الراوى: وجائت جارية من ناحية خيم الحسين عليه السلام فقال لها رجل يا أمة الله إن سيدك قتل قالت الجارية: فأسرعت إلى سيدتي وأنا أصيح فقمن في وجهى وصحن. قال: وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول وقرة عين البتول حتى جعلوا ينتزعون ملحفة المرئة على ظهرها وخرج بنات آل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وحريمة يتساعدن على البكاء ويندبن لفراق الحماة والأحباء. وروى حميد بن مسلم قال: رأيت إمرأة من بنى بكربن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين عليه السلام وفسطاطهن وهم يسلبونهن أخذت سيفا وأقبلت نحو

[ 78 ]

الفسطاط وقالت: يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا حكم إلا الله يا لثارات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأخذها زوجها وردها الى رحله. فقال الراوى: ثم أخرج النساء من الخيمة وأشعلوا فيها النار فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلة وقلت بحق الله إلاما مررتم بنا على مصرع الحسين عليه السلام فلما نظر النسوة الى القتلى صحن وضربن وجوههن قال فو الله لا أنسى زينب بنت على عليه السلام تندب الحسين عليه السلام وتنادى بصوت حزين وقلت كئيب يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء هذا حسين مرمل بالدماء مقطع الأعضاء وبناتك سبايا إلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى على المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء يا محمداه هذا حسين بالعراء تسفى عليه الصبا قتيل أولاد البغايا واحزناه، واكرباه، اليوم مات جدى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يا أصحاب محمداه هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا، وفى رواية: يا محمداه بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليهم ريح الصبا وهذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والرداء، بابى من أضحى عسكره في يوم الإثنين بهبا، بأبى من فسطاطه مقطع العرى،

[ 79 ]

بأبى من لا غائب فيرتجى ولا جريح فيداوى، بأبى من نفسي له الفداء، بأبى المهموم حتى قضى، بابى العطشان حتى مضى، بابى من شيبته تقطر بالدماء، بأبى من جده محمد المصطفى، بأبى من جده رسول إله السماء، بأبى من هو سبط نبى الهدى، بأبى محمد المصطفى، بأبى خديجة الكبرى، بأبى على المرتضى عليه السلام، بأبى فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، بأبى من ردت له الشمس وصلى. فال الراوى: فأبكت والله كل عدو وصديق ثم ان سكينة إعتنقت جسد أبيها الحسين عليه السلام فاجتمعت عدة من الاعراب حتى جروها عنه. قال الراوى: ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب للحسين عليه السلام فيواطئ الخيل ظهره وصدره فانتدب منهم عشرة وهم: إسحاق بن حوبة الذى سلب الحسين عليه السلام قميصه وأخنس بن مرثد، وحكيم بن طفيل السنبسى، وعمر بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدى وسالم بن خثيمة الجعفي وواحظ بن ناعم، وصالح بن وهب الجعفي، وهانى بن شبث الحضرمي، وأسيد بن مالك (لع). فداسوا الحسين عليه السلام بحوافر خيلهم حتى رضوا صدره وظهره.

[ 80 ]

قال الراوى: وجاء هؤلاء العشرة حتى وفقوا على ابن زيادة فقال: أسيد بن مالك أحد العشرة عليهم لعائن الله. نحن رضضنا الصدر بعد الظهر * بكل يعبوب شديد الاسر فقال ابن زياد: من أنتم ؟ قالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا حناجر صدره، قال: فأمر لهم بجائزة يسيرة. قال أبو عمر الزاهد: فنظرنا إلى هؤلاء العشرة فوجدنا هم جميعا أولاد زناء وهؤلاء أخذهم المختار فشد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل ظهور هم حتى هلكوا. وروى ابن رياح قال: رأيت رجلا مكفوفا قد شهد قتل الحسين عليه السلام فسئل عن ذهاب بصره، فقال: كنت شهدت قتله عاشر عشرة غير إنى لم أضرب ولم أرم فلما قتل رجعت إلى منزلي وصليت العشاء الاخيرة ونمت فأتاني آت في منافى فقال أجب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فإنه يدعوك. فقلت مالى وله فأخذ بتلابيبى وجرني إليه فإذا النبي صلى الله عليه واله وسلم جالس في صحراء حاسر عن ذراعيه أخذ بحربة وملك قائم بين يديه وفى يده سيف من نار فقتل

[ 81 ]

أصحابي التسعة، فكلما ضرب ضربة التهبت أنفسهم نارا فد نوت منه، وجثوت بين يديه وقلت السلام عليك يا رسول الله فلم يرد على ومكث طويلا ثم رفع رأسه وقال يا عدو اله إنتهكت حرمتي وقتلت عترتي ولم ترع حقى، وفعلت ما فعلت ؟ فقلت: والله يا رسول الله ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولارميت بسهم قال صدقت، ولكنك كثرت السواد أذن منى فدنوت منه فإذا طست مملوء دما ! فقال لى: هذا دم ولدى الحسين عليه السلام فكحلني من ذلك الدم فانتهيت حتى الساعة لا أبصر شيئا. وروى عن الصادق عليه السلام يرفعه الى النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال إذا كان يوم القيامة نصب لفاطمة عليها السلام قبة من نور ويقبل الحسين عليه السلام ورأسه في يده فإذا رأته شهقت شهقة لا يبقى في الجمع ملك مقرب ولا نبى مرسل إلا بكى لها فيمثله الله عزوجل لها في أحسن صورة وهو يخاصم قتلته بلا رأس فيجمع الله عزوجل لها قتلته والمجهزين عليه ومن شركهم في قتله فاقتلهم حتى أتى على آخر هم ثم ينشرون فيقتلهم أمير المؤمنين عليه السلام ثم ينشرون فيقتلهم الحسن عليه السلام، ثم ينشرون فيقتلهم الحسين عليه السلام ثم ينشرون فلا يبقى أحد من ذريتنا إلا

[ 82 ]

قتلهم قتلة. فعند ذلك يكشف الغيظ وينسى الحزن. ثم قال قال الصادق عليه السلام: رحم الله شيعتنا هم والله شيعتنا المؤمنون فقد والله شركونا في المصيبة بطول الحزن والحسرة. وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال إذا كان يوم القيامة جائت فاطمة عليها السلام في لمة من نسائها فيقال لها أدخلي الجنة، فتقول لا أدخل حتى أعلم ما صنع بولدى من بعدى: فيقال لها أنظرى في قلب القيامة فتنظر إلى الحسين عليه السلام قائما ليس عليه رأس فتصرخ صرخة فأصرخ لصراخها وتصرخ الملائكة لصراخها. وفى رواية: وتنادى واولداه واثمرة فؤاداه، قال فيغضب الله عزوجل لها عند ذلك فيأمر نارا يقال له هب هب، قد أوقد عليها ألف عام حتى أسودت لا يدخلها روح أبدا، ولا يخرج منها غم أبدا فيقال: إلتقطى قتلة الحسين، فتلتقطهم فإذا صاروا في حوصلتها صهلت وصهلوا بها، وشهقت وشهقوا بها، وزفرت وزفروا بها. فينطقون بالسنة ذلقة ناطقة يا ربنا بم أوجبت لنا النار قبل عبدة الاوثان ؟ فيأتيهم الجواب عن الله عزوجل: أن من علم ليس كمن لا يعلم.

[ 83 ]

روى هذين الخبرين ابن بابويه في كتاب عقاب الأعمال، ورأيت في المجلد الثلاثين من تذييل شيخ المحدثين ببغداد محمد بن النجار في ترجمة فاطمة بنت أبى العباس الازدي بإسناده عن طلحة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول إن موسى بن عمران سئل ربه قال: يا رب إن أخى هارن مات فاغفر له. فأوحى الله إليه يا موسى عمران لو سألتنى في الاولين والاخرين لاجبتك ماخلا قاتل الحسين بن على أبى طالب عليهما السلام

[ 84 ]

المسلك الثالث في الامور المتأخرة عن قتله (ع) وهى تمام ما أشرنا إليه قال ثم إن عمر بن سعد بعث برأس الحسين عليه السلام في ذلك اليوم وهو يوم عاشوراء مع خولى بن يزيد الاصبحي، وحميد بن مسلم الازدي إلى عبيد الله بن زياد وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فنظفت وسرح بها مع شمر بن ذى الجوشن (لع) وقيس بن الاشعث، وعمرو بن الحجاج. فاقبلوا حتى قدموا بها إلى الكوفة وأقام بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس ثم رحل بمن تخلف عن عيال الحسين عليه السلام وحمل نسائه صلوات الله عليه على إجلاس أقتاب الجمال بغير وطاء مكشفات الوجوه بين الاعداء وهن ودائع الانبياء وساقوهن كما يساق سبى الترك والروم في أشد المصائب والهموم ولله در قائله: يصلى على المعبوث من آل هاشم * ويعزى بنوه إن ذا العجيب

[ 85 ]

وقال آخر: أتر جوا أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب وروى: إن أصحاب الحسين عليه السلام كانت ثمانية وسبعين رأسا فاقتسمتها القبائل لتقرب بذلك الى عبيد الله بن زياد وإلى يزيد بن معاوية (لع) فجائت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الاشعث. وجاءت هوازن بإثنى عشر رأسا وصاحبهم شمر بن ذى الجوشن (لع) وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا، وجاءت بنو أسد بستة عشر رأسا، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس، وجاء باقى الناس بثلاثة عشر رأسا. قال الراوى: ولما إنفصل عمر بن سعد (لع) عن كربلاء خرج قوم بنى أسد فصلوا على تلك الجثث الطواهر المرملة بالدماء ودفنوها على ما هي الآن عليه وسار ابن سعد بالسبي المشار إليه فلما قاربوا الكوفة إجتمع أهلها للنظر إليهن. قال الراوى: فأشرفت إمرأة من الكوفيات فقالت من أي الاسارى أنتن نحن أسارى آل محمد صلى الله عليه واله وسلم فنزلت المرأة من سطحها فجمعت لهن ملاء وارزا ومقانع وأعطتهن فتغطين.

[ 86 ]

قال الراوى: وكان مع النساء على بن الحسين عليه السلام قد نهكته العلة والحسن بن الحسن المثنى وكان قد واسى عمه وامامه في الصير على ضرب السيوف وطعن الرماح وإنما أتيت وقد أثخن بالجراح. وروى مصنف كتاب المصابيح ان الحسن بن الحسن المثنى قتل بين يدى عمه الحسين عليه السلام في ذلك اليوم سبعة عشر نفسا وأصابه ثمانية عشر جراحة فوقع فأخذه خاله أسماء بن خارجة فحمله إلى الكوفة وداواه حتى برأ وحمله الى المدينة وكان معهم أيضا زيد وعمر وولدا الحسن السبط عليهم السلام فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون. فقال على بن الحسين عليه السلام: تنوحون وتبكون من أجلنا فمن ذا الذى قتلنا. قال بشير بن خزيم الاسدي: ونظرت إلى زينب بنت على يومئذ ولم أر خفرة والله أنطق منها كأنها تفرع من لسان أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الاجراس ثم قالت: الحمد الله والصلاة على أبى محمد وآله الطيبين الاخيار. أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر أتبكون فلا

[ 87 ]

رقأت الدفعة ولا هدأت الرنة إنما مثلكم كمثل التى نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا تتخذون إيمانكم دخلا بينكم ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف والصدر الشنف وملق الاماء وغمز الاعداء أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفى العذاب أنتم خالدون. أتبكون وتنتحبون أي والله فابكون كثيرا واضحكوا قليلا فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداو أنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومناز حجتكم ومدرة سنتكم ألا ساء ما تزرون وبعدا لكم وسحقا. فلقد خاب السعي وتبت الأيدى وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم وأى كريمة له أبرزتم وأى دم له سفكتم وأى حرمة له انتهكتم لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء (وفى بعضها) خرقاء شوهاء كطلاع الارض أو كملئ السماء أفعجبتم إن مطرب السماء دما ولعذاب الاخرة أخزى وأنتم لا تنصرون فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثأر وإن ربكم لبالمرصاد. قال الراوى: فوالله لقد رأيت الناس يؤمئذ حيارى

[ 88 ]

يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخا وافقا إلى جنبى يبكى اخضلت لحيته وهو يقول: بأبى أنتم وأمى كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسائكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى. وروى زيد بن موسى قال: حدثنى أبى عن جدى عليهم السلام قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن وردت من كربلاء فقالت الحمد لله عدد الرمل والحصا وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأومن به وأتوكل عليه وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه واله وسلم وإن أولاده ذبحوا بشط الفرات بغير ذحل ولا ترات اللهم إنى أعوذ بك أن أفترى عليك بالكذب أو أن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه على بن أبى طالب عليه السلام المسلوب حقه المقتول من غير ذنب كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله فيه معشر مسلمة بألسنتهم تعسا لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته حتى قبضته إليك محمود النقيبة طيب العريكة معروف المناقب مشهور المذاهب لم تأخذه فيك اللهم لومة لائم ولا عذاب عاذل هديته اللهم للاسلام صغيرا وحمدت مناقبة كبيرا ولم يزل

[ 89 ]

ناصحا ولرسولك صلى الله عليه واله وسلم حتى قبضته إليك زاهدا في الدنيا غير حريص عليها راغبا في الاخر مجاهدات لك في سبيلك رضيته فاخترته فهديته إلى صراط مستقيم. أما بعد. يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنا أهل بيت، إبتلانا الله بكم وابتلاكم بنا فجعل بلائنا حسنا وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته وحجته على الارض في بلاده لعباده أكرمنا الله بكرامته وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه واله وسلم على كثير ممن خلق تفضيلا بينا فكذبتمونا وكفرتمونا ورأيتم قتالنا حلالا وأموالنا نهبا كأننا أولاد ترك وكابل كما قتلتم جدنا بالأمس وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم قرت لذلك عيونكم وفرحت قلوبكم على افتراء الله ومكرا مكرتم والله خير الماكرين فلا تدعونكم انفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا فإن ما أصابنا من المصائب من الجليلة والرزايا العظمية في كتاب من قبل أن نبرئها إن ذلك على الله يسير لا يحب كل مختال فخور، تبا لكم فانتظروا اللعنة والعذاب. فكان قد حل بكم وتواترت من السماء نقمان فيسحتكم

[ 90 ]

بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ألا لعنة الله على الظالمين ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم وأيه نفس نزعت إلى قتالنا أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا والله قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطبع على أفئدتكم وختم على سمعكم وبصر كم وسول لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على بصركم عشاوة فأنتم لا تهتدون فتبا لكم يا أهل الكوفة، أي تراث لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبلكم ودخول له لديكم بما غدرتم بأخيه على بن أبى طالب، جدى وببنيه وعترته الطيبين الاخيار فاقتخر بذلك مفتخر فقال: نحن قتلنا عليا وبنى على * بسيوف هندية ورماح وسبينا نسائهم سبى ترك * ونطحناهم فأى نطاح بفيك أيها القائل الكثكث والاثلب إفتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهر هم الله وأذهب عنهم الرجس، فاكظم وأقع كما أقعى أبوك قائما لكل امرئ ما كسب وما قدمت يداه أحسدتمونا - ويلكم - على ما فضلنا الله. فما ذنبنا إن جاش دهرا بحورنا * وبحرك ساج ما يوارى الدعا مصا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.

[ 91 ]

قال: فارتفعت الاصوات بالبكاء والنحيب وقالوا حسبك يا أبنة الطيبين فقد أحرقت قلوبنا وأنضجت نحورها وأضرمت أجوافنا فسكتت. قال: وخطبت أم كلثوم بنت على عليه السلام في ذلك اليوم من وراء كلتها رافعة صوتها بالبكاء، فقالت: يا أهل الكوفة سوأة لكم ما لكم خذلتم حسينا وقتلتموه وأنتهبتم أمواله وورثتموه وسببتم نسائه ونكبتموه، فتبا لكم وسحقا، ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم وأى وزر على ظهور كم حملتم وأى دماء سفكتموها وأى كريمة أصبتموها وأى صيبة سبلتموها وأى أموال إنتهبتموها. قتلتم خير رجالات بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم ونزعت الرحمة من قلوبكم ألا إن حزب الله هم الفائزون وحزب الشيطان هم الخاسرون، ثم قالت: قتلتم أخى صبرا فويل لا مكم * ستجزون نارا حرها يتوقد سفكتم دماء حرم الله سفكها * وحرمها القرآن ثم محمد ألا فابشروا بالنار إنكم غدا * لفى سقر حقا يقينا تخلدوا وإنى لأبكى في حياتي على أخى * على خير من بعد النبي سيولد بدمع عزيز مستهل مكفكف * على الخدمنى دائما ليس يحمد قال الراوى: فضج الناس بالبكاء والنوح ونشر النساء شعور هن ووضعن التراب على رؤوسهن وخمشن

[ 92 ]

وجوههن وضربن خدود هن ودعون بالويل والثبور وبكى الرجال ونتفوا لحاهم فلم ير باكية أكثر من ذلك اليوم. ثم إن زين العابدين عليه السلام أوما إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا، فقام قائما فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه واله وسلم ثم صلى عليه ثم قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسى أنا على بن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام أنا ابن من إنتهكت حرمته وسلبت نعمته وإنتهب ماله وسبى عياله، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات أنا ابن من قتل صبرا، وكفى بذلك فخرا، أيها الناس فأنشدكم الله هل تعلمون إنكم كتبتم إلى أبى وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه فتبا لما قدمتم لأنفسكم وسوءة لرأيكم بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه اله وسلم إذ يقول لكم قتلتم عترتي وإنتهكتم حرمتي فلستم من امتى. قال الراوى فارتفعت الاصوات من كل ناحية ويقول بعضهم لبعض هلكتم وما تعلمون فقال عليه السلام رحم الله إمرءا قبل نصيحتي وحفظ وصيتى في الله وفى رسوله وأهل بيته فإن لنا في رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أسوة حسنة فقالوا: بأجمعهم نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون

[ 93 ]

مطيعون خافظون لذمامك زاهدين فيك وراغبين عنك فمرنا بأمرك يرحمك الله فإنا حرب لحربك وسلم لسلمك لنأخذن يزيد لعنه الله ونبرأ ممن ظلمك فقال عليه السلام هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم أتريدون أن تأتوا إلى كما آتيتم آبائى من قبل كلا ورب الراقصات فإن الجرح لما يندمل قتل أبى صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ولم ينسنى ثكل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وثكل أبى وبنى أبى ووجده بين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقى وغصصه تجرى في فراش صدري ومسئلتي أن تكونوا لا لنا ولا علينا ثم قال: لاغرو إن قتل الحسين فشيخه * قد كان خيرا من حسين وأكرم فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذى * أصيب حسين كان ذلك أعظم قتيل بشط النهر روحي فدائه * جزاء الذى أرداه نار جهنم ثم قال رضينا منكم رأسا برأس فلا يوم لنا ولا يوم علينا. قال الراوى: ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس وأذن إذنا عاما وجى برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه وأدخل نساء الحسين عليه السلام وصبيانه إليه فجلست زينب بنت على عليه السلام متنكرة فسأل عنها فقيل زينب بنت على عليه السلام فأقبل إليها فقال الحمد

[ 94 ]

لله الذى فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك، فقالت: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب عليهم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن يكون الفلج يؤمئذ هبلتك أمك يا بن مرجانة. فقال الراوى: فغضب ابن زياد وكأنه هم بهاء، فقال له عمرو بن حريث إنها إمرأة والمراد لا تؤخذ بشئ من منطقها، فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبى من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك، فقالت: لعمري لقد قتلت كهلى وقطعت فرعى وإجتثثت أصلى فإن كان هذا شفاك فقد إشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوك شاعرا وسجاعا، فقالت: يا بن زياد ما للمرأة والسجاعة. ثم التفت ابن زياد إلى على بن الحسين عليهما السلام فقال من هذا ؟ فقيل: على بن الحسين، فقال: أليس قد قتل الله على بن الحسين عليه السلام فقال على عليه السلام: قد كان لى أخ يقال له على بن الحسين قتله الناس فقال بل الله قتله. فقال على عليه السلام الله يتوفى الأنفس حين موتها

[ 95 ]

والتى لم تمت في منامها، فقال ابن زياد: ألك جرأة على جوابي إذهبوا به فإضربوا عنقه فسمعت به عمته زينب فقالت: يابن زياد إنك لم تبق منا أحدا فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه، فقال على عليه السلام لعمته أسكتي يا عمة حتى أكلمه ثم أقبل، فقال: أبا لقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة. ثم أمر ابن زياد بعلى بن الحسين عليه السلام وأهله فحملوا إلى دار جنب المسجد الأعظم، فقالت زينب بنت على عليه السلام لا تدخلن عربية إلا ام ولد أو مملوكة فإنهن سبين كما سبينا ثم أمر ابن زياد برأيس الحسين عليه السلام فطيف به في سكك الكوفة ويحق لى أن أتمثل هنا بأبيات لبعض ذوى العقول يرثى بها قتيلا من آل الرسول. رأس ابن بنت محمد ووصية * للناظرين على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا منكر منهم ولا متفجع كحلت بمنظرك العيون عماية * وأصم رزئك كل أذن تسمع أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * وأنمت عينا لم يكن بك تهجع ماروضة إلا تمنت إنها * لك حفرة ولحظ قبرك مضجع قال الراوى: ثم إن ابن زياد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال في بعض كلامه: الحمد لله الذى أظهر

[ 96 ]

الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين وأشياعه وقتل الكذاب بن الكذاب فما زاد على الكلام شيئا حتى قام إليه عبد الله بن عفيف الازدي وكان من خيار الشيعة وزهادها وكانت عينه اليسرى ذهبت في يوم الجمل يصلى فيه إلى الليل، فقال: يا ابن زياد إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه يا عدو الله أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين !. قال الراوى: فغضب ابن زياد وقال من هذا المتكلم فقال أنا المتكلم يا عدوا الله أتقتل الذرية الطاهرة التى قد أذهب الله عنها الرجس وتزعم إنك على دين الاسلام واغوثاه أين أولاد المهاجرين والانصار لينتقمون من طاغيتك اللعين بن اللعين على لسان رسول رب العالمين. قال الراوى: فازداد غضب ابن زياد حتى إنتفخت أوداجه وقال: وقال: على به فتبادرت إليه الجلاوزة من كل ناحية ليأخذوه فقامت الاشراف من الازد من بنى عمه فخلصوه من أيدى الجلاوزة وأخرجوه من باب المسجد وإنطلقوا به إلى منزله، فقال ابن زياد: إذهبوا الى هذا

[ 97 ]

الاعمى أعمى الازد أعمى الله قبله كما أعمى عينه فاتوني به، قال فانطلقوا إليه فلما بلغ ذلك الازد أجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم، قال: بلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الاشعث وأمرهم بقتال القوم. قال الراوى: فاقتلوا قتالا شديدا حتى قتل بينهم جماعة من العرب، قال ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب وإقتحموا عليه فصاحب إبنته أتاك القوم من حيث تحذر، فقال: لا عليك ناولنى سيفى: قال: فناوله إياه فجعل يذب عن نفسه ويقول: أنا إبن ذى الفضل عفيف الطاهر * عفيف شيخي وابن أم عامر كم دارع من جمعكم وحاسر * وبطل جدلته مغاور قال وجعلت إبنته تقول يا أبت ليتنى كنت رجلا أخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة قال وجعل القوم يدرون عليه من كل جهة وهو يذب عن نفسه فلم يقدر عليه أحد وكلما جاءه من جهة قالت يا أبت جاؤك من جهة كذا حتى تكاثروا عليه وأحاطوا به فقالت بنته واذلاه يحاط بأبى وليس له ناصر يستعين به فجعل يدير سيفه ويقول:

[ 98 ]

أقسم لو يفسخ لى عن بصرى * ضاق عليك موردى ومصدري قال الراوى: فما زالوا به حتى أخذوه ثم حمل فأدخل على ابن زياد فلما رآه قال الحمد الله الذى أخزاك فقال له عبد الله بن عفيف: يا عدو الله وبماذا أخزاني الله والله لوفرج لى عن بصرى * ضاق عليك موردى ومصدري فقال ابن زياد: يا عدو الله ما تقول في عثمان بن عفان، فقال يا عبد بنى علاج يا ابن مرجانة وشتمه ما أنت وعثمان بن عفان أسماء أم أحسن وأصلح أم أفسد والله تبارك وتعالى ولى خلقه يقضى بينهم وبين عثمان بالعدل والحق ولكن سلنى عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه، فقال ابن زياد: لا سئلتك عن شئ أو تذوق الموت فقال ابن زياد: لا سئلتك عن شئ أو تذوق الموت غصة بعد غصة، فقال عبد الله بن عفيف: الحمد لله رب العالمين اما إنى قد كنت أسئل الله ربى أن يرزقنى الشهادة من قبل ان تلدك أمك وسألت الله ان يجعل ذلك على يدى ألعن خلقه وأبغضهم إليه فلما كف بصرى يئست عن الشهادة والان فالحمد لله الذى رزقنيها بعد الياس منها وعرفني الاجابة منه في قديم دعائي، فقال يا ابن زياد: إضربوا عنقه فضربت عنقه وصلب في السبخة.

[ 99 ]

قال الراوى: وكتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين عليه السلام وخبر أهل بيته وكتب أيضا إلى عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك أما عمرو فحيث وصله الخبر صعد على المنبر وخطب الناس وأعلمهم ذلك فعظمت واعية بنى هاشم وأقاموا سنن المصائب والماتم وكانت زينب بنت عقيل بن أبى طالب عليه السلام تندب الحسين عليه السلام وتقول: ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهل بيتى بعد مفتقدى * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ماكان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوى رحمى فادما جاء الليل سمع أهل المدينة هاتفا ينادى: أيها القاتلون جهلا حسينا * إبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * منى بنى ومالك وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى صاحب الانجيل وأما يزيد بن معاوية فإنه لما وصله كتاب عبيد الله بن زياد ووقف عليه أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين عليه السلام ورؤوس من قتل معه وعمل أثقاله ونسائه وعياله فاستدعى ابن زياد بمحفر بن ثعلبة العائذى فسلم إليه الرؤوس والاسرى والنساء فصار بهم محفر الى

[ 100 ]

الشلام، كما يسار بسبايا الكفار يتصفح وجوههن أهل الاقطار. فروى ابن لهيعة وغيره حديثا أخذنا منه موضع الحاجة قال: كنت أطوف بالبيت فإذا برجل يقول اللهم أغفر لي وما أراك فاعلا، فقلت له: يا عبد الله إتق الله ولا تقل مثل ذلك فإن ذنوبك لو كانت مثل قطر الامطار وروق الاشجار فاستغفرت الله غفرها لك فإنه غفور رحيم قال فقال لى: تعالى حتى أخبرك بقصتي فأتيته فقال: إعلم إنا كنا خمسين نفرا ممن سار مع رأس الحسين عليه السلام إلى الشام فكنا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حول التابوت فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا ولم أشرب معهم فلما جن الليل سمعت رعدا ورأيت برقا فإذا أبواب السماء قد فتحت ونزل آدم عليه السلام ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ونبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم ومعهم جبرائيل وخلق من الملائكة فدنا جبرائيل من التابوت وأخرج الرأس وضمه الى نفسه وقبله ثم كذلك فعل الأنبياء كلهم وبكى النبي صلى الله عليه واله وسلم على رأس الحسين عليه السلام وعزاه الأنبياء وقال له جبرائيل عليه السلام يا محمد إن الله تبارك وتعالى أمرنى أن أطيعك في أمتك فإن أمرتنى زلزلت بهم الأرض وجعلت عاليها سافلها كما

[ 101 ]

فعلت بقوم لوط، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم يا جبرائيل فإن لهم معى موقفا بين يدى الله يوم القيامة ثم جاءت الملائكة نحونا ليقتلونا فقلت الامان الامان يارسول الله فقال إذهب فلا غفر الله لك. ورأيت في تذييل محمد بن النجار شيخ المحدثين ببغداد في ترجمة على بن نصر الشبوكى بإسناده زيادة في هذا الحديث ما هذا لفظه قال لما قتل الحسين بن على وحملوا برأسه جلسوا يشربون ويجئ بعضهم بعضا بالرأس فخرجت يد وكتبت بقلم الحدى على الحائط. أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب قال فلما سمعوا بذلك تركوا الرأس وهزموا دخول الرؤوس والنساء الى الشام قال الراوى: وسار القوم برأس الحسين ونسائه والاسرى من رجاله فلما قربوا من دمشق دنت ام كلثوم من شمر وكان من جملتهم فقالت له: لى إليك حاجة: فقال: ما حاجتك قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظارة وتقدم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال فأمر في جواب سؤالها أن يجعل

[ 102 ]

الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغيا منه وكفرا وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة حتى أتى بهم باب دمشق فوفقوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبى. فروى: أن بعض فضلاء التابعين لما شاهدا رأس الحسين عليه السلام بالشام أخفى نفسه شهرا من جميع أصحابه فلما وجدوه بعد إذ فقدوه سألوه عن سبب ذلك فقال ألا ترون ما نزل بنا وأنشأ يقول: جاؤا بر أسك يا بن بنت محمد * مترملا بدمائه ترميلا وكأنما بك يا بن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا ولم يترقبوا * في قتلك التأويل والتنزيلا ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا قال الراوى: وجاء شيخ ودنا من نساء الحسين عليه السلام وعياله وهم في ذلك الموضع فقال الحمد لله الذى قتلكم وأهلككم وأراح البلاد عن رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم فقال له على بن الحسين عليه السلام يا شيخ هل قرأت القرآن ؟ قال: نعم، قال فهل عرفت هذه الآية: (لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى). قال الشيخ: نعم قد قرأت ذلك فقال على عليه السلام له فنحن القربى يا شيخ فهل قرأت في

[ 103 ]

بنى إسرائيل (وآت القربى حقه) فقال الشيخ قد قرأت، فقال على بن الحسين فنحن القربى يا شيخ فهل قرأت هذه الآية: (واعملوا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى). قال: نعم، فقال له على عليه السلام: فنحن القربى يا شيخ فهل فرأت هذه الاية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهر كم تطهيرا. قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال على عليه السلام: فنحن أهل البيت الذى خصصنا الله بآية الطهارة يا شيخ. قال الراوى: فبقى الشيخ ساكتا نادما على ما تكلم به وقال: بالله إنكم هم، فقال: على بن الحسين عليهما السلام تالله إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فبكى الشيخ ورمى عمامته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم إنا نبرأ إليك من عدو آل محمد صلى الله عليه واله وسلم من جن وإنس، ثم قال هل لى توبة، فقال له: نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا، فقال: أنا تائب فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل. قال الراوى: ثم أدخل ثقل الحسين عليه السلام ونسائه ومن تخلف من أهل بيته على يزيد بن معاوية (لع) وهم مقرنون في الحبال، فلما وفقوا بين يديه وهم على تلك

[ 104 ]

الحال قال على بن الحسين عليهما السلام أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه واله وسلم لو رآنا على هذه الصفة فأمر يزيد بالحبال فقطعت. ثم وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه فرآه على بن الحسين عليهما السلام فلم يأكل بعد ذلك أبدا وأما زينب فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يفزع القلوب يا حسيناه يا حبيب رسول الله يا ابن مكة ومنى يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء يا ابن بنت المصطفى. قال الراوى فأبكت والله كل من كان في المجلس ويزيد عليه لعائن الله ساكت. ثم جعلت امرأة من بنى هاشم كانت في دار يزيد لعنه الله تندب على الحسين عليه السلام وتنادى يا حبيباه يا سيد أهل بيتاه يا ابن محمد يا ربيع الارامل واليتامى يا قتيل أولاد الادعياء، قال الراوى: فأبكت كل من سمعها. ثم دعاء يزيد عليه اللعنة بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي وقال: ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين عليه السلام

[ 105 ]

ابن فاطمة عليها السلام أشهد لقد رأيت النبي صلى الله عليه واله وسلم يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن عليهما السلام أنتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وسائت مصيرا قال الراوى: فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج سحبا، قال وجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى ليت أشياخى ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحى نزل لست من خندف إن لم أنتقم * من بنى أحمد ما كان فعل قال الراوى: فقامت زينب بنت على بن أبى طالب عليه السلام فقالت الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسول وآله: أجمعين، صدق الله سبحانه كذلك يقول ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الاسراء إن بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة وإن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا حين رأيت الدينا لك مستوثقة والامور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا أنسيت

[ 106 ]

قول الله تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزداد وا إثما ولهم عذاب مهين) أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول لله صلى الله عليه واله وسلم سبايا قد هتكت ستور هن وأبديت وجوههن تحدوا بهن الاعداء من بلد إلى بلد ويستشر فهن أهل المناهل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدنى والشريف ليس معهن من رجالهن ولى ولا من حماتهن حمى وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء ونبت لحمه من دماء الشهداء وكيف ويستبطأ في بغضاء أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان والاحن والاضغان ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم. لا هلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لاتشل منتحيا على ثنايا أبى عبد الله عليه السلام سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة وإستأصلت الشأفة باراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه واله وسلم ونجوم الارض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك، وزعمت إنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتوذن إنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا وأحلل

[ 107 ]

غضبك بمن سفك دمائنا وقتل حماتنا فوالله ما قريب إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بما تحملت من سفك ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته وحيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم. (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحيا عند ربهم يرزقون). وحسبك بالله حاكما وبمحمد صلى الله عليه واله وسلم خصيما وبجبرائيل ظهيرا وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا وأيكم شر مكانا وأضعف جندا ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك إنى لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك لكن العيون عبرى والصدور حرى الا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحرب الشيطان الطلقاء فهذه الايدى تنطف من دمائنا والافواه تتحلف من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكى تتنابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما حين لا تجد الا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد: فإلى الله المشتكى وعليه المعول فكد كيدك وأسع سعيك وناصب جهد كفوالله لا عنك عارها وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادى المنادى الا لعنة الله على الظالمين فالحمد

[ 108 ]

لله رب العالمين الذى ختم لاولنا بالسعادة والمغفرة ولاخرنا بالشهادة والرجمة ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل. فقال يزيد لعنه الله: يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون الموت على النوائح قال الراوى: ثم استشار أهل الشام فيما يصنع بهم، فقالوا لا تتخذن من كلب سوء جروا، فقال النعمان بن بشير: أنظر ما كان الرسول يصنع بها فاصنعه بهم. فنظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هب لى هذه الجارية، فقالت فاطمة لعمتها: يا عمتاه أو تمت وأستخدم ؟ فقالت: زينب: لاولا كرامة لهذا الفاسق فقال الشامي: من هذه الجارية ؟ فقال يزيد: هذه فاطمة بنت الحسين عليه السلام وتلك زينب بنت على بن أبى طالب فقال الشامي: الحسين بن فاطمة عليهما السلام وعلى بن أبى طالب عليه السلام ! قال: نعم فقال الشامي: لعنك الله يا يزيد أتقتل عترة نبيك وتسبى ذريته والله ما توهمت إلا

[ 109 ]

أنهم سبى الروم ! فقال يزيد: والله لألحقنك بهم، ثم أمر به فضربت عنقه. قال الراوى: ودعا يزيد بالخطيب وأمره أن يصعد المنبر فيذم الحسين وأباه عليهما السلام فصعد وبالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين الشهيد عليهما السلام والمدح لمعاوية ويزيد عليهما لعائن الله فصاح به على بن الحسين عليه السلام ويلك أيها الخطيب إشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبؤ مقعدك من النار ولقد أحسن ابن سنان الخفاجى في وصف أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أعلى المنابر تعلنون بسبه * وبسيفه نصبت لكم أعوادها قال الراوى: ووعد يزيد (لع) على بن الحسين عليهما السلام في ذلك اليوم إنه يقضى له ثلاث حاجات ثم أمر بهم إلى منزل لا يكنهم من حر ولا برد فاقاموا به حتى تقشرت وجوههم وكانوا مدة إقامتهم في البلد المشار إليه ينوحون على الحسين عليه السلام. قالت سكينة فلما كان في اليوم الرابع من مقامنا رأيت في المنام رؤيا ذكرت مناما طويلا في آخره رأيت أمرأة راكبة في هودج ويدها موضوعة على رأسها فسألت عنها فقيل لى فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم أم أبيك فقلت والله لأنطلقن إليها ولأخبرنها ما صنع بنا فسعيت مبادرة

[ 110 ]

نحوها حتى لحقت بها فوقفت بن يديها أبكى وأقول يا أماه جحدوا والله حقنا يا أماه بددوا والله شملنا يا أماه إستباحوا والله حريمنايا أماه قتلوا والله الحسين عليه السلام أبانا، فقالت لى: كفى صوتك يا سكينة فقد قطعت نياط قلبى هذا قميص أبيك الحسين عليه السلام لا يفارقنى حتى ألقى الله به. وروى ابن لهيعة: عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن قال: لقيني رأس الجالوت فقال والله بينى وبين داود لسبعين أبا وإن اليهود تلقاني فتعظمني وأنتم ليس بين ابن نبيكم وبينه إلا أب واحد قتلتم ولده ! وروى عن زين العابدين عليه السلام قال: لما أتى برأس الحسين عليه السلام إلى يزيد كان يتخذ مجالس الشرب ويأتى برأس الحسين عليه السلام ويضعه بين يديه ويشرف عليه فحضر ذات يوم في مجلسه رسول ملك الروم وكان من أشراف الروم وعظمائهم، فقال يا ملك العرب هذا رأس من ؟ فقال له يزيد: مالك ولهذا الرأس ؟ فقال إنى إذا رجعت الى ملكنا يسألنى عن كل شئ رأيته فأحببت أن أخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور، فقال يزيد: عليه اللعنة هذا رأس الحسين بن على بن أبى طالب عليه السلام، فقال الرومي: ومن أمه ؟

[ 111 ]

فقال: فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسم فقال النصراني أف لك ولدينك لى دين أحسن من دينكم إن أبى من حوافد داود عليه السلام وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظمونى ويأخذون من تراب قدمى تبركا بأنى من حوافد داود عليه السلام وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وما بينه وبين نبيكم إلا أم واحدة فأى دين دينكم !. ثم قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر ؟ فقال له: قل حتى أسمع فقال: بين عمان والصين بحر مسيرة سنة ليس فيها عمران إلا بلدة واحدة في وسط الماء طوله ثمانون فرسخا ى ثمانين فرسخا، ما على وجه الارض بلدة منها ومنها يحمل الكافور والياقوت أشجارهم العود والعنبر وهى في أيدى النصارى لا ملك لأحد من الملوك فيها سواهم وفى تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقة ذهب معلقة فيها حافر يقولون إن هذا حافر حمار كان يركبه عيسى عليه السلام وقد زينوا حول الحقة بالديباج يقصدها في كل عام عالم من النصارى ويطوفون حولها ويقبلونها ويرفعون حوائجهم الى الله تعالى عندها هذا شأنهم ورأيهم بحافر حمار يزعمون إنه حافر حمار كان يركبه عيسى عليه السلام نبيهم وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم فلا بارك

[ 112 ]

الله تعالى فيكم ولا في دينكم، فقال يزيد: (لع) أقتلوا هذا النصراني لئلا يفضحنى في بلاده فلما أحس النصراني بذلك قال له: أتريد أن تقتلني ؟ قال: نعم قال: إعلم إنى رأيت البارحة نبيكم في المنام يقول لى يا نصراني أنت من أهل الجنة فتعجبت من كلامه ؟ وأشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ووثب إلى رأس الحسين عليه السلام فضمه إلى صدره وجعل يقبله ويبكى حتى قتل. قال وخرج زين العابدى عليه السلام يوما يمشى في أسواق دمشق قاستقبله المنهال بن عمرو فقال له: كيف أمسيت يا ابن رسول الله ؟ قال أمسينا كمثل بنى إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبنائهم ويستحيون نسائهم يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا عربي، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مغصوبون مقتولون مشردون، فإنا لله وإنا إليه راجعون مما أمسينا فيه، يا منهال ولله در مهيار حيث قال: يعظمون له أعواد منبره * وتحت أرجلهم أولاده وضعوا بأى حكم بنوه يتبعونكم * وفخر كم إنكم صحب له تبع ودعا يزيد عليه لعائن الله يوما بعلى بن

[ 113 ]

الحسين عليه السلام وعمرو بن الحسين عليه السلام وكان عمرو صغيرا يقال ان عمره إحدى عشرة سنة، فقال له: اتصارع هذا يعنى إبنه خالدا ؟ فقال له عمرو: لا ولكن أعطني سكينا واعطه سكينا ثم أقاتله، فقال يزيد (لع): شنشة أعرفها من أخزم * هل تلد الحية إلا الحية وقال لعلى بن الحسين عليه السلام: أذكر ما جائك الثلاث اللاتى وعدتك بقضائهن فقال له: الاولى: أن ترينى وجه سيدى ومولاى وأبى الحسين عليه السلام فأتزود منه. والثانية: أن ترد علينا ما أخذ منا. والثالثة: إن كنت عزمت على قتلى أن توجه مع هؤلاء النسوة من يرد هن إلى حرم جدهن صلى الله عليه واله وسلم، فقال له يزيد،: أما وجه أبيك فلا تراه أبدا وأما قتلك فقد عفوت عنك وأما النساء فما يردهن غيرك إلى المدينة وأما ما أخذ منكم فأنا أعوضكم عنه أضعاف قيمته فقال: أما مالك فما نريده فهو موفر عليك وإنما طلبت ما أخذ منا لان فيه مغزل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم ومقنعتها وقلادتها وقميصها فأمر برد ذلك، وزاد فيه من عنده مائتي دينار فأخذها زين العابدين عليه السلام وفرقها في الفقراء ثم أمر برد

[ 114 ]

الاسارى وسبايا الحسين عليه السلام إلى أوطانهن بمدينة الرسول صلى الله عليه واله وسلم. فأما رأس الحسين عليه السلام فروى إنه أعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف عليه السلام وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه، ورويت آثار كثيرة مختلفة غير ما ذكرناه تركنا وضعها كيلا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب. قال الراوى: لما رجع نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل مر بناعلى طريق كربلاء فوصلوا الى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الانصاري (ره) وجماعة من بنى هاشم ورجالا من آل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام فوافوا وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياما فروى عن أبى حباب الكلبى قال حدثنا الجصاصون قالوا: كنا نخرج إلى الجبانة في الليل عند مقتل الحسين عليه السلام فنسمع الجن ينوحون عليه فيقولون: مسح الرسول جبينه * فله بريق في الخدود أبواه من أعلى قريش * وجده خير الجدود

[ 115 ]

قال الراوى: ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة قال بشيرين جذلم: فلما قربنا منها أنزل على بن الحسين عليه السلام فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نسائه وقال: يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعرا فها تقدر على شئ منه فقال بلى يا ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إنى شاعر فقال عليه السلام أدخل المدينة وانع أبا عبد الله عليه السلام قال بشير فركبت فرسى وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه واله وسلم رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول: يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منع على القناة يدار قال ثم قلت هذا على بن الحسين عليهما السلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدور هن مكشوفة شعور هن مخمشة وجوههن ضاربات خدود هن يدعون بالويل والثبور فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه وسمعت جارية تنوح على الحسين عليه السلام فتقول. نعى سيدى ناع نعاه فأوجعا * وأمرضني ناع نعاه فأفجعا

[ 116 ]

فعينى جودا بالدماع وأسكبا * وجودا بدمع بعدد معكما معا على من دهى عرش الجليل فزعوعا * فأصبح هذا المجد والدين أجدعا على إبن نبى الله وإبن وصيه * وإن كان عناشاحط الدار اشعا ثم قالت أيها الناعي جددت حزننا بأبى عبد الله عليه السلام وخدشت منا قروحا لما تندمل فمن أنت رحمك الله فقلت: أنا بشير بن جذلم وجهنى مولاى على بن الله فقلت: أنا بشير بن جذلم وجهنى مولاى على بن الحسين عليه السلام وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبى عبد الله الحسين عليه السلام ونسائه قال فتركوني مكاني وبادروني فضربت فرسى حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فنزلت عن فرسى وتخطيب رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان على بن الحسين عليه السلام داخلا فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه وخلفه خادم معه كرسى فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك عن العبرة وارتفعت أصوات الناس بالبكاء وحنين النسوان والجوارى والناس يعزونه من كل ناحية فضبحت تلك البقعة ضجة شديدة. فأومأ بيده أن سكتوا فسكنت فورتهم فقال: الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين بارئ الخلائق أجمعين الذى بعد فارتفع في السموات العلى وقرب فشهد النجوى نحمده على عظائم الامور وفجائع الدهور وألم الفجائع

[ 117 ]

ومضاضة اللواذع وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة أيها القوم ان الله وله الحمد إبتلانا بمصائب جليلة وثلمة في الاسلام عظيمة قتل أبو عبد الله الحسين عليه السلام وعترته وسبى نسائه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان وهذه الرزية التى لا مثلها رزية، أيها الناس فأى رجالات منكم يسرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أيه عين منكم تحبس دمعها وتضن عن أنهما لها فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها والسموات بأركانها، والارض بأرجانها والسموات بأركانها، البحار والملائكة المقربون وأهل السموات أجمعون. يا أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله أم أي فؤاد لا يحن إليه أم أي سمع لا يسمع هذه الثلمة التى ثلمت في الاسلام ولا يصم، أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين وشاسعين عن الامصار كأنا أولاد ترك وكابل من غير جرم إجترمناه ولا مكروه إرتكبناه ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين إن هذا إلا اختلاق والله لو ان النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظها وأمرها وأفدحها، فعند الله

[ 118 ]

نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا فإنه عزيز ذو إنتقام. قال الراوى: فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان وكان زمنا فاعتذر إليه صلوات الله عليه بما عنده من زمانة رجليه فأجابه بقبول معذرته وحسن الظن فيه وشكر له وترحم على أبيه. قال على بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس جامع هذا الكتاب: ثم إنه صلى الله عليه واله وسلم رحل إلى المدينة بأهله وعياله ونظر إلى منازل قومه ورجاله فوجد تلك المنازل تنوح بلسان أحوالها وتبوح باعلال الدموع وإرسالها لفقد حماتها وتندب عليهم ندب الثواكل وتسأل عنهم أهل المناهل وتهيج أحزانه على مصارع قتلاه وتنادى لاجلهم واثكلاه وتقول يا قوم أعذروني على النياحة والعويل وساعدوني على المصاب الجليل، فإن القوم الذين أندب لفراقهم وأحن إلى كرم أخلاقهم كانوا سمار ليلى ونهارى وأنوار ظلمي وأسحاري وأطناب شرقي وإفتخاري وأسباب قوتي وإنتصاري والخلف من شموسي وأقمارى، كم ليلة شردوا باكرامهم وحشتي وشيدوا بأنعامهم حرمتي وأسمعوني مناجات أسحارهم وأمتعوني بإبداع أسرارهم وكم يوم عمرو ان نعى بمحافلهم وعطروا طبعي بضائلهم وأورقوا عودي بماء عهودهم

[ 119 ]

وأذهبوا نحوسى بماء سعود هم وكم غرسوا لى من المناقب وحرسوا محلى من النوائب وكم أصبحت بها أتشرف على المنازل والقصور وأميس في ثوب الجذل والسرور وكم أعاشوا في شعابي من أموات الدهور وكم إنتاشوا على أعتابي من رفات المحذور فأقصدني فيهم منهم الحمام وحسدني عليهم حكم الايام فأصبحوا غرباء بين الاعداء وغرضا لسهام الاعتداء وأصبحت المكارم تقطع بقطع أناملهم والمناقب تشكو لفقد شمائلهم والمحاسن تزول بزوال أعضائهم والاحكام تنوح لوحشة أرجائهم فيا لله من ورع أريق دمه في تلك الحروب وكمال نكس علمه بتلك الخطوب ولئن عدمت مساعدة أهل العقول وخذلني عند المصائب جهل العقول فإن لى مسعدا من السنن الدارسة والاعلام الطامسة فإنها تندب كندبى وتجد مثل وجدى وكربي فلو سمعتم كيف ينوح عليهم لسان حال الصلوات ويحن إليهم إنسان الخلوات وتشتاقهم طوية المكارم وترتاح إليهم أندية الاكارم وتبكيهم محاريب المساجد وتناديهم ماآريب الفوائد لشجاكم سماع تلك الواعية النازلة وعرفتم تقصير كم في هذه المصيبة الشاملة بل لو رأيتم وحدتي وانكساري وخلو مجالسي وآثاري لرأيتم ما يوجع قلب الصبور ويهيج أحزان الصدور لقد شمت بى من كان يحسدنى من الديار

[ 120 ]

وظفرت بى أكف الاخطار فياشوقاه إلى منزل سكنوه ومنهل أقاموا عنده واستوطنوه ليتنى كنت إنسانا أفديهم حز السيوف وأدفع عنهم حر الحتوف وأشفى غيظي من السنان وأرد عنهم سهام العدوان وهلا إذا فاتني شرف تلك المواساة الواجبة كنت محلا لضم جسومهم الشاجة وأهلا لحفظ شمائلهم من البلى ومصونا من لوعة هذا الهجر والقلى، فآه ثم آه لو كنت مخطا لتلك الاجساد ومحطا لنفوس أولائك الا جواز لبذلت في حفظها غاية المجهود ووفيت لها بقديم العهود وقضيت لها بعض الحقوق الاوائل ووقيتها من وقع الجنادل وخدمتها خدمة البعد المطيع وبذلت لها جهد المستطيع، فرشت لتلك الخدود والاوصال فراش الاكرام والاجلال، وكنت أبلغ منيتى من إعتناقها وأنور ظلمتي بإشراقها فيا شوقاه الى تلك الامانى ويا قلقاه لغيبة أهلى وسكاني فكل حنين يقصر عن حنيني وكل دواء غيرهم لا يشفينى، وها أنا قد لبست لفقدهم أثواب الاحزان وآنست بعد هم بجلباب الاشجان وأيست أن يلم في التجلد والصبر وقلت يا سلوة الايام موعدك الحشر ولقد أحسن ابن قتيبة رحمه الله تعالى وقد بكى على المنازل المشار إليها فقال: مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها يوم حلت

[ 121 ]

فلا يبعد الله الديار وأهلها * وإن أصبحت منهم بزعمي تخلف ألا إن قتلى الطف من آل هاشم * أذلت رقاب المسلمين فذلت وكانوا غياثا ثم أضحوار زية * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت ألم تر ان الشمس أضحت مريضة * لفقد حسين والبلاء إقشعرت فأسلك أيها السامع بهذا المصاب مسلك القدوة من حماة الكتاب. فقد روى عن مولانا زين العابدين عليه السلام وهو ذو الحكم الذى لا يبلغه الوصف إنه كان كثير البكاء لتلك البلوى وعظيم البث والشكوى. فروى عن الصادق عليه السلام أنه قال: ان زين العابدين عليه السلام بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره وقائما ليلة فإذا حضر الافطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه قيضعه بين يديه فيقول كل يا مولاى فيقول قتل ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جائعا، قتل ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عطشانا، فلا يزال يكرر ذلك ويبكى حتى يبتل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل. وحدث مولى له: أنه برز يوما إلى الصحراء قال فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكائه وأحصيت عليه ألف مرة يقول لا إله

[ 122 ]

إلا الله حقا حقا لا إله إلا تعبدا ورقا لا إله إلا الله إيمانا وتصديقا وصدقا. ثم رفع رأسه من سجوده وإن لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه، فقلت: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضى ولبكائك أن يقل ؟ فقال لى: ويحك إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، كان نبيا ابن نبى له إثنى عشر إبنا فغيب الله واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن وإحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وإبنه حى في دار الدنيا وأنا رأيت أبى وأخى وسبعة عشر من أهل بيتى صرعى مقتولين فكيف ينقضى حزنى ويقل بكائى وها أنا أتمثل وأشير إليهم صوات الله عليهم فأقول: من مخبر الملبسينا يانتزاحهم * ثوبا من الحزن لا يبلى ويبلينا إن الزمان الذى قد كان يضحكنا * بقربهم صار بالتفريق يبكينا حالت لفقد هم أيا منا فغدت * سودا وكانت بهم بيضا ليالينا وها هنا منتهى ما أوردناه وآخر ما قصدناه ومن وقف على ترتيبه ورسمه مع اختصاره وصغر حجمه عرف تميزه على أبناء جنسه وفهم فضيلته في نفسه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين

[ 123 ]

كتاب حكاية المختار في أخذ الثار

[ 125 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب فيه أخذ الثأر وانتصار المختار على الطغاة الفجار روى أبو مخنف رضى الله عنه قال: لما قتل مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة الحسين بن أمير المؤمنين عليهما السلام واستولت بنو امية لعنهم الله تعالى على الملك وكان بالكوفة رجل معلم صبيان في مكتب يقال له عمير بن عامر الهمداني وكان ذو عقل وأدب وكان مواليا لأهل البيت عليه السلام، فلما كان في بعض الايام مر به رجل يسقى الماء فقل له عميرا، إسقنى ماء فناوله شربة ماء فشربها الماء). قال: وكان من جملة الاولاد ولد سنان بن أنس النخعي (لع) قال فلما سمع الولد ذلك من المعلم قال لعمير هكذا تسب الخليفة وتلعن الامير عبيد الله بن

[ 126 ]

زياد ! فقال له المعلم: يا غلام إعراض عن هذا الكلام ولا تعد عنى مما سمعت وأنت عندي مثل ولدى. ثم إن الصبى صبر إلى وقت الانصراف فانصرف مع الصبيان ودخل في خراجه وجرح نفسه بسكين كانت معه وفضخ رأسه بحجر وخضب وجهه بالدم ومضى إلى امه، فلما رأته أمه كذلك صرخت في وجهه وقال: يا ولدي من فعل بك هذا ؟ قال إعلمي إن المعلم عبر إليه ساق يسقى الماء فناوله شربة ماء فشرب فطاب له الماء فلعن الخليفة ولعن الامير عبيد الله بن زياد (لع) فلمته على ذلك ففعل بى هذا الفعل. فأخذته أمه الملعونة ومضت به إلى إبن زياد (لع)، ونادت بأعلى صوتها النصيحة فخرج إليها أبو الصبى وكان من خواص إبن زياد الملعون الفاجر الفاسق (لع)، فلما رأى ولده على تلك الحال قال: يا ويلك من فعل بك هذا الفعل ؟ فحدثته إمرأته الملعونة بالحديث من أوله إلى آخر، فلما سمع أخذه وأدخله على عبيد الله بن زياد الملعون، وقص عليه القصة من أولها إلى آخرها وزاد عليها زيادة كثيرة، فلما سع ابن زياد الملعون قال: لبعض قواده أحضروا عمير بن عامر الهمداني مكتوب اليدين مكشوف الرأس سريعا هذه الساعة. وأحضروه بين يدى فمضت القواد من وقتهم وساعتهم وقبضوا على المعلم وجاؤا به

[ 127 ]

وأحضروه بين يدى ابن زياد (لع)، فلما رآه قال له: يا ويلك أنت الذى سببت الخليفة والساب لى ؟ فقال المعلم: معاذ الله أيها الامير أنى ما قلت شيئا من ذلك ولكن احضر الساقى وعقلاء الصبيان فإن شهدوا على ذلك فلا يؤ اخذك الله فيما تعملة في. قال أمر ابن زياد أن يحبسوه في الطامورة. وكان لها ثلاث أبواب على كل باب قفل يقفل فيه ويختم عليه عبيد الله بن زياد قال عمير فأدخلوني الباب الاول والثانى حتى نزلت تحت الطامورة بعشرين ذراعا، فلما نزلت فلم أبصر شيئا فصبرت ساعة فأضاء لى الموضع فرأيت قوما في الميلاد وهم يستغيثون فلا يغاثون منهم أقوام مقيدون ومنهم جماعة مغلولون وسمعت في آخر الطامورة أنينا عاليا فتخطيت رقاب من كان بين يدى حتى وصلت إلى الانين وإذا برجل مقيد مغلولة يديه على عنقه وهو جالس لا يقدر أن يلتفت يمينا ولا شمالا وهو في ذلك الحال يتنفس الصعداء، فسلمت عليه فرد على السلام ورفع رأسه ونظر إلى، وإذا بشعره قد غطا عينيه ووجهه فقلت يا هذا: ما الذى جنيت حتى نزلت بك هذه المصيبة ؟ فقال لأنى من شيعة على بن أبى طالب عليه السلام ومولى ولده الحسين عليه السلام. فقلت له من أنت. من أصحاب الحسين عليه السلام ؟ فقال: أنا المختار بن عبيدة الثقفى.

[ 128 ]

قال عمير: فلما سمعت كلامه بكيت عليه فقبلت رأسه ويديه، فقال لى: من أنت يرحمك الله ؟ فقلت أنا عمير بن عامر الهمداني، وقد كنت أعلم الصبيان فحكيت له قصتي كلها، فقال المختار: ليس هذا موضع المعلمين بل موضع من يأخذ بثار الحسين عليه السلام، روحي فداه ولكن أنت يا عمير لاتغتم وطب نفسا وقر عينا فأنت تخرج عن قريب قال: فبقى المختار والمعلم أياما قلائل، قال: وكان للمعلم إبنه أخ وهى داية في دار ابن زياد (لع) قد أرضعت اولاده فلما سمعت بخبر عمها دخلت على حضية زوجة ابن زياد الملعون وشقت جيبها وهى تبكى فقالت لها حضية: ما الذى أصابك ؟ فقالت: إعلمي يا سيدتي إن عمى شيخ كبير وهو معلم أولادكم وقد وجب حقه عليكم وقد كذب عليه صبى بكلام لم يقله وقد حبسه الامير لعنه الله في الطامورة لعل الله يفك أسره على يدك ويفرج عنه بسببك. فعند ذلك قالت حضية: حبا وكرامة ثم إنها نهضت ودخلت على ابن زياد الملعون وكانت أحظى نسائه وأوجههن إليه، فقالت: أيها الامير إن عمير المعلم له علينا إحسان وقد وجب حقه علينا وهو مكذوب عليه فيما قيل فيه: وأسالك أن تمن على فيه وأن تهبه لى فقال لها: حبا وكرامة.

[ 129 ]

(ثم إنه) دعى في الحال والوقت ببعض حجابه وقال له انطلق الى عمير المعلم وأخرجه من الطامورة وآتني به فمضى الحاجب في الساعة وأتى إلى الطامورة وفتح الاقفال وكان في ذلك الوقت المعلم والمختار يتحدثان فلما سمع الافقال تنفتح قال للمعلم إعلم إن هذه الساعة يفرج الله عنك وتخرج، فقال عمير: والله يعصب على فراقك وإن كنت كارها لهذا الموضع فلما وجدتك إشتهيت أن لا أفارقك طرقة عين، قال: فعند ذلك قال المختار: إن رأيت أصلحك الله تعالى أن يقضى لى حاجة يجزيك الله تعالى عنها الثواب الجزيل ويكون لك عندي منزلة إن كان لى سلامة، فقال المعلم: وما هي حتى أحتال في قضائها، فقال: أريد أن توصل إلى ورقة ولو قدر شبر وقلما ولو قدر ابهام ومداد ولو في قشر جوزة بها حاجة لى. فقال المعلم: حبا وكرامة انشاء الله ولا يكون خاطرك إلا طيب. قال: فبينما هم يتحدثان وإذا بالحاجب قد دخل وأذن للمعلم بالخروج فخرج هو والحاجب حتى مثل بين يدى عبيد الله (لع) فلما رآه قال له: عميرا قد عفونا عنك وعفونا من زلتك لاجل من قد سألنا فيك فإياك أن تعود إلى مثلها أبدا فقال عمير أنا تائب على يدك إننى لا أعود إلى تعليم الصبيان ولا أجلس في مكتب بعد هذا الامر ثم استرخص من عبيد

[ 130 ]

الله بن زياد وانصراف إلى منزله ودخل على زوجته وأوفاها صداقها وطلقها لانه كان خائفا منها أن تظهر خبره وكان صاحب مال وقال في قبله لابد أن أفرغ همتي في قضاء حاجة المختار، ثم إن عمير أعمد إلى بهيمة سمينة فشواها وجعل معه خبزا كثيرا و