الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عصمة الانبياء- الفخر الرازى

عصمة الانبياء

الفخر الرازى


[ 1 ]

عصمة الانبياء عليهم السلام

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم " عصمة الانبياء عليهم السلام، موضوع عقائدي خطير أشغل ذهن علماء الاسلام وكان مثارا للنقاش الطويل بينهم فتحدثوا عن هذا الموضوع في كتبهم الكلامية والتفسيرية و بعض آثارهم الفلسفية من الجانب العقلي والنقلى تحدثوا عن اثبات العصمة أو نفيها، قبل النبوة أو بعدها، في تبليغ الاحكام أو في كل الشؤون... ان في حياة الانبياء عليهم السلام أحداثا ومسائل تشبث بها فريق من الباحثين لانكار عصمتهم والاصرار على أنه صدر منهم الذنوب كبقية الناس، فكان لابد من دراسة هذه المسائل على ضوء الكتاب والسنة والادلة العقلية و بيان ما هو الحق فيها. وأشهر وأحسن كتاب خاص بهذا الموضوع هو كتاب " تنزيه الانبياء " الذى ألفه شيخ الشيعة في عصره و رئيسهم علامة العلوم العقلية والادبية الشريف المرتضى علم الهدى ابو القاسم على بن الحسين الموسوي البغدادي

[ 4 ]

(ت 436) ه‍ فانه تناول فيه الانبياء عليهم السلام واحدا بعد واحد فرد على المستشكلين مسألة مسألة مستشهدا على ما ذهب إليه بالايات القرآنية مع ايضاحها بما أثر من كلام العرب الفصحاء وشواهد من شعرهم البليغ، بالاضافة إلى اشارات فلسفية عقلية تدعم أدلته النقلية. اشتهر كتاب " تنزيه الانبياء " وتلقفته أيدى العلماء منذ تأليفه، لانه فتح آفاقا جديدة من البحث والتنقيب كانت غير معروفة عند الدارسين لهذا الموضوع، وسد فراغا كان يحسه كل باحث عن وجه الحق في ذلك. وقد أتى بعد قرن علامة المعقول والمنقول الامام فخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت 543) ه‍ فعالج نفس الموضوع بأسلوبه الخاص في كتابه المعروف ب‍ (عصمة الانبياء) متأثرا بكتاب " تنزيه الانبياء " ومقتبسا منه مع شئ من الاختصار في عرض المسائل وبحثها. عرف الرازي بتفسيره الكبير " مفاتيح الغيب " الذى حشاه بالفلسفة والكلام وأطال الكلام في الايات الكريمة و بحث فيها من وجوه عقلية شتى، بحيث أخرجت الكتاب في كثير من الاحيان عن كونه تفسيرا للقرآن الكريم. وهذه طريقته أيضا في كتابه الاخر " الاربعين في

[ 5 ]

في أصول الدين "، إذ تناول الاصول الاسلامية من الجانب الفلسفي البحث ودخل في النقض والابرام العقلي غاضا الطرف عن الادلة الاخرى. أما في كتابه هذا " عصمة الانبياء " فاتبع نفس - الاسلوب العقلي ولكن على ضوء الايات القرآنية وما ورد منها في قصص الانبياء والمرسلين عليهم السلام مع تحليل جيد للمسائل وآراء سديدة في رد الخصوم. فرأينا من اللازم طبع هذا الكتاب واشاعته في الاوساط العلمية كما طبع وشاع " تنزيه الانبياء " للشريف المرتضى، فأقدمنا على طبعه بالشكل الذى يراه القارئ الكريم، سائلين المولى عز شأنه أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح، فهو الموفق والمعين. الناشر

[ 6 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتعالى بجلال أحديته عن مسارح الخواطر والاوهام، المقدس بكمال صمديته عن مسابح البصائر والافهام. المتنزه لوجوب هويته عن مشاكلة الاعراض والاجسام. المبرأ بعظمة الهيته عن بواعث الاقدام وصوارف الاحجام، الذى لا يتغير بكرور الدهور ومرور الشهور والاعوام. ولا يؤوده انعام سجال الخواص والعوام من الاحسان والانعام. والصلاة على محمد المبعوث إلى كافة الانام، والسلام على آله وأصحابه أئمة الاسلام * [ أما بعد ] فهذه رسالة عملناها في النضح عن رسل الله وانبيائه والذب عن خلاصة خلقه واتقيائه، وابانة ما أتى به اهل الحشو من احالة الذنوب والجرائم عليهم، ونسبة الفضائح والقبائح إليهم، وأنه زور وبهتان، وحسبان عاطل عن الحجة والبرهان، وانهم يتجشئون من غير شبع، ويطمعون في غير مطمع، وان شبهاتهم لا تقوى على مقاومة الساعد الاشد ولا تسم على المنهج الاسد (كبرت كلمة تخرج من افواههم إن يقولون الا كذبا) والله المحمود على ما أفاض من توفيق، والمشكور على ما منح من تحقيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل (*)

[ 7 ]

[ فصل ] [ في شرح الاقوال والمذاهب في هذه المباحث والمطالب ] [ اعلم ] ان الاختلاف في هذه المسألة واقع في أربعة مواضع [ الاول ] ما يتعلق بالاعتقادية. واجتمعت الامة على أن الانبياء معصومون عن الكفر والبدعة إلا الفضيلية من الخوارج فإنهم يجوزون الكفر على الانبياء عليهم الصلاة والسلام، وذلك لان عندهم يجوز صدور الذنوب عنهم وكل ذنب فهو كفر عندهم، فبهذا الطريق جوزوا صدور الكفر عنهم، والروافض فإنهم يجوزون عليهم إظهار كلمة الكفر على سبيل التقية (1) * [ الثاني ] ما يتعلق بجميع الشرائع والاحكام من الله تعالى، وأجمعوا على أنه لا يجوز عليهم التحريف والخيانة في هذا الباب لا بالعمد ولا بالسهو، وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع *


(1) قال ابو محمد بن حزم رحمه الله في الملل والنحل: " فذهبت طائفة إلى أن الرسل صلى الله عليهم وسلم يعصون الله في جميع الكبائر والصغائر عمدا، حاش الكذب في التبليغ فقط. وهذا قول الكرامية من المرجئة، وقول ابن الطيب الباقلانى من الاشعرية ومن تبعه، وهو قول اليهود والنصارى، وسمعت من يحكى عن بعض الكرامية أنهم يجوزون على الرسل الكذب في التبليغ. واما هذا الباقلانى فانا رأينا في كتاب صاحبه ابى جعفر السمنانى قاضى الموصل أنه كان يقول: كل ذنب دق اوجل فانه جائز على الرسل حاش الكذب في التبليغ فقط. قال: وجائز عليهم ان يكفروا *

[ 8 ]

[ الثالث ] ما يتعلق بالفتوى. وأجمعوا على أنه لا يجوز تعمد الخطأ. فأما على سبيل السهو فقد اختلفوا فيه * [ الرابع ] ما يتعلق بأفعالهم وأحوالهم. وقد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب (الاول) الحشوية وهو انه يجوز عليهم الاقدام على الكبائر والصغائر (الثاني) انه لا يجوز منهم تعمد الكبيرة البتة واما تعمد الصغيرة فهو جائز، بشرط أن لا تكون منفرا. وأما إن كانت منفرا فذلك لا يجوز عليهم، مثل التطفيف بما دون الحبة (1) وهو قول أكثر المعتزلة (الثالث) أنه لا يجوز عليهم تعمد الكبيرة والصغيرة، ولكن يجوز صدور الذنب منهم على سبيل الخطأ في التأويل، وهو قول أبى على الجبائى (الرابع) أنه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا الصغيرة، لا بالعمد ولا بالتأويل والخطأ. أما السهو والنسيان فجائز ثم إنهم يعاتبون على ذلك السهو والنسيان، لما أن علومهم أكمل، فكان الواجب عليهم المبالغة في التيقظ، وهو قول أبى اسحاق ابراهيم بن سيار النظام * [ الخامس ] أنه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالتأويل ولا بالسهو والنسيان. وهذا مذهب الشيعة * واختلفوا أيضا في وقت وجوب هذه العصمة، فقال بعضهم: إنها من أول الولادة إلى آخر العمر، وقال الاكثرون: هذه العصمة انما تجب في زمان النبوة. فأما قبلها فهى غير واجبة. وهو قول أكثر أصحابنا رحمهم الله تعالى *


(1) الحبة صنجة تزن مائة حبة خردل وهى جزء من ستين من المثقال (*)

[ 9 ]

والذى نقول: إن الانبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في زمان النبوة عن الكبائر والصغائر بالعمد. أما على سبيل السهو فهو جائز. ويدل على وجوب العصمة وجوه خمسة عشرة: [ الحجة الاولى (1) ] لو صدر الذنب عنهم لكان حالهم في استحقاق الذم عاجلا والعقاب آجلا أشد من حال عصاة الامة. وهذا باطل فصدور الذنب أيضا باطل، بيان الملازمة: أن أعظم نعم الله على العباد هي نعمة الرسالة والنبوة. وكل من كانت نعم الله تعالى عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أفحش، وصريح العقل يدل عليه، ثم يؤكده من النقل ثلاثة وجوه [ الاول ] قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) وقال تعالى: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) * [ الثاني ] أن المحصن يرجم وغيره يجلد [ الثالث ] أن العبد يحد نصف حد الحر، فثبث بما ذكرنا أنه لو صدر الذنب عنهم لكان حالهم في استحقاق الذم العاجل والعقاب الآجل فوق حال جميع عصاة الامة، إلا أن هذا باطل بالاجماع فان أحدا لا يجوز أن يقول إن الرسول أحسن حالا عند الله وأقل منزلة من كل أحد. وهذا يدل على عدم صدور الذنب عنهم * [ الحجة الثانية ] لو صدر الذنب عنهم لما كانوا مقبولي الشهادة لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) (2)


(1) كان المناسب أن يقول: [ الوجه الاول ] (2) هما قراءتان مشهورتان (فتثبتوا) و (فتبينوا) (*)

[ 10 ]

أمر بالتثبت والتوقف في قبول شهادة الفاسق، إلا أن هذا باطل فان من لم تقبل شهادته في حال الدنيا فكيف تقبل شهادته في الاديان الباقية إلى يوم القيامة، وأيضا فانه تعالى شهد بأن محمدا عليه الصلاة والسلام شهيد على الكل يوم القيامة، قال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ومن كان شهيدا لجميع الرسل يوم القيامة كيف يكون بحال لاتقبل شهادته في الجنة * [ الحجة الثالثة ] لو صدر الذنب عنهم لوجب زجرهم، لان الدلائل دالة على وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لكن زجر الانبياء عليهم الصلاة والسلام غير جائز، لقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) فكان صدور الذنب عنهم ممتنعا * [ الحجة الرابعة ] لو صدر الفسق عن محمد عليه الصلاة والسلام لكنا إما أن نكون مأمورين بالاقتداء به وهذا لا يجوز، أولا نكون مأمورين بالاقتداء به وهذا أيضا باطل لقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ولقوله تعالى: (فاتبعوه) ولما كان صدور الفسق يفضى إلى هذين القسمين الباطلين كان صدور الفسق عنه محالا * [ الحجة الخامسة ] لو صدرت المعصية عن الانبياء عليهم الصلاة والسلام لوجب أن يكونوا موعودين بعذاب الله بعذاب جهنم،

[ 11 ]

لقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) ولكانوا ملعونين، لقوله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) وباجماع الامة هذا باطل فكان صدور المعصية عنهم باطلا * [ الحجة السادسة ] انهم كانوا يأمرون بالطاعات وترك المعاصي قولو تركوا الطاعة وفعلوا المعصية لدخلوا تحت قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) وتحت قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) ومعلوم أن هذا في غاية القبح، وأيضا أخبر الله تعالى عن رسوله شعيب عليه الصلاه والسلام أنه برأ نفسه من ذلك، فقال: (وما اريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه) * [ الحجة السابعة ] قال الله تعالى في صفة ابراهيم واسحاق ويعقوب (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) والالف واللام في صيغة الجمع تفيد العموم فدخل تحت لفظ (الخيرات) فعل كل ما ينبغى وترك كل ما لا ينبغى، وذلك يدل على أنهم كانوا فاعلين لكل الطاعات وتاركين لكل المعاصي * [ الحجة الثامنة ] قوله تعالى (وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار) وهو ان اللفظين اعني قوله تعالى (المصطفين) وقوله (الاخيار) يتناولان جملة الافعال والتروك، بدليل جواز الاستثناء، يقال: فلان من المصطفين الاخيار إلا في كذا، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه

[ 12 ]

لدخل، فدلت هذه الآية على انهم كانوا من المصطفين الاخيار في كل الامور، وهذا ينافى صدور الذنب عنهم، ونظيره قوله تعالى (الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس) وقوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين) وقال في حق ابراهيم (ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) وقال في حق موسى عليه الصلاة والسلام (إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامي) وقال تعالى (واذكر عبادنا ابراهيم واسحاق ويعقوب أولى الايدى والابصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) * لا يقال: الاصطفاء لا يمنع من فعل الذنب، بدليل قوله تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله) قسم المصطفين إلى الظالم والمقتصد والسابق، لانا نقول: الضمير في قوله (فمنهم) عائد إلى قوله (من عبادنا) لا إلى قوله (الذين اصطفينا) لان عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب * [ الحجة التاسعة ] قوله تعالى حكاية عن ابليس (فبعزتك لاغوينهم اجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) استثنى المخلصين من إغوائه وإضلاله، ثم إنه تعالى شهد على ابراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام أنهم من المخلصين، حيث قال (انا أخلصناهم بخالصة) وقال في حق يوسف عليه الصلاة والسلام (إنه من عبادنا المخلصين) فلما أقر إبليس أنه لا يغوى المخلصين، وشهد الله بأن هولاء من المخلصين ثبت أن

[ 13 ]

إغواء إبليس ووسوسته ما وصلت إليهم، وذلك يوجب القطع بعدم صدور المعصية عنهم * [ الحجة العاشرة ] قال الله تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين) فهؤلاء الذين لم يتبعوا ابليس إما أن يقال: إنهم الانبياء أو غيرهم فان كانوا غيرهم لزم أن يكونوا أفضل منهم، لقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وتفضيل غير النبي على النبي باطل بالاجماع. فوجب القطع بأن أولئك الذين لم يتبعوا إبليس هم الانبياء عليهم الصلاة والسلام، وكل من أذنب فقد اتبع ابليس فدل هذا على أن الانبياء صلوات الله عليهم ما أذنبوا * [ الحجة الحادية عشرة ] أنه تعالى قسم المكلفين إلى قسمين: حزب الشيطان كما قال تعالى (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) وحزب الله كما قال تعالى (اولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) ولا شك أن حزب الشيطان هو الذى يفعل ما يريد الشيطان ويأمره به. فلو صدرت الذنوب عن الانبياء لصدق عليهم أنهم من حزب الشيطان، ولصدق عليهم قوله تعالى: (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) ولصدق على الزهاد من آحاد الامة قوله تعالى (ألا إن حزب الله هم المفلحون) وحينئذ يلزم أن يكون واحد من آحاد الامة أفضل بكثير من الانبياء، ولا شك في بطلانه * [ الحجة الثانية عشرة ] إن أصحابنا رحمهم الله تعالى بينوا ان

[ 14 ]

الانبياء أفضل من الملائكة وثابت بالدلالة أن الملائكة ما أقدموا على شئ من الذنوب، فلو صدرت الذنوب عن الانبياء لامتنع أن يكونوا زائدين في الفضل على الملائكة لقوله تعالى (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) * [ الحجة الثالثة عشرة ] قال الله تعالى في حق ابراهيم عليه الصلاة والسلام (إنى جاعلك للناس اماما) والامام هو الذى يقتدى به فلو صدر الذنب عن ابراهيم لكان اقتداء الخلق به في ذلك الذنب واجبا وإنه باطل * [ الحجة الرابعة عشرة ] قوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) فكل من أقدم على الذنب كان ظالما لنفسه لقوله تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه) * إذا عرفت هذا فنقول: ذلك العهد الذى حكم الله تعالى بأنه لا يصل إلى الظالمين إما أن يكون هو عهد النبوة أو عهد الامامة، فان كان الاول فهو المقصود، وإن كان الثاني فالمقصود أظهر، لان عهد الامامة أقل درجة من عهد النبوة، فإذا لم يصل عهد الامامة إلى المذنب العاصى، فبأن لا يصل عهد النبوة إليه أولى * [ الحجة الخامسة عشرة ] روى أن خزيمة بن ثابت الانصاري رضى الله عنه شهد على وفق دعوى النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه ما كان عاما بتلك الواقعة فقال خزيمة: " إنى أصدقك فيما تخبر عنه من أحوال السماء، أفلا أصدقك في هذا القدر ؟ ! فلما ذكر ذلك صدقه

[ 15 ]

النبي صلى الله عليه وآله فيه ولقبه بذى الشهادتين (1) ولو كان الذنب جائزا على الانبياء لكانت شهادة خزيمة غير جائزة * [ واعلم ] أنا لما فرغنا من ذكر الدلائل الدالة على عصمة الانبياء فلنذكر الآن ما يدل على عصمة الملائكة. ويدل عليه وجوه أربعة: [ الاول ] قوله تعالى في صفة الملائكة: (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) يتناول جميع الملائكة في فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، لان كل من نهى عن فعل فقد أمر بتركه [ الثاني ] قوله تعالى في وصفهم (بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) [ الثالث ] قوله تعالى: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) وما كانت صفته كذلك لا يصدر عنه الذنب * [ الرابع ] أن الملائكة رسل الله لقوله تعالى: (جاعل الملائكة رسلا) والرسل معصومون لقوله تعالى في تعظيمهم: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) *


(1) هو خزيمة بن ثابت الاوسي الانصاري من السابقين الاولين. روى عنه ابنه عمارة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسا من سواء بن قيس المحاربي فجحده سواء فشهد خزيمة للنبى صلى الله عليه وآله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضرا ؟ قال: صدقتك بما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقا فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: من شهد له خزيمة أو عليه فهو حسبه " وحديثه رواه أبو داود وغيره. وجعل شهادته بشهادتين رواه البخاري (*)

[ 16 ]

فهذا مجموع الدلائل على عصمة الانبياء وعصمة الملائكة صلوات الله عليهم أجمعين * [ واعلم ] أن شبهات المخالفين في هذه المسألة كثيرة، ونحن نذكرها على سبيل الاختصار * [ عصمة آدم عليه السلام ] أما قصة آدم عليه السلام فقد تمسكوا بها من وجوه ستة: [ الاول ] أنه كان عاصيا والعاصي لابد وأن يكون صاحب الكبيرة، وإنما قلنا: إنه كان عاصيا لقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) وإنما قلنا إن العاصى صاحب الكبيرة لوجهين: [ أحدهما ] أن النص يقتضى كونه معاقبا وهو قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلا يعاقب عليه * [ والثانى ] أن العصيان اسم ذم فلا يطلق إلا على صاحب الكبيرة * [ الثاني ] أنه تائب والتائب مذنب. وإنما قلنا انه تائب لقوله تعالى (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) وقوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وإنما قلنا إن التائب مذنب لان التائب هو النادم على فعل الذنب والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلا للذنب، فان كذب في ذلك الاخبار فهو مذنب بفعل الكذب وإن صدق فيه فهو المطلوب *

[ 17 ]

[ الثالث ] أنه ارتكب المنهى عنه، لقوله تعالى: (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) وقوله تعالى (ولا تقربا هذه الشجرة) وارتكاب المنهى عنه عين الذنب [ الرابع ] أنه تعالى سماه ظالما في قوله (فتكونا من الظالمين) وهو أيضا سمى نفسه ظالما في قوله (ربنا ظلمنا أنفسنا) والظالم ملعون لقوله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) ومن كان كذلك كان صاحب كبيرة [ الخامس ] أنه اعترف بأنه لولا مغفرة الله تعالى له لكان خاسرا في قوله تعالى (وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وذلك يقتضى كونه صاحب كبيرة * (السادس) * أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان، وذلك يدل على كونه صاحب كبيرة * ثم قالوا: إن كل واحدة من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعل كبيرة، ولكن مجموعها قاطع في الدلالة عليه، ويجوز أن يكون كل واحد من الوجوه وإن لم يكن دالا على الشئ الا أنها عند الاجتماع تصير دالة كلما قلنا في القرائن * [ والجواب ] عن الكل عندنا: أن ذلك كان قبل النبوة، فلا يكون واردا علينا * فأما الذين لم يجوزوا صدور المعصية عن الانبياء قبل النبوة فقد أجابوا عن كل واحدة من هذه الوجوه * [ اما الاول ] فقالوا: المعصية مخالفة الامر، فالامر قد يكون بالواجب والندب، فانهم يقولون: أشرت عليه في أمر ولده بكذا

[ 18 ]

فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني. وان كان كذلك لم يمتنع أن يكون إطلاق اسم العصيان على آدم، لا لكونه تاركا للواجب بل للمندوب * ولقائل ان يقول: إنا قد بينا أن ظاهر القرآن يدل على أن العاصى يستحق العقاب وذلك يقتضى تخصيص اسم العاصى بترك الواجب فقط، وبينا أنه أيضا اسم ذم، فوجب أن لا يتناول الا تارك الواجب، ولانه لو كان تارك المندوب عاصيا لوجب وصف الانبياء بأنهم عصاة في كل حال وأنهم لا ينفكون عن المعصية، لانهم لا يكادون ينفكون عن ترك المندوب، لا يقال: وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد. لانا نقول: لما سلمت كونه مجازا فالاصل عدمه وحينئذ يتم استدلال الخصم * فأما قوله: أشرت إليه في امر ولده بكذا فعصاني فانا لا نسلم أن هذا الاستعمال مروى عن العرب، وإن سلمناه لكنهم إنما يطلقون ذلك إذا جزموا على المستشير بأنه لابد وان يفعل ذلك الفعل، وانه لا يجوز الاخلال به وحينئذ يكون معنى الايجاب حاصلا، وان لم يكن الوجوب حاصلا. وذلك يدل على أن لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الايجاب لكن أجمعنا على أن الايجاب من الله يقتضى الوجوب، فلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم إنما كان لكونه تاركا للواجب * [ واما الثاني ] وهو أنه تائب، فقد أجاب من جوز الصغيرة

[ 19 ]

بأن التوبة تجب من الصغائر كما تجب من الكبائر، فان الصغيرة إذا لم يتب منها صاحبها صار مصرا عليها والاصرار على أي ذنب كان كبيرة * وأما من لم يجوز الصغيرة فقد أجاب بأن التوبة قد تحسن ممن لم يذنب قط على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والرجوع إليه، ويكون وجه حسنها استحقاق الثواب بها ابتداءا. والذى يدل عليه أنا نقول: " اللهم اجعلنا من التوابين " فلو كان حسنها مسبوقا بفعل الذنب لكان ذلك سؤالا لصيرورتنا مذنبين، وأنه لا يجوز * [ وأما الثالث ] فهو ارتكاب المنهى، فالجواب أنا نقول: لا نسلم أن النهى للتحريم فقط، بل هو مشترك بين التحريم والتنزيه وتفسيره أن النهى يفيد أن جانب الترك راجح على جانب الفعل، فأما جانب الفعل فهل يقتضى استحقاق العقاب أو لا يقتضى ؟ فذلك خارج عن مفهوم اللفظ وإذا كان كذلك سقط الاستدلال. سلمنا أن النهى للتحريم لكنه ارتكبه ناسيا لقوله تعالى: (فنسى ولم نجد له عزما) وحينئذ لم يكن ذنبا لان التكليف مرتفع عن الناسي، ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه ارتكبه ناسيا. والدليل عليه قوله تعالى: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين) وقوله (وقاسمهما أنى لكما لمن الناصحين) وكل ذلك يدل على أنه مانسى النهى حال الاقدام على ذلك الفعل، وأيضا فلانه لو كان ناسيا لما عوتب على ذلك الفعل، ولما سمى بالعاصي، فحيث عوتب عليه دل على أنه ما كان ناسيا، وأما قوله تعالى: (فنسى) ففيه إثبات أنه نسى وليس فيه أنه مانسى سلمنا

[ 20 ]

أنه لم يكن ناسيا ولكنه اخطأ في الاجتهاد وذلك لان كلمة (هذه) في قوله: (ولا تقربا هذه الشجرة) قد يراد بها الاشارة إلى الشخص وقد يراد بها الاشارة إلى النوع كما في قوله عليه الصلاة والسلام: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " فآدم عليه الصلاة والسلام اشتبه الامر عليه فظن أن المراد هو الشخص فعدل عنه إلى شخص آخر إلا أن المجتهد إذا أخطأ في الفروع لم يكن صاحب كبيرة * لا يقال: كلمة (هذه) لما احتملت الامرين كان البيان حاصلا في ذلك الوقت لان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإذا كان البيان حاصلا لم يكن آدم عليه السلام معذورا في ذلك الخطأ لانا نقول: لعل البيان كان حاصلا بطريق غامض خفى فالمخطئ فيه معذور * [ واما الرابع ] وهو أن الله تعالى سماه ظالما فقد أجاب عنه من يجوز الصغيرة بأن كل ذنب يأتي به المكلف كبيرا كان أو صغيرا فهو ظالم لنفسه. وأما من لم يجوزها فأجاب بأن ترك الاولى ظلم، لانه لما كان متمكنا من فعل الاولى حتى يستحق به الثواب العظيم فلما تركه من غير موجب فقد ترك حظ نفسه ومثل هذا يجوز أن يسمى ظالما لنفسه، لان حقيقة الظلم وضع الشئ في غير موضعه وهاهنا كذلك * [ وأما الخامس ] فالجواب عنه: أنه محمول على الصغيرة أو على ترك الاولى وتقديره ما تقدم * [ واما السادس ] فجوابه: أنه ليس في الآية الا أنه أخرج من

[ 21 ]

الجنة عند إقدامه على هذا الفعل، أو لاجل إقدامه على هذا الفعل وذلك لا يدل على أن ذلك الاخراج كان على سبيل التنكيل والاستخفاف وكيف والله تعالى إنما خلق آدم ليكون خليفة في الارض ؟ فلما كان المقصود الاصلى من خلقه ذلك، فكيف يقال: إنه وقع ذلك عقوبة واستخفافا ثم الذى يدل على أنه لابد من المصير إلى الوجوه التى ذكرناها هو أنه عليه الصلاة والسلام لو كان عاصيا في الحقيقة وكان ظالما في الحقيقة لوجب الحكم عليه بأنه كان مستحقا للنار، لقوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم) وبأنه كان ملعونا لقوله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) فلما اجتمعت الامة على ان ذلك لا يجوز علمنا قطعا أنه لابد من التأويل وبالله التوفيق * الشبهة الثانية تمسكوا بقوله تعالى (هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهم فتعالى الله عما يشركون) * قالوا: لا شك أن النفس الواحدة هي آدم، وزوجها المخلوق منها هي حواء فهذه الكنايات عائدة اليهما قوله تعالى: (جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) يقتضى صدور الشرك عنهما ثم قالوا: ان ابليس لما أن حملت حواء عرض لها ولد فقال لها: إن أحببت أن

[ 22 ]

يعيش ولدك فسميه بعبد الحارث وكان ابليس يسمى الحارث، فلما ولدت سمته بهذه التسمية فلذا قال الله تعالى (جعلا له شركاء فيما آتاهما) * [ الجواب ] الصحيح انا لا نسلم ان النفس الواحدة في هذه الآية هي آدم عليه السلام، وليس في الآية ما يدل على ذلك، بل نقول: الخطاب لقريش، وهو آل قصى. والمعنى خلقكم من نفس قصى وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها. فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السمى سميا أولادهما الاربعة بعد مناف. وعبد العزى. وعبد قصى. وعبد الدار، والضمير في (يشركون) لهما ولاعقابهما. وذكروا وجوها أخر سوى ما ذكرناه وهى بأسرها ضعيفة [ اولها ] أن الكنايات كلها عن آدم وحواء، إلا في (جعلا) و (يشركون) فانهما يرجعان إلى نسلهما وعقبهما، ويكون تقدير الكلام: فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح الذي طلباه جعل كفار أولادهما ذلك مضافا إلى غير الله، وإنما ثنى ذكرهما لانهما جنسان ذكر وانثى، ويقوى هذا التأويل قوله (فتعالى الله عما يشركون) وذلك يدل على ان المراد بالتثنية ما ذكرناه من الجنسين [ وثانيهما ] أن قوله (من نفس واحدة) هو آدم وجعل من تلك النفس زوجها، وهى حواء، إلى ههنا حديث آدم وحواء * ثم خص بالذكر المشركين من أولاد آدم الذين سألوا ما سألوا وجعلوا له شركاء. ويجوز أن يذكر العموم ثم يخص بعض المذكور بالذكر. ومثله كثير في الكلام. قال الله تعالى (هو الذى يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) فعم جميع الخلق في أول (م 2 - عصمة الانبياء)

[ 23 ]

الآية ثم خص في آخرها بعضهم. فكذا ههنا * [ واعلم ] ان هذين يقتضيان في الكنايات المتوالية عقيب مذكور واحد صرف بعضها إلى ذلك المذكور وبعضها إلى شئ آخر. وذلك يفكك النظم * [ وثالثها ] ان تكون الهاء في قوله تعالى (جعلا له شركاء) راجعة إلى الولد، لا إلى الله تعالى. ويكون المعنى إنهما طلبا من الله تعالى ابنا لا الولد الصالح وهو كقوله: طلبت منى درهما فلما اعطيتك اشركته بآخر أي طلبت آخر مضافا إليه وهذا ضعيف لوجهين [ أحدهما ] ان الهاء في قوله (له) لما عاد إلى الولد يصير قوله تعالى فلما آتاهما صالحا * [ الثاني ] وانه يصير قوله تعالى (فتعالى الله عما يشركون) منقطعا عما قبله وذلك يوجب الركاكة ؟ ؟ ؟. فهذا هو الكلام على الآية * وأما الرواية التى ذكروها فهى ضعيفة لوجوه ثلاثة: [ الاول ] أنها من باب الآحاد فلا يكون مقبولا في العلميات [ الثاني ] أنه إما أن يقال: بأن آدم وحواء اعتقدا أن الولد من خلق إبليس أولم يعتقدا ذلك ولكنهما سميا ولدهما بعبد الحارث مع أن الحارث كان اسم إبليس، فان كان الاول لزم أن يكون آدم وحواء قد اعتقدا الهية إبليس، وذلك مما لا يذهب إليه عاقل. وإن كان الثاني لم يلزم منه الكفر والشرك، لان الاعلام تفيد تسمية الولد بعبد الحارث لا تفيد كونه عبد الحارث، فان الاعلام قائمة مقام الاشارة فقط ولا يلزم منه الكفر والفسق أصلا (*)

[ 24 ]

[ الثالث ] ان العداوة الشديدة التى كانت من آدم وإبليس من أول الامر إلى وقت ذلك الحمل مانعة لآدم من الاغترار به، هب أن آدم يكن نبيا ولم يكن مسلما، أما كان عاقلا ؟ فصح أن هذه الرواية الخبيثة لا يجوز أن يقبلها عاقل فضلا عن مسلم (1) * [ قصة نوح عليه السلام ] [ وفيها شبهات ] [ الاولى ] تمسكوا بقوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح انه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين) من وجهين: [ الاول ] أن قوله تعالى: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) يدل على أنه لم يكن ابنا، وإذا كان كذلك كان قوله (إن ابني من أهلى) كذبا، وهو معصية [ الثاني ] أن سؤال نوح عليه السلام كان معصية لثلاث آيات: [ أحدها ] قوله (لا تسألن ما ليس لك


(1) قال الامام الحافظ أبو محمد بن حزم في كتاب الملل والنحل: وهذا الذى نسبوه إلى آدم عليه السلام من أنه سمى ابنه عبد الحرث خرافة موضوعة مكذوبة من تأليف من لا دين له ولا حياء ولم يصح سندها قط وإنما نزلت الآية في المشركين على ظاهرها اه‍. والعجب أن ابن جرير ادعى الاجماع عليها. ثم اخذ يتمحل لذلك تمحلات بعيدة سخيفة فغفر الله له ولمن تبعه على هذه الخرافة (*)

[ 25 ]

به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين) (1) * [ وثانيها ] قوله خبرا عن نوح (قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمني أكن من الخاسرين) * [ وثالثها ] قوله (إنه عمل غير صالح) وفيها قراءتان قراءة الكسائي عمل غير صالح، والمعنى أن ابنك عمل غير صالح والباقون بالتنوين والرفع. والاول مرجوح لانه يقتضى إضمار الموصوف (2) وهو على خلاف الاصل فتعينت القراءة الثانية، والهاء في قوله: (إنه) ضمير والضمير لابد وأن يكون عائدا إلى مذكور سابق والمذكور السابق هاهنا إما السؤال وإما الابن لا يجوز عوده إلى الابن لان الابن لا يكون عملا غير صالح بل ذا عمل غير صالح، فيقتضى الاضمار، وإنه خلاف الاصل. فثبت أن الضمير عائد إلى السؤال فثبت أن ذلك كان عملا غير صالح *


(1) قال أبو محمد بن حزم: وهذا لا حجة لهم فيه، لان نوحا عليه السلام تأول وعد الله تعالى أن يخلصه وأهله، فظن أن ابنه من أهله على ظاهر القرابة وهذا لو فعله أحد كان مأجورا ولم يسأل نوح تخليص من أيقن أنه ليس من أهله فتفرع على ذلك نهى عن أن يكون من الجاهلين فندم عليه السلام ونزع وليس ههنا عمد للمعصية البتة * (2) موصوف (غير) أي عمل عملا غير صالح قال الشريف الرضى: ومع هذه القراءة لا شبهة في رجوع معنى الكلام إلى الابن دون سؤال نوح، وقد قوى الشريف هذه القراءة وساق عليها شواهد من كلام العرب (*)

[ 26 ]

* (والجواب) * عن الاول أن المفسرين اختلفوا في هذا الابن على ثلاثة اقوال [ الاول ] فالاكثرون على انه كان ابنا له لصلبه وهو الاقوى لقوله تعالى (ونادى نوح ابنه) ثم اختلفوا فمنهم من قال ليس من اهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، وقيل: ليس من أهل دينك وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة وميمون بن مهران * [ الثاني ] أنه كان ابن امرأته إلا أنه لاختلاطه بأبنائه واهل بيته أطلق عليه لفظ الابن، كما أن ابليس لاختلاطه بالملائكة اطلق عليه اسم الملك. ويدل عليه قوله (ان ابني من اهلي) ولم يقل منى، ويروى ذلك عن الباقين [ الثالث ] أنه ولد على فراشه لغير رشدة (1)، وهو المروى عن الحسن ومجاهد وابن جريج وعبيد بن عمير. وهذان القولان ضعيفان، لقوله تعالى (ونادى نوح ابنه) والثالث أضعف لانه يجب تنزيه منصب الانبياء عن مثل هذه الفضيحة * وعن الشبهة الثانية انا لا نسلم أنه دعا لابنه مطلقا، بل يشترط الايمان لا يقال: فلم قال الله تعالى (لا تسألن ما ليس لك به علم) وقال (انى أعظك ان تكون من الجاهلين) وقال نوح (رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم) ؟ لانا نقول: يمتنع ان يكون نوح عليه السلام نهى عن ذلك وإن لم يقع ذلك منه، كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام نهى عن الشرك لقوله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عمالك) وإن لم يقع


(1) يريد أنه كان ولد زنى يقال: هذا ولد رشدة إذا كان لنكاح صحيح كما يقال في ضده: ولد زنية - بكسر الحرف الاول منهما (*)

[ 27 ]

ذلك منه، فأما قوله تعالى (إنى أعظك أن تكون من الجاهلين) فمعناه أن لا تكون منهم. ولا شك أن وعظه تعالى الذى صرف نوحا عليه السلام عن الجهل. وأما قول نوح عليه السلام (إنى اعوذ بك أن أسالك ما ليس لى به علم) فلا دلالة فيه على أنه فعل ذلك سلمنا أنه دعاله مطلقا، ولكن لشفقته الطبيعية قال ما قال، والعقل لا ينكر الدعاء للكافر، وإنما يمنع منه الشرع، فلعله دعاء بمقتضى الطبع إلى ان ورد الشرع بالنهي عنه * لا يقال: فلم سأل من غير إذن ؟ لانا نقول: لما لم يجد نصا مانعا منه تمسك في الجواز بالاباحة الاصلية، أو نقول: إنما كان مسلما في الظاهر، وكان نوح عليه السلام مأذونا في الدعاء للمسلمين فدعا له بحكم الظاهر وذلك جائز لقوله عليه السلام " نحن نحكم بالظاهر " (1) أو نقول:


(1) لا يعرف بهذا اللفظ الذى ساقه المصنف. ولكن المشهور " امرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " ذكره العجلونى في كشف الخفاء وقال قال في اللآلى هو غير ثابت بهذا اللفظ. ولعله مروى بالمعنى من احاديث صحيحة ذكرتها في الاقضيه من الذهب الابريز. وقال في المقاصد: اشتهر بين الاصوليين والفقهاء بل وقع في شرح النووي لمسلم في قوله صلى الله عليه وآله " إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم " مانصه: معناه " إنى أمرت بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اه‍ قال: ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة ولا الاجزاء المنثورة. وجزم الحافظ العراقى بانه لا أصل له وكذا المزى وغيره. وقال القارى: وممن (*)

[ 28 ]

هب أنه أخطأ في ذلك، لكن إن قلت: إن ذلك من الكبائر لقوله هذا سؤال (عمل غير صالح) قلنا: لا نسلم والتعويل في تغيير هذا القسم على كون الاضمار بخلاف الاصل ضعيف لان الادلة الدالة على عصمة الانبياء اقوى من الدليل الدال على كون الاضمار بخلاف الاصل * [ قصة ابراهيم عليه السلام ] تمسكوا بها من وجوه تسعة * [ الاولى ] قوله تعالى خاكيا عن ابراهيم عليه السلام (قال هذا ربي) فلا يخلو إما أن يقال: إنه قال هذا الكلام في النظر والاستدلال، أو بعده. فإن كان الاول كان قطعه بذلك مع تجويزه أن يكون الامر بخلافه إخبارا عما يجوز المخبر كونه كاذبا فيه. وذلك غير جائز. وإن كان الثاني كان ذلك كذبا قطعا، بل كفرا قطعا * [ والجواب ] قيل: إنه من كلام ابراهيم قبل البلوغ. فانه لما خطر بباله قبيل بلوغه حد التكليف إثبات الصانع فتفكر فرأى النجوم، فقال (هذا ربى) فلما شاهد حركتها قال: لابد أن تكون ربا. وكذا الشمس والقمر فبلغه الله تعالى في أثناء ذلك حد التكليف، فقال (إنى برئ مما تشركون) وإنما بلغ ذلك في النجوم والشمس والقمر لما فيه من العلو والنور *


أنكره الحافظ ابن الملقن ابن الملقن في تخريج أحاديث البيضاوى. وقال الزركشي لا يعرف بهذا اللفظ. وقد اطال العجلونى الكلام على هذا الحديث فارجع إليه ان شئت (*)

[ 29 ]

ومنهم من سلم أنه كان كلام ابراهيم بعد البلوغ ثم اختلفوا فمنهم من قال: يجوز أن يكون ذلك كلامه حال اشتغاله بالنظر والاستدلال ثم إنه لم يقل (هذا ربى) على سبيل الاخبار بل على سبيل الفرض كما أن الواحد منا إذا نظر في حدوث الاجسام فيقول: الجسم قديم ؟ لالان مراده الاخبار عن قدم الاجسام، بل لانه يفرضها قديمة ليظهر ما يؤدى ذلك الفرض إليه من الفساد. فكذا هاهنا فرض ثم عقبه بما يدل على فساده وهو قوله (لا أحب الآفلين) * ومنهم من قال: تكلم بذلك بعد فراغه من النظر وصيرورته موقنا بالله، ثم اختلفوا فيه على وجوه خمسة فقيل: تكلم بذلك على معنى أن الامر كذلك عندهم كما يقول أحدنا للمشبه على سبيل الانكار إن إلهه جسم متغير. وقال تعالى: (فانظر إلى إلهك) أي في زعمك وقيل: المراد منه الاستفهام، إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه، وقيل: في الآية اختصار، وتقديره يقولون هذا ربى ونظيره (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا) أي ويقولان وقيل: أراد إبراهيم أن يبطل قولهم بتعظيم الكواكب. فأوهم من نفسه أنه يعظمها، ثم عقبه بذكر الاستدلال على بطلانه، وقيل: انهم دعوه إلى عبادة النجوم فقال مبينا لهم خطأهم (هذا ربى) الذى تدعونني إلى عبادته * والاصح من هذه الاقوال أن ذلك على وجه الاعتبار والاستدلال لا على وجه الاخبار ولذلك فان الله تعالى لم يذم إبراهيم عليه السلام

[ 30 ]

على ذلك بل ذكره بالمدح والتعظيم وأنه أراه ذلك كى يكون من الموقنين، هذا هو البحث المشهور في الآية * وفيها ابحاث أخر من حيث أن بعض الملاحدة قال: إن إبراهيم استدل على الشئ بما لا يدل عليه. وذكر أشياء لا تصح، فكان الطعن متوجها، ونحن نذكر كل واحد من تلك الاسئلة الاربعة عشرة مع جوابه * [ السؤال الاول ] قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا) دلت الآية على أنه نظر في حال الكواكب أولا، ثم القمر ثانيا، وفى حال الشمس ثالثا، ولا شك أن تلك الليلة مسبوقة بنهار، وأنه كانت الشمس طالعة، فلم لم ينظر في النهار السابق على تلك الليلة في حال الشمس، بل كان ذلك أولى لان الشمس أعظم من القمر والكواكب ومتى ثبت أن الاعظم لا يصلح للآلهية فالاضعف أولى ؟ [ جوابه ] أن أم إبراهيم لخوفها عليه وضعته في كهف مظلم فلما تثبت وعقل دنا من الباب فرأى الكوكب، فقد خطر بباله إثبات الصانع فقال ما قال (1) وقيل: إنه كان لا يشار له إلى معبود ثم أشير إلى الكواكب فعند ذلك قال ما قال اعتبارا *


(1) قال ابو محمد بن حزم: وأما قول إبراهيم إذ راى الشمس والقمر (هذا ربى) فقال قوم إن إبراهيم قال ذلك محققا أول خروجه من الغار وهذا خرافة موضوعة مكذوبة ظاهرة الافتعال، ومن المحال الممتنع أن يبلغ أحد حد التمييز والتكليف بمثل هذا وهو لم ير قط شمسا ولا قمرا ولا كوكبا. وقد (*)

[ 31 ]

[ السؤال الثاني ] حدوث الكوكب معلوم بحركته، فانه لما تحرك ثبت أنه لا ينفك عن الحوادث، فيكون محدثا فكان ينبغى أن يحتج عند طلوعه على حدوثه، وأن لا يتوقف على أفوله * [ جوابه ] المراد بالافول الهوى في حظيرة الامكان، فان حركته تدل على كونه ممكنا لذاته، والممكن لذاته معدوم لذاته موجود لغيره، وذلك هو الافول الحقيقي، وأيضا فلانه وإن كان لا يختلف الحال بين الطلوع والغروب في الحقيقة إلا أن الغروب أدل على عدم الالهية عند العوام فلعله عدل إلى الافول لهذا الغرض * [ السؤال الثالث ] أنه لما علم أن حركة الكوكب منتهية إلى الافول وعلم أن الافول يدل على الحدوث ثم رأى الشمس والقمر متحركين، فكان ينبغى أن يقطع عليهما بالحدوث قبل أفولهما، فلم وقت الامر فيهما أيضا على الافول ؟ [ جوابه ] أما إن حملنا الافول على الهوى في مغرب الامكان


أكذب الله هذا الظن الكاذب بقوله الصادق (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) - إلى أن قال - والصحيح من ذلك أنه إنما قال ذلك موبخا لقومه كما قال لهم نحو ذلك في الكبير من الاصنام ولا فرق - إلى أن قال: وبرهان قولنا هذا أن الله تعالى لم يعاتبه على شئ مما ذكرو لا عنفه على ذلك بل صد تعالى قه بقوله: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء) فصح أن هذا بخلاف ما وقع لآدم وغيره بل وافق مراد الله (*)

[ 32 ]

فقد اندفع الاشكال، وإن حملناه على رعاية ما هو أظهر للعوام فكذلك * [ السؤال الرابع ] كيف قطع بغيبة الكوكب على حركته، مع أن المحتمل أن يقال السماء واقفة والارض متحركة ؟ [ جوابه ] غيبة الكوكب تقتضي حركة جسم ما فيلزم حدوث ذلك الجسم فيلزم حدوث كل جسم لان الاجسام كلها متماثلة * [ السؤال الخامس ] هب أنه استدل بحركة الكوكب على حدوثه فكان ينبغى أن يقول عقيب فراغه من النظر: إنى قضيت بحدوثه لكنه لم يفعل ذلك، بل جعله نتيجة دليل إثبات الصانع، فأين إحدى المسألتين من الاخرى ؟ [ جوابه ] هذا تنبيه على أن العلم باحتياج المحدث إلى المحدث ضروري، فلما كانت هذه المقدمة ضرورية لاجرم حذفها، واستدل بالدليل الدال على حدوث العالم على ثبوت الصانع ولو لم تكن تلك المقدمة بديهية لكان هذا الاستدلال خطأ قطعا * [ السؤال السادس ] هب أنه ثبت لابراهيم عليه السلام بالدلالة التى ذكرها حدوث الاجسام وثبوت الصانع، ولكن كيف استنتج منها فساد قوله: (هذا ربى) فان من المحتمل أن الكواكب والسموات محدثة مخلوقة لله تعالى، ثم إنها تكون محدثة للبشر، ولما في هذا العالم على ما يذهب إليه المعللون بالوسائط. فان قلت: كان غرضه من هذا الاستدلال معرفته مقطع الحاجات، فلما عرف أن السموات محدثة عرف أنها ليست مقطع الحاجات. قلت: ليس الامر كذلك، لان

[ 33 ]

أول الاستدلال في قوله: (هذا ربى) فكان مطلوبه أن الكوكب هل هو الشئ الذى يربينى ويخلقني ؟ فكان المطلوب هذا لا ما ذكرته، وأيضا بتقدير أن يكون الامر كذلك، فلم قال: (إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض) فان بتقدير أن يكون خالقه هو السماء وجب عليه الاشتغال بشكره والاقبال على طاعته * [ جوابه ] أن إبراهيم عليه السلام كان على مذهبنا في مسألة خلق الافعال، فانه لما عرف أنها محدثة عرف أنها ممكنة وكان من المعلوم أن المصحح لمقدورية الله تعالى هو الامكان، فعرف أن كل ممكن مقدور لله تعالى فانه لا يقع بقدرة غيره فعرف أن كل ممكن خرج من العدم إلى الوجود فلم يخرج إلا به فعلم أن خالقه ومربيه ليس الفلك ولا الملك بل هو الله الواحد القهار * [ السؤال السابع ] كيف عرف انه فطر السموات فان بقى ههنا احتمال آخر وهو أن الجسم وإن كان محدثا إلا أن هيولاه قديمة. وعلى هذا التقدير لا يكون هو تعالى فاطرها. ودليل الحركة لا يفيد إلا حدوث الجسم من حيث أنه جسم فأما حدوث الهيولى التى هي جزء ماهية الجسم فلا * [ وجوابه ] لما عرف حدوث الجسم عرف لا محالة حدوث هيولاه لان هيولاه لو كانت قديمة لكانت في الازل قابلة للصورة، لان قابليتها لها لازمة لماهيتها، ولو حصلت القابلية في الازل لكان المقبول صحيح الوجود، لان القابلية نسبية وإمكان النسب متوقف على إمكان المنتسبين لكن المقبول لما كان ممتنع الوجود في الازل فكانت القابلية كذلك

[ 34 ]

فكان القابل كذلك فكان الكل كذلك * * (السؤال الثامن) * كلمة (الذى) موضوعة لتعريف المفرد بقضية معلومة فيما قبل وكونه فاطر السموات والارض لم يكن معلوما قبل ذلك إنما صار معلوما له في تلك الحالة فكيف قال (للذى فطر السموات) * * (جوابه) * أنه لما عرف أن العالم محدث انضمت إليه مقدمة أخرى ضرورية وهى أن كل محدث له محدث، فتولد منهما بأن العالم له صانع فصار علمه بافتقار العالم إلى الصانع علما جليا خاليا عن الشبهات ثم لما عرف وجود الصانع عرف أنه لابد من القيام بشكره والاشتغال بطاعته، فقال بعد ذلك (وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض) فكان المعنى: وجهت وجهى إلى ذلك الشئ (1) الذى ظهر في عقلي كونه فاطر السموات والارض * [ السؤال التاسع ] انه لم يحتج الا بحركة الكوكب على حدوثه فمن أين حكم بذلك على السموات والارض بالحدوث والحاجة إلى المحدث ؟


(1) التعبير بالشئ هنا في غاية الجفاء والسماجة، وماذا كان عليه لو قال - إلى الله الذى - والذى جره إلى هذا التعبير: انسياقه في هذا البحث الفارغ الذى لا قيمة له في اثبات عقيدة ولا لزوم له في تنزيه ابراهيم عليه السلام وكم جرت هذه البحوث المتكلفة إلى فساد في التفكير وأبعدت عن هدى أصدق المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وتابعيهم (*)

[ 35 ]

[ جوابه ] لما ثبت أن جسما ما محدث فكل جسم محدث لان الاجسام كلها متماثلة، وحكم الشئ حكم مثله، وفى هذا الموضع تنبيه على أنه تعالى ليس بجسم من وجهين [ الاول ] أنه لما ثبت حدوث جسم فرع على تلك الدلالة حدوث جسم آخر، وذلك إنما يصح إذا كانت الاجسام كلها متماثلة وذلك ينفى كونه تعالى جسما [ الثاني ] أنه تعالى لو كان جسما لقال وجهت وجهى إلى الذى، فلما قال (للذى) ولم يقل إلى الذى، دل ذلك على أنه تعالى ليس بجسم * [ السؤال العاشر ] لم قال (وما أنا من المشركين) وأى دلالة في حدوث الاجسام على نفى الشرك، والظاهر أنه لا يجوز أن يرتب على الدليل ما لا يكون لازما منه * [ جوابه ] لما عرف حدوث الاجسام عرف أن محدثه قادر وعرف أنه إنما صح منه أن يقدر على مقدور لكون ذلك المقدور ممكنا، فعرف أن الامكان هو المصحح للمقدورية فعرف أنه لو وجد لها آلهان لقدر كل واحد منهما على عين مقدور الآخر لكنه محال، لما أنه يقتضى وقوع مقدور من قادرين من جهة واحدة وهو محال، لانه يلزم استغناؤه بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، ولما كان ذلك باطلا كان القول بحدوث الاجسام نافيا للشرك من هذا الوجه وهذه هي الادلة الدالة على التوحيد المطلق ونفى الاضداد والانداد في الذات والصفات والافعال وهو الله تعالى واحد في ذاته لا شريك له وواحد في صفاته لا نظير له وواحد في الخلق والايجاد لا شبيه له

[ 36 ]

* (السؤال الحادى عشر) * لما جن عليه الليل ابتدأ اولا بالنظر في الكواكب، فلم لم يبتدئ بالنظر في نفسه ثم في أحوال هذا العالم من العناصر ؟ * (جوابه) * الدليل الدال على حدوث الكواكب دال على حدوث العناصر ولا ينعكس فكان الاشتغال بالاعم اهم * [ السؤال الثاني عشر ] هب أنه عرف أن للعالم صانعا، ولكن لم اشتغل بعبادته في الحال فقال: (إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض) * [ جوابه) من قال شكر المنعم واجب عقلا فلا إشكال عليه ومن لم يقل به حمل الآية على العلم دون العمل. وفيه اشكال لان العلم أيضا عمل فقبل السمع أو لم يجز العمل لما جاز لابراهيم هذا العمل * [ السؤال الثالث عشر ] لم قال: (وجهت وجهى للذى) ولم يقل وجهت قلبى، مع أنه أولى * [ جوابه ] هذا يدل على أن الاعتقاد لابد معه في تزكية الروح من العمل لان الاعتقاد أرواح والاعمال قوالب، والكمال لا يحصل إلا باجتماعهما وبالله التوفيق * [ السؤال الرابع عشر ] لم قدم السموات على الارض ؟ [ جوابه ] أن الاستدلال كان أولا على الكواكب والمجانسة بينها وبين الافلاك أشد ثم بينها وبين العناصر، فلذلك قدم السموات لانها أشرف وأقوى وأعظم فأشكالها أشرف الاشكال وهو

[ 37 ]

المستدير وألوانها أحسن الالوان وهو المستنير فأجسامها أصلب الاجسام فانها السبع الشداد، وهى محل البركات. ومنها تنزل الخيرات فلما فاقت السفليات في هذه الصفات قدمها في الذكر * [ الشبهة الثانية ] تمسكوا بقول الله تعالى مخبرا عن إبراهيم لما قال له قومه: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا) وإنما عنى بالكبير الصنم وهذا كذب لان ابراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذى كسر الاصنام فاضافة كسرها إلى غيره لا يكون الاكذبا * * (الجواب) * من وجوه [ الاول ] أنه كناية عن غير مذكور أي فعله من فعله. و (كبيرهم هذا) ابتداء كلام. وروى عن الكسائي انه كان يقف عند قوله تعالى (بل فعله) ثم يبتدئ (كبيرهم هذا) * [ الثاني ] أنه يجوز ان يكون فيه وقف عند قوله تعالى (كبيرهم هذا فاسألوهم) والمعنى بل فعله كبيرهم وعنى نفسه لان الانسان اكبر من كل صنم [ الثالث ] ان يكون في الكلام تقديم وتأخير كأنه قال: بل كبيرهم هذا ان كانوا ينطقون فاسألوهم فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطة بكونهم ناطقين، فلما لما يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين * [ الرابع ] أنه ذكر إلزاما على قولهم، لانه لما كان هو الاله الاكبر فكسر خدمه المقربين لديه لا يصدر إلا عنه * [ الخامس ] قرأ بعضهم (فعله كبيرهم هذا) أي فلعله، وعلى

[ 38 ]

هذا لا يكون كذبا لدخول حرف الشك (1) * [ الشبهة الثالثة ] قوله تعالى مخبرا عن إبراهيم (فنظر نظرة في النجوم فقال إنى سقيم) والاستدلال من وجهين: [ الاول ] تمسك بعلم النجوم وهو غير لازم [ الثاني ] قوله (إنى سقيم) وهو كذب * [ الجواب ] قيل: أراد بنظره في النجوم والقمر والشمس حال كونه طالبا لمعرفة الله تعالى. وقوله: (إنى سقيم) أي لست على يقين من الامر. ثم لما استدل بأفولها وغروبها على حدوثها وعرف الله تعالى زال ذلك الشك. وهذا ضعيف لان الله تعالى قال: (وإن من شيعته لابراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون) فدل ظاهر الآية على سلامة قلبه من الشك، ثم ذكر أنه عاتب قومه على عبادة الاصنام. فقال (ماذا تعبدون) وسمى عبادتهم بأنها إفك وباطل. قال (ما ظنكم برب العالمين) وهذا قول عارف بالله تعالى. فالمعتمد أن يقول في الجواب عن الوجه الاول: لا نسلم أن النظر في النجوم حرام، وذلك لان من اعتقد أن الله تعالى أجرى العادة


(1) قال الامام أبو محمد بن حزم: إنما هو تقريع لهم وتوبيخ، كما قال تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وهو في الحقيقة مهان ذليل معذب في النار فكلا القولين توبيخ ظن قيلا له على ظنهم أن الاصنام تفعل الخير والشر وعلى ظن المعذب في نفسه في الدنيا أنه كريم عزيز. ولم يقل إبراهيم هذا على أنه محقق لان كبيرهم فعله. إذ الكذب إنما هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه قصدا إلى تحقيق ذلك (*) (م 3 - عصمة الانبياء)

[ 39 ]

أنه مهما حدث فيما بينهما اتصال مخصوص خلق في هذا العالم حادثا مخصوصا واعتقد ان الله تعالى خلق فيها قوى وجعلها أسبابا لحدوث الحوادث في هذا العالم فعلى هذا التقدير لا نسلم ان النظر في النجوم حرام سلمنا كونه حراما، ولكن لعل الله أخبر إبراهيم عليه السلام بأنه مهما طلع النجم الفلاني فانك تمرض. فنظر في النجوم فلما مر به قال إنى سقيم. سلمنا أن ذلك أيضا لم يكن، لكن من المحتمل أنه حين نظر في النجوم تشبها بأهل زمانه في الظاهر وحكم أنه سقيم إيهاما على قومه أنه استدل على ذلك بالنجوم وإن كان الامر في نفسه ليس كذلك * * (وأما الوجه الثاني) * فالجواب عنه لا نسلم أنه ما كان سقيما في تلك الساعة الآتية: كما إذا علمت انك ستصير محموما وقت الظهر ثم إن واحدا يدعوك إلى الضيافة بحيث تعلم أنه لابد من الجلوس مع القوم وقت الظهر فتقول إنى محموم، وتعنى به أنى أكون محموما في ذلك الوقت وأيضا لعله لما كان مشرفا على السقم سمى نفسه سقيما كما في قوله تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون) وأيضا أراد إنى سقيم القلب والمراد ما في قلبه من الحزن والغم بسبب كفرهم وعنادهم * فان قلت: روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، قوله: إنى سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة: إنها أختى " (1) قلت: هذا من


(1) الحديث رواه البخاري ومسلم والامام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبى هريرة (*)

[ 40 ]

أخبار الآحاد فلا يعارض الدليل القطعي الذى ذكرناه، ثم إن صح حمل على ما يكون ظاهره الكذب. فأما قوله لسارة: " إنها أختى " فمعناه أنها أختى في الدين، أو نظرا إلى انتسابهما إلى آدم أو إلى سائر الاجداد * [ الشبهة الرابعة ] تمسكوا بقوله تعالى: (ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم) الآية انتقل من دليل إلى دليل. وهذا يدل على عجزه عن نصرة دليله الاول. وأيضا فكان من الواجب عليه دفع ذلك السؤال وإزالة تلك الشبهة فكان الاعراض عنه ذنبا عظيما * [ والجواب ] أن الدليل واحد لم ينتقل إلى غيره، ولكن انتقل من مثال إلى مثال آخر لعلمه بقصور فهم المخاطب عن إدراكه المقصود من المثال الاول. وذلك لان إبراهيم عليه السلام استدل بحدوث حادث يعلم كل أحد عاقل بالضرورة عجز البشر عنه، وذلك يفيد العلم بوجود الاله تعالى. وهذه القضية الكلية لها جزئيات منها الاحياء والاماتة، ثم إن نمروذ دعا برجلين. فقتل أحدهما ولم يقتل الآخر. فقال عند ذلك: (أنا أحيى وأميت) وكان إبراهيم قادرا على أن يقول: لست أعنى به الاحياء والاماتة بهذا التفسير، وإنما المراد منه شئ آخر لعلم كل أحد بالضرورة عجز البشر عنه، إلا أنه عليه السلام مبالغة في الايضاح عدل عن ذلك المثال إلى آخر وهو طلوع الشمس وغروبها فظهر أنه لم يحصل منه الانتقال من الاستدلال إلى الاستدلال بل من المثال إلى مثال آخر. ثم هاهنا بحث وهو أن

[ 41 ]

الغرض من هذا الاستدلال إما إثبات الاله للعالم ونفى كون نمرود إلها، أو نفى كونه شريكا لله تعالى. فان كان الاول وهو قوله: (إن الله يأتي بالشمس من المشرق) فان ذلك عين المطلوب، وله أن يقول: إن الشمس تطلع إما لذاتها أولا لمؤثر أصلا قما الدليل على أن الامر ليس كذلك ؟ فان البحث ما وقع إلا فيه. وإن كان الغرض هو الثاني وهو أن نمروذ ليس بخالق للعالم فهذا غير جائز لان نمروذ إن جوز ذلك لم يكن كامل العقل، لان العلم بأن هذا الشخص البشرى الذى ما وجد الا في هذه الايام ليس هو الموجد للسموات السبع التى كانت موجودة قبله بألوف ألوف سنين، وأن العلم بأن هذا الشخص العاجز عن التصرف في هذه السموات والكواكب والبر والبحر ليس هو الموجد لها علم ضروري، فمن شك فيها كان مختل العقل، والمناظرة مع هذا الانسان عبث، وبعثة الانبياء إليه أيضا عبث. وإن كان الغرض هو الثالث، وهو نفى كونه شريكا لله تعالى، فان كان المراد من الشركة في خالقية السموات والارض كان أيضا معلوم الفساد بالضرورة فكانت المناظرة فيها عبثا. وإن كان المراد من الشركة الطاعة بمعنى أن نمروذ كان يدعى أنه يجب عليهم طاعته كما يجب طاعة الله. فهذا مما لا يبطل بالحجة التى ذكرها إبراهيم عليه السلام * [ سؤال آخر ] وهو ان ابراهيم عليه السلام لما قال (ان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) فلو قال الخصم: بل أنا آتى بالشمس من المشرق فقل لالهك جئ بها من المغرب كيف

[ 42 ]

يكون جوابه ؟ [ الجواب ] عن البحث الاول أن الخصم كان دهريا منكرا للصانع فاحتج ابراهيم عليه السلام بهذه الحجة في إثبات الصانع وذلك لان طلوع الشمس بعد عدمها حادث فلابد من محدث والمحدث ليس احدا من البشر فلابد لهذه الاجسام من اله * [ واعلم ] أنه إنما انتقل عن الاحياء والاماتة إلى طلوع الشمس وغروبها لان أشرف ما في العالم السفلى هو الانسان وأشرف ما في العالم العلوى هو الشمس، فذكر من دلائل الآفاق أحوال الشمس، ومن دلائل الانفس احوال الحياة والموت * [ والجواب ] عن البحث الثاني أن الخصم لو طالبه بذلك لكان من الواجب في حكم الله تعالى أن يأتي بالشمس من المغرب تقريرا لحجة ابراهيم عليه السلام * ولقائل أن يقول: هذا غير واجب. لان لابراهيم عليه السلام أن يقول: طلوع الشمس حادث، فلابد له من محدث. وذلك المحدث ليس من البشر، فلابد من آله. فثبت أن طلوع الشمس إنما حدث بقدرة الله تعالى. ومن المعلوم بالضرورة أن القادر على تحريك الشمس من اليمين إلى الشمال قادر على تحريكها من الشمال إلى اليمين. فلما كان الله تعالى قادرا على أن يأتي بالشمس من المشرق كان قادرا على أن يأتي بها أيضا من المغرب. فثبت أن الهى قادر على الكل. وأما أنت فلو كنت إلها لكنت أيضا قادرا على الكل فلما عجزت عن الكل ثبت أنك

[ 43 ]

لست بآله. ومتى اندفعت معارضة الخصم بهذه الادلة العقلية لم يلزم من عدم اتيان الله تعالى بالشمس من المغرب القدح في دليل ابراهيم عليه السلام * [ الشبهة الخامسة ] تمسكوا بقوله تعالى (إذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيى الموتى) الآية وهذا يدل على أنه لم يكن موقنا بقدرة الله على إحياء الاموات * [ والجواب ] من وجوه (الاول) يحتمل أن يقال: وقع ذلك قبل النبوة. وقبلها لما وجب عليه الاستدلال في معرفة الله تعالى وجب عليه الاستدلال ايضا في أمر المعاد. فان قلت: أليس إنه لا يتم علمه بالمبدأ إلا إذا عرفه قادرا على كل المقدورات حصل العلم بكونه عالما بكل المعلومات، ومتى عرفه كذلك عرفه قادرا على إحياء الموتى ؟ قلت: لا يلزم من مجرد العلم بكونه تعالى عالما بكل المعلومات قادرا على كل المقدورات حصول العلم بكونه تعالى قادرا على الاحياء لاحتمال أن يقال: هذه الاجزاء انما تقبل التركيب الحيوانى والحياة بطريق خاص وهو التولد. فأما بغير ذلك الطريق فهو ممتنع لذاته. فلا يلزم من عدم القدرة عليه قدح في قولنا انه قادر على كل الممكنات * فإن قلت: لو كان حصول الحياة في ذلك الجسم ممتنعا لما حصل فيه البتة، فلما حصل ثبت أنه ممكن لذاته فيندرج تحت قدرة الله تعالى * [ قلت ] لعل الخصم يقول: إنه ممكن بطريق واحد، وفيما عدا ذلك ممتنع، وأيضا فهب أن الدليل الذى ذكرت يصح في بيان كون الاجزاء قابلة للحياة

[ 44 ]

إلا أن ابراهيم عليه السلام ما أراد إثبات هذه المقدمة بهذه الدلالة العقلية بل أراد اثباتها بالمشاهدة، فانه لا يجب على المستدل أن يستدل بدليل معين، كيف وفى الرجوع إلى المشاهدة هاهنا مزيد فائدة لان الحسى أقوى في ذلك من الاستدلال [ الثاني ] يحتمل أن يقال: وقع ذلك عند وصول الوحى إليه، فإن القوم كما يحتاجون إلى المعجزة في معرفة رسالته، فالرسول لابد له أيضا من معجز ليعرف به نبوة نفسه، فقوله (أو لم تؤمن) معناه أو لم تؤمن بأنك رسول الله ؟ (قال بلى ولكن ليطمئن قلبى) على كونى رسولا من قبلك لا من قبل الشيطان * [ الثالث ] يحتمل أن يقال: وقع ذلك بعد النبوة ولكنه من الله تعالى لمعرفة شئ آخر، كما يحكى أن الله تعالى أوحى إليه " إنى اتخذت عبدا من عبادي خليلا وعلامته أنه لو طلب منى إحياء الميت فانى أفعله إكراما له " فأراد إبراهيم عليه السلام أن يتعرف أن ذلك الخليل هل هو هو ؟ فسأل عن ذلك، وكان المعنى ولكن ليطمئن قلبى على كونى خليلا لك ومخصوصا من عندك بهذا الشرف * [ الرابع ] أن يكون المراد ليطمئن قلبى على قربك على الاحياء بالمشاهدة، فان البرهان إذا تأيد بالمشاهدة صار أقوى وأعم * [ الخامس ] أنه عليه السلام لما أمر بذبح الولد ضعف قلبه، فكأنه قال الهى أمرتنى بإماتة الحى وهو على شاق، فان أكرمتني باحياء الميت قوى قلبى فأقدر حينئذ على ذلك التكليف، فقوله: (ولكن ليطمئن قلبى) المراد ليطمئن قلبى على قربى منك

[ 45 ]

واختصاصي بك، فأقوى بوجدان ذلك الاكرام على امتثال ذلك الالتزام * * (السادس) * أن الخصم لما قال لابراهيم عليه السلام: أنت تزعم أن ربك يحيى ويميت فاسأله أن يحيى لنا ميتا وإلا قتلتك فقال إبراهيم عليه السلام: (أرنى كيف تحيى الموتى) ويكون معنى قوله: (ولكن ليطمئن قلبى) زوال الخوف والامن من القتل * * (السابع) * أن الخصم لما قال: (أنا أحيى وأميت) لم يشتغل إبراهيم عليه السلام بالكشف عن فساد ما قاله، ولكن انتقل إلى وجه آخر ثم بعد الفراغ عن ذلك المقصود عاد إلى شرح فساد ما قاله الخصم: فقال: (رب أرنى كيف تحيى الموتى) ليعرف بهذا الكافر أن الاحياء والاماتة اللذين استدللت بهما على وجود الاله كيف يكون ؟ فمعنى قوله: (ليطمئن) أي يطمئن قلبى على صحة الدليل واندفاع تلك المعارضة * [ الثامن ] وهو على لسان أهل الاشارة: أن حياة القلب بالاشتغال بذكر الله وموته بالاشتغال بغير الله تعالى. فقال: (رب أرنى كيف تحيى الموتى) أي القلوب الميتة (قال أو لم تؤمن قال بلى) ولكن ليحصل الذوق بتحصيل الاستقرار والطمأنينة. فقال (فخذ أربعة من الطير) فأمر بقطع العلاقة عن هذه الهيئة المركبة من هذه الطبائع الاربعة تنبيها على أن الحياة التامة الروحانية لا تحصل إلا بعد مقارنة هذا الجسد * * (التاسع) * أن المراد منه طلب الرؤية في الدنيا، وهو الذى

[ 46 ]

سأل موسى عليه السلام بقوله: (أرنى أنظر إليك) وسأله محمد أرنا الاشياء كما هو (1) الا أنه راعى الادب فعبر بالمسبب عن السبب فان سبب حياة القلب ليس إلا الرؤية التى هي الكشف التام، فكان طلب الاثر طلبا للمؤثر * * (العاشر) * أنه عليه السلام كان أب هذه الامة والوالد يكون مشفقا على الولد، والمشفق بسوء الظن مولع. فلما علم أن كثرة بنيه عاصيا خطر بباله: إنى ان كنت شفيعا للعصاة فهل تقبل شفاعتي يوم القيامة، فسأل عن إحياء الميت في الدنيا فقيل: أولم تؤمن بقدرتنا عليه ؟ فقال: بلى ولكن ليطمئن قلبى على كونى مقبول الشفاعة في حق أمة محمد عليه الصلاة والسلام وإذا كان هو كذلك كان محمد عليه الصلاة والسلام اولى به، فلذلك قال: " شفاعتي لاهل الكبائر من امتى " (2) وهذا الجواب تذكيرى [ الحادى عشر ] لعله عليه السلام أمر بتبليغ الرسالة ففكر فقال: لعل الخصوم يطالبونني بمعجزات غريبة فسأل الله تعالى عن هذه الغريبة. فقال (أو لم تؤمن قال بلى ولكن


(1) الظاهر أنه ساقه على أنه حديث. وقد بحثت عنه كثير أو سألت من أعرف استحضاره للاحاديث فلم أعثر عليه لا في الضعيف ولا الموضوع، ويظهر لى والله أعلم انه ليس بحديث، وليس عليه طلاوة كلام النبوة (2) هذا الحديث رواه الامام احمد وابو داود الترمذي والنسائي عن انس وعن ابن عباس. (*)

[ 47 ]

ليطمئن قلبى) على أنك تجيبني في كل ما أطلب. وبالجملة قوله (ولكن ليطمئن قلبى) غير متعلق في الآية على شئ معين فلك أن تصرفه إلى أي شئ شئت سوى الايمان * [ الشبهة السادسة ] قالوا: إن ابراهيم عليه السلام استغفر لابيه. وأبوه كان كافرا والاستغفار للكافر غير جائز. فثبت أن ابراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز فعله انما قلنا: انما استغفر لابيه لقوله تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام (سلام عليك سأستغفر لك ربى) وقوله (واغفر لابي انه كان من الضالين) وأما إن أباه كان كافرا فذلك بنص القرآن وبالاجماع. وأما ان الاستغفار للكافر لا يجوز لوجهين [ الاول ] قوله تعالى (ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين، فثبت بهذه المقدمات أن ابراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز [ الثاني ] قوله تعالى في سورة الممتحنة (قد كانت لكم اسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول ابراهيم لابيه لاستغفرن لك) فأمر بالتأسي به إلا في هذا الفعل فوجب أن يكون ذلك معصية منه * [ والجواب ] لا نزاع الا في قولكم الاستغفار لا يجوز. والكلام عليه من وجوه [ الاول ] أن القطع عليه ان الله تعالى يعذب الكافر لا يعرف إلا بالسمع، فلعل ابراهيم عليه السلام لم يجد في شرعه ما يدل على القطع بعذاب الله تعالى الكافر. فلا جرم استغفر لابيه * [ الثاني ] ان الاستغفار قد يكون بمعنى الاستبطاء كما في قوله تعالى

[ 48 ]

(قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ايام الله) (1) * [ الثالث ] انه عليه السلام إنما استغفر لابيه لانه كان يرجو منه الايمان، فلما أيس من ذلك ترك الاستغفار. ويدل عليه قوله تعالى (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) واما قوله (ما كان للنبى والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين) فليس في لفظ النبي عموم، لما ثبت في أصول الفقه أن الاسم المفرد المحلى بالالف واللام لا يقتضى العموم فإذا حملنا النبي على رسولنا عليه الصلاة والسلام لم يلزم ان يتناول إبراهيم عليه السلام، واما الآية الثانية فهى على أنه لا يجوز التأسي به في ذلك الاستغفار، فلم يدل على أن الاستغفار لم يكن جائزا له. ولكنا نحمل الاستغفار الذى أتى به على استبطاء العقاب، أو تخفيفه، أو على أنه ما كان عالما بكيفية الاحوال * [ فائدة ] اختلف المفسرون في الموعدة المذكورة في قوله تعالى (إلا عن موعدة وعدها إياه) فقيل: وعد الاب ابنه بالايمان، وقيل: وعدا لابن أباه بالاستغفار. والاول أولى على قولنا إنه لا يجوز الاستغفار للكافر، لان وعدا لابن أباه بالاستغفار لو عد الاب ابنه بالايمان وإذا كان وجود هذا الوعد واجبا ووجود الوعد الثاني غير واجب كان حمل اللفظ على الوعد الاول اولى *


(1) راجعت كتب اللغة وكتب التفسير ومنها تفسير الفخر الرازي. فلم اجد هذا المعنى للاستغفار أصلا، بل كل معنى الاستغفار يدور على التغطية والعفو والصفح خصوصا في آية الجاثية (قل للذين آمنوا يغفروا - 241) (*)

[ 49 ]

[ الشبهة السابعة ] تمسكوا بقوله تعالى (ربنا واجعلنا مسلمين لك) والدعاء طلب وطلب الحاصل ممتنع لقوله تعالى (واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام) ولولا جواز ذلك عليه لما طلب من الله ذلك ولقوله تعالى (والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتي يوم الدين) والاستدلال فيه أن الآية مشعرة بأنه غير قاطع بكونه مغفورا له، وهى تصريح بوقوع الخطيئة منه * [ والجواب ] لا نزاع بين الامة انه لا يجوز الكفر على الانبياء بعد نبوتهم الا عند شرذمة من الخوارج (1) فلا اعتبار بخلافهم، فكانت هذه الآيات مؤولة باجماع الامة، فوجب حملها على هضم النفس وكسرها وإظهار الانابة والابتهال * [ الشبهة الثامنة ] قالوا: إنه طلب من الله أن يجنب أولاده عن عبادة الاصنام، وما أجيب إليه. فكان كسرا من منصبه * [ الجواب ] أن المفسرين حملوا هذا الدعاء على من اعلمه الله انه يؤمن ولا يعبد الاصنام وتخصيص العام غير بعيد * [ الشبهة التاسعة ] تمسكوا بقوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) * والبحث في الآية من وجوه: [ الاول أنه قدم الطعام إلى الملائكة مع علمه أنهم لا يأكلون * [ الثاني ] لهم خافهم مع علمه بكونهم معصومين ؟ فان قلت: السبب


(1) وكذا لا يجوز الكفر قبل نبوتهم أيضا كما لا يخفى فليتأمل (*)

[ 50 ]

في هذين أنه ما كان عالما بكونهم من الملائكة، قلت: فلم صدقهم في ادعاء الملائكة من غير دليل ؟ * (الثالث) * أنه تعالى وصفه بالمجادلة. فقال: (يجادلنا في قوم لوط) ثم قال: (يا إبراهيم أعرض عن هذا) وهذا يدل على أن مجادلته مع الملائكة غير جائزة * [ والجواب ] أن ذلك لو كان ذنبا لعوتب عليه ولاستغفر إبراهيم على السلام منه كيف وقد مدحه الله تعالى على ذلك فقال: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) فوصفه بهذه الصفات التى ليست وراءها منزلة في باب الرفعة. فكيف يجوز تخطئته فيما جعله الله تعالى سببا للمدح العظيم ؟ وأما قوله: كيف صدقهم في ادعاء الملائكة من غير دليل فنقول ليس في الآية أنه صدق من غير دليل، وإذا كان كذلك كان الدليل المذكور على عصمة إبراهيم عليه السلام دليلا على أنه إنما صدقهم في تلك الدعوى بالدليل. ويقال انهم دعوا الله باحياء العجل الذى كان ذبحه وشواه فعاد حيا، وأما المجادلة فانها غير مقصودة على المخاصمة فقد تكون بمعنى المسألة قال الله تعالى (قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها) يعنى تسألك فكأن إبراهيم عليه السلام أخذ يبحث كيفية العذاب وأنه عام لهم أو خاص بالبعض، فسمى ذلك جدالا لما كان فيه من المراجعة، وقيل: معنى (تجادلنا) تسألنا عن قوم لوط أن يؤخر عذابهم رجاء أن يؤمنوا فأخبره الله تعالى بأن المصلحة في إهلاكهم وأن كلمة العذاب حقت عليهم *

[ 51 ]

لا يقال: اما أن يقال انه كان مأذونا أو غير مأذون، فان كان الثاني كان اقدامه عليه ذنبا لانا نقول لعله لم يكن مأذونا فيه شرعا إلا أنه بحكم أن الاصل في الاشياء الاباحة اعتقد جواز تلك المجادلة فانه لما نهى عنه سكت عنه * [ قصة يعقوب عليه السلام ] [ وفيها شبه ] [ الاولى ] قالوا لم رجح يعقوب عليه السلام يوسف على إخوته في التقريب والمحبة مع علمه إفضاء ذلك الترجيح إلى الحسد والمفاسد العظيمة ؟ [ الجواب ] من وجهين: [ الاول ] لا نسلم أنه رجح يوسف على إخوته في الاكرام، بل كان راجحا في المحبة وميل الطبع وذلك غير مقدور له فلا يكون مكلفا بتركه * [ الثاني ] هب أنه عليه السلام رجحه في الاكرام لكن لا نسلم علمه بأداء ذلك الترجيح إلى المفسدة، فلعله رأى من سداد إخوته وجميل ظاهرهم ما غلب على ظنه أن ترجيحه لا يفضى إلى شئ من المفاسد فان الحسد وإن كان راسخا في الطبع إلا أن كثيرا من الناس يحترزون منه ويجتنبونه *

[ 52 ]

* (الشبهة الثانية) * أن إخوة يوسف وصفوا أباهم بالضلال بقوله: (إن أبانا لفى ضلال مبين) * (الجواب) * ليس المراد بالضلال عن الدين بالاجماع بل المراد العدول عن الصواب * [ فان قلت ] لما وصفوه بذلك فقد قدحوا في عصمته واعتقدوا أنه غير مصيب في أحكامه ومن اعتقد في الرسل ذلك كفر فيلزم القول بكفر اخوة يوسف * (قلت) * الحكم بالاسلام والكفر شرعى فلعل ذلك لم يكن كفرا في دينهم، أو يقال مرادهم وصف يعقوب بالغلو في الحب. وذلك غير مقدور له. فلم يكن وصفهم أباهم بذلك قدحا في عصمته * [ الشبهة الثالثة ] فلم أرسل يوسف مع اخوته مع خوفه عليه منهم بقوله تعالى (وأخاف أن يأكله الذئب) وهل هذا إلا تغريرا ؟ * (الجواب) * لا يمتنع أن يعقوب عليه السلام لما رأى في بنيه من الايمان والعهود والاجتهاد في حفظ يوسف ظن السلامة وربما ظن أنه لو لم يرسله معهم مع مبالغتهم في اظهار الحب لاعتقدوا في يعقوب عليه السلام أنه يتهمهم على يوسف ويصير ذلك سببا للوحشة العظيمة فلهذه الدعاوى بعثه معهم * * (الشبهة الرابعة) * لم أسرف يعقوب عليه السلام في الحزن والبكاء حتى ابيضت عيناه ومن شأن الانبياء التجلد والتصبر ؟ * * (الجواب) * التجلد على المصائب وكظم الحزن مندوب وليس بواجب، وترك المندوب ليس بمعصية، على أن يعقوب عليه

[ 53 ]

السلام انما أبدل من الحزن اليسير من الكثير، وكان ما يعتبر عليه أكثر وأوسع مما أظهره * [ الشبهة الخامسة ] ان يعقوب عليه السلام كان يعلم برؤيا يوسف أن أمره يفضى إلى العاقبة الحسنة في الدنيا والدين، فلم لم يتسل بذلك على حزنه ؟ [ الجواب ] أن علمه بذلك لا يدفع الحزن الحاصل بسبب المفارقة، على أن يوسف عليه السلام كان حين رأى تلك الرؤيا صبيا فلا جرم لم يقطع يعقوب عليه السلام بصحته * [ قصة يوسف عليه السلام ] [ وفيها شبه ] [ الاولى ] أنه صبر على الرق ولم يبين الحرية التى فيه وذلك معصية [ الجواب ] من وجوه [ الاول ] فلعله لم يكن نبيا في تلك الحالة، ولما خاف على نفسه القتل جاز ان يصبر على الرق. ومن ذهب إلى هذا الوجه حمل قوله تعالى (واوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا) على وقت آخر [ الثاني ] أن إظهار الحرية أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع، فلعله أمر بالسكوت عنه امتحانا، كما امتحن ابويه بنمروذ والذبح (1) [ الثالث ] لعله عليه السلام أخبرهم بذلك إلا أنهم لم يلتفتوا إليه * [ الشبهة الثانية ] تمسكوا بقوله تعالى حاكيا عن يوسف وامرأة العزيز (وراودته التى هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب وقالت هيت لك


(1) أي ذبح ولده اسماعيل لا اسحاق (*)

[ 54 ]

قال معاذ الله انه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لو لا ان رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) * [ الجواب ] قال القاضى ابو طاهر الطوسى رحمه الله تعالى: شهد ببراءة يوسف من الذنب كل من له تعلق بتلك الواقعة من زوج وحاكم ونسوة وملك وادعى يوسف ذلك واعترف له خصمه بصدق ما قاله مرتين، وشهد بذلك رب العالمين الذى هو اصدق القائلين، واعترف ابليس فكيف يلتفت إلى قول هؤلاء الحشوية ؟ ! أما شهادة الزوج فقوله تعالى (انه من كيدكن ان كيدكن عظيم يوسف اعرض عن هذا واستغفرى لذنبك انك كنت من الخاطئين وأما شهادة الحاكم فقوله (وشهد شاهد من اهلها ان كان قميصه قد من دبر) واما شهادة النسوة فقولهن (حاش لله ما علمنا عليه من سوء) اما شهادة الملك فقوله (إنك اليوم لدينا مكين امين) واما ادعاء يوسف عليه السلام ذلك فقوله (هي راودتني عن نفسي) وقوله (رب السجن احب إلى مما يدعونني إليه) وقوله (ذلك ليعلم انى لم أخنه بالغيب) واما اعتراف الخصم فقولها للنسوة (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) وقوله (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه) واما شهادة رب العالمين فقوله (كذلك لنصرف منه السوء والفحشاء) واما اعتراف ابليس بذلك فقوله تعالى حكاية عنه (لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين) فبين انه يغوى الكل الا المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى (انه من عبادنا المخلصين) فأية شبهة تبقى مع هذه الشهادات في براءة (م 4 - عصمة الانبياء)

[ 55 ]

يوسف عن الذنوب. ثم قال القاضى: وهؤلاء الطاعنون في يوسف ان كانوا من حزب الله فليقبلوا قوله، وان كانوا من حزب الشيطان فيجب ان لا يتركوا قوله (لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين) وإذا ظهرت هذه الجملة فلنذكر معنى الآية فنقول * * (الهم) * في اللغة جاء لمعان أربعة * (الاول) * العزم على الفعل لقوله تعالى (إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم) أي أرادوا ذلك وعزموا عليه [ الثاني ] خطور الشئ بالبال قال الله تعالى (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما) فانما أراد الله تعالى أن الفشل خطر ببالهم ولو كان المراد هاهنا العزم لما صح أن يكون الله وليا لهم، لان العزم على المعصية معصية ويدل عليه أيضا قول كعب بن زهير: فكم فيهم من سيد متوسع * ومن فاعل للخير قد هم أو عزم [ الثالث ] أن يستعمل بمعنى المقاربة يقولون هم بكذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة: أقول لمسعود بجرعاء مالك * وقد هم دمعى أن يلج أوائله والدمع لا يجوز عليها العزم وانما اراد أنه كاد وقارب * [ الرابع ] الشهوة وميل الطباع لان الانسان قد يقول فيما يشتهيه هذا من همى فتثبت أن الهم مستعمل في هذه المعاني. فان حملناه على العزم ففيه وجهان: * (الاول) * أن الهم في ظاهر الآية معلق بذاته وذاتها. وذلك غير جائز لان الذوات لاتراد فلا بد من ترك هذا الظاهر وتعليق الهم بشئ غير الذات: وإذا ثبت

[ 56 ]

هذا فنقول: ليس تعليقه ببعض الامور أولى من تعليقه بالباقي إلا للدليل فأما همها فكان متعلقا بالفاحشة دون سائر الامور وذلك للنص والاجماع. أما النص فقوله تعالى (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين) وقوله (وراودته التى هو في بيتها عن نفسه) وقوله تعالى حاكيا عنها (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين) وفى موضع آخر (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) وأما الاجماع فهو أن المفسرين اتفقوا على أنها همت بالمعصية والفاحشة. وأما همه فقد دللنا على أنه لا يجوز أن يكون متعلقا بالفاحشة وليس في ظاهر الآية ما يقتضيه فلا جرم علقناه بدفعه إياها عن نفسه كما يقول القائل: لقد كنت هممت بفلان أي بأن أوقع به ضربا * لا يقال: فأى فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنه لانا نقول يجوز أن يكون لما هم بدفعها وضربها أرى برهانا على أنه لو قدم على ما هم به أهلكه أهلها وقتلوه، وانها تدعى عليه المراودة على القبيح وتنسبه إلى أنه دعاها إلى نفسه وضربها لامتناعها منه. فأخبره الله تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمراودة وظن القبح واعتقاده فيه. لا يقال: فهذا يقتضى أن يكون جواب لفظة (لولا) متقدما عليها ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بقربها، وتقدم جواب (لولا) غير جائز. لانا نقول: لا نسلم

[ 57 ]

أن تقدم جواب (لولا) غير جائز وسيأتى تقريره، سلمنا ذلك ولكن لا حاجة بنا إليه في هذا المقام، لان العزم على الضرب والهم قد وقع إلا أنه انصرف عن فعله بسبب البرهان. وتقدير الكلام: ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك. والجواب محذوف مضمر * [ الوجه الثاني ] في حمل الهم على العزم أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولقد همت به ولو لا أن رأى برهان ربه لهم بها ويجرى ذلك مجرى قولك: قد كنت هلكت لولا أن تداركته، وقد استبعد الزجاج. وعلى بن عيسى هذا الجواب من وجهين: [ الاول ] أنه لا يجوز تقدم جواب لولا * (الثاني) * جوابه يكون باللام كقوله (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه) * * (والجواب) * انا لا نسلم انه لا يجوز التقديم، والدليل عليه قوله تعالى: (إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها) وأيضا فلو لم يجعل التقديم على (لولا) جوابا لها لكان جوابها محذوفا. وإذا دار الامر بين أن يكون جوابا محذوفا وبين أن يكون متقدما عليها لا شك أن التقديم أولى * [ فان قلت ] فأى فائدة في قوله: (وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) إذا لم يكن هناك هم ؟ * (قلت) * الفائدة فيه الاخبار على أن ترك الهم به وإجابتها إلى ملتمسها لم يكن من حيث كان غير راغب في النساء لعجز لكنه ترك ذلك لله وفى الله طلبا لثوابه وهربا من

[ 58 ]

أليم عقابه * * (فان قلت) * فما البرهان الذى رآه يوسف عليه السلام ؟ [ قلت ] فيه وجوه ثمانية: [ الاول ] أنه حجة الله في تحريم الزنا والعلم بما على الزانى من العقاب قاله محمد بن كعب * * (الثاني) * ما آتاه الله من آداب أنبيائه من العفاف وصيانة النفس عن الارجاس * (الثالث) * رأى مكتوبا في سقف البيت (ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا) * * (الرابع) * عن الصادق النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش * [ الخامس ] عن زين العابدين كان في ذلك البيت صنم فألقت المرأة ثوبا عليه وقالت استحى منه. فقال يوسف: تستحى من الصنم فأنا أحق أن استحى من الواحد القهار * * (السادس) * انه سمع قائلا يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير فإذا زنا ذهب ريشه [ السابع ] * سمع قائلا يقول: انت مكتوب في الانبياء وتعمل عمل السفهاء * [ الثامن ] عن ابن عباس رأى صورة الملك، وقيل: صورة يعقوب عليه السلام عاضا على أنامله * [ فان قلت ] لو كان البرهان عبارة عن أنه رأى يعقوب عاضا على أصبعه أو نادته الملائكة بالزجر لاقتضى ذلك الالجاء وصار منافيا للتكليف، ولما استحق يوسف عليه السلام بالبعد عن ذلك الفعل مدحا ولا ثناءا ولا ثوابا *

[ 59 ]

* (قلت) * أليس إن المعتزلة قالوا في قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) إن شيئا منها لا يوجب الالجاء، وإذا كان كذلك فكيف يلزم من مشاهدة يعقوب وسماع صوت الملائكة حصول الالجاء * [ الشبهة الثالثة ] تمسكوا بقوله تعالى (وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء) [ الجواب ] من وجهين [ الاول ] أنه أراد الدعاء والمنازعة ولم يرد العزم على المعصية، وهو لا يبرئ نفسه عما لا يقوى عنه طباع البشر [ الثاني ] هو أن هذا من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السلام بدليل أن هذا مسوق إلى كلام المرأة فانه تعالى قال (وقالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين ذلك ليعلم انى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء) الكلام على كلام المرأة. فقوله تعالى (ذلك ليعلم انى لم أخنه بالغيب) من كلام المرأة لا من كلام يوسف. والمكنى عنه في قوله (لم أخنه) هو يوسف. وهو غائب في السجن، ولم أقل فيه لما سئلت عن قصتي إلا الحق، وليس في القرآن ما يدل على أن ذلك من قول يوسف عليه السلام. ومهما جعل ذلك من قول يوسف عليه السلام احتيج إلى حذف طويل من رجوع الرسول إلى يوسف عليه السلام، وإخباره بما قاله له حتى يجيبه يوسف عليه السلام، ثم

[ 60 ]

رجوع الرسول إلى الملك ثانيا وإخباره إياه بمقالة يوسف عليه السلام حتى يقول الملك (ائتونى به أستخلصه لنفسي) وهذا محال لا يجوز مثله في القرآن ولا في الشعر. ولو جعلنا ذلك من قول يوسف عليه السلام لم يوجب ذلك إلحاق الفاحشة به، بل هو أدل دليل على براءة ساحته وذلك لانه قال (ليعلم أنى لم أخنه بالغيب) ولا خيانة أعظم من الهم بامرأته والقعود منها مقعد الرجل من امرأته * [ الشبهة الرابعة ] أنهم سجنوا يوسف عليه السلام، وذلك معصية بالاتفاق وأنه عليه السلام قال (رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) فيدل ذلك على محبته لتلك المعصية، ومحبتها معصية * * (الجواب) * من وجهين: (الاول) المراد من الاحب الاخف والاسهل فهذا كمن يخير بين شيئين مكروهين جدا، فيقول إن كذا أحب إلى، أي أخف * [ الثاني ] أن توطين النفس على تحمل مشقة السجن أحب إلى من مواقعتي المعصية. فأما قوله: (وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) فهو تصريح بأن شيئا من الطاعات لا يتم إلا بمعونة الله تعالى ولطفه * * (الشبهة الخامسة) * كيف يجوز على يوسف مع نبوته أن يعول على غير الله في الخلاص من السجن في قوله للذى كان معه (اذكرني عند ربك) حتى وردت الروايات أنه إنما طال مقامه في الحبس لانه عول على غير الله ؟ * (الجواب) * أن الدنيا دار الاسباب، فالتمسك

[ 61 ]

بالاسباب لا ينافى حقيقة التوكل * [ الشبهة السادسة ] ما الحكمة في طلب أخيه من إخوته، ثم حبسه عن الرجوع إلى أبيه مع علمه بما يلحق أباه من الحزن ؟ وهل هذا إلا ضرر بأبيه ؟ [ الجواب ] إنما فعل ذلك بوحى من الله تعالى إليه زيادة في امتحان أبيه. والمراد من قوله (سنراود عنه أباه) ليس الخداع والكذب بل اللطف والاحتيال * [ الشبهة السابعة ] فما معنى جعل السقاية في رحل أخيه ؟ [ الجواب ] أما جعل السقاية في رحل أخيه فالغرض منه التسبب إلى احتباس أخيه عنده. ويجوز أن يكون ذلك بأمر الله تعالى. وروى أنه أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به. وعلى هذا الوجه لا يكون ذلك سببا لادخال الغم في قلب أخيه * [ فان قلت ] فلا أقل من أن يكون ذلك سببا لتعريض أخيه لتهمة السرقة ؟ [ قلت ] لا نسلم فان وجود السقاية في رحل أخيه يحتمل وجوها كثيرة، فمن صرفه إلى السرقة كان هو المقصر. وأما نداء المنادى - أنهم سارقون - ففيه ثلاثة أوجه: [ الاول ] أنه ما كان بأمره عليه السلام، بل نادى بذلك واحد من القوم لما فقدوا الصواع * [ الثاني ] هب أنه كان بأمره لكنه لم يناد بأنهم سرقوا الصواع بل نادى بأنهم سارقون، فلعل المراد أنهم سرقوا يوسف من أبيه *

[ 62 ]

* (الثالث) * أن الكلام خارج على معنى الاستفهام، وإن كان ظاهره ظاهر الخبر كأنه قال: أإنكم لسارقون ؟ فأسقط همزة الاستفهام كما أسقطت في قوله (هذا ربى) * * (الشبهة الثامنة) * ما بال يوسف لم يعلم أباه خبره حتى تسكن نفسه ويزول حزنه ؟ * (والجواب) * لعله امتنع عنه بأمر الله تشديدا على يعقوب عليه السلام * * (الشبهة التاسعة) * قال الله تعالى (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا) وكيف رضى بأن يسجدوا له والسجود لا يكون إلا لله، وكيف رضى باستخدام الابوين ؟ * (الجواب) * المعنى خروا لاجله سجدا لله * * (فان قلت) * هذا التأويل يفسده قوله تعالى (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربى حقا) * (قلت) * لا نسلم، فان تأويل رؤياه: بلوغه أرفع المنازل، فلما رأى أبويه على أشرف الحالات في الدارين كان ذلك مصدقا لرؤياه المتقدمة * * (الشبهة العاشرة) * ما معنى قوله تعالى حكاية عنه (من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى) [ جوابه ] أن النزغ الشيطاني كان منهم إليه لا منه إليهم، وهو كقول القائل: كان بينى وبين فلان شر، وإن كان من أحدهما دون الثاني * * (الشبهة الحادية عشرة) * ما معنى قوله عليه السلام (اجعلني على خزائن الارض) وكيف يجوز أن يطلب الولاية من قبل

[ 63 ]

الظالم ؟ [ جوابه ] إنما التمس بتمكينه من خزائن الارض ليحكم فيها بالعدل لانه بسبب نبوته كان مستحقا لذلك وللمستحق أن يتوصل إلى حقه بأى طريق كان * [ قصة ايوب عليه السلام ] حكى الله تعالى انه قال (مسنى الشيطان بنصب وعذاب) والعذاب لا يكون الا جزاءا كالعقاب، فدل على كونه مذنبا، وروى جمع من المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر * [ جوابه ] لا نسلم أن العذاب لا يكون إلا جزاءا. ولهذا يقال للظالم المبتدئ بالظلم: إنه يعذب الناس فأما إضافة ذلك إلى الشيطان فنقول: انه عليه السلام ما أضاف المرض إلى الشيطان، وإنما أضاف إليه ما كان يشعر به من وسوسته وتذكيره له مما كان فيه من النعم والعافية ودعائه له إلى التضجر، ولانه كان يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه، لما كان عليه من الامراض البشعة المنظر، وأيضا فان الله تعالى مدحه في آخر الآية بقوله (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) فلو كان أول الآية دالا على كونه مذنبا لكان مدحه عقيب ذلك موهما أنه مدحه على ذنبه وهو غير جائز. والله الموفق * [ قصة شعيب عليه السلام ] [ وفيها شبه ثلاث ] [ الاولى ] ما معنى قوله (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) والشئ

[ 64 ]

لا يعطف على نفسه لا سيما بالحرف الذى يقتضى التراخي وهو (ثم) [ جوابه ] من وجوه ثلاثة: [ الاول ] أن يكون المعنى اجعلوا المغفرة غرضكم الذى تتوجهون إليه، ثم توصلوا إليها بالتوبة. فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب [ الثاني ] استغفروا ربكم أي سلوه للمؤمنين المغفرة بالمعونة عليها، ثم توبوا إليه، والشئ لا يعطف لان المسألة للتوفيق ينبغى أن يكون قبل التوبة [ الثالث ] وهو أن للتخلص من ضرر الذنب طريقين: * (أحدهما) * مغفرته تعالى وعونه. وذلك إنما يكون عند تقارب الذنب [ والثانى ] التوبة الماحية للذنب، فكأنه عليه السلام أرسل إلى طلب التخلص من تلك المعاصي بجميع الطرق الممكنة * [ الشبهة الثانية ] ما معنى قول شعيب عليه السلام لموسى عليه السلام: (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج فان أتممت عشرا فمن عندك) فكيف يجوز في الصداق التخيير وأى فائدة للبنت فيما شرطه هو لنفسه وليس يعود عليها من ذلك نفع ؟ [ جوابه ] من وجهين: (الاول) يجوز أن تكون الغنم كانت لشعيب عليه السلام وكانت الفائدة لاستئجار من يرعاها عائدة إليه إلا أنه عوض ابنته عن قيمة رعيتها، فيكون ذلك رعيا لها، وأما التخيير فلم يكن إلا فيما زاد على ثمانى حجج، وذلك الزائد لم يكن من الصداق، ويجوز أيضا أن تكون الغنم للبنت وكان الاب متوليا لامرها، قابضا لصداقها *

[ 65 ]

[ الثاني ] يجوز أن يكون من شريعته العقد على التراضي من غير صداق معين، ويكون قوله: (على أن تأجرني ثمانى حجج) على غير وجه الصداق * [ الشبهة الثالثة ] قوله: (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا) الآيتين. فاعترف شعيب على أنه تعالى نجاه من ملتهم التى هي الكفر ولا يعود فيها والعائد إلى الشئ هو من كان فيه، فيرجع إليه بعد مفارقته وكذلك سبيل النجاة * * (جوابه) * العود إلى الشئ قد يستعمل فيما لم يكن فيه قط، فان الله تعالى سمى القيامة معادا وإن لم تكن فيها، وكذلك النجاة قد تستعمل فيما لم تكن فيه، فان السالم مما ابتلى به غيره قد يقول: الحمد لله الذى نجانا مما ابتلى به فلانا * (وجه آخر) * وهو أن الكناية في قوله: (بعد إذ نجانا الله منها) يرجع إلى الملة، ويجوز أن يكون شعيب قبل الوحى مكلفا بتلك الملة، ثم صارت منسوخة، فدعوه إليها مرة أخرى فأجابهم شعيب عليه السلام بأنه ليس له أن يعود إليها بعد نسخها * * (قصة موسى عليه السلام) * [ فيها شبه ستة ] * (الاولى) * تمسكوا بقوله تعالى: (فوكزه موسى فقضى عليه) فان ذلك القبطى إما أن يكون مستحقا للقتل أو لا. فان كان الاول فلم قال (هذا من عمل الشيطان) و (رب إنى ظلمت نفسي) الآية و (فعلتها

[ 66 ]

إذن وأنا من الضالين) ؟ وإن كان الثاني كان عاصيا في قتله * [ جوابه ] يحتمل أن يقال: إنه لكفره كان مستحقا للقتل وإنه لم يكن لكن موسى قتله خطأ، وأنه لم يقصد إلا تخليص الذى من شيعته من ذلك القبطى. فتأدى به ذلك إلى القتل من غير قصد * أما الآيات فمن جوز الصغيرة حملها عليه فان الاستغفار والتوبة تجب من الصغيرة كما تجب من الكبيرة ومن أباها فلم يحملها عليه، وأما قوله: (هذا من عمل الشيطان) ففيه وجهان: [ الاول ] أن الله تعالى ندبه إلى تأخير قتل أولئك الكفار إلى حال القدرة فلما قتل فقد ترك المندوب، فقوله: (هذا من عمل الشيطان) معناه إقدامى على ترك المندوب من عمل الشيطان * [ الثاني ] أن يكون المراد أن عمل المقتول عمل الشيطان، والمراد بيان كونه مخالفا لله تعالى مستحقا للقتل، ويكون قوله: (هذا) إشارة إلى المقتول بمعنى أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أصحابه. فأما قوله: (رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لى) فعلى نهج قول آدم: (ظلمنا أنفسنا) والمراد أحد الوجهين إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب على فعل المندوب، وأما قوله: (فاغفر لى) فالمراد اقبل منى هذه الطاعة والانقطاع اليك. وأما قوله: (فعلتها إذن وأنا من الضالين) فلم يقل: إنى صرت بذلك ضالا ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرا إلى حال

[ 67 ]

القتل نفى عن نفسه كونه كافرأ في ذلك الوقت فاعترف بأنه كان ضالا أي متحيرا لا يدرى ما يجب عليه أن يفعله وما يريده في ذلك والله أعلم * [ الشبهة الثانية ] كيف لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه (إنك لغوى مبين) ؟ * (جوابه) * إن قوم موسى عليه السلام كانوا غلاظا جفاة. ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) وكان المراد ذلك * * (الشبهة الثالثة) * لما قال الله تعالى (ان ائت القوم الظالمين فلم قال في جوابه (انى أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطق لساني فأرسل إلى هارون) وهذا استغناء عن الرسالة ؟ * (جوابه) * ليس هذا استغناء عن الرسالة، ولكنه إذن في أن يسأل ضم أخيه إليه في الرسالة على ما ذكره الله تعالى في قوله في سورة طه (وهل أتاك حديث موسى) إلى قوله (واجعل لى وزيرا من أهلى) فقال الله تعالى (قد أوتيت سؤلك يا موسى) وكان في ذلك السؤال مأذونا فاندفع السؤال * [ الشبهة الرابعة ] كيف جاز لموسى أن يأمر السحرة بالقاء الحبال والعصى وذلك سحر وتلبيس وكفر، والامر بمثله لا يجوز ؟ [ جوابه ] ذلك الامر كان مشروطا والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كما في قوله تعالى (فأتوا بسورة من مثله) أي إن كنتم قادرين، وأيضا لما تعين ذلك طريقا إلى

[ 68 ]

كشف الشبهة صار جائزا * [ الشبهة الخامسة ] (فأوجس في نفسه خيفة) أو ليس خوفه يقتضى شكه فيما أتى به ؟ [ جوابه ] لعله خاف لانه رأى من قوة التلبيس ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على بعض الناس فآمنه الله منه وبين أن حجته تتضح للقوم بقوله تعالى (لا تخف انك انت الاعلى) * [ الشبهة السادسة ] (وألقى الالواح) الآية فلا يخلو إما أن يكون قد صدر الذنب عن هارون عليه السلام ما استحق به ذلك التأديب أو لم يصدر عنه فان صدر عنه فقد صدر الذنب عن هارون عليه السلام وإن لم يصدر عنه فصدر عن موسى عليه السلام، وأيضا فلان هرون نهى موسى في قوله (لا تأخذ بلحيتي) فان كان موسى عليه السلام مصيبا فيما فعله كان هارون عاصيا في منعه عن فعل الصواب، وان كان هارون عليه السلام مصيبا في ذلك المنع كان موسى عليه السلام عاصيا في ذلك الفعل * [ جوابه ] أما من جوز الصغائر عليهم فقد حمل الواقعة عليه وزال السؤال. وأما من أباها فله وجهان: [ الاول ] أن موسى أقبل وهو غضبان على قومه، فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الانسان بنفسه في مثل ذلك الغضب، فان المفكر الغضبان قد يعض على شفتيه ويقلب أصابعه ويقبض على لحييه، فأجرى موسى عليه السلام أخاه مجرى نفسه لانه كان شريكه فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال

[ 69 ]

الفكر والغضب. وأما قوله (لا تأخذ بلحيتي) فلا يمتنع أن يكون هارون خاف أن يتوهم بنو إسرائيل بسوء ظنهم أنه منكر عليه معاتب له، ثم أخذ في شرح القصة، وقال في موضع آخر (إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى اسرائيل) وفى موضع آخر (يا ابن ام ان القوم استضعفوني) * * (الثاني) * ان بنى اسرائيل كانوا في نهاية سوء الظن بموسى حتى أن هارون عليه السلام غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى: أنت قتلته فلما واعد الله موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها بعشر وكتب له في الالواح من كل شئ رجع فرأى في قومه ما رأى فأخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص كيفية الواقعة فخاف هارون أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقا على موسى عليه السلام (لا تأخذ بلحيتي) لئلا يظن القوم بك مالا يليق * (قصة موسى والخضر عليهما السلام) (وفيها بحثان) (الاول) ما يتعلق بموسى عليه السلام وهو من وجوه: (الاول) أنه عليه السلام قال (لقد جئت شيئا إمرا) و (شيئا نكرا) مع أن ذلك الفعل في نفسه ما كان كذلك، والحكم على ما ليس بمنكر بأنه منكر خطا، فكان مخطئا * (الثاني) أنه نعت نفس الغلام بأنها زاكية مع أنها لم تكن كذلك (الثالث) قوله (لا تؤاخذني بما نسيت) وعندنا النسيان غير جائز على الانبياء *

[ 70 ]

(الثاني) ما يتعلق بالخضر، وهو من وجوه [ الاول ] قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين) والسفينة البحرية تساوى المال العظيم فكيف يسمى مالكها المسكين [ الثاني ] قوله (وكان وراءهم ملك) ومن كان وراءهم فقد سلموا منه، وانما كان خوفهم مما كان قدامهم [ الثالث ] قوله (فخشينا ان يرهقهما طغيانا وكفرا) فكيف استباح دم الغلام لاجل الخشية مع أن الخشية لا تقتضي علما ولا يقينا ؟ [ الجواب ] عن الاول: أما قوله (شيئا إمرا) أي عجبا، وقيل: منكرا، فان حملناه على الاول فلا إشكال، وإن حملناه على الثاني كان الجواب عنه وعن (نكرا) واحدا. وفيه وجوه [ الاول ] أن ظاهره منكر ومن يشاهده ينكره قبل أن يعرف علته [ الثاني ] أن يكون حذف حرف الشرط فكأنه قال: إن كنت قتلته ظالما فقد جئت شيئا نكرا [ الثالث ] أن يكون قوله (نكرا) أي عجيبا، فانهم يقولون فيما يستغربونه ويجهلون علته: إنه نكر ومنكر * وعن الثاني: انه وصف النفس بكونها زاكية على سبيل الاستفهام لا على سبيل الاخبار، وأيضا فلانه تكلم بما ذكره اجراءا للامر على ظاهره وذلك جائز لقوله عليه السلام " نحن نحكم بالظاهر " (1)


(1) ليس هذا اللفظ معروفا، والمشهور " أمرت أن أحكم بالظاهر " قال السيوطي في اللآلى: هو غير ثابت بهذا اللفظ. ولعله مروى بالمعنى من أحاديث صحيحة. وقال السخاوى في المقاصد الحسنة: اشتهر بين الاصوليين والفقهاء، بل وقع في شرح مسلم للنووي في قوله " انى لم (م 5 - عصمة الانبياء) (*)

[ 71 ]

وعن الثالث أنا لا نجوز عليه النسيان فيما يتعلق بالتبليغ والشرع واما في غيره فجائز * وعن الرابع إن تلك السفينة كانت ملكا لقوم، فلعل كل واحد منهم كان قليل المال جدا * وعن الخامس إن لفظ الوراء يعبر به عن الخلف والقدام فهى ها هنا بمعنى القدام، كما في قوله تعالى (ومن ورائهم جهنم) يعنى من قدامهم * وعن السادس: لعل الله أوحى إليه بقتل الشخص فلذلك أقدم عليه (1)


أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم " ما نصه: معناه انى أمرت بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة. وجزم العراقى والمزى بأنه لا أصل له * (1) غريب جدا أن يغيب عن المصنف أن ذلك كله انما كان بوحى من الله بعد ما ورد من النص الصريح على ذلك في قوله (وما فعلته عن أمرى) فهل بعد هذا تصريح بأن الخضر إنما كان نبيا يتلقى الوحى بما فعل من عند الله تعالى. وانما كانت هذه الوقائع بهذه الصورة لانها درس لموسى عليه السلام يتعلم منه التمهل والتروى. فان سبب ذلك كما جاء في صحيح البخاري وغيره أن موسى عليه السلام قام خطيبا في بنى اسرائيل فسئل من أعلم الناس ؟ فقال: أنا ولم يرد العلم إلى الله فعاتبه الله في ذلك، وأمره أن يلحق بعبده خضر الخ القصة (*)

[ 72 ]

[ قصة داود عليه السلام ] [ وفيها شبهتان ] [ الاولى ] قوله (وهل أتاك نبأ الخصم) الآيات. فاعلم أن الذى أقطع به عدم دلالة هذه الآية على صدور الكبيرة من داود عليه السلام. وبيانه من وجوه * الاول أن الذى حكاه المفسرون عن داود وهو أنه عشق أمرأة أوريا فاحتال حتى قتل زوجها فتزوجها لا يليق بالانبياء بل لو وصف به أفسق الملوك لكان منكرا * [ الثاني ] أن الدخول في دم أوريا أعظم من التزوج بامرأته فكيف ترك الله الذنب الاعظم واقتصر على ذكر الاخف ؟ [ الثالث ] أن السورة من أولها إلى آخرها في محاجة منكري النبوة فكيف يلائمها القدح في بعض أكابر الانبياء بهذا الفسق القبيح ؟ [ الرابع ] أن الله تعالى وصف داود عليه السلام في ابتداء القصة بأوصاف حميدة. وذلك ينافى ما ذكروه في الحكاية بيان وصفه تعالى بأوصاف حميدة من وجوه * [ الاول ] قوله تعالى: (ذا الايد) والايد القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين، لان القوة في غير الدين كانت موجودة في الملوك الكفار، وما استحقوا بها مدحا، انما المستحق للمدح هو القوة في الدين * [ الثاني ] أنه لما ثبت كونه موصوفا بالقوة في الدين ولا معنى

[ 73 ]

للقوة في الدين إلا العزم الشديد على أداء الواجبات واجتناب المحظورات فكان داود عليه السلام من أولى العزم. وقد قال الله تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) وأمر محمدا عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بأولى العزم، فإذا كان داود عليه السلام من أولى العزم ما كان قد أمر محمدا بالاقتداء بداود عليه السلام. وهذه درجة لا توازيها درجة * [ الثالث ] أنه لما وصف بالقوة فأى قوة لمن لم يملك نفسه عن الفجور والقتل ؟ [ الرابع ] أنه وصفه بكونه أوابا. والاواب هو الرجاع والرجاع إلى ذكر الله يستحيل أن يكون مواظبا على أعظم الكبائر * (الخامس) قال. (سخرنا الجبال معه) الآيتين، أفترى أنه سخر له ليتخذه وسيلة إلى القتل والزنا ؟ وقيل: إنه كان محرما عليه صيد كل شئ فكانت الطيور تأمنه، فكيف يجوز أن تأمنه الطير ولا يأمنه المسلم على زوجته ؟ [ السادس ] قوله (وشددنا ملكه) ومحال أن يكون المراد منه شدة ملكه بالمال والعسكر مع كونه مسلما من طريق الدنيا لا من طريق الدين لان ذلك سبيل الملوك الكفرة، لان قوله: (وشددنا ملكه) عام في الدين والدنيا * [ السابع ] قوله: (وآتيناه الحكمة) والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغى علما وعملا، فكيف يجوز أن يقول الله (وآتيناه الحكمة) مع إصراره على ما يستنكفه أخبث الشياطين من مزاحمة أفضل

[ 74 ]

أصحابه وأحبائه في الزوج والمنكوح * فبان أن الله تعالى لما وصفه بهذه الصفة كان القول بما ذكروه من الفاحشة باطلا، إذ ما قبل تلك الصفة هي هذه الممادح، وما بعدها قوله تعالى (يا داود انا جعلناك خليفة) وهذا أيضا من أجل الممادح فلو توسطها ما يدل على أفحش المقابح لجرى ذلك مجرى قول من يقول فلان عظيم الدرجة في الدين على الرتبة في طاعة الله، يقتل ويزنى ويلوط وقد جعله الله تعالى خليفة لنفسه وصوبه في احكامه، وأمر أكابر الانبياء بالاقتداء به فكما ان هذا الكلام لا يليق بعاقل فكذا هاهنا * [ الثامن ] انه قال بعد تمام القصة (جعلناك خليفة في الارض) وترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم فعلى ما ذكروه يلزم أن يكون تفويض خلافة الارض إليه بسبب إقدامه على القتل والفسق، وذلك مما لا يقول به عاقل * [ التاسع ] انه قال في حق الرسل (انا اخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وأنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار) وكل ذلك ينافى وصفهم بالاقدام على الكبيرة والفاحشة * [ العاشر ] انهم ذكروا في روايتهم أن داود عليه السلام تمنى منزلة آبائه ابراهيم وإسحاق ويعقوب قال " رب إن آبائى قد ذهبوا بالخير كله فأوحى إليه: إنهم إنما وجدوا ذلك لانهم لما ابتلوا صبروا فسأل الابتلاء فأوحى الله إليه: إنك لمبتلى في يوم كذا فاحترس " ثم وقع فيما وقع فيه إلى آخر القصة، فدل أول حكايتهم على أن الله تعالى

[ 75 ]

ابتلاه بالبلاء الذى يزيد في منقبته، فكيف يليق العشق والقتل بذلك ؟ [ الحادى عشر ] قول داود عليه السلام (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) استثنى الذين آمنوا من هذا البغى فان كان هو الفاعل لذلك وجب أن يكون حاكما على نفسه بعدم الايمان * [ الثاني عشر ] أن قوله تعالى (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) لا يلائم العشق والقتل * فثبت بهذه الوجوه براءة نبى الله داود عما نسبه إليه الجهال * [ فان قلت ] إن كثيرا من المحدثين روى هذه الحكاية (1)


(1) أما هذه الدعوى الباطلة فهى مردودة على ما ينسب ذلك إلى ارباب الحديث فان أحدا من أصحاب الكتب الصحيحة لم يذكرها ولم يعرج عليها فليس من الانصاف العلمي أن يتهم المحدثون بهذه التهمة الشنيعة، فان ذلك إنما يصدر من قلب موغور عليهم مملوء بالضغينة لهم، والقصة إنما ذكرها المفسرون عن الاسرائيليات. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره قد ذكر المفسرون ههنا قصة اكثرها مأخوذ عن الاسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه. ولكن روى ابن ابى حاتم هنا حديثا لا يصح سنده لانه من رواية يزيد الرقاشى عن أنس. ويزيد وان كان من الصالحين ولكنه ضعيف الحديث جدا عند الائمة اه‍ فانظر ايها المنصف إلى كلام أهل العلم الذين لا يلقون القول جزافا ولا يقدمون آراءهم وأهواءهم على العلم بدعوى خبر الآحاد وأنه لا يفيد إلا الظن وأمثال هذه الدعاوى الواهنة ولعل المصنف أراد بلفظ المحدثين - بضم الميم وسكون الحاء وفتح الدال (*)

[ 76 ]

[ قلت ] هذه الدلائل الباهرة لما أبطلت قولهم وجب القطع بفسادها. فالعجب اتفاق الناس على أن خبر الواحد لا يفيد الا الظن، والظن إنما ينتفع به في العمليات وهذه المسألة ليست من العمليات، فصارت روايتهم ساقطة العبرة من كل الوجوه. وعن سعيد بن المسيب والحارث الاعور أن عليا رضى الله عنه قال: " من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مأتين وستين وهو حد الفرية على الانبياء " وروى أن واحدا ذكر ذلك الخبر عند عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به


وقال الامام أبو محمد بن حزم - بعد أن ساق الآيات -: وهذا قول صادق صحيح لا يدل على شئ مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولدها اليهود، وانما كان ذلك الخصم قوما من بنى آدم بلا شك مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم. بغى أحدهما على الآخر على نص الآية. ومن قال: انهم كانوا ملائكة معرضين بأمر النساء فقد كذب على الله عزوجل، وقوله ما لم يقل وزاد في القرآن ما ليس فيه وكذب الله عزوجل، وأقر على نفسه الخبيثة انه كذب الملائكة، لان الله تعالى يقول (هل أتاك نبأ الخصم) فقال هو: لم يكونوا قط خصمين، ولا بغى بعضهم على بعض، ولا كان قط لاحدهما تسع وتسعون نعجة ولا كان للآخر نعجة واحدة، ولا قال له: (اكفلنيها) فاعجبوا لما يقحم فيه أهل الباطل أنفسهم، ونعوذ بالله من الخذلان. ثم كل ذلك بلا دليل، بل الدعوى المجردة (*)

[ 77 ]

وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله تعالى فما ينبغى أن نلتمس خلافها، وإن كان على ما ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه فيما ينبغى اظهار ما عليه، فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلى مما طلعت الشمس عليه * فإذا ثبت هذا فلنبحث أنه هل في الآية ما يدل على صدور الصغيرة عنه أم لا ؟ فنقول: قال كثير من اهل الحق قول الله (هل أتاك نبأ الخصم) أخبر عن جماعة أنهم تسوروا قصره قاصدين قتله والاساءة إلى أهله فدخلوا قصره في وقت ظنوا أنه غافل. فلما رآهم داود عليه السلام خافهم لما تقرر في العرف أنه لا يتسور أحد دار غيره بغير أمره إلا لسوء يريده من قتله أو لمكاره على أهله أو سرقة ماله خصوصا إذا كان صاحب الدار شخصا معظما فلما رأوه مستيقظا انتقض عليهم التدبير فاقترح بعضهم عند فزعه خصومة لا أصل لها زاعما أنهم قصدوه لاجلها دون ما توهمه فقالا (خصمان بغى بعضنا على بعض) ثم ادعى أحدهما على الآخر مالا. فقال (إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة) الآية فقال داود عليه السلام (لقد ظلمك) الآية ثم قال الله تعالى (فظن داود انما فتناه) أي امتحناه. لكنه لم يعمل على ظاهر الحال، ولم ينتقم منهم مع كونه ذا أيد وقوة وسلطان وقدرة بل صار مستغفرا للقوم الذين قصدوه وطالبا من الله تعالى العفو عنهم وذلك إن الله تعالى لم يقل إنه أذنب ولا أنه استغفر لنفسه فان المستغفر قد يستغفر لنفسه تارة ولغيره

[ 78 ]

أخرى. قال الله تعالى في وصف الملائكة (ويستغفرون للذين آمنوا) وقال أولاد يعقوب لوالدهم (يا أبانا استغفر لنا) ثم قال الله تعالى (فغفرنا له ذلك) معنى غفرنا لاجل حرمة داود لاولئك وقبلنا شفاعته في التجاوز عنهم فهذا الذى قلناه مما ينطبق عليه لفظ الكتاب العزيز، فلا يحتاج فيه إلى المجاز من حمل الخصمين على الملكين، وادعاؤهما الخصومة على التمسك لا على التحقيق، وحمل النعجة على المرأة ويناسبه أمر رسولنا عليه الصلاة والسلام بالاقتداء به في قوله (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) وتأدب به عليه الصلاة والسلام يوم أحد لما هشمت ثناياه فقال " اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون " ويناسبه ما حصل عقيبه من المنصب العظيم وهو خلافة الله في أرضه * ووجه آخر: لعل الاستغفار انما كان لان القوم لما تسوروا ظن داود عليه السلام بهم أنهم يقصدون قتله فلما لم يظهر الامر كما ظن ندم على ذلك الظن، فكان الاستغفار عليه، أو لانه لما هضم نفسه ولم يؤدبهم ولم ينتقم منهم مع القدرة التامة دخله شئ من العجب على كمال حلمه، فكان الاستغفار منه لان العجب من المهلكات. فهذا قول من يقول لا دلالة في الآية على شئ من الزلات وهو الحسن عندي * [ القول الثاني ] وهو قول من سلم دلالتها على الصغيرة فلهم فيها وجوه خمسة [ الاول ] انه عليه السلام كان عالما بحسن امرأة اوريا فلما سمع انه قتل قل غمه لميل طبعه إلى نكاح زوجته، فعوتب عليه

[ 79 ]

بنزول الملكين [ الثاني ] أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكان ذلك جائزا فيما بينهم، فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة اوريا، فأحبها فسأله النزول عنها فاستحى أن يزده، ففعل فتزوجها وهى ام سليمان عليه السلام، فقيل له. إنك مع ارتفاع قدرك وكثرة نسائك لم يكن ينبغى لك أن تسأل رجلا ليست له الا امرأة واحدة النزول عنها، بل كان الواجب قهر نفسك * [ الثالث ] ان أوريا خطبها ثم خطبها داود عليه السلام فآثره أهله فكان ذنبه أنه خطب على خطبة المؤمن مع كثرة نسائه * [ الرابع ] ان داود عليه السلام كان مشتغلا بعبادته فأتاه رجل وامرأة يتحاكمان فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها ليحكم لها أو عليها، وذلك نظر مباح فمالت نفسه إليها ميل الخلقة ففصل بينهما وعاد إلى عبادته فشغله الفكر في امرها عن بعض نوافله فعوتب * [ الخامس ] ان الصغيرة منه إنما كانت بالعجلة في الحكم قبل التثبت، وكان يجب عليه لما سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها ولا يقضى عليه قبل المسألة * والمجيب بهذا الجواب قال: إن الفزع من دخولهما عليه في غير وقت العادة أنساه التثبت والتحفظ والقائلون بهذا القول حملوا التحاكم على ضرب المثال، وإلا فيلزم إقدام الملك على الكذب وحملوا النعاج على النسوة، وكل ذلك عدول عن الظاهر من غير دليل *

[ 80 ]

[ فان قيل ] هب أنه لا دلالة في الآية على الذنب البتة ولكن مسارعته إلى تصديق أحد الخصمين على حكمه يكون الآخر ظالما غير جائز [ قلنا ] ليس في القرآن أنه صدقه من غير ظهور الحجة، إذ المراد إن كان الامر كما ذكرت فقد ظلمك * (الشبهة الثانية) تمسكوا بقوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان) قالوا فلو كان داود عليه السلام مصيبا في حكمه لما خص الله تعالى سليمان بقوله: (ففهمناها) جوابه أن تخصيص سليمان عليه السلام بالذكر لا يدل على أن داود بخلافه فان دليل الخطاب في اللقب لا يفيد باجماع المحققين، ثم في هذا التخصيص فائدتان سوى ما ذكروه: [ الاولى ] أن داود عليه السلام كان متوقفا لتعارض الامارات وسليمان لم يكن كذلك * [ الثانية ] أن داود عليه السلام كان عالما به لكنه ما أفتى امتحانا لابنه سليمان رجاء أن يفتى به ويستخرج حكمه ويكون تخصيص ابنه سليمان بأن فهمه ذلك تقريرا لعين والده وإعلاء درجته في الناس وإنما أعرض عن ذكر داود عليه السلام للعلم باشتهاره فيما بين الخلق بمعرفة الاحكام، ثم إنه تعالى خلف الكلام بقوله: (وكلا آتينا حكما وعلما) لئلا يتوهم أنه كان جاهلا به وحاكما فيه بغير الصواب *

[ 81 ]

[ قصة سليمان عليه السلام ] [ وفيها شبهات ثلاثة ] [ الاولى ] تمسكوا بقوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد) الآيات قالوا: ظاهر الآية يدل على أن مشاهدة الخيل ألهته عن ذكر ربه حتى روى أن الصلاة فاتته * [ جوابه ] نذكر تفسير الآية فان بذكره تزول الشبهة، فنقول: المخصوص بالمدح في (نعم العبد) محذوف فقيل: هو سليمان، وقيل: هو داود عليهم السلام، والاول أولى، لانه أقرب المذكورين، ثم علل كونه ممدوحا بكونه أوابا رجاعا إليه بتوبته، أو مؤوبا بالتسبيح مرجعا لان كل مؤب أواب (إذ عرض عليه) أي على سليمان عليه السلام لانه أقرب المذكورين - الصفون - الوقوف عن ابن قتيبة وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية فإذا وقفت كانت مطمئنة في مواقفها وإذا جرت كانت سراعا في جريها (أحببت حب الخير عن ذكر ربى) وفيه ثلاثة أوجه: [ الاول ] أن تضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن، كأنه قيل: أتيت حب الخير عن ذكر ربى * [ الثاني ] أحببت بمعنى لزمت الخير عن ذكر ربى عن كتاب ربى. وهو التوراة أو غيرها. فكما أن ارتباط الخيل في كتابنا ممدوح فكذا في كتابهم، وهذا أولى من الاول، لان فيه تقرير الظاهر * [ الثالث ] أن الانسان قد يقول: إنى أحب كذا ولكني أحب أن لا أحبه كالمريض الذى يشتهى ما يؤذيه فأما من أحب شيئا وأحب

[ 82 ]

محبته له كان ذلك غاية المحبة، فقوله: أحببت حب الخير بمعنى أحببت حبى لهذه الخيل. وهذا الوجه الذى استنبطته أظهر الوجوه والضمير في (حتى توارت) وفى (ردوها) يحتمل أن يكون عائدا إلى الشمس لانه جرى ذكر ماله تعلق بها وهى العشى، وأن يكون عائدا إلى الصافنات وهذا أولى الوجهين، لانها مذكورة صحيحا دون الشمس ولانه أقرب في الذكر من لفظ العشى، وعند ذلك يفرض هاهنا احتمالات أربعة: [ الاول ] أن يعود الضمير إلى الصافنات، كأنه قيل: حتى توارث الصافنات بالحجاب ردوا الصافنات إلى * [ الثاني ] أن يعود إلى الشمس، كأنه قيل: حتى توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس، قيل: إنه عليه الصلاة والسلام لما فاتته الصلاة سأل الله أن يرد الشمس وهذا بعيد لان قوله (ردوها) خطاب للجمع والانبياء لا يخاطبون الله تعالى بمثل هذا [ الثالث ] أن يعود الاول إلى الشمس والثانى إلى الصافنات. وهو الذى ذهب إليه الاكثرون كأنه قيل حتى توارت الشمس بالحجاب. ردوا الصافنات إلى. وهذا أبعد لانهما ضميران وردا في موضع واحد فتفريقهما لا بالدليل غير جائز [ الرابع ] أن يعود الاول إلى الصافنات والثانى إلى الشمس. وهذا مما لم يذهب إليه أحد (فطفق مسحا بالسوق والاعناق) فجعل يمسح مسحا فالاكثرون أي يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها، يعنى يقطعها وهذا بعيد، لانه لو كان المسح بالسوق والاعناق هو القطع لكان

[ 83 ]

القائل إذا قال: مسحت رأس فلان ويده فهم منه أنه قطعها ولكان معنى قوله (فامسحوا برء وسكم وارجلكم) القطع بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق، فأما إذا لم يذكر السيف فانه لا يفهم منه الضرب والقطع البتة، على أن قوله: مسح عنقه بالسيف لا يفيد القطع إلا على سبيل المجاز. فكيف إذا ترك ذكر السيف ؟ * فإذا عرفت التفسير زعمت الحشوية انه عليه السلام غزا أهل دمشق فأصاب ألف فرس فقعد يوما بعد ما صلى الاولى على كرسيه واستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غفل عن صلاة العصر، أو عن ورد كان له من الذكر وقت العشى، حتى غربت الشمس وهو المراد من قوله تعالى (توارت بالحجاب) ثم استرد الخيل، وهو المراد بقوله (ردوها على) ثم عقرها تقربا إلى الله تعالى وهو المراد بقوله (فطفق مسحا بالسوق والاعناق) * واعلم ان هذه الحكاية مع أنه لادلالة في الآية عليها البتة ففى الآية ما ينافيها من وجوه خمسة [ الاول ] أنه تعالى وصف سليمان عليه السلام في مقدمة الآية بأن الله تعالى وهبه لداود عليه السلام في معرض الاكرام (1) وذلك ينافى أن يعقب ذلك بذكر أن سليمان كان تاركا للصلاة وبأنه أو اب حال ما عرضت عليه الصافنات فإن لفظة (إذ) دالة على ذلك، وكونه اوابا وتاركا للصلاة في زمان واحد محال *


(1) بل وقوله (نعم العبد) من أدل الدلائل على ان من أبعد الامور أن يشتغل بالدنيا وحبها عن ذكر الله وطاعته (*)

[ 84 ]

[ الثاني ] أن قوله (احببت حب الخير عن ذكر ربى) لو فسرنا * بأنى لزمت الخير عن ذكر ربى لكان ذلك منافيا لما أرادوه، أما إذا فسرناه بأنى أتيت حب الخير عن ذكر ربى فربما استقام لهم ما ذكروه، لكنا بينا أن الاول اولى [ الثالث ] أن رجوع الضمير في (توارت) إلى الشمس يقتضى ترجيح غير المذكور، وترجيح البعيد على القريب، وهو غير جائز. وعلى تسليم ذلك فالحكم برجوع الضمير في (ردوها) إلى الصافنات تفريق للضمائر المشاكلة على أشياء متباينة * [ الرابع ] أن قوله تعالى (فطفق مسحا) لادلالة فيه ألبتة على قولهم [ الخامس ] ان هذه السورة إنما وردت في مناظرة الكفار، والمقصود من هذه القصص أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على مشاق التكاليف، ومتاعب الطاعات. وذلك المعنى لا يليق به ذكر أن الانبياء كانوا تاركين للصلاة، ومتها لكين في حب الدنيا بل التفسير الحق الذى ينطبق اللفظ عليه أن رباط الخيل مندوب إليه في دينهم كما أنه كذلك في ديننا. ثم إن سليمان عليه السلام جلس لتعرض عليه الخيل، ثم بين أن ذلك لم يكن لحب الدنيا لان الله تعالى أقره على ما قال (إنى احببت حب الخير عن ذكر ربى) ثم أمر بركضها حتى توارت بالحجاب أي حتى غابت عن بصره ثم أمر بردها (فطفق مسحا) فطفق يمسح سوقها وأعناقها تشريفا لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الاعوان في دفع العدو. أو لانه أراد أن يبين عن نفسه انه في السياسة وحفظ الدين والدنيا بحيث لا يخفى عليه شئ من مصالحه، أو لانه كان أعلم بأحوال

[ 85 ]

الخيل من غيره يفحصها ويمسحها ليعلم حالها في الصحة والسقم فهذا الذى ذكرناه كلام ينطبق عليه اللفظ ويلائمه ما قبل الآية وما بعدها. وفيه تعظيم الانبياء فكان أولى بما يكون بالضد منه * [ فان قلت ] فكيف تعمل باطباق الاكثرين على تلك الحكاية ؟ [ قلت ] الكلام في تفسير كتاب الله تعالى غيره في حكاية منفصلة عن كتاب الله تعالى. ومقصودنا الآن هو الاول. وقد بينا انه لا دلالة في الآية على تلك الحكاية البتة، بل ظاهرها ينافيها من وجوه كثيرة. فاذن لم يبق إلا أن يقال: إنها حكاية منفصلة عن كتاب الله تعالى * [ فان قلت ] فما قولك فيها ؟ فنقول: الدلائل الباهرة عن المعقول والمنقول قد دلت على وجوب عصمة الانبياء فاتباعها أولى من اتباع حكايات لا ندري انها في اول الامر من رئيس الملاحدة أو موضوعات اليهود. وبالله التوفيق * [ الشبهة الثانية ] تمسكوا بقوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا) الآية * [ جوابه ] أما قوله: (ولقد فتنا سليمان) أي امتحناه، وأما قوله: (وألقينا على كرسيه جسدا) فقد اختلفوا فيه أما الذى يقوله المحققون فأحد أمور ثلاثة: [ الاول ] أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " إن سليمان قال: لاطوفن الليلة على مائة امرأة فتلد كل منها غلاما يقاتل في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله، فطاف ولم تحبل إلا واحدة فولدت نصف غلام

[ 86 ]

فجاءت به القابلة وألقته على كرسيه بين يديه. ولو قال إن شاء الله لكان كما قال (1) " فكان الابتلاء لاجل تركه الاستثناء * [ الثاني ] أنه امتحنه بمرض شديد، فصار جسد الاحراك به مشرفا على الموت، كما يقال: لحم على وضم (2) وجسد بلا روح على معنى شدة الضعف، والتقدير: وألقينا جسده على كرسيه، فخذف الهاء للاختصار * [ الثالث ] ولد لسليمان ولد، فاحتال الشياطين في قتله، وقالوا: تخاف أن يعذبنا كما يعذبنا أبوه، فأمر السحاب فحملته وأمر الريح فغذته خوفا من الشياطين فمات الولد، فألقى ميتا على سريره ابتلاءا حين خاف الشياطين * فأما الذى يذكره الاكثرون من القصاص من حديث الخاتم وآصف فتلك الحكاية باطلة لم يدل على صحتها شئ فلا يجوز الالتفات إليها * [ الشبهة الثالثة ] تمسكوا بقوله: (رب اغفر لي وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى) قالوا: هذا حسد فكيف يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ [ جوابه ] من وجوه سبعة [ الاول ] أن معجزة كل نبى


(1) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم بغير هذا اللفظ عن أبى هريرة * (2) الوضم. الخشبة يوضع عليها اللحم ليأخذ كل من مر به عنه لا يمتنع على احد الا ان يذب عنه ويدفع * (م 6 - عصمة الانبياء) (*)

[ 87 ]

يجب أن تليق بأحوال أهل زمانه، ولما كانت منافسة أهل زمانه بالمال والجاه طلب مملكة فائقة على كل الممالك لتكون معجزة له * [ الثاني ] أنه لما مرض ثم رجع إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا وما فيها صائرة إلى الغير بارث أو غيره، فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل منه، وذلك ملك الآخرة * [ الثالث ] ان في مراتب الرياضات والمجاهدات كثرة ولكل واحد من السالكين اختصاص بواحد منها فكأنه كان اختصاص سليمان عليه السلام بمقام رياضة النفس ومراقبتها ومحاسبتها أشد، ومعلوم أن الدنيا حلوة خضرة والامتناع عن الانتفاع بها حال القدرة أشق من الامتناع حال العجز فكأنه عليه السلام قال: أعطني من الدنيا أكمل المراتب حتى أتحمل في الاحتراز عنها أعظم المشاق * [ الرابع ] إن من الناس من يقول الاحتراز عن لذات الدنيا أصعب لانها نقد ولذات الآخرة نسيئة وترجيح النسيئة على النقد شاق، فهو عليه السلام رد على هؤلاء الباطلين. وقال (رب هب لى ملكا) الآية حتى تروا كيف استحقره في جنب الالتذاذ بطاعة المولى * [ الخامس ] هو أن الوصول إلى الله تعالى على نوعين: أحدهما - وهو الاكمل - أن يرفعه الله إليه ابتداءا فضلا منه ورحمة من غير تكليف شئ من المتاعب وهو طريقة رسولنا عليه الصلاة والسلام على ما قاله تعالى: (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا) * [ والثانى ] أن يتكلف العبد الذهاب إليه وهو الطريقة التى

[ 88 ]

حصل أعلاها لموسى عليه السلام في قوله (ولما جاء موسى لميقاتنا) وان سليمان عليه السلام على شرع موسى عليه السلام وطريقته فكان أبدا في الرياضة والانسان لا يفرغ قلبه عن شئ ما لم يجربه فكأن نفس سليمان عليه السلام كانت ملتفتة إلى ملكة الدنيا فقال (رب اغفر لي وهب لى ملكا) الآية حتى أذوقه فيفرغ قلبى عنه فيزول شغل الالتفات إليه، فيخلص السر إلى طاعتك والاشتغال بعبادتك * [ السادس ] إن للسيارين إلى الله تعالي تارات، فتارة يختارون مقام التواضع، وذلك إذا ما نظروا إلى أنفسهم من حيث هم هم، وتاره مقام الاستعلاء وذلك إذا ما رأوا أنفسهم من حيث أنهم بالحق، فلا يبعد أن يكون هذا الخاطر إنما ورد على سليمان عليه السلام في المقام الثاني [ السابع ] وهو جواب المتكلمين إنه عليه السلام كان مأذونا من الله فيه وعلى هذا التقدير لا يكون فيه عتب * [ قصة يونس عليه السلام ] تمسكوا بقوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين) من ثلاثة أوجه: [ الاول ] أنه ذهب مغاضبا وذلك كان محظورا. ألا ترى أن الله تعالى قال: (واصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) فذلك يقتضى أن ذلك الفعل من يونس عليه السلام كان محضورا *

[ 89 ]

[ الثاني ] قوله (فظن أن لن نقدر عليه) وذلك يقتضى كونه شاكا في قدرة الله تعالى [ الثالث ] قوله: (انى كنت من الظالمين) * [ الجواب ] عن الاول أن الآية دلت على أنه ذهب مغاضبا ولم تدل على أنه غاضب الله، وكيف ومغاضبة الله تعالى لا تجوز على أحد من المسلمين، فكيف على النبي عليه السلام ؟ ! فلعله إنما خرج مغاضبا لقومه، فلم قلتم إن ذلك معصية ؟ أما قوله: (ولا تكن كصاحب الحوت) فليس لانه ثقلت عليه أعباء النبوة لضيق خلقه، بل المراد أنه لم يقو على الصبر على تلك المحنة التى أبتلاه الله بها ولو صبر لكان أفضل فأراد الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها [ وعن الثاني ] أن الشك في قدرة الله تعالى كفر، ولا نزاع انه لا يجوز اتصاف الانبياء به، بل المراد أن لا نضيق الامر عليه، قال الله تعالى (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) وقال (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يوسع ويضيق، وقال (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) أي ضيقه [ وعن الثالث ] فالجواب عنه ما تقدم من قصة آدم عليه السلام * [ قصة لوط عليه السلام ] تمسكوا بقوله تعالى إخبارا عنه عليه السلام: (هؤلاء بناتى ان كنتم فاعلين) عرض بالفاحشة مع بناته وذلك كسرة دالة على سقوط النفس * [ جوابه ] قال الشافعي رحمه الله الكلام يجمل في غير مقصوده ويفصل في مقصوده، فلما كان غرضه ترجيح النساء على الغلمان لاجرم لم يتعرض

[ 90 ]

لذكر النكاح وإن كان ذلك معتبرا في نفس الامر، والدليل على أن هذا الشرط كان معتبرا وجهان: [ الاول ] قال: (هن أطهر) ولا طهارة في الزنا * [ الثاني ] أنه لودعا نفسه إلى الزنا لكان لهم أن يقولوا الزنا واللواطة حرامان على مذهبك، فأى فائدة في الدعوى من أحدهما إلى الآخر ؟ [ فان قيل ] هب أنه كذلك ولكن كيف يجوز تزويج المسلمة من الكافر ؟ [ جوابه ] من وجوه أربعة: [ الاول ] أن ذلك مما يختلف باختلاف الشرائع. الا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنته زينب من أبى العاص وهو كافر (1) [ الثاني ] أنا كما أثبتنا ضمنا فكذلك إسلام الزوج * [ الثالث ] أنه عليه السلام أراد موافقتهم وتسويفهم وذلك لان الرسل من الملائكة عليهم السلام كانوا أخبروه بهلاكهم عند الصبح، كما أخبر الله عنه (وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) * [ الرابع ] أنه يكفى في الاضافة أدنى سبب، فالبنات بنات


(1) ابو العاص بن الربيع كانت خالته خديجة رضى الله عنها أخذ أسيرا في بدر مع المشركين فمن عليه المسلمون على أن يترك زينب تهاجر إلى المدينة ففعل، ثم لم يلبث أن جاء مسلما بعد هجرة زينب بسنة فردها عليه النبي صلى الله عليه وآله بالنكاح الاول. وقد كان تزوجها قبل البعثة النبوية (*)

[ 91 ]

الامة إلا أنه أضافهن إلى نفسه لان الرسل عليهم الصلاة والسلام كالاب لامتهم * [ قصة زكريا عليه السلام ] تمسكوا بقوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. قال رب أنى يكون لى غلام وامرأتى عاقر وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا) قالوا: قد شك في قدرة الله تعالى * [ جوابه ] لو كان الامر على ما قالوه لكان زكريا عليه السلام غير عاقل لما سأل الله ذلك فلما أضافه إليه استنكره فاستبعد قدرته عليه كان ذلك من افعال المجانين، فثبت أن الامر بخلاف ما قالوه وذلك أن زكريا عليه السلام لم يسأل ربه أن يهب له ولدا من جهة الولادة وإنما سأله أن يهب له ولدا من عنده فقال: (هب لى من لدنك وليا) وقال في آل عمران: (هب لى من لدنك ذرية طيبة) إنما سأل ذلك عند ما أخبرته مريم بأن رزقها يأتيها من عند الله فسأل ولدا من عنده فلما بشرته الملائكة بالولد سأل كيف ذلك يقع على كبره، وكيف وكانت امرأته عاقرا ؟ فقال: (كذلك يفعل الله ما يشاء) * [ قصة عيسى عليه السلام ] [ وفيها شبهتان ] [ الاولى ] تمسكوا بقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم

[ 92 ]

أأنت قلت للناس اتخذوني وامى الهين) من وجوه: * (الاول) * ان عيسى عليه السلام ان كان قال هذا الكلام فالاشكال قائم. وان لم يقل كان الاستفهام عبثا * [ الثاني ] ان النفس هي الجسد فقوله تعالى (ولا أعلم ما في نفسك) ظاهره يوهم اثبات الجسم لله تعالى * [ الثالث ] ان كلمة (في) للظرفية، وهى لا تجئ الا في الاجسام * * (والجواب) * عن الاول انه عليه السلام ما قال ذلك وللاستفهام فائدة وهى تقريع من ادعى ذلك من النصارى، وعن الثاني أن النفس في اللغة بمعنى الذات، يقال: نفس الشئ ذاته، وعن الثالث أن المراد حلول الصفة في الموصوف * [ الشبهة الثانية ] في قوله تعالى (إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم) [ الجواب ] المقصود من هذا الكلام تفويض الامر إلى الله تعالى بالكلية وترك الاعتراض وتحقيق معنى (لا يسئل عما يفعل) * [ قصة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ] [ وفيها شبه ] [ الاولى ] تمسكوا بقوله تعالى (ووجدك ضالا فهدى) * [ الجواب ] أن الضلال هو الذهاب والانصراف ولا بد من أمر يكون منصرفا عنه وهو غير مذكور، والخبر ان بغير ما يوافق الدليل وهو أمور أربعة: [ الاول ] وجدك ضالا عن النبوة فهداك إليها

[ 93 ]

ويؤكده قوله تعالى (ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان) * [ الثاني ] وجدك ضالا عن المعيشة وطريق الكسب * [ الثالث ] وجدك ضالا في زمان الصبى في بعض المفاوز * [ الرابع ] وجدك ضالا أي مضلولا عنه في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك كما يقال: فلان ضال في قومه إذا كان مضلولا عنه * [ الشبهة الثانية ] تمسكوا بقوله تعالى. (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) قالوا: إن ظاهر الآية يدل على أن الشيطان ملق في قراءة الانبياء ما يؤدى إلى الشبهة، فإذا جوزنا ذلك ارتفع الوثوق، روى أنه عليه الصلاة والسلام شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به فتمنى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذ أن لا يأتيه شئ من الله فينفروا عنه، وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى (والنجم إذا هوى) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى) ألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدث به نفسه ويتمناه " تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترنجى " فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها وسجد في آخرها فسجد المسلمون وسجد جميع من في المسجد

[ 94 ]

من المشركين. فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد ابن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص، فانهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها لانهما كانا شيخين كبيرين فلما يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا: قد ذكر محمد عليه الصلاة والسلام آلهتنا بأحسن الذكر. فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وقال: ما ذا صنعت ؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم أقل لك ؟ ! فخزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله هذه الآية (1) *


(1) قال الحافظ ابن كثير في التفسير: قد ذكر كثير من المفسرين هنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير من مهاجرة الحبشة ظنا منهم ان مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها من وجه صحيح * وقال القسطلانى في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الائمة حتى قال ابن إسحق - وقد سئل عنها - هي من وضع الزنادقة، وقال القاضى عياض: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه أحد بسند متصل. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون عن الصحف كل صحيح وسقيم. ونقل عن أبى بكر بن العربي الامام المالكى: إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له، قال القاضى: والذى ورد في الصحيح " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (والنجم) وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس " ثم قال: وقد قامت الحجة وأجمعت الامة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن هذه الرذيلة، إما من (*)

[ 95 ]

[ الجواب ] الذى يدل على أنه عليه السلام ما غير وما بدل وجوه خمسة: [ الاول ] قوله تعالى (ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) [ الثاني ] (قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع الاما يوحى إلى) [ الثالث ] (وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا اليك لتفتري علينا غيره وإذا لا تخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) [ الرابع ] (كذلك لنثبت به فؤادك) [ الخامس ] قوله (سنقر ئك فلا تنسى) وإذا ثبت ما ذكرناه فلنشرع في الجواب عن الشبهة فنقول: التمنى: جاء في اللغة لامرين: [ أحدهما ] تمنى القلب * [ والثانى ] التلاوة قال الله تعالى (ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى) أي إلا قراءة لان الامي لا يعلم القرآن من المصحف


تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله، وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل. وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم، أو يقول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر - أو سهوا، وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والاجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدا ولا سهوا أو أن يشبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقى الشيطان أو يكون للشيطان عليه سبيل أو أن يتقول على الله ما لم ينزل لا عمدا ولا سهوا (*)

[ 96 ]

وإنما يعلمه قراءة، وقال حسان (1) * تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخرها لا قى حمام المقادر قيل: إنما سميت القراءة أمنية لان القارئ إذا انتهى إلى آية عذاب تمنى ان لا يبتلى به. وقيل: أخذ من التقدير لان التالى مقدر للحروف يذكرها شيئا فشيئا والتمنى التقدير، منى الله خيرا أي قدره * إذا عرف ذلك فنقول: من المفسرين من حمل الآية على تمنى القلب، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم متى تمنى بقلبه بعض ما يتمناه من الامور يوسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغى، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويأتيه بما يرشده إلى ترك الالتفات إلى وسوسته. وهذا ضعيف لانه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر بباله صلى الله عليه وسلم فتنة للكفار، وذلك يبطله قوله تعالى (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم) الآية: فثبت ان المراد بالتمني القراءة * ثم اختلف الذاهبون إلى هذا التأويل على وجوه ستة: [ الاول ] أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بذلك ولا تكلم الشيطان به أيضا، ولكنه عليه الصلاة والسلام لما قرأ سورة (والنجم إذا هوى) اشتبه الامر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظ ما قرأه " تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترنجى " وذلك على حسب ما جرت العادة من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال، وهذا فاسد لوجوه ثلاثة: [ الاول ] ان التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيها قد جرت العادة


(1) قال ذلك في رثاء عثمان بن عفان حين قتل مظلوما رضى الله عنه (*)

[ 97 ]

بسماعه، فأما غير المسموع فلا يقع فيه ذلك [ الثاني ] انه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض، فان العادة مانعة من اتفاق الجمع العظيم في الساعة الواحدة على خيال فاسد في المحسوسات * [ الثالث ] لو كان كذلك لم يكن ذلك مضافا إلى الشيطان * [ الوجه الثاني ] أن يكون عليه الصلاة والسلام تكلم بذلك إما عامدا أو ساهيا. أما العمد فغير جائز. لانه تخليط في الوحى. وذلك يوجب زوال الثقة عن كل ما جاء به * [ فان قلت ] لعله قد ذكر ذلك استفهاما على سبيل الانكار ؟ [ قلت ] هب أنه كذلك لكن قراءته في أثناء قراءة القرآن مع كونه على ذلك الوزن توهم كونه منه، فيعود المحذور المذكور. أما السهو فغير جائز أيضا لانه لو جاز وقوع السهو ههنا لجاز في غيره وحينئذ ترتفع الثقة بالشرع. ولان الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الالفاظ مطابقة لوزن هذه السورة وطريقتها ومعناها. فانا نعلم بالضرورة أن واحدا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق فيه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها * [ الثالث ] أن يكون الشيطان أجبر النبي صلى الله عليه وآله على التكلم وهذا أيضا فاسد لوجوه ثلاثة: (الاول) أن الشيطان لو قدر على ذلك لوجب في القياس أن يزل الشيطان ولجاز في اكثر منا يتكلم به الواحد منا ان يكون ذلك بإجبار الشيطان [ الثاني ] ان الشيطان لو تمكن من اجبار النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك لا رتفع الايمان عن الوحى

[ 98 ]

لقيام هذا الاحتمال [ الثالث ] قوله تعالى حاكيا عن الشيطان (وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم) الآية وقال تعالى (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا) الآيتان. وقال (إلا عبادك منهم المخلصين) فاعترف بأنه لا سبيل له عليهم [ الرابع ] أن يكون ذلك الكلام كلام الشيطان وذلك بأن يلفظ بكلام من تلقاء نفسه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام المسموع منه عليه السلام وهو غير ممتنع لانه لا خلاف أن الجن والشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يسمع الشيطان من غير أن يرى صورته فإذا سمع كلامه في أثناء كلام آخر لم يبعد أن يظن السامعون كون ذينك الكلامين من ذلك الشخص المبصر ثم هذا لا يكون قادحا في النبوة لما لم يكن فعلا للنبى * ولقائل أن يقول: إذا جوز تم أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام الرسول عليه الصلاة والسلام بما يشتبه على كل السامعين حتى يظنوه كلاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقى هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول عليه الصلاة والسلام فتفضى إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع * (الجواب) * ان ذلك الاحتمال قائم، ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله تعالى أن يشرح الحال فيه كما في هذه الواقعة ازالة للتلبيس * * (الخامس) * أن المتكلم بذلك بعض الكفرة، فانه عليه الصلاة والسلام لما انتهى من قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها، فقال بعض من حضر من الكفار:

[ 99 ]

" تلك الغرانيق العلا " فاشتبه على القوم، لانهم كانوا يلغطون عند قراءته ويكثرون من الكلام طلبا لتغليطه واخفاء قراءته. وممكن أن يكون أيضا في الصلاة لانهم كانوا يقربون منه في حال الصلاة ويسمعون قراءته ويلغون فيها، وقيل: انه عليه الصلاة والسلام كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات، فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الواقعات فتوهم القوم أنه من قراءته عليه الصلاة والسلام ثم أضاف الله ذلك إلى الشيطان لانه بوسوسته حصل، أو لانه جعل ذلك المتكلم شيطانا * * (السادس) * أن المراد بالغرانيق الملائكة وقد كان ذلك قرآنا منزلا في وصف الملائكة، فلما توهم المشركون (1) أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته *


(1) قال القاضى أبو بكر بن العربي في احكام القرآن (ج 2 ص 168) قد بينا في السالف من كتابنا هذا وفى غير موضع عصمة الانبياء صلوات الله عليهم من الذنوب وحققنا القول فيما نسب إليهم من ذلك وعهدنا اليكم عهدا لن تجدوا له ردا: أن أحدا لا ينبغى أن يذكر الانبياء إلا بما ذكره الله لا يزيد عليه. فان أخبارهم مروية وأحاديثهم منقولة بزيادات تولاها أحد رجلين: إما غبى عن مقدارهم، وإما بدعى لا رأى له في برهم ووقارهم فيدس تحت المقال المطلق الدواهي ولا يراعى الادلة ولا النواهي - إلى أن قال: وهذا الروايات كلها ساقطة الاسانيد. إنما الصحيح منها ما روى عن عائشة أنها قالت: " لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما من الوحى شيئا لكتم هذه الآية (وإذ تقول للذى أنعم الله عليه) يعنى بالاسلام (وأنعمت (*)

[ 100 ]

* (الشبهة الثالثة) * تمسكوا بقوله تعالى: (وإذ تقول للذى أنعم الله عليه) الآية، روى أنه عليه الصلاة والسلام رأى زينب بنت جحش بعد ما زوجها من زيد فهويها. فلما حضر زيد لطلاقها أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعده لهواه لها فعاتبه عليه بقوله (وتخفى في نفسك ما الله مبديه) الآية (1) * * (الجواب) * من أربعة وجوه * (أحدها) * الذى يدل عليه أنه لم يصدر من الرسول في هذه الواقعة مذمة، ولا عاتبه الله على شئ منه، ولا ذكر أنه عصى وأخطأ. ولا ذكر استغفار النبي منه، ولا أنه اعترف على نفسه مخطئا، وأنه لو صدر عنه زلة لو جد من ذلك


عليه) يعنى بالعتق (أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه - إلى قوله: وكان أمر الله مفعولا) وأن رسول الله صلى الله عليه وآله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه. فأنزل الله (ما كان محمد ابا أحد من رجالكم) الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلا يقال له زيد بن محمد فأنزل الله تعالى (أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) الآية فلان مولى فلان وأخو فلان أخو فلان (هو أقسط عند الله) يعنى أنه أعدل عند الله تعالى " قال القاضى وما وراء هذه الرواية غير معتبر * (1) وهذا من أبعد القول واحقه بالرد. إذ كيف يكون في حق الملائكة وهو يشير إلى اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى ؟ فقائل هذا لم يفكر حين قاله (*)

[ 101 ]

شئ كما في سائر الانبياء عليهم السلام متى صدرت عنهم زلة أو ترك مندوب وجد منه ما ذكرناه * * (وثانيها) * أنه ذكر في القصة أنه ليس على النبي من حرج فيما فرض الله له، وهذا تصريح بأنه لم يصدر منه ذنب البته * * (وثالثها) * أنه تعالى إنما زوجه إياها كيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواجهم أدعيائهم إذا قضوا منهن. وطرا، ولم يقل: إنى فعلت ذلك لاجل عشقك * * (ورابعها) * قوله تعالى (زوجناكها) ولو حصل في ذلك سوء لكان قدحا في الله تعالى. فثبت بهذه الوجوه أنه لم يصدر منه ذنب البتة في الواقعة * بقى قوله تعالى (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) فنقول: ذكر المحققون فيه وجوها اربعة: * (الاول) أن الله تعالى لما أراد نسخ ما كان في الجاهلية من تحريم أزواج الادعياء أوحى الله ان زيدا - وهو دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم - يطلق زوجته فتزوج أنت بها. فلما حضر زيد ليطلقها أشفق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من أنه لو طلقها للزمه التزوج بها فيصير بذلك سببا لسوء كلام المنافقين فيه فقال له (أمسك عليك زوجك) واخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه اياها وهذا التأويل هو المطابق لقوله تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) فثتب أن العلة في أمره بنكاحها ما ذكرناه من نسخ السنة المتقدمة *

[ 102 ]

(الثاني) أن زيدا لما خاصم زوجته زينب، وهى ابنة عمة النبي عليه الصلاة والسلام وأشرف على طلاقها أخبر النبي صلى الله عليه وسلم انه طلقها زيد تزوجها من حيث إنها كانت ابنة عمته، وكان يحب ضمها إلى نفسه، كما يحب أحدنا ضم قراباته إليه حتى لا ينالهم ضرر، الا أنه لم يظهر ذلك خوفا من ألسنة المنافقين فالله تعالى عاتبه في التفات قلبه إلى الناس فقال (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (1) * (الثالث) أن زيدا لما نكح زينب وجدها ذات جمال وعفة وقوة وعقل وحسن خدمة فبدا له أن ينزل عنها لينكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما رآها صالحة لصحبته خدمة له منه وقربة إلى الله تعالى بايثار رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه في حظ مباح. فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) فاخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والناس بما كان يضمره من إيثار ضمها إلى نفسه ليكون ظاهر الانبياء عليهم السلام وباطنهم سواء، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للانصار يوم فتح مكة وقد جاء عثمان بعبدالله بن سعد بن أبى سرح وسأله أن يرضى عنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد اهدر دمه وأمر بقتله فلما رأى عثمان استحى من رده وسكت طويلا ليقتله بعض المؤمنين فلم يفعل المؤمنون ذلك انتظارا منهم لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للانصار: أما كان فيكم رجل يقوم إليه فيقتله فقال له عباد بن بشر يا رسول الله إن عينى في عينك انتظارا أن تومئ إلى فأقتله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: الانبياء لا تكون لهم خيانة أعين والله أعلم (*) (م 7 - عصمة الانبياء)

[ 103 ]

وعرض عليه الامر ولم يكن ذلك منكرا عنده عليه الصلاة والسلام غير ان زيدا تبناه النبي عليه الصلاة والسلام وكان التزوج بامرأته محرما في الجاهلية، فعلم أنه لو نكحها أطالوا ألسنتهم فيه وكانوا على قرب عهد من السلام يحترزون عن مثل هذه الامور، فامتنع النبي صلى الله عليه وآله عن نكاحها وقال له (أمسك عليك زوجك) مع ما في قلبه من الرضا حذرا عما ذكرناه فنزلت هذه الآية (وتخفى في نفسك ما الله مبديه) يعنى من إضمار الرضى (وتخشى الناس) يعنى تستحى منهم أن يقولوا نكح زوجة ابنه (والله أحق أن تخشاه) في اظهار أمر غير ما تضمره * (الرابع) أن زينب طمعت في اول أمرها أن يتزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله فلما خطبها الرسول لزيد شق ذلك عليها وعلى أخيها وأمها، حتى نزل قوله تعالى (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة) الآية فعند ذلك انقادوا كرها، فلما بنى بها زيد لم تساعده ونشزت عنه لاستحكام طمعها في رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحقارها زيدا، فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال (أمسك عليك زوجك) وأخفى في نفسه استحكام طمعها فيه، لانه عليه الصلاة والسلام لو ذكر ذلك لزيد لتنغصت عليه تلك النعمة، ولقال المنافقون إنه إنما قال ذلك طمعا في تلك المرأة. فهذه وجوه سوى ما ذكره الطاعنون في انبياء الله تعالى ورسله وكلها محتمل * (فان قلت) هب أن الامر كذلك، ولكن قوله تعالى: (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) يدل على أن ذلك الاخفاء ما كان جائزا له * (قلت) أكثر ما فيه أنه أخفى ذلك إتقاءا لسوء كلام المنافقين

[ 104 ]

ولو أنه أظهره وتحمل سوء مقالتهم لكان أكثر ثوابا فيه، فيرجع حاصله إلى ترك الاولى والافضل فليس ذلك من الذنب في شئ، فأما الذين يذكرون من أنه عشقها فهو من باب الآحاد والاولى تنزيه منصب الانبياء عن مثله لا سيما والقرآن لا يدل عليه البتة. ثم على تقدير الصحة ففيها روايتان: منهم من يقول بأنه عليه الصلاة والسلام لما رآها وعشقها حرمت على زيد. وهذا قطعا غير صحيح لانه لو كان كذلك لكان أمره لزيد بامساكها أمرا بالزنا ولكان وصفه إياها بكونها زوجه كذبا وهذان الامران لا يليقان بالمسلمين فضلا عن أفضل الانبياء عليهم الصلاة والسلام. ومنهم من لا يقول بحرمتها على زوجها. ولكن يقول يجب على الزوج تطليقها والنزول عنها، وقالوا: والمعنى فيه امتحانا للزوج في إيمانه بتكليف النزول عن زوجته طلبا لرضى الله تعالى ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضا ابتلاء النبي عليه الصلاة والسلام وتكليفه الحذر عن الاعين لان حفظ النظر أشق على النفس فقيل له ان لم تحفظ نظرك فربما أبصرت شيئا فاشتهيته لان الشهوة ليست مقدورة للبشر. وإذا اشتهيته وجب على الزوج طلاقها والنزول عنها فان أخبرته بذلك تعرضت لسوء المقالة وإن كتمته صرت خائنا في الوحى، فلاجل الاحتراز عن هذه التوابع كان النبي صلى الله عليه وآله يبالغ في حفظ النظر وذلك من أشق التكاليف. فهذا ما قيل في هذا الباب *

[ 105 ]

(الشبهة الرابعة) تمسكوا بقوله تعالى: (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) الآيتان. والاستدلال من ثلاثة أوجه: (الاول) قوله تعالى: (ما كان لنبى أن يكون له أسرى) وذلك يقتضى أن يكون استبقاء الاسرى محرما * (الثاني) قوله: (تريدون عرض الدنيا) وذلك مذكور في معرض الذم (الثالث) قوله تعالى: (لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * (الجواب) الذى يدل على براءة منصب الانبياء في هذه الواقعة عن كل ما لا ينبغى وجوه: (الاول) أنه إما أن يكون قد أوحى له في جواز الاسر وخطر إليه شئ، أو ما أوحى إليه شئ فان كان قد أوحى إليه شئ لم يجز للنبى عليه الصلاة والسلام أن يستشير أصحابه فيه لان مع قيام النص وظهور الوحى لا يجوز الاشتغال بالاستشارة، وإن لم يوح إليه شئ البتة لم يتوجه عليه ذنب التبة (الثاني) أن ذلك الحكم لو كان خطأ لامر الله تعالى بنقضه، فكان يؤمر بقتل الاسرى ويرد ما أخذ منهم، قلنا: لما لم يكن كذلك بل قال (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) علمنا أنه لم يوجد الخطأ في ذلك الحكم البتة * (الثالث) أنه عليه الصلاة والسلام لم يشتغل بالاستغفار واللوم، وذلك يدل على عدم الذنب على ما تقدم. وإذا قد بينا ذلك فنقول:

[ 106 ]

كما يأتي العتاب على ترك الواجب فقد يأتي أيضا على ترك الاولى والاولى في ذلك الوقت الاثخان وترك الفداء قطعا للاطماع وحسما للنزاع، ولو لا أن ذلك من باب الاولى لما فوض النبي صلى الله عليه وآله ذلك إلى الاصحاب، وهذا هو العذر عن قوله (ما كان لنبى أن يكون له أسرى) فأما قوله (تريدون عرض الدنيا) فهو خطاب جمع فيصرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال (1) وأما قوله (لو لا كتاب من الله) فمعناه لو لا ما سبق من تحليل الغنائم لعذبتكم بسبب أخذكم هذا الفداء. وهذا غاية التقريع في تخطئتهم في أخذ الفداء من جهة التدبير * (فان قلت) فان كان ذلك محللا لهم فما هذا التقريع البالغ ؟ (قلت) لان ذلك من باب الحروب، وما كان من ذلك الباب فقد يقع الخطأ فيه من جهة التدبير ويقرع ذلك المخطئ، وان كان غير مذنب * (الشبهة الخامسة) أنه لما استأذنه قوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد فأذن لهم فقال الله تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم) والعفو لا يكون الا بعد الذنب، فدل على أنه كان مذنبا *


(1) وهذا يدل على أن المعاتب في شأن الاسارى هو غير النبي صلى الله عليه وسلم بل يجب أن يكون سواه والقصة معروفة لان الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يأمر أصحابه بأن يثخنوا في قتل أعدائهم بقوله تعالى: (فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان) وبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك إلى أصحابه فسهوا عن ذلك وأسروا يوم بدر جماعة من المشركين طمعا في الفداء فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وبين ان الذى امر به سواه (*)

[ 107 ]

(الجواب) أن العفو يقتضى ترك المؤاخذة، وقوله (لم أذنت لهم) مؤاخذة. فلو أجرينا قوله تعالى (عفا الله عنك) على ظاهره لزمت المناقضة. فعلمنا أنه ليس المراد ذلك - ما جوابك عن كلامي - مثلا انما المراد التلطف في المخاطبة. كما يقال: أنت رحمك الله وغفر لك، وإن لم يكن هناك ذنب البتة، وأيضا فهذا من باب التدبير في الحرب. وقد بينا أن تارك الافضل فيه قد يقرع ويوبخ * (الشبهة السادسة) قوله تعالى (ووضعنا عنك وزرك) الآية صريح في الذنب * (جوابه) من وجوه (الاول) حمله على الوزر الذى كان قبل النبوة (الثاني) حمله على الصغيرة أو ترك الاولى (الثالث) أن الوزر في أصل اللغة هو الثقل. قال الله تعالى (حتى تضع الحرب أوزارها) أي أثقالها، وإنما سمى الذنب بالوزر لانه يثقل كاسبه. فعلى هذا تسمية الذنب بالوزر مجاز آخر، وهو أنه عليه الصلاة والسلام كان في غم شديد لاصرار قومه على الشرك، وأنه كان هو وأصحابه فيما بينهم مستضعفين فلما أعلا الله كلمته، وعظم أمره فقد وضع وزره، ويقوى هذا التأويل قوله (ورفعنا لك ذكرك فان مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) فان العسر بالشدائد والغموم أشبه واليسر بازالة الهموم أشبه * (فان قلت) إن هذه السورة مكية فما ذكرت من المعنى لا يليق بها (قلت) إن وعد الله حق، فلما وعده الله بذلك في مكة فقد قوى قلبه وزالت كربته *

[ 108 ]

(الخامس) وهو أنه عليه الصلاة والسلام لا شك أنه بتقدير الاقدام على الذنب كان يتوب عنه، فان الاصرار على الذنب منفى عنه بالاجماع والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وإذا كان كذلك وجب علينا وعليهم تأويل هذه الآية * (الشبهة الثامنة) تمسكوا بقوله تعالى (عبس وتولى أن جاءه الاعمى) فعاتبه على إعراضه عن ابن أم مكتوم * (جوابه) لا نسلم أن هذا الخطاب متوجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. لا يقال: إن أهل التفسير قالوا: الخطاب مع الرسول، لانا نقول: هذه رواية الآحاد فلا تقبل في هذه المسألة ثم إنها معارضة بأمور: (الاول) أنه وصفه بالعبوس وليس هذا من صفات النبي صلى الله عليه وسلم في قرآن ولا خبر مع الاعداء والمعاندين فضلا عن المؤمنين والمسترشدين (الثاني) وصفه بأنه تصدى للاغنياء وتلهى عن الفقراء وذلك غير لائق باخلاقه * (الثالث) أنه لا يجوز أن يقال للنبى (وما عليك ألا يزكى) فان هذا الاغراء يترك الحرص على ايمان قومه فلا يليق بمن بعث بالدعاء والتنبيه * سلمنا أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا نسلم كونه ذنبا، بيانه أنه تعالى وصف نبيه بحسن الخلق، فقال (وإنك لعلى خلق عظيم)

[ 109 ]

(الشبهة السابعة) تمسكوا بقوله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك) قالوا: وهذا تصريح بالمغفرة (جوابه) انا نحمله على ما قبل النبوة أو على الصغائر. ولمن اباهما تأويلات * (الاول) أن المراد ما تقدم من ذنب أمتك وما تأخر، فان الرجل المعتبر إذا أحسن بعض خدمه أو أساء فانه يقال له: أنت فعلت ذلك وإن لم يكن هو فاعله بنفسه البته (الثاني) إذا ترك الاولى قد يسمى ذنبا كما يقال: حسنات الابرار سيئات المقربين (الثالث) أن الذنب مصدر، ويجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول (1)، فكأن المراد ليغفر لاجلك وببركتك ما تقدم من ذنبهم في حقك وما تأخر * (الرابع) أن الغرض من هذه الآية علو درجة الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك، يحصل بقوله تعالى: لو كان لك ذنب لغفرته لك، وإخراج القضية الجازمة إلى الشرطية جائز إذا دل سياق الكلام عليه،


(1) الا ترى انهم يقولون: أعجبني ضرب زيد عمرا إذا اضافوه إلى الفاعل، واعجبنى ضرب زيد عمرو إذا اضافوه إلى المفعول ومعنى المغفرة على هذا التأويل هي الازالة والفسخ والنسخ لاحكام اعدائه من المشركين عليه وذنوبهم إليه في منعهم اياه عن مكة وصدهم له عن المسجد الحرام، وهذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى تكون المغفرة غرضا في الفتح ووجها له والا فإذا اراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله (انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) معنى معقول لان المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح وليست غرضا فيه، والله أعلم *

[ 110 ]

(ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فلما ظهر منه في بعض الاوقات النادرة خلافة عاتبه عليه عرفه أن ذلك غير مرضى منه فيكون ذلك من باب ترك الاولى ثم السبب في ذلك كما جاء في الخبر " أنه كان يتكلم مع بعض أشراف قريش ويستميله إلى الاسلام رجاء أن يعزبه الاسلام وقد كان من الحرص على إسلامهم بحيث قال الله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) فحضره هذا الاعمى ولم يعرف كيفية الحال، فسأل عن مسألة من خلال مكالمة النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الرجل، فاشتد ذلك عليه إذا كان ذلك قطعا للكلام وإفسادا لما كان يحاوله من إسلام ذلك الرجل فأعرض عنه فنهاه الله تعالى عن ذلك، وأمره بالاقبال على كل من أتاه من شريف ووضيع وغنى وفقير بأن لا يخص بدعوته شريفا دون دنى إذ الواجب عليه هو التبليغ إلى الكل وليس عليه من امتناع من امتنع عن قبول دعوته تبعة ولا عهدة * (الشبهة التاسعة) قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) أي لا تطرد المؤمنين وطردهم كبيرة * (جوابه) ليس في الظاهر طردهم وإنما فيه النهى عن طردهم بل فيه الدلالة على أنه قال تعالى: (فتطردهم فتكون من الظالمين) ولو كان طردهم لقال فطردتهم. وحكمة النهى أن جمعا من الكفار طلبوا

[ 111 ]

منه طرد الفقراء، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتكون حجة له عليه الصلاة والسلام عن قبول قولهم * (الشبهة العاشرة) قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي) والتوبة لابد أن تكون مسبوقة بذنب * (جوابه) التوبة - الرجوع - محمولة على الصغيرة أو ترك الاولى * (الشبهة الحادية عشرة) قوله تعالى: (واستغفر لذنبك) وفى الحديث " وإنى لاستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " وهذا صريح * (جوابه) أنه محمول إما على الصغيرة أو ترك الاولى أو التواضع كما قررناه في قول آدم (ربنا ظلمنا أنفسنا) أو على التقدير، والمعنى إذا أذنبت فاستغفره كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) وليس يريد أن جميعهم مذنبون، وإنما بعثهم على التوبة إذا أذنبوا * (الشبهة الثانية عشرة) قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) الآية ظاهرها مشعر بأنه فعل ما لا يجوز * * (جوابه) * أن تحريم ما أحل الله ليس بذنب بدليل الطلاق والعتاق، وأما العتاب فان النهى عن فعل ذلك لابتغاء مرضاة النساء أو ليكون زجرا لهن عن مطالبته مثل ذلك كما يقول القائل لغيره:

[ 112 ]

لم قبلت أمر فلان واقتديت به وهو دونك، وآثرت رضاه وهو عبدك، فليس هذا عتبا ذنب وإنما هو عتاب تشريف * (الشبهة الثالثة عشر) قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله) (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فان لم تفعل فما بلغت رسالته) فلو لم يوجد منه فعل المحظور والاخلال بالواجب لم يكن للامر والنهى فائدة * (جوابه) الامر والنهى أحد أسباب العصمة فوجودهما لا يخل بها * (الشبهة الرابعة عشر) قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فلو لم يصح ذلك منه لما خوطب به * (جوابه) من وجوه: (الاول) أن المراد أمته فقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: " نزل القرآن بإياك أعنى واسمعي يا جارة " ومثله قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) الآية فقوله: (فطلقوهن) يدل على أن الخطاب توجه إلى غيره * (الثاني) حمله على الشرك الخفى الذى هو الالتفات إلى غير الله تعالى * (الثالث) أنه شرح الحال بتقدير الوقوع كما في قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) *

[ 113 ]

(الشبهة الخامسة عشر) قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) والاستثناء يدل على جواز النسيان في الوحى * (جوابه) ان النسيان يجئ بمعنى الترك قال الله تعالى: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) فقوله: (سنقرؤك فلا تنسى) أي فلا تترك منها شيئا إلا ما شاء الله وهو المندوب أو المنسوخ * (الشبهة السادسة عشر) (فان كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) قالوا فكان النبي صلى الله عليه وسلم في شك مما أوحى الله إليه، وإلا فأى فائدة في أمره بالسؤال * (جوابه) القضية الشرطية لا تفيد إلا ترتيب الجواب على الشرط فأما أن الشرط حاصل أو لا فهو غير مستفاد فأما الرجوع إلى اليهود والنصارى فلوجهين: (الاول) أن نعت النبي صلى الله عليه وسلم كان مندوبا في كتبهم مذكورا في التوراة والانجيل فكان يظهر بعضهم ذلك وإن كتمه الباقون، وكان ذلك من أعظم الدلائل على صدقه، فأمره الله تعالى بالرجوع وتعرف ما شهدت به الكتب السماوية من نعته وصفته، ليكون أقوى معين له في إزالة الشبهة وتقوية العلم *

[ 114 ]

(الثاني) أن الله تعالى أمره أن يرجع إليهم في كيفية ثبوت نبوة سائر الانبياء، حتى يزول الوسواس في كونه نبيا لانه امر أن يأتي بمثل ما أتى به من قبله من المعجزات * (جواب آخر) عن أصل الكلام، وهو أن الخطاب وإن كان متوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله يجوز أن لا يكون المراد منه هو * (الشبهة السابعة عشر) قوله تعالى (وإن كادوا ليفتنونك) الآيتان قالوا وكان معناه قارب فدل ذلك على أنه عليه السلام قارب الكذب ومال إليه * (جوابه) لعله قارب ذلك بحسب الطبيعة البشرية، لا بحسب العقل والدين (فصل آخر) فيما تمسكوا به في إثبات الذنب لا لنبى معين (الشبهة الاولى) قوله تعالى (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) فهذا يقتضى ثبوت الظلم لكل الناس والنبى صلى الله عليه وسلم من الناس فثبت الظلم له * (جوابه) إذا تمسكت بهذا العموم في إثبات الظلم فقوله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) يوجب جواز اللعن عليهم وجل منصب الانبياء عنه * (فان قلت) * بتخصيص العموم هناك قلت به هاهنا * * (الشبهة الثانية) * قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) إلى آخر السورة قالوا: فلو لا الخوف من وقوع تخليط الوحى من جهة الانبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة *

[ 115 ]

* (جوابه) * يجوز أن بعثه الملائكة مع الانبياء ليس للخوف من تغيير الانبياء وتبديلهم لكن لمنع الشيطان من إيقاع تخليط في أداء الرسول، كما قررناه في قوله تعالى (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) * * (الشبهة الثالثة) * تمسكوا بقوله تعالى (واتل عليهم نبأ الذى اتيناه آياتنا فانسلخ منها) الآية وزعموا انها نزلت في نبى عزل عن نبوته * (جوابه) * ليس في (الشبهة الاولى) قوله تعالى (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) فهذا يقتضى ثبوت الظلم لكل الناس والنبى صلى الله عليه وسلم من الناس فثبت الظلم له * (جوابه) إذا تمسكت بهذا العموم في إثبات الظلم فقوله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) يوجب جواز اللعن عليهم وجل منصب الانبياء عنه * (فان قلت) * بتخصيص العموم هناك قلت به هاهنا * * (الشبهة الثانية) * قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) إلى آخر السورة قالوا: فلو لا الخوف من وقوع تخليط الوحى من جهة الانبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة *

[ 115 ]

* (جوابه) * يجوز أن بعثه الملائكة مع الانبياء ليس للخوف من تغيير الانبياء وتبديلهم لكن لمنع الشيطان من إيقاع تخليط في أداء الرسول، كما قررناه في قوله تعالى (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) * * (الشبهة الثالثة) * تمسكوا بقوله تعالى (واتل عليهم نبأ الذى اتيناه آياتنا فانسلخ منها) الآية وزعموا انها نزلت في نبى عزل عن نبوته * (جوابه) * ليس في الآية ما يدل على كون ذلك المذكور نبيا، والاعتماد فيه على اخبار الآحاد غير جائز، والله اعلم بالصواب * (تمت الرسالة المسماة بعصمة الانبياء عليهم الصلاة والسلام) (للامام فخر الدين الرازي عليه رحمة الباري)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية