الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




إعلام الورى بأعلام الهدى - الشيخ الطبرسي ج 2

إعلام الورى بأعلام الهدى

الشيخ الطبرسي ج 2


[ 1 ]

سلسلة مصادر بحار الانوار (16) اعلام الورى بأعلام الهدى تأليف أمين الاسلام الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري الجزء الثاني تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 2 ]

BP الطبرسي، الفضل بن الحسن، 468 - 548 ه‍. 36 إعلام الورى بأعلام الهدى / تأليف أبي علي الفضل بن الحسن 2 ط / الطبرسي، تحقيق مؤسسة آل البيت لاحياء التراث. - قم: 6 الف مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياه التراث. 1417. 2 ج.: مصور، نموذج. - (مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث، سلسلة مصادر بحار الانوار، 16). المصادر بالهامش. 1. الائمة الاثنا عشر. 2. محمد صلى الله عليه واله، نبي الله، 53 قبل الهجرة - 11 ه‍. ألف. العنوان. شابك (ردمك) 1 - 016 - 319 - 964 / دورة 2 جزء. ISBN 469 - 913 - 610 - 1 / 2. VOLS شابك (ردمك) 0 - 011 - 319 - 964 / ج 1. ISBN 469 - 913 - 610 - 1 / 2. VOLS الكتاب: إعلام الورى بأعلام الهدى / ج 2 المؤلف: الفضل بن الحسن الطبرسي تحقيق ونشر: مؤسسة ال البيت عليهم السلام لاحياء التراث - قم المشرفة الطبعة: الاولي - ربيع الاولى - 1417 ه‍ القلم والالواح الحساسة: ليتوگرافى نور المطبعة: ستارة - قم الكمية: 3000 نسخة السعر: 5000 ريال

[ 4 ]

بسم الله الرحمان الرحيم

[ 5 ]

(الباب السادس) في ذكر الامام العالم أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام وهو ستة فصول:

[ 6 ]

(الفصل الاول) في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ سنه، ووقت وفاته عليه السلام ولد عليه السلام بالابواء (1) - منزل بين مكة والمدينة - لسبع خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومائة. وقبض ببغداد في حبس السندي بن شاهك لخمس بقين من رجب - وقيل أيضا لخمس خلون من رجب - سنة ثلاث وثمانين ومائة، وله يومئذ خمس وخمسون سنة. وامه أم ولد يقال لها: حميدة البربرية، ويقال لها: حميدة المصفاة. وكنيته: أبو الحسن، وهو أبو الحسن الاول، وأبو إبراهيم، وأبو علي، ويعرف بالعبد الصالح، والكاظم. وكانت مذة إمامته عليه السلام خمسا وثلاثين سنة، وقام بالامر وله عشرون سنة، وكانت في أيام إمامته بقية ملك المنصور أبي جعفر، ثم ملك ابنه المهدي عشر سنين وشهرا، ثم ملك ابنه الهادي موسى بن محمد سنة وشهرا، ثم ملك هارون بن محمد الملقب بالرشيد، واستشهد صلوات الله عليه بعد مضي خمس عشرة سنة من ملكه مسموما في حبس السندي بن شاهك، ودفن بمدينة السلام في المقبرة المعروفة بمقابر قريش (2).


(1) الابواء: قريه من أعمال القرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وثلاثون ميلا " انظر: معجم البلدان 1: 179 ". (2) انظر: المحاسن 2:، 314 / 32، الكافي 1: 397، ارشاد المفيد 2: 215، تاج المواليد: 121، المناقب لابن شهرآشوب 4: 323، الهداية الكبرى: 263، كشف الغمة 2: 212، تاريخ بغداد 13: 27، دلائل الامامة للطبري: 146، تذكرة الخواص: 312. كفاية الطالب: 457، الفصول المهمة: 232. (*)

[ 7 ]

(الفصل الثاني) في ذكر النص عليه بالامامة دليل الاعتبار الذي قدمناه كما دل على إمامة آبائه عليهم السلام يدل على إمامته وإمامة الائمة من ذريته عليهم السلام، وإذا دللنا على بطلان جميع أقوال مخالفي الشيعة القائلين بعصمة الامام والنص، فان الشيعة اختلفت بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام على أقوال: قائل يقول: إن الصادق عليه السلام لم يمت ولا يموت حتى يظهر فيملا الارض عدلا، وهم: الناووسية، وإنما سموا بذلك لان رئيسهم في مقالتهم رجل يقال له: عبد الله بن الناووس (1). وقولهم باطل بقيام الدليل على موته كقيامه على موت آبائه عليهم السلام، وبانقراض هذه الفرقة بأسرها، ولو كانت محقة لما انقرضت. وقائل يقول: بإمامة عبد الله بن جعفر، وهم: الفطحية (2). وقولهم يبطل بأنهم لم يعولوا في ذلك على نص عليه من أبيه بالامامة، وإنما عولوا في ذلك على أنه أكبر ولده، وأيضا فإنهم رجعوا عن ذلك، إلا شذاذ منهم، وانقرضت الجماعة الشاذة أيضا فلا يوجد منهم أحد، وإنما نحكي مذهبهم على سبيل التعجب، وما هذه صفته فلا شك في فساده. وقائل يقول: بإمامة إسماعيل بن جعفر على اختلاف بينهم، فمنهم


(1) انظر: فرق الشيعة: 67، الملل والنحل 1: 166، الفرق بين الفرق: 61 / 57. (2) انظر: فرق الشيعة: 77، الملل والنحل 1: 167، الفرق بين الفرق: 62 / 59. (*)

[ 8 ]

من أنكر وفاة إسماعيل في حياة أبيه وزعم أنه بقي ونص أبوه عليه، وهم شذاذ (1). ومنهم من قال: إن إسماعيل توفي في زمن أبيه، غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد فكان الامام بعده، وهؤلاء هم: القرامطة، نسبوا إلى رجل يقال له: قرمطويه، ويقال لهم: المباركية، نسبوا إلى المبارك مولى إسماعيل ابن جعفر عليه السلام (2). وقول هؤلاء يبطل من وجهين: أحدهما: ان مذهبهم يقضي ببطلان حكاية دعوى التواتر عنهم بالنص، وذلك أن من أصلهم المعروف أن الدين مستور عن جمهور الخلق، وإنما يدعو إليه قوم بأعيانهم لا يبلغون حد التواتر، ولا يؤخذ الحق إلا عنهم وأنه لا يحل لاحد من هؤلاء أن يوعز إلى الخلق شيئا منه إلا بعد العهود والايمان المغلظة، فقد ثبت فساد قول من ادعى عليهم التواتر، وإنما يعولون على أخبار آحاد وتأويلات في معنى الاعداد وقياس ذلك بالسماوات السبع والارضين والنجوم وغير ذلك من المشهور والايام مما يجري مجرى الخرافات، وهذا لا يعارض ما ذهبنا إليه من إيراد النصوص الظاهرة والتواتر بها من الامم الكثيرة المتظاهرة. والوجه الآخر: أن النص لا يكون من الله تعالى على من يعلم موته قبل وقت إمامته من حيث يكون ذلك نقضا للغرض ويكون عبثا وكذبا، وإذا لم يبق إسماعيل بعد أبيه بطل قول من ادعى له النص بخلافته. ولا فصل بين من أنكر وفاته في عصر أبيه وادعى أن ذلك كان تلبيسا، وبين من أنكر موت أبي عبد الله عليه السلام من الناووسية.


(1) انظر: فرق الشيعة: 67، الملل والنحل 1: 167، الفرق بين الفرق: 62 / 60. (2) انظر: فرق الشيعة 71، الملل والنحل 2: 168، الفرق بين الفرق: 63. (*)

[ 9 ]

وكذلك من ادعى أنه نص على ابنه محمد، لان الامامة إذا لم تحصل لاسماعيل في حياة أبيه - لفساد وجود إمامين معا في زمان واحد - فكيف يصح نصه على ابنه ؟ إذ النص على الامام لا يوجب الامامة إلا إذا كان من إمام. وقائل: يقول: بإمامة موسى بن جعفر عليه السلام، وهم: الشيعة الامامية، فإذا فسدت الاقوال المتقدمة ثبتت إمامة أبي الحسن موسى عليه السلام، وإلا أدى إلى خروج الحق عن جميع أقوال الامة، وأيضا فإن الجماعة التي نقلت النص عليه من أبيه وجده وآبائه عليهم السلام قد بلغوا من الكثرة إلى حد يمتنع معه منهم التواطؤ على الكذب، إذ لا يحصرهم بلد ومكان، ولا يضمهم صقع، ولا يحصيهم إنسان. وأما ألفاظ النص عليه من أبيه عليه السلام، فمن ذلك: ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن عدة من أصحابه، عن أحمد ابن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب الخزاز، عن ثبيت، عن معاذ ابن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أسأل الله الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها. فقال: " قد فعل الله ذلك ". قلت: من هو جعلت فداك ؟ فأشار إلى العبد الصالح وهو راقد فقال: " هذا الراقد " وهو يومئذ غلام (1). وبهذا الاسناد، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن موسى


(1) الكافي 1: 245 / 2، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 217، روضة الواعظين: 213 " كشف الغمة 2: 219. (*)

[ 10 ]

الصيقل، عن المفضل بن عمر قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل أبو إبراهيم - وهو غلام - فقال: " استوص به، وضع أمره عند من تثق به من أصحابك " (1). وبهذا الاسناد، عن محمد بن علي، عن عبد الله القلاء، عن الفيض ابن المختار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: خذ بيدي من النار، من لنا بعدك ؟ فدخل علينا أبو إبراهيم - وهو يومئذ غلام - فقال: " هذا صاحبكم فتمسك به " (2). وبهذا الاسناد، عن على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له منصور بن حازم: بأبي أنت وامي، إن الانفس يغدى عليها ويراح، فإذا كان ذلك فمن ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا كان ذلك فهو صاحبكم " وضرب على منكب أبي الحسن الايمن، وكان يومئذ خماسيا، و عبد الله بن جعفر جالس معنا (3). وبهذا الاسناد، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن أبى طالب عليه السلام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن


(1) الكافي 1: 246 / 4، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 216، روضة الواعظين: 213، كشف الغمة 2: 219. (2) الكافي 1: 245 / 1، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 217، روضة الواعظين: 213، كشف الغمة 2: 220، الفصول المهمة: 231. (3) الكافي 1: 246 / 6 وكذا في: ارشاد المفيد 2: 218، كشف الغمة 2: 220، الفصول المهمة: 232. (*)

[ 11 ]

كان كون - ولا أراني الله ذلك - فبمن أئتم ؟ قال: فأومأ إلى ابنه موسى. قلت: فإن حدث بموسى حدث فبمن أئتم ؟ قال: " بولده ". قلت: فإن حدث بولده وترك أخا كبيرا وابنا صغيرا ؟ قال: " بولده، ثم هكذا أبدا ". قلت: فإن لم أعرفه ولم أعرف موضعه ؟ قال: " تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الامام الماضي، فإن ذلك يجزئك إن شاء الله " (1). وبهذا الاسناد، عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن محمد ابن عبد الجبار، عن الحسن بن الحسين، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن فيض بن المختار، في حديث طويل في أمر أبي الحسن عليه السلام حتى قال له أبو عبد الله عليه السلام: " هو صاحبك الذي سألت عنه، فقم إليه فأقر له بحقه ". فقمت حتى قبلت رأسه ويده، ودعوت الله له. قال أبو عبد الله عليه السلام: " أما إنه لم يؤذن لنا في أول ذلك (2) ". فقلت: جعلت فداك، فاخبر به أحدا ؟ قال: " نعم، أهلك وولدك ورفقاءك ". وكان معي أهلي وولدي، وكان معي من رفقائي يونس بن ظبيان، فلما


(1) الكافي 1: 246 / 7، وكذا في: كمال الدين: 439 / 43، ودون ذيله في: ارشاد المفيد 2: 218، كشف الغمة 2: 220. (2) في الكافي: منك. (*)

[ 12 ]

أخبرته حمدالله تعالى وقال: لا والله حتى أسمع ذلك منه، وكانت به عجلة، فخرج فأتبعته، فلما انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول له - وكان سبقني إليه -: " يا يونس، الامر كما قال لك فيض ". فقال: سمعت وأطعت. فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: " خذه إليك يا فيض " (1). وبهذا الاسناد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد قال: دعا أبو عبد الله أبا الحسن موسى عليهما السلام ونحن عنده فقال لنا: " عليكم بهذا بعدي، فهو والله صاحبكم بعدي " (2). وبهذا الاسناد، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن علي بن الحسن عن صفوان الجمال قال: سالت أبا عبد الله عن صاحب هذا الامر، فقال: " إن صاحب هذا الامر لا يلهو ولا يلعب ". فأقبل أبو الحسن موسى - وهو صغير - ومعه عناق (3) مكية وهو يقول لها: " اسجدي لربك " فأخذه أبو عبد الله فضمه إليه وقال: " بأبي وأمي من لا يلهو ولا يلعب " (4). وبهذا الاسناد، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن


(1) الكافي 1: 246 / 9، وكذا في: بصائر الدرجات: 356 / 11، رجال الكشى: 643 / 663، ونحوه في: الامامة والتبصرة: 204 / 56. (2) الكافي 1: 247 / 12، وكذا في: الامامة والتبصرة: 205 / ذيل ح 57، ارشاد المفيد 2: 219، كشف الغمة 2: 221. (3) العناق: الانثى من ولد المعز. " الصحيح - عنق - 4: 1534 ". (4) الكافي 1: 248 / 15، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 219، المناقب لابن شهر آشوب 4: 317، كشف الغمة 2: 221. (*)

[ 13 ]

جعفر بن بشير، عن فضيل، عن طاهر قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يلوم عبد الله يوما ويعاتبه ويعظه ويقول: " ما يمنعك أن تكون مثل أخيك، فوالله إني لاعرف النور في وجهه ". فقال عبد الله: ولم، أليس أبي وأبوه واحدا (وأصلي وأصله واحدا) (1) ؟ فقال له أبو عبد الله: " إنه من نفسي وأنت ابني " (2). وبهذا الاسناد، عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد و (3) غيره، عن محمد بن الوليد، عن يونس، عن داود بن زربي، عن أبي أيوب الجوزي (4) قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته، فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب إلي وهو يبكي وقال: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون - ثلاثا - وأين مثل جعفر، ثم قال لي: اكتب إن كان أوصى إلى رجل بعينه فقدمه واضرب عنقه. قال: فكتبت وعاد الجواب: أنه قد أوصى إلى خمسة: أحدهم أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبد الله، وموسى، وحميدة (5). وبهذا الاسناد، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد نحو هذا الحديث، إلا أنه قال: أوصى إلى خمسة: أولهم أبو جعفر المنصور، ثم عبد الله، وموسى، ومحمد بن جعفر، ومولى لابي عبد الله عليه


(1) في الكافي: وامى وامه واحدة. (2) الكافي 1: 147 / 10 وكذا في: الامامة والتبصرة: 210 / 63، ارشاد المفيد 2: 218، كشف الغمة 2: 220. (3) في الكافي: أو. (4) في الكافي: النحوي. (5) الكافي 1: 347 / 13، وكذا في: الغيبة للطوسي: 119. (*)

[ 14 ]

السلام، فقال المنصور: مالي إلى قتل هؤلاء سبيل (1). وروى محمد بن سنان، عن يعقوب السراج قال: دخلت على أبي عبد الله وهو واقف على رأس أبي الحسن وهو في المهد، فجعل يساره طويلا، فجلست حتى فرغ فقمت إليه فقال لي: " ادن إلى مولاك فسلم عليه ". فدنوت فسلمت عليه، فرد على بلسان فصيح، ثم قال لي: " إذهب فغير اسم ابنتك التي سميتها أمس، فإنه اسم يبغضه الله عزوجل ". وكانت ولدت لي ابنة فسميتها بالحميراء، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " انته إلى أمره ترشد " فغيرت اسمها (2). وروى يعقوب بن جعفر الجعفري قال: حدثني إسحاق بن جعفر الصادق عليه السلام قال: كنت عند أبي يوما فسأله علي بن عمر بن علي فقال: جعلت فداك، إلى من نفزع ويفزع الناس بعدك ؟ قال: " إلى صاحب هذين الثوبين الاصفرين والغديرتين - يعني الذؤابتين - وهو الطالع عليك من الباب ". فما لبثنا أن طلعت علينا كفان آخذتان بالبابين حتى انفتحا، ودخل علينا أبو إبراهيم عليه السلام وهو صبي وعليه ثوبان أصفران (3). وروى محمد بن الوليد قال: سمعت علي بن جعفر يقول: سمعت أبي - جعفر بن محمد عليهما السلام - يقول لجماعة من خاصته وأصحابه: " استوصوا بابني موسى خيرا، فإنه أفضل ولدي، ومن اختف من بعدي، وهو (1) الكافي 1: 248 / 14. (2) الكافي 1: 247 / 11، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 219، كشف الغمة 2: 221، دلائل الامامة: 161. (3) الكافي 1: 246 / 5، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 219، كشف الغمة 2: 221. (*)

[ 15 ]

القائم مقامي، والحجة للة تعالى على كافة خلقه من بعدي " (1). وأمثال هذه الاخبار كثيرة.


(1) ارشاد المفيد 2: 220، كشف الغمة 2: 221، ونقله المجلسي في بحار الانوار 48: 20 / 30. (*)

[ 16 ]

* (الفصل الثالث) * في ذكر نبذ من آياته ودلالاته ومعجزاته عليه السلام محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم قال: كنا بالمدينة - بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام - أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق، والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر، فدخلنا عليه فسألناه عن الزكاة في كم تجب ؟ قال: في مائتي درهم خمسة دراهم. قلنا: ففي مائة ؟ فقال: درهمان ونصف. قال: فخرجنا ضلالا، ما ندري إلى أين نتوجه وإلى من نقصد، نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، إلى الزيدية ؟ فنحن كذلك إذ رأيت شيخا لا أعرفه يومئ إلي بيده، فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس على من يجتمع بعد جعفر بن محمد عليهما السلام الناس، فيؤخذ فتضرب عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت للاحول: تنح، فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني ليس يريدك. فتنحى عني بعيدا. وأتبعت الشيخ، وذلك أني ظننت لا أقدر على التخلص منه، فما زلت أتبعه حتى ورد على باب أبي الحسن موسى عليه السلام ثم خلاني ومضى، فإذا خادم بالباب فقال لى: ادخل رحمك الله، فدخلت فإذا أبو الحسن

[ 17 ]

موسى عليه السلام، فقال لي إبتداء منه: " إلي لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، ولا إلى الزيدية ". فقلت: جعلت فداك، مضى أبوك ؟ قال: " نعم ". قلت: مضى موتا ؟ قال: " نعم ". قلت: فمن لنا بعده ؟ قال: " إن شاء الله أن يهديك هداك ". قلت: جعلت فداك، إن عبد الله أخاك يزعم أنه إمام من بعد أبيه. فقال: " عبد الله يريد أن لا يعبد الله ". قلت: جعلت فداك، فمن لنا بعده ؟ قال: " إن شاء الله أن يهديك هداك ". قلت: جعلت فداك، فأنت هو ؟ قال: " لا، ما أقول ذلك ". قال: فقلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، ثم قلت له: جعلت فداك عليك إمام ؟ قال: " لا ". قال: فدخلني شئ لا يعلمه إلا الله تعالى إعظاما له وهيبة، ثم قلت: جعلت فداك، أسألك كما كنت أسأل أباك ؟ قال: " سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح ". قال: فسألته فإذا بحر لا ينزف قلت: جعلت فداك، شيعة أبيك ضلال فألقي إليهم هذا الامر وأدعوهم إليك ؟ فقد أخذت علي الكتمان. قال: " من آنست منه رشدا فألق إليه وخذ عليه الكتمان، فإن أذاع فهو

[ 18 ]

الذبح " وأشار بيده إلى حلقه. قال: فخرجت من عنده ولقيت أبا جعفر الاحول فقال لي: ما وراءك ؟ قلت: الهدى، وحدثته بالقصة، ثم لقينا زرارة بن أعين وأبا بصير فدخلا عليه وسمعا كلامه وسألاه وقطعا عليه، ثم لقينا الناس أفواجا، فكل من دخل عليه قطع عليه، إلا طائفة عمار الساباطي، وبقي عبد الله، لا يدخل عليه إلا القليل من الناس (1). وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرافعي قال: كان لي ابن عم يقال له: الحسن بن عبد الله، وكان زاهدا، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان السلطان يتقيه لجده في الدين وإجتهاده، فدخل يوما المسجد وفيه أبو الحسن موسى عليه السلام، قال: فأومأ إليه فأتاه فقال له: " يا أبا علي، ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني به، إلا أنه ليس لك معرفة، فاطلب المعرفة ". فقال له: جعلت فداك، وما المعرفة ؟ قال: " إذهب تفقه واطلب الحديث ". قال: عمن ؟ قال: " عن فقهاء أهل المدينة، ثم اعرض علي الحديث ". قال: فذهب وكتب ثم جاء فقرأه عليه، فأسقطه كله ثم قال له: " إذهب فاعرف " وكان الرجل معنيا بدينه. قال: فلم يزل يترصد أبا الحسن حتى خرج إلى ضيعة له فلقيه في الطريق، فقال له: جعلت فداك، إني أحتج عليك بين يدي الله عزوجل،


(1) الكافي 1: 285 / 7، وكذا في: رجال الكشي 2: 565 / 502، ارشاد المفيد 2: 221، الثاقب في المناقب: 437 / 373، الخرائج والجرائح 1: 331 / 23، ودون ذيله في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 290. (*)

[ 19 ]

فدلني على ما تجب علي معرفته. فأخبره بأمر أمير المؤمنين عليه السلام وحقه، وأمر الحسن والحسين وعلى بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام، ثم سكت فقال له: جعلت فداك، فمن الامام اليوم ؟ قال: " إن أخبرتك تقبل ؟ " قال: نعم. قال: " أنا هو ". قال: فشئ أستدل به ؟ قال: " إذهب إلى تلك الشجرة - وأشار إلى بعض شجر ام غيلان (1) - فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: أقبلي ". قال: فأتيتها فرأيتها والله تخد الارض (2) خدا حتى وقفت بين يديه ثم أشار [ إليها ] بالرجوع فرجعت. قال: فأقر به ولزم الصمت والعبادة، فكان لا يراه أحد يتكلم بعد ذلك (3). وروى عبد الله بن إدريس، عن ابن سنان قال: حمل الرشيد في بعض الايام إلى علي بن يقطين ثيابا أكرمه بها، وكان في جملتها دراعة خز سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب، ولخدم علي بن يقطين بحمل تلك الثياب إلى أبي الحسن موسى عليه السلام، وأضاف إليها مالا كان أعده على رسم


(1) أم غيلان: شجر السمر. " القاموس المحيط 4: 27 ". (2) تخد الارض: تشقها. " الصحاح - خدد - 2: 468 ". (3) الكافي 1: 286 / 8، وكذا في: بصائر الدرجات: 274 / 6، ارشاد المفيد 2: 223، الخرائج والجرائح 2: 650 / 2، الثاقب في المناقب: 455 / 383، كشف الغمة 2: 223. (*)

[ 20 ]

له في ما يحمله إليه من خمس ماله، فلما وصل ذلك إلى أبي الحسن عليه السلام قبل المال والثياب ورد الدراعة على يد غير الرسول إلى علي بن يقطين وكتب إليه: " احتفظ بها ولا تخرجها عن يدك فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه " فارتاب علي بن يقطين بردها عليه ولم يدرما سبب ذلك، فاحتفظ بالدراعة. فلما كان بعد أيام تغير ابن يقطين على غلام له كان يختص به فصرفه عن خدمته، فسعى به إلى الرشيد وقال: إنه يقول بإمامة موسى بن جعفر ويحمل إليه خمس ماله في كل سنة، وقد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا وكذا. فاستشاط الرشيد غضبا وقال: لاكشفن عن هذه الحال، وأمر بإحضار علي بن يقطين فلما مثل بين يديه قال: ما فعلت تلك الدراعة التي كسوتك بها ؟ قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم فيه طيب، وقد احتفظت بها، وكلما أصبحت فتحت السفط ونظرت إليها تبركا بها واقبلها وأردها إلى موضعها، وكلما أمسيت صنعت مثل ذلك، فقال: إئت بها الساعة، قال: نعم. وأنفذ بعض خدمه فقال: إمض إلى البيت الفلاني وافتح الصندوق الفلاني وجئني بالسفط الذي فيه بختمه، فلم يلبث الغلام أن جاء بالسفط مختوما ووضع بين يدي الرشيد، ففك ختمه ونظر إلى الدراعة مطوية مدفونة بالطيب، فسكن غضب الرشيد وقال: أرددها إلى مكانها وانصرف راشدا، فلن أصدق عليك بعدها ساعيا، وأمر له بجائزة سنية، وأمر بضرب الساعي ألف سوط، فضرب نحو خمسمائة سوط فمات في ذلك (1). (1) ارشاد المفيد 2: 225، وباختصار في: الخرائج والجرائح 1: 334 / 25، والمناقب لابن شهرآشوب 4: 289، ونحوه في: دلائل الامامة: 158، والفصول المهمة: 236. (*)

[ 21 ]

وروى محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضل قال: اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء، أهو من الاصابع إلى الكعبين ؟ أم من الكعبين إلى الاصابع ؟ فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى عليه السلام: جعلت فداك، إن أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين، فإن رأيت أن تكتب بخطك إلي ما يكون عملي عليه فعلت إن شاء الله. فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام: " فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا، وتستنشق ثلاثا، وتغسل وجهك ثلاثا، وتخلل لحيتك وتغسل يدك من أصابعك إلى المرفقين، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، ولا تخالف ذلك إلى غيره ". فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له فيه مما جميع العصابة على خلافه، ثم قال: مولاي أعلم بما قال وأنا ممتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذه. قال: وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له: إنه رافضي مخالف لك، فقال الرشيد لبعض خاصته: قد كثر القول عندي في علي بن يقطين وميله إلى الرفض، وقد امتحنته مرارا فما ظهرت منه على ما يقرف (1) به، فقيل له: إن الرافضة تخالف [ الجماعة ] (2) في الوضوء فتخففه، ولا تغسل الرجلين، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف علن وضوئه. فتركه مدة وناطه بشئ من شغله في الدار حتى دخل وقت الصلاة،


(1) القرف: الاتهام. " الصحاح - قرف - 4: 1415 ". (2) اثبتناه من الارشاد. (*)

[ 22 ]

وكان على يخلو في حجرة من الدار لوضوئه وصلاته، فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، فدعا بالماء فتوضأ على ما أمره الامام، فلم يملك الرشيد نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه ثم ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنك من الرافضة. وصلحت حاله عنده. وورد كتاب أبي الحسن عليه السلام: " ابتدئ من الآن يا علي بن يقطين توضأ كما أمرك الله: اغسل وجهك مرة فريضة واخرى إسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنت أخافه عليك، والسلام " (1). وروى أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن أبي بصير قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: جعلت فداك بم يعرف الامام ؟ قال: " بخصال: أما أولاهن: فإنه بشئ قد تقدم فيه من أبيه وإشارته إليه لتكون حجة، ويسأل فيجيب، وإذا سكت عنه ابتدأ، وبخبر بما في غد، ويكلم الناس بكل لسان " ثم قال: " يا أبا محمد، أعطيك علامة قبل أن تقوم " فلم ألبث أن دخل عليه رجل من أهل خراسان، فكلمه الخراساني بالعربية فأجابه أبو الحسن بالفارسية، فقال له الخراساني: والله ما منعنى أن أكلمك بالفارسية إلا أنني ظننت أثك لا تحسنها. فقال: " سبحان الله، إذا كنت لا أحسن أن أجيبك فما فضلي عليك فيما أستحق [ به ] الامامة ". ثم قال: " يا أبا محمد، إن الامام لا يخفى عليه (1) ارشاد المفيد 2: 227، الخرائج والجرائح 1: 335 / 26، المناقب لابن شهرآشوب 4: 288، الثاقب في المناقب: 451 / 380، كشف الغمة 2: 225. (*)

[ 23 ]

كلام أحد من الناس، ولا منطق الطير، ولا كلام شئ فيه روح " (1). وروى الحسن بن علي بن أبي عثمان (2)، عن إسحاق بن عمار قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام ودخل عليه رجل فقال له أبو الحسن: " يا فلان أنت تموت إلى شهر ". قال: فأضمرت في نفسي كأنه يعلم آجال الشيعة، قال: فقال لي: " يا إسحاق، ما تنكرون من ذلك، قد كان رشيد الهجري مستضعفا وكان يعلم علم المنايا والامام أولى بذلك منه ". ثم قال: " يا إسحاق، تموت إلى سنتين ويشتت مالك وعيالك وأهل بيتك ويفلسون إفلاسا شديدا ". قال: فكان كما قال (3). وروى محمد بن جمهور عن بعض أصحابنا، عن أبي خالد الزبالي قال: ورد علينا أبو الحسن موسى عليه السلام، وقد حمله المهدي، فلما خرج ودعته وبكيت، فقال لي: " ما يبكيك، يا أبا خالد ؟ " فقلت: جعلت فداك، قد حملك هؤلاء ولا أدري ما يحدث. فقال: " أما في هذه المرة فلا خوف علي منهم، وأنا عندك يوم كذا في شهر كذا في ساعة كذا، فانتظرني عند أول ميل " ومضى.


(1) قرب الاسناد: 146، الكافي 1: 225 / 7، ارشاد المفيد 2: 224، المناقب لابن شهرآشوب 4: 299، وباختلاف يسير في: دلائل الامامة، 169. (2) الحسن بن علي بن أبي عثمان، الملقب أبو محمد سجادة، قمي، ضعفه أصحابنا واتهموه بالغلو وفساد العقيدة. انظر: رجال الطوسي: أصحاب الامام الجواد عليه السلام (11)، رجال النجاشي: 61 / 141،. رجال الكشي 2: 841 / 1083، الخلاصة: 212 / 4، نقد الرجال: 89 / 91. (3) نحوه في: بصائر الدرجات 285 / 13، الكافي 1: 404 / 7، الخرائج والجرائح 1: 310 / 3، المناقب لابن شهرآشوب 4: 287، دلائل الامامة: 160، الثاقب في المناقب: 434 / 366. (*)

[ 24 ]

قال: فلما أن كان في اليوم الذي وصفه لي خرجت إلى أول ميل فجلست أنتظره حتى اصفرت الشمس، وخفت أن يكون قد تأخر عن الوقت فقمت انصرف، فإذا أنا بسواد قد أقبل ومناد ينادي من خلفي، فأتيته فإذا هو أبو الحسن عليه السلام على بغلة له فقال لي: " ايها يا أبا خالد ". فقلت: لبيك يا ابن رسول الله، الحمد لله الذى خلصك من أيديهم. فقال لي: " يا أبا خالد، أما أن لي إليهم عودة لا أتخلص من أيديهم " (1).


(1) قرب الاسناد: 140، الكافي 1: 398 / 3، اثبات الوصية: 165، الخرائج والجرائح 1: 315، المناقب لابن شهرآشوب 4: 287، دلائل الامامة: 168، الثاقب في المناقب: 200، الفصول المهمة: 234. (*)

[ 25 ]

* (الفصل الرابع) * في ذكر طرف من مناقبه وفضائله وخصائصه التي بان بها عن غيره. قد اشتهر في الناس: أن أبا الحسن موسى عليه السلام كان أجل ولد الصادق عليه السلام شأنا، وأعلاهم في الدين مكانا، واسخاهم بنانا، وأفصحهم لسانا، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأفقههم وأكرمهم. وروي: انه كان يصلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتى تطلع الشمس، ثم يخر ساجدا فلا يرفع رأسه من الدعاه والتحميد حتى يقرب زوال الشمس، وكان يقول في سجوده عليه السلام: " قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو والتجاوز من عندك ". وكان من دعائه عليه السلام: " اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب ". وكان عليه السلام يبكي من خشية الله حتى تخضل لحيته بالدموع. وكان يتفقد فقراء المدينة فيحمل إليهم في الليل العين (1) والورق (2) وغير


(1) العين: الذهب والدنانير. " الصحاح - عين - 6: 2170 ". (2) الورق: الفضة والدراهم. " الصحاح - ورق - 4: 1564 ". (*)

[ 26 ]

ذلك، فيوصلها إليهم وهم لا يعلمون من أي وجه هو (1). وروى الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، عن جده بإسناده قال: إن رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى عليه السلام ويشتم عليا عليه السلام، فقال له بعض حاشيته: دعنا نقتل هذا الرجل، فنهاهم عن ذلك أشذ النهي، وسأل عن العمري فقيل: إنه يزرع بناحية من نواحي المدينة. فركب إليه، فوجده في مزرعة [ له ] فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري: لا توطئ زرعنا، فتوطأه أبو الحسن عليه السلام بالحمار حتى وصل إليه فنزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه، وقال له: " كم غرمت في زرعك هذا ؟ ". فقال: مائة دينار. قال: " وكم ترجو أن تصيب ؟ " قال: لست أعلم الغيب. قال: " إنما قلت لك: كم ترجو ". فقال: " أرجوا أن يجيئني فيه مائتا دينار ". قال: فأخرج له أبو الحسن عليه السلام صرة فيها ثلاثمائة دينار، وقال: " هذا زرعك على حاله والله يرزقك فيه ما ترجو ". فقام العمري فقبل رأسه وسأله أن يصفح عن فارطه، فتبسم أبو الحسن


(1) ارشاد المفيد 2: 231، كشف الغمة 2: 228، ودون صدر الرواية في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 318، ونحوه في: تاريخ بغداد 13: 27، وفيات الاعيان 5: 308 " سير أعلام النبلاء 6: 271، الفصول المهمة: 237. (*)

[ 27 ]

موسى عليه السلام وانصرف، ثم راح إلى المسجد فوجد العمرى جالسا فلما نظر إليه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالاته. قال: فوثب إليه أصحابه فقالوا له: ما قصتك ؟ فقد كنت تقول غير هذا ! ! قال: فقال لهم: قد سمعتم ما قلت الان، وجعل يدعو لابي الحسن عليه السلام، فخاصموه وخاصمهم. فلما رجع أبو الحسن عليه السلام إلى داره قال لمن سألوه قتل العمري: " أيما كان خيرا ما أردت أو ما أردتم ؟ " (1). وذكرت الرواة: أنه عليه السلام كان يصل بالمائتي دينار إلى ثلاثمائة دينار، وكانت صرار موسى عليه السلام مثلا (2). وذكروا: أن الرشيد لما خرج إلى الحج وقرب من المدينة استقبله وجوه أهلها يقدمهم موسى بن جعفر عليهما السلام على بغلة، فقال له الربيع: ما هذه الدابة التي تلقيت عليها أمير المؤمنين، وأنت إن طلبت عليها لم تدرك وان طلبت لم تفت ؟ فقال عليه السلام: " إنها تطأطأت عن خيلاء الخيل وارتفعت عن ذلة العير، وخير الامور أوسطها " (3). قالوا: ولما دخل هارون المدينة وزار النبي صلى الله عليه وآله وسلم


(1) ارشاد المفيد 2: 233، المناقب لابن شهرآشوب 4: 319، دلائل الامامة: 150، كشف الغمة 2: 228، مقاتل الطالبيين: 499، تاريخ بغداد 13: 28، سير أعلام النبلاء 6: 271. (2) ارشاد المفيد 2: 234، المناقب لابن شهرآشوب 4: 318، كشف الغمة 2: 229،، مقاتل الطالبيين: 499، تاريخ بغداد 13: 28، وفيات الاعيان 5: 308، سير أعلام النبلاء 6: 271. (3) ارشاد المفيد 2: 234، روضة الواعظين 215، المناقب لابن شهرآشوب 4: 320، كشف الغمة 2: 229، وباختلاف يسير في: أعلام الدين: 306، مقاتل الطالبيين: 500. (*)

[ 28 ]

قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن عم، مفتخرا بذلك على غيره. فتقدم أبو الحسن عليه السلام وقال: " السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبه " فتغير وجه الرشيد وتبين فيه الغضب (1). وروى الشريف الاجل المرتضى - قدس الله روحه - عن أبي عبيدالله المرزباني، مرفوعا إلى أيوب بن الحسين الهاشمي قال: كان نفيع رجلا من الانصار حضر باب الرشيد - وكان عريضا - وحضر معه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر عليهما السلام على حمار له، فتلقاه الحاجب بالبشر والاكرام، وأعظمه من كان هناك، وعجل له الاذن، فقال نفيع لعبد العزيز: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم، يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير، أما لئن خرج لاسوءنه، قال له عبد العزيز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بيت قل من تعرض لهم في خطاب إلا وسموه في الجواب سمه يبقى عارها عليه مدى الدهر. قال: وخرج موسى عليه السلام فقام إليه نفيع الانصاري فأخذ بلجام حماره، ثم قال: من أنت ؟ فقال: " يا هذا، إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن اسماعيل ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله عزوجل على المسلمين وعليك - إن كنت منهم - الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفاء لهم


(1) ارشاد المفيد 2: 234، كنز الفوائد 1: 356، المناقب لابن شهرآشوب 4: 320، كشف الغمة 2: 229، تاريخ بغداد 13: 31، تذكرة الخواص: 314، كفايه الطالب: 457، وفيات الاعيان 5: 309، سير أعلام النبلاء 6: 273، البداية والنهاية 5: 183. (*)

[ 29 ]

حتى قالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، وإن كنت تريد الصيت والاسم فنحن الذين أمر الله تعالى بالصلاة علينا في الصلوات المفروضة بقول: (اللهم صل على محمد وآل محمد) فنحن آل محمد، خل عن الحمار ". فخلى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزي، فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك ؟ ! (1) وروي عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت قال: دخلت المدينة فأتيت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام فسلمت عليه، وخرجت من عنده فرأيت ابنه موسى عليه السلام في دهليزه قاعدا في مكتبه وهو صغير السن، فقلت: أين يضع الغريب إذا كان عندكم إذا أراد ذلك ؟ فنظر إلي ثم قال: " يجتنب شطوط الانهار، ومساقط الثمار، وأفنية الدور، والطرق النافذة، والمساجد، ويرفع ويضع بعد ذلك أين شاء ". فلما سمعت هذا القول نبل في عيني وعظم في قلبي، فقلت له: جعلت فداك، ممن العصية ؟ فنظر إلي ثم قال: " إجلس حتى اخبرك "، فجلست فقال: " إن المعصية لا بد أن تكون من العبد، أو من ربه، أو منهما جميعا، فإن كانت من الرب فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عجده ويأخذه بما لم يفعله، وإن كانت منهما فهو شريكه والقوي أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الامر وإليه توجه النهي وله حق الثواب والعقاب، ولذلك وجبت له الجنة والنار ".


(1) أمالي المرتضى 1: 274، المناقب لابن شهرآشوب 4: 316، أعلام الدين: 305، دلائل الامامة: 156. (*)

[ 30 ]

فلما سمعت ذلك قلت: * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (1) (2). ونظم بعضهم هذا المعنى شعرا وقال: لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها * إحدى ثلاث خلال حين نأتيها إما تفرد بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا حين ننشيها أو كان يشركنا فيه فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لائم فيها أو لم يكن لالهي في جنايتها * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها (3) وروى أبو زيد قال: أخبرنا عبد الحميد قال: سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى عليه السلام بمحضر من الرشيد - وهم بمكة - فقال له: هل يجوز للمحرم أن يظلل على نفسه ومحمله ؟ فقال: " لا يجوز له ذلك مع الاختيار ". فقال محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختارا ؟ قال: " نعم ". فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك، فقال له أبو الحسن عليه السلام: " أتعجب من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتستهزئ بها ! ! إن رسول الله كشف ظلاله في إحرامه ومشى تحت الظلال وهو محرم، إن أحكام الله تعالى يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضل


(1) آل عمران 3: 34. (2) المناقب لابن شهرآشوب 4: 314، تحف العقول: 411، وصدر الرواية في: الكافي 3: 16 / 5، التهذيب 1: 30 / 79، اثبات الوصية: 162، دلائل الامامة: 162، وذيلها في: امالي الصدوق: 334 / 4، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 138 / 37، التوحيد 96 / 2 كنز الفوائد 1: 366، كشف الغمة 2: 294. (3) كنز الفوائد 1: 366، اعلام الدين: 318. (*)

[ 31 ]

عن سواء السبيل ". فسكت محمد بن الحسن ولم يحر جوابا (1). وكان عليه السلام أحفظ الناس بكتاب الله تعالى وأحسنهم صوتا به، وكان إذا قرأ يحزن ويبكي ويبكي السامعون لتلاوته، وكان الناس بالمدينة يسمونه زين المتهجدين (2). ومن باهر خصائصه عليه السلام ما وردت به الاثار في شأن امه، وذلك ما أخبرني به المفيد عبد الجبار بن علي الرازي رحمه الله، إجازة، قال: أخبرنا الشيخ أبو جعفر الطوسي قال: أخبرنا الحسين بن عبيدالله، عن أبي علي أحمد بن جعفر البزوفري، عن حميد بن زياد، عن العباس بن عبيدالله ابن أحمد الدهقان، عن إبراهيم بن صالح الانماطي، عن محمد بن الفضل وزياد بن النعمان وسيف بن عميرة، عن هشام بن أحمر قال: أرسل إلي أبو عبد الله عليه السلام في يوم شديد الحر، فقال لي: " إذهب إلى فلان الافريقي فاعترض جارية عنده من حالها كذا وكذا، ومن صفتها كذا ". فأتيت الرجل فاعترضت ما عنده، فلم أر ما وصف لي، فرجعت إليه فأخبرته فقالى: " عد إليه فإنها عنده ". فرجعت إلى الافريقى، فحلف لي ما عنده شئ إلا وقد عرضه علي، ثم قال: عندي " وصيفة مريضة محلوقة الرأس ليس مما يعترض، فقلت له: اعرضها علي، فجاء بها متوكئة على جاريتين تخط برجليها الارض، فأرانيها


(1) ارشاد المفيد 2: 235، روضة الواعظين: 216، المناقب لابن شهرآشوب 4: 314، كشف الغمة 2: 230. (2) ارشاد المفيد 2: 235، روضة الواعظين: 216، المناقب لابن شهرآشوب 4: 3 1 8، كشف الغمة 2: 230. (*)

[ 32 ]

فعرفت الصفة، فقلت: بكم هي ؟ فقال لي: إذهب بها إليه فيحكم فيها، ثم قال لي: قدوالله أردتها منذ ملكتها فما قدرت عليها، ولقد أخبرني الذي اشتريتها منه عند ذلك أنه لم يصل إليها، وحلفت الجارية أنها نظرت إلى القمر وقع في حجرها. فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام بمقالتها، فأعطاني مائتي دينار فذهبت بها إليه فقال الرجل: هي حرة لوجه الله تعالى إن لم يكن بعث إلي بشرائها من المغرب. فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام بمقالته، فقال أبو عبد الله عليه السلام. " يا ابن أحمر أما إنها تلد مولودا ليس بينه وبين الله حجاب " (1). وقد روى الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب (الارشاد) مثل هذا الخبر مسندا إلى هشام بن الاحمر أيضا، إلا أن فيه: إن أبا الحسن موسى عليه السلام أمره ببيع هذه الجارية، وإنها كانت أم الرضا عليه السلام (2). وسمى عليه السلام بالكاظم لما كظمه من الغيظ، وتصبره على ما فعله الظالمون به، حتى مضى قتيلا في حبسهم (3).


(1) أمالي الطوسي 2: 331، ونحوه في: دلائل الامامة: 148. (2) ارشاد المفيد 2: 254، وكذا في: الكافي 1: 406 / 1، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 17 / 4، الاختصاص: 197، اثبات الوصية: 170، كشف الغمة 2: 244 و 272، دلائل الامامة: 175. (3) ارشاد المفيد 2: 235، المناقب لابن شهرآشوب 4: 235. (*)

[ 33 ]

* (الفصل الخامس) * في ذكر وفاته عليه السلام وسببها ذكروا: أن الرشيد قبضه عليه السلام لما ورد إلى المدينة قاصدا للحج، وقيده واستدعى قبتين جعله في إحداهما على بغل وجعل القبة الاخرى على بغل آخر، وخرج البغلان من داره مع كل واحد منهما خيل، فافترقت الخيل فمضى بعضها مع إحدى القبتين على طريق البصرة، وبعضها مع الاخرى على طريق الكوفة، وكان عليه السلام في القبة التي تسير على طريق البصرة - وإنما فعل ذلك الرشيد ليعمي على الناس الخبر - وأمر أن يسلم إلى عيسى بن جعفر بن المنصور فحبسه عنده سنة، ثم كتب إليه الرشيد في دمه فاستعفي عيسى منه، فوجه الرشيد من تسلمه منه، وصير به إلى بغداد، وسلم إلى الفضل بن الربيع وبقي عنده مدة طويلة، ثم أراده الرشيد على شئ من أمره فأبى فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى، فجعله في بعض دوره ووضع عليه الرصد، فكان عليه السلام مشغولا بالعبادة، يحيي الليل كله صلاة وقراءة للقرآن، ويصوم النهار في أكثر الايام، ولا يصرف وجهه عن المحراب، فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه. فبلغ ذلك، الرشيد وهو بالرقة فكتب إليه يأمره بقتله، فتوقف عن ذلك، فاغتاظ الرشيد لذلك وتغير عليه وأمر به فأدخل على العباس بن محمد وجرد وضرب مائة سوط، وامر بتسليم موسى بن جعفر عليهما السلام إلى السندي ابن شاهك. وبلغ يحيى بن خالد الخبر، فرع صب إلى الرشيد وقال له: أنا أكفل بما تريد، ثم خرج إلى بغداد ودعا بالسندي وأمره فيه بأمره، فامتثله وسمه في

[ 34 ]

طعام قدمه إليه ويقال: إنه جعله في رطب أكل منه فأحس بالسم، ولبث بعده موعوكا ثلاثة أيام، ومات عليه السلام في اليوم الثالث. ولما استشهد صلوات الله عليه أدخل السندي عليه الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق، ثم وضعه على الجسر ببغداد، وأمر يحيى بن خالد فنودي: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت قد مات فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت، ثم حمل فدفن في مقابر قريش، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والاشراف من الناس قديما (1). وروي: أنه عليه السلام لما حضرته الوفاة سال السندي بن شاهك أن يحضره مولى له مدنيا ينزل عند دار العباس في مشرعة القصب ليتولى غسله وتكفينه، ففعل ذلك. قال السندقي بن شاهك: وكنت سألته أن يأذن لي في أن اكفنه فأبى وقال: " إنا أهل بيت مهور نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني واريد أن يتولى غسلي وجهازي مولاي فلان " فتولى ذلك منه (2). وقيل: ان سليمان بن أبي جعفر المنصور أخذه من أيديهم وتولى غسله وتكفينه، وكفنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي وخمسمائة دينار، مكتوب عليها القران كله، ومشى في جنازته حافيا مشقوق الجيب إلى مقابر قريش


(1) انظر: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 85 / 10، ارشاد المفيد 2: 239، الغيبة للطوسي: 28 / ضمن حديث 6، روضة الواعظين: 219، المناقب لابن شهرآشوب 4: 327، مقاتل الطالبيين: 502، الفصول المهمة: 239. (2) ارشاد المفيد 2: 243، الغيبة للطوسي: 28 / ضمن حديث 6، كشف الغمة 2: 234، مقاتل الطالبيين: 504، الفصول المهمة: 240. (*)

[ 35 ]

فدفنه هناك (1).


(1) كمال الدين 1: 39، المناقب لابن شهرآشوب 4: 328. (*)

[ 36 ]

* (الفصل السادس) * في ذكر عدد أولاده عليه السلام كان له عليه السلام سبعة وثلاثون ولدا ذكرا وأنثى: علي بن موسى الرضا عليه السلام، وإبراهيم، والعباس، والقاسم لامهات أولاد. وأحمد، ومحمد، وحمزة، لام ولد. وإسماعيل، وجعفر، وهارون، والحسين، لام ولد. وعبد الله، وإسحاق، وعبيد الله، وزيد، والحسن، والفضل، وسليمان، لامهات أولاد. وفاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، ورقية، وحكيمة، وام أبيها، ورقية الصغرى، وكلثم، وأم جعفر، ولبابة، وزينب، وخديجة، وعلية، وآمنة، وحسنة، وبريهة، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، وام كلثوم [ لامهات أولاد ] (1). وكان أحمد بن موسى كريما ورعا، وكان موسى عليه السلام يحبه ووهب له ضيعته المعروفة باليسيرة، ويقال: إنه أعتق ألف مملوك. وكان محمد بن موسى عليهما السلام صالحا ورعا. وكان إبراهيم بن موسى شجاعا كريما، وتقلت الامرة على اليمن في أيام المأمون من قبل (محمد بن زيد) (2) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي


(1) ارشاد المفيد 2: 244، تاريخ الامامة (مجموعة نفيسة): 20، مناقب ابن شهرآشوب 4: 324، دلائل الامامة: 149، تذكرة الخواص: 314، الفصول المهمة 241 (2) لعل المصنف أراد نسبته إلى جده، وكذا هو في الارشاد، حيث ان اسمه محمد بن محمد = (*)

[ 37 ]

طالب عليهم السلام الذي بايعه أبو السرايا بالكوفة ومض إليها ففتحها وأقام بها مدة إلى أن كان من أمر أبي السرايا ما كان، وأخذ له الامان من المأمون. ولكل واحد من ولد أبي الحسن موسى عليه السلام فضل ومنقبة، وكان الرضا عليه السلام مشهورا بالتقدم ونباهة القدر، وعظم الشأن، وجلالة المقام بين الخاص والعام (1).


= ابن زيد. انظر: رجال الكشي - ترجمة علي بن عبيد الله بن حسين العلوي - 256 / 671، تاريخ الطبري 8: 529، مقاتل الطالبيين: 513، والكامل في التاريخ 6: 305. (1) ارشاد المفيد 2: 244، كشف الغمة 2: 236، الفصول المهمة: 242. (*)

[ 39 ]

* (الباب السابع) * في ذكر الامام المرتضى أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام وهو ستة فصول:

[ 40 ]

* (الفصل الاول) * في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ سنه، ووقت وفاته ولد بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة (1). ويقال: إنه ولد لاحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة يوم الجمعة سنة ثلاث وخمسين ومائة، بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام بخمس سنين، رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه (2). وقيل: يوم الخميس (3). وامه أم ولد يقال لها: ام البنين (4)، واسمها نجمة (5). ويقال: سكن النوبية (6). ويقال: تكتم (7). روى الصولي عن عون بن محمد قال: سمعت علي بن ميثم قال: اشترت حميدة المصفاة - وهي ام أبي الحسن موسى عليه السلام وكانت من أشراف العجم - جارية مولدة اسمها تكتم، فكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها حميدة، حتى أنها ما جلست بين يديها منذ


(1) الكافي 1: 406، ارشاد المفيد 2: 247، تاج المواليد (مجموعة نفيسة): 124، الفصول المهمة: 244، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 3 / 4 (2) في عيون الاخبار 1: 18) المطبوع ذكر ذلك باختلاف فيه، ولكن الشيخ الجزائري في لوامع الانوار (مخطوط) اشار الى ان في جملة من نسخ العيون موالفق لما عندنا اعلاه. (3) تاج المواليد (مجموعة نفيسة): 124. (4) الكافي 1: 406، ارشاد المفيد 2: 247، الهداية الكبرى: 279. (5) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 16. (6) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 16. (7) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 14 / 1، دلائل الامامة: 176. (*)

[ 41 ]

ملكتها إجلالا لها، فقالت لابنها موسى عليه السلام: يا بني، إن تكتم جارية ما رأيت جارية قط أفضل منها، ولست أشك أن الله سيظهر نسلها إن كان لها نسل، وقد وهبتها لك، فاستوص بها خيرا (1). ومما يدل على أن إسمها تكتم قول الشاعر يمدح الرضا عليه السلام: ألا إن خير الناس نفسا ووالدا * ورهطا وأجدادا علي المعظم أتتنا به للعلم والحلم ثامنا إماما يؤدي حجة الله تكتم (2) وفي رواية أخرى: عن علي بن ميثم، عن أبيه قال: إن حميدة ام موسى بن جعفر عليهما السلام لما اشترت نجمة رأت في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها: " يا حميدة، هبي نجمة لابنك موسى، فإنه سيلد منها خير أهل الارض " فوهبتها له، فلما، ولدت له الرضا سماها الطاهرة (3). وقبض عليه السلام بطوس من خراسان في قرية يقال لها: سناباذ في آخر صفر. وقيل: انه توفي في شهر رمضان لسبع بقين منه يوم الجمعة من سنة ثلاث ومائتين، وله يومئذ خمس وخمسون سنة. وكانت مدة إمامته وخلافته لابيه عشرين سنة، وكانت في أيام إمامته بقية ملك الرشيد، وملك محمد الامين بعده ثلاث سنين وخمسة وعشرين يوما، ثم خلع الامين واجلس عمه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة أربعة عشر يوما، ثم أخرج محمد ثانية وبويع له وبقي بعد ذلك سنة وسبعة


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 14 / 2، كشف الغمة 2: 311. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 15 / ذيل حديث 2، كشف الغمة 2: 312. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 16 / 3، كشف الغمة 2: 312. (*)

[ 42 ]

أشهر وقتله طاهر بن الحسين، ثم ملك المأمون عبد الله بن هارون الخلافة بعده عشرين سنة، واستشهد عليه السلام في أيام ملكه (1). وإنما سمي عليه السلام الرضا لانه كان رضي الله عزوجل في سمائه ورضي لرسوله والائمة عليهم السلام بعده في أرضه. وقيل: لانه رضي به المخالف والموافق (2).


(1) انظر: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1، 18 / 1، ارشاد المفيد 2: 247، المناقب لابن شهرآشوب 4: 367، كشف الغمة 2: 297، و 312، الفصول المهمة: 264، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 3 / 4. (2) انظر: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 18 / 1، المناقب لابن شهرآشوب 4: 367، كشف الغمة 2: 312. (*)

[ 43 ]

* (الفصل الثاني) * في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام أجمع أصحاب أبيه أبي إلحسن موسى عليه السلام على أنه نص عليه وأشار بالامامة إليه، إلا من شذ عنهم من الواقفة المسمين (الممطورة) والسبب الظاهر في ذلك طمعهم فيما كان في أيديهم من الاموال المجباة إليهم في مدة حبس أبي الحسن موسى عليه السلام وما كان عندهم من ودائعه، فحملهم ذلك على إنكار وفاته وادعاء حياته، ودفع خليفته بعده عن الامامة، وإنكار النص عليه ليذهبوا بما في أيديهم مما وجب عليهم أن يسلموه إليه، ومن كان هذا سبيله بطل الاعتراض بمقاله هذا، وقد ثبت أن الانكار لا يقابل الاقرار، فثبت النص المنقول وفسد قولهم المخالف للمعقول، على أنهم قد انقرضوا وللة الحمد فلا يوجد منهم ديار. فأما النصوص الواردة، عن أبيه عليه: فمن ذلك: ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: كنت أنا وهشام بن الحكم وعلي بن يقطين ببغداد، فقال علي بن يقطين: كنت عند العبد الصالح جالسا فدخل عليه ابنه علي فقال لي: " يا علي بن يقطين، هذا علي سيد ولدي، أما إني قد نحلته كنيتي ". قال: فضرب هشام بن الحكم جبهته براحته وقال: ويحك كيف قلت ؟ فقال على بن يقطين: سمعته والله منه كما قلت.

[ 44 ]

قال هشام: إن الامر فيه من بعده (1). وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان وإسماعيل بن عباد القصري جميعا، عن داود الرقي قال: قلت لابي إبراهيم عليه السلام: جعلت فداك، إنه قد كبر سني فخذ بيدي وأنقذني من النار، من صاحبنا بعدك ؟ قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن علي الرضا عليه السلام فقال: " هذا صاحبكم من بعدي " (2). وعنه، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن معاوية بن حكيم، عن نعيم القابوسي، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: " إبني علي أكبر ولدي، وآثرهم عندي، وأحبهم إلي، وهو ينظر معي في الجفر ولم ينظر فيه إلا نبي أو وصى نبي " (3). وعنه، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن إسحاق ابن عمار قال: قلت لابي الحسن الاول عليه السلام: ألا تدلني على من آخذ ديني عنه ؟


(1) الكافي 1: 248 / 1، وكذا في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 21 / 3، ارشاد المفيد 2: 249، كشف الغمة 2: 270، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 13 / 4. (2) الكافي 1: 249 / 2، وكذا في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 23 / 7، ارشاد المفيد 2: 248، الغيبة للطوسي: 34 / 9، كشف الغمة 2: 270، الفصول المهمة: 2043، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 23 / 34. (3) الكافي 1: 249 / 2، وكذا في: عيون أخبار رضا عليه السلام 1: 31 / 27، ارشاد المفيد 2: 249، الغيبة للطوسي: 36 / 12، كشف الغمة 2: 271، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 24 / 36. (*)

[ 45 ]

فقال: " هذا ابني علي، إن أبي أخذ بيدي فادخلني إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا بنى إن الله عزوجل قال: * (اني جاعل في الارض خليفة) * (1) وإن الله تعالى إذا قال قولا وفى به " (2). وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن زياد بن مروان القندي - وكان من الواقفة - قال: دخلت على أبي إبراهيم عليه السلام وعنده ابنه أبو الحسن فقال: " يا زياد، هذا ابني كتابه كتابي، وكلامه كلامي، ورسوله رسولي، وما قال فالقول قوله " (3). وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل قال: حدثني المخزومي - وكانت امه من ولد جعفر بن أبي طالب - قال: بعث إلينا أبو الحسن موسى عليه السلام فجمعنا ثم قال: " أتدرون لم دعوتكم ؟ " فقلنا: لا. قال: " إشهدوا إن ابني هذا وصي والقيم بأمري وخليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، ومن كان له عندي عدة فلينجزها منه، ومن لم يكن له بد من لقائي فلا يلقني إلا بكتابه " (4).


(1) البقرة 2: 30. (2) الكافي 1: 249 / 4، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 249، الغيبة للطوسي: 34 / 10، كشف الغمة 2: 270، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 24 / 35. (3) الكافي 1: 249 / 6، وكذا في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 31 / 25، ارثاد المفيد 2: 250، الغيبة للطوسي: 37 / 14، كشف الغمة 2: 271، الفصول المهمة: 244، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 19 / 23 (4) الكافي 1: 249 / 7، وكذا في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 27 / 14، ارشاد المفيد 2: 250، الغيبة للطوسي: 37 / 15، كشف الغمه 2: 271، الفصول المهمة: 244. (*)

[ 46 ]

وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن على، عن محمد بن سنان، وعلي بن الحكم جميعا، عن الحسين بن المختار قال: خرجت إلينا ألواح من أبي الحسن موسى عليه السلام - وهو في الحبس -: " عهدي إلى أكبر ولدي أن يفعل كذا وكذا، وفلان لا تنله شيئا حتى ألقاه أو يقضي الله علي الموت " (1). وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن أبي على الخزاز، عن داود بن سليمان قال: قلت لابي إبراهيم عليه السلام: إني أخاف أن يحدث حدث الموت ولا ألقاك، فأخبرني من الامام بعدك ؟ فقال: " ابني علي " يعني الرضا عليه السلام (2). وعنه، عن ابن مهران، عن محمد بن علي، عن سعيد بن أبي الجهم، عن نصر بن قابوس قال: قلت لابي إبراهيم عليه السلام: إني سألت أباك عليه السلام من الذي يكون من بعدك ؟ فأخبرني أنك أنت هو، فلما توفي أبو عبد الله عليه السلام ذهب الناس يمينا وشمالا وقلت أنابك وأصحابي، فأخبرني من الذي يكون من بعدك من ولدك ؟ قال: " ابني فلان " (3) يعني عليا.


(1) الكافي 1: 250 / 8 وكذا في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 30 / 23، ارشاد المفيد 2: 250، الغيبة للطوسي: 36 / 13، كشف الغمة 2: 271، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 24 / 37. (2) الكافي 1: 250 / 11، وكذا في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 23 / 8، ارشاد المفيد 2: 251، الغيبة للطوسي: 38 / 16، كشف الغمة 2: 271، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 24 / 38. (3) الكافي 1: 250 / 12، وكذا في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 31 / 26 ارشاد المفيد 2: 251، الغيبة للطوسي: 38 / 17، رجال الكشي: 451 / 849، كشف الغمة 2: 271، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 25 / 39. (*)

[ 47 ]

وعنه، عن ابن مهران، عن محمد بن علي، عن الضحاك بن الاشعث، عن داود بن زربي قال: جئت إلى أبي إبراهيم عليه السلام بمال فأخذ بعضه وترك بعضه فقلت: أصلحك الله، لاي شئ تركته عندي ؟ فقال: " إن صاحب هذا الامر يطلبه منك ". فلما جاء نعيه عليه السلام بعث إلي أبو الحسن عليه السلام فسألني ذلك المال، فدفعته إليه (1). وعنه، عن محمد بن علي، عن أبي الحكم - ورواه الشيخ أبو جعفر ابن بابويه، عن أبيه وجماعة، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن على بن أسباط، عن الحسين مولى أبي عبد الله، عن أبي الحكم - عن عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن يزيد بن سليط قال: لقيت أبا إبراهيم عليه السلام - ونحن نريد العمرة - في بعض الطريق فقلت: جعلت فداك هل تثبت هذا الموضع الذي نحن فيه. قال: " نعم، فهل تثبته أنت ؟ " قلت: نعم، إني أنا وأبي لقيناك هاهنا مع أبي عبد الله ومعه إخوتك، فقال له أبي: بأبي أنت وأمي أنتم كلكم أئمة مطهرون، والموت لا يعرى منه أحد، فأحدث إلي شيئا أحدث به من يخلفني من بعدي فلا يضلوا. فقال: " نعم يا أبا عمارة (2)، هؤلاء ولدقي، وهذا سيدهم - وأشار


(1) الكافي 1: 250 / 13، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 251 - 252، الغيبة للطوسي: 39 / 18، رجال الكشي: 313 / 565، المناقب لابن شهرآشوب 4: 368، كشف الغمة 2: 271، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 49: 25 / 40. (2) في الكافي: يا أبا عبداللة.

[ 48 ]

إليك - قد علم الحكم والفهم، وله السخاء والمعرفة بما يحتاج إليه الناس وما اختلفوا فيه من أمر دينهم ودنياهم، وفيه حسن الخلق وحسن الجوار، وهو باب من أبواب الله عزوجل، وفيه آخر خير من هذا كله ". فقال له أبي: وما هي ؟ فقال: " يخرج الله منه غوث هذه الامة وغياثها وعلمها ونورها، خير مولود وخير ناشئ، يحقن الله به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلم به الشعث، ويشعب (1) به الصدع (2)، ويكسو به العاري، ويشبع به الجائع، ويؤمن به الخائف، وينزل الله به القطر، ويرحم به العباد، خير كهل، وخير ناشئ، قوله حكم، وصمته علم، يبين للناس ما يختلفون فيه، ويسود عشيرته من قبل أوان حلمه ". فقال له أبي: بأبي أنت وامي، هل يكون له ولد بعده ؟ فقال: " نعم ثم قطع الكلام. قال يزيد: فقلت له: بأبي أنت وأمي، فأخبرني بمثل ما أخبرنا به أبوك فقال لي: " نعم، إن أبي عليه السلام كان في زمان ليس هذا الزمان مثله ". فقلت له: من يرضى بهذا منك فعليه لعنة الله. قال: فضحك أبو إبراهيم عليه السلام ثم قال: " اخبرك يا أبا عمارة، إني خرجت من منزلي فأوصيت إلى ابني فلان وأشركت معه بني في الظاهر، وأوصيته في الباطن وأفردته وحده، ولو كان الامر إلي لجعلته في القاسم لحبي إياه ورأفتي عليه، ولكن ذاك إلى الله يجعله حيث يشاء، ولقد جاءني بخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أرانيه وأراني من يكون بعده، وكذلك


(1) يشعب: يجمع. " انظر: الصحاح - شعب - 1: 156 ". (2) الصدع: الشق. " الصحاح صدع - 3: 1241 ".

[ 49 ]

نحن لا نوصي إلى أحد منا حتى يخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدي على بن أبي طالب عليه السلام، ورأيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتما وسيفا وعصا وكتابا وعمامة، فقلت: ما هذا يا رسول الله ؟ فقال لي: أما العمامة فسلطان الله، وأما السيف فعز اللة، وأما الكتاب فنور الله، وأما العصا فقوة الله، وأما الخاتم فجامع هذه الامور، ثم قال: والامر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت: يا رسول الله أرنيه أيهم هو ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما رأيت من الائمة أحدا أجزع على فراق هذا الامر منك، ولو كانت الامامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك، ولكن ذاك إلى الله عزوجل ". ثم قأل أبو إبراهيم عليه السلام: " ورأيت ولدي جميعا - الاحياء منهم والاموأت - فقال لي أمير المؤمنين عليه السلام: هذا سيدهم، وأشار إلى إبني علي، فهو مني وأنا منه والله مع المحسنين ". قال يزيد: ثم قال أبو إبراهيم عليه السلام: " يا يزيد، إنها وديعة عندك فلا تخبر بها إلا عاقلا أو عبدا تعرفه صادقا، وإن سئلت عن الشهادة فاشهد بها، وهو قول الله عزوجل لنا: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) * (1) وقال لنا: * (من أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) *، (2). قال: وقال أبو إبراهيم عليه السلام: " فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: قد اجتمعوا إلي - بأبي أنت وامي - فأيهم هو ؟ فقال: هو الذي ينظر بنور الله، ويستمع بتفهيمه، وينطق بحكمته، ويصيب فلا يخطئ، ويعلم فلا يجهل، هو هذا - وأخذ بيد علي ابني - ثم قال: ما أقل


(1) النساء 4: 58. (2) بقرة 2: 140. (*)

[ 50 ]

مقامك معه، فإذا رجعت من سفرتك فأوص وأصلح أمرك، وافرغ مما أردت فإنك منتقل عنهم ومجاور غيرهم، وإذا أردت فادع عليا فمره فليغسلك وليكفنك وليتطهر لك ولا يصلح إلا ذلك وذلك سنة قد مضت ". ثم قال أبو إبراهيم عليه السلام: " إنى أوخذ هذه السنة، والامر إلى إبنى على سمى على وعلى الاول فعلى بن أبى طالب عليه السلام وأما على الاخر فعلى بن الحسين عليهما السلام، اعطى فهم الاول وحكمة وبصره ووده ودينه ومحنته، ومحنته الاخر وصبره على ما يكره، وليس له أن يتكلم إلا بعد موت هارون بأربع سنين ". ثم قال: " يا يزيد، فإذا مررت بهذا الموضع ولقيته - وستلقاه - فبشره أنه سيولد له غلام أمين مأمون مبارك، وسيعلمك أنك لقيتني، فأخبره عند ذلك أن الجارية التى يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية القبطية جارية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن قدرت أن تبلغها منى السلام فافعل ذلك ". قال يزيد: فلقيت بعد مضى أبى إبراهيم عليه السلام عليا عليه السلام فبدأني فقال لى: " يا يزيد، ما تقول في العمرة ؟ " فقلت فداك أبى وأمى، ذاك إليك وما عندي نفقة. فقال: " سبحان الله، ماكنا نكلف ولا نكفيك ". فخرجنا حتى إنتهينا إلى ذلك الموضع إبتدأنى فقا ل: " يا يزيد، إن هذا الموضع لكثيرا ما لقيت فيه (خيرا لك من عمرتك) " (1). فقلت: نعم، ثم قصصت عليه الخبر.


(1) في الكافي: جيرتك وعمومتك. (*)

[ 51 ]

فقال لي: " أما الجارية فلم تجئ بعد فإذا (دخلت) (1) أبلغتها منك السلام ". فانطلقنا إلى مكة، واشتراها في تلك السنة، فلم تلبث إلا قليلا حتى حملت فولدت ذلك الغلام. قال يزيد: وكان إخوة علي يرجون أن يرثوه، فعادوني من غير ذنب، فقال لهم إسحاق بن جعفر: والله لقد رأيته وأنه ليقعد من أبي إبراهيم عليه السلام المجلس الذي لا اجلس فيه انا (2). وعنه، عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي وعبيدالله بن المرزبان، عن ابن سنان قال: دخلت على أبي الحسن موسى عليه السلام قبل أن يقدم العراق بسنة وعلى ابنه جالس بين يديه، فنظر إلي فقال: " يا محمد، أما إنه ستكون في هذه السنة حركة، فلا تجزع لذلك ". قال: قلت: وما يكون جعلت فداك ؟ فقد أقلقتني. قال: " أصير إلى هذه الطاغية، أما إنه لا يبد أني منه سوء ولا من الذى يكون بعده ". قال: قلت: وما يكون جعلت فداك ؟ قال: * (يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) * (3). قال: قلت: وما ذاك جعلت فداك. قال: " من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن جحد


(1) في الكافي: جاءت. (2) الكافي 1: 250 / 14، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 252، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 23 / 9، الغيبة للطوسي: 40 / 19، وباختلاف في صدر الرواية في: الامامة والتبصرة 215 / 68 ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 25 / 17. (3) ابراهيم 14: 27. (*)

[ 52 ]

عليا عليه السلام حقه وجحد إمامته من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ". قال: قلت: والله لئن مد الله لي في العمر لا سلمن له حقه، ولاقرن له بإمامته. قال: " صدقت يا محمد، يمد الله في عمرك وتقر بإمامته وإمامة من يكون بعده ". قال: قلت: ومن ذاك ؟ قال: " محمد ابنه ". قال: قلت له: الرضا والتسليم (1). والاخبار في هذا الباب كثيرة، وهذه جملة كافية في هذا الموضع.


(1) الكافي 1: 256 / 16، وكذا في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 32 / 29 ارشاد المفيد 2: 252، الغيبة للطوسي 32 / 8. (*)

[ 53 ]

* (الفصل الثالث) * في ذكر دلالاته ومعجزاته عليه السلام قد نقلت الرواة من العامة والخاصة كثيرا من دلالاته وآياته في حياته وبعد وفاته، ونحن نذكر منها ما يليق بكتابنا هذا، فمما روته العامة: ما أخبرني به الحاكم الموفق بن عبد الله العارف النوقاني قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن محمد السمرقندي المحدث، قال: أخبرنا محمد بن أبي علي الصفار، قال: أخبرنا أبو سعد الزاهد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد بن عبد ربه الشيرازي بمصر، قال: حدثنا عمر بن محمد بن عراك، قال: حدثنا علي بن محمد الشيرواني، قال: حدثنا علي بن أحمد الوشاء الكوفي قال: خرجت من الكوفة إلى خراسان فقالت لي ابنتي: يا أبه، خذ هذه الحلة فبعها واشتر لي بثمنها فيروزجا. قال: فأخذتها وشددتها في بعض متاعي وقدمت مرو، فنزلت في بعض الفنادق، فإذا غلمان علي بن موسى - المعروف بالرضا - قد جاؤوني وقالوا: نريد حلة نكفن بها بعض علمائنا، فقلت: ما عندي، فمضوا ثم عادوا وقالوا: مولانا يقرأ عليك السلام ويقول لك: " معك حلة في السفط الفلاني دفعتها إليك ابنتك وقالت: اشتر لي بثمنها فيروزجا، وهده ثمنها ". فدفعتها إليهم وقلت: والله لاسألنه عن مسائل فإن أجابني عنها فهو هو، فكتبتها وعدوت إلى بابه فلم أصل إليه لكثرة إزدحام الناس، فبينما أنا جالس إذ خرج إلي خادم فقال لي: يا علي بن أحمد هذه جوابات مسائلك التي معك، فأخذتها منه فإذا هي جوابات مسائلي بعينها (1).


(1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 341، دلائل الامامة: 194، الثاقب في المناقب، = (*)

[ 54 ]

ومن ذلك: مما رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن محمد بن عيسى، عن أبي حبيب النباجي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وقد وافى النباج (1) ونزل في المسجد الذي ينزله الحجاج في كل سنة، وكأني مضيت إليه وسلمت عليه ووقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقا من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني، وكأنه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني، فعددته فكان ثماني عشرة، فتأولت أني أعيش بعدد كل تمرة سنة. فلما كان بعد عشرين يوما كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا عليه السلام من المدينة ونزوله ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه فمضيت نحوه، فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحته حصير مثل ما كان تحته وبين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه فرد علي السلام، واستدعاني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسولي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت له: زدنى منه يا ابن رسول الله. فقال: " لو زادك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزدناك " (2).


= 479 / 406 " كشف الغمة 2: 312، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 69 / ذيل حديث 93. (1) قال الحموى في " معجم البلدان 5: 255 ": قال أبو منصور: في بلاد العرب نباجان، أحدهما على طريق البصرة يقال له نباج بني عامر وهو بحذاء فيد، والآخر نباج بني سعد في الغريتين وقال غيره: النباج منزل لحجاج البصرة. وقيل: النباج بين مكة والبصرة للكريزيين، ونباج آخر بين البصرة واليمامة. (2) رواه عنه ابن شهرآشوب في المناقب 4: 342، وابن حمزة في الثاقب في المناقب:

[ 55 ]

ومن ذلك ما أورده الحاكم أيضا ورواه بإسناده، عن سعد بن سعد، عنه عليه السلام: أنه نظر إلى رجل فقال له: " يا عبد الله، أوص بما تريد واستعد لما لا بد منه ". فمات الرجل بعد ذلك بثلاثة أيام (1). ومما روته الخاصة: ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه بإسناده، عن يحيى بن محمد بن جعفر قال: مرض أبي مرضا شديدا فأتاه الرضا عليه السلام يعوده وعمي إسحاق جالس يبكي، فالتفت إلي وقال: " ما يبكي عمك ؟ " قلت: يخاف عليه ما ترى. قال: فقال لي: " لا تغتمن، فإن إسحاق سيموت قبله ". قال: فبرئ أبي محمد ومات إسحاق (2). وباسناده، عن معمر بن خلاد قال: قال لي الريان بن الصلت: أحب أن تستأذن لي على أبي الحسن الرضا عليه السلام فاسلم عليه، واحب أن يكسوني من ثيابه، أن يهب لي من الدراهم التي ضربت باسمه. فدخلت على الرضا عليه السلام فقال مبتدئا: " إن الريان بن الصلت


483 / 412، وانظر: عيون اخبار الرضا عليه السلام 2: 210 / 15، دلائل الامامة: 189، ونقله ابن الصباغ في الفصول المهمة: 246، والمجلسي في بحار الانوار 49: 35 / 15. (1) نقله عنه ابن حمزة في الثاقب في المناقب: 481 / 407، وانظر: عيون اخبار الرضا عليه السلام 2: 223 / 43، ونقله ابن الصباغ في الفصول المهمة: 247، والمجلسي في بحار الانوار 49: 59 / 75. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 206 / 7، وكذا في المناقب لابن شهر آشوب 4: 340، الثاقب في المناقب: 481 / 408. (*)

[ 56 ]

يريد الدخول علينا، والكسوة من ثيابنا، والعطية من دراهمنا، فأذنت له ". فدخل وسلم، فأعطاه ثوبين، وثلاثين درهما من الدراهم المضروبة باسمه (1). وباسناده، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن الحسين بن موسى ابن جعفر قال: كنا حول أبي الحسن الرضا عليه السلام ونحن شبان من بني هاشم إذ مر علينا جعفر بن عمر العلوي، وهو رث الهيئة، فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته، فقال الرضا عليه السلام: " سترونه عن قريب كثير المال كثير التبع ". فما مضى إلا شهر أو نحوه حتى ولي المدينة وحسنت حاله، فكان يمر بنا ومعه الخصيان والحشم (2). وباسناده، عن الحسين بن بشار قال: قال لي الرضا عليه السلام: " إن عبد الله يقتل محمدا. فقلت: عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون ؟ فقال لي: " نعم، عبد الله الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد " فقتله (3).


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 208 / 10، وكذا في: رجال الكشى 1: 824 / 1036، المناقب لابن شهر آشوب 4: 340، لثاقب في المناقب: 476 / 399. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 208 / 11 وكذا في: المناقب لابن شهر آشوب 4: 335، الثاقب في المناقب 486 / 414، كشف الغمة 2: 314، الفصول المهمة: 247. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 209 / 12، وكذا في: اثبات الوصية: 177، المناقب لابن شهرآشوب 4: 335، الثاقب في المناقب: 481 / 409، دلائل الامامة: 189، كشف الغمة 2: 314، الفصول المهمة: 247.

[ 57 ]

وباسناده، عن موسى بن مهران قال: رأيت الرضا عليه السلام وقد نظر إلى هرثمة بالمدينة فقال: " كأني به وقد حمل إلى مرو فضربت عنقه ". فكان كما قال (1). وباسناده، عن عبد الرحمن بن أبي نجران وصفوان بن يحيى قالا: جاءنا الحسين بن قياما الواسطي - وكان من رؤساء الواقفة - فسألنا أن نستأذن له على الرضا عليه السلام ففعلنا، فلما صار بين يديه قال له: أنت إمام ؟ قال: " نعم ". قال: فإني أشهد الله أنك لست بإمام. قال: فنكت طويلا في الارض منكس الرأس ثم رفع رأسه إليه فقال له: " ما علمك أني لست بإمام ؟ ". قال له: إنا روينا عن أبي عبد الله عليه السلام أن الامام لا يكون عقيما، وأنت قد بلغت هذا السن وليس لك ولد. قال: فنكس رأسه أطول من المرة الاولى ثم رفع رأسه وقال: " إني أشهد الله انه لا تمضي الايام والليالي حتى يرزقني الله ولدا مني ". قال عبد الرحمن: فعددنا الشهور من الوقت الذي قال، فوهب الله له أبا جعفر في أقل من سنة (2). قال الشيخ: حدثنا أحمد بن علي بن الحسين الثعالبي، قال: حدثنا أبو أحمد عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالصفواني قال: خرجت قافلة من


(1) عيون اخبار الرضا عليه السلام 2: 210 / 14، وكذا في: اثبات الوصية: 175، المناقب لابن شهرآشوب 4: 335، الثاقب في المناقب: 482 / 410، دلائل الامامة: 193، كشف الغمة 2: 304 (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 209 / 13، وكذا في: اثبات الوصية: 183، دلائل الامامة: 189، نوادر المعجزات: 172 / 11. (*)

[ 58 ]

خراسان إلى كرمان، فقطع اللصوص عليهم الطريق وأخذوا منهم رجلا اتهموه بكثرة المال، وأقاموه في الثلج وملاوا فاه منه فانفسد فمه ولسانه حتى لم يقدر على الكلام، ثم انصرف إلى خراسان وسمع بخبر الرضا عليه السلام وأنه بنيسابور، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلا يقول له: إن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ورد خراسان فسله عن علتك ليعلمك دواء تنتفع به. قال: فرأيت كأني قد قصدته وشكوت إليه ما كنت دفعت إليه، وأخبرته بعلتي فقال لي: " خذ من الكمون والسعتر والملح ودقه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا، فإنك تعافى ". فانتبه انرجل من منامه ولم يفكر فيما كان رأى في منامه حتى ورد باب نيسابور فقيل له: إن علي بن موسى الرضا عليهما السلام قد ارتحال من نيسابور وهو برباط سعد، فوقع في نفسه أن يقصده ويصت له أمره، فدخل إليه فقال له: يا ابن رسول الله، كان من أمري كيت وكيت، وقد انفسد علي فمي ولساني حتى لا أقدر على الكلام إلا بجهد، فعلمني دواء أنتفع به. فقال عليه السلام: " ألم أعلمك، اذهب فاستعمل ما وصفته لك في منامك ". فقال الرجل: يا ابن رسول الله، إن رأيت أن تعيده علي. فقال لي: " خذ من الكمون والسعتر والملح فدقه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا فإنك تعافى ". قال الرجل: فاستعملت ما وصفه لي فعوفيت. قال الثعالبي: سمعت الصفواني يقول: رأيت هذا الرجل وسمعت منه هذه الحكاية (1).


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 211 / 16، وباختصار في: المناقب لابن شهر آشوب = (*)

[ 59 ]

وباسناده، عن جعفر بن محمد النوفلي قال: أتيت الرضا عليه السلام وهو بقنطرة أربق (1) فسلمت عليه ثم جلست وقلت: جعلت فداك، إن اناسا يزعمون أن أباك حي. فقال: " كذبوا لعنهم الله، لو كان حيا ما قسم ميراثه ولا نكح نساؤه، ولكنه والله ذاقه الموت كما ذاقه علي بن أبي طالب عليه السلام ". قال: فقلت له: فما تأمرني ؟ قال: " عليك بابني محمد من بعدي، وأما أنا فإني ذاهب في وجه لا أرجع منه، بورك قبر بطوس وقبران ببغداد ". قلت: جعلت فداك قد عرفنا واحدا فما الثاني ؟ قال: " ستعرفونه " ثم قال: " قبري وقبر هارون هكذا " وضم اصبعيه (2). وعن حمزة بن جعفر الارجاني قال: خرج هارون من المسجد الحرام من باب وخرج الرضا عليه السلام من باب، فقال الرضا عليه السلام - وهو يعني هارون -: " ما أبعد الدار وأقرب اللقاء يا طوس يا طوس، ستجمعني وإياه " (3). وباسناده،، عن الحسن بن علي الوشاء قال: قال لي الرضا عليه السلام: " إني حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي فأمرتهم أن


= 4: 344 الثاقب في المناقب 484 / 413، كشف الغمة 2: 314، مكارم الاخلاق 1: 641 / 1412. (1) اربق (بفتح الباء وقد تضم): من نواحي رامهرمز من نواحي خوزستان. " معجم البلدان 2: 137 ". (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 216 / 23، وكذا في: الثاقب في المناقب: (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 216 / 23، وكذا في: الثاقب في المناقب: 492 / 420، كشف الغمة 2: 315، الفصول المهمة: 246. (*)

[ 60 ]

يبكوا علي حتى أسمع، ثم فرقت فيهم اثني عشر ألف دينار، ثم قلت: أما إني لا أرجع إلى عيالي أبدا " (1). وعن الحسن الوشاء أيضا، عن مسافر قال: كنت مع الرضا عليه السلام بمنى فمر يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك فغطى وجهه من الغبار فقال عليه السلام: " مساكين لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة " ثم قال: " وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين " وضم بين إصبعيه. قال مسافر: فما عرفت معنى حديثه حتى دفناه معه (2). وباسناده، عن صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو الحسن موسى عليه السلام وتكلم الرضا عليه السلام خفنا عليه من ذلك وقلنا له: إنك قد أظهرت أمرا عظيما، وإنا نخاف عليك هذا الطاغي. فقال: " ليجهد جهده، فلا سبيل له علي ". قال صفوان: فأخبرنا الثقة: أن يحيى بن خالد قال للطاغي: هذا علي ابنه قد قعد وادعى الامر لنفسه، فقال ة ما يكفينا ما صنعنا بأبيه، تريد أن نقتلهم جميعا ! (3). وباسناده، عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن الطيب قال: لما توفي أبو الحسن موسى عليه السلام دخل أبو الحسن الرضا عليه السلام السوق واششرى كلبا وكبشا، وديكا، فلما كتب صاحب الخبر بذلك إلى هارون قال: قد أمنا جانبه.


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 217 / 28، وكذا في: اثبات الوصية: 178. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 225 / 2، وكذا في: الكافي 1: 410 / 9، المناقب لابن شهرآشوب 4: 340، كشف الغمة 2: 275. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 226 / 4، وكذا في: الكافي 406 / 2، كشف الغمة 2: 315. (*)

[ 61 ]

وكتب الزبيري: أن علي بن موسى قد فتح بابه ودعا إلى نفسه، فقال هارون: واعجبا إن علي بن موسى قد اشترى كلبا وكبشا وديكا ويكتب فيه بما يكتب ! (1). وباسناده، عن الحسن بن موسى قال: خرجنا مع أبي الحسن الرضا عليه السلام إلى بعض أملاكه في يوم لا سحاب فيه، فلما برزنا قال: " حملتم معكم المماطر ؟ " قلنا: لا، وما حاجتنا إلى المماطر وليس سحاب ولا نتخوف المطر ؟ ! قال: " لكني حملته وستمطرون ". قال: فما مضينا إلا يسيرا حتى ارتفعت سحابة ومطرنا، فما بقي منا أحد إلا ابتل (2). وأسانيد هذه الاحاديث مذكورة في كتاب عيون الاخبار للشيخ أبي جعفر قدس الله روحه. وروى محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله بإسناده، عن إبراهيم بن موسى قال: ألححت على أبي الحسن الرضا عليه السلام في شئ أطلبه منه وكان يعدني، فخرج ذات يوم يستقبل والي المدينة وأنا معه، فجاء إلى قرب قصر فلان فنزل تحت شجرات ونزلت معه أنا وليس معنا ثالث، فقلت: جعلت فداك، هذا العيد قد أظلنا ولا والله ما أملك درهما فما سواه. فحك بسوطه الارض حكا شديدا ثم ضرب بيده فتناول فه سبيكة


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 205 / 4، وكذا في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 369، الثاقب في المناقب: 492 / 421، كشف الغمة 2: 315. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 221 / 37، وكذا في: المناقب لابن شهر آشوب 4: 341، كشف الغمة 2: 303 (*)

[ 62 ]

ذهب، ثم قال: " انتفع بها واكتم ما رأيت " (1). وأما ما ظهر للناس بعد وفاته من بركة مشهده المقدس وعلاماته، والعجائب التي شاهدها الخلق فيه، وأذعن العام والخاص له، وأقر المخالف والمؤالف به إلى يومنا هذا، فكثير خارج عن حد الاحصاء والعد، ولقد ابرئ فيه الاكمه والابرص، واستجيبت الدعوات، وقضيت ببركته الحاجات، وكشفت الملمات، وشاهدنا كثيرا من ذلك وتيقناه وعلمناه علما لا يتخالج الشك والريب في معناه، فلو ذهبنا نخوض في إيراد ذلك لخرجنا عن الغرض في هذا الكتاب.


(1) الكافي 1: 408 / 6، وكذا في: اثبات الوصية: 176، دلائل الامامة: 190، روضة الواعظين: 222، كشف الغمة 2: 274. (*)

[ 63 ]

* (الفصل الرابع) * في ذكر طرف من خصائصه ومناقبه وأخلاقه الكريمة عليه السلام محمد بن يحيى الصولي، عن ابن ذكوان قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول: ما رأيت الرضا عليه السلام سئل عن شئ قط إلا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شئ فيجيب عنه، وكان كلامه كله وجوابه وتمثله إنتزاعات من القرآن، وكان يختمه في كل ثلاث ويقول: " لو أني أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت، ولكني ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها وفي أي شئ أنزلت وفي أي وقت، فلذلك صرت أختمه في كل ثلاث " (1). وفي رواية أخرى: عن إبراهيم بن هاشم، عن إبراهيم بن العباس أنه قال: ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا، وشاهدت منه ما لم أشاهده من أحد، وما رأيته جفا أحدا بكلامه قط، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما رد أحدا عن حاجة يقدر عليها، ولا مد رجليه بين يدي جليس له قط، ولا اتكئ بين يدي جليس له قط، ولا رأيته يشتم أحدا من مواليه ومماليكه، وما رأيته تفل قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه بل كان ضحكه التبسم، وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس، وكان قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح، وكان كثير الصوم، ولا يفوته صيام


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 180 / 4، كشف الغمة 2: 316. (*)

[ 64 ]

ثلاثة أيام في الشهر، ويقول: " ذلك صوم الدهر " وكان كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه (1). وعن محمد بن أبي عباد قال: كان جلوس الرضا عليه السلام على حصير في الصيف وعلى مسح في الشتاء، ولبسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزين لهم (2). وروى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن الفضل بن العباس، عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال: ما رأيت أعلم من علي ابن موسى الرضا عليهما السلام، ولا راه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الاديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي أحد منهم إلا أقر له بالفضل وأقر على نفسه بالقصور، ولقد سمعت علي بن موسى الرضا عليهما السلام يقول: " كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسالة أشاروا إلي بأجمعهم وبعثوا إلي بالمسائل فأجيب عنها " (3) قال أبو الصلت: ولقد حدثني محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر، عن أبيه: أن موسى بن جعفر عليهما السلام كان يقول لبنيه: " هذا أخوكم على بن موسى عالم ال محمد، فاسألوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم،


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 184 / 7، كشف الغمة 2: 316. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 178 / 1، المناقب لابن شهرآشوب 4: 360، كشف الغمة 2: 316. (3) كشف الغمة 2: 316، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 100 / 17. (*)

[ 65 ]

فإني سمعت أبي جعفر بن محمد * غير مرة يقول لي: إن عالم آل محمد لفي صلبك، وليتني أدركته فإنه سمي أمير المؤمنين علي عليه السلام " (1). وروى علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن يحيى الفارسي قال: نظر أبو نؤاس إلى الرضا عليه السلام ذات يوم وقد خرج من عند المأمون على بغلة له، فدنا منه وسلم عليه وقال: يا ابن رسول الله، قد قلت فيك أبياتا وأنا أحب أن تسمعها مني. قال: " هات " فأنشأ يقول: مطهرون نقيات ثيابهم * تجري الصلاة عليهم أين ما ذكروا من لم يكن علويا حين تنسبه * فما له في قديم الدهر مفتخر فالله لما برا خلقا فأتقنه * صفاكم واصطفاكم أيها البشر فأنتم الملا الاعلى وعندكم * علم الكتاب وما جاءت به السور فقال الرضا عليه السلام: " قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد، يا غلام هل معك من نفقتنا شئ ؟ ". فقال: ثلاثمائة دينار. فقال: " أعطها إياه " ثم قال: " لعله استقلها، يا غلام سق إليه البغلة " (2). ولابي نؤاس فيه أيضا: قيل لي أنت أوحد الناس طرا * في فنون من الكلام النبيه (3) لك من جوهر الكلام بديع * يثمر الدر في يدى مجتنيه


(1) كشف الغمة 2: 317، ونقله المجلسي في بحار الانوار 49: 100 / ذيل حديث 17. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 143 / 10، المناقب لابن شهرآشوب 4: 366، بشارة المصطفى: 81، كشف الغمة 2: 317، الفصول المهمة: 248. (3) في نسخة " م ": في المعاني رفي الكلام البديه. (*)

[ 66 ]

فعلام تركت مدح ابن موسى * والخصال التي تجمعن فيه قلت لا أهتدي لمدح إمام * كان جبريل خادما لابيه (1) علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي على الرضا عليه السلام بمرو فقال له: يا ابن رسول الله، إني قد قلت فيكم قصيدة، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك. فقال عليه السلام: " هاتها ". فأنشده: مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات فلما بلغ إلى قوله: أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات بكى أبو الحسن الرضا عليه السلام وقال له: " صدقت يا خزاعي ". فلما بلغ إلى قوله: إذا وتروا مدوا إلى واتريهم * أكفا عن الاوتار منقبضات جعل الرضا عليه السلام يقلب كفيه ويقول: " أجل والله منقبضات ". فلما بلغ إلى قولة: لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها * وإني لارجو الامن بعد وفاتي قال الرضا عليه السلام: " آمنك الله يوم الفزع الاكبر ". فلما انتهى إلى قوله:


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 143 / 9، روضة الواعظين: 236، المناقب لابن شهرآشوب 4: 342، بثارة المصطفى: 80، كشف الغمة 2: 317، تذكرة الخواص: 321، وفيات الأعيان 3: 270 (*)

[ 67 ]

وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات قال الرضا عليه السلام: " أفلا الحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟ " فقال: بلى يا ابن رسول الله. فقال عليه السلام: " وقبر بطوس يا لها من مصيبة * توقد في الاحشاء بالحرقات إلى الحشر حتى يبعث الله قائما * يفرج عنا الهم والكربات " فقا دعبل: يا ابن رسول اللة هذا القبر الذي بطوس قبر من هو ؟ فقال الرضا عليه السلام: " قبري، ولا تنقضي الايام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له ". ثم نهض الرضا عليه السلام بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة وأمره أن لا يبرح من موضعه، فدخل الدار فلما كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار - وفي رواية غيره: ستمائة دينار - وقال له: يقول لك مولاي: " إجعلها في نفقتك ". فقال دعبل: والله ما لهذا جئت، ولا قلت هذه القصيدة طمعا في شئ، ورد الصرة وسأل ثوبا من ثياب الرضا ليتبرك به ويتشرف، فأنفذ إليه الرضا عليه السلام بجبة خز مع الصرة وقال للخادم: " قل له: خذ هذه الصرة فإنك ستحتاج إليها، ولا تراجعني فيها ". فانصرف دعبل وصار من مرو في قافلة فوقع عليهم اللصوص وأخذوا القافلة وكتفوا أهلها وجعلوا يقسمون أموالهم، فتمثل رجل منهم بقوله: أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات فقال دعبل: لمن هذا البيت ؟ قال: لرجل من خزاعة. قال: فأنا دعبل

[ 68 ]

قاتل هذه القصيدة. فحلوا كتافه وكتاف جميع القافلة، وردوا إليهم جميع ما أخذ منهم. وسار دعبل حتى وصل إلى قم وأنشدهم القصيدة فوصلوه بمال كثير وسألوه أن يبيع الجبة منهم بألف دينار فأبى، وسار عن قم فلحقه قوم من أحداثهم وأخذوا الجبة منه، فرجع دعبل وسألهم ردها عليه فقالوا: لا سبيل لك إليها فخذ ثمنها ألف دينار، فقال: على أن تدفعوا إلى شيئا منها، فأعطوه بعضها وألف دينار. وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص أخذوا جميع ما في منزله، فباع المائة دينار التي وصله بها الرضا عليه السلابم من الشيعة كل دينار بمائة درهم، وتذكر قول الرضا عليه السلام: " إنك ستحتاج إليها " (1). وعن أبي الصلت الهروي قال: سمعت دعبل قال: لقا أنشدت مولاي الرضا عليه السلام القصيدة وانتهيت إلى قولي: خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات بكى الرضا عليه السلام بكاء شديدا ثم رفع رأسه إلي وقال: " يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الامام ومتى يقوم ؟ " قلت: لا يا مولاي، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يملا الارض


(1) عيون اخبار الرضا عليه السلام 2: 263 / 34، كمال الدين: 373 / 6، وباختصار في: ارشاد المفيد 2: 263، ورجال الكشي: 504 / 970، وقطعة منه في: دلائل الامامة: 182، المناقب لابن شهر آشوب 4: 338، كشف الغمة 2: 318، الفصول المهمة: 248. (*)

[ 69 ]

عدلا. فقال: (يا دعبل، الامام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلا كما ملئت جورا) (1). وروى الصولي، عن أبي ذكوان، عن إبراهيم بن العباس قال: كان الرضا عليه السلام ينشد كثيرا: (إذا كنت في خير فلا تغتر ربه * ولكن قل اللهم سلم وتمم) (2) وعن الريان بن الصلت قال: أنشدني الرضا عليه السلام لعبد المطلب: (يعيب الناس كلهم زمانا * وما لزماننا عيب سوانا نعيب زماننا والعيب فينا * ولو نطق الزمان بنا هجانا وليس الذئب يأكل لحم ذئب * ويأكل بعضنا بعضا عيانا) (3) وشكا رجل أخاه في مجلسه عليه السلام فأنشأ يقول: (اعذر أخاك على ذنوبه * واستر وغط على عيوبه واصبر على بهت السفيه * وللزمان على خطوبه ودع الجواب تفضلا * وكل الظلوم إلى حسيبه) (4)


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 265 / 35، كمال الدين: 372 / 6، كشف الغمة 2: 328، الفصول المهمة: - ه 25. (2) عيو ن أخبار الرضا عليه السلام 2: 178 / 9، كشف الغمة 2: 328. (3) أمالي الصدوق: 150 / 6، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 177 / 5، كشف الغمة 2: (4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 176 / 4، بشارة المصطفى: 78، كشف الغمة 2: = (*)

[ 70 ]

وروي عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال: كتب أبو الحسن الرضا عليه السلام إلى بعض أصحابه: (إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الايمان وبحقيقة النفاق) (1). وروي عن ياسر الخادم قال: كان غلمان لابي الحسن عليه السلام في البيت صقالبة وروم، وكان أبو الحسن عليه السلام قريبا منهم فسمعهم بالليل يتراطنون بالصقلبية والرومية ويقولون: إنا كنا نفتصد في كل سنة في بلادنا ثم ليس نفتصد هاهنا، فلما كان من الغد وجه أبو الحسن عليه السلام إلى بعض الاطباء فقال: (افصد فلانا عرق كذا، وافصد فلانا عرق كذا) ثم قال: (يا ياسر، لاتفتصد أنت). قال: فافتصدت فورمت يدي واحمرت. فقال لي: (يا ياسر مالك ؟) فأخبرته فقال: (ألم أنهك عن ذلك، هلم يدك) فمسح يده عليها وتفل فيها ثم أوصاني أن لا أتعشى، فكنت بعد ذلك ما شاء الله لا أتعشى ثم أتغافل فأتعشى فتضرب علي (2). عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي قال: كان الرضا عليه السلام يكلم الناس بلغاتهم، وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكل لسان ولغة، نقلت له يوما: يا ابن رسول الله إني لاعجب من معرفتك بهذه اللغات على إختلافها. فقال: (يا أبا الصلت، أنا حجة الله على خلقه، وما كان الله ليتخذ


269 و 329، الفصول المهمة: 247. (1) بصائر الدرجات: 308 / 5، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 227 / 1. (2) بصائر الدرجات: 358 / 4، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 227 / 1، المناقب لابن شهرآشوب 4: 334. (*)

[ 71 ]

حجة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم، أوما بلغك قول أمير المؤمنين عليه السلام: أوتينا فصل الخطاب ؟ فهل فصل الخطاب إلا معرفة اللغات) (1). وروى الحسن بن علي بن فضال، عن الرضا عليه السلام: أنه قال له رجل من أهل خراسان: يا ابن رسول الله، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام كأنه يقول لي: كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي، واستحفظتم وديعتي، وغيب في ثراكم نجمي ؟ فقال له الرضا عليه السلام: (أنا المدفون في أرضكم، وأنا بضعة من نبيكم، وأنا الوديعة والنجم، ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تعالى من حقي وطاعتي فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنا شفعاؤه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والانس. ولقد حدثني أبي عن جدي عن أبيه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة أحد من شيعتهم، وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوة) (2). وأما ما روي عنه عليه السلام من فنون العلم، وأنواع الحكم، والاخبار المجموعة والمنثورة، والمجالس مع أهل الملل والمناظرات المشهورة فأكثر من أن تحصى.


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 228 / 3، ومختصرا في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 333، كشف العمة 2: 329. (2) أمالي الصدوق: 61 / 10، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 257 / 11، كشف الغمة 2: 329. (*)

[ 72 ]

(الفصل الخامس) في ذكر نبذ من أخباره مع المأمون كان المأمون قد أنفذ إلى جماعة من الطالبية فحملهم من المدينة وفيهم الرضا عليه السلام، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاؤوه بهم، وكان المتولي لاشخاصهم المعروف بالجلودي، فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا وأنزل الرضا عليه السلام دارا وأكرمه وعظم أمره، ثم أنفذ إليه أني أريد ان أخلع نفسي من الخلافة وأقلدك إياها، فأنكر الرضا عليه السلام هذا الامر وقال له: (أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام وأن يسمع به أحد) فرد عليه رسالة: فإذا أبيت ما عرضته عليك فلا بد من ولاية العهد من بعدي، فأبى عليه الرضا عليه السلام إباء شديدا. فاستدعاه إليه وخلا به ومعه ذو الرئاستين الفضل بن سهل وردد عليه هذا الكلام، فقال عليه السلام: (إعفني من ذلك يا أمير المؤمنين). فقال له المأمون كالمهدد: إن عمر بن الخطاب جعل الامر شورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين وشرط فيمن خالف ذلك أن يضرب عنقه، ولا بد من قبولك ما أريده منك. فقال الرضا عليه السلام: (فإني أجيبك إلى ما تريده من ولاية العهد، على أني لا آمر ولا أنهي، ولا أفتي ولا أقضي، ولا اولي ولا أعزل، ولا أغير شيئا مما هو قائم) فأجابه المأمون إلى ذلك كله (1).


(1) ارشاد المفيد 2: 259، روضة الواعظين: 224، كشف الغمة 2: 275، مقاتل الطالبيين: 562. (*)

[ 73 ]

وذكر رواة السير: أن المأمون لما أراد العقد للرضا عليه السلام أحضر الفضل بن سهل والحسن بن سهل فأعلمهما بما قد عزم عليه من ذلك وقال: إني عاهدت الله تعالى أنني إن ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب، وما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل على وجه الارض. فلما رأيا عزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته، فأرسلهما إلى الرضا، فعرضا ذلك عليه فامتنع منه، فلم يزالا به حتى أجاب ورجعا إلى المأمون فعرفاه إجابته، فسر به وجلس للخاصة في يوم خميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى عليه السلام، وانه قد ولاه عهده، وقد سماه الرضا، وأمرهم بلبس الخضرة والعود لبيعته في الخميس الاخر، على أن يأخذوا رزق سنة. فلما كان ذلك اليوم ركب الناس على طبقاتهم من القواد والحجاب والقضاة وغيرهم في الخضرة، وجلس المأمون ووضع للرضا عليه السلام وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه، وأجلس الرضا عليه السلام عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثم أمر ابنه العباس بن المأمون فبايع له أول الناس، فرفع الرضا عليه السلام يده فتلقى بها وجه نفسه وببطنها وجوههم، فقال المأمون: ابسط يدك للبيعه، فقال الرضا عليه السلام: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا كان يبايع). فبايعه الناس ويده فوق أيديهم، ووضعت البدر، وقامت الخطباء والشعراء، فجعلوا يذكرون فضل الرضا عليه السلام وما كان من المأمون في أمره، ثم دعا أبو عباد بالعباس بن المأمون فوثب فدنا من أبيه فقبل يده وأمره بالجلوس، ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد وقال له الفضل بن سهل: قم، فقام فمشى حتى قرب من المأمون فوقف فلم يقبل يده، فقيل له: إمض فخذ جائزتك، وناداه المأمون: إرجع يا أبا جعفر إلى مجلسك، فرجع ثم

[ 74 ]

جعل أبو عباد يدعو بعلوي وعباسي فيقبضان جواثزهما حتى نفدت الاموال. ثم قال المأمون للرضا عليه السلام: اخطب الناس، فحمد الله سبحانه وأثنى عليه وقال: (إن لنا عليكم حقا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكم علينا حقا به، فإذا أنتم أديتم إلينا ذلك الحق وجب علينا الحق لكم). ولم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس، وأمر المأمون فضربت الدراهم وطبع عليها إسم الرضا عليه السلام، وخطب للرضا في كل بلد بولاية العهد (1). وخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك السنة على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة فقال في الدعاء له: ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام. ستة آباء هم ما هم * أفضل من يشرب صوب الغمام (2) وذكر المدائني عن رجاله قال: لما جلس الرضا عليه السلام لولاية العهد قام بين يديه الخطباء والشعراء، وخفقت الالوية على رأسه، فذكر بعض من حضر ذلك المجلس ممن كان يختص بالرضا عليه السلام قال: نظر إلي وكنت مستبشرا بما جرى، فأومأ إلي أن ادن فدنوت منه فقال لي من حيث لا يسمعه غيري: (لا تشغل قلبك بهذا الامر ولا تستبشر له، فإنه شئ لايتم) (3).


(1) ارشاد المفيد 2: 260، مقاتل الطالبيين: 562، الفصول المهمة: 255. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 145 / 14 وفيه (سبعة آباءهم) بدل (ستة أباء هم)، ارشاد المفيد 2: 262، المناقب لابن شهرآشوب 4: 364، مقاتل الطالبيين: 565، الفصول المهمة: 256. (3) ارشاد المفيد 2: 263، الفصول المهمة، 256. (*)

[ 75 ]

وذكر الصولي بإسناده، عن الفضل بن سهل النوبختي - أو عن أخ له - قال: لما عزم المأمون على العقد للرضا عليه السلام بالعهد قلت: والله لاعتبرن بما في نفس المأمون أيحب تمام هذا الامر أو هو تصنع منه ؟ فكتبت إليه على يد خادم له كان يكاتبني بأسراره على يده: قد عزم ذو الرئاستين على عقد العهد والطالع السرطان وفيه المشتري، والسرطان وإن كان شرف المشتري فهو برج منقلب لا يتم أمر يعقد فيه، ومع هذا فإن المريخ في الميزان في بيت العاقبة، ؟ هذا يدل على نكبة المعقود له، وقد عرفت أمير المؤمنين ذلك لئلا يعتب علي إذا وقف على هذا من غيري. فكتب إلي إذا قرأت جوابي إليك فاردده إلي مع الخادم، ونفسك أن يقف أحد على ما عرفتنيه، أو أن يرجع ذو الرئاستين عن عزمه، فإنه إن فعل ذلك ألحقت الذنب بك وعلمت أنك سببه. قال: فضاقت علي الدنيا، وبلغني أن الفضل بن سهل قد تنبه على الامر ورجع عن عزمه، وكان حسن العلم بالنجوم، فخفت والله على نفسعي وركبت إليه فقلت له: أتعلم في السماء نجما أسعد من المشتري ؟ قال: لا، قلت: أتعلم في الكواكب (نجما) يكون في حال أسعد منها في شرفها ؟ قال: لا، قلت. فأمض العزم على ذلك إن كنت تعقده وسعد الفلك في أسعد حالاته، فأمضى الامر (1) على ذلك، فما علمت أني كل ت أهل الدنيا حتى وقع العقد فزعا من المأموت (2). وروى علي بن إبراهيم، عن ياسر الخادم والريان بن الصلت جميعا قالا: لما حضر العيد - وكان قد غتد للرضا عليه السلام الامر بولاية العهد -


(1) في نسختي (ق) و (ط): العزم (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 147 / 19. (*)

[ 76 ]

بعث المأمون إليه في الركوب إلى العيد والصلاة بالناس والخطبة بهم، فبعث إليه الرضا عليه السلام: (قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الامر، فاعفني عن الصلاة بالناس). فقال له المأمون: إني اريد أن تطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضلك. ولم يزل الرسول يتردد بينهم في ذلك، فلما ألح عليه المأمون أرسل عليه السلام إليه: (إن أعفيتني فهو أحب إلي، وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام). فقال المأمون: اخرج كيف شئت. وأمر القواد والناس أن يبكروا إلى باب الرضا عليه السلام، فقعد الناس لابي الحسن في الطرقات والسطوح، واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه، وصار جميع القواد والجند إلى بابه، فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس، فاغتسل أبو الحسن عليه السلام، ولبس ثيابه، وتعمم بعمامة بيضاء من قطن، ألقى طرفا منها على صدره وطرفابين كتفيه، ومس شيئا من الطيب، وأخذ بيده عكازة وقال لمواليه: (إفعلوا مثل ذلك). فخرجوا بين يديه وهو حاف، قد شمر سراويله إلى نصف الساق، وعليه ثياب مشمرة، فمشى قليلا ورفع رأسه إلى السماء وكبر وكبر مواليه معه، ومشى حتى وقف على الباب، فلما رآه القواد والجند في تلك الصورة سقطوا كلهم إلى الارض، وكان أحسنهم حالا من كان معه سكين قطع بها شرابة چاچيلته (1) ونزعها وتحفى، وكبر الرضا عليه السلام على الباب وكبر الناس معه، فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه. وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لما رأوا أبا الحسن عليه السلام


(1) الچاچله: كلمة فارسية تطلق على الحداء المصنوع من الجلد (أنظر: لغت نامة 16: 13). (*)

[ 77 ]

وسمعوا تكبيره، وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين، إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس وخفنا كلنا على دمائنا، فانفذ إليه أن يرجع فبعث إليه المأمون: قد كلفناك شططا وأتعبناك، ولست احب أن تلحقك مشقة، فارجع وليصل بالناس من كان يصلي بهم على رسمه، فدعا أبو الحسن عليه السلام بخفه فلبسه وركب ورجع، واختلف أمر الناس في ذلك اليوم ولم تنتظم صلانهم (1). وروى علي بن إبراهيم، عن ياسر قال: لما عزم المأمون على الخروج من خراسان إلى بغداد خرج معه ذو الرئاستين وخرجنا مع أبي الحسن الرضا عليه السلام، فورد على الفضل كتاب من أخيه الحسن بن سهل ونحن في بعض المنازل: إني نظرت في تحويل السنة فوجدت فيه أنك تذوق في شهر كذا يوم الاربعاء حر الحديد وحر النار، وأرى أن تدخل أنت وأمير المؤمنين والرضا الحمام في هذا اليوم وتحتجم فيه وتصب على بدنك الدم ليزول عنك نحسه. فكتب ذو الرئاستين بذلك إلى المأمون وسأله أن يسال أبا الحسن في ذلك، فكتب إلى الرضا عليه السلام يسأله فيه، فأجابه: (لست بداخل الحمام غدا) فأعاد عليه الرقعة مرتين، فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام: (إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الليلة فقال لي: يا علي لا تدخل الحمام غدا، ولا أرى لك يا أمير المؤمنين ولا للفضل أن تدخلا الحمام). فكتب إليه المأمون: صدقت يا أبا الحسن وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولست بداخل الحمام غدا، والفضل أعلم.


(1) الكافي 1: 408، ارشاد المفيد 2: 264، وباختلاف يسير في: عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 150 / ذيل حديث 21، روضة الواعظين: 227، وباختصار في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 371، كشف الغمة 2: 278. (*)

[ 78 ]

قال ياسر: فلما أمسينا قال لنا الرضا عليه السلام: (قولوا: نعوذ بالله من شر ما ينزل في هذه الليلة) فلم نزل نقول ذلك، فلما صلى الرضا عليه السلام الصبح قال لي: (إصعد السطح فاستمع هل تجد شيئا) فلما صعدت سمعت الصيحة فكثرت وزادت فلم نشعر بشئ، فإذا نحن بالمأمون قد دخل من الباب الذي كان من داره إلى دار أبي الحسن عليه السلام وهو يقول: يا سيدي يا أبا الحسن، آجرك الله في الفضل، فإنه دخل الحمام ودخل عليه قوم بالسيوف فقتلوه، وأخذ ممن دخل عليه تلاثة نفر أحدهم ابن خالة الفضل ابن ذي القلمين. قال: واجتمع الجند والقواد ومن كان من رجال الفضل على باب المأمون فقالوا: هو اغتاله وشغبوا عليه وطلبوا بدمه، وجاؤوا بالنيران ليحرقوا الباب، فقال المأمون لابي الحسن عليه السلام: يا سيدي إن رأيت أن تخرج إليهم وترفق بهم حتى يتفرقوا ؟ قال: (نعم). فركب أبو الحسن وقال لي: (يا ياسر، إركب) فركبت فلما خرجنا من باب الدار نظر إلى الناس وقد ازدحموا فأومأ إليهم بيده تفرقوا. قال: ياسر فأقبل الناس وقد يقع بعضهم على بعض، وما أشار إلى أحد إلا ركض ومضى (1). وقال أبو علي السلامي: إنما قتل الفضل بن سهل غالب خال المأمون في حمام سرخس مغافصة (2) في شعبان سنة ثلاث ومائتين (3).


(1) الكافي 1 / 409 / 8، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 163 / ضمن حديث 24، ارشاد المفيد 2: 266، روضة الواعظين: 228، كشف الغمة 2: 279. (2) غافصت الرجل: أي أخذته على غرة (الصحاح - غفص - 3: 1047) (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 166، دلائل الامامة: 181. (*)

[ 79 ]

علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد الحسيني قال: بعث المأمون إلى أبي الحسن عليه السلام جارية، فلما ادخلت عليه اشمأزت من الشيب، فردها إلى المأمون وكتب إليه: (نعى نفسي إلى نفسي المشيب * وعند الشيب يتعظ اللبيب فقدولى الشباب إلى مداه * فلست أرى مواضعه تؤوب سأبكيه وأندبه طويلا * وأدعوه إلي عسى يجيب وهيهات الذي قد فات منه * تمنيني به النفس الكذوب وراع الغانيات بياض رأسي * ومن مد البقاء له يشيب أرى البيض الحسان يحدن عني * وفي هجرانهن لنا نصيب فإن يكن الشباب مضى حبيبا * فإن الشيب أيضا لي حبيب سأصحبة بتقوى الله حتى * يفرق بيننا الاجل القريب) (1)


(1) عيون أخبار الرضا عليه السالام 2: 178 / 8. (*)

[ 80 ]

(الفصل السادس) في ذكر وفاته عليه السلام وسببها وبعض ما جاء من الاخبار في ذلك وكان سبب قتل المأمون إياه أنه عليه السلام كان لا يحابي المأمون في حق، ويجبهه في أكثر أحواله بما يغيظه ويحقده عليه، ولا يظهر ذلك له، وكان عليه السلام يكثر وعظه إذا خلا به، ويخوفه بالله تعالى، وكان المأمون يظهر قبول ذلك ويبطن خلافه. ودخل عليه السلام يوما عليه فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال: (لا تشرك - يا أمير المؤمنين - بعبادة ربك أحدا) فصرف المأمون الغلام وتولى إتمام وضوئه. وكان عليه السلام يزري على الفضل والحسن - ابني سهل - عند المأمون إذا ذكرهما، ويصف له مساوئهما، وينهاه عن الاصغاء إلى مقالهما، فعرفا ذلك منه، فجعلا يحطبان (1) عليه عند المأمون، ويخوفانه من حمل الناس عليه، حتى قلبا رأيه فيه وعزم على قتله، فاتفق أنه عليه السلام أكل هو والمأمون طعاما فاعتل الرضا عليه السلام واظهر المأمون تمارضا (2). فذكر محمد بن علي بن أبي حمزة، عن منصور بن بشير، عن أخيه عبد الله بن بشير قال: أمرني المأمون أن اطول أظفاري عن العادة ولا أظهر لاحد ذلك، ففعلت، ثم استدعاني وأخرج إلن شيئا شبيها بالتمر الهندي،


(1) حطب فلان بفلان: سعى به. (لسان العرب 1: 322). (2) ارشاد المفيد 2: 269 ط وباختصار في: مقاتل الطالبيين: 565. (*)

[ 81 ]

وقال: اعجن هذا بيديك جميعا، ففعلت. ثم قام وتركني، فدخل على الرضا عليه السلام فقال له: ما خبرك ؟ قال: (أرجو أن أكون صالحا). فقال له: وأنا اليوم بحمد الله أيضا صالح، فهل جاءك أحد من المترفقين في هذا اليوم ؟ قال: (لا). فغضب المأمون وصاح على غلمانه، ثم قال: فخذ ماء الرمان الساعة، فإنه مما لا يستغنى عنه، ثم دعاني فقال: إئتنا برمان، فأتيته به فقال لي: أعصره بيديك، ففعلت وسقاه المأمون بيده، وكان ذلك سبب وفاته، ولم يلبث إلا يومين حتى مات (1). وروي عن محمد بن الجهم أنه قال: كان الرضا عليه السلام يعجبه العنب، فاخذ له شئ منه فجعل في موضع أقماعه الابر أياما ثم نزعت منه وجئ به إليه، فأكل منه وهوفي علته التي ذكرناها فقتله، وذكر أن ذلك من لطيف السموم (2). وروى جماعة كثيرة بن أصحابنا، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي قال: بينا أنا واقف بين يدي الرضا عليه السلام إذ قال لي: (يا أبا الصلت، ادخل هذه القبة التي فيها قبر هارون فائتني بترابه من أربعة جوانب). قال: فأتيته به فقال: (ناولني هذا التراب) - وهو من عند الباب - فناولته فأخذه وشمه ثم رمى به فقال: (سيحفر لي ههنا، فتظهر صخرة لو


(1) ارشاد المفيد 2: 270، اثبات الوصية: 181، روضة الواعظين: 232، كشف الغمة: 2: 281. (2) ارشاد المفيد 2: 270، روضة الواعظين: 232، المناقب لابن شهرآشوب 4: 374، كشف الغمة 2: 282، مقاتل الطالبيين. 567. (*)

[ 82 ]

جمع عليها كل معول بخراسان لم يتهتأ قلعها) ثم قال: (في الذي عند الرجل مثل ذلك، وفي الذي عند الرأس مثل ذلك). ثم قال: (ناولني هذا التراب فهو من تربتي) ثم قال: (سيحفر لي في هذا الموضع فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل، وأن يشق لي ضريحا، فإن أبوا إلا أن يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبرا، فإن الله عزوجل سيوسعه لي بما شاء، فإذا فعلوا ذلك فإنك ترى عند رأسي نداوة، فتكلم بالكلام الذي أعلمك، فإنه ينبع الماء حتى يمتلئ اللحد وترى فيه حيتانا صغارا ففتت لها الخبز الذي أعطيك فإنها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شئ خرجت حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان. الصغار حتى لا يبقى منها شئ، ثم تغيب فإذا غابت فضع يدك على الماء وتكلم بالكام الذي اعلمك فإنه ينضب الماء ولا يبقى منه شئ، ولا تفعل ذلك إلا بحضرة المأمون). ثم قال عليه السلام: يا أبا الصلت، غدا أدخل إلى هذا الفاجر فإن أنا خرجت وأنا مكشوف الرأس فتكلم اكلمك، وإن خرجت وأنا مغطى الرأس فلا تكلمني). فلما أصبحنا من الغد لبس ثيابه وجلس في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون فقال له: أجب أمير المؤمنين، فلبس نعله ورداءه وقام يمشي وأنا أتبعه حتى دخل على المأمون وبين يديه طبق عليه عنب وأطباق فاكهة وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه، فلما بصر بالرضا عليه السلام وثب إليه وعانقه وقبل ما بين عينيه وأجلسه معه وناوله العنقود وقال: يا ابن رسول الله ما رأيت عنبا أحسن من هذا، فقال له الرضا عليه السلام: (ربما كان عنبا حسنا يكون من الجنة) فقال: كل منه، فقال له الرضا عليه السلام: (تعفيني منه) فقال: لابد من ذلك، وما يمنعك منه،

[ 83 ]

لعلك تتهمنا بشئ، فتناول العنقود وأكل منه ثم ناوله فأكل منه الرضا عليه السلام ثلاث حبات ثم رمى به وقام، فقال له المأمون: إلى أين ؟ قال: (إلى حيث وجهتني). وخرج عليه السلام مغطى الرأس فلم أكلمه حتى دخل الدار وأمرأن يغلق الباب فاغلق ثم نام عليه السلام على فراشه، ومكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا، فبينا أنا كذلك إذ دخل علي شاب حسن الوجه قطط الشعر أشبه الناس بالرضا عليه السلام فبادرت إليه وقلت: من أين دخلت والباب مغلق ؟ فقال لي: (الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق). فقلت له: ومن أنت ؟ فقال لي: (أنا حجة الله عليك يا أبا الصلت، أنا محمد بن علي). ثم مضى نحو أبيه عليه السلام فدخل وأمرني بالدخول معه، فلما نظر إليه الرضا عليه السلام وثب إليه فعانقه وضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه، ثم سحبه سحبا في فراشه وأكب عليه محمد بن علي يقبله، وساره بشئ لم أفهمه، ورأيت على شفتي الرضا زبدا أشد بياضا من الثلج، ورأيت أبو جعفر يلحسه بلسانه، ثم أدخل يده بين ثوبيه وصدره فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر، ومضى الرضا عليه السلام. فقال أبو جعفر: (قم يا أبا الصلت وائتني بالمغتسل والماء من الخزانة). فقلت: ما في الخزانه مغتسل ولاماء. فقال لي: (انته إلى ما أمرك به). فدخلت الخزانة، فإذا فيها مغتسل - وماء، فأخرجته وشمرت ثيابي لاغسله معه، فقال لي: (تنح) يا أبا الصلت، فإن معي من يعينني غيرك).

[ 84 ]

فغسله ثم قال لي: (ادخل الخزانة فأخرج إلي السفط الذي فيه كفنه وحنوطه). فدخلت، فإذا أنا بالسفط لم أره في تلك الخزانة قط، فحملته إليه وكفنه وصلى عليه، ثم قال: (إئتني بالتابوت). فقلت: أمضي إلى النجار حتى يصلح تابوتا. قال: (قم، فإن في الخزانة تابوتا). فدخلت الخزانة فوجدت تابوتا لم أره قط، فأتيته به فأخذه عليه السلام فوضعه في التابوت بعدما صلى عليه وصف قدميه وصلى ركعتين، لم يفرغ منها حتى علا التابوت وانشق السقف فخرج منه التابوت ومضى، فقلت: با ابن رسول الله الساعة يجيئنا المأمون يطالبنا بالرضا فما نصنع ؟ فقال لي: (أسكت فإنه سيعود يا أبا الصلت، ما من نبي يموت في المشرق ويموت وصيه في المغرب إلا جمع الله بين أرواحهما وأجسادهما). فما أتم الحديث حتى انشق السقف ونزل التابوت، فقام عليه السلام واستخرج الرضا عليه السلام من التابوت ووضعه على فراشه كأنه لم يغسل ولم يكفن، ثم قال: (يا أبا الصلت، قم فافتح الباب للمأمون). ففتحت الباب فإذا المأمون والغلمان بالباب، فدخل باكيا حزينا قد شق جيبهه ولطم رأسه وهو يقول: يا سيداه، فجعت بك يا سيدي، ثم دخل وجلس عند رأسد وقال: خذوا في تجهيزه. فأمر بحفر القبر، فحفرت الموضع فظهر كل شئ على ما وصفه الرضا عليه السلام، فقام بعض جلسائه وقال: ألست تزعم أنه إمام ؟ قلت: بلى، لا يكون الامام إلا مقدم الناس، فأمر أن يحفر له في القبلة، فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مراقي وأن أشق له ضريحه، فقال: إنتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت - سوى الضريح - ولكن يحفر له ويلحد.

[ 85 ]

فلما رأى ما ظهر له من النداوة والحيتان وغير ذلك قال المأمون: لم يزل الرضا عليه السلام يرينا العجائب في حياته حتى أراناها بعد وفاته أيضا. فقال له وزير كان معه: أتدري ما أخبرك به الرضا. قال: لا. قال: أخبركم إن ملككم بني العباس - مع كثرتكم وطول مدتكم - مثل هذه الحيتان، حتى إذا فنيت آجالكم وانقطعت آثاركم وذهبت دولتكم سلط الله تعالى عليكم رجلا منا فأفناكم عن آخركم. قال له: صدقت، ثم قال: يا أبا الصلت، علمني الكلام الذي تكلمت به. قلت: والله لقد نسيت الكلام من ساعتي، وقد كنت صدقت، فأمر بحبسي، فحبست سنة، فضاق علي الحبس وسألت الله أن يفرج عني بحق محمد وآله، فلم أستتم الدعاء حتى دخل محمد ين علي الرضا عليهما السلام فقال لي: (ضاق صدرك يا أبا الصلت ؟) فقلت: إي والله. قال: (قم فاخرج) ثم ضرب بيده إلى القيود التي كانت علي ففكها، وأخذ بيدي وأخرجني من الدار، والحرسة والغلمة يرونني فلم يستطيعوا أن يكلموني، وخرجت من باب الدار ثم قال لي: (إمض في ودائع الله، فإنك لن تصل إليه ولا يصل إليك أبدا). قال أبو الصلت: فلم ألتق مع المأمون إلى هذا الوقت (1). وروي عن إبراهيم بن العباس قال: كانت البيعة للرضا عليه السلام


(1) أمالي الصدوق: 526 / 17، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 242 / 1، روضة الواعظين: 229، المناقب لابن شهرآشوب 4: 374، الثاقب في المناقب: 489 / 417. (*)

[ 86 ]

لخمس خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وزوجه ابنته أم حبيب في أول سنة اثنين ومائتين، وتوفي سنة ثلاث ومائتين والمأمون متوجه إلى العراق (1). وفي رواية هرثمة بن أعين عن الرضا عليه السلام - في حديث طويل -: أنه قال: " يا هرثمة، هذا أوان رحيلي إلى الله عزوجل ولحوقي بجدي وآبائي عليهم السلام، وقد بلبر الكتاب أجله، فقد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب ورمان مفروك، فأما العنب فإنه يغمس السلك في السم ويجذبه بالخيط في العنب، وأما الرمان فإنه يطرح السم في كف بعض غلمانه ويفرك الرمان بيده ليلطخ حبه في ذلك السم، وإنه سيدعوني في اليوم المقبل ويقرب إلي الرمان والعنب ويسألني أكلهما فاكلهما ثم ينفذ الحكم ويحضر القضاء) (2). ثم ساق الحديث بطوله قريبا من حديث أبي الصلت الهروي في معناه، ويزيد عليه بأشياء. وكان للرضا عليه السلام من الولد ابنه أبو جعفر محمد بن علي الجواد عليه السلام لا غير (3). ولما توفي الرضا عليه السلام أنفذ المأمون إلى محمد بن جعفر الصادق عليه السلام وجماعة آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلما حضروه نعاه إليهم وأظهر. حزنا شديدا وتوجعا، وأراهم إياه صحيح الجسد، وقال: يعز علي يا أخي أن أراك بهذه الحال وقد كنت آمل أن أقدم قبلك، ولكن أبى الله


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 245 / 2. (2) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 246، دلائل الامامة: 178. (3) انظر: عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 250، ارشاد المفيد 2: 271، المناقب الابن شهرآشوب 4: 367، كشف الغمة 2: 282. (*)

[ 87 ]

إلا ما أراد (1).


(1) انظر: ارشاد المفيد 2: 271، روضة الواعظين: 233، كشف الغمة 2: 282، مقاتل الطالبيين: 567. (*)

[ 90 ]

(الباب الثامن) في ذكر الامام التقي أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام أربعة فصعول:

[ 91 ]

(الفصل الاول) في ذكر تاريخ مولده، ومدة إمامته ووقت وفاته عليه السلام ولد عليه السلام في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين ومائة لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر (1). وقيل: للنصف منه ليلة الجمعة (2). وفي رواية ابن عياش: ولد يوم الجمعة لعشهر خلون من رجب (3). وقبض عليه السلام ببغداد في آخر ذي القعدة سنة عشرين ومائتين، وله بومئذ خمس وعشرون سنة. وكانت مدة خلافته لابيه سبع عشرة سنة، وكانت في أيام إمامته بقية ملك المأمون، وقبض عليه السلام في أول ملك المعتصم. وأمه - أم ولد يقال لها: سبيكة. ويقال: درة، ثم سماها الرضا عليه السلام خيزران، وكانت نوبية (4). ولقبه: التقي، والمنتجب، والجواد، والمرتضى. ويقال له: أبو جعفر الثاني. ودفن عليه السلام في سقابر قريش في ظهر جده موسى عليه السلام (5).


(1) انظر: الكافي 1: 411، ارشاد المفيد 2: 273. كفاية الطالب: 458. (2) المناقب لابن شهرآشوب 4: 379، دلائل الامامة: 201. (3) المناقب لابن شهرآشوب 4: 379. (4) النوب والنوبة، والواحد نوبي: جيل من السودان. (لسان العرب 1: 776). (5) انظر: الكافي 1: 411، ارشاد المفيد - 2: 273 / دلائل الامامة: 208، تذكرة الخواص: 321. (*)

[ 92 ]

(الفصل الثاني) في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام يدل على إمامته عليه السلام - بعد طريقة الاعتبار وطريقة التواتر اللتين تقدم ذكرهما في إمامة آبائه عليهم السلام - ما ثبت من إشارة أبيه إليه بالامامة. ورواه الثقات من أصحابه وأهل بيته عنه، مثل عمه علي بن جعفر الصادق عليه السلام، وصفوان بن يحيى، ومعمر بن خلاد، وابن أبي نصر البزنطي، والحسين بن بشار، وغيرهم. فروى محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني جميعا، عن زكريا بن يحيى قال: سمعت علي بن جعفر يحدث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال في حديثه: لقد نصر الله أبا الحسن الرضا عليه السلام لما بغى عليه إخوته وعمومته. وذكر حديثا طويلا حتى انتهى إلى قوله: فقمت (وقبضت على يد) (1) أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام وقلت: أشهد أنك إمامي عند الله، فبكى الرضا عليه السلام ثم قال: (يا عم، ألم تسمع أبي وهو يقول: قال رسول الثه صلى الله عليه وآله وسلم: بأبي ابن خيرة الاماء النوبية الطيبة يكون من ولده الطريد الشريد الموتور بابيه وجده صاحب الغيبة يقال: مات أو هلك أي واد سلك ؟) فقلت: صدقت جعلت فداك (2).


(1) في الكافي: فمصصت ريق. (2) الكافي 1: 259 / 14، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 275، كشف الغمة 2: 351، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 21 / 7. (*)

[ 93 ]

عنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا عليه السلام: قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول: (يهب الله لي غلاما) فقد وهبه الله لك، فأقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من ؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر عليه السلام وهو قائم بين يديه، فقلت له: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين ؟ ! قال: (وما يضره من ذلك، قد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين) (1). وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سمعت الرضا عليه السلام - وذكر شيئا - فقال: (ما حاجتكم إلى ذلك، هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي، وصيرته مكاني). وقال: (إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة (2) (3). وعنه، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن علي، عن معاوية بن حكيم، عن ابن أبي نصر البزنطي قال: قال لي ابن النجاشي: من الامام من بعد صاحبك ؟ - ولم يكن رزق أبا جعفر - فدخلت على الرضا عليه


(1) الكافي 1: 258 / 10، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 276، اثبات الوصية: 185، كفاية الاثر: 279، روضة الواعظين: 237، الفصول المهمة: 265، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 21 / 8. (2) القذذ: ريش السهم، واحدتها قذة. ومنه الحديث: (لتركبن سنن من كان من قبلكم حذو القذة بالقذة، اي كما تقدر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها وتقطع. يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. (النهاية (3) الكافي 1: 256 / 2، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 276، كشف الغمة 2: 351، الفصول المهمة 265، ونقله المجلسي في لبحار الانوار 50: 21 / 9. (*)

[ 94 ]

السلام فأخبرته بما سألني عنه ابن النجاشي فقال: (الامام بعدي ابني) ثم قال: (وهل يجترئ أحد أن يقول ابني وليس له ولده ؟ !) (1). وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن يحيى، عن مالك بن أشيم، عن الحسين بن يسار قال: كتب ابن قياما إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام كتابا يقول فيه: كيف تكون إماما وليس لك ولد ؟ فأجابه أبو الحسن عليه السلام: " وما علمك أنه لا يكون لي ولد، والله لا تمضي الايام والليالي حتى يرزقني الله ذكرا يفرق بين الحق والباطل) (2). وعنه، عن الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن عليه السلام بخراسان فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى من ؟ قال: (إلى أبي جعفر ابني). فكأن القائل استصغر سن أبي جعفر، فقال أبو الحسن عليه السلام: (إن الله بعث عيسى بن مريم رسولا نبيا صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي هو فيه) (3).


(1) الكافي 1: 257 / 5، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 277، الغيبة للطوسي: 72 / 78، كشف الغمة 2: 352. (2) الكافي 1: 257 / 4، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 277، اثبات الوصية: 683، كشف الغمة 2: 352، ونحوه في: رجال الكشي: 553 / 1044، دلائل الامامة: 183، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 22 / 10. (3) الكافي 1: 258 / 13، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 279، كفاية الاثر: 277، روضة الواعظين: 237، كشف الغمة 2: 353، وباختلات يسير في: اثبات الوصية: 186، دلائل الامامة: 204، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 23 / 15 (*)

[ 95 ]

وعنه، عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد، عن يحيى بن حبيب الزيات قال: أخبرني من كان عند الرضا عليه السلام جالسا، فلما نهضوا قال لهم: (القوا أبا جعفر فسلموا عليه وأحدثوا به عهدا). فلما نهض القوم إلتفت إلي فقال: (رحم الله المفضل، إنه كان ليقنع بدون هذا) (1). وعنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن الحسن بن الجهم قال: كنت مع أبي الحسن الرضا عليه السلام جالسا فدعا بابنه وهو صغير، فأجلسه في حجري وقال لي: (جرده) أي انزع قميصه. فنزعته، فقال: (انظر بين كتفيه) فنظرت فإذا في إحدى كتفيه شبيه بالخاتم داخل في اللحم، فقال لي: (أترى هذا ؟ كان مثله في هذا الموضع من أبي عليه السلام) (2). وعنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن أبي يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن الرضا عليه السلام فجئ بابنه أبي جعفر ؟ هو صغير فقال: (هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه) (3).


(1) الكافي 1: 256 / 1، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 280، رجال الكشي: 2: 620 / 593، في روضة الواعظين) 237، كشف الغمة 2: 353، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 24 / 16. (2) الكافي 1: 257 / 8، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 278، كشف الغمة 2: 352، ونحوه في: اثبات الوصية: 185، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 23 / 13. (3) الكافي 1: 258 / 8، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 279، روضة الواعظين: 237، وباختلاف يسير في: اثبات الوصية، 184، ودلائل الامامة: 184، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 23 / 14. (*)

[ 96 ]

(الفصل الثالث) في ذكر طرف من دلائله ومعجزاته عليه السلام محمد بن يعقوب، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن علي بن خالد قال: كنت بالعسكر فبلغني أن هناك رجلا محبوسا اتي به من ناحية الشام مكبولا وقالوا: إنه تنبأ، قال: فأتيت الباب وداريت البوابين حتى وصلت إليه، فإذا رجل له فهم وعقل، فقلت له: ما قصتك ؟ فقال: إني كنت بالشام أعبد الله في الموضع الذي يقال إنه نصب فيه رأس الحسين عليه السلام، فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر الله تعالى إذ رأيت شخصا بين يدي فنظرت إليه فقال لي: (قم) فقمت، فمشى بي قليلا فإذا أنا في مسجد الكوفة فقال لي: (أتعرف هذا المسجد ؟) فقلت: نعم هذا مسجد الكوفة. قال: فصلى وصليت معه، ثم انصرف وانصرفت معه، فمشى بي قليلا فإذا نحن بمسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فسلم على الرسول وصلى وصليت معه. ثم خرج وخرجت معه، فمشى قليلا فإذا أنا بمكهة، فطاف بالبيت وطفت معه. ثم خرج فمشى قليلا فإذا أنا بموضعي الذي كنت أعبد الله بالشام، وغاب الشخص عن عيني، فبقيت متعجبا حولا مما رأيت، فلما كان في العام المقبل رأيت ذلك الشخص فاستبشرت به ودعاني فأجبته. ففعل كما فعل في العام الماضي، فلما أراد مفارقتي بالشام قلت له: سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت منك إلا أخبرتني من أنت ؟

[ 97 ]

قال: (أنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام). فحدثت من كان يصير إلي بخبره، فرقي ذلك إلى محمد بن عبد الملك الزيات فبعث إلي من أخذني وكبلني في الحديد وحملني إلى العراق وحبست كما ترى، وادعى علي المحال. فقلت له: أرفع عنك القصة إلى محمد بن عبد الملك الزيات ؟ قال: إفعل. فكتبت عنه قصة، شرحت أمره فيها ورفعتها إلى محمد بن عبد الملك، فوقع في ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، وردك من مكة إلى الشام أن يخرجك من حبسك هذا. قال علي بن خالد: فغمني ذلك من أمره وانصرفت محزونا عليه، فلما كان من الغد باكرت إلى الحبس لاعلمه الحال وآمره بالصبر والعزاء، فوجدت الجند وأصحاب الحرس وخلقا عظيما من الناس يهرعون، فسألت عن حالهم فقيل لي: المتنبئ المحمول من الشام أفتقد البارحة من الحبس، فلا يدرى خسفت به الارض أو اختطفه الطير. وكان علي بن خالد هذا زيديا فشال بالامامة لما رأى ذلك وحسن اعتقاده (1). وفي كتاب أخبار أبي هاشم الجعفري رضي الله عنه للشيخ أبي


(1) الكافي 1. 411 / 1، وكذا في: بصائر الدرجات: 422 / 1، ارشاد المفيد 2: 289، الاختصاص: 320، ونحوه في: دلائل الامامة: 214، روضة الواعظين: 242، الخرائج: الجرائح 1: 380 / 10، المناقب لابن شهرآشوب 4: 393، الفصول المهمة: 271، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 40. (*)

[ 98 ]

عبد الله أحمد بن محمد بن عياش الذي أخبرني بجميعه السيد أبو طالب محمد بن الحسين الحسيني القصبي الجرجاني رحمه الله قال: أخبرني والدي السيد أبو عبد الله الحسين بن الحسن القصبي، عن الشريف أبي الحسين طاهر بن محمد الجعفري عنه قال. حدثني أبو علي أحمد بن محمد ابن محيى العطار القمي، عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: دخلت على أبي جعفر الثاني عليه السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت علي فاغتممت لذلك، فتناول إحداهن وقال: (هذه رقعة ريان بن شبيب) ثم تناول الثانية فقال: (هذه رقعة محمد ابن حمزة) وتناول الثالثة وقال: (هذه رقعة فلان) فبهت فنظر إلي وتبسم عليه السلام. قال الحميري: وقال لي أبو هاشم: وأعطاني أبو جعفر ثلاثمائة دينار في صرة وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمه وقال: (أما إنه سيقول لك دلني على حريف يشتري لي بها متاعا فدله عليه). قال: فتيته بالدنانير فقال لي: يا أبا هاشم دلني على حريف يشتري لي بها متاعا. ففعلت. قال أبو هاشم: وكلمني جمال أن اكلمه ليدخله في، بعض اموره، فدخلت عليه لم كلمه فوجدته يأكل مع جماعة فلم يمكنني كلامه، فقال: (يا أبا هاشم كال) ووضع بين يدي ثم قال - ابتداء منه من غير مسألة -: (يا غلام انظر الجمال الذي أتانا به أبو هاشم فضمه إليك). قال أبو هاشم: ودخلت معه ذات يوم بستانا فقلت له: جعلت فداك، إني مولع بأكل الطين، فادع الله لي، فسكعت ثم قال لي بعد أيام - إبتداء منه -: (يا أبا هاشم، قد أذهب الله عنك أكل الطين).

[ 99 ]

قال أبو هاشم: فما شئ أبغض إلي منه (1). ومما رواه محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد (عن علي بن أسباط) (2) قال: خرج علي أبو جعفر حدثان موت أبيه فنظرت إلى قده لاصف قامته لاصحابنا فقعد، ثم قال: (يا علي، إن الله تعالى احتج في الامامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال: (وآتيناه الحكم صبيا) (3)) (4). وروى أيضا: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن الحجال (وعمرو بن عثمان) (5)، عن رجل من أهل المدينة، عن المطر في قال: مضى أبو الحسن الرضا عليه السلام ولي عليه أربعة آلاف درهم، لم يكن يعرفها غيري وغيره، فأرسل إلي أبو جعفر: (إذا كان في غد فائتني). فأتيته من الغد، فقال لي: (مضى أبو الحسن ولك عليه أربعة آلاف درهم ؟) فقلت: نعم. فرفع المصلى الذي كان تحته، فإذا تحته دنانير فدفعها إلي، وكان


(1) الكافي 1: 414 / 5، ارشاد المفيد 2: 293، الخرائج والجرائح 2: 644 - 665 / 1 و 2 و 3 و 4، المناقب لابن شهرآشوب 4: 390، كشف الغمة 2: 361، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 41 / 6 و 7. (2) أثبتناه من الكافي. (3) مريم 19: 12. (4) الكافي 1: 413 / 3، وكذا في: بصائر الدرجات: 258 / 10، ارشاد المفيد 2: 292، اثبات الوصية: 184، الخرائج والجرائح 1: 384 / 14، المناقب لابن شهرآشوب 4: 389، كشف الغمة 2: 360 (5) اثبتناه من الكافي. (*)

[ 100 ]

قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم (1). وروى محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب (نوادر الحكمة): عن موسى بن جعفر، عن امية بن علي قال: كنت بالمدينة، وكنت أختلف إلى أبي جعفر عليه السلام وأبو الحسن عليه السلام بخراسان وكان أهل بيته وعمومة أبيه يأتونه ويسلمون عليه، فدعا يوما الجارية فقال: (قولي لهم: يتهيأون للمأتم). فلما تفرقوا قالوا: ألا سألناه مأتم من ؟ فلما كان من الغد فعل مثل ذلك، فقالوا: مأتم من ؟ قال: (مأتم خيرمن على ظهرها). فأتانا خبر أبي الحسن عليه السلام بعد ذلك بأيام، فإذا هو قد مات في ذلك اليوم (2). وفيه: عن حمدان بن سليمان، عن أبي سعيد الارمني، عن محمد ابن عبد الله بن مهران قال: قال: محمد بن الفرج: كتب إلي أبو جعفر: (إحملوا إلي الخمس، فإني لست آخذه منكم سوى عامي هذا). فقبض عليه السلام في تلك السنة (3).


(1) الكافي 1: 415 / 11، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 292، روضة الواعظين: 1: 243، الخرائج والجرائج 1: 378 / 7، المناقب لابن شهرآشوب 4: 391، كشف الغمة 2: 360، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 54 / 29. (2) اثبات الوصية: 188، دلائل الامامة: 212، المناقب لابن شهرآشوب 4: 389، الثاقب في المناقب: 151 / 443، كشف الغمة 2: 369، ونقله المجلسي في بحار الا نوار 50: 63 / 39. (3) المناقب لابن شهرآشوب 4: 389، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 63 / ذيل حديث 39. (*)

[ 101 ]

(الفصل الرابع) في ذكر بعض مناقبه وفضائله عليه السلام كان عليه السلام قد بلغ في كمال العقل والفضل والعلم والحكم والادب - مع صغر سنه - منزلة لم يساوه فيها أحد من ذوي السن من السادات وغيرهم، ولذلك كان المأمون مشغوفا به لما رأى من علو رتبته وعظم منزلته في جميع الفضائل، فزوجه ابنته أم الفضل، وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفرا على تعظيمه وتوقيره وتبجيله. وروي عن الريان بن شبيب: أن المأمون لما أراد أن يزوجه ابنته استكبر ذلك جماعة العباسية، وخاضوا في ذلك، وقالوا للمأمون: ننشدك الله أن تقيم على هذا الامر الذي عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فإنا نخاف أن تخرج به عنا أمرا قد ملكناه الله ! وتنزع عنا عزا قد ألبسناه الله وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا حتى كفانا الله المهم من ذلك ! فقال المأمون: والله ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم بالامر وانزعه من عنقي فأبى، وكان أمر الله قدرا مقدورا، وأما أبو جعفر فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل مع صغر سنه والاعجوبة فيه بذلك. فقالوا له: إنه صبي لا معرفة له، فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين ثم اصنع ما تراه. فقال لهم: ويحكم، إني أعرف بهذا الفتى منكم، وإن أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى ومواده وإلهامه، ولم يزل آباؤه أغنياء في علم الذين والادب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا

[ 102 ]

جعفر حتى يتبين لكم ما وصفت لكم من حاله. قالوا: قد رضينا بذلك. فخرجوا، واتفق رأيهم على أن يحيى بن أكثم يسأله مسألة - وهو قاضي الزمان - فأجابهم المأمون إلى ذلك. واجتمع القوم في يوم اتفقوا عليه، وأمر المأمون أن يفرش لابي جعفر دست (1)، وبجعل له فيه مسورتان، ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر - وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر - فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام، فقال يحيى بن أكثم للمأمون: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر ؟ فقال: استأذنه في ذلك. فأقبل عليه يحيى وقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة ؟ فقال: (سل إن شئت). فقال: ما تقول - جعلت فداك - في محرم قتل صيدا ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: (في حل أو حرم ؟ عالما كان المحرم أو جاهلا ؟ قتله عمدا أو خطأ ؟ حرا كان المحرم أو عبدا ؟ صغيرا كان أم كبيرا ؟ مبتدئا كان بالقتل أم معيدا ؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ؟ من صغار الصيد كان أم كبارها ؟ مصرا كان على ما فعل أم نادما ؟ ليلا كان قتله للصيد أم نهارا ؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما ؟). فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف أهل المجلس أمره، فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة


(1) دست: كلمة معربة، ويراد بها جانب من البيت. (*)

[ 103 ]

والتوفيق لي في الرأي، ثم قال لابي جعفر عليه السلام: إخطب لنفسك، فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوجك أم الفضل ابنتي. فقال أبو جعفر عليه السلام: (الحمد لله إقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله إخلاصا لوحدانيته، وصلى الله على محمد سيد بريته، وعلى الاصفياء من عترته. أما بعد: فقد كان من فضل الله على الانام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال سبحانه: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم) (1) ثم إن محمد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل ابنة عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خمسمائة درهم جيادا، فهل زوجته يا أمير المؤمنين بها على الصداق ا لمذكور ؟) فقال المأمون: نعم، قد زوجتك يا أبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح ؟ قال أبو جعفر: (نعم، قبلت النكاح ورضيت به). فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم. قال الريان: فلم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه أصوات الملاحين، فإذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة تشد بحبال الابريسم على عجلة مملوة من الغالية (2)، ثم أمر المأمون أن تخضب لحى الخاصة من تلك الغالية، ثم. مدت إلى دار العامة، وطيبوا بها، ووضعت الموائد وأكل الناس،


(1) النور 24: 32. (2) الغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن. (لسان العرب 15: 134). (*)

[ 104 ]

وخرجت الجوائز إلى كل قوم على قدرهم. فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي قال المأمون لابي جعفر: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر تفصيل ما ذكرته من الفقه في قتل المحرم فعلت. فقال أبو جعفر: (نعم). وأجاب عن جميع المسائل بما هو مشهور. فقال له المأمون: أحسنت، أحسن الله إليك يا أبا جعفر، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك. فقال له أبو جعفر عليه السلام: (اخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة، وبماذا حلت له وحرمت عليه ؟) فقال يحيى: لا أعرف ذلك، فإن رأيت أن تفيدنا. فقال أبو جعفر عليه السلام: (هذه المرأة أمة لرجل من الناس، نظر (إليها (أجنبي) (1) أول النهار (فكان نظره إليها حراما) فلما ارتفع النهار إبناعها من مولاها فحلت له، فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، ثم تروجها وقت العصر فحلت له، ثم ظاهر منها وقت المغرب فحرمت عليه، ثم كفر عن الظهار وقت العشاء فحلت له، ثم طلقها واحدة نصف الليل فحرمت عليه، ثم راجعها وقت الفجر فحلت له). فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته وقال: ويحكم، إن أهل هذا البيت خصوا من الخلق بما ترون من الفضل، لان صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افتتح


(1 و 2) ما بين المعفوفين اتبتناه من الارشاد ليستقيم السياق. (*)

[ 105 ]

دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الاسلام، وحكم الله له به، ولم يدع أحدا في سنه غيره، وبايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما ابنا دون الست سنين ولم ببايع صبيا غيرهما، فإنهم ذرية بعضها من بعض، يجري لاخرهم ما يجري لاولهم. قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين. ثم نهض القوم. فلما كان من الغد أحضر الناس، وحضر أبو جعفر عليه السلام، وصار القواد والحجاب والخاصة والعمال لتهنئة المأمون وأبي جعفر، فاخرجت ثلاثة أطباق من الفضة فيها بنادق مسك وزعفران معجون، في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنية واقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصته، فكل من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فأطلق له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القواد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، ولم يزل مكرما لابي جعفر عليه السلام يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته (1). ولما انصرف أبو جعفر عليه السلام من عند المأمون ببغداد ومعه أم الفضل إلى المدينة، صار إلى شارع باب الكوفة والناس يشيعونه، فانتهى إلى دار المسيب عند مغيب الشمس، فنزل ودخل المسجد، وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعا بكوزفيه ماء فتوضأ في أصل النبقة وقام وصلى بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الاولى (بالحمد) و (إذا جاء نصر الله) وفي الثانية (بالحمد) و (قل هو الله أحد) وقنت قبل الركوع، وجلس بعد التسليم


(1) ارشاد المفيد 2: 28 1، وباختلاف يسير في: الاحتجاج: 443، ونحوه في: اثبات الوصية: 189، دلائل الامامة: 206، روضة الواعظين: 237، الفصول المهمة: 267، ودون ذيله في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 380. (*)

[ 106 ]

هنيهة يذكر الله تعالى، وقام من غير تعقيب فصلى النوافل أربع ركعات، وعقب بعدها، وسجد سجدتي الشكر ثم خرج، فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملا كثيرا حسنا، فتعجبوا من ذلك، فأكلوا منها فوجدوه نبقا حلوا لا عجم له، ومضى عليه السلام إلى المدينة (1). ولم يزل بها حتى أشخصه المعتصم إلى بغداد في أول سنة (خمس وعشرين) (2) ومائتين، فأقام بها حتى توفي في آخر ذي القعدة من هذه السنة (3). وقيل: إنه مضى عليه السلام مسموما (4). وخلف من الولد: ابنه عليا عليه السلام الامام، وموسى (5). (ويقال: و) (6) فاطمة، وامامة ابنتيه، ولم يخلف غيرهم (7).


(1) ارشاد المفيد 2: 288، مناقب ابن شهرآشوب 4: 390، كشف الغمة 2: 370، الفصول المهمة: 270 (2) كذا في نسخنا والصواب عشرين. انظر: الكافي 1: 411 و 416 / 12، ارشاد المفيد 2: 273 و. 295، تاريخ أهل البيت عليهم السلام: 85، كشف الغمة 2: 370، الفصول المهمة: 275. (3) ارشاد المفيد 2: 289، كشف الغمة 2: 370، الفصول المهمة: 275، وانظر: الكافي 1: 411 و 416 / 12، تاريخ أهل البيت عليهم السلام: 85. (4) ارشاد المفيد 2: 295، تفسير العياشي 1: 320، مناقب ابن شهرآشوب 4: 379، دلائل الامامة: 209، كشف الغمة 2: 370، الفصول المهمة: 276 ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 13 ذيل ح 12. (5) في نسخة (م) زيادة: ومن البنات حكيمة وخديجة وأم كلثوم. (6) في نسخة (م) وقد قيل أنه خلف. ارشاد المفيد 2: 295. (*)

[ 107 ]

(الباب التاسع) في ذكر الامام النقي أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام وفيه أربعة فصول:

[ 109 ]

(الفصل الاول) في ذكر مولده، ومبلغ سنته، ووقت وفاته، وموضع قبره عليه السلام ولد عليه السلام بصريا (1) من المدينة في النصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين. وفي رواية ابن عياش: يوم الثلاثاء الخامس من رجب. وقبض بسرمن رأى في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، وله يومئذ احدى وأربعون سنة وأشهر، وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن هرثمة ابن أعين من المدينة إلى سر من رأى فأقام بها حتى مضى لسبيله. وكانت مدة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة. وامه ام ولد يقال لها: سمانة (2). ولقبه: النقى، والعالم، والفقيه، والامين، والطيب، ويقال له أبو الحسن الثالث. وكانت في أيام إمامته بقية ملك المعتصم، ثم ملك الواثق خمس سنين وسبعة أشهر، ثم ملك المتوكل أربع عشرة سنة، ثم ملك ابنه المنتصر ستة أشهر، ثم ملك المستعين - وهو أحمد بن محمد بن المعتصم - سنتين وتسعة أشهر، ثم ملك المعتز - وهو الزبير بن المتوكل - ثماني سنين وستة


(1) صريا: قرية أسسها الامام موسى بن جعفر عليه السلام على ثلاثة أميال من المدينة. (مناقب آل أبي طالب 4: 382). (2) انظر: الكافي 1: 416، ارشاد المفيد 2: 297، تاج المواليد (مجموعة نفيسة): 131، المناقب لابن شهرآشوب 4: 401، كشف الغمة 2: 376. (*)

[ 110 ]

أشهر، وفي آخر ملكه استشهد ولي الله علي بن محمد عليهما السلام ودفن عليه السلام في داره بسر من رأى (1)


(1) تاج المواليد (مجموعة نفيسة): 130، المناقب لابن شهرآشوب 4: 401. (*)

[ 111 ]

(الفصل الثاني) في ذكر طرف من النص الدال على إمامته عليه السلام يدل على إمامته عليه السلام - بعد الطريقتين اللتين تكرر ذكرهما في الدلالة على إمامة آبائه عليهم السلام - ما ثبت من إشارة أبيه إليه وتوقيفه عليه: وهوما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران قال: لما اخرج أبو جعفر عليه السلام في الدفعة الاولى من المدينة إلى بغداد قلت له: إني أخاف عليك من هذا الوجه، فإلى من الامر بعدك ؟ قال: فكر بوجهه إلي ضاحكا وقال: " ليس حيث ظننت في هذه السنة). فلما استدعي به إلى المعتصم صرت إليه فقلت: جعلت فداك. أنت خارخ فإلى من الامر من بعدك ؟ فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم التفت إلي فقال: (عند هذه يخاف علي، الامر من بعدي إلى ابني علي) (1). محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه - وكان يلزم باب أبي جعفر للخدمة التي وكل بها - قال: كان أحمد بن محمد


(1) الكافي 1: 260 / 1، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 298، روضة الواعظين: 244، المناقب لابن شهرآشوب 4: 408، كشف الغمة 2: 376، ودون صدره في: الفصول المهمة: 277. (*)

[ 112 ]

ابن عيسى الاشعري يجئ ليتعرف خبرعلة أبي جعفر عليه السلام، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر وبين أبي إذا حضر قام أحمد بن محمد ابن عيسى وخلا به أبي، فخرج ذات ليلة وقام أحمد عن المجلس وخلا أبي بالرسول، واستدار أحمد حتى وقف حيث يسمع الكلام فقال الرسول لابي: إن مولاك يقرأ عليك السلام ويقول: (إني ماض والامر صائر إلى ابني علي، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي) ثم مضى الرسول فرجع أحمد ابن محمد بن عيسى إلى موضعه وقال لابي: ما الذي قال لك ؟ قال: خيرا، قال: فإنني قد سمعت ما قال، فأعاد إليه ما سمع، فقال له أبي: قد حرم الله عليك ذلك لان الله تعالى يقول: (ولا تجسموا) (1) فأما إذا سمعت فاحفظ هذه الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوما ما، وإياك أن تظهرها لاحد إلى وقتها. فلما أصبح أبي كتب نسخة الرسالة في عشر رقاع بلفظها، وختمها ودفعها إلى عشرة من وجوه العصابة، وقال لهم: إن حدث بي حدث الموت قبل أن اطالبكم بها فافتحوها واعملوا بما فيها. قال: فلما مضى أبو جعفر عليه السلام لبث أبي في منزله، فلم يخرج حتى اجتمع رؤساء الامامية عند محمد - بن الفرج الرخجي يتفاوضون في القائم بعد أبي جعفر ويخوضون في ذلك، فكتب محمد بن الفرج إلى أبي يعلمه باجتماع القوم عنده، وأنه لولا. مخافة الشهرة لصار معهم إليه، وسأله أن فركب أبي وصار إليه، فوجد القوم مجتمعين عنده، فقالوا لابي: ما تقول في هذا الامر ؟ فقال أبي لمن عنده الرقاع: أحضروها، فأحضروها وفضها وقال: هذا


(1) الحجرات 49: 12. (*)

[ 113 ]

ما أمرت به. فقال بعض القوم: قد كنا نحب أن يكون معك في هذا الامر شاهد آخر. فقال لهم أبي: قد أتاكم الله ما تحبون، هذا أبو جعفر الاشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة. وسأله أن يشهد فتوقف أبو جعفر، فدعاه أبي إلى المباهلة وخوفه بالله، فلما حقق عليه القول قال: قد سمعت ذلك، ولكني توقفت لاني أحببت أن تكون هذه المكرمة لرجل من العرب ! ! فلم يبرح القوم حتى إعترفوا بإمامة أبي الحسن عليه السلام وزال عنهم الريب في ذلك (1). والاخبار في هذا الباب كثيرة، وفي إجماع العصابة على إمامته عليه السلام وعدم من يدعي فيها إمامة غيره غناء عن إيراد الاخبار في ذلك، هذا وصوره ائمتنا عليهم السلام في هذه الازمنة في خوفهم من أعدائهم وتقيتهم منهم احوجت شيعتهم في معرفة نصوصهم على من بعدهم إلى ما ذكرناه من الاستخراج، حتى أن أوكد الوجوه في ذلك عندهم دلائل العقول الموجبة للامامة وما اقترن إلى ذلك من حصولها في ولد الحسين عليه السلام. وفساد أقوال ذوي النحل الباطلة، وبالله التوفيق.


(1) الكافي 1: 260 / 2، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 298، كشف الغمة 2: 377. (*)

[ 114 ]

(الفصل الثالث) في ذكر طرف من دلائله ومعجزاته ومناقبه عليه السلام محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن خيران الاسباطي قال: قدمت على أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام بالمدينة، فقال لي: (ما خبر الواثق عندك ؟) قلت: جعلت فداك، خلفته في عافية، أنا من أقرب الناس عهدا به، عهدي به منذ عشرة أيام. قال: فقال: (إن الناس يقولون: إنه مات) (2) فعلمت أنه يعني نفسه، ثم قال: (ما فعل جعفر ؟) قلت: تركته أسوء الناس حالا في السجن. قال: فقال: (أما إنه صاحب إلامر، ما فعل ابن الزيات ؟) قلت: الناس معه والامر أمره. فقال: (أما إنه شؤم عليه) ثم سكت وقال لي: (لا بد أن تجري مقادير الله وأحكامه، يا خيران، مات الواثق، وقعد ا المتوكل جعفر، وقتل ابن الزيات)، قلت: متى جعلت فداك ؟ فقال: (بعد خروجك بستة أيام) (2).


(1) الكافي: ان أهل المدينة يقولون: انه مات. (2) الكافي 1: 416 / 1، وكذا في: الهداية الكبرى: 214، ارشاد المفيد 2: 301، روضة 2: = (*)

[ 115 ]

وبهذا الاسناد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن علي بن محمد النوفلي قال: قال لي محمد بن الفرج الرخجي: إن أبا الحسن عليه السلام كتب إليه: (يا محمد، أجمع أمرك، وخذ حذرك) قال: فأنا في جمع أمري لست أدري ما الذي أراد بما كتب، حتى ورد علي رسول حملني من وطني (1) مصفدا بالحديد 9 وضرب على كل ما أملك، فمكثت في السجن ثماني سنين، ثم ورد علي كتاب منه وأنا في السجن: (يا محمد بن الفرج، لا تنزل في ناحية الجانب الغربي لا فقرأت الكتاب وقلت في نفسي: يكتب أبو الحسن إلي بهذا وأنا في السجن إن هذا لعجب ! فما مكثت إلا أياما يسيرة حتى أفرج عني، وحلت قيودي، وخلي سبيلي. قال: وكتبت إليه بعد خروجي أسأله أن يسأل الله تعالى أن يردا علي ضيعتي، فكتب إلي: (سوف ترد عليك وما يضرك ألاترد عليك). قال علي بن محمد النوفلي: فلما شخص محمد بن الفرج الرخجي إلى العسكر، كتب إليه برد ضياعه، فلم يصل الكتاب حتى مات. قال النوفلي: وكتب علي بن الخصيب إلى محمد بن الفرج بالخروج إلى العسكر، كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يشاوره، فكتب إليه: (اخرج، فإن فيه فرجك إن شاء الله). فخرج، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات (2).


- الواعظين: 244، الخرائج والجرائح 1: 407 / 13، المناقب لابن شهرآشوب 4: 410، كشف الغمة 2: 378، الثاقب في المناقب: 534 / 470، الفصول المهمة: 279 (1) في الكافي والارشاد: مصر. (2) الكافي 1: 418 / 5، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 304، الخرائج والجرائح 2: 679 سلم 9، 2: = (*)

[ 116 ]

وذكر أحمد بن محمد بن عيسى قال: أخبرني أبو يعقوب قال: رأيت محمد بن الفرج قبل موته بالعسكر في عشية من العشايا وقد استقبل أبا الحسن عليه السلام فنظر إليه نظرا شافيا، فاعتل محمد بن الفرج من الغد، فدخلت عليه عائدا بعد أيام من علته، فحدثني أن أبا الحسن عليه السلام قد أنفذ إليه بثوب وأرانيه مدرجا تحت رأسه. قال: فكفن والله فيه. وذكر أيضا عن أبي يعقوب قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام مع أحمد بن الخصيب يستايران وقد قصر أبوا الحسن عليه السلام عنه، فقال له ابن الخصيب: سرجعلت فداك. فقال له أبو الحسن عليه السلام: (أنت المقدم). فما لبثنا إلا أربعة أيام حتى وضع الدهق (1) على ساق ابن الخصيب وقتل. قال: وألح عليه ابن الخصيب في الدار التي كان قد نزلها وطالبه بالانتقال منها وتسليمها إليه، فبعث إليه أبو الحسن عليه السلام: (لاقعدن بك من الله مقعدا لا تبقى لك معه باقية). فأخذه الله في تلك الايام (2).


المناقب لابن شهرآشوب 4: 409 و 414، كشف الغمة 2: 380، الثاقب في المناقب: 534 / 471، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 140 / 25. (1) الدهق (بالتحريك): ضرب من العذاب، وهومن خشبتان يغمز بهما الساق. (انظر: الصحاح - دهق - 4: 1478، القاموس المحيط 3: 233). (2) الكافي 1: 419 / 6، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 306، كشف الغمة 2: 380، وورد ذيلها في: الخرائج والجرائح 2: 681 / 11، المناقب لابن شهرآشوب 4: 407، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 139 / 23، و 24 (*)

[ 117 ]

ومما شاهده أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري من دلائله عاليه السلام وسمعته من السيد الصالح أبي طالب الحسيني القصي رحمه الله بالاسناد الذي تقدم ذكره عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عياش قال حدثني أبو طالب عبد الله بن أحمد بن يعقوب قال: حدثنا الحسين بن أحمد المالكي الاسدي قال: أخبرني أبو هاشم الجعفري قال: كنت بالمدينة حين مر بها بغاء أيام الواثق في طلب الاعراب، فقال أبو الحسن عليه السلام: (اخرجوا بنا حتى ننظر إلى تعبئة هذا التركي). فخرجنا فوقفنا، فمرت بناتعبئته، فمر بنا تركي فكلمه أبولحسن عليه السلام بالتركية فنزل عن فرسه فقبل حافر دابته. قال: فحلفت التركي وقلت له: ما قال لك الرجل ؟ قال: هذا نبي ؟ قلت: ليس هذابنبي. قال: دعاني باسم سميت به في صغري في بلاد الترك ما علمه أحد إلى الساعة (1). قال أبو عبد الله بن عياش: وحدثني علي بن حبشي بن قوني في قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك قال: حدثنا أبو هاشم الجعفري قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام فكلمني بالهندية فلم أحسن أن أرد عليه، وكان بين يديه ركوة ملاى حصى فتناول حصاة واحدة ووضعها في فيه فمصها (ثلاثا) (2)، ثم رمى بها إلي، فوضعتها في فمي، فوالله ما بر حت من


(1) الخرائج الجرائح 2: 674 / 4، المناقب لابن - شخرآشوب - 4: 408، الثاقب في المناقب: 538 / 478، كشف الغمة 2: 397، ونقله المجالسي في بحار الانوار 50: 124 / 1 (2) في نسخة (م): مليا. (*)

[ 118 ]

عنده حتى تكلمت بثلاثة وسبعين لسانا أولها الهندية (1). قال ابن عياش: وحدثني علي بن محمد المقعد قال: حدثني يحيى ابن زكريا الخزاعي، عن أبي هاشم قال: خرجت مع أبي الحسن عليه السلام إلى ظاهر سرمن رأى نتلقى بعض الطالبيين، فأبطأ، فطرح لابي الحسن عليه السلام غاشية السرج فجلس عليها، ونزلت عن دابتي وجلست بين يديه وهو يحدثني، وشكوت إليه قصور يدي، فأهوى بيده إلى رمل كان عليه جالسا فناولني منه أكفا وقال: (اتسع بهذا يا أبا هاشم واكتم ما رأيت). فخبأته معي ورجعنا، فأبصرته فإذا هو يتقد كالنيران ذهبا أحمر، فدعوت صائغا إلى منزلي وقلت له: أسبك لي هذا، فسبكه وقال: ما رأيت ذهبا أجود منه وهو كهيئة الرمل فمن أين لك هذا فما رأيت أعجب منه ؟ قلت: هذا شئ عندنا قديما تدخره لنا عجائزنا على طول الايام (2). قال ابن عياش: وحدثني أبو طاهر الحسن بن عبد القاهر الطاهري قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الاشتر العلوي قال: كنت مع أبي على باب المتوكل - وأنا صبي - في جمع من الناس ما بين عباسي إلى طالبي إلى جندي، وكان إذا جاء أبو الحسن ترجل الناس كلهم حتى يدخل، فقال بعضهم لبعض: لم نترجل لهذا الغلام وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا سنا ؟ ! والله لا ترجلنا له. فقال أبو هاشم الجعفري: والله لترجلن له صغرة إذا رأيتموه.


(1) اخرائج واجرائح 2: 673 / 2، المناقب لابن شهرآشوب 4: 408، كشف الغمة 2: 397، الثاقب في المناقب: 533 / 469، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 136 / 17 (2) الخرائج والجرائح 2: 673 / 3، المناقب لابن شهرآشوب 4: 409، الثاقب في المناقب: 532 / 467، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 138 / 32. (*)

[ 119 ]

فما هو إلا أن أقبل وبصروا به حتى ترجل له الناس كلهم، فقال لهم أبو هاشم: أليس زعمتم أنكم لا تترجلون له ؟ فقالوا له: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجلنا (1). قال: وحدثني أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الصالحي - من آل إسماعيل بن صالح، وكان أهل بيته بمنزلة من السادة عليهم السلام، ومكاتبين لهم -: أن أبا هاشم الجعفري شكا إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام ما يلقى من الشوق إليه إذا انحدر من عنده إلى بغداد، وقال له: يا سيدي ادع الله لي، فما لي مركوب سوى برذوني هذا على ضعفه. فقال: (قواك الله يا أبا هاشم، وقوى برذونك). قال: فكان أبو هاشم يصلي الفجر ببغداد ويسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك عسكر سر من رأى، ويعود من يومه إلى بغداد إذا شاء على ذلك البرذون بعينه، فكان هذا من أعجب الدلائل التي شوهدت (2) وروى محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن إبراهيم بن محمد الطاهري قال: مرض المتوكل من خراج خرج به فأشرف منه على الموت، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديد، فنذرت أمه ان عوفي ان تحمل إلى أبي الحسن عليه السلام مالا جليلا من مالها. وقال الفتح بن خاقان للمتوكل: لو بعثت إلى هذا الرجل - يعني أبا


(1) الخرائج والجرائح 2: 675 / 7، المناقب لابن شهرآشوب 4: 407، الثاقب في المناقب: 542 / 484، كشف الغمة 2: 398، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 137 / 20. (2) اثبات الوصية: 202، الخرائج والجرائح 2: 672 / 1، المناقب لابن شهرآشوب 4: 309، الثاقب في المناقب: 44 / 486 /، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 137 / 21. (*)

[ 120 ]

الحسن - فإنه ربما كان عنده صفة شئ يفرج الله تعالى به عنك. فقال: ابعثوا إليه. فمضى الرسول ورجع فقال: خذوا كسب (1) الغنم فديفوه بماء ورد، وضعوه على الخراج فإنه نافع بإذن الله تعالى. فجعل من يحضر المتوكل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضر من تجربة ما قال، فوالله إني لارجو الصلاح به. فأحضر الكسب وديف بماء الورد ووضع على الخراج، فخرج منه ما كان فيه، وبشرت أم المتوكل بعافيته، فحملت إلى أبي الحسن عليه السلام عشرة آلاف دينار تحت ختمها، واستقل المتوكل من علته. فلما كان بعد أيام سعى البطحائي بأبي الحسن عليه السلام إلى المتوكل، وقال: عنده أموال وسلاح، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب أن يهجم عليه ليلا ويأخذ ما يجد عنده من الاموال والسلاح ويحمله إليه. قال إبراهيم: قال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن عليه السلام بالليل ومعي سلم فصعدت منه على السطح ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار، فناداني أبو الحسن عليه السلام من الدار: (يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة). فلم آلبث أن آتوني بشمعة، فنزلت فوجدت عليه جبة صوف وقلنسوة منها وسجادة على حصير بين يديه وهو مقبل على اقبلة، فقال لي: (دونك البيوت) فد خلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئا، ووجدت البدرة مختومة بخاتم أم المتوكل وكيسا مختوما معها، فقال لي أبو الحسن عليه السلام: (دونك المصلى) فرفعته فوجدت سيفا في جفن غير ملبوس، فأخذت ذلك وصرت


(1) الكسب: عصارة الدهن. (لسان العرب 1: 717). (*)

[ 121 ]

إليه. فلما نظر إلى خاتم امه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه فسألها عن البدرة، فأخبرني بعض خدم الخاصة أنها قالت: كنت نذرت في علتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار، فحملتها إليه وهذا خاتمي على الكيس ما حركها. وفتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار، فأمر أن تضم إلى البدرة بدرة اخرى وقال لي: إحمل ذلك إلى أبي الحسن واردد عليه السيف والكيس. فحملت ذلك، واستحييت منه وقلت له: يا سيدي عز علي دخولي دارك بغير إذنك، ولكني مأمور. فقال لي: (يا سعيد (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (1)) (2). وروى الحسين بن الحسن الحسني قال: حدثني أبو الطيب يعقوب ابن ياسر قال: كان المتوكل يقول: ويحكم أعياني أمر ابن الرضا، وجهدت أن يشرب معي وينادمني فامتنع. فقال له بعض من حضر: إن لم تجد من ابن الرضا ما تريد من هذه الحال، فهذا أخوه موسى (3) قصاف عزاف، يأكل ويشرب ويعشق ويتخالع، فأحضره واشهره، فإن الخبر يسمع عن ابن الرضا ولا يفرق الناس بينه وبين


(1) لشعراء 26: 227. (2) الكافي 1: 417 / 4، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 302، الخرائج والجرائح 1: 676 / 8، الدعوات للراوندي: 202 / 555، وباختصار في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 415، كشف الغمة 2: 378، الفصول المهمة: 281، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50. 198 / 10. (3) في نسخة (م): زيادة: اللاهي واللاعب على الطعام. (*)

[ 122 ]

أخيه، من عرفه اتهم أخاه بمثل فعاله. فقال: اكتبوا بإشخاصه مكرما. فاشخص، وتقدم المتوكل أن يتلقاه جميع بني هاشم والقواد وسائر الناس، وعمل على أنه إذا وافى أقطعه قطيعة، وبنى له فيها، وحول إليها الخمارين والقيان، وتقدم بصلته وبره، وأفرد له منزلا سريا يصلح لان يزوره هو فيه. فلما وافى موسى تلقاه أبو الحسن عليه السلام في قنطرة وصيف فسلم عليه ثم قال له: (إن هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك (1) ويضع منك، فلا تقر له أنك شربت نبيذا قط، واتق الله يا أخي أن ترتكب محظورا). فقال له موسى: إنما دعاني لهذا فما حيلتي ؟ قال: (فلا تضع من قدرك، ولا تعص ربك، ولا تفعل ما يشينك، فما غرضه إلا هتكك). فأبى عليه موسى، وكرر أبو الحسن عليه القول والوعظ وهو مقيم على خلافه، فلما رأى أنه لا يجيب قال: (أما إن الذي تريد الاجتماع معه عليه لا تجتمع عليه أنت وهو أبدا). قال: فأقام ثلاث سنين يبكر كل يوم إلى باب المتوكل ويروح فيقال له: قد سكر أوقد شرب دواء، حتى قتل المتوكل ولم يجتمع معه على شراب (2). وذكر الحسن بن محمد بن جمهور العمي في كتاب الواحدة قال: حدثني أخي الحسين بن محمد قال: كان لي صديق مؤدب لولد بغاء أو


(1) في نسخة (ط): ليهينك. (2) الكافي 1: 420 / 8، ارشاد المفيد 2: 307، وباختصار في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 409، كشف الغمة 2: 381. (*)

[ 123 ]

وصيف - الشك مني - فقال لي: قال لي الامير. منصرفه من دار الخليفة: حبس أمير المؤمنين هذا الذي يقولون: ابن الرضا اليوم ودفعه إلى علي بن كركر، فسمعته يقول: (أنا أكرم على الله من ناقة صالح (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب) (1) " وليس يفصح بالاية ولا بالكلام، أي شئ هذا ؟ قال: قلت: أعزك الله، توعد، انظر ما يكون بعد ثلاثة أيام. فلما كان من الغد أطلقه واعتذر إليه، فلما كان في اليوم الثالث وثب عليه: باغز، ويغلون، وتامش، وجماعة معهم فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة (2). قال: وحدثني أبو الحسين سعيد بن سهلويه البصري وكان يلقب بالملاح قال: كان يقول بالوقف جعفر بن القاسم الهاشمي البصري، وكنت معه بسر من رأى، إذ رآه ابو الحسن عليه السلام في بعض الطرق فقال له: (إلى كم هذه النومة ؟ أما آن لك أن تنتبه منها ؟). فقال لي جعفر: سمعت ما قال لي علي بن محمد، قدوالله قدح (3) في قلبي شئ. فلما كان بعد - أيام حدث لبعض أولاد الخليفة وليمة فدعانا فيها ودعا أبا الحسن معنا، فدخلنا، فلما رأوه أنصتوا إجلالا له، وجعل شاب في المجلس لا يوقره، وجعل يلفظ ويضحك، فأقبل عليه وقال له: (يا هذا


(1) هود 11: 65. (2) الثاقب في المناقب: 536 / 473، وباختصار في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 407، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 189 / 1. (3) في نسخة (م): وقع. (*)

[ 124 ]

أتضحك ملء فيك وتذهل عن ذكر الله وأنت بعد ثلاثة أيام من أهل القبور). قال: فقلنا: هذا دليل حتى ننظر ما يكون ؟ قال: فأمسك الفتى وكف عما هو عليه، وطعمنا وخرجنا، فلما كان بعد يوم اعتل الفتى ومات في اليوم الثالث من أول النهار، ودفن في آخره (1) وحدثني سعيد أيضا قال: اجتمعنا أيضا في وليمة لبعض أهل سرمن رأى، وأبو الحسن معنا، فجعل رجل يعبث ويمزح ولا يرى له جلالا، فأقبل على جعفر فقال: (أما إنه لا يأكل من هذا الطعام، وسوف يرد عليه من خبر أهله ما ينغص عليه عيشه). قال: فقدمت المائدة قال جعفر: ليس بعد هذا خبر، قد بطل قوله، فوالله لقد غسل الرجل يده وأهوى إلى الطعام فإذا غلامه قد دخل من باب البيت يبكي وقال له: (إلحق امك، فقد وقعت من فوق البيت وهي بالموت. قال جعفر: فقلت: والله لا وقفت بعد هذا، وقطعت عليه (2). والمروايات في هذا الباب كثيرة، وفيما أوردناه كفاية.


(1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 407 و 414، وورد ذيل الرواية في: كشف الغمة 2: 398، والثاقب في المناقب: 536 / 474. (2) المناقب لابن شهرآشوب 4: 415، كشف الغمة 2: 398، الثاقب في المناقب: 537 / 475. (*)

[ 125 ]

(الفصل الرابع) في ذكر طرف من خصائصه وأخباره عليه السلام ذكر ابن جمهور قال: حدثني سعيد بن سهلويه قال: رفع زيد بن موسى إلى عمر بن الفرج مرارا يسأله أن يقدمه على ابن ابن أخيه ويقول: إنه حدث وأنا عم أبيه، فقال عمر ذلك لابي الحسن عليه السلام فقال: (إفعل واحدة، اقعدني غدا قبله ثم انظر). فلما كان من الغد أحضر عمر أبا الحسن عليه السلام فجلس في صدر المجلس، ثم أذن لزيد بن موسى فدخل فجلس بين يدي أبي الحسن عليه السلام، فلما كان يوم الخميس أذن لزيد بن موسى قبله فجلس في صدر المجلس، ثم أذن لابي الحسن عليه السلام فدخل، فلقا رآه زيد قام من مجلسه وأقعده في مجلسه وجلس بين يديه (1). وأشخص أبا الحسن عليه السلام المتوكل من المدينة إلى سر من رأى، وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن محمد - وكان والي المدينة - سعى به إليه، فكتب المتوكل إليه كتابا يدعو به فيه إلى حضور العسكر على جميل من القول. فلما وصل الكتاب إليه تجهز للرحيل وخرج مع يحيى بن هرثمة حتى وصل إلى سر من رأى، فلما وصل إليها تقدم المتوكل أن يحجب عنه في منزله، فنزل في خان يعرف يخان الصعاليك فأقام فيه يومه، ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل إليها) (2).


(1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 410. (2) ارشاد المفيد 2: 309 بتفصيل فيه، روضة الواعظين: 245، كشف الغمة 2: = (*)

[ 126 ]

فروى محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن يحيى، عن صالح ابن سعيد قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام في يوم وروده فقلت له: جعلت فداك، في كل الامور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك حتى أنزلوك هذا الخان الاشنع، خان الصعاليك. فقال: (ها هنا أنت يا ابن سعيد) ثم أومأ بيده فإذا أنا بروضات أنقات، وأنهار جاريات، وجنات فيها خيرات عطرات، وولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون، فحار بصري، وكثر عجبي، فقال لي: (حيث كنا فهذا لنا يا بن سعيد، لسنا في خان الصعاليك) (1). وكان المتوكل يجتهد في إيقاع حيلة به، ويعمل على الوضع من قدره في عيون الناس فلا يتمكن من ذلك، وله معه أحاديث يطول بذكرها الكتاب، فيها آيات له، ودلالات ذكرنا بعضها، وفي إيراد جميعها خروج عن الغرض في الايجاز. وروى عبد الله بن عياش بإسناده، عن أبي هاشم الجعفري فيه وقد اعتل عليه السلام: مادت الارض بي وأدت فؤادي * واعترتني موارد العرواء حين قيل: الامام نضو عليل * قلت: نفسي فدته كل الفداء مرض الدين لاعتلالك واعت‍ * - ل وغارت له نجوم السماء


= 382. (1) الكافي 1: 417 / 2، وكذا في: بصائر الدرجات: 426 / 7 و 427 / 11، ارشاد المفيد 2: 311، الاختصاص: 324، روضة الواعظين: 246، الخرائج والجرائح 2: 680 / 10، المناقب لابن شهرآشوب 4: 411، كشف الغمة 2: 383. (*)

[ 127 ]

عجبا أن منيت بالداء والسق‍ * - م وأنت الامام حسم الداء أنت آسي الادواء في الدين و * الدنيا ومحيي الاموات والاحياء (1) " في أبيات ". [ أولاده عليه السلام ] وله عليه السلام من الاولاد: ابنه أبو محمد الحسن الامام بعده، والحسين، ومحمد، وجعفر الملقب بالكذاب، وابنته عالية. وكان مقامه بسر من رأى إلى أن توفي عليه السلام عشرين سنة وأشهرا (2).


(1) نقله المجلسي في بحار الانوار 50: 222 / 9. (2) انظر: ارشاد المفيد 2: 311، الهداية للخصيبي: 313، تاج المواليد (مجموعة نفيسة): 132، مناقب ابن شهرآشوب 4: 402، دلائل الامامة: 217، الفصول المهمة: 283. (*)

[ 129 ]

(الباب العاشر) في ذكر الامام الزكي أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام وفيه أربعة فصول:

[ 131 ]

(الفصل الاول) في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ سنه، ووقت وفاته عليه السلام كان مولده عليه السلام يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثلاثين ومائتين. وقبض عليه السلام بسر من رأى لثمان خلون من شهر ربيع الاول سنة ستين ومائتين، وله يومئذ ثمان وعشرون سنة. وامه ام ولد يقال لها: حديث. وكانت مدة خلافته ست سنين. ولقبه: الهادي، والسراج، والعسكري، وكان هو وأبوه وجده يعرف كل منهم في زمانه بابن الرضا. وكانت في سني إمامته بقية ملك المعتز أشهرا، ثم ملك المهتدي أحد عشر شهرا وثمانية وعشرين يوما، ثم ملك أحمد المعتمد على الله بن جعفر المتوكل عشرين سنة وأحد عشر شهرا. وبعد مضي خمس سنين من ملكه قبض الله وليه أبا محمد عليه السلام ودفن في داره بسر من رأى في البيت الذي دفن فيه أبوه عليهما السلام (1). وذهب كثير من أصحابنا إلى أنه عليه السلام مضى مسموما، وكذلك


(1) انظر: الكافي. 1: 420، ارشاد المفيد 2: 313، روضة الواعظين: 251، تاج المواليد (مجموعة نفيسة): 133، مناقب ابن شهرآشوب 4: 421، دلائل الامامة: 223، كشف الغمة 2: 404 و 415. (*)

[ 132 ]

أبوه وجده وجميع الائمة عليهم السلام خرجوا من الدنيا بالشهادة، واستدلوا في ذلك بما روي عن الصادق عليه السلام من قوله: " والله ما منا إلا مقتول شهيد " (1). والله أعلم بحقيقة ذلك.


(1) كفاية الاثر للخزاز: 162، مناقب ابن شهرآشوب 2: 209، الفصول المهمة: 290. (*)

[ 133 ]

(الفصل الثاني) في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام يدل على إمامته عليه السلام - بعد طريقتي الاعتبار والتواتر اللتين ذكرناهما في إمامة من تقدمه من آبائه عليهم السلام -: ما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن بشار بن أحمد البصري، عن علي بن عمر النوفلي قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام في صحن داره فمر بنا محمد ابنه، فقلت: جعلت فداك، هذا صاحبنا بعدك ؟ فقال: " لا، صاحبكم بعدي ابني الحسن " (1). وبهذا الاسناد، عن بشار بن أحمد، عن عبد الله بن محمد الاصفهاني قال: قال أبو الحسن عليه السلام: " صاحبكم بعدي الذي يصلي علي ". قال: ولم نكن نعرف أبا محمد عليه السلام قبل ذلك، فلما مات أبو الحسن عليه السلام خرج أبو محمد عليه السلام فصلى عليه (2). وبهذا الاسناد، عن بشار بن أحمد، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن علي بن جعفر قال: كنت حاضرا أبا الحسن عليه السلام لما توفي ابنه [ محمد ] (3) فقال للحسن: " يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا " (4).


(1) الكافي 1: 262 / 2، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 314، غيبة الطوسي: 198 / 163، اثبات الوصية للمسعودي: 208. (2) الكافي 1: 262 / 3، وكذا في: ارشاد المفيد 2. 315، مناقب ابن شهرآشوب 4: 422. (3) اثبتناه من الكافي. (4) الكافي 1: 262 / 4، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 315، كشف الغمة 2: 405. (*)

[ 134 ]

محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن مروان الانباري قال: كنت حاضرا عند مضي أبي جعفر محمد بن علي، فجاء أبو الحسن عليه السلام فوضع له كرسي فجلس عليه وحوله أهل بيته، وأبو محمد قائم في ناحية، فلما فرغ من أمر أبي جعفر التفت إلى أبي محمد عليه السلام فقال: " يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا " (1). وعنه، عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد القلانسي، عن علي ابن الحسين بن عمرو، عن علي بن مهزيار قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: إن كان كون - وأعوذ بالله - فإلى من ؟ قال: (عهدي إلى الاكبر من ولدي) يعني الحسن عليه السلام (2). وعنه، عن علي بن محمد، عن أبي محمد الاسترابادي، عن علي ابن عمرو العطار قال: دخلت على أبي الحسن وأبو جعفر ابنه - أعني محمدا - في الاحياء، وأنا أظنه هو القائم من بعده، فقلت له: جعلت فداك، من أخص من ولدك ؟ فقال: (لا تخصوا أحدا حتى يخرج إليكم أمري). قال: فكتبت إليه بعد فيمن يكون هذا الامر ؟ قال: فكتب إلي: (في الاكبر من ولدي). قال: وكان أبو محمد أكبر من جعفر (3).


(1) الكافي 1: 262 / 5، وكذا في: بصائر الدرجات 492 / 13، ارشاد المفيد 2: 316، وباختلاف يسير في: مناقب ابن شهرآشوب 4: 423. (2) الكافي 1: 262 / 6، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 316، كشف الغمة 2: 405. (3) الكافي 1: 262 / 7، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 316، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 244 / 17. (*)

[ 135 ]

وعنه، عن محمد بن يحيى وغيره، عن سعد بن عبد الله، عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسين الافطس: أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن عليه السلام ليعزوه وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله، قالوا: فقدرنا أن يكون حوله يومئذ من آل أبي طالب وسائر بني هاشم وقريش مائة وخمسون رجلا سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي ابنه وقد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه، فنظر إليه أبو الحسن عليه السلام ساعة ثم قال له: (يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا) فبكى الفتى واسترجع وقال: (الحمد لله رب العالمين). وقدرنا أن له في ذلك الوقت عشرين سنة، فيومئذ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالامامة وأقامه مقامه (1). وعنه، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن شاهويه بن عبد الله الجلاب قال. كتب إلي أبو الحسن عليه السلام: (أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر وقلقت لذلك، فلا تقلق، فإن الله لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يتبين لهم ما يتقون، وصاحبك بعدي أبو محمد ابني، وعنده ما تحتاجون إليه " (2). الحديث بطوله. وبهذا الاسناد، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن أبي بكر الفهفكي قال: كتب إلي أبو الحسن عليه السلام: " أبو محمد ابني أصح آل محمد غريزة، وأوثقهم حجة، وهو الاكبر من ولدي، وهو الخلف،


(1) الكافي 1: 262 / 8، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 317، مناقب ابن شهرآشوب 4: 423، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 245 / 18. (2) الكافي 1: 263 / 12، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 319، الغيبة للطوسي: 121. (*)

[ 136 ]

وإليه تنتهي عرى الامامة وأحكامها فما كنت سائلي عنه فسله عنه، فعنده ما تحتاج إليه ومعه آلة الامامة) (1). وعنه، عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن يحيى ابن يسار القنبري قال: أوصى أبو الحسن عليه السلام إلى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشار إليه بالامر من بعده، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي (2). وفي كتاب أبي عبد الله بن عياش: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثني محمد بن أحمد بن محمد العلوي العريضي قال: حدثني أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام صاحب العسكر يقول: (الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف.). قلت: ولم جعلت فداك ؟ قال: (لانكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم تسميته، ولا ذكره باسمه). قلت: كيف نذكره ؟ قال: (قولوا: الحجة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم) (3).


(1) الكافي 1: 263 / 11، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 319، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 245 / 19. (2) الكافي 1: 261 / 1، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 314، الغيبة للطوسي: 200 / 166، وقاله المجلسي في بحار الانوار 50: 246 / 21. (3) الكافي 1: 264 / 13، كمال الدين 2: 648 / 4، ارشاد المفيد 2: 320، الغيبة للطوسي 202 / 169، كفاية الاثر: 288، اثبات الوصية للمسعودي: 224، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 240 / 5. (*)

[ 137 ]

(الفصل الثالث) في ذكر طرف من آياته ومعجزاته عليه السلام محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثني إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس، قال: قعدت لابي محمد على ظهر الطريق، فلما مر بي شكوت إليه الحاجة، وحلفت أن ليس عندي درهم فما فوقه ولا غداء ولا عشاء، فقال: (تحلف بالله كاذبا وقد دفنت مائتي دينار ! وليس قولي هذا دفعا لك عن العطية، أعطه يا غلام ما معك) فأعطاني غلامه مائة دينار. ثم أقبل علي فقال لي: (إنك تحرم الدنانير التي دفنتها أحوج ما تكون إليها) وصدق عليه السلام، وذلك أني أنفقت ما وصلني به، واضطررت ضرورة شديدة إلى شئ أنفقه، وانغلقت علي أبواب الرزق، فنبشت عن الدنانير التي كنت دفنتها، فلم أجدها، فنظرت فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب، فما قدرت منها على شئ (1). وبهذا الاسناد، عن إسحاق بن محمد النخعي، عن علي بن زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام قال: كان لي فرس، وكنت به معجبا، أكثر ذكره في المحافل، فدخلت على أبي محمد يوما فقال لي: (ما فعل فرسك ؟).


(1) الكافي 1: 426 / 14، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 332، الخرائج والجرائح 1: 427 / 6، مناقب ابن شهرآشوب 4: 432، ثاقب المناقب: 578 / 527، كشف الغمة 2: 413، اثبات الوصية للمسعودي: 214. (*)

[ 138 ]

فقلت: هو عندي، وهو ذا هو على بابك، الان نزلت عنه. فقال لي: (استبدل به قبل المساء إن قدرت، ولا تؤخر ذلك) ودخل علينا داخل فانقطع الكلام، فقمت متفكرا، ومضيت إلى منزلي فأخبرت أخي فقال: ما أدري ما أقول في هذا. وشححت عليه، ونفست على الناس ببيعه، وأمسينا، فلما صلينا العتمة جاءني السائس فقال: يا مولاي نفق فرسك الساعة، فاغتممت لذلك وعلمت أنه عنى هذا بذلك القول. ثم دخلت على أبي محمد عليه السلام بعث أيام وأنا أقول في نفسي: ليته أخلف علي دابة، فلما جلست قال قبل أن احدث: (نعم، نخلف عليك، يا غلام أعطه برذوني الكميت) ثم قال: (هذا خير من فرسك وأوطأ وأطول عمرا) (1). ومما شاهده أبو هاشم - رحمه الله - من دلائله عليه السلام: ما ذكره أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عياش قال: حدثني أبو علي أحمد بن محمد ابن يحيى. العطار، وأبو جعفر محمد بن أحمد بن مصقلة القميان قالا: حدثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف قال: حدثنا داود بن القاسم الجعفري، أبو هاشم، قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فاستؤذن لرجل من أهل اليمن، فدخل عليه رجل جميل طويل جسيم، فسلم عليه بالولاية فرد عليه بالقبول، وأمره بالجلوس فجلس إلى جنبي، فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا، فقال أبو محمد: (هذا من ولد الاعرابية صاحبة الحصاة التي طبع آيائي فيها) ثم قال: (هاتها).


(1) الكافي 1: 427 / 15، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 332، الخرائج والجرائح 1: 434 / 12، مناقب ابن شهرآشوب 4: 430، ثاقب المناقب: 572 / 516، كشف الغمة 2: 413، وذكره مختصرا المسعودي في اثبات الوصية: 215، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 267 / 26. (*)

[ 139 ]

فأخرج حصاة وفي جانب منها موضع أملس، فأخذها وأخرج خاتمه فطبع فيها فانطبع، وكأني أقرأ الخاتم الساعة (الحسن بن علي) فقلت لليماني: رأيته قط قبل هذا ؟ فقال: لا والله، وإني منذ دهر لحريص على رؤيته، حتى كان الساعة أتاني شاب لست أراه فقال: قم فادخل، فدخلت، ثم نهض وهو يقول: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، ذرية بعضها من بعض، أشهد أن حقك لواجب كوجوب حق أمير المؤمنين والائمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين، وإليك انتهت الحكمة والامامة، وإنك ولي الله الذى لا عذر لاحد في الجهل به. فسألت عن اسمه، فقال: اسمي مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم، وهى الاعرابية اليمانية صاحبة الحصاة التي ختم فيها أمير المؤمنين عليه السلام (1) وقال أبو هاشم الجعفري رحمه الله في ذلك: بدرب الحصا مولى لنا يختم الحصى * له الله أصفى بالدليل وأخلصا وأعطاه آيات الامامة كلها * كموسى وفلق البحر واليد والعصا وما قمص الله النبيين حجة * ومعجزة إلا الوصيين قمصا فمن كان مرتابا بذاك فقصره * من الامر أن تتلو الدليل وتفحصا (2) - في أبيات -


(1) الكافي 1: 281 / 4، غيبة الطوسي: 203 / 171، الخرائج والجرائح 1: 428 / 7، مناقب ابن شهرآشوب 4: 441، ثاقب المناقب: 561 / 500، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 302 / 78. (2) ثاقب المناقب: 561 / ذيل حديث 500، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 302 / 78. (*)

[ 140 ]

قال أبو عبد الله بن عياش: هذه أم غانم صاحبة الحصاة غير تلك صاحبة الحصاة، وهي أم الندى حبابة بنت جعفر الوالبية الاسدية. وهي غير صاحبة الحصاة الاولى التي طبع فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام فإنها ام سليم، وكانت وارثة الكتب (1). فهن ثلاثة ولكل واحدة منهن خبر قد رويته، ولم أطل الكتاب بذكره. قال: وحدثني أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر قالا: حدثنا أبو هاشم قال: شكوت إلى أبي محمد عليه السلام ضيق الحبس وثقل القيد، فكتب إلي: (تصلي الظهر اليوم في منزلك). فاخرجت في وقت الظهر فصليت في منزلي كما قال عليه السلام. قال: وكنت مضيقا فأردت أن أطلب منه دنانير في كتابي فاستحييت، فلما صرت إلى منزلي وجه إلي بمائة دينار وكتب إلي: (إذا كانت لك حاجة فلا تستح ولا تحتشم، واطلبها فإنك ترى ما تحب) (2). قال: وكان أبو هاشم حبس مع أبي محمد عليه السلام، كان المعتز حبسهما مع عدة من الطالبيين في سنة ثمان وخمسين ومائتين (3). حدثنا أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثني أبو هاشم داود بن القاسم شال: كنت في الحبس المعروف بحبس صالح بن صيف الاحمر، أنا، والحسن بن محمد العقيقي، ومحمد بن


(1) نقله المجلسي في بحار الانوار 50: 302 / ذيل حديث 78. (2) الكافي 1: 426 / 10، ارشاد المفيد 2: 330، اثبات الوصية: 211 و 213، الخرائج والجرائح 1: 435 / 13، مناقب ابن شهرآشوب 4: 432 و 439، وثاقب المناقب: 566 / 505 و 576 / 525، ونقله المجلسي في بحار الانوار 1: 435 / 13 (3) نقله المجلسي في بحار الانوار 50: 311 / 10. (*)

[ 141 ]

إبراهيم العمري، وفلان، وفلان، إذ دخل علينا أبو محمد الحسن عليه السلام وأخوه جعفر، فحففنا به، وكان المتولي لحبسه صالح بن وصيف، وكان معنا في الحبسن رجل جمحي يقول: أنه علوي. قال: فالتفت أبو محمد عليه السلام فقال: (لولا أن فيكم من ليس منكم لاعلمتكم متى يفرج عنكم)، وأومأ إلى الجمحي أن يخرج فخرج، فقال أبو محمد عليه السلام: (هذا الرجل ليس منكم فاحذروه، فإن في ثيابه قصة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه). فقام بعضهم ففتش ثيابه فوجد فيها القصة يذكرنا فيها بكل عظيمة. وكان أبو الحسن عليه السلام يصوم فإذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله غلامه إليه في جونة مختومة، وكنت أصوم معه، فلما كان ذات يوم ضعفت فأفطرت في بيت آخر على كعكة وما شعر بي والله أحد، ثم جئت فجلست معه، فقال لغلامه: (أطعم أبا هاشم شيئا فإنه مفطر). فتبسمت، فقال: (ما يضحكك يا أبا هاشم ؟ إذا أردت القوة فكل اللحم فإن الكعك لا قوة فيه). فقلت: صدق الله ورسوله وأنتم، فأكلت فقال لي: 0 أفطر ثلاثا، فإن المنة لا ترجع إذا انهكها الصوم في أقل من ثلاث). فلما كان في اليوم الذي أراد الله سبحانه أن يفرج عنه جاءه الغلام فقال: يا سيدي أحمل فطورك ؟ فقال: 0 إحمل، وما أحسبنا نأكل منه). فحمل الطعام الظهر، واطلق عنه عند العصر وهو صائم، فقال: (كلوا هناكم الله) (1).


(1) الخرائج والجرائح 2: 682 / 1، و 683 وباختصار في: مناقب ابن شهر آشوب 4: 2: = (*)

[ 142 ]

قال: وحدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا أبو هاشم قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فقال: (إذا خرج القائم أمر بهدم المنائر والمقاصير التي في المساجد). فقلت في نفسي: لاي معنى هذا ؟ فأقبل علي وقال: (معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة) (1). وبهذا الاسناد، عن أبي هاشم قال: سأل ألفهفكي أبا محمد: ما بال المرأة المسكينة تأخذ سهما واحدا ويأخذ الرجل سهمين ؟ فقال: (إن المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا عليها معقلة (2)، إنما ذلك على الجال). فقلت في نفسي: قد كان قيل لي إن ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد الله عليه السلام عن هذه المسألة فأجابه بمثل هذا الجواب، فأقبل أبو محمد علي فقال: (نعم هذه مسألة ابن أبي العوجاء، والجواب منا واحد، إذا كان معنى المسألة واحدا جرى لآخرنا ما جرى لاولنا، وأولنا وآخرنا في العلم والامر سواء، ولرسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فضلهما) (3). وبهذا الاسناد، عن أبي هاشم قال: كتب إليه - يعني أبا محمد عليه


2: = 437 و 439 ودون ذيله في: كشف الغمة 2: 432 كا ثاقب المناقب: 577 / 526، الفصول المهمة: 286، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 254 / 10. (1) الغيبة للطوسي: 206 / 175، إثبات الوصيه للمسعودي: 215، الخرائج والجرائح 1: 453 / 39، مناقب ابن شهرآشوب 4: 437،، كشف الغمة 2: 418، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 205 / 3. (2) المعقلة: الدية. (النهاية 2: 279). (3) الكافي 7: 85 / 2، التهذيب 9:، 274 / 992، الخرائج وا لجرائح 2: 685 / 5، مناقب ابن شهرآشوب 4: 437، كشف الغمة 2: 420، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 255 / 11. (*)

[ 143 ]

السلام - بعض مواليه يسأله أن يعلمه دعاء فكتب إليه: (ادع بهذا الدعاء: يا أسمع السامعين، ويا أبصر المبصرين، ويا أنظر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، ويا أحكم الحاكمين، صل على محمد وآل محمد، وأوسع لي في رزقي، ومدلي في عمري، وامنن علي برحمتك، واجعلني ممن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل به غيري). قال أبو هاشم فقلت في نفسي: اللهم اجعلني في حزبك وفي زمرتك، فأقبل علي أبو محمد عليه السلام فقال: (أنت في حزبه وفي زمرته إن كنت بالله مؤمنا ولرسوله مصدقا، وأوليائه عارفا، ولهم تابعا، فابشر ثم أبشر) (1). وبهذا الاسناد، عن أبي هاشم قال: سمعت أبا محمد عليه السلام يقول: (من الذ نوب التي لا تغفر قول الرجل ليتني لا اؤاخذ إلا بهذا). فقلت في نفسي: إن هذا لهو الدقيق، وقد ينبغي للرجل أن يتفقد من نفسه كل شئ. فأقبل علي أبو محمد فقال: (صدقت يا أبا هاشم، ألزم ما حدثتك به نفسك، فإن الاشراك في الناس أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء ومن دبيب الذر على المسح الاسود) (2). وبهذا الاسناد قال: سمعت أبا محمد عليه السلام يقول: (إن في الجنة بابا يقال له المعروف لا يدخله إلا أهل المعروف) فحمدت الله تعالى


(1) مناقب ابن شهرآشوب 4: 439، كشف الغمة 2: 421. (2) الغيبة للطوسي: 206 / 175، إثبات الوصية للمسعودي: 212، الخرائج والجرائح 2: 688 / 11، مناقب ابن شهرآشوب 4: 439، كشف الغمة 2: 420، ثاقب المناقب: 567 / 509، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 250 / 4. (*)

[ 144 ]

في نفسي وفرحت مما أتكلفه من حوائج الناس، فنظر إلي أبو محمد عليه السلام وقال: (نعم قد علمت ما أنت عليه، وإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، جعلك الله منهم يا أبا هاشم ورحمك) (1). وبهذا الاسناد، عن أبي هاشم قال: دخلت على أبي محمد وأنا اريد أن أساله ما أصوغ به خاتما أتبرك به، فجلست وانسيت ما جئت له، فلما ودعته ونهضت رمى إلي بخاتم فقال: (أردت فضة فأ عطيناك خاتما وربحت الفص والكرى، هناك الله يا أبا هاشم). فتعجب من ذلك فقلت: يا سيدي، إنك ولي الله وإمامي الذي أدين الله بفضله وطاعته. فقال: (غفر الله لك يا أبا هاشم) (2). وهذا قليل من كثير ما شاهده أبو هاشم من آياته عليه السلام ودلالاته، وقد ذكر ذلك أبو هاشم فيما روي لنا عنه بالاسناد الذي ذكرناه، قال: ما دخلت على أبي الحسن وأبي محمد عليهما السلام يوما قط إلا رأيت منهما دلالة وبرهانا (3). محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أحمد بن محمد قال: كتبت إلى أبي


(1) الخرائج والجرائح 2: 689 / 12، مناقب ابن شهرآشوب 4: 432، كشف الغمة 2: 420،، ثاقب المناقب: 564 / 501، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 258 / 16. (2) الكافي 1: 429 / 21، كشف الغمة 2: 421، ثاقب المناقب: 565 / 503، ودون ذيله في: الخرائج والجرائح 2: 684 / 4، ومناقب ابن شهرآشوب 4: 437، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 254 / 8. (3) الخرائج والجرائح 2: 684 / صدر رواية 4، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 254 / صدر رواية 8. (*)

[ 145 ]

محمد عليه السلام حين أخذ المهتدي في قتل الموالي وقلت: يا سيدي، الحمد لله الذي شغله عنك، فقد بلغني أنه يتهددك ويقول: والله لاجلينهم عن جديد الارض. فوقع أبو محمد عليه السلام بخطه: (ذاك أقصر لعمره، عد من يومك هذا خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف يمر به) فكان كما قال عليه السلام (1) وبإسناده، عن أحمد بن محمد الاقرع قال: حدثنا أبو حمزة نصير الخادم قال: سمعت أبا محمد عليه السلام غير مرة يكلم غلمانه بلغاتهم وفيهم ترك وروم وصقالبة، فتعجبت من ذلك وقلت: هذا ولد بالمدينة ولم يظهر لاحد حتى مضى أبو الحسن ولا رآه أحد فكيف هذا ؟ - احدث نفسي بهذا - فاقبل علي وقال: (الله تبارك وتعالى بين حجته من سائر خلقه، وأعطاه معرفة كل شئ، فهو يعرف اللغات والانساب والحوادث، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق) (2) وبإسناده، عن الحسن بن ظريف قال: اختلج في صدري مسألتان أردت الكتاب بهما إلى أبي محمد عليه السلام، فكتبت أسأله عن القائم إذا قام بم يقضي ؟ وأين مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس ؟ وأردت أن أكتب أسأله عن شئ لحمى الربع فأغفلت ذكر الحمى، فجاء الجواب: (سألت عن القائم وإذا قام قضى في الناس بعلمه كقضاء داود لا يسأل عن بينة، وكنت أردت أن تسأل عن حمى الربع فأنسيت، فاكتب في ورقة وعلقها على


(1) الكافي 1: 427 / 16. (2) الكافي 1: 426 / 11، وكذا في ارشاد المفيد 2: 331، ومناقب ابن شهرآشوب 4: 428، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 268 / 28 (*)

[ 146 ]

المحموم (يا ناركوني بردا وسلاما على إبراهيم) (1)) فكتبت ذلك وعلقته على محموم لنا فأفاق وبرئ (2). وأمثال هذه الاخبار كثرة لا نطول الكتاب بذكرها.


الا نبياء 21: 69 (2) الكافي 1: 426 / 13، وكذا في ارشاد المفيد 2: 331، ومناقب بن شهرآشوب 4: 431، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 264 / 24. (*)

[ 147 ]

(الفصل الرابع) في ذكر طرف من مناقبه وخصائصه ونبذ من أخباره عليه السلام محمد بن يعقوب، عن رجاله قالوا: كان أحمد بن عبيدالله بن خاقان على الضياع والخراج بقم، وكان شديد النصب والانحراف عن أهل البيت، فجرى في مجلسه ذكر العلوية يوما فقال: ما رأيت ولا عرفت من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا في هديه وسكونه، وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم كافة، وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك كانت حاله عند القواد والوزراء وعامة الناس، وأذكر أني كنت يوما قائما على رأس أبي إذ دخل حجابه فقالوا: أبو محمد ابن الرضا بالباب، فقال بصوت عال: إئذنوا له، فتعجبت من جسارتهم أن يكنوا رجلا بحضرة أبي ولم يكن يكنى عنده إلا خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان. فدخل رجل أسمر، حسن القامة، جميل الوجه، حديث السن، له جلالة وهيئة حسنة، فلما نظر إليه قام يمشي إليه خطا - ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقواد - فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه وصدره، وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه الذي كان عليه، وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويفديه بنفسه، وأنا متعجب مما أرى منه، إذ دخل الحاجب فقال: الموفق (1) قد جاء.


(1) أبو أحمد بن المتوكل العباسي توالى ثلالة من اخوته خلافة الدولة العباسية، وهم: المعتز، وا لمهدي، والمعتمد. (*)

[ 148 ]

وكان الموفق إذا دخل على أبي يقدمه حجابه وخاصة قواده، فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج، فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمد حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ: إذا شئت جعلت فداك، ثم قال لحجابه: خذوا به خلف السماطين لا يراه هذا - يعني الموفق -. فقام وقام أبي وعانقه ومضى، فلم أزل يومي ذلك متفكرا في أمره وأمر أبي، وما رأيته منه حتى كان الليل، فلما صلى العتمة وجلس جلست بين يديه وليس عنده أحد، فقال: يا أحمد ألك حاجة ؟ قلت: نعم يا أبه، من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الاجلال والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك ؟ فقال: يا بني ذاك إمام الرافضة الحسن بن علي المعروف بابن الرضا، ثم سكت ساعة وأنا ساكت، ثم قال: يا بني، لوزالت الامامة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غيره لفضله وعفافه، وهديه وصيانته، وزهده وعبادته، وجميل أ خلاقه ؟ صلاحه، ولو رأيت أباه رأيت رجلا جزلا نبيلا فاضلا. فازددت قلقا وتفكرا وغيظا على أبي، ولم تكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره، فما سألت أحدا من بني هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عنده في غاية الاجلال والاعظام والمحل الرفيع والتقديم له على جميع أهل بيته، فعظم قدره عندي، إذ لم أجد له وليا ولا عدوا إلا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه. فقال له بعض الحاضرين: فما خبر أخيه جعفر ؟ فقال: ومن جعفر فيسأل عن خبره، أو يقرن الحسن بجعفر ! (إن جعفرا) معلن الفسق، فاجر شريب للخمور، أقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لنفسه.

[ 149 ]

ولقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن ابن علي ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون وذلك أنه لما اعتل بعث إلى أبي: أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلا ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فيهم نحرير، وأمرهم بلزوم دار الحسن، وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين وأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحا ومساء. فلما كان بعد يومين أو ثلاثة أخبر أنه ضعف، فامر المتطببين بلزوم داره، وبعث إلى قاضي القضاة فاحضره مجلسه وأمره أن يختار عشرة ممن يوثق بهم، وبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلا ونهارا، فلم يزالوا هناك حتى توفي عليه السلام، فلما ذاع خبر وفاته صارت سر من رأى ضجة واحدة، وعطلت الاسواق، وركب بنو هاشم والقواد وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سرمن رأى يومئذ شبيها بالقيامة. فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية، وعلى القواد والكتاب والقضاة والمعدلين فقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه، على فراشه، وحضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان، ومن المتطببين فلان وفلان، ومن القضاة فلان وفلان، ثم غطى وجهه وصلى عليه وأمر بحمله. فلما دفن جاء جعفر بن علي إلى أبي فقال له: اجعل لي مرتبة أخي وأنا اوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار، فزبره أبي وأسمعه ما كره وقال له: يا أحمق، إن السلطان جرد سيفه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماما

[ 150 ]

فلا حاجة بك إلى سلطان يرتبك مراتبهم ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا، ثم أمر أبي أن يحجب عنه، ولم يأذن له في الدخول عليه حتى مات أبي، وخرجنا وهو على تلك الحال، والسلطان يطلب أثرا لولد الحسن بن علي إلى اليوم ولا يجد إلى ذلك سبيلا، وشيعته مقيمون على أنه مات وخلف ولدا يقوم مقامه في الامامة (1). محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل العلوي قال: حبس أبو محمد عند علي بن أوتامش (2) وكان شديد العداوة لال محمد عليهم السلام، غليظا على آل أبي طالب، وقيل له: إفعل به وافعل. قال: فما أقام إلا يوما حتى وضع خديه له، وكان لا يرفع بصره إليه إجلالا له وإعظاما، وخرج من عنده وهوأحسن الناس بصيرة وأحسنهم فيه قولا (3). وبهذا الاسناد أيضا قال: دخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد عليه السلام فقالوا له: ضيق عليه، فقال لهم صالح: ما أصنع به وقد وكلت به رجلين شر من قدرت عليه فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام على أمر عظيم. ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل ؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، وإذا نظرنا، إليه أرعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من


(1) الكافي 1: 421 / 1، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 321، وباختلاف يسير في كمال الدين: 40، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 329 / 2. (2) في الكافي: نارمش. (3) الكافي 1: 425 / 8، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 329، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50 / 307: 4. (*) * اعلام الوري بأعلام الهدى الجزء الثاني ازص 151 ص 200

[ 151 ]

أنفسنا. فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خائبين (1). وبهذا الاسناد، عن جماعة من أصحابنا قالوا: سلم أبو محمد إلى نحرير (2) وكان يضيق عليه ويؤذيه، فقالت له امرأته: اتق الله فإنك لا تدري من في منزلك، وذكرت له صلاحه وعبادته، فقال: والله لارمينه بين السباع، ثم استأذن في ذلك فأذن له، فرمى به إليها، ولم يشكوا في أكلها له، فنظروا إلى الموضع فوجدوه عليه السلام قائما يصلي وهي حوله، فأمر بإخراجه إلى داره (3). وكان مرضه عليه السلام الذي توفي فيه في أول شهر ربيع الاول سنة ستين ومائتين، وتوفي عليه السلام يوم الجمعة لثمان خلون من هذا الشهر، وخلف ولده الحجة القائم المنتظر لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده لشدة طلب سلطان الوقت له واجتهاده في البحث عن أمره، فلم يره إلا الخواص من شيعته على ما نذكره بعد. وتولى أخوه جعفر أخذ تركته، وسعى إلى السلطان في حبس جواري أبي محمد عليه السلام، وشنع على الشيعة في انتظارهم ولده وقطعهم بوجوده واعتقادهم لامامته، وجرى بسبب ذلك على مخلفة أبي محمد عليه السلام وشيعته كل بلاء ومحنة، من حبس واعتقال وشدة، واجتهد جعفر في


(1) الكافي 1: 429 / 23، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 334، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 308 / 6. (2) نحرير: من خواص خدم بني العباس، وحفظة أسرارهم. (3) الكافي 1: 430 / 26، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 334، ثاقب المناقب: 580 / 530، ونقله المجلسي في بحار الانوار 50: 309 / 7. (*)

[ 152 ]

القيام مقامه فلم يقبله أحد من الطائفة، بل تبرؤوا منه ولقبوه الكذاب (1). وله أخبار كثيرة في هذا المعنى، مشهورة عند أصحابنا، رأيت الاضراب عن ذكرها تحريا للاختصار وبالله التوفيق. (هامش) * (1) انظر: ارشاد المفيد 2: 336. (*)

[ 153 ]

(الركن الرابع من الكتاب) في ذكر إمامة الاثني عشر، والامام الثاني عشر

[ 154 ]

المطلب الاهم، والغرض الاتم من هذا الركن: الكلام في تصحيح إمامة صاحب الزمان، ابن الحسن، القائم الحجة، مهدي الامة، وكاشف الغمة، على الجملة والتفصيل، بثابت البرهان، وواضح الدليل، ثم إن ذلك يدور على قسمين: أحدهما: ذكر البراهين والبينات من جهة النصوص الدالة على إمامة الاثني عشر الذين هو خاتمهم وقائمهم - عليهم أجمعين أفضل الصلاة والسلام - وقد رواها الخاصة والعامة، وأطبق على نقلها الفرقتان المتباينتان، والطائفتان المختلفتان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما يؤيد ذلك من الادلة التي تجملهم وتعمهم وتشملهم. والاخر: ذكر الدلالات الواضحة في إمامته عليه السلام خاصة على التعيين والتفصيل، والافراد له بالدليل بعد اشتراكه عليه السلام في دلالة الاعتبار، مع ذكر طرف من الاخبار في ذكر مولده وغيبته، وعلامات وقت قيامه، ومدة دولته، وبيان سيرته.

[ 155 ]

(ذكر القسم الاول) من الركن الرابع وهو الكلام في الدلالة على إمامة الاثني عشر من آل محمد عليهم السلام ويشتمل على ثلاثة فصول:

[ 157 ]

(الفصل الاول) في ذكر بعض الاخبار التي جاءت في النص على عدد الاثني عشر من الائمة من طريق العامة، على طريق الاجمال إعلم: أن الخبر إذا رواه المعترف بصحته، الدائن بصدقه، ووافقه في ذلك المنكر لمضمونه، الدافع لما اشتمل عليه، فقد أسفر فيه الحق عن وجه الدلالة، لاتفاق المتضادين في المقالة، إذ لو كان باطلا لما توفرت دواعي المنكر له في نقله وهو حجة عليه، بل كانت منه الدواعي متوفرة في دفعه على مجرى العرف والعادة، لا سيما وقد سلم من نقل معارضة تسقط الحجة به، أو دعوى تكافئه في الظاهر فتمنع من العمل عليه والاعتقاد به، وإذا كانت الاخبار الواردة في أعداد الائمة عليهم السسلام بهذه الصفة فقد وجب القطع بصحتها. فمما جاء من الاخبار التي نقلها أصحاب الحديث غير الامامية في ذلك وصححوها: ما رواه الامام أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي - محدث خراسان - قال: أخبرنا أبو العباس المستغفري قال: حدثنا أبو الحسين (1) نصر بن أحمد بن إسماعيل الكسائي (2)، أخبرنا أبو حاتم جبريل ابن مجاع الكسائي، أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: وأخبرنا أبو القاسم الكاتب، أخبرنا أبو حامد الصائغ، أخبرنا أبو العباس الثقفى، حدثنا قتيبة.


(1) في نسخة (م): الحسن. (2) في نخة ق: الكشاني. (*)

[ 158 ]

وأخبرنا أبو سلمة القاضي، أخبرنا أبو القاسم النسوي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن المهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أن أخبرني بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكتب إلي إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم جمعة عشية رجم الاسلمي يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة). وسمعته يقول: (أنا الفرط على الحوض). رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكربن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد (1). قال: وأخبرنا أبو القاسم الكاتب، أخبرنا أبو حامد الصائغ، أخبرنا أبو العباس الثقفي، حدثنا محمد بن رافع، حدثنا ابن أبي فديك، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن مهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد: أنه أرسل إلى ابن سمرة العدوي فقال: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكتب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يزال الدين قائما حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، وأنا الفرط على الحوض). رواه مسلم عن محمد بن رافع (2). وأخبرنا عبد العزيز بن أحمد الكاتب، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الحارثي، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم


(1) صحيح مسلم 3: 1453 / 1822، ورواه أحمد في مسنده 5: 89. (2) صحيح مسلم 3: 1454، ورواه الطبراني في المعجم الكبير 2: 199 / 1808. (*)

[ 159 ]

قال: (يكون بعدي اثنا عشر أميرا)، وتكلم بكلمة فلم أفهم ما قال، فسألت القوم فزعموا أنه قال: (كلهم من قريش). رواه مسلم عن قتيبة (1). قال: وأخبرنا أبو سلمة القاضي، حدثنا أبو القاسم النسوي، أخبرنا أبو العباس النسوي، حدثنا أبو الحصين عبد الله بن أحمد بن عبد الله اليربوعي، حدثنا عنبر، حدثنا حصين، عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي: (إن هذا الامر لن ينقضي - أو لن يمضي - حتى يكون فيكم اثنا عشر خليفة) ثم قال: شيئا لم أسمعه، فسألتهم، فقالوا: (كلهم من قريش) (2). قال: وأخبرنا أبو سلمة القاضي، أخبرنا أبو القاسم النسوي، أخبرنا أبو العباس النسوي، حدثنا أبو عمارة، حدثنا الفضل بن موسى، عن وهب، عن أبي خالد الوالبي قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يضر هذا الدين في ناواه حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (3). قال: وأخبرنا أبو سلمة القاضي، حدثنا أبو القاسم النسوي، حدثنا أبو العباس النسوي، حدثنا جعفر بن حميد العبسي، حدثنا يونس بن أبي يعفور، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ة (لا يزال أمر امتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من


(1) صحيح مسلم 3: 1453، ورواه أحمد في مسنده 5: 94 و 99 و 108، والترمذي في سننه 4: 501 / 2223، والطبراني في المعجم الكبير 2 ة 223 / 1923 و 226 / 1936. (2) صحيح مسلم 3: 1452 / 1821، المعجم الكبير للطبراني 2: 255 / 2068. (3) المعجم الكبير للطبراني 2: 208 لم 9852، ونحوه في مسند أحمد 5: 88. (*)

[ 160 ]

قريش) (1). ومما ذكره الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (2) في كتابه: قال: ومن ذلك ما رواه محمد بن عثمان الدهني حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود فقال له رجل: أحدثكم نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم كم يكون بعده من الخلفاء ؟ فقال له عبد الله: نعم، وما سألني عنها أحد قبلك، وإنك لاحدث القوم سنا، سمعته عليه السلام يقول: (يكون بعدي من الخلفاء عدة نقباء موسى اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش) (3). وروى عثمان بن أبي شيبة، وأبو سعيد الاشج، وأبو كريب، ومحمود ابن غيلان، وعلي بن محمد، وإبراهيم بن سعيد جميعا، عن أبي أسامة، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق مثل الاول بعينه (4). ورواه أبو أسامة، عن أشعث، عن عامر الشعبي، عن عمه قيس بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود. وذكر نحوه (5).


(1) أخبار اصفهان 2: 176، المعجم الكبير للطبراني 22: 120 / 308، مجمع الزوائد 5: 190، فتح الباري 13: 180. (2) كذا في جميع النسخ، ولعله اشتباه وقع فيه النساخ، إذ أن هذه الروايات وردت بعينها في كتاب الغيبة للشيخ محمد بن إبراهيم النعماني وليس في كتاب الشيخ المفيد كما هو مثبت أعلاه، فتأمل. (3) الغيبة للنعماني: 116 / 3، ورواه الطوسي في الغيبة 133 / 97، الخصال: 468 / 10، ونقله المجلسي في بحار الانوار 36: 298 / 132. (4) الغيبة للنعماني: 116 / 2، ونقله المجلسي في بحار الانوار 36: 299 / 132. (5) الغيبة للنعماني: 117 / 3، ونقله المجلسي في بحار الانوار 36: 299 / 132. (*)

[ 161 ]

ورواه حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله. وزاد فيه: قال: كنا جلوسا عند عبد الله يقرئنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كم يملك أمر هذه الامة من خليفة بعده ؟ فقال له عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق، نعم سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل) (1). وروى عبد الله بن أبي أمية مولى (بني) مجاشع، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن يزال هذا الدين قائما إلى اثني عشر من قريش، فإذا مضوا ساخت (2) الارض بأهلها) (3) وساق الحديث. ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن علي بن جعد، عن زهير بن معاوية، عن زياد بن خيثمة، عن الاسود بن سعيد الهمداني قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، فقالوا له: ثم يكون ماذا ؟ قال: (ثم يكون الهرج) (4).


(1) الغيبة للنعماني: 118 / 5، ورواه ابن شهرآشوب في المناقب 1: 290، والجرهري في مقتضب الاثر: 3 وأحمد في مسنده 1: 398 و 406، وأبو يعلى الموصلي في مسنده 8: 444 / 5031 و 9: 222 / 5322، والهيثمي في مجمع الزوائد 5: 190. (2) في نسختي (ق) و (ط): ماجت. (3) الغيبة للنعماني: 119 / 6، ورواه الجوهري في مقتضب الاثر: 4. (4) الغيبة للنعماني: 102 / 31، ورواه الطوسي في الغيبة: 127 / 90، وابن شهرآشوب في المناقب 1: 290، وأحمد في مسنده) 5: 92، والطبراني في المعجم الكبير 2: 253 / 2053. (*)

[ 162 ]

ورواه سماك بن حرب، وزياد بن علاقة، وحصين بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثله (1) ورواه سليمان بن أحمر قال: حدثنا ابن عون عن الشعبي، عن جابر ابن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يزال أهل هذا الدين ينصرون على من ناواهم إلى اثني عشر خليفة) فجعل الناس يقومون ويقعدون، وتكلم بكلمة لم أفهمها، فقلت لم لا بي - أو لاخي -: أيى شئ قال ؟ قال: قال: (كلهم من قريش) (2) ورواه فطر بن خليفة، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله (3) ورواه سهل بن حماد، عن يونس بن أبي يعفور قال: حدثني عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمي جالس بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يزال أمر أمتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (4). إسم أبي جحيفة وهبئ بن عبد الله.


(1) الغيبة للنعماني. 10 3 / 32. و 123 / 14، ورواه الطوسي في الغيبة: 128 / 91، وابن شهرآشوب في المناقب 1: 290، وأحمد في مسند 5: 92، والطبراني في المعجم الكبير 2: 254 / 2063. (2) الغيبة للنعماني: 103 / 33، ورواه الطوسي في الغيبة: 129 / 93، وابن بطريق في العمدة: 418 / 865، والطبراني باختلاف يسير في المعجم الكبير 2: 195 - 196 / 1791 و 1795. (3) الغيبة للنعماني: 106 / 36 و 107 / 38، ورواه الطوسي في الغيبة: 132 / 96. (4) الغيبة للنعماني: 125 / 21، ورواه ابن شهرآشوب في المناقب 1: 291، والهيثمي في مجمع الزوائد 5: 190. (*)

[ 163 ]

وروى الليث بن سعد، عن خالد بن زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف قال: كنا عند شقيق (1) الاصبحي فقال: سمعت عبد الله ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يكون خلفي اثنا عشر خليفة) (2). ورواه حماد بن سلمة عن أبي الطفل قال: قال لي عبد الله بن عمر: يا أبا الطفيل أعدد اثني عشر خليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يكون النقف والنقاف (3) (4). ومما ذكره الشيخ أبو عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد الدوريستي رحمه الله في كتابه في الرد على الزيدية قال. أخبرني أبي قال: أخبرني الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن خلف بن حماد الاسدي، عن


(1) كذا في نسخنا وهو تصحيف صوابه: شفى بن ماتع الاصبحي، من التابعين. أرسل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة. وثقه النسائي وابن حبان والعجلي وابن يونس وغيرهم. قيل: توفي عام (105 ه‍). أنظر: تهذيب التهذيب 4: 315، الثقات لابن حبان 4: 371، طبقات ابن سعد 7. 5 13، اسد الغابة 2: 374 / 2443، تهذيب الكمال 12: 543 / 2764. (2) الغيبة للنعماني: 104 / 34، ورواه الطوسي في الغيبة: 130 / 94، وابن شهرآشوب في المناقب 1: 291. (3) قال ابن الاثير في النهاية (5: 109): وفي حديث عبد الله بن عمر: (اعدد اثني عشر. ثم يكون النقف والنقاف) أي القتل والقتال، والنقف: هشم الرأس. أي تهيج الفتن والحروب بعدهم. (4) الغيبة للنعماني: 105 / 35 و 127 / 24، ورواه الطوسي في الغيبة: 131 / 95، وابن شهرآشوب في المناقب 1: 291. (*)

[ 164 ]

الاعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حضرته وفاته فقلت: يا رسول الله إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من ؟ فأشار إلى علي عليه السلام فقال: (إلى هذا، فإنه مع الحق والحق معه، ثم يكون من بعده أحد عشر إماما مفترضة طاعتهم كطاعته) (1). قال: وأخبرني المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان قال: أخبرني محمد بن علي قال: حدثني حمزة بن محمد العلوي، حدثنا أحمد ابن يحيى الشحام، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي غياث الاعين، حدثنا سويد بن سعيد الانباري، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن شردين الصنعاني، عن ابن مثنى، عن أبيه، عن عائشة قال: سألتها كم خليفة يكون لرسول الله صلى الثه عليه وآله وسلم ؟ فقالت: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة. قال: فقلت لها: من هم ؟ فقالت: أسماؤهم عندي مكتوبة بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقلت لها: فاعرضيه، فأبت (2). قال: وأخبرني أبو عبد الله محمد بن وهبان قال: حدثنا أبو بشر أحمد ابن إبراهيم بن أحمد العمي قال: أخبرنا محمد بن زكريا بن دينار الغلابي حدثنا سليمان بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس قال:


(1) كشف الغمة 2: 504، وروى قطعة منه الخزاز في كفاية الاثر: 18 و 20، ونقله المجلسي في بحار الانوار 36: 300 / 136. (2) كشف الغمة 2: 505، ونقله المجلسي في بحار الانوار 6: 300 / 137. (*)

[ 165 ]

حدثني أبي قال: كنت يوما عند الرشيد فذكر المهدي وما ذكر من عدله، فأطنب في ذلك، فقال الرشيد: إني أحسبكم تحسبونه أبي، (إن أبي) (1) المهدي. حدثني عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (يا عم، يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثم تكون أمور كريهة وشدة عظيمة، ثم يخرج المهدي من ولدي، يصلح الله أمره في ليلة، فيملا الارض عدلا كما ملئت جورا، ويمكث في الارض ما شاء الله، ثم يخرج الدجال) (2). هذا بعض ما جاء من الاخبار من طرق المخالفين ورواياتهم في النص على عدد الائمة الاثني عشر عليهم السلام، وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت ذلك - كما نقلته الشيعة الامامية - ولم تنكر ما تضمنه الخبر فهو أدل دليل على أن الله تعالى هو الذي سخرهم لروايته، إقامة لحجته، وإعلاء لكلمته، وما هذا الامر إلا كالخارق للعادة، والخارج عن الامور المعتادة، ولا يقدر عليه إلا الله تعالى الذي يذلل الصعب، ويقلب القلب، ويسهل العسير، وهو على كل شئ قدير.


(1) مابين القوسين لم يرد في نسختي (ط) و (أ) وكذا في نسخة البحار والمصادر المذكورة. ولكنا اثبتناه من نسخة (ق) لضرورة السياق. (2) مناقب ابن شهر آشوب 1: 292، فرائد السمطين 2: 329 / 579، ودون صدره في كشف الغمة 2: 505، ونقله المجلسي في بحار الانوار 36: 300 /، 138. (*)

[ 166 ]

(الفصل الثاني) في ذكر بعض الاخبار التي جاءت من طرق الشيعة الامامية في النص على إمامة الاثني عشر من آل محمد عليهم السلام وهذه الاخبار على ضربين: أحدهما يتضمن النص على عدد الاثني عشر على الجملة، والثاني: يتضمن النص على أعيان الائمة الاثني عشر على التفصيل. فأما الضرب الاول منهما فنحو ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله الانصاري. قال: دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي (1). وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجن والانس، وجعل من بعده اثني عشر وصيا، منهم من سبق ومنهم من بقي، وكل وصي جرت به


(1) الكافي 1: 447 / 9، وكذا في: كمال الدين: 269 / 13 و 311 / 3 و 313 / 4، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 46 / 6 و 47 / 7، الفقيه 4: 132 / 459، الخصال: 477 / 42، ارشاد المفيد 2: 346، الغيبة للطوسي: 139 / 103، وفى بعضها (وثلاثة منهم علي) بدل (واربعة منهم علي). (*)

[ 167 ]

سنة، والاوصياء الذين من بعد محمد على سنة أوصياء عيسى، وكانوا اثني عشر، وكان أمير المؤمنين عليه السلام على سنة المسيح عليه السلام) (1). وعنه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله ومحمد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي يحيى المديني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: كنت حاضرا لما هلك أبو بكر واستخلف عمر، إذ أقبل رجل من عظماء يهود يثرب يزعم يهود المدينة أنه أعلم (أهل) زمانه، حتى رفع إلن عمر فقال له: يا عمر، إني جئتك أريد الاسلام، فإن أخبرتني عما أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب محمد بالكتاب والسنة وجميع ما أريد أن أسأل عنه. قال: فقال له عمر: إني لست هناك ولكني أرشدك إلى من هو أعلم أمتنا بالكتاب والسنة وجميع ما قد تسأل عنه، وهو ذاك. وأومأ إلى علي عليه السلام. وساق الحديث إلى أن قال: قال له أمير المؤمنين عليه السلام: (سل عما بدالك (2)). فقال: أخبرني عن ثلاث وثلاث وواحدة. فقال له علي عليه السلام: (لم لم تقل: عن سبع) ؟ فقال له اليهودي: إنك إن أخبرتني بالثلاث سألتك عن البقية وإلا كففت.


(1) الكافي 1: 447 / 1، وكذا في: كمال الدين: 326 / 4، الخصال: 478 / 43، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 55 / 2، الامامة والتبصرة: 134 / 146، ارشاد المفيد 2: 345، الغيبة للطوسي: 141 / 105، اثبات الوصية: 228. (2) في الكافي زيادة: اخبرك ان شاء الله (*)

[ 168 ]

(فقال له: (سل عما بدالك يا يهودي)) (1). قال: أخبرني عن أول حجر وضع على وجه الارض، وأول شجرة غرست على وجه الارض، وأول عين نبعت على وجه الارض. فأخبره أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال له اليهودي: أخبرني عن هذه الامة كم لها من إمام هدى ؟ وأخبرني عن نبيكم محمد أين منزله في الجنة ؟ وأخبرني من معه في الجنة ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (إن لهذه الامة اثني عشر إماما من ذرية نبيها وهم مني، وأما منزل نبينا في الجنة ففي أفضلها وأشرفها جنة عدن، وأما من معه في منزله فهؤلاء الاثنا عشر من ذرتيه وأمهم وجدتهم وأم أمهم وذراريهم لا يشركهم فيها أحد). الخبر بتمامه (2). وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن حيان السراج، عن داود بن سليمان الكناني، عن أبي الطفيل قال: شهدت جنازة أبي بكر يوم مات، وشهدت عمر حين بويع وعلي جالس ناحية، فأقبل يهودي جميل عليه ثياب حسان - وهومن ولد هارون - حتى قام على رأس عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم هذه الامة بكتابهم وأمر نبيهم ؟ فطأطأ عمر رأسه، فأعاد عليه القول، فقال له عمر: ولم ذلك ؟ فقال له: إني جئت مرتادا لنفسي، شاكا في ديني، أريد الحجة، وأطلب البرهان. فقال له عمر: دونك هذا الشاب، وأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام


(1) ما بين المعقوفين أثبتناه من الكافي، وكذا ما سبقه. (2) الكافي 1: 446 / 8، وكذا في: الغيبة للطوسي: 152 / 113، ونحوه في: كمال الدين: 300 / 8، وعيون أخبار الرضا: 52 / 19، والخصال: 476 / 40، والاحتجاج 1: 226. (*)

[ 169 ]

فقال الغلام: ومن هذا ؟ قال عمر: هذا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله، وأبو الحسن والحسين ابني رسول الله، وزوج فاطمة بنت رسول الله، وأعلم الناس بالكتاب والسنة. قال: فأقبل الغلام إلى علي عليه السلام فقال له: أنت كذلك ؟ فقال له علي: (نعم). قال الغلام: أريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة. فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (يا هاروني، ما منعك أن تقول: سبعا) ؟ قال: أريد أسألك عن ثلاث، فإن علمتهن سألتك عما بعدهن، وإن لم تعلمهن علمت أنه ليس فيكم عالم. قال أمير المؤمنين عليه السلام: (فإني أسألك بالاله الذي تعبده، لئن أنا أجبتك عن كل ما تسأل لتد عن دينك ولتد خلن في ديني ؟) قال: ما جئت إلا لذاك. قال: (فسل). قال: فأخبرني عن أول قطرة دم قطرت على وجه الارض أي قطرة هي ؟ وأول عين فاضت على وجه الارض أي عين هي ؟ وأول شجر اهتز على وجه الارض أي شعر هو ؟ (فقال عليه السلام: (يا هاروني، أما أنتم فتقولون: أول قطرة قطرت على وجه الارض حيث قتل أحد ابني آدم، وليس كذلك، ولكنه حيث طمثت حواء وذلك قبل أن تلد ابنيها. وأما أنتم فتقولون: إن أول عين فاضت على وجه الارض العين التي ببيت المقدس، وليس هو كذلك، ولكنها عين الحياة التي وقف عليها موسى

[ 170 ]

وفتاه ومعهما النون المالح فسقط فيها فحيي وهذا الماء لا يصيب ميتا إلا حيي. وأما أنتم فتقولون: إن أول شجر اهتز على وجه الارض الشجرة التي كانت منها سفينة نوح عليه السلام، وليس هو كذلك، ولكنها النخلة التي اهبطت من الجنة وهي العجوة ومنها تفرع كل ما ترى من أنواع النخل). فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لاجد هذا في كتب أبي هارون عليه السلام كتابته بيده وإملاء عمي موسى عليه السلام)) (1). ثم قال: أخبرني عن الثلاث الاخر عن أوصياء محمد كم بعده من أئمة عدل ؟ و (أين) (2) منزله في الجنة ؟ ومن يكون ساكنا معه في منزله ؟ فقال: (يا هاروني، إن لمحمد اثني عشر وصيا أئمة عدل، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ولا يستوحشون لخلاف من خالفهم، وإنهم أرسب في الدين من الجبال الرواسي في الارض، ومسكن محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جنة عدن التي ذكرها الله عزوجل وغرسها بيده، ومعه في مسكنه أولئك الا ثني عشر العدول). فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لاجد ذلك في كتب أبي هارون كتابته بيده وإملاء عمي موسى عليه السلام. قال: فأخبرني عن الواحدة: كم يعيش وصي محمد بعده ؟ وهل يموت أو يقتل ؟ فقال: (يا هاروني، يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوما ولا ينقص


(1) ما بين القوسين لم يرد في الكافي ضمن الرواية المذكور سندها، بل ورد عوضا عنه: فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام. (2) في نسختي (ط) و (ق): عن، وأثبتنا ما في نسخة (م) وهو الموافق لما في الكافي. (*)

[ 171 ]

يوما، ثم يضرب ضربة هاهنا) ووضع يده على قرنه، وأومأ إلى لحيته (فتخضب هذه من هذا). قال: فصاح الهاروني وقطع كستيجه (1) وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينبغي أن تفوق ولا تفاق وأن تعظم ولا تستضعف قال: ثم مضى به علي عليه السلام إلى منزله فعلمه معالم الدين (2). وقد روي هذا الخبر من طرق أخر تركناها خوف الاطالة. وعن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن أبي سعيد العصفوري، عن عمرو بن ثابت، عن أبي حمزة قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: (إن الله تعالى خلق محمدا واثني عشر من أهل بيته من نور عظمته، وأقامهم أشباحا في ضياء نوره، يعبدونه ويسبحونه ويقدسونه، وهم الائمة من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم) (3). وعنه، عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن الخشاب، عن الحسن بن سماعة، عن علي بن الحسين بن رباط، عن ابن أذينة، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (من آل محمد اثنا عشر إماما كلهم محدث من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولد علي بن أبي طالب عليه السلام، فرسول الله وعلي هما الوالدان) (4).


(1) الكستيج (بالضم): خيط غليط يشده الذمي فوق ثيابه دون الزنار. (القاموس المحيط 1: 205). (2) الكافي 1 / 444 / 5 وكذا في: كمال الدين: 229 / 6، الغيبة للنعماني: 97 / 29. (3) الكافي 1: 446 / 6. (4) الكافي 1: 448 / 14، وكذا في الغيبة للطوسي: 151 / 112، وباختلات يسير في (*)

[ 172 ]

وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد ابن أبي عبد الله، ومحمد بن حمزة، عن سهل بن زياد جميعا، عن الحسن ابن العباس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عباس: اإن ليلة القدر في كل سنة، وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الامر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). فقال ابن عباس: من هم ؟ قال: (أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون) (1). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاصحابه: (آمنوا بليلة القدر أنها تكون من بعدي لعلي بن أبي طالب وولده وهم أحد عشر من بعده) (2). الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا أحمد بن زياد الهمداني، عن محمد بن معقل القرميسيني، عن محمد بن عبد الله البصري، عن إبراهيم ابن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم الله فهمي وعلمي وحكمتي، وخلقهم من طينتي، فويل للمتكبرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي، مالهم لا أنالهم الله شفاعتي) (3).


2: = ارشاد المفيد 2: 347 (1) الكافي 1: 447 / 11، وكذا في: الخصال: 479 / 47، ارشاد المفيد 2: 346، الغيبة للنعماني 60 / 3، الغيبة للطوسي 141 / 106. (2) الكافي 1: 448 / 12، وكذا في: الخصال: 480 / 48، ونحوه في ارشاد المفيد 2: 346. (3) كمال الدين: 281 / 33. (*)

[ 173 ]

وعنه، من أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن زياد الازدي، عن أبان بن عثمان، عن ثابت بن دينار، عن سيد العابدين علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الائمة بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى على يده مشارق الارض ومغاربها، (1). وعنه، حدثنا علي بن أحمد، حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن يحيى بن أبي القاسم، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الائمة بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم، هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج الله على أمتي بعدي، المقر بهم مؤمن والمنكر لهم كافر) (2). وعنه، (قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور قال: حدثنا الحسين ابن محمد بن عامر، عن المعلى بن محمد البصري، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي لاثنا عشر، أولهم أخي وآخرهم ولدي) قيل: يا رسول الله ومن أخوك ؟ قال: (علي بن أبي طالب) قيل: فمن ولدك ؟ قال: " المهدي الذي يملاها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا


(1) كمال الدين: 282 / 35. (2) كمال الدين: 259 / 4. (*)

[ 174 ]

لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه، وتشرق الارض بنور ربها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب) (1). والاخبار من هذا الفن أكثر مما ذكرناه، فلنقتصر على ما أوردناه، ففيه كفاية ومقنع فيما نحوناه. وأما الضرب الثاني - وهو ما روي من النصوص على أعيان الائمة الاثني عشر عليهم السلام - فمن ذلك: ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه رحمه الله قال: حدثنا أبي، ومحمد بن موسى بن المتوكل، ومحمد بن علي ماجيلويه، وأحمد بن علي بن إبراهيم، والحسين م بن إبراهيم بن ناتانه، وأحمد بن موسى بن زياد الهمداني قالوا: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن بكر بن صالح. وحدثنا أبي، ومحمد بن الحسن قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا، عن أبي الحسن صالح بن أبي حماد، والحسن بن طريف، جميعا، عن بكربن صالح، عن عبد الرحمن بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي. عبد الله عليه السلام قال: (قال أبي عليه السلام لجابر بن عبد الله الانصاري: إن لي إليك حاجة، فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها ؟ فقال له جابر: في أي الاوقات شئت. فخلا به أبي فقال له يا جابر: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي أمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما أخبرتك به أمي أن في ذلك اللوح مكتوبا. قال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة عليها السلام في


(1) كمال الدين: 280 / 27. (*)

[ 175 ]

حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهنئها بولادة الحسين، فرأيت في يدها لوحا أخضر ظننت أنه زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض شبه نور الشمس، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح ؟ فقالت: هذا اللوح أهداه الله عزوجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه إسم أبي واسم بعلي واسم ابني وأسماء الاوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرني (1) بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة فقرأته واستنسخته. فقال أبي عليه السلام: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي. قال: نعم. فمشى معه أبي عليه السلام حتى انتهى إلى منزل جابر وأخرج إلى أبي صحيفة من روق. قال جابر: فأشهد بالله أني رأيته هكذا في اللوح مكتوبا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نوره وسفيره، وحجابه ودليله، نزل به الروح الامين من عند رب العالمين. عظم يا محمد أسمائي، واشكر نعماني، ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا، قاصم الجتارين، ومذل الظالمين (2)، وديان يوم الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيا فأكملت أيامه وانقضت مدته (3) إلا جعلت له وصيا، وإني فضلتك على


(1) في نسختي (ط) و (ق): ليبشرني، وأثبتنا ما في نسخة (م) وهو موافق لما في كمال الدين. (2) في نسخة (م). ومبير المتكرين. (3) في نسختي (ط) و (ق): عهده، أثبتنا ما في نسخة (م) هو الموافق لما في، كمال الدين. (*)

[ 176 ]

الانبياء وفضلت وصيك على الاوصياء، وأكرمتك بشبليك بعده وبسبطيك الحسن والحسين. فجعلت حسنامعدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه. وجعلت حسينا خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه، والحجة البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب. أولهم سيد العابدين وزين أوليائي الماضين. وابنه شبيه جده المحمود محمد الباقر لعلمي والمعدن لحكمي. سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد علي، حق القول مني لاكرمن مثوى جعفر ولاسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه. وانتجبت بعده موسى وانتجبت بعده فتنة عمياء حندس (1)، لان خيط فرضي لا ينقطع، وحجتي لا تخفى، وأن أوليائي لا يشقون، ألا من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، وويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي. إن المكذب بالثامن مكذب بكل أوليائي، وعلي وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وامتحنه بالاضطلاع، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح (2) إلى جنب شر خلقي. حق القول مني لاقرن عينه بمحمد ابنه وخليفته من بعده، فهو وارث علمي، ومعدن حكمي، وموضع سري، وحجتي على خلقي، جعلت الجنة. مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار.


(1) الحندس: الليل الشديد الظلمة. (الصحاح - حدس - 3: 916). (2) في كمال الدين يادة: ذوالقرنين. (*)

[ 177 ]

وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي. أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن. ثم أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، سيذل أوليائي في زمانه، ويتهادون رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الارض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم، أولئك أوليائي حقا، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأرفع الاصار، والا غلال، (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (1). قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلا عن أهله (2). قال: وحدثنا أبو محمد الحسن بن حمزة العلوي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن درست السروي، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن عمران الكوفي، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، وصفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (يا إسحاق، ألا أبشرك ؟) قلت: بلى جعلني الله فداك يابن رسول الله. فقال: (وجدنا صحيفة بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط


(1) البقرة 2: 157. (2) كمال الدين: 308 / 1 عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 41 / 2، وكذا في: الكافي 1 442 / 3، الغيبة للطوسي: 143 / 8، وباختلاف يسير في الغيبة للنعماني: 62 / 5. (*)

[ 178 ]

أمير المؤمنين عليه السلام فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم) وذكر الحديث مثله سواء إلا إنه قال في آخره: ثم قال الصادق عليه السلام: (يا إسحاق هذا دين الملائكة والرسل، فصنه عن غير أهله يصنك الله ويصلح شأنك) ثم قال: (من دان بهذا أمن عقاب الله عزوجل) (1). قال: وحدثنا علي بن الحسين المؤدب وأحمد بن هارون الفامي قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، عن مالك السلولي، عن درست بن عبد الحميد، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن جبلة، عن أبي السفاتج، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، عر جابر بن عبد الله الانصاري قال: دخلت على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الابصار، فيه اثنا عشر اسما: ثلاثة في ظاهره وثلاثة في باطنه وثلاثة اسماء في آخره وثلاثة أسماء في طرفه، فعددتها فإذا هي اثنا عشر، فقلت: أسماء من هؤلاء ؟ قالت: (هذه أسماء الاوصياء، أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي آخرهم القائم). قال جابر: فرأيت فيها محمدا، محمدا، محمدا في ثلاثة مواضع، وعليا، وعليا، وعليا، وعليا، في أربعة مواضع (2). قال: وحدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا الحسن بن، إسماعيل قال: حدثنا سعيد بن محمد القطان قال: حدثنا عبد الله بن موسى الروياني، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي


(1) كمال الدين: 312 / ضيمن حديث 3 (2) كمال الدين: 311 / 2، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 46 / 5. (*)

[ 179 ]

ابن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام: أن محمد بن علي عليهما السلام باقر العلم جمع ولده - وفيهم عفهم زيد بن علي - ثم أخرج إليهم كتابا بخط علي عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكتوب فيه: (هذا كتاب من الله العزيز الحكيم العليم) حديث اللوح إلى الموضع الذي يقول فيه: (وأولئك هم المهتدون، ثم قال في آخره. قال عبد العظيم. العجب كل العجب لمحمد ابن جعفر وخروجه وقد سمع أباه يقول هذا ويحكمه، ثم قال: هذا سر الله ودينه ودين ملائكته فصنه إلا عن أهله وأوليائه (1). قال: وحدثنا أبي قال حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت عبد الله بن جعفر الطيار يقول: كنا عند معاوية أنا والحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد. فذكر حديثا جرى بينه وبينه، وأنه قال لمعاوية بن أبي سفيان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ابني الحسين بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا علي، ثم ابنه محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا حسين، ثم تكملة اثني عشر إماما تسعة من ولد الحسين).


(1) كمال الدين: 312 / ذيل حديث 3. (*)

[ 180 ]

قال عبد الله: ثم استشهدت الحسن والحسين وعبد الله بن عباس، وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد فشهدوا لي عند معاوية. قال سليم بن قيس الهلالي: وقد كنت سمعت ذلك من سلمان وأبي ذر والمقداد وأسامة لن زيد أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1). وحدثنا أبي قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبان بن تغلب، عن سليم قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يقبل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: (أنت سيد ابن سيد، أنت إمام ابن إمام أبو أئمة، أنت حجة ابن حجة أبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم) (2). قال: وحدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين عليهم السلام قال: (اسئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، من العترة ؟ فقال: أنا والحسن والحسين والائمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهد يهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم


(1) كمال الدين: 270 / 15، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 47 / 8، الخصال: 477 / 41، وكذا في: الكافي 444 1 / 4، والغيبة للنعماني: 95 / 27، الغية للطوسي: 137 / 101. (2) كمال الدين: 262 / 9. (*)

[ 181 ]

حتى يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حوضه) (1). قال: وحدثنا علي بن عبد الله الوراق، حدثنا سعد بن عبد الله، حدثنا الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسين بن علوان، عن عمر بن خالد، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون) (2). قال: وحدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، حدثنا الفضل بن الصقر العبدي، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبد الله ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وأن أوصيائي بعدي اثنا عشرأولهم علي ابن أبي طالب وآخرهم القائم) (3). قال: وحدثنا غير واحد من أصحابنا، حدثنا محمد بن همام، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري، عن الحسين بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحارث، عن المفضل بن، عمر، عن يونس بن ظبيان، عن جابر ابن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الانصاري يقول: لما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (4) قلت: يا رسول الله، عرفنا الله


(1) كمال الدين: 240 / 64، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 57 / 25. (2) كمال الدين: 280 / 28 عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 64 / 30، وكذا في. كفاية إلاثر للخزاز: 19. (3) كمال الدين: 280 / 29، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 64 / 31. (4) النساء 3: 59. (*)

[ 182 ]

ورسوله، فمن أولي الامر الذي قرن الله طاعتهم بطاعتك ؟ فقال عليه السلام: (هم خلفائي - يا جابر - وأئمة المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سمعيي وكنيي، حجة الله في أرضه، وبقيته في عباده، ابن الحسن ابن علي، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الارض ومغاربها، وذلك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للايمان). قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته ؟ فقإل صلى الله عليه وآله وسلم: (إي والذي بعثني بالنبوة انهم ليستضيئون بنوره وبنتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب، يا جابر: هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله) (1) إلى آخر الخبر. قال: وحدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن سعيد ابن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تعالى إطلع على الارض إطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار منها عليا فجعله إماما، ثم أمرني أن أتخذه أخا ووصيا


(1) كمال الدين: 253 / 3. (*)

[ 183 ]

وخليفة ووزيرا تعلي مني وأنا من علي وهو زوج ابنتي وأبو سبطي الحسن والحسين، ألا وإن الله تبارك وتعالى جعلني وإياهم حججا على عباده، وجعل من صلب الحسبن أئمة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة فيعلن أمر الله ويظهر دين الله ويؤيد بنصر الله وينصر بملائكة الله، فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا) (1). وبهذا الاسناد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حدثني جبرئيل عن رب العزة جل جلاله أنه قال: من علم أن لا إله إلا أنا وحدي، وأن محمدا عبدي ورسولي، وأن علي بن أبي طالب خليفتي، وأن الائمة من ولده حججي، أدخلته الجنة برحمتي، ونجيته من النار بعفوي، وأبحت له جواري، وأوجبت له كرامتي، وأتممت عليه نعمتي، وجعلته من خاصتي وخالصتي، إن ناداني لبيته، وإن دعاني أجبته، وإن سألي أعطيته، وإن سكت إبتدأته، إن أساء رحمته، وإن فر مني دعوته، إن (رجع الي قبلته، وإن قرع بابي فتحت له. ومن لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو) (2) شهد بذلك ولم يشهد أن محمدا عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد ان الائمة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي، إن قصدني حجبته، وإن سألني


(1) كمال الدين: 257 / 2، وكذا في: كفاية الاثر للخزاز: 10. (2) ما بين القوسين لم لرد لمي نسختي (ط) و (ق) واثبتناه من نسخة (م). (*)

[ 184 ]

حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه وإن دعاني لم أستجب دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني وما أنا بظلام للعبيد). فقام جابر بن عبد الله الانصاري فقال: يا رسول الله، ومن الائمة من ولد علي بن أبي طالب ؟ قال: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثتم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسبن، ثم الباقر محمد بن علي. وستدركه يا جابر فإذا أدركته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى جعفر، ثم الرضا علي بن موسى، ثم التقي محمد بن علي، ثم النقي علي بن محمد، ثم الزكي الحسن.، بن علي، ثم ابنه القائم بالحق مهدي أمتي، الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، بهم يمسك الله السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه، وبهم يحفظ الله الارض أن تميد بأهلها). قال: وحدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه محمد بن خالد، عن محمد بن داود، عن محمد بن الجارود العبدي، عن الاصبغ بن نباتة قال: خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم ويده في يد ابنه الحسن عليه السلام وهو يقول: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ويده في يدي هكذا وهو يقول: خير الخلق بعدي وسيدهم أخي هذا وهو إمام كل مسلم وأمير كل مؤمن بعد وفاتي، ألا وإني


(1) كمال الدين: 358 / 3. (*)

[ 185 ]

أقول: إن خير الخلق بعدي وسيدهم ابني هذا وهو إمام كل مسلم ومولى كل مؤمن بعد وفاقي، ألا وإنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخير الخلق وسيدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول في أرض كرب وبلاء، أما إنه وأصحابه من سادة الشهداء يوم القيامة، ومن بعد الحسين تسعة من صلبه، خلفاء الله في أرضه، وحججه على عباده، وأمناؤه على وحيه، أئمة المسلمين، وقادة المؤمنين، وسادة المتقين، وتاسعهم القائم الذي يملا الله به الارض نورا بعد ظلمتها، وعدلا بعد جورها، وعلما بعد جهلها. والذي بعث أخي محمدا بالنبوة، واختصني بالامامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح الامين جبرئيل، ولقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا عنده، عن الائمة بعده فقال صلى الله عليه وآله وسلم للسائل: والسماء ذات البروج إن عددهم بعدد البروج، ورب الليالي والايام والشهور إن عدتهم كعدد الشهور. قال السائل: فمن هم يا رسول الله ؟ فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على رأسي فقال: أولهم هذا وآخرهم المهدي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فضد أبغضني، ومن أنكرهم فقد أنكرني، ومن، عرفهم فقد عرفني، بهم يحفظ الله ديند، وبهم يعمر بلاده، وبهم يرزق عباده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الارض، هؤلاء أوصيائي وخلفائي وأئمة المسلمين وموالى المؤمنين) (1). قال: وحدثنا أبو الحسن أحمد بن ثابت الدواليبي بمدينة السلام قال: حدثنا محمد بن الفضل النحوي قال: حدثنا محمد بن علي بن عبد الصمد


(1) كمال الدين: 259 / 5. (*)

[ 186 ]

الكوفي، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن محمد بن علي بن موسى، عن أبيه علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبي بن كعب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مرحبا بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والارض، قال له أبي: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والارض أحد غيرك ؟ فقال: والذي بعثني بالحق نبيا، إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الارض، وإنه لمكتوب على يمين عرش الله: مصباح هاد، وسفينة نجاة، وإمام غير وهن، وعز وفخر، وعلم وذخر، وإن الله عزوجل ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية خلقت من قبل أن يكون مخلوق في الارحام، أو يجري ماء في الاصلاب، أو يكون ليل أو نهار، ولقد لقن دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلا حشره الله عزوجل معه، وكان شفيعه في آخرته، وفرج الله عنه كربه، وقضى بها دينه، ويسر أمره، وأوضح سبيله، وقواه على عدوه، ولم يهتك ستره. فقال له أبي: وما هذه الدعوات يا رسول الله ؟ قال: تقول إذا فرغت من صلواتك وأنت قاعد: اللهم إني أسألك بكلماتك ومعاقد عزك، وسكان سماواتك وأنبيائك ورسلك (أن تستجيب لي، فقد) (1) رهقني من أمري عسر، فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعل لي من عسري يسرا. فإن الله عزوجل يسهل أمرك، ويشرح صدرك، ويلقنك شهادة أن لا إله إلا الله عند خروج نفسك.


(1) في نسختي (ق) و (ط): قد، وما اثبتناه من نسخة (م). (*)

[ 187 ]

قال له أبي: يا رسول الله، فما هذه النطفة التي في صلب حبيبي الحسين ؟ قال: مثل هذه النطفة كمثل القمر، وهي نطفة تبيين وبيان، يكون من اتبعه رشيدا، ومن ضل عنه غويا. قال: فما اسمه وما دعاؤه ؟ قال: اسمه علي، ودعاؤه: يا دائم يا ديموم، يا حي يا قيوم، يا كاشف الغم، ويا فارج الهم، ويا باعث الرسل، ويا صادق الوعد. من دعا بهذا الدعاء حشره الله مع علي بن الحسين، وكان قائده إلى الجنة. قال له أبي: يا رسول الله، فهل له من خلف ووصي ؟ قال: نعم، له مواريث السماوات والارض. قال: وما معنى مواريث السماوات والارض ؟ قال: القضاء بالحق، والحكم بالديانة، وتأويل الاحكام، وبيان ما يكون. قال: فما إسمه ؟ قال: اسمه محمد، وإن الملائكة لتستأنس به في السماوات، ويقول في دعائه: اللهم إن كان لي عندك رضوان وود فاغفر لي ولمن تبعني من إخواني وشيعتي، وطيب ما في صلبي. فركب الله عزوجل في صلبه نطفة مباركة زكية، وأخبرني (جبرئيل) (1) عليه السلام أن الله تعالى طيب هذه النطفة وسماها عنده جعفرا، وجعله هاديا مهديا، وراضيا مرضيا، يدعو ربه فيقول في دعائه: يا دان غير متوان، يا أرحم الراحمين اجعل لشيعتي من النار وقاء، ولهم عندك رضى، واغفر ذنوبهم، ويسر أمورهم، واقض ديونهم، واستر عوراتهم، وهب لهم الكبائر التي بينك وبينهم، يا من لا يخاف الضيم، ولا تأخذه سنة ولا نوم، اجعال لي من كل


(1) ما بين المعقوفين اثبتناه من الكمال. (*)

[ 188 ]

غم فرجا. من دعا بهذا الدعاء حشره الله أبيض الوجه مع جعفر بن محمد إلى الجنة. يا أبي، إن الله تبارك وتعالى ركب على هذه النطفة نطفة زكية، مباركة طيبة، أنزل عليها الرحمة، وسماها عنده موسى. فقال له أبي: يا رسول الله، كأنهم يتواصفون ويتناسلون، ويتوارثون ويصف بعضهم بعضا. قال: وصفهم لي جبرئيل عن رب العالمين جل جلاله. قال: فهل لموسى من دعوة يد عو بها سوى دعاء آبائه ؟ قال: نعم يقول في دعائه: يا خالق الخلق، ويا باسط الرزق، يا فالق الحب، ويا بارئ النسم، ومحيي الموتى ومميت الاحياء، ودائم الثبات، ومخرج النبات، افعل بي ما أنت أهله. من دعا بهذا الدعاء قضى الله حوائجه، وحشره يوم القيامة مع موسى بن جعفر. وإن الله عزوجل ركب في صلبه نطفة مباركة طيبة، زكية مرضية، وسماها عنده عليا وكان لله في خلقه رضيا، في علمه وحكمه، وجعله حجة لشيعته يحتجون به يوم القيامة. وله دعاء يدعو به: اللهم أعطني الهدى وثبتني عليه واحشرني عليه، آمنا أمن من لا خوف عليه ولا حزن ولا جزع، إنك أهل التقوى وأهل المغفرة. وإن الله عزوجل ركب في صلبه نطفة مباركة طيبة، زكية مرضية، وسماها محمد بن علي، فهو شفيع شيعته، ووارث علم جده، له علامة بينة، وحجة ظاهرة، إذا ولد يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقول في دعائه: يا من لا شبيه له ولا مثال، أنت الله لا إله إلا أنت، ولا خالق إلا أنت، تفني المخلوقين وتبقى أنت، حلمت عمن عصاك وفي المغفرة رضاك. من دعا بهذا الدعاء كان محمد بن علي شفيعه يوم القيامة.

[ 189 ]

وإن الله تبارك وتعالى ركب في صلبه نطفة لا باغية ولا طاغية، بارة مباركة، طيبة طاهرة، سماها عنده علي بن محمد، فألبسها السكينة والوقار، وأودعها العلوم وكل سرمكتوم، من لقيه وفي صدره شي أنبأه به وحذره من عدوه. ويقول في دعائه: يا نور يا برهان، يا مبين يا منير، يا رب اكفني شر الشرور، وآفات الدهور، وأسألك النجاة يوم ينفخ في الصور. من دعا بهذا الدعاء كان علي بن محمد شفيعه وقائده إلى الجنة. وإن الله تعالى ركب في صلبه نطفة وسماها عنده الحسن، فجعله نورا في بلاده، وخليفة في أرضه، وعزا لامته، وهاديا لشيعته، وشفيعا لهم عند ربهم.، ونقمة على من خالفه، وحجة لمن والاه، وبرهانا لمن اتخذه إماما. يقول في دعائه: يا عزيز العز في عزه، يا عزيزا أعزني بعزك، وأيدني بنصرك، ك ح ح وأبعد عني همزات الشيطان، وادفع عني بدفعك، وامنع عني بصنعك، واجعلني من خيار خلقك، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد. من دعا بهذا الدعاء حشره الله عزوجل معه، ونجاه من النار ولو وجبت عليه. وإن الله تبارك وتعالى ركب في صلبه نطفة زكية طيبة، طاهرة مطهرة، يرضى بها كل مؤمن (1) ممن قد أخذ الله ميثاقه في الولاية، وبكفر بها كالى جاحد، فهو إمام تقي نقي، سار مرضي هاد مهدي، يحكم بالعدل ويأمر به، يصدق الله ويصد قه الله في قوله، يخرج من تهامة حتى يظهر الد لائل والعلامات، وله بالطالقان كنوز لا ذهب ولا فضة إلا خيول مطهمة ورجال مسومة، يجمع الله له من أقاصي البلاد على عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم وأنسابقم وبلدانهم وصنائعهم وحلاهم وكناهم، كرارون مجدون في طاعته.


(1) في نسخة (م) زيادة: امتحن الله قلبه للايمان. (*)

[ 190 ]

فقال له أبي: وما دلائله وعلاماته يا رسول الله ؟ قال: له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، وأنطقه الله فناداه العلم: أخرج يا ولي الله فاقتل أ عداء الله. وهما رايتان وعلامتان، وله سيف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه الله عزوجل فناداه السيف: أخرج يا ولي الله (1) فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله. فيخرج ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم، ويقيم حدود الله، ويحكم بحكم الله، يخرج وجبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وشعيب بن صالح على مقدمته، وسوف تذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الثه ولو بعد حين. يا أبي طوبى لمن لقيه، وطوبى لمن أحبه، وطوبى لمن قال به، ينجيهم الله من الهلكة، وبالاقرار به وبرسول الله وبجميع الائمة تفتح لهم الجنة، مثلهم في الارض كمثل المسك الذي تسطع ريحه فلا يتغير أبدا، ومثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفأ نوره أبدا. قال أبي: يا رسول الله كيف (جاءك) (2) بيان هؤلاء الائمة عن الله عزوجل ؟ قال: إن الله عزوجل أنزل علي اثنتي عشرة صحيفة، باثني عشر خاتما، اسم كل إمام على خاتمه وصفته في صحيفته) (3). قال: وحدثنا محمد بن علي ماجيلويه قال: حدثنا عمي محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن محمد بن علي القرشي،


(1) في نسخة (م) زيادة: وأمرني بأمرك يا حجة الله. (2) في نسخنا: جاء، وأثبتنا ما هو موافق لما في بعض نسخ كمال الدين. (3) كمال الدين: 264 / 11، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 59 / 29. (*)

[ 191 ]

عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي حمزة الثمالي، عن محمد بن علي الباقر، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: (دخلت أنا وأخي على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأجلسني على فخذه وأجلس أخي الحسن على فخذه الاخرى، ثم قبلنا وقال: بأبي أنتما من إمامين صالحين، اختاركما الله مني ومن أبيكما وأمكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم، وكلكم في الفضل والمنزلة عند الله سواء) (1). قال: وحدثنا أبي، ومحمد بن الحسن قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن يحيى العطار، وأحمد بن إدريس جميعا قالوا: حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي قال: حدثنا أبو هاشم داود ابن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر محمد بن علي الثاني عليه السلام، قال: (أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم ومعه الحسن بن علي وسلمان الفارسي، وأمير المؤمنين عليه السلام متكئ على يد سلمان، فد خل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس، فسلم على أمير المؤمنين عليه السلام فرد عليه السلام، فجلس ثم قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم، وإن تكن الاخرى علمت أنك وهم شرع سواء. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سلني عما بدالك. فقال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه ؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى ؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الاعمام والاخوال ؟


(1) كمال الدين: 269 / 12 (*)

[ 192 ]

فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن فقال: يا أبا محمد أ جبه. فقال عليه السلام: أما ما سألت عنه من أمر الانسان إذا نام أين تذهب روحه، فإن روحه متعلقة بالريح، والريح متعلقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة، فإن أذن الله عزوجل برد تلك الروح على صاحبها جذبت تلك الروح الريح وجذبت تلك الريح الهواء فرجعت الروح فأسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله عزوجل برد تلك الروح على صاحبها جذب الهواء الريح فجذبت الريح الروح فلم ترد على صاحبها إلى وقت ما يبعث. وأما ما ذكرت من (أمر) الذكر والنسيان، فإن قلب الرجل في حق وعلى الحق طبق، فإن صلى عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق، فأضاء القلب، وذكر الرجل ما كان نسي، وإن هو لم يصل على محمد وآل محمد أو نقص (1) من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق، فاظلم القلب ونسي الرجل ما كان ذكره. وأما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإن الرجل إذا أتى أهله فجامعها. بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب، فأسكنت بذلك تلك النطفة في جوف الرحم، خرج الولد يشبه أباه وأمه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب، اضطربت تلك النطفة فوقعت في حال إضطرابها على بعض العروق، فإن وقعت على عرق من عروق الا عمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق لاخوال أشبه الولد أخواله. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم أزل أشهد بها، وأشهد أن


(1) في نسختي (ط) و (ق): انتقص. (*)

[ 193 ]

محمدا رسول الله، ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنك وصي رسول الله والقائم بحجته - وأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته - وأشار إلى الحسن عليه السلام - وأشهد أن الحسين بن علي وصي أبيك والقائم بحجته بعدك، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين من بعده، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على موسى بن جعفر أنه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمرموسى بن جعفر، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمرعلي بن موسى، وأشهد على علي بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمرعلي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن بن علي، لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر من يملا الارض عدلا كما ملئت جورأ، أنه القائم بأمر الحسن بن علي، والسلام عليكم أيها المؤمنين ورحمة الله وبركاته. ثم قام ومضى فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد، اتبعه فانظر أين يقصد ؟ فخرج الحسن بن علي عليهما السلام على إثره. قال: فما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد فما رأيت أين أخذ من أرض الله، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأعلمته فقال: يا أبا محمد أتعرفه ؟ فقلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم. فقال: هو الخضر عليه السلام) (1).


(1) كمال الدين: 313 / 1، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 65 / 35، علل الشرائع: 96 / 6، وكذا في: تفسير القمي: 2 / 44، اثبات الوصية: 136، غيبة النعماني: 58 / 2، الاحتجاج: 266، دلائل الامامة: 69. (*)

[ 194 ]

قال: وحدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال.: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: أخبرنا وكيع، عن الربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سليط، قال: قال الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام: (منا اثنا عشر مهديا، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي وهو القائم بالحق، يحيي إلله به الارض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها قوم، ويثبت على الدين فيها آخرون فيؤذون، ويقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، أما إن الصابر في غيبته على الاذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (1). قال: وحدثنا علي بن عبد الله الوراق قال: حدثنا محمد بن هارون الصوفي، عن عبيدالله بن موسى، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: حدثني صفوان بن يحيى، عن إبراهيم بن أبي زياد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام فقلت له: يا ابن رسول الله، أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأو جب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال لي: (يا كنكز (2)، إن أولي الامر الذين جعلهم الله أئمة للناس، وأوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم


(1) كمال الدين: 317 / 3، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 68 / 36، وكذا في: مقتضب الاثر: 23. (2) كنكر: لقب لابي خالد الكابلي يعرف به. (*)

[ 195 ]

الحسين ابنا علي بن أبي طالب، ثم انتهى الامر إلينا). ثم سكت، فقلت له: يا سيدي، روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن الارض لا تخلو من حجة لله على عباده، فمن الحجة والامام بعدك ؟ فقال: (ابني محمد، واسمه في التوراة باقر، يبقر العلم بقرا، هو الحجة والامام بعدي، ومن بعد محمد ابنه جعفر، واسمه عند أهل السماء الصادق). فقلت: يا سيدي، فكيف صار اسمه الصادق وكلكم الصادقون ؟ فقال: (حدثني أبي، عن أبيه عليهما السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفريد عي الامامة اجتراء على الله وكذبا عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله، والمدعي بما ليس له بأهل، المخالف على أبيه، والحاسد على أخيه، ذلك الذي يروم كشف سر الله عند غيبة ولي الله). ثم بكى علي بن الحسين عليهما السلام بكاء شديدا، ثم قال: (كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، والمغيب في حفظ الله، والتوكيل بحرم (1) أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا على قتله إن ظفر به، طمعا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه). قال أبو خالد: فقلت له: يا ابن رسول الله، وإن ذلك لكائن ؟ فقال: (إي وربي، إن ذلك لمكتيماب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر


(1) في نسختي (ط) و (ق): بحرمة، وأثبتنا ما في نسخة (م) وهو: الموافق، لما في كمال الدين. (*)

[ 196 ]

المحن التي تجري علينا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). قال: فقلت له: يا ابن رسول الله، ثم يكون ماذا ؟ قال: (ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام بعده. يا أبا خالد، إن أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، والمنتظرين لظهوره، أفضل من أهل كل زمان، لان الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والافهام والمعرفة ما صارى به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف، أولئك المخلصون حقا، وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا) (1). قال: وحدثنا محمد بن علي ماجيلويه، ومحمد بن موسى بن المتول قالا: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن الحسن الصفار، عن عبد الله بن الصلت القمي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: كنت أنا وأبو بصير ومحمد بن عمران مولى أبي جعفر عليه السلام في منزل بمكة، فقال محمد بن عمران: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (نحن اثنا عشر محدثا)، فقال له أبو بصير: تالله لقد سمعت ذلك من أبي عبد الله عليه السلام ؟ فحلف مرة أو مرتين أنه سمعه منه. فقال أبو بصير: لكني سمعته من أبي جعفر عليه السلام (2). قال: وحدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس قال: حدثنا أبي، عن


(1) كما الدين: 319 / 2. (2) كمال الدين: 335 / 6، الخصال: 578 / 45، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 56 / 23. (*)

[ 197 ]

محمد بن الحسين بن زيد الزيات، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن سماعة، عن علي بن الحسن بن علي بن رباط، عن أبيه، عن المفضل بن عمر قال: قال الصادق عليه السلام: (إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نورا قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا). فقيل له: يا ابن رسول الله، ومن الاربعة عشر ؟ فقال: (محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والائمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال، ويطهر الارض من كل جور وظلم) (1). قال: وحدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: حدثنا حمدان بن سليمان، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن حيان السراج، عن السيد ابن محمد الحميري في حديث طويل يقول فيه: قلت للصادق عليه السلام: يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بن تقع ؟ فقال عليه السلام: (إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الائمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الارض وصاحب الزمان، ولو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما) (2). وقد تقدم ذكر هذا الحديث في أخبار الصادق عليه السلام، وكررته


(1) كمال الدين: 335 / 7. (2) كمال الدين: 342 / 23. (*)

[ 198 ]

هاهنا للحاجة إليه، وأمثال هذه الاخبار كثيرة لا يحتمل هذا الكتاب أكثر مما ذكرناه، وقد ذكر كثيرا منها الشيخ أبو جعفر بن بابويه في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة، في إثبات الغيبة وكشف الحيرة) فمن أراد الزيادة فليطلب من هناك. وقد صنف الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان في ذلك كتابا مفردا، ذكر فيه الاخبار الواردة في هذا المعنى، بأسانيدها على التفصيل.

[ 199 ]

(الفصل الثالث) من القسم الاول في ذكر جمل من الدلائل على إمامة أئمتنا عليهم السلام، سوى ما ذكرناه فيما تقدم من الكتاب. أحد الدلائل على إمامتهم عليهم السلام: ما ظهر منهم من العلوم التي تفرقت في فرق العالم، فحصل في كل فرقة منهم فن منها، فاجتمعت فنونها وسائر أنواعها في آل محمد عليهم السلام، ألا ترى إلى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في أبواب التوحيد، والكلام الباهر المفيد من الخطب، وعلوم الدين، وأحكام الشريعة، وتفسير القرآن، وغير ذلك ما زاد على كلام جميع الخطباء والعلماء والفصحاء، حتى أخذ عنه المتكلمون والفقهاء والمفسرون، ونقل أهل العربية عنه أصول الاعراب ومعاني اللغات، وقال في الطب ما استفادت منه الاطباء، وفي الحكمة والوصايا والآداب ما أربى على كلام جميع الحكماء، وفي النجوم وعلم الآثار ما استفاده من جهته جميع أهل الملك والآراء. ثم قد نقلت الطوائف عمن ذكرناه من عترته وأبنائه عليهم السلام مثل ذلك من العلوم في جميع الانحاء، ولم يختلف في فضلهم وعلو درجتهم في ذلك من أهل العلم اثنان. فقد ظهر عن الباقر والصادق عليهما السلام - لما تمكنا من الاظهار وزالت عنهما التقية التي كانت على سيد العابدين عليه السلام - من الفتاوى في الحلال والحرام، والمسائل والاحكام، وروى الناس عنهما من علوم الكلام، وتفسير القرآن، وقصص ا لانبياء، والمغازي، والسير، وأخبار العرب

[ 200 ]

وملوك الامم ما سمي أبو جعفر عليه السلام لاجله باقر العلم. وروى عن الصادق عليه السلام في أبوابه من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي معروفة بكتب الاصول، رواها أصحابه وأصحاب أبيه من قبله، وأصحاب ابنه أبي الحسن موسى عليهم السلام، ولم يبق فن من فنون العلم إلا روي عنه عليه السلام فيه أبواب. وكذلك كانت حال ابنه موسى عليه السلام من بعده في إظهار العلوم، إلى أن حبسه الرشيد ومنعه من ذلك. وقد انتشر أيضا عن الرضا وابنه أبي جعفر عليهما السلام من ذلك ما شهرة جملته تغني عن تفصيله. وكذلك كانت سبيل أبي الحسن وأبي محمد العسكريين عليهما السلام، وإنما كانت الرواية عنهما أقل لانهما كانا محبوسين في عسكر السلطان، ممنوعين من الانبساط في الفتيا، وأن يلقاهما كل أحد من الناس. وإذا ثبت بما ذكرناه بينونة أئمتنا عليهم السلام - بما وصفناه - عن جميع الانام، ولم يمكن لاحد أن يدعي أنهم أخذوا العلم عن رجال العامة، أو تلقوه من رواتهم وفقهائهم، لانهم لم يروا قط مختلفين إلى أحد من العلماء في تعلم شئ من العلوم، ولان ما اثر عنهم من العلوم أكثره لم يعرف إلا منهم، ولم يظهر إلا عنهم، وعلمنا أن هذه العلوم بأسرها قد انتشرت عنهم، مع غناهم عن سائر الناس، وتيقنا زيادتهم في ذلك على كافتهم، ونقصان جميع العلماء عن رتبتهم، ثبت أنهم أخذوها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وأنه قد أفردهم بها ليدل على إمامتهم بافتقار الناس إليهم فيما يحتاجون إليه، وغناهم عنخم، وليكونوا مفزعا لامت، في الدين، وملجأ لهم في الاحكام، وجروا في هذا التخصيص مجرى النبي صلى

[ 201 ]

عليه وآله وسلم في تخصيص الله تعالى بإعلامه أحوال الامم السالفة، وإفهامه ما في الكتب المتقدمة من غير أن يقرأ كتابا أو يلقى أحد من أهله. هذا وقد ثبت في العقول أن الاعلم الافضل أولى بالامامة من المفضول، وقد بين الله سبحانه ذلك بقوله: (أفمن يهدي إلى الحق ألحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى) (1). وقوله: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (2). ودل بقوله سبحانه في قصة طالوت: (وزاده بسطة في العلم والجسم) (3) أن التقدم في العلم والشجاعة موجب للتقدم في الرئاسة. فإذا كان أئمتنا عليهم السلام أعلم الامة بما ذكرناه، فقد ثبت أنهم أئمة الاسلام الذين استحقوا الرئاسة على الانام على ما قلناه. دلالة أخرى: ومما يدل على إمامتهم عليهم السلام أيضا: إجماع الامة على طهارتهم، وظاهر عدالتهم، وعدم التعلق عليهم أو على أحد منهم بشئ يشينه في ديانته، مع إجتهاد أعدائهم وملوك أزمنتهم في الغض منهم، والوضع من أقدارهم، والتطلب لعثراتهم، حتى أنهم كانوا يقربون من يظهر عداوتهم، ويقصون بل يجفون وينفون ويقتلون من يتحتق بولايتهبم، وهذا أمر ظاهر عند من سمع أخبار الناس، فلولا أنهم عليهم السلام كانوا على صفات الكمال من العصمة والتأييد من الله تعالى بمكان، وأنه سبحانه منع بلطفه كل أحد من أن يتخرص عليهم باطلا، أو يتقول فيهم زورا، لما سلموا عليهم السلام من ذلك على الحد الذي شرحناه، لا سيما وقد ثبت أنهم لم


(1) يونس 10: 35. (2) الزمر 39: 9. (3) البقرة 2: 247. (*)

[ 202 ]

يكونوا ممن لا يؤبه بهم، وممن لا يدعو الداعي إلى البحث عن أخبارهم لخمولهم وانقطاع آثارهم، بل كانوا على أعلى مرتبة من تعظيم الخلق إياهم، وفي الدرجة (1) الرفيعة التي يحسدهم عليها الملوك، ويتمنونها لانفسهم، لان شيعتهم مع كثرتها في الخلق، وغلبتها على أكثر البلاد، اعتقدت فيهم الامامة التي تشارك النبوة، وادعت عليهم الآيات المعجزات، والعصمة عن الزلات، حتى أن الغلاة قد اعتقدت فيهم النبوة والالهية، وكان أحد أسباب إعتقادهم ذلك فيهم حسن آثارهم، وعلو أحوالهم، وكمالهم في صفاتهم، وقد جرت العادة فيمن حصل له جزء من هذه النباهة أن لا يسلم من ألسنة أعدائه، ونسبتهم إياه إلى بعض العيوب القادحة في الديانة أو الاخلاق. فإذا ثبت أن أئمتنا عليهم السلام نزههم الله عن ذلك، ثبت أنه سبحانه هو المتولي لجميع الخلائق على ذلك بلطفه وجميل صنعه، ليدل على أنهم حججه على عباده، والسفراء بينه وبين خلقه، والاركان لدينه، والحفظة لشرعه. وهذا واضح لمن تأمله. دلالة أخرى: ومما يدل أيضا على إمامتهم عليهم السلام ما حصل من الاتفاق على برهم وعدالتهم، وعلو قدرهم وطهارتهم، وقد ثبت بلا شك معرفتهم عليهم السلام بكثير ممن يعتقد إمامتهم في أيامهم، ويدين الله تعالى بعصمتهم والنص عليهم، ويشهد بالمعجزلهم. ووضح أيضا اختصاص هؤلاء بهم، وملازمتهم إيأهم، ونقلهم الاحكام والعلوم عنهم، وحملهم الزكوات والاخماس إليهم، ومن أنكر هذا أو دفع كان مكابرا دافعا للعيان، بعيدا عن معرفة أخبارهم.


(1) في نسخة (ط) الرتبة. (*)

[ 203 ]

فقد علم كل محصل نظر في الاخبار أن هشام بن الحكم، وأبا بصير، وزرارة بن أبي أعين، وحمران وبكير ابني أعين، ومحمد بن النعمان الذي يلقبه العامة شيطان الطاق، وبريد بن معاوية العجلي، وأبان بن تغلب، وصحمد ابن مسلم الثقفي، ومعاوية بن عمار الدهني، وغير هؤلاء ممن بلغوا الجمع الكثير، والجم الغفير، من أهل العراق والحجاز وخراسان وفارس، كانوا في وقت الامام جعفر بن محمد عليهما السلام رؤساء الشيعة في الفقه ورواية الحديث والكلام، وقد صنفوا الكتب، وجمعوا المسائل والروايات، وأضافوا أكثر ما اعتمدوه من الرواية إليه، والباقي إليه وإلى أبيه محمد عليهما السلام، وكان لكل إنسان منهم أتباع وتلامذة في المعنى الذي يتفرد به، وإنهم كانوا يرحلون من العراق إلى الحجاز في كل عام أو أكثر أو أقل، ثم يرجعون ويحكون عنه الاقوال، ويسندون إليه الدلالات، وكانت حالهم في وقت الكاظم والرضا عليهما السلام على هذه الصفة، وكذلك إلى وفاة أبي محمد العسكري عليه السلام، وحصل العلم باختصاص هؤلاء بأئمتنا عليهم السلام، كما نعلم اختصاص أبي يوسف ومحمد بن الحسن بابي حنيفة، وكما نعلم اختصاص المزني والربيع بالشافعي، واختصاص النظام بابي الهذيل، والجاحظ والاسواري بالنظام. ولا فرق بين من دفع الامامية عمن ذكرناه، ومن دفع من سميناه عمن وصفناه في الجهل بالاخبار، والعناد والانكار. وإذا كان الامر على ما ذكرناه لم تخل الامامية في شهادتها بإمامة هؤلاء عليهم السلام من أحد أمرين: إما أن تكون محقة في ذلك صادقة، أو مبطلة في شهادتها كاذبة. فإن كانت محقة صادقة في نقل النصق عنهم على خلفائهم عليهم السلام، مصيبة فيما اعتقدته فيهم من العصمة والكمال، فقد ثبتت إمامتهم على ما قلناه، وإن كانت كاذبة في شهادتها، مبطلة في

[ 204 ]

عقيدتها، فلن يكون كذلك إلا ومن سميناهم من أئمة الهدى عليهم السلام ضالون برضاهم بذلك، فاسقون بترك النكير عليهم، مستحقون البراءة من حيث تولوا الكذابين، مضلون للامة لتقريبهم إياهم، وإختصاصهم بهم من بين الفرق كلها، ظالمون في أخذ الزكوات والاخماس عنهم، وهذا ما لا يطلقه مسلم فيمن نقول بإمامته، وإذا كان الاجماع المقدم ذكره حاصلا على طهارتهم وعدالتهم، ووجوب ولايتهم، ثبتت إمامتهم بتصديقهم لمن أثبت ذلك، وبما ذكرناه من إختصاصهم بهم، وهذا واضح، والمنة لله. دلالة أخرى: ومما يدل أيضا على إمامتهم عليهم السلام وأنهم أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما نجده من تسخير الله تعالى الولي لهم في التعظيم لمنزلتهم، والعدو لهم في الاجلال لمرتبتهم، وإلهامه سبحانه جميع القلوب إعلاء شأنهم، ورفع مكانهم، على تباين مذاهبهم وآرائهم، واختلاف نحلهم وأهوائهم. فقد علم كل من سمع الاخبار، وتتبع الاثار، أن جميع المتغلبين عليهم، المظهرين لاستحقاق الامر دونهم، لم يعدلوا قط عن تبجيلهم، وإجلال قدرهم، ولا أنكروا فضلهم، وإن كان بعض أعدائهم قد بارز بعضهم بالعداوة لدواع دعتهم إلى ذلك. ألا ترى أن المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام قد أظهروا من تقديمه وتعظيم ولديه الحسن والحسين عليهما السلام في زمان إمامتهم على الامة، وكذلك الناكثون لبيعته لم يتمكنوا مع ذلك من إنكار فضله، ولا امتنعوا من الشهادة له بفضله، ولا فسقوه في فعله. وكذلك معاوية - وإن كان قد أظهر عداوته، وبنى أكثر أموره على العناد - لم ينكر جميع حقوقه، ولا دفع عظيم منزلته في الدين، بل قفا أثر طلحة والزبير في التعلل بطلب دم عثمان، وكان يظهر القناعة منه بأن يقره

[ 205 ]

على ولايته التي ولاه إياها من كان قبله، فيكف عن خلافه، ويصير إلى طاعته، ولم يمكنه الدفع لكونه عليه السلام الافضل في الاسلام والشرف والوصلة بالنبي عليه السلام والعلم والزهد، ولا الانكار لشئ من ذلك، ولا الادعاء لنفسه مساواته فيه، أو مقارنته ومداناته، وقد كان يحضره الجماعة كالحسن بن علي وابن عباس وسعد بن مالك فيحتجون عليه بفضل أمير المؤمنين عليه السلام على جميع الصحابة، فلا يقدم على الانكار عليهم، مع إظهاره في الظاهر البراءة منه، والخلاف عليه. وكان تقدم عليه وفود أهل العراق من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام فيجرعونه السم الذعاف من مدح إمام الهدى صلوات الله عليه، وذمه في أثناء ذلك، فلا يكذبهم ولا يناقض احتجاجاتهم، وكان من أمر الوافدات عليه في هذا المعنى ما هو مشهور، مدون في كتب الاثار مسطور. ثم قد كان من أمر ابنه يزيد لعنه الله مع الحسين عليه السلام ما كان من القتل والسبي والتنكيل، ومع ذلك فلم يحفظ عنه ذمه بما يوجب إخراجه عن موجب التعظيم، بل قد اظهر الندم (1) على ذلك، ولم يزل يعظم سيد العابدين عليه السلام بعده، ويوصي به، حتى أنه آمنه من بين أهل المدينة كلهم في وقعة الحرة، وأمر مسلم بن عقبة بإكرامه، ورفع محله، وأمانه مع أهل بيته ومواليه. ومثل ذلك كانت حال من بعده من بني مروان أيضا مع علي ابن الحسين عليهما السلام، حتى أنه كان أجل أهل الزمان عندهم. وكذلك كانت حال الباقر عليه السلام مع بقية بني مروان، ومع أبي العباس السفاح، وحال الصادق عليه السلام مع أبي جعفر المنصور، وحال أبي الحسن موسى عليه السلام مع الهادي والرشيد، حتى أن هارون الرشيد


(1) في نسختي " ط " و " ق ": الحزن (*)

[ 206 ]

لما قتله تبرأ من قتله، وأحضر الشهود ليشهدوا بوفاته على السلامة وإن كان الامر على خلافه. وكان من المأمون مع الرضا عليه السلام ما هو مشهور، وكذلك حال ابنه أبي جعفر عليه السلام على صغر سنه، وحلوكة لونه من التعظيم والمبالغة في رفع القدر، حتى أنه زوجه ابنته أم الفضل، ورفعه في المجلس على سائر بني العباس والقضاة. وكذلك كان المتوكل يعظم علي بن محمد عليه السلام مع ظهور عداوته لامير المؤمنين عليه السلام، ومقته له، وطعنه على آل أبي طالب. وكذلك حال المعتمد مع أبي محمد عليه السلام في إكرامه والمبالغة فيه. هذا، وهؤلاء الائمة عليهم السلام في قبضة من عددناه من الملوك على الظاهر، وتحت طاعتهم، وقد اجتهدوا كل الاجتهاد في أن يعثروا على عيب يتعلقون به في الحط من منازلهم، وامعنوا في البحث عن أسرارهم وأحوالهم في خلواتهم لذلك فعجزوا عنه، فعلمنا أن تعظيمهم إياهم مع ظاهر عداوتهم لهم وشدة محبتهم للغض منهم، وإجماعهم على ضد مرادهم فيهم من التبجيل والاكرام تسخير من الله سبحانه لهم، ليدل بذلك على إختصاصهم منه - جلت قدرته - بالمعنى الذي يوجب طاعتهم على جميع الانام، وما هذا إلا كالامور غير المألوفة والاشياء الخارقة للعادة. ويؤيد ما ذكرناه من تسخير الله سبحانه الخلق لتعظيمهم ما شاهدنا الطوائف المختلفة والفرق المتباينة في المذاهب والاراء أجمعوا على تعظيم قبورهم وفضل مشاهدهم، حتى أنهم يقصدونها من البلاد الشاسعة، ويلمون بها، ويتقربون إلى الله سبحانه بزيارتها، ويستنزلون عندها من الله الارزاق، ويستفتحون الاغلاق، ويطلبون ببركتها الحاجات، ويستدفعون الملمات، وهذا هو المعجز الخارق للعادة، وإلا فما الحامل للفرقة المنحازة عن هذه

[ 207 ]

الجهة المخالفة لهذه الجنبة على ذلك، ولم لم يفعلوا بعض ما ذكرناه بمن يعتقدون إمامته وفرض طاعته وهو في الدين موافق لهم، مساعد غير مخالف معاند. ألا ترى أن ملوك بني أمية وخلفاء بني العباس - مع كثرة شيعتهم وكونهم أضعاف اضعاف شيعة أئمتنا، وكون الدنيا أو أكثرها لهم وفي أيديهم، وما حصل لهم من تعظيم الجمهور في حياتهم، والسلطنة على العالمين، والخطبة فوق المنابر في شرق الارض وغربها لهم بإمرة المؤمنين - لم يلم أحد من شيعتهم وأوليائهم - فضلا عن اعدائهم - بقبورهم بعد وفاتهم، ولا قصد أحد تربة لهم متقربا بذلك إلى ربه، ولا نشط لزيارتهم، وهذا لطف من الله سبحانه لخلقه في الايضاح عن حقوق أئمتنا عليهم السلام، ودلالة منه على علو منزلتهم منه جل اسمه، لا سيما ودواعي الدنيا ورغباتها معدومة عند هذه الطائفة مفقودة، وعند أولئك موجودة، فمن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواع الدنيا، ولا يمكن أيضا أن يكونوا فعلوه لتقية، فإن التقية هي فيهم لا منهم، ولا خوف من جهتهم بل هو عليهم، فلم يبق إلا داعي الدين. وهذا هو الامر العجيب الذي لا تنفذ فيه إلا قدرة القادر، وقهر (1) القاهر الذي يذلل الصعاب، ويسبب الاسباب، ليوقظ به الغافلين، ويقطع عذر ا لمتجا هلين. وأيضا فقد شارك أئمتنا عليهم السلام غيرهم من أولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حسبهم ونسبهم وقرابتهم، وكان لكثير منهم عبادات ظاهرة، وزهد وعلم، ولم يحصل من الاجماع على تعظيمهم وزيارة قبورهم ما وجدناه قد حصل فيهم عليهم السلام، فإن من عداهم من صلحاء العترة


(1) لم ترد في نسختي " ط " و " ق "، واثبتناها من نسخة " م ". (*)

[ 208 ]

بين من يعظمه فريق من الامة ويعرض عنه فريق، ومن عظمه منهم لا يبلغ بهم في الاجلال والاعظام الغاية التي يبلغها فيمن ذكرناه، وهذا يدل على أن الله تعالى خرق في أئمتنا عليهم السلام العادات، وقلب الجبلات للابانة عن علو درجتهم، والتنبيه على شرف مرتبتهم، والدلالة على إمامتهم صلوات الله عليهم أجمعين.

[ 209 ]

* ذكر القسم الثاني من الركن الرابع * وهو الكلام في إمامة صاحب الزمان الثاني عشر من الائمة، ابن الحسن بن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام، وتاريخ مولده، ودلائل إمامته، وذكر طرف من أخباره، وغيبته، وعلامات وقت قيامه ومدة دولته، ووصفه، وسيرته. ويشتمل على خمسة أبواب:

[ 211 ]

* الباب الاول منه * في ذكر اسمه وكنيته ولقبه، ومولده ووقت ولادته، واسم أمه، ومن شاهده أو رآه فيه ثلاثة فصول:

[ 213 ]

* الفصل الاول * في ذكر اسمه، وكنيته، ولقبه عليه السلام وهو المسمى باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المكنى بكنيته. وقد جاء في الاخبار: أنه لا يحل لاحد أن يسميه باسمه، ولا أن يكنيه بكنيته إلى ان يزين الله تعالى الارض (بظهوره وظهور (1) دولته (2) ويلقب عليه السلام: بالحجة، والقائم، والمهدي، والخلف الصالح، وصاحب الزمان، والصاحب. وكانت الشيعة في غيبته الاولى تعبر عنه وعن غيبته بالناحية المقدسة، وكان ذلك رمزا بين الشيعة يعرفونه به، وكانوا يقولون أيضا على سبيل الرمز والتقية: الغريم - يعنونه عليه السلام - وصاحب الامر.


(1) في نسختي " ط " و " ق ": بظهرر، وما اثبتناه فمن نسخة " م ". (2) انظر: الكافي 1: 264 - 13 و 268 / 1 - 4، كمال الدين: 648 - 1 - 4. (*)

[ 214 ]

* الفصل إلثاني * في ذكر مولده عليه السلام واسم أمه ولد عليه السلام بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين من الهجرة، روى ذلك محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن محمد (1). وكان سنه عند وفاة أبيه عليه السلام خمس سنين، آتاه الله سبحانه الحكم صبيا كما آتاه يحيى، وجعله في حال الطفولية إماما كما جعل عيسى عليه السلام نبيا في المهد صبيا. فمن الاخبار التي جاءت في ميلاده عليه السلام: ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن الحسين بن رزق الله، عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: حدثتني حكيمة بنت محمد بن علي الرضا عليهما السلام قالت: بعث الي أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال: " يا عمة، إجعلي إفطارك الليلة عندنا، فإنها ليلة النصف من شعبان، فإن الله تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه ". قال: فقلت له: ومن أمه ؟


(1) أورد الكليني رحمه الله تعالى في الكافي (1: 431) بابا أسماه بمولد الصاحب عليه السلام، ذكر في صدره: ولد عليه السلام للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ثم أورد جملة مختلفة من الروايات مختلفة التواريخ، إلا انا لم نعثر على الرواية المذكورة أعلاه، والمروية علي بن محمد، ولعله من سهو القلم، أو اشتباهات النساخ، والله تعالى هو العالم. (*)

[ 215 ]

قال: " نرجس ". قلت له: جعلني الله فداك، ما بها أثر ! فقال: " هو ما أقول لك ". قالت: فجئت فلما سلمت وجلست جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا سيدتي كيف أمسيت ؟ فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي. قالت: فانكرت قولي، وقالت: ما هذا ؟ ! فقلت لها: يا بنية، إن الله تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيدا في الدنيا والاخرة. قالت: فخجلت واستحيت، فلقا أن فرغت من صلاة العشاء الاخرة أفطرت وأخذت مضجعي، فرقدت، فلما أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثم جلست معقبة، ثم اضطجعت، ثم انتبهت فزعة وهي راقدة، ثم قامت فصلت ونامت. قالت حكيمة: وخرجت أتفقد الفجر، فإذا أنا بالفجر الاول كذنب السرحان وهي نائمة، قالت حكيمة: فدخلتني الشكوك فصاح بي أبو محمد من المجلس فقال: " لا تعجلي يا عمة، فهاك الامر قد قرب ". قالت: فجلست فقرأت " الم السجدة " و " يس "، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: هل تحسين شيئا ؟ قالت: نعم. فقلت لها: اجمعي نفسك، واجمعي قلبك، فهو ما قلت لك. قالت حكيمة: ثم أخذتني فترة وأخذتها فترة، فانتبهت بحس سيدي، فكشفت الثوب عنه فإذا به عليه السلام ساجدا يتلقى الارض بمساجده، فضممته إلي فإذا أنا به نظيف منظف، فصاح بي أبو محمد عليه السلام:

[ 216 ]

" هلمي إلي ابني يا عمة ". فجئت به إليه، فوضع يديه تحت إليتيه وظهره، ووضع قدميه على صدره، ثم أدلى لسانه في فيه، وأمر يده على عينيه وسمعه ومفاصله ثم قال: " تكلم يا بني ". فقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله " ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الاثمة عليهم السلام إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم. ثم قال أبو محمد عليه السلام: " يا عمة إذهبي به إلى أمه ليسلم عليها، وائتني به " فذهبت به فسلم ورددته ووضعته في المجلس، ثم قال عليه السلام: " يا عمة إذا كان يوم السابع فائتينا ". قالت حكيمة: فلما أصبحت جئت لاسلم على أبي محمد عليه السلام وكشفت الستر لا تفقد سيدي فلم أره، فقلت له: جعلت فداك ما فعل سيدي ؟ قال: " يا عمة استودعناه الذي استودعت أم موسى موسى). قالت حكيمة: فلما كان يوم السابع جئت وسلمت وجلست فقال: " هلمي إلي ابني " فجئت بسيدي عليه السلام وهو في الخرقة، ففعل به كفعلته الاولى، ثم أدلى لسانه في فيه كانما يغذيه لبنا أو عسلا ثم قال: " تكلم يا بني ". فقال عليه السلام: " أشهد أن لا إله إلا الله "، وثنى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين عليهما السلام وعلى الائمة حتى وقف على أبيه عليهم السلام، ثم تلا هذه الاية (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) ونمكن لهم في الارض ونري فرعون

[ 217 ]

وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) (1). قال موسى: فسالت عقبة الخادم عن هذا فقال: صدقت حكيمة (2). وروى الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ره) قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان القمي قال: حدثني أبو عبد الله الحسن بن يعقوب قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا الحسين بن علي النيسابوري. قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن موسى بن جعفر (عن السياري) (3) قال: حدثني نسيم خادم الحسن بن علي ومارية قالا: لما سقط صاحب الزمان عليه السلام من بطن أمه سقط جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه إلى السماء، ثم عطس فقال: " الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، ولو أذن لنا في الكلام لزال الشك " (4). قال إبراهيم بن محمد: وحدثني نسيم الخادم قال: قال لي صاحب الزمان - وقد دخلت عليه بعد مولده بليلة فعطست - فقال: " يرحمك اللة "، قال نسيم: ففرحت بذلك. فقال: " ألا أبشرك بالعطاس ؟ " فقلت: بلى. فقال: " هو أمان من الموت ثلاثة أيام " (5).


(1) القصص 28: 5 - 6. (2) كمال الدين: 424 / 1. (3) أثبتناه من غيبة الشيخ الطوس. (4) غيبة الطرسي: 244 / 211، وكذا في: كمال الدين: 430 / 5، الهداية الكبرى: 357، اثبات الوصية: 221، الخرائج والجرائح 1: 457 / 2. (5) غيبة الطوسي: 232 / 200، وكذا في: كمال الدين: 430 / ذيل حديث 5 و 441 / 11، الهداية الكبرى: 358، اثبات الوصية: 221، الخرائج والجرائح 1: 465 / 11 و 2. 693 / 7.

[ 218 ]

* الفصل الثالث * في ذكر من رآه عليه السلام محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن محمد بن اسماعيل بن موسى بن جعفر - وكان أسن شيخ من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعراق - قال: رأيت ابن الحسن بن علي بن محمد بين المسجدين وهو غلام (1). وعنه، عن محمد بن يحيى، عن الحسن بن علي النيسابوري، عن إبراهيم بن محمد، عن أبي نصر ظريف الخادم أنه رآه عليه السلام (2). وعنه عن محمد بن عبد الله، ومحمد بن يحيى جميعا، عن عبد الله ابن جعفر الحميرى قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو رضي الله عنه أحمد ابن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أساله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو، إني أريد أن أسالك عن شئ، وما أنا بشاك فيما أريد أن أسالك عنه، فان إعتقادي وديني أن الارض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة باربعين يوما فإذا كان ذلك رفعت الحجة، وأغلق باب التوبة، فلم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فاولئك شرار خلق الله، ولكني أحببت أن أزداد يقينا، فإن إبراهيم عليه السلام سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى فقال: (أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) (3) وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن عليه


(1) الكافي 1: 266 / 2، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 251، غيبة الطوسي 268 / 230. (2) الكافي 1: 267 / 13، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 354. (3) البقرة 2: 260.

[ 219 ]

السلام قال: سألته وقلت: من أعامل، وعمن آخذ، وقول من أقبل ؟ فقال له: " العمري ثقتي، فما أدى إليك فعني يؤدي، وما قال لك فعني يقول، فاسمع له وأطع، فانه الثقة المأمون ". وأخبرني أبو علي: أنه سال أبا محمد عليه السلام عن مثل ذلك فقال له: " العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فانهما الثقتان المأمونان " فهذا قول إمامين عليهما السلام فيك. قال: فخر أبو عمرو ساجدا وبكى ثم قال: سل. فقلت: رأيت ابن أبي محمد عليه السلام ؟ فقال: إي والله، ورقبته مثل ذا. وأوما بيده إلى عنقه. فقلت له: قد بقيت واحدة. فقال لي: هات. قلت: الاسم ؟ قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن أحلل ولا أحرم، ولكن عنه عليه السلام، وإن الامر عند السلطان في أمر أبي محمد عليه السلام إنه مضى ولم يخلف ولدا، وقسم ميراثه، وأخذه من لا حق له فيه، وصبر على ذلك وهو ذا عيال يجولون، وليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم أو ينيلهم شيئا، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وامسكوا عن ذلك (1). وعنه، عن علي بن محمد، عن محمد بن شاذان بن نعيم، عن خادمة لابراهيم بن عبدة النيسابوري - وكانت من الصالحات - أنها قالت: كنت


(1) الكافي 1: 265 / 1. (*)

[ 220 ]

واقفة مع إبراهيم على الصفا، فجاء صاحب الامر حتى وقف معه، وقبض على كتاب مناسكه وحدثه باشياء (1). وعنه، عن علي بن محمد، عن أبي علي أحمد بن إبراهيم بن إدريس، عن أبيه قال: رأيته عليه السلام بعد مضي أبي محمد عليه السلام حين أيفع، وقبلت يده ورأسه (2). وعنه، عن علي بن محمد، عن أبي عبد الله بن صالح، وأحمد بن النضر، عن القنبري - رجل من ولد قنبر الكبير مولى أبي الحسن الرضا عليه السلام - قال: جرى حديث جعفر بن علي فذمه، فقلت:، فليس غيره ؟ فذكر الحجة عليه السلام، فقلت: فهل رأيته ؟ قال: قد رآه جعفر مرتين (3). وعنه (4) عن علي بن الحسين بن الفرج المؤدب، عن محمد بن الحسن الكرخي قال: سمعت أبا هارون - رجلا من أصحابنا - يقول: رأيت صاحب الزمان ووجهه كأنه القمر ليلة البدر، ورأيت على سرته شعرا يجري كالخطة، وكشفت الثوب عنه فوجدته مختونا، فسألت مولانا الحسن بن علي، عن ذلك، فقال: " هكذا ولد وهكذا ولدنا، ولكنا سنمر الموسى لاصابة السنة " (5).


(1) الكافي 1: 266 - 6، وكذا في: ارشاد المفيد: 2 / 352، غيبة الطوسي: 268 - 231 (2) الكافي 1: 267 / 8، وكذا في: ارشاد المفيد: 2 / 353، غيبة الطوسي: 268 / 232. (3) الكافي 1: 267 / 9، وكذا في: ارشاد المفيد: 2 / 353، غيبة الطوسي: 248 / 217 (4) كذا وهو غير صواب، لان الرواية لا تعود إلى الكافي، بل هي مروية في كمال الدين، وبسند الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى، كما أنها لم ترد في متن نسخة " ط " بل في هامشها " ولعلها اضافة من النساخ والله تعالى هو العالم. (5) كمال الدين: 434 / 1.

[ 221 ]

ولو ذكرنا جميع أسماء من رآه عليه السلام لطال الكتاب واتسع الخطاب، وسيأتي ذكر بعضهم فيما يأتي من الكتاب، وفيما أوردناه هنا كفاية في الغرض الذي نحوناه.

[ 224 ]

* الباب الثاني * في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام من آبائه عليهم السلام، سوى ما تقدم من ذكره في جملة الاثني عشر فيه ثلاثة فصول:

[ 225 ]

* الفصل الاول * في ذكر إثبات النص على إمامته عليه السلام من طريق الاعتبار إذا ثبت بالدليل العقلي وجوب الامامة، واستحالة أن يخلي الحكيم سبحانه عباده المكلفين وقتا من الاوقات من وجود إمام معصوم من القبائح، كامل غني عن رعاياه في العلوم، ليكونوا بوجوده أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وثبت وجوب النص على من هذه صفته من الانام، أو ظهور المعجز الدال عليه المميز له عمن سواه، وعدم هذه الصفات من كل أحد بعد وفاة أبي محمد الحسن بن علي العسكري ممن ادعيت الامامة له في تلك الحال، سوى من أثبت إمامته أصحابه عليه السلام من ولده، القائم مقامه، ثبتت امامته عليه السلام، وإلا أدى إلى خروج الحق عن أقوال الامة. وهذا أصل لا يحتاج معه في الامامة إلى رواية النصوص، وتعداد ما جاء فيها من الروايات والاخبار، لقيامه بنفسه في قضية العقل، وثبوته بصحيح الاعتبار، على أنه قد سبق النص عليه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم من أمير المؤمنين عليه السلام ثم من الائمة عليهم السلام واحدا بعد واحد إلى أبيه عليه السلام، وإخبارهم عليهم السلام بغيبته قبل وجوده، وبدولته بعد غيبته. ونحن نذكر ذلك في الفصل الذي يلي هذا الفصل ثم نذكر بعد ذلك الاخبار الواردة في أنه نص عليه أبوه عليه السلام عند خواصه وثقاته وشيعته، وأشار إليه بالامامة من بعده استظهارا في الحجة، وتثبيتا على المحجة.

[ 226 ]

* الفصل الثاني * في ذكر الاخبار الواردة عن ابائه عليهم السلام في ذلك، سوى ما ذكرناه فيما تقدم من الكتاب، حذفنا أسانيدها تحريا للاختصار، فمن أرادها فليطلبها في كتاب كمال الدين للشيخ أبي جعفر بن بابويه قدس الله روحه. فمما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك: ما رواه جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الامم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملاها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا " (1). وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى اللة عليه وآله وسلم: " المهدي من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة حتى يضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما " (2). وروي محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن ابائه عليهم السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الامم، ياتي بذخيرة الانبياء، فيملاها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما


(1) كمال الدين: 286 / 1. (2) كمال الدين: 287 / 4. (*)

[ 227 ]

وجورا " (1). وروى ثابت بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن علي بن أبي طالب عليه السلام إمام أمتي، وخليفتي عليها بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملا الله به الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا، إن الثابتين على القول في زمان غيبته لاعز من الكبريت الاحمر ". فقام إليه جابر بن عبد الله الانصاري فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة ؟ قال: (إى وربي، ليمحص الذين آمنوا ويمحق الكافرين، يا جابر إن هذا الامر من أمر الله عز وجل، وسر من سر الله، علته مطوتة عن عباد الله، فاياك والشك، فإن الشك في أمر الله عز وجل كفر " (2) وروى هشام بن سالم، عن الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: القائم من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي، يقيم الناس على ملتي وشريعتي ويدعوهم الى كتاب ربي، من أطاعه أطاعني ومن عصاه عصاني، ومن أنكر غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني، إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شانه، والمضلين لامتي عن طريقته (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (3) " (4).


(1) كمال الدين: 287 / 5. (2) كمال الدين: 287 / 7. (3) الشعراء 26: 227. (4) كمال الدين: 411 / 6

[ 228 ]

ومما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك: ما رواه الحارث بن المغيرة النصري، عن الاصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فوجدته متفكرا ينكت في الارض، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك متفكرا تنكت في الارض، أرغبة فيها ؟ فقال: " لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي، هو المهدي يملاها عدلا كما ملئت جورا وظلما، تكون له حيرة وغيبة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون ". فقلت: يا أمير المؤمنين، وإن هذا لكائن ؟ قال: " نعم كما أنه مخلوق، وأنى لك العلم بهذا الامر يا أصبغ ؟ أولئك خيار هذه الامة مع أبرار هذه العترة ". قلت: وما يكون بعد ذلك ؟ قال: " ثم يفعل الله ما يشاء، وإن له إرادات وغايات ونهايات، (1). ومن كلامه المشهور لكميل بن زياد: " اللهم إنك لا تخلي الارض من قائم بحجة، إما ظاهر مشهور، أو خائف مغمور، لئلا تبطل حججك وبيناتك، (2). وروى سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه ذكر القائم فقال: " أما ليغيبن حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد حاجة " (3).


(1) كمال الدبن: 288 / 1. (2) كمال الدين: 291 / 10. (3) كمال الدين: 302 / 9.

[ 229 ]

وروى عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن أبي جعغر الثاني، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: " للقائم منا غيبة أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته، يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول مدة غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة " (1). وقال عليه السلام: (إن القائم منا إذا قام لم يكن لاحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه " (2). وروي علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين ابن خالد، عن الرضا عليه السلام، عن آبائه، عن امير المؤمنين عليهم السلام أنه قال: " التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، والمظهر للدين، والباسط للعدل. قال الحسين عليه السلام: فقلت له: وإن ذلك لكائن ؟ فقال: إي والذي بعث محمدأ بالنبوة، واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة لا يثبت فيهما على دينه إلا المخلصون، المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الايمان، وأيدهم بروح منه " (3). ومما جاء فيه عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: ما رواه حنان بن سدير، عن أبيه سدير بن حكيم بن صهيب الصيرفي، عن أبيه، عن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن بن علي عليهما


(1) كمال الدين: 303 / ذيل حديث 14. (2) كمال الدين: 303 / ذيل حديث 14. (3) كمال الدين: 304 / 16.

[ 230 ]

السلام معاوية دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال عليه السلام: " ويحكم، ما تدرون ما عملت، والله للذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي ؟ ". قالوا: بلى. قال: " أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار كان ذلك سخطا لموسى عليه السلام، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابأ ؟ أما علمتم أنه ما منا أحد إلا وتقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه، لئلا يكون لاحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيدة الاماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير " (1). ومما جاء عن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: ما رواه محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جذه عليهم السلام قال: " قال الحسين عليه السلام: في التاسع من ولدي سنة من يوسف، وسنة من موسى بن عمران، وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تعالى أمره في ليلة واحدة " (2) وروى جعيد الهمداني (3) عنه عليه السلام قال: " قائم هذه الامة هو


(1) كمال الدين: 315 / 2. (2) كمال الدين 316 / 1 (3) في كمال الدين: رجل من همدان. (*)

[ 231 ]

التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي " (1). وروى يحيى بن وثاب، عن عبد الله بن عمر قال: سمعت الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام يقول: " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي، فيملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، كذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " (2). ومما جاء فيه عن علي بن الحسين عليهما السلام: ما رواه حمزة بن حمران، عن أبيه حمران بن أعين، عن سعيد بن جبير قال: سمعته يقول: " في القائم منا سنن من ستة من الانبياء عليهم السلام: سنة من نوج، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد. فأما من نوح عليه السلام فطول العمر، وأما من إبراهيم عليه السلام فخفاء الولا دة واعتزال الناس، وأما من موسى عليه السلام فالخوف والغيبة، وأما من عيسى عليه السلام فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب عليه السلام فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالخروج بالسيف " (3). قال: وسمعته عليه السلام يقول: " القائم منا تخفى على الناس ولادته حتى يقولوا: لم يولد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لاحد في عنقه بيعة " (4). وروى علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن بسطام بن مرة، عن عمرو بن ثابت قال: قال علي بن الحسين سيد العابدين عليه السلام:


(1) كمال الدين 317 / 2 (2) كمال الدين: 317 / 4. (3) كمال الدين 321 / 3 (4) كمال الدين: 322 / 6. (*)

[ 232 ]

" من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر " (1). ومما جاء عن محمد بن علي الباقر عليه السلام. ما رواه عبد الله بن عطاء قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن شيعتك بالعراق كثيرون، ووالله ما في أهل بيتك مثلك. فقال: " يا عبد الله، قد أمكنت الحشو من أذنيك، والله ما أنا بصاحبكم ". قلت: فمن صاحبنا ؟ قال: " أنظر من تخفى في على الناس ولادته فهو صاحبكم " (2). وروى أبو الجارود زياد بن المنذر عنه قال: قال لي: " يا أبا الجارود، إذا دار الفلك، وقال الناس: مات القائم أو هلك، باي واد سلك، وقال الطالب: أنى يكون ذلك، وقد بليت عظامه. فعند ذلك فارجوه، فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبوأ على الثلج " (3). أبو بصير، عنه قال: " في صاحب هذا الامر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله وعليهم. فاما من موسى فخائف يترقب، وأما من يوسف فالسجن، وأما من عيسى فيقال: إنه مات ولم يمت، وأما من محمد صلى الله عليه وآله وعليهم فالسيف " (4).


(1) كمال الدين: 323 / 7. (2) كمال الدين: 325 / 2. (3) كمال الدين: 326 / 5. (4) كمال الدين: 326 / 6، وكذا في: الامامة والتبصرة: 234 / 84، وغيبة الطوسي: (*)

[ 233 ]

محمد بن مسلم الثقفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي مبتدئا: " يا محمد بن مسلم، إن في القائم من آل محمد شبها بخمسة من الرسل: يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليه وآله وعليهم. فأما شبهه الذي من يونس عليه السلام فرجوعه من غيبته وهو شاب مع كبر السن. وأما شبهه من يوسف عليه السلام فالغيبة من خاصته وعامته، واختفاؤه من إخوته، وإشكال أمره على أبيه يعقوب النبي مع قرب من المسافة بينه وبين أبيه وأهله وشيعته. وأما شبهه من موسى عليه السلام فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب شيعته من بعده مما لقوا من الاذى والهوان إلى أن أذن الله في ظهوره، وأيده على عدوه. وأما شبهه من عيسى عليه السلام فإختلاف من اختلف فيه حتى قالت طائفة: ما ولد، وطائفة قالت: مات، وطائفة قالت: قتل وصلب. وأما شبهه من جده المصطفى صلى الله عليه وآله فتجريده السيف، وقتله أعداء الله وأعداء رسوله والجبارين والطواغيت، وأنه ينصر بالسيف وبالرعب، وأنه لا ترد له راية، وإن من علامات خروجه: خروج السفياني من الشام، وخروج اليماني، وصيحة من السماء في شهر رمضان، ومناد ينادي باسمه واسم أبيه " (1).


424 / 408 واثبات الوصية للمسعودي: 226. (1) كمال الدين: 327 / 7. (*)

[ 234 ]

ومما جاء عن الصادق عليه السلام في ذلك: ما رواه محمد بن سنان، عن صفوان بن مهران، عنه عليه السلام قال: " من أقر بجميع الائمة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الانبياء وجحد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبوته ". فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن المهدي من ولدك ؟ قال: " الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته " (1). وروى الحسن بن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور عنه عليه السلام مثل ذلك (2). وروى أحمد بن هلال، عن أمية بن علي، عن أبي الهيثم بن أبي حية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا اجتمعت ثلاثة أسامي متوالية: محمد، وعلي، والحسن، فالرابع القائم " (3). وروى المفضل بن عمر قال: دخلت على سيدي جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام فقلت: يا سيدي، لو عهدت إلينا من الخلف من بعدك ؟ فقال: " يا مفضل، الامام من بعدي موسى، والخلف المنتظر (م ح م د) بن الحسن بن على بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام " (4). وروى محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن سنان ؟ وأبي علي الزراد


(1) كمال الدين: 333 / 1. (2) كمال الدين: 338 / 12. (3) كمال الدين: 333 / 2، وباختلاف يسير في غيبة النعماني: 179 / 26. (4) كمال الدين: 334 / 4. (*)

[ 235 ]

جميعا، عن إبراهيم الكرخي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فإني لجالسق عنده إذ دخل أبو الحسن موسى - وهو غلام - فقمت إليه فقبلته وجلست، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " يا إبراهيم، أما إنه صاحبك من بعدى، أما لتهلكن فيه أقوام ويسعد اخرون، فلعن الله قاتله وضاعف على روحه العذاب، أما ليخرجن الله من صلبه خير أهل الارض في زمانه، سمي جده، ووارث علمه وأحكامه وقضاياه، معدن الامامة وأحكامها، ورأس الحكمة، يقتله جبار بني فلان بعد عجائب طريفة، حسدا له، ولكن الله تعالى بالغ أمره ولو كره المشركون. ويخرج الله من صلبه تكملة اثني عشر إماما مهديا، اختصهم الله بكرامته، وأحلهم دار قدسه، المنتظر للثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذب عنه ". قال: فدخل رجل من موالي بني أمية، فانقطع الكلام، فعدت إلى أبي عبد الله عليه السالام احدى عشرة مرة أريد منه أن يتم الكلام فما قدرت على ذلك، فلما كان من قابل - السنة الثانية - دخلت عليه وهو جالس (1) فقال: " يا إبراهيم، هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد، وبلاء طويل وجزع وخوف، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان، حسبك يا إبراهيم ". قال إبراهيم: فما رجعت بشئ هو أسر من هذا لقلبي، ولا أقر لعيني (2). وروى محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن سنان، عن المفضل ابن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أقرب ما يكون العباد من الله


(1) في نسخة " م " زيادة: فسلمت ورد سلامي. (2) كمال الدين: 334 / 5، وكذا في غيبة النعماني: 90 - 21 (*)

[ 236 ]

عز وجل، وأرضى ما يكون عنهم، إذا فقدوا حجة الله، فلم يظهر لهم، ولم يعلموا مكانه، وهم في ذلك يعلمون أنه لن تبطل حجة الله ولا ميثاقه، فعندها فتوقعوا الفرج صباحا ومساء، وإن أشد ما يكون غضب الله على أعداء الله تعالى إذا افتقدوا حجته فلم يظهر لهم، وقد علم أن أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنهم يرتابون ما غيب عنهم حجته طرفة عين، ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس " (1). وروى الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2). وروى عبد الرحمن بن أبي نجران، عن فضالة بن أيوب، عن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن في القائم سنة من يوسف ". قلت: كأنك تذكر خبره أو غيبته ؟ فقال لي: " وما تنكر من ذلك هذه الامة أشباه الخنازير، إن إخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وهم إخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتى قال لهم: أنا يوسف. فما تنكر هذه الامة أن يكون الله تعالى في وقت من الاوقات يريد أن يستر حجته ! لقد كان يوسف إليه ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد الله عز وجل أن يعرفه مكانه لقدر على ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيام من بلدهم إلى مصر، فما تنكر هذه الامة أن (يكون الله تعالى يفعل بحجته ما - فعل بيوسف أن) (3) يكون يسير في أسواقهم، ويطأ بسطهم وهم لا


(1) كمال الدين: 339 / 16، وكذا في: الكافي 1: 268 / 1. (2) كمال الدين: 339 / 17. (3) ما بين القوسين لم يرد ني نسختي " ق " و " ط ". (*)

[ 237 ]

يعرفونه، حتى يأذن الله تبارك وتعالى له أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف حتى قال لهم: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه إذ انتم جاهلون * قالوا ائنك لانت يوسف قال انا يوسف وهذا أخي (1) " (2). وروى أحمد بن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى الكلابي، عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن للقائم غيبة قبل أن يقوم ". قلت: ولم ؟ قال: " يخاف " وأومأ بيده إلى بطنه، ثم قال: " يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول: هو حمل، ومنهم من يقول: هو غائب، ومنهم من يقول: ما ولد، ومنهم من يقول: قد ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أن الله تعالى يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون ". قال زرارة: فقلت: جعلت فداك، فإن أدركت ذلك الزمان فأي شئ أعمل ؟ قال: " يا زرارة، إن أدركت ذلك الزمان فأدم هذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفي نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني " ثم قال: " يا زرارة، لا بد من قتل غلام بالمدينة ".


(1) سورة يوسف 12: 89 - 90. (2) كمال الدين: 341 / 21، وكذا في: الكافي 1: 271 / 4، وعلل الشرائع: 244 / 3، وغيبة الطوسي 163 / 4. (*)

[ 238 ]

قلت: جعلت فداك، أليس يقتله جيش السفياني ؟ قال: " لا، ولكن يقتله جيش بني فلان، يدخل المدينة فلا يدري الناس في أي شئ دخل، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغيا وعدوانا وظلما لم يمهلهم الله عز وجل، فعند ذلك فتوقعوا الفرج " (1). وروى هذا الحديث من طرق عن زرارة (2). وروى يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى، لا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق ". قلت: كيف دعاء الغريق ؟ قال: (يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". فقلت: يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك. فقال: " إن الله عز جل مقلب القلوب والابصار، ولكن قل كما أقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (3). وروى سدير الصيرفى، عن أبي عبد الله - في حديث طويل - قال: قال:، (أما العبد الصالح - أعنى الخضر - فإن الله عز وجل ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الانبياء، ولا لامامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بل إن الله تعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم عليه السلام في


(1) كمال الدين: 342 / 24، وكذا في: الكافي 1: 272 / 5 وغيبة النعماني: 166 / 6. (2) كمال الدين: 343 / ذيل حدبث 24 (3) كمال الدين: 351 / 50. (*)

[ 239 ]

أيام غيبته ما يقدر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طول عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم، وليقطع بذلك حجة المعاندين، لئلا يكون للناس على الله حجة " (1). فهذا طريق مما روي عن الصادق عليه السلام في هذا المعنى. ومما جاء عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام في مثله: ما رواه سعد بن عبد الله، عن الحسن بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم، لا يزيلكم أحد عنها. يا أخي، إنه لابد لصاحب هذا الامر، من غيبة حتى يرجع عن هذا الامر من كان يقول به، إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، ولو علم آباؤكم وأجدادكم دينا أصح من هذا لاتبعوه ". فقلت: يا سيدي، من الخامس من ولد السابع ؟ فقال. " يا أخي، عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن ذلك، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه " (2). وروي عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن صالح بن السندي، عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر عليهما السلام فقلت له: يا ابن رسول الله، أنت القائم بالحق ؟ قال: " أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الارض من أعداء


(1) كمال الدين: 357 / ذيل حديث 51 (2) كمال الدين: 359 / 1، وكذا في: الكافي 1: 271 / 2، علل الشرائع: 244 - 4، غيبة النعماني: 154 / 11، اثبات الوصية: 229 كفاية الاثر: 268 (*)

[ 240 ]

الله، ويملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وهو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه، يرتد فيها قوم ويثبت فيها آخرون ". وقال عليه السلام: " طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم ثم طوبى لهم، هم والله معنا في درجتنا يوم القيامة " (1). ومما روي عن الرضا عليه السلام في ذلك: ما رواه محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن أيوب بن نوح قال: قلت للرضا عليه السلام: إنا نرجو أن تكون صاحب هذا الامر، وأن يسديه الله إليك من غير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك. فقال: " ما منا أحد اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل، وأشارت إليه الاصابع، وحملت إليه الاموال إلا اغتيل أو مات على فراشه، حتى يبعث الله عز وجل بهذا الامر رجلا خفي المولد والمنشأ غير خفي في نسبه " (2). وروى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا عليه السلام: أنت صاحب هذا الامر ؟ فقال: " أنا صاحب هذا الامر، ولكني لست بالذي أملاها عدلا كما ملئت جورا، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني ! وأن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان (3)، قويا في بدنه حتى لو مد


(1) كمال الدين: 361 / 5، وكذا في: كفاية الاثر: 269. (2) كمال الدين: 370 / 1، وكذا في: غيبة النعماني 168 / 9. (3) في نسختي " ق " و " ط ": الشباب.

[ 241 ]

يده إلى أعظم شجرة على وجه الارض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان. ذلك الرابع من ولدي، يغيبه الله في ستره ما شاء ثم يظهره فيملا به الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، كأني بهم أين ما كانوا قد نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين " (1). علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد: قال: قال الرضا عليه السلام: " لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية ". فقيل له: يا ابن رسول الله، إلى متى ؟ قال: " إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا ". فقيل له: يا ابن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت ؟ قال: (الرابع من ولدي، ابن سيدة الاماء، يطهر الله به الارض من كل جور، ويقدسها من كل ظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الارض بنوره، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحد أحدا. وهو الذي تطوى له الارض، ولا يكون له ظل، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع اهل الارض بالدعاء إليه يقول: ألا ان حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فإن الحق معه وفيه، وهو قول الله عز وجل: " ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " (2) " (3).


(1) كمال الدين: 376 / 7 دون ذيله (2) الشعراء 26: 4. (3) كمال الدين: 371 / 5، وكذا في: كفاية الاثر: 274.

[ 242 ]

وقد ذكرنا حديث دعبل بن علي الخزاعي عنه في هذا المعنى في ما تقدم من الكتاب (1). ومما روي عن أبي جعفر الثاني عليه السلام في مثله: ما رواه عبد العظيم بن عبد الله الحسني رحمه الله قال: دخلت على سيدي محمد بن علي وأنا أريد أن أسأله عن القائم عليه السلام أهو المهدي أو غيره، فابتدأني فقال: " يا أبا القاسم، إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي. والذي بعث محمدا بالنبوة، وخصنا بالامامة، إنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وإن اللة تعالى ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى عليه السلام إذ ذهب ليقتبس لاهله نارا فرجع وهو رسول نبي ". ثم قال عليه السلام: " أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج " (2). وعنه أيضا قال: قلت لمحمد بن علي عليهما السلام: إني لارجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. فقال: " يا أبا القاسم، ما منا إلا قائم بامر الله وهاد إلى دين الله، ولكن القائم منا هو الذي يطهر الله عز وجل الارض به من أهل الكفر والجحود، ويملاها عدلا وقسطا، هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته. وهو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيه، وهو الذي تطوى له الارض، ويذل له كل صعب. يجتمع إليه


(1) تقدم في صفحة: 68 - 69 فراجع. (2) كمال الدين: 377 / 1، وكذا في: كفاية الاثر: 280. (*)

[ 243 ]

من أصحابه عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الارض، وهو قول الله عز وجل: " أين ما تكونوا يات بكم الله جميعا ان الله على كل شئ قدير " (1) فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الاخلاص أظهر أمره، وإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عز وجل، فلا يزال يقتل أعداء الكه حتى يرضى الله تبارك وتعالى ". قال عبد العظيم فقلت له: يا سيدي، وكيف يعلم أن الله قد رضي ؟ قال: (يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فاحرقهما " (2). وروى حمدان بن سليمان قال: حدثنا الصقر بن أبي دلف قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام يقول: " إن الامام بعدي علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والامام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، (وقوله قول أبيه) (3)، وطاعته طاعة أبيه. ثم سكت، فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الامام بعد الحسن ؟ فبكى بكاء شديدا ثم قال: " إن الامام من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر ". فقلت له: يا ابن رسول الله، ولم سمي القائم ؟ قال: " لانه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته ". فقلت له: ولم سمي المنتظر ؟ قال: " لان له غيبة تكثر أيامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه


(1) سورة البقرة 2: 148. (2) كمال الدين: 377 / 2، وكذا في: كفاية الاثر: 281. (3) ما بين القوسين لم يرد في نسختي " ط " و " ق " واثبتناه من نسخة " م ". (*)

[ 244 ]

المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيه الوقاتون، ويهلك فيه المستعجلون، وينجو فيه المسلمون " (1). ومما روي عن أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام في ذلك: ما رواه عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: دخلت على سيدي علي ابن محمد عليهما السلام، فلما أبصرني قال لي: " مرحبا بك يا أبا القاسم، أنت ولينا حقا ". فقلت له: يا ابن رسول الله، اني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيا ثبت عليه حتى ألقى الله عز وجل. فقال: " هات يا أبا القاسم ". فقلت: إني أقول: إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شئ، خارج من الحدين حد الابطال وحد التشبيه، وإنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسم الاجسام، ومصور الصور، وخالق الاعراض والجواهر، ورب كل شئ ومالكه وجاعله ومحدثه. وإن محمدا عبده ورسوله، وخاتم النبيين فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، وإن شريعته خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة. وأقول: إن الامام والخليفة وولي الامر بعده أمير المؤمنين علي بن ابي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد ابن علي عليهم السلام ثم أنت يا مولاي. فقال عليه السلام: " ومن بعدي الحسن فكيف للناس بالخلف من


(1) كمال الدين: 378 / 3، وكذا في: كفاية الاثر: 283. (*)

[ 245 ]

بعد ه ". قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي ؟ قال: " لانه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه حتى بخرج فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ". قال: فقلت: أقررت، وأقول: إن وليهم ولي الله، وعدؤهم عدو الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله. وأقول: إن المعراج حق، والمسألة في القبر حق، وأن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال: علي بن محمد عليهما السلام: " يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة " (1). وروي علي بن ابراهيم، عن عبد الله بن أحمد الموصلي، عن الصقر ابن أبي دلف قال: لما حمل المتوكل سيدنا أبا الحسن عليه السلام جئت أسأل عن خبره، قال: فنظر إلي حاجب المتوكل فامر أن أدخل إليه فأدخلت إليه، فقال: يا صقر ما شأنك ؟ فقلت: خيرا أيها الاستاذ. قال: أقعد. قال الصقر: وأخذني ما تقدم وما تأخر وقلت: أخطأت في المجئ. قال: فوحى الناس عنه ثم قال: ما شأنك وفيم جئت ؟ لعلك جئت تسال عن خبر مولاك ؟ فقلت له: ومن مولاي ؟ ! مولاي أمير المؤمنين.


(1) كمال الدين: 379 / 1، وكذا في: كفاية الاثر: 286.

[ 246 ]

فقال: اسكت، مولاك هو الحق، لا تحتشمني فاني على مذهبك. فقلت: الحمد لله. فقال: تحب أن تراه ؟ فقلت: نعم. فقال: اجلس حتى يخرج صاحب البريد. قال: فلما خرج قال لغلام له: خذ بيد الصقر فادخله إلى الحجرة التي فيها العلوي المحبوس، وخل بينه وبينه. قال: فادخلني الحجرة، وأوما إلى بيت فدخلت، فإذا هو عليه السلام جالس على صدر حصير، وبحذاه قبر محفور. قال: فسلمت فرد، ثم أمرني بالجلوس فجلست، ثم قال لي: " يا صقر، ما أتى بك ؟ ". قلت: يا سيدي جئت أتعرف خبرك ؟ قال: ثم نظرت إلى القبر فبكيت، فنظر إلي ثم قال: " يا صقر لا عليك، لن يصلوا إلينا بسوء. فقلت: الحمد للة، ثم قلت: يا سيدي حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أعرف معناه. فقال: " وما هو ؟ ". قلت: قوله: " لا تعادوا الايام فتعاديكم " ما معناه ؟ فقال: " نعم، الايام نحن ما قامت السماوات والارض، فالسبت اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والاحد أمير المؤمنين، والاثنين الحسن والحسين، والثلاثاء علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد. والاربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وأنا، والخميس ابني الحسن، والجمعة ابن ابني، إليه تجتمع عصابة الحق، وهو الذي يملاها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فهذا معنى الايام، فلا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الاخرة " ثم قال: " ودع واخرج فلا آمن

[ 247 ]

عليك " (1). وبهذا الاسناد: عن الصقر بن أبي دلف قال: سمعت علي بن محمد ابن علي الرضا عليهم السلام يقول: " الامام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما " (2). وروى علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن علي بن صدقة، عن علي بن عبد الغفار قال: لما مات أبو جعفر الثاني عليه السلام كتبت الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام يسألونه عن الامر فكتب عليه السلام: " الامر لي ما دمت حيا، فإذا نزلت بي مقادير الله تبارك وتعالى أتاكم الخلف مني، فأنى لكم بالخلف من بعد الخلف " (3). وروي إسحاق بن محمد بن أيوب قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد عليهما السلام يقول: " صاحب هذا الامر من يقول الناس: لم يولد بعد " (4). والاخبار في هذا الباب كثيرة ظاهرة، في الشيعة متواترة، ثابتة في أصولها المتقدمة لزمان الحسن العسكري عليه السلام، وفي ذلك أصح دليل وبرهان على إمامة القائم ابن الحسن عليهما السلام.


(1) كمال الدين: 382 / 9، وكذا في: الخصال: 394 / 102، كفاية الاثر: 289. (2) كمال الدين: 383 / 10، وكذا في: كفاية الاثر: 292. (3) كمال الدين: 382 / 8. (4) كمال الدين: 382 / 7. (*)

[ 248 ]

(الفصل الثالث) في ذكر النصوص عليه صلوات الله عليه من جهة أبيه الحسن بن علي عليه السلام خاصة الشيخ أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه، عن علي بن عبداللة الوراق، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن اسحاق بن سعد الاشعري قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي مبتدئا: " يا أحمد بن إسحاق، إن الله تبارك وتعالى لم يخل الارض منذ خلق آدم، ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة الله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الارض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الارض ". قال: فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الخليفة والامام بعدك ؟ فنهض عليه السلام مسرعا فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام، كأن وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين، وقال: " يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيه، الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الامة مثل الخضر، ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبته الله تعالى على القول بإمامته، ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه ". قال: أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي، فهل من علامة يطمئن إليها قلبي ؟

[ 249 ]

فنطق الغلام عليه السلام بلسان عربي فصيح فقال: " أنا بقية الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق ". قال أحمد: فخرجت مسرورا فرحا، فلما كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول الله، لقد عظم سروري بما مننت علي، فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين ؟ فقال: " طول الغيبة يا أحمد ". فقلت له: يا ابن رسول الله، وإن غيبته لتطول ؟ قال: " إي وربي، حتى يرجع عن هذا الامر أكثر القائلين به، فلا يبقى الا من أخذ الله عهده بولايتنا، وكتب في قلبه الايمان، وأيده بروح منه. يا أحمد بن اسحاق، هذا أمر من الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه، وكن من الشاكرين، تكن معنا غدا في عليين " (1). ويؤيد هذا الخبر ما رواه محمد بن مسعود العياشي، عن محمد بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله الله حجة على عباده، فدعا قومه إلى الله عز وجل، وأمرهم بتقواه، فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زمانا حتى قيل: مات أو هلك، باي واد سلك. ثم ظهر ورجع إلى قومه، فضربوه على قرنه الاخر، وفيكم من هو على سنته، وإن الله عز وجل مكن لذي القرنين في الارض، وجعل له من كل شئ سببا، وبلغ المشرق والمغرب، وان الله تعالى سيجري سنته في القائم من ولدي،


(1) كمال الدين: 384 / 1. (*)

[ 250 ]

ويبلغه شرق الارض وغربها، حتى لا يبقي منهل ولا موضع من سهل أو جبل وطئه ذو القرنين إلا وطئه، ويظهر الله له كنوز الارض ومعادنها، وينصره بالرعب، ويملا الارض به عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما " (1). محمد بن مسعود العياشي، عن آدم بن محمد البلخي، عن علي بن الحسين بن هارون الدقاق، عن جعفر بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن إبراهيم بن الاشتر، عن يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمد عليه السلام وهو جالس على دكان في الدار، وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: سيدي، من صاحب هذا الامر ؟ فقال: (ارفع الستر ". فرفعته، فخرج إلينا غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، دري المقلتين، شئن الكفين (2)، معطوف الركبتين، في خده الايمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد ثم قال لي: " هذا هو صاحبكم " ثم وثب فقال له: " يا بني، ادخل إلى الوقت المعلوم ". فدخل البيت. وأنا انظر إليه، ثم قال لي: (يا يعقوب، انظر من في البيت " ؟ فدخلت فما رأيت أحدا (3). محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن محمد بن علي بن بلال قال: خرج إلي من أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثم خرج إلي من قبل مضيه بثلاثة أيام


(1) كمال الدين: 394 / 4. (2) شثن الكنبن: أفي خشنتان وغليظتان " أنظر: الصحاح - شثن - 5: 2142 ". (3) كمال الدين: 407 / 2. (*)

[ 251 ]

يخبرني بالخلف من بعده (1). وعنه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن اسحاق، عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لابي محمد عليهما السلام: جلالتك تمنعني عن مسألتك، فتأذن لي أن أسألك ؟ قال: " سل ". فقلت: يا سيدي، هل لك ولد ؟ قال: " نعم ". قلت: فإن حدث أمر، فأين أسأل عنه ؟ قال: " بالمدينة " (2). وعنه، عن الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال: خرج عن أبي محمد عليه السلام حين قتل الزبيري (3): " هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه، زعم أنه يقتلني وليس لى عقب، فكيف رأى قدرة الله فيه ". قال: وولد له ولد وسماه باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك في سنة ست وخمسين ومائتين (4).


(1) الكافي 1: 264 / 1، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 348 (2) الكافي 1: 264 - 2، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 348، غيبة الطوسي: 232 / 199، الفصول المهمة: 292. (3) قال العلامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول (4: 3 / 5): الزبيري كان لقب بعض الاشقياء من ولد الزبير، كان في زمانه عليه السلام فهدده، وقتله الله على يد الخليفة أو غيره. وصحفه بعضهم وقرأ بفتح الزاي وكسر الباء من الزبير، بمعنى الداهية، كناية عن المهتدي العباسي، حيث قتله الموالي. (4) الكافي 1: 264 - 5، وكذا في: كمال الدين: 430 / 3، غيبة الطوسي: 231 / 198، ودون ذيله في ارشاد المفيد 2: 349. (*)

[ 252 ]

وعنه، عن علي بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن جعفر ابن محمد المكفوف، عن عمرو الاهوازي قال: أراني أبو محمد عليه السلام ابنه وقال: " هذا صاحبكم بعدي " (1). الشيخ أبو جعفر، عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن معاوية بن حكيم، ومحمد بن أيوب بن نوح، ومحمد بن عثمان العمري قالوا: عرض علينا أبو محمد ابنه ونحن في منزله - وكنا أربعين رجلا - فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، فأطيعوه ولا تتفرقوا بعدي فتهلكوا في أديانكم، أما إنكم لا ترونه (2) بعد يومكم هذا ". قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلا أيام قلائل حتى مضى أبو محمد عليه السلام (3). وعنه، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن جعفر بن وهب البغدادي قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي عليهما السلام يقول: " كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني، أما إن المقر بالائمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنكر لولدي كمن أقر بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لان طاعة آخرنا كطاعة أولنا، والمنكر لاخرنا كالمنكر لاولنا، أما


(1) الكافي 1: 264 / 3، وكذا في: إرشاد المفيد 2: 348، كيبة الطوسي: 234 / 203. (2) لعل المراد بقوله عليه السلام هذا (أكثركم) لمعارضته مع أخبار أخرى تذهب إلى رؤية العمري له عليه السلام. انظر: كمال الدين: 440 / 9 و 10 و 441 / 14، ارشاد المفيد: 2 / 351. كما أن العمري رحمه الله كان من سفرائه عليه السلام في أيام غيبته الصغرى. فتأمل. (3) كمال الدين: 435 / 2 (*)

[ 253 ]

إن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلا من عصمه الله " (1). وعنه، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق، عن أبي علي بن همام قال: سمعت محمد بن عثمان العمري يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السلام: أن الارض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة، وإن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. فقال: " إن هذا حق كما أن النهار حق ". فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن الحجة والامام بعدك ؟ فقال: " ابني محمد هو الامام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الاعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة " (2).


(1) كمال الدين: 409 / 8، وكذا في: كفاية الاثر: 295، روضة الواعظين: 257. (2) كمال الدين: 409 / 9، وكذا في: كفاية الاثر: 296. (*)

[ 255 ]

* الباب الثالث * في بيان وجه الاستدلال بهذه الاخبار الواردة في النصوص على إمامته، وذكر أحوال غيبته، وما شوهد من دلالالته وبيناته، وبعض ما خرج من توقيعاته وفيه أربعة فصول:

[ 257 ]

* الفصل الاول * في ذكر الدلالة على اثبات غيبته عليه السلام وصحة إمامته من جهة الاخبار التي تقدم ذكرها، وذكر أحوال غيبته تدل على إمامته عليه السلام ما أثبتناها من أخبار النصوص، وهي على ثلاثة أوجه: أحدها: النص على عدد الائمة الاثني عشر، وقد جاءت تسميته عليه السلام في بعض تلك الاخبار، ودل البعض على إمامته بما فيه من ذكر العدد من قبل أنه لا قائل بهذا العدد في الامة إلا من دان بإمامته، وكل ما طابق الحق فهو حق. والوجه الثاني: النص عليه من جهة أبيه خاصة. والوجه الثالث: النص عليه بذكر غيبته وصفتها التي يختصها، ووقوعها على الحد المذكور من غير اختلاف، حتى لم يخرم منه شيئا، وليس يجوز في العادات أن تولد جماعة كذبا يكون خبرا عن كائن فيتفق لهم ذلك على حسب ما وصفوه. وإذا كانت أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة عليه السلام، بل زمان أبيه وجده، حتى تعلقت الكيسابية (1) بها في إمامة ابن الحنفية


(1) الكيسانية: يذهب أصحاب هذه الفرقة إلى إمامة محمد ابن الحنفية بعد أخويه الحسن والحسين عليهما السلام، وأنه لم يمت بل اختفى في جبال رضوى حتى يؤذن له بالخروج على اعتبار أنه هو المهدي المنتظر. انظر: فرق الشيعة للنوبختي: 23، الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة: 056، الملل والنحل (*)

[ 258 ]

والناووسية (1) والممطورة (2) في أبي عبد الله وأبي الحسن موسى عليهما السلام، وخلدها المحدثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادق عليهما السلام، وآثروها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام واحدا بعد واحد، صح بذلك القول في إمامة صاحب الزمان عليه السلام بوجود هذه الصفة له، والغيبة المذكورة في دلائله وإعلام إمامته، وليس يمكن لاحد دفع ذلك. ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة: الحسن بن محبوب الزراد، وقد صنف كتاب المشيخة الذي هو في أصول الشيعة أشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل زمان الغيبة باكثر من مائة سنة، فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة، فوافق الخبر الخبر، وحصل كل ما تضمنه الخبر بلا اختلاف.


1: 147. (1) الناووسية: يزعم أصحاب هذه الفرقة أن الامام الصادق عليه السلام لم يمت، وأنه سيظهر بعد لاحياء الحق وإماتة الباطل، وانه هو الامام المهدي المنتظر. وقيل: أنهم اتباع رجل يقال له ناووس، أو عجلان بن ناووس. وقيل: أنهم ينسبون إلى قرية ناووسا. انظر: فرق الشيعة للنوبختي: 67، الملل والنحل 1: 166، الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة: 77. (2) الممطورة: هم من الواقفين على الامام موسى بن جعفر علبه السلام، والذاهبين إلى أنه عليه السلام لم يمت، وأنه هو المهدي الذي يخرج لاقامة العدل وإماتة البدع والاهواء، وأن الائمة عليهم السلام من بعده ليسوا إلا خلفاء له لا أئمة، ينوبون عنه حتى ظهوره. وسموا بذلك الاسم من خلال جدال قام بين علي بن إسماعيل وبينهم حتى قال لهم بعد ان اشتد الجدال فيما بينهم: ما أنتم إلا كلاب ممطورة. أي أنهم أنتن من جيف، لان الكلاب إذا أصابها المطر تنبعث منها رائحة نتنة. انظر: فرق الشيعة: 81، الملل والنحل 1: 169. (*)

[ 259 ]

ومن جملة ذلك: ما رواه عن إبراهيم الخارقي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: " لقائم آل محمد عليه السلام غيبتان واحدة طويلة والاخرى قصيرة ". قال: فقال لي: " نعم يا أبا بصير، إحداهما أطول من الاخرى، ثم لا يكون ذلك - يعني ظهوره - حتى يختلف ولد فلان، وتضيق الحلقة، ويظهر السفياني، ويشتد البلاء، ويشمل الناس موت وقتل، ويلجاون منه إلى حرم الله تعالى وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم " (1). فانظر كيف قد حصلت الغيبتان لصاحب الامر عليه السلام على حسب ما تضمنته الاخبار السابقة لوجوده عن آبائه وجدوده عليهم السلام، أما غيبته الصغرى (2) منهما فهي التي كانت فيها سفراؤه عليه السلام موجودين، وأبوابه معروفين، لا تختلف الامامية القائلون بإمامة الحسن بن علي عليه السلام فيهم، فمنهم: أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، ومحمد بن علي ابن بلال، وأبو عمرو عثمان بن سعيد السمان، وابنه أبو جعفر محمد بن عثمان، وعمر الاهوازي، وأحمد بن إسحاق، وأبو محمد الوجناني، وإبراهيم بن مهزيار، ومحمد بن إبراهيم في جماعة أخر ربما ياتي ذكرهم عند الحاجة إليهم في الرواية عنهم. وكانت مدة هذه الغيبة أربعا وسبعين سنة، وكان أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري قدس الله روحه بابا لابيه وجده عليهما السلام من قبل وثقة لهما، ثم تولى الباقية من قبله، وظهرت المعجزات على يده، ولما مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر محمد مقامه رحمهما الله بنصه عليه، ومضى على منهاج أبيه


(1) غيبة النعماني: 172 / 7. (2) في نسخة " ط " و " ق ": القصرى. (*)

[ 260 ]

رضي الله عنه في آخر جمادى الاخرة من سنة أربع أو خمس وثلاثمائة، وقام مقامه أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت بنص أبي جعفر محمد ببن عثمان عليه، وأقامه مقام نفسه، ومات رضي الله عنه في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وقام مقامه أبو الحسن علي بن محمد السمري بنص أبي القاسم عليه، وتوفي في النصف من شعبان سنه ثمان وعشرين وثلاثمائة. فروي عن أبي محمد الحسن بن أحمد المكتب أنه قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها علي بن محمد السمري، فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم " يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور الا بعد أن يأذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب (1)، وإمتلاء الارض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". قال: فانتسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك ؟ قال: لله أمر هو بالغه. فقضى. فهذا آخر كلام سمع منه (2). ثم حصلت الغيبة الطولى التي نحن في أزمانها، والفرج يكون في آخرها بمشيئة الله تعالى.


(1) في نسخة " ط " و " ق ": القلب، وأثبتنا ما في نسخة " م "، وهو الموافق لما في المصدر. (2) كمال الدين: 516 / 44. (*)

[ 261 ]

* الفصل الثاني * في ذكر بعض ما روي من دلالاته وبيناته عليه السلام محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن محمد بن حمويه، عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال: شككت عند مضي أبي محمد عليه السلام واجتمع عند أبي مال جليل، فحمله وركب السفينة، وخرجت معه مشيعا، فوعك وعكا شديدا فقال: يا بني، ردني فهو الموت، وقال لي: اتق اللة في هذا المال، وأوصى إلي ومات. فقلت في نفسي: لم يكن أبي ليوصي بشئ غير صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق وأكترى دارا على الشط ولا أخبر أحدا نشئ، فإن وضح لي شئ كوضوحه في أيام أبي محمد عليه السلام أنفذته، وإلا قصفت (1) به. فقدمت العراق، واكتريت دارا على الشط، وبقيت أياما فإذا أنا برقعة مع رسول فيها: " يا محمد، معك كذا وكذا " حتى قص علي جميع ما معي مما لم أحط به علما، فسلمته إلى الرسول وبقيت أياما لا يرفع لي رأس، واغتممت فخرج إلي: " قد أقمناك مقام أبيك، فاحمد الله " (2). وعنه، عن محمد بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله الشيباني قال: أوصلت أشياء للمرزباني الحارثي، وكان فيها سوار ذهب، فقبلت ورد علي


(1) القصوف: الاقامة في الاكل والشرب، أي أنه ينفقه على أكله وشربه. " انظر: القاموس المحيط 3: 185 ". (2) الكافي 1: 434 / 5، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 356، غيبة الطوسي: 281 / 239، الخرائج والجرائح 1: 462 / 7. (*)

[ 262 ]

السوار وأمرت بكسره، فكسرته فإذا في وسطه مثاقيل حديد ونحاس أو صفر، فأخرجت ذلك منه وأنفذت الذهب فقبل (1). وعنه، عن علي بن محمد قال: أوصل رجل من أهل السواد مالا فرد عليه وقيل له: " أخرج حق بني عمك منه، وهو أربعمائة درهم " وكان الرجل في يده ضيعة لبني عمه فيها شركة قد حبسها عليهم، فنظر فإذا لولد عمه في ذلك أربعمائة درهم، فأخرجها وأنفذ الباقي فقبل (2). وعنه، عن علي بن محمد، عن علي بن الحسين اليماني قال: كنت ببغداد فاتفقت قافلة لليمانيين، فأردت الخروج معها، فكتبت ألتمس الاذن في ذلك، فخرج: (لا تخرج معهم، فليس لك في الخروج معهم خيرة، وأقم بالكوفة ". قال: فأقمت وخرجت القافلة فخرجت (3) عليهم بنو حنظلة فاجتاحتهم. قال: وكتبت أستأذن في ركوب الماء فلم يؤذن لي، فسألت عن المراكب التي خرجت تلك السنة في البحر فما سلم منها مركب، خرج عليها قوم (من الهند) (4) يقال لهم: البوارج، فقطعوا عليها (5).


(1) الكافي 1: 435 / 6، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 356. (2) الكافي 1: 435 / 8، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 356، وباختلاف يسير في: كمال الدين: 486 / 6، ودلائل الامامة: 286، وثاقب المناقب: 597 / 540. (3) في نسختي " ط " و " ق ": فخرج. (4) ما بين القوسين لم يرد في نسختي " ط " و " ق ". (5) الكافي 1: 436 / صدر حديث 12، وكذا في: الهداية الكبرى: 372، ارشاد المفيد 2: 358، وباختلاف يسير في: كمال الدين: 491 / صدر حديث 14. (*)

[ 263 ]

وعنه، عن القاسم بن العلاء قال: ولد لي عدة بنين، فكنت أكتب وأسأل الدعاء لهم فلا يكتب إلي لهم بشئ، فماتوا كلهم، فلما ولد لي الحسن ابني كتبت أسال الدعاء فأجبت: " يبقى، والحمد لله " (1). وعنه، عن الحسن بن الفضل بن يزيد اليماني قال: كتب أبي بخطه كتابا فورد جوابه، ثم كتب بخطي فورد جوابه، ثم كتب بخط رجل جليل من فقهاء أصحابنا فلم يرد جوابه، فنظرنا فإذا العلة في ذلك أن الرجل تحول قرمطيا (2). قال الحسن بن الفضل: وردت العراق، وزرت طوس، وعزمت أن لا أخرج إلا عن بينة من أمري، ونجاح من حوائجي، ولو احتجت أن أقيم بها حتى أتصدق (3). قال: وفي خلال ذلك يضيق صدري بالمقام، وأخاف أن يفوتني الحج. قال: فجئت يوما إلى محمد بن أحمد - وكان السفير يومئذ - أتقاضاه فقال لى: صر إلى مسجد كذا وكذا فإنه يلقاك رجل. قال: فصرت إليه، فدخل علي رجل فلما نظر إلي ضحك وقال: لا


(1) الكافي 1: 435 / 9، وكذا في ارشاد المفيد 2: 356 (2) ذكر النوبختي في فرق الشيعة: أن هذه التسمية تعود إلى رئيس لهذه الفرقة يسمى بقرموطيه، وانهم يزعمون بأن رسالة النبي صلى الله عليه وآله قد انقطعت يوم غدير خم وإنتقلت إلى الامام علي عليه السلام. كما إنهم يذهبون - على ما نسب إليهم - إلى أن الفرائض رموز واشارات، وإلى اباحة جميع الملذات والمنكرات، واستحلال استعراض الناس بالسيف وغير ذلك انظر فرق الشيعة: 72، الملل والنحل 1: 167 و 191، تلبيس ابليس: 110. (3) أي أسأل الناس الصدقة. (*)

[ 264 ]

تغتم، فإنك ستحج في هذه السنة وتنصرف إلى أهلك وولدك سالما. قال: فاطمأننت وسكن قلي وقلت: أرى مصداق ذلك ان شاء الله. قال: ثم وردت العسكر، فخرجت الي صرة فيها دنانير وثوب، فاغتممت وقلت في نفسي: جدي (1) عند القوم هذا، واستعملت الجهل فرددتها وكتبت رقعة، ثم ندمت بعد ذلك ندامة شديدة، وقلت في نفسي: كفرت بردي على مولاي، وكتبت رقعة أعتذر فيها من فعلي، وأبوء بالاثم، وأستغفر من ذلك، وأنفذتها وقمت أتطهر للصلاة، فأنا في ذلك أفكر في نفسي وأقول: إن ردت علي الدنانير لم أحلل صرارها ولم أحدث فيها حدثا حتى أحملها إلى أبي فإنه أعلم مني ليعمل فيها بما شاء. فخرج إلى الرسول الذي حمل إلي الصرة: " أسات إذ لم تعلم الرجل إنا ربما فعلنا ذلك بموالينا من غير مسألة ليتبركوا به ". وخرج إلي: " أخطات في ردك برنا، فإذا استغفرت الله فالله يغفر لك، فأما إذا كانت عزيمتك وعقيدتك أن لا تحدث فيها حدثا، ولا تنفقها في طريقك، فقد صرفناها عنك، وأما الثوب فلابد منه لتحرم فيه ". قال: وكتبت في معنيين وأردت أن أكتب في ثالث فامتنعت عنه مخافة أن يكره ذلك، فورد جواب المعنيين والثالث الذي طويت مفسرا، والحمد لله (2). وعنه، عن علي بن محمد، عن الحسن بن عبد الحميد قال: شككت في أمر حاجز بن يزيد (3)، فجمعت شيئا وصرت إلى العسكر، فخرج: " اليس


(1) جدي: حظي. (2) الكافي 1: 436 / 13، وكذا في ارشاد المفيد 2: 360، وباختلاف يسير في: كمال الدين: 490 - 13. (3) ذكر الشيخ الصدوق رحمه الله في كمال الدين (442 / 16): إن حاجزا ممن وقف على

[ 265 ]

فينا شك، ولا في من يقوم مقامنا بأمرنا، فاردد ما معك إلى حاجز بن يزيد " (1). وعنه، عن علي بن محمد، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن الحسن، والعلاء بن رزق الله، عن بدر - غلام أحمد بن الحسن - قال: وردت الجبل وأنا لا أقول بالامامة، أحبهم حملة، إلى أن مات يزيد بن عبد الله، فأوصى في علته أن يدفع الشهري السمند (2 وسيفه ومنطقته إلى مولاه فخفت إن أنا لم أدفع الشهري إلى أذكوتكين (3) نالني منه استخفاف، فقومت الدابة والسيف والمنطقة بسبعمائة دينار في نفسي ولم أطلع عليه أحدأ، ودفعت الشهري إلى أذكوتكين، فإذا الكتاب قد ورد علي من العراق: أن وجه السبعمائة دينار التي لنا قبلك من ثمن الشهري والسيف والمنطقة " (4). وعنه، عن علي بن محمد، عن محمد بن شاذان النيسابوري قال: اجتمع عندي خمسمائة درهم تنقص عشرون درهما، فأنفت أن أبعث بها. ناقصة، فوزنت من عندي عشرين درهما وبعثت بها إلى الاسدي ولم أكتب مالي فيها، فورد: " وصلت خمسمائة درهم، لك منها عشرون درهما " (5).


معجزات صاحب الز 0 مان عليه السلام ورآه من الوكلاء في بغداد. (1) الكافي 1: 437 / 14، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 361 (2) الشهري السمند: اسم فرس. مجمع البحرين 3: 357. (3) اذكوتكين: كان من أمرا الترك وواليا على الري من قبل العباسيين راجع مقدمة المحاسن للمحدث الارموي (صفحة: لا، وما بعدها) فقد أورد شرحا وافيا حول هذا الرجل وحول هذه الرواية أيضا. (4) الكافي 1: 438 / 16، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 363 " غيبة الطوسي: 282 / 241. الخرائج والجرائح 1: 464 / 9، وباختلاف يسير في: الهداية الكبرى: 369، دلائل الامامة: 285 (5) الكافي 1: 439 / 23 وكذا في: ارشاد المفيد 2: 365، وباختلاف يسير في: كمال الدين: 485 / 5 و 509 / 38، وغيبة الطوسي 416 / 394، ودلائل الامامة: 286، ونحوه،

[ 266 ]

وعنه، عن الحسين بن محمد الاشعري قال: كان يرد كتاب أبي محمد عليه السلام في الاجراء على الجنيد - قاتل فارس - وأبي الحسن وآخر، فلما مضى أبو محمد عليه السلام ورد استئناف من االصاحب لاجراء أبي الحسن وصاحبه، ولم يرد في أمر الجنيد شئ فاغتممت لذلك، فورد نعي الجنيد بعد ذلك (1). وإذا قطع جرايته إنما كان لوفاته. وعنه، عن علي بن محمد، عن أبي عقيل عيسى بن نصر قال: كتب علي بن زياد الصيمري يسأل كفنا، فكتب إليه: (إئك تحتاج إليه في سنة ثمانين " فمات في سنة ثمانين، وبعث إليه بالكفن قبل موته (2). وعنه، عن محمد بن هارون بن عمران الهمداني قال: كان للناحية (3) علي خمسمائة دينار، وضقت بها ذرعا، ثم قلت في نفسي: لي حوانيت اشتريتها بخمسمائة دينار وثلاثين دينارا قد جعلتها للناحية بخمسمائة دينار، ولا والله ما نطقت بذلك، فكتب إلى محمد بن جعفر: " اقبض الحوانيت من محمد بن هارون بالخمسمائة دينار التي لنا عليه " (4). وعنه عن الحسين بن الحسن العلوي قال: انهي إلى عبيدالله بن سليمان الوزير أن له وكلاء، وأنه تجبى إليهم الاموال، وسموا الوكلاء في النواحي. فهم بالقبض عليهم، فقيل له: لا، ولكن دسوا لهم قوما لا يعرفون


في: رجال الكشي: 533 / 1017. (1) الكافي 1: 439 / 24، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 366، وفيه أخي بدل آخر. (2) الكافي 1: 440 / 27، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 366، غيبة الطوسي: 283 / 243، الخرائج والجرائح 1: 463، ثاقب المناقب: 590 / 535، دلائل الامامة: 285. (3) كناية عن الامام المهدي عليه السلام (4) الكافي 1: 440 / 28، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 366 - 367، الخرائج والجرائح 1: 472 / 16، ونحوه في كمال الدين: 492 / 17 (*)

[ 267 ]

بالاموال، فمن قبض منهم شيئا قبض عليه. فلم يشعر الوكلاء بشئ حتى خرج الامر أن لا يأخذوا من أحد شيئأ، وأن يتجاهلوا بالامر، وهم لا يعلمون ما السبب في ذلك. فاندس لمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه وقال: معي مال اريد أن أوصله، فقال له محمد: غلطت، أنا لا أعرف من هذا شيئا، فلم يزل يتلطف به ومحمد يتجاهل، وبثوا الجواسيس، وامتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم، فلم يظفر بأحد منهم، ولم تتم الحيلة فيهم (1). وعنه، عن علي بن محمد قال: خرج النهي عن زيارة مقابر قريش (2) والحائر - على سكنيهما السلام - ولم نعرف السبب، فلما كان بعد شهر دعا الوزير الباقطاني (3) فقال له: ألق بني الفرات والبرسيين وقل لهم: لا تزوروا مقابر قريش، فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض عليه (4). الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن أبي القاسم علي بن أحمد الخديجي الكوفي قال: حدثنا الاودي قال: بينا أنا في الطواف - وقد طفت ستا وأريد السابع - فإذا بحلقة عن يمين الكعبة، وشاب حسن الوجه، طيب الرائحة، هيوب مع هيبته، متقرب إلى الناس يتكلم، فلم أر أحسن من كلامه، ولا أعذب من منطقه (5)، فذهبت أكلمه فزبرني الناس، فسألت بعضهم: من هذا ؟ فقالوا


(1) الكافي 1: 440 / 30. (2) يعني بذلك قبري الامامين الكاظم والجواد عليهما السلام. (3) باقطايا - ويقال: باقطيا -: قرية من قرى بغداد على ثلاثة فراسخ من ناحية قطربل. " معجم البلدان 1: 327 ". (4) الكافي 1: 441 / 31، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 367، غيبة الطوسي: 284 / 244، الخرائج والجرائح 465 0 1 - 10 (5) في نسخة " م " زيادة: في حسن جلوسه. (*)

[ 268 ]

هذا ابن رسول الله يظهر للناس في كل سنة يوما لخواصه يحدثهم. فقلت: سيدي، مسترشدا اتيتك فأرشدني، فناولني عليه السلام حصاة وكشفت عنها فإذا بسبيكة ذهب، فذهبت فإذا أنا به عليه السلام قد لحقني فقال لي: (ثبتت عليك الحجة، وظهر لك الحق، وذهب عنك العمى، أتعرفني ؟ " فقلت: لا، فقال عليه السلام: " أنا المهدي، وأنا قائم الزمان، أنا الذي أملاها عدلا كما ملئت جورا، إن الارض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة، وهذه أمانة فحدث بها إخوانك من أهل الحق " (1). قال: وحدثنا ابي، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن محمد الرازي قال: حدثني جماعة من أصحابنا: أنه بعث إلى عبد الله بن الجنيد - وهو بواسط - غلاما وأمر ببيعه، فباعه وقبض ثمنه، فلما عير الدنانير نقصت في التعيير ثمانية عشر قيراطا وحبة، فوزن من عنده ثمانية عشر قيراطا وحبة وأنفذها، فرد عليه دينارا وزنه ثمانية عشر قيراطا وحبة (2). قال: وحدثنا أبو جعفر محمد بن علي الاسود: أن أبا جعفر العمري حفر لنفسه قبرا وسواه بالساج، فسألته عن ذلك فقال: قد امرت أن أجمع أمري. فمات بعد ذلك بشهرين (3). قال: وحدثنا محمد بن علي الاسود قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رحمه الله بعد موت محمد بن عثمان العمري أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان عليه السلام أن يدعو الله أن يرزقه ولدا، قال: فسألته فأنهى ذلك، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا


(1) كمال الدين: 444 / 1، وكذا في: غيبة الطوسي: 253 / 223، الخرائج والجرائح 2: 784 / 110. (2) كمال الدين: 486 / 7. (3) كمال الدين: 502 / 29 (*)

[ 269 ]

لعلي بن الحسين وأنه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به، وبعده أولاد. قال أبو جعفر محمد بن علي الاسود: وسألته في أمر نفسي أن يدعو لي أن ارزق ولدا، فلم يجبني إليه وقال لي: ليس إلى هذا سبيل. قال: فولد لعلي بن الحسين تلك السنة ابنه محمد بن علي وبعده أولاد، ولم يولد لي. قال الشيخ: كان أبو جعفر محمد بن علي الاسود رضي الله عنه كثيرا ما يقول لي إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد ابن الوليد رحمه الله وأرغب في كتب العلم وحفظه: ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم وأنت ولدت بدعاء الامام عليه السلام (1). قال: حدثنا صالح بن شعيب الطالقاني، عن أحمد بن إبراهيم بن مخلد قال: حضرت بغداد عند المشايخ فقال الشيخ علي بن محمد السمرى - قدس الله روحه - ابتداء منه: رحم الله علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي. قال: فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم فورد الخبر أنه توفي في ذلك اليوم (2). فهذا طرف يسير مما جاء في هذا المعنى، وإيراد سائره يخرج عن الغرض في الاختصار، وفيما أوردناه كفاية في بابه إن شاء الله تعالى.


(1) كمال الدين: 502 / 31، وكذا في: غيبة الطوسي: 320 / 266، ودون ذيله في: الخرائج والجرائح 3: 1124 / 42 (2) كمال الدين: 503 / 32، وكذا في غيبة الطوسي: 394 / 364، الخرائج والجرائح 3: 128 - 45 (*)

[ 270 ]

* الفصل الثالث * في ذكر بعض التوقيعات الواردة منه عليه السلام الشيخ أبو جعفر بن بابويه رحمه الله، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق قال: سمعت أبا علي محمد بن همام قال: سمعت محمد بن عثمان العمري يقول: خرج توقيع بخط أعرفه: " من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله). قال أبو علي محمد بن همام: وكتبت أسأله عن ظهور الفرج متى يكون ؟ فخرج التوقيع: " كذب الوقاتون " (1). محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد ابن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتابا سألت فيه عن مسائل أشكلت علي فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: " أما ما سألت عنه - أرشدك الله وثبتك - من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا، فاعلم أنه ليس بين الله وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح عليه السلام. وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف عليه السلام. وأما الفقاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلماب (2).


(1) كمال الدين: 483 / 3. (2) الشلماب: لفظة فارسية معناها ماء الشيلم، والشيلم حب صغار مستطيل احمر قائم كأنه في خلقه سوس الحنطة، ولا يسكر ولكنه يمر الطعام امرارا شديدا. " انظر: لسان العرب 12. 325 ". (*)

[ 271 ]

وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، فما آتانا الله خير مما آتاكم. وأكا ظهور الفرج فإنه إلى الله تعالى ذكره، وكذب الوقاتون. وأما قول من زعم أن الحسين لم يقتل فكفر، وتكذيب، وضلال. وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. وأما محمد بن عثمان العمري - رضي الله عنه وعن أبيه من قبل - فإنه ثقتي، وكتابه كتابي. وأما محمد بن علي بن مهزيار الاهوازي فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكه. وأما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلا لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام. وأما محمد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا أهل إلبيت. وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الاجدع فملعون وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإني منهم برئ وآبائي عليهم السلام منهم براء. وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكله فإنما يأكل النيران. وأما الخمس فقد ابيح لشيعتنا، وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث. وأما ندامة قوم شكوا في دين الله على ما وصلونا به فقد أقلنا من استقال، ولا حاجة لنا في صلة الشاكين. وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: (لا تسئلوا عن أشياء

[ 272 ]

إن تبد لكم تسؤكم " (1) إنه لم يكن أحد من آبائي الا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي. وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب، وإني لامان لاهل الارض كما أن النجوم أمان لاهل السماء، فأغلقوا باب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فان ذلك فرجكم. والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى (2) ". الشيخ أبو جعفر بن بابويه، عن أبيه، ومحمد بن الحسن، عن عبد الله ابن جعفر الحميري، عن محمد بن صالح الهمداني قال: كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام: إن أهل بيتي يؤذونني ويقرعونني بالحديث الذي روي عن آبائك عليهم السلام أنهم قالوا: خدامنا وقوامنا شرار خلق الله، فكتب عليه السلام: " أما يقرؤون قول الله عز وجل: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) (3) نحن والله القرى التي بارك الله فيها وأنتم القرى الظاهرة " (4).


(1) المائدة 5: 101. (2) كمال الدين: 483 / 4، وكذا في: غيبة الطوسي: 290 / 247، الخرائج والجرائح 3: 1113 / 3 0، الاحتجاج: 469. سبأ 34: 18. (4) كمال الدين: 483 / 2. (*)

[ 273 ]

* الفصل الرابع * في ذكر أسماء الذين شاهدوه أو رأوا دلائله وخرج إليهم توقيعاته وبعضهم وكلاءه الشيخ أبو جعفر - قدس الله روحه - قال: حدثنا محمد بن محمد الخزاعي، عن أبي علي الاسدي، عن أبيه محمد بن أبي عبد الله الكوفي: أنه ذكر عدد من انتهى إليه ممن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء: ببغد اد: العمري، وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطار. ومن الكوفة: العاصمي. ومن أهل الاهواز: محمد بن ابراهيم بن مهزيار. ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق. ومن أهل همدان: محمد بن صالح. ومن أهل الري: الشامي (1)، والاسدي. يعني نفسه. ومن أهل آذربيجان: الاقسم بن العلاء. ومن نيسابور: محمد بن شاذان. ومن غير الوكلاء: من أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي حليس، وأبو عبد الله الكندي، وأبو عبد الله الجنيدي، وهارون القزاز، والنيلي، وأبوا لقاسم ابن رميس، وأبو عبد الله بن فروخ، ومسرور الطباخ مولى أبي الحسن عليه السلام، وأحمد، ومحمد ابنا أبي الحسن، وإسحاق الكاتب من بني


(1) في نسحة " م ": البسامي (*)

[ 274 ]

نيبخت وصاحب الفداء، وصاحب الصرة المختومة. (ومن همدان: محمد بن كشمرد، وجعفر بن حمدان، ومحمد بن هارون بن عمران) (1). ومن الدينور: حسن بن هارون، وأحمد وأخوه، وأبو الحسن. ومن اصفهان: ابن بادشايجه. ومن الصيمرة: زيدان. ومن قم: الحسن بن النضر، ومحمد بن محمد، وعلي بن محمد بن إسحاق، وأبوه، والحسين (2) بن يعقوب. ومن أهل الري: القاسم بن موسى، وابنه، وابن محمد بن هارون، وصاحب الحصاة، وعلي بن محمد، ومحمد بن محمد الكليني، وأبو جعفر الرفاء. ومن قزوين: مرداس، وعلي بن أحمد. ومن قابس: رجلان. ومن شهرزور: ابن الخال. ومن فارس: المجروح (3). ومن مرو: صاحب الالف دينار، وصاحب المال والرقعة البيضاء، وأبو ثابت. ومن نيسابور: محمد بن شعيب بن صالح. ومن اليمن: الفضل بن يزيد، والحسن ابنه، والجعفري، وابن


(1) ما بين القوسين لم يرد في نسختي " ق " و " ط " واثبتناه من نسخة " م " (2) في نسختي " ق " و " م ": الحسن. (3) في نسخة " ق " النجروح، وفي كمال الدين المحروج. (*)

[ 275 ]

الاعجمي، والشمشاطي. ومن مصر: صاحب المولودين، وصاحب المال بمكة، وأبو رجاء. ومن نصيبين: أبو محمد بن الوجناء. ومن الاهواز: الحصيني (1).


(1) كمال الدين: 442 / 16. (*)

[ 277 ]

* الباب الرابع * في ذكر علامات قيام القائم عليه السلام، ومدة أيام ظهوره وطريقة أحكامه، وسيرته عند قيامه، وصفته، وحليته. أربعة فصول:

[ 279 ]

* الفصل الاول * في ذكر علامات خروجه عليه السلام قد جاءت الاثار بذكر علامات لزمان قيامه عليه السلام، فمن ذلك ما رواه صفوان بن يحيى، عن محمد بن حكيم، عن ميمون البان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خمس قبل قيام القائم: اليماني، والسفياني، والمنادي ينادي من السماء، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية " (1). ومنه ما رواه علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي، ولا يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول: أنا نبي " (2). وروى الفضل بن شاذان، عمن رواه، عن أبي حمزة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: خروج السفياني من المحتوم ؟ قال: " نعم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم، واختلاف بني العباس محتوم، وقتل النفس الزكيه محتوم، وخروج القائم من آل محمد محتوم ". قلت له: وكيف يكون النداء ؟ فقال: " ينادي مناد من السماء أول النهار: ألا إن الحق مع آل علي وشيعته، ثم ينادي إبليس في آخر النهار: ألا إن الحق مع عثمان (3) وشيعته، فعند ذلك يرتاب المبطلون " (4).


(1) كمال الدين: 649 - 1. (2) أرشاد المفيد 2: 371، كشف الغمة 2: 459، ورواه الطوسي في الغيبة: 434 / 424 دون ذكر (حتى يخرج المهدي من ولدي ولا يخرج المهدي). (3) المراد عثمان بن عنبسة، وهو السفياني. (4) ارشاد المفيد 2: 371، وباختلاف في كمال الدين: 652 / 14، غيبة الطوسي: 474 / 497، وصدره في: الفصول المهمة: 302. (*)

[ 280 ]

وروى الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يخرج القائم حتى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو الى نفسه " (1). وروى صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (توقوا آخر دولة بني العباس، فإن لهم في شيعتنا لذعات أمض من الحريق الملتهب). وروى عمار الساباطي، عن أبي الحسن عليه السلام قال: " آخر دولة ولد العباس ضرام عرفج (2)، يلتهب، فتوقوهم فإن المتوقي لهم فائز ". وروى الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، والعلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن قدام القائم علامات تكون من الله تعالى للمؤمنين ". قلت: فما هي جعلني الله فداك ؟ قال: (ذاك قول الله عز وجل: (ولنبلونكم) يعني المؤمنين قبل خروج القائم (بشئ من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين) (3) قال: " يبلوهم بشئ من الخوف من ملوك بني فلان في


435 / 425. (1) ارشاد المفيد 2: 372، غيبة الطوسي: 437 / 428، الخرائج والجرائح 3: 1162، كشف الغمة 2: 459. (2) العرفج: شجر معروف صغير سريع الاشتعال بالنار، ولهبه شديد الحمرة، يبالغ بحمرته فيقال: كضرام عرفج. " انظر: النهاية 3: 219، لسان العرب 2: 323 ". (3) البقرة 2: 155. (*)

[ 281 ]

آخر سلطانهم، والجوع بغلاء الاسعار، ونقص من الاموال بكساد (1) التجارات وقلة الفضل، ونقص من الانفس بالموت الذريع، ونقص من الثمرات قلة ريع ما يزرع وقلة بركات الثمرات، وبشر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم " ثم قال لي: (يا محمد، هذا تأويله، ان الله تعالى يقول: (وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم " (2) " (3). وروى علي بن مهزيار، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن شعيب الحذاء، عن أبي صالح مولى بني العذراء قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " ليس بين قائم آل محمد وبين قتل النفس الزكية الا خمس عشرة ليلة " (4). وروى محمد بن أبي البلاد، عن علي بن محمد الاودي، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " بين يدي القائم موت أحمر وموت أبيض، وجراد في حينه وجراد في غير حينه، كألوان الدم، فأما الموت الاحمر فالسيف، وأما الموت الابيض فالطاعون " (5). وروى الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الزم الارض ولا تحرك يدا


(1) في نسختي " ط " و " ق ": بفساد. (2) آل عمران 3: 7. (3) كمال الدين: 649 / 3، غيبة النعماني: 250 / 5، دلائل الامامة: 259، وباختلاف يسير في: الامامة والتبصرة: 139 / 132، وارشاد المفيد 2: 377، والخرائج والجرائح 3: 1153 / 60. (4) كمال الدين: 649 / 2، غيبة الطوسي: 445 / 440، ارشاد المفيد 2: 274 (5) ارشاد المفيد 2: 372، غيبة الطوسي: 438 / 430، غيبة النعماني: 277 / 61، الخرائج والجرائح 3: 1152. (*)

[ 282 ]

ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدرك (ذلك): اختلاف بني العباس، ومناد ينادي من السماء، وخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، واختلاف كثير عند ذلك في كل أرض حتى تخرب الشام، ويكون سبب خرابها اجتماع ثلاث رايات فيها: راية الاصهب، وراية الابقع، وراية السفياني، (1). وروى قتيبة عن محمد بن عبد الله بن منصور البجلي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اسم السفياني فقال: " وما تصنع باسمه ؟ ! إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق، وحمص، وفلسطين، والاردن، وقنسرين، فتوقعوا عند ذلك الفرج ". قلت: يملك تسعة أشهر ؟ قال: " لا ولكن يملك ثمانية أشهر لا تزيد يوما " (2). وروى محمد بن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " قال أبي عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: يخرج ابن آكلة الاكباد من الوادي اليابس، وهو رجل ربعة، وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر جدري، إذا رأيته حسبته أعور، اسمه عثمان وأبو عيينة، وهو من ولد أبي سفيان، حتى يأتي أرضا ذات قرار ومعين فيستوي على منبرها " (3). وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام في قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه


(1) ارشاد المفيد 2: 372، الاختصاص: 249، الغيبة للنعماني: 279 / 67، الغيبة للطوسي: 441 / 434، الخرائج والجرائح 3: 1156، الفصول المهمة: 301. (2) كمال الدين. 651 / 11. (3) كمال الدين: 651 / 9، الخرائج والجرائح 3: 1150. (*)

[ 283 ]

الحق " (1) قال: " الفتن في آفاق الارض، والمسخ في أعداء الحق " وهيب بن حفص، عن أبي بصير " عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية ظلت اعناقهم لها خاضعيعن) 13 قال: " سيفعل الله ذلك بهم ". قال: فقلت: من هم ؟ قال: " بنو امية وشيعتهم ". قلت: وما الاية ؟ قال: " ركود الشمس ما بين زوال الشمس إلى وقت العصر، وخروج صدر رجل ووجهه في عين الشمس يعرف بحسبه ونسبه، ذلك في زمان السفياني وعندها يكون بواره وبوار قومه " (4). العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: " إذا رأيتم نارا من المشرق كهيئة المرد (5) العظيم يطلع ثلاثة أيام أو سبعة - الشك من العلاء - فتوقعوا فرج آل محمد، إن الله عزيز كريم " (6). علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) فصلت 41: 53. (2) ارشاد المفيد 2: 373. (3) الشعراء 26: 4. (4) ارشاد المفيد 2: 373. (5) كذا في نسخنا، وفي غيبة النعماني: الهردي، وهو الثوب المصبوغ بالهرد، أي بالكركم. وقيل: هو الذي يصبغ بالورس ثم بالزعفران فيجئ لونه مثل لون زهزة الحوذانة. ولعل المراد به أن لون هذه النار العظيمة صفراء تميل إلى الحمرة لشد اشتعالها. والله تعالى هو العالم. انظر: لسان العرب 3: 435. (6) الغيبة للنعماني: 253 / 13. (*)

[ 284 ]

" إن قدام القائم لسنة غيداقة (1) تفسد الثمر في النخل، فلا تشكوا في ذلك " (12). سيف بن عميرة، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خروج الثلاتة: السفياني والخراساني واليماني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، وليس فيها راية أهدى من راية اليماني، لانه يدعو إلى الحق " (3). علي بن أسباط، عن الحسن بن الجهم قال: سأل رجل أبا الحسن عليه السلام عن الفرج، فقال: " تريد الاكثار أم أجمل لك ؟ " قال: بل تجمل لي. قال: " إذا ركزت رايات قيس بمصر، ورايات كندة بخراسان " (4). إبراهيم بن محمد بن جعفر، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سنة الفتح ينشق الفرات حتى يدخل أزقة الكوفة " (5). الحسين بن يزيد، عن منذر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر في السماء، وحمرة تجلل السماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلد البصرة، ودماء تسفك بها، وخراب دورها، وفناء يقع في أهلها، وشمول أهل العراق خوف لا يكون لهم معه قرار " (6).


(1) الغدق: المطر الكثير العام، وقد غيدق المطر: كثر " لسان العرب 10: 282 ". (2) ارشاد المفيد 2: 377، غيبة الطوسي: 449 / 450، الخرائج والجرائح 3: 1164 (3) ارشاد المفيد 2: 375، غيبة الطوسي: 446 / 443، الخرائج والجرائح 3: 1163 (4) ارشاد المفيد 2: 376، غيبة الطوسي: 448 / 449، الخرائج والجرائح 3: 1164 (5) ارشاد المفيد 2: 377، غيبة الطوسي: 451 / 456، الخرائج والجرائح 3: 1164 (6) ارشاد المفيد 2: 378 (*)

[ 285 ]

الفضل بن شاذان، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة الازدي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: " آيتان تكونان قبل قيام القائم: كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره ". قال: فقلت: يا ابن رسول الله، تنكسف الشمس في النصف من الشهر والقمر في آخر الشهر ؟ فقال: " أنا أعلم بما قلت، إنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام " (1). عبد الله بن بكير، عن عبد الملك بن إسماعيل، عن أبيه، عن سعيد ابن جبير قال: إن السنة الي يقوم فيها المهدي تمطر الارض أربع وعشرين مطرة ترى آثارها وبركاتها (2) إن شاء الله (3).


(1) الكافي 8: 212 / 258، ارشاد المفيد 2: 374، غيبة الطوسي: 444 / 439، غيبة النعماني: 271 / 45. (2) في نسخة " ط ": وبركتها. (3) ارشاد المفيد 2: 373، غيبة الطوسي: 443 / 435. (*)

[ 286 ]

* الفصل الثاني * في ذكر السنة التي يقوم فيها القائم عليه السلام، واليوم الذي يقوم فيه روى الحسن بن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين، سنة إحدى، أو ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع " (1) الفضل بن شاذان، عن محمد بن علي الكوفي، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " ينادى باسم القائم في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي عليهما السلام، لكأني به في يوم السبت العاشر من المحرم قائما بين الركن والمقام، جبرئيل بين يديه ينادي بالبيعة له، فتصير إليه شيعته من أطراف الارض، تطوى لهم طيا، حتى يبايعوه، فيملا الله به الارض عدلا كما ملئت جورا وظلما " (2).


(1) ارشاد المفيد 2: 378، غيبة الطوسي: 453 / 460، روضة الواعظين: 263، الخرائج والجرائح 3: 1161، الفصول المهمة: 302. (2) ارشاد المفيد 2: 379، غيبة الطوسي: 453 / 459، روضة الواعظين: 263، وفيها: البيعة لله، بدل بالبيعة له. (*)

[ 287 ]

* الفصل الثالث * في ذكر نبذ من سيرته عند قيامه، وطريقة أحكامه، ووصف زمانه، ومدة أيامه روى الحجال، عن ثعلبة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: " كأني بالقائم على نجف الكوفة قد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في الامصار " (1). وفي رواية عمرو بن شمر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ذكر المهدي فقال: " يدخل الكوفة وفيها ثلاث رايات قد اضطربت فتصفو له، ويدخل حتى يأتي المنبر فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء، فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أن يصلي بهم الجمعة، فيأمر أن يخط له مسجد على الغري، ويصلي بهم هناك، ثم يأمر من يحفر من ظهر مشهد الحسين عليه السلام نهرا يجري إلى الغريين حتى ينزل الماء في النجف، ويعمل على فوهته القناطير والارحاء، فكأني بالعجوز على رأسها مكتل فيه بر تأتي تلك الارحاء فتطحنه بلا كراء " (2). وفي رواية المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا قام قائم آل محمد بنى في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، واتصلت بيوت أهل الكوفة بنهر كربلاء " (3).


(1) ارشاد المفيد 2: 379 كا روصة الواعظين: 264. (2) ارشاد المفيد 2: 380، عيبة الطوسي: 468 / 485، روضة الواعظين: 263 (3) ارشاد المفيد 2: 380، غيبية الطوسي: 467 / ذيل حديث 484، الخرائج والجرائح 3: (*)

[ 288 ]

قال: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا أذن الله تعالى للقائم بالخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم بالله، ودعاهم إلى حقه، على أن يسير فيهم بسيرة رسول الله صذالثه عليه وآله وسلم، ويعمل فيهم بعمله، فيبعث الله عز وجل جبرئيل عليه السلام حتى يأتيه فينزل على الحطيم ثم يقول له: إلى أي شئ تدعو ؟ فيخبره القائم فيقول جبرئيل: أنا أول من يبايعك ابسط كفك، فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فيبايعونه، ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف نفس، ثم يسير إلى المدينة " (1). وروى محمد بن عجلان، عن أبي عبداللة عليه السلام قال: " إذا قام القائم دعا الناس إلى الاسلام جديدا، وهداهم إلى أمر قد دثر وضل عنه الجمهور، وانما سمي المهدي مهديا (لانه يهدي إلى أمر قد ضلوا عنه، وسمي بالقائم) (2) لقيامه بالحق " (3). وروى عبد الله بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قام القائم من آل محمد أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات ". قلت: ويبلغ عدد هؤلاء هذا ؟ قال: " نعم، منهم ومن مواليهم " (4).


1176 لم يرد فيه ذيل الحديث. (1) ارشاد المفيد 2: 382، روضة الواعظين: 265 لم يرد فيه ذيل الحدبث. (2) ما بين المعقوفين أثبتناه من الارشاد ليستقيم السياق. (3) ارشاد المفيد 2: 383، روضة الواعظين: 264. (4) ارشاد المفيد 2: 383، روضة الواعظين: 265. (*)

[ 289 ]

وروى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، وحول المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة وعلقها بالكعبة، وكتب عليها: هؤلاء سراق الكعبة " (1). وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قام القائم نزلت ملائكة بدر: ثلث على خيول شهب، وثلث على خيول بلق، وثلث على خيول حو ". قلت: يا ابن رسول الله، وما الحو ؟ قال: " الحمر " (2). وروى محمد بن عطاء، عن سلام بن أبي عمرة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن لصاحب هذا الامر بيتا يقال له: الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف " (3). وروى أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام - في حديت طويل - أنه قال: " إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتليها، حتى يرضى الله عز وجل " (4).


(1) ارشاد المفيد 2: 383، روضة الواعظين: 265، ونحوه في غيبة الطوسي: 472 - 492 (2) غيبة النعماني: 244 / 44. (3) غيبة الطوسي: 467 / 483، غيبة النعماني: 239 / 31، اثبات الوصية: 226. (4) ارشاد المفيد 2: 384، روضة الواعظين: 265. (*)

[ 290 ]

وروى علي بن عقبة، عن أبيه قال: إذا قام القائم عليه السلام حكم بالعدل، وارتفع في أيامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الارض بركاتها، ورد كل حق إلى أهله، ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الاسلام ويعترفوا بالايمان، أما سمعت الله عز وجل يقول: " وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها واليه ترجعون " (1) وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فحينئذ تظهر الارض كنوزها، وتبدى بركتها، فلا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته ولا لبره لشمول الغنى جميع المؤمنين ". ثم قال عليه السلام: " إن دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا لئلا يقولوا - إذا رأوا سيرتنا -: لو ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عز وجل (والعاقبة للمتقين) (2) " (3). وروى عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كم يملك القائم ؟ قال: " سبع سنين، تطول له الايام والليالي حتى تكون السنة من سنيه مكان عشر سنين من سنيكم هذه، فيكون ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه، وإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الاخرة وعشرة أيام من رجب مطرأ لم ير الناس مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم، فكأني انظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون رؤوسهم من التراب " (4).


(1) آل عمران 3: 83. (2) الاعراف 7: 128، القصص 28: 83. (3) ارساد المفيد 2: 384، روضة الواعظين: 265. (4) ارشاد المفيد 2: 381، روضة الواعظين: 164، وقطعة منه في: غيبة الطوسي: (*)

[ 291 ]

وروى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة فهدم بها أربع مساجد، ولم يبق مسجد على وجه الارض له شرف إلا هدمه وجعلها جما، ووسع الطريق الاعظم، وكسر كل جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنف المازيب، ولا يترك بدعة إلا أزالها، ولا سنة الا أقامها، ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم، ويمكث على ذلك سبع سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل الله ما يشاء ". قال: قلت له: جعلت فداك، وكيف تطول السنون ؟ قال: " يأمر الله تعالى الفلك بالثبوت وقلة الحركة، فتطول الاتام لذلك والسنون ". قال: قلت: إنهم يقولون: ان الفلك إن تغير فسد ؟ قال: " ذلك قول الزنادقة، فاما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك وقد شق الله القمر لنبيه، ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون، وأخبر بطول يوم القيامة وإنه (كألف سنة مما تعدون) (1) " (2). وروى عاصم بن حميد الحناط، عن محمد بن مسلم الثقفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الارض، وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر به الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى في الارض خراب الا عمر، وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه ". قال: فقلت: يا ابن رسول الله، ومتى يخرج قائمكم ؟


474 / 497، وصدره في: الفصول المهمة: 302. (1) الحج 22: 47. (2) ارشاد المفيد 2: 385، روضة الواعظين: 264، ونحوه في: غيبة 475 / 498، وصدره في: الفصول المهمة: 302. (*)

[ 292 ]

قال: " إذا تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وركبت ذوات الفروج السروج، وقبلت شهادات الزور وردت شهادات العدول، واستخف الناس بالدماء وارتكاب الزنا وأكل الربا، واتقي الاشرار مخافة ألسنتهم، وخرج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمد بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء بأن الحق فيه وفى شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا. فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فأول ما ينطق به هذه الاية " بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين " (1) ثم يقول: أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم، فلا يسلم عليه مسلم إلا قال: السلام عليك يا بقية الله في أرضه، فإذا اجتمع له العقد عشرة آلاف رجل فلا يبقى في الارض معبود دون الله - من صنم ولا وثن - إلا وقعت فيه نار واحترق، وذلك بعد غيبة طويلة، ليعلم الله من يطيعه بالغيب ويؤمن به " (2). وروى المفضمل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يخرج إلى القائم من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلا، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع ابن نون، وسلمان، وأبو دجانة الانصاري، والمقداد بن الاسود، ومالك الاشتر، فيكونون بين يديه أنصارا وحكاما " (3). وروى عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قام


(1) هود 11: 86. (2) كمال الدين: 330 / 16، وباختلاف يسير في: الفصول المهمة: 302. (3) ارشاد المفيد 2: 386، روضة الواعظين: 266، وباختلاف يسير في: تفسير العياشي 2: 32 / 90 (*)

[ 293 ]

قاثم آل محمد حكم بين الناس بحكم داود، لا يحتاج إلى بينة، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه، ويعرف وليه من عدوه بالتوسم، قال الله تعالى: " ان في ذلك لايات للمتوسمين " (1) وقد روي: أن مدة دولة القائم تسع عشر سنة، تطول أيامها وشهورها على ما تقدم ذكره (2). وروي أيضا: أنه عليه السلام يملك ثلاثمائة وتسع سنين، قدر ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم (3)، وهذا أمر مغيب عنا، والله أعلم بحقيقة ذلك. وروى المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن قائمنا إذا قام أشرقت الارض بنور ربها، واستغنى العباد عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة، ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر لا يولد فيهم إنثى، وتظهر الارض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله، ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحدا يقبل منه ذلك، لاستغناء الناس بما رزقهم الله من فضله " (4).


(1) الحجر 15: 75. (2) تقدم في صفحة: 290 (3) غيبة الطوسي: 474 / صدر حديث 496، تاج المواليد: 153، دلائل الامامة: 242 ضمن رواية. (4) ارشاد المفيد 2: 381، روضة الواعظين: 264، وباختلاف في ذيل الحديث في: غيبة الطوسي: 467 / 484، وصدره في: دلائل الامامة: 241. (*)

[ 294 ]

* الفصل الرابع * في ذكر صفة القائم وحليته روى عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " سأل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: أخبرني عن المهدي ما اسمه ؟ فقال: أما اسمه، فإن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد إلي أن لا أحدث به حتى يبعثه الله تعالى. قال: فأخبرني عن صفته. فقال: هو شاب مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه، ويعلو نور وجهه سواد شعر لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الاماء " (1). وروى محمد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام عن أبيه، عن جده عليهما السلام قال: " قال أمير المؤمنين على بن ابي طالب عليه السلام على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض مشرب حمرة، مبدح البطن (2)، عريض الفخذين، عظيم مشاش (3) المنكبين، بظهره شامتان: شامة على لون جلده، وشامة على لون شامة النيي صلى الله عليه وآله وسلم، له اسمان:


(1) ارشاد المفيد 2: 382، غيبة الطوسي: 470 / 487، روضة الواعظين: 266، وصدره في: كمال الدين: 648 / 3. (2) مبدح البطن: أي واسعها. انظر: الصحاح - بدح - 1: 354. (3) المشاش (بالضم): رأس العظم. القاموس المحيط 2: 288. (*)

[ 295 ]

اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمد، فإذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، وأعطاه الله عز وجل قوة أربعين رجلا، ولا يبقى ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره، فهم يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم عليه السلام " (1). وروى أبو الصلت الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام: ما علامة القائم منكم إذا خرج ؟ فقال: " علامته أن يكون شيخ السن، شاب المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وإن من علاماته أن لا يهرم بمرور الايام والليالي عليه حتى يأتي أجله " (2). وجاءت الرواية الصحيحة: بأنه ليس بعد دولة القائم عليه السلام دولة لاحد، إلا ما روي من قيام ولده إن شاء الله تعالى ذلك، ولم ترد به الرواية على القطع والثبات، وأكثر الروايات أنه لن يمضى عليه السلام من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوما، يكون فيها الهرج، وعلامة خروج الاموات، وقيام الساعة، والله أعلم (3).


(1) كمال الدين: 653 / 17 (2) كمال الدين: 652 / 12 (3) ورد نص التعليق في ارشاد المفيد 2: 387 (*)

[ 297 ]

* الباب الخامس * في ذكر مسائل يسأل عنها أهل الخلاف في غيبة صاحب الزمان عليه السلام، وحل الشبهات فيها بواضح الدليل ولائح البرهان وهي سبع مسائل: مسألة: قالوا: ما الوجه في غيبته عليه السلام على الاستمرار والدوام، حتى صار ذلك سببا لانكار وجوده، ونفي ولادته (1)، وآباؤه عليهم السلام وإن لم يظهروا الدعاء إلى نفوسهم فيما يتعلق بالامامة، فقد كانوا ظاهرين يفتون في الاحكام، فلا يمكن لاحد نفي وجودهم ؟ الجواب: قد ذكر الاجل المرتضى - قدس الله روحه - في ذلك طريقة لم يسبقه إليها احد من أصحابنا، فقال: إن العقل إذا دل على وجوب الامامة فإن كل زمان - كلف المكلفون الذين يقع منهم القبيح والحسن، وبجوز عليهم الطاعة والمعصية - لا يخلو من إمام، لان خلؤه من الامام


(1) في نسخة " م " زيادة: وكيف يجوز أن يكون إماما للخلق ولم يظهر قط لاحد منهم. (*)

[ 298 ]

إخلال بتمكينهم، وقادح في حسن تكليفهم. ثم دل العقل على أن ذلك الامام لابد أن يكون معصوما من الخطأ، مأمونا منه كل قبيح، وثبت أن هذه الصفة - التي دل لعقل على وجوبها - لا توجد إلا فيمن تدعي الامامية إمامته، ويعرى منها كل من تدعى له الامامة سواه. فالكلام في علة غيبته وسببها واضح بعد أن تقررت إمامته، لانا إذا علمنا إنه الامام دون غيره، ورأيناه غائبا عن الابصار، علمنا أنه لم يغب مع عصمته وتعين فرض الامامة فيه وعليه إلا لسبب اقتضى ذلك، استدعته، وضرورة حملت عليه، وإن لم يعلم وجهه على التفصيل، لان ذلك مما لا يلزم علمه، وجرى الكلام في الغيبة ووجهها مجرى العلم بمراد الله تعالى من الايات المتشابهات في القرآن التى ظاهرها الجبر أو التشبيه. فإنا نقول: إذا علمنا حكمة الله سبحانه، وأنه لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه من الصفات، علمنا - على الجملة - أن لهذه الايات وجوها صحيحة بخلاف ظاهرها، تطابق مدلول أدلة العقل، وإن غاب عنا العلم بذلك مفصلا، فإن تكلفنا الجواب عن ذلك، وتبرعنا بذكره، فهو فضل منا غير واجب. وكذلك الجواب لمن سأل عن الوجه في إيلام الاطفال، وجهة المصلحة في رمي الجمار والطواف بالبيت، وما أشبه ذلك من العبادات على التفصيل والتعيين، فإنا إذا عولنا على حكمة القديم سبحانه، وأنه لا يجوز أن يفعل قبيحا، فلابد من وجه حسن في جميع ذلك وإن جهلناه بعينه، وليس يجب علينا بيان ذلك الوجه وأنه ما هو، وفي هذا سد الباب على مخالفينا في سؤالاتهم، وقطع التطويلات عنهم والاسهابات، إلا أن نتبرع بإيراد الوجه في غيبته عليه السلام على سبيل الاستظهار وبيان الاقتدار، وإن

[ 299 ]

كان ذلك غير واجب علينا في حكم النظر والاعتبار. فنقول: الوجه في غيبته عليه السلام هو خوفه على نفسه، ومن خاف على نفسه احتاج إلى الاستتار، فأما لو كان خوفه على ماله أو على الاذى في نفسه لوجب عليه أن يتحمل ذلك كله لتنزاح علة المكلفين في تكليفهم، وهذا كما نقوله في النبي في أنه يجب عليه أن يتحمل كل أذى في نفسه حتى يصح منه الاداء إلى الخلق ما هو لطف لهم، وإنما يجب عليه الظهور وإن أدى إلى قتله كما ظهر كثير من الانبياء وإن قتلوا، لان هناك كان في المعلوم أن غير ذلك النبي يقوم مقامه في تحمل أعباء النبوة، أو أن المصالح التي كان يؤديها ذلك النبي قد تغيرت، وليس كذلك حال إمام الزمان عليه السلام، فإن الله تعالى قد علم أنه ليس بعده من يقوم مقامه في باب الامامة والشريعة على ما كانت عليه، واللطف بمكانه لم يتغير، ولا يصح تغيره، فلا يجوز ظهوره إذا أدى إلى القتل. وإنما كان آباؤه عليهم السلام ظاهرين بين الناس يفتونهم ويعاشرونهم، ولم يظهر هو لان خوفه عليه السلام أكثر، فإن الائمة الماضين من آبائه عليهم السلام أسروا إلى شيعتهم أن صاحب السيف هو الثاني عشر منهم، وأنه الذي يملا الارض عدلا، وشاع ذلك القول من مذهبهم حتى ظهر ذلك القول بين أعدائهم، فكانت السلاطين الظلمة يتوقفون عن إتلاف آبائه لعلمهم بأنهم لا يخرجون بالسيف، ويتشوقون إلى حصول الثاني عشر ليقتلوه ويبيدوه. ألا ترى أن السلطان قي الوقت الذي توفي فيه العسكري عليه السلام وكل بداره وجواريه من يتفقد حملهن لكي يظفر بولده ويفنيه ؟ كما أن فرعون موسى لما علم أن ذهاب ملكه على يد موسى عليه السلام منع الرجال من أزواجهم، ووكل بذوات الاحمال منهن ليظفر به.

[ 300 ]

وكذلك نمرود لما علم أن ملكه يزول على يد إبراهيم عليه السلام وكل بالحبالى من نساء قومه، وفرق بين الرجال وأزواجهم، فستر الله سبحانه ولادة إبراهيم وموسى عليهما السلام كما ستر ولادة القائم عليه السلام لما علم في ذلك من التدبير. وأما كون غيبته سببا لنفي ولادته، فإن ذلك لضعف البصيرة والتقصير عن النظر، وعلى الحق الدليل الواضح، لمن أراده، الظاهر لمن قصده. مسألة ثانية: قالوا: إذا كان الامام غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه ؟ وإلا جاز أن يميته الله تعالى أو يعدمه حتى إذا علم أن الرعية تمكنه وتسلم له وجده أو أحياه كما جاز أن يبيحه الاستتار حتى يعلم منهم التمكين له فيظهره. الجواب: أول ما نقوله: إنا لا نقطع على أن الامام لا يصل إليه أحد، فهذا أمر غير معلوم، ولا سبيل إلى القطع به. ثم إن الفرق بين وجوده غائبا عن أعدائه للتقية - وهوفي أثناء تلك الغيبة منتظر ان يمكنوه فيظهر ويتصرف - وبين عدمه واضح، وهو أن الحجة هناك فيما فات من مصالح العباد لازمة لله تعالى، وههنا الحجة لازمة للبشر، لانه إذا خيف فغيب شخصه عنهم كان ما يفوتهم من المصلحة - عقيب فعل كانوا هم السبب فيه - منسوبا إليهم، فيلزمهم في ذلك الذم، وهم المؤاخذون به، الملومون عليه. وإذا أعدمه الله تعالى، كان ما يفوت العباد من مصالحهم، ويحرمونه من لطفهم وانتفاعهم به، منسوبا إلى الله تعالى، ولا حجة فيه على العباد، ولا لوم يلزمهم، لانهم لا يجوز أن ينسبوا فعلا لله تعالى. مسألة ثالثة: فإن قالوا: الحدود التي تجب على الجناة في حال الغيبة ما حكمها ؟ فإن قلتم: تسقط من أهلها (فقد) صرحتم بنسخ الشريعة، وإن كانت

[ 301 ]

ثابتة فمن الذي يقيمها والامام مستتر غائب ؟ الجواب: الحدود المستحقة ثابتة في جنوب (الجناة بما) (1) يوجبها من الافعال، فإن ظهر الامام ومستحقوها باقون أقامها عليهم بالبينة أو الاقرار، وإن فات ذلك بموتهم كان الاثم في تفويت إقامتها على المخيفين للامام، المحوجين إياه إلى الغيبة. وليس هذا بنسخ لاقامة الحدود، لان الحد إنما تجب إقامته مع التمكن وزوال المانع، وسقوط فرض إقامته مع الموانع وزوال التمكن لا يكون نسخا للشرع المتقرر، لان الشرط في الوجوب لم يحصل، وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط فرض إقامتها عن الامام مع تمكنه. على أن هذا أيضا يلزم مخالفينا إذا قيل لهم: كيف الحكم في الحدود في الاحوال التي لا يتمكن فيها أهل الحل والعقد كن اختيار الامام ونصبه ؟ وهل تبطل أو تثبت من تعذر إقامتها ؟ وهل يقتضي هذا التعذر نسخ الشريعة ؟ فكل ما أجابوا به عن ذلك فهو جوابنا بعينه. مسألة رابعة: فان قالوا: فالحق مع غيبة الامام كيف يدرك ؟ فإن قلتم: لا يدرك ولا يوصل إليه، فقد جعلتم الناس في حيرة وضلالة مع الغيبة. وإن قلتم: يدرك الحق من جهة الادلة المنصوبة (2) عليه فقد صرحتم بالاستغناء عن الامام بهذه الادلة، وهذا يخالف مذهبكم. الجواب: ان الحق على ضربين عقلي وسمعي، فالعقلي يدرك بالعقل، ولا يؤثر فيه وجود الامام ولا فقده. والسمعي عليه أدلة منصوبة من أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم


(1) في نسخنا: جناة بما، ولعله تصحيف، واثبتنا ما رأيناه صوابا. (2) في نسخة " م ": المنصوص بها. (*)

[ 302 ]

ونصوصه، وأقوال الائمة الصادقين عليهم السلام، وقد بينوا ذلك وأوضحوه، غير أن ذلك وإن كان على ما قلناه فالحاجة إلى الامام مع ذلك ثابتة، لان جهة الحاجة إليه - المستمرة في كل عصر وعلى كل حال - هي كونه لطفا في فعل الواجب العقلي من الانصاف والعدل واجتناب الظلم والبغي، وهذا مما لا يقوم غيره مقامه فيه. فأما الحاجة إليه من جهة الشرع فهي أيضا ظاهرة، لان النقل الوارد عن النبي والائمة عليهم السلام يجوز أن يعدل الناقلون عن ذلك إما بتعمد أو شبهة فينقطع النقل أو يبقى فيمن ليس نقله حجة ولا دليلا، فيحتاج حينئذ إلى الامام ليكشف ذلك ويبينه (1)، وإنما يثق المكلفون بما نقل إليهم وأنه جميع الشرع إذا علموا أن وراء هذا النقل إماما متى اختل سد خلله وبين المشتبه فيه. فالحاجة إلى الامام ثابتة مع إدراك الحق في أحوال الغيبة من الادلة الشرعية، على أنا إذا علمنا بالاجماع أن التكليف لازم لنا إلى يوم القيامة ولا يسقط بحال، علمنا أن النقل ببعض الشريعة لا ينقطع في حال تكون تقية الامام فيها مستمرة، وخوفه من الاعداء باقيا، ولو اتفق ذلك لما كان إلا في حال يتمكن فيها الامام من البروز والظهور، والاعلام والانذار. مسألة خامسة: فان قالوا: إذا كانت العلة في غيبة الامام خوفه من الظالمبن واتقاء من المخالفين فهذه العلة منتفية عن أوليائه فيجب أن يكون ظاهرا لهم أو يجب أن يسقط عنهم التكليف الذي إمامته لطف فيه. الجواب: قد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأجوبة: أحدها: أن الامام ليس في تقية من أوليائه وإن غاب عنهم كغيبته من


(1) في نسخة " ط ": ويثبته. (*)

[ 303 ]

أعدائه لخوفه من إيقاعهم الضرر به، وعلمه بأنه لو ظهر لهم لسفكوا دمه. وغيبته عن أوليائه لغير هذه العلة، وهو أنه أشفق من إشاعتهم خبره، والتحدث منهم كذلك على وجه التشرف بذكره، والاحتجاج بوجوده، فيؤدي ذلك إلى علم أعدائه بمكانه، فيعقب علمهم بذلك ما ذكرناه من وقوع الضرر به. وثانيهما: أن غيبته عن أعدائه للتقية منهم، وغيبته عن أوليائه للتقية عليهم، والاشفاق من إيقاع الضرر بهم، إذ لو ظهر للقائلين بإمامته وشاهده بعض أعدائه وأذاع خبره طولب أولياؤه به، فإذا فات الطالب بالاستتار أعقب ذلك عظيم المكروه والضرر بأوليائه، وهذا معروف بالعادات. وثالثها: أنه لابد أن يكون في المعلوم أن في القائلين بإمامته من لا يرجع عن الحق من إعتقاد إمامته، والقول بصحتها على حال من الاحوال، فأمره الله تعالى بالاستتار ليكون المقام على الاقرار بإمامته مع الشبه في ذلك وشدة المشقة أعظم ثوابا من المقام على الاقرار بإمامته مع المشاهدة له، فكانت غيبته عن أوليائه لهذا الوجه، ولم تكن للتقية منهم. ورابعها: وهو الذي عول عليه المرتضى - قدس الله روحه - قال: نحن أولا: لا نقطع على أنه لا يظهر لجميع أوليائه، فإن هذا أمر مغيب عنا، ولا يعرف كل منا إلا حال نفسه، فإذا جوزنا ظهوره لهم كما جوزنا غيبته عنهم فنقول في علة غيبته عنهم: إن الامام عند ظهوره من الغيبة إنما يميز شخصه كما يعرف عينه بالمعجز الذي يظهر على يديه، لان النصوص الدالة على إمامته لا تميز شخصه من غيره كما ميزت أشخاص آبائه، والمعجز إنما يعلم دلالته بضرب من الاستدلال، والشبه تدخل في ذلك، فلا يمتنع أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فإن المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق لهذا التقصير بمن يخاف منه من الاعداء.

[ 304 ]

على أن أولياء الامام وشيعته منتفعون به في حال غيبته، لانهم مع علمهم بوجوده بينهم، وقطعهم بوجوب طاعته عليهم، لابد أن يخافوه في إرتكاب القبيح، ويرهبوا من تأديبه وإنتقامه ومؤاخذته فيكثر منهم فعل الواجب، ويقل إرتكاب القبيح (1)، أو يكونوا إلى ذلك أقرب، فيحصل لهم اللطف به مع غيبته، بل ربما كانت الغيبة في هذا الباب أقوى، لان المكلف إذا لم يعرف مكانه، ولم يقف على موضعه، وجوز فيمن لا يعرفه أنه الامام، يكون إلى فعل الواجب أقرب منه إلى ذلك لو عرفه ولم يجوز فيه كونه اماما. فإن قالوا: إن هذا تصريح منكم بان ظهور الامام كاستتاره في الانتفاع به والخوف منه. فنقول: إن ظهوره لا يجوز أن يكون في المنافع كاستتاره، وكيف يكون ذلك وفي ظهوره وقوة سلطانه إنتفاع الولي والعدو، والمحب والمبغض، ولا ينتفع به في حال الغيبة إلا وليه دون عدوه، وأيضا فإن في إنبساط يده منافع كثيرة لاوليائه وغيرهم، لانه يحمي حوزتهم " ويسد ثغورهم، ويؤمن طرقهم، فيتمكنون من التجارات والمغانم، ويمنع الظالمين من ظلمهم، فتتوفر أموالهم، وتصلح أحوالهم. غير أن هذه منافع دنيوية لا يجب إذا فاتت بالغيبة أن يسقط التكليف معها، والمنافع الدبنية الواجبة في كل حالة بالامامة قد بينا أنها ثابتة لاوليائه مع الغيبة، فلا يجب سقوط التكليف مسألة سادسة: قالوا: لا يمكن أن يكون في العالم بشر له من السن ما تصفونه لامامكم، وهو مع ذلك كامل العقل، صحيح الحس ؟ وأكثروا التعجب من ذلك، وشنعوا به علينا.


(1) في نسخة " م ": المعصية. (*)

[ 305 ]

والجواب: أن من لزم طريق النظر، وفرق بين المقدور والمحال، لم ينكر ذلك، إلا أن يعدل عن الانصاف إلى العناد والخلاف. وطول العمر وخروجه عن المعتاد لا اعتراض به لامرين: أحدهما: إنا لا نسلم أن ذلك خارق للعادة، لان تطاول الزمان لا ينافي وجود الحياة، وإن مرور الاوقات لا تأثير له في العلوم والقدر، ومن قرأ الاخبار ونظر فيما سطر في الكتب من ذكر المعمرين علم أن ذلك مما جرت العادة به، وقد نطق القرآن بذكر نوح وأنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. وقد صنفت الكتب في أخبار المعمرين من العرب والعجم، وقد نظاهرت الاخبار بأن أطول بني آدم عمرا الخضر عليه السلام، وأجمعت الشيعة وأصحاب الحديث بل الامة بأسرها - ما خلا المعتزلة والخوارج - على أنه موجود في هذا الزمان، حي كامل العقل، ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكتاب. ولا خلاف في أن سلمان الفارس أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد قارب من عمره أربعمائة عام. وهب أن المعتزلة والخوارج يحملون أنفسهم على دفع الاخبار، فكيف يمكنهم دفع القرآن وقد نطق بدوام أهل الجنة والنار، وجاءت الاخبار بلا خلاف بين الامة فيها بأن أهل الجنة لا يهرمون ولا يضعفون، ولا يحدث بهم نقصان في الانفس ولو كان ذلك منكرا من جهة العقول لما جاء به القرآن، ولا حصل عليه الاجماع، ومن اعترف بالخضر عليه السلام لم يصح منه هذا الاستبعاد، ومن أنكره حجته الاخبار، وجاءت الرواية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لما بعث الله نوحا إلى قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وبقي بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة، فلما أتاه ملك الموت عليه السلام قال له:

[ 306 ]

يا نوح، يا أكبر الانبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب الدعوة، كيف رأيت الدنيا ؟ قال: مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد وخرج من الاخر " (1). وكان لقمان بن عاد الكبير أطول الناس عمرا بعد الخضر، وذلك أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. ويقال: إنه عاش عمر سبعة أنسر، وكان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل فيعيش النسر منها ما عاش، فإذا مات أخذ آخر فرباه، حتى كان آخرها لبد وكان أطولها عمرا فقيل: أتى أبد على لبد (2). وعاش الربيع بن ضبع الفزاري ثلاثمائة سنة وأربعين سنة، وأدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يقول: ها أنا ذا آمل الخلود وقد أدرك عمري ومولدي حجرا أما امرئ القيس قد سمعت به هيهات هيهات طال ذا عمرا وهو القائل: إذا عاش الفتى مائتين عاما فقد أودى المسرة والغناء وله حديث طويل مع عبد الملك بن مروان. وعاش المستوعر بن ربيعة ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين سنة، وهو الذي يقول: ولقد سئمت من الحياة وطولها وعمرت من بعد السنين سنينا وعاش أكثم بن صيفي الاسدي ثلاثمائة وستا وثلاثين سنة، وهو الذي


(1) راجع كتاب المقنع في الغيبة للسيد المرتضى رحمه الله تعالى، والمنشور محققا على صفحات مجلة تراثنا الفصلية، العدد 27. الصفحة 155 (2) كمال الدين: 559. (*)

[ 307 ]

يقول: وإن امر قد عاش تسعين حجة إلى مائة لم يسأم العيش جاهل خلت مائتان غير ست وأربع، وذلك من عد الليالي قلائل وكان ممن أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآمن به، ومات قبل أن يلقاه. وعاش دريد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة، فلما حضره الموت قال: ألقى علي الدهر رجلا ويدا والدهر ما أصلح يوما أفسدا يفسد ما أصلحه اليوم غدا وعاش دريد بن الصمة مائتي سنة، وقتل يوم حنين. وعاش صيف (1) بن رياح بن أكثم مائتي سنة وسبعين سنة، لا ينكر من عقله شيئا وهو ذو الحلم، زعموا فيه ما قال المتلمس: لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا وما علم الانسان إلا ليعلما وعاش نصر بن دهمان بن سليم بن أشجع مائة وتسعين سنة حتى سقطت أسنانه، وابيض رأسه، فاحتاج قومه إلى رأيه، فدعوا الله أن يرد إليه عقله، فعاد إليه شبابه واسود شعره، فقال في ذلك سلمة بن الخرشب لنصربن دهمان الهنيدة عاشها وتسعين حولا ثم قوم فانصاتا وعاد سواد الرأس بعد بياضه وراجعه شرخ الشباب الذي فاتا وعاش ممليا في رخاء وغبطة ولكنه من بعد ذا كله ماتا وعاش ضبيرة بن سعيد السهمي مائتين وعشرين سنة، وكان أسود


(1) في نسخة " م ": صيفي. (*)

[ 308 ]

الرأس، صحيح الاسنان. وعاش عمرو بن حممة الدوسي أربعمائة سنة، وهو الذي يقول: كبرت وطال العمر حتى كأنني سليم يراعي ليله غير مودع فلا الموت أفناني ولكن تتابعت علي سنون من مصيف ومرتع ثلاث مئات قد مررن كواملا وها أنا ذا أرتجي مر أربع وروى الهيثم بن عدي، عن مجاهد، عن الشعبي قال: كنا عند ابن عباس في قبة زمزم وهو يفتي الناس، فقام إليه أعرابي: فقال قد أفتيت أهل الفتوى فافت أهل الشعر. فقال: قل. قال: ما معنى قول الشاعر: لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا وما علم الانسان إلا ليعلما قال: ذلك عمرو بن حممة الدوسي، قضى على العرب ثلاثمائة سنة، فلما كبر الزموه السادس أو السابع من ولد ولده، فقال: إن فؤادي بضعة مني، فربما تغير علي في اليوم مرارا، وأمثل ما أكون فهما في صدر النهار، فإذا رأيتني قد تغيرت فاقرع العصا، فكان إذا رأى منه تغير أقرع العصا فراجعه فهمه. وعاش زهير بن حباب بن عبد الله بن كنانة بن عوف أربعمائة سنة وعشرين سنة، وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه. وعاش الحارث بن مضاض الجرهمي أربعمائة سنة، وهو القائل: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبارنا صروف الليالي والجدود العواثر وعاش عامر بن الظرب العدواني مائتي سنة، وكان من حكماء العرب، وله يقول ذو الاصبع:

[ 309 ]

ومنا حكم يقضي ولا ينقض ما يقضي (1) فهذا طرف يسير مما ذكر من المعمرين، وفي إيراد أكثرهم إطالة في الكتاب، وإذا ثبت أن الله سبحانه قد عمر خلقا من البشر ما ذكرناه من الاعمار، وبعضهم حجج الله تعالى وهم الانبياء، وبعضهم غير حجة، وبعضهم كفار، ولم يكن ذلك محالا في قدرته، ولا منكرا في حكمته، ولا خارقا للعادة، بل مألوفا على الاعصار، معروفا عند جميع أهل الاديان، فما الذي ينكر من عمر صاحب الزمان أن يتطاول إلى غاية عمر بعض من سميناه، وهو حجة الله تعالى على خلقه، وأمينه على سره، وخليفته في أرضه، وخاتم أوصياء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " كل ما كان في الامم السالفة فإنه يكون في هذه الامة مثله حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة " (2) هذا وأكثر المسلمون يعترفون ببقاء المسيح عليه السلام حيا إلى هذه الغاية، شابا قويا، وليس في وجود الشباب مع طول الحياة - إن لم يثبت ما ذكرناه - أكثر من أنه نقض للعادة في هذا الزمان، وذلك غير منكر على ما نذكره. والامر الاخر أن نسلم لمخالفينا أن طول العمر إلى هذا الحد مع وجود الشباب خارق للعادات - عادة زماننا هذا وغيره - وذلك جائز عندنا وعند أكثر المسلمين، فإن إظهار المعجزات عندهم وعندنا يجوز على من ليس بنبي، من إمام أو ولي، لا ينكر ذلك من جميع الامة إلا المعتزلة والخوارج، وإن سمى بعض الامة ذلك كرامات لا معجزات، ولا إعتبار بالاسماء، بل المراد


(1) انظر: كمال الدين: 549، كشف الغمة: 543 (2) كمال الدين: 576، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 201 / 1.

[ 310 ]

خرق العادات، ومن أنكر ذلك في باب الائمة فإنا لا نجد فرقا بينه وبين البراهمة في إنكارهم إظهار المعجزات ونقض العادات لاحد من البشر، وإلا فليأت القوم بالفصل، وهيهات. مسألة سابعة: قالوا: إذا حصل الاجماع على أن لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنتم قد زعمتم أن القائم إذا قام لم يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، ويأمر بهدم المساجد والمشاهد، وأنه يحكم بحكم داود عليه السلام لا يسأل عن بينة، وأشباه ذلك مما ورد في آثاركم، وهذا يكون نسخا للشريعة، وإبطالا لاحكامها، فقد أثبتم معنى النبوة وإن لم تتلفظوا باسمها، فما جوابكم عنها ؟ الجواب: أنا لا نعرف ما تضمنه السؤال من أنه عليه السلام لا يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، فإن كان ورد بذلك خبر فهو غير مقطوع به. وأما هدم المساجد والمشاهد فقد يجوز أن يختص بهدم ما بني من ذلك على غير تقوى الله تعالى، وعلى خلاف ما أمر الله سبحانه به، وهذا مشروع قد فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما ما روي من أنه عليه السلام يحكم بحكم داود لا يسأل عن بينة فهذا أيضا غير مقطوع به، وإن صح فتأويله: أنه يحكم بعلمه فيما يعلمه، وإذا علم الامام أو الحاكم أمرا من الامور فعليه أن يحكم بعلمه ولا يسأل البينة، وليس في هذا نسخ للشريعة. على أن هذا الذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البينة، لو صح لم يكن ذلك نسخا للشريعة، لان النسخ هو ما تأخر دليله عن الحكم المنسوخ ولم يكن مصاحبا له، فأما إذا اصطحب الدليلان فلا يكون أحدهما

[ 311 ]

ناسخا لصاحبه وإن كان يخالفه في الحكم، ولهذا اتفقنا على أن الله سبحانه لو قال: ألزموا السبت إلى وقت كذا، ثم لا تلزموه، أن ذلك لا يكون نسخا، لان الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب. وإذا صحت هذه الجملة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أعلمنا بأن القائم من ولده يجب إتباعه وقبول أحكامه، فنحن إذا صرنا إلى ما يحكم به فينا - وإن خالف بعض الاحكام المتقدمة - غير عاملين بالنسخ، لان النسخ لا يدخل فيما يصطحب الدليل، وهذا واضح. وهذا ما أردنا أن نبين من مسائل الغيبة وجواباتها، واستقصاء الكلام في مسائل الامامة والغيبة يخرج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب، ومن تأمل كتابنا هذا، ونظر فيه بعين الانصاف، وتصفح ما أثبتناه من الفصول والابواب، وصل إلى الحق والصواب، ونحن نحمد الله سبحانه على ما يسره وإذا علم الامام أو الحاكم أمرا من الامور فعليه أن يحكم بعلمه ولا يسأل البينة، وليس في هذا نسخ للشريعة. على أن هذا الذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البينة، لو صح لم يكن ذلك نسخا للشريعة، لان النسخ هو ما تأخر دليله عن الحكم المنسوخ ولم يكن مصاحبا له، فأما إذا اصطحب الدليلان فلا يكون أحدهما

[ 311 ]

ناسخا لصاحبه وإن كان يخالفه في الحكم، ولهذا اتفقنا على أن الله سبحانه لو قال: ألزموا السبت إلى وقت كذا، ثم لا تلزموه، أن ذلك لا يكون نسخا، لان الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب. وإذا صحت هذه الجملة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أعلمنا بأن القائم من ولده يجب إتباعه وقبول أحكامه، فنحن إذا صرنا إلى ما يحكم به فينا - وإن خالف بعض الاحكام المتقدمة - غير عاملين بالنسخ، لان النسخ لا يدخل فيما يصطحب الدليل، وهذا واضح. وهذا ما أردنا أن نبين من مسائل الغيبة وجواباتها، واستقصاء الكلام في مسائل الامامة والغيبة يخرج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب، ومن تأمل كتابنا هذا، ونظر فيه بعين الانصاف، وتصفح ما أثبتناه من الفصول والابواب، وصل إلى الحق والصواب، ونحن نحمد الله سبحانه على ما يسره من ذلك، وسهله، وأعان عليه، ووفق له، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل ما عملناه خالصا لوجهه، وموصلا إلى ثوابه، ومنجيا من عقابه، ويلحقنا دعاء من أوغل في شعابه، وغاص في الدرر الثمينة من لجج عبابه، واستفاد الغرر الثمينة من خلل أبوابه. * تم الكتاب، والحمد لله أولا وآخرا *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية