الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




إعلام الورى بأعلام الهدى - الشيخ الطبرسي ج 1

إعلام الورى بأعلام الهدى

الشيخ الطبرسي ج 1


[ 1 ]

سلسلة مصادر بحار الانوار (61) إعلام الورى بأعلام الهدى تأليف أمين الإسلام الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري الجزء الأول تحقيق مؤسسة ال البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 2 ]

BP الطبرسي، الفضل بن الحسن، 468 - 548 ه‍. 36 إعلام الورى بأعلام الهدى / تأليف أبي علي الفضل بن الحسن 2 ط / الطبرسي، تحقيق مؤسسة ال البيت لإحياء التراث. - قم: مؤسسة ال البيت عليهم السلام لإحياه التراث 14170. 2 ج.: مصور، نموذج. - (مؤسسة ال البيت عليهم السلام لإحياء التراث سلسلة مصادر بحار الأنوار، 16). المصادر بالهامش. 1. الا ئمة الاثنا عشر. 2. محمد صلى الله عليه واله وسلم، نبي الله، 53 قبل الهجرة - 11 ه‍. ألف. العنوان. شابك (ردمك) 1 - 016 - 319 - 964 / دورة 2 جزء. ISBN 469 - 193 - 610 - 1 / 2. VOLS شابك (ردمك) 2 - 010 - 3 1 9 - 964 / ج 1 . 1. ISBN 469 - 010 913 - 2 - / VOLS الكتاب: إعلام الورى بأعلام الهدى / ج 1 المؤلف: الفضل بن الحسن الطبرسي تحقيق ونشر: مؤسسة ال البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم المشرفة الطبعة: الأولى - ربيع الأولى - 1417 ه‍ القلم والألواح الحساسة: ليتوگرافي نور المطبعة: ستاره - قم الكمية: 3000 نسخة السعر: 5000 ريال

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة لمؤ سسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث قم - دورشهر (خيابان شهيد فاطمي) كوچه 9 - پلاك 5 ص. ب. 996 / 37185 - هاتف 4 - 1... 73

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. وبعد: فربما كان الخلاف العقائدي في فهم الارتباط العضوي بين استمرار الحكم الالهي في الارض - بين الفرق الاسلامية المختلفة - وعلله فيها، هو المحور الأساس الذي ابتنت عليه الاطروحات المختلفة في كتابة وتدوين التأريخ الاسلامي، ووضع لبناته الاولى، وبالتالي ما ترتب عليها من نتائج وحلقات تعرضت جملة منها - إن لم يكن أكثرها - الى النقد والتجريح والرد، وبشكل حاد وقاطع. فالاعتقاد المغلوط الذي وضع وأقام أول أركانه أتباع السقيفة والبيت الاموي من خلال مصادرتهم اللحكم الالهي ودفعه قسرا عن أصحابه الشرعيين، وبالتالي محاولتهم - وبترويج من بطانتهم والمقتاتين من فتات موائدهم - تركيز مفهومهم المنحرف باقامة بنيان فاسد قبالة البنيان المقدس الذي أقامه

[ 6 ]

رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) بأمر من الله تعالى. كل الذي قامت عليه الاطروحة الهادفة إلى تجريد أهل البيت عليهم السلام من دورهم الكبير، وقطبيتهم المركوزة بأمر السماء، والذاهبة - أي تلك الاطروحة - ابتداء إلى القول بان استمرار هذا الحكم الالهي في الأرض مرتبط بوجود واستمرار الامه فحسب، متجاهلة عمدا الدلائل المقطوع بها، والقائلة بان حياة الامة وديمومتها، وبالتالي استقامة مناهجها وصواب مسيرتها، مرتبط بشكل عضوي ومحسوم بالوجود المقدس لاهل بيت النبوة عليهم السلام وقائم بقيامهم (1). ومن ثم دأب أصحاب تلك النظرية وسعوا سعيهم لتضييق هذا المفهوم وحصره في أضيق حدوده المنظورة ليدور في فلك الحكام والملوك، وبالتالي كل ما يرتبط بهم، ويتصل بسياساتهم، وكأنهم قد أمسوا المراكز الاساسية التي تنطلق من خلالها حقائق الوجود، ومناهجه الكبرى، فأغرق كاتبو ذلك التأريخ ما سطروه من صفحات كتبهم التأريخية بتفاصيل ودقائق واسفافات سقيمة لحياة هؤلاء الحكام والسلاطين، متجاوزين أوسع وأعظم الحلقات الكبرى التي تشكل قطب وجود الامم، ومركز ديمومتها، بالدليلين العقلي والنقلي. * (هامش) (1) لاغرو في ذلك، فان الكثير من الدلائل والشواهد القاطعة التي تعرضت لايضاحها كتب الاصحاب تدل على حقيقة هذا الامر دلالة لا يسع أحد انكارها أو مناقشتها، فهم عليهم السلام سفينة حطة التي من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وهم الامان لاهل الارض، وهم النجوم التي يضل دون الاهتداء بها، والاسترشاد بنورها، بل وهم الذين أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم امته بان تنزلهم منزلة الرأس من الجسد، وغير ذلك من الاحاديث والاخبار المنبئة بان مركز الامة وقطبها هم أهل بيت النبوة عليهم السلام لا غير، فتأمل. (*)

[ 7 ]

نعم، فإذا أعتبرنا بان كتابة التأريخ واحدة من أجل العلوم والمعارف الانسانية التي تعمل على مد الجسور والصلات الحياتية - بمفرداتها المختلفة - والفكرية، وربطها بالحاضر المعاش، وحيث ينبغي ان تكون صورة منعكسة صادقة عن واقع الاحداث الدائرة حول مراكزها الحقيقية، وأقطابها الحقيقية. فان الدور الذي لعبته دوائر القرار السياسي الحاكمة إبان ابتناء اللبنات الاولى لقيام هذا البنيان الكبير كان له الاثر الكبير في ترسيخ جملة من المفاهيم والقواعد المغلوطة التي أمست - بترويج وتكريس واقرار تلك المراكز لها، والفراغ الذي أوجدته سياسة اولئك الحكام وأتباعهم - العيون الكبرى، والنوافذ الواسعة المشرعة على الدهور السالفة، والقرون الماضية، والتي لا يسع الباحث إلا الاغتراف من بحرها، والمخر في عبابها، واقتحام لججها. ولا غرو في ذلك، فان من يستقرئ السنوات التي عاصرتها بدايات قيام المناهج التقليدية لكتابة التأريخ - بشقيها المتعلقين بما يسمى بكتب المغازي من جانب، والتاريخ العام من جانب اخر (1) - يجدها قد ولدت بين احضان واحتواءات السياسة الاموية أو العباسية، وبالتالي اتسامها بالمحاذرة اليقظة المتوجسة من تجاوز الخطوط الحمراء التي كرستها سياسة تلك الحكومتين، وما يترتب على ذلك من تأثر - موافقا أو مغلوبا على


(1) أردنا هنا بالتأريخ العام الشكل الاوسع في كتابة التأريخ الاسلامي، لا ما يعرف عند المؤرخين من انه ما يشمل تأريخ العالم بأسره، وحيث يعد أول من كتب فيه اليعقوبي في منتصف القرن الثالث الهجري، ثم تلاه ابن جرير الطبري المتوفى عام 310 ه‍. (*)

[ 8 ]

أمره - لا مناص من الجزم به، وقع به رواة وقنوات النقل بين حلقات الزمن الغابر من جهة، وبين الصفحات التي تسطرها أيدي اولئك الكتاب الخاضعين للموثرين السابقين من جهة اخرى، فكان ما نراه من مؤلفات وأسفار عجزت من أن تكون صادقة النقل، وأمينة السرد، ودقيقة الاستشراف. نعم، فان من يتأمل في حقيقة مناهج الرواد الاوائل، والحقبة الزمنية التي عاصروها والمتمخضة عن المتبنيات الفكرية التي نادت بها السلطة الحاكمة، والتي وافقت أو أقسرت اولئك الرواد على تتبع خطواتها، وتجنب حدودها، كل ذلك يظهر بجلاء صواب وحقيقة ما ذهبنا إليه من تركيز المنهج الخاطئ في صياغة الحلقات الاساسية التي ارتكز عليها البناء المعروف للتأريخ الاسلامي بروافده المتكاثرة المتفرعة عنه. فإذا عرفنا بان المدينة المنورة كانت هي الموطن الاساس الذي اختص بالتأليف في المغازي قبل القرن الثاني للهجرة، فان جيلا من المؤلفين والمصنفين المشخصين قد تصدوا لوضع الحجر الاساس في كتابة التأريخ الاسلامي بالكيفية التي أشرنا إليها، منهم: عروه بن الزبير المتوفى عام 93 ه‍ (1).


(1) لا يخفى على أحد موقف عروة من أهل البيت عليهم السلام توافقا مع موقف أبيه وأخيه عبد الله، حتى انه نقل عنه مبادرته للخروج مع أصحاب الجمل لقتال علي عليه السلام ولكنه منع من ذلك لصغر سنه. بل وكان أيضا من أشد المؤيدين لخالته عائشة، والمتحمسين لمواقفها من علي وأهل بيته عليهم السلام من جانب، ومن المنحازين الى جانب الامويين في أمورهم وأفعالهم من جانب اخر، حتى انه قد نقل عنه موقفه المؤيد لعبد الملك بن مروان في حربه مع أخيه عبد الله، كما يذكر ذلك المسعودي في مروجه الذهب (3: 113) حيث يقول: وكان عروة بن الزبير على رأي عمه عبد الملك ين مروان، وكانت كتب (*) =

[ 9 ]

وابان بن عثمان بن عفان المتوفى 105 ه‍ (1). ومحمد بن مسلم، المعروف بابن شهاب الزهري المتوفى 124 ه‍ (2) والذي عرف عنه اسلوب المقارنة بين الاحاديث المختلفة لغرض =


عبد الملك بن وروان الى الحجاج متصلة يأمره بتعاهد عروة، وأن لا يسوءه في نفسه وماله، فخرج عروة الى الحجاج، ورجع الى أخيه فقال له: هذا خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعمرو بن عثمان بن عفان يعطيانك امان عبد الملك على ما أحدثت أنت ومن معك ! !. وللمرء أن يتصور انصياع هذا الرجل لعبد الملك وحكومته حتى في مخالفته لاخيه واتهامه بالاحداث، مع ما يعرف عن عبد الملك من فساد وانحراف وحدة طبع وميل الى الدماء، كيف انه لا يكون منقادا للسياسة الاموية في تحريف التأريخ وكتم الكثير من حقائقه، وبالذات منها ما كان متعلقا بأهل بيت العصمة عليهم السلام أصحاب الحق الذي انتزعه منهم الامويون. (1) هو ابن الخليفة عثمان، وموقف أبيه المؤيد لبني امية أجلى من الشمس في رابعة النهار، ولا يحتاج إلى مزيد شرح، وكثير بيان، بل تكفي مقولته المشهورة التي أدلى بها في محضر من الصحابة والتي رواها أحمد بن حنبل في مسنده (1: 62): لو ان بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني امية حتى يدخلوا من عند اخرهم. ومن الطبيعي كان لا بد ان يترك تعاطف أبيه المفرط مع الامويين، بالاضافة إلى الموقف المقصود والمبالغ به من قبل أركان هذه الاسرة باتهام علي عليه السلام وتحميله مسؤولية قتل عثمان، واتخاذها ذريعة للطعن في خلافته، أثرا بينا في حياة وتوجهات أبان، لا سيما وقد عمل واليا على المدينة لعبد الملك بن مروان، فكان لابد ان يكون منهجه موافقا للمنهج الذي سار عليه الامويون في سياستهم العامة المنحرفة عن أهل البيت عليهم السلام. (2) عرف عن الزهري اتصاله وميله الشديد للامويين، وحيث كان صاحب شرطتهم، ومن الملتصقين بهم حاكما بعد حاكم، وممن لم يبخل عليه الامويون بالعطاء والرعاية طيلة حياته. وللمرء ان يتصور ماذا يعني رضا سدنة وحكام هذه الدولة عن مؤرخ يسطر بقلمه لخطوط العامة للسيرة والتي ينبغي ان تترافق ومناهجهم وسياستهه المتقدم ذكرها. وإذا كان خالد بن يزيد القسري المعاصر للزهري يخاطبه - بعد ان طلب منه كتابة السيرة، وقول الزهري له: انه يمر بي الشئ من سير علي بن أبي طالب، فأذكر. ؟ - بقوله: لا، الا ان تراه في قعر الجحيم ! ! (انظر: 22: 21)، فان خالد (*) =

[ 10 ]

ادماجها في حديث واحد، حيث فتح الباب على مصراعيه لتسرب الأخبار التي يدسها غير الموثوق بهم من المحدثين. ومحمد بن اسحاق بن يسار المتوفى عام 151 ه‍ (1)، وغيرهم (2). نعم، ان هذه البدايات المبكرة في تركيز مبدأ الاعراض عن الحقائق الثابتة والكبرى التي أوصى بها المشرع المقدس، والتعامل معها تعاملا يتراوح بين الإعراض تارة، والتعامل المشوب بالحذر والتوجس من الموقف السلطوي والعام المتأثر به تارة أخرى (3)، كونت بالتالي =


هذا كان متهما باعتماد سياسة اللين والرفق مع الشيعة، وبسب ذلك عزل عن ولاية العراق، وولي بدلا عنه يوسف الثقفي المعروف بحقده وبغضه وعدائه لهم، فيا ترى ما عمد إليه الاخرون المتفانون في خدمة الدولة الاموية وحكامها وسياساتها المعارضة لاهل البيت عليهم السلام ومنها تحريف الحقائق، ودس ما يوافق المنهج المخالف لارادة السماء ومشيئتها المقدسة ؟ ! (1) رغم ان ابن اسحاق عمد في كتابه هذا إلى التوسع والتفصيل خلافا عما كان عليه السابقون من اعتماد تأريخ النبي صلى الله عليه واله وسلم فحسب، بل تجاوز ذلك إلى تدوين تأريخ النبوة أيضا، وما يتصل بها، وحتى وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ثم انه عمدايضا إلى التعرض بشكل واضح وبين إلى سيرة الامام علي عليه السلام، إلا انه تعرض أولا للاتهام بكونه شيعيا، ومن ثم تعرض مؤلفه هذا للضياع، ثم ظهوره بعدء ذلك بشكل مختصر ومشوه قام بجمعه عبد الملك بن هشام المتوفى 218 د، فكان بالتالي موافقا للمنهج الذي أشرنا إليه انفا. (2) ليس ثمة شك بان هناك البعض ممن حاول أن يكتب ولو بعض ما يصح لديه من السيرة النبوية وما يتصل بها، إلا ان ذلك لم يكن بالقدر المؤثر في وقف التيار العام المندفع بقوة والذي تسيره سياط الحكام وأكياس دارهمهم، فبقي أثرهم محدودا، وكتاباتهم متعثرة، لاسيما والتلويح بتهمة التشيع وما يترتب عليها كانت تقف أمامهم بالمرصاد، كحال أبي معشر وابن سعيد الاموي وغيرهما. (3) من يتأمل المنهج الذي سارت عليه الدولة الاموية - منذ نزو معاوية بن هند على سدة الحكم وحتى طيلة تلاحق سلسلة الحكام الامويين - يجد الكثير من الشواهد (*) =

[ 11 ]

مدخلا كبيرا للايذان بفتح الأبواب مشرعة أمام قيام المدارس التي تنتهج المبدأ السائد والمعروف في كتابة التأريخ بالشكل الذي جعله معرضا للأخذ والرد والنقاش، ولم يوفق بالتالي في اداء المهمة المقدسة المتعلقة به، والمناطة بكتابه. ولا مناص من القول بان هذا المنهج - القائل بأن استمرار الحكم =


، والحقائق الدالة على حقيقة هذا التوجه الخبيث الرامي الى دفع حالة الاستقطاب الكبرى لأهل البيت عليهم السلام بواسطة سياسة حرف أنظار التأريخ وعيونه عن اعمادهم كمراكز وأقطاب مقدسة - يدرس التأريخ وتقام صروحه من خلال افاقها الواسعة، ومعطياتها الكبرى التي أقامها لهم الشارع المقدس - والمرتكزة في أوضح أبوابها على اسلوب الارهاب والقتل والتشريد، وذلك ليس بخاف على أحد. نعم، فإذا كان مصير حجر بن عدي وأصحابه، ورشيد الهجري، و عبد الله بن يقطر، وميثم التمار - الذي أظهر اسلوب قتله حقيقة السياسة الاموية التي أشرنا إليها بأوضح صورها، وحيث صلب على نخلة، ثم الجم لما لم يكف عن التحدث عن فضل أهل البيت عليهم السلام ومنزلتهم العظيمة، وما يعنيه هذا من تركيز حاد لعيون التأريخ عليهم، وبالتالي ابتناء المنهج الذي تخشاه الدولة الاموية، ومن تبعهم من العباسيين ومن لف لفهم - وغيرهم القتل الذريع بايدي أزلام الدولة الاموية، ومنفذي سياستها الوسخة، فان زعيم هذه الدولة الفاسدة كان قد أقام لاتباعه أسس هذا النظام ومناهجه من خلال ما عممه في كتابه الشهير الى عماله والذي ينص علن أن: برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته. قال ابن ابى الحديد المعتزلي بعد اشارته إلى هذا الكتاب: فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر يلعنون عليا ! ! ويبرءون منه ! ! ويقعون فيه وفي أهل بيته... ! ! وأضاف: وكتب معاوية الى عماله أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة. وأن من قامت عليه البينة أنه يحب عليا فان اسمه يمحى من الديوان، ويسقط عطاؤه ورزقه، وأما من يتهم بمولاة أهل هذا البيت فانه ينكل به، وتهدم داره... وللقارئ الكريم أن يتأمل في ما تعنيه سياسة تكميم الأفواه هذه، و، ما تشكله من خطورة في حرف التأريخ، وصرفه عن الحقائق الكبرى. (*)

[ 12 ]

الالهي في الأرض مرتبط بوجود الامة واستمرارها - قد تضيق بشكل واضح، وبدت ملامح ذلك التضييق تظهر بشكل جلي بعد انقضاء الحقبة الاولى التي أشرنا إليها - والتي جهدت في تجاوز الكثير من الحقائق والاشارات المتعرضة لايضاح مركزية وقطبية أهل البيت عليهم السلام في الوجود الفكري والعقائدي الانساني - وحيث يرى الباحث والمستقرئ مناهجا، وان تفاوتت في بعض مفرداتها، إلا انها تتوافق اجمالا على تجسيد هذا المنهج غير السليم في كتابة التأريخ، ودراسة أبعاده المختلفة. ولا غرابة في ذلك، إذ ان المؤرخين الذين مثلوا الحقبة التالية أو اللاحقة في كتابة التأريخ قد اعتمدوا كثيرا في نصوصهم المروية على ما وصلهم من كتب السير والمغازي التي أشرنا إليها انفا، وأضافوا إليها ما يتوافق والمنهج العام الذي أمسى راسخا ومتحكما في البنيان التأريخي الاسلامي، لاسيما وانما تلاحق الحكومات المعارضة لمنهج أهل البيت عليهم السلام هو الحاكم في غالب العصور التي شهدت ظهور تلك الكتابات ونشأتها، وذلك مما كرس بشكل أكبر تواصل انحدار عجلات التأريخ كثيرا نحو مواطن الخطأ، ومناهله المضطربة، فكان ما نراه من تهافت سقيم يدور في حلقات هامشية تطنب في سرد حياة الملوك والسلاطين، وليالي مجونهم وصخبهم، وباعتماد الخطوط العامه التي سلف أن أقامت مرتكزاتها الأساسية سياسة الامويين السيئة الذكر، والتي تحدثنا عن بعض مفرداتها لاحقا. فإذا كان محمد بن جرير الطبري المتوفى عام 310 ه‍ هو صاحب الكتاب التأريخي الذي أمسى المرجع الشهير الذي استقت منه كتب التأريخ اللاحقة موادها وتراجمها المتعددة المختلفة، فانا نراه كثيرا ما يعتمد على

[ 13 ]

المصادر السالفة في كتابته لتأريخه، مع اعتماده على جملة مما نقله عن شيوخه ورواة أخباره، ودون فحص أو تمحيص في صحة الروايات وأسانيدها، مع وقوعه الواضح تحت تأثير المنهج السالف الذي أشرنا إليه، حيث يبدو ذلك جليا وواضحا من خلال استقراء بعض المواضيع الحساسة والهامة في التأريخ الاسلامي، والتي يمثل بعضها الحجر الأساس في الخلاف الواقع بين أهل البيت عليهم السلام من جانب، ومخالفيهم - وعلى رأسهم الامويون - من جانب اخر، كما في أحداث السقيفة، وما ترتب عليها من أحداث ونتائج، حيث نراه قد أعرض عن تقصي جوانب الأحداث، مكتفيا برواية سيف بن عميرة الذي اتفق أصحاب التراجم والسير على كذبه وتدليسه وفساده (1)، مع تجاوزه عن ذكر الكثير من مفاسد الامويين، وأفعالهم النكراء. ولما تكاملت الصورة باعتبار ان هذا التأريخ يمثل أوسع وأشمل التواريخ لما ذكر من انه قد استطاع ان يجمع بين دفتيه ما وصل إليه من الأخبار المتفرقة المودعة في الكتب المختلفة، حديثية كانت أم تفسيرية،


(1) ذكر ابن حجر في ترجمته - سيف بن عميرة - له: قال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال مرة: فليس خير منه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال أبو داود: ليس بشئ، وقال النسائي والدار قطني: ضعيف. كما، وقال ابن عدي بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الاثبات وقال أيضا: وقالوا: انه يضع الحديث، واتهم بالزندقة، وقال البرقاني: متروك، وقال الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط. والملفت للنظر اعتماد الطبري على هذا الراوي المطعون بوثاقته وفي دينه على أدق الاحداث التي وأعقدها في التأريح خ الاسلامي، وبشكل يدفع فيه القارئ إلى الامتعاض والاستهجان عند الوهلة الاولى، ولكنه عند اخضاعه إلى المقياس السالف الذي أشرنا إليه يجده متوافقا معه بشكل واضح وبنن. (*)

[ 14 ]

بالاضافة الى كتب اللغة والأدب والسير وغيرها، ونسق فيما بينها تنسيقا لطيفا، وعرضها عرضا جميلا، وباسلوب المحدثين كما هو مشهور عنه (1). فانه أمسى المرجع الذي اعتمدت على نقولاته وتراجمه معظم المراجع والكتب التي تلته، كما فعل ابن الاثير، وابن خلدون، وابن مسكويه، والمسعودي، وغيرهم. وهكذا نرى بوضوح جلي الامتداد المتصاعد في تركيز القاعدة المفتعلة في بناء هيكلية كتابة التأريخ الاسلامي، وضمن الاطر التي أقامتها السياسات السالفة نئيا به عن مواطنه الحقيقية، ومصادره السليمة، فبدا - رغم سعته - قاصرا عن ترجمة الدور المناط به، والمتوقع منه باعتماد


(1) ان ما ذهب إليه الطبري من انه اعتمد اسلوب المحدثين في ايراده للروايات والاخبار مع اسانيدها، ودون أي بحث أو تمحيص جعله في موضع نقد وتشكيك من قبل الباحثين والدارسين، لان ايراد هذه الاحداث بهذه الطريقة المغلوطة يثير في الاذهان سريانها على عموم الكتاب ومواده، ولانها خلاف ما ينبغي ان يكون عليه عمل المؤرخ البصير الذي يتصدى لتأليف مرجع يتعرض فيه إلى أهم حلقات التأريخ الاسلامي، وتفرعاتها المختلفة. واذ تنصل الطبري من تبعة ما أورده من أخبار، وحمل ناقليها مسؤولية ذلك، فانه قد أتي بأسوأ من فعله الاول، إذ لا يسع عموم القراء ادراك صواب الاخبار من عدمه، وضعف الرواي من وثاقته، وكان الاولى به ان يتصدى هو لتحقيق ذلك، طالما وقد قيل عنه انه كان ممعنا في التثقيف والتدقيق، ومستجليا للغوامض، ومتبحرا في الكثير من العلوم والمذاهب، حتى قيل انه أفتى الناس ببغداد عشر سنين... فاين هذا من ذاك ؟ ! بل والانكى من ذلك ان يأتي من ينقل الكثير من الاخبار - صحيحها وموضوعها - عن هذا المصدر دون تعرض منه لرواتها وناقليها، مكتفيا بانه نقلها عن الطبري فحسب، فتضاف الرواية إلى الطبري لا إلى الراوي، ويؤخذ بها على انها من مصدر معتبر موثوق، لا ان راويها - مثلا - متروك مطعون بروايته كما في حال سيف بن عميره وغيره. (*)

[ 15 ]

الوصايا المتكررة للشارع المقدس، وتأكيداته المتكررة، والمقرة عقلا ومنطقا. ومن هنا فقد كان لابد من أن تترجم هذه الوصايا والتأكيدات بنتاجات تأريخية تقف - رغم شدة التيار المعاكس لها - كشواخص حية وصادقة في رسم الصورة الحقيقية التي ينبغي ان يعتمدها المؤرخون في كتابتهم لصفحات التأريخ، وترجمتهم لوقائعه المختلفة. ولعل من يستقرئ - اجمالا - الازمنة التي يفترض لهذه الكتابات أن تعاصرها فانه يجدها في موقف حساس وخطير لا تحسد عليه، طالما أن الخط العام الحاكم - سياسيا كان أم تقليدا فرضه حكم تقادم الأيام والسنين - كان يقف الى حد ما بشكل مغاير لتوجهات ومتبنيات هذا المنهج السليم والصادق في كيفية دراسة التأريخ، وطبيعة مرتكزاته الأساسية، وهذه كانت هي محنة مؤلفات الشيعة الامامية التأريخية، ومعوقها الكبير، وهو ما جعلها تبدو للناظر أول وهلة محدودة النتاجات، بسيطة الاستشراف والاحاطة بحلقات التأريخ المختلفة. بيد ان اخضاع هذا التصور المتعجل للواقع المذكور من جانب، ومن جانب دراسة مجمل ما كتبه الشيعة الامامية في هذا الميدان المقدس والكبير، وكيفية تعامل مؤلفوها مع وقائع الأحداث، وترابطها الموضوعي مع الشريعة الاسلامية المباركة، كل ذلك يدفع الباحث قسرا للاقرار بخلاف ما ذهب إليه، والى اكبار واجلال تلك الجهود التي ترجمت - في رفد حركة البناء التأريخي - نواياها الصادقة من خلال جملة من المؤلفات التأريخية المختلفة، والتي يعد الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم نموذجا واحدا منها، وأثرا مباركا من اثارها وثمارها الطيبة حيث أبدع يراع مؤلفه أمين الاسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي رحمه الله في

[ 16 ]

كتابته وجمعه وتأليفه، وسنتعرض لايضاح ذلك لاحقا في مطاوي الصفحات اللاحقة باذن الله تعالى. مؤلف الكتاب أمين الاسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي (1). يعد بلاشك من أجلة علماء الشيعة ومؤلفيهم، وممن لم يختلف. مترجموه في الاقرار بفضله وجلالته، وتبحره في شتى العلوم، ووثاقه. من أعلام القرن السادس الهجري، ومن كبار مؤلفيه الذين طبق صيتهم الافاق، وخلفوا الكثير من الاثار المباركة في شتى المعارف والعلوم، والتي أمست زادا تقتات من عطائها الأجيال المتلاحقة بثقة واطمئنان، بل ومراجعا كبرى لا غنى للباحثين والدارسين عن ارتيادها والتزود من معارفها. قال عنه الشيخ منتجب الدين الرازي: ثقة فاضل، دين عين (2). وقال عنه الشيخ عباس القمي في سفينة البحار: العالم الجليل،


(1) نسبة الى طبرستان، وهي بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم من بلاد فارس، وهي في البلاد المعروفة بمازندران، والغالب على تلك النواحي الجبال. وطبر: هو الذي تشتق به الأحطاب وما شاكل بلغة الفرس، واستان: الموضع أو الناحية. (انظر: معجم البلدان 4: 13). ونسبة الطبرسي تطلق على المديد من العلما، والفضلاء، ولكنها عند الاطلاق لا تنصرف إلا لصاحب الترجمة، أو لابنه أبي نصر الحسن، صاحب كتاب مكارم الاخلاق، وان كانت تطلق في أحبان ما على معاصره أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، صاحب كتاب الاحتجاج المعروف. (2) فهرست منتجب الدين: 1 4 4 / 336. (*)

[ 17 ]

والكامل النبيل، فخر العلماء الأعلام، أمين الملة والاسلام (1). وفي نقد الرجال قال عنه السيد التفريشي: فاضل دين عين، من أجلاء هذه الطائفة، له تصانيف حسنة (2). وأما الخونساري فقد ترجم له في روضاته: الشيخ الشهيد السعيد، الحبر الفقيه الفريد، الفاضل العالم المفسر، المحدث الجليل، الثقة الكامل النبيل الفاضل، العالم المفسر، المحدث الجليل، الثقة الكامل (3). وفي المقابس قال عنه الشيخ أسد الله الكاظمي: الشيخ الأجل الأوحد، والأكمل الأسعد، قدوة المفسرين وعمدة الفضلاء المتبحرين، أمين الدين ابي علي (4). وترجم له الحر العاملي في أمل الأمل: الشيخ الامام، أمين الاسلام، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، ثقة فاضل، دين عين، له تصانيف. وذكر جملة من تصانيفه (5). وقال عنه السيد الأمين في أعيانه: وبالجملة ففضل الرجل وجلالته وتبحره في العلوم ووثاقته أمر غني عن البيان (6). وأما الزركلي فقد ترجم له في أعلامه بأنه: مفسر محقق لغوي، من اجلاء الامامية (7). * (هامش) 8 (1) سفينة البحار 2: 80. (2) نقد الرجال: 266. (3) روضات الجنات 5: 544 / 357. (4) مقابس الانوار: 10. (5) أمل الامل 2: 216 / 650. (6) أعيان الشيعة 8: 398. (7) الاعلام 5: 148. (*)

[ 18 ]

ووصفه كحالة في معجمه بأنه: مفسر، مشارك في بعض العلوم. وذكر جملة من اثاره (1). مشايخه أخذ الشيخ الطبرسي رحمه الله وروى عن جملة من العلماء والفضلاء في عصره، حيث تجد أسماءهم متناثرة في بطون كتبه ومؤلفاته المختلفة، ولقد تصدى السيد الامين رحمه الله لاستقصاء جملة منهم، وأورد ذلك في كتابه القيم أعيان الشيعة، حيث ذكر: 1 - الشيخ أبو علي ابن شيخ الطائفة الطوسي. 2 - الشيخ أبو الوفاء عبد الجبار بن علي المقرئ الرازي عن الشيخ الطوسي. 3 - الشيخ الاجل الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي الرازي، جد منتجب الدين صاحب الفهرست. 4 - الشيخ الامام موفق الدين ابن الفتح الواعظ البكر ابادي عن أبي علي الطوسي. 5 - السيد أبو طالب محمد بن الحسين الحسيني القصبي الجرجاني. 6 - الشيخ الامام السعيد الزاهد أبو الفتح عبد الله بن عبد الكريم بن هوازن القشيري. 7 - الشيخ أبو الحسن عبيد الله محمد بن الحسين البيهقي. 8 - الشيخ جعفر الدوريستي.


(1) معجم المؤلفين 8: 66. (*)

[ 19 ]

تلامذته والراوون عنه روى عن الشيخ الطبرسي رحمه الله جملة من العلماء الاعلام، والذين يمكننا حصر بعضهم بما يلي: 1 - ولده الحسن صاحب كتاب المكارم. 2 - الشيخ منتجب الدين. 3 - الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن شهراشوب. 4 - القطب الراوندي. 5 - الشيخ عبد الله بن جعفر الدوريستي. 6 - الشيخ شاذان بن جبرئيل القمي. 7 - السيد مهدي بن نزار القائيني. وغيرهم ممن صرحوا بكونهم من تلامذته أو ممن عدوه من شيوخهم. مصنفاته لقد خلف الطبرسي رحمه الله الكثير من المصنفات والمؤلفات القيمة التي أشاد بقيمتها العلمية العلماء والمفكرون، وعدوها من الاثار التي ازدانت بها المكتبة الاسلامية الكبرى، ومن الذخائر المهمة التي أمست - بجدارة - مراجعا هامة ينهل من عذب، مائها الباحثون والدارسون، ومن تلك الاثار: 1 - مجمع البيان في تفسير القران. 2 - الوسيط في التفسير. 3 - الاداب الدينية.

[ 20 ]

4 - تاج المواليد. 5 - الوافي في تفسير القران. 6 - غنية العابد. 7 - إعلام الورى بأعلام الهدى، وهو الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم. 8 - النور المبين. 9 - العمدة في أصول الدين والفرائض النوافل. 10 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل. وغير ذلك من المصادر والمؤلفات المختلفة التي نسبها البعض إليه، ككتاب عدة السفر وعمدة الحضر، وكتاب كنوز النجاح وغيرهما. وفا ته ذهبت معظم المصادر إلى ان وفاته رحمه الله كانت في مدينة سبزوار عام 548 ه‍ (1)، وفي ليلة النحر من هذه السنة (2)، ثم نقل نعشه إلى مدينة مشهد حيث دفن في الموضع الذي يعرف ب (قتلكاه) (3)، وقبره معروف يزار بالقرب من المشهد المقدس للامام علي بن موسى الرضا عليه السلام في مدخل شارع يعرف باسمه.


(1) ذكر صاحب كشف الظنون (3: 223): ان وفاته كانت عام إحدى وستين وخمسمائة. (2) انظر: روضات الجنات 5: 358، نقد الرجال: 266، أعيان الشيعة 8: 200. (3) أي مكان القتل، وقيل ان مرجع هذه التسمية هو ما وقع فيها من القتل العام الحادث بأمر عبد الله خان أفغان في أواخر الدولة الصفوية. (*)

[ 21 ]

كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى من الاسفار القيمة، والكتب التأريخية المهمة، عرض فيه مؤلفه - بأبوابه وفصوله المتعددة - فضائل وحياة أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام وبشكل مرتب ومنسق تنسيقا دقيقا. رتب المؤلف كتابه على أربعة أركان، تتفرع عنها أبوابها وفصول متعددة، تناول فيها بالتفصيل من خلال استعراض حياة المعصوم عليه السلام مجمل ما يختص بالتأريخ المتصل به، والمعاصر له. خصص الركن الاول من كتابه لسيرة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والاحداث الكبرى التي زاملت عصر الرسالة الاولى، وبترتيب وتنسيق دقيقين، تتبع من خلال ذلك معظم الجوانب المتصلة بحياة الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم والقضايا التي ترتبط ارتباطا عضويا بالعقيدة الاسلامية المباركة، ومنها تأكيدات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتوجيهاته للامة بوجوب التمسك بأهل بيته المعصومين عليهم السلام باعتبارهم قرناء القران، والامناء على الرسالة من بعده. وأما الركن الثاني من الكتاب فقد خصصه لوصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخليفته من بعده الامام علي بن ابي طالب عليه السلام مستعرضا فيه مجمل جوانب حياته المباركة، ودوره المتميز في حياة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وبعده، والمحن والفتن التي لازمته حتى استشهاده. خصص المؤلف رحمه الله الركن الثالث من الكتاب لباقي الائمة المعصومين عليهم السلام حتى الامام الحسن العسكري عليه السلام من خلال أبواب وفصول متعددة. وكان نصيب الامام المهدي عليه السلام الركن الرابع والاخير من الكتاب،

[ 22 ]

حيث تناول معظم الاخبار والروايات المتصلة به، مستعرضا من خلال ذلك الظروف والاحداث التي عاصرها أبان حضوره الظاهري، منتقلا منها إلى ما رافق غيبته الصغرى والكبارى، وما يتصل بهما، والاحداث والوقائع التي ستصاحب ظهوره المنتظر باذن الله تعالى. وقد حاول المؤلف في كتابه هذا عرض الاخبار والاحداث بشكل مرتب ومنظم، وبالصورة التي تساعد على رسم صورة واقعية للزمن الذي عاصرته هذه الاحداث، ووفق المقاييس المرتكزة على جوهر العقيدة الاسلامية، ومبانيها الواضحة والصحيحة، وباعتماد جملة من المراجع والمصادر المهمة والمعتبرة، والتي يشمل كتاب الارشاد للشيخ المفيد رحمه الله واحدا منها. وعموما فان هذا الكتاب يمثل خطوة رائدة في عملية كتابة التأريخ بالشكل الذي يرتكز ارتكازا واضحا وبينا على المنهج المتفرع عن التوصيات المتكررة للمشروع المقدس، واعتمادا على خطوطه العامة التي تقدمت منا الاشارة إليها انفا. بين إعلام الورى وربيع الشيعة من يتأمل في متني كتابنا هذا - إعلام الورى - وربيع الشيعة المنسوب للسيد ابن طاووس رحمه الله يجد توافقا غريبا، وتطابقا عجيبا بين الاثنين، سواء في ترتيبب الأركان والأبواب والفصول، أو في المواضيع التي تناولتها هذه التقسيمات، باستثناء بعض الاختصارات المحدودة، والاختلاف في خطبة الكتاب، وهذا مما اثار استغراب قراء الكتابين وتعجبهم، ودفعهم للتفحص بدقة وعناية في علة هذا التوافق ومصدره، وهل ان هذين الاسمين لكتابين

[ 23 ]

مختلفين ومؤلفين اثنين ؟ أم هناك التباس دفع لهذه الشبهة وان العنوانين هما لكتاب واحد، ولمؤلف واحد ؟ أو لعل احدى هاتين التسميتين مضافة قهرا أو سهوا على هذا الكتاب، وبالشكل الذي قد يدفع البعض للاعتقاد باثنينيتهما ؟ نعم، ان هذا الامر وان شكل في أول وهلة حيرة عند الفضلاء والعلماء، إلا أن البعض منهم لم يلبث أن قطع بعد الفحص والتأمل بان هذين الأصلين يعودان - بلا أدنى شك - لكتاب واحد، لاتحادهما الشامل، وتوافقهما الكبير كما ذكرنا انفا. ولما كانت نسبة كتاب إعلام الورى للشيخ الطبرسي رحمه الله مقطوعا بها، وثابتة بشكل لا يرقى إليه الشك، فان هذا الشك كان منصبا ومتوجها نحو الكتاب الاخر - إن تنازلنا وقلنا بعدم وحدتهما - وصحة نسبته للسيد ابن طاووس رحمه الله وهو الأمر الذي لا يعسر على باحث ومتمرس في عمله القطع بعدم صواب هذه النسبة وابطال شبهتها. ولا غرو في ذلك، فان التحقق في مدى نسبة كتاب ربيع الشيعة للسيد ابن طاووس رحمه الله تظهر بجلاء وهن وضعف هذه النسبة التي لم تثار إلا من خلال ما وجد على بعض نسخه التي تشير إلى انه من تصانيف السيد علي بن طاووس فحسب، وهذا الأمر عند اخضاعه للبحث والتمحيص نجده لا يقف قطعا أمام القرائن والدلائل المتعددة النافية لهذه النسبة، وهذه التسمية. ولعل من تلك القرائن - كما ذكر ذلك الشيخ اقا بزرگ الطهراني رحمه الله - ان الممارس لبيانات السيد ابن طاووس لا يرتاب في أن ربيع الشيعة ليس

[ 24 ]

له، والمراجع له لا يشك في اتحاده مع إعلام الورى (1). نعم فان للسيد ابن طاووس اسلوبا معلوما ومنهجا واضحا في كتبه ومؤلفاته تجعل من نسبة هذا الكتاب إليه غريبة وشاذة، بل وغير معهودة لما عرف عنه، وتعاهد عليه الجميع. ثم ان من تعرض لجرد مؤلفاته وكتبه رحمه الله لم يذهب إلى نسبة هذا الكتاب إليه، وكذا معظم من ترجم له، إلا في حالات متشككة ومترددة، وفي هذا الأمر ما يضعف أيضا نسبة الكتاب إليه. بل ولعل مما يقطع بانتفاء هذه النسبة من جانب، وكون النسختين لكتابين مستقلين من جانب آخر، مسألة التطابق بين النسختين بالشكل الذي يدفع القارئ للقول بان ما يقرأه كتاب واحد فحسب، حيث لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يتفق مؤلفان في كتابين مستقلين على جميع مواد كتابيهما، وتفاصيل بحوثهما وأخبارهما الا إذا عمد اللاحق إلى استنساخ ما كتبه السابق ثم قيامه بنسبة ما استنسخه إليه، وهذا الفعل السئ لا يمكن بأي حال من الاحوال نسبته للسيد ابن طاووس رحمه الله لانه محض وهم وافتراء لا يليق توجيهه لعلم من أعلام الطائفة الكبار له الكثير من المؤلفات القيمة التي كانت وما زالت تزدان بها المكتبة الاسلامية العامرة، فهذا الأمر مستحيل الوقوع، ومردود الافتراض (2). ومن هنا فقد كان لهذا التطابق الغريب بين هاتين النسختين الاثر


(1) الذريعة 2: 241. (2) ان المنطق والبديهية ترفض وقوع مثل هذا الامر، كما ان أي افتراض اخر يذهب إلى اثنينية هذا الكتاب باطل قطعا، لا سيما وان الطبرسي وابن طاووس من أعلام الطائفة وجها بذتها، ولا يمكن بأي حال من الاحوال ان يقع فيما بينهما هذا التداخل المردود، فلاحظ وتأمل. (*)

[ 25 ]

الكبير في كيفية التعامل معهما، فأخذ من الاول - أي الاعلام - واعتمد عليه دون الثاني، للقطع الحاصل بصحة انتساب الاول إلى مؤلفه خلاف ما هو الثاني. وهذا الأمر هو الذي دفع العلامة المجلسي رحمه الله إلى التوقف عن نقل أي مورد عن ما يعرف بكتاب ربيع الشيعة، قال: وتركنا منها - أي من كتب ابن طاووس - كتاب ربيع الشيعة لموافقته لكتاب إعلام الورى في جميع الأبواب والترتيب، وهذا مما يقضي منه العجب (1). ثم ان عين الحيرة هي التي أصابت الشيخ الكاظمي في تكملته، حيث قال: وقد وقفت على إعلام الورى للطبرسي، وربيع الشيعة لابن طاووس، وتتبعتهما من أولهما إلى اخرهما، فوجدتهما واحدا من غير زيادة ونقصان، ولا تقديم ولا تأخير أبدا، إلا الخطبة (2). اذن ما الذي أوقع هذا الالتباس والحيرة في نسبة هذا الكتاب الى علمين كبيرين من أعلام الطائفة لكل واحد منهما مؤلفاته وكتبه العديدة التي طبق صيتها الافاق، وتناقلتها الأيدي من مكان الى مكان، وكثر النقل عنها والرجوع من قبل الكتاب والباحثين والمؤلفين ؟ والمستقرئ في مجمل هذه الشواهد والقرائن يقطع - بعد تسليمه بان نسبة هذا الكتاب إلى السيد ابن طاووس وبهذه التسمية باطلة وساقطة - بان


(1) بحار الانوار 1: 31. (2) تكملة الرجال 1: 11. بيد ان الشيخ الكاظمي لم يفطن لعلة هذا التوافق وسببه، ولم تنقض حيرته من ذلك الا عند مطالعته لما كتبه العلامة المجلسي في بحاره، ولكن ما ذهب إليه كان خلاف الواقع الذي أشرنا إليه، وحيث ذهب رحمه الله إلى تعددهما، فراجع. (*)

[ 26 ]

للنساخ الدور الاكبر في حصول هذا الامر ووقوعه، والى هذا الامر ذهب الشيخ الطهراني في ذريعته، حيث قال بعد نفيه نسبة الكتاب إلى السيد ابن طاووس: وقد احتمل بعض المشايخ كون منشأ هذه الشبهة ان السيد ابن طاووس حين شرع في أن يقرأ على السامعين كتاب إعلام الورى هذا حمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على النبي واله صلوات الله عليهم على ما هو ديدنه، ثم مدح الكتاب وأثنى عليه بقوله: أن هذا الكتاب ربيع الشيعة، والسامع كتب على ما هو ديدنه هكذا: يقول الامام - وذكر ألقابه واسمه إلى قوله - ان هذا الكتاب ربيع الشيعة. ثم كتب كل ما سمعه من الكتاب إلى اخره، فظن من رأى النسخة بعد ذلك أن ربيع الشيعة اسمه، وأن مؤلفه هو السيد ابن طاووس (1). أو غير ذلك من الوجوه المحتملة في وقوع هذا الالتباس دون علم السيد ابن طاووس به كما هو مقطوع به. والخلاصة: ان ما يذكر من وجود كتاب للسيد علي بن طاووس يعرف بربيع الشيعة محض وهم واشتباه لا يؤبه به، وان الاصل في ذلك هو كتاب إعلام الورى للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي فحسب، وعلى ذلك توافق الدارسون والباحثون. منهجية التحقيق لما كان كتاب اعلام الورى من مصادر بحار الانوار التي أخذ عنها


(1) الذريعة 2: 24 1 / 9 57. كما ان العلامة النوري قد وافق في رأيه الشيخ الطهراني، وأورد في تفسير ذاك شرحا مستفيضا في خاتمته لمستدرك الوسائل، فليراجع إليها من طلب المزيد من البحث ؟ التفصيل (*)

[ 27 ]

المجلسي رحمه الله في كتابه المذكور، فقد كان من الطبيعي ان تنيط ادارة المؤسسة - بعد ان وقع اختيارها المبتني على دراسة دقيقة وشاملة لمصادر هذه الموسوعة - مسؤولية تحقيق هذا السفر الجليل بلجنة مصادر البحار في المؤسسة، والتي بادرت - ووفقا لمنهجية عمل المؤسسة الجماعي - إلى تشكيل جملة من اللجان المتخصصة التي أناطت بكل واحدة منها جانبا من هذا العمل التحقيقي. وقد كانت الخطوة الاولى هي الحصول على نسخ مخطوطة نفيسة لهذا الكتاب، وحيث وقع اختيارها - بعد الفحص والتقصي الدقيقين - على النسختين المخطوتين التاليتين: 1 - نسخة ثمينة مصورة محفوظة في مكتبة العلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي رحمه الله يعود تأريخ نسخها إلى القرن السابع الهجري، وكان سماحته قد زودنا بها أيام حياته مع توجيهات كريمة منه لعموم ما يتصل بهذا العمل وتحقيقه، كعادته رحمه الله في عموم أعمال المؤسسة التحقيقية المتواصلة - وقد رمزنا لها بالحرف (ط) - جزاه الله تعالى عنا وعن أهل بيت العصمة عليهم السلام أفضل واحسن الجزاء. 2 - النسخة المحفوظة في مكتبة ملك / طهران، برقم 1902 ويعود تأريخها إلى عام 967 ه‍، والموسومة بربيع الشيعة، ورمزها (ق). 3 - ولما كان الكتاب مصدرا لبحار الأنوار فقد اعتمدناه نسخة ثالثة، اضف ان نسخة العلامة المجلسي رحمه الله هي بخط المصنف رحمه الله. 4 - النسخة المطبوعة في بيروت عام 1985 م حيث كانت مصب العمل ورمزها (م). هذا، وقسمت الاعمال على اللجان التالية. 1 - المقابلة، وعملها مقابلة النسخ، وثبت الاختلافات، وتولى مسؤولية

[ 28 ]

هذه اللجنة كل من الاخوين الفاضلين: الحاج عز الدين عبد الملك، والسيد مظفر الرضوي. 2 - لجنة التخريج، وتتولى هذه اللجنة مسؤولية تخريج الاحاديث والروايات والاخبار وغير ذلك من مواد الكتاب، وقد أنيطت بالاخوة الأماجد: عباس الشهرستاني، وحسين ال جعفر، واحسان الجواهري، وسعد فوزي جودة، كما ان مسؤولية تدقيق ومراجعة أعمال هذه اللجنة قد أنيطت بالاخ الفاضل هيثم شاهمراد السماك. 3 - وأما مسؤولية تقويم الكتاب، وضبط نصه، والاشراف على تحقيقه، فقد أنيطت بالاخ المحقق الفاضل علاء ال جعفر، مسؤول لجنة مصادر البحار في المؤسسة. 4 - وتولى مسؤولية مراجعة الكتاب وقراءته القراءة النهائية سماحة حجة الاسلام والمسلمين السيد علي الخراساني. وفق الله تعالى العاملين على نشر علوم تراث العترة الطاهرة، وتقبل منهم صالح أعمالهم. واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. مؤسسة ال البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 29 ]

نموذج الغلاف للمخطوطة (ط)

[ 30 ]

نموذج الصفح الاولى والاخيرة لنسخة (ق)

[ 31 ]

نموذج الصفحة الاولي والاخيرة لنسخة (ط)

[ 32 ]

تصوير لصفحة التسمية بربيع الشيعه لنسخه (ق)

[ 33 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، تعالى عن الصاحبة والولد، واستغنى عن العدد والعدد، وتقدست عن شبه الخلائق صفته، وارتفعت عن مذاهب العقول عظمته، وأعجزت غوامض الفكر جلالته، ووضحت بالشواهد الساطعة حجته، وظهرت في كل شئ حكمته، أحق الحق بما، نصب من أعلامه ودلالاته، وأوضح من حججه وبيناته، وأبطل الباطل بما أدحض من شبهاته، وأبان عن مشتبهاته. وصلى الله على عبده المجتبى، ونبيه المصطفى، خير الأنبياء والمرسلين، وأفضل الأولين والاخرين، البشير النذير، الد اعي بإذنه والسراج المنير، سيد سادات العرب والعجم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. وعلى أوصيائه وأصفيائه الأئمة المهديين المرضيين المنتجبين من ارومته (1)، الحافظين لشريعته، المعصومين من كل دنس ورجس، المفضلين على كافة الجن والإنس، الذين ينتجز الموعود يوم المآب


(1) الارومة: الأصل. (لسان العرب 12: 14). (*)

[ 34 ]

بإنجازهم، ولا يجاز الصراط إلا بجوازهم، فهم النمرقة (1) الوسطى، من تقدمهم مرق، ومن تأخر عنهم زهق، ومن لزمهم لحق، وهم كباب حطة، ومثل سفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق وهوى. وهم خاصة الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وصفوة عترته الذين قرن الله معرفتهم بمعرفته، وجعل محبتهم في الوجوب كمحبته. وهم دعائم الاسلام، وأئمة الأنام، وحجج المهيمن السلام، سرج في كل ظلام، ودرج إلى كل مرام. عليهم أفضل الصلاة والسلام ما لاح برق واستهل غمام، وتوسمت الرياض بفرادى نباتها والتوأم. وبعد: فإن أشرف الكلام عند الخاص والعام ما وجه إلى أشرف من حاز الله له رواء الملك إلى بهاء العلم، وسناء الحلم، وإمضاء الحكم، لا زال مبرا على ملوك الأرض وولاة النهي والأمر بما آتاه من علو الشأن وجلالة القدر، وميزه بجلائل من المجد (ودقائق من الشرف المعد، وخواص من العدل، وعوام من الفواضل والفضل) (2)، لا يندرج أدناها تحت القدرة والإمكان، ولا ينال أقصاها بالعبارة والبيان، وهذه صفة الاصفهبذ (3) الاجل (الأعظم، الملك المؤيد العادل) (4) شرف الدنيا والدين، ظهير الإسلام والمسلمين، (تاج الملوك والسلاطين، عضد الجيوش في العالمين، قاهر الكفرة والمشركين، قامع العتاة والمتمردين، علاء الدولة، وبهاء الملة، مجد


(1) النمرقة (بضم النون والراء وبكسرهما): الوسادة، وجمعها نمارق. (النهاية 5: 118). (2) في نسخة (م): والجلال وفواضل القدر من الفضل والافضال. (3) قال المسعودي في الأشراف والتنبيه (91): الاصفهبذ: وهو أمير الجيوش، وتفسيره حافط الجيش، لأن الجيش (اصبه) و (بذ) حافظ. (4) في نسخة 2 (م): الملك العادل المؤيد المنصور (*).

[ 35 ]

الأمة، صفوة الخلافة، قطب المعالي) (1) ملك مازندران، خسرو (2) ايران، اصفمهبذ، اصفهبذان، شاه فرشوا ذكر (3)، أبي الحسن علي بن شهريار بن قارن نصرة أمير المؤمنين، أعلى الله شأنه، ونصر سلطانه، وحرس حوباه، وطرز بالنجح لواه، إذ هو باتفاق الأولياء والأعداء، واصفاق القرباء والبعداء، واحد الدهر وثمال (4) أهل العصر، وغرة الأفلاك الدائرة، وعمدة العترة الطاهرة. لا جرم قد ملكه الله زمام الدهر، وأنفذ حكمه في البر والبحر، وشد به أزر الإسلام، ومهد له أسباب المعدلة في الأنام، وجعل أيامه للزمان أعيادا ومواسم، وللإقبال مباهج ومباسم، متعه الله تعالى بجمال هذه الحال، وأدام له في العباد والبلاد كرائم الإفضال، ومواد النوال، بلطفه وطوله وسعة جوده وفضله. ثم إن خادم الدعاء المخلص بالولاء وإن سبق في ميدان الفضل فهو عكاشة غايته، وبرز على فرسان العلم فهو عرابة رايته وإن كان قد قصر وهمه وهمه، وجمع وكده (5) وكده - منذ خط الشباب بالمسك عذاره، إلى أن وخط المشيب بالكافور أطراره (6) - على اقتناء العلوم وجمع أفانينها (7)، وضبط قوانينها حتى اصبح مقتطفا من ثمار النحو والأدب زواهرها وغررها، مغترفا


(1) اثبتناها من نسخة (ط). (2) خسرو (بضم الأول وسكون الثاني وفتح الثالث): أي ملك وامام عادل. (البرهان القاطع: 436). (3) فرشوا ذكر: كلمة من اللغة البهلوية، وهي لقب يطلق على ملوك الجبال في أقاليم طبرستان ومازندران. (انظر: لغة نامه مادة فرشوا دكر). (4) الثمال: من يلتجأ إليه قومه وإليه يفزعون. (أنظر: لسان العرب 11: 94). (5) الوكد: الهم. (لسان العرب 3: 467). (6) الطرة: الناصية. (الصحاح - طرر - 2: 725). (7) الأفانين. الأساليب، وهي أجناس الكلام وطرقه. (الصحاح - فن - 6: 77 21) (*)

[ 36 ]

من بحار اصول الدين وفروعه جواهرها ودررها، فإن كل فاضل وإن بعد في الفضل مداه، وبلغ من كل علم أقصاه، إذا لم يتشرف بتقبيل تراب الحضرة العالية الإصفهبذية العلائية، أدام الله لها العلو والعلا والسمو والسنا والقدرة والبهاء ولم ينسب إلى جملة خدمها، ولم يحسب في زمرة حشمها، فهو ناقص عن حيز الكمال، عادل عن الحقيقة إلى المحال. لأنها الغاية القصوى التي عجزت عن أن تؤمل ادراكا لها الهمم ما يستحق ملوك الدهر مرتبة إلا لصاحبها من فوقها قدم فرأيه إن دجا ليل الشكوك هدى وظنه إن خطا صرف الردى حرم فلو عدا الكرم الموصوف راحته عن ان يجاورها لم يكرم الكرم جلالة الملك أدنى درجاته، وحماية الدين أقل أدواته، وإكرام ذوي الفضل من الأنام واصطناع الكرام والإنعام على الخاص والعام أشهر صفاته، فالامال منوطة به، والهمم مصروفة إليه، والثناء والحمد والشكر باجمعها موقوفة عليه، واستقل بما عجزت الملوك عن حمل أعبائه، وقام بما قعد الدهر عن معاناة عنائه، (بهمة علية) (1)، وعزيمة (2) علانية (3)، وعقيدة علوية، فرد سمل الدين جديدا، وأعاد ذميم الأيام حميدا، بحق أوضحه، وباطل فضحه، وهدى أعاده، وضلال أباده: فلا انتزع الله العدي حد بأسه ولا انتزع الله الهدي عز نصره واحسن عن حب النبي وآله ورعى سوام الدين توفير شكره فما يدرك المداح ادنى حقوقه باغراق منظوم الكلام ونثره


(1) لم تردفي نسخة (ط). (2) في نسخة (ط): بعزمة. (3) في نسخة (ط) زيادة: عزيزة علوية. (*)

[ 37 ]

لأن ادنى نعمه يستغرق جميع الشكر، وايسر مننه يفوز مدى الوصف والذكر: فكل أروع من آل (الرسول عدا) (1) جذلان يرفل من نعماه في حلل فلو أجاب كتاب الله سائله من خير هذا الورى لم يسم غير علي ولما عاق هذا الداعي المخلص عن (ورود الحضرة) (2) العالية، والوصول منها إلى رواق العز والجلال، والاكتحال بتلك النهجة والجمال عوائق الزحال وعوادي الاصول (3) أراد أن يخدمها بخدمة تبقى عوائدها على تعاقب الأيام وتناوب الشهور والأعوام، فيؤلف كتابا يتضمن أسامي الأئمة الهداة والسادة الولاة واولي الأمر وأهل الذكر وأهل بيت الوحي، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ويشتمل على تواريخ مواليدهم وأعمارهم، وطرف من أخبارهم ومحاسن آثارهم، والنصوص الدالة على صحة إمامتهم، والآيات الظاهرة من الله عليهم الشاهدة لتمييزهم عمن سواهم وإبانتهم عمن عداهم. ثم فكر في ذلك وقدر وتأمل وتدبر وقال: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الشجرة وهم أغصانها، والدوحة وهم أفنانها، ومنبع العلم وهم عيبته، ومعدن الحكم وهم خزانته، وشارع الدين وهم حفظته، وصاحب الكتاب وهم حملته، فهو أولى بان يقدم في الذكر وتبين آياته الناطقة برسالاته وأعلامه الدالة على نبوته ومعجزاته القاهرة ودلالاته الباهرة. فاستخار الله سبحانه في الابتداء به، واستعان به في إتمام ما قصده،


(1) كان في المطبوع: النبي نجد، وما أثبتناه من نسخة (ط) (2) كان في المطبوع: الاستسعاد بخدمة حضرته، وما اثبتناه من نسخة (ط). (3) في المطبوع في زيادة: الانبساط لتقبيل بساطها، الانخراط في سلك سماطها، المرتوع في ظلال كرمها، والشروع في مشارع حرمها. (*)

[ 38 ]

وسماه كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى وجعله أربعة أركان: الركن الأول: في ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والركن الثاني: في ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. والركن الثالث: في ذكر الأئمة من أبنائه من الحسن بن علي الرضي إلى الحسن بن علي الزكي عليهم السلام. والركن الرابع: في إمامة الأئمة الاثني عشر والإمام الثاني عشر عليهم السلام. وكل ركن منها يتضمن أبوابا وفصولا تزهر بما فيها من مكنون العلم ومخزون الحكم، مفصولا وموصولا، وإن من أولى الامور وأصوبها عند الجمهور أن تحلى مسائل العقائد على أجل معتقديها، وتعرض فرائد الجواهر على أكمل منتقديها، والمأمول المسؤول من الرأي العالي أعلاه الله أن يغدق على هذه الكريمة الجسيمة ويسبل على هذه الرسالة العقيلة النيلة جناح القبول، لينال الداعي المخلص بذلك غاية المرام ونهاية المأمول فاستخرجت درة فإنها خير باكورة جلبت إلى قلوب المؤمنين وأكرم بشارة صبت على أذان الغارمين والله تعالى الموفق للسداد، الهادي إلى الرشاد، وعليه توكلت وإليه انيب.

[ 39 ]

(الركن الأول من الكتاب) في ذكر النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونسبه، ومولده، ومبعثه، ومدة حياته، ووقت وفاته، وبيان أسمائه وصفاته، ودلائل نبوته ومعجزاته، وذكر أولاده وأز واجه وأعمامه وأخواله، ومعرفة بعض غز واته وأحواله. ويشتمل على ستة أبواب:

[ 41 ]

الباب الأول * في ذكر نسبه ومولده وذكر أسمائه ومدة حياته ووقت وفاته يشتمل على ثلاثة فصول:

[ 42 ]

الفصل الأول * في ذكر مولده ونسبه إلى ادم عليه السلام ووقت وفاته ولد صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة عند طلوع الشمس السابع عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل (1). (وفي رواية العامة: ولد صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين، ثم اختلفوا فمن قائل يقول لليلتين من شهر ربيع الأول (2)، ومن قائل يقول: لعشر ليال خلون منه (3)، وذلك لأربع وثلاثين سنة وثمانية أ شهر مضت من ملك كسرى) (4) أنو شيروان بن قباد وهو قاتل مزدك والزنادقة ومبيرهم (5) وهو الذي عنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما يزعمون: ولدت في زمان الملك العادل الصالح (6). ولثمان سنين وثمانية


(1) مسار الشيعة: 29، التهذيب للطوسي 6: 2، مصباح المتهجد: 73 2، قصص الأنبياء للراوندي: 393 1 6 / 3، مناقب ابن شهرآشوب 1: 1 7 2، روضة الواعظين: 70، اقبال الأعمال: 6 5 3، العدد القوية: 1 1 0،، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 5: 279 / 2 5، وفي بعض المصادر: طلوع الفجر بدل طلوع الشمس. (2) الطبقات الكبرى 1: 1010، تاريخ اليعقوبي 2: 7، صفة الصفوة 1: 52، الوفا بأحوال المصطفى 1: 9 0، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 5: 5 / 2 279. (3) الطبقات الكبرى 1: 100، صفة الصفوة: 1: 52، الوفا بأحوال المصطفى 1: 90، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 15: 25 / 279. (4) ما بين القوسين لم يرد في نسخة (ق)، وفي نسخة (ط) إلى آخر المقطبر، واثبشناه من نسخة (م) لم ونسخة لمجلسي. (5) مبيرهم: مهلكهم. (لسان العرب 4: 86). (6) قصص الأنبياء للراوندي: 3 1 6 / ذب، حديث 39 3 قطعة منه، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 15: 279 / 25. (*)

[ 43 ]

أشهر من ملك عمرو بن هند ملك العرب (1). وكنيته: أبو القاسم. وروى أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم ابن النبي من مارية أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: (السلام عليك أبا إبراهيم)، أو: (يا أبا إبراهيم) (3). ونسبه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - واسمه شيبة الحمد - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد - ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (3). وروي عنه عليه السلام أنه قال: (إذا بلغ نسبي عدنان فأمسكوا) (4). وروي عن ام سلمة زوج النبي عليه السلام قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (معد بن عدنان بن ادد بن زيد بن ثرا بن أعراق الثرى، قالت ام سلمة: زيد هميسع وثرانبت وأعراق الثرى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام ؟ قالت: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه


(1) مناقب ابن شهرآشوب 1: 1 7 2، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 5: 280 / 2 5. (2) الطبقات الكبرى 1: 135، مستدرك الحاكم 604 2، دلائل النبوة للبيهقي 164 1 الوفا بأحوال المصطفى 1: 105، ونقله المجلسي في بحار إلأنوار 15: 25 / 280 (3) مناقب ابن شهر آشوب 1: 154، سيرة ابن هشام 1: 1، الطبفات الكبرى 1: 55، تاريخ الطبري 2: 27 1، مروج الذهب 2 0 3 / 1 4 4 5، دلائل النبوة للبيهقي 1: 1 79 الاستيعاب 1: 13، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 5: 280 / 25. (4) قصص الأنبياء للراوندي: 31 6 / 39 4، مناقب ابن شهر آشوب 1: 1 55، الطبقات الكبرى 1: 56، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 15: 280 / 25. (*)

[ 44 ]

وآله وسلم: (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا) (1) لا يعلمهم إلا الله (2). وذكر الشيخ أبو جعفر بن بابويه رضوان الله عليه: عدنان بن أد بن ادد ابن يامين بن يشجب بن منحر بن صابوغ بن الهميسع (3). وفي رواية أخرى: عدنان بن ادد بن زيد بن يقدد بن يقدم الهميسع ابن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام (4). وقيل: الأصح الذي اعتمد عليه أكثر النساب وأصحاب التواريخ: أن عدنان هو اد بن ادد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ابن تارخ بن ناحور بن ساروغ ابن ارغوا بن فالغ بن عابر) وهو هود عليه السلام ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ (6) وهو إدريس عليه السلام (ابن يارد) (7) بن (مهلائيل) (8) يارد بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم


(1) الفرقان 25: 38. (2) مناقب ابن شهر آشوب 1: 1 5 5، دلائل النبوة للبيهقي 1: 1 78 - 1 79، وذكر صدره الطبري في تاريخه 2: 271، وابن الجوزي في الوفا بأحوال المصطفى 1: 16، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 15: 25 / 280. (3) نقله المجلسي في بحار الأنوار 15: 25 / 280. (4) مناقب ابن شهرآشوب 1: 1 5 5، الطبقات الكبرى 1: 57، تاريخ الطبري 2 ة 1 74، وباختلاف يسير في الأخيرين، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 15: 280 / 25. (5) في نسخة (ط)،: غابر. (6) في نسخة (م) زيادة: ويقال: أخنوخ. (7) ليس في نسختي (ط، ق). (8) في نسخة (ط): مهلائل. (*)

[ 45 ]

عليه السلام أبي البشر (1). وامه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب. وأرضعته حتى شب حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة السعدية من بني سعد بن بكر بن هوازن، وكانت ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب أرضعته أيضا بلبن ابنها مسروح وذلك قبل أن تقدم حليمة، وتوفيت ثويبة مسلمة سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها قبلها، وكانت قد أرضعت ثويبة قبله حمزة بن عبد المطلب عمه، فلذلك قال رسول الله عليه السلام لابنة حمزة: (إنها ابنة أخي من الرضاعة) وكان حمزة أسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع سنين (2). وأما جدته ام أبيه عبد الله: فهي فاطمة بنت عمر (و) بن عائذ بن عمران ابن مخزوم. وام عبد المطلب: سلمى بنت عمرو من بني النجار. وام هاشم: عاتكة بنت مرة بن هلال من بني سليم. وام قصي وزهرة: فاطمة بنت سعد من أزد السراة (3).


(1) مناقب ابن شهرآشوب 1: 155، مروج الذهب 3: 5 / 1442، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 15: 280 / 25. (2) انظر: المقنعة: 456، التهذيب للطوسي 6: 2، مناقب ابن شهر آثرب 1: 155 و 173، سيرة ابن هشام 1: 1 6 4، وه 1 6 و 1 69، الطبقات الكبرى 1: 5 9 و 1 0 8، تاريخ اليعقوي 2: 10، مروج الذهب 3: 13 / 1459،: دلائل النبوة للاصبهاني 1: 196 و 197 / 9 5 و 96، صفة الصفوة 1: 56 و 61، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 5: 25 / 281. (3) أنظر: سيرة ابن هشام 1: 1 0 9، و 1 1 1 و 1 1 4، الطبقات الكبرى 1: 62 و 64، تاريخ اليعقوبي 2: 11، تاريخ الطبري 2: 2 47 و 25 2 و 25 4، الكامل في التاريخ 2: 1 00 (*) =

[ 46 ]

وصدع صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة يوم السابع والعشرين من رجب وله يومئذ أربعون سنة. وقبض صلوات الله عليه واله يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشر من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة (1). =


و 1 6 و 1 8 و 33، البداية والنهاية 2: 5 2 1 0 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 5: 281 / 25. (1) انظر: الكافي 4: 1 4 9 / 2، المقنعة: 4 5 6، الارشاد 1: 1 89، التهذيب للطوسي 6: 2، مصباح المتهجد: 732، مناقب ابن شهرآشوب 1: 173، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 15: 281 / 25. (*)

[ 47 ]

(الفصل الثاني) في ذكر أسمائه صلوات الله عليه وشرف أصله ونسبه وأما أسماؤه وصفاته صلوات الله عليه وآله: فمنها: ما جاء به التنزيل وهو: الرسول، النبي، الامي: في قوله: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) (1). والمزمل والمدثر: في قوله تعالى: (يا أيها المزمل) (2) (يا أيها المدثر) (3). والنذير المبين: في قوله تعالى: (قل اني انا النذير المبين) (4). وأحمد: في قوله تعالى: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) (5). ومحمد: في قوله تعالى: (محمد رسول الله) (6). والمصطفى: في قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) (7).


(1) الأعراف 7: 157. (2) المزمل 73: 1. (3) المدثر 74: 1. (4) الحجر 15: 89. (5) الصف 61: 6. (6) الفتح 4 8: 29. (7) الحج 22: 75. (*)

[ 48 ]

والكريم: في قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم) (1). وسماه سبحانه نورا: في قوله: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) (2). ونعمة: في قوله تعالى: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) (3). ورحمة: في قوله تعالى: (وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين) (4). وعبدا: في قوله تعالى: (نزل الفرقان على عبده) (5). وؤوفا رحيما: في قوله: (بالمؤمنين رؤف رحيم) (6). شاهدا، ومبشرا، ونذيرا، وداعيا: في قوله تعالى: (انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا) (7). وسماه منذرا: في قوله تعالى: (انما انت منذر) (8). وسماه عبد الله: في قوله تعالى: (وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يمونون عليه لبدا) (9). وسماه مذكرا: في قوله تعالى: (انما انت مذكر)، (10،. وسماه طه، ويس.


(1) التكوير 81: 19. (2) المائدة 5: 15. (3) النحل 16: 83. (4) الأنبياء 21: 107. (5) الفرقان 25: 1. (6) التوبة 9: 128. (7) الأحزاب 33: 4 5 - 4 6. (8) الرعد 7: 13. (9) الجن 72: 19. (10) الغاشية 88: 21. (*)

[ 49 ]

ومنها: ما جاءت به الأخبار: ذكر محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد) (1). وقيل: أن الماحي الذي يمحى به سيئات من اتبعه. وفي خبر آخر: المقفي، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والخاتم، والغيث، والمتوكل (2). وأسماؤه في كتب الله السالفة كثيرة منها: مؤذ مؤذ بالعبرانية في التوراة، وفارق في الزبور (3). وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة: بإسناده عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله عز وجل قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، وذلك قوله في: (واصحاب اليمين) (4) (واصحاب الشمال) (5) فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل


(1) صحيح البخاري 4: 225، وكذا في: الموطأ 2: 1 00 4، سنن الدارمي 2: 17 م: صحيح مسلم 4: 1828 / 2354، مسند أحمد 4: 80، صحيح الترمذي. 1 35 / 2840، دلائل النبوة للبيهقي 1: 1 5 2، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 16: 114 / 43. (2) مسند أحمد 4: 404، صفة الصفوة 1: 55، الوفا بأحوال المصطفى 1: 104، البداية والنهاية 2: 2 5 2 بزيادة ونقصان، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 16: 114 / 43 (3) أنظر: مناقب ابن شهرآشوب 1: 1 5 1، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 16: 1 1 4 / 43. (4) الواقعة 56: 27 (5) الواقعة 56: 41. (*)

[ 50 ]

القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها ثلثا فذلك قوله: (فأصحاب الميمنة) (1) (واصحاب المشئمة) (2) (والسابقون السابقون) (3) فأنا من السابقين وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله: (وجعلناكم شعوبا وقبائل) (4) الاية، فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا وذلك قوله عز وجل: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) (5) فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب) (6). وروى الشيخ أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن سفيان بن عيينة أنه قال: أحسن بيت قالته العرب قول أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: وشق له من اسمه كي يجله فذو العرش محمود وهذا محمد (7) وقال غيره: إن هذا البيت لحسان بن ثابت في قطعة له أولها: ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه والله أعلى وأمجد (8) ومن صفاته التي جاءت في الحديث: راكب الجمل، وآكل الذراع، ومحرم الميتة، وقابل الهدية وخاتم النبوة، وحامل الهراوة، ورسول


(1) الواقعة 56: 8 (2) الواقعة 56: 9. (3) الواقعة 56: 10. (4) الحجرات 49: 13. (5) الأ حزاب 33: 33. (6) دلائل النبوة للبيهقي 1: 170، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 16: 120. (7) رواه عنه البيهقي في دلائله 1: 161، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 16: 120. (8) مناقب ابن شهرآشوب 1: 165، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 16: 120. (*)

[ 51 ]

الرحمة. ويقال: إن كنيته في التوراة أبو الأرامل، واسمه صاحب الملحمة (1). وروي أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا الأول والآخر، أول في النبوة، واخر في البعثة) (2). * (هامش) (1) انظر: مناقب ابن شهرآشوب 1: 154، وكشف الغمة 1: 13، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 161: 120 (2) كشف الغمة 1: 13، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 16: 120. (*)

[ 52 ]

(الفصل الثالث) في ذكر مدة حياته صلى الله عليه وآله وسلم عاش صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثا وستين سنة، منها مع أبيه سنتين وأربعة أشهر، ومع جده عبد المطلب ثمان سنين، ثم كفله عمه أبو طالب بعد وفاة جده عبد المطلب فكان يكرمه ويحميه وينصره أيام حياته (1). وذكر محمد بن إسحاق بن يسار: أن أباه عبد الله مات وامه حبلى، وقيل أيضا: إنه مات والنبي صلى الله عليه واله وسلم ابن سبعة أشهر (2). وذكر أبن إسحاق: قدمت آمنة بنت وهب أم رسوال الله صلى الله عليه واله وسلم به على أخواله من بني عدي بن النجار بالمدينة ثم رجعت به حتى إذا كانت بالأبواء هلكت بها ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم ابن ست سنين (3) وروي عن بريدة قال: انتهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله فجعل يحرك رأسه كالمخاطب ثم بكى، فقيل: ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال: (هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في أن أزور قبرها فاذن لي فأدركتني رقتها فبكيت) فما رأيته ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة (4).


(1) أنظر: كشف الغمة 1: 19، والطبقات الكبرى 1: 119، وتاريخ اليعقوبي 2: 13 ؟ 14، ومروج الذهب 3: 1 4 / 1460، ودلائل النبوة للاصبهاني 1: 3 5 9 / 1 0 2 و 1 04، ودلائل النبوة للبيهقي 1: 188، وصفة الصفوة 1: 65. (2) انظر: دلائل النبوة للبيهقي 1: 1 87 - 1 88. (3) سيرة ابن اسحاق: 65، دلائل النبوة للبيهقي 1: 188. (4) الطبقات الكبرى 1: 117، دلائل النبوة للبيهقي 1: 189. (*)

[ 53 ]

وفي خبر آخر: (استأذنت ربي في زيارة قبر امي فأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت) رواه مسلم في الصحيح (1). وتزوج بخديجة بنت خويلد وهو ابن خمس وعشرين سنة. وتوفي عمه أبو طالب وله ست وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوما. وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام، وسمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك العام عام الحزن (2). وروى هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما زالت قريش كاعة (3) عني حتى مات أبو طالب) (4) وأقام صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر منها إلى المدينة بعد أن استتر في الغار ثلاثة أيام وقيل: ستة أيام، ودخل المدينة يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول وبقي بها عشر سنين. ثم قبض صلى الله عليه واله وسلم يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة (6).


(1) صحيح مسلم 2: 67 1 / 976. (2) انظر: كشف الغمة 1: 1 6، وسيرة ابن هشام 1: 1 98، والطبقات الكبرى 1: 132، وتاريخ اليعقوبي 2: 2 0، ومروج الذهب 3: 1 5 / 1 4 6 1، وصفة الصفوة 1: 74، والكامل في التاريخ 2: 39. (3) كاعة: خائفة وجبانة. (4) لم ترد الرواية في نسخة (ط). (5) كشف الغمة 1: 16، دلائل النبوة للبيهقي 2: 350. (6) انظر: الكافي 1: 34 6، كشف الغمة 1: 16، وسيرة ابن هشام 2: 130، وصحيح البخاري 5: 73، وصحيح مسلم 4: 1 826 / 235 1، وتاريخ الطبري 2: 379، ومروج الذهب 3: 1 8 / 1 4 67، وصفة الصفوة 1: 1 1 7 و 1 29، والكامل في التاريخ 2: 104 (*) =

[ 54 ]

واختلف أهل بيته وأصحابه في موضع دفنه فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن الله تعالى لم يقبض روح نبيه إلا في أطهر البقاع فينبغي أن يدفن هناك) فأخذوا بقوله ودفنوه في حجرته التي قبض فيها صلى الله عليه وآله وسلم (1). =


و 106 و 157. (1) روضة الواعظين: 71، مناقب ابن شهرآشوب 1: 24 0، كشف الغمة 1: 19 (*)

[ 55 ]

(الباب الثاني) في ذكر آياته الباهرات ومعجزاته الخارقة للعادات وهذه الايات: قسمان أحدهما: ما ظهر قبل مبعثه. والاخر: ما ظهر بعد ذلك. فأما ما ظهر قبل الدعوة والمبعث: فمن ذلك ما استفاض في الحديث: أن ام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما وضعته رأت نورا أضاءت له قصور الشام. وحدثت هي: أنها اتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الامة فإذا وقع على الأرض فقولي: اعيذه بالواحد من شركل حاسد فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملا قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء والأرض، واسمه في الإنجيل أحمد، يحمده أهل السماء والأرض، واسمه في الفرقان محمد. قالت: فسميته بذلك (1).


(1) انظر: كشف الغمة 1: 2 0، وسيرة ابن هشام 1: 166، (*) =

[ 56 ]

وروى أبو امامة قال: قيل: يا رسول الله ما كان بدء أمرك ؟ قال: (دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت امي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام) (1). ومن ذلك: ما رواه الاستاذ أبو سعد الواعظ الزاهد الخركوشي (2) بإسناده عن مخزوم بن أبي المخزومي، عن أبيه وقد أتت عليه مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتجس (3) أيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نيران فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى المؤبذان (4) أن إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة فانتشرت في بلادها. =


النبوة للبيهقي 1: 8 2 و 83، والكامل في التاريخ 1: 458 (1) مسند الطيالسي: 155 / 11 40، الطبقات الكبرى 1: 102، مسند أحمد 5: 262، تاريخ الطبري 2: 165، دلائل النبوة للبيهقي 1: 84. (2) الخركوشي: هو أبو سعد عبد الملك بن محمد النيشابوري الحافظ الواعظ صاحب كتاب (شرف المصطفى). قال عنه السمعاني في الانساب: الخركوشي بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وضم الكاف وفي آخرها الشين، هذه النسبة إلى خركوش وهي سكة بنيسابور كبيرة كان بها جماعة من المشاهير مثل أبي سعد عبد الملك بن أبي عثمان محمد بن إبراهيم الخركوشي، الزاهد الواعظ، أحد المشهورين باعمال البر والخير، وكان عالما زاهد فاضلا، رحل إلى العراق والحجاز وديار مصر، وأدرك العلماء والشيوخ، وصنف التصانيف المفيدة - إلى أن قال -: وجاور حرم الله مكة، ثم عاد إلى وطنه نيشابور، ولزم منزله، وبذل النفس والمال للمستورين من الغرباء والفقراء المنقطعين منهم، وبنى دارا للمرض بعد أن خربت الدور القديمة لهم، ووكل جماعة ص أصحابه لتمريضهم وحمل مياههم، وكانت وفاته في سنة 406 ه‍ بنيشابور. انظر: الكنى والألقاب 2: 1 83، الانساب 5: 9 3. (3) ارتجس: اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت (لسان العرب 6: 95). (4) المؤبذان (بضم الميم وفتح الباء): فقيه الفرس وحاكم المجوس (القاموس المحيط 1: 360). (*)

[ 57 ]

فلما أصبح كسرى راعه ذلك وأفزعه وتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أن لا يدخر ذلك عن وزرائه ومرازبته (1)، فجمعهم وأخبرهم بما هاله، فبينا هم كذلك إذ أتاه كتاب بخمود نار فارس، فقال المؤبذان: وأنا رأيت رؤيا، وقص عليه رؤياه في الإبل، فقال: أي شئ يكون هذا يا مؤبذان، قال ؟ حدث يكون من ناحية العرب. فكتب كسرى عند ذلك إلى ملك العرب النعمان بن المنذر: أما بعد: فوجه إلي برجل عالم بما اريد أن أسأله عنه. فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني، فلما قدم عليه أخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خال يسكن مشارق الشام، يقال له: سطيح، قال: فاذهب إليه فسله وائتني بتأويل ما عنده. فنهض عبد المسيح حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت، فسلم فلم يحر جوابا، فأنشأ عبد المسيح أبياتا يذكر فيها ما أراده منه، ففتح سطيح عينيه ثم قال: عبد المسيح على جمل مسيح إلى سطيح وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان: لارتجاس الأيوان، وخمود النيران، ورؤيا المؤبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها. يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه.


(1) المرزبة: كمرحلة، رئاسة الفرس، وهو مرزبانهم أي أميرهم ورئيسهم. (انظر: القاموس المحيط 1: 73). (*)

[ 58 ]

فنهض عبد المسيح وقدم على كسرى وأخبره بما قال سطيح، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت امور، فملك منهم عشرة في أربع سنين والباقون إلى أمارة عثمان (1). ومن ذلك: ما رواه علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن رجاله قال: كان بمكة يهودي يقال له يوسف، فلما رأى النجوم تقذف وتتحرك ليلة ولد النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: هذا نبي قد ولد في هذه الليلة، لأنا نجد في كتبنا أنه إذا ولد آخر الأنبياء رجمت الشياطين وحجبوا عن السماء. فلما أصبح جاء إلى نادي قريش فقال: هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ قالوا: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب ابن في هذه الليلة. قال: فاعرضوه علي. فمشوا إلى باب امنة، فقالوا لها: اخرجي ابنك، فأخرجته في قماطه، فنظر في عينه، وكشف عن كتفيه فرأى شامة سوداء وعليها شعيرات، فلما نظر إليه اليهودي وقع إلى الأرض مغشيا عليه، فتعجبت منه قريش وضحكوا منه، فقال: أتضحكون يا معشر قريش هذا نبي السيف ليبيرنكم، وذهبت النبوة عن بني إسرائيل إلى آخر الأبد، وتفرق الناس يتحدثون بخبر اليهودي (2). ومن ذلك: بشارة موسى بن عمران عليه السلام به في التوراة، فلقد حدثني من أثق به قال: مكتوب في خروج النبي من ولد إسماعيل، وصفته


(1) كمال الدين: 1 9 1 / 38، تاريخ اليعقوبي 2: 8، تاريخ الطبري 2: 1 66 - 1 6 8، دلائل النبوة للاصبهاني 1: 1 7 4 - 177، دلائل النبوة للبيهقي 1 26 0 1 - 129 الوفا بأحوال المصطفى 1: 97 - 100، وفيها باختلاف يسير (2) تفسير القمي 373 1 و 374، كمال الدين: 97، وفيه باختلاف يسير. (*)

[ 59 ]

هذه الالفاظ: لا شموعيل شمعشخوا هني بيراختما اوثو هربيث، أتو هربتي واتو بماد ماد شينم آسور نسيئم وأنا تيتو الكوى كادل. وتفسيره: إسماعيل قبلت صلاته، وباركت فيه، وأنميته، وكثرت عدده بولد له اسمه محمد، يكون اثنين وتسعين في الحساب، سأخرج اثنا عشر إماما ملكا من نسله، واعطيه قوما كثير العدد. ومن ذلك: ما أخبر به الثقة أنه قرأ في الإنجيل - ذكره الشيخ أبو جعفر ابن بابويه رحمه الله في كتاب كمال الدين وتمام النعمة -. (إني أنا الله الدائم الذي لا أزول، صدقوا النبي الامي صاحب الجمل والمدرعة والتاج - وهي العمامة - والنعلين والهراوة - وهي القضيب -.. الأكحل العينين، الصلت (1) الجبين، الواضح الخدين، الأقنى (2) الأنف، المفلج (3) الثنايا، كأن عنقه إبريق فضة، كأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من صدره إلى سرته، ليس على بطنه وصدره شعر، أسمر اللون، دقيق المسربة (4)، شثن الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعا، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر وينحدر من صبب، وإذا جاء مع القوم بذهم، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك تنفح منه، لم ير قبله مثله ولا بعده، طيب الريح، نكاح للنساء، ذو النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب، يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، لها فرخان مستشهدان، كلامه القران، ودينه الإسلام وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه، وشهد أيامه


(1) الصلت: الواضح (لسان العرب 2: 53). (2) القنا: احديداب في الأنف، يقال رجل أقنى الأنف وامرأة قنواء. (الصحاح قنا - 6. 2469). (3) المفلج: الفلج في الأسنان: تباعد ما بين الثنايا والرباعيات. (العين 6: 127). (4) المسربة: شعيرات تنبت في وسط الصدر إلى أصل السرة (العير 249 0 7) (*)

[ 60 ]

وسمع كلامه). فقال عيسى عليه السلام: (يا رب وما طوبى ؟). قال: (شجرة في الجنة إنما غرستها بيدي، تظل الجنان، أصلها من رضوان، ماؤها من تسنيم، برده برد الكافور، وطعمه طعم الزنجبيل، من يشرب من تلك العين شربة لم يظما بعدها أبدا). فقال عيسى عليه السلام: (اللهم اسقني منها). قال: (حرام يا عيسى على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الامم أن يشربوا منها حتى تشرب أمة ذلك النبي، أرفعك إلي ثم اهبطك في آخر الزمان لترى من امة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجال، اهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم إنهم امة مرحومة) (1). ومن ذلك: حديث سلمان الفارسي وأنه لم يزل ينتقل من عالم إلى عالم ومن فقيه إلى فقيه، ويبحث عن الأسرار، ويستدل بالأخبار، وينتظر قيام سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وآله وسلم أربعمائة سنة حتى بشر بولادته، فلقا أيقن بالفرج خرج يريد تهامة فسبي. والخبر في ذلك طويل مذكور في كتاب كمال الدين (2). ومن ذلك: حديث تبع الملك وقوله: سيخرج من هذه - يعني مكة - نبي يكون مهاجره يثرب، وأخذ قوما من اليمن فانزلهم مع اليهود بيثرب لينصروه إذا خرج، فهم الأوس والخزرج. وفي ذلك يقول تبع:


(1) كمال الدين: 159 / 18. (2) كمال الدين: 161 / 21. (*)

[ 61 ]

شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم وكنت عذابا على المشركين وأسقيهم كأس خوف وغم (1) ومن ذلك: ما رواه أيضا بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد إجلالا له، وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج وهو غلام فيمشي حتى يجلس على الفراش، فيعظم ذلك على أعمامه ويأخذونه ليؤخروه، فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فوالله إن له لشأنا عظيما، إني أرى أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم، إني أرى غرته غرة تسود الناس، ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله، ويقول: ما رأيت قبلة أطيب منه ولا أطهر قط، ثم يلتفت إلى أبي طالب - وذلك أن أبا طالب وعبد الله لام - فيقول: يا أبا طالب، إن لهذا الغلام لشأنا عظيما فاحفظه واستمسك به فإنه فرد وحيد، وكن له كالام لا يوصل إليه بشئ يكرهه. ثم يحمله على عنقه فيطوف به اسبوعا، وكان عبد المطلب قد علم أنه يكره اللات والعزى فلا يدخله عليهما. فلما تمت له ست سنين ماتت امه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قدمت به أخواله من بني عدي، فبقي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يتيما لا أب له ولا ام، فازداد عبد المطلب له رقة وحفظا. وكانت هذه حاله حتى أدرك عبد المطلب الوفاة، فبعث إلى أبي طالب فجاءه ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم على صدره وهو في غمرات الموت فصار يبكي ويلتفت إلى أبي طالب ويقول: يا أبا طالب أنظر أن تكون حافظا


(1) كمال الدين: 170. (*)

[ 62 ]

لذلك الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ولا ذاق شفقة امه. أنظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك، فإني قد تركت بني كلهم ووصيتك به لأنك من ام أبيه. يا أبا طالب إن أدركت أيامه فاعلم أني كنت من أبصر الناس ومن أعلم الناس به، وإن لم استطعت أن تتبعه فافعل، وانصره بلسانك ويدك ومالك، فإنه والله سيسود ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي. يا أبا طالب ما أعلم أحدا من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه ولا امه على حال امه، فاحفظه لوحدته، هل قبلت وصيتي ؟ قال: نعم قد قبلت والله على ذلك شاهد. قال عبد المطلب: فمد يدك إلي. فمد يده إليه فضرب يده على يده، ثم قال عبد المطلب: الان خفف علي الموت، ثم ضمه إلى صدره ولم يزل يقبله ويقول: أشهد أني لم اقبل أحدا من ولدي أطيب ريحا منك ولا أحسن وجها منك. ويتمنى أن يكون قد بقي حتى يدرك زمانه. افمات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه. ساعة من ليل ولا نهار، وكان ينام معه حتى بلغ، لا يأتمن عليه أحدا (1). ومن ذلك: حديث سيف بن ذي يزن، والرواية بذلك مشهورة، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة - وذلك بعد مولود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين - وفد العرب وأشرافها إليه وفيهم: عبد المطلب بن هاشم، وامية بن عبد شمس، وعبد الله بن جذعان، وأسد بن خويلد، ووهب بن عبد مناف، وغيرهم من وجوه قريش، فقدموا


(1) كمال الدين: 171 / 28. (*)

[ 63 ]

عليه صنعاء فاستأذنوا وهو في قصر، يقال له غمدان، وهو الذي يقول فيه امية ابن أبي الصلت: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا في رأس غمدات دار منك محالا ثم ساق الحديث إلى أن قال: فأرسل إلى عبد المطلب فادنى مجلسه ثم قال: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي أمرا لو كان غيرك لم أبح به إليه ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك عليه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فإن الله بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا وأخبرناه دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة ولرهطك كافة، ولك خاصة. فقال عبد المطلب: مثلك أيها الملك قد سر وبر فما هو ؟ فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر. فقال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة. فقال عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد إبت بخير ما آب بمثله وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظاهه لسألته من أسراره ما أزداد به سرورا. فقال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد فيه، اسمه محمد، يموت أبوه وامه ويكفله جده وعمه، وقد ولد سرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، يضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض يكسر الأوثان، ويخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. فقال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك، وعلا كعبك، وداج ملكك، وطال عمرك، فهل الملك ساري بإفصاح فقد أوضح لي بعض الإيضاح ؟

[ 64 ]

فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب. قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له: إرفع رأسك ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرته ؟ فقال: كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام فسميته محمدا، مات أبوه وامه وكفلته عمه. قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت لك، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذي معك فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة من أن تكون له الرئاسة، فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل، وإنهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم غير شك، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه، فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب دار ملكه، فيها استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أخاف فيه الافات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنه أمره في هذا الوقت، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، ولكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير مني بمن معك. قال: ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد وعشر إماء وحلتين من البرود ومائة من الابل وخمسة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضعة وكرش مملوءة عنبرا. قال: وأمر لمعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فائتني. فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول. قال: فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: يا معشر قريش لا يغبطني رجل

[ 65 ]

منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره وشرفه، فإذا قيل: وما هو ؟ قال: ستعلمن نبأ ما أقول ولو بعد حين (1). وقد روى هذا الحديث الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة من طريقين (2). ومن ذلك: حديث بحيراء الراهب، فقد أورد محمد بن إسحاق بن يسار قال: إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير انتصب له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال: (يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي ؟). فرق له أبو طالب فقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا. فخرج وهو معه. فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيراء في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، وكان كثيرا ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم، فلما نزلوا ذلك العام قريبا من صومعته صنع لهم طعاما، وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة، وتهصرت (3) أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيراء نزل من صومعته - وقد أمر بذلك الطعام فصنع - ثم أرسل إليهم فقال:


(1) كمال الدين: 1 76 / 3 4، كنز الفوائد 1: 1 87، دلائل النبوة للاصبهاني 1: 1 1 4، الوفا باحوال المصطفى 1: 125، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 191015 / 11. (2) دلائل النبوة للبيهقي 2: 9. (3) تهصرت: أي تدلت عليه أغصانها. (انظر: النهاية 5: 264). (*)

[ 66 ]

إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم، وحركم وعبدكم. فقال له رجل منهم: يا بحيراء إن لك اليوم لشأنإ، ما كنت تصنع لنا هذا الطعام وقد كنا. نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم ؟ فقال له بحيراء: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما رأى بحيراء القوم لم يجد الصفة التي يعرف فقال: يا معشر قريعش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا. قالوا له: ما تخلف عنا أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم. قال: فالا تفعلوا، ادعوه حتى يحضر هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى إن هذا اللوم بنا أن يتخلف ابن عبد المطلب عن الطعام من بيننا. قال ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيراء جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد يجدها عنده في صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيراء فقال له: يا غلام اسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال ذلك بحيراء لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغت كبغضهما شيئا قط. فقال بحيراء: فوالله إلا أخبرتني عما أسألك.

[ 67 ]

فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من (1) نومه وهيئته واموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيراء من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. قال: لما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك ؟ قال: ابني. قال بحيراء: وما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه ؟ قال: مات وامه حبلى به. قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده ؟ احذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عارفت منه ليبغينه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن فاسرع به إلى بلده. فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. فزعموا أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء فأرادوه فردهم عنه بحيراء وذكرهم الله وما يجح دون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم إن أجمعوا بما أرادوه لم يخلصوا إليه، ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم و صدقوه بما قال وتركوه وانصرفوا (1).


(1) سيرة ابن اسحاق: 73، وانظر كذلك: كمال الدين: 1 83 / 35، الخرائج والجرائح 1: (*) =

[ 68 ]

وفي ذلك يقول أبو طالب في قصيدته الدالية - أوردها محمد بن إسحاق ابن يسار -: إن ابن آمنة (النبي) (1) محمدا عندي بمثل منازل الأولاد لما تعلق بالزمام رحمته والعيس قد (قلصن) (2) بالأزواد (فارفض) (3) من عينف دمع ذارف مثل الجمان مفرد الأفراد راعيت فيه قرابة موصولة وحفظت فيه وصية الأجداد وأمرته بالسير بين عمومة بيضق الوجوه مصالت أنجاد ساروا لأبعد طية معلومة ولقد تباعد طية المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا لاقوا على شرف من المرصاد حبرا فأخبرهم حديثا صادقا عنه ورد معاشر الحساد قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى ظل (النمام وغر ذا الاكباد) (4) =


7 1 / 13 0، سيرة ابن هشام 1: 1 9 1، دلائل النبوة للبيهقي 2: 27، تاريخ الطبري 2: 277، دلائل النبوة للاصبهاني 1: 8 1 1 / 1 0 2. (1) كذا في نسخنا، وفي ديوان شيخ الاباطح، وكتاب شعر ابي طالب: الامين، وهي الصواب، لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان لم يبعث بعد حين قال أبو طالب رحمه الله تعالى هذا الشعر. كما ان هذا البيت برواية ابي هفان ورد هكذا: ان الامين محمدا في قومه عندي يفوق منازل الاولاد (2) قلصن: ارتفعن ونهضن للمسير (انظر: لسان العرب 7: 81). (3) ارفض: سال وتفرق. (لسان العرب 7: 1156). (4) كذا في نسخنا وفي سيرة ابن اسحاق: وغر ذي الاكياد إلا. ان الصواب ما ورد في ديوان شيخ الاباطح، وشعر أبي طالب لابي هفان في حيث ورد بهذا الشكل: ظل الغمامة ناغري الاكباد، لوضوح العبارة وصحة كلماتها، فالرواية المعروفة تذكر بان غمامة واحدة كانت تظل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منطقي ومعقول، فالفرد الواحد تكفيه غمامه واحده، فما جدوى اكثر منها، ومن تظل. (*) =

[ 69 ]

(ساروا) (1) لقتل محمد فنهاهم عنه وأجهد أحسن الإجهاد (2) (3) وأمثال ما ذكرناه كثيرة، لو قصدنا إيراد جميعها لخرجنا من الغرض المقصود بهذا الكتاب. =


ثم ان باقي الكلام الوارد في العجز اعلاه لا معنى له عكس ما جاء في الديوانين لانه يوفي بالغرض الذي جاء من أجله فالنغر شدة الغيظ، وحيث يقال للرجل الذي يغلي جوفه من الغيظ رجل ناغر (انظر: الصحاح - نغر - 2: 833) اي ان اليهود لعنهم الله تعالى كانوا ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والغمامة تظله واجوافهم تضطرم غيظا وعضبا. (1) في الديوانين: ثاروا، وفي سيرة ابن اسحاق كما في كتابنا. (2) في الديوانين: التجهاد، وفي سيرة ابن اسحاق موافق لما في كتابنا. (3) أنظر: سيرة ابن اسحاق: 76، شعر ابن طالب وأخباره: 63، ديوان شيخ الاباطح: 33. (*)

[ 70 ]

(فصل) وأما ما ظهر منه صلوات الله عليه وآله عقيب البعث وإظهار النبوة من الآيات والمعجزات فضربان: أحدهما: هذا القران الذي أنزله الله سبحانه عليه وأيده به. والاخر: غيره من المعجزات. فوجه الاستدلال من القران: أن كل عاقل سمع، الأخبار وخالط أهلها قد علم ظهور نبينا عليه واله السلام وادعاءه الرسالة من الله إلينا، وأنه تحدق العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يده وادعى انه اختصه الله به، وان العرب مع تطاول الأزمان لم يعارضوه، إذا ثبت ما ذكرناه، وعلمنا أنهم إنما لم يعارضوه لتعذر المعارضة عليهم فهذا التعذر معجز خارق للعادة. فأما الذي يدل على أنه عليه السلام تحدى بالقران فهو أن المراد بالتحدي أنه كان يدعي أن جبرئيل يهبط عليه بذلك، وأن الله سبحانه قد أبانه به، وهذا معلوم ضرورة وهو غاية التحدي في المعنى. وأيضا: فإن آيات القران صريحة في التحدي وهي قوله تعالى: (فأتوا بعشر سور مثله) (1) وفي موضع آخر: (فأتوا بسورة من مثله) (3). وأما الذي يدل على انتفاء المعارضة منهم فهوأنه لو وقعت المعارضة لوجب ظهورها ونقلها، فإذا لم تنقل وجب القطع على انتفائها، وإنما قلنا ذلك لأن جميع ما يقتضي نقل القران من قوة الدواعي وشدة الحاجة وقرب العهد ثابت في المعارضة، بل المعارضة تزيد عليه، لأنها كانت تكون


(1) هود 11: 13. (2) البقرة 2: 23. (*)

[ 71 ]

الحجة والقرآن شبهة، ونقل الحجة أولى من نقل الشبهة، وكيف لا تنقل المعارضة لو كانت وقد نقلوا كلام مسيلمة مع ركاكته وبعده عن الشبهة. فان ادعي ان المانع من النقل هو الخوف من أهل الإسلام وقد بلغوا من الكثرة إلى حد يخاف من مثلهم. فجوابه: أن الخوف لا يقتضي انقطاع النقل على كل وجه، وإنما يمنع من التظاهر به. ألا ترى أن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام قد نقلت ولم ينقطع النقل بها مع الخوف الشديد من بني امية والرهبة من التظاهر بها، وكان يجب أن ينقل ذلك أعداء الإسلام أو يكون نقلا مكتوما فيما بينهم. وأيضا فإن الكثرة في الإسلام كانت بعد الهجرة، فكان يجب نقل المعارضة قبل ذلك في مدة مقامه بمكة، وإذا نقلت وانتشرت لم تكن قوة الإسلام موجبة بعد ذلك لخفائها إلا أن يدعى أن المعارضة لم تقع في تلك المدة وإنما وقعت بعد الهجرة، وفي ذلك كفاية في إعجاز القرآن وثبوت خرق العادة به. على أن الإسلام وإن، قوي حينئذ بالمدينة، فقد كانت لأهل الكفر ممالك كثيرة وبلاد واسعة، ومملكة الفرس كانت ثابتة لم تزل، وممالك الروم وغيرها من البلاد إلى هذه الغاية عريضة، فكان يجب ظهور المعارضة في هذه البلاد. وأما الذي يدل على أن انتفاء المعارضة كان للتعذر إنا قد علمنا أن كل فعل يرتفع من فاعله مع توفر دواعيه إليه وقوة بواعثه عليه فإنه يدل على تعذره، فإذا ثبت ذلك وعلمنا أن العرب تحدوا بالقرآن ولم يعارضوه مع شدة حاجتهم إلى المعارضة وقوة دواعيهم، علمنا أنها متعذرة عليهم، فإذا انضاف إلى ذلك أنهم قد تكلفوا الامور الشاقة من الحرب وغيره مما لو بلغوا غاية

[ 72 ]

مرادهم فيه لم يكن لهم بذلك حجة، اتضح الأمر في أنهم قد تعذرت المعارضة عليهم، هذا وقد دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المعارضة وهم ذوو الأنفة والحمية، وطالبهم بالرجوع عن دياناتهم، والنزول عن رئاستهم، والبراءة من آبائهم وأسلافهم وأبنائهم، ومجاهدة من خالف دينه وإن كان من أنسابهم وأقربائهم، وعلموا أن بالمعارضة يزول ذلك كله ويبطل، فأي داع أقوى من هذا ؟ وكيف لا يكونون مدعوين إليها وقد تحملوا ضروبا من الكلف والمشاق كالمحاربة وبذل الأموال ونظم الهجاء، مع أن كل ذلك لا يغني، فلو تيسرت لهم المعارضة لبادروا إليها، إذ كانت أسهل مما تكلفوه وتحملوه وأحسم للمادة من كل ما فعلوه. وأما الذي يدل على أن تعذر المعارضة كان على وجه الإعجاز هو أن ما يمكن أن يدعى في ذلك أن يقال أنه عليه السلام كان أفصحهم فتأتى له ما لم يتأت لهم، أو يقال: إنه تعمل زمانا لم يكن طويلا فلم يتمكنوا مع قصر الزمان من معارضته، فإذا بطل هذان الوجهان لم يبق إلا أن هذا التعذر غير معهود، فهو خارق للعادة. والذي يدل على فساد الوجه الأول: أن المطلوب في المعارضة ما يقارب الفصاحة، والأفصح يقاربه في كلامه وفصاحته من هو دون طبقته، فإذا لم يماثلوه ولم يقاربوه فقد انتقضت العادة، وأيضا فإن الأفصح إنما تمتنع مساواته ومجاراته في جميع كلامه أو أكثره وليس تمتنع مجاراته ومساواته في البعض منه على من هو دون طبقته، بهذا جرت العادة، ولهذا فقد ساوت الطبقة المتأخرة من الشعراء الطبقة المتقدمة منهم في البيت والأبيات، وربما زادوا عليهم في القليل، وإذا كان التحدي وقع بصورة قصيرة من عرض القرآن فكونه أفصح لا يمنع من مساواته في هذا القدر اليسير، وأيضا فليس يظهر من كلامه عليه السلام فصاحة تزيد على فصاحة غيره من القوم، ولو

[ 73 ]

كان أفصحهم وكان القرآن من كلامه لظهرت المزية في كلامه على كل كلام في الفصاحة كما ظهرت مزية القرآن. وأما الذي يدل على فساد الوجه الثاني - وهو إنه تعمل زمانا طويلا -: فهو أنه كان ينبغي أن يتعملوا مثله فيعارضوه به مع امتداد الزمان، فإذا ثبت أن التعذر خارق للعادة فلا بد من أحد أمرين: إما أن يكون القرآن نفسه خرق العادة بفصاحته فلذلك لم يعارضوه، وإما أن يكون الله تعالى صرفهم عن معارضته ولولا الصرف لعارضوه، وأي الأمرين كان ثبتت معه صحة النبوة، لان الله تعالى لا يصدق كاذبا، ولا يخرق العادة لمبطل، ولو ذهبنا نصف ما سطره المتكلمون في هذا الباب من الكلام وما فيه من السؤال والجواب لطال به الكتاب، وفيما ذكرنا ههنا متنع وكفاية لذوب الألباب.

[ 74 ]

(فصل) في ذكر بيان بعض معجزات النبي صلى الله عليه واله وسلم وأما المعجزات الباهرة الدالة على نبوته - التي هي سوى القرآن - فكثيرة أثبتنا متونها وحذفنا أسانيدها لاشتهارها بين الخاص والعام وتلقي الأمة إياها بالقبول التام: فمنها: مجئ الشجرة إليه، ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته القاصعة قال: (لقد كنت معه صلى الله عليه وآله وسلم لما أتاه الملأ من قريش فقالوا له: يا محمد إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه اباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب. فقال لهم وما تسألون ؟ قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله على كل شئ قدير، فإن فعل ذلك بكم أتؤمنون وتشهدون بالحق ؟ قالوا: نعم. قال: فإني سأريكم ما تطلبون ؟ إني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير، وإن فيكم من يطرح في القليب ومن يحزب الأحزاب، ثم قال: أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الاخر وتعلمين أني رسول الله فانقعلي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله.

[ 75 ]

فالذي بعثه بالحق، لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرفرفة، وألقت بغصنها الأعلى على رأس رسول الله وببعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه صلى الله عليه وآله وسلم. فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوا واستكبارا: فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشده دويا فكادت تلتف برسول الله. فقالوا كفرا وعتوا: فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه، فأمره صلى الله عليه وآله وسلم فرجع. فقلت أنا: لا إله إلا الله، إني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من امن بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك وإجلالا لكلمتك. فقال القوم: بل ساحر كذاب، عجيب السحر، خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك غير هذا ؟ ! يعنونني) (1). ومنها: خروج الماء من بين أصابعه، وذلك أنهم كانوا معه في سفر فشكوا أن لا ماء معهم وأنهم بعرض التلف ؟ سبيل العطب فقال: (كالا إن معي ربي عليه توكلت) ثم دعا بركوة فصب فيها ماء ما كان ليروي رجلا ضعيفا، وجعل يده فيها فنبع الماء من بين أصابعه، وصيح في الناس فشربوا وسقوا حتى نهلوا وعلوا وهم ألوف وهو يقول،: (أشهد أني رسول الله حقا) (2)


(1) نهج البلاغة 2: 1 83 / لم ذيل الخطبه 187، ونقلها المجلسي في بحار الأنوار 1 7: 389 / 59 (2) انظر: الخرائج والجرائح 1: 28 / 1 7، وكشف الغمة 1: 23 - 2 4، وصحيح البخاري 4: 234، والأنوار في شمائل النبي المختار 1: 105، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 27 / 10. (*)

[ 76 ]

ومنها: حنين الجذع الذي كان يخطب عنده صلوات الله عليه، وذلك أنه كان في مسجده بالمدينة يستند إلى جذع فيخطب الناس، فلما كثر الناس اتخذوا له منبرا، فلما صعده حن الجذع حنين الناقة فقدت ولدها، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضمه إليه، فكان يئن أنين الصبي الذي يسكت (1). ومنها: حديث شاة ام معبد، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما هاجر من مكة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن اريقط الليثي، فمروا على ام معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة، فسألوا تمرا ولحما ليشتروه، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون، فقالت: لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كسر خيمتها فقال: (ما هذه الشاة يا أم معبد) ؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال: (هل بها من لبن) ؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: (أتأذنين في أن أحلبها) ؟ قالت: نعم بأبي أنت وامي إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال: (اللهم بارك في شاتها) فتفاجت (2) ودرت، فدعا رسول الله


(1) انطر: الخرائج والجرائح 1: 165 / 255، ومناقب ابن شهر اشوب 1: 0 90، وكشف الغمة 1: 2 4، وصحيح البخاري 4: 237، ؟ دلائل النبوة للبيهقي 2: 5 56 و 56 1، والوفا بأحوال المصطفى 1: 322 و 323، والأنوار في شمائل النبي المختار 1: 134 / 145. (2) تفاجت: أي فتحت ما لين رجليها انظر (الصحاح - فجج - 1: 333) (*)

[ 77 ]

صلى الله عليه وآله وسلم بإناء لها يريض الرهط (1) فحلب فيه ثجا (2) حتى علته الثمال (3)، فسقاها فشربت حتى رويت، ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا، فشرب عليه السلام آخرهم وقال: (ساقي القوم آخرهم شربا) فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء، فغادوا عندها ثم ارتحلوا عنها. فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق عنزا عجافا هزلى مخهن قليل، فلما رأى اللبن قال: من أين لكم هذا والشاة عازب ولا حلوبة في البيت ؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. الخبر بطوله (4). ومنها: خبر سراقة بن جعشم الذي اشتهر في العرب، يتقاولون فيه الأشعار، ويتفاوضونه في الديار، أنه تبعه وهو متوجه إلى المدينة طالبا لغرته ليحظى بذلك عند قريش، حتى إذا أمكنته الفرصة في نفسه، وأيقن ان قد ظفر ببغيته، ساخت قوائم فرسه، حتى تغيبت بأجمعها في الأرض، وهو


(1) يريض الرهط: قال ابن الأثير في النهاية (2: 277): وفي حديث أم معبد (فدعا بإناء يريض الرهط) أي يرويهم بعض الري من أراض الحوض إذا صب فيه من الماء ما يوار أرضه. (2) ثجا: أي انصب بشدة. انظر: 0 العين 6: 13). (3) الثمال. بالضم، جمع ثمالة، وهي الرغوة، وقد أثمل اللبن كثر ثمالته (الصحاح - ثمل - 4: 1649). (4) كشف الغمة 1: 2 4، الثاقب في المناقب: 685 / 8، الطبقات الكبرى 1:. 23 0، مستدرك الحاكم 3: 9، دلائل النبوة للاصفهاني 2: 436 / 238، دلائل النبوة للبيهقي 1: 278، الوفا بأحوال المصطفى 1: 2 4 2، صفة الصفوة 1 37 0 1، البداية والنهاية 3: 1 9 2 الاصابة 4: 4 97، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 43 0 1 8 / 3 0. (*)

[ 78 ]

بموضع جدب وقاع صفصف (1)، فعلم أن الذي أصابه أمر سماوي، فنادى: يا محمد ادع ربك يطلق لي فرسي وذمة الله علي أن لا أدل عليك أحدا. فدعا له فوثب جواده كانه أفلت من انشوطة، وكان رجلا داهية وعلم بما رأى أنه سيكون له نبأ، فقال: اكتب لي أمانا، فكتب له فانصرف (2) قال محمد بن إسحاق: إن أبا جهل قال في أمر سراقة أبياتا فأجابه سراقة: أبا حكم واللات لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه عليك بكف الناس عنه فإنني أرى أمره يوما ستبدو معالمه (3) وروي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لأبي بكر: (أله الناس عني فإنه لا ينبغي لنبي أن يكذب) فكان أبو بكر إذا سئل: ما أنت ؟ قال: باغ. فإذا قيل من الذي معك ؟ قال: هاد يهديني (4). ومنها: حديث الغار، وأنه عليه واله السلام لما أوى إلى غار بقرب مكة يعتوره النزال (5) ويأوي إليه الرعاء متوجهه إلى الهجرة، فخرج القوم في طلبه فعمى الله أثره وهو نصب أعينهم، وصدهم عنه وأخذ بأبصارهم دونه وير


(1) الصفصف: المستوي من الأرض (الصحاح - صفف - 4: 1378) (2) الكافي 8: 263 / 378، الخرائج والجرائح 1: 23 / 1، مناقب ابن شهر اشوب 1: 7 1، كشف الغمة 1: 25، دلائل النبوة للاصبهاني 2: 4 26، اسد الغابة 2: 26 4، الكامل في التاريخ 2: 105، البداية والنهاية 3: 185، باختلاف في بعضها، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 17: 387 / 53. (3) دلائل النبوة للاصبهاني 2: 4 35، دلائل النبوة للبيهقي 2: 4 89، البداية ولنهاية 3، 1 86، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 7: 4 / 5 387. (4) كشف الغمة 1: 26، الطبقات الكبرى 1: 234، دلائل النبوة للبيهقي 2: 489. (5) يعتوره النزال: يرتاده المسافرون والمارون بكثرة، انظر (العين 2: 237) (*).

[ 79 ]

دهاة العرب، وبعث سبحانه العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسترته، وآيسهم ذلك من الطلب فيه. وفي ذلك يقول السيد الحميري في قصيدته المعروفة بالمذهبة: حتى إذا قصدوا لباب مغاره ألفوا عليه نسيج غزل العنكب صنع الاله له فقال فريقهم ما في المغار لطالب من مطلب ميلوا وصدهم المليك ومن يرد عنه الدفاع مليكه لا يعطب وبعث الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، فأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وهراواهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه واله وسلم بقدر أربعين ذراعا، تعجل رجل منهم لينظر من في الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: ما لك لا تنظر في الغار ؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أن ليس فيه أحد، وسمع النبي صلى الله عليه واله وسلم ما قال، فدعا لهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفرض جزاءهن فانحدرن في الحرم (1). ومنها: كلام الذئب، وذلك أن رجلا كان في غنمه يرعاها، فأغفلها سويعة من نهاره، فعرض ذئب فأخذ منها شاة، فأقبل يعدو خلفه فطرح الذئب الشاة ثم كلمه بكلام فصيح فقال: تمنعني رزقا ساقه الله إلي، فقال الرجل: يا عجبا الذئب يتكلم ! فقال: أنتم أعجب وفي شأنكم للمعتبرين عبرة، هذا محمد يدعو إلى الحق ببطن مكة وأنتم عنه لاهون، فأبصر الرجل رشده وأقبل حتى أسلم وأبقى لعقبه شرفا لا تخلقه الأيام يفخرون به على العرب والعجم


(1) انظر: الخرائج والجرائح 1: 25 / 5، وكشف الغمة 1: 26، والطبقات الكبرى 1: 2 28، ودلائل النبوة للاصبهاني 2: 4 1 9 / 2 29، ودلائل النبوة للبيهقي 2: 482، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 7: 2 2 / 39. (*)

[ 80 ]

يقولون: إنا بنو مكلم الذئب (1). ومنها: كلام الذراع، وهو أنه اوتي بشاة مسمومة أهدتها له امرأة من اليهود بخيبر، وكانت سألت أي شئ أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشاة ؟ فقيل لها: الذراع، فسمت الذراع، فدعا صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه إليه فوضع يده، ثم قال: (ارفعوا فإنها تخبرني أنها مسمومة). ولو كان ذلك لعلة الارتياب باليهودية لما قبلها بدءا ولا جمع عليها أصحابه، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم تناول منها أقل شئ قبل أن تكلمه فكان يعاوده كل سنة حتى جعل الله ذلك سبب الشهادة، وكان ذلك بابا من التمحيص ليعلم أنه مخلوق وعبد (2). ومنها: أن أصحابه صلوات الله عليه وآله أرملوا وضاقت بهم الحال وصاروا بمعرض الهلاك لفناء الأزواد يوم الأحزاب، فدعاه رجل من أصحابه إلى طعامه فاحتفل القوم معه، فدخل وليس عند القوم إلا قوت رجل واحد أو رجلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (غطوا إناءكم) ثم دعا وبرك عليه وقدمه والقوم الوف فأكلوا وصدروا كان لم يسغبوا قط شباعا رواج والطعام بحاله لم يفقدوا منه شيئا (3).


(1) انظر: امالي الطوسي 1: 12، والخرائج والجرائح 1: 27 / 12، والثاقب في المناقب: 71 / 5 4، وكشف الغمة 1: 27، ومسند أحمد 3: 83، ودلائل النبوة للاصفهاني 2: 482 / 27 0 و 271، ودلائل النبوة للبيهقي 6: 4 1، والبداية والنهاية 6: 143. (2) انظر: كنز الفوائد 1: 1 73، والخرائج والجرائح 1: 27 / 1 3، ومناقب ابن شهر آشوب 1: 299 والثاقب في المناقب: 4 0 / 6 8، وكشف الغمة 1: 27، ودلائل النبوة للبيهقي 4: (3) انظر: الخرائج والجرائح 1: 27 / 1 4، ومناقب ابن شهر آشوب 1: 1 0 3، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 43،، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 26 / 7. (*)

[ 81 ]

ومنها: أنه اجتمع إليه فقراء قومه وأصحابه في غزوة تبوك وشكوا الجوع، فدعا بفضلة زاد لهم، فلم يوجد لهم إلا بضع عشرة تمرة فطرحت بين يديه، فانحفل القوم فوضع يده عليها وقال: (كلوا بسم الله) فأكل القوم حتى شبعوا وهي بحالها يرونها عيانا (1). ومنها: أنه صلى الله عليه واله وسلم ورد في هذه الغزاة على ماء لايبل حلق واحد والقوم عطاش، فشكوا ذلك إليه فأخذ سهما من كنانة فدفعه إلى رجل من أصحابه ثم قال له: (أنزل فاغرزه في الركي (2)) فنزل فغرزه فيه ففار الماء وطما إلى أعلى الركي، فارتوى القوم للمقام والظعن وهم ثلاثون ألفا، ورجال من المنافقين حضور الأبدان غائبو العقول (3). ومنها: ان ظبية كتمته حين وقعت في شبكة فقالت: يا رسول الله إن لي طفلا يحتاج إلى لبن وإني قد وقعت في هذه الشبكة فخلني حتى أرضعه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف اخليك وصاحب الشبكة غائب) ؟ قالت: إني أرجع، فخلاها وجلس حتى رجعت الظبية وجاء صاحبها فشفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى خلى سبيلها، فاتخذ القوم من ذلك الموضع مسجدا (4). ومنها: أن قوما شكوا إليه ملوحة مائهم وأنهم في جهد من الظمأ وبعد


(1) انظر: كنز الفوائد 1: 170، والخرائج والجرائح 1: 28 / 15، والثاقب في المناقب: 5 2 / 1 9، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 27 / 8 (2) الركي: جمع ركية، وهي البئر. انظر (العين 5: 402). (3) انظر. الخرائج والجرائح 1: 28 / 1 6، والثاقب في المناقب: 45 / 7، ودلائل النبوة للبيهقي 112: 4. (4) انظر: الخرائج والجرائح 1: 37 / 41، ودلائل النبوة للاصبهاني 2: 485، ودلائل النبوة للبيهقي 6: 34، والوفا بأحوال المصطفى 1: 335. (*)

[ 82 ]

المناهل، وأن لا قوة لهم على شربه، فجاء معهم في جماعة أصحابه حتى أشرف على بئرهم فتفل فيها ثم انصرف، وكانت مع ملوحتها غائرة، فم انفجرت بالماء العذب الفرات، فها هي يتوارثها أهلها ويعدونها أسنى مفاخرهم وأجل مكارمهم، وإنهم لصادقون. وكان مما أكد الله به صدقه، أن قوم مسيلمة سألوه مثلها لما بلغهم ذلك، فأتى بئرا فتفل فيها فعادت ماؤها ملحا اجاجا كبول الحمار، وهي إلى اليوم بحالها معروفة المكان (1). ومنها: أن امرأة أتته بصبي لها ترجو البركة بأن يمسه ويدعوا له، وكانت به عاهة، فرحمها - والرحمة صفته صلى الله عليه وآله وسلم - فمسح يده على رأس الصبي فاستوى شعره، وبرئ داؤه، وبلغ ذلك أهل اليمامة فأتت مسيلمة امرأة بصبي لها فمسح راسه فصلع وبقي نسله إلى يومنا هذا صلعا (2). ومنها: أن قوما من عبد القيس أتو بغنم لهم فسألوه أن يجعل لها علامة تذكر بها، فغمز إصبعه في اصول آذانها فابيضت، فهي إلى اليوم معروفة النسل ظاهرة الأمر (3). ومنها: حديث الاستسقاء، وأن أهل المدينة مطروا حتى أشفقوا من خراب دورها وانهدام بنيانها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم حوالينا


(1) انظر: الخرائج والجرائح 1: 28 / 18، ومناقب ابن شهر آشوب 1: 117، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 28 / 11. (2) أورده الراوندي في الخرائج والجرائح 1: 29 / 19، وابن شهر آشوب في المناقب 1: 116، ونقله المجلسي في البحار الأنوار 18: 8 / 8. (3) انظر: كنز لفوائد 1: 171، والخرائج والجرائح 1: 29 / 2 0، ومناقب ابن شهرآشوب 1: 120 (*)

[ 83 ]

ولا علينا) فانجاب السحاب عن المدينة وأطاف حولها مستديرا كالإكليل والشمس طالعة في المدينة والمطر يهطل على ما حولها، يرى ذلك ظاهرا مؤمنهم وكافرهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - حتى بدت نواجذه وقال: (لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه، من ينشدنا قوله) فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (يا رسول الله كأنك أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال (1) اليتامى عصمة للأرامل يطوف به الهلاك من ال هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل) (2) ومنها: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ يوم بدر ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين وقال: (شاهت الوجوه) فجعل الله سبحانه لتلك الحصباء شأنا عظيما، لم تترك من المشركين رجلا إلا ملات عينيه، وجعل المسلمون والملائكة يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون كل رجل منهم منكبا على وجهه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه (3). ومنها: أمر ناقته حين افتقدت فأرجف المنافقون وقالوا: ينبئنا بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته: فلما خاف صلوات الله عليه واله على المؤمنين وساوس الشيطان دلهم عليها ووصف لهم حالها والشجرة التي هي


(1) الثمال بالكسر: الغياث، يقال ثمال قومه، أي غياث لهم يقوم بأمرهم (الصحاح - ثمل - 4: 1649) (2) أمالي المفيد: 3 0 1 / 3، أمالي الطوسي 1: 73 بزيادة، الخرائج والجرائح 1: 2 9 / 21، الثاقب في المناقب. 89 صدر الحديث، المصنف للصنعاني 3: 91 / 4910، صحيح البخاري 2: 35، صحيح مسلم 2: 612 / 897، سنن أبي داود 1: 3 0 4 / 1 174، سنن - البيهقي 3: 353، دلائل النبوة للبيهقي 6: 140 نحوه (3) انظر: كنز الفوائد 1: 1 6 9، وسيرة ابن هشام 2: 28 0، ودلائل النبوة للاصبهاني 2: 6 0 4 / 400، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 8 1، والكامل في التاريخ 2: 1 26، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 72 / 26. (*)

[ 84 ]

متعلقة بها، فأتوها فوجدوها كما وصف (1). ومنها: أن القمر انشق له نصفين بمكة في أول مبعثه، وقد نطق به القران، وقد صح عن عبد الله بن مسعود أنه قال: انشق القمر حتى صار فرقتين فقال كفار أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة (2)، انظروا السفار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه (3). استشهد البخاري في الصحيح بهذا الخبر في أن ذلك كان بمكة (4). ومنها: أن رجلا من أصحابه اصيب بإحدى عينيه في بعض مغازيه فسالت حتى وقعت على خده، فأتاه مستغيثا به، فأخذها بيده فردها مكانها، فكانت أحسن عينيه وأصحهما وأحدهما نظرا (5). ومنها: أن أبا براء ملاعب الأسنة كان به استسقاء فبعث إليه لبيد بن ربيعة وأهدى له فرسين ونجائب، فقال عليه السلام: (الا أقبل هدية مشرك). قال لبيد: ما كنت أرى أن رجلا من مضر يرد هدية أبي براء.


(1) انظر: كنز الفوائد 1: 1 7 0، وقصص الأنبياء للراوندي: 3 0 8 / 38 0، والخرائج والجرائح 1: 30 / 25، وسيرة ابن هشام 4: 166، وتاريخ الطبري 3: 106، والكامل في التاريح 2: 279، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 109 / 11. (2) ذكر أبن الأثير في النهاية (4: 144): ان المشركين كانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي كبشة، وهو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان، وعبد الشعرى العبور، فلما خالفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عبادة الأوثان شبهوه به. (3) انظر: دلائل النبوة للاصفهاني 1: 37 0، ودلائل النبوة للبيهقي 2: 266، والوفا بأحوال المصطفى 1: 273، وصفة الصفوة 1: 9 1، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 17: 357 / 13. (4) صحيح البخاري 6: 178. (5) انظر: الخرائج والجرائح 1: 32 / 3 0، والثاقب في المناقب: 6 2 / 34 و 64 / 41، ودلائل النبوة للاصبهاني 2: 621 / 416، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 8 / 9. (*)

[ 85 ]

فقال صلى الله عليه واله وسلم: (لو كنت قابلا هدية من مشرك لقبلتها). قال: فإنه يستشفيك من علة أصابته في بطنه. فأخذ بيده حثوة من الأرض فتفل عليها ثم أعطاه وقال: دفها بماء ثم اسقه إياه فأخذها متعجبا يرى أنه قد استهزأ به، فأتاه فشربه، وأطلق من مرضه كأنما أنشط من عقال (1). ومنها: شكوى البعير إليه عند رجوعه إلى المدينة من غزوة بني ثعلبة، فقال: (أتدرون ما يقول هذا البعير) ؟ قال جابر: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنه يخبر في أن صاحبه عمل عليه حتى إذا أكبره وأدبره (2) وأهزله أراد نحره وبيعه لحما، يا جابر إذهب معه إلى صاحبه فأتني به). قال: قلت: والله ما أعرف صاحبه. قال: (هو يدلك). قال: فخرجت معه حتى انتهيت إلى بني حنظلة أو بني واقف، قلت: أيكم صاحب هذا البعير ؟ قال بعضهم: أنا، قلت: أجب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. فجئت أنا وهو والبعير إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: بعيرك هذا يخبرني بكذا وكذا). قال: قد كان ذلك يا رسول الله. قال: (فبعنيه).


(1) انظر: الخرائج والجرائح 1: 33 / 32، ومناقب ابن شهر آشوب 1: 115، والمغازي للواقدي 1: 350، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 22 / 50. (2) الدبر (بالتحريك): الجرح الذي يكون في ظهر البعير، وقيل: هو أن يقرح خف البعير (النهايه 2: 97) (*)

[ 86 ]

قال: هولك. قال: (بل بعنيه) فاشتراه منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ضرب على صفحته فتركه يرعى في ضواحي المدينة، فكان الرجل منا إذا أراد الروحة والغدوة منحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال جابر: فرأيته وقد ذهبت دبرته ورجعت إليه نفسه (1). ومنها: أن أبا جهل عاهد الله أن يفضخ رأسه صلى الله عليه واله وسلم بحجر إذا سجد في صلاته، فلما قام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يصلي وسجد - وكان إذا صلى صلى بين الركنين: الأسود واليماني وجعل الكعبة بينه وبين الشام - احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منتقعا (2) لونه مرعوبا، قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده وقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم ؟ قال: عرض لي دونه فحل من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني (3). ومنها: أن أبا جهل اشترى من رجل طارئ بمكة إبلا فبخسه أثمانها ولواه بحقه، فأتى الرجل نادي قريش مستجيرا بهم وذكرهم حرمة البيت فأحالوه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم استهزاء به، فأتاه مستجيرا به،


(1) بصائر الدرجات: 37 0 / 11، الاختصاص: 299 بتفصيل، قصص الأنببا للرواندي: 288 / 35 6 نحوه. (2) انتقع لونه: أي ذهب دمه وتغيرت جلدة وجهه أما من خوف وأما من مرض. انظر لسان العرب 8: 363). (3) انظر: تفسير القمي 2: 212، وسيرة ابن هشام 1: 319، ودلائل النبوة للبيهقي 2: 190 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 24 0 / 86 (*)

[ 87 ]

فمضى معه ودق الباب على أبي جهل فعرفه فخرج منخوب (1) العقل فقال: أهلا بأبي القاسم. فقال له: (اعط هذا حقه). قال: نعم، وأعطاه من فوره. فقيل له في ذلك، فقال: إني رأيت ما لم تروا، رأيت والله على رأسه تنينا فاتحا فاه، والله لو أبيت لالتقمني (2). ومنها: ما روته أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت (تبت يدا أبي لهب) أقبلت العوراء ام جميل بنت حرب ولها ولولة وهي تقول: مذمما أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما راها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول الله: (انها لا تراني) وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال، وقرأ (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) (3) فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا أبا بكر اخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قريش تعلم أني بنت سيدها (4). ومنها: ما رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبالس: أن ناسا من


(1) المنخوب: الجبان الذي لا فؤاد له (الصحاح - نخب - 1: 223) (2) انظر: الخرائج والجرائح 1: 24 / 2، ومناقب ابن شهر آشوب 1: 130 وسيرة ابن هشام 2: 29، ودلائل النبوه للبيهقي 2: 193، والبداية والنهاية 3: 45، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 74 / 30 (3) الاسراء 17: 45 (4) دلائل النبوة للبيهقي 2: 195. (*)

[ 88 ]

بني مخزوم تواصوا بالنبي صلى الله عليه واله وسلم ليقتله منهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي صلى الله عليه واله وسلم قائم يصلي إذ أرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك فاتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته وذهبوا إلى الصوت، فإذا الصوت من خلفهم، فيذهبون إليه فيسمعونه أيضا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا، فذلك قوله سبحانه: (وجعلنا من بين أيديهبم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) (1) (2). ومنها: أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة الطائف في مسيره ليلا على راحلته بواد بقرب الطائف يقال له: نجب، ذو شجر كثير من سدر وطلح، فغشي وهو في وسن النوم سدرة في سواد الليل فانفرجت السدرة له بنصفين، فمر بين نصفيها وبقيت السدرة منفرجة على ساقين إلى زماننا هذا، وهي معروفة مشهور أمرها هناك وتسمى سدرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. أورده الشيخ أبو سعيد الواعظ في كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3). ولو عددنا جميع معجزاته وأعلامه صلوات الله عليه وآله التي دونها


(1) يس 36: 9. (2) دلائل النبوة للبيهقي 2: 1 97، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 72 / ذيل الحديث 26. (3) انظر: الخرائج والجرائح 1: 26 / 9، ومناقب ابن شهر آشوب 1: 1 34، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 17: 2 / 375: 375 / 32. (*)

[ 89 ]

المحدثون في كتبهم لطال الكتاب، فإن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأنبياء أعلاما، وقد ذكر بعض المصنفين: أن أعلامه تبلغ ألفا، فالأولى الاقتصار على الاختصار، وسنذكر بعض آياته وأعلامه ومعجزاته صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأتي من أخبار مبعثه إلى هجرته وغزواته وقدوم الوفود عليه إلى وقت وفاته على سبيل الإيجاز إن شاء الله تعالى. وأما اياته صلوات الله عليه وآله في إخباره بالغائبات والكوائن بعده فأكثر من أن تحصى وتعد: فمن ذلك: ما روي عنه في معنى قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (1) وهو ما رواه أبي بن كعب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بشر هذه الامة بالسناء والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الاخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب) (2). وروى بريدة الأسلمي: أنه صلى الله عليه واله وسلم قال: (ستبعث بعوث، فكن في بعث يأتي خراسان، ثم اسكن مدينة مرو فإنه بناها ذو القرنين ودعا لها بالبركة وقال: لا يصيب أهلها سوء) (3). وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان قوما من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس (4) الانوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان (5) المطرقة) (6).


(1) التوبة 9: 33، الصف 6 1: 9. (2) مسند أحمد 5: 134، دلائل النبوة للبيهقي 6: 3 1 6. (3) دلائل النبوة للاصبهاني 2: 700، دلائل النبوة للبيهقي 6: 33 2. (4) الفطس: انخفاض قصبة الانف وانفراشها (النهاية 3: 458). (5) المجان: الترس والترسة (لسان العرب 13: 400). (6) صحيح البخاري 4: 238، مستدرك الحاكم 4: 476، دلائل النبوة للبيهقي 6: 336، (*) =

[ 90 ]

وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فاتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعافية في الآخرة وأن ديننا قد طاب) (1). ومن ذلك: إخباره بما تحدث أمته بعده نحو قوله صلى الله عليه واله وسلم سلم: (لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض). رواه البخاري في الصحيح مرفوعا إلى ابن عمر (2). وقوله رواه أبو حازم عن سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (آنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم). قال أبو حازم: سمع النعمان بن أبي عياش وأنا احدث الناس بهذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلا يقول ؟ قلت: نعم. قال: فأنا أشهد على أبي سعيد الخدري يزيد فيه: (فأقول: إنهم أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي). ذكره البخاري في الصحيح (3). =


الأنوار في شمائل النبي المختار 1: 1 0 2 / 1 1 4، البداية والنهاية 6: 224. (1) صحيح مسلم 4: 1779 / 18، سنن أبي داود 4: 306 / 5025، دلائل النبوة للبيهقي 6: 337. (2) صحيح البخاري 8: 48، وكذا في في مسند أحمد 2: 85، دلائل النبوة للبيهقي 6: 361، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 122 / 36. (3) صحيح البخاري 9: 59، وكذا في. مسند أحمد 5: 333، ودلائل النبوة للبيهقي 6: 361، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 2 2 / 36. (*)

[ 91 ]

قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما أتمت على الحوأب (1) سمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعه، سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لنا: (أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب) ؟ فقال الزبير: لعل الله أن يصلح بك بين الناس (2). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم للزبير لما لقيه وعليا عليه السلام في سقيفة بني ساعدة فقال: (أتحبه ياز بير) ؟ قال: وما يمنعني ؟ قال: (فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له) (3). وعن أبي جروة المازني قال: سمعت عليا عليه السلام يقول للزبير: (نشدتك الله أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنك تقاتلني وأنت ظالم) ؟ قال: بلى ولكني نسيت (4). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر: (تقتلك الفئة الباغية). أخرجه مسلم في الصحيح (5). وعن أبي البختري: أن عمارا أتي بشربة من لبن فضحك فقيل له: ما يضحكك ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرني وقال هو


(1) الحوأب: منزل بين البصره ومكه (معجم البلدان 2: 314) (2) مسند أحمد 6: 97، دلائل النبوة للبيهقي 6: 4 1 0، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 123 / 36 (3) دلائل النبوة للبيهقي 6: 4 1 4، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 123 / 36. (4) دلائل النبوه للبيهقي 6: 4 1 5، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 123 / 36. (5) صحيح مسلم 4: 2 236 / 72، وكذا في: مسند أحمد 2: 1 6 1، سنن الترمذي 5: 6 69 / 38 0 0، دلائل النبوة للبيهقي 6: 420، الوفا بأحوال المصطفى 1: 3 08، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 23 / 36. (*)

[ 92 ]

آخر شراب أشربه حين أموت (1). وقوله صلى الله عليه واله وسلم في الخوارج: (ستكون في امتي فرقة يحسنون القول ويسيئون الفعل، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شئ، يقرؤون القران لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون إليه حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلوه، طوبى لمن قتلهم، ومن قتلهم كان أولى بالله منهم). قالوا: يا رسول الله فما سيماهم ؟ قال: (التحليق). رواه أنس بن مالك عنه صلى الله عليه وآله وسلم (2). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين علي عليه السلام: (الامة ستغدر بك بعدي) (3). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين) (4). ومن ذلك: إخباره بقتل معاوية حجرا وأصحابه فيما رواه ابن وهب عن


(1) مسند أحمد 4: 3 1 9، مستدرك الحاكم 3: 389، دلائل النبوه للبيهقي 6: 421، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 23 / 36. (2) سنن أبي داود 4: 243 / 4765، دلائل النبوة للبيهقي 6: 430، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 124 / 36. (3) دلائل النبوة للبيهقي 6: 4 4 0، تاريخ بغداد 1 1: 1 6 / 5928 تاربخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 3: 1 1 6 / 1 1 57، تذكرة الحفاظ 3: 99 5، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 1 2 4 / 36. (4) الخرائج والجرائح 1: 1 23 / 2 0 1، مناقب الخوارزمي 75 / 2 1 2 و 1 90 / 2 25 و 226، تاربخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي عليه السلام - 3: 16 1 / 1 2 0 1 و 1 62 / 1 2 0 2، فرائد السمطين 1: 282 / 232 و 331 / 257، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 124 / 36 (*)

[ 93 ]

أبي لهيعة عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء (1)، حجر أو أصحابه ؟ فقال: يا ام المؤمنين إني رأيت قتلهم صلاحا للامة وبقاءمم فسادا للامة. فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء) (2). وروى ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (يا أهل العراق سيقتل سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الاخدود) فقتل حجر بن عدي وأصحابه (3). ومن ذلك: إخباره بقتل الحسين بن علي عليهما السلام، روى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن ام سلمة: أن رسول الله اضطجع ذات يوم للنوم فاستيقظ وهو خاثر (4)، ثم اضطجع فرقد، ثم استيقظ وهو خاثر دون ما رأيت منه في المرة الاولى، ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبلها فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله ؟ قال: (أخبرني جبرئيل فقال: ان هذا يقتل بأرض العراق - للحسين عليه السلام - فقلت: يا جبرئيل أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه


(1) عذراء (بالفتح ثم السكون والمد) وهو في الأصل: الرملة التي لم توطأ، والدرة العذراء التي لم تثقب. وير قرية بغوطة دمشق من اقليم خولان. واليها ينسب مرج (انظر: معجم البلدان 4: 91). (2) دلائل النبوة للبيهقي 6: 4 57، البداية والنهاية 6: 226، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 2 4 / 36. (3) دلائل النبوة للبيهقي 6: 4 56، البداية والنهاية 6: 225، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 2 4 / 36. (4) الخاثر: أي ثقيذ النفس غير طيبها. (انظر: لسان العرب 4: 23 0) (*)

[ 94 ]

تربتها) (1). وعن أنس بن مالك قال: استأذن ملك المطر أن يأتي رسول الله فاذن له، فقال لام سلمة: (احفظي علينا الباب لا يدخل أحد) فجاء الحسين بن علي عليهما السلام فوثب حتى دخل فجعل يقع على منكب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال الملك: (أتحبه) ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم). قال: (امتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه). قال: فضرب يده فأراه ترابا احمرا، فأخذته ام سلمة فصرته في في طرف ثوبها، فكنا نسمع أن يقتل بكربلاء (2). ومن ذلك: إخباره بمصارع أهل بيته عليهم السلام، روى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن سيد العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، عن أبيه، عن جده قال: (زارنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فعملنا له حريرة، وأهدت إليه ام أيمن قعبا من زبد وصحفة من تمر، فاكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكلنا معه، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح رأسه ووجهه بيده واستقبل القبلة فدعا الله ما شاء ثم أكب إلى الأرض بدموع غزيرة مثل المطر، فهبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسأله، فوثب الحسين فاكب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أبه، رأيتك تصنع ما لم تصنع مثله قط ؟


(1) مستدرك الحاكم 4: 398، دلائل النبوة للبيهقي 6: 468، البداية والنهاية 6: 23 0، سير أعلام النبلاء 3: 289، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 2 4 / 36. (2) مسند أحمد 3: 242، دلائل النبوة للاصبهاني 2: 70 9، دلائل النبوة للبيهقي 6: 4 69. البداية والنهاية 6: 2 29، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 2 4 / 36 (*)

[ 95 ]

قال: يا بني سررت بكم اليوم سرورا لم أسر بكم مثله، وإن حبيبي جبرئيل أتاني فأخبرني أنكم قتلى وأن مصارعكم شتى، فأحزنني ذلك، فدعوت الله لكم بالخيرة. فقال الحسين عليه السلام: فمن يزورنا على تشتتنا وتبعد قبورنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من امتي يريدون به بري وصلتي، إذا كان يوم القيامة زرتها بالموقف وأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده). (1) ومن ذلك: إخباره بقتلى أهل الحرة (2) فكان كما أخبر، روي عن أيوب ابن بشير، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر من أسفاره فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما الذي رأيت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما إن ذلك ليس من سفركم). قالوا: فما هو يا رسول الله ؟ قال: (يقتل بهذه الحرة خيار امتي


(1) انظر: كامل الزيارات: 58 / 7، امالي الطوسي 2: 28 1، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 125 / 36. (2) إشارة إلى وقعة الحرة الشهيرة التي جرت بأوامر من يزيد بن معاوية لعنه الله، حيث أرسل إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احد قواد جيشه وهو مسلم بن عقبة - المعروف بفجوره وفساده، وعدائه للاسلام وأهله - للتنكيل بأهلها بعد رفضهم اعطاء البيعة ليزيد لمعرفتهم بمن هو يزيد وما هي حاله، فأمره باستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي قال عنها صلى الله عليه واله وسلم: (من أخاف المدينة أخافه الله عز وجل، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف)، بل وأن يأخذ أهلها خول وعبيد، إن شاء يزيد أطلق وإن شاء استرق ! ! نعم، وكان من نتيجة ذلك ان وقعت أمور تثيب لها الصبيان، وتقشعر لهولها الجلود، (*) =

[ 96 ]

بعد أصحابي) (1). قال أنس بن مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن فيهم ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم. وكان الحسن يقول: لما كان يوم الحرة قتل أهل المدينة حتى كاد لا ينفلت أحد، وكان فيمن قتل ابنا زينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما ابنان من زمعة بن عبد الأسود، وكان وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين (2). ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في ابن عباس: (لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علما) (3) فكان كما قال. =


وترتجف لها السموات والأرضون، حيث إن هذا المجرم أمر جنوده باستباحة المدينة ثلاثة أيام، فنهب ما نهب، وقتل من قتل، واغتصبت المئات من نساء المهاجرين والأنصار، وحيث روت المصادر المختلفة أن ألف عذراء افتضت في هذه الواقعة، وقتل من المهاجرين والأنصار وابنائهم وغيرهم من المسلمين أكثر من عشرة آلاف رجل، حتى قيل لم يبق بعد ذلك بدري، هذا عدا النساء والأطفال. بل ومن ثم فإن مسلم بن عقبة لعنه الله وأخزاه أمر المسلمين المغلوبين على أمرهم بالبيعة ليزيد على أنهم عبيد له، وأرسل برؤوس أهل المدينة الذين قتلوا إلى يزيد لتشفى منظرهم نفسه النتنة كما تشفت برأس السبط الشهيد الامام الحسين بن علي عليه السلام. أنظر: تاريخ الطبري 5: 482، الكامل في التاريخ 4: 111، تاريخ الاسلام حوادث سنة ثلاث وستين: 23، مروج الذهب 3: 268، البداية والنهاية 8: 2 1 7، العقد الفريد 5: 1 36، وفيات الأعيان 6: 27 4 (ترجمة يزيد بن القعقاع القارئ). (1) دلائل النبوة للبيهقي 6: 4 73، البداية والنهاية 6: 233، ونقله المجلسي بحار الأنوار 18: 125 / 36. (2) دلائل النبوة للبيهقي 6: 47 4، البداية والنهاية 6: 23 4، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 125 / 36. (3) دلائل النبوة للبيهقي 6: 478، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 126 / 36. (*)

[ 97 ]

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في زيد بن أرقم وقد عاده من مرض كان به: (ليس عليك من مرضك بأس، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت) ؟ قال: إذا أحتسب وأصبر. قال: (إذا تدخل الجنة بغير حساب) (1). ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الوليد بن يزيد، رواه الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: ولد لأخي أم سلمة من أمها غلام فسموه الوليد فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تسمون بأسماء فراعنتكم، غيروا اسمه، فسموه عبد الله، فإنه سيكون في هذه الامة رجل يقال له: الوليد هو شر لامتي من فرعون لقومه). قال: فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد (2). ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في بني أبي العاص وبني امية، روى أبو سعيد الخدري عنه أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا). وفي رواية أبي هريرة: (أربعين رجلا) (3). ابن موهب قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فدخل عليه مروان


(1) دلائل النبوه للبيهقي 6: 4 79، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 26 / 36. (2) دلائل النبوة للبيهقي 6: 5 0 5، البداية والنهاية 6: 24 1، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 2 6 / 36. (3) دلائل النبوة للبيهقي 6: 5 0 7، الداية والنهاية 6: 24 2، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 2 6 / 36. (*)

[ 98 ]

يكلمه في حاجته فقال: اقض حاجتي فوالله إن مؤونتي لعظيمة وإني أبو عشرة وعم عشرة وأخو عشرة. فلما أدبر مروان وابن عباس جالس معه على السرير فقال معاوية: اشهد بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله قال: (إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة) ؟ فقال ابن عباس: اللهم نعم. وترك مروان حاجة له، فرد عبد الملك إلى معاوية فكلمه، فلما أدبر عبد الملك قال: أنشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر هذا فقال: (أبو الجبابرة الأربعة) ؟ قال ابن عباس: اللهم نعم (1). يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يا مسود وجه المؤمنين. فقال الحسن: (لا تؤنبني رحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك، فنزلت (انا أعطيناك الكوثر) الكوثر نهر قي الجنة، ونزلت (انا انزلناه في ليلة القدر وما ادراك ما ليلة القدر في * ليلة القدر خير من الف شهر) يعني ألف شهر تملكه بنو أمية) فحسبنا ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص (2).


(1) دلائل النبوة للبيهقي 6: 508، البداية والنهاية 6: 242، و نقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 1 2 6 / 36. (2) في الترمذي 5: 4 4 4 / 335 0، مستدرك الحاكم 3: 1 7 0، دلائل النبوة للبيهقي 6: 509، البداية والنهاية 6: 243، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 127 / 36. (*)

[ 99 ]

والروايات في هذا الفن من الآيات كثيرة لا يتسع لذكر جميعها هذا الكتاب، وفي ما أوردناه كفاية لذوي الألباب.

[ 101 ]

(الباب الثالث) في ذكر مختصر من أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لدن مبعثه إلى وقت هجرته إلى المدينة، ثم إلى أن امر صلى الله عليه واله وسلم بالقتال، وبعض ما ظهر من الآيات والمعجزات في أثناء هذه الأحوال. وفيه ثمانية فصول:

[ 102 ]

(الفصل الأول) في ذكر مبدأ المبعث ذكر علي بن إبراهيم بن هاشم - وهو من أجل رواة أصحابنا - في كتابه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتيا أتاه فيقول: يا رسول الله، فينكر ذلك، فلما طال عليه الأمر وكان بين الجبال يرعى غنما لأبي طالب فنظر إلى شخص يقول له: (يا رسول الله). فقال له: (من أنت) ؟ قال: (جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتخذك رسولا). فأخبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خديجة بذلك، وكانت خديجة قد انتهى إليها خبر اليهودي وخبر بحيراء وما حدثت به آمنة امه، فقالت: يا محمد إني لأرجو أن تكون كذلك. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكتم ذلك فنزل عليه جبرئيل عليه السلام وأنزل عليه ماء من السماء فقال: (يا محمد قم توضأ للصلاة) فعلمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين وعلمه السجود والركوع. فلما تم له صلى الله عليه وآله وسلم أربعون سنه أمره بالصلاة وعلمه حدودها، ولم ينزل عليه أوقاتها، فكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يصلى ركعتين ركعتين في كل وقت. وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يألفه ويكون معه في مجيئه وذهابه لا يفارقه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يصلي،

[ 103 ]

فلما نظر إليه يصلي قال: (يا أبا القاسم ما هذا) ؟ قال: (هذه الصلاة التي أمرني الله بها). فدعاه إلى الاسلام، فأسلم وصلى معه، وأسلمت خديجة، فكان لا يصلي إلا رسول الله، وعلي وخديجة عليهم السلام خلفه. فلما أتى لذلك أيام دخل أبو طالب إلى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جعفر، فنظر إلى رسول الله وعلي عليهما السلام بجنبه يصليان، فقال لجعفر: يا جعفر صل جناح ابن عمك، فوقف جعفر بن أبي طالب عليه السلام من الجانب الاخر، فلما وقف جعفر على يساره بدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بينهما وتقدم، وأنشأ أبو طالب في ذلك يقول: إن عليا وجعفرا ثقتي عند ملم الزمان والكرب والله لا أخذل النبي ولا يخذله من بني ذوحسب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما أخي لامي من بينهم وأبي قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتجر لخديجة قبل أن يزوج بها وكان أجيرا لها، فبعثته في عير لقريش إلى الشام مع غلام لها يقال له: ميسرة، فنزلوا تحت صومعة راهب من الرهبان، فنزل الراهب من الصومعة ونظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من هذا ؟ قالوا: هذا ابن عبد المطلب. قال: لا ينبغي أن يكون أبوه حيا، ونظر إلى عينيه وبين كتفيه فقال: هذا نبي الامة، هذا نبي السيف. فرجع ميسرة إلى خديجة فأخبرها بذلك، وكان هذا هو الذي أرغب خديجة في تزويجها نفسها منه، وربحت في تلك السفرة ألف دينار. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض أسواق العرب فرأى زيدا ووجده غالاما كيسا فاشتراه لخديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى

[ 104 ]

الله عليه وآله وسلم وهبته منه، فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلم علي أسلم زيد بعده، فكان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي وجعفر وزيد وخديجة (1). وذكر الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو محمد بن أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدثنا يوسف بن موسى المروروذي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا يوسف بن أبي ثور، عن السدي عن عباد بن عبد الله، عن علي عليه السلام قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بمكة فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال له: السلام عليك يا رسول الله) (2). وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد ابن نصير، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يونس بن عنبسة، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، عن السدي، عن عباد قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (لقد رأيتني أدخل معه - يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم - الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وأنا أسمعه) (3).


(1) قصص الأنبياء للراوندي: 317 / 395، وقطعة منه في: مناقب ابن شهر آشوب 1: 44، تاريخ الطبري 2: 280. (2) دلائل النبوة للبيهقي 2: 1 53، وانظر: الخرائج والجرائح 1: 46 / 59، سنن الدارمي 1: 12، سنن الترمذي 5: 593 / 3626، مستدرك الحاكم 2: 620، السيرة النبوية لابن كثير 1: 411، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 7: 387 / 5 5. (3) دلائل النبوة للبيهقي 2: 154، وكذا في: السيرة النبوية لابن كثير 1: 411، البداية والنهاية 3: 1 6، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 17: 388 / ذيل حديث 5 5. (*)

[ 105 ]

وأخبرنا الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن أبي إسحاق، حدثنا يحيى ابن أبي الأشعث الكندي، حدثني إسماعيل بن أياس بن عفيف، عن ابيه، عن جده عفيف أ نه قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا، فأتيته أبتاع منه وأبيعه، قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء يصلي فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي، وخرج غلام يصلي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو ؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد امنت به، وهذا الغالام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به. قال عفيف: فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانيا (1). تابعه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، وقال في الحديث: أذ خرج من خباء قريب فنظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلي. ثم ذكر قيام خديجة خلفه (2). وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل بإسناد ذكره، عن مجاهد بن جبر قال: كان مما أنعم الله على علي بن أ بي طالب عليه السلام وأراد به من الخير أن قريشا أصابتهم م زمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله


(1) دلائل النبوة للبيهقي 2: 1 62، وكذا في تاريخ الطبري 2: 31 1، مستدرك الحاكم 3: 183، ووافقه الذهبي في ذيل المستدرك، ذخائر العقبى: 59، السيرة النبوية لابن كثير 1: 4 29، البداية والنهاية 3: 25، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 207 / 37. (2) دلائل النبوة للبيهقي 2: 163، وكذا قي: السيرة النبوية لابن كثير 1: 429، البداية والنهاية 3: 25، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 20 8 / 37. (*)

[ 106 ]

للعباس عمه - وكان من أيسر بني هاشم -: (يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله). فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي وامن به وصدقه (1). قال علي بن إبراهيم: فلما أتى لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد ذلك ثلاث سنين أنزل الله عليه (فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين) (2) فخرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقام على الحجر فقال: (يا معشر قريش ويا معشر العرب، أدعوكم إلى عبادة الله تعالى وخلع الأنداد والأصنام، وأدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فأجيبوني تملكوا بها العرب وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكا في الجنة). فاستهزؤوا منه وضحكوا وقالوا: جن محمد بن عبد الله، وآذوه بألسنتهم، فقال له أبو طالب: يابن أخي ما هذا ؟ قال: (يا عم هذا دين الله الذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه ودين إبراهيم والأنبياء من بعده، بعثني الله رسولا إلى الناس). فقال: يا ابن أخي إن قومك لا يقبلون هذا منك، فاكفف عنهم ؟ فقال: (لا أفعل، فإن الله قد أمرني بالدعاء). فكف عنه أبو طالب. وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء في كل وقت


(1) دلائل النبوة للبيهقي 2: 162، وكذا في: سيرة ابن هشام 1: 263، تاريخ الطبري 2. 313، مستدرك الحاكم 3: 567، السيرة النبوية لابن كثير 1: 4 29، البداية والنهاية 3: 25، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 2 0 8 / ذيل الحديث 37. (2) الحجر 15: 94. (*)

[ 107 ]

يدعوهم ويحذرهم، فكان من سمع من خبره ما سمع من أهل الكتب يسلمون، فلما رأت قريش من يدخل في الإسلام جزعوا من ذلك ومشوا إلى أبي طالب وقالوا: اكفف عنا ابن أخيك فإنه قد سفه أحلامنا، وسب الهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا. فدعاه أبو طالب فقال: يا ابن أخي إن القوم قد أتوني يسألونك أن تكف عن آلهتهم. قال: (يا عم لا أستطيع ذلك، ولا أستطيع أن أخالف أمر ربي). فكان يدعوهم ويحذرهم العذاب، فاجتمعت قريش إليه فقالوا: إلى ما تدعويا محمد ؟ قال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد كلها). قالوا: ندع ثلاثمائة وستين إلها ونعبد إلها واحدا ؟ ! فحكى الله سبحانه قولهم (وعجبوا ان جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * اجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشئ عجاب) - إلى قوله: - (بل لما يذوقوا عذ اب) (1) ثم اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن كان ابن أخيك يحمله على هذا الفعل العدم جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا. فدعاه أبو طالب وعرض ذلك عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عم ما لي حاجة في المال، فأجيبوني تكونوا ملوكا في الدنيا وملوكا في الآخرة وتدين لكم العرب والعجم). فتفرقوا، ثم جاءوا إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب أنت سيد من سادتنا وابن أخيك قد سفه أحلامنا وسب الهتنا وفرق جماعتنا، فهلم ندفع


(1) سورة ص 38: 4 - 8. (*)

[ 108 ]

إليك أبهى فتى في قريش وأجملهم وأحسنهم وجها وأشبهم شبابا وأشرفهم شرفا عمارة بن الوليد، يكون لك ابنا وتدفع إلينا محمدا لنقتله. فقال: ما أنصفتموني، تسألوني أن أدفع إليكم ابني لتقتلوه وتدفعون إلي ابنكم لاربيه ! فلما ايسوا منه كفوا (1). وفي كتاب دلائل النبوة: حدثنا الحافظ بإسناد ذكره، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: قال طلحة بن عبيد الله: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم. قال طلحة: قلت: نعم أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد ؟ قال: قلت: ومن أحمد ؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو اخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت: هل كان من حدث ؟ قالوا: نعم محمد بن عبد الله الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة. قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فقلت ؟ اتبعت هذا الرجل ؟ قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق. فاخبره طلحة بما قال الراهب، فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاسلم طلحة وأخبر رسول الله صلى الله


(1) انظر: تفسير القمي 1: 378 - 38 0، قصص الأنبياء للراوندي: 3 1 8 / 396، مناقب ابن شهر آشوب 1: 57، تاريخ الطبري 2: 32 2. (*)

[ 109 ]

عليه واله وسلم بما قال الراهب فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نوفل بن خويلد يدعى أسد قريش (1)


(1) دلائل النبوة للبيهقي 2: 166 - 167، وكذا في: مستدرك الحاكم 3: 369، والبداية وا لنهاية 3: 29. (*)

[ 110 ]

(الفصل الثاني) في ذكر اعتراف مشركي قريش بما في القرآن من الإعجاز وأنه لا يشبه شيئا من لغاتهم مع كونهم من أرباب اللغة والبيان وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا يكف عن عيب آلهة المشركين ويقرأ عليهم القرآن فيقولون: هذا شعر محمد، ويقول بعض: بل هو كهانة، ويقول بعضهم: بل هو خطب. وكان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا، وكان من حكام العرب يتحاكمون إليه في الأمور وينشدونه الأشعار، فما اختاره من الشعر كان مختارا، وكان له بنون لا يبرحون مكة، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها، وملك القنطار في ذلك الزمان، والقنطار جلد ثور ملوء ذهبا، وكان من المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان عم أبي جهل بن هشام، فقالوا له: يا عبد شمس ما هذ ا الذي يقول محمد أسحرأم كهانة أم خطب ؟ فقال: دعوني أسمع كلامه. فدنا من رسول الله وهو جالس في الحجر فقال: يا محمد أنشدني من شعرك. فقال: (ما هو شعر ولكنه كلام الله الذي بعث أنبياءه ورسله). فقال: اتل علي منه. فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (بسم الله الرحمن الرحيم) فلما سمع الرحمن استهزأ فقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى

[ 111 ]

الرحمن ؟ قال: (لا ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم). ثم افتتح (حم السجدة) فلما بلغ إلى قوله: (فان اعرضوا فقل انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) (1) وسمعه اقشعر جلده وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته، ثم قام ومض إلى بيته ولم يرجع إلى قريش، فقالت قريش: يا ابا الحكم صبا أبو عبد شمس إلى دين محمد، أما تراه لم يرجع إلينا وقد قبل قوله ومضى إلى منزله، فاغتمت قريش من ذلك غما شديدا وغدا عليه أبو جهل فقال: يا عم نكست برؤوسنا وفضحتنا. قال: وما ذلك يابن أخي ؟ قال: صبوت إلى دين محمد. قال: ما صبوت وإني على دين قومي وابائي ولكني سمعت كلاما صبعا تقشعر منه الجلود. قال أبو جهل: أشعر هو ؟ قال: ما هو بشعر. قال: فخطب هي ؟ قال: لا إن الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور، لا يشبه بعضه بعضا، له طلاوة (2). قال: فكهانة هو ؟ ! فكأنه هي. قال: لا. قال: فما هو ؟ قال: دعني افكبر فيه.


(1) فصلت 41: 13. (2) الطلاوة: الرونق والحسن. (النهاية 3: 137). (*)

[ 112 ]

فلما كان من الغد، قالوا: يا عبد شمس ما تقول ؟ قال: قولوا: هو سحر فإنه أخذ بقلوب الناس، فأنزل الله تعالى فيه: (ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا) إلى قوله (عليها تسعة عشر) (1) (2). وفي حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: اقرأ علي، فقرأ عليه (إن الله يامر بالعدل والأحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (3). فقا ل: أعد، فأعاد. فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر (4).


(1) المدثر 74: 11 - 30. (2) انظر: تفسير القمي 2: 393، قصص الأنبياء للراوندي: 3 1 9 / 39 7، مناقب ابن شهر آشوب 1: 52. (3) النحل 16: 90. (4) قصص الأنبياء للراوندي: 320 / 39 8، مناقب ابن شهر آشوب 1: 53، دلائل النبوة للبيهقي 2: 198 وفيه باختلاف يسير، وبتفصيل في أسباب النزول للواحدي: 250 (*)

[ 113 ]

(الفصل الثالث) في ذكر كفاية الله المستهزئين وما ظهر فيها من الآيات قال: وكان المستهزئون برسول الله خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب وهو أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث من بني زهرة ؟ والحارث بن الطلاطلة الخزاعي، قال: فمر الوليد بن المغيرة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جبرئيل عليه السلام فقال: (يا محمد هذا الوليد بن المغيرة وهو من المستهزئين). فقال: (نعم). وكان مر برجل من خزاعة على باب المسجد وهو يرريش نبالا له فوطأ على بعضها فأصاب أسفل عقبه قطعة من ذلك فدميت، فلما مر جبرئيل أشار جبرئيل إلى ذلك الموضع، فرجع إلى منزله ونام على سريره، وكانت ابنته نائمة أسفل منه فانفجر ذلك الموضع الذي أشار إليه جبرئيل أسفل عقبه، فسال الدم حتى صار على فراش ابنته فصاحت ابنته وقالت: يا جارية انحل وكاء القربة. فقال لها الوليد: يا بنية ما هذا ماء القربة ولكنه دم أبيك، فاجمعي لي ولدي وولد أخي فإني ميت، فلما حضروا أوصاهم بوصيته وفاظت نفسه. ومر الأسود بن المطلب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأشار جبرئيل عليه السلام إلى بصره فعمي، ثم مات بعد ذلك. ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار جبرئيل إلى بطنه فاستسقى فانتفخ حتى انشق بطنه.

[ 114 ]

ومر به العاص بن الوائل، فأشار جبرئيل إلى رجله فدخلت جذلة (1) في أخمص قدميه وخرجت من ظاهر قدمه، فورمت رجله فمات. ومر به (ابن) الطلاطلة، فتفل جبرئيل في وجهه فخرج إلى جبال تهامة فأصابه السمائم فاحترق واسود، فرجع إلى منزله فلم يدعوه أن يدخل وقالوا: لست بصاحبنا، فخرج من منزله فأصابه العطش فما زال يستسقي حتى انشق بطنه وهو قول الله تعالى: (انا كفيناك المستهزئين) (2) (3).


(1) الجذل: أصل الشجرة إذا قطع رأسها، وقد يسمى العود جذلا أيضا. انظر (العين 6: 94، النهاية 1: 251). (2) الحجر 15: 95. (3) انظر: تفسير القمي 1: 378، الاحتجاج 1: 2 1 6، تفسير الطبري 1 4: 48 - 4 9، التفسير العظيم 2: 58 0، الكشاف 2: 39 9، البحر المحيط 5: 470، دلائل النبوه للبيهقي 2: 316. (*)

[ 115 ]

(الفصل الرابع) في ذكر الهجرة إلى الحبشة وتصديق النجاشي له ومن تبعه عليه السلام لما اشتدت قريش في أذى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرجوا إلى الحبشة، وأمر جعفر أن يخرج بهم، فخرج جعفر وخرج معه سبعون رجلا حتى ركبوا البحر، فلما بلغ قريشا خروجهم بعثوا عمرو بن العاص السهمي وعمارة بن الوليد إلى النجاشي أن يردهم إليهم، وأن يعلماه أنهم مخالفون لهم، فخرج عمارة وكان شابا حسن الوجه مترفا، وأخرج عمرو بن العاص أهله، فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبلني. فقال: سبحان الله أيجوز هذا ؟ ! فتركه حتى انتشى، وكان على صدر السفينة فدفعه عمارة وألقاه في البحر، فتشبث عمرو بصدر السفينة وأدركوه فأخرجوه، فلما أن رأى عمرو ما فعل به عمارة قال لأهله: قبليه ! ! فوردوا على النجاشي فدخلوا عليه - وقد كانوا حملوا إليه هدايا - فقال عمرو: أيها الملك إن قوما منا خالفونا في ديننا وصاروا إليك فردهم إلينا. فبعث النجاشي إلى جعفر فأحضره فقاك: يا جعفر إن هؤلاء يسألونني أن أردكم إليهم. فقال: أيها الملك سلهم أنحن عبيد لهم ؟ قال عمرو: لا، بل أحرار كرام. قال: فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟ قال: لا، ما لنا عليهم ديون.

[ 116 ]

قال: فلهم في أعناقنا دماء يطالبوننا بذحولها (1) قال عمرو بن العاص: لا، ما لنا في أعناقهم دماء ولا نطالبهم بذحول. قال: فما تريدون منا ؟ قال عمرو: خالفونا في ديننا ودين آبائنا، وسبوا آلهتنا، وأفسدوا شباننا، وفرقوا جماعتنا، فردهم إلينا ليجتمع أمرنا. فقال جعفر: أيها الملك خالفناهم لنبي بعثه الله فينا، أمرنا بخلع الأنداد، وترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة، وحرم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حلها، والزنا والربا والميتة والدم، وأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى بن مريم، ثم قال النجاشي: يا جعفر أتخفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا. قال: نعم. قال: اقرأ. فقرأ عليه سورة مريم عليها السلام فلما بلغ إلى قوله: (وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي وقري عينا) (2) بكى النجاشي وقال: إن هذا هو الحق. فقال عمرو: أيها الملك إن هذا ترك ديننا فرده علينا حتى نرده إلى بلادنا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجهه، ثم قال: لئن ذكرته بسوء


(1) الذحول: جمع ذحل، وهو الحقد والعداوة، يقال: طلب بذحله، أي بثأره (الصحاح - ذحل - 4: 1701،. (2) مريم 19: 2 5 و 26. (*)

[ 117 ]

لأقتلنك. فقال عمرو - والدماء تسيل على ثيابه -: أيها الملك إن كان هذا كما تقول فإنا لا نعرض له، فخرج من عنده. وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلا، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة: لو راسلت جارية الملك، فراسلها عمارة فأجابته فقال لعمرو بن العاص: قد أجابتني. قال: قل لها: تحمل إليك من طيب الملك شيئا، فقال لها، فحملته إليه فاخذه عمرو بن العاص وكان الذي فعل به عمارة - حيث ألقاه في البحر - في قلبه، فادخل الطيب على النجاشي فقال: أيها الملك إن من حرمة الملك وحقه علينا وإكرامه إيانا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه أن لا نغشه، وإن صاحبي هذا الذي معي قد راسل حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك، فعرض عليه طيبه، فغضب النجاشي لذلك غضبا شديدا، وهم أن يقتل عمارة ثم قال: لا يجوز قتله لانهم دخلوا بلادي بأمان، فدعا السحرة وقال: أعملوا به شيئا يكون عليه أشد من القتل. فأخذوه ونفخوا في إحليله شيئا من الزئبق فصار مع الوحش، فكان يغدو معهم ولا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك في طلبه، فكمنوا له في موضع فورد الماء مع الوحش فقبضوا عليه، فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتى مات، فرجع عمرو إلى قريش فأخبرهم خبره وأنه بقي جعفر بأرض الحبشة في أكرم كرامة، فما زال بها حتى بلغه أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد هادن قريشا وقد وقع بينهم صلح، فقدم بجمع من معه ووافى رسولي الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد فتح خيبر. وولد لجعفر من أسماء بنت عميس بالحبشة عبد الله بن جعفر، وولد

[ 118 ]

للنجاشي ابن فسماه محمدا أو سقته أسماء من لبنها (1). وقال أبو طالب - يحض النجاشي على نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه -: تعلم مليك الحبش أن محمدا نبي كموسى والمسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به وكل بأمر إلله يهدي ويعصم وإنكم تتلونه في كتابكم بصدق حديث لا حديث الترجم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا فإن طريق الحق ليس بمظلم (2) وفيما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن محمد بن إسحاق قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن امية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إنى النجاشي الأصحم ملك الحبشة. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبه الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحد ه لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول لله، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فأقرهم ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من


(1) قصص الأنبياء للراوندي: 322 / 322، وانظر: تاريخ اليعقوبي 2: 29، دلائل النبوة للبيهقي 2: 293، البداية والنهاية 3: 6 9. (2) قصص الأنبياء للراوندي: 3 23 / 3 23، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 4 1 8 / 4. (*)

[ 119 ]

اتبع الهدى). فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبحر. سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، وقد بلغني كتابك، يا رسول الله فيما ذكت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله اريحا بن الأصحم بن أبحر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن اتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول، حق. ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهدايا، وبعث إليه بمارية القبطية، ام إبراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب كثير وفرس، وبعث إليه ثلاثين رجلا من القسيسين لينظروا إلى كلامه ومقعده ومشربه، فوافوا المدينة ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام فآمنوا ورجعوا الى النجاشي (1). وفي حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى على أصحمة النجاشي (2).


(1) انطر قصص الأنبياء للراوندي: 323 / 4 0 4، ودلائل النبوة للبيهقي 2: 3 0 8.، والبداية والنهاية 3: 83، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 4 1 8 / 5 (3) نقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 420 / 6. (*)

[ 120 ]

(الفصل الخامس) في ذكر ما لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أذى المشركين، وإسلام حمزة بن عبد المطلب قال: وجدت قريش في أذى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وكان أشد الناس عليه عمه أبو لهب، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم جالسا في الحجر فبعثوا إلى سلى (1) الشاة فألقوه على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاغتم رسول الله من ذلك فجاء إلى أبي طالب، فقال: يا عم كيف حسبي فيكم ؟ قال: وما ذاك يا ابن أخ ؟ قال: إن قريشا ألقوا علي سلى. فقال لحمزة: خذ السيف، وكانت قريش جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب عليه السلام ومعه. السيف وحمزة ومعه السيف، فقال: أمر السلى على سبالهم فمن أبى فاضرب عنقه، فما تحرك أحد حتى أمر السلى على سبالهم، ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يابن أخ هذا حسبك فينا (2). وفي كتاب دلائل النبوة: عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله


(1) السلى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه. وقيل: هو في الماشية السلى، وفي الناس المشيمة. (العين 2: 39 6). (2) انظر: قصص الأنبياء للراوندي 320 / 399، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18 209 / 3 8. (*)

[ 121 ]

عليه وآله وسلم ساجد وحوله ناس من قريش، وثم سلى بعير فقالوا: من يأخذ سلى هذا الجزور أو إلبعير فيقذفه على ظهره ؟ فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه واله وسلم، وجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره ! ؟ ودعت على من صنع ذلك. قال عبد الله: فما رأيت رسول الله دعا عليهم إلا يومئذ فقال: (اللهم عليك الملأ من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف - أو ابي بن خلف -) شك شعبة. قال: عبد الله ولقد رأيتهم قتلوا يوم بدر والقوا في القليب - أو قال: في بئر - غير أن امية بن خلف - أو أبي بن خلف - كان رجلا بادنا فتقطع قبل ان يبلغ به البئر (1). أخرجه البخاري في الصحيح (2). قال: وأخبرنا الحافظ: أخبرنا أبو بكر الفقيه، أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا بيان بن بشر، وإسماعيل بن أبي خالد قالا: سمعنا قيسا يقول: سمعنا خبابا يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد برده في ظل، الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة شديدة فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا ؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: (إن كان من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه،


(1) دلائل النبوة للبيفقي 2: 278، وكذا في: قصص الأنبياء للراوندي: 32 1 / 4 0 0، صحيح مسلم 3: 1 4 1 9 / 1 0 8، السيره النبوية لا بن كثير 1: 4 68، ونتقلة المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 2 0 9 / 38. (2) صحيح البخاري 1: 69 و 4: 1 27. (*)

[ 122 ]

ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه). رواه البخاري في الصحيح عن الحميدي لم (1). وأخرجناه من وجه آخر عن إسماعيل (2). قال: وحدثنا الحافظ بإسناده، عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله مر بعمار وأهله وهم يعذبون في الله فقال: (أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة) (3) وأخبرنا ابن بشران العدل بإسناده، عن مجاهد قال: أول شهيد كان استشهد في الإسلام ام عمار سمية، طعنها أبو جهل بطعنة في قلبها (4). وروى علي بن إبراهيم بن هاشم بإسناده قال: كان أبو جهل تعرض لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم وآذاه بالكلام، واجتمعت بنو هاشم فأقبل حمزة وكان في الصيد فنظر إلى اجتماع الناس فقال: ما هذا ؟ فقالت له امرأة من بعض السطوح: يا أبا يعلى إن عمرو بن هشام تعرض لمحمد وآذاه. فغضب حمزة ومر نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب بها رأسه، ثم


(1) صحيح البخاري 5: 56 (2) دلائل النبوة للبيهقي 2: 283 (3) دلائل النبوة للبيهقي 2: 282، وكذا في: سيرة ابن هشام 1: 34 2، مستدرك الحاكم 3: 388، اسد الغابة 5: 4 8 1، الاصابة 4: 335، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 210. (4) دلائل النبوة للبيهقي 2: 28 2، وكذا في الاستيعاب 4: 33 0، اسد الغابة 5: 4 8 1، الاصابة 4: 335، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 8: 2 1 0 / 38. (*)

[ 123 ]

احتمله فجلد به الأرض، واجتمع الناس وكاد يقع فيهم شر، فقالوا له: يا أبا يعلى صبوت إلى دين ابن أخيك ؟ قال: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، على جهة الغضب والحمية. فلما رجع إلى منزله ندم فغدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ابن أخ أحقا ما تقول ؟ فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة من القرآن، فاستبصر حمزة، وثبت على دين الإسلام، وفرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسر باسلامه أبو طالب، فقال في ذلك: صبرا أبا يعلى على دين أحمد وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالدين من عند ربه بصدق وحق لا تكن حمز كافرا فقد سرني إذ قلت أنك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصرا وناد قريشا بالذي قد أتيته جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا (1)


(1) قصص الأنبياء للراوندي: 321 / 401، مناقب ابن شهر اشوب 1: 6 2، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 210 (*)

[ 124 ]

(الفصل السادس) في ذكر إسرائه صلى الله عليه واله وسلم إلى بيت المقدس ودخوله بعد ذلك في شعب أبي طالب رحمة الله عليه ثم اسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس، حمله جبرئيل على البراق فأتى به بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلى بهم ورده، فمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم ماء في آنية فشرب منه واكفا ما بقي، وقد كانوا أضلوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه، فلما أصبح قال لقريش: (إن الله قد أسرى بي إلى بيت المقدس فاراني آيات الأنبياء ومنازلهم وإني مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك). فقال أبو جهل: قد امكنتكم الفرصة منه، فسألوه كم فيها من الاساطين وا لقنا ديل ؟ فقالوا: يا محمد، إن ههنا من قد دخل بيت المقدس، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه. فجاء جبرئيل عليه السلام فعتق صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم بما سألوه عنه، فلما أخبرهم قالوا: حتى يجئ العير نسألهم عما قلت. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (تصديق ذلك أن العير يطلع عليكم عند طلوع الشمس يقدمها جمل أحمر عليه عزارتان). فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون: هذه الشمس تطلع الساعة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم العير حين طلوع القرص يقدمها جمل أحمر، فسألوهم عما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،

[ 125 ]

قالوا: لقد كان هذا، ضل جمل لنا، في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء فاصبحنا وقد اريق الماء. فلم يزدهم ذلك إلا عتوا. فاجتمعوا في دار الندوة وكتبوا بينهم صحيفة أن لا يواكلوا بني هاشم ولا يكلموهم ولا يبايعوهم ولا يزوجوهم ولا يتزوجوا إليهم ولا يحضروا معهم حتى يدفعوا محمدا إليهم فيقتلونه، وأنهم يد واحدة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه غيلة أو صراحا. فلما بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم ودخل الشعب، وكانوا أربعين رجلا، فحلف لهم أبو طالب بالكعبة والحرم والركن والمقام لئن شاكت محمدا شوكة لآتين عليكم يا بني هاشم. وحصن الشعب، وكان يحرسه بالليل والنهار، فإذا جاء الليل يقوم بالسيف عليه ورسول الله مضطجع ثم يقيمه ويضجعه في مو ضع آخر، فلا يزال الليل كله هكذا، ويوكل ولده وولد أخيه به يحرسونه بالنهار، وأصابهم الجهد، وكان من دخل من العرب مكة لا يجسر أن يبيع من بني هاشم شيئا، ومن باع منهم شيئا انتهبوا ماله. وكان أبو جهل، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط يخرجون إلى الطرقات التي تدخل مكة، فمن رأوه معه ميرة (1) نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئا، ويحذروه إن باع شيئا منهم أن ينهبوا ماله. وكانت خديجة لها مال كثير فانفقته على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ي الشعب. ولم يدخل في حلف الصحيفة مطعم بن عدي بن نوفل بن


(1) الميرة: جلب القوم الطعام للبيع (العين 8: 295). (*)

[ 126 ]

عبد المطلب بن عبد مناف، وقال: هذا ظلم. وختموا الصحيفة بأربعين خاتما ختمه كل رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلقوها في الكعبة، وتابعهم أبو لهب على ذلك. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج في كل موسم فيدور على قبائل العرب فيقول لهم: (تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة) وأبو لهب في أثره فيقول: لا تقبلوا منه فإنه ابن أخي وهو كذاب ساحر. فلم تزل هذه حاله فبقوا في الشعب أربع سنين لا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، ولا يشترون ولا يبايعون إلا في الموسم، وكان يقوم بمكة موسمان في كل سنة: موسم للعمرة في رجب، وموسم للحج في ذي الحجة، وكان إذا اجتمعت المواسم تخرج بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون ثم لا يجسر أحد منهم أن يخرج إلى الموسم الثاني، فأصابهم الجهد وجاعوا، وبعثت قريش إلى أبي طالب: ادفع إلينا محمدا حتى نقتله ونملكك علينا، فقال: أبو طالب قصيدته الطويلة اللامية التي يقول فيها: فلما رأيت القوم لا ودفيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل ويقول فيها: ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطوف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم - وبيت الله - يبزى (1) محمدا ولما نطاعن دونه ونقاتل


(1) قال ابن الأثير في النهاية (1: 125): بزا: في قصيدة أبي طالب يعاتب قريشا في أمر النبي صلى الله عليه أواله وسلم... ويبزى، أي يقهر ويغلب، أراد لا يبزى، فحذف لا من جواب القسم، وهي مرادة، أي لا يقهر ولم نقاتل عنه وندافع. (*)

[ 127 ]

ويقول فيها: ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أبنائنا والحلائل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد وأحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه وحميته ودارأت عنه بالذرى والكلاكل فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها وشينا لمن عادى وزين المحافل حليما رشيدا حازما غير طائش يوالي إله الحق ليس بما حل فأيده رب العباد بنصره وأظهر دينا حقه غير باطل فلما سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه، وكان أبو العاص بن الربيع - وهو ختن (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - يجئ بالعير بالليل عليها البر والتمر إلى باب الشعب، ثم يصيح بها فتدخل الشعب فيأكله بنو هاشم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد صاهرنا أبو العاص فأحمدنا صهره، لقد كان يعمد إلى العير ونحن في الحصار فيرسلها في الشعب ليلا). فلمح ا أتى لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم الله، ونزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا طالب. فقام أبو طالب ولبس ثيابه ثم مشى حتى دخل المسجد على قريش وهم مجتمعون فيه، فلما بصروا به قالوا: قد ضجر أبو طالب وجاء الان


(1) الختن: الصهر (العين 4: 238) ولنا تعليق حول هذا الموضوع كا يأتي لاحقا. (*)

[ 128 ]

ليسلم ابن أخيه. فدنا منهم وسلم عليهم فقاموا إليه وعظموه وقالوا: يا أبا طالب قد علمنا أنك أردت مواصلتنا والرجوع إلى جماعتنا وأن تسلم ابن أخيك إلينا. قال: والله ما جئت لهذا، ولكن ابن أخي أخبرني - ولم يكذبني - أن الله أخبره أنه بعث على صحيفتكم القاطعة دابة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم الله، فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقا فاتقوا الله وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم، وإن كان باطلا دفعته إليكم فإن شئتم قتلتموه وإن شئتم استحييتموه. فبعثوا إلى الصحيفة فأنزلوها من الكعبة - وعليها أربعون خاتما - فلما أتوا بها نظر كل رجل منهم إلى خاتمه ثم فكوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلا: باسمك اللهم. فقال لهم أبو طالب: يا قوم اتقوا الله وكفوا عما أنتم عليه. فتفرق القوم ولم يتكلم أحد. ورجع أبو طالب إلى الشعب وقال في ذلك قصيدته البائية التي أولها ؟ ألا من لهم آخر الليل منصب وشعب العصا من قومك المتشعب وفيها: وقد كان في أمر الصحيفة عبرة متى ما يخبر غائب القوم يعجب محا الله منها كفرهم وعقوقهم وما نقموا من ناطق الحق معرب وأصبح ما قالوا من الأمر باطلا ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا على سخط من قومنا غير معتب فلا تحسبونا مسلمين محمدا لذي عزة منا ولا متعزب ستمنعه منايد هاشمية مركبها في الناس خير مركب وقال عند ذلك نفر من بني عبد مناف، وبني قصي، ورجال من

[ 129 ]

قريش، ولدتهم نساء بني هاشم منهم: مطعم بن عدي بن عامر بن لؤي - وكان شيخا كبيرا كثير المال له أولاد - وأبو البختري ابن هاشم، وزهير بن امية المخزومي في رجال من أشرافهم: نحن براء مما في هذه الصحيفة، وقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل (1). وخرج النبي من الشعب ورهطه وخالطوا الناس، ومات أبو طالب بعد ذلك بشهرين وماتت خديجة بعد ذلك. وورد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمران عظيمان وجزع جزعا شديدا. ودخل عليه وآله السلام على أ بي طالب وهو يجود بنفسه، فقال: (يا عم ربيت صغيرا، ونصرت كبيرا، وكفلت يتيما، فجزاك الله عني خيرا، أعطني كلمة اشفع بها لك عند ربي). فقال: يابن أخ لولا أني أكره أن يعيروا بعدي لأقررت عينك. ثم مات (2).


(1) انظر: الكافي 8: 26 2 / 376، وتفسير القمي 2: 13، وأمالي الصدوق: 363 / 1، وقصص الأنبياء للراوندي: 325 - 327 / 406 - 410، والطبقات الكبرى 1: 208، وتاريخ اليعقوبي 2: 31، ودلائل النبوة للبيهقي 2: 311، والوفا بأحوال المصطفى 1: 197، والكامل في التاريخ 2: 89، ديوان شيخ الأباطح: 37، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 1 - 4 / 1 و 2. (2) تعد قضية إيمان أبي طالب، ووفاته على الايمان من المسلمات الثابتة لدى عموم الشيعة، وإيمانهم القطعي بأن هذه الفرية العظيمة كانت ولا زالت تستهدف شخص الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، لأنها وبلا شك دسيسة أموية خبيثة تنضاف إلى جملة رسائسهم الكثير للنيل من الصرح الشامخ لوصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الذي سفه أحلامهم، وأطاح بكياناتهم الفاسدة، وجندل بسيفه ساداتهم وعظماءهم، وارغم انوفهم في طاعة الله تعالى ورسوله، فلما عجزوا عن التصدي له في ميدان الحرب والمنازل انكفؤا يكيدونه بكل فرية وكذبة وبهتان قد تجد لها في آذان السذج والبسطاء موطئا ومحلا، وتلقف (*) =

[ 130 ]

=


أعوانهم وأزلامهم، المعتاشون على فتات موئدهم، ما اخترعته مخيلة الأمويين، فطلبوا له وزمروا، دون أي وقفة للتأمال في مدى مصداقية هذه المزاعم ودرجة صحتها، بل وعظم الوزر الذي يقع عليها، ولكنه حب الدنيا والمسارعة في الجريان خلف سرابها، وتلك ليست بممتنعة على أحد إذا اعرض عن الاخرة وولاها ظهره. بيد أن تلك الأمور، ومنها هذا الأمر المتعلق بإيمان أبي طالب قد مضى عليه الدهر، وتبين للكثيرين بعد البحث والتمحيص، وتصدي العديد من علماء الطائفة - جزاهم الله عن الاسلام واهله خيرا - لاثبات كذب ما افتري على هذا الرجل العظيم، وكيف انقاد الكثيرون - وكلامي يختص بالمغررين منهم - دون وعي منهم في هذا التيار المنحرف، فتحملوا وزرا كبيرا في ذلك. نعم، لقد انبرى العديد - من علماء الطائفة ومفكريها إلى مناقشة تلك الروايات والأخبار المتعرضة لهذا الأمر، والمشيرة إلى وفاة هذا الرجل الذي ربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونصره، وتعرض معه للأذى، وشاركه في جميع همومه ومشاكله، والذي ما أن توفي حتى أمر الله تعالى رسوله الكريم بترك مكة، لأنه لن يجد بعد ذلك ناصرا له، ومحاميآ غه، نعم لقد انبرى هؤلاء الأعلام إلى مناقشة هذه الروايات، والتعرض لأسانيدها، واحدا واحدا، فظهر من ذلك العجب، لأن جميع أولئك الراوين لهذه الأخبار - والتي تختصر أوضحها في تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) - من المبغضين لعلي عليه السلام، بل واثبات نزول هذه الآية المباركة في موارد اخرى لا تختص بما اشيع عنها من أنها مختصة بأبي طالب دون غيره. كما أن هؤلاء الأعلام رحمهم الله تعالى قد بينوا بجلاء جملة من المواقف الواضحة والثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتناقضة تماما مع تفسير هذه الآية، ونسبة هذا الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي طالب، وكذا ما روي من حديث الضحضاح وغيرهما. ولما كان هذا الموضع لا يستوعب هذه المناقشات الطويلة والمسهبة، فإنا نعرض عن الاستطراد في ذلك محيلين القارئ الكريم إلى جملة ما الف حول هذا الموضوع قديما وحديثا، ومنها: 1 - شيخ الأبطح أو أبو طالب: للسيد محمد علي آل شرف الدين الموسوي. 2 - مواهب الواهب في فضائل أبي طالب: للشيخ جعفر النقدي. = (*)

[ 131 ]

وقد روي: أنه لم يخرج من الدنيا حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرضا (1). وفي كتاب دلائل النبوة: عن ابن عباس قال: فلما ثقل أبو طالب رئي يحرك شفتيه فأصغى إليه العباس يستمع قوله فرفع العباس عنه، وقال: يا رسول الله قد والله قال الكلمة التي سألته إياها (2). وفيه: مرفوعا عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عارض جنازة أبي طالب وقال: (وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم) (3). وذكر محمد بن إسحاق بن يسار: أن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد فتتابعت على رسول الله المصائب بهلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة له وزيرة صدق على الإسلام وكان يسكن إليها (4). =


3 - الشهاب الثاقب لرجم مكفر أبي طالب: للشيخ ميرزا محمد الطهراني 4 - ضياء العالمين في فضائل الأئمة المصطفين: للشيخ أبي الحسن ميرزا محمد الطهراني 5 - إيمان أبي طالب: للسيد أحمد بن موسى بن طاووس الحلي. 6 - إيمان ابي طالب: للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي. 7 - إيمان أبي طالب، المعروف بكتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: للسيد أبي علي فخار بن معد الموسوي. 8 - أبو طالب مؤمن قريش: للشيخ عبد الله الخنيزي. (1) تفسير القمي 1: 380 ايمان أبي طالب لابن معد. 130 شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد 14: 71. (2) دلائل النبوة للبيهقي 2: 346، وكذا في: قصص الأنبياء للرواندي: 330 سيرة بن هشام 2: 59، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14: 71. (3) دلائل النبوة للبيهقي 2: 34 9، وكذا في عدة رسائل للمفيد: 3 0 7 قصص الأنبياء للرواندي: 33 0، تاريخ اليعقوبي 2: 35، الوفا بأحوال المصطفى 1: 208، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14: 76. (4) دلائل النبوة للبيهقي 2: 352، وكذا في: سيرة ابن هشام 2: 57، ونقله المجلسي في (*) =

[ 132 ]

وذكر أبو عبد الله بن مندة في كتاب المعرفة: أن وفاة خديجة كانت بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام. وزعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وفي هذه السنة توفيت خديجة وأبو طالب وبينهما خمس وثلاثون ليلة (1). =


بحار الأنوار 19: 5 / 4. (1) دلائل النبوة للبيهقي 2: 353، وكذا في: مناقب ابن شهرآثوب 1: 174، والكامل في التاريخ 2: 90، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 4 / 5. (*)

[ 133 ]

(الفصل السابع) في ذكر عرض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نفسه على قبائل العرب، وما جاء من بيعة الأنصار إياه على الإسلام، وحديث العقبة في كتاب دلائل النبوة: عن الزهري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ويقول: (لا اكره أحدا منكم على شئ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه، فذاك، ومن كره لم اكرهه، إنما اريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى ابلغ رسالات ربي، وحتى يقضي الله عز وجل لي ولمن صحبني ما شاء الله) فلم يقبله أحد منهم ولم يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه ؟ ! فلما توفي أبو طالب اشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم هم سادة ثقيف يومئذ، وهم إخوة: عبد يا ليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه، فقال أحدهم: أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط. وقال الاخر: أعجز على الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الاخر: والله لا اكتمك بعد مجلسك هذا أبدا، والله لئن كنت رسول الله لأنت أعظم شرفا وحقا من أن اكلمك، ولئن كنت تكذب على الله لأنت شر من أن اكلمك.

[ 134 ]

وتهزؤوا به، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به، فقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين صفيهم كان لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة - وقد كانوا اعدوها - حتى أدموا رجليه، فخلص منهم ورجلاه تسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظل في ظل حبلة (1) منه وهو مكروب موجع، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب، فلما جاءه عداس قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أي أرض أنت) ؟ قال: أنا من أهل نينوى. فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: (من مدينة الرجل الصالح يونس ابن متى) ؟ فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربه -: (أنا رسول الله والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى). فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس بن متى خر عداس ساجدا لله، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان دما. فلما بصرعتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلته بأحد منا ؟ قال: هذا رجل صالح أخبرني بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إ لينا يدعى يونس بن متى.


(1) الحبل: شجر العنب، واحدته حبلة. (السان العرب 11: 138) (*)

[ 135 ]

فضحكا وقالا: لا يفتننك عن نصرانيتك، فإنه رجل خداع. فرجع رسول الله إلى مكة (1). قال علي بن إبراهيم بن هاشم: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من الطائف وأشرف على مكة وهو معتمر كره أن يدخل مكة وليس له فيها مجير، فنظر إلى رجل من قريش قد كان أسلم سرا، فقال له: (ائت الأخنس بن شريق فقل له: إن محمدا يسألك أن تجيره حتى يطوف ويسعى فإنه معتمر). فاتاه وأدى إليه ما قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقال الأخنس: إني لست من قريش، وإنما أنا حليف فيهم، والحليف لا يجير على الصميم، وأخاف أن يخفروا جواري، فيكون ذلك مسبة. فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في شعب حراء مختفيا مع زيد فقال له: (ائت سهيل بن عمرو فاسأله أن يجيرني حتى أطوف بالبيت وأسعى). فأتاه وأدى إليه قوله، فقال له: لا أفعل. فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذهب إلى مطعم بن عدي فسله أن يجيرني حتى أطوف وأسعى). فجاء إليه وأخبره فقال: أين محمد ؟ فكره أن يخبره بموضعه، فقال: هو قريب، فقال: ائته فقل له: إني قد أجرتك فتعال وطف واسع ما شئت. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال مطعم لولده، (1) دلائل النبوة 2: 4 1 4، وانظر: قصص الأنبياء للراوندي: 33 0، ومناقب أبن شهرآشوب 1: 68، والسيرة النبوية لابن هشام 2: 6 0، وتاريخ اليعقوبي 2: 36 دلائل النبوة للاصفهاني 1: 389، والكامل في التاريخ 2: 9 1، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 9: 5 / 5. (*)

[ 136 ]

واختانه (1)، وأخيه طعيمة بن عدي: خذوا سلاحكم فإني قد أجرت محمدا وكونوا حول الكعبة حتى يطوف ويسعى، وكانوا عشرة فأخذوا السلاح. وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل المسجد، ورآه أبو جهل فقال: يا معشر قريش هذا محمد وحده وقد مات ناصره فشأنكم به. فقال له طعيمة بن عدي: يا عم لا تتكلم، فإن أبا وهب قد أجار محمدا. فوقف أبو جهل على مطعم ابن عدي فقاك: أبا وهب أمجير أم صابئ ؟ قال: بل مجير. قال: إذا لا يخفر جوارك. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طوافه وسعيه جاء إلى مطعم، فقال: (أبا وهب قد أجرت وأحسنت، فرد علي جواري). قال: وما عليك أن تقيم في جواري ؟ قال: (أكره أن اقيم في جوار مشرك أكثر من يوم). قال مطعم: يا معشر قريش، إن محمدا قد خرج من جواري (2). قال علي بن إبراهيم: قدم أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهرا طويلا، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان


(1) الختن بالتحريك: كل من كان قبل المرأة، مثل الأب والأخ، وهم الأختان. هكذا عند العرب، وأما عند العامة فختن الرجل: زوج أبنته. (الصحاح - ختن - 5: 2107) (2) انظر: قصص الأنبياء للراوندي: 33 1، والسيرة النبوية لابن هشام 2: 20، والوفا بأحواك المصطفى 1: 2 1 4، والكامل في التاريخ 2: 92، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 1 9: 7. (*)

[ 137 ]

اخر حرب بينهم يوم بعاث (1)، وكانت للأوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة وذكو ان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقا لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه فقال له: إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناك نطلب الحلف عليهم. فقال له عتبة: بعدت دارنا من داركم ولنا شغل لا نتفرغ لشئ. قال: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم ؟ قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله، سفه أحلامنا، وسب الهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا. فقال له أسعد: من هو منكم ؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفا، وأعظمنا بيتا. وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم - النضير وقريظة وقينقاع -: أن هذا أوان نبى يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة، لنقتلنكم به يا معشر العرب. فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود، قال: فأين هو ؟ قال: جالس في الحجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلا في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلمه فإنه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب. فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر، لا بد لي أن أطوف بالبيت ؟ قال: ضع في اذنيك القطن. فدخل أسعد المسجد وقد حشا اذنيه بالقطن، فطاف بالبيت ورسول الله


(1) يوم بعاث (بضم الباء): يوم مشهور كان فيه حرب بين الأوس والحزرج. وبعاث اسم حصن للأوس. (النهاية 1: 139). (*)

[ 138 ]

صلى الله عليه وآله وسلم جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني، أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا اتعرفه حتى أرجع إلى قومي فاخبرهم ؟ ثم أخذ القطن من اذنيه ورمى به وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنعم صباحا. فرفع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رأسه إليه، وقال: (قد أبد لنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة السلام عليكم). فقال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمد ؟ قال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأدعوكم إلى أن لا تشركوا به شيئا، وبالو الدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون). فلما سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، يا رسول الله بأبي أنت وإمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك فلا أجد أعز منك، ومعي رجل من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك، والله يا رسول الله لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، ويبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك، وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئت إلا لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل مما أتيت له.

[ 139 ]

ثم أقبل ذكوان فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود تبشرنا به وتخبرنا بصفته، فهلم فاسلم، فأسلم ذكوان ثم قالا: يارسول الله ابعث معنا رجلا يعلمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمصعب بن عمير، وكان فتى حدثا مترفا بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهما ولم يخرج من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب حتى، تغير وأصابه الجهد، فأمره رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالخروج مع أسعد، وقد كان تعلم من القرآن كثيرا، فخرجا إلى المدينة ومعهما مصعب بن عمير فقدموا على قومهم وأخبروهم بامر رسول الله وخبره، فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان، وكان مصعب نازلا على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الإسلام فيجيبه الأحداث، وكان عبد الله بن ابي شريفا في الخزرج، وقد كان الأوس والخزرج اجتمعوا على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه، وقد كانوا اتخذوا له اكليلا احتاجو في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها، وذلك أنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث ولم يعن على الأوس، وقال: هذا ظلم منكم للأوس ولا اعين على الظلم، فرضيت به الأوس والخزرج، فلما قدم أسعد كره عبد الله ما جاء به أسعد وذكوان وفتر أمره. فقال أسعد لمصعب: إن خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس، هو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فإن دخل في هذا الأمرتم لنا أمرنا، فهلم نأتي محلتهم. فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ فقعد على بئرمن آبارهم واجتمع إليه قوم من أحداثهم وهو يقرأ عليهم القرآن، فبلغ ذلك سعد أبن معاذ فقال لاسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني أن أبا أمامة أسعد

[ 140 ]

ابن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شباننا، فأته وانهه عن ذلك. فجاء اسيد بن حضير، فنظر إليه أسعد فقال لمصعب إن هذا رجل شريف، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتم أمرنا فأصدق الله فيه. فلما قرب اسيد منهم قال: يا أبا أمامة يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا، ولا تفسد شباننا، وأحذر الأوس على نفسك. فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمرا، فإن أحببته دخلت فيه، وإن كرهته نحينا عنك ما تكرهه. فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن، فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر ؟ قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلي ركعتين. فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر، ثم خرج وعصرثوله، ثم قال: أعرض فعرض عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالها، ثم صلى ركعتين، ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة، أنا أبعث إليك الان خالك وأحتال عليه في أن يجيئك. فرجع اسيد إلى سعد بن معاذ، فلما نظر إليه سعد قال: اقسم أن اسيدا قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا، وأتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب (حم تنزيل من الرحمن الرحيم) فلما سمعها، قال مصعب: والله لقد رأينا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين واغتسل وشهد الشهادتين وصلى ركعتين ثم قام وأخذ بيد مصعب وحوله إليه وقال: أظهر أمرك ولا تهابن أحدا. ثم جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف لا

[ 141 ]

يبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبي إلا خرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب. فلما اجتمعوا قال ؟ كيف حالي عندكم. قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا ولا نرد لك أمرا فمرنا بما شئت. فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فالحمد لله الذي أكرمنا بذلك وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به. فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلا وفيها مسلم أو مسلمة، وحول مصعب بن عمير إليه وقال له: أظهر أمرك وادع الناس علانية. وشاع الإسلام بالمدينة وكثر، ودخل فيه من البطنين جميعا أشرافهم، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود. وبلغ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن الأوس والخزرج قد دخلوا في السلإم، وكتب إليه مصعب بذلك، وكان كل من دخل في الإسلام من قريش ضربه قومه وعذبوه، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرهم أن يخرجوا إلى المدينة، فكانوا يتسللون رجلا فرجلا فيصيرون إلى المدينة فينزلهم الأوس والخزرج عليهم ويواسونهم. قال: فلما قدمت الأوس والخزرج مكة جاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: (تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم وثوابكم على الله الجنة) ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فخذ لنفسك وربك ما شئت. فقال: (موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق). فلما حجوا رجعوا إلى منى، وكان فيه ممن قد أسلم بشر كثير، وكان

[ 142 ]

أكثرهم مشركين على دينهم وعبد الله بن أبي فيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في اليوم الثاني من أيام التشريق: (فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة ولا تنبهوا نائما، وليتسلل واحد فواحد). وكان رسول الله نازلا في دار عبد المطلب، وحمزة وعلي والعباس معه، فجاءه سبعون رجلا من الأوس والخزرج، فدخلوا الدار، فلما اجتمعوا قال لهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة) ؟ فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حرام: نعم يا رسول الله، فاشترط لنفسك ولربك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تمنعوني مما تمنعون أنفسكم، وتمنعون أهلي مما تمنعون أهليكم وأولادكم). قالوا: فما لنا على ذلك ؟ قال: (الجنة، تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم وتكونون ملوكا). فقالوا: قد رضينا. فقام العباس بن نضلة وكان من الأوس فقال: يا معشر الأوس والخزرج تعلمون على ما تقدمون عليه ؟ إنما تقدمون على حرب الأبيض والأحمر، وعلى حرب ملوك الدنيا، فإن علمتم أنه إذا اصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغروه، فإن رسول الله وإن كان قومه خالفوه فهو في عز ومنعة. فقال له عبد الله بن حرام وأسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان: ما لك وللكلام يا رسول الله ؟ بل دمنا بدمك، وأنفسنا بنفسك، فاشترط لربك ولنفسك ما شئت.

[ 143 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكفلون عليكم بذلك كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا). فقالوا: اختر من شئت. فأشار جبرئيل عليه السلام إليهم. فقال: (هذا نقيب، وهذا نقيب) حتى اختار تسعة من الخزرج، وهم: أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حرام أبو جابر بن عبد الله، ورافع بن مالك، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة بن الصامت. وثلاثة من الأوس، وهم: أبو الهيثم ابن التيهان - وكان رجلا من اليمن حليفا في بني عمرو بن عوف -، وأسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة. فلما اجتمعوا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاح بهم إبليس: يا معشر قريش والعرب، هذا محمد والصباة من الأوس والخزرج على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم. فأسمع أهل منى، فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النداء فقال للأنصار: (تفرقوا). فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لم اومر بذلك ولم يأذن الله لي في محاربتهم). فقالوا: يا رسول الله فتخرج معنا. قال: (أنتظر أمر الله). فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح، وخرج حمزة ومعه السيف فوقف على العقبة هو وعلي بن أبي طالب عليه السلام، فلما نظروا إلى حمزة قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم عليه ؟

[ 144 ]

قال: ما اجتمعنا، وما هاهنا أحد، والله لا يجوز أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي. فرجعوا وغدوا إلى عبد الله بن ابي وقالوا له: قد بلغنا أن قومك بايعوا محمدا على حربنا. فحلف لهم عبد الله أنهم لم يفعلوا ولا علم له بذلك، وأنهم لم يطلعوه على أمرهم، فصدقوه. وتفرقت الأنصار ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة (1).


(1) أنظر: تفسير القمي 1: 27 2، وقصص الأنبياء، للراوندي: 332 / 1 4 1 2 والسيرة النبوية لابن هشام 2: 77 - 83، والطبقات الكبرى 1: 22 1، ودلائل النبوه للبيهقي 2: 430 - 446، والوفا بأحوال المصطفى 1: 2 2 4، والكامل في التاريخ 2: 96 - 98، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 8 / 5. (*)

[ 145 ]

(الفصل الثامن) في ذكر مكر المشركين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واجتماعهم في دار الندوة لذلك، وذكر هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وما كان من استقبال الأنصار إياه، ونزوله وما ظهر من آثار النبوة واثارها، ومختصر من أخباره إلى أن امر بالقتال ثم اجتمعت قريش في دار الندوة وكانوا أربعين رجلا من أشرافهم، وكان لا يدخلها إلا من أتى له أربعون سنة سوى عتبة بن ربيعة فقد كان سنه دون الأربعين، فجاء الملعون أبليس في صورة شيخ فقال له البواب: من أنت. قال: أنا شيخ من نجد. فاستأذن فاذنوا له، وقال: بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل، فجئتكم لاشير عليكم، فلا يعدمكم مني رأي صائب. فلما أخذوا مجلسهم قال أبو جهل: يا معشر قريش، إنه لم يكن أحد من العرب أعزمنا ونحن في حرم الله وأمنه تفد إلينا العرب في السنة مرتين ولا يطمع فينا طامع، حتى نشأ فينا محمد، فكنا. نسميه الأمين لصلاحه وأمانته، فزعم أنه رسول الله، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، وقد رأيت فيه رأيا، وهو أن ندس إليه رجلا يقتله، فإن طلبت بنو هاشم بدمه أعطيناهم عشر ديات. فقال إبليس: هذا رأي خبيث، فإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على الأرض أبدا، وتقع بينكم الحروب في حرمكم. فقال اخر: الرأي أن نأخذه فنحبسه في بيت ونثبته فيه ونلقي إليه قوته

[ 146 ]

حتى يموت كما مات زهير والنابغة. فقال إبليس: إن بني هاشم لا ترضى بذلك، فإذا جاء موسم العرب اجتمعوا عليكم وأخرجوه فيخدعهم بسحره. وقال اخر: الرأي أن نخرجه من بلادنا ونطرده فنفرغ نحن لالهتنا. فقال إبليس: هذا أخبث من الرأيين المتقدمين، لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجها، وافصح الناس لسانا، وأسحرهم، فتخرجوه إلى بوادي العرب فيخدعهم بسحره ولسانه، فلا يفجأكم إلا وقد ملاها عليكم خيلا ورجلا. فبقوا حيارى. ثم قالوا للملعون إبليس: فما الرأي عندك فيه ؟ قال: ما فيه إلا رأي واحد، أن يجتمع من كل بطن من بطون قريش رجل شريف، ويكون معكم من بني هاشم واحد، فيأخذون حديدة أو سيفا ويدخلون عليه فيضربوه كلهم ضربة واحدة، فيتفرق دمه في قريش كلها، فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه وقد شاركوا فيه، فما بقي لهم إلا أن تعطوهم الدية، فأعطوهم ثلاث ديات. قالوا: نعم وعشر ديات. وقالوا بأجمعهم: الرأي رأي الشيخ النجدي. فاختاروا خمسة عشر رجلا فيهم أبو لهب على أن يدخلوا على رسول الله فيقتلونه، فأنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله: (واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) الآية (1). ثم تفرقوا على هذا وأجمعوا أن يدخلوا عليه ليلا وكتموا أمرهم، فقال أبو لهب: بل نحرسه فإذا أصبحنا دخلنا عليه. فباتوا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر رسول الله


(1) الأنفا ل 8: 30 (*)

[ 147 ]

صلى الله عليه وآله وسلم أن يفرش له، وقال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: (يا علي افدني بنفسك). قال: (نعم يا رسول الله). قال: (نم على فراشي والتحف ببردي). فنام عليه السلام على فراش رسول الله والتحف ببردته، وجاء جبرئيل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: (اخرج) والقوم يشرفون على الحجرة فيرون فراشه وعلي عليه السلام نائم عليه، فيتوهمون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم وهو يقرأ (يس) إلى قوله: (فاغشيناهم فهم لا يبصرون) (1) وأخذ ترابا بكفه ونثره عليهم وهم نيام ومضى. فقال له جبرئيل عليه السلام: (يا محمد، خذ ناحية ثور) وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور، فمر رسول الله وتلقاه أبو بكر في الطريق، فأخذ بيده ومر به، فلما انتهى إلى ثور دخل الغار. فلما أصبحت قريش وأضاء الصبح وثبوا في الحجرة وقصدوا الفراش، فوثب علي عليه السلام إليهم وقام في وجوههم فقال لهم: (ما لكم ؟). قالوا: أين ابن عمك محمد ؟ قال علي عليه السلام: (جعلتموني عليه رقيبا ؟ ألستم قلتم له: اخرج عنا، فقد خرج عنكم، فما تريدون ؟). فأقبلوا عليه يضربونه، فمنعهم أبو لهب، وقالوا: أنت كنت تخدعنا منذ الليلة.


(1) يس 36: 9. (*)

[ 148 ]

فلما أصبحوا تفرقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز يقفو الآثار، فقالوا له: يا أبا كرز اليوم اليوم. فما زال يقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وقف بهم على باب الحجرة، فقال: هذه قدم محمد، هي والله اخت القدم التي في المقام، وهذه قدم أبي قحافة أو ابنه، وقال: ههنا عبر ابن أبي قحافة. فلم يزل بهم حتى وقفهم إلى باب الغار وقال لهم: ما جازوا هذا المكان، إما أن يكونوا صعدوا السماء أو دخلوا الأرض. وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار - وقد ذكرناه فيما قبل (1) - قال: وجاء فارس من الملائكة في صورة الأنس فوقف على باب الغار وهو يقول لهم: (أطلبوه في هذه الشعاب، فليس ههنا). فأقبلوا يدورون في الشعاب. وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ثلاثة أيام، ثم أذن الله له في الهجرة وقال: (أخرج عن مكة يا محمد فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب) فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الغار، وأقبل راع لبعض قريش يقال له: ابن اريقط فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: 0 يا ابن اريقط أءتمنك على دمي ؟). قال: إذا والله أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك، فأين تريد يا محمد ؟ قال: (يثرب). قال: والله لأسلكن بك مسلكا لا يهتدي فيه أحد. قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ائت عليا وبشره بأن الله قد أذن لي في الهجرة فيهيئ لي زادا وراحلة).


(1) تقدم في صفحة: 79. (*)

[ 149 ]

وقال أبو بكر: ائت أسماء ابنتي وتل لها: أن تهيئ لي زادا وراحلتين، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا - وكان من موالي أبي بكر وقد كان أسلم - وقل له: ائتنا بالزاد والراحلتين. فجاء ابن اريقط إلى علي عليه السلام، فأخبره بذلك، فبعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عاليه وآله وسلم بزاد وراحلة، وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله سلم من الغار وأخذ به ابن اريقط على طريق نخلة بين الجبال، فلم يرجعوا إلى الطريق إلا بقديد (1) فنزلوا على ام معبد هناك، وقد ذكرنا حديث شاة أم معبد والمعجزة التي ظهرت فيها فيما قبل (2)، وحديث سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ورسوخ قوائم فرسه في الأرض (3)، فلا وجه لإعادته. فرجع عنه سراقة، فلما كان من الغد وافته قريش، فقالوا: ياسراقة هل لك علم بمحمد ؟ فقال: قد بلغني أنه خرج عنكم، وقد نفضت هذه الناحية لكم ولم أر أحدا ولا أثرا، فارجعوا فقد كفيتكم ما ههنا. وقد كانت الأنصار بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، فكانوا يتوقعون قدومه، وكان يخرج الرجال والنساء والصبيان إذا


(1) قديد: اسم موضع قرب مكة. قال ابن الكلبي: لما رجع تبع من المدينة بعد حرب لأهلها نزل قديدا، فهبت بريح قدت خيم أصحابه، فسمي قديدا. (معجم البلدان 4: 313) (2) تقدم في صفحة: 76 (3) تقدم في صفحة 77، فراجع. (*)

[ 150 ]

أصبحوا إلى طريقه، فإذا اشتد الحر رجعوا (1). وروي عن ابن شهاب الزهري قال: كان بين ليلة العقبة وبين مهاجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أشهر وكانت بيعة الأنصا رلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة في ذي الحجة، وقدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة في شهر ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه في يوم الاثنين. وكانت الأنصار خرجوا يتوكفون (2) أخباره، فلما ايسوا رجعوا إلى منازلهم، فلما رجعوا أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما وافى ذا الحليفة (3) سأل عن طريق بني عمرو بن عوف، فدلوه فرفعه الآل (4)، فنظر رجل من اليهود وهو على أطم (5) له إلى ركبان ثلاثة يمرون على طريق بني عمرو بن عوف، فصاح: يا معشر المسلمة هذا صاحبكم قد وافى. فوقعت الصيحة بالمدينة فخرج الرجال والنساء والصبيان مستبشرين لقدومه يتعاودون، فوافى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقصد مسجد قبا ونزل واجتمع إليه بنو عمرو بن عوف، وسروا به واستبشروا واجتمعوا حوله، ونزل على كلثوم بن الهدم، شيخ من بني عمرو، صالح مكفوف البصر.


(1) انظر: تفسير القمي 1: 273، قصص الأنبياء للراوندي: 335 / 144 - 115، السيرة النبويه لابن هشام 2: 124، الطبقات الكبرى 1: 227، دلائل البيهقي 2: 467 الوفا بأحوال المصطفى 1: 229، الكامل في التاريخ 2: 101، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 48 (2) التوكف: التطلع والتوقيع (انظر: العين 5: 413). (3) ذو الحليفه: قريه بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، ومنها ميقات إهل المدينة. (معجم البلدان 2: 295) (4) لآل: السراب. (العين 8: 359). (5) الاطم (بالضم). بناء مرتفع، وجمعه آطام. (النهاية 1: 54) (*)

[ 151 ]

واجتمعت إليه بطون الأوس، وكان بين الأوس والخزرج عداوة، فلم يجسروا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما كان بينهم من الحروب، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتصفح الوجوه فلا يرى أحدا من الخزرج، وقد كان قدم على بني عمرو بن عوف قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناس من المهاجرين، ونزلوا فيهم. وروي: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لما قدم المدينة جاء النساء والصبيان يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع وكان سلمان الفارسي عبدا لبعض اليهود، وقد كان خرج من بلاده من فارس يطلب الدين الحنيف الذي كان أهل الكتاب يخبرونه به، فوقع إلى راهب من رهبان النصارى بالشام فسأله عن ذلك وصحبه فقال: أطلبه بمكه فثم مخرجه، واطلبه بيثرب فثم مهاجره. لم فقصد يثرب فأخذه بعض الأعراب فسبوه واشتراه رجل من اليهود، فكان يعمل في نخله، وكان في ذلك اليوم النخلة يصرمها (1)، فيدخل على صاحبه رجل من اليهود، فقال: يا أبا فلان أشعرت أن هؤلاء المسلمة قد قدم عليهم نبيهم ؟ فقال سلمان: جعلت فداك، ما الذي تقول ؟ فقال له صاحبه: مالك وللسؤال عن هذا، أقبل على عملك. قال: فنزل وأخذ طبقا وصير عليه من ذلك الرطب فحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) الصرام: جداد النخل، أي قطع الثمرة واجتناؤها من النخلة (انظر لسان العرب - 12: 336) (*)

[ 152 ]

(ما هذا). قال: صدقة تمورنا، بلغنا أنكم قوم غرباء قدمتم هذه البلاد، فأحببت أن تأكلوا من صدقاتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (سموا وكلوا). فقال سلمان في نفسه وعقد بإصبعه: هذه واحدة - يقولها بالفارسية - ثم أتاه بطبق آخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما هذا ؟) فقال له سلمان: رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أهديتها إليك فقال عليه واله السلام: (سموا وكلوا) وأكل عليه وآله السلام. فعقد سلمان بيده اثنين، وقال: هذه اثنتان - يتولها بالفارسية -. ثم دار خلفه فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كتفد الإزار فنظر سلمان إلى خاتم النبوة والشامة فأقبل يقبلها، فقال له رسو ل الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أنت ؟). قال: أنا رجل من اهل فارس، قد خرجت من بلادي منذ كذا وكذا. وحدثه بحديثه وله حديث فيه طول. فأسلم، وبشره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: (أبشر واصبر، فإن الله سيجعل لك فرجا من هذا اليهودي). فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فارقه أبو بكر ودخل المدينة ونزل على بعض الأنصار، وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبا نازلا على كلثوم بن الهدم، فلقا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغرب والعشاء الآخرة جاءه أسعد بن زرارة مقنعا فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفرح بقدومه، ثم قال: يا رسول الله ما ظننت أن أسمع بك في مكان فاقعد عنك، إلا أن بيننا وبين إخواننا من الأوس ما تعلم، فكرهت أن اتيهم، فلما أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك. هجرة الرسول (ص) إلى المدينة المنورة

[ 153 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإوس: (من يجيره منكم ؟). فقالوا: يا رسول الله، جوارنا في جوارك فأجره. قال: (لا، بل يجيره بعضكم). فقال عويم بن ساعدة وسعد بن خيثمة: نحن نجيره يا رسول الله. فأجاروه، وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيتحدث عنده ويصلي خلفه، فبقي رسول الله خمسة عشر يوما، فجاءه أبو بكر فقال: يا رسول الله تدخل المدينة ؟ فإن القوم متشوفون إلى نزولك عليهم، فقال صلى الله عليه واله وسلم: (لا اريم من هذا المكان حتى يوافي أخي علي). وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث إليه: أن أحمل العيال وأقدم، فقال أبو بكر: ما أحسب عليا يوافي، قال: (بلى ما أسرعه إن شاء الله). فبقي خمسة عشر يوما، فوافى علي عليه السلام بعياله، فلما وافى كان سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة يكسران أصنام الخزرج، وكان كل رجل شريف في بيته صنم يمسحه ويطيبه، ولكل بطن من الأوس والخزرج صنم في بيت لجماعة يكرمونه ويجعلون عليه منديلا ويذبحون له، فلما قدم الاثنا عشر من الأنصار أخرجوها من بيوتهم وبيوت من أطاعهم، فلما قدم السبعون كثر الإسلام وفشا، وجعلوا يكسرون الأصنام. قال: وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد قدوم علي يوما أو يومين ثم ركب راحلته، فاجتمعت إليه بنو عمرو بن عوف، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا فإنا أهل الجد وا الجلد والحلفة والمنعة. فقال عليه وآله السلام: (خلوا عنها فإنها مأمورة).

[ 154 ]

وبلغ الأوس والخزرج خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلبسوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته، لا يمر بحي من أحياء للأنصار إلا وثبوا في وجهه وأ خذوا بزمام ناقته وتطلبوا إليه أن ينزل عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) حتى مر ببني سالم. وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبا يوم الجمعة، فوافى بني سالم عند زوال الشمس فتعرضت له بنو سالم فقالوا: يا رسول الله هلم إلى الجد والجلد والحلفة والمنعة. فبركت ناقته عند مسجدهم، وقد كانوا بنوا مسجدا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فنزل عليه وآله السلام في مسجدهم وصلى بهم الظهر وخطبهم، وكان أول مسجد صلى فيه بالجمعة، وصلى إلى بيت المقدس، وكان الذين صلوا معه في ذلك الوقت مائة رجل. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقته وأرخى زمامها، فانتهى إلى عبد الله بن ابي، فوقف عليه وهو يقدر أنه يعرض عليه النزول عنده، فقال له عبد الله بن ابي - بعد أن ثارت الغبرة وأخذ كمه ووضعه على أنفه -: يا هذا اذهب إلى الذين غروك وخدعوك وأتوا بك فانزل عليهم ولا تغشنا في ديارنا. فسلط الله على دور بني الحبلى الذر (1). فخرق دورهم فصار وانزالا على غيرهم، وكان جد عبد الله بن ابي يقال له: ابن الحبلى. فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله لا يعرض في قلبك من قول هذا شئ، فإنا كنا اجتمعنا على أن نملكه علينا وهو يرى الآن أنك قد سلبته أمرا قد كان أشرف عليه، فانزل علي يا رسول الله، فإنه ليس في الخزرج ولا في الأوس أكثر فم بئر مني، ونحن أهل الجلد والعز، فلا تجزنا يا رسول الله.


(1) الذر. جمع ذرة، وهي أصغر النمل. (الصحاح 2: 663) (*)

[ 155 ]

فأرخى زمام ناقته، ومرت تخب (1) به حتى انتهت إلى باب المسجد الذي هو اليوم، ولم يكن مسجدا إنما كان مربدا (2) ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت الناقة على باب أبي أيوب خالد بن زيد، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما نزل اجتمع عليه الناس وسألوه أن ينزل عليهم، فوثبت ام أبي أيوب إلى الرحل فحلته وأدخلته منزلها، فلما أكثروا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أين الرحل ؟). فقالوا: ام أبي أيوب قد أدخلته بيتها. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (المرء مع رحله). وأخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحولها إلى منزله، وكان أبو أيوب له منزل أسفل وفوق المنزل غرفة، فكره أن يعلو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: يا رسول الله بأبي أنت وامي العلو أحب إليك أم السفل ؟ فإني أكره أن أعلو فوقك. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (السفل أرفق بنا لمن يأتينا). قال أبو أيوب: فكنا في العلو أنا وامي، فكنت إذا استقيت الدلو أخاف أن تقع منه قطرة على رسول الله، وكنت أصعد وامي إلى العلو خفيا من حيث لا يعلم ولا يحس بنا، ولا نتكلم إلا خفيا، وكان إذا نام صلى الله عليه وآله وسلم لا نتحرك، وربما طبخنا في غرفتنا فنجيف الباب على غرفتنا مخافة أن يصيب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دخان، ولقد سقطت جرة لنا


(1) الخبب: ضرب من العدو، وقيل. هو السرعة، أي جاءت به تعدو مسرعة. انظر: (لسان العرب 1: 341). (2) الماربد: الموضع الذي تحبس فيه الابل والغنم، وبه سمي مربد المدينة والبصرة. (النهاية 2: 182). (*)

[ 156 ]

وأهريق الماء فقامت ام أبي أيوب إلى قطيفة - لم يكن لها والله غيرها - فالقتها على ذلك الماء تستنشف به مخافة أن يسيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك شئ، وكان يحضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمون من الأوس والخزرج والمهاجرين. وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يبعث إليه في كل يوم غداء وعشاء في قصعة ثريد عليها عراق (1)، وكان يأكل معه من حوله حتى يشبعون، ثم ترد القصعة كما هي، وكان سعد بن عبادة يبعث إليه في كل يوم عشاء ويتعشى معه من حضره وترد القصعة كما هي، فكانوا يتناوبون في بعثة الغداء والعشاء إليه: أسعد بن زرارة، وسعد بن خيثمة، والمنذر بن عمرو، وسعد بن الربيع، واسيد بن حضير. قال: فطبخ له اسيد يوما قدرا، فلم يجد من يحملها فحملها بنفسه، وكان رجلا شريفا من النقباء، فوافاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد رجع من الصلاة، فقال: (حملتها بنفسك ؟). قال: نعم يا رسول الله، لم أجد أحدا يحملها. فقال: (بارك الله عليكم من أهل بيت) (2). وفي كتاب دلائل النبوة: عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، فلما دخلها جاءت الأنصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله.


(1) العرق (بالسكون): العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وجمعه عراق (النهاية 3: 220). (2) أنظر: الخرائج والجرائح 1: 1 5 0 / 2 4 0، وقصص الأنبياء للراوندي: 337، وسيرة ابن هشام 2: 1 37، والطبقات الكبرى 1: 233، ودلائل النبوة للبيهقي 2: 4 98، والوفا بأحوال المصطفى 1: 2 48، والكامل في التاريخ 2: 109، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19:. 104 / 1. (*)

[ 157 ]

فقال: (دعوا الناقة فإنها مامورة). فبركت على باب أبي أ يوب، فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن: نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (أتحبوني ؟). فقالوا: إي والله يا رسول الله. قال: (أنا والله احبكم) ثلاث مرات (1). قال علي بن إبراهيم بن هاشم: وجاءته اليهود - قريظة والنضير والقينقاع - فقالوا: يا محمد إلى ما تدعو ؟ قال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله، واني رسول الله، واني الذي تجدوني مكتوبا في التوراة، والذي أخبركم به علماؤكم أن مخرجي بمكة ومهاجري في هذه الحرة، وأخبركم عالم منكم جاءكم من الشام، فقال: تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس والتمور، لنبي يبعث في هذه الحره مخرجه بمكة ومهاجره ههنا، وهو اخر الأنبياء وأفضلهم، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسرة، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ويضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى، وهو لضحوك القتال، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر). فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك ولا نعين عليك أحدا، ولا نتعرض لأحد من أصحابك ولا تتعرض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك.


(1) دلائل النبوة للبيهقي 2: 508 وكذا في البداية والنهاية 3: 199 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 109. (*)

[ 158 ]

فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك، وكتب بينهم كتابا: أن لا يعينوا على رسول الله ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع (1) في السر والعلانية لا بليل ولا بنهار والله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله صلى الله عليه واله وسلم في حل من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم، وكتب لكل قبيلة منهم كتابا على حدة. وكان الذي تولى أمر بني النضير حمي بن أخطب، فلما رجع إلى منزله قال له اخويه جدي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب: ما عندك ؟ قال: هو الذي نجده في التوراة، والذي بشرنا به علماؤنا، ولا ازال له عدوا، لان النبوة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل، ولا نكون تبعا لولد إسماعيل أبدا. وكان الذي ولي أمر قريظة كعب بن أسد، والذي تولى أمر بني قينقاع مخيريق، وكان أكثرهم مالا وحدائق، فقال لقومه: تعلمون أنه النبي المبعوث، فهلم نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين. فلم تجبه قينقاع إلى ذلك (2). قال: وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يصلي في المربد بأصحابه، فقال لأسعد بن زرارة: (اشتر هذا المربد من أصحابه). فساوم اليتيمين عليه فقالا: هو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال رسول الله: (لا، إلا بثمن).


(1) الكراع: اسم لجماعة الخيل خاصة. (مجمع البحرين 4: 38 5 (2) انظر: تفسير القمي 2: 1 8 0، وقصص الأنبياء للراوندي: 338، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 110 (*)

[ 159 ]

فاشتراه بعشرة دنانير، وكان فيه ماء مستنقع، فأمر به رسول الله فسيل، وأمر باللبن فضرب، فبناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحفره في الأرض، ثم أمر بالحجارة فنقلت من الحرة، وكان المسلمون ينقلونها، فاقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحمل حجرا على بطنه، فاستقبله اسيد ابن حضير فقال: يا رسول الله أعطني أحمله عنك. قال: (لا، اذهب فاحمل غيره). فنقلوا الحجارة ورفعوها من الحفرة حتى بلغ وجه الأرض، ثم بناه أولا بالسعيدة لبنة لبنة، ثم بناه بالسميط (1)، وهو لبنة ونصف، ثم بناه بالانثى والذكر لبنتين مخالفتين، ورفع حائطه قامة، وكان مؤخره (ذراع) في مائة، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله لو: أظللت عليه ظلا. فرفع صلى الله عليه وآله وسلم أساطينه في مقدم المسجد إلى ما يلي الصحن بالخشب، ثم ظلله وألقى عليه سعف النخل، فعاشوا فيه، فقالوا: يا رسول الله لو سقفت سقفا. قال: (لا، عريش كعريش موسى، الأمر أعجل من ذلك). وابتنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منازله ومنازل أصحابه حول المسجد، وخط لأصحابه خططا، فبنوا فيها منازلهم، وكل شرع منه بابا إلى المسجد، وخط لحمزة وشرع بابه إلى المسجد، وخط لعلي بن أبي طالب عليه السلام مثل ما خط لهم، وكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: (يا محمد إن الله يأمرك أن تأمر كل من كان له باب إلى المسجد يسده، ولا يكون لأحد باب إلى المسجد إلا لك ولعلي، ويحل لعلي فيه ما يحل لك).


(1) السميط: الآجر القائم بعضه فوق بعض. (لسان العرب 7: 324) (*)

[ 160 ]

فغضب أصحابه وغضب حمزة وقال: أنا عمه يأمر بسد بابي ويترك باب ابن أخي وهو أصغر مني، فجاءه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عم لا تغضبن من سد بابك وترك باب علي، فوالله ما أنا أمرت بذلك ولكن الله أمر بسد أبوابكم وترك باب علي). فقال: يا رسول الله رضيت وسلمت لله ولرسوله (1). قال: وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حيث بنى منازله كانت فاطمة عليها السلام عنده، فخطبها أبو بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنتظر أمر الله عز وجل) ثم خطبها عمر، فقال: مثل ذلك. فقيل لعلي عليه السلام: لم لا تخطب فاطمة ؟ فقال: (والله ما عندي شئ). فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يسألك شيئا. فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاستحيى أن يسأله فرجع، ثم جاءه في اليوم الثاني فاستحيى فرجع، ثم جاء في اليوم الثالث فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي ألك حاجة ؟). قال: (بلى يا رسول الله). فقال: (لعلك جئت (خاطبا) ؟ (2). قال: (نعم يا رسول الله). قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (هل عندك شئ يا علي ؟). قال: (ما عندي يا رسول الله شئ إلا درعي).


(1) انظر الطبقات الكبرى 1: 239 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 111 (2) في نسخة (ط): تخطب فاطمة. (*)

[ 161 ]

فزوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على - اثنتي عشرة أوقية ونش (1) ودفع إليه درعه، فقال له رسول الله: (هيئ منزلا حتى تحول فاطمة إليه). فقال عليه السلام: (يا رسول الله ما ههنا منزل إلا منزل حارثة بن النعمان). وكان لفاطمة يوم بنى بها أمير المؤمنين عليه السلام تسع سنين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والد لقد استحيينا من حارثة، قد أخذنا عامة منازله). فبلغ ذلك حارثة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أنا ومالي لله ولرسوله، والله ما شئ أحب إلي مما تأخذه، ولذي تأخذه أحب إلي مما تترك. فجزاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خيرا. فحولت فاطمة عليها السلام إلى علي عليه السلام في منزل حارثة، وكان فراشهما إهاب كبش جعلا صوفه تحت جنوبهما (2). قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إلى بيت المقدس مدة مقامه بمكة وفي هجرته حتى أتى له سبعة أشهر (3)، فلما أتى له سبعة أشهر عيرته اليهود وقالوا له: أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا ونحن أقدم منك في الصلاة. فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك وأحب


(1) النش: عشرون درهما، وهو نصف أوقية. (الصحاح - نشش - 3: 1021). (2) انظر: الطبقات الكبرى 8: 1 9 - 23، ذخائر العقبى: 29 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 112. (3) اختلف في تاريخ تحويل القبلة إلى الكعبة، فمنهم من روى سبعة اشهر بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ومنهم من قال: سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة ومنهم من قال: تسعة اشهر أو عشرة اشهر، وقيل: بسنة ونصف. انظر: مجمع البيان 1: 2 23، سيرة ابن هشام 2: 1 9 8 تاريخ اليعقولي 2: 42 (*).

[ 162 ]

أن يحول الله قبلته إلى الكعبة، فخرج في جوف الليل ونظر إلى آفاق السماء ينتظر أمر الله، وخرج في ذلك اليوم إلى مسجد بني سالم الذي جمع فيه أول جمعة كانت بالمدينة، وصلى بهم الظهر هناك بركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، ونزل عليه: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) الآيات (1) (2). ثم نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اية القتال واذن له في محاربة قريش، وهي قوله: (اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) الآية (3) (4).


(1) البقرة 2: 144. (2) انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 178 / 843، ومجمع البيان 1: 223 وتفسير الطبري 2: 13، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 113. (3) الحج 22: 39 - 4 0. (4) انظر: مجمع، البيان 4: 87، تفسير الطبري 1 7: 123، وأسباب النزول - للواحدي: 177. (*)

[ 163 ]

(الباب الرابع) في ذكر مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه وسراياه ونبذ من أخباره الى أن فارق دنياه (1) على سبيل الإجمال والاختصار قال أهل السير والمفسرون: إن جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه ست وعشرون غزوة، وإن جميع سراياه التي بعثها ولم يخرج معها ست وثلاثون سرية. وقاتل عليه السلام من غزواته في تسع غزوات، وهي: بدر، وأحد، والخندق، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف (2). فأول سرية بعثها أنه بعث حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا، فساروا حتى بلغوا سيف البحر من أرض جهينة، فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثين ومائة راكب من المشركين، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني،


(1) في نسخة (م) زيادة: وما ظهر في أثناء ذلك من أعلام نبوته دلائل صدقه ورسالته. (2) انظر: مغازي الواقدي 1: 7، الطبقات الكبرى 2: 5 - 6، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 186 / 43 (*)

[ 164 ]

فرجع الفريقان ولم يكن بينهما قتال (1). ثم غزا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أول غزوة غزاها في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة حتى بلغ الأبواء، يريد قريشا وبني ضمرة، ثم رجع ولم يلق كيدا، فأقام بالمدينة بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول (2). وبعث في مقامه ذلك عبيدة بن الحارث في ستين راكبا من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار، وكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالتقى هو والمشركون على ماء يقال له: أحياء (3)، وكانت بينهم الرماية، وعلى المشركين أبو سفيان بن حرب (4). ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الآخر يريد قريشا حتى بلغ بواط (5)، ولم يلق كيدا (6). ثم غزا صلى الله عليه واله وسلم غزوة العشيرة يريد قريشا حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها بقمة جمادى الاولى وليالي من جمادى


(1) انظر: المغازي للواقدي 1: 9، وسيرة ابن هشام 2: 245. الطبقات الكبرى 2: 6، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 186 / 43 (2) انظر: المغازي للواقدي 1: 11، والطبقات الكبرى 2: 8، ودلائل البيهقي 3: 9، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 187. (3) احياء: ماء أسفل من ثنبة المرة. (معجم البلدان 1: 1 18). (4) انظر: المغازي للواقدي 1: 1 0 وسيرة ابن هشام 2: 42، الطبقات الكبرى 2: 7 ودلائل البيهقي 3: 10 و 11، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 187. (5) بواط: جبل جهينه، بناحية رضوى (معجم البلدان 1: 502). (6) مغازي (الواقدي 1: 1 2، سيرة ابن هشام 2: 2 48، الطبقات الكبرى 2: 8 وفيها ربيع الأول، دلائل النبوة للبيهقي 3: 11 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 187 (*)

[ 165 ]

الاخرة، ووادع فيها بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة (1) فروي عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، فقال لي علي عليه السلام: (هل لك يا أبا اليقظان في هذه الساعة بهذا النفر من بني مدلج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون). فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النوم، فعمدنا إلى صور (2) من النخل في دقعاء (3) من الأرض فنمنا فيه، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدمه، فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله لعلي: (يا أبا تراب) لما عليه من التراب. فقال: (ألا اخبركم بأشقى الناس ؟). قلنا: بلى يا رسول الله. قال: (احيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا) ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على رأسه (حتى يبل منها هذه) ووضع يده على لحيته (4). ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العشيرة إلى المدينة، فلم يقم بها عشر ليال حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له: سفوان، من ناحية بدر، وهي غزوة بدر الاولى، وحامل لوائه علي بن أبي هامش) * (1) سيرة ابن هشام 2: 249، الطبقات الكبرى 2: 9 دلائل النبوة للبيهقي 3: 1 1 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 187 (2) الصور: النخل المجتمع الصغار لا واحد له (الصحاح - صور - 2: 716). (3) الدقعاء: تراب المنثور على وجه الأرض العين 1: 145) (4) سيرة ابن هشام 2: 249، تاريخ الطبري 2: 4 0 8، دلائل النبوة للبيهقي 3: 1 2، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 187 (*)

[ 166 ]

طالب، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وفاته كرز فلم يدركه. فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقام جمادى الآخرة ورجب وشعبان، وكان بعث بين ذلك سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط، فرجع ولم يلق كيدا (1). ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن جحش إلى نخلة (2)، وقال: (كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش) ولم يأمره بقتال وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتابا وقال: (أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر ما فيه وامض لما أمرتك). فلما سار يومين وفتح الكتاب فإذا فيه: (أن امض حتى ننزل نخلة، فائتنا من أخبار قريش بما يصل إليك منهم) فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعا وطاعة، من كان له رغبة في الشهادة فلينطلق معي. فمضى معه القوم حتى إذا نزلوا النخلة مر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان والمغيرة ابنا عبد الله، معهم تجارة قدموا بها من الطائف، ادم وزبيب، فلما راهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد. حلق رأسه، فقالوا: عمار ليس عليكم منهم بأس، وائتمر أصحاب رسول الله، وهي آخر يوم من رجب، فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر. الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن هذه الليلة مكة فليمتنعن منكم. فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمر ج بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان،


(1) انظر: سيرة ابن هشام 2: 251، والطبقات الكبرى 2: 9، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 13 16، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 188 (2) ذكر في سيرة ابن هشام ان نخلة بين مكة والطائف. (*)

[ 167 ]

وهرب المغيرة بن عبد الله فأعجزهم. واستاقوا العير، فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: (والله ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام) وأوقف الأسيرين ولعير ولم يأخذ منها شيئا، واسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام. فأنزل الله سبحانه: (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه) الاية (1). فلما نزل ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العير وفداء الأسيرين، وقال المسلمون: أتطمع لنا أن نكون غزاة ؟ فأنزل الله فيهم (إن الذين آمنوا والذين هاجروا - (إلى قوله: أولئك يرجون رحمة الله). الاية (2). وكانت هذه قبل بدر بشهرين (3)


(1) البقرة 2: 217. (2) البقرة 2: 218 (3) انظر: سيرة ابن هشام 2: 252، والطبقات الكبرى 2: 10، وتاريخ الطبري 2: 410، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 18. ونقله المجلسي بحار الأنوار 19: 188 (*)

[ 168 ]

(غزوة بدر الكبرى) ثم كانت غزوة بدر الكبرى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب في أربعين راكبا من قريش تجارا قافلين من الشام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثمائة راكب ونيف، وأكثر أصحابه مشاة، معهم ثمانون بعيرا وفرس يقال إنه للمقداد، يعتقب النفر على البعير الواحد، وكان بين رسول الله وبين مرثد بن أبي مرثد الغنوي بعير، وذلك في شهر رمضان. فلما خرج من المدينة وبلغ أبا سفيان الخبر أخذ بالعير على الساحل، وارسل إلى أهل مكة يستصرخ بهم، فخرج منهم نحو من ألف رجل من سائر بطون قريش ومعهم مائتا فرس يقودونها، وخرجوا معهم بالقيان يضربن بالدفوف ويتغنين بهجاء المسلمين، ورجع الأخنس بن شريق الثقفي ببني زهرة من الطريق وكان حليفا لهم، فبقي منهم نحو من تسعمائة وسبعين رجلا، وفيهم العباس وعقيل ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب خرجوا مكرهين، وكانت أشرافهم المطعمون فيهم: العباس بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة وطعيمة بن عدي وأبو البختري بن هشام وأمية بن خلف وحكيم بن حزام والنضر بن الحارث بن كلدة وأبو جهل بن هشام وسهيل بن عمرو. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر، وهي بئر منسوبة إلى رجل من غفار يقال له: بدر، وقد علم رسول الله بفوات العير ومجئ قريش شاور أصحابه في لقائهم أو الرجوع، فقالوا: الأمر إليك وآلق بنا القوم. فلقيهم على بدر لسبع عشرة من شهر رمضان، وكان لواء رسول الله يومئذ أبيض مع مصعب بن عمير ورايته مع علي عليه السلام، وأيدهم الله سبحانه

[ 169 ]

بخمسة آلاف من الملائكة، فكثر الله المسلمين في أعين الكفار وقلل المشركين في أعين المؤمنين كيلا يفشلوا، وأخذ رسول الله كفا من تراب فرماه إليهم وقال: (شاهت الوجوه) فلم يبق منهم أحد إلا اشتغل بفرك عينيه. وقتل الله من المشركين نحو سبعين رجلا، واسر نحو سبعين (1) رجلا منهم: العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، فأسلموا، وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث قتلهما رسول الله بالصفراء، وقال صلى الله عليه واله وسلم للعباس: (افد نفسك وابني أخويك عقيلا ونوفلا، وحليفك عتبة بن عمرو وأخي بني الحارث بن فهر فإنك ذو مال). فقال: إني كنت مسلما وإن القوم استكرهوني. فقال عليه السلام: (الله أعلم بإسلامك، إن يكن حقا فإن الله يجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا). قال: فليس لي مال. قال: (فأين المال الذي وضعته عند أم الفضل بمكة وليس معكما أحد فقلت لها: إن اصبت في سفري هذا فهذا المال لبني: الفضل وعبد الله وقثم ؟). فقال: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشئ ما علمه أحد غيري وغير ام الفضل، فأحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني من مال كان معي عشرون أوقية. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلبم: (لا، ذأك شئ أعطانا الله


(1) في نسخة (ط): ستين. (*)

[ 170 ]

منك). ففدى نفسه بمائة أوقية، وفدى كل واحد بأربعين أوقية (1). وقتل علي عليه السلام ببدر من المشركين: الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان شجاعا فاتكا، والعاص بن سعيد بن العاص بن امية والد سعيد بن العاص، وطعيمة بن عدي بن نوفل شجره بالرمح وقال: (والله لا تخاصمنا في الله بعد اليوم أبدا) ونوفل بن خويلد، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بحبل وعذبهما يوما إلى الليل، وهو عم الزبير بن العوام، ولما أجلت الوقعة قال النبي صلى الله عليه واله وسلم (من له علم بنوفل) ؟ فقال عليه السلام: (أنا قتلته) فكبر النبي عليه السلام ثم قال: (الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه) (2). وروى جابر، عن الباقر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام قال: (لقد تعجبت يوم بدر من جرأة القوم وقد قتلت الوليد بن عتبة، إذ أقبل إلي حنظلة ابن أبي سفيان فلما دنا مني ضربته بالسيف فسالت عيناه ولزم الأرض قتيلا) (3). وقتل زمعة بن الأسود، والحارث بن زمعة، وعمير بن عثمان بن كعب ابن تيم عم طلحة بن عبيد الله، وعثمان ومالكا أخوي طلحة في جماعة، وهم في ستة - وثلاثين رجلا (4). وقتل حمزة بن عبد المطلب شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، والأسود بن


(1) انظر: سيرة ابن هشام 2: 263، والطبقات الكبرى 2: 11، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 32، 142. (2) انظر: ارشاد المفيد 1: 7 0، ومغازي الواقدي 1: 92، وسيرة ابن هشام 3: 366. (3) ارشاد المفيد 1: 75. (4) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14: 209. (*)

[ 171 ]

عبد الأسود المخزومي (1). وقتل عمرو بن الجموح أبا جهل بن هشام، ضربه بالسيف على رجله فقطعها ودفف (2) عليه عبد الله بن مسعود فذبحه بسيفه من قفاه، وحمل رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال عبد الله: وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على مذقره - أي عنقه - وقلت: هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال: رويعي الغنم ! لقد ارتقيت مرتقا صعبا. قال: ثم اجتززت رأسه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: هذا رأس عدو الله أبي جهل، فحمد الله تعالى (3). وقتل عمار بن ياسر امية بن خلف (4). وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تلقى القتلى في قليب بدر، ثم وقف عليهم ونأداهم باسمائهم وأسماء ابائهم واحدا واحدا، ثم قال: (قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) ثم قال: (إنهم ليسمعون كما تسمعون ولكن منعوا عن الجواب) (5). واستشهد من المسلمين يوم بدر أربعة عشر رجلا، منهم: عبيدة بن


(1) انظر: مغازي الواقدي 1: 151، وسيرة ابن هشام 2: 366، وفيهما: الأسود بن عبدا الأسد المخزومي. (2) دفف على الجريح: أجهز عليه، وفي حديث ابن مسعود: انه داف أبا جهل يوم بدر أي أجهز عليه (لسان العرب - دفف - 9: 105) (3) انظر: سيرة ابن هشام 2: 288 و 289، وتاريخ الطبري 2: 454 - 456 ودلائل النبوة للبيهقي 3: 84 - 85. (4) المغازي للواقدي 1: 151 وفيه علي بن امية بن خلف بدل أمية بن خلف، السيرة النبوية لابن هشام 2: 372. (5) سيرة ابن هشام 2: 9 2، تاريخ الطبري 2: 4 56، دلائل النبوة للبيهقي 3: 48 وفيها باختلاف يسير. (*)

[ 172 ]

الحارث بن عبد المطلب، وذو الشمالين عمرو بن نضلة حليف بني زهرة، ومهجع مولى عمر، وعمير بن أبي وقاص، وصفوان بن أبي البيضاء (1) وهؤلاء من المهاجرين، والباقون من الأنصار (2). ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة من بدر لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم، حتى بلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر، فاقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وفادى في إقامته جل اسارى بدر من قريش (3).، ثم كانت غزوة السويق (4)، وذلك أن أبا سفيان نذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمدا، فخرج في مائة راكب من قريش ليبر يمينه، حتى إذا كان على بريد من المدينة أتى بني النضير ليلا، فضرب على حيي ابن أخطب بابه، فأبى أن يفتح له، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم - وكان سيد بني النضير - فاستأذن عليه فاذن له وساره، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، وبعث رجلا من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية يقال لها: العريض، فوجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له فقتلوهما، ثم انصرفوا ونذر


(1) كذا في نسخنا، والصواب: صفوان بن بيضار كما اثبتته جميع المصادر (2) انظر: المغازي للواقدي 1: 145 - 146، الطبقات الكبرى 2: 17 - 18 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 14: 207. (3) سيرة ابن هشام 3: 46، تاريخ الطبري 2: 482 (4) قال ابن هشام: وإنما سميت غزوة السويق، فيما حدثني أبو عبيدة: ان أثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير. والسويق: هو ان تحمص الحنطة أو الشعير أو نحو ذلك، ثم تطحن، وقد تمزج باللبن والعسل والسمن وتلث، وإلا فبالماء فقط. (*)

[ 173 ]

بهم الناس. فخرج رسول الله في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر (1) فرجع وقد فاته أبو سفيان، ورأوا زادا من أزواد القوم قد طرحوها يتخففون منها للنجاء، فقال المسلمون حين رجع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بهم: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة ؟ فقال عليه السلام: (نعم) (2). ثم كانت غزوة في أكل، بعد مقامه بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم، مرجعه من غزوة السويق، وذلك لما بلغه أن جمعا من غطفان قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة عليهم رجل يقال له: دعثور بن الحارث ابن محارب، فخرج في اربعمائة وخمسين رجلا ومعهم أفراس، وهرب منه الأعراب فوق ذرى الجبال، ونزل صلى الله عليه وآله وسلم ذا أمر وعسكر به، وأصابهم مطر كثير. فذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحاجته فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وادي أمر بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها، والأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله، فقالت الأعراب لدعثور - وكان سيدهم وأشجعهم - قد أمكنك محمد وقد انفرد من بين أصحابه حيث إن غوث باصحابه لم يغث حتى تقتله. فاختار سيفا من سيوفهم صارما، ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رأس رسول الله بالسيف مشهورا فقال: يا محمد من يمنعك مني


(1) قرقرة الكدر: القرقرة الأرض الملساء، والكدر جصمع، أكدر من اللون، قال الواقدي: بناحية المعدن تريبة من الأرحضية بينها وبين المدينة ثمانية برد. وقال غيره: ماء لبني سليم. (معجم البلدان 4: 441). (2) انظر: المغازي للواقدي 1: 181، وسيرة ابن هشام 3: 47، والطبقات الكبرى 2: 3 0. (*)

[ 174 ]

اليوم ؟ قال: (الله). ودفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله وقام على رأسه وقال: (من يمنعك مني) ؟. قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والله لااكثر عليك جمعا أبدا. فأعطاه رسول الله سيفه ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه ثم قال: والله لأنت خير مني. قال رسول الله: (أنا أحق بذلك منك). فأتى قومه فقيل له: أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك ؟ قال: قد كان والله ذلك، ولكني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدا رسول الله،. والله لا اكثر عليه. وجعل يدعو قومه إلى الإسلام ونزلت هذه الاية: (يا ايها الذين امنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ان يبسطوا اليكم ايديهم فكف ايديهم عنكم) الاية (1) (2). ثم كانت غزوة القردة، ماء من مياه نجد، بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة بعد رجوعه من بدر إلى المدينة بستة أشهر، فأصابوا عيرا لقريش على القردة فيها أبو سفيان ومعه فضة كثيرة، وذلك لأن قريشا قد خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر، فسلكوا طريق العراق واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له: فرات بن حيان، يدلهم على الطريق، فأصاب زيد بن حارثة تلك العير، وأعجزته


(1) المائدة 5: 11. (2) المغازي للواقدي 1: 1 9 4 - 196، الطبقات الكبرى 2: 34 بزيادة فيهما (*)

[ 175 ]

الرجال هربا (1). وفي رواية الواقدي: أن ذلك العير مع صفوان بن امية، وأنهم قدموا بالعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسروا رجلا أو رجلين، وكان فرات بن حيان أسيرا فأسلم فترك من القتل (2). ثم كانت غزوة بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وذلك أن رسول الله جمعهم وإ ياه سوق بني قينقاع، فقال لليهود: (احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من قوارع الله، فأسلموا فإنكم قد عرفتم نعتي وصفتي في كتابكم). فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت قومك فأصبت فيهم، فإنا والله لو حاربناك لعلمت أنا خلافهم. فكادت تقع بينهم المناجزة، ونزلت فيهم: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا - إلى قوله: - اولي الابصار) (3) (4). وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصرهم ستة أيام حتى نزلوا على حكمه، فقام عبد الله بن ابي فقال: يا رسول الله موالي وحلفائي وقد منعوني من الأسود والأحمر ثلاثمائة دارع وأربعمائة حاسر تحصدهم في غداة واحدة، إني والله لا آمن وأخشى الدوائر. وكانوا حلفاء الخزرج دون الأوس، فلم يزل يطلب فيهم حتى وهبهم له، فلما رأوا ما نزل بهم من الذل خرجوا من المدينة ونزلوا اذرعات (5)، ونزلت في عبد الله بن ابي


(1) المغازي للواقدي 1: 197 مفصلا، سيرة أبن هشام 3: 53، تاريخ الطبري 2: 49 2. (2) المغازي للواقدي 1: 198.. (3) آل عمرا ن 3: 13. (4) المغازي للواقدي 1: 76، سيرة ابن هشام 3: 5 0، تاريخ الطبري 2: 4 79، وفيها باختلاف يسير. (5) اذرعات: بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقان وعمان. (معجم البلدان 1: 130). (*)

[ 176 ]

وناس من الخزرج (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء - إلى قوله: - في انفسهم نادمين) (1) (2). ثم كانت غزوة أحد على رأس سنة من بدر، ورئيس المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب، وكان أصحاب رسول الله يومئذ سبعمائة والمشركون ألفين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن استشار أصحابه، وكان رأيه عليه السلام أن يقاتل الرجال على أفواه السكك ويرمي الضفاء من فوق البيوت، فأبوا إلا الخروج إليهم. فلما صار على الطريق قالوا: نرجع، فقال: (ما كان لنبي إذا قصد قوما أن يرجع عنهم). وكانوا ألف رجل، فلما كانوا في بعض الطريق انخذل عنهم عبد الله ابن أبي بثلث الناس وقال: والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا والقوم قومه، وهمت بنو حارثة وبنو سلمة بالرجوع، ثم عصمهم الله عز وجل، وهو قوله: (إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا) الاية (3) وأصبح رسول الله، صلى الله عليه واله وسلم متهيئا للقتال، وجعل على راية المهاجرين عليا عليه السلام، وعلى راية الأنصار سعد بن عبادة، وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في راية الأنصار، ثم مر صلى الله عليه وآله وسلم على الرماة وكانوا خمسين رجلا وعليهم عبد الله بن جبير - فوعظهم وذكرهم وقال: (اتقوا الله واصبروا، وإن رأيتمونا يخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى ارسل إليكم).


(1) المائدة 5: 51. (2) سيرة ابن هشام 3، 5 1، وتاريخ الطبري 2: 48 0 وفيهما نحوه. (3) آل عمرا ن 3: 122. (*)

[ 177 ]

وأقامهم عند رأس الشعب، وكانت الهزيمة على المشركين، وحسهم المسلمون بالسيوف حسا (1). فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ فقال عبد الله: أنسيتم قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، أما أنا فلا أبرح موقفي الذي عهد إلي فيه رسول الله ما عهد. فتركوا أمره وعصوه بعد ما رأوا ما يحبون، وأقبلوا على الغنائم، فخرج كمين المشركين وعليهم خالد بن الوليد، فانتهى إلى عبد الله بن جبير فقتله، ثم أتى الناس من أدبارهم ووضع في المسلمين السلاح، فانهزموا، وصاح إبليس - لعنه الله -: قتل محمد، ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم يدعوهم في اخراهم: (أيها الناس اني رسول الله وإن الله قد وعدني النصر فإلى أين الفرار ؟) فيسمعون الصوت ولا يلوون على شئ. وذهبت صيحة إبليس حتى دخلت بيوت المدينة، فصاحت فاطمة عليها السلام، ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا وضعت يدها علق رأسها، وخرجت فاطمة عليها السلام تصرخ (2). قال الصادق عليه السلام: (انهزم الناس عن رسول الله فغضب غضبا شديدا، وكان إذا غضب انحدر من وجهه وجبتهه مثل اللؤلؤ من العرق، فنظر فإذا علي عليه السلام إلى جنبه، فقال: مالك لم تلحق ببني أبيك ؟ فقال علي: يا رسول الله أكفر بعد ايمان ! إن لي بك اسوة، فقال: أما لا فاكفني هؤلاء. فحمل علي عليه السلام فضرب أول من لقي منهم، فقال جبرئيل:


(1) حسا: أي استأصلوهم قتلا. (انظر: الصحاح - حسس - 3: 917) (2) انظر: المغازي للواقدي 1: 229 و 277، وتاريخ الطبري 2: 5 0 4 510، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 0: 93 / 28. (*)

[ 178 ]

إن هذه لهي المواساة يا محمد. قال: إنه مني وأنا منه. قال: جبرئيل وأنا منكما) (1). وثاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أصحابه، واصيب من المسلمين سبعون رجلا، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان ابن الرشيد، والباقون من الأنصار (2). قال: وأقبل يومئذ ابي بن خلف وهو على فرس له وهو يقول: هذا ابن أبي كبشة، بوء بذنبك، لا نجوت إن نجوت. ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين الحارث بن الصمة وسهل بن حنيف يعتمد عليهما، فحمل عليه فوقاه مصعب بن عمير بنفسه، فطعن مصعبا فقتله، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنزة كانت في يد سهل بن حنيف ثم طعن ابيا في جربان الدرع، فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره وهو يخور خوار الثور، فقال أبو سفيان: ويلك ما أجزعك، إنما هو خدش ليس بشئ. فقال: ويلك يا ابن حرب، أتدري من طعنني، إنما طعنني محمد، وهو قال لي بمكة: إني سأقتلك، فعلمت أنه قاتلي، والله لو أن ما بي كان بجميع أهل الحجاز لقضت عليهم. فلم يزل يخور الملعون حتى صار إلى النار (3).


(1) نحوه في: الكافي 8: 110 / 90، الارشاد 1: 85، مناقب ابن شهرآشوب 3: 1 24، تاريخ الطبري 2: 514، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 95 / ضمن حديث 28. (2) انظر: المغازي للواقدي 1: 300، سيرة ابن هشام 3: 129، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 95 ضمن حديث رقم 28. (3) نحوه في: المغازي للواقدي 1: 250 - 251، وسيرة ابن هشام 3: 89، وتاريخ الطبري 2: 520، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 258، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 95 / ضمن حديث 28. (*)

[ 179 ]

وفي كتاب أبان بن عثمان: أنه لما انتهت فاطمة وصفية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونظرتا إليه قال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: (أما عمتي فاحبسها عني، وأما فاطمة فدعها). فلما دنت فاطمة عليها السلام من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ورأته قد شج في وجهه وادمي فوه إدماء صاحت وجعلت تمسح الدم وتقول: (اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله) وكان يتناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يسيل من الدم ويرميه في الهواء فلا يتراجع منه شئ (1). قال الصادق عليه السلام: (والله لو سقط منه شئ على الأرض لنزل العذاب) (2). قال أبان بن عثمان: حدثني بذلك عنه الصباح بن سيابة قال: قلت: كسرت رباعيته كما يقوله هؤلاء ؟ قال: (لا والله، ما قبضه الله إلا سليما، ولكنه شج في وجهه). قلت: فالغار في احد الذي يزعمون أن رسول الله صار إليه ؟ قال: (والله ما برح مكانه، وقيل له: ألا تدعو عليهم ؟ قال: اللهم اهد قومي). ورمى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ابن قميئة بقذافة فأصاب كفه حتى ندر (3) السيف من يده وقال: خذها مني وأنا ابن قميئة.


(1) المغازي للواقدي 1: 249 قطعة منه، ونفله المجلسي في بحار الأنوار 2 0: 95 ضمن حديث 28. (2) نقله المجلسي في بحار الأنوار 2 0: 9 6 ضمن حديث 28. (3) ندر الشئ، إذا سقط (العين 8: 21) (*)

[ 180 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أذلك الله وأقمأك (1) وضربه عتبة بن أبي وقاص بالسيف حتى أدمى فاه، ورماه عبد الله بن شهاب بقلاعة فاصاب مرفقه (2). وليس أحد من هؤلاء مات ميتة سوية، فأما ابن قميئة فأتاه تيس وهو نائم بنجد فوضع قرنه في مراقه ثم دعسه فجعل ينادي: وا ذلاه، حتى أخرج قرنيه من ترقوته. وكان وحشي يقول: قال لي جبير بن مطعم - وكنت عبدا له -: إن عليا قتل عمي يوم بدر - يعني طعيمة - فإن قتلت محمدا فأنت حر، وإن قتلت عم محمد فأنت حر، وإن قتلت ابن عم محمد فأنت حر. فخرجت بحربة لي مع قريش إلى احد اريد العتق لا اريد غيره ولا أطمع في محمد، وقلت: لعلي اصيب من علي أو حمزة غرة فأزرقه، وكنت لا أخطئ في رمي ايحراب، تعلمته من الحبشة في أرضها، وكان حمزة يحمل حملاته ثم يرجع إلى موقفه (3) قال أبو عبد الله عليه السلام: (وزرقه وحشي، فوق الثدي، فسقط وشدوا عليه فقتلوه، فأخذ وحشي الكبد فشد بها إلى هند بنت عتبة، فأخذتها فطرحتها في فيها فصارت مثل الداغصة (4)، فلفظتها.


(1) اقمأك: صغرك وأذلك. (انظر: العين 5: 235). (2) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 92، والمغازي للواقدي 1: 244 - 26، وتاريخ الطبري 2: 515، والكامل في التاريخ 2: 155، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20 96 ضمن حديث 28. (3) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 192 - 193، سيرة ابن هشام 3: 75 - 76، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 0: 9 6 ضمن حديث 28. (4) الداغصة: عظم مدور يديص ويموج فوق رضف الركبة، وقيل: يتحرك على رأس الركبة. (لسان العرب 7: 36). (*)

[ 181 ]

قال وكان الحليس بن علقمة نظر إلى أبي سفيان وهو على فرس وبيده رمح يجأ به في شدق حمزة فقال: يا معشر بني كنانة انظروا إلى من يزعم أنه سيد قريش ما يصنع بابن عقه الذي قد صار لحما - وأبو سفيان يقول: ذق عقق - فقال أبو سفيان: صدقت إنما كانت مني زلة اكتمها على. قال: وقام أبو سفيان فنادى بعض المسلمين: أحي ابن أبي كبشة ؟ فأما ابن أبي طالب فقد رأيناه مكانه. فقال علي عليه السلام: (إي والذي بعثه بالحق إنه ليسمع كلامك). قال: إنه قد كانت في قتلاكم مثلة، والله ما أمرت ولا نهيت، إن ميعاد ما بيننا وبينكم موسم بدر في قابل هذا الشهر. فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (قل: نعم). فقال: (نعم). فقال أبو سفيان لعلي عليه السلام: إن ابن قميئة أخبرني أنه قتل محمدا وأنت أصدق عندي وأبر. ثم ولى إلى أصحابه وقال: اتخذوا الليل جملا وانصرفوا. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام فقال: (اتبعهم فانظر أين يريدون، فإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، وإن كانوا ركبوا الإبل وساقوا الخيل فهم متوجهون إلى مكة) (1). وقيل: إنه بعث لذلك سعد بن أبي وقاص فرجع وقال: فرأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة مدبرة، ورأيت القوم قد تجملوا سائرين. فطابت أنفس المسلمين بذهاب العدو، فانتشروا يتتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلا


(1) انظر: المناقب لابن شهر اشوب 1: 93، المغازي للواقدي 1: 286، وسيرة ابن هشام 3: 96 - 100، وتاريخ الطبري 2: 5 27، والكامل في التاريخ 2: 160، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 96 ضمن حديث 28. (*)

[ 182 ]

إلا وقد مثلوا به، إلا حنظلة بن أبي عامر، كان أبوه مع المشركين فترك له. ووجدوا حمزة قد شقت بطنه، وجدع أنفه، وقطعت اذناه، واخذ كبده، فلما انتهى إليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خنقته العبرة وقال: (لامثلن بسبعين من قريش) فأنزل الله سبحانه (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (1) الاية، فقال صلى الله عليه واله وسلم: (بل أصبر). وقال صلى الله عليه واله وسلم: (من ذلك الرجل الذي تغسله الملائكة في سفح الجبل ؟). فسألوا امرأته فقالت: انه خرج وهو جنب. وهو حنظلة بن أبي عامر الغسيل (2). قال أبان: وحدثني أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (ذكر لرسول الله رجل من أصحابه يقال له: قزمان بحسن معونته لإخوانه، وزكوة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه من أهل النار. فاتي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقيل: إن قزمان استشهد، فقال: يفعل الله ما يشاء. ثم اتي ثقيل: إنه قتل نفسه، فقال: أشهد أني رسول الله. قال: وكان قزمان قاتل قتالا شديدا، وقتل من المشركين ستة أو سبعة، فأثبتته الجراح فاحتمل إلى دور بني ظفر، فقال له المسلمون: أبشر يا قزمان فقد أبليت اليوم، فقال: بم تبشروني ! فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. فلما اشتدت عليه الجراحة جاء إلى كنانته فأخذ منها


(1) النحل 16: 126. (2) أنظر: سيرة ابن هشام 3: 79 - 101، وتاريخ الطبري 2: 521 - 528، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 285 - 286، والكامل في التاريخ 2: 158 - 161، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 98 ضمن حديث 28. (*)

[ 183 ]

مشقصا (1) فقتل به نفسه) (2). قال: وكانت امرأة من بني النجار قتل أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدنت من رسول الله والمسلمون قيام على رأسه فقالت لرجل: أحي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: نعم، قالت: أستطيع أن أنظر إليه ؟ قال: نعم، فأوسعوا لها فدنت منه وقالت: كل مصيبة جلل بعدك، ثم انحرفت. قال: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حين دفن القتلى، فمر بدور بني الأشهل وبني ظفر، فسمع بكاء النوائح على قتلاهن فترقرقت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكى ثم قال: (لكن حمزة لا بواكي له اليوم). فلما سمعها سعد بن معاذ واسيد بن حضير قالوا: لا تبكين امرأة حميمها حتى تأتي فاطمة فتسعدها. فلما سمع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الواعية على حمزة وهو عند فاطمة على باب المسجد قال: (ارجعن رحمكن الله فقد اسيتن بأنفسكن) (3). ثم كانت غزوة حمراء الأسد (4). قال أبان بن عثمان: لما كان من الغد من يوم أحد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله، وسلم في المسلمين فأجابوه، فخرجوا على علتهم وعلى ما أصابهم من القرح، وقدم عليا بين يديه براية


(1) المشقص: سهم له نصل عريض لرمي الوحش. (العين 5: 33) (2) سيرة ابن هشام 3: 93، وتاريخ الطبري 2: 351، والكامل في التاريخ 2: 162، وفيها باختلاف يسير، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 98 ضمن الحديث 28. (3) المغازي للواقدي 1: 292، وسيرة ابن هشام 3: 104 - 105، وتاريخ الطبري 2: 532 - 533، والكامل في التاريخ 2: 163، وفيها بني دينار بدل بني النجار. ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 98 ضمن حديث 28. (4) حمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة. (معجم البلدان 2: 301). (*)

[ 184 ]

المهاجرين حتى انتهى إلى حمراء الأسد ثم رجع إلى المدينة، فهم الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وخرج أبو سفيان حتى انتهى إلى الروحاء، فأقام بها وهو يهم بالرجعة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: قد قتلنا صناديد القوم فلو رجعنا استصألناهم. فلقي معبد الخزاعي فقال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: قد والله تركت محمدا وأصحابه وهم يحرقون عليكم، وهذا علي ابن أبي طالب قد أقبل على مقدمته في الناس، وقد اجتمع معه من كان تختف عنه، وقد دعاني ذلك إلى أن قلت شعرا. قال أبو سفيان: وماذا قلت ؟ قال: قلت: كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردي باسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا خرق معازيل - الأبيات - فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ثم مر به ركب من عبد القيس يريدون الميرة من المدينة، فقال لهم: أبلغوا محمدا أني قد أردت الرجعة إلى أصحابه لأستأصلهم وأوقر لكم ركابكم زبيبا إذا وافيتم عكاظ. فأبلغوا ذلك إليه وهو بحمراء الأسد، فقال عليه السلام والمسلمون معه: (حسبنا الله ونعم الوكيل) (1). ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حمراء الأسد إلى المدينة يوم الجمعة، قال: ولما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


(1) المناقب لابن شهر اشوب 1: 194، وانظر: المغازي للواقدي 1: 338، وتاريخ الطبري 2: 535، والكامل في التاريخ 2: 164، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 99 ضمن حديث 28. (*)

[ 185 ]

حمراء الأسد وثبت فاسقة من بني خطمة يقال لها: العصماء أم المنذر بن المنذر تمشي في مجالس الأوس والخزرج وتقول شعرا تحرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس في بني خطمة يومئذ مسلم إلا واحد يقال له: عمير بن عدي، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غدا عليها عمير فقتلها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: إني قتلت ام المنذر لما قالته من هجر. فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كتفيه وقال: (هذا رجل نصر الله ورسوله بالغيب، أما إنه لا ينتطح فيها (1) عنزان). قال عمير بن عدي: فأصبحت فمررت (ببنيها) (2) وهم يدفنونها فلم يعرض لي أحد منهم ولم يكلمني (3). ثم كانت غزوة الرجيع، بعث رسول الله مرثد بن أبي مرئد الغنوي حليف حمزة، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت بن الأفلج، وخبيب بن عدي، وزيد بن دثنة، وعبد الله بن طارق، وأمير القوم مرثد لما قدم عليه رهط من عضل والديش وقالوا: ابعث معنا نفرا من قومك يعلموننا القرآن ويفقهوننا في الدين، فخرجوا مع القوم إلى بطن الرجيع - وهو ماء لهذيل - فقتلهم حي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، وأصيبوا جميعا (4). وذكر ابن اسحاق: أن هذيلا حين قتلت عاصم بن ثابت أرادوا رأسه


(1) أي لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان، لأن النطاح من شأن التيوس الكباش لا العنوز. (2) في نسخة (م): ببيتها، وفي (ق): غير منقوطة، واثبتنا ما في نسخة (ط). (3) نقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 100 / 28. (4) ورد بتفصيل أوسع في: المناقب لابن شهر آشوب 1: 194، المغازي للواقدي 1: 354، وسيرة ابن هشام 3: 178، والطبقات الكبرى 2: 55 وتاريخ الطبري 2: 538، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 327 - 328، والكامل في التاريخ 2: 167. (*)

[ 186 ]

ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وقد كانت نذرت حين أصيب ابناها باحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر فمنعتهم الدبر (1)، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى نمسي فتذهب عنه. فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به، وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته (2). ثم كانت غزوة بئر معونة على رأس أربعة أشهر من احد، وذلك أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله بالمدينة فعرض عليه الإسلام فلم يسلم، وقال: يا محمد إن بعثت رجالا إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال: (أخشى عليهم أهل نجد). فقال أبو براء: أنا لهم جار. فبعث رسول الله المنذر بن عمرو في بضعة وعشرين رجلا، وقيل: في أربعين رجلا، وقيل: في سبعين رجلا من خيار المسلمين، منهم: الحارث ابن الصمة، وحرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة. فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم - فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر (عامر) في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، فقال: الله أكبر فزت


(1) الدبر (بالفتح): جماعة النحل. قال الاصمعي: لا واحد لها، ويجمع على دبور. قال لبيد: بأبيض من أبكار مزن سحابة وارى دبور شاره النحل عاسل (الصحاح: - دبر - 2: 652) (2) انظر: المغازي للواقدي 1: 356، وسيرة ابن هشام 3: 180، والطبقات الكبرى 2: 55 - 56، وتاريخ الطبري 2: 539، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 328، والكامل في التاريخ 2: 168. (*)

[ 187 ]

ورب الكعبة. ثم دعا بني عامر إلى قتالهم فأبوا أن يجيبوه وقالوا: لانخفر (1) أبا براء، فاستصرخ قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوان، وهم الذين قنت عليهم النبي صلى الله عليه واله وسلم ولعنهم، فأجابوه وأحاطوا بالقوم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم وقاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم. وكان في سرح القوم (2) عمرو بن اميه الضمري ورجل من الأنصار، فلم يكن ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فاقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، فقال الأنصاري لعمرو: ما ترى ؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه واله وسلم فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قل فيه المنذر بن عمرو، فقاتل القوم حتى قتل، ورجع عمرو إلى المدينة فأخبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: (هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها). فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ونزل به الموت. فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل وطعنه وهو في نادي قومه فأخطأ مقاتله وأصاب فخذه، فقال عامر: هذا عمل عمي أبي براء، إن مت فدمي لعمي لا تطلبوه به، وإن اعش فسأرى فيه رأيي (3).


(1) اخفرت الرجل: إذا نقضت عهده وغدرت به. (انظر: الصحاح - خفر - 2: 649). (2) سرح القوم: أي عند ماشيتهم، فيقال: سرحت الماشية أي اخرجتها بالغداة الى المرعى. (انظر: لسان العرب 2: 478). (3) انظر: المناقب لابن شهر آثوب 1: 1 95، المغازي للواقدي 1: 34 6، سرة ابن هشام 3: 193، الطبقات الكبرى 2: 51، تاريخ الطبري 2: 545، دلائل النبوة للبيهقي 3: 338، الكامل في التاريخ 2: 171. (*)

[ 188 ]

ثم كانت غزوة بني النضير، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مشى إلى كعب بن الأشرف يستقرضه فقال: مرحبا بك يا أبا القاسم وأهلا. فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وقام كأنه يصنع لهم طعاما، وحدث نفسه أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزل جبرئيل عليه السلام وأخبره بما هم به القوم من الغدر، فقام صلى الله عليه وآله وسلم كأنه يقضي حاجة، وعرف أنهم لا يقتلون أصحابه وهو حي، فأخذ عليه السلام الطريق نحو المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب الذين كان أرسل إليهم يستعين بهم على رسول الله، فأخبر كعبا بذلك، فسار المسلمون راجعين. فقال عبد الله بن صوريا - وكان أعلم اليهود -: والله إن ربه اطلعه على ما أردتموه من الغدر، ولا يأتيكم والله أول ما يأتيكم إلا رسول محمد يأمركم عنه بالجلاء، فأطيعوني في خصلتين لا خير في الثالثة: أن تسلموا فتأمنوا على، دياركم وأموالكم، وإلا فإنه يأتيكم من يقول لكم: اخرجوا من دياركم. فقالوا: هذه أحب إلينا. قال: أما إن الأولى خير لكم منها، ولولا أني أفضحكم لأسلمت. ثم بعث (صلى الله علية وآله وسلم) محمد بن مسلمة إليهم يأمرهم بالرحيل والجلاء عن ديارهم وأموالهم، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال (1). ثم كانت غزوة بني لحيان، وهي الغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان حين أتاه الخبر من السماء بما هم به المشركون. وقيل: إن هذه


(1) نظر: سيرة أبن هشام 3: 199، الطبقات الكبرى 2: 57، دلائل النبوة للبيهقي 3: 180، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 163 / 1. (*)

[ 189 ]

الغزوة كانت بعد غزوة بني قريظة (1). ثم كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بني النضير بشهرين. قال البخاري: إنها كانت بعد خيبر، لقي بها جمعا من غطفان، ولم يكن بينهما حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلاة الخوف ثم انصرف بالناس (2). وقيل: إنما سميت ذات الرقاع لانه جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض فسمي ذات الرقاع (3). وقيل: إنما سميت بذلك لأن أقدامهم نقبت فيها، فكانوا يلفون على أرجلهم الخرق (4). وكان صلى الله عليه وآله وسلم على شفيرواد نزل أصحابه على الغدوة الاخرى من الوادي، فهم كذلك إذ أقبل سيل، فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين يقال له: غورث، فقال لقومه: أنا أقتل لكم محمدا. فأخذ سيفه ونحا نحوه وقال: من ينجيك مني يا محمد ؟ قال: (ويلك. ينجيني ربي). فسقط على ظهره، فأخذ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سيفه وجلس على صدره ثم قال: (من ينجيك مني يا غورث ؟). قال: جودك وكرمك يا محمد. فتركه، فقام وهو يقول: والله لأنت أكرم


(1) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 197، والطبقات الكبرى 2: 78، وتاريخ الطبري 2: 595، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 364. ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 176 / 1. (2) صحيح البخاري 5: 145.. (3) المغازي للواقدي 1: 395، تاريخ الطبري 2: 555، دلائل النبوة للبيهقي 3: 371. (4) دلائل النبوة للبيهقي 3: 372، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 176 / 1. (*)

[ 190 ]

مني وخير (1) ثم كانت غزوة بدر الأخيرة في شعبان. خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر لميعاد أبي سفيان، فأقام عليها ثمان ليال، وخرج أبو سفيان في أهل تهامة، فلما نزل الظهران بدا له في الرجوع، ووافق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه السوق فاشتروا وباعوا وأصابوا بها ربحا حسنا (2). ثم كانت غزوة الخندق - وهي الأحزاب - في شوال من سنة أربع من الهجرة. أقبل حيي بن أخطب وكنانة بن الربيع وسلام بن ابي الحقيق وجماعة من اليهود بقريش وكنانة وغطفان، وذلك أنهم قدموا مكة فصاروا إلى أبي سفيان وغيره من قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا لهم: أيدينا مع أيديكم، ونحن معكم حتى نستأصله، ثم خرجوا إلى غطفان ودعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبروهم باتباع قريش إياهم، فاجتمعوا معهم. وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف في بني مرة، ومسعود بن رخيلة (3)


(1) الكافي 8: 127 / 97، ونحوه في: الطبقات الكبرى 2: 62، وصحيح البخاري 5: 147، وتاريخ الطبري 2: 557، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 376، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 179 / 6. (2) انظر: المغازي للواقدي 1: 384، الطبقات لكبري 2: 59، وتاريخ الطبري 2: 559، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 385، والكامل في التاريخ 2: 175، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 182 / 1 (3) في نسخة (م) مسعر بن زحيلة، ولم يرد في نسختي (ق) و (ط) والظاهر ان الصواب ما أثبتناه، كذا ذكره الواقدي في المغازي، والطبري في تاريخه، وابن حجر في الأصابة حيث ترجم له: مسعود بن زحيلة، كان قائد أشجع يوم الأحزاب، ثم أسلم فحسن إسلامه.. (*) =

[ 191 ]

ابن نويرة بن طريف في قومه من أشجع، وهم الأحزاب، وسمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج إليهم، وذلك بعد أن أشار سلمان الفارسي أن يصنع خندقا (1). وظهر في ذلك من آية النبوة أشياء: منها: ما رواه جابر بن عبد الله، قال: اشتد عليهم في حفر الخندق كدية (2) فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا بإنإء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح الماء على تلك الكدية فقال من حضرها: فو الذي بعثه بالحق لانثالت حتى عادت كالكندر (3) ما ترد فأسا ولا مسحاة (4). ومنها: ما رواه جابر من إطعام الخلق الكثير من الطعام القليل. وقد ذكرناه فيما قبل (5). ومنها: ما رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: ضربت في ناحية في الخندق، فعطف علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو قريب مني، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب ضربة أخرى فلمعت تحته برقة اخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة اخرى. فقلت: يا رسول الله بأبي أنت أو امي ما هذا الذي رأيت ؟ =


إلا أنه في سيرة ابن هشام والكامل لابن الأثيرة مسهر بن دخيلة. (1) انظر: إرشاد المفيد: 94، المغازي للواقدي 2: 441 وسيرة ابن هشام 3: 224 وتاريخ الطبري 2: 565، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 398، والكامل في التاريخ 2: 178. (2) الكدية. صلابة في الأرض. (العين 5: 396). (3) كذا، والكندر اسم العلك، وفي المصادر: الكثيب، وهو التراب الدقيق، ولعله الأنسب. (4) سيرة ابن هشام 3: 228، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 451 (5) تقدم في صفحة: 80، إلا أن المؤلف لم يصرح باسم جابر فيها. (*)

[ 192 ]

فقال: (أما الأولى فإن الله تعالى فتح علي بها اليمن، وأما الثانية فإن الله تعالى فتح علي بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق) (1). وأقبلت الأحزاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهال المسلمين أمرهم، فنزلوا ناحية من الخندق، وأقاموا بمكانهم بضعا وعشرين ليلة، لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى. ثم انتدب فوارس قريش للبراز، منهم عمرو بن عبدود، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخظاب، تهيؤوا للقتال، وأقبلوا على خيولهم حتى وقفوا على الخندق، فلما تأملوه قالوا: والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا من الخندق فيه ضيق فضربوا خيولهم فاقتحمته، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع (2)، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها، فتقدم عمرو بن عبد ود وطلب البراز، فبرز إليه علي عليه السلام فقتله - وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله - فلما رأى عكرمة وهبيرة عمرا صريعا ولوا منهزمين، وفي ذلك، يقول أمير المؤمنين عليه السلام في أبيات شعر: (نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت رب محمد بصوابي فضربته وتركته متجدلا كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المقطر بزني أثوابي


(1) سيرة ابن هشام 3: 230، دلائل النبوة للبيهقي 3: 417، وورد نحوه في: تفسير القمي 2: 178، والمغازي للواقدي 2: 450، والكامل في التاريخ 2: 179. (2) سلع: جبل بسوق المدينة، وقيل: هو موضع بقرب المدينة (انظر: معجم البلدان 3: 236). (*)

[ 193 ]

لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب) (1) ورمى ابن العرقة بسهم فأصاب أكحل سعد بن معاذ وقال: خذها مني وأنا ابن العرقة، قال: عرق الله وجهك في النار، وقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب في قريش شيئا فأبقني لحربهم، فإنه لا قوم أحب إلي قتالا من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه من حرمك، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فأباته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فراشه وبات على الأرض (2). قال أبان بن عثمان: حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على التل الذي عليه مسجد الفتح في ليلة ظلماء قرة، قال: من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنة ؟ فلم يقم أحد ثم عاد ثانية وثالثة فلم يقم أحد، فقام حذيفة فقال صلى الله عليه واله وسلم: انطلق حتى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم. فذهب فقال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، حتى ترده إلي، وقال: لا تحدث شيئا حتى تأتيني. ولما توجه حذيفة قام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يصلي ثم نادى بأشجى صوت: يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي وكربي، فقد ترى حالي وحال من معي. فنزل جبرئيل فقال: يا رسول الله إن الله عز وجل سمع مقالتك


(1) انظر: تفسير القمي 2: 182، ارشاد المفيد 1: 97، المغازي للواقدي 2: 47 0، سيرة ابن هشام 3: 235، دلائل النبوة للبيهقي 3: 436. (2) انظر: الطبقات الكبرى 2: 67، الكامل في التاريخ 2: 182، ونقلها المجلسي في بحار الأنوار 20: 206. (*)

[ 194 ]

واستجاب دعوتك وكفاك هول من تحزب عليك وناواك، فجثا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ركبتيه وبسط يديه وأرسل بالدمع عينيه، ثم نادى: شكرا شكرا كما آويتني واويت من معي. ثم قال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله، ان الله قد نصرك وبعث عليهم ريحا من السماء الدنيا فيها الحصى، وريحا من السماء الرابعة فيها الجنادل. قال حذيفة: فخرجت فإذا أنا بنيران القوم قد طفئت وخمدت، وأقبل جند الله الأول ريح شديدة فيها الحصى، فما ترك لهم نارا إلا أخمدها، ولا خباء إلا طرحها، ولا رمحا إلا ألقاها، حتى جعلوا يتترسون من الحصى، وكنت أسمع وقع الحصى في الترسة، وأقبل جند الله الأعظم، فقام أبو سفيان إلى راحلته ثم صاح في قريش: النجاء النجاء، ثم فعل عيينة بن حصن مثلها، وفعل الحارث بن عوف مثلها، وذهب الأحزاب. ورجع حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره الخبر، وأنزل الله على رسوله (اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها) (1) إلى ما شاء الله تعالى من السورة (2). وأصبح رسول الله بالمسلمين حتى دخل المدينة، فضربت ابنته فاطمة غسولا حتى تغسل رأسه، إذ أتاه جبرئيل على بغلة معتجرا (3) بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من استبرق معلق عليها الدر والياقوت، عليه الغبار، فقام رسول


(1) الأحزاب 33: 9. (2) الكافي 8: 277 / 42 0، تفسير القمي 2: 186، وانظر: سيرة ابن هشام 3: 242، والطبقات الكبرى 2: 74، وتاريخ الطبري 3: 580، ودلائل النبوة للبيهقي 3: 4 49، والكامل في التاريخ 2: 184. (3) الاعتجار: لف العمامة دون التلحي (لسان العرب 4: 544). (*)

[ 195 ]

الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح الغبار عن وجهه، فقال له جبرئيل: رحمك ربك، وضعت السلاح ولم يضعه أهل السماء، ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء (1)، ثم قال جبرئيل: (انهض إلى إخوانهم من أهل الكتاب، فوالله لأدقنهم دق البيضة على الصخرة). فدعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا عليه السلام فقال: (قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة، وقال: (عزمت عليكم أن لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة،). فأقبل علي عليه السلام ومعه المهاجرون وبنو عبد الأشهل وبنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد، وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسرب إليه الرجال، فما صلى بعضهم العصر إلا بعد العشاء. فأشرفوا عليه وسبوه، وقالوا: فعل الله بك وبابن عمك، وهو واقف لا يجيبهم، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حوله تلقاه أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (لا تأتهم يا رسول الله جعلني الله فداك، فإن الله سيجزيهم) فعرف رسول الله أنهم قد شتموه، فقال: (أما إنهم لو رأوني ما قالوا شيئا مما سمعت). وأقبل ثم قال: (يا إخوة القردة، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، يا عباد الطاغوت اخسؤوا أخساكم الله). فصاحوا يمينا وشمالا: يا أبا القاسم ما كنت فما بدا لك (2). قال الصادق عليه السلام: فسقطت العنزة من يده، وسقط رداءه من


(1) قال الحموي في معجم بلدنه (3: 76) الروح والراحة من من الاستراحة، ويوم روح أي طيب، وأظنه قيل للبقعة روحاء أي طيبة ذات راحة ويعضده ما ذكره الكلبي قال: لما رجع تبع من قتال أهل المدينة يريد مكة نزل يالروحاء فأقام بها وأراح، فسماها الروحاء. (2) انظر: تفسير القمي 2: 1 89 وأرشاد المفيد 1: 1 0 9، وسيرة ابن هشام 3: 2 44، والطبقات الكبرى 2: 74، وتاريخ الطبري 2: 58 1، والكامل في التاريخ 2: 185 (*).

[ 196 ]

خلفه، ورجع يمشي إلى ورائه حياء مما قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم. فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وقسمة الأموال، وأن يجعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. فلما جئ بالاسارى حبسوا في دار، وأمر بعشرة فاخرجوا فضرب أمير المؤمنين أعناقهم، ثم أمر بعشرة فاخرجوا فضرب الزبير أعناقهم، وقل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا قتل الرجل والرجلين. قال: ثم انفجرت رمية سعد والدم ينفح حتى قض، ونزع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رداءه فمشى في جنازته بغير رداء. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فقتل سير بن دارم اليهودي، وبعث عبد الله بن عتيك إلى خيبر فقتل أبا رافع بن أبي الحقيق (1) ثم كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة، ورأسهم الحارث بن أبي الضرار، وقد تهيؤوا للمسير إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وهي غزوة المريسيع (2)، وهو ماء، وقعت في شعبان سنة خمس، وقيل: في شعبان سنة ست، والله أعلم (3). قالت جويرية بنت الحارث - زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن على المريسيع،


(1) انظر: تفسير القمي 2: 190، والارشاد للمفيد 1: 110. (2) اسم ماء في ناحية قديد إلى الساحل. (معجم البلدان 5: 118). (3) المناقب لابن شهر آشوب 1: 201، وسيرة ابن هشام 3: 302، وتاريخ الطبري 2: 604. (*)

[ 197 ]

فأسمع أبي وهو يقول: أتانا ما لا قبل لنا به، قالت: وكنت أرى من الناس والخيل والسلاح ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ورجعنا جعلت أظهر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعرفت أنه رعب من الله عز وجل يلقيه في قلوب المشركين. قالت: ورأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث ليال كان القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر بها أحدا من الناس، فلما سبينا رجوت الرؤيا، فاعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجني (1). وأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم واسر سائرهم، وكان شعار المسلمين يومئذ (يا منصور أمت). وسبى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الرجال والنساء والذراري والنعم والشياه، فلما بلغ الناس أن رسول الله تزوج جويرية بنت الحارث قالوا: أصهار رسول الله. فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فما علم امرأة أعظم بركة على قومها منها (2). وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن ابي (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) (3)، وانزلت الآيات وفيها كانت قصة إفك عائشة (4).


(1) المغازي 1: 4 0 8، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 0: 3 0 / 29. (2) انظر: المناقب لابن شهر اشوب 1: 201، والمغازي للواقدي 1: 4 10 وسيرة ابن هشام 3: 3 0 7، وتاريخ الطبري 2: 62، والوفا بأحوال المصطفى 1 2: 962، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 290 / 3. (3) المنافقون 63: 8. (4) لم يعد بخاف على أحد مدى الدور الخطير الذي لعبته السياسة الأموية المنحرفة في تشويه (*) =

[ 198 ]

وتطويع الكثير من الحقائق الشرعية والتاريخية خدمة لاغراضها المشبوهة المراد من خلالها توطيد حكمهم وتثبيت قواعده، والحط من مكانة معارضيهم ومناوئيهم وفي مقدمتهم أهل بيت النبوة عليهم السلام. ولعل الأمر ليس بعسير على أحد ادراكه من خلال استقراء الكثير من تلك الوقائع والأخبار وما تؤدي إليه بالتالي عند اعتقاد المسلمين بها، والتسليم بصحتها. وإذا لم نكن هنا بمعرض التحدت عن هذا الموضوع الحساس والمهم، قدر ما أردنا منه الاشارة العرضية إلى حقيقة خطيرة كانت لها اثار وخيمة في صياغة وبناء الكثير من الاراء والمعتقدات التي يذهب إلى تبنيها البعض. ولعل حديث الافك المشهور، والايات النازلة فيه من تلك الوقائع التي تناولتها سياسة الأمويين بالتحريف والكذب بشكل مدروس انخدع فيه الكثيرون، وسلموا بحتمية ما قرأوه من تفصيلات متعددة تصب في غرض واحد. والخبر كما يرويه أصحابنا وغيرهم هو أن المرأة التي رميت بهذا الافك كانت مارية القبطية ام ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليست عائشة كما هو مشهور عند الكثيرين الذين أخذوا بما سطرته السياسات المنحرفة التي كان يديرها الأمويون من أجل اضفاء صفة القدسية على عائشة التي نقلوا عنها أو نسبوا إليها من الأخبار المنحرفة عن أهل البيت عليهم السلام، مع ما عرف عنها من موقف حاد ومعارض لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، كان أوضحه في خروجها عليه في وقعة الجمل المشهورة التي كانت من اعظم الفتن التي ابتليت بها الأمة الاسلامية المذهولة بما تراه وتسمعه. والحق يقال: إن استقراء تلك الروايات - التي جهد واضعوها ومروجوها في إخراجها بشكل لا يدعون فيه منفذا للطعن أو الشك - يبين بوضوح جملة واسعة من المؤاخذات والردود التي تذهب إلى نفي صحة هذه النسبة، والقطع بها. ولما كان التعرض لمناقشة هذا الموضوع يتطلب التوسع الكثير في إيراد تفاصيل تلك الواقعة، فإن ذلك لا يحول دون الاشارة العابرة إلى بعض تلك الحقائق المهمة. فمن الحقائق المثيرة للاستغراب كون هذا الخبر إما منقولا عن عائشة عينها، اوعن صحابي لم يكن حاضرا في تلك الواقعة، أو أنه كان حين الواقعة صغيرا لا يعقل، أو غير ذلك من العلل المضعفة للحديث، والنافية لتواتره وصحته. هذا مع تنافي العديد من الأخبار المنقولة عن هذا الأمر مع سياق الاحداث المصورة من (*) =

[ 199 ]

=


قبل مروجي هذا الخبر وصانعيه، والتي تبعد هذه النسبة المصطنعة إلى عائشة دون غيرها من حلائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولعل هذا الفهم لا يكتمل دون التعرض لما رواه الشيعة في كتبهم، ويعضدهم في ذلك بعض الاخرين، من القول بان الافك كان مختصا بمارية القبطية وولدها من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إبراهيم، حيث طعن البعض في نسبته إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب إلى القول بانه من ابن جريج، ابن عم مارية، والذي اهدي معها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ورغم أن العديد من تلك المصادر تذكر بأن عائشة المشهورة بغيرتها من بعض زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - ولا سيما مارية التي تذكر انها: ما غارت من امرأة دون ما غارت من مارية لجمالها، وانجابها ولد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - كانت مصدر نشأة هذا الخبر (انظر: طبقات ابن سعد 1: 137، مستدرك الحاكم مع تلخيصه للذهبي 4: 39، البداية والنهاية 3: 305، الدرر المنثور 6: 240)، إلا أنا لا نريد هنا الاستطراد في هذا الاتجاه عدا التلميح إلى ذلك. وأي كان قائل ذلك الافك العظيم فإن ترتب جملة الوقائع اللاحقة للافك تتوافق بشكل صريح مع ما ذهبنا إليه من افترائه على مارية دون عائشة. فالمصادر الحديثية والتاريخية المتعددة التي تذكر إرسال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام نحو ابن جريج - الرجل المتهم بهذا الأمر - وإظهار عجزه عن فعل القبيح لكونه ممسوحا أو مجبوبا، وليس له ما للرجال أمام الملأ، جاء، متوافقا مع نزول الآيات القرانية المباركة في سورة النور، والتي برأت تلك المرأة الشريفة شرعيا من هذا البهتان العظيم، فكان هنا براءتان لها: شرعية، وواقعية، وهذا لم يلتفت إليه ناسجو وهم حكاية عائشة. تم ماذا يعني الاستفسار من زينب بنت جحش، وأم أيمن عن ذلك الأمر طالما انه حدث بعيدا عن الجميع، وفي عمق الصحراء، اليس في ذلك تناقض صريح مع واقع الحال، وظرف الواقعة، ثم اليس هو أقرب للصواب إذا سلمنا بالرأي القائل بأنه مختص بمارية التي هي امام ناظري الجميع، وبينهم. هذا يمثل أحد أطراف الاستهجان والاستغراب من هذه النسبة الباهتة، يضاف إليه ما تقرأه من تسلسل الايات المباركة المتحدثة عن أبعاد هذا الافك، وكيف أنها انتقلت إلى (*) =

[ 200 ]

وبعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في سنة ست في شهر ربيع الأول عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمرة (1)، وبكر القوم فهربوا، وأصاب مائتي بعير لهم، فساقها إلى المدينة (2). وفيها: بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى القصة (3) في أربعين رجلا، =


توبيخ المؤمنين لعدم مسارعتهم إلى تكذيب الأمر، مع أنهم كانوا بعيدين عن تلك الواقعة، عكس ما يقع عليهم في قضية مارية والتي تعيش بين ظهرانيهم مباحا ومساء أيام إفتراء الافك. وإذا ذهبنا إلى ان مصدر التوبيخ يرتكز إلى وجوب الدفاع عن حريم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه أصدق وأوضح في قصة مارية، فتأمل. وأخيرا نقول: ان اضفاء صفة القدسية المستوحاة من إشارة الباري عز وجل بطهارتها وعفتها وبراءتها أمر لا تجد السياسة الأموية المنحرفة خيرا منه لاستثمارها حالة الخلاف الحادة التي كانت تعرف بها عائشة قبال أهل البيت عليهم السلام كما ذكرنا سابقا نعم ان اضفاء هذه الاعتبارات المهمة إلى شخصية عائشة يعني الكثير للامويين طالما أن لا أحد منهم يمتلك أي قدر من الاعتبار، بل على العكس من ذلك فلم ينلهم من الله تعالى ورسوله الا التوهين والاستخفاف وتحذير الامة من خطرهم وعدائهم للاسلام وأهله. ولذا فلا غرابة أن نجد لهاث الامويين وسعيهم الدائب لشراء ضمائر بعض الصحابة المعروضة في سوق النخاسة - أمثال أبي هريرة الدوسي، وسمرة بن نجدب - لمنحهم طرفا من الاعتبار قبال البناء المقدس لأهل بيت العصمة عليهم السلام راجع ما كتب حول قصة الافك، وبالاخص كتاب حديث الافك للسيد جعفر مرتضى العاملي، وانظر الروايات المحددة للواقعة بمارية في: صحيح مسلم 4: 2139 / 277 1، طبقات ابن سعد 8: 214، مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي 4: 39 و 4 0، الاصابة 3: 33 4، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 411، مجمع الزوائد 9: 116 اسد الغابة 5: 5 43، الكامل في التاريخ 2: 313، السيرة الحلبية 3: 312. (1) الغمرة: من أعمال المدينة على طريق نجد (معجم البلدان 4: 212) (2) المناقب لابن شهر آشوب 1: 201، المغازي للواقدي 2: 55، تاريخ الطبري 2: 6 4 0، دلائل النبوة للبيهقي 4: 82، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 291 / 3. (3) القصة (ذو القصة): موضع بين زبالة والشقوق دون الشقرق بميلين، فيه قلب للأعراب (*) =

[ 201 ]

فأغار عليهم وأعجزهم هربا في الجبال وأصابوا رجلا واحدا فأسلم (1). وفيها: بعث محمد بن مسلمة إلى قوم من هوازن فكمن القوم لهم وافلت محمد وقتل أصحابه (2). وفيها: كانت سرية زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم، فأصابوا نعما وشاء وأسرى (3) وفيها: كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص (4) في جمادى الأولى (5). وفيها: سرية زيد بن حارثة إلى الطرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فهربوا وأصاب منهم عشرين بعيرا (6). =


يدخلها ماء السماء عذبا زلالا. وقيل: هو موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا (انظر: معجم البلدان 4: 366). (1) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 201، المغازي للواقدي 2: 522، الطبقات الكبرى 2: 86، تاريخ الطبري 2: 641، دلائل النبوة للبيهقي 4: 83، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 291 / 3. (2) انظر: المناقب لابن شهر اشوب 1: 201، المغازي للواقدي 2: 551، الطبقات الكبرى 2: 85، تاريخ الطبري 2: 641. (3) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 201، الطبقات الكبرى 2: 86، تاريخ الطبري 2: 641، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 0: 292 / 3. (4) العيص: موضع في بلاد بني سليم به ماء يقال له: ذنبان العيص (معجم البلدان 4: 173). (5) انظر: المناقب لابن شهر اشوب 1:، 201، المغازي للواقدي 2: 553، الطبقات الكبرى 2: 87، تاريخ الطبري. 2: 641، دلائل النبوة للبيهقي 4: 84، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 292 / 3. (6) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 2: 201، المغازي للواقدي 2: 555، الطبقات الكبرى 2: 87، تاريخ الطبري 2: 641، دلائل النبوة للبيهقي 4: 84، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 30: 292 / 3. (*)

[ 202 ]

وفيها: كانت غزوة علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك، وذلك أ نه بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر (1). وفيها: سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل (2) في شعبان، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم) فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وكان أبوها رأسهم وملكهم (3). وفيها: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - في قول الواقدي - إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم واستاقوا الإبل عشرين فارسا، فاتي بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وتركوا بالحرة حتى ماتوا (4).


(1) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 202، المغازي للواقدي 2: 562، الطبقات الكبرى 2: 89، تاريخ الطبري 2: 642، دلائل النبوة للبيهقي 4: 84، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 293 / 3. (2) دومة الجندل: جاء في حديث الواقدي: دوماء الجندل، وعدها ابن النقية من أعمال المدينة. سميت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وقال الزجاجي: دومان بن اسماعيل. وقيل: كان لاسماعيل عليه السلام ولد اسمه دما، ولعله مغير منه. وقال الكلبي: دوماء بن إسماعيل، قال: ولما كثر ولد إسماعيل عليه السلام بتهامة خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة، وبنى به حصنا، فقيل: دوماء، ونسب الحصن إليه. وهي على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: سميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل (انظر: معجم البلدان 2: 487). (3) انظر: المغازي للواقدي 2: 560، والطبقات الكبرى 2: 89، وتاريخ الطبري 2: 642، ودلائل النبوة للبيهقي 4: 85، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 293 / 3. (4) المغازي للواقدي 2: 569، وانظر: المناقب لابن شهر آشوب: 202، وتاريخ الطبري (*) =

[ 203 ]

وروي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاح عليهم فقال: (اللهم عم عليهم الطريق) قال: فعمي عليهم الطريق (1) وفيها: اخذت أموال أبي العاص بن الربيع وقد خرج تاجرا إلى الشام ومعه بضائع لقريش، فلقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستاقوا عيره وأفلت، وقدموا بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقسمه بينهم، وأتى أبو العاص فاستجار بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسألها أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رد ماله عليه وما كان معه من أموال الناس، فدعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم السرية وقال: (إن هذا الرجل منا بحيث قد علمتم، فإن رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا). فردوا عليه ما أصابوا، ثم خرج وقدم مكة ورد على الناس بضائعهم، ثم قال: أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا توقيا أن تظنوا أني أسلمت لأذهب بأموالكم، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله (2). وفيها: كانت غزوة الحديبية في ذي القعدة، خرج صلى الله عليه وآ له وسلم في ناس كثير من أصحابه يريد العمرة وساق معه سبعين بذنة، وبلغ ذلك المشركين من قريش، فبعثوا خيلا ليصدوه عن المسجد الحرام، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يرى أنهم لا يقاتلونه لأنه خرج في الشهر الحرام، =


2: 644، ودلائل النبوة للبيهقي 4: 87، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 294 / 3. (1) انظر: دلائل النبوة للبيهقي 4: 88، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 294 / 3. (2) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 202، والمغازي للواقدي 2: 553، ودلائل النبوة للبيهقي 4: 85، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 294 / 3. (*)

[ 204 ]

وكان من أمر سهيل بن عمرو وأبي جندل ابنه وما فعله رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما شك به من زعم أنه ما شك إلا يومئذ قي الدين. وأتى بديل بن ورقاء إلى قريش فقال لهم: يا معشر قريش خفضوا عليكم، فإنه لم يأت يريد قتالكم وإنما يريد زيارة هذا البيت. فقالوا: والله ما نسمع منك ولا تحدث العرب أنه دخلها عنوة، ولا نقبل منه إلا أن يرجع عنا، ثم بعثوا إليه بكر بن حفص وخالد بن الوليد وصدوا الهدي. وبعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عثمان بن عفان إلى أهل مكة يستأذنهم في أن يدخل مكة معتمرا، فأبوا أن يتركوه، واحتبس عثمان، فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قتلوه فقال لأصحابه: (أتبايعونني على الموت ؟) فبايعوه تحت الشجرة على أن لا يفروا عنه أبدا. ثم إنهم بعثوا سهيل بن عمرو فقال: يا أبا القاسم، إن مكة حرمنا وعزنا، وقد تسامعت العرب بك أنك قد غزوتنا، ومتى ما تدخل علينا مكة عنوة يطمع فينا فنتخطف، وإنا نذكرك الرحم، فإن مكة بيضتك التي تفلقت عن رأسك. قال: (فما تريد ؟) قال: أريد أن أكتب بيني وبينك هدنة على أن اخليها لك في قابل فتدخلها ولا تدخلها بخوف ولا فزع ولا سلاح إلا سلاح الراكب، السيف في القراب والقوس. فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ أديما احمرا فوضعه على فخذه ثم كتب: (بسم الله الرحمن الرحيم.) - وسنذكر تمام ذلك في مناقب أمير المؤمنين -: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ومن معه من مغازي رسول الته (ص) وسراياه

[ 205 ]

المسلمين سهيل بن عمرو ومن معه من أهل مكة: على أن الحرب مكفوفه فلا إغلال ولا إسلال ولا قتال، وعلى أن لا يستكره أحد على دينه، وعلى أن يعبد الله بمكة علانية، وعلى أن محمدا ينحر الهدي مكانه، وعلى أن يخليها له في قابل ثلاثة أيام فيدخلها بسلاح الراكب وتخرج قريش كلها من مكة إلا رجل واحد من قريش يخلفونه مع محمد وأصحابه، ومن لحق محمدا وأصحابه من قريش فإن محمدا يرده إليهم، ومن رجع من أصحاب محمد إلى قريش بمكة فإن قريشا لا ترده إلى محمد - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سمع كلامي ثم جاءكم فلا حاجة لي فيه) - وأن قريشا لا تعين على محمد وأصحابه احدا بنفس ولا سلاح... إلى آخره. فجاء أبو جندل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى جلس إلى جنبه، فقال أبو سهيل: رده علي، فقال المسلمون: لا نرده. فقام صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ بيده وقال: (اللهم إن كنت تعلم أن أبا جندل لصادق فاجعل له فرجا ومخرجا) ثم أقبل على الناس وقال: (إنه ليس عليه بأس، إنما يرجع إلى أبيه وامه، وإني أريد أن اتم لقريش شرطها). ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأنزل الله في الطريق سورة الفتح (انا فتحنا لك فتحا مبينا) (1). قال الصادق عليه السلام: (فما انقضت تلك المدة حتى كاد الاسلام يستولي على أهل مكة).


(1) انظر: ارشاد المفيد 1: 119، والمناقب لابن شهر آشوب 1: 202، وسيرة ابن هشام 3: 322، وتاريخ اليعقوبي 2: 54، وتاريخ الطبري 628، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 361 / 10. (*)

[ 206 ]

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى المدينة انفلت أبو بصير بن اسيد بن جارية (1) الثقفي من المشركين، وبعث الأخنس بن شريق في أثره رجلين فقتل أحدهما وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلما مهاجرا فقال (له صلى الله عليه وآله وسلم): (مسعر حرب لو كان معه احد) ثم قال: (شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت). فخرج أبو بصير ومعه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين، حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين رجلا راكبا اسلموا فلحق بأبي بصير، واجتمع إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم فيقدموا عليه، وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه. فعلم الذين كانوا أشاروا على رسول الله أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية (2) أن طاعة رسول الله خير امم فيما أحبوا وفيما كرهوا. وكان أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما هم الذين مر بهم أبو العاص بن الربيع من الشام في نفر من قريش فأسروهم وأخذوا ما معهم ولم يقتلوا منهم أحدا لصهر أبي العاص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلوا سبيل أبي العاص فقدم المدينة على امرأته وكان أذن لها حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو العاص هو


(1) في نسخة (ط). حارثة (2) في نسخة (م): القصة. (*)

[ 207 ]

ابن اخت خديجة بنت خويلد (1). ثم كانت غزوة خيبر في ذي الحجة من سنة ست - وذكر الواقدي: أنها كانت أول سنة سبع من الهجرة (2) - وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضعا وعشرين ليلة، وبخيبر أربعة عشر ألف يهودي في حصونهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتحها حصنا حصنا، وكان من أشد حصونهم وأكثرها رجالا القموص، فأخذ أبو بكر راية المهاجرين فقاتل بها ثم رجع منهزما، ثم أخذها عمر بن الخطاب من الغد فرجع منهزما يجبن الناس ويجبنونه حتى ساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال: (لاعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرار، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولا يرجع حتى يفتح الله على يده). فغدت قريش يقول بعضهم لبعض: أما علي فقد كفيتموه فإنه أرمد لا يبصر موضع قدمه. وقال علي عليه السلام لما سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (اللهم لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت). فأصبح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم واجتمع إليه الناس. قال سعد: جلست نصب عينيه ثم جثوت على ركبتي ثم قمت على رجلي قائما رجاء أن يدعوني، فقال: (ادعو لي عليا) فصاح الناس من كل جانب: إنه أرمد رمدا لا يبصر موضع قدمه فقال: (أرسلوا إليه وادعوه). فاتي به يقاد، فوضع رأسه على فخذه ثم تفل في عينيه، فقام وكأن عينيه جزعتان (3)، ثم أعطاه الراية ودعا له فخرج يهرول هرولة، فوالله ما بلغت


(1) انظر ة المناقتب لابن شهر آشرب 1: 204، دلائل النبوة للبيهقي 4: 172، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 3 63. (2) المغازي للواقدب 2: 634. (3) الجزع: ضرب من الخرز، وقيل: هو الخرر اليماني، وهو الذي فيه بياض وسواد تشبه به (*)

[ 208 ]

اخراهم حتى دخل الحصن. قال جابر: فأعجلنا أن نلبس أسلحتنا، وصاح سعد: يا أبا الحسن أربع يلحق بك الناس، فأقبل حتى ركزها قريبا من الحصن فخرج إليه مرحب في عادية اليهود (1) فبارزه فضرب رجله فقطعها وسقط، وحمل علي والمسلمون عليهم فانهزموا (2). قال أبان: حدثني زرارة قال: قال الباقر عليه السلام: (انتهى إلى باب الحصن وقد اغلق في وجهه فاجتذبه اجتذابا وتترس به، ثم حمله على ظهره واقتحم الحصن اقتحاما، واقتحم المسلمون والباب على ظهره. قال: فوالله ما لقي علي عليه السلام من الناس تحت الباب أشد مما لقي من الباب، ثم رمى بالباب رميا. وخرج البشير إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أن عليا دخل الحصن، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج علي يتلقاه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: قد بلغني نبأك المشكور وصنيعك المذكور، قد رضي الله عنك ورضيت أنا عنك. فبكى علي عليه السلام، فقال له: ما يبكيك يا علي ؟ فقال: فرحا بأن الله ورسوله عني راضيان. قال: وأخذ علي فيمن أخذ صفية بنت حيي، فدعا بلالا فدفعها إليه =


الأعين. (لسان العرب 8: 48). (1) في نسخة (م): عادته باليهود. (2) انظر: الارشاد للمفيد 1: 125، والخرائج والجرائح 1: 159 / 249، المغازي للراقدي 2: 6 53، والطبقات الكبرى 2: 110 - 112، سيرة ابن هشام 3: 349، وتاريخ الطبري 3: 11، ودلائل النبوة للبيهقي 4: 209، والكامل في التاريخ 2: 219، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 21 / 17. (*)

[ 209 ]

وقال له: لا تضعها إلا في يدي رسول الله حتى يرى فيها رأيه، فأخرجها بلال ومر بها إلى رسول الله على القتلى، وقد كادت تذهب روحها فقال صلى الله عليه وآله وسلم لبلال: أنزعت منك الرحمة يا بلال ؟ ! ثم اصطفاها صلى الله عليه واله وسلم لنفسه، ثم أعتقها وتزوجها). قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر عقد لواء ثم قال: (من يقوم إليه فيأخذه بحقه ؟) وهو يريد أن يبعث به إلى حوائط فدك، فقام الزبير إليه فقال: أنا، فقال له: (امط عنه) ثم قام إليه سعد، فقال: (امط عنه)، ثم قال: (يا علي قم إليه فخذه) فأخذه فبعث به إلى فدك فصالحهم على أن يحقن دماءهم، فكانت حوائط فدك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصا خالصا. فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: (إن الله عز وجل يأمرك تؤتي ذا القربى حقه). فقال: (يا جبرئيل ومن قرباي وما حقها ؟). قال: (فاطمة فأعطها حوائط فدك، وما لله ولرسوله فيها). فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام وكتب لها كتابا جاءت به بعد موت أبيها إلى أبي بكر وقالت: (هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لي ولابني) (1). قال ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خيبر أتاه البشير بقدوم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة إلى المدينة، فقال: (ما


(1) انظر: سيرة ابن هشام 3: 349 - 350، وتاريخ الطبري 3: 13 - 14، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 22 / 17. (*)

[ 210 ]

أدري بأيهما أنا أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر) (1). وعن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب عليه السلام من أرض الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما نظر جعفر إلى رسول الله حجل - يعني مشى على رجل واحدة - إعظاما لرسول الله، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين عينيه (2). وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما استقبل جعفرا التزمه ثم قبل بين عينيه، قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعث قبل أن يسير إلى خيبر عمرو بن امية الضمري إلى النجاشي عظيم الحبشة، ودعاه إلى الإسلام فأسلم، وكان أمر عصراان يتقدم بجعفر وأصحابه، فجهز النجاشي جعفرا وأصحابه بجهاز حسن، وأمر لهم بكسوة، وحملهم في سفينتين) (3). ثم بعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فيما رواه الزهري - عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن أنيس إلى اليسير بن رزام اليهودي، لما بلغه أنه يجمع غطفان ليغزوبهم. فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين. فلما ساروا ستة أميال ندم اليسير فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن


(1) نوادر الراوندي 29، سيرة ابن هشام 4: 3، دلائل النبوه البيهقي 4: 246، سيرة ابن كثير 3: 39 0 و 4 83، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 23 / 17. (2) دلائل ا لنبوة للبيهقي 4: 246، سيرة ابن كثير 3: 391، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 23 / 17. (3) نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 23 / 17. (*)

[ 211 ]

أنيس، ففطن له عبد الله فزجر بعيره ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رجله فقطعها، فاقتحم اليسير وفي يده مخرش (1) من شوحط (2) فضرب به وجه عبد الله فشجه مأمومة (3)، وانكفأكل المسلمين على رديفه فقتله، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا، ولم يصب من المسلمين أحد، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تؤذه حتى مات (4). وبعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى أرض بني مرة فقتل وأسر (5). وبعث عيينة بن حصن البدري إلى أرض بني العنبر فقتل وأسر (6). ثم كانت عمرة القضاء سنة سبع اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذين شهدوا معه الحديبية، ولما بلغ قريشا ذلك خرجوا متبددين، فدخل مكة وطاف بالبيت على بعيره بيده محجن (7) يستلم به الحجر، وعبد الله بن رواحة أخذ بخطامه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله


(1) المخرش: خشبة يخط بها الجراز. (الصحاح - خرش - 3: 1004). (2) الشوحط: ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القسي. (النهاية 2: 508) (3) المأمومة: الشجة التي بلغت ام الرأس. (لسان العرب 12: 33). (4) دلائل النبوة للبيهقي 4: 294، سيرة أبن كثير 3: 418، وانظر: المغازي للواقدي 2: 566، وسيرة ابن هشام 4: 266، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 41. (5) المناقب لابن شهر آشوب 1: 205، وسيرة ابن هشام 4: 271، ودلائل النبوة للبيهقي 4: 297، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 41. (6) المناقب لابن شهر آشوب 1: 205، وسيرة ابن هشام 4: 269، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 41. (7) المحجن: عصا معقفة الرأس كالصولجان: (لسان العرب 13: 108). (*)

[ 212 ]

قد أنزل الرحمن في تنزيله نضربكم ضربا على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله يا رب إني مؤمن بقيله وأقام بممكة ثلاثة أيام، وتزوج بها ميمونة بنت الحارث الهلالية، ثم خرج فابتنى بها بسرف، ورجع إلى المدينة فأقام بها حتى دخلت سنة ثمان (1). وكانت غزرة مؤتة (2) في جمادى من سنة ثمان، بعث جيشا عظيما وأمر عليه السلام على الجيش زيد بن حارثة ثم قال: (فإن اصيب زيد فجعفر، فإن اصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن اصيب فليرتض المسلمون رجلا، فليجعلوه عليهم) (3). وفي رواية أبان بن عثمان عن الصادق عليه السلام: أنه استعمل عليهم جعفرا، فإن قتل فزيد، فإن قتل فابن رواحة. ثم خرجوا حتى نزلوا معان (4)، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمأرب قي مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة (5).


(1) المناقب لابن شهر آشوب 1: 205، وانظر: سيرة ابن هشام 4: 13، وتاريخ الطبري 3: 24، والكامل في التاريخ 2: 227، وسيرة ابن كثير 3: 431. (2) مؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام. وقيل: مؤتة من مشارف الشرف، وبها كانت تطبع السيوف، واليها تنسب المشرفية من السيوف. (معجم البلدان 5: 220). (3) المغازي للواقدي 2: 756، وسيرة ابن هشام 4: 15، الطبقات الكبرى 2: 128، وصحيح البخاري 5: 182، وتاريخ اليعقوبي 2: 65، وتاريخ الطبري 3: 36، ودلائل النبوة للبيهقي 4: 361، وسيرة ابن كثير 3: 4 5 5. (4) معان: مدينة قي طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء (معجم البلدان 5: 153). (5) المناقب لابن شهر آشوب 1: 205، وانظر: تاريخ اليعقوبي 2: 65، ونقله المجلسي في = (*)

[ 213 ]

وفي كتاب أبان بن عثمان: بلغهم كثرة عدد الكفار من العرب والعجم من لخم وجذام وبلي وقضاعة، وانحاز المشركون إلى أرض يقال لها: المشارف، وإنما سميت السيوف المشرفية لأنها طبعت لسليمان بن داود بها، فأقاموا بمعان يومين فقالوا: نبعث إلى رسول الله فنخبره بكثرة عدونا حتى يرى في ذلك رأيه. فقال عبد الله بن رواحة: يا هؤلاء إنا والله ما نقاتل الناس بكثرة وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فقالوا: صدقت. فتهيؤوا - وهم ثلاثة آلاف - حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها: شرف، ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة، قرية فوق الأحساء (1). وعن أنس بن مالك قال: نعى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعفرا وزيد بن حارثة وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجئ خبرهم وعيناه تذرفان. رواه البخاري في الصحيح (2). قال أبان: وحدثني الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (أصيب يومئذ جعفر وبه خمسون جراحة، خمس وعشرون منها في وجهه (3). قال عبد الله بن جعفر: أنا احفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على امي فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهرقان الدموع حتى تقطر على لحيته، ثم قال: (اللهم إن جعفرا =


بحار الأنوار 21: 55 / 8. (1) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 205، وسيرة ابن هشام 4: 19، وتاريخ الطبري 3: 37، ودلائل النبوة للبيهقي 4: 360، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 56. (2) صحيح البخاري 5: 182، وكذا في: دلائل النبوة للبيهقي 4: 366. ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 56. (3) المناقب لابن شهر آشوب 1: 205، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 56. (*)

[ 214 ]

قد قدم إليك إلى أحسن الثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته). ثم قال: (يا أسماء ألا أبشرك ؟). قالت: بلى بأبي أنت وامي يا رسول الله. قال: (إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة). قالت: فاعلم الناس ذلك. فقام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقى المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى والحزن يعرف عليه فقال: (إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرا قد استشهد وجعل له جناحان يطير بهما في الجنة). ثم نزل عليه السلام ودخل بيته وأدخلني معه، وأمر بطعام يصنع لأجلي، وأرسل إلى أخي فتغذينا عنده غذاء طيبا مباركا، وأقمنا ثلاثة أيام في بيته ندور معه كلما صار في بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أساوم شاة أخ لي فقال: (اللهم بارك له في صفقته) قال عبد الله: فما بعت شيئا ولا اشتريت شيئا إلا بورك لي فيه (1) قال الصادق عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام: إذهبي فابكي على ابن عمك، ولا (2) تدعي بثكل فما قلت فقد صدقت) (3).


(1) المغازي للواقدي 2: 766، دلائل النبوة للبيهقي 4: 371، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 56. (2) في نسخة (م): فأن لم. (3) نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 57. (*)

[ 215 ]

وذكر محمد بن إسحاق عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون معه، فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليسوا بفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله) (1). ثم كانت غزوة الفتح في شهر رمضان من سنة ثمان، وذلك أن رسول الله لما صالح قريشا عام الحديبية دخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهده، ودخلت كنانة في حلف قريش، فلما مضت سنتان من القضية قعد رجل من كنانة يروي هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رجل من خزاعة: لا تذكر هذا، قال: وما أنت وذاك ؟ فقال: لئن أعدت لأكسرن فاك. فأعادها، فرفع الخزاعي يده فضرب بها فاه، فاستنصر الكناني قومه، والخزاعي قومه، وكانت كنانة أكثر فضربوهم حتى أدخلوهم الحرم، وقتلوا منهم، وأعانتهم قريش بالكراع والسلاح، فركب عمرو بن سالم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخبره الخبر وقال أبيات شعر، منها: لاهم أني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا أن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسبك يا عمرو) ثم قام فدخل دار ميمونة وقال: (اسكبوا لي ماء) فجعل يغتسل ويقول: (لا نصرت إن لم أنصر بني كعب).


(1) المناقب لابن شهر آشوب 1: 206، وسيرة ابن هشام 4: 24، وتاريخ الطبري 3: 42، ودلائل النبوة للبيهقي 4: 374، والكامل في التايخ 2: 238، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 57. (*)

[ 216 ]

ثم اجمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسير إلى منهة، وقال: (اللهم خذ العيون عن قريش حتى نأتيها في بلادها). فكتب حاطب في أبي بلتعة مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش: أن رسول الله خارج إليكم يوم كذا وكذا. فخرجت وتركت الطريق ثم أخذت ذات اليسار في الحرة، فنزل جبرئيل فاخبره، فدعا عليا عليه السلام والزبير فقال لهما: (أدركاها وخذا منها الكتاب). فخرج علي عليه السلام والزبير لا يلقيان أحدا حتى وردا ذا الحليفة، وكان النبي عليه السلام وضع حرسا على المدينة، وكان على الحرس حارثة ابن النعمان، فأتيا الحرس فسألاهم فقالوا: ما مربنا أحد، ثم استقبلا حاطبا فسألاه، فقال: رأيت امرأة سوداء انحدرت من الحرة. فأدركاها فأخذ علي عليه السلام منها الكتاب وردها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فدعا (صلى الله عليه واله وسلم) حاطبا فقال له: (انظر ما صنعت). قال: أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما شككت، ولكني رجل ليس لي بمكة عشيرة، ولي بها أهل فأردت أن أتخذ عندهم يدا ليحفظوني فيهم. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فوالله لقد نافق. فقال عليه السلام: (إنه من أهل بدر، ولعن الله اطلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد). فجعل الناس. يدفعون في ظهره وهو يلتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليرق عليه، فأمر برده وقال عليه السلام: (قد عفوت عن جرمك فاستغفر ربك ولا تعد لمثل هذه ما حييت) فإ أنزل الله سبحانه (يا أيها الذين

[ 217 ]

امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) (1) - إلى صدر (2) السورة - (3). فصل: قال أبان: وحدثني عيسى بن عبد الله القمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لما انتهى الخبر إلى أبي سفيان - وهو بالشام - بما صنعت قريش بخزاعة أقبل حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: يا محمد احقن دم قومك وأجر بين قريش وزدنا في المدة. قال: (أغدرتم يا أبا سفيان ؟). قال: لا. قال: (فنحن على ما كنا عليه). فخرج فلقي أبا بكر فقال: يا أبا بكر أجر بين قريش، قال: ويحك وأحد يجير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! ثم لقي عمر فقال له مثل ذلك. ثم خرج فدخل على ام حبيبة، فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال: يا بنية أرغبة بهذا الفراش عني ؟ قالت: نعم، هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما كنت لتجلس عليه وأنت رجس مشرك. ثم خرج فدخل على فاطمة فقال: يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس ؟


(1) الممتحنة 60: 1. (2) كذا، ولعل مراده إلى آخر الآيات الواردة في صدر السورة، والتي نزلت في حاطب بن أبي، بلتعة، وهي خمس آيات. (3) سيرة ابن هشام 4: 32، وتاريخ اليعقوبي 2: 58، وانظر: تاريخ الطبري 2: 4 و 4 8، والكامل في التاريخ 2: 239، وسيرة ابن كثير 3: 526 و 536، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 1: 124 / 22. (*)

[ 218 ]

قالت: (جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه واله وسلم). قال: فتأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس ؟ قالت: (والله ما يدري ابناي ما يجيران من قريش). فخرج فلقي عليا عليه السلام فقال: أنت أمس القوم بي رحما، وقد اعتسرت علي الامور، فاجعل لي منها وجها. قال: (أنت شيخ قريش تقوم على باب المسجد فتجير بين قريش ثم تقعد على راحلتك وتلحق بقومك). قال: وهل ترى ذلك نافعي ؟ قال: (لا أدري). فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش، ثم ركب بعيره وانطلق فقدم على قريش، فقالوا: ما وراءك ؟ قال: جئت محمدا فكلمته فوالله مارد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد عنده خيرا، ثم جئت إلى ابن الخطاب فكان كذلك، ثم دخلت على فاطمة فلم تجيبني، ثم لقيت عليا فأمرني أن أجير بين الناس ففعلت. قالوا: هل أجاز ذلك محمد ؟ قال: لا أدري. قالوا: ويحك، لعب بك الرجل، أو أنت تجير بين قريش ؟ ! (1). فصل قال: وخرج رسول الله يوم الجمعة حين صلى العصر لليلتين مضتا من شهر رمضان، فاستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، ودعا * (هامش) (1) المناقب لابن شهر آشوب 1: 206، وتاريخ الطبري 3: 46، وسيرة ابن كثير 3: 530، وفي الأخيرين باختلاف يسير، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 126. (*)

[ 219 ]

رئيس كل قوم فأمره أن يأتي قومه فيستنفرهم. قال الباقر عليه السلام: (خرج رسول الله في غزوة الفتح فصام وصام الناس حتى نزل كراع الغميم فأمر بالإفطار فأفطر وأفطر الناس، وصام قوم فسموا العصاة لأنهم صاموا. ثم سار عليه السلام حتى نزل مر الظهران ومعه نحو من عشرة آلاف رجل ونحو من أربعمائة فارس وقد عميت الأخبار من قريش، فخرج في تلك الليلة أبو سفيان وحكيم في حزام وبديل بن ورقاء هل يسمعون خبرا، وقد كان العباس بن عبد المطلب خرج يتلقى رسول الله ومعه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي امية وقد تلقاه بنيق العقاب ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم في قبته - وعلى حرسه يومئذ زياد بن أسيد - فاستقبلهم زياد فقال: أما أنت يا أبا الفضل فامض إلى القبة، وأما أنتما فارجعا. فمضى العباس حتى دخل على رسوك الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلم عليه وقال: بأبي أنت وامي هذا ابن عمك قد جاء تائبا وابن عمتك. قال: (لا حاجة لي فيهما، إن ابن عمي انتهك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي يقول بمكة: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا). فلما خرج العباس كلمته ام سلمة وقالت: بأبي أنت وامي ابن عمك قد جاء تائبا، لا يكون أشقى الناس بك، وأخي ابن عمتك وصهرك فلا يكونن شقيا بك. ونادى أبو سفيان بن الحارث النبي صلى الله عليه واله وسلم: كن لنا كما قال العبد الصالح: لا تثريب عليكم، فدعاه وقبل منه، ودعا عبد الله بن أبي امية فقبل منه. وقال العباس: هو والله هلاك قريش إلى آخر الدهر إن دخلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنوة، قال: فركبت بغلة رسول الله صلى الله

[ 220 ]

عليه وآله وسلم البيضاء وخرجت أطلب الحطابة أو صاحب لبن لعلي آمره أن يأتي قريشا فيركبون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأمنون إليه، إذ لقيت أبا سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام، وأبو سفيان يقول لبديل: ما هذه النيران ؟ قال: هذ ه خزاعة. قال: خزاعة أقل وأقل من أن تكون هذه نيرانهم، ولكن لعل هذه تميم أو ربيعة. قال العباس: فعرف صوت أبي سفيان، فقلت: أبا حنظلة، قال: لبيك فمن أنت ؟ قلت: أنا العباس، قال: فما هذه النيران فداك أبي وامي قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في عشرة آلاف من المسلمين قال: فما الحيلة ؟ قال: تركب في عجز هذه البغلة فأستأمن لك، يعول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فأردفته خلفي ثم. جئت به، فكلما انتهيت إلى نار قاموا إلى نار قاموا إلي فإذا رأوني قالوا: هذا عم رسول الله خلوا سبيله، حتى انتهيت إلى باب عمر فعرف أبا سفيان فقال: عدو الله الحمد الله الذي أمكن منك، فركضت البغلة حتى اجتمعنا على باب القبة، ودخل عمر على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: هذا أبو سفيان قد أمكنك الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه. قال: العباس: فجلست عند رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: بأبي أنت وأمي أبو سفيان ؟ شد أجرته، قال: (أدخله). فدخل فقام بين يديه فقال: (ويحك يا أبا سفيان أما ان لك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟). قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك وأحلك، أما الله لو كان معه إله لاغنى يوم بدر ويوم أحد، واما أنك رسول الله فوالله إن في نفسي منها لشيئا

[ 221 ]

قال العباس: يضرب والله عنقك الساعة أو تشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله - تلجلج بها فوه -. فقال أبو سفيان للعباس: فما نصنع باللات والعزى ؟ فقال له عمر: اسلح (1) عليهما. فقال أبو سفيان: اف لك ما أفحشك، ما يدخلك يا عمر في كلامي وكلام ابن عمي ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (عند من تكون الليلة) ؟ قال: عند أبي الفضل. قال: (فاذهب به يا أبا إلفضل فأبته عندك الليلة واغد به علي). فلما أصبح سمع بلالا يؤذن، قال: ما هذا المنادي يا أبا الفضل ؟ قال: هذا مؤذن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قم فتوضأ وصل، قال: كيف أتوضأ ؟ فعلمه. قال: ونظر أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتوضأ وأيدي المسلمين تحت شعره، فليس قطرة تصيب رجلا منهم إلا مسح بها وجهه، فقال: بالله إن رأيت كاليوم قط كسرى ولا قيصر. فلما صلى غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: يا رسول الله إني احب أن تأذن لي (بالذهاب) إلى قومك فانذرهم وأدعوهم إلى الله ورسوله، فأذن له، فقال العباس: كيف أقول لهم ؟ بين لي من ذلك أمرا يطمئنون إليه. فقال صلى الله عليه واله وسلم: (تقول لهم: من قال: لا إله إلا الله


(1) السلح: النجو، وهو ما خرج من البطن من ريح وغيرها. (انظر: العين 6: 186).

[ 222 ]

وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، وكف يده فهو امن، ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن. فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو خصصته بمعروف. فقال عليه السلام: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن). قال أبو سفيان: داري ؟ ! قال: (دارك)، ثم قال: (من أغلق بابه فهو آمن). ولما مضى أبو سفيان قال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل من شأنه الغدر، وقد رأى من المسلمين تفرقا. قال: (فأدركه واحبسه في مضايق الوادي حتى يمر به جنود الله). قال: فلحقه العباس فقال: أبا حنظلة ! قال: أغدرا يا بني هاشم ؟ قال: ستعلم أن الغدر ليس من شأننا، ولكن أصبر حتى تنظر إلى جنود الله. قال العباس: فمر خالد بن الوليد فقال أبو سفيان: هذا رسول الله ؟ قال: لا ولكن هذا خالد بن الوليد في المقدمة، ثم مر الزبير في جهينة وأشجع فقال أبو سفيان: يا عباس هذا محمد ؟ قاك: لا، هذا الزبير، فجعلت الجنود تمر به حتى مر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الأنصار ثم انتهى إليه سعد بن عبادة، بيده راية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: با أبا حنظلة. اليوم يوم الملحمه اليوم تستحل (1) الحرمه يا معشر الأوس والخزرج ثاركم يوم الجبل.


(1) في نسخة (م) والبحار: تسبى. (*)

[ 223 ]

فلما سمعها من سعد خلى العباس وسعى إلى رسول الله وزاحم حتى مر تحت الرماح فأخذ غرزه (1) فقبلها، ثم قال: بأبي أنت وامي أما تسمع ما يقول سعد ؟ وذكر ذلك القول، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس مما قال سعد شئ) ثم قال لعلي عليه السلام: (أدرك سعدا فخذ الراية منه وأدخلها إدخالا رفيقا)، فأخذها علي وأدخلها كما أمر. قال: وأسلم يومئذ حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، وجبير بن مطعم. وأقبل أبو سفيان حتى دخل مكة وقد سطع الغبار من فوق الجبال وقريش لا تعلم، وأقبل أبو سفيان من أسفل الوادي يركض فاستقبلته قريش وقالوا: ما وراءك وما هذا الغبار ؟ قال: محمد في خلق، ثم صاح: يا آل غالب البيوت البيوت، من دخل داري فهو آمن، فعرفت هند فأخذت تطردهم، ثم قالت: اقتلوا الشيخ الخبيث، لعنه الله من وافد قوم وطليعة قوم قال: ويلك إني رأيت ذات القرون، ورأيت فارس أبناء الكرام، ورأيت ملوك كندة وفتيان حمير يسلمن آخر النهار، ويلك اسكتي فقد والله جاء الحق ودنت البلية (2). فصل: وكان قد عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكة إلا من قاتلهم، سوى نفر كانوا يؤذون النبي صلوات الله عليه وآله، منهم: مقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي


(1) الغرز: ركاب الرحل (لسان العرب 5: 386). (2) نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 127. (*)

[ 224 ]

سرح، وعبد الله بن خطل، وقينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة). فادرك ابن خطل وهو متعلق باستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا فقتله، وقتل مقيس بن صبابة في السوق، وقتل علي عليه السلام إحدى القينتين وأفلتت الاخرى، وقتل عليه السلام أيضا الحويرث بن نقيذ بن كعب. وبلغه أن ام هانئ بنت أبي طالب قد اوت ناسا من بني مخزوم منهم الحارث بن هشام وقيس بن السائب، فقصد نحو دارها مقنعا بالحديد، فنادى: (أخرجوا من آويتم) فجعلوا يذرقون كما يذرق الحبارى خوفا منه. فخرجت إليه ام هاني - وهي لا تعرفه - فقالت: يا عبد الله، أنا ام هاني بنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واخت علي بن أبي طالب، انصرف عن داري. فقال علي عليه السلام: (أخرجوهم). فقالت: والله لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. فنزع المغفر عن رأسه فعرفته فجاءت تشتد حتى التزمته، فقالت: فديتك حلفت لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال لها: (فاذهبي فبري قسمك، فإنه بأعلى الوادي). قالت ام هاني: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في قبة يغتسل، وفاطمة عليها السلام تستره، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كلامي قال: (مرحبا بك يا أم هاني). قلت: بأبي وامي ما لقيت من علي اليوم ! فقال عليه السلام: (قد أجرت من أجرت).

[ 225 ]

فقالت فاطمة عليها السلام: (إنما جئت يا ام هانئ تشكين عليا في أنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله ؟ !) فقلت: احتمليني فديتك. فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (قد شكر الله لعلي سعيه، وأجرت من أجارت ام هانئ لمكانها من علي بن أبي طالب (1). قال أبان: وحدثني بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لما كان فتح مكة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عند من المفتاح ؟ قالوا: عند ام شيبة. فدعا شيبة فقال: إذهب إلى امك فقل لها ترسل بالمفتاح. فقالت: قل له: قتلت مقاتلينا وتريد أن تأخذ منا مكرمتنا. فقال: لترسلن به أو لأ قتلنك. فوضعته في يد الغلام فأخذه ودعا عمر فقال له: هذا تأويل رؤياي من قبل. ثم قام صلى الله عليه وآله وسلم ففتحه وستره، فمن يومئذ يستر، ثم دعا الغلام فبسط رداءه فجعل فيه المفتاح وقال: رده إلى امك. قال: ودخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيت وأخذ بعضادتي الباب ثم قال لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده. ثم قال: ما تظنون وما أنتم قائلون ؟ فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرا، ونظن خيرا، أخ كريم وابن عم. قال: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كان في


(1) نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 131. (*)

[ 226 ]

الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي، إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله، لم تحل لأحد كان قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فهي محرمة إلى أن تقوم الساعة، لا يختلي خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم، وأخرجتم وفللتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني، فاذهبوا فأنتم الطلقاء. فخرج القوم كأنما انشروا من القبور، ودخلوا في الإسلام. قال: ودخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مكة بغير إحرام وعليهم السلاح، ودخل البيت لم يدخله في حج ولا عمرة. ودخل وقت الظهر فأمر بلال فصعد على الكعبة وأذن، فقال عكرمة: والله إن كنت لأكره أن أسمع صوت ابن رباح ينهق على الكعبة، وقال. خالد ابن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبا عتاب من هذا اليوم من أن يرى ابن رباح قائما على الكعبة، قال سهيل: هي كعبة الله وهو يرى ولو شاء لغير - قال: وكان أقصدهم - وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا، والد لو نطقت لظننت أن هذه الجدر لخبر به محمدا. وبعث صلوات الله عليه وآله إليهم فأخبرهم بما قالوا، فقال عتاب: قد والله قلنا يا رسول الله ذلك فنستغفر الله ونتوب إليه، فأسلم وحسن إسلامه وولاه رسول الله مكة. قال: وكان فتح مكة لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، واستشهد

[ 227 ]

من المسلمين ثلاثة نفر دخلوا من أسفل مكة وأخطأوا الطريق فقتلوا) (1). فصل: وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السرايا فيما حول مكة يدعون إلى الله عز وجل، ولم يأمرهم بقتال، فبعث غالب بن عبد الله إلى بني مدلج فقالوا: لسنا عليك ولسنا معك، فقال الناس: اغزهم يا رسول الله، فقال: (إن لهم سيدا أديبا أريبا، ورب غاز من بني مدلج شهيد في سبيل الله) (2). وبعث عمرو بن امية الضمري إلى بني الديل فدعاهم إلى الله ورسوله فأبوا أشد الإباء، فقال الناس: أغزهم يا رسول الله، فقال: (أتاكم الآن سيدهم قد أسلم فيقول لهم: أسلموا، فيقولون: نعم) (3). وبعث عبد الله بن سهيل بن عمرو إلى بني محارب بن فهر فأسلموا وجاء معه نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4). وبعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر، وقد كانوا أصابوا في الجاهلية من بني المغيرة نسوة وقتلوا عم خالد، فاستقبلوه وعليهم السلاح وقالوا: يا خالد إنا لم نأخذ السلاح على الله وعلى رسوله ونحن مسلمون، فانظر فإن كان بعثك رسول الله ساعيا فهذه إبلنا وغنمنا فاغد عليها، فقال: ضعوا السلاح، قالوا: إنا نخاف منك أن تأخذنا بإحنة الجاهلية وقد أماتها الله ورسوله.


(1) نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 132 / ذيل ح 2 2. (2) مناقب ابن شهر آشوب 1: 210. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 140 / ضمن ح 2. (3) مناقب ابن شهر آشوب 1: 210. نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 140 / ضمن ح 2. (4) نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 140 / ضمن ح 2. (*)

[ 228 ]

فانصرف عنهم بمن معه، فنزلوا قريبا ثم شن عليهم الخيل، فقتل وأسر منهم رجالا، ثم قال: ليقتل كل رجل منكم أسيره، فقتلوا الأسرى، وجاء رسولهم إلى رسول الله فأخبره بما فعل خالد بهم، فرفع عليه السلام يده إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) وبكى ثم دعا عليا عليه السلام فقال: (اخرج إليهم وانظر في أمرهم) وأعطاه سفطا من ذهب، ففعل ما أمره وأرضاهم (1). ثم كانت غزوة حنين، وذلك أن هوازن جمعت له جمعا كثيرا، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن صفوان بن امية عنده مائة درع فسأله ذلك، فقال: أغصبا يا محمد ؟ قال: (لا، ولكن عارية مضمونة) قال: لا بأس بهذا. فأعطاه. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ألفين - من مكة - وعشرة آلاف كانوا معه، فقال أحد أصحابه: لن نغلب اليوم من قلة. فشق ذلك على رسول الله فأنزل الله سبحانه (ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم) (لاية (2). وأقبل مالك بن عوف النصري فيمن معه من قبائل قيس وثقيف،، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن أبي حدرد عينا فسمع ابن عوف يقول: يا معشر هوازن إنكم أحد العرب وأعدها، وإن هذا الرجل لم يلق قوما يصدقونه القتال، فإذا لقيتموه فاكسروا جفون سيوفكم واحملوا عليه حملة رجل واحد. فأتى ابن أبي حدرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد ؟ فقال: (قد


(1) انظر: امالي الصدوق: 146 / 7، وارشاد المفيد 1: 139، صحيح البخاري 5: 2 0 3 كتاب المغازي، وتاريخ اليعقوبي 2: 61، وسيرة ابن هشام 4: 70، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 114، والكامل في التاريخ 2: 255، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 140 / 2. (2) التوبة 9: 25. (*)

[ 229 ]

كنت ضالا فهداك الله يا عمر وابن أبي حدرد صادق) (1). قال الصادق عليه السلام: (وكان مع هوازن دريد بن الصمة، خرجوا به شيخا كبيرا يتيمنون برأيه، فلما نزلوا بأوطاس (2) قال: نعم مجال الخيل لاحزن (3) ضرس (4)، ولا سهل دهس (5)، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير ؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم قال: فأين مالك ؟ فدعي مالك له، فأتاه فقال: يا مالك، أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، وثغاء الشاة ؟. قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. قال: ويحك لم تصنع شيئا، قدمت بيضة (6) هوازن في نحور الخيل، وهل يرد وجه المنهزم شئ ؟ ! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. قال: إنك قد كبرت وكبر عقلك. فقال دريد: إن كنت قد كبرت فتورث غدا قومك ذلا بتقصير رأيك


(1) المناقب لا بن شهرآشوب 1: 210، وانظر: المغازي للواقدي 3: 890 و 893، وسيرة ابن هشام 4: 82، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 121 و 13 0، والكامل في التاريخ 2: 262، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 164 / 9. (2) أوطاس: واد في ديار وهازن. (معجم البلدان 1: 281) (3) الحزن: ما غلظ من الأرض في ارتفاع (لسان العرب 13: 114). (4) الضرس: الأكمة الخشنة. (الصحاح - ضرس - 3: 942). (5) الدهس: المكان اللين، لا يبلغ أن يكون رملا، وليس هو بتراب ولا طين، ولونه الدهسه. (الصحاح - دهس - 3: 931) (6) البيضة: أصل القوم ومجتمعهم (لسان العرب 7: 127) (*)

[ 230 ]

وعقلك، هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه (ثم قال: حرب عوان) (1) ياليتني فيها جذع أخب فيها وأضع) (2) قال جابر: فسرنا حتى إذا استقبلنا وادي حنين، كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضائقه، فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف والعمد والقني، فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات اليمين، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب (3). وأقبل مالك بن عوف يقول: أروني محمدا، فأروه فحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وكان رجلا أهوج (4) - فلقيه رجل من المسلمين فالتقيا، فقتله مالك - وقيل: إنه أيمن بن ام أيمن (5) - ثم أقدم فرسه فأبى أن يقدم نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصاح كلدة بن الحنبل - وهو أخو صفوان بن امية لأمه وصفوان يومئذ مشرك -: ألا بطل السحر اليوم، فقال صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن (6).


(1) حرب عوان: أي حرب قوتل فيها مرة بعد الأخرى. (انظر: لسان العرب 13: 1299. (2) تفسير القمي 1: 285، المناقب لابن شهر آشوب 1: 210، وانظر: سيرة ابن هشام 4: 85، وتاريخ الطبري 3: 71، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 121، والكامل في التاريخ 2: 26 1، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 1: 1 66 / ضمن ح 9. (3) المناقب لابن شهر آشوب 1: 211، وسيرة ابن هشام 4: 85، وتاريخ الطبري 3: 74، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 126، والكامل في التاريخ 2: 262، وفيها باختلاف يسير، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 166 / ضمن ح 9. (4) رجل أهوج: أي طويل وبه تسرع وحمق. (الصحاح - هوج - 1: 351). (5) المناقب لابن شهر آشوب 1: 211، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 166 / ضمن 9. (6) المغازي للواقدي 3: 9 1 0، وسيرة ابن هشام 4: 86، تاريخ الطبري 3: 74، ودلائل (*) =

[ 231 ]

قال محمد بن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار: اليوم أدرك ثاري - وكان أبو قتل يوم احد - اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله صلى الله عليه واله وسلم لأقتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذلك، فعرفت أنه ممنوع (1). وروى عكرمة عن شيبة قال: لما رأيت رسول الله يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة اياهما، فقلت: أدرك ثاري اليوم من محمد، فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا با لعباس بن عبد المطلب قائما عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، ئم جئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ (2) من نار بيني وبينه كأنه برق، فخفت أن يمحشني (3) فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، والتفت رسول الله وقال: (يا شيب ادن مني، اللهم اذهب عنه الشيطان) قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، وقال: (يا شيب قاتل الكفار) (4). وعن موسى بن عقبة قال: قام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في =


النبوة للبيهقي 5: 1 28، والكامل في التاريخ 2: 263، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 166 ضمن ح 9. (1) المغازي للواقدي 3: 909، وسيرة ابن هشام 4: 87، وتاريخ الطبري 3: 75، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 1 28، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 166 / ضمن ح 9. (2) الشواظ والشواظ: اللهب الذي لا دخان له. (الصحاح - شوظ - 3: 351) (3) المحش: تناول من لهب يحرق الجلد ويبدي العظم. (العين 3: 100). (4) المغازي للواقدي 3: 909: ودلائل النبوة للبيهقي 5: 145، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 166 / ضمن ح 9. (*)

[ 232 ]

الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعو ويقول: (اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا) ونادى أصحابه وذمرهم (1): (يا أصحاب البيعة بوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم). وقيل: إنه قال: (يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج) وأمر العباس ابن عبد المطلب فنادى في القوم بذلك، فأقبل إليه أصحابه سراعا يبتدرون. وروي: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الآن حمي الوطيس. أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) (2) قال سلمة بن الأكوع: نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البغلة ثم قبض قبضة سن تراب، ثم استقتبل به وجوههم وقال: (شاهت الوجوه فما خلي الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة في فولو مدبرين، واتبعهم المسلمون فقتلوهم، وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاءهم وأموالهم (3). وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومهم، وأسلم عند ذلك كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله وإعزاز دينه (4) قال أبان: وحدثني محمد بن الحسن (5) بن زياد، عن أبي عبد الله عليه


(1) ذمرهم: لامهم وحضهم وحثهم. (لسان العرب 4: 311) - (2) دلائل النبوة للبيهقي 5: 131، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 167 / ضمن ح 9. (3) صحيح مسلم 3: 1402 / 18، دلائل النبوة للبيهقي 5: 140 ونحوه في: تفسير القمي 1: 287، والطبقات الكبرى 2: 56، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 167. (4) دلائل النبوة للبيهقي 5: 132 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 167. (5) في نسختي (ق) و (ط) الحسين، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو محمد بن الحسن ابن زياد العطار، كذلك عنونه النجاشي (369 / 1002) وقال عنه: كوفي ثقة، روى أبوه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، له كتاب. وكذا ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست (149)، وابن داود في القسم الأول من رجاله (*) =

[ 233 ]

السلام قال: (سبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين أربعة آلاف رأس واثني عشر ألف ناقة، سوى ما لا يعلم من الغنائم (1) وخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأنفال والأموال والسبايا بالجعرانة (2) وافترق المشركون فرقتين، فأخذت الأعراب ومن تبعهم أوطاس، وأخذت ثقيف ومن تبعهم الطائف، وبعث رسول الله أبا عامر الأشعري إلى أوطاس فقاتل حتى قتل، فأخذ أبو موسى الأشعري - وهو ابن عمه - فقاتل بها حتى فتح عليه) (3) ثم كانت غزوة الطائف، سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف في شوال سنة ثمان فحاصرهم بضع عشر يوما، وخرج نافع بن غيلان ابن معتب في خيل من ثقيف فلقيه علي عليه السلام في خيله، فالتقوا ببطن وج (4)، فقتله علي وانهزم المشركون، ونزل من حصن الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أرقائهم، منهم أبو بكرة - وكان عبدا للحارث بن كلدة المنبعث، وكان اسمه المضطجع، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبعث - ووردان - وكان عبدا لعبد الله بن ربيعة - =


(169 / 1348)، والعلامة الحلي في الخلاصة (160 / 139) والمامقاني في تنقيحه (3: / 101)، ولعل هذه الرواية وردت في كتابه المذكور. فتأمل. (1) المناقب لابن شهر آشوب 1: 211، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 168 (2) الجعرانة: ماء بير الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. (معجم البلدان 2: 142). (3) انطر: الارشاد للمفيد 1: 151، وسيرة ابن هشام 4: 97، والمغازي للواقدي 3: 9 1 5، وصحيح البخاري 5: 197، وتاريخ الطبري 3: 79، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 152، والكامل في التاريخ 2: 265. (4) وج (بالفتح ثم التشديد): الطائف، والوج في اللغة: عيدان يتداوى بها، قال أبو منصور: وما أراه عربيا محضا، والوج يعني: السرعة، والقطا، والنعام: (انظرة معجم البلدان 5: 361). (*)

[ 234 ]

فأسلموا، فلما قدم وفد الطائف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلموا قالوا: يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك، فقال: (لا، اولئك عتقاء الله) (1). وذكر الواقدي - عن شيوخه - قال: شاور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في حصن الطائف، فقال له سلمان الفارسي رحمه الله: يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعمل منجنيق، ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة ودبابتين - ويقال: خالد بن سعيد - فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فاحرقت الدبابة. فأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بقطع أعنابهم وتحريقها، فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي: لم تقطع أموالنا، إما أن تأخذها إن ظهرت علينا و، إما أن تدعها لله والرحم، فقال رسول الله عليه السلام: (فإني أدعها لله والرحم) فتركها (2). وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام في خيل عند محاصرته أهل الطائف وأمره أن يكسر كل صنم وجده، فخرج فلقيه جمع كثير من خثعم، فبرز له رجل من القوم وقال: هل من مبارز، فلم يقم أحد، فقام إليه علي عليه السلام، فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: تكفاه أيها الأمير، فقال: (لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس).


(1) انظر: المناقب لابن شهر آشوب 1: 211 - 212، وتاريخ اليعقوبي 2: 64، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 156 - 159، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 168. (2) المغازي 3: 927، وانظر: الارشاد للمفيد 1: 53، دلائل النبوة للبيهقي 5: 161، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 168. (*)

[ 235 ]

فبرز إليه علي عليه السلام وهو يقول: على كل رئيس حقا أن يروي الصعدة (1) أو تدقا) ثم ضربه فقتله، ومضى حتى كسر الأصنام، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بعد محاصر لأهل الطائف ينتظره، فلما رآه كبر وأخذ بيده وخلا به (2). فروى جابر بن عبد الله قال: لما خلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلي بن أبي طالب عليه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب فقال: أتناجيه دوننا وتخلو به دوننا ؟ فقال: (يا عمر، ما أنا انتجيته بل الله انتجاه) قال: فأعرض وهو يقول: هذا كما قلت لنا يوم الحديبية لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله امنين محلقين، فلم ندخله وصددنا عنه. فناداه صلى الله عليه واله وسلم: (لم أقل لكم إنكم تدخلونه ذلك العام) (3). قال: فلما قدم علي عليه السلام فكأنما كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على وجل فارتحل فنادى سعيد بن عبيدة: ألا ان الحي مقيم، فقال عليه السلام: (لا أقمت ولا ظعنت) فسقط فانكسر فخذه (4). وعن محمد بن إسحاق قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرف عنهم ولم يؤذن


(1) الصعدة: القناة المستوية تنبت كذلك، ومن القصب أيضا. (العين 1: 290). (2) ارشاد المفيد 1: 152، والمنافب لابن شهرآشوب 1: 211، ونقله المجلسي في بحار. الأنوار 21: 169. (3) ارشاد المفيد 1: 1 53، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 1: 169. (4) نقله المجلسي ضي بحار الأنوار 21: 169. (*)

[ 236 ]

فيهم، فجاءه وفده في شهر رمضان فأسلموا (1). ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجعرانة بمن معه من الناس، وقسم بها ما أصاب من الغنائم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من قريش ومن سائر العرب، ولم يكن في الأنصار منها شئ قليل ولا كثير (2). قيل: إنه جعل للأنصار شيئا يسيرا، وأعطى الجمهور للمتألفين (3). قال محمد بن إسحاق: فاعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، ومعاوية ابنه مائة بعير، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى بني قصي مائة بعير، وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة مائة بعير، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بين زهرة مائة بعير، وأعطى الحارث بن هشام من بني مخزوم مائة، وجبير بن مطعم من بني نوفل بن عبد مناف مائة، ومالك بن عوف النصري مائة، فهؤلاء أصحاب المائة. وقيل: إنه أعطى علقمة بن علاثة مائة، والأقرع بن حابس مائة، وعيينة بن حصن مائة، وأعطى العباس بن سرداس أربعا فتسخطها وأنشأ يقول:


(1) المناقب لابن شهرآشوب 1: 212، ودلائل النبوة للبيهقي: 5: 169، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 169. (2) انظر: إرشاد المفيد 1: 145، سيرة ابن هشام 4: 135، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 176، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 169 (3) ارشاد المفيد 1: 145، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 169. (*)

[ 237 ]

أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرء منهما ومن تضع اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذاتدرأ فلم أعط شيئا ولم أمنع فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله رسلم: (أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة) فقال أبو بكر: بأبي أنت وامي لست بشاعر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف قال ؟) فأنشده أبو بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي قم فاقطع لسانه). قال عباس: فوالله لهذه الكلمة كانت أشد علي من يوم خثعم، فأخذ علي عليه السلام بيدي فانطلق بي فقلت: يا علي إنك لقاطع لساني ؟ قال: (إني ممض فيك ما امرت) حتى أدخلني الحظائر فقال: (اعقل ما بين أربعة إلى مائة). قال: قلت: بأبي أنتم وامي، ما أكرمكم وأحلمكم وأجملكم وأعلمكم. فقال لي: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاك أربعا وجعلك مع المهاجرين، فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ المائة وكن مع أهل المائة). قال: فقلت لم لعلي عليه السلام: أشر أنت علي. قال: (فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك وترضى) قال: فإني أفعل (1).


(1) انظر: ارشاد المفيد 1: 146 - 147، المغازي للواقدي 3: 945 - 947، وسيرة ابن هشام 4: 1 36 - 1 37، وتاريخ الطبري 3: 9 0 - 9 1، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 187 - 1 83، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 170. (*)

[ 238 ]

قال: وغضب قوم من الأنصار لذلك وظهر منهم كلام قبيح حتى قال قائلهم: لقي الرجل أهله وبني عمه ونحن أصحاب كل كريهة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما دخل على الأنصار من ذلك أمرهم أن يقعدوا ولا يقعد معهم غيرهم، ثم أتاهم شبه المغضب يتبعه علي عليه السلام، حتى جلس وسطهم، فقال: (ألم اتكم وأنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم اللة منها بي ؟). قالوا: بلى، ولله ولرسوله المن والطول والفضل علينا. قال (ألم آتكم وأنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي ؟). قالوا: أجل. ثم قال: (ألم آتكم وأنتم قليل فكثركم الله بي) وقال ما شاء الله أن يقول ثم سكت، ثم قال: (ألا تجيبوني ؟). قالوا بم نجيبك يا رسول الله، فداك أبونا وامنا، لك المن والفضل والطول. قال: (بل لو شئتم قلتم: جئتنا طريدا مكذبا فآويناك وصدقناك، وجئتنا خائفا فآمناك). فارتفعت أصواتهم، وقام إليه شيوخهم فقبلوا يديه ورجليه وركبتيه، ثم قالوا: رضينا عن الله وعن رسوله، وهذه أموالنا أيضا بين يديك فأقسمها بين قومك إن شئت. فقال: (يا معشر الأنصار، أوجدتم في أنفسكم إذ قسمت مالا أتألف به قوما ووكلتكم إلى إيمانكم، أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم ورجعتم أنتم ورسول الله في سهمكم ؟).

[ 239 ]

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الأنصار كرشي وعيبتي (1) لو سلك الناس واديا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) (2). فصل: قال: وقد كان فيما سبي أخته بنت حليمة، فلما قامت على رأسه قالت: يا محمد اختك شيماء بنت حليمة، قال: فنزع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برده فبسطه لها فأجلسها عليه، ثم أكب عليها يسائلها، وهي إلتي كانت تحضنه إذ كانت امها ترضعه (3). وأدرك وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله، إنا لو ملحنا الحارث ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر، ثم ولي منا مثل الذي وليت لعاد علينا بفضله وعطفه وأنت خير المكفولين، وإنما في الحظائره خالاتك وبنات


(1) قال ابن الاثير في شرح هذا القول: أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته، الذين يعتمد عليهم في اموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك، لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته. وقيل: أراد بالكرش الجماعة، أي جماعتي وصحابتي، ويقال: عليه كرش من الناس: أي جماعة. (النهاية 4: 163). (2) ارشاد المفيد 1: 145، وباختلاف يسير في المغازي للواقدي 3: 956 - 958، وسيرة ابن هشام 4: 141 - 143، ودلائل النبوة 5: 176 - 178 والكامل في التاريخ 2: 271، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 171. (3) المغازي للواقدي 3: 9 1 3، سيرة ابن هشام 4: 1 0 1، دلائل النبوة للبيهقي 5: 1 99، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 172. (*)

[ 240 ]

خالاتك وحواضنك وبنات حواضنك اللاتي أرضعنك، ولسنا نسألك مالا، إنما نسألكهن. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم منهن ما شاء الله فلما كلمته أخته قال: (أما نصيبي ونصيب بني عبد المطلب فهو لك، وأما ما كان للمسلمين فاستشفعي بي عليهم). فلما صلوا الظهر، قامت فتكلمت وتكلموا فوهب لها الناس أجمعون إلا الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فإنهما أبيا أن يهبا وقالوا: يا رسول الله إن هؤلاء قوم قد أصابوا من نسائنا فنحن نصيب من نسائهم مثل ما أصابوا. فأقرع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بينهم ثم قال: (اللهم اتوه سهميهما) فأصاب أحدهما خادما لبني عقل، وأصاب الاخر خادما لبني نمير، فلما رأيا ذلك وهبا ما منعا. قال: ولولا أن النساء وقعن في القسمة لوههن لها كما وهب ما لم يقع في القسمة ولكنهن وقعن في انصباء الناس فلم يأخذ منهم إلا أبطيبة النفس (1). وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فئ نصيبه، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم) (2). قال: وكلمته اخته في مالك بن عوف فقال: (إن جاءني فهو آمن) فأتاه


(1) انظر: المغازي للواقدي 2: 9 49 وسيرة ابن هشام 4 / 131، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 195 -، ونقله المجلسي في بحار إلأنوار 21: 172. (2) سيرة ابن هشام 4: 1 3 2، تاريخ الطبري 3: 87، والكامل في التاريخ 2: 269، دلائل النبوة للبيهقي 195، ونقله المجلسي في بحار الأنوإر 21: 173. (*)

[ 241 ]

فرد عليه ماله وأعطاه مائة من الإبل (1). فصل: روى الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقسم إذ أتاه ذو الخويصرة - رجل من بني تميم - فقال: يا رسول الله أعدل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويلك من يعدل إن أنا لم أعدل، وقد خبت وخسرت إن أنا لم أعدل). فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه اضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يقرؤون القران لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى رصافه (2) فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر في قذذه (3) فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آتيهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر (4)، يخرجون على خير فرقة من الناس). قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب عليه السلام قاتلهم وأنا معه، وأمر


(1) المغازي للواقدي 3: 954، سيرة ابن هشام 4: 133، تاريخ الطبري 3: 88، الكامل في التاريخ 2: 269، دلائل النبوة للبيهقي 5: 1 98، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 173). (2) الرصاف: عقب يلوى على مدخل الفصل فيه (النهاية 2: 2 27). (3) القذذ: ريش السهم، واحدتها قذة. (النهاية - قذذ - 4: 28). (4) تدردر: أي ترجرج تجئ وتذهب. (النهاية - دردر - 2: 112). (*)

[ 242 ]

بذلك الرجل فالتمس فوجد فاتي به حتى نطرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نعت. رواه البخاري في الصحيح) (1). فصل: قالوا: ثم ركب رسول الله وأتبعه الناس يقولون: يا رسول الله أقسم علينا فيئنا، حتى ألجؤوه إلى شجرة فانتزع عنه رداءه فقال: (أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجرتها نعما لقسمته، عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاولا جبانا). ثم قام إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه فقال: (يا أيها الناس الله ما لي من فيئكم هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة، فجاءه جل من الأنصار بكبة من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما حقي منها فلك). فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر هذا فلا حاجة لي بها، ورمى بها من يده (2). ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجعرانة قي ذي القعدة إلى مكة فقضى بها عمرته، ثم صدر إلى المدينة وخليفته اعلى أهل مكة معاذ بن جبل (3).


(1) صحيح البخاري 4: 243، وكذا في: صحيح مسلم 2: 744 / 148، مسند أحمد 3. 56 و 65، دلائل النبوة للبيهقي 5: 187. (2) سيرة ابن هشام 4: 1 3 4، تاريخ الطبري 3: 89، دلائل النبوة للبيهقي 5: 19 5 و 196، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 174. (3) دلائل النبوة للبيهقي 5: 203، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 174. (*)

[ 243 ]

وقال محمد بن إسحاق: استخلف عتاب بن اسيد وخلف معه معاذا يفقه الناس في الدين ويعلمهم القران، وحج بالناس في تلك السنة وهي سنة ثمان عتاب بن أسيد، وأقام صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب (1). ثم كانت غزوة تبوك: تهيأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجب لغزو الروم، وكتب إلى قبائل العرب ممن قد دخل في الإسلام وبعث إليهم الرسل يرغبهم في الجهاد والغزو، وكتب إلى تميم وغطفان وطي، وبعث إلى عتاب بن اسيد عامله على مكة يستنفرهم لغزو الروم. فلما تهيأ للخروج قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ورغب في المواساة وتقوية الضعيف والإنفاق، فكان أول من أنفق فيها عثمان بن عفان جاء بأواني من فضة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجهز ناسا من أهل الضعف، وهو الذي يقال إنه جهز جيش العسرة. وقدم العباس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنفق نفقة حسنة وجهز، وسارع فيها الأنصار، وأنفق عبد الرحمن والزبير وطلحة، وأنفق ناس من المنافقين رياء وسمعة، فنزل القرآن بذلك. وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عسكره فوق ثنية الوداع بمن تبعه من المهاجرين وقبائل العرب وبني كنانة وأهل تهامة ومزينة وجهينة وطي وتميم، واستعمل على المدينة عليا عليه السلام وقال له: (إنه لا بد للمدينة مني أو منك). واستعمل الزبير على راية المهاجرين، وطلحة بن عبيد الله على * (هامش) (1) المغازي للواقدي 3: 959، سيرة ابن هشام 4: 143، تاريخ الطبري 3: 9 4، دلائل النبوة للبيهقي 5: 2 0 3، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 1: 174. (*)

[ 244 ]

الميمنة، وعبد الرحمن بن عوف على الميسرة. وسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل الجرف، فرجع عبد الله بن ابي بغير إذن فقال عليه السلام: (حسبي الله هو الذي أيدني بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) فلما انتهى إلى الجرف لحقه علي عليه السلام وأخذ بغرز (1) رجله وقال: (يا رسول الله زعمت قريش أنك انما خلفتني استثقالا لي). فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (طالما آذت الامم أنبياءها، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟). فقال: (قد رضيت قد رضيت). ثم رجع إلى المدينة. وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبوك في شعبان يوم الثلاثاء فأقام بقية شعبان وأياما من شهر رمضان، وأتاه وهو بتبوك يحنة بن رؤبة صاحب إيلة (2) فأعطاه الجزية وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له كتابا، والكتاب عندهم، وكتب أيضا لأهل جرباء وأذرح (3) كتابا. وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بتبوك بأبي عبيدة بن الجراح إلى جمع من بني جذام مع زنباع بن روح الجذامي فأصاب منهم طرفا وأصاب منهم سبايا، وبعث سعد بن عبادة إلى ناس من بني سليم وجموع من بلي، فلقا قارب القوم هربوا. وبعث خالدا إلى الاكيدر صاحب دومة الجندل وقال له: (لعل الله يكفيكه بصيد البقر فتأخذه).


(1) الغرز: ركاب الرحل. (لسان العرب 5: 386). (2) ايلة: مدينة بين الفسطاط ومكة على شاطئ بحر القلزم، تعد من بلاد الشام (معجم البلدان 1: 292). (3) جرباء وأذرح: قريتان بالشام بينهما ثلاث ليال. (النهاية 1: 254) (*)

[ 245 ]

فبينا خالد وأصحابه في ليلة إضحيان إذ أقبلت البقرة تنتطح فجعلت تنطح باب حصن اكيدر وهو مع أمرأتين له يشرب الخمر، فقام فركب هو وحسان أخوه وناس من أهله فطلبوها وقد كمن له خالد وأصحابه فتلقاه أكيدر وهو يتصيد البقر فأخذوه وقتلوا أخاه حسانا وعليه قباء مخوص بالذهب، وأفلت أصحابه فدخلوا الحصن وأغلقوا الباب دونهم، فأقبل خالد بأكيدر وسار معه أصحابه فسألهم أن يفتحوا له فأبو افقال: أرسلني فإني أفتح الباب، فأخذ عليه موثقا وأرسله فدخل وفتح الباب حتى دخل خالد وأصحابه، وأعطاه ثمانمائه رأس وألفي بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح وخمسمائة سيف، فقبل ذلك منه وأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحقن دمه وصالحه على الجزية (1). وفي كتاب دلائل النبوة للشيخ أبي بكر أحمد البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - وذكر الإسناد مرفوعا إلى أبي الأسود - علات عن عروة قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قافلا، من تبوك إلى المدينة حتى إذ كان ببعض الطريق مكر به ناس من أصحابه فتأمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق أرادوا أن يسلكوها معه، فأخبر رسول الله خبرهم، فقال: (من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم). فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم العقبة وأخذ الناس بطن الوادي إلا النفر الذين أرادا المكر به استعدوا وتلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه مشيا، وأمر عمارا أن


(1) انطر ارشاد المفيد 1: 154، المغازي للواقدي 3: 1025، سيرة ابن هشام 169 0 4، الطبقات الكبرى 2: 1 6 5، تاريخ اليعقوبي 2: 68 د لائل النبوة للبيهقي 5: 252، الكامل في التايخ 2: 278، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21:. 244 / 25 (*)

[ 246 ]

يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة بسوقها، فبينا هم يسيرون إذ سمعوا ركزة (1) القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر حذيفة أن يردهم فرجع ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم وضربها ضربا بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فلما أدركه قال: (اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار). فأسرعوا وخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي: (يا حذيفة هل عرفت من هؤلاء الرهط - أو الركب - أحدا ؟). فقال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان وكانت ظلمة الليل غشيهم وهم متلثمون. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (هل علمتم ما شأن الركب وما أرادوا ؟). قالا: لا يارسول الله. قال: (فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها قالا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك الناس فتضرب أعناقهم ؟). قال: (أكره أن يتحدث الناس ويقولون: إن محمدا قد وضع يده في أصحابه) فسماهم لهما وقال: (اكتماهم) (2). وفي كتاب أبان بن عثمان: قال الأعمش: كانوا اثني عشر، سبعة من


(1) الركز: الصوت الخفي، وقيل هو الصوت ليس الشديد (لسان العرب 5: 355) (2) دلائل النبوة للبيهقي 5: 256، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 247 / 25. (*)

[ 247 ]

قريش (1). قال: وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وكان إذا قدم من سفر استقبل بالحسن والحسين عليهما السلام فأخذهما إليه وحف المسلمون به حتى يدخل على فاطمة عليها السلام ويقعدون بالباب، وإذا خرج مشوا معه، وإذا دخل منزله تفرقوا عنه (2). وعن أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: (هذه طابة، وهذا احد جبل يحبنا ونحبه) (3). وعن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دنا من المدينة قال: (إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولاقطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه). قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال: (نعم، وهم بالمدينة، حبسهم العذر) (4). وكانت تبوك آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومات عبد الله بن ابي بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك (5).


(1) انظر: دلائل النبوه للبيهقي 5: 259 و 260، البداية والنهاية 5: 2 0، ونقله المجلسي في بحار إلأنوار 21: 249 / 25 (2) نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 248 / 25. (3) صحيح البخاري 6: 9، دلائل النبوة للبيهقي 5: 266، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 248 / 25 (4) صحيح البخاري 6: 10، سنن ابن ماجة 2: 923 / 2764، مسند أحمد 3: 103، دلائل النبوة للبيهقي 5: 267، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 248 / 25. (5) دلائل النبوة للبيهقي 5: 285، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 248 / 25. (*)

[ 248 ]

فصل: ونزلت سورة (براءة من الله ورسوله) (1) في سنة تسع، فدفعها إلى أبي بكر فسار بها، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: (إنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو علي). فبعث عليا عليه السلام على ناقته العضباء فلحقه فأخذ منه الكتاب، فقال له أبو بكر: أنزل في شئ ؟ قال: (لا ولكن لا يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا هو أو أنا). فسار بها علي عليه السلام حتى أذن بمكة يوم النحر وأيام التشريق، وكان في عهده: أن ينبذ إلى المشركين عهدهم، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل المسجد مشرك، ومن كان له عهد فإلى مدته، ومن لم يكن له عهد فله أربعة أشهر فإن أخذناه بعد أربعة أشهر قتلناه، وذلك قوله تعالى: (لفاذا انسلخ الأشهر الحرم - إلى قوله: - كل مرصد) (2). قال: ولما دخل مكة اخترط سيفه وقال: (والله لا يطوف بالبيت عريان إلا ضربته بالسيف) حتى ألبسهم الثياب، فطافوا وعليهم الثياب (3).


(1) التوبة 9: 1. (2) التوبة 9: 5. (3) انظر: تفسير العياشي 2: 73 / 4، ارشاد المفيد 1: 65، سيرة ابن هشام 4: 190، - 191، مسند أحمد 1: 151، تاريخ اليعقوبي 2: 76، خصائص النسائي: 92 / 76 تاريخ الطبري 3: 1 23، تفسير الطبري 10: 4 6، مستدرك الحاكم 3: 52، دلائل النبوة للبيهقي 5: 296 - 298، مناقب الخوارزمي: 100 و 101، كفالة الطالب: 254، الدر المنثور 4: 122، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 274 / 9. (*)

[ 249 ]

فصل: قال: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عروة بن مسعود الثقفي مسلما واستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرجوع إلى قومه فقال: (إني أخاف أن يقتلوك). فقال: إن وجدوني نائما ما أيقظوني. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجع إلى الطائف ودعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فعصوه وأسمعوه الأذى، حتى إذا طلع الفجر نام في غرفة من داره فأذن وتشهد -، فرماه رجل بسهم فقتله، وأقبل بعد قتله من وفد ثقيف بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف فأسلموا فأكرمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحياهم وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص بن بشر، وقد كان تعلم سورا من القرآن (1). وقد ورد في الخبر عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بين صلاتي وقراءتي. قال: (ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا خشيت قتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا). قال: ففعلت فأذهب الله عني. رواه مسلم في الصحيح (2).


(1) انظر سيرة ابن هشام 4: 182، الطبقات الكبرى 1: 312، تاريخ الطبري 3: 9 6، دلائل النبوة للبيهقي 5: 299، الكامل في التاريخ 2: 283، عيون الأثر 2: 228، تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي): 668، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 364 / 1. (2) صحيح مسلم 4: 1728 / 2201، وكذا في: دلائل النبوة للبيهقي 5: 307، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 364 / 1. (*)

[ 250 ]

فصل: فلما أسلمت ثقيف ضربت إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفود العرب فدخلوا في دين الله أفواجا كما قال الله سبحانه، فقدم عليه صلى الله عليه وآله وسلم عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعيينة بن حصن الفزاري، وعمرو بن الأهتم، وكان الأقرع وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة وحنينا والطائف، فلما قدم وفد تميم دخلا معهم فأجارهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأحسن جوارهم (1). وممن قدم عليه صلى الله عليه وآله وسلم وفد بني عامر فيهم: عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس أخو لبيد بن ربيعة لامه، وكان عامر قد قال لأربد: إني شاغل عنك وجهه فإذا فعلته فأعله بالسيف. فلما قدموا عليه، قال عامر: يا محمد خالني، فقال: (لا، حتى تؤمن بالله وحده) - قالها مرتين - فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: والله لأملأنها عليك خيلا حمرا ورجالا، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اكفني عامر بن الطفيل). فلما خرجوا قال عامر لأربد: أين ما كنت أمرتك به ؟ قال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل، أفأضربك بالسيف ؟ وبعث الله على عامر بن الطفيل في طريقه ذلك الطاعون في عنقه فقتله في


(1) سيرة ابن هشام 4: 206 - 207، تاريخ الطبري 3: 115، دلائل النبوة للبيهقي 5: 313، الكامل في التاريخ 2: 287، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 364 / ذيل ح 1. (*)

[ 251 ]

بيت امرأة من سلول، وخرج أصحابه حين واروه إلى بلادهم، وأرسل الله تعالى على أربد وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما (1). وفي كتاب أبان بن عثمان. أنهما قدما على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد غزوة بني النضير قال: وجعل يقول عامر عند موته: أغدة كغدة (2) البكرو موت في بيت سلولية ؟ قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في عامر وأربد: (اللهم أبدلني بهما فارسي العرب) فقدم عليه زيد بن مهلهل الطائي - وهو زيد الخيل - وعمرو بن معدي كرب. فصل: وممن قدم على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفد طي فيهم: زيد الخيل، وعدي بن حاتم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم، وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه وكتب له كتابا، فلما خرج زيد من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راجعا إلى قومه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن ينج زيد من حمى المدينة أ ومن أم ملدم (4)).


(1) سيرة ابن هشام 4: 213، والطبقات الكبرى 1: 310، وتاريخ الطبري 3: 144 ودلائل النبوة للبيهقي 5: 318، والبداية والنهاية 5: 56، تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي): 679، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 36 5 / ذيل ح 1. (2) الغدة: طاعون الابل وقلما تسلم منه، والبكر: الفتى من الابل. (لسان العرب 3: 323 4: 79) (3) نقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 365. (4) ام ملدم: كنية الحمى، والعرب تقول: قالت الحمى: أنا أم ملدم اكل اللحم وامص الدم. (لسان العرب 12: 539) (*)

[ 252 ]

فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها، وعمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب فاحرقتها (1). وذكر محمد بن إسحاق: أن عدي بن حاتم فر، وأن خيل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد أخذوا اخته فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه من عليها وكساها وأعطاها نفقة، فخرجت مع ركب حتى قدمت الشام وأشارت على أخيها بالقدوم فقدم وأسلم وأكرمه رسول الله صلى الله عليه - وآله وسلم وأجلسه على وسادة رمى بها إليه بيده (2). فصل: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن معدي كرب وأسلم، ثم نظر إلى ابي بن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته وأدناه إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: أعدني على هذا الفاجر الذي قتل والدي. فقال صلى الله عليه واله وسلم: (أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية). فانصرف عمر ومرتدا وأغار على قوم من بني الحارث بن كعب، فأنفذ رسول الله عليا عليه السلام إلى بني زبيد وأمره على المهاجرين، وأرسل خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب وأمره أن يقصد الجعفي فإذا التقيا فأمير الناس علي بن أبي طالب. فسار علي عليه السلام، واستعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن


(1) سيرة ابن هشام 4: 224، الطبقات الكبرى 1: 321، تاريخ الطبري 2: 1 45، دلائل النبوة للبيهقي 5: 337، الكامل في التاريخ 2: 299، عيون الأثر 2: 236، البداية والنهاية 5: 63، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 1: 36 5. (2) سيرة ابن هشام 4: 225، الطبقات الكبرى 1: 322، دلائل النبوة للبيهقي 5: 338، عيون الأثر 2: 237، البداية والنهاية 5: 63 - 68، الكامل في التاريخ 2: 285، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 366 / 1. (*)

[ 253 ]

العاص، فلما رأوه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الأتاوة (1) ؟ فقال: سيعلم إن لقيني. وخرج عمرو وخرج أمير المؤمنين علي عليه السلام فصاح به صيحة فانهزم، وقتل أخوه وابن أخيه، وأخذت امرأته ركانة، وسبي منهم نسوان، وخلف على بني زبيد خالد بن سعيد ليقبض زكواتهم ويؤمن من عاد إليه من هرابهم مسلما. فرجع عمرو واستأذن على خالد بن سعيد فأذن له فعاد إلى الإسلام، وكلمه في امرأته وولده فوهبهم له، وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام قد اصطفى من السبي جارية، فبعث خالد بريدة الأسلمي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: تقدم الجيش إليه فاعلمه ما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقع فيه. فسار بريدة حتى دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه كتاب خالد فجعل يقرأه على رسول الله ووجهه يتغير فقال بريدة: إن رخصت يا رسول الله للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويحك يا بريدة أحدثت نفاقا، إن علي بن أبي طالب يحل له من الفئ ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك، وخير من أخلف بعدي لكافة امتي، يا بريدة احذر أن تبغض عليا فيبغضك الله). قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي فسخت فيها وقلت: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسول الله، يا رسول الله استغفر لي فلن أبغض عليا أبدا ولا أقول فيه إلا خيرا. فاستغفر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم.


(1) الاتاوة: الخراج. (العين 8: 147). (*)

[ 254 ]

قال بريدة: فصار علي أحب خلق الله بعد رسوله إلي (1). فصل: وقدم على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفد نجران فيهم بضعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة نفر يتولون امورهم: العاقب وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره واسمه عبد المسيح، والسيد وهو ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة الاسقف وهو حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم وله فيهم شرف ومنزلة، وكانت ملوك الروم قد بنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس أبو حارثة على بغلة وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز - أو بشر - بن علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: تعس الأبعد - يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم -. فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. قال له: ولم يا أخ ؟ فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر. فقال كرز: فما يمنعك أن تتبعه ؟ فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم ثم مر يضرب راحلته ويقول:


(1) انظر: ارشاد المفيد 1: 1 58، كشف الغمة 1: 2 28، عيون الأثر 2: 240، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 358 / ذيل ح 1. (*)

[ 255 ]

إليك تعدو قلقا وضينها (1) معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها فلا مقدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم. قال: فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقت العصر وفي لباسهم الديباج وثياب الحبرة على هيئة لم يقدم بها أحد من العرب، فقال أبو بكر: بأبي أنت وامي يا رسول الله لو لبست حلتك التي أهداها لك قيصر فرأوك فيها. قال: ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام ولم يكلمهم، فانطلقوا يتتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف - وكانا معرفة لهم - فوجدوهما في مجلس من المهاجرين، فقالوا: إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا ولم يكلمنا، فما الرأي ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ قال: (أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ثم يعودون إليه). ففعلوا ذلك فسلموا فرد عليهم سلامهم، ثم قال: (والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الاولى وأن إبليس لمعهم). ثم سائلوه ودارسوه يومهم، وقال الاسقف: ما تقول في السيد المسيح يا محمدا ؟ قال: (هو عبد الله ورسوله). قال: بل كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: بل هو كذا وكذا، فترادا، فنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صدر سورة آل


(1) الوظين: بطان منسوج بعضه على بعض، يشد به الرحل على البعير، كالحزام للسرج. أراد أنه سريع الحركة، يصفه بالخفة وقلة الثبات كالحزام إذا كان رخوا، أو اراد أنها هزلت ودقت للسير عليها (انظر: النهاية 5: 199). (*)

[ 256 ]

عمران نحو من سبعين آية تتبع بعضها بعضا، وفيما أنزل الله (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب - إلى قوله: - على الكاذبين) (1). فقالوا للنبي صلى الله عليه واله وسلم: نباهلك غدا، وقال أبو حارثة لأصحابه: انظروا فإن كان محمد غدا بولده وأهل بيته فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه وأتباعه فباهلوه (2). قال أبان: حدثني الحسن بن دينار، عن الحسن البصري قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخذا بيد الحسن والحسين، تتبعه فاطمة عليهم السلام، وبين يديه علي عليه السلام، وغدا العاقب والسيد با بنين على أحدهما درتان كأنهما بيضتا حمام، فحفوا بأبى حارثة، فقال أبو حارثة: من هؤلاء معه ؟ قالوا: هذا ابن عمه زوج ابنته، وهذان ابنا ابنته، وهذه بنته أعز الناس عليه وأقربهم إلى قلبه. وتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجثا على ركبتبه، فقال أبو حارثة: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة. فكع ولم يقدم على المباهلة، فقال له السيد: ادن يا أبا حارثة للمباهلة، فقال: لا، إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا فلا يحول والله علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء. قال: وكان نزل العذاب من السماء لو باهلوه. فقالوا: يا أبا القاسم، إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك. فصالحهم


(1) آل عمران 3: 59 - 61. - (2) انظر: ارشاد المفيد 1: 166، تاريخ اليعقوبي 2: 82، مجمع البيان 1: 451 سيرة ابن هشام 2: 222، الطبقات الكبرى 1: 357، دلائل النبوة للبيهقي 5: 382، الكامل في التاريخ 2: 9 3، البداية والنهاية 5: 5 4، ونقله المجلسي قي بحار الأنوار 21: 336 / 2. (*)

[ 257 ]

النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ألفي حلة من حلل الأواقي قيمة كل حلة أربعون درهما جيادا، وكتب لهم بذلك كتابا. وقال لأبي حارثة الاسقف: (لكأنني بك قد ذهبت إلى رحلك وأنت وسنان فجعلت مقدمه مؤخره) فلما رجع قام يرحل راحلته فجعل رحله مقلوبا فقال: أشهد أن محمدا رسول الله (1). فصل: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام - وقيل: ليخمس ركازهم (2) ويعلمهم الأحكام، ويبين لهم الحلال والحرام - وإلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم (3). وروى الحاكم أبو عبد إلله الحافظ بإسناده رفعه إلى عمرو بن شاس الأسلمي قال: كنت مع علي بن أبي طالب في خيله، فجفاني علي بعض الجفاء، ووجدت عليه في نفسي، فلما قدم المدينة اشتكيته عند من لقيته، فأقبلت يوما ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد، فنظر إلي حتى جلست إليه فقال: (يا عمرو بن شاس لتد آذيتني). فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله ؟ الإسلام أن أوذي رسول الله.


(1) مجمع البيان 1: 451، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 338 (2) الركاز: دفين أهل الجاهلية، كأنه ركز في الأرض ركزا. (الصحاح 3: 880). (3) انظر. ار شاد المفيد 1: 170، كشف الغمة 1: 235، تاريخ الطبري 3: 131، دلائل البيهقي 5: 394، الكامل في التاريخ 2: 300، عيون الأثر 2: 271، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 360 / 1 (*)

[ 258 ]

فقال: (من آذى عليا فقد آذاني). وقد كان بعث قبله رسول الله عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. قال البراء: فكنت مع علي عليه السلام، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي ثم صففنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلمت همدان كلها، فكتب علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: (السلام على همدان) (1). أخرجه البخاري في الصحيح (2). وروى الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي عليه السلام قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى اليمن، قلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب اقضي بينهم ولا أدري ما القضاء ؟ ! قال: فضرب بيده في صدري وقال: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، فوالذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين) (3).


(1) مستدرك الحاكم 3: 122، وانظر كذلك: مسند أحمد 3: 483، تاريخ الطبري 3: 132، دلائل النبوة للبيهقي 5: 394، تذكرة الخواص: 48، اسد الغابة 4: 114، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 360 / 1، (2) صحيح البخاري 5: 206 مختصرا من وجه آخر عن إبراهيم بن يوسف، وكذا ذكر البيهقي عند نقله للرواية أعلاه، فراجع الهامش السابق. (3) ارشاد المفيد 1: 194، كشف الغمة 1: 114، الطبقات الكبرى 2: 337، سنن ابن ماجة 2: 774 / 2310، الأنساب للبلاذري 2: 101 / 33، خصائص النسائي 56 / 32 - 36، مستدرك الحاكم 3: 1 35، سنن البيهقي 1 0: 86، دلائل النبوة للبيهقي 5: 397، الاستيعاب 3: 36، تاريخ بغداد 1 2: 444، مناقب ابن المغازلي: 249 / 298، مناقب الخوارزمي: 41، كفاية الطالب: 106، فرائد السمطين 1: 167، (*) =

[ 259 ]

فصل: وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة متوجها إلى الحج في السنة العاشرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأذن في الناس بالحج، فتجهز الناس للخروج معه، وحضر المدينة من ضواحيها ومن جوانبها خلق كثير، فلما انتهى إلى ذي الحليفة ولدت هناك أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأقام تلك الليلة من أجلها، وأحرم من ذي الحليفة، وأحرم الناس معه، وكان قارنا للحج بسياق الهدي ساق معه ستا وستين بدنة. وحج علي عليه السلام من اليمن وساق معه أربعا وثلاثين بدنة، وخرج بمن معه من العسكر الذي صحبه إلى اليمن ومعه الحلل التي أخذها من أهل شجران، فلما قارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة من طريق المدينة قاربها أمير المؤمنين عليه السلام من طريق اليمن فتقدم الجيش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسر رسول الله بذلك وقال له: (بم أهللت يا علي ؟). فقال: (يا رسول الله إنك لم تكتب إلي بإهلالك، فعقدت نيتي بنيتك وقلت: أللهم إهلالا كإهلال نبيك). فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فأنت شريكي في حجي ومناسكي وهديي، فأقم على إحرامك وعد على جيشك وعجل بخم إلي حتى نجتمع =


وباختلاف يسير في مسند الطيالسي 16، سنن ابي داود 3: 301 / 3582 أخبار القضاة 1: 84، مسند أبي يعلى 1: 252 / 293 و 268 / 316 و 323 / 401 حلية الأولياء 4: 381 ذخائر العقبى: 83 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 21: 360 / 1. (*)

[ 260 ]

بمكة " (1) وقد روي أيضا عن الصادق عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساق في حجته مائة بدنة، فنحر نيفا وستين، ثم أعطى عليا فنحر نيفا وثلاثين، فلما رجع علي عليه السلام إلى جيشه وجد الناس قد لبسوا تلك الحلل، فقال للذي استخلفه عليهم: (ويحك ما دعاك إلى ما فعلت من غير إذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟) قال: إنهم سألوني أن أدفعها إليهم فيتجملوا بها ويحرموا فيها. فقال: (بئس ما فعلوا وبئس ما فعلت). فانتزعها عليه السلام من القوم ؟ شدها في الأعدال، فكثرت شكاية القوم عليا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ارفعوا ألسنتكم عن شكاية علي فإنه أخشن في ذات الله. ولما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وطاف وسعى نزل عليه جبرئيل عليه السلام - وهو على المروة - بهذه الآية (واتموا الحج والعمرة لله) (2) فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه، وقال: (دخلت العمرة في الحج هكذا إلى يوم القيامة - وشبك بين أصابعه - ثم قال عليه السلام لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي). ثم أمر مناديه فنادى: من لم يسق منكم هديا فليحل وليجعلها عمرة، ومن ساق منكم هديا فليقم على إحرامه.


(1) انظر: ارشاد المفيد 1: 171، قصص الأنبياء للراوندي: 355 / 431، صحيح مسلم 2: 888، سيرة ابن هشام 4: 249، دلائل النبوة للبيهقي 5: 399، أحكام القرآن للقرطبي. 2: 370 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 1: 383 / 1 0. (2) البقرة 2: 196. (*)

[ 261 ]

وقام إليه رجل من بني عدي وقال: يا رسول الله أتخرجن إلى منى ورؤوسنا تقطر من الماء (1) ؟ فقال عليه السلام: (إنك لن تؤمن بها حتى تموت). فقام إليه سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد ؟ قال: (لا، بل لأبد الأبد). فأحل الناس أجمعون، إلا من كان معه هدي. وخطب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الناس يوم النفر من منى فودعهم، ولما قضى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نسكه وقفل إلى المدينة، وانتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم، وليس بموضع يصلح للنزول لعدم الماء فيه والمرعى، نزل عليه جبرئيل عليه السلام، وأمره أن يقيم عليا وينصبه إماما للناس، فقال: (رب إن امتي حديثو عهد با لجاهلية) فنزل عليه: أنها عزيمة لا رخصة فيها، فنزلت الآية: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (2). فنزل رسول الله بالمكان الذي ذكرناه، ونزل المسلمون حوله، وكان يوما شديد الحر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدوحات هناك فقم ما تحتها، وأمر بجمع الرحال في ذلك المكان ووضاث بعضخا ضلى بعض، ثم أ مر مناديه فنادى بالناس الصلاة جامعة، فاجتمعوا إليه، وإن أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الرمضاء، فصعد صلى الله عليه وآله وسلم على تلك الرحال حتى صار في ذروتها، ودعا عليا عليه السلام فرقى معه حتى قام عن


(1) في نسخة (م): النساء. (2) المائدة 5: 67 (*)

[ 262 ]

يمينه، ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ ونعى إلى الامة نفسه فقال: (إني دعيت ويوشك أن اجيب، وقد حان مني خفوق من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). ثم نادى بأعلى صوته: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم ؟). فقالوإ: اللهم بلى. فقال لهم على النسق وقد أخذ بضبعي (1) علي فرفعهما حتى رئي بياض إبطيهما وقال: (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله). ثم نزل عليه السلام وكان وقت الظهيرة، فصلى ركعتين، ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الظهر فصلى بالناس وجلس في خيمته، وأمر عليا عليه السلام أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنوه بالإمامة، ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك اليوم كلهم، ثم أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن معه ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن ذلك، وكان ممن أطنب في تهنئته بذلك المقام عمر بن الخظاب وقال فيما قال: بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وأنشأ حسان يقول: يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالرسول مناديا وقال فمن مولاكم ووليكم فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا إلهك مولانا وأنت ولينا ولن تجدن منالك اليوم عاصيا * (هامش) (1) الضبع: العضد. (الصحاح - ضبع - 3: 1247). (*)

[ 263 ]

فقال له قم يا علي فإنني رضيتك كل من بعدي إماما وهاديا من كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه وكن للذي عادا عليا معاديا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك). ولم يبرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك المكان حتى نزل (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (1) فقال: (الحمد لله على كمال الدين، وتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي) (2). ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة من حج الوداع بعث بعده اسامة بن زيد وأمره أن يقصد حيث قتل أبوه، وقال له: (أوطئ الخيل أواخر الشام من أوائل الروم). وجعل في جيشه وتحت رايته أعيان المهاجرين ووجوه الأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة. وعسكر اسامة بالجرف، فاشتكى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم شكواه التي توفي فيها، وكان عليه السلام يقول في مرضه: (نفذوا جيش اسامة) ويكرر ذلك، وإنما فعل عليه السلام ذلك لئلا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الإمامة، ويطمع في الامارة، ويستوسق الأمر لأهله (3). قال: ولما أحس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمرض الذي


(1) المائدة 5: 3. (2) ارشاد المفيد 1: 1 73، وباختلاف يسير في تاريخ اليعقوبي 2: 109، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 1: 389 / 12. (3) انظر: ارشاد المفيد 1: 180، قصص الأنبياء للراوندي: 357 / 432، سيرة ابن هشام 4: 300، تاريخ اليعقوبي 2: 113. (*)

[ 264 ]

اعتراه - وذلك يوم السبت أو يوم الأحد ليال بقين من صفر - أخذ بيد علي عليه السلام، وتبعه جماعة من أصحابه، وتوجه إلى البقيع ثم قال: (السلام عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع اخرها أولها. ثم قال: إن جبرئيل عليه السلام كان يعرض علي القرآن كل سنة مرة، وقد عرضه علي العام مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي). ثم قال: (يا علي، إني خيرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنة، فاخترت لقاء ربي والجنة، فإذا أنامت فغسلني واستر عورتي، فإنه لا يراها أحد إلا اكمه). ثم عاد إلى منزله، فمكث ثلاثة أيام موعوكا، ثم خرج إلى المسجد يوم الأربعاء معصوب الرأس متكئا على علي بيمنى يديه وعلى الفضل بن عباس باليد الاخرى، فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: أيها الناس، إنه قد حان مني خفوق من بين أظهركم، فمن كانت له عندي عدة فليأتني اعطه اياها، ومن كان له علي دين فليخبرني به). فقام رجل فقال: يا رسول الله لي عندك عدة، إني تزوجت فوعدتني ثلاثة أواق، فقال عليه السلام: (أنحلها اياه يا فضل). ثم نزل فلبث الأربعاء والخميس، ولما كان يوم الجمعة جلس على المنبر فخطب ثم قال: (أيها الناس إنه ليس بين الله وبين أحد شئ يعطيه به خيرا أو يصرف به عنه شرا إلا العمل الصالح: أيها ألناس لا يدع مدع، ولا يتمن متمن، والذي بعثني بالحق لا ينجي إلا عمل مع رحمة الله، ولو عصيت لهويت، اللهم هل بلغت ؟. - ثلاثا -). ثم نزن فصلى بالناس، ثم دخل بيته، وكان إذ ذاك: في بيت أم سلمة، فأقام به يوما أو يومين، فجاءت عائشة فسأته أن يقل إلى بيتها لتتولى تعليله

[ 265 ]

فأذن لها، فانتقل إلى البيت الذي أسكنته عائشة فاستمر المرض به فيه أياما وثقل عليه السلام، فجاء بلال عند صلاة الصبح ورسول الله مغمور بالمرض فنادى الصلاة رحمكم الله، فقال عليه السلام: (يصلي بالناس بعضهم)، فقالت عائشة: مروا أبا بكر فليصل بالناس، وقالت حفصة: مروا عمر. فقال صلى الله عليه واله وسلم: (اكففن، فإنكن صويحبات يوسف). ثم قال وهو لا يستقل على الأرض من الضعف، وقد كان عنده أنهما خرجا إلى أسامة، فأخذ بيد علي بن أبي طالب والفضل بن عباس فاعتمدهما ورجلاه تخطان الأرض من الضعف، فلما خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب، فأومأ إليه بيده، فتأخر أبو بكر، وقام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وكبر وابتدأ بالصلاة، فلما سلم وانصرف إلى منزله استدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر المسجد ثم قال: (ألم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة ؟) فقال أبو بكر: إني كنت خرجت ثم عدت لاحدث بك عهدا، وقال عمر: إني لم أخرج لأني لم أحب أن أسال عنك الركب. فقال عليه السلام: (نفذوا جيش اسامة) - يكررها ثلاث مرات - ثم اغمي عليه صلوات الله عليه وآله من التعب الذي لحقه، فمكث هنيئة وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ومن حضر، فأفاق عليه السلام وقال: (ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا) ثم اغمي عليه. فقام بعض من حضر من أصحابه يلتمس دواة وكتفا، فقال له عمر: ارجبر فإنه يهجر ! ! فرجع. فلما أفاق (صلى الله عليه وآله وسلم) قال بعضهم: ألا نأتيك يا رسول الله بكتف ودواة ؟ فقال: (أبعد الذي قلتم ! ! لا، ولكن احفظوني في أهل

[ 266 ]

بيتي، واستوصوا بأهل الذمة خيرا، وأطعموا المساكين (الصلاة) (1) وما ملكت أيمانكم). فلم يزل يردد ذلك حتى أعرض بوجهه عن القوم، فنهضوا، وبقي عنده العباس والفضل وعلي عليه السلام وأهل بيته خاصة، فقال له العباس: يا رسول الله إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا من بعدك فبشرنا، وإن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوص بنا، فقال: (أنتم المستضعفون من بعدي) واصمت، ونهض القوم وهم يبكون. فلما خرجوا من عنده قال: (ردوا علي أخي علي بن أبي طالب وعمي) فحضرا، فلما استقر بهما المجلس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عباس يا عم رسول الله، تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي ديني ؟). فقال له العباس: يا رسول الله، عمك شيخ كبير ذو عيال كثير، وأنت تباري الريح سخاء وكرما، وعليك وعد لا ينهض به عمك. فأقبل على علي عليه السلام فقال: (يا أخي تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي ديني ؟). فقال: (نعم يا رسول الله). فقال: (ادن مني) فدنا منه فضمه إليه ونزع خاتمه من يده فقال له: (خذ هذا فضعه في يدك) ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته فدفع ذلك إليه، والتمس عصابة كان يشدها على بطنه إذا لبس درعه - ويروى: ان جبرئيل نزل بها من السماء - فجئ بها إليه، فدفعها إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: (اقبض هذا في حياتي). ودفع إليه بغلته وسرجها وقال: (امض على اسم الله إلى منزلك).


(1) كذا. (*)

[ 267 ]

فلما كان من الغد حجب الناس عنه، وثقل في مرضه صلى الله عليه وآله وسلم، وكان علي لا يفارقه إلا لضرورة، فقام في بعض شؤونه فأفاق إفاقة فافتقد عليا فقال: (ادعوا لي أخي وصاحبي) وعاوده الضعف فأصمت، فقالت عائشة: ادعوا أبا بكر، فدعي فدخل، فلما نظر إليه أعرض عنه بوجهه، فقام أبو بكر. فقال: (ادعوا لي أخي وصاحبي) فقالت حفصة: ادعوا له عمر، فدعي، فلما حضر رآه النبي عليه السلام فأعرض عنه بوجهه فانصرف. ثم قال: (ادعوا لي أخي وصاحبي) فقالت ام سلمة: ادعوا له عليا فإنه لا يريد غيره، فدعي أمير المؤمنين عليه السلام، فلما دنا منه أومأ إليه فأكب عليه، فناجاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طويلا، ثم قام فجلس ناحية حتى أغفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أغفى خرج فقال له الناس: يا أبا الحسن ما الذي أوعز إليك ؟ فقال: (علمني رسول الله ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب، ووصاني بما أنا قائم به إن شاء الله). ثم ثقل رسول الله صلى إلله عليه وآله وسلم وحضره الموت، فلما قرب خروج نفسه قال له: (ضع رأسي يا علي في حجرك فقد جاء أمر الله عز وجل، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة، وتول أمري، وصل علي أول الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله عز وجل). وأخذ علي رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه، وأكبت فاطمة عليها السلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول: (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل) ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينيه وقال بصوت ضئيل:

[ 268 ]

(يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه، ولكن قولي: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان فات أو قتل أنقلبتم على عقابكم) (1) فبكت طويلا، فأومأ إليها بالدنو منه، فدنت إليه، فاسر إليها شيئا هلل له وجهها. ثم قضى (صلى الله عليه وآله وسلم) ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه عليه السلام فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره. فسئلت فاطمة عليها السلام: ما الذي أسر إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسرى عنك، قالت: (أخبرني أني أول أهل بيته لحوقا به، وأنه لن تطول المدة بي بعده حتى أدركه، فسرى ذلك عني) (2). وروي عن ام سلمة قالت: وضعت يدي على صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم مات، فمر بي جمع آكل وأتوضأ ما يذهب ريح المسك عن يدي (3). وروى ثابت، عن أنس قال: قالت فاطمة عليها السلام - لما ثقل النبي صلى الله عليه واله وسلم وجعل يتغشاه الكرب -: (يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه، يا أبتاه جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه أجاب ربا د عا ه) (4).


(1) آل عمران 3: 144. (2) ارشاد المفيد 1: 181، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 12: 465 / 19. (3) دلائل النبوة للبيهقي 7: 2 1 9، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 52 8 / 3 5. (4) المناقب لابن شهرآشوب 1: 237، الطبقات الكبرى 2: 311، دلائل النبوة للبيهقي 7: 212، الأنوار في شمائل النبي المختار 2: 752 / 1203، الوفا بأحوال المصطفى 2: 802، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 528 / 3 5. (*)

[ 269 ]

قال الباقر عليه السلام: (لما حضر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الوفاة نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول الله أتريد الرجوع إلى الدنيا وقد بلغت ؟ قال: لا، ثم قال له: يا رسول الله تريد الرجوع إلى الدنيا ؟ قال: لا، الرفيق الاعلى) (1). وقال الصادق عليه السلام: (قال جبرئيل عليه السلام: يا محمد هذا آخر نزولي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي منها. قال: وصاحت فاطمة عليها السلام وصاح المسلمون و (صاروا) (2) يضعون التراب على رؤوسهم) (3). ومات صلوات الله عليه وآله لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته (4). وروي أيضا لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول يوم الاثنين (5). ولما أراد علي عليه السلام غسله استدعى الفضل بن عباس، فأمره أن يناوله الماء، بعد أن عصب عينيه، فشق قميصه من قبل جيبه حتى بلغ به إلى سرته، وتولى غسله وتحنيطه وتكفينه والفضل يناوله الماء، فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى عليه (6).


(1) المناقب لابن شهرآشوب 1: 237، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 5 28 / 35. (2) لم ترد في نسختي (ق) و (ط) واثبتناها من نسخة (م). (3) نقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 5 29 / 3 5. (4) المقنعة: 4 5 6، مسار الشيعة (ضمن مجموعة نفيسة): 63، التهذيب 6: 2، مصباح المتهجد: 73 2، قصص الأنبياء للراوندي: 35 9، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 529 /، 35 (5) الكافي 1: 36 5، الكامل في التاريخ 2: 323، دلائل النبوة للبيهقي 7: 235، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 529 / 35. (6) ارشاد المفيد 1: 187، نقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 529 / 35 (*)

[ 270 ]

قال أبان: وحدثثي أبو مريم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال الناس: كيف الصلاة عليه ؟ فقال علي صلوات الله وسلامه عليه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمامنا حيا وميتا، فدخل عليه عشرة عشرة فصلوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء، حتى الصباح ويوم الثلاثاء، حتى صلى عليه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وانثاهم، وضواحي المدينة، بغير إمام. وخاض المسلمون في موضع دفنه، فقال علي عليه السلام: (إن الله سبحانه لم يقبض نبيا في مكان إلا وارتضاه لرمسه فيه، وإني دافنه في حجرته التي قبض فيها) فرضي المسلمون بذلك. فلما صلى المسلمون عليه أنفذ العباس رجلا إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان يحفر لأهل مكة ويضرح، وأنفذ إلى زيد بن سهل أبي طلحة، وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد، فاستدعاهما وقال: اللهم خر لنبيك. فوجد أبو طلحة فقيل له: احفر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حففر له لحدا. ودخل أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه والعباس والفضل واسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يذهب، أدخل منا رجلا يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ليدخل أوس بن خولي) رجل من بني عوف بن الخزرج وكان بدريا، فدخل البيت وقال له علي صلوات الله وسلامه عليه: (انزل القبر) فنزل، ووضع علي عليه السلام رسول الله على يديه ثم دلاه في حفرته ثم قال له: (اخرج) فخرج ونزل علي عليه السلام فكشف عن وجهه ووضع خده على الأرض موجها إلى القبلة على يمينه، ثم

[ 271 ]

وضع عليه اللبن وهال عليه التراب (1). وانتهزت الجماعة الفرصة لاشتغال بني هاشم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلوس علي صلوات الله وسالامه عليه للمصيبة فسارعوا إلى تقرير ولاية الأمر، واتفق لأبي بكر ما اتفق لاختلاف الأنصار فيما بينهم، وكراهة القوم تأخير الأمر إلى أن يفرغ بنو هاشم من مصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيستقر الأمر مقره، فبايعوا أبا بكر لحضوره. وليس هذا الكتاب بموضع لشرح ذلك، وتجده في مواضعه إن شئت. وروي: أن أبا سفيان جاء إلى باب رسول الله فقالي: بني هاشم لا يطمع الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الأمر إلا فيكم وإليكم وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كف حازم فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي ثم نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل ؟ أما والله لئن شئتم لأملأنها عليهم خيلا ورجلا، فناداه أمير المؤمنين عليه السلام: (ارجع يا أبا سفيان، فوالله ما تريد الله بما تقول، وما زلت تكيد الإسلام وأهله، ونحن مشاغيل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى كل امرئ ما اكتسب وهو ولي ما احتقب) (2). قال: وبعثوا إلى عكرمة بن أبي جهل وعمومته الحارث بن هشام وغيرهم فأحضروهم، وعقدوا لهم الرايات على نواحي المن والشام، ووجهوهم من ليلهم، وبعثوا إلى أبي سفيان فارضوه بتولية يزيد بن أبي سفيان.


(1) أرشاد المفيد 1: 1 88، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 529 / 35. (2) ارشاد المفيد 1: 189. (*)

[ 272 ]

قال: ولما بايع الناس أبا بكر قيل له: لو حبست جيش أسامة واستعنت بهم على من يأتيك من العرب ؟ وكان في الجيش عامة المهاجرين، فقال اسامة لأبي بكر: ما تقول في نفسك أنت ؟ قال: قد ترى ما صنع الناس، فأنا احب أن تأذن لي ولعمر، قال: فقد أذت لكما. قال: وخرج اسامة بذلك الجيش، حتى إذا انتهى إلى الشام عزله واستعمل مكانه يزيد بن أبي سفيان، فما كان بين خروج اسامة ورجوعه إلى المدينة الا نحو من أربعين يوما، فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح: يا معشر المسلمين، عجبا لرجل استعملني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتأمر علي وعزلني !

[ 273 ]

(الباب الخامس) في ذكر أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأولاده وأعمامه وعماته وقراباته ومواليه ومولياته وجواريه وفيه ج أربعة فصول:

[ 274 ]

(الفصل الأول) في ذكر أزواجه وأولاده صلوات الله عليه وآله أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكانت قبله عند عتيق بن عائذ المخزومي فولدت له جازية، ثم تزوج أبو هالة الأسدي فولدت له هند بن أبي هالة، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربى ابنها هندا. فلما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغ أشده - وليس له كثير مال - استأجرته خديجة إلى سوق خباشة، فلما رجع تزوج خديجة، زوجها إياه أبوها خويلد بن أسد، وقيل: زوجها عمها عمرو بن أسد وخطب أبو طالب عليه السلام لنكاحها - ومن شاهده من قريش حضور - فقال: الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا و (1) حرما امنا يجبى إليه ثمرات كل شئ، وجعلنا الحكام على الناس (2) في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه، وإن كان في المال قل فأن المال رزق حائل، وظال زائل، وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي. وكان (أبو طالب) (3) له خطر عظيم، وشأن رفيع، ولسان شافع جسيم،


(1) في نسخة (م) زيادة: وانزلنا. (2) في نسخة (م) زيادة: وبارك لنا. (4) لم يرد في نسختي (ق) و (ط) وأثبتنا من نسحه (م). (*)

[ 275 ]

فزوجه ودخل بها من الغد. ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ماتت، وأقامت معه أربعا وعشرين سنة وشهرا، ومهرها اثنتا عشرة أوقية ونش، وكذلمك مهر سائر نسائه عليه السلام. فأول ما حملت ولدت عبد الله بن محمد - وهو الطيب الطاهر - وولدت له القاسم، وقيل: إن القاسم أكبر وهو بكره وبه كان يكنى. والناس يغلطون فيقولون: ولد له منها أربع بنين: القاسم، وعبد الله، والطيب، والطاهر. وإنما ولد له منها ابنان وأربع بنات: زينب، ورقية، وام كلثوم، وفاطمة (1). فأما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتزوجها أبو العاص ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف في الجاهلية، فولدت لأبي العاص جارية اسمها امامة تزوجها علي بن أبي طالب عليه السلام بعد وفاة فاطمة عليها السلام، وقتل علي وعنده امامة، فخلف عليها بعده المغيرة بن


(1) تعد نسبة زينب ورقية وأم كلثوم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كبنات له من المسائل التي أخذت جانبا من الأخذ والرد، وبين القبول والرفض. فعلى الرغم من ذهاب البعض إلى كونهن من بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسوة بفاطمة الزهراء عليها السلام، فإن هناك آراء جدية تجزم بانهن ربائبه ولسن بناته. وليس هذا الرأي بمستحدث، بل ان له جذوره القديمة والتي يعود بعضها إلى زمن الشيخ المفيد رحمه الله تعالى، والتي يشير إليها ما ذكره في أجوبة المسائل الحاجبية (17)، حيث قال: وسأل فقال: الناس مختلفون في رقية وزينب، هل كانتا أبنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أم ربيبتيه ؟ وعموما فإن هذا الموضوع قد خضع لدراسات علمية متينة لعل أوسعها ما كتبه السيد جعفر مرتضى العاملي حول هدا الموضوع يراجع على صفحات مجلة تراثنا الفصلية التي تصدرها مؤسسة آل البيت عليهم السلام في عددها الخاص بالذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد رحمه الله تعالى (*)

[ 276 ]

نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وتوفيت عنده. وأم أبي العاص هالة بنت خويلد، فخديجة خالته. وماتت زينب بالمدينة لسبع سنين من الهجرة. وأما رقية بنت رسول الله صلى البه عليه وآله وسلم فتزوجها عتبة بن أبي لهب، فطلقها قبل أن يدخل بها، ولحقها منه أذى، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم سلط على عتبة كلبا من كلابك) فتناوله الأسد من بين أصحابه. وتزوجها بعده بالمدينة عثمان بن عفان، فولدت له عبد الله ومات صغيرا، نقره ديك على عينيه فمرض ومات. وتوفيت بالمدينة زمن بدر، فتخلف عثمان على دفنها، ومنعه ذلك أن يشهد بدرا، وقد كان عثمان هاجر إلى الحبشة ومعه رقية. وأما أم كلثوم فتزوجها أيضا عثمان بعد أختها رقية وتوفيت عنده. وأما فاطمة عليها السلام فسنفرد لها بابا فيما بعد إن شاء الله. ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولد من غير خديجة إلا إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من مارية القبطية، ولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة ومات بها وله سنة وستة أشهر وبعض أيام، وقبره بالبقيع. والثانية: سودة بنت زمعة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو فمات عنها بالحبشة مسلما. والثالثة: عائشة بنت أبي بكر، تزوجها بمكة وهي بنت سبع، ولم يتزوج بكرا غيرها، ودخل بها وهي بنت تسع، لسبعة أشهر من مقدمه المدينة، وبقيت إلى خلافة معاوية. والرابعة: أم شريك التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، واسمها غزية بنت دودان بن عوف بن عامر، وكانت قبله عند أبي العكر بن سمي الأزدي فولدت له شريكا.

[ 277 ]

والخامسة: حفصة بنت عمر بن الخطاب، تزوجها بعد ما مات زوجها خنيس بن عبد الله بن حذافة السهمي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وجهه إلى كسرى فمات ولا عقب له، وماتت بالمدينة في خلافة عثمان. والسادسة: ام حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، وكانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي فهاجر بها إلى الحبشة وتنصر بها ومات هناك، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعده، وكان وكيله عمرو بن امية الضمري. والسابعة: ام سلمة، وهي بنت عمته عاتكة بنت عبد المطلب. وقيل: هي عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بني فراس بن غنم، واسمها هند بنت أبي امية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهي ابنة عم أبي جهل. وروي: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أرسل إلى ام سلمة: أن مري ابنك أن يزوجك، فزوجها ابنها سلمة بن أ بي سلمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو غلام لم يبلغ، وأدى عنه النجاشي صداقها أربعمائة دينار عند العقد. وكانت ام سلمة من آخرأ زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفاة بعده، وكانت عند أبي سلمة بن عبد الأسد وامه برة بنت عبد المطلب، وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وكان لام سلمة منه زينب وعمر، وكان عمر مع علي عليه السلام يوم الجمل وولاه البحرين وله عقب بالمدينة، ومن مواليها شيبة بن نصاح إمام أهل المدينة في القراءة، وخيرة ام الحسن البصري. والثامنة: زينب بنت جحش الأسدية، وهي ابنة عمته ميمونة بنت عبد المطلب، وهي أول من مات من أزواجه بعده، توفيت في خلافة عمر، وكانت قبله عند زيد بن حارثة فطلقها زيد، وذكر الله تعالى شأنه وشأن زوجته

[ 278 ]

زينب في القرآن، وهي أول امرأة جعل لها النعش، جعلته لها أسماء بنت عميس يوم توفيت، وكانت بأرض الحبشة رأتهم يصنعون ذلك (1). التاسعة: زينب بنت خزيمة الهلالية، من ولد عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. وقيل: كانت عند أخيه الطفيل بن الحارث، وماتت قبله صلى الله عليه واله وسلم، وكان يقال لها: ام المساكين. والعاشرة: ميمونة بنت الحارث، من ولد عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، تزوجها وهو بالمدينة، وكان وكيله أبو رافع. وبنى بها بسرف حين رجع من عمرته على عشرة أميال من مكة، وتوفيت أيضا بسرف ودفنت هناك أيضا. وكانت قبله عند أبي سبرة بن أبي العامري. والحادية عشر: جويرية بنت الحارث، من بني المصطلق، سباها فأعتقها وتزوجها، وتوفيت سنة ست وخمسين. والثانية عشر: صفية بنت حيي بن أخطب النضري، من خيبر، اصطفاها لنفسه من الغنيمة ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة ست وثلاثين. فهذه اثنتا عشرة امرأة دخل بهن رسول الله، وقد تزوج إحدى عشرة منهن وواحدة وهبت نفسها له. وقد تزوج صلوات الله عليه واله عالية بنت ظبيان وطلقها حين ادخلت عليه.


(1) روت المصادر المختلفة ان أول من صنع لها النعش هي فاطمة الزهرا. عليها السلام، ولما كانت وفاتها عليها السلام اسبق من وفاد زينب رحمها الله فان في ذلك تأكيدا لهذا الأمر. انظر: الكافي 3: 251 / 6، الفقيه 1: 124 / 597، علل الشرائع 1: 185 / 2، التهذيب 1: 469 / 1539 و 1540، كشف الغمة 1: 503، مستدرك الحاكم 3: 162. (*)

[ 279 ]

وتزوج قتيلة بنت قيس اخت الأشعث بن قيس، فمات قبل أن يدخل بها، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعده. وقيل: إنه طلقها قبل أن يدخل بها ثم مات صلوات الله عليه واله. وتزوج فاطمة بنت الضحاك بعد وفاة ابنته زينب، وخيرها حين انزلت آية التخيير (1) فاختارت الدنيا وفارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: أنا الشقية اخترت الدنيا. وتزوج سنى بنت الصلت فماتت قبل أن تدخل عليه. وتزوج أسماء بنت النعمان بن شراحيل فلما ادخلت عليه قالت: أعوذ بالله منك فقال: 0 قد أعذتك القحي بأهلك). وكان بعض أزواجه علمتها ذلك فطلقها ولم يدخل بها. وتزوج مليكة الليثية، فلما دخل عليها قال لها: (هبي لي نفسك)، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، فأهوى صلى الله عليه وآله وسلم بيده يضعها عليها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: (لقد عذت بمعاذ) فسرحها ومتعها. وتزوج عمرة بنت يزيد، فرأى بها بياضا فقال: (دلستم علي) وردها. وتزوج ليلى بنت الخطيم الأنصارية فقالت (2): أقلني، فأقالها (3). وخطب امرأة من بني مرة فقال أبوها: إن بها برصا، ولم يكن بها، فرجع فإذا هي برصاء. وخطب عمرة فوصفها أبوها، ثم قال: وأ زيدك إنها لم تمرض قط، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما لهذه عند الله من خير). وقيل: انه


(1) الاحزا ب: 28 - 29. (2) لي نسخة (ط) في زيادة: ضربت ظب هرة، فقال. أكلك الأسود، ثم تزوجها فقالت... (3) في نسخة (ط) زيادة: فأكلها الذئب. (*)

[ 280 ]

تزوجها، فلما قال ذلك أبوها طلقها. فهذه إحدى وعشرون امرأة. ومات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن عشر، واحدة منهن لم يدخل بها. وقيل: عن تسع: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وزينب بنت جحش، وميمونة، وصفية، وجويرية، وسودة. وكانت سودة قد وهبت ليلتها لعائشة حين أراد طلاقها وقالت: لا رغبة لي في الرجال وإنما اريد أن احشر في أزواجك (1).


(1) انظر: المناقب لابن شهرآشوب 1: 159، سيرة ابن هشام 4: 29 3، الوفا بأحوال المصطفى 2: 645، تاريخ الطبري 3: 160، الكامل في التاريخ 2: 307، دلائل النبوة للبيهقي 7: 282، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 200 / 20. (*)

[ 281 ]

(الفصل الثاني) في ذكر أعمامه وعماته صلوات الله عليه وآله كان لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم تسعة أعمام هم بنو عبد المطلب: لحارث، والزبير، وأبو طالب، وحمزة، والغيداق، وضرار، والمقوم، وأبو لهب واسمه عبد العزى، والعباس. ولم يعقب منهم إلا أربعة: الحارث، وأبو طالب، والعباس، وأبو لهب (1). فأما الحارث فهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى، وشهد معه حفر زمزم (2)، وولده: أبو سفيان، والمغيرة، ونوفل، وربيعة، وعبد شمس (3) اما أبو سفيان فأسلم عام الفتح ولم يعقب (4). وأقا نوفل فكان أسن من حمزة والعباس، وأسلم أيام الخندق وله عقب (5). وأما عبد شمس فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله


(1) الخصال: 452 / 59، مناقب ابن شهرآشوب 1: 158، العدد القوية: 136، جمهرة النسب للكلبي: 101 و 106، سيرة ابن هشام 1: 113، جمهرة أنساب العرب: 14 السيره النبوية لابن كثير 1: 102 و 184. (2) جمهرة النسب للكلبي: 1 0 4، سيرة ابن كثير 1: 168 و 1 70، البداية والنهاية 2: 2 4 6. (3) جمهرة النسب للكلبي: 143، جمهرة انساب العرب: 70، وفيهما أبو سفيان وهو المغيرة. بدل أبو سفيان والمغيرة. (4) الطبقات الكبرى 4: 49، وفيه: وقد انقرض ولد أبي سفيان بن الحارث فلم يبق منهم أحد بدل ولم يعقب. (5) الطبقات الكبرى 4: 44 و 46. (*)

[ 282 ]

وعقبه بالشام (1). وأما أبو طالب عم النبي فكان مع أبيه عبد الله ابني ام وامهما آفاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم (2)، واسمه عبد مناف (3)، له أربعة أولاد ذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، ومن الاناث: أم هانئ واسمها فاختة، وجمانة، أمهم جميعا فاطمة بنت أسد. وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وأعقبوا إلا طالبا (4)، وتوفي قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث سنين، ولم يزل رسول الله ممنوعا من الأذى بمكة موقى حتى توفي أبو طالب عليه السلام، فنبت به مكة، ولم تستقر له بها دعوة (5) حتى جاءه جبرئيل عليه السلام فقال: (إن الله تعالى يقرؤك السلام ويقول لك: اخرج من مكة فقد مات ناصرك) (6). ولما قبض أبو طالب أتى علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلمه بموته، فقال له: (امض يا علي فتول غسله وتكفينه وتحنيطه، فإذا رفعته على سريره فأعلمني) ففعل ذلك، فلما رفعه على السرير اعترضه النبي وقال: (وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيرا، ووازرت ونصرت كبيرا) ثم أقبل على الناس وقال: (أما والله لأشفعن لعمي


(1) نقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 260 / 2. (2) سيرة ابن هشام 1: 189 و 114، تاريخ الطبري 2: 239، الكامل في التاريخ 2: 5، السيرة النبوية لابن كثير 1: 241، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 260 / 2. (3) سيرة ابن هشام 1: 113، تاريخ الطبري 2: 239، الكامل في التاريخ 2: 5، السيرة النبوية لابن كثير 1: 102، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 260 / 2 (4) مناقب ابن شهر آشوب 3: 304، الطبقات الكبرى 1: 121، ونقله المجلسي في بحار الأنوا ر 22: 261. (5) عيون الأثر: 130، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 261. (6) الكافي 1: 373 / 3 1، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 2 6 1. (*)

[ 283 ]

شفاعة يعجب لها أهل الثقلين) (1). وأما العباس فكان يكنى أبا الفضل، وكانت له السقاية وزمزم، وأسلم يوم بدر، واستقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح بالأبواء، وكان معه حين فتح مكة، وبه ختمت الهجرة. ومات بالمدينة في أيام عثمان وقد كف بصره، وكان له من الولد تسعة ذكور وثلات إناث: عبد الله، وعبيد الله، والفضل، وقثم، ومعبد، وعبد الرحمن، وأم حبيب، أمهم لبابة بنت الفضل ابن الحارث الهلالية اخت ميمونة بنت الحارث زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتمام، وكثير، والحارث، وآمنة، وصفية، لامهات أولاد شتى (2). وأما أبو لهب فولده: عتبة، وعتيبة، ومعتكب، وأمهم ام جميل بنت حرب اخت أبي سفيان حمالة الحطب (3). وكانت عماته صلوات الله عليه وآله ستا من أمهات شتى وهن: أميمة، وأم حكيمة، وبرة، وعاتكة، وصفية، وأروى (4). وكانت اميمة عند جحش بن رئاب الأسدي، وكانت أم حكيمة - وهي البيضاء - عند كرز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وكانت برة عند عبد الأسد بن هلال المخزومي فولدت له أبا سلمة الذي كان زوج أم سلمة،


(1) إيمان أبي طالب لابن معد: 2 98، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14: 76، تذكرة الخواص: 19، وقطعة منه في: دلائل النبوة للبيهقي 2: 349، البداية والنهاية 3: 125، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 261. (2) المعارف لابن قتيبة: 72، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 261. (3) المعارف لابن قتيبة: 75، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 26 1. (4) مناقب ابن شهرآشوب 1: 1 58، العدد القوية: 1 37، سيرة ابن هشام 1 : 113، المعارف لابن قتيبة: 7 0، دلائل النبوة للبيهقي 1: 1 86، السيرة النبوية لابن كثير 1: 1 8 4، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 261. (*)

[ 284 ]

وكانت عاتكة عند أبي امية بن المغيرة المخزومي، وكانت صفية عند الحارث ابن حرب بن امية، ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير، وكانت أروى عند عمير بن عبد العزى بن قصي. لم يسلم منهن غير صفية (1). وقيل: أسلم منهن ثلاث: صفية، وأروى، وعاتكة (2).


(1) المعارف لابن قتيبة: 77، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 26 2. (2) مناقب ابن شهرآشوب 1: 1 5 9، العدد القوية: 1 37 / ذيل حديث 4 8، مستدرك الحاكم 4: 5 0 و 5 2 و 54، ولم يرد فيه عاتكة، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 26 2. (*)

[ 285 ]

(الفصل الثالث) في ذكر قراباته من جهة أمه من الرضاعة صلوات الله عليه وآله لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرابة من جهة أمه إلا من الرضاعة، فإن أمه امنة بنت وهب لم يكن لها أخ ولا أخت فيكون خالا له أو خالة، إلا أن بني زهرة يقولون: نحن أخواله، لأن آمنة منهم (1)، ولم يكن لأبويه عبد الله وآمنة ولد غيره فيكون له أخ أو أخت من النسب (2)، وكان له خالة من الرضاعة يقال لها: سلمى، وهي أخت حليمة بنت أبي ذؤيب. وله أخوات من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، أبوهما الحارث بن عبد العزى بن سعد بن بكر بن هوازن، فهما أخواه من الرضاعه (3).


(1) المعارف لابن قتيبة: 77، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 262 (2) المعارف لابن قتيبة: 71، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 26 2 (3) انظر: سيرة ابن هشام 1: 170، الطبقات الكبرى 1: 110، السيرة النبوية لابن كثير 1: 2 25، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 22: 26 2. (*)

[ 286 ]

(الفصل الرابع) في ذكر مواليه ومولياته وجواريه أما مواليه: فزيد بن حارثة، وكان لخديجة اشتراه لها حكيم بن حزام بسوق عكاظ بأربعمائة درهم فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن تزوجها، فأعتقه فوزوجه أم أيمن، فولدت له اسامة، وتبناه رسول الله صلى الته عليه وآله وسلم فكان يدعى زيد ابن رسول الله، حتى أنزل الله تعالى (ادعوهم لابائهم) (1). وأبو رافع: واسمه أسلم، وكان للعباس فوهبه له، فلما أسلم العباس بشر أبو رافع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامه فأعتقه، وزجه سلمى مولاته، فولدت له عبيد الله بن أبي رافع، فلم يزل كاتبا لعلي عليه السلام أيام خلافته. وسفينة: اسمه رباح اشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعتقه. وثوبان: يكنى أبا عبد الله من حمير، أصابه سبي فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعتقه. وبشار: وكان عبدا نوبيا، أعتفه ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وشقران: واسمه صالح. وأبو كبشة: واسمه سليمان.


(1) الأحزاب 33: 5. (*)

[ 287 ]

وابو ضميرة: أعتقه صلى الله عليه واله وسلم وكتب له كتابا فهو في يد ولده. ومدعم أصابه سهم في وادي القرى فمات. وأبو مو يهبة، وأنيسة، وفضالة، وطهمان، وأبو أيمن، وأبو هند، وأنجشة وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: (رويدك يا أنجشة، رفقا با لقوارير) (1). وصالح، وأبو سلمى، وأ بو عسيب، وعبيد، وأ فلح، ورويفع، وأبو لقيط، وأبو رافع الأصغر، ويسار الأكبر، وكركرة أهداه هوذة بن علي الحنفي إلى النبي فأعتقه، ورباح، وأبو لبابة، وأبو اليسر وله عقب (2). وأما موليهاتهه: فإن المقوقس - صاحب الإسكندرية - أهدى إليه جاريتين: إحداهما مارية القبطية، ولدت له إبراهيم وماتت بعده بخمس سنين، سنة ستة عشر، ووهب الاخرى لحسان بن ثابت (3) وام أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت سوداء ورثها


(1) ذكر ابن الأثير في نهايته (4: 39): وفي حديث انجشة، في رواية البراء بن مالك ارويدك، رفقا بالقوارير، أراد النساء، شبههن بالقوارير من الزجاج، لأنه يسرع إليها الكسر، وكان أنجشة يحدو وبنشد القريض والرجز، فلم يأمن أن يصيبهن، أو يقع في قلوبهن حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك. وفي المثل: الغناء رقية الزنا. وقيل: أراد أن الابل إذا سمعت الحداء اسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب واتعبته، فنهاه عن ذلك، لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة وواحدة القوارير: قارورة، سقيت بها لاستقرار الشراب فيها. (2) انظر: التعريف لابن قتيبة: 85، وتاريخ اليعقوبي 2: 87، وتاريخ الطبري 3: 1 69، والبداية والنهاية 5: 311، والسيرة النبوية لابن كثير 4: 116، ونقله المجلسي في بحار الأنوا ر 2 2: 26 2. (3) تاريخ الطبري 3: 172، مستدرك الحاكم 4: 38، الاستيعاب 1: 46 و 4: 329 و 410، البداية والنهاية 5: 3 0 3 و 329، السيرة النبوية لابن كثير 4: 6 0 0 و 64 8، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 26 3. (*)

[ 288 ]

عن امه، وكان اسمها بركة، فأعتقها وزوجها عبيد الخزرجي بمكة فولدت له أيمن، فمات زوجها، فزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زيد فولدت له اسامة، أسود يشبهها، فاسامة وأيمن أخوان لأم (1) وريحانة بنت شمعون، غنمها من بني قريظة (2). وأما خدمه من الأحرار: فأنس بن مالك، وهند وأسماء (ابنتا خارجه الأسلميتان) (3) (4).


(1) مستدرك الحاكم 4: 63، سيرة ابن كثير 4: 641، البداية والنهاية 5: 325، إلا ان في الأخيرين الحبشي بدل الخزرجي، الاصابة 4: 432 / 11 4 5، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 263. (2) تاريخ الطبري 3: 1 67، مستدرك الحاكم 4: 4 1، الاستيعاب 4: 3 0 9، سيرة ابن كثير 4: 6 0 4، البداية والنهاية 5: 3 0 5 و 328، الاصابة 4: 30 9 / 446، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 263. (3) كذا في نسخنا، وفي نسخة المجلسي رحمه الله، إلا أن الواب ابنا حارثة الأسلميان كما تذكرهما جميع المصادر الرجالية والتاريخية، فراجع. (4) مستدرك الحاكم 3: 5 29 و 573، الاستيعاب 1: 7 1 و 97، سيرة ابن كثير 653 / 4 و 6 55، البداية والنهاية 5: 33 1، الاصابة 1: 39 / 137 و 71 / 277 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 2 2: 263. (*)

[ 289 ]

(الباب السادس) في ذكر السيدة الزهراء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتاريخ مولدها، ومبلغ عمرها، ووقت وفاتها، ونبذ من مناقبها وخصالها وهو ثلاثة فصول:

[ 290 ]

(الفصل الأول) في ذكر مولدها وأسمائها وألقابها عليها السلام الأظهر في روايات أصحابنا أنها ولدت سنة خمس من المبعث بمكة في العشرين من جمادى الآخرة، وأن النبي صلى الله عليه واله وسلم قبض ولها ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر (1). وروي عن جابر بن يزيد قال: سئل الباقر عليه السلام: كم عاشت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: (أربعة أشهر، وتوفيت ولها ثلاث وعشرون سنة) (2) وهذا قريب مما روته العامة أنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد رسول الله صلى الله علبه وآله وسلم لم، فتكون بعد المبعث بسنة. وذكر الاستاذ أبو سعيد الواعظ في كتاب (شرف النبي): أن جميع أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولدوا قبل الإسلام، إلا فاطمة وإبراهيم فإنهما ولدا في الإسلام (4). وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: (لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله عز وجل: فاطمة، والصديقة، والمباركة، والطاهرة، والزكية،


(1) الكافي 1: 381، تاريخ الأئمة (ضمن مجموعة نفيسة): 6، روضة الواعظين: 1 4 3، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة): 12، كشف الغمة 1: 449. (2) نحوه في مناقمب ابن شهرآشوب 3: 357. (3) مستدرك الحاكم 3: 1 6 1 و 1 63، الاستيعاب 4: 37 4، مقتل الخوارزمي: 83، الاصابة 4: 377. (4) شرف النبي صلى الله عليه واله وسلم... (*)

[ 291 ]

والراضية، والمرضية، والمحدثة، والزهراء) (1). وفي مسند الرضا عليه السلام: أن النبي قال: (إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله سبحانه فطمها وفطم من أحبها من النار) (2). وسماها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، البتول أيضا (3)، وقال لعائشة: (يا حميراء، إن فاطمة ليست كنساء الادميين، ولا تعتل كما تعتنون) (4). ومعناه ما جاء في الحديث الاخر: أن فاطمة عليها السلام لم تر دما في حيض ولا نفاس. وقد روت العامة أيضا، عن أنس بن مالك، عن ام سليم زوجة أبي طلحة الأنصارقي أنها قالت: لم تر فاطمة عليها السلام دما قط في حيض ولا نفاس (5). وكانت يصب عليها من ماء الجنة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اسري به دخل الجنة وأكل من فاكهة الجنة وشرب من ماء الجنة فنزل من ليلته فوقع على خديجة فحملت بفاطمة فكان حمل فاطمة من ماء


(1) أمالي الصدوق: 47 4 / 1 8، الخصال 2: 414 / 3، دلائل الامامة: 10، تاج المواليد: (ضمن مجموعة نفيسة): 20. (2) صحيفة الإمام الرضا عليه السلام: 89 / 22، عيون أخبار الرضا 2: 46 / 17 4، معاني الأخبار: 64 / 14، علل الشرائع: 178 / 1، أمالي الطوسي 1: 3 0 0، بشارة المصطفى: 1 8 4، مناقب ابن شهراشوب 3: 303، مناقب ابن المغازلي: 65 / 92، مقتل الخوارزمي: 51، ذخائر العقبى: 26، فرائد السمطين 2: 57 / 38 4، الفردورس بمأثور الخطاب 1: 3 4 6 / 1 38 5. (3) معاني الأخبار: 6 4 / 1 7، علل الشرائع: 1 8 1 / 1، مناقب ابن شهر آشوب 3: 330. (4) مناقب ابن شهراشوب 3: 30، المعجم الكبير 22: 400 / 1000، مقتل الخوارزمي: 64. (5) مناقب ابن المغازلي: 369 / 4 1 6، ذخائر العقبي: 4 4، وفيهما نحوه (*)

[ 292 ]

ورواه أيضا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم (1).


(1) مناقب ابن المغازلي: 357 / 4 0 6، مناقب الخوارزمي: 6 4، ذخائر العقبى: 36. (*)

[ 293 ]

(الفصل الثاني) في ذكر ما يوجب الدلالة على عصمتها وبعض الايات المثبتة عن مكانها من الله، ومنزلتها ونبذ من الأخبار الدالة على فضلها وعلو رتبتها من أوكد الدلائل على عصمتها عليها السلام قوله سبحانه: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (1) ووجه الدلالة: أن الامة اتفقت (على) أن المراد بأهل البيت في الآية هم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ووردت الرواية من طريق الخاص والعام أنها مختصة بعلي وفالطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جللهم بعباء خيبرية ثم قال: (اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقالت ام سلمة: يا رسول الله وأنا من أهل بيتك ؟ فقال عليه وآله السلام لها: (إنك على خير) (2) ولا تخلو الإرادة في الآية إما أن تكون إرادة محضة لم يتبعها الفعل، أو إرادة وقع الفعل عندها، والأول باطل، لأن ذلك لا تخصيص فيه لأهل البيت، بل هو عام في جميع المكتفين، ولا مدح في الإرادة المجردة،


(1) الأحزاب 33: 33. (2) تفسير فرات الكوفي: 1 23، تفسير العياشي 1: 2 5 0، تفسير القمي 2: 1 9 3، أمالي الطوسي 1: 2 69، فضائل ابن شاذان: 9 5، سنن الترمذي 5: 35 1 / 32 05 و 663 / 3787، مسند أحمد 6: 29 2 و 30 4، فضائل أحمد: 79 / 1 18 و 1 00 / 1 5 1، تفسير الطبري 22: 6 و 7، مستدرك الحاكم 2: 4 16، تاريخ بغداد 9: 1 26 / 4743 و 10: 278 / 5396، مناقب ابن المغازلي: 303 / 347، أسد الغابة 2: 1 2، و 4: 29، كفاية الطالب: 371، ذخائر العقبى: 21. (*)

[ 294 ]

وأ جمعت الامة على أن الآية فيها تفضيل لأهل البيت وإبانة لهم عمن سواهم، فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ما يقتضي عصمة من عني بالآية، وأن شيئا من القبائح لا يجوز أن يقع منهم، على أن غير من سميناه لا شك أنه غير مقطوع على عصمته، والآية موجبة للعصمة، فثبت أنها فيمن ذكرناهم لبطلان تعلقها بغيرهم. ومما يدل أيضا على عصمتها عليها السلام: قول النبي صلى الله عليه واله وسلم فيها: (إنها بضعة مني يؤذيني ما آذاها) (1). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد اذى الله عز وجل) (2). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها) (3). ولو كانت ممن يقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال، بل يكون متى فعل المستحق من ذمها، أو إقامة الحد - إن كان الفعل يقتضيهه - سارا له عليه السلام.


(1) صحيح مسلم 4: 19 0 3 / 9، سنن الترمذي 5: 698 / 3869، مسند أحمد 4: 5، مستدرك الحاكم 3: 159، تذكرة الخواص: 279، ونحوه في صحيح البخاري 5: 2 6 مصابيح السنة للبغوي 4: 1 85 / 4 79 9. (2) تفسير القمى 2: 1 9 6، علل الشرائع: 1 86، دلائل الامامة للطبري: 45، كشف الغمة 1: 466. (3) صحيفة الإمام الرضا عليه السلام: 90 / 23، أمالي الصدوق: 3 1 3 / 1، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 46 0 / 176، معاني الأخبار: 3 0 3 / ذيل الحديث 2، أمالي المفيد: 4 4 / 9، أمالي الطوسي 2: 41، دلائل الإمامة: 52، بشارة المصطفى: 208، مناقب ابن شهراشوب 3: 32 5، المعجم الكبير 2 2: 4 0 1 / 1001، مستدرك الحاكم 3: 1 5 4، مقتل الخوارزمي: 5 2، أسد الغابة 5: 5 2 2، كفاية الطالب: 36 4، ذخائر العقبى: 39، ميزان الاعتدال 1: 535 / 2 0 02، تهذيب التهذيب 4: 4 69. (*)

[ 295 ]

ومما روي من الآيات الدالة على محلها من الله عز وجل ما رواه الخاص والعام عن ميمونة أنها قالت: وجدت فاطمة عليها السلام نائمة والرحى تدور فأخبرت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بذلك فقال: (إن الله علم ضعف أمته فأوحى إلى الرحى أن تدور فدارت) (1). ومن الأخبار المنبئة عن فضلها وتميزها عمن سواها ما روته العامة عن عائشة قالت: ما رأيت رجلا أحسب إلى رسول الله من علي، ولا امرأة أحب إلى رسول الله من امرأته (2). ورووا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقلت: أ نا أحب إليك أم فاطمة ؟ فقال: فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها). ورووا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسبك من نساء العالمين - وفي رواية اخرى: خير نساء العالمين -: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد).


(1) مناقب ابن شهراشوب 3: 337، مقتل الخوارزمي: 68، نحوه في: الخرائج والجرائح 2: 531 / 7، ذخائر العقبى: 98. (2) سنن الترمذي 5: 7 0 1 / 387 4، مستدرك الحاكم 3: 1 5 4 و 1 57، تاريخ بغداد 1 1: 4 30، اسد الغابة 5: 522، ذخائر العقبي: 35. (3) فضائل أحمد: 134 / 198، خصائص النسائي: 1 55 / 1 46، تذكرة الخواص: 276، اسد الغابة 5: 522، ذخائر العقبي: 29. (4) صحيح الترمذي 5: 30 7 / 3878، المصنف للصنعاني 11: 430 / 20919، مسند أحمد 3 / 135، المعجم الكبير 22: 402 / 1003 و 1004، مستدرك الحاكم 3: 157 و 158، ووافقه الذهبي في ديل المستدرك، تاريخ بغداد 7: 184 / 3636 و 9: 404 / 5008، مصابيح السنة للبغوي 4: 202 / 4 8 50، اسد الغابة 5: 4 37، ذخائر العقبى: 43. (*)

[ 296 ]

وعن ابن عباس قال: أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم (1). وروي عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، وشيعتنا ورقها، الشجرة أصلها في جنة عدن، والفرع والثمر والورق في الجنة) (2). ورووا عن عائشة: أن فاطمة عليها السلام كانت إذا دخلت على رسول الله قام لها من مجلسه وقبل رأسها وأجلسها مجلسه (3) ورووا عن علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسير القرآن، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: (بلغنا عن ابائنا أنهم قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر تقبيل فم فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السلام إلى أن قالت عائشة: يا رسول الله أراك كثيرا متقبال فم فاطمة، وتدخل لسانك في فيها ؟ ! قال: نعم يا عائشة، أنه لما أسري بي إلى السماء أدخلني جبرائيل الجنة فأدناني من شجرة طوبى ناولني من ثمارها تفاحة فأكلتها فصارت نطفة في ظهري، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فكلما اشتقت إلى الجنة قبلتها وأدخلت لساني في فيها


(1) مسند أحمد: 293 و 316 و 322، مستدرك الحاكم 3: 185، أسد الغابة 5: 437، جمع الجوامع 1: 131. (2) مستدرك الحاكم 3: 160، مقتل الخوارزمي: 61، ودون ذيله في امالي الطوسي 1: 18. (3) الذرية الطاهرة للدولابي 140 / 175، أمالي الطوسي 2: 140، مناقب ابن شهرآشوب 3: 333 سنن أبي داود 4: 355 / 5217 صحيح الترمذي 5: 7 0 0 / 3872 مستدرك الحاكم 3: 154 و 160 و 4: 172، سنن البيهقي 7: 101 ذخائر العقبى: 40 و 41. (*)

[ 297 ]

فأجد منها ريح الجنة، وأجد منها رائحة شجرة طوبى، فهي إنسلة سماوية) (1). وما رواه أصحابنا رضي الله عنهم من لأخبار الدالة على خصوصيتها من بين أولاد الرسول صلى الله عليه واله وسلم بشرف المنزلة، وبينونتها عن جميع نساء العالمين بعلو الدرجة فأكثر من أن يحصر، فلنقتصر على ما ذكرناه. وكان مما تمم الله تعالى به شرف أمير المؤمنين عليه السلام في الدنيا وكرامته في الاخرة أن خصه بتزويجها إياه، كريمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحب الخلق إليه، وقرة عينه، وسيدة نساء العالمين. فمما روي في ذلك ما صح عن أنس بن مالك قال: بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس إذ جاء علي عليه السلام فقال: (يا علي ما جاء بك ؟). قال: (جئت اسلم عليك). قال: (هذا جبرئيل يخبرني أن الله تعالى زوجك فاطمة، وأشهد على تزويجها أربعين ألف ألف ملك، وأوحى الله تعالى إلى شجرة طوبى أن:، انثري عليهم الدر والياقوت، فنثرت عليهم الدر والياقوت فابتدرت إليه الحور العين يلتقطن في أطباق الدر والياقوت، وهن يتهادينه بينهن إلى يوم القيامة) (2). وعن ابن عباس قال: لما كانت الليلة التي زفت بها فاطمة إلى علي عليهما السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمامنا، وجبرئيل عن


(1) تفسير علي بن إبراهيم 1: 36 5 باختصار، فرائد السمطين 2: 5 0 / 381 باختلاف يسير. (2) مناقب ابن شهرآشوب 3: 346، ونحوه في مناقب ابن المغازلي: 343 / 395. (*)

[ 298 ]

يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك من خلفها، يسبحون الله ويقدسونه (1). وافتخر أمير المؤمنين عليه السلام بتزويجها في مقام بعد مقام: روى أبو إسحاق الثقفي بإسناده، عن حكيم بن جبير، عن الهجري، عن عمه قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (لأقولن قولا لم يقله أحد بعدي إلا كذاب، أنا عبد الله، وأخو رسوله، ووريث نبي الرحمة، وتزوجت سيدة نساء الأمة، وأنا خير الوصيين) (2). والأخبار في هذا النحو كثيرة، وروى الثقفي بإسناده عن بريدة قال: لما كان ليلة البناء بفاطمة عليها السلام قال لعلي عليه السلام: (لا تحدث شيئا حتى تلقاني) فاتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بماء - أو قال: دعا بماء - فتوضأ ثم أفرغه على علي عليه السلام ثم قال: (اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في شبليهما) (3). وروى بإسناده عن شرحبيل بن أبي سعيد قال: لما كان صبيحة عرس فاطمة جاء النبي صلى اله عليه وآله وسلم بعس فيه لبن فقال لفاطمة:


(1) مناقب ابن شهرآشوب 3: 354، كشف الغمة 1: 353، تاريخ بغداد 5: 6 / 235 4، مناقب الخوارزمي: 341 / 362، ذخائر العقبى: 32، فرائد السمطين 1: 96 / 65. (2) أمالي الطوسي 1: 83 دون ذكر (وأنا خير الوصيين)، كشف الغمة 1: 473 باختلاف يسير، وقطعة منه في المصنف لابن أبي شيبة 1: 62 / 1218، وخصائص النسائي 85 / 67 وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي (ع) - 1: 1 3 4 / 1 6 4، وفرائد السمطين 1: 227 / 1 77. (3) الذرية الطاهرة للدولابي: 96 ذيل حديث 87، كشف الغمة 1: 365، المعجم الكبير للطبراني 2 / 20 ذيل حديث 1153، إلا أنه فيه (أبنائهما) بدل (شبليهما)، واسد الغابة 6: 222 وفيه (نسلهما) بدل (شبليهما)، ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد: 9 / 209 عن البزار بدون اختلاف، وذكر ذيله ابن شهر آشوب في المناقب 3: 355. (*)

[ 299 ]

(اشربي فداك أبوك) وقال لعلي عليه السلام: (اشرب فداك ابن عمك) (1).


(1) مناقب ابن شهر آشوب 3: 356، كشف الغمة 1: 473. (*)

[ 300 ]

(الفصل الثالث) في ذكر وقت وفاتها، وموضع قبرها سلام الله عليها روي: أنها توفيت صلوات الله عليها (في) الثالث من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة من الهجرة، وبقيت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وتسعين يوما (1)، وروي: أربعة أشهر (2). وتولى أمير المؤمنين عليه السلام غسلها (3) وروي: أنه أعانه على غسلها أسماء بنت عميس، وانها قالت: أوصت فاطمة أن لا يغسلها إذا ماتت إلا أنا وعلي صلوات الله وسلامه عليه، فغسلتها أنا وعلي (4). وصلى عليها أمير المؤمنين، والحسن والحسين عليهم السلام، وعمار، والمقداد، وعقيل، والزبير، وأ بو ذر، وسلمان، وبريدة، ونفر من بني هاشم في جوف الليل. ودفنها أمير المؤمنين عليه السلام سرا بوصية منها في ذلك، (5).


(1) الذرية الطاهرة للدولابي 151 / 199، كشف الغمة 1: 503. (2) مناقب ابن شهرآشوب 3: 357، الاصابة 4: 379 (3) الكافي 1: 42 / 38، علل الشرائع: 184، دلائل الإمامة: 46، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة): 98، الاستيعاب 4: 379. (4) الذرية الطاهرة للدولابي 152 / 202، مناقب ابن شهرآشوب 3: 364، كشف الغمة 1: 500، مستدرك الحاكم 3: 163، الاستيعاب 4: 379، ذخائر العقبى: 53، الاصابة 4: 378. (5) انظر: الهداية الكبرى: 178، ررضة الواعظين: 152، تاج المواليد (ضمن مجمرعة نفيسة): 98، مناقب ابن شهراشوب 3: 363، صحيح البخاري 5: 177، صحيح مسلم 3: 1380 / 1759، طبقات ابن سعد 8: 229، مصنف عبد الرزاق 5: 427، سنن البيهقي 6: 300، تاريخ الطبري 3: 2 0 8، مشكل، الاثار 1: 48، مستدرك الحاكم 3: 162، الاستيعاب (*) =

[ 301 ]

وأما موضع قبرها فاختلف فيه، فقال بعض اصحابنا: إنها دفنت في البقيع (1). وقال بعضهم: إنها دفنت في بيتها فلما زادت بنو امية في المسجد صارت في المسجد (1). وقال بعضهم: إنها دفنت فيما بين القبر والمنبر (3)، والى هذا أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) (4). والقول الأول بعيد، والقولان الآخران أشبه وأقرب إلى الصواب، فمن استعمل الاحتياط في زيارتها زارها في المواضع الثلاثة. هذا اخر مما أردنا إثباته من الركن الأول، وبالله التوفيق. =


4: 379، أسد الغابة 5: 5 2 4. (1) تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة): 99، مناقب ابن شهراشوب 3: 357 كشف الغمة 1: 501. (2) الكافي 1: 383 / 9، الفقيه 1: 148 / 684، عيون أخبار الرضا عليه السلام 111 / 76 معاني الأخبار 1: 268 / 1، ذخائر العقبى: 54. (3) معاني الأخبار 267 / 1، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة): 99، روضة الواعظين: (4) الكافي 4: 553 / 1 و 5 5 4 / 3 و 5 و 555 / 8، الفقيه 2: 339 / 1572، التهذيب للطوسي 6: 7 / 12، الموطأ 1: 97 / 10 و 11، صحيح البخاري 2: 77، صحيح مسلم 2: 1010 / 500، مسند أحمد 2: 236 و 376 و 438 و 466 و 533 و 3: 4 و 4: 39 و 40، صحيح الترمذي 5: 718 / 3915 و 719 / 3916، سنن النسائي 2: 35، في جميعها إلا الفقيه (بيتي بدل قبري). (*)

[ 303 ]

(الركن الثاني) من الكتاب في ذكر الإمام الأول، والوصي الأفضل، وأمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام، وتاريخ مولده، ومدة عمره، ودلائل إمامته، وطرف من مناقبه ويشتمل على خمسة أبواب:

[ 305 ]

(الباب الأول) في ذكر مولده عليه السلام، وتاريخ عمره ونبذ من خبر ولادته ووفاته (وفيه) ثلاثة فصول:

[ 306 ]

(الفصل الأول) في ذكر ميلاده عليه السلام ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة، ولم يولد قط في بيت الله تعالى مولود سواه لا قبله ولا بعده، وهذه فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالا لمحله ومنزلته وإعلاء لرتبته. وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وكانت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة الام، وربي في حجرها، وكانت من سابقات المؤمنات إلى الإيمان، وهاجرت معه إلى المدينة، وكفنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند موتها بقميصه، ليدرأ به عنها هوام القبر، وتوسد في قبرها، لتأمن بذلك من ضغطة القبر، ولقنها الإقرار بولاية ابنها كما اشتهرت به الرو اية. فكان أمير المؤمنين عليه السلام هاشميا من هاشميين، وأول من ولده هاشم مرتين (1).


(1) انظر: الكافي 1: 376 و 377 / 2، ارشاد المفيد 1: 5، التهذيب للطوسي 6: 19 تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة): 88 و 89 مستدرك الحاكم 3: 180، مناقب ابن المغازلي: 6 / 2 و 3، مناقب الخوارزمي: 12 و 13، اسد الغابة 5: 517، الرياض النضرة 3: 104، الفصول المهمة 30 و 31. (*)

[ 307 ]

(الفصل الثاني) في ذكر أسمائه وألقابه عليه السلام وأسماؤه في كتب الله تعالى المنزلة كثيرة، أوردها أصحابنا رضي الله عنهم في كتبهم، وكنيته المشهورة أبو الحسن، وقد كني ايضا: بأبي الحسين، وأبي السبطين، وأبي الريحانتين. وكناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي تراب لما راه ساجدا معفرا وجهه في التراب (1). ولقبه أمير المؤمنين، خصه النبي صلى الله عليه وآله وسلم به لما قال: (سلموا على علي بإمرة المؤمنين) (2). ولم يجوز أصحابنا رضي الله عنهم أن يطلق هذا اللفظ لغيره من الأئمة عليهم السلام وقالوا: إنه انفرد بهذا التلقيب فلا يجوز أن يشاركه في ذلك غيره. وقد لقبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وسيد الأوصياء، وسيد العرب (3) في أمثال


(1) انظر: مسند احمد 4: 263، مستدرك الحاكم 3: 1 4 0، مناقب ابن المغازلي 8: 5، الرياض النضره 3: 105 و. 160، ذخائر العقبى: 56. (2) الكافي 1: 231 / 1، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 68 / 312، ارشاد المفيد 1: 4 8، أمالي المفيد: 18 / 7، أمالي الطوسي 1: 295 و 340، مناقب ابن شهرآشوب 3: 53. (3) انظر: أمالي الصدوق: 1 9 / ذيل حديث 6 و 2 47 / 1 6، بشارة المصطفى: 18 و 165، مائة منقبة: 57 / 31 و 7 1 / 4 1، اليقين لابن طاووس: 10، مناقب الخوارزمي: 42، و 231. (*)

[ 308 ]

لهذه كثيرة. وهو أخو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ووزيره، ووصيه، وخليفته قي أمتمه، وصهره على ابنته الزهراء البتول فاطمة سيدة نساء لعالمين، وهو المرتضى، ويعسوب المؤمنين

[ 309 ]

(الفصل الثالث) في ذكر وقت وفاته، ومدة خلافته، وتاريخ عمره عليه السلام وقبض ليلة الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلا شهيدا، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله - وقد خرج لصلاة الفجر ليلة تسعة عشر من شهر رمضان وهو ينادي (الصلاة الصلاة) - في المسجد الأعظم بالكوفة، فضربه بالسيف على ام رأسه، وقد كان ارتصده من أول الليل لذلك، وكان سيفه مسموما. فمكث عليه السلام يوم التاسع عشر وليلة العشرين ويومها وليلة الحادي والعشرين إلى نحو الثلث من الليل ثم قضى نحبه عليه السلام (1)، وقد كان يعلم ذلك قبل أوانه ويخبر به الناس قبل أيانه. فقد اشتهر في الرواية: أنه عليه السلام كان لما دخل شهر رمضان يتعشى ليلة عند الحسن عليه السلام، وليلة عند الحسين عليه السلام، وليلة عند عبد الله بن العباس، والأصح عبد الله بن جعفر، وكان لا يزيد على ثلاث لقم، فقيل له في ذلك فقال: (يأتيني أمر ربي وأنا خميص، إنما هي ليلة أو ليلتان)، فاصيب عليه السلام في آخر تلك الليلة (2). (1) انظر: الكافي 1: 376، ارثاد المفيد 1: 1 9، كشف الغمة 1: 436، اثبات الوصية للمسعودي: 132، مناقب الخوارزمي: 284، ذخائر العقبى: 115، الفصول المهمة 138 و 139. (2) ارشاد المفيد 1: 14، روضة الواعضين: 135، الخرائج والجرائح 1: 201 / 41، مناقب ابن شهر آشوب 2: 271، مناقب الخوارزمي: 283، الكامل في التاريخ 3: 388 اسد الغابة 4: 35، الفصول المهمة: 139 (*)

[ 310 ]

وروى أصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام في الشهر الذي قتل فيه فقال: (أتاكم شهر رمضان، وهو سيد الشهور وأول السنة، وفيه تدور رحى السلطان، ألا وإنكم حاجوا العام صفا واحدا، وآية ذلك أني لست فيكم) قال: فهو ينعى نفسه عليه السلام ونحن لا ندري (1). وروى عنه جماعة أنه كان يقول على المنبر: (ما يمنع أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم) ويضع يده على شيبته عليه السلام. وروي: أنه كان يقول: (والله ليخضبن هذه من هذه) ويضع يده على رأسه ولحيته عليه السلام (2). وروي عن أبي صالح الحنفي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامي فشكوت إليه ما لقيت من أمته من الأود واللدد وبكيت فقال: (لا تبك يا علي، والتفت فالتفت فإذا رجلان مصفدان، وإذا جلاميد (3) ترضخ بها روسهما). قال أبو صالح: فغدوت إليه من الغد فلقيت الناس يقولون: قتل أمير المؤمنين عليه السلام (4). وروى الحسن البصري قال: سهر أمير المؤمنين عليه السلام في الليلة التي قتل في صبيحتها ولم يخرج إلى المسجد لصلاة الليل على عادته، فقالت له ابنته أم كلثوم: ما هذا الذي قد أسهرك ؟ فقال: (إني مقتول لو قد أصبحت).


(1) ارشاد المفيد 1: 14، روضة الواعظين: 135، الخرائج والجرائح 1: 201 / 41. (2) ار شاد المفيد 1301. أمالي الطوسي 1: 273، الخرائج الجرائح 1: 201 / 41، تاريخ بغداد 12: 57 / 6441، ونحوه في مسند ابي يعلى الموصلي 1: 378 / ذيل ح 48 5. (3) الجلمود: الصخر. (الصحاح - جلمد - 2: 459). (4) ارشاد المفيد 1: 15، مناقب ابن شهرآشوب 3: 211، مسند ابي يعلى الموصلي 1: 398 / 520، مجمع الزوائد 9: 138، ونحوه في مقاتل الطالبيين: 40. (*)

[ 311 ]

وأتاه ابن النباح فآذنه بالصلاة، فمشى غير بعيد ثم رجع فقالت له أم كلثوم: مر جعدة فليصل بالناس، قال: (نعم مروا جعدة ليصلي) ثم قال: (مفر من الأجل) فخرج إلى المسجد، فإذا هو بالرجل قد سهر ليلته كلها يرصده، فلما برد السحر نام، فحركه أمير المؤمنين عليه السلام برجله وقال له: (الصلاة)، فقام إليه فضربه (1). وروي في حديث آخر: أنه عليه السلام سهر في تلك الليلة، وكان يكثر الخروج والنظر إلى السماء وهو يقول: (والله ما كذبت ولا كذبت وإنها الليلة التي وعدت بها) ثم يعاود مضجعه، فلما طلع الفجر شد إزاره وخرج وهو يقول: اشدد حيازيمك للموت فإن الموت اتيك ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك فلما خرج إلى صحن الدار استقبلته الإوز فصحن في وجهه، فجعلوا يطردونهن، فقال: (دعوهن فانهن صوائح تتبعها نوائح) ثم خرج فاصيب عليه السلام (2). (وكان سنه يوم استشهد ثلاثا وستين سنة، وكان مقامه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثا وثلاثين سنة، عشر منها قبل البعثة، واسلم وهو ابن عشر سنين (3)، فقد صحت الرواية عن حبة العرني عنه عليه السلام


(1) ارشاد المفيد 1: 16، روضة الواعطين: 135، مناقب ابن شهرآشوب 3: 310، ودون ذيله في خصائص الرضي: 63. (2) خصائص الرضي: 63، ارشاد المفيد 1: 16، روضة الواعظين: 35، مناقب ابن شهرآشوب 3: 310، كشف الغمة 1: 436. (3) انظر: الكافي 1: 376، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة): 9 0، مناقب شهر اشوب 3: 307، مناقب الخوارزمي: 384. (*)

[ 312 ]

قال: (بعث النبي صلى الله عليه واله وسلم يوم الاثنين فأسلمت يوم الثلاثاء) (1)، وبعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة بعد الهجره عشر سنين، وعاش بعد ما قبض النبي صلى الله عليه واله وسلم ثلاثين سنة إلا خمسة أشهر وأياما، وتولى غسله وتكفينه ابناه الحسن والحسين بأمره، وحملاه إلى الغريين من نجف الكوفة ودفناه هناك ليلا، وعميا موضع قبره بوصيته اليهما في ذلك لما كان يعلم من دولة بني امية من بعده وإنهم لا ينتهون عما يقدرون عليه من قبيح الأفعال ولئيم الخلال، فلم يزل قبره مخفيا حتى دل عليه الصادق عليه السلام في الدولة العباسية وزاره عند وروده إلى أبي جعفر وهو بالحيرة (2).


(1) تفسير القمي 1: 378، مسند أبي يعلى 1: 348 / 446، الاوائل لابي هلال العسكري: 91، مستدرك الحاكم 3: 112 عن انس بن مالك، ووافقه الذهبي في ذيل المستدرك، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 1: 5 / 79، صحيح الترمذي 5: 640 / 3728 عن أنس بن مالك إلا أنه فيه وصلى علي بدل فأسلمت. (2) انظر: ارشاد المفيد 1: 9، تاج المواليد (ضمن مجموعة نفيسة): 90 و 93، مناقب ابن شهراشوب 3: 307. (*)

[ 313 ]

(الباب الثاني) في ذكر النصوص الدالة على أنه عليه السلام هو الامام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل الذي يجب تقديمه في هذل الباب أنه قد ثبت بالدلالة القاطعة وجوب الامامة في كل زمان لكونها لطفا في فعل الواجبات والامتناع عن المقبحات، فإنا نعلم ضرورة ان عند وجود الرئيس المهيب يكثر الصلاح من الناس ويقل الفساد، وعند عدمه يكثر الفساد ويقل الصلاح منهم، بل يجب ذلك عند ضعف أمره مع وجود هيبته. وثبت أيضا وجوب كونه معصوما مقطوعا على عصمته، لأن جهة الحاجة إلى هذا الرئيس هي إرتفاع العصمة عن الناس وجواز فعل القبيح منهم، فإن كان هو غير معصوم وجب أن يكون محتاجا إلى رئيس اخر غيره، لأن علة الحاجة إليه قائمة فيه، والكلام في رئيسه كالكلام فيه، فيؤدي إلى وجوب ما لا نهاية له من الأئمة أو الانتهاء إلى إمام معصوم وهو المطلوب. فإذا ثبت وجوب عصمة الإمام فالعصمة لا يمكن معرفتها إلا بإعلام الله سبحانه العالم بالسرائر والضمائر، ولا طريق إلى ذلك سواه، فيجب النص من الله تعالى عليه على لسان نبي مؤيد بالمعجزات، أو إظهار معجز

[ 314 ]

دال على إمامته. وإذا ثبتت هذه الجملة القريبة - التي لا تحتاج فيها إلى تدقيق كثير - سبرنا أحوال الامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجدناهم اختلفوا في الإمام بعده على أقوال ثلاثة: فقالت الشيعة: الإمام بعده صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام، بالنص على إمامته. وقالت العباسية: الإمام بعده العباس، بالنمص أو الميراث. وقال الباقون من الامة: الإمام بعده أبو بكر. وكل من قال بإمامة أبي بكر والعباس أجمعوا على أنهما لم يكونا مقطوعا على عصمتهما، فخرجا بذلك من الإمامة لما قدمناه، ووجب أن يكون الإمام بعده أمير المؤمنين علي عليه السلام بالنص الحاصل من جهة الله تعالى عليه والإشارة إليه، وإلا كان الحق خارجا عن أقوال جميع الامة وذلك غير جائز بالاتفاق بيننا وبين مخالفينا، فهذا هو الدليل العقلي على كونه منصوصا عليه صلوات الله عليه. وأما الأدلة السمعية على ذلك فقد استوفاها أصحابنا - رضي الله عنهم - قديما وحديثا في كتبهم، لا سيما ما ذ كره سيدنا الأجل المرتضى علم الهدى ذو المجدين قدس الله روحه في كتاب الشافي في الإمامة، فقد استولى على الأمد.، وغار في ذلك وأنجد، وصوب وصعد، وبلغ غاية الاستيفاء والاستقصاء، وأجاب على شبه المخالفين التي عولوا على اعتمادها واجتهدوا في إيرادها، أحسن الله عن الدين وكافة المؤمنين جزاءه، ونحن نذكر الكلام في ذلك على سبيل الاختصار والإجمال دون البسط والإكمال. فنقول: إن إلذي يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالإمامة بعده بالا فصل،

[ 315 ]

ودل على فرض طاعته على كل مكلف قسمان: أحدهما: يرجع إلى الفعل، وإن كان يدخل فيه أيضا القول، والاخر يرجع إلى القول. فأما النص الدال على إمامته بالفعل والقول: فهو أفعال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم المبينة لأمير المؤمنين عليه السلام من جميع الامة، الدالة على استحقاقه التعظيم والإجلال والتقديم التي لم تحصل ولا بعضها لأحد سواه، وذلك مثل إنكاحه ابنته الزهراء سيدة نساء، العالمين، ومؤاخاته إياه بنفسه، وأنه لم يندبه لأمر مهم ولا بعثه في جيش قظ إلى آخر عمره إلا كان هو الوالي عليه، المقدم فيه، ولم يول عليه أحدا من أصحابه وأقربيه، وأنه لم ينقم عليه شيئا من أمره مع طول صحبته إياه، ولا أ نكر منه فعلا، ولا استبطأه، ولا استزاده في صغير من الامور ولا كبير، هذا مع كثرة ما عاتب سواه من أصحابه إما تصريحا وإما تلويحا. وأما ما يجري مجرى هذه الأفعال من الأقوال الصادرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على تميزه عمن سواه، المنبئة عن كمال عصمته وعلو رتبته فكثيرة: منها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم احد وقد انهزم الناس وبقي علي عليه السلام يقاتل القوم حتى فض جمعهم وانهزموا فقال جبرئيل: (إن هذه لهي المواساة) فقال صلى الله عليه واله وسلم لجبرئيل: (علي مني وأنا منه) فقال جبرئيل: (وأنا منكما) (1).


(1) تفسير فرات الكوفي: 22 و 25، تفسير القمي 1: 116، الكافي 8: 110 90 و 328 / ضمن حديث 5 0 2، علل الشرائع: 7 / 3، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 8 5 ارشاد المفيد 1: 85 الخصال: 556، مناقب ابن شهر اشوب 3: 124، فضائل أحمد: 171 / 241 و 172 / 242، تاريخ الطبري 2: 514، المعجم الكبير للطبراني 1: 318، 941 ربيع الأبرار للزمخشري 1: 833، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام على عليه السلام (*) =

[ 316 ]

فأجراه مجرى نفسه، كما جعله الله سبحانه نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آية المباهلة بقوله: (وأنفسنا) (1). ومنها: قوله عليه واله السلام لبريدة: (يا بريدة، لا تبغض عليا، في أنه مني وأنا منه (2)، إن الناس خلقوا من أشجار شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة) (3). ومنها: قوله: (علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار) (4). ومنها: ما اشتهرت به الرواية من حديث الطائر، وقوله عليه واله السلام: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) فجاء علي عليه السلام (5). =


- 1 67 / 2 1 4 و 2 1 5، الكامل في التاريخ 2: 1 5 4، كفاية الطالب: 274 و 27 5، ذخائر العقبى. 86، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 95. (1) ال عمرا ن 3: 61. (2) مسند أحمد 5: 356، خصائص السائي: 110 / 90، مناقب ابن المغازلي: 2 2 5 / 27 1، مجمع الزوائد 9: 1 28، وفي جميعها ضمن رواية. (3) مستدرك الحاكم 2: 2 4 1، شواهد التزيل 1: 2 88 / 39 5، مناقب ابن المغازلي: 4 0 0 / 4 5 4، الفردوس بمأثور الخطاب 1: 4 4 / 9، مناقب الخوارزمي: 87، تاريخ اابن عساكر - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 1: 14 2 / 176، مجمع الزوائد 9: 1 0 0 (4) مناقب ابن شهراشوب 3: 6 2، تاريخ بغداد 1 4: 32 1. (5) أمالي الصدوق: 521 / 3، ارشاد المفيد 1: 38، أمالي الطوسي 1: 259، فضائل أحمد: 42 / 68، صحيح الترمذي 5: 636 / 3721، خصائص النسائي 29 / 10، المعجم الكبير للطبراني 1: 35 2 / 73 0، مستدرك الحاكم 3: 130، تاريخ جرجان: 169 / 228، حلية الأولياء 6: 339، أخبار اصبهان 1: 232، تاريخ بغداد 3: 9 369 و 11: 376، مناقب الخوارزمي: 59، مناقب ابن المغازلي. 1 56 / 189 - 2 21. تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 2: 105 / 609 - 642، تذكرة الخواصن: 44، تذكرة الحفاظ 2: 1042، اسد الغابة 4: 30، جامع الأصول 8: 653 / 6494، كفاية الطالب: 144، ذخائر العقبى: 61، سير أعلام النبلاء 13: 232، ميزان الاعتدال 1: (*) =

[ 317 ]

ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم لابنته الزهراء عليها السلام لما عيرتها نساء قريش بفقر علي عليه السلام: (أما ترضين يا فاطمة أني زوجتك أقدمهم سلما، علما، إن الله عز وجل اطلع على أهل الأرض اطلاعة فاختار منهم أباك فجعله نبيا، واطلع عليهم ثانية فاختار منهم بعلك فجعله وصيا، وأوحى إلي أن انكحه، أما علمت يا فاطمة أنك بكرامة الله إياك زوجتك أعظمهم حلما، وأكثرهم علما، وأقدمهم سلما). فضحكت فاطمة عليها السلام واستبشرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا فاطمه إن لعلي ثمانية أضراس قواطع لم تجعل لأحد من الأولين والآخرين، هو أخي في الدنيا والآخرة، ليس ذلك لغيره من الناس، وأنت يا فاطمة سيدة نساء أهل الجنة زوجته، وسبطا الرحمة سبطاي ولده، وأخوه المزين بالجناحين في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء، وعنده علم الأولين والآخرين، وهو أول من آمن بي، وآخر الناس عهدا بي، وهو وصي ووارث الوصيين) (1). ومنها: قوله صلى الله عليه واله وسلم فيه: (أنا مدينة العلم وعلي =


411 / 1 5 0 5 و 3: 58 / 7671 و 4: 583 / 10703، لسان الميزان 1: 42 / 8 5 و 7. 119 / 1297، مجمع الزوائد 9: 1 2 5. وقد تواتر وروده بطرق شتى وأسانيد مختلفة، بالاضافة إلى أن الإمام علي عليه السلام احتج به في يوم الدار، فقال: انشدكم بالله هل فيكم احد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ياكل معي من هذا الطير، فجاء أحد غيري ؟ فقالوا: لا، فقال: اللهم أشهد. وقد روى هذا الحديث بضعة وتسعون نفسا كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 7: (1) ارشاد المفيد 1: 36، الخصال: 4 1 2 / 16، مناقب ابن المغازلي: 1 0 1 / 144، وأورد الخوارزمي في المناقب: 63 صدر الحديث. (*)

[ 318 ]

بابها، فمن أراد العلم فليأت من الباب) (1). وما رواه عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استدعى عليا فخلا به، فلما خرج إلينا سألناه: ما الذي عهد إليك ؟ فقال: (علمني ألف باب من العلم، فتح لي كل باب ألف باب) (2). ومنها: أنه جعل محبته علما على الإيمان، وبغضه علما على النفاق بقوله فيه: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) (3). ومنها: أنه عليه وآله السلام جعل ولايته علما على طيب المولد، وعداوته علما على خبث المولد، بقوله (بوروا (4) أولادكم بحب علي بن أبي طالب، فمن أحبه فاعلموا أنه لرشدة، ومن أبغضه فاعلموا أنه لغية (5). رواه جابر بن عبد الله الأنصاري عنه


(1) تاريخ جرجان: 65 / 7، مستدرك الحاكم 3: 1 26، تاريخ بغداد 11: 49، مناقب ابن المغازلي: 8 0 / 1 2 0 و 81 / 121 و 1 22، مناقب الخوارزمي: 4، - تاريخ دمشق - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 2: 466 / 985 و 469 / 988 و 47 0 / 991 و 473 / 992، تذكرة الخواص: 52، أسد الغابة 4: 22، كفاية الطالب: 2 2 0 - 2 2 1، ذخائر العقبى: 77 (2) بصائر الدرجات: 333، الاختصاص 282، مناقب ابن شهرآشوب 2: 36 وذكره باختلاف في صدره ابن عساكر في تاريخه - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 2: 83، / 1003. (3) ارشاد المفيد 1: 40، أمالي الطوسي 1: 26 4، مسند الحمدي 1: 31 / 58 المصنف لابن أبي شيبة 12: / 57 / 1 2 1 13، صحيح مسلم 1: 86 / 1 31، سنن ابن ماجة 1: 42 / 4 11، السنة لابن أبي عاصم 584 / 1325، مسند أحمد 1: 95، فضائل أحمد: 4 5 / 71 و 122 / 181 و 156 / 224 و 160 / 229 و 214 / 292، صحيح الترمذي 5: 643 / 3736 خصائص النسائي 118 / 100، 101 سنن النسائي 8: 116، الايمان لابن مندة 2: 60 7 / 532، حلية الأولياء 4: 1 85، تاريخ بغداد 2: 255 و 14: 4 26، تدكرة الخواص: 35، اسد الغابة 4: 26، ذخائر العقبى: 91. (4) بوروا: أي امتحنوا. (انظر الصحاح - بور - 2: 597). (5) ارشاد المفيد 1: 4 5، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 189. (*)

[ 319 ]

وروى عنه أبو جعفر الباقر عليهما السلام قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول لعلي عليه السلام: ألا أسرك، ألا أمنحك، ألا ابشترك ؟ فقال: بلى يا رسول الله قال: خلقت أنا وأنت من طينة واحدة ففضلت منها فضلة فخلق الله منها شيعتنا، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسماء امهاتهم، سوى شيعتنا فإنهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مولدهم (1). وروي عن جابر أنه كان يدور في سكك الأنصار ويقول: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر، معاشر الأنصار بوروا أولادكم بحب علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن أبى فانظروا في شأن أمه (2) ومنها: عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة دعي الناس كلهم بأسمائهم ما خلا شيعتنا فإنهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مواليدهم (3). ومنها: أنه جعله وشيعته الفائزون، رواه أنس بن مالك عنه صلى الله علبه وآله وسلم: (يدخل الجنة من امتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب) ثم التفت إلى علي عليه السلام فقال: (هم شيعتك وأنت إمامهم) (4). ومنها: أنه عليه السلام سد الأبواب في المسجد إلا بابه عليه السلام،


(1) ارشاد المفيد 44 1، امالي المفيد: 311 / 3، أمالي الطوسي 2: 71، بشارة المصطفى: 1 4 و 20، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 1 89. (2) انظر: أمالي الصدوق 7 1 / 6، مائة منقبة لابن شاذان: 128 / 63 و 138 / 70، تاريخ بغداد 7: 421، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي - 2:، 444 / 955 و 445 / 956 و 957، كفابة الطالب: 2 45، 246، سير أعلام النبلاء 8: 2 0 5، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 3 8: 189. (3) ارشاد المفيد 1: 44، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 189. (4) ارشاد المفيد 1: 42، بشارة المصطفى: 163. مناقب ابن المغازلي: 293 / 335، مناقب الخوا زمي: 235. (*)

[ 320 ]

روى أبو رافع قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (أيها الناس إن الله تعالى أمر موسى بن عمران أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون وابنا هارون شبر وشبير، وإن الله أمرني أن أبني مسجدا لا يسكنه إلا أنا وعلي والحسن والحسين، سدوا هذه الأبواب إلا باب علي). فخرج حمزة يبكي وقال: يا رسول الله أخرجت عمك وأسكنت ابن عمك ! فقال: (ما أنا أخرجتك وأسكنته، ولكن الله أسكنه). فقال بعض الصحابة - وقيل: هو أبو بكر -: د ع لي كوة أنظر فيها، فقال: (لا، ولا رأس إبرة) (1). وروى زيد بن أرقم عن سعد بن أبي وقاص قال: سد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأبواب إلا باب علي (2). وإلى هذا أشار السيد الحميري في قصيدته المذهبة بقوله ؟ صهر النبي وجاره في مسجد طهر بطيبة للرسول مطيب سيان فيه عليه غير مذمم ممشاه إن جنبا وإن لم يجنب (3) وأمثال ما ذكرناه من الأفعال والأقوال الظاهرة التي جاءت بها الأخبار المتظاهرة - ولا يخالف فيها ولي ولا عدو - كثيرة - يطول هذا الكتاب بذكرها، وإنما شهدت هذه الأفعال والأقوال باستحقاقه عليه السلام الإمامة، ودلت


(1) مناقب ابن المغازلي: 252 / 301 و 299 / 343 صدر الحديث، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 190، وانظر ما أورده ابن عساكر في تاريخه - ترجمة الإمام علي - 1: 275 - 305 بألفاظ مختلفة عن عدة من الصحابة. (2) مسند أحمد 4: 36 9، فضائل أحمد: 7 2 / 109، خصائص النسائي: 59 / 38، مناقتب ابن المغازلي: 255 / ذيل حديث 3 0 4، مناقب الخوارزمي: 234، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي - 1: 279 / 324، كلها ضمن رواية، ونقله المجلسي ني بحار الأنوار 38: 190. (3) نقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 190. (*)

[ 321 ]

على أنه عليه السلام أحق بمقام الرسول عليه وآله السلام، وأولى بالإمامة والخلافة من جهة أنها إذا دلت على الفضل الأكيد، والاختصاص الشديد، وعلو الدرجة، وكمال المرتبة، علم ضرورة أنها أقوى الأسباب والوصلات إلى أشرف الولايات. لأن الظاهر في العقل أن من كان أبهر فضلا، وأجل شأنا، وأعلى في الدين مكانا، فهو أولى بالتقديم، وأحق بالتعظيم، والإمامة، وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي أعلا منازل الدين بعد النبوة، فمن كان أجل قدرا في الدين، وأفضل وأشرف على اليقين، وأثبت قدما، وأوفر حظا فيه، فهو أولى بها، ومن دل على ذلك من حاله دل على إمامته. ولأن العادة قد جرت فيمن يرشح لجليل الولايات، ويؤهل لعظيم الدرجات، أن يصنع به بعض ما تقدم ذكره، يبين ذلك أن بعض الملوك لو تابع بين أفعال وأقوال في بعض أصحابه طول عمره وولايته يدل على فضل شديد، وقرب منه في المودة والخالصة والاتحاد، لكان عند أرباب العادات بهذه الأفعال مرشحا له لأفضل المنازل، وأعلى المراتب بعده، ودالا على استحقاقه لذلك. وقد قال قوم من أصحابنا: إن دلالة العقل ربما كانت آكد من دلالة القول لأنها أبعد من الشبهة، وأوضح في الحجة، مات حيث إن ما يختص بالفعل لا يدخله المجاز ولا يتحمل التأويل، وأما القول فيحتمل ضروبا من التأويل ويدخله المجاز وبالله التوفيق. فصل: وأما النص المختص بالقول فينقسم قسمين: النص الجلي، والنص الخفي. فالنص الجلي: هو ما علم سامعوه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مراده منه ضرورة وإن كنا نعلم الآن ثبوته.

[ 322 ]

والمراد به إستدلالا: وهو النص الذي فيه التصريح بالإمامة والخلافة هنا، قوله صلى الله عليه واله وسلم: (سلموا على علي بإمرة المؤمنين) (1) وقوله صلوات الله عليه واله مشيرا إليه واخذا بيده: (هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوه) (2). وقوله صلى الله عليه واله وسلم لام سلمة: (اسمعي واشهدي هذا علي أ مير المؤمنين وسيد المسلمين (3). وقوله عليه وآله السلام حين جمع بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلا يومئذ يزيد أو ينتقصون رجلا - فيما ذكره الرواة - وقد صنع لهم فخذ شاة مع مد من البر، وأعد لهم صاعا من اللبن، وقد كان الرجل منهم يأكل الجذعة في مقام واحد ويشرب الفرق من الشراب، ثم أمر بتقديمه لهم، فأكلت الجماعة من ذلك اليسير حتى تملوا منه ولم يبين ما أكلوه وشربوه فيه. ثم قال لهم بعد أن شبعوا ورووا: يا بني عبد المطلب، إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة فقال: (وانذر عشيرتك الأقربين) (4) وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الامم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله وأني ر سول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من


(1) ارشاد المفيد 1: 4 8، أمالي الطوسي 1: 340، بشارة المصطفى: 1 85، اليقين: 5 4 و 95 و 96. (2) احقاق الحق 4: 297 عن نهابة العقول للفخر الرازي. (3) ارشاد المفيد 1: 47، مناقب ابن شهرآشوب 3: 54، اليقين: 29 و 35 (4) الشعراء، 26: 214. (*)

[ 323 ]

بعدي) ؟ فلم يجب أحد منهم. فقام علي عليه السلام فقال: (أنا يا رسول الله اؤازرك على هذا الأمر). فقال: (اجلس). ثم أعاد القول على القوم ثانية فاصمتوا وقام علي فقال مثل مقالته الأولى، فقال: (اجلس). فاعاد القول ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقام علي فقال: (أنا اؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر). فقال: (اجلس فأنت أخي ووصي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي). فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: ليهنك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا عليك (1). وقد أورد هذا الخبر الاستاذ أبو سعيد الخركوشي إمام أصحاب الحديث بنيشابور في تفسيره (2). وهذا الضرب من النص قد تفرد بنقله الشيعة الإمامية خاصة، وإن كان بعض من لم يفطن لما عليه فيه من أصحاب الحديث قد روى شيئا منه. وأما الدلالة على تصحيح هذا النص فقد سطرها أصحابنا في كتبهم، وذكروا من الكلام في إثباته وإبطال ما خرج المخالفون فيه ما ربما بلغ حجم


(1) انظر: علل الشرائع 1: 1 69 / 1 و 1 7 0 / 2، مسند احمد 1: 111 و 195 فضائل أحمد: 161 / 230، خصائص النسائي: 83 / 66، تاريخ الطبري 2: 319، تفسير الطبري 19: 74، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 371 / 5 14 و 420 / 58 0، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 1: 99 / 137، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 3: 244، تفسير ابن كثير 3: 363، مجمع الزوائد 9 / 1 1 3. (2) تفسير الخركوشي.. (*)

[ 324 ]

كتابنا هذا أو أكثر، فس أراد تحقيق أبوابه والتغلغل في شعابه فعليه بالكتاب الشافي، فإنه يشرف منه على ما لا يمكن المزيد عليه. فصل: وأما النص الذي يسميه أصحابنا النص الخفي فهو ما لا يقطع على أن سامعيه علموا النص عليه بالإمامة منه ضرورة، وإن كان لا يمتنع أن يكونوا يعلمونه كذلك أو علموه استدلالا، من حيث اعتبار دلالة اللفظ، ا أما نحن فلا نعلم ثبوته، والمراد به إلا أستدلالا، وهذا الضرب سن النص على ضربين: قرآني، وأخباري. فأما النص من القرآن: فقوله سبحانه وتعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون) (1). ووجه الاستدلال من هذه الآية: أنه قد ثبت أن المراد بلفظة (وليكم) المذكورة في الآية: من كان المتحقق بتدبيركم والقيام بأموركم وتجب طاعته عليكم، بدلالة أنهم يقولون في السلطان: أنه لي أمر الرعية، وفيمن ترشح للخلافة: أنه ولي عهد المسلمين، وفي من يملك تدبير أنكاح المرأة: أنة وليها، وفي عصبة المقتول: أنهم أولياء الدم من حيث كانت إليهم المطالبة بالدم والعفو. وقال المبرد في كتابه: الولي هو الأولى والأحق، ومثله المولى (2). فإذا كان حقيقته في اللغة ذلك فالذي يدل على أنه المراد في الآية: أنه قد ثبت أن المراد ب‍ (الذين آمنوا) ليس هو جميعهم بل بعضهم وهومن كانت له الصفة المخصوصة التي هي إيتاء الزكاة في حال الركوع.


(1) المائدة 5: 55. (2) الكامل في اللغة والأدب: 348. (*)

[ 325 ]

وقد علمنا أن هذه الصفة لم تثبت لغير أمير المؤمنين عليه السلام، فإذا ثبت توجه الآية إلى بعض المؤمنين دون جميعهم، ونفى سبحانه ما أثبته عمن عدا المذكور بلفظة (إنما) لأنها محققة لما ذكرنا فيه لما لم يذكره - يبينه قولهم: إنما الفصاحة في الشعر للجاهلية، يريدون نفي الفصاحة عن غيرهم، وإنما النحاة المدققون البصريون يريدون نفي التدقيق عن غيرهم، وإنما أكلت رغيفا يريدون نفي أكل أكثر من رغيف - فيجب أن يكون المراد بلفظة (ولي) في الآية ما يرجع إلى معنى الإمامة والاختصاص بالتدبير، لأن ما تحمله هذه اللفظة من الموالاة في الدين والمحبة لا تخصص في ذلك، والمؤمنون كلهم مشتركون في معناه، فقتد قال الله سبحانه: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (1) فإذا ثبت ذلك فالذي يدل على توجه لفظة (الذين آمنوا) إلى أمير المؤمنين عليه السلام أشياء: منها: قد ورد الخبر في ذلك بنقل طائفتين مختلفتين ومن طريق العامة والخاصة نزول الاية في أمير المؤمنين عند تصدقه بخاتمه في حال ركوعه، والقصة في ذلك مشهورة (2). ومنها: أن الامة قد اجمعت على توجهها إليه عليه السلام، لأنها بين قائلين: قائل يقول: إن المراد بها جميع المؤمنين الذين هو أحدهم، وقائل يقول: إنه المختص بها. ومنها: أن كل من ذهب إلى أن المراد بالاية ما ذكرناه من معنى الإمامة


(1) التوبة 9: 71. (2) انظر: تفسير فرات: 40 أمالي الصدوق: 107 / 4، تفسير التبيان للطوسي 3: 559، الاحتجاج للطبرسي: 4 5 0، تفسير الطبري 6: 186، أسباب النزول للواحدي: 148، مناقب ابن المغازلي: 312 / 356 و 313 / 357، مناقب الخوارزمي: 186، تذكرة الخوارزمي: 24، تفسير الرازي 12: 26، كفاية الطالب: 25 0، الفصول المهمة:، 1 2 (*)

[ 326 ]

يذهب إلى أنه عليه السلام هو المراد بها والمقصود، ويدل على أنه عليه السلام المختص بالاية هو دون غيره، أن الإمامة إذا بطل ثبوتها لأكثر من واحد في الزمان، واقتضت اللفظة الإمامة، وتوجهت إليه عليه السلام بما قدمناه ثبت أنه عليه السلام المنفرد بها، ولأن كل من ذهب إلى أن اللفظة مقتضية للإمامة افرده عليه السلام بموجبها، وما يورد في هذا الدليل من الأسئلة والجوابات فموضعها الكتب الكبار. فصل: وأما النص من طريق الأخبار: فمثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (1). وقوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) (2).


(1) مصنف عبد الرزاق الصنعاني 11: 225 المصنف لابن أبي شيبة 12: 59 / 1 2 1 2 1 و 60 / 12122، سنن ابن ماجه 1: 45 / 1 2 1، السنة لابن أبي عاصم ذكره بأسانيده من حديث رقم 135 4 - 1 376، مسند أحمد 1: 84 و 5: 347 و 366، صحيح الترمذي 5: 633 / 3713، خصائص النسائي: 99 / 81 - 83، و 100 / 84 و 101 / 86 /، حلية الأولياء 4: 23 و 5: 36 4، أخبار اصفهان 1: 126، الطبراني في المعجم الكبير 3: 199 / 30 49 و 4: 173 / 4 0 52 و 97 / 1 2593 و 19: 291 / 646، والأوسط 2: 1 26، والصغير 1: 6 5 و 71، مستدرك الحاكم 3: 110، تاريخ بغداد 8: 290، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 156 / 210 و 157 / 212 و 158 / 213، مناقب ابن المغازلي: 20 / 26 و 21 / 29، مناقب الخوارزمي: 79 و 94، وانظر: طرق الحديث عن الصحابة في تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 2: 35 - 90، مجمع الزوائد 9: 104 و 106. (2) المصنف لابن أبي شيبة 12: 60 / 12125 / 61 / 12126، التاريخ الكبير للبخاري 1: 115 / 333 و 7: 301 / 1284، صحيح مسلم 4: 1870 / 2404، السنة لابن أبي عاصم ذكره بأسانيده من حديث رقم 1 333 - 1348، مسند أحمد 1: 179 و 3: 32 و 6،: (*) =

[ 327 ]

فهذان الخبران مما رواهما الشيعي والناصبي، وتلقته الامة بالقبول على اختلافها في النحل وتباينها في المذاهب، وإن كانوا قد اختلفوا في تأويله واعتقاد المراد به. فاما وجه الاستدلال بخبر الغدير ففيه طريقتان: احداهما: أن نقول: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرر امته في ذلك المقام على فرض طاعته فقال: (ألست اولى بكم من أنفسكم) فلما أجابوه بالاعتراف وقالوا: بلى، رفع بيد أمير المؤمنين عليه السلام وقال عاطفا على ما تقدم: (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه (1) - وفي روايات اخر: فعلي مولاه - اللهم وال من =


438، صحيح الترمذي 5: 64 0 / 3730، خصائص النسائي: 68 - 79 / 45 و 48 و 50، 51 و 62 و 63 و 64، حلية الأولياء 4: 345 و 7: 195 و 196 تاريخ اصبهان 2: 281 و 328، الطبراني في المعجم الكبير 1: 146 / 328 و 148 / 333 و 334 و 2: 247 / 2035 و 4: 17 / 3515 و 11: 74 / 11087 و 24: 146 / 384 - 389 والصغير 2: 53 - 5 4، تاريخ بغداد: 325 و 3: 406 و 4: 305 و 8: 53 و 9: 365 و 10: 43 و 12: 323، الاستيعاب 3: 34، المناقب لابن المغازي: 27 - 36 / 40 - 56 وانظر طرق الحديث عن الصحابة في تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي (ع) - 1: 306 390، مجمع الزوائد 9: 109 وغير ذلك من مصادر العامة المختلفة التي يصعب حصرها هنا، حيث تتكفل في ذلك المراجع المختصة بهذا الباب، ولعل من أضح التعليقات المؤيدة لهذا الأمر ما ذكره الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل (1: 1 52) عن أحد المشايخ وهو عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي (ت 417 ه‍) والذي يترجم له بأنه كان صادقا عارفا حافظا وغير ذلك من عبارات الثناء والتقدير كما يذكر ذلك الخطب البغدادي في تاريخه (27211) الذهبي في تذكرة الحفاظ (4: 1 27 2 / 1 0 7 2) فذكر الحسكاني عنه قوله: خرجته - أي حديث المنزلة - بخمسة آلاف إسناد. فتأمال (1) السنة لا بن أبي عاصم: 1 36 1، مسند أحمد 4: 37 5، خصائص النسائي: 1 00 / 8 4، (*) =

[ 328 ]

والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) (1). فأتى عليه الصلاة والسلام بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الأولى التي قدمها، وهو أن لفظة (مولى) تحتمل معنى أولى، وإن كانت تحتمل غيره، فيحب أن يكون أراد بها المعنى المتقدم على مقتضى استعمال أهل اللغة، وإذا كانت هذه اللفظة تفيد معنى الإمامة بدلالة أنهم يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية، والمولى أولى بعبده، وولد الميت أولى بميراثه من غيره، وقوله سبحانه: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (2) لا خلاف بين المفسرين أن المراد به أنه أولى بتدبير المؤمنين والأمر والنهي فيهم من كل أحد منهم. وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالخلق من أنفسهم من حيث كان مفترض الطاعة عليهم، وأحق بتدبيرهم وأمرهم ونهيهم وتصريفهم بلا خلاف، وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين عليه السلام فيكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من حيث أن طاعته مفترضة عليهم، =


المعجم الكبير للطبراني 3: 2 00 / 3052، المناقب لابن المغازي: 18 / 24 و 23 / 34. تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإما م علي (ع) - 2: 74 / 5 71. (1) المصنف لابن أبي شيبة 12: 67 / 12140 و 68 / 12141، سنن ابن ماجة 1: 43 / 116، انساب الأشراف للبلاذري 2: 156 / 169، سند احمد 1: 118 و 119 و 4: 281 و 368 و 370 و 372، خصائص النسائي: 102 / 88، كشف الأستار للبزار 3: 190 و 191، والطبراني في المعجم الكبير 3: 2 0 1 / 3 0 5 2 و 4: 1 73 / 40 53، والصغير 1: 65، مستدرك الحاكم 3: 1 09. أخبار اصفهان 1: 107 و 2: 227 تاريخ بغداد 7: 377 و 14: 236، المنقب لابن المغازلي: 16 - 27 / 23 و 26 و 27 و 29 و 33 و 37 و 38، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 157 / 211، وانظر ابن عساكر في تاريخه - ترجمة الامام علي (ع) - 2: 38 - 84، تذكرة الخواص - 36، أسد الغابة 1: 367 و 4: 28 ذخائر العقبى 67. (2) الأحزاب 33: 6. (*)

[ 329 ]

وأمره ونهيه مما يجب نفوذه فيهم، وفرض الطاعة والتحقق بالتدبير من هذا الوجه لا يكون الا لنبي أو إمام، فإذا لم يكن عليه السلام نبيا وجب أن يكون إما ما - وأما الطريقة الاخرى في الاستدلال بهذا الخبر فهي: أن لا نبي الكلام على المقدمة ونستدل بقوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) من غير أعتبار لما قبله، فنقول: معلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوجب لأمير المؤمنين عليه السلام أمرا كان واجبا له لا محالة، فيجب أن يعتبر ما تحتمله لفظة (مولى) من الأقسام، وما يصح كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مختضا به منها وما لا يصح، وما يجوز أن توجبه لغيره في تلك الحال وما لا يجوز، وجميع ما تحتمله لفظة (مولى) ينقسم إلى أقسام: منها: ما لم يكن - عليه وآله السلام - عليه، وهو المعتق والحليف لأنه لم يكن حليفا لأحد، والحليف الذي يحالف قبيلة وينتسب إليهم ليتعزز بهم ومنها: ما كان عليه، ومعلوم لكل أحد أنه لم يرده وهو المعتق والجار والصهر والحليف والإمام إذا عد من أقسام المولى وابن العم. ومنها: ما كان عليه، معلوم بالدليل أنه لم يرده، وهو ولاية الدين والنصرة فيه والمحبة أو ولاء العتق. ومما يدل على أنه لم يرده ذلك أن كل عاقل يعلم من دينه صلى الله عليه وآله وسلم وجوب موالاة المؤمنين بعضهم بعضا ونطق القرآن بذلك، وكيف يجوز أن يجمع عليه وآله إلسلام ذلك الجمع العظيم في مثل تلك الحال ويخطب على المنبر المعمول من الرحا ليعلم الناس من دينه ما يعلمونه هم ضرورة. وكذلك ولاء العتق، فإنهم يعلمون أن ولاء العتق لبني العم قبل الشريعة وبعدها. ويبطل ذلك أيضا ما جاء في الرواية من مقال عمر بن الخطاب له عليه

[ 330 ]

السلام: بخ بخ يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة (1). ومنها: ما كان حاصلا له ويجب أن يريده، وهو الأولى بتدبير الامة وأمرهم ونهيهم، لأنا إذا أبطلنا جميع الأقسام وعلمنا أنه يستحيل أن يخلو كلامه من معنى وفائدة، ولم يبق إلا هذا القسم، وجب أن يريده، وقد بينا أن كل من كان بهذه الصفة فهو الإمام المفترض الطاعة، وأما استيفاء الكلام فيه ففي الكتب الكبار (2).


(1) مسند أحمد 4: 281، تاريخ بغداد 8: 290، مناقب ابن المغازلي: 18 / 24، مناقب الخوارزمي: 94، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام علي عليه السلام - 2: 47 - 52 / 5 46 و 5 47 و 5 4 9 و 5 5 0، تذكرة الخواص: 36، ذخائر العقبى: 67. (2) لقد أفرد علماء الإمامية رحمهم الله في إثبات الاستدلال بهذا الحديث على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، جملة واسعة من المؤلفات القيمة التي لم تترك جانبا إلا وناقشته وتعرضت له سواء بالاثبات أو التفنيد، وبحجج متينة لا يرقى لها الشك والتأويل. وقد وافقهم على ذلك جملة من علماء العامة ممن هداهم الله تعالى إلى ادراك هذه الحقيقة الناصعة والثابتة، مثل الحافظ أبي الفرج يحى بن السعيد الثقفي الاصبهاني في كتابه الموسوم بكتاب (مرج البحرين)، والعلامة سبط ابن الجوزي في كتابه (تذكرة الخواص: 137)، حيث ذكر سبل الاستدلال للوصول إلى ما ذهب إليه الشيعة الامامية من تفسيرهم لكلمة (المولى)، سنحاول أن نورده مختصرا، قال: اتفق علماء السير على أن قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه واله وسلم من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة حيث جمع الصحابة - وكانوا مائة وعشرين ألفا - وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه... الحديث) حيث نص صلى الله عليه واله وسلم على ذلك بصريح العبارة دون الاشا رة. ثم ذكر بعد ذلك قصة الحرث بن النعمان الفهري عند سماعه الخبر حيث جاء إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال له: هذا منك أو من الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - وقد احمرت عيناه: (والله الذي لا إله إلا هو أنه من الله وليس مني). قالها ثلاثا. وبعد ان ذكر ابن الجوزي هذه القصة عرج فذكر أقوال علماء العربية في تفسيرهم للفظة (المولى) وانها ترد على عشرة وجوه، وناقش هذه الوجوه المذكورة وبين بطلان الذهاب الن تفسيرها بالوجوه التسعة الاولى، والتي (*) =

[ 331 ]

فصل: وأما الاستدلال بالخبر الاخر وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعديى) (1) فإنه يدل على النص من وجهين: أحدهما: أن هذا القول يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين من النبي عليه السلام إلا ما خصه الاستثناء المنطوق به في الخبر من النبوة، وما جرى مجرى الاستثناء وهو العرف من أخوة النسب، وقد علمنا أن من منازل هارون من موسى عليهما السلام هي: الشركة في النبوة، وأخوة النسب، والتقدم عنده في الفضل والمحبة والاختصاص على جميع قومه، والخلافة له في حال غيبته على امته، وأنه لو بقي بعده لخلفه فيهم. وإذا خرج. الاستثناء بمنزلة النبوة، وخص العرف منزلة الاخوة - لان كل من عرفهما علم أنهما لم يكونا ابني أب واحد - وجب القطع على ثبوت ما عدا هاتين المنزلتين من المنازل الاخر. وإذا كان في جملة =


تفسرها بأنها تعني المالك أو المعتق الناصية.. إلخ، وذهب إثبات حتمية تفسيرها بالوجه العاشر دون غيره من الوجوه، وهو (الاولى)، حيث قال: فتعين الوجه العاشر وهو (الاولى) ومعناه: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به، وقد صرح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن العيد الثقفي الاصبهاني في كتابه المسمى (البحرين)، فبعد ان ذكر الحديث قال: فعلم ان جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر - الأولى - ودل - عليه أيضا قوله عليه السلام (الست اولى بالمؤمين من أنفسهم) وهذا نص صريح في إثبات امامته وقبول طاعته، وكذا قوله صلى الله عليه واله وسلم (وأدر الحق معه حيث ما دار) فيه دليل على أنه ما جرى خلاف بين على وبين أحد من الصحابة إلا والحق مع علي وهذا باحماع الامة ألا ترى أن العلماء إسما استنبطوا أحكام البغاة من وقعة الجمل وصفين. (1) تقدم في صفحة: 326. (*)

[ 332 ]

تلك المنازل أنه لو بقي لخلفه ودبر أمر أمته، وقام فيهم مقامه، وعلما بقاء أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة الرسول عليه السلام وجبت له الإمامة بعده بلا شبهة، وإنما قلنا إن هارون لو بقي بعد موسى عليه السلام لحلفه في أمته، لأنه قد ثبتت خلافته له في حال حياته، وقد نطق به القران في قوله تعالى: (وقال موسى لاخيه هارون أخلفني في قومي) (1) وإذا ثبتت له الخلافة في حال الحياة وجب حصولها له بعد الوفاة لو بقي إليها، لأن خروجها عنه في حال من الأحوال مع بقائه حط له عن مرتبة سنية كانت له، وصرف عن ولاية فوضت إليه، وذلك يقتضي التنفير، وقد يجنب الله تعالى أنبياءه من موجبات التنفير ما هو أقل مما ذكرناه بلا، خلاف فيه بيننا وبين المعتزلة، وهو الدمامة المفرطة، والخلق المشينة، الصغائر المستخفة، وان لا يجبهم فيما يسألونه لامتهم من حيث يظهر لهم. واما الوجه الآخر من الاستدلال بالخبر على النص فهو: أن نقول: قد ثبت كون هارون عليه السلام خليفة لموسى عليه السلام، على أمته في حياته ومفترض الطاعة عليهم، وإن هذه المنزلة من جملة منازله منه، ووجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم استثنى ما لم يرده من المنازل بعده بقوله: (إلا أنه لا نبي بعدي) فدل هذا الاستثناء على أن ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السلام بعده، وإذا كان من جملة المنازل الخلافة في الحياة وثبتت بعده فقد تبين صحة النص عليه بالإمامة. وإنما قلنا: إن الاستثناء في الخبر يدل على بقاء ما لم يستثن من المنازل بعده، لأن الاستثناء كما أن من شأنه إذا كان مطلقا أن يوجب ثبوت ما لم يستثن مطلقا، فكذلك إذا قيد بحال أو وقت أن يوجب ثبوت ما لم


(1) الأعراف 7: 142. (*)

[ 333 ]

يستثن في ذلك الوقت، وفي تلك الحال ألا ترى أن قول القائل: ضربت أصحابي إلا أن زيدا في الدار يدل على أن ضربه أصحابه كان في الدار لتعلق الاستثناء بذلك، والأسئلة والجوابات في الدليل كثيرة، وفيما ذكرناه هنا كفاية لمن تدبره. وأما ما تختص الشيعة بنقله من ألفاظ النصوص الصريحة على أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الأئمة من أبنائه عليهم السلام بما لم يشاركها فيه مخالفوها فمما لا يحصى، أو يحصى الحصى ؟ ! ولا يمكن له الحصر والعد، أو يحص رمل عالج ويعد ؟ ونحن نذكر جملة كافية من الأخبار في هذا الباب شافية في معناها لأولي الألباب إذا انتهينا إلى الركن الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

[ 335 ]

(الباب الثالث) في ذكر طرف من آيات الله سبحانه الظاهرة على أمير المؤمنين عليه السلام والمعجزات الخارقة للعادة المؤيدة لإمامته الدالة على مكانه من الله عز وجل ومنزلته

[ 336 ]

وهذا الباب يشتمل على فنين من الآيات الدلالات، أحدهما ما يختص بالإخبار عن الغائبات، والفن الاخر: غيرها من المعجزات الخارقة للعادات. فأما الفن الأول: وهو إخباره بالغائبات والكائنات قبل كونها، فيوافق الخبر المخبر عنه، فإنه أحد معجزات المسيح عليه السلام الدالة على ثبوته كما نطق به التنزيل من قوله: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) (1) وكان ذلك من ايات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أيضا مثل ما جاء في القران من قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون)، (2) وقوله تعالى في يوم بدر قبل الواقعة: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (3) وقوله تعالى في غلبة فارس الروم: (الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون) (4) في أمثال لذلك (لا نطول به) (5). فكان جميع ذلك على ما قال. وما كان من هذا الفن منقولا عن أمير المؤمنين عليه السلام فهو أكثر من أن يحصى ولا يمكن إنكاره، إذ ظهر للخلق اشتهاره، فلا يخفى على العام والخاص ما حفظ عنه عليه السلام من الملاحم والحوادث في خطبه وكلامه وحديثه بالكائنات قبل كونها: فمنه: قوله قبل قتاله الفرق الثلاثة بعد بيعته: (أمرت بقتال الناكثين


(1) آل عمران 3: 49. (2) الفتح 8: 27 (3) القمر 54: 45. (4) الروم 30: 1 - 3. (5) في نسخة " (ق): قد مر ذكر بعضها في بيان معجزات النبي (ص). (*)

[ 337 ]

والقاسطين والمارقين) (1). فما مضت الايام حتى قاتلهم. ومنه: قوله لطلحة والزبير لما استاذناه في اخروج إلى العمرة: (أو الله ما تريدان العمرة وإنما تريدات البصرة) (2). فكان كما قال. ومنه: قوله بذي قار وهو جالس لاخذ البيعة: (يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجالا ولا ينقصون رجلا يبايعوني على الموت). قال ابن عباس: فجعلت احصيهم فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل وتسعة وتسعين رجلا ثم انقطع مجئ القوم فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا حمله على ما قال ! فبينا أنا متفكر في ذلك إذ رأيت شخصا قد أقبل حتى دنا، وإذا هو رجل عليه قباء صوف، معه سيفه وترسه وأدواته، فقرب من أمير المؤمنين عليه السلام فقال: امدد يدك أبايعك، فقال عليه السلام: (وعلى م تبايعني ؟) قال: على السمع والطاعة والقتال بين يديك حتى أموت أو يفتح الله عليك، فقال: (ما اسمك) قال: اويس قال: (أنت اويس القرني ؟) قال: نعم. قال: قال: (الله أكبر، أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني أدرك رجلا من امته يقال له: أويس القرني يكون من حزب الله ورسوله، يموت على الشهادة، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر).


(1) الخصال: 145، ارشاد المفيد 1: 315، بشارة المصطفى: 142 و 167، مناقب ابن شهر آشوب 2: 66، مسند ابي يعلى الموصلي 1: 397 / 519، انساب الاشراف للبلاذري 2: 137 / 129، وفي المعجم الكبير للطبراني 10: 112 / 10053، ومجمع الزوائد 6: 235. (2) ارشاد المفيد 1: 315، الجمل: 166، الخرائج والجرائح 1: 199 / 39، مناقب ابن شهر آشوب 2: 262، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 232. وفي بعضها: تريدان الغدرة أو الفتنة (*)

[ 338 ]

قال ابن عباس: فسرى عني (1). ومنه: إخباره بالمخدج (2) وقوله: (إن فيهم لرجلا موذون اليد، له ثدي كثدي المرأة وهو شر الخلق والخليقة، قاتلهم أقرب الخلق إلى الله وسيلة). ولم يكن المخدج معروفا في القوم، فلما قتل الخوارج جعل يطلبه في القتلى ويقول: (والله ما كذبت ولا كذبت) ويحض أصحابه على طلبه لما أجلت الوقعة، وكان يرفع رأسه إلى السماء تارة ويحطه أخرى، حتى وجد في القوم فشق عن قميصه، فكان على كتفه سلعة كثدي المرأة عليها شعرات إذا جذبت انجذب كتفه معها وإذا تركت رجع كتفه إلى موضعها، فلما وجده كبر ثم قال: (أن في هذه لعبرة لمن استبصر) (3). ومنه: قوله في الخوارج مخاطبا لأصحابه: (والله لا يفلت منهم عشرة


(1) ارشاد المفيد 1: 315، الخرائج والجرائح 1: 200 / 39، الثاقب في المناقب: 266 / 5، وباختلاف في رجال الكشي 1: 315 / 156، باختصار في إرشاد القلوب: 224 (2) المخدج: الناقص الخلق، ويراد به هنا مخدج اليد أي ناقصها. (3) ارشاد المفيد 1: 316 - 317، ونحوه قي مسند الطيالسي: 24 / 66 و 69، ومصنف عبد الرزاق الصنعاني 10: 147 / 18650 و 149 / 18652 و 18653، والمصنف لابن أبي شيبة 15: 303 / 19727 و 311 / 19744، وصحيح مسلم 2: 749 / 1066، وسنن أبي داود 4: 242 / 4763 و 244 / 4768 و 245 / 4769 وسنن ابن ماجة 1: 59 / 167، والسنة لابن أبي عاصم: 428 / 912 و 430 / 916 و 432 / 917، ومسند أحمد 1: 83 و 95 و 144 و 147 و 155 وخصائص النسائي 184 / 177 و 189 / 183 و 190 / 184 و 191 / 186 و 193 / 188، ومسند أبي يعلى الموصلي 1: 281 / 337 و 471 / 476 و 477 و 472 / 478 - 481 و 421 / 555 والمعجم الصغير للطبراني 2: 85 وسنن البيهقي 8: 188، وتاريخ بغداد 11: 118 و 12: 390، ومناقب الخوارزمي: 185، وجامع الاصوال لابن الأثير 1: 790 / 7550، والكامل في التاريخ 3: 347 و 348 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 275 و 276. (*)

[ 339 ]

ولا يهلك منكم عشرة) (1). فكان كما قال. ومنه: ما رواه جندب بن عبد الله الأزدي قال: شهدت مع علي عليه السلام الجمل وصفين لا أشك في قتال من قاتله، حتى نزلت النهروان فدخلني شك فقلت: قراؤنا وخيارنا نقتلهم ! إن هذا الأمر عظيم، فخرجت غدوة أمشي ومعي أداوة ماء حتى برزت من الصفوف، فركزت رمحي ووضعت ترسي عليه واستترت من الشمس، فإني لجالس إذ ورد علي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (يا أخا الأزد أمعك طهور ؟) قلت: نعم. فناولته الأداوة، فمضى حتى لم أره، ثم أقبل فتطهر فجلس في ظل الترس، فإذا فارس يسأل عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا فارس يريدك، قال: (فأشر إليه) فأشرت إليه فجاء فقال: يا أمير المؤمنين قد عبر القوم وقطع النهر، فقال: (كلا ما عبروا)، فقال: بلى والله لقد فعلوا، قال: (كلاما فعلوا). قال: فإنه لكذلك إذ جاء رجل اخر فقال: يا أمير المؤمنين قد عبر القوم، قال: (كلا ما عبر القوم) قال: والله ما جئتك حتى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال، قال: (والله ما فعلوا، وأنه لمصرعهم ومهراق دمائهم). ثم نهض ونهضت معه، فقلت في نفسي: الحمد لله الذي بصرني بهذا الرجل وعرفني أمره، هذا أحد رجلين: إما رجل كذاب جرئ، أو على بينة من ربه وعهد من نبيه، اللهبم إني أعطيك عهدا تسأيني عنه يوم القيامة: إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أول من يقاتله وأول من يطعن بالرمح في عينه، وإن كانوا لم يعبروا أن أقيم على المناجزة والقتال.


(1) الخرائج والجرائح 1: 227 / ضمن حديث 71، كشف الغمة 1: 274 مناقب ابن المغازلي: 59 / ضمن حديث 86، الكامل في التاريخ 3: 345، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 273. (*)

[ 340 ]

فدفعنا إلى الصفوف، فوجدنا الرايات والأثقال كما هي، قال: فأخذ بقفاي ودفعني ثم قال: (يا أخا الأزد، أتبين لك الأمر ؟) فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، قال: (فشأنك بعدوك) فقتلت رجلا، ثم قتلت آخرا، ثم اختلفت أنا ورجل آخر أضربه ويضربني فوقعنا جميعا، فاحتملني أصحابي، فأفقت حين أفقت وقد فرغ القوم (1). فكان كما قال عليه السلام. وأما إخباره عليه السلام بما يكون بعد وفاته من الحوادث والملاحم والوقائع، وما ينزل بشيعته من الفجائع، وما يحدث من الفتن في دولة بني امية والدولة العباسية وغيرها فأكثر من أن تحصى: فمن ذلك: قوله عليه السلام لاهل الكوفة: (أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق (2) البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرؤوا مني، فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإسلام والهجرة) (3). فكان كما قال عليه السلام. ومن ذلك: أنه لما اخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فتكلم فيه الحسن والحسين عليهما السلام فخلى سبيله فقالا له: (يبايعك يا أمير المؤمنين) فقال: (ألم يبايعني بعد قتل عثمان، لا حاجة لي في بيعته،


(1) ارشاد المفيد 1: 317، كشف الغمة 1: 277، ونحوه في الكافي 1: 280 / 2، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 271، وكنز العمال 11: 289. (2) قال ابن الأثير في نهايتة (2: 105): وفي حديث علي (عليه السلام) سيظهر بعدي عليكم رجل مندحق البطن) أي واسعها، كأن جوانبها بعد بعضها من بعض فاتسعت (3) نهج البلاغة 1: 101 / خطبة 56. (*)

[ 341 ]

أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة، وستلقى الامة منه ومن ولده موتا أحمر) (1). فكان كما قال عليه السلام. ومن ذلك: قوله عليه السلام: (أما إنه سيليكم من بعدي ولاة لا يرضون منكم بهذا، يعذبوكم بالسياط والحديد، إنه من عذب الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة، وآية ذلك أنه يأتيكم صاحب اليمن حتى يحل بين أظهركم، فيأخذ العمال، وعمال العمال رجل يقال له: يوسف بن عمر) (2). فكان كما قال عليه السلام. ومن ذلك: قوله لجويرية بن مسهر: (ليقتلنك العتل الزنيم، وليقطعن يدك ورجلك، ثم ليصبنك تحت جذع كافر). فلما ولي زياد في أيام معاوية قطع يده ورجله، وصلبه على جذع ابن معكبر (3). ومن ذلك: حديث ميثم التمار رحمه الله، فقد روى نقلة الآثار: أنه كان عند امرأة من بني أسد، فاشتراه أمير المؤمنين عليه السلام منها، فأعتقه وقال له: (ما اسمك ؟) فقال ؟ سالم، قال: (فأخبرني رسول الله أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم) قال: صدق الله ورسوله وصدقت يا أمير المؤمنين، قال: (فارجع إلى اسمك الذي سماك به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودع سالما) فرجع إلى ميثم واكتنى بأبي سالم.


(1) نهج البلاغة 1: 120 / 70، وفيه، يوما، بدل موتا. (2) أرشاد المفيد 1: 322، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 306. (3) ارشاد المفيد 1: 323، الخرائج والجرائح 1: 202 / 44، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 291. (*)

[ 342 ]

فقال له أمير المؤمنين ذات يوم: (إنك تؤخذ بعدي فتصلب وتطعن بحربة، فإذا كان اليوم الثالت ابتدر منخراك وفمك دما فتخضب لحيتك، فانتظر ذلك الخضاب، وتصلب على باب دار عمرو بن حريث، أنت عاشر عشرة، أنت اقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة). وأراه النخلة التي يصلب على جذعها، وكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول: بوركت من نخلة لك خلقت ولي غذيت، ولم يزل يتعاهدها حتى قطعت، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: إني مجاورك فأحسن جواري. وهو لا يعلم ما يريد. وحج في السنة التي قتل فيها، فدخل على ام سلمة فقالت: من أنت ؟ قال: أنا ميثم. قالت: والله لربما سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوصي بك عليا في جوف الليل، فسألها عن الحسين عليه السلام فقالت: هو في حائط له، قال: فأخبريه إني قد أحببت السلام عليه، ونحن ملتقون عند رب العالمين إن شاء الله تعالى. فدعت بطيب وطيبت لحيته وقالت له: أما إنها تخضب بدم. فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله بن زياد لعنه الله وقال له: ما أخبرك صاحبك أني فاعل بك وقال: أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة أنا أقصرهم خشبة وأقربهم إلى المطهرة، قال: لنخالفنه، قال: كيف تخالفه ؟ ! فوالله ما أخبرني إلا عن النبي صلى الله عليه واله وسلم عن جبرئيل عليه السلام عن الله عز تعالى، فكيف تخالف هؤلاء ؟ ولقد عرفت الموضع الذي اصلب عليه أين هو من الكوفة، وأنا أول خلق الله الجم في الاسلام. فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيد، فقال ميثم للمختار: إنك تفلت وتخرج ثائرا بدم الحسين فتقتل هذا الذي يقتلنا. فلما دعا عبيد الله بالمختار ليقتاله طلع بريد بكتاب يزيد يأمره بتخلية

[ 343 ]

سبيله فخلاه، وأمر بميثم أن يصلب فاخرج فقال له رجل لقيه: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم، فتبسم وقال وهو يومئ إلى النخلة: لها خلقت ولي غذيت، فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث قال عمرو: قد كان والله يقول لي: إني مجاورك، فلما صلب أمر جاريته بكنس تحت خشبته ورشه وتجميره، فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم فقيل لابن زياد لعنه الله: قد فضحكم هذا العبد، فقال: ألجموه. فكان أول خلق الله الجم في الاسلام. وكان مقتل ميثم قبل قدوم الحسين بن علي عليهما السلام على العراق بعشرة أيام، فلما كان اليوم الثالث من صلبه طعن ميثم بالحربة، فكبر ثم انبعث في اخر النهار أنفه وفمه دما (1). ومن ذلك: ما رواه مجاهد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي قال: كنت عند زياد إذ اتي برشيد الهجري فقال له: ما قال لك صاحبك - يعني عليا عليه السلام - إنا فاعلون بك ؟ قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبوني، فقال زياد: أما والله لاكذبن حديثه، خلوا سبيله. فلما أراد أن يخرج قال زياد: والله ما نجد له شيئا شرا مما قال له صاحبه، اقطعوا يديه ورجليه واصلبوه. فقال رشيد: هيهات، قد بقي لكم عندي شئ أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام به، قال زياد: اقطعوا لسانه. فقال رشيد: الآن والله جاء تصديق خبر أمير المؤمنين عليه السلام (2).


(1) ارشاد المفيد 1: 323، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 91 2، الاصابة 3: 504، ومختصرا في خصائص الرضي: 54، ونحوه في الاختصاص: 75، ورجال الكشي 1: 293 / 1 36. (2) ارشاد المفيد 1: 325، شرح نهح البلاغة لابن أبي الحديد 2: 294. (*)

[ 344 ]

ومن ذلك: اخباره مولاه قنبر وصاحبه كميل بن زياد بأن الحجاج بن يوسف يقتلهما (1) قكان كما قال - ومن ذلك: ما اشتهرت به الرواية أنه عليه السلام خطب فقال في خطبته: (سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله ما تسألونني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة) فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر ؟ فقال عليه السلام: (لقد حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما سألت عنه، وأن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك، وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطانا يستفزك، وأن في بيتك لسخلا يقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واية ذلك مصداق ما أخبرتك به، ولولا أن الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرت به، ولكن آية ذلك ما نبأته عن سخلك الملعون) (2). وكان ابنه في ذلك الوقت صغيرا يحبو، فلما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان، تولى قتله، فكان كما قال.


(1) انظر: ارشاد المفيد 1: 327 و 328، الاصابة 3: 3 1 8. (2) كامل الزيارات: 74، أمالي الصدوق: 115 / 1، خصائص الرضي: 62، ارشاد المفيد 1: 330، مناقب أبن شهرآشوب 2: 269 الاحتجاج: 261، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 286 و 10: 14. لقد صح عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله (سلوني قبل أن تفقدوني) ونقلت ذلك الكثير من مصادر الفريقين، بحيث يعسر علينا حصرها هنا. وللاطلاع على ذلك انظر: الغدير 6: 193 - 194 و 7: 107 - 108. (*)

[ 345 ]

ومن ذلك: ما روي عن سويد بن غفلة: أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره أن خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له، فقال: (إنه لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب ابن جماز). فقام رجل من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين، والله إني لك شيعة، وإني لك محب، وأنا حبيب بن جماز. فقال: (إياك أن تحملها، ولتحملنها فتدخل من هذا الباب) وأومأ بيده إلى باب الفيل. فلما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى الحسين، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته، وحبيب بن جماز صاحب رايته، فسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل (1). وهذا الخبر مستفيض في أهل العلم بالاثار من أهل الكوفة. ومن ذلك: ما رواه إسماعيل بن زياد قال: إن عليا عليه السلام قال للبراء بن عازب: (يا براء، يقتل ابني الحسين وأنت حي لا تنصره). فلما قتل الحسين عليه السلام كان البراء يقول: صدق والله علي بن أبي طالب عليه السلام، قتل الحسين بن علي وأنا لم أنصره. ويظهر الندم على ذلك والحسرة (2).


(1) بصائر الدرجات: 318 / 11، الهداية الكبرى: 161، ارشاد المفيد 1: 329، الاختصاص: 280، الخرائج والجرائح 2: 745 / 63، المناقب لابن شهرآشوب 2: 270، الثاقب في المناقب: 267 / 6. مقاتل الطالبيين: 71، شرح نهح البلاغة لابن أبي الحديد 2: 286 - 287. (2) ارشاد المفيد 1: 331، مناقب ابن شهر آشوب 2: 270، كشف الغمة 1: 279، نهج اللاغة لابن أبي الحديد 10: 15. (*)

[ 346 ]

وهذا الذي ذكرناه - من جملة إخباره بالغائبات وإعلامه بالكائنات قبل كونها - غيض من فيض، ويسير من كثير، ولو لم تكن إلا خطبته القاصعة، وخطبة البصرة المستفيضة الشائعة، وما فيها من الملاحم والحوادث في العباد والبلاد، وأسامي ملوك بني امية وبني العباس، وما حل من عظائم بلياتهم بالناس لكفى بهما اعجوبة لا يعادلها سواها إلا ما ساواها في معناها، وفيما ذكرناه كفاية ومقنع لذوي الألباب. وأما الفن الآخر من المعجزات والايات الخارقة للعادات التي هي غير الإخبار بالغائبات فمما لا يدخل تحت الضبط والانحصار، ونحن نذكر طرفا منها على شريطة الاختصار: فمن ذلك: قصة عين راحوما والراهب بأرض كربلاء والصخرة، والخبر بذلك مشهور بين الخاص والعام، وحديثها: أنه عليه السلام لما توجه إلى صفين لحق أصحابه عطش، فأخذوا يمينا وشمالا يطلبون الماء فلم يجدوه، فعدل بهم أمير المؤمنين عن الجادة، وسار قليلا، فلاح لهم دير فسار بهم نحوه، وأمر من نادى ساكنه بالاطلاع إليهم، فنادوه فاطلع، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (هل قرب قائمك ماء ؟) فقال: هيهات، بينكم وبين الماء فرسخان، وما بالقرب مني شئ من الماء. فلوى عليه السلام عنق بغلته نحو القبلة وأشار بهم إلى مكان يقرب من الدير فقال: (اكشفوا الأرض في هذا المكان) فكشفوه بالمساحي فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع فقالوا: يا أمير المؤمنين، ههنا صخرة لا تعمل فيها المساحي، فقال عليه السلام: (إن هذه الصخرة على الماء، فاجتهدوا في

[ 347 ]

قلعها) (1) فاجتمع القوم وراموا تحريكها فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا واستصعبت عليهم، فلوى عليه السلام رجله عن سرجه حتى صار إلى الأرض وحسر ذراعيه ووضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحركها ثم قلعها بيده ودحا بها أذرعا كثيرة، فلما زالت عن مكانها ظهر لهم بياض الماء فتبادروا إليه فشربوا منه، فكان أعذب ماء وأبرده وأصفاه، فقال لهم: (تزودوا وارتووا) ففعلوا ذلك. ثم جاء إلى الصخرة فتناولها بيده ووضعها حيث كانت، وأمر أن يعفى أ ثرها بالتراب، والراهب ينظر من فوق ديره، فلما علم ما جرى نادى: يا معشر الناس أنزلوني أنزلوني، فانزلوه فوقف بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: أنت نبي مرسل ؟ قال: (لا)، قال: فملك مقرب ؟ قال: (لا)، قال: فمن أنت ؟ قال: (أنا وصي رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين) قال: ابسط يدك اسلم لله على يدك. فبسط عليه السلام يده وقال له: (اشهد الشهادتين) فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أنك وصي رسول الله وأحق الناس بالأمر من بعده، وقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الدير بني على طلب قالع هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها، وقد مضى عالم كثير قبلي ولم يدركوا ذلك، وقد رزقنيه الله عز وجل، إنا نجد في كتاب من كتبنا ماثر عن علمائنا إن في هذا الصقع عينا عليها صخرة لا يعرف مكانها إلا نبي أو وصي نبي، وإنه لا بد من ولي لله يدعو إلى الحق، آيته معرفة مكان هذه الصخرة وقدرته على قلعها، وإني لما رأيتك قد بلغت ذلك تحققت ما كنا ننتظره، وبلغت الامنية منه، فأنا اليوم مسلم على يدك ومؤمن بحقك ومولاك.


(1) في نسختي (ق) و (ط): قلبها، وما أثبتناه من نسخة (م) (*)

[ 348 ]

فلما سمع بذلك أمير المؤمنين بكى حتى اخضلت لحيته من الدموع وقال: (الحمد لله الذي كنت في كتبه مذكورا، الحمد لله الذي لم أك عنده منسيا (ثم دعا الناس وقال: (اسمعوا ما يقوله أخوكم المسلم) (1) فسمع الناس مقالته وشكروا الله على ذلك، وساروا والراهب بين يديه حتى لقي أهل الشام، فكان الراهب في جملة من استشهد معه، فتولى الصلاة عليه ودفنه وأكثر من الاستغفار له، وكان إذا ذكره يقول: (ذاك مولاي) (2). وفي هذا الخبر ضروب من الآيات: أحدها: علم الغيب (3). والاخر: القوة الخارقة للعادة. والثالث: ثبوت البشارة به في كتب الله الأولى كما جاء في التنزيل: (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل) (4). وفي ذلك يقول السيد إسماعيل بن محمد الحميري: (1) ولقد سرى فيما يسير ليلة بعد العشاء بكربلا في موكب (2) حتى أتن متبتلافي قائم ألقى قواعده بقاع مجدب (3) يأتيه ليس بحيث يلفي عامرا غير الوحوش وغير أصلع أشيب (4) فدنا فضاح به فأشرف ماثلا كالنسر فوق شظية من مرقب


(1) ما بين المعقوفين لم يرد في نسخنا وأ ثبتناه من الارشاد ليستقيم السياق. (2) ارشاد المفيد 1: 334، كشف الغمة 1: 279، وباختلاف يسير في خصائص الرضي: 50، ووقعة صفين: 1 44، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 204، ومختصرا في فضائل ابن شاذان: 104، والخرائج والجرائح 1: 222 / 67، ونحوه في أمالي الصدوق: 155 / 14. (3) لقد أفرد علماء الطائفة ومفكروها جملة واسعة من الابحاث والدراسات المبينة لابعاد هذا العلم تراجع في مظانها. (4) الفتح 48: 29. (*)

[ 349 ]

(5) هل قرب قائمك الذي بوئته ماء يصاب فقال ما من مشرب (6) إلا بغاية فرسخين ومن لنا بالماء بين نقاوقي سبسب (7) فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلى ملساء تبرق كاللجين المذهب (8) قال اقلبوها إنكم إن تقلبوا ترووا ولا تروون إن لم تقلب (9) فاعصو صبوا في قلبها فتمنعت منهم تمنع صعبة لم تركب (10) حتى إذا أعيتهم أهوى لها كفا متى ترد المغالب تغلب (11) فكأنها كرة بكف حزور عبل الذراع دحا بها في ملعب (12) قال اشربوا من تحتها متسلسلا عذبا يزيد على الألذ الأعذب (13) حتى إذا شربوا جميعا ردها ومضى فخلت مكانها لم يقرب (14) أعني ابن قاطمة الوصي ومن يقل في فضله وفعاله لا يكذب (1)


(1) خصائص الرضي: 51، ارشاد المفيد 1: 337، كشف الغمة 1: 281. قال السيد المرتضى - رضي الله عنه - في شرح هذه القصيدة - وقد وزعناه على تسلسل الا بيات -: (1) السري: سير الليل كله. (2) والمتبتل: الراهب، والقائم: صومعته، والقاع: الأرض الحرة الطين التي لا حزونة فيها ولا انهباط، والقاعدة: أساس الجدار وكل ما يبنى، والجدب: ضد الخصب (3) ومعنى (يأتيه): أي يأتي هذا الموضع الذي فيه الراهب، ومعنى (ليس بحيث يلفي) (عامرا): انه لا مقيم فيه سوى الوحوش، ويمكن أن يكون مأخوذا من العمرة التي هي الزيارة، والاصلع الأشيب: هو الراهب. (4) الماثل: المنصب، وشبه الراهب بالنسر لطول عمره، والشظية: قطعة من الحبل مفردة، والمرقب: المكان العالي. (5) والنقا: قطعة من الرمل تنقاد محدودبة، والقي: الصحراء الواسعة، والسبسب: القفر. (6) والوعث الرمل الذي لا يسلك فيه، ومعنى (اجتلى ملساء): نظر إلى صحراء ملساء فتجلت لعينه، ومعنى تبرق: تلمع، ووصف اللجين بالمذهب لانه اشد لبريقه ولمعانه

[ 350 ]

ومن ذلك: ما استفاضت به الأخبار ونظمت فيه الأشعار من رجوع الشمس له عليه السلام مرتين: في حياة النبي صلى الله عليه واله وسلم مرة، وبعد وفاته اخرى، فالأولى قد روتها أسماء بنت عميس، وام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري في جماعة من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان ذات يوم في منزله وعلي عليه السلام بين يديه إذ جاءه جبرئيل يناجيه عن الله عز وجل، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين عليه السلام فلم يرفع رأسه عنه حتى غابت الشمس وصلى عليه السلام صلاة العصر جالسا بالإيماء، فلما أ فاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (ادع الله ليرد عليك الشمس، فإن الله يجيبك لطاعتك الله ورسوله) فسأل الله عز وجل أمير المؤمنين في رد الشمس، فردت عليه حتى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، فصلى أمير المؤمنين الصلاة في وقتها ثم غربت، وقالت أسماء بنت عميس: أما والله لقد سمعنا لها عند غروبها صريرا كصرير المنشار في الخشب (1). =


(9) ومعنى (اعصوصبوا): اجتمعوا على قلعها وصاروا عصبة واحدة. (10) ومعنى (اهوى لها): مد إليها، والمغالب: الرجل المغالب. (11) والحزور: الغلام المترعرع، والعبل: الغليظ الممتلئ. (12) والمتسلسل: الماء السلسل في الحلق، ويقال أنه البارد أيضا. (14) وأبن فاطمة: هو أمير المؤمنين عليه السلام. انتهى كلامه رفع الله مقامه نقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار 41: 264 - 266. (1) ارشاد المفيد 1: 345، مناقب ابن شهر آشوب 2: 317، كشف الغمة 1: 282، ودون ذيله في فضائل ابن شاذان: 68، وارشاد القلوب: 227، ونحوه في قرب الاسناد: 175 / 644، والكافي 4: 561 / 7، وعلل الشرائع: 351 / 3، والذرية الطاهرة للدولابي: 129 / 156، ومشكل الاثار للطحاوي 2: 8 - 9 و 4 / 388 - 389، والمعحبم الكبير للطبراني 24: 144 / 382، ومناقب ابن المغازلي: 96 / 140 - 141، ومناقب الخوارزمي: 217، (*) =

[ 351 ]

وأما الثانية: أنه لما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، وصلى بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس وفات كثيرا منهم الصلاة، وفات جمهورهم فضل الجماعة معه، فتكلموا في ذلك، فلما سمع كلامهم فيه سأل الله عزو جل رد الشمس عليه فأجابه بردها عليه، فكانتما في الأفق على الحالة التي تكون وقت العصر، فلما سلم بالقوم غابت فسمع لها وجيب شديد. وفي ذلك يقول السيد الحميري: ردت عليه الشمس لما فاته وقت الصلاة وقد دنت للمغرب حتى تبلج نورها في وقتها للعصر ثم هوت هوي الكوكب وعليه قد حبست ببابل مرة اخرى وما حبست لخلق معرب الا ليوشع أو له من بعده ولردها تأويل أمر معجب (1) ومن ذلك: ما رواه نقلة الأخبار من حديث الثعبان، والآية فيه أنه كان عليه السلام يخطب ذات يوم على منبر الكوفة إذ ظهر ثعبان من جانب المنبر، فجعل يرقى حتى دنا من منبره، فارتاع لذلك الناس وهموا بقصده ودفعه عنه، فأومأ إليهم بالكف عنه، فلما صار إلى المرقاة التي كان أمير المؤمنين عليه السلام قائما عليها انحنى إلى الثعبان وتطاول الثعبان إليه حتى التقم اذنه، وسكت الناس وتحيروا لذلك، فنق نقيقا سمعه كثير منهم، ثم إنه زال عن مكانه وأمير المؤمنين عليه السلام يحرك شفتيه والثعبان كالمصغي إليه، ثم =


وتذكرة الخواص: 55، وفتح الباري 6: 168، وانظر طرقه في تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) - 2: 283 - 305، والغدير 3: 127 - 141. (1) ارشاد المفيد 1: 346، مناقب ابن شهرآشوب 2: 318 وأورد الأبيات الشعرية في ص 31 7، كشف الغمة 1: 282، وباختلاف يسير دون ذكر أبيات السيد الحميري في إرشاد القلوب 227، ونحوه في إثبات الوصية 1: 34 6. (*)

[ 352 ]

انساب فكأن الأرض ابتلعته، وعاد أمير المؤمنين عليه السلام إلى خطبته فتممها، فلما فرغ منها ونزل اجتمع الناس إليه يسألونه عن حال الثعبان، فقال لهم: (إنما هو حاكم من حكام الجن التبست عليه قضية فصار إلي يستفتيني عنها، فأفهمته إياها ودعا إلي بخير وانصرف) (1). ومن ذلك: حديث الحيتان وكلامهم له في فرات الكوفة، وذلك أن الماء طغى في الفرات حتى أشفق أهل الكوفة من الغرق، ففزعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخرج الناس معه حتى أتى شاطئ الفرات فنزل عليه السلام وأسبغ الوضوء وصلى، والناس يرونه، ودعا الله عز وجل بدعوات سمعها أكثرهم، ثم تقدم إلى الفرات متوكئا على قضيب بيده حتى ضرب به صفحة الماء وقال: (انقص بإذن الله ومشيئته) فغاض الماء حتى بدت الحيتان من قعره، فنطق كثير منها بالسلام عليه بإمرة المؤمنين ولم ينطق منها اصناف من السمك وهي الجري والمار ما هي، فتعجب الناس لذلك، وسألوه عن علة نطق ما نطق وصمت ما صمت، فقال: (أنطق الله لي ما طهر من السمك، وأصمت عني ما نجس وحرم) (2). وهذا الخبر مستفيض أيضا كاستفاضة كلام الذئب للنبي صلى الله عليه واله وسلم وتسبيح الحصى في كفه وأمثال ذلك. ومن ذلك: ما جاء في الاثار عن ابن عباس قال: لما خرج النبي


(1) ارشادا المفيد 1: 348، روضة الواعظين: 119، ونحوه في بصائر الدرجات: 1 1 7، واثبات الوصية: 129، وبشارة المصطفى: 164، والفضائل لابن شاذان: 70 (2) ارشاد المفيد 1: 347، روضة الواعظين: 119، مناقب ابن شهرآشوب 2: 330، ومختصرا في خصائص الرضي: 58، واثبات الوصية: 128، ونحوه في فضائل ابن شاذان: 156، وكشف الغمة 1: 275. (*)

[ 353 ]

صلى الله عليه واله وسلم إلى بني المصطلق ونزل بقرب واد وعر، فلما كان آخر الليل هبط عليه جبرئيل عليه السلام يخبره عن طائفة من كفار الجن قد استبطنوا الوادي يريدون كيده وإيقاع الشر باصحابه، فدعا أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (اذهب إلى هذا الوادي فسيعرض لك من أعداء الله الجن من يريدك، فادفعه بالقوة التي أعطاك الله عز وجل إياها، وتحصن منه بأسماء الله التي خصك بها وبعلمها (وأنفذ معه مائة رجل من أخلاط الناس وقال لهم: كونوا معه وامتثلوا أمره). فتوجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الوادي، فلما قارب شفيره أمر المائة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير ولا يحدثوا شيئا حتى يأذن لهم، ثم تقدم فوقف على شفير الوادي وتعوذ بالله من أعدائه، وسماه بأحسن أسمائه، وأومأ إلى القوم الذين تبعوه أن يقربوا منه، فقربوا، وكان بينه وبينهم فرجة مسافتها غلوة، ثم رام الهبوط إلى الوادي فاعترضت ريح عاصف كاد القوم يقعون على وجوههم لشدتها، ولم تثبت أقدامهم على الأرض من هول ما لحقهم، فصاح أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وابن عمه، اثبتوا إن شئتم) فظهر للقوم أشخاص مثل الزط (1) تخيل في أيديهم شعل النار، قد اطمأنوا وأطافوا بجنبات الوادي. فتوغل أمير المؤمنين عليه السلام بطن الوادي وهو يتنو القرآن ويومئ بسيفه يمينا وشمالا، فما لبثت الأشخاص حتى صارت كالدخان الأسود، وكبر أمير المؤمنين عليه السلام ثم صعد من حيث هبط، فقام مع القوم الذين


(1) الزط (بالضم): جيل من الهند معرب جت بالفتح، الواحد زطي وهو المستوي الوجه. (القاموس المحيط 2: 362). (*)

[ 354 ]

اتبعوه حتى أسفر الموضع عما اعتراه، فقال له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما لقيت يا أبا الحسن، فقد كدنا نهلك خوفا وإشفاقا عليك ؟ فقال عليه السلام: (لما ترائ لي العدو جهرت فيهم باسماء الله فتضاءلوا وعلمت ما حل بهم من الجزع، فتوغلت الوادي غير خائف منهم، ولو بقوا على هيئاتهم لأتيت على آخرهم، وكفى الله كيدهم وكفى المسلمين شرهم، وستسبقني بقيتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيؤمنوا به). وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره الخبر فسرى عنه ودعا له بخير وقال له: (قد سبقك يا علي إلي من أخافه الله بك فاسلم وقبلت إسلامه (1). ومن ذلك: ما أخافه الله تعالى به من القوة الخارقة للعادة في قلع باب خيبر ودحوه به، وكان من الثقل بحيث لا يحمله أقل من أربعين رجلا، ثم حمله إياه على ظهره فكان جسرا للناس يعبرون عليه إلى ذلك الجانب، فكان ذلك علما معجزا (2). ومن ذلك: إنقضاض الغراب على خفه وقد نزعه ليتوضأ وضوء الصلاة، فانساب فيه أسود، فحمله الغراب حتى صار به في الجو ثم ألقاه فوقع منه الأسود ووقاه الله عز وجل من ذلك (3). وفي ذلك يقول الرضي الموسوي رضي الله عنه: أما في باب خيبر معجزاى تصدق أو مناجاة الحباب


(1) ارشاد المفيد 1: 339، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 4 3 / 8. (2) انظر: سيرة ابن هشام: 349 و 350، تاريخ الطبري 3: 13، تاريخ اليعقوبي 2: 56، تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي): 441 و 412. (3) مناقب ابن شهر اشوب 2: 306. (*)

[ 355 ]

أرادت كيده والله يأبى فجاء النصر من قبل الغراب (1) ومن ذلك: ما رواه عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليهما السلام من قوله عليه السلام لجويرية بن مسهر وقد عزم على الخروج: (أما إنه سيعرض لك في طريقك الأسد) قال: فما الحيلة له ؟ قال: (تقرئه مني السلام وتخبره أني أعطيتك منه الأمان). فخرج جويرية، فبينا هو كذلك يسير على دابته إذ أقبل نحوه أسد لا يريد غيره، فقال له جويرية: يا أبا الحارث، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقرؤك السلام، وانه قد امنني منك، قال: فولى الليث عنه مطرقا برأسه يهمهم حتى غاب في الأجمة، فهمهم خمسا ثم غاب، ومضى جويرية في حاجته. فلما انصرف إلى أمير المؤمنين عليه السلام وسلم عليه وقال: كان من الأمر كذا وكذا فقال: (ما قلت لليث وما قال لك ؟). فقال جويرية: قلت له ما أمرتني به وبذلك انصرف عني، وأما ما قال الليث فالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ووصي رسوله أعلم. قال: (إنه ولى عنك يهمهم، فأحصيت له خمس همهمات ثم انصرف عنك). قال جويرية: صدقت يا أمير المؤمنين هكذا هو. فقال عليه السلام: (فإنه قال لك: فاقرأ وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مني السلام) وعقد بيده خمسا (2). ولو ذهبنا نجتهد في إيراد أمثال هذه من الايات والمعجزات لطال به


(1) ديوان الشريف الرضي 1: 116. (2) مناقب ابن شهرآشوب 2: 304. (*)

[ 356 ]

الكتاب، وفيمها أثبتناه من ذلك غنى عما سواه، وبالله نستعين، وإياه نستهدي إلى الهدى والحق والصواب.

[ 357 ]

(الباب الرابع) في ذكر بعض مناقبه وفضائله وخصائصه عليه السلام التي أبانه الله سبحانه بها عن غيره سوى ما تقدم ذكره في جملة من النصوص على إمامته والإرهاص لإيجاب طاعته وذكر مختص من أخباره وحسن اثاره

[ 358 ]

إعلم: أن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه وخصائصه كثيرة لا يتسع لها كتاب ولا يحويها خطاب، وليست الشيعة مختصة بروايتها وإن اختصت بكثير منها، فقد روت العامة والمخالفون من ذلك ما لا يحصى عدده، ولا ينقطع مدده، ولقد قال الأجل المرتضى علم الهدى قدس الله روحه: سمعت شيخا مقدما في الرواية من أصحاب الحديث يقال له: أبو حفص عمر بن شاهين (1)، يقول: إني جمعت من فضائل علي عليه السلام خاصة ألف جزء. وأما ما رواه أصحابنا من ذلك فلا تجتمع أطرافه، ولا تعد آلافه، وأنا اورد من جملتها اناسي العيون ونفوس الفصوص ومتخير المتحير سالكا طريقة منصور الفقيه في قوله:


(1) أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين ولد في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين، وأصله من مروروذ من كور خراسان. روي عنه أنه قال: أول ما كتبت الحديث في سنة ثمان وثلاثمائة وكان لي إحدى عشرة سنة، وصنفت ثلاثمائة مصنف، أحدها: (التفسير الكبير) ألف جزء، و (المسند) ألف وثلاثماثة جز، و (التاريخ) مائة وخمسين جزء، و (الزهد) مائة جزء، وأول ما حدثت بالبصرة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. سمع أبا بكر محمد بن محمد الباغندي، وأبا القاسم الجنري، وأبا خبيب العباس بن البرتي، وأبا بكر بن أبي داود، وغيرهم. وحدث عنه: أبا بكر محمد بن إسماعبل الوراق رفيقه، وأبو سعد الماليني، وأبو بكر البرقاني وأحمد بن محمد العتيقي. وثقه أبو الفتح بن أبي الفوارس، وأبو بكر الخطيب، والأمير أبو نصر، وأبو الوليد الباجي، أبو القاسم الأزهري. توفي في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ودفن بباب حرب عند قبر أحمد حنبل. انظر: تاريخ بغداد 11: 265 - 268، سير أعلام النبلاء 16: 431. (*)

[ 359 ]

قالوا: خذ العين من كل، فقلت لهم في العين فضل، ولكن ناظر العين حرفين من ألف طومهار مسودة وربما لم تجد في الألف حرفين وأثبتها محذوفة الأسانيد تعويلا في ذلك على إشتهارها بين نقلة الاثار، واعتمادا على أن نقلها من كتب محكومة بالصحة عند نقاد الأخبار، وجعلتها أربعة فصول:

[ 360 ]

(الفصل الأول) في ذكر نبذ من خصائصه التي لم يشركه فيها غيره وهي فنون كثيرة، وفوائدها جمة غزيرة، وبينونته عليه السلام بها عن جميع البشر واضحة منيرة. فمنها: سبقه كافة الخلق إلى الايمان. فقد صح عنه عليه السلام أنه قال: (أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر، ولقد صليت قبل الناس سبع سنين) (1). وعن أبي ذر: أنه سمع النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول في علي: (أنت أول من آمن بي، وأنت أول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكافرين) (2).


(1) انظر: الخصال: 401 / 110، مناقب ابن شهر آشوب 2: 16، العمدة لابن بطريق: 64 / 76، الطرائف لابن طاوس: 20 / 12، المصنف لابن أبي شيبة 12: 65 / 12133، سنن ابن ماجة 1: 44 / 120، السنة لابن أبي عاصم 2: 598، فضائل أحمد: 87 / 117، خصائص النسائي 24: 7، تاريخ الطبري 2: 212، الأوائل لأبي هلال العسكري 1: 194، مستدرك الحاكم 3: 13، نقض العثمانية للاسكافي: 29 0، فرائد السمطين 1: 248 / 192، ميزان الاعتدال 3: 101 و 102. (2) انظر: أمالي الصدوق: 171 / 5، ارشاد المفيد 1: 31 و 32، امالي الطوسي 1: 147، اختيار معرفة الرجال 1: 113 / 51، مناقب ابن شهرآشوب 2: 6، اليقين لابن طاووس: 195، انساب الأشراف للبلاذري 2: 118 / 74، تاريخ عساكر ترجمة الاماج علي (*) =

[ 361 ]

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم يرفع إلى السماء شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا مني ومن علي) (1). وعن أبي أيوب الأنصار في قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:) لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم يصل معي رجل غيره) (2). وعن أبي رافع قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة الاثنين، وصلت خديجة يوم الاثنين اخر النهار، وصلى علي يوم الثلاثاء صلاة الغداة (3). وقال علي عليه السلام: (فكنت اصلي سبع سنين قبل الناس) (4). وفي ذلك يقول خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين: إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا أبو حسن مما نخاف من الفتن وجدناه أولى الناس بالناس أنه أطب قريش بالكتاب وبالسنن هي =


(ع) - 1: 87 / 119، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 3327 / 33 (1) االفصول المختارة: 215، ارشاد المفيد 1: 31، العمدة لابن بطريق: 65 / 79، طائف ابن طاووس: 19 / 8، شواهد التنزيل للحسكاني 2: 125 / 819، مناقب ابن المغازلي: 14 / 19، مناقب الخوارزمي: 19، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) - 1: 81 / 114، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 226 / 31. (2) الفصول المختارة: 211، مناقب ابن شهر آشوب: 2 / 16، العمدة لابن بطريق: 65 / 78، طرائف ابن طاووس: 19 / 7 مناقب ابن المغازلي: 13 / 17، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) - 1: 80 / 113، اسد الغابة 4: 18، ذخائر العقى: 64. (3) مناقب ابن شهر آشوب 2: 15، وباختلاف يسير في تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) - 1: 48 / 70 و 71، مناقب الخوار مي: 21، ذخائر العقبى: 59 (4) مناقب ابن شهراشوب 2: 7 و 16 و 17، مسند الامام علي (ع) للسيوطي: 18 / 58، وفيهما نحوه. (*)

[ 362 ]

ففيه الذي فيهم من الخير كله وما فيه مثل الذي فيهم من حسن وصي رسول الله من دون أهله وفارسه قد كان في سالف الزمن وأول من صلى من الناس كلهم سوى خيرة النسوان والله ذو منن (1) وفيه يقول ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: ما كنت أحسب أن الأمر (منصرف) (2) من هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى بقبلتهم وأعرف الناس بالآثار والسنن واخر الناس عهدا بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن (3) ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمله حتى طرح الأصنام من الكعبة. فروى عبد الله بن داود، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي مريم، عن علي عليه السلام قال: (قال لي رسول الله: احملني لنطرح الأصنام من الكعبة، فلم أطق حمله، فحملني، فلو شئت ان أتناول السماء فعلت) (4).


(1) مستدرك الحاكم 3: 114، وأورد الكنجي الشافعي في كفاية الطالب: 127 البيت الأول والأخير. (2) في نسخة (ط): منتقل. (3) الفصول المختارة: 216، وسليم بن قيس في كتابه: 78 عن العباس، وارشاد المفيد 1: 32 في خزيمة بن ثابت الأنصاري، والجمل: 58 عن عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب، وفي تاريخ اليعقوبي 2: 124 عن عتبة بن أبي لهب، ومناقب الخوارزمي: 8 عن العباس بن عبد المطلب (4) تاريخ ابن أبي شيبة: 79 ل، مسند أحمد 1: 84 و 151، خصائص النسائي: 134 / 122، المقصد العلي لابي يعلى الموصلي: ق 121 / 2، تهذيب الاثار لابن جرير: 405 و 406، مستدرك الحاكم 2: 366 و 3: 5، تاريخ بغداد 13: 302، مناقب ابن المغازلي: 202 / 240، مناقب الخوارزمي: 71، كفاية الطالب: 257، ذخائر العقبى: 85، الرياض النضرة 3: 170، فرائد السمطين 1: 249، ونقله المجلسي في بحار الانوار (*) =

[ 363 ]

وفي حديث اخر طويل قال علي: (فحملني النبي عليه السلام فعالجت ذلك حتى قذفت به ونزلت - أو قال: نزوت -) الشك من الراوي (1). ومنها: حديث المؤاخاة. فقد اشتهر في الرواية: انه صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين ابن مسعود وأبي ذر، وبين سلمان وحذيفة، وبين المقداد وعمار بن ياسر، وبين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وضرب بيده على علي فقال: (أنا أخوك وأنت أخي) (2). فكان علي إذا أعجبه الشئ قال: (أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها بعدي إلا كذاب) (3). وعن أبي هريرة - في حديث طويل -: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم آخى بين أصحابه وبين الأنصار والمهاجرين، فبدأ بعلي بن أ بي طالب عليه السلام فأخذ بيده وقال: (هذا أخي (4) - وفي خبر آخر: أنت أخي (5) - في الدنيا والاخرة) فكان رسول الله وعلي أخوين. =


38: 84 / 3. (1) نقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 84 / 3. (2) فضائل احمد: 94 / 141 و 120 / 177، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) 1: 135 / 167، كفاية الطالب: 193، الرياض النضره 3: 125، فرائد السمطين 1: 117 / 82. (3) المصنف لا بن أبي شيبة 12: 62 / 12128، خصائص النسائي: 85 / 67، الاستيعاب لابن عبد البر 3: 35، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) - 1: 136 / 168. (4) سيرة ابن هشام 2: 150، مناقب ابن المغازلي: 38 / 60، اسد الغابة 3: 317، الاصابة 2: 501، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 341 / 16. (5) صحيح الترمذي 5: 636 / 3720، مستدرك الحاكم 3: 14، الاستيعاب لابن عبد البر (*) =

[ 364 ]

ومنها: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم تفل في عينيه يوم خيبر ودعا له بان لا يصيبه حرولا قر، فكان عليه السلام بعد ذلك لا يجد حرا ولا قرا، ولا ترمد عينه، ولا يصدع، فكفى بهذه الخصلة شرفا وفضلا. فروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن الناس قالوا له: قد أنكرنا من أمير المؤمنين عليه السلام أنه يخرج في البرد في الثوبين الخفيفين وفي الصيف في الثوب الثقيل والمحشو، فهل سمعت أباك يذكر أنه سمع من أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك شيئا ؟ قال: لا، قال: وكان أبي يسمر مع علي بالليل، فسألته قال: فسأله عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد أنكروا، وأخبره بالذي قالوا. فقال: (أوما كنت معنا بخيبر ؟) قال: بلى. قال: (فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر وعقد له لواء، فرجع وقد انهزم هو وأصحابه. ثم عقد لعمر فرجع منهزما بالناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار، يفتح الله على يده، فأرسل إلي وأنا أرمد فتفل في عيني، وقال: اللهم اكفه أذى الحر والبرد، فما وجدت حرا بعد ولا بردا) (1). =


3: 35، مناقب ابن المغازلي: 57 / 37 و 38 / 59، مصابيح البغوي 4: 173 / 4769، مقتل الخوارزمي: 48، اسد الغابة 4: 29، الاصابة 2: 507 / 5688، لسان الميزان 3: (1) المصنف لابن أبي شيبة 12: 62 / 12129، خصائص النسائي: 39 / 14 و 159 / 151، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) - 1: 217 / 261 و 262، دلائل النبوة للبيهقي 4: 213، مجمع الزوائد 9: 122، ومختصرا في سنن ابن ماجة 1: 43، ومسند أحمد 1: 99 و 133، ومسند البزار: ق 105 / 1، وزوائد الفضائل للقطيعي: 1084، ومستدرك الحاكم 3: 37، ووافقه الذهبي في ذيل المستدرك، ودلائل النبوة لأبي نعيم الاصبهاني (*) =

[ 365 ]

وفي رواية اخرى: (فنفث في عيني فما اشتكيتها بعد، وهزلي الراية فدفعها إلي، فانطلقت، ففتح لي، ودعا لي أن لا يضرني حرولا قر) (1). وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: وكان علي أرمد العين يبتغي دواء فلما لم يحسن مداويا شفاه رسول الله منه بتفلة فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي الراية اليوم صارما كميا محبا للرسول مواليا يحب إلهي والاله يحبه به يفتح الله الحصون الأوابيا فاصفى بها دون البرية كلها عليا وسماه الوزير المؤاخيا (2) وروروى حبيب بن أبي ثابت، عن الجعد مولى سويد بن غفلة، عن سويد بن غفلة قال: لقينا عليا في ثوبين في شدة الشتاء، فقلنا له: لا تغتر بأرضنا هذه، فإنها أرض مقرة ليست مثل أرضك. قال: (أما إني قد كنت مقرورا، فلما بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر قلت له: إني أرمد، فتفل في عيني ودعا لي، فما وجدت بردا ولا حرا بعد، ولا رمدت عيناي) (3). ومنها: ما قاله فيه يوم خيبر، مما لم يقله في أحد غيره، ولا يوازيه إنسان، ولا يقارنه فيه، فقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي في كتاب المعرفة: حدثني الحسن بن الحسين العرفي - وكان صالحا - قال: حدثنا =


2: 956 / 391، وحلية الأولياء 4: 356، ومناقب إبن المغازلي: 74 / 110 (نقله المجلسي في بحار الأنوار 41: 282 / ذيل ح 5. (2) أرشاد المفيد 1: 128، العمدة لابن بطريق: 155 / 238، مناقب إبن - المغازلي 185 كفاية الطالب: 104، الفصول المهمه: 37. (3) فرائد السمطين 1: 264 / 206، مجمع الزوائد 9: 122. (*)

[ 366 ]

كادح بن جعفر البجلي - وكان من الأبدال (1) - عن ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن مسلم بن يسار، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما قدم علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفتح خيبر قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لولا أن يقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم قولا لا تمر بملأ إلا أخذوا من تراب رجليك ومن فضل طهورك فيستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنك تؤدي ذمتي، وتقاتل على سنتي، وأنك في الآخرة غدا أقرب الناس مني، وأنك غدا على الحوض خليفتي، وأنك أول من يرد علي الحوض غدا، وأنك أول من يكسى معي، وأنك أول من يدخل الجنة من امتي، وأن شيعتك على منابر من نور، مبيضة وجوههم حولي، أشفع لهم، ويكونون في الجنة جيراني، وأن حربك حربي، وأن سلمك سلمي، وأن سرك سري، وأن علانيتك علانيتي، وأن سريرة صدرك كسريرة صدري، وأن ولدك ولدي، وأنك منجز عدتي، وأن الحق معك، وأن الحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك، وأن الإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وأنه لا يرد على الحوض مبغض لك، ولن يغيب عنه محب لك غدا حتى يردوا الحوض معك). فخر علي عليه السلام لله ساجدا، ثم قال: (الحمد لله الذي من علي بالإسلام، وعلمني القرآن، وحببني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين، إحسانا منه إلي، وفضلا منه علي).


(1) الابدال: في المبرزون في الصلاح، وسموا أبدالا لأنهم كلما مات منهم واحد ابدل بآخر. (انظر: لسان العرب 11: 49). (*)

[ 367 ]

فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك: (لولا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي) (1). وهذا الخبر بما تضمنه من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لو قسم على الخلائق كلهم من أول الدهر إلى اخره لاكتفوا به شرفا ومكرمة وفخرا. ومنها: أن شرفه الله تعالى بطاعة النار له عليه السلام. روى الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمر قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (أنا قسيم النار، أقول: هذا لي وهذا لك) (2). قال: وحدثني موسى بن طريف، عن عباية بن ربعي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني لقسيم النار، أقول: هذا لي وهذا لك). قال: فذكرته لمحمد بن أبي ليلى فقال: يعني: أن ولعي في الجنة


(1) أمالي الصدوق: 86، كنز الفوائد 2: 179، مناقب ابن المغازلي: 237 / 285، كفاية الطالب: 264، وقطعة منه في مناقب الخوارزمي: 220، وممع الزوائد 9: 131. (2) لم يعد بمستغرب ان تجد. جملة كبيرة من الاحاديث الصحيحة والمشهورة تتعرض للتكذيب والطعن من قبل الامويين أو ممن تشبع بروحهم المناصبة العداء لاهل البيت عليهم السلام.، فهذا هو ديدنهم، وتلك هي شمائلهم، منذ بدء الدعوة الاسلامية المباركة والي يومنا هذا، والامر لا يحتاج إلى سرد وتوضيح، فهو اجلى من الشمس في رابعة النهار، ولنا على صحة قولنا الف شاهد والف دليل. ولعل من الاحاديث التي نالها بغض الامويين لاهل البيت عليهم السلام، ولا سيما أمير المؤمنين عليه السلام حديث (قسيم النار) المشهور الذي حدث به الاعمش وغيره، وحيث تجد إلى جانب ذلك الحديث كلام ممجوج يحاول الطعن بهذا الحديث دون حجة أو دليل. نعم، بل وتجد اشارات واضحة إلى محاولة ذلك البعض المنحرف لثني الاعمش عن رواية هذا الحديث أو تكذيبه، على ما ذكر ذلك الذهبي في لسان الميزان (3: 347) حيث ذكر عن عيسى بن يونس انه قال: ما رأيت الاعمش خضمع إلا مرة واحدة، افنه (*) =

[ 368 ]

وعدوي في النار. قلت: سمعته قال: نعم (1). وروى جابر الجعفي قال: أخبرني وصي الأوصياء قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: لا تؤذيني في علي، فإنه أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، يقعده الله غدا يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار) (2). ومنها: ما رواه عباد بن يعقوب، ويحيى بن عبد الحميد الحماني قالا: حدثنا علي بن هاشم، عن محمد بن عبيد الله، عن أبيه عبيد الله بن أبي رافع، عن جده ابي رافع قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا جلس ثم أراد أن يقوم لا يأخذ بيده غير علي عليه السلام، وإن أصحاب علي =


حدثنا بهذا الحديث - أنا قسيم النار - فبلغ ذلك أهل السنة فجاءوا فقالوا: التحديث بهذا يقوي الرافضية والزيدية والشيعة، فقال (أي الاعمش): سمعته فحدثت به. قال: فرأيته خضع ذلك اليوم. بل وروى القاضي ابن ابي يعلى في طبقات الحنابلة ما هذا لفظه: سمعت محمد بن منصور يقول: كنا عند احمد بن حنبل فقال رجل: يا أبا عبد الله، ما تقول في هذا الحديث الذي يروى ان عليا قال: (انا قسيم النار). فقال: وما تنكرون من ذا ؟ أليس قد روينا ان النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ؟) قلنا: بلى. قال: فاين المؤمن ؟ قلنا: في الجنة. قال: واين المنافق ؟ قلنا: في النار. قال: فعلي قسيم النار. (1) أمالي الطوسي 2: 241، مناقب ابن شهرآشوب 2: 157، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) - 2: 244 / 754، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 260، فرائد السمطين 1: 325 / 254، ولم يرد فيها ذيل الرواية. (2) كتاب سليم بن قيس: 141 / ذيل حديث 30، أمالي الطوسي 1: 296، بشارة المصطفى: 148، اليقين 541. (*)

[ 369 ]

النبي كانوا يعرفون ذلك له فلا يأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أحد غيره. وقال الحماني في حديثه: كان إذا جلس اتكأ على علي، وإذا قام وضع يده على علي عليه السلام (1). ومنها: أنه صاحب حوض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم القيامة. روى محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كأني أنظر إلى تدافع مناكب امتي على الحوض، فيقول الوارد للصادر: هل شربت ؟ فيقول: نعم والله لقد شربت، ويقول بعضهم: لا والله ما شربت فيا طول عطشاه) (2). وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: (والذي نبأ محمدا وأكرمه، إنك لذائد عن حوضي، تذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادي عن الماء، بيدك عصا من عوسج، كأني أنظر إلى مقامك من حوضي، (3). وعن طارق عن علي عليه السلام قال: (رب العباد والبلاد، والسبع الشداد، لأذودن يوم القيامة عن الحوض بيدي هاتين القصيرتين) قال: وبسط يديه (4).


(1) مناقب ابن شهر اشوب 2: 219، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 38: 306 / 8. (2) نقله المجلسي في بحار الأنوار 39: 216 / 6. (3) مناقب الخوارزمي: 65، ونحوه في مناقب ابن شهر آشوب 2: 162، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 39: 216 / 6. (4) أمالي الطوسي 1: 175، فضائل أحمد: 200 / 279، الرياض النضرة 3: 186، مجمع الزوائد 9: 135، وفيها نحوه. (*)

[ 370 ]

وفي رواية آخرى: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لاقمعن بيدي هاتين عن الحوض أعداءنا، ولاوردن أحباءنا) (1). ومنها: اختصاصه عليه السلام بالمناجاة يوم الطائف. فروي عن جابر بن عبد الله: أن النبي عليه وآله وسلم لما خلا بعلي يوم الطائف وناجاه طويلا قال أحد الرجلين لصاحبه: لقد طالت مناجاته لابن عمه، فبلغ ذلك النبي فقال: (ما أنا ناجيته، بل الله انتجاه) (2). ومنها: تفرده عليه السلام بآية النجوى والعمل بها. فروي عن مجاهد قال: قال علي عليه السلام: (آية من القران لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكلما أردت أن اناجي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصدقت بدرهم ثم نسخت بقوله: (فان لم تجدوا فان الله غفور رحيم) (3) (4).


(1) مناقب ابن شهر آشوب 2: 162، ونغله المجلسي في بحار الأنوار 39: 216 / 6. (2) بصائر الدرجات: 431 / 8، الاختصاص: 200، أمالي الطوسي 1: 266 و 340، العمدة لابن بطريق: 362 / 703، مناقب ابن المغازلي: 125 / 164، ورواه الترمذي في صحيحه 5: 639 / 3726، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب: 327 و 328، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبى: 85، والرياض النضرة 3: 170، إلا أن فيها (فقال الناس) بدل (فقال أحد الرجلين)، وكذا رواه الخطيب في تاريخ بغداد 7: 402 وفيه: (فقالوا)، وابن الأثير في أسد الغابة 4: 27 وفيه (فقال بعض الصحابة). (3) المجادلة 58: 13. (4) تفسير القمي 2: 357، المصنف لابن أبي شيبة 12: 81 / 12174، تفسير الطبري 28: 14، أحكام القرآن للجصاص 3: 428، مستدرك الحاكم 2: 481، المناقب لابن المغازلي: 326 / 373، شواهد التنزيل للحسكاني 2: 231 / 951 و 237 / 960 و 961، الرياض النضرة 3: 170، تفسير ابن كثير 4: 349. (*)

[ 371 ]

وفي رواية أخرى: (بي خفف الله عن هذه الامة، فلم تنزل في أحد قبلي ولا تنزل في أحد بعدي) (1). وروى السندي، عن ابن عباس قال: كان الناس يناجون رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الخلاء إذا كانت لاحدهم حاجة، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه واله وسلم ففرض الله على من ناجاه سراأن يتصدق بصدقة، فكفوا عنه وشق ذلك عليهم (2). ومنها: أن حبه إيمان وبغضه نفاق.. فقد اشتهر عنه عليه السلام أنه قال: (لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجملتها على المنافق أن يحبني ما أحبني، وذلك أنه قضي فانقضى على لسان النبي الامي صلى الله عليه وآله وسلم: أ نه الا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق) (3). ومنها: ما قاله، فيه يوم الحديبية لما كتب عليه السلام كتاب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل مكة فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم). فقال سهيل بن عمرو: هذا كتاب بيننا وبينك يا محمد، فافتتحه بما


(1) العمدة لابن بطريق: 185 / 283، صحيح الترمذي 5: 406 / ذيل - حديث 3300، خصائص النسائي: 161 / ذيل حديث 152، مسند أبي يعلى الموصلي 1: 322 / ذيل حديث 400 تنفسير الطبري 28: 15، مناقب ابن المغازلي: 325 / ذيل حديث 372، شواهد التنزيل للحسكاني 2: 232 / ذيل حديث 953 و 234 / ذيل حديث 954 و 955، كفاية الطالب: 136، ميزان الاعتدال 3: 146. (2) أحكام القرآن للجصاص 3: 428، تفسير ابن كثير 4: 350، وفيهما عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (3) نهج البلاغة 3: 163 / 45، أمالي الطوسي 1: 209، ربيع الأبرار للزمخشري 1: 488. (*)

[ 372 ]

نعرفه واكتب باسمك اللهم. فقال: (اكتب باسمك اللهم وامح ما كتبت). فقال عليه السلام: (لولا طاعتك يا رسول الله لما محوت). فقال النبي عليه وآله السلام: (اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو). فقال سهيل: لو أجبتك في الكتاب إلى هذا لأقررت لك بالنبوة، فامح هذا الاسم واكتب محمد بن عبد الله. فقال له علي عليه السلام: (إنه والله لرسول الله على رغم أنفك). فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (امحها يا علي). فقال له: (يا رسول الله، إن يدي لا تنطلق تمحو اسمك من النبوة). قال: فضع يدي عليها. فمحاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده وقال لعلف: (ستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض (1) (2). ومنها: ما رواه ربعي بن خراش عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (أقبل سهيل بن عمرو ورجلان - أو ثلاثة - معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية فقالوا له: إنه يأتيك قوم من سفلنا وعبداننا فارددهم علينا، فغضب حتى احمار وجهه، وكان إذا غضب عليه السلام يحمار وجهه ثم قال: لتنتهن يا معشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا امتحن الله قلبه للايمان، يضرب رقابكم وأنتم مجفلون عن الدين. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: (لا). قال عمر: أنا هويا رسول الله ؟ قال: لا، ولكنه ذلكم خاصف النعل في الحجرة. وأنا أخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) المضض: وجع المصيبة. (لسان العرب 7: 233). (2) تفسير القمي 2: 312، ارشاد المفيد 1: 119، ونحوه في: صحيح مسلم 3: 1409 / 90، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 362 / 10. (*)

[ 373 ]

وسلم في الحجرة). ثم قام وقال علي عليه السلام: (اما انه قد قال صلى الله عليه وآله وسلم: من كذب علف متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (1).


(1) ارشاد المفيد 1: 122 مناقب ابن شهرآشرب 3: 44، العمدة: 224 / 353 صحيح الترمذي 5: 634 / 3715، مناقب ابن المغازلي: 439 / 24، كفاية الطالب:: 97، ذخائر العقبي: 76، وفيها باختلاف يسير، ونحوه في: مستدرك الحاكم 4: 298، ودون ذيله في: تاريخ بغداد 1: 133، وقله المجلسي في بحار الأنوار 20: 364 / 11. (*)

[ 374 ]

(الفصل الثاني) في ذكر مقاماته في الجهاد مع النبي صلى الله عليه واله وسلم ومواقفه ومشاهده على سبيل الجملة والاختصار الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع علي عليه السلام في المواقف كلها: يوم بدر، ويوم احد، ويوم حنين، ويوم الأحزاب، ويوم فتح مكة وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة في المواطن كلها ويوم فتح مكة، وراية المهاجرين مع علي عليه السلام (1). ومن مقاماته الجليلة: مواساته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الفراش وبذله مهجته دونه، قال ابن عباس: لما انطلق النبي إلى الغار أنام عليا عليه السلام في مكانه وألبسه برده، فجاءت قريش تريد أن تقتل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فجعلوا يرمون عليا وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل يتضور (2) فلما نظروا إذا هو علي عليه السلام (3). وروى علي بن هاشم، عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع قال: كان علي يجهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين كان في الغار يأتيه بالطعام والشراب، واستاجر له ثلاث رواحل، للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأبي بكر ولدليلهم، وقيل: وخلفه النبي صلى الله عليه


(1) انظر: كفاية الطالب: 335، وذخائر العقبى: 75. (2) التضور: التلوي من وجع الضرب. (القاموس المحيط 2: 177). (3) تفسير فرات الكوفي: 10، مستدرك الحاكم 3: 4، وفيهما نحوه، ونقله المجلسي في (*) =

[ 375 ]

وآله وسلم يخرج إليه أهله فأخرجهم، وأمره أن يؤدي عنه أمانته ووصاياه وما كان يؤتمن عليه من مال، فأدى علي عليه السلام أماناته كلها. وقال له النبي عليه وآله السلام: (إن قريشا لن يفتقدوني ما رأوك) فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت قريش ترى رجلا على فراش النبي فيقولون: هو محمد، فحبسهم الله عن طلبه، وخرج علي إلى المدينة ماشيا على رجليه فتورمت قدماه، فلما قدم المدينة رآه النبي فاعتنقه وبكى رحمة له مما رأى بقدميه من الورم، وأنهما يقطران دما، فدعا له بالعافية ومسح رجليه، فلم يشكهما بعد ذلك (1). ومن مقاماته في غزوة بدر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه ليلة بدر أن ياتيه بالماء حين قال لأصحابه: (من يلتمس لنا الماء) فسكتوا عنه فقال علي عليه السلام: (أنا يا رسول الله). فأخذ القربة وأتى القليب فملأها، فلما أخرجها جاءت ريح فاهرقته ثم عاد إلى القليب فملأها فجاءت ريح فاهرقته، فلما كانت الرابعة ملأها فأتى بها إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم فأخبره بخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما الريح الأولى فجبرئيل في ألف من الملائكة سلموا عليك، وأما الريح الثانية فميكائيل في ألف من الملائكة سلموا عليك، وأما الريح الثالثة فإسرافيل في ألف من الملائكة سلموا عليك). رواه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع (2). ومنها: أنه عليه السلام بارز الوليد بن عتبة فقتله، وبارز عتبة حمزة بن =


بحار الأنوار 19: 84 / 35. (1) تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي (ع) - 1: 154، ودون صدره في: أسد الغابة 4: 19، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 19: 35 / 84. (2) نحوه في: قرب الاسناد: 111 / 387 / 1، تفسير العياشي 2: 65 / 70، ونقله المجلسي في (*) =

[ 376 ]

عبد المطلب فقتله حمزة، وبارز شيبة عبيدة بن الحارث فاختلفت بينهما ضربتان قطعت إحداهما فخذ عبيدة فاستنقذه علي عليه السلام بضربة بدر بها شيبة فقتله، وشركه في ذلك حمزة، وكان قتل هؤلاء أول وهن لحق المشركين وذل دخل عليهم، ونصرة وعز للمؤمنين. وقتل أيضا بعده العاص بن سعيد بن العاص. وقتل حنظلة بن أبي سفيان، وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، ولما عرف النبي عليه السلام حضوره يوم بدر قال: (اللهم اكفني نوفل بن خويلد). ولم يزل عليه السلام يقتل منهم واحدا بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم، وكانوا سبعين قتيلا، وختم الأمر بمناولته النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفا من الحصى، فرمى بها في وجوههم وقال لهم: (شاهت الوجوه) فولوا على أدبارهم منهزمين وكفى الله المؤمنين شرهم (1). ومن مقاماته عليه السلام في غزوة احد: أن الفتح كان له في هذه الغزاة كما كان بيده يوم بدر، واختص بحسن البلاء فيها والصبر. قال أبو البختري القرشي: كانت راية قريش ولواؤها جميعا بيد قصي ابن كلاب، ثم لم تزل الراية في يد ولد عبد المطلب يحملها منهم من حضر الحرب حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه واله وسلم فصارت راية قريش وغير ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأقرها في بني هاشم، وأعطاها علي بن أبي طالب في غزوة ودان، وهي أول غزوة حمل فيها راية في الإسلام مع النبي، ثم لم تزل معه في المشاهد: ببدر وهي البطشة الكبرى، وفي يوم احد وكان اللواء يومئذ في بني عبد الدار فأعطاها رسول الله صلى الله عليه =


بحار الأنوار 19: 293 / 36. (1) انظر: ارشاد المفيد 1: 70. (*)

[ 377 ]

وآله وسلم مصعب بن عمير فاستشهد ووقع اللوإء من يده، فتشوفته القبائل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فجمع له الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم. وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة - وكان يدعى كبش الكتيبة - فتقدم وتقدم علي عليه السلام، وتقاربا فضربه علي ضربة على مقدم رأسه فبدرت عيناه وصاح صيحة لم يسمع مثلها وسقط اللواء من يده، فأخذه أخ له يقال له: مصعب، فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثم أخذ اللواء أخ له يقال له: عثمان، فرماه عاصم أيضا بسهم فقتله، فأخذه عبد لهم يقال له: صواب، وكان من أشد الناس فضربه علي عليه السلام فقطع يمينه، فأخذ اللواء بيده اليسرى فضرب علي يده فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع يديه المقطوعتين عليه فضربه علي عليه السلام على ام رأسه فسقط صريعا وانهزم القوم. وأكب المسلمون على الغنائم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أقام على الشعب خمسين رجلا من الأنصار وأمر عليهم رجلا منهم، وقال لهم: (لا تبرحوا مكانكم وإن قتلنا عن آخرنا) فلما رأى أصحاب الشعب الناس يغتنمون قالوا لأميرهم: نريد أن نغتنم كما غنم الناس، فقال: إن رسول الله قد أمرني أن لا أبرح من موضعي هذا، فقالوا له: إنه أمرك بهذا وهو لا يدري أن الأمر. يبلغ إلى ما نرى، ومالوا إلى الغنائم وتركوه.، فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، وجاء من ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريده، وقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعون رجلا وانهزموا هزيمة عظيمة، وأقبلوا يصعدون الجبال وفي كل وجه، ولم يبق معه إلا أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، وأمير المؤمنين عليه السلام، فكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

[ 378 ]

استقبلهم أمير المؤمنين عليه السلام فدفعهم عنه حتى انقطع سيفه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال: (إلي أنا رسول الله، إلى أين تفرون عن الله وعن رسوله) ؟ ! ! وثاب إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر رجلا، منهم: طلحة بن عبيد الله وعاصم بن ثابت، وصعد الباقون الجبل، وصاح صائح بالمدينة: قتل رسول الله، فانخلعت القلوب لذلك، وتحير المنهزمون فأخذوا يمينا وشمالا. وروى عكرمة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (لما انهزم الناس يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت: ما كان رسول الله ليفر وما رأيته في القتلى فأظنه رفع من بيننا، فكسرت جفن سيفي وقلت في نفسي: لاقتلن به عنه حتى اقتل، وحملت على القوم فأفرجوا فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وقع على الأرض مغشيا عليه، فقمت على رأسه فنظر إلي فقال: ما صنع الناس يا علي ؟ فقلت: كفروا يا رسول الله وولوا الدبر واسلموك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال صلى الله عليه وآله وسلم: رد عني يا علي هذه الكتيبة، فحملت عليها بسيفي أضربها يمينا وشمالا حتى ولوا الأدبار فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أما تسمع مديحك في السماء، أن ملكا يقال له: رضوان ينادي: (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي) فبكيت سرورا وحمدت الله على نعمه). وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانصرف المشركون إلى مكة، وانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فاستقبلته فاطمة عليها السلام ومعها إناء فيه ماء فغسلت به وجهه

[ 379 ]

ولحقه أمير المؤمنين عليه السلام ومعه ذو الفقار وقد خضب الدم يده إلى كتفه فقال لفاطمة عليها السلام: (خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم، وقال: أفاطم هاك السيف غير ذميم فلست برعديد ولا بمليم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد وطاعة رب بالعباد عليم) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خذيه يا فاطمة، فقد أدى بعلك ما عليه، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش) (1). ومن مقاماته المشهورة في غزوة الأحزاب: قتله عمرو بن عبدود، فروى ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله، إنا لنتحدث عن علي عليه السلام ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تفرطون في علي عليه السلام، فهل أنت محدثي بحديث فيه ؟ فقال حذيفة: يا ربيعة، والذي نفسي بيده، لو وضع جميع أعمال أصحاب محمد في كفة الميزان منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل علي في الكفة الاخرى لرجح عمل علي عليه السلام على جميع أعمالهم. فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له ولا يقعد ! فقال حذيفة: يا لكع (2) وكيف لا يحمل، وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلى الله عليه واله وسلم يوم عمرو بن عبد ود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا عليا فإنه برز إليه فقتله الله على يده، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل


(1) ارشاد المفيد 1: 79، وأور دمنه القمي في تفسيره 1: 112 قطعا متفرتة، وكذا في: مناقب ابن شهر آشوب 3: 123 و 125 و 299. (2) اللكع: اللئيم والعبد الذليل النفس: (الصحاح - لكع - 3: 1280). (*)

[ 380 ]

جميع أصحاب محمد إلى يوم القيامة (1). وروى الواقدي قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن (ابن أبي عون) (2) عن الزهري قال: جاء عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله بن المغيرة وضرار بن الخطاب الفهري في يوم الأحزاب إلى الخندق فجعلوا يطيفون به يطلبون مضيقا منه ليعبروا، فانتهوا إلى مكان أكرهوا خيولهم فيه فعبرت، وجعلوا يجولون بخيلهم فيما ببن الخندق وسلع، والمسلمون وقوف لا يقدم أحد منهم عليهم، وجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويقول: ولقد بححت من النداء بجمعهم: هل من مبارز ؟ - الأبيات -. في كل ذلك يقوم علي بن أبي طالب عليه السلام من بينهم ليبارزه فيأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجلوس انتظارا منه ليتحرك غيره والمسلمون كأن على رؤرسهم الطير لمكان عمرو بن عبدود وممن معه ووراءه، وكان عمرو فارس قريش وكان يعد بألف فارس، فلما طال نداء عمرو بالبراز وتتابع قيام علي عليه السلام قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ادن مني) فدنا منه، فنزع عمامته عن رأسه وعممه بها وأعطاه


(1) ارشاد المفيد 1: 103، ارشاد القلوب: 245، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 19: 60 (2) في نسختي (ط) و (ق): ابن عون، وفي نسخة (م): ابي، واثبتنا الصواب، وهو عبد الرحمن ابن ابي عون، ويعرف بابن ابي عون، وهو موافق لما في مغازي الواقدي وارشاد المفيد. ذكره ابن حجر في تهذيبه (6: 388 / 820) وقال: عبد الواحد بن ابي عون الدوسي، ويقال الأوسي المدني، روى عن سعد بن إبراهيم، والقاسم بن محمد، وسعيد المقبري وابن المنكدر، والزهري... توفي سنة (144 ه‍). (*)

[ 381 ]

سيفه ذا الفقار وقال له: (امض لشأنك) ثم قال: (اللهم أعنه). فسعى نحو عمرو ومعه جابر بن عبد الله لينظر ما يكون منه ومن عمرو، ولقا توجه إليه قال النبي: (خرج الإيمان سائره إلى الكفر سائره) فلما انتهى إليه قال: (يا عمرو، إنك كنت في الجاهلية تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا قبلتها أو واحدة منها) قال: أجل. قال: (فإني أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن تسلم لرب العالمين). قال: يا ابن أخ أخر هذه عني. فقال له علي: (أما إنها خير لك لو أخذتها) ثم قال: (فها هنا اخرى). قال: ما هي ؟ قال: (ترجع من حيث جئت). قال: لا تحدث نساء قريش بهذا أبدا. قال: (فها هنا اخرى). قال: ما هي ؟ قال: (تنزل فتقاتلني). قال: فضحك عمرو وقال: إن هذه الخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني مثلها، إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك وقد كان أبوك لي نديما. قال علي عليه السلام: (لكني احعب أن أقتلك، فانزل إن شئت). فأسف (1) عمرو ونزل فضرب وجه فرسه حتى رجع.


(1) اسف: غضب. (الصحاح - اسف - 4: 1331). (*)

[ 382 ]

قال جابر بن عبد الله: وثارت بينهما قترة (1) فما رأيتهما، وسمعت التكبير تحتها، فعلمت أن عليا قد قتله، وانكشف أصحابه حتى طفرت خيولهم الخندق. وتبادر المسلمون حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد العزى في جوف الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم: قتلة أجمل من هذه، ينزل إلي بعضكم اقاتله، فنزل إليه علي عليه السلام فضربه حتى قتله. قال جابر: فما شبهت قتل علي عمرا إلا بما قص الله تعالى من قصة داود وجالوت حيث قال: (فهزموهم باذن الله وقتل داود نجالوت) (2). وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد قتله: (الان نغزوهم ولا يغزوننا) (3). ومن مواقفه في بني قريظة: أنه ضرب أعناق رؤساء اليهود أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخندق، منهم: حيي بن أخطب وكعب بن أسد بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4). ومن مقاماته المشهورة في غزوة وادي الرمل - ويقال: إنها تسمى غزوة السلسلة -: انه خرج ومعه لواء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدأن خرج غيره إليهم ورجع عنهم خائبا، ثم خرج صاحبه وعاد بما عاد به الأول، فمضى علي عليه السلام حتى وافى القوم بسحر، وصلى بأصحابه صلاة الغداة وصفهم صفوفا واتكأ على سيفه مقبلا على العدو وقال: (يا هؤلاء، أنا رسول


(1) القترة: الغبار. (الصحاح - قتر - 2: 1885). (2) البقرة 2: 251. (3) مغازي الواقدي 2: 475 بتصرف، وكذا رواه المفيد عنه في الارشاد 1: 100. (4) انظر: ارشاد المفيد 1: 111، ومناقب ابن شهر آشوب 2: 83. (*)

[ 383 ]

رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن تقولوا: لاإله إلا الله محمد رسول الله وإلا ضربتكم بالسيف). فقالوا له: إرجع كما رجع صاحباك. قال: (أنا أرجع ! لا والله حتى تسلموا أو لأضربنكم بسيفي هذا، أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب). فاضطرب القوم وواقعهم فانهزموا وظفر المسلمون وحازوا الغنائم (1). فروت ام سلمة قالت: كان نبي الله صلى الله عليه واله وسلم قائلا في بيتي إذ انتبه فزعا من منامه فقلت: المله جارك. قال: (صدقت، الله جاري، ولكن هذا جبرئيل يخبرني أن عليا قادم). ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليا، وقام المسلمون صفين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بصر به علي ترجل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبلهما. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اركب، فإن الله ورسوله عنك راضيان). فبكى علي عليه السلام فرحا وانصرف إلى منزله (2). وقد ذكر بعض أصحاب السير إن في هذه الغزاة نزل على النبي (والعاديات ضبحا) (3) (4) إلى آخرها.


(1) ارشاد المفيد 1: 113 مفصلا. (2) ارشاد المفيد 1: 116. (3) العاديات 100: 1. (4) انظر: تفسير القمي 2: 434، ارشاد المفيد 1: 117، وأمالي إلطوسي 2: 21، ومجمع البيان 5: 528، ومناقب ابن شهرآشوب 3: 141. (*)

[ 384 ]

وأما مقامه بخيبر وبلاؤه يوم الحديبية فمما مر ذكره فيما قبل (1). ومن مقاماته قبل الفتح: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دبر الأمر في ذلك بالكتمان وسأل الله عز جل أن يطوي خبره عن أهل متهة حتى يفجأهم بدخولها، فكان المؤتمن على هذا السر أمير المؤمنين عليه السلام، ثم أنماه إلى جماعة من بعد، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى أهل مكة يطلعهم فيه على سر رسول الله في المسير إليهم، وأعطى الكتاب امرأة سوداء وأمرها أن تأخذ على غير الطريق. فنزل بذلك الوحي، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (إن بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك والحقها وانتزع الكتاب منها) وبعث معه الزبير بن العوام. فمضيا على غير الطريق، فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير وسألها عن الكتاب فأنكرته وحلفت أنه لا شئ معها وبكت، فقال الزبير: يا أبا الحسن ما أرى معها كتابا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (يخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن معها كتابا ويأمرني بأخذه منها وتقول أنه لا كتاب معها) ! ثم اخترط السيف وقال: أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك ثم لأضربن عنقك). فقالت له: إذا كان لا بد من ذلك فأعرض يا ابن أبي طالب عني بوجهك. فأعرض عنها، فكشفت قناعها فأخرجت الكتاب من عقيصتها، فأخذه


(1) مر في صفحة: 366 و 371. (*)

[ 385 ]

أمير المؤمنين عليه السلام وصار به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1). ومن مقاماته: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى إلراية سعد ابن عبادة يوم الفتح وأمره أن يدخل بها مكة، فأخذها سعد وجعل يقول: اليوم يوم الملحمه اليوم تسبى (2) الحرمه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أدرك يا علي سعدا وخذ الراية وكن أنت الذي تدخل بها) (3). فاستدرك النبي صلى الله عليه واله وسلم به ما كاد يفوت من صواب التدبير بإقدام سعد على أهل مكة، وعلم أن الأنصار لا ترضى أن يأخذ أحد من الناس الراية من سيدها سعد ويعزله عن ذلك المقام إلا من كان في مثل حال النبي من رفعة الشأن وجلالة المكان. ومن مواقفه: أنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد الحرام وجد فيه ثلاثمائة وستين صنما بعضها مشدود ببعض، فقال لأمير المؤمنين عليه السلام: (أعطني يا علي كفا من الحصى) فقبض له أمير المؤمنين عليه السلام كفا من الحصى، فرماها بها وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) (4). فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه، ثم


(1) ارشاد المفيد 1: 56، ونحوه في: سيرة إبن هشام 4: 40، وصحيح البخاري 5: 1 84، وصحيح مسلم 4: 1941 / 2494، وتاريخ اليعقوبي 2: 58، ومسند أحمد 1: 79، وتاريخ الطبري 3: 48، ومستدرك الحاكم 3: 301، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 14. (2) في نسختي (ط) و (ق): تستحل، وما أثبتناه من نسخة (م). (3) ارشاد المفيد 1: 60 و 134، مغازي الواقدي 2: 822، سيرة ابن هشام 4: 49، تاريخ الطبري 3: 56، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 272. (4) الاسراء 17: 81. (*)

[ 386 ]

أمر بها فاخرجت من المسجد وكسرت (1). ومن حسن بلائه في الإسلام فيما اتصل بفتح مكة: أن الله خصه بتلافي فارط من خالف نبيه في أوامره، وذلك أنه أنفذ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا لهم إلى الإسلام، فخالف أمره وقتل القوم وهم على الإسلام لترة (2) كانت بينه وبينهم، فأصلح النبي صلى الله عليه واله وسلم ما أفسده خالد بأمير المؤمنين عليه السلام، فأنفذه ليعطف القوم ولمجمل سخائمهم (3)، وأمره أن يدي القتلى، ويرضي بذلك الأولياء، فبلغ أمير المؤمنين علبيه السلام في ذلك مبلغ الرضا، وأدى ديات القتلى وأرضاهم عن الله وعن رسوله، فتم بذلك مواد الصلاح، وانقطعت أسباب الفساد (4). ومن مقاماته في غزوة حنين: أن المسلمين انهزموا بأجمعهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا عشرة أنفس: تسعة من بني هاشم خاصة وعاشرهم أيمن ابن ام أيمن، فقتل أيمن وثبتت التسعة الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله من كان انهزم وكانت الكرة لهم على المشركين، وذلك قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) (5) يعني عليا عليه السلام ومن ثبت معه من بني هاشم، وهم ثمانية: العباس ابن عبد المطلب عن يمين رسول الله، والفضل بن العباس عن يساره، وأبو


(1) ارشاد المفيد 1: 138. (2) الترة: التبعة. النهاية 1: 189،. (3) السخيمة: الموجدة في النفس. (العين 4: 205). (4) انظر: ارشاد المفيد 1: 5 5، وسيرة أبن هشام 4: 70، طبقات ابن سعد 2: 1 47، تاريخ الطبري 5: 66، ودلائل النبوة للبيهقي 5: 113، الكامل في التاريخ 255 2. (5) التوبة 9: 26. (*)

[ 387 ]

سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر (1) بغلته، وأمير المؤمنين عليه السلام بين يديه بالسيف، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد الله ابن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب حوله. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هزيمة القوم عنه قال للعباس وكان جهوريا صيتا: (ناد في القوم وذكرهم العهد) فنادى العباس بأعلى صوته: يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة إلى أين تفرون ؟ ! اذكروا العهد الذي عاهدكم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلم يسمعها أحد إلا رمى بنفسه الأرض، وانحدروا حتى لحقوا بالعدو، وأقبل رجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء وهو يرتجز: أنا أبو جرول لابراح حتى نبيح القوم أو نباح فصمد له أمير المؤمنين فضرب عجز بعيره فصرعه، ثم ضربه فقطره (2) وكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول ولما قتله وضع المسلمون سيوفهم فيهم وأمير المؤمنين عليه السلام يقدمهم حتى قتل أربعين رجلا من القوم، ثم كانت الهزيمة والأسر حينئذ (3). ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غنائم حنين أقبل رجل طوال أدم، بين عينيه أثر السجود فسلم ولم يخص النبي صلى الله عليه واله وسلم ثم قال: قد رأتيك وما صنعت في هذه الغنائم. فقال: (وكيف رأيت ؟) قال: لم أرك عدلت ! !


(1) الثفر: السير في مؤخرة السرج. (القاموس المحيط 1: 383). (2) قطره: القاه على أحد جانبيه. (الصحاح - قطر - 2: 796). (3) انظر: ارشاد المفيد 1: 140، المناقب لابن شهرآشوب 3: 143. (*)

[ 388 ]

فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟) فقال المسلمون: ألا نقتله ؟ قال: (دعوه، فإنه سيكون له أتباع يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلهم الله على يد أحب الخلق إليه من بعدي) فقتلهم أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في من قتل من الخوارج (1). ومن مقاماته يوم الطائف: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنفذه وأمره أن يطأ ما وجد، ويكسركل صنم وجده، فخرج فلقيه خيل من خثعم في جمع كثير، فبرز له رجل من القوم يقال له: شهاب في غبش الصبح فقال: هل من مبارز، فقتله أمير المؤمنين عليه السلام ومض في تلك الخيل حتى كسر الأصنام وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محاصر أهل الطائف، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر للفتح وأخذ بيده فخلا به وناجاه طويلا. ثم خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان في خيل من ثقيف فقتله أمير المؤمنين عليه السلام وانهزم المشركون ولحق القوم الرعب، فنزل منهم جماعة إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم فأسلموا (2).


(1) ارشاد المفيد 1: 148، وانظر: مسند أحمد 2: 219، وتاريخ الطبري 3: 92، واسد الغابة 2: 139. (2) انظر: ارشاد الففيد 1: 152، ومناقب ابن شهر آشوب 3: 1 44. (*)

[ 389 ]

(الفصل الثالث) في ذكر سبب قتل أمير المؤمنين عليه السلام روى جماعة (من) أهل السير: أن نفرا من الخوارج اجتمعوا بمكة فتذاكروا الامراء وعابوهم وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم فقال بعضهم لبعض: لو شرينا أنفسنا لله وثأرنا لإخواننا الشهداء، وأرحنا من أئمة الضلالة البلاد والعباد. فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله: أنا أكفيكم عليا. وقال البرك بن عبد الله التميمي: أنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن بكر التميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. وتعاهدوا على ذلك وتواعدوا ليلة تسع عشر من شهر رمضان. فأقبل ابن ملجم - عدو الله - حتى قدم الكوفة كاتما أمره، فبينا هو هناك إذ زار أحدا من أصحابه من تيم الرباب، فصادف عنده قطام بنت الأخضر التيمية - وكان أمير المؤمنين عليه السلام قتل أباها وأخاها بالنهروان وكانت من أجمل نساء زمانها - قال: فلما رآها ابن ملجم شغف بها، فخطبها فأجابته إلى ذلك على أن يصدقها ثلاثة آلاف درهم ووصيفا وخادما وقتل علي بن أبي طالب ! ! فقال لها: لك جميع ما سألت، فأما قتل علي فأنى لي ذلك ؟ قالت: نلتمس غرته، فإن قتلته شفيت نفسي وهناك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا ! ! فقال: ما أقدمني هذا المصر إلا ما سألتني من قتل علي، فلك ما سألت.

[ 390 ]

قالت: فأنا طالبة لك من يساعدك على ذلك، وبعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فخبرته الخبر وسألته معاونة ابن ملجم فأجابها إلى ذلك. ولقي ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب بن بجرة فقال: يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والاخرة ! ! قال: وما ذاك ؟ قال: تساعدني في قتل علي - وكان يرى رأي الخوارج - فأجابه. ثم اجتمعوا عند قطام - وير معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبة - فقالوا: قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل. ثم حضروا ليلة الأربعاء لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وجلسوا مقابل السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين إلى الصلاة، وقد كانوا قبل ذلك ألقوا ما في نفوسهم إلى الأشعث وواطأهم عليه، وحضر هو في تلك الليلة لمعونتهم. وكان حجربن عدي رحمه الله في تلك الليلة بائتا في المسجد فسمع الأشعث يقول لابن ملجم: النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح، فأحس حجر بما أراد الأشعث فقال له: قتلته يا أعور، وخرج مبادرا ليمضي إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليخبره الخبر، فدخل عليه السلام المسجد فسبقه ابن ملجم لعنه الله فضربه بالسيف، وأقبل حجر والناس يقولون: قتل أميرا لمؤمنين. وقد ضربه شبيب بن بجرة فأخطأه ووقعت ضربته في الطاق ومضى هاربا حتى دخل منزله ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير من صدره، فقال: ما هذا لعلك قتلت أمير المؤمنين ؟ فأراد أن يقول: لا، فقال: نعم، فضربه ابن عمه بالسيف وقتله. وأما ابن ملجم فإن رجلا من همدان يقال له: أبو ذر لحقه وطرح عليه

[ 391 ]

قطيفة كانت في يده ثم صرعه وأخذ السيف من يده وجاء به إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وأفلت الثالث فانسل بين الناس. فلما أدخل ابن ملجم لعنه الله على أمير المؤمنين عليه السلام نظر إليه ثم قال: (النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت فيه رأيي). فقال ابن ملجم: والله لقد ابتعته بألف، وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله. فاخرج من بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام والناس ينهشون لحمه باسنانهم وهم يقولون: يا عدو الله ماذا فعلت، أهلكت امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قتلت خير الناس، وهو صامت لا ينطق، فذهب به إلى الحبس. وجاء الناس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له: مرنا بأمرك في عدو الله فقد أهلك الامة وأفسد الملة. فقال: (إن عشت رأيت فيه رأيي، وإن هلكت فاصنعوا به ما يصنع بقاتل النبي، اقتلوه ثم حرقوه بالنار). فلما قضى أمير المؤمنين عليه السلام، وفرغ من دفنه اتي بابن ملجم لعنه الله فأمر به الحسن عليه السلام فضرب عنقه، واستوهبت ام الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منه فأحرقتها بالنار. وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العهد على قتل معاوية وعمرو بن العاص فإن أحدهما ضرب معاوية وهو راكع فوقعت ضربته في أليته فنجا منها، (فاخذ) وقتل من وقته. وأما الاخر فإن عمرا وجد في تلك الليلة علة فاستخلف رجلا يصلي

[ 392 ]

بالناس يقال له: خارجة العامري، فضربه بالسيف وهو يظن أنه عمرو فاخذ واتي به عمرو فقتله، ومات خارجة (1).


(1) ارشاد المفيد 1: 17، كشف الغمة 1: 428، وقطعة منه في: الطبقات الكبرى 3: 35، الإمامة والسياسة 1: 159، أنساب الأشراف 2: 489 / 524، تاريخ الطبري 5: 143، مروج الذهب 2: 411، مقاتل الطالبيين: 29، مناقب الخوارزمي: 275، الكامل في التاريخ 3: 389، كفاية الطالب: 460. (*)

[ 393 ]

(الفصل الرابع) في موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام وكيفية دفنه جابر بن يزيد الجعفي قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام أين دفن أمير المؤمنن صلوات الله وسلامه عليه ؟ قال: (دفن بناحية الغريين قبل طلوع الفجر، ودخل قبره الحسن والحسين عليهما السلام ومحمد بنوه، وعبد الله بن جعفر رضي الله عنه) (1) قال حبان (2) بن علي العنزي قال: حدثنا مولى لعلي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما حضرت أمير المؤمنين الوفاة قال للحسن والحسين عليهما السلام: (إذا أنا مت فاحملاني على سرير ثم اخرجاني، واحملا مؤخر السرير فانكما تكفيان مقدمه، ثم ائتيابى الغريين، فإنكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نورا فاحتفرا فيها فإنكما ستجدان فيها ساجة، فادفناني فيها). قال: فلما مات عليه السلام أخرجناه وجعلنا نحمل مؤخر السرير


(1) ارشاد المفيد 1: 24، فرحة الغري: 51. (2) في نسختي (ق) و (م): حيان (بالياء) وهو مختلف في ضبط اسمه، إذ ضبطه العلامة الحلي وابن داود بالياء (انظر: خلاصة الرجال: 64 و 260، ايضاح الاشتباه: 97، رجال ابن داود: 136 و 352). إلا أن الأقرى كونه حبان (بالباء الموحدة) كما ضبط في غير واحد من كتب رجال العامة. انظر: تهذيب التهذيب 2: 73، تقريب التهذبب 1: 147، الجرح والتعديل 3: 270، تبصير المنتبه: 278، الضعفاء للنسائي: 89، الضعفاء للعقيلي 1: 193، (*) = -

[ 394 ]

ونكفى مقدمه وجعلنا نسمع دويا وحفيفا حتى أتينا الغريين فإذا صخرة بيضاء تلمع نورا فاحتفرنا فإذ ساحة مكتوب عليها: هذا ما ادخره نوح عليه السلام لعلي بن أبي طالب عليه السلام. فدفناه فيها وانصرفنا ونحن مسرورون بإكرام الله لأمير المؤمنين عليه السلام. فلحقنا قوم من الشيعة لم يشهدوا الصلاة عليه، فأخبرناهم بما جرى وبإكرام الله أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: نحب أن نعاين من أمره ما عاينتم، فقلنا لهم: إن الموضع قد عفي أثره بوصية منه عليه السلام، فمضوا وعادوا إلينا فقالوا: إنهم احتفروا فلم يجدوا شيئا (1). =


الضعفاء للدار قطني: 301، الضعفاء الصغير للبخاري: 426، المجروحين لابن حبان 1: 261. (1) ارشاد المفيد 1: 23، فرحة الغري: 36، وصدره في: الخرائج والجرائح 1: 233 / ذيل حديث 78.

[ 395 ]

(الباب الخامس) في ذكر أولاد أمير المؤمنين عليه السلام وعددهم وأسمائهم وهم سبعة وعشرون ولدا ذكرا وانثى: الحسن، والحسين عليهما السلام، وزينب الكبرى، وزينب الصغرى المكناة بام كلثوم امهم فاطمة البتولى عليها السلام سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهما. ومحمد الأكبر المكنى بأبي القاسم، امه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية. والعباس، وجعفر، وعثمان، وعبد الله الشهداء مع أخيهم الحسين عليه السلام بكربلاء - رضي الله عنهم - امهم ام البنين بنت حزام بن خالد بن دارم، وكان العباس يكنى أبا قربة لحمله الماء لأخيه الحسين عليه السلام ويقال له: السقاء، وقتل وله أربع وثلاثون سنة، وله فضائل، وقتل عبد الله وله خمس وعشرون سنة، وقتل جعفر بن علي وله تسع عشرة سنة. وعمر، ورقية امهما ام حبيب بنت ربيعة وكانا توأمين.

[ 396 ]

ومحمد الأصغر المكنى بأبي بكر، وعبيد الله الشهيدان مع أخيهما الحسين عليه السلام بطف كربلاء وامهما ليلى بنت مسعود الدارمية. ويحمص، امه أسماء بنت عميس الخثعمية وتوفي صغيرا قبل أبيه. وام الحسن ورملة افهما ام سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي. ونفيسة وهي ام كلثوم الصغرى، وزينب الصغرى، ورقية الصغرى، وأم هاني، وام الكرام، وجمانة المكناة بام جعفر، وامامة، وام سلمة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة لامهات أولاد شتى. وأعقب عليه السلام من خمسة بنين: الحسن والحسين عليهما السلام، ومحمد والعباس وعمر رضي الله عنهم (1). وفي الشيعة من يذكر أن فاطمة عليها السلام أسقطت بعد الني صلى الله عليه وآله وسلم ذكرا كان سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وهو حمل - محسنا، فعلى هذا يكون أولاده ثمانية وعشرون ولدا، والله أعلم (2). اما زينب الكبرى بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وولد له منها: علي، وجعفر، وعون الأكبر، وام كلثوم أولاد عبد الله بن جعفر، وقد روت زينب عن امها فاطمة


(1) ارشاد المفيد 1: 354، كشف الغمة 1: 440، العدد القوية: 242 / 22. (2) عين هذه العبارة وردت في ارشاد الشيخ المفيد رحمه لله تعالى (1: 355) وقد اشرنا في هامش الكتاب المنشور محققا من قبل مؤسستنا إلى أن العديد من المصادر تؤكد بوضوح وجود المحسن ضمن أولاد علي من فاطمة عليهما السلام، ولم بقتصر هذا الأمر في حدود كتب الشيعة، بل ان الكثير من كتب العامة ذكرت ذلك الأمر وسلمت بوجوه من دون تعليق أو تزيد. انظر: (الكافي 6: 18 / 2، الخصال: 634، تاريخ اليعقوبي 2: 213، المناقب لابن شهرآشوب 3: 358، تاريخ الطبري 5: 153، أنساب الأشراف 2: 189، الكامل في (*) =

[ 397 ]

عليها السلام أخبارا. وأما ام كلثوم فهي التي تزوجها عمر بن الخطاب. وقال أصحابنا: إنه عليه السلام إنما زوجها منه بعد مدافعة كثيرة وامتناع شديد واعتلال عليه بشئ بعد شئ حتى ألجأته الضرورة إلى أن رد أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها إياه (1). وأما رقية بنت علي عليه السلام فكانت عند مسلم بن عقيل فولدت له عبد الله قتل بالطف، وعليا ومحمدا ابني مسلم. وأما زينب الصغرى فكانت عند محمد بن عقيل فولدت له عبد الله وفيه العتب من ولد عقيل. وأما ام هانئ فكانت عند عبد الله الأكبر بن عقيل بن أبي طالب فولدت له محمدا قتل بالطف، وعبد الرحمن. وأما ميمونة بنت علي عليه السلام فكانت عند (عبد الله) الأكبر بن عقيل فولدت له عقيل. وأما نفيسة فكانت عند عبد الله الأكبر بن عقيل فولدت له أم عقيل. وأما زينب الصغرى فكانت عند عبد الرحمن بن عقيل فولدت له سعدا وعقيلا. وأما فاطمة بنت علي عليه السلام فكانت عند (محمد بن) أبي سعيد ؟ ! أبن عقيل فولدت له حميدة. =


التاريخ 3: 397، الاصابة 3: 471 لسان الميزان 1: 268، ميزات الاعتدال 1: 139، القاموس المحيط 2: 55) وغيرها من المصادر المختلفة. (1) ان قضية تزويج أم كلثوم لعمر بن الخضاب قد خضعت وطوال القرون الماضية ولا زالت إلى كثير من النقاش والأخذ والرد، ففي حين يذهب البعض إلى الطعن أصلا في هذا الموضوع ومنقاقشة الروايات الناقلة له واسقاطها، ترى الاخر يذهب على (*) =

[ 398 ]

وأما أمامة بنت علي فكانت عند الصلت بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فولدت له نفيسة وتوفيت عنده (1). هذا آخر ما أثبتنا من أخبار أمير المؤمنين عليه السلام. =


جملة من الوجوه المختلفة وتأويله إلى العديد من التأويلات المنطقية والمقنعة، وللاطلاع على مزيد من هذا النقاش والشرح تراجع الكتب المختصة بذلك والبحوث المتعلفة به. (1) نقله المجلسي في بحار الأنوار 42: 93 / 21. (*)

[ 399 ]

(الركن الثالث) في ذكر الأئمة من أبناء أمير المؤمنين عليه السلام من الحسن بن علي الوصي إلى الحسين بن علي الزكي، وتاريخ مواليدهم ومواضع قبورهم، ودلائل إمامتهم، وأزمان خلافتهم، ومدد أعمارهم، وعدد أولادهم، وطرف من أخبارهم. ويشتمل على عشرة أبواب:

[ 401 ]

(الباب الأول) في ذكر الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام الإمام الثاني، والسبط الأول، سيد شباب أهل الجنة ويتضمن خمسة فصول:

[ 402 ]

(الفصل الأول) في ذكر مولده، ومبلغ عمره، ومدة خلافته، ووقت وفاته، وموضع قبره عليه السلام ولد عليه السلام بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وقيل سنة اثنتين من الهجرة، وكنيته أبو محمد. جاءت به امه فاطمة سيدة النساء عليها السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة نزل بها جبرئيل إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم فسماه حسنا، وعق عنه كبشا (1). وقبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وله سبع سنين وأشهر، وقيل: ثمان سنين (2). وقام بالأمر بعد أبيه عليه السلام وله سبع وثلاثون سنة. وأقام في خلافته ستة أشهر وثلاثة أيام، ووقع الصلح بينه وبين معاوية في سنة إحدى وأربعين (3)، وإنما هادنه (4) عليه السلام خوفا على نفسه، إذ كتب إليه جماعة من رؤساء أصحابه في السر بالطاعة وضمنوا له تسليمه إليه


(1) ارشاد المفيد 2: 5، مناقب ابن شهرآشوب 4: 28. (2) انظر: مناقب ابن شهر اشوب 4: 28 (3) انظر مناقب ابن شهر آشوب 4: 29. (4) لإدراك مغزى وأبعاد هذا الصلح المبرم بين الامام الحسن عليه السلام ومعاوية بن أبي سفيان تراجع المصادر المختصة بهذا الموضوع. (*)

[ 403 ]

عند دنوهم من عسكره، ولم يكن منهم من يأمن غائلته إلا خاصة من شيعته لا يقومون لأجناد الشام. وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وبعث بكتب أصحابه إليه، فأجابه إلى ذلك بعد أن شرط عليه شروطا كثيرة، منها: أن يترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والقنوت عليه في الصلاة، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه. فأجابه معاوية إلى ذلك كله، وعاهده على الوفاء به، فلما استتمت الهدنة قال في خطبته: إني منيت الحسن وأعطيته أشياء جعلتها تحت قدمي، لا أفي بشئ منهاله (1) ! ! وخرج الحسن عليه السلام إلى المدينة وأقام بها عشر سنين، ومضى إلى رحمة الله تعالى لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبع وأربعون سنة وأشهر مسموما، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، وكان معاوية قد دس إليها من حملها على ذلك وضمن لها أن يزوجها من يزيد إبنه وأوصل إليها مائة ألف درهم فسقته السم. وبقي عليه السلام مريضا أربعين يوما، وتولى أخوه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بالبقيع (2).


(1) انظر: ارشاد المفيد 2: 12. (2) انظر: ارشاد المفيد 2: 1 5، مناقب ابن شهر آشوب 4: 4 2، مقاتل الطالبيين: 73، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 49. (*)

[ 404 ]

(الفصل الثاني) في ذكر الدلالة على إمامته وأنه المنصوص عليه بالإمامة من جهة أبيه عليه السلام لنا في ذلك طرق أحدها: أن نقول: قد ثبت وجوب الإمامة في كل زمان من جهة العقل، وأن الإمام لا بد أن يكون معصوما، منصوصا عليه، وعلمنا أن الحق لا يخرج عن امة محمد صلى الله عليه واله وسلم. فإذا ثبت ذلك سبرنا أقوال الامة بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام: فقائل يقول: لا إمام. وقوله باطل بما ثبت من وجوب الإمامة. وقائل يقول: بإمامة من ليس بمعصوم. وقوله باطل بما ثبت من وجوب العصمة. وقائل يقول: بإمامة الحسن عليه السلام ويقول: بعصمته، فيجب القضاء بصحة قوله، وإلا أدى إلى خروج الحق عن أقوال الامة. وثانيها: أن نستدل بتواتر الشيعة ونقلها خلفا عن سلف: أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام نص على ابنه الحسن عليه السلام بحضرة شيعته واستخلفه عليهم بصريح القول، ولا فرق بين من ادعى عليهم الكذب فيما تواترت به، وبين من ادعى على الامة الكذب فيما تواترت به من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو ادعى على الشيعة لكذب فيما تواتروا به من النص على أمير المؤمنين عليه السلام. وكل سؤال، يسأل على هذا فمذكور في كتب الكلام. وثالثها: أنه قد اشتهر في الناس وصية أمير المؤمنين عليه السلام إليه

[ 405 ]

خاصة من بين ولده وأهل بيته، والوصية من الإمام توجب الاستخلاف للموصى إليه على ما جرت به عادة الأنبياء والأئمة في أوصيائهم، لا سيما والوصية علم عند ال محمد صلوات الله عليهم كافة إذا انفرد بها واحد بعينه على استخلافه، وإشارة إلى إمامته، وتنبيه على فرض طاعته، وإجماع آل محمد صلوات الله عليهم حجة. ورابعها: أن نستدل بالأخبار الواردة فيما ذكرناه، فمن ذلك: ما رواه محمد بن يعقوب الكليني - وهو من أجل رواة الشيعة وثقاتها - عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني وعمر بن اذينة، عن أبان، عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له: (يا بني، أمرني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن اوصي إليك وأدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين). ثم أقبل على ابنه الحسين عليه السلام فقال: (وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى إبنك هذا) ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال: (وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك محمد ابن علي، واقرأه من رسول الله ومني السلام) (1). وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر،


(1) الكافي 1: 236 / 1، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 43: 322 / 1. (*)

[ 406 ]

عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام مثل ذلك سواء (1). وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عنيه السلام قال: (إن أمير المؤمنين عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه الحسن: ادن مني حتى أسر إليك ما أسر إلي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأئتمنك على ما ائتمنني عليه) ففعل (2). وبإسناده رفعه إلى شهر بن حوشب: أن عليا عليه السلام لما سار إلى الكوفة استودع ام سلمة رضي الله عنها كتبه والوصية، فلما رجع الحسن عليه السلام دفعتها إليه (3). وخامسها: إنا وجدنا الحسن بن علي عليهما السلام قد دعا إلى الأمر بعد أبيه وبايعه الناس على أنه الخليفة والإمام، فقد روى جماعة من أهل التاريخ: أنه عليه السلام خطب صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: (لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، لقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيه بنفسه، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، فلا يرجع حتى يفتح الله تعالى على يديه، ولقد توفي عليه السلام في هذه الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم، وفيها قبض يوشع بن نون، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت


(1) الكافي 1: 237 / 5، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 43: 322 / 2. (2) الكافي 1: 236 / 2، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 43: 322 / 3. (3) الكافي 1: 236 / 3، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 43: 322 / 4. (*)

[ 407 ]

من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله). ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه، ثم قال (أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت افترض الله تعالى مودتهم في كتابه فقال: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) (1) فالحسنة مودتنا أهل البيت). ثم جلس فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال: يا معاشر الناس، هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه. فتبادر إلناس إلى البيعة له با لخلافة (2). فلا بد أن يكون محقا في دعوته، مستحقا للإمامة مع شهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ولأخيه بالإمامة والسيادة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا) (3) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) (4) وشهادة القرآن


(1) الشورى 42: 23. (2) ارشاد المفيد 2: 7، كشف الغمة 1: 532، مقاتل الطابيين: 51، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 30. (3) ارشاد المفيد 2: 30، مناقب ابن شهرآشوب 3: 394، كشف الغمة 1: 533. (4) أمالي الطوسي 1: 319، مصنف ابن أبي شيبة 12: 96 / 12226، سنن ابن ماجة 1: 44 / 118، مسند أحمد 3: 3 و 62 و 82 و 5: 391 و 392، صحيح الترمذي 5: 656 / 3768، خصائص النسائي: 150 / 140، المعجم الكبير للطبراني 3: 24 / 2598 و 2618 و 19: 292 / 650، مستدرك الحاكم 3: 166، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك، حلية الأولياء 4: 139 و 5: 71، أخبار اصفهان 2: 343، تاريخ بغداد 1: 140 و 6: 372 و 11: 90، شرح السنة للبغوي 4: 193 / 4827، المطالب العالية لابن 4: 71 / 3993، مجمع الزوائد 9: 182 وانظر: طرق (*) =

[ 408 ]

بعصمتهما في قوله تعالى: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهير) (1) على ما تقدم القول فيه. وسادسها: أن نستدل على إمامته بما أظهر الله عز وجل على يديه من العلم المعجز، ومن جملته حديث حبابة الوالبية أورده الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا علي بن أحمد الدقاق قال: حدثنا محمد بن يعقوب، قال: حدثنا علي بن محمد، عن أ بي علي محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عليهما السلام، عن أحمد بن القاسم العجب، عن أحمد بن يحيى المعروف ببرد، عن محمد بن خداهي، عن عبد الله بن أيوب، عن عبد الله ابن هشام، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن حبابة الوالبية قالت: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في شرطة الخميس، ثم ساقت الحديث إلى أن قالت: فلم أزل أقفو اثره حتى قعد في رحبة المسجد فقلت له: يا أمير المؤمنين ما دلالة الإمامة رحمك الله ؟ قالت: فقال: (إئتيني بتلك الحصاة) وأشار بيده إلى حصاة، فأتيته بها فطبع لي فيها بخاتمه ثم قال لي: (يا حبابة، إذا ادعى مدع الإمامة فقدر أن يطبع كما رأيت فاعلمي أنه إمام مفترض الطاعة، والإمام لا يعزب عنه شئ يريده). قالت: ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين عليه السلام فجئت إلى الحسن، وهو في مجلس أمير المؤمنين والناس يسألونه فقال لي: (يا حبابة الوالبية). فقلت: نعم يا مولاي. =


وأسانيد الحديث في تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسن (ع) - صفحة 72 - 83. (1) الأحزاب 33: 33. (*)

[ 409 ]

قال: (هاتي ما معك). قالت: فاعطيته الحصاة، فطبع لي فيها، كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام. قالت: ثم أتيت الحسين عليه السلام وهو في مسجد الرسول فقرب ورحب، ثم قال لي: (أتريدين دلالة الإمامة ؟). فقلت: نعم يا سيدي. قال: (هاتي ما معك) فناولته الحصاة فطبع لي فيها. قالت: ثم أتيت علي بن الحسين عليهما السلام وقد بلغ بي الكبر إلى أن أعييت، وأنا أعد يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة، فرأيته راكعا وساجدا مشغولا بالعبادة، فيئست من الدلالة، فأومى إلي بالسبابة فعاد إلي شبابي قالت: فقلت: يا سيدي كم مض من الدنيا وكم بقي ؟ فقال: (أما ما مضى فنعم، وأما ما بقي فلا). قالت: ثم قال لي: (هات ما معك) فأعطيته الحصاة فطبع فيها، ثم أتيت أبا جعفر عليهما السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا عبد الله عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت الرضا عليه السلام فطبع لي فيها. وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر علن ما ذكره عبد الله بن هشام (2). قال: وحدثنا محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب الكليني قال: حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: حدثني أبي، عن أبيه موسى بن جعفر،


(1) كمال الدين 2: 536 / 1، كشف الغمة 1: 53 4. (*)

[ 410 ]

عن أبيه جعفر، عن أبيه محمد عليهم السلام قال: (إن حبابة الوالبية دعا لها علي بن الحسين عليهما السلام فرد الله عليها شبابها، وأشار إليها بإصبعه فحاضت لوقتها، ولها يومئذ مائة سنة وثلاث عشرة سنة (4).


(1) كمال الدين 2: 537. (*)

[ 411 ]

(الفصل الثالث) في ذكر طرف من خصائصه ومناقبه عليه السلام روي عن جابر بن عبد الله قال: لما ولدت فاطمة الحسن عليهما السلام قالت: لعلي (سمه) فقال: (ما كنت لأسبق باسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما كنت لأسبق باسمه ربي عز وجل) فأوحى الله جل جلاله إلى جبرئيل عليه السلام: (أنه قد ولد لمحمد ابن فاهبط إليه وهنئه وقل له: إن عليا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون). فهبط جبرئيل عليه السلام فهنأه من الله تعالى جل جلاله، ثم قال: (إن الله تعالى يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون). قال: (وما كان اسمه ؟) قال: (شبر). قال: (لساني عربي). قال: (سمه الحسن) فسماه الحسن (1). أورده الاستاذ أبو سعيد الواعظ في كتاب (شرف النبي) مرفوعا إلى جابر (2). وعن جابر أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من سره أن ينظر إلى سيد شباب الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي) (3).


(1) علل الشرائع: 137 / ضمن حديث 5، ونحوه في: ذخائر العقبى: 12 0 (2) - شرف النبي صلى الله عليه وآله.. (3) مناقب ابن شهرآشوب 4: 20، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسن (ع) -: (*) =

[ 412 ]

عبد الله بن بريدة، عن ابن عباس قال: انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادى على باب فاطمة ثلاثا فلم يجبه أحد، فمال إلى حائط فقعد فيه وقعدت إلى جانبه، فبينا هو كذلك إذ خرج الحسن بن علي قد غسل وجهه وعلقت عليه سبحة، قال: فبسط النبي صلى الله عليه واله وسلم يده ومدها ثم ضم الحسن إلى صدره وقبله وقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله عز وجل يصلح به بين فئتين من المسلمين) (1). وروى إبراهيم بن علي الرافعي عن أبيه، عن جدته زينب بنت أبي رافع قالت: أتت فاطمة عليها السلام بابنيها الحسن والحسين عليهما السلام إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في شكواه التي توفي فيها فقالت: (يا رسول الله، هذان إبناك فورثهما شيئا). فقال: (أما الحسن فإن له هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فإن له جودي وشجاعتي) (2). ويصدق هذا الخبر ما رواه محمد بن إسحاق قال: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بلغ الحسن بن علي، كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق فما مر أحد من خلق الله إجلالا له، فإذا علم قام ودخل بيته فمر الناس، ولقد رأيته في طريق مكة =


78 / 136. (1) ورد ذيله في: مسند الطيالسي: 118 / 874، مصنف عبد الرزاق 11: 452، وصحيح البخاري 5: 32، ومسند أحمد 5: 37 و 51، والمعجم الكبير للطبراني 3: 22 / 2591، وحلية الأولياء 2: 35، والاستيعاب 1: 370، مجمع الزوائد 9: 175. (2) الخصال: 77 / 122، ارشاد المفيد 2: 6، مناقب ابن شهر اشوب 3: 396، مقتل الخوارزمي 1: 105، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسن (ع) -: 123 / 197، اسد الغابة 5: 467، كفاية الطالب: 424، الاصابة 4: 316، وفي بعضها باختلاف يسير.

[ 413 ]

نزل عن راحلته فمشى فما من خلق الله أحد إلا نزل ومشى، حتى رأيت سعد ابن أبي وقاص قد نزل ومشى إلى جنبه (1). وروي عن أنس بن مالك قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه واله وسلم من الحسن بن علي عليهما السلام (2). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن الحسن ابني أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين عليه السلام أسفل من ذلك) (3). وأشباه هذه الأخبار كثيرة، وفيما أوردناه كفاية.


(1) مناقب ابن شهر آشوب 4: 7. (2) ارشاد المفيد 2: 5، صحيح البخاري 5: 33، صحيح الترمذي 5: 659 / 3776، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسن (ع) -: 28 / 48. (3) صحيح الترمذي 5: 66 / 3779، مورد الضمان بزوائدا بن حبان: 553 / رقم 2235، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسن (ع) -: 33 / 60. (*)

[ 414 ]

(الفصل الرابع) في ذكر سبب وفاته عليه السلام وبعض ما جاء في ذلك عبد الله بن إبراهيم، عن زياد المحاربي قال: لما حضرت الحسن عليه السلام الوفاة استدعى الحسين عليه السلام وقال له: (يا أخي إنني مفارقك ولاحق بربي، وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست، وإني لعارف بمن سقاني ومن أين دهيت، وأنا اخاصمه إلى الله عز وجل، فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشئ، وانتظر ما يحدث الله تبارك وتعالى في، فإذا قضيت فغسلني وكفني، واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لاجدد به عهدا، ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة فادفني هناك، وستعلم يابن ام إن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجلبون في منعكم من ذلك، وبالله اقسم عليكم أن تهريق في أمري محجمة من دم). ثم وصى إليه بأهله وولده وتركاته وما كان وصى أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه. فلما مضى لسبيله وغسله الحسين عليه السسلام وكفنه وحمله على سريره لم يشك مروان وبنو امية أنهم سيدفنونه عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتجمعوا ولبسوا السلاح، فلما توجه به الحسين عليه السلام إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليجدد به عهدا أقبلوا في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: نحوا ابنكم عن بيتي فإنه لا يدفن فيه

[ 415 ]

ويهتك عليه حجابه (1). وفي رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال الحسين لها: (قديما أنت هتكتي حجاب رسول الله وادخلت بيته من أبغضه، إن الله سائلك عن ذلك، إن أخي أمرني أن أقربه من رسول الله ليجدد به عهدا) إلى آخر كلامه. قال: ثم تكلم محمد بن الحنفية فقال: يا عائشة يوما على بغل ويوما على جمل فما تملكين نفسك عداوة لبني هاشم ! قال: فأقبلت عليه وقالت: يا ابن الحنفية، هؤلاء بنو الفواطم يتكلمون فما كلامك ؟ فقال الحسين عليه السلام: (وأنى تفقدين (2) محمدا من الفواطم، فوالله لقد ولدته ثلاث فواطم: فاطمة بنت عمران بن عائذ، وفاطمة بنت ربيعة، وفاطمة بنت أسد). فقالت عائشة: نحوا ابنكم واذهبوا، فإنكم قوم خصمون. فمضى الحسين بالحسن عليهما السلام إلى البقيع ودفنه هناك (3).


(1) ارشاد المفيد 2: 1 7، كشف الغمة 1: 585، ونحوه في: مقاتل الطالبيين 740، ودلائل الامامة: 61، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 49. (2) كذا في نسخنا، وفي الكافي: تبعدين. وهو الصواب. (3) الكافي 1: 240 / ضمن حديث 3. (*)

[ 416 ]

(الفصل الخامس) في ذكر ولد الحسن عليه السلام وعددهم وأسمائهم له من الأولاد ستة عشر (1) ولدا ذكرا وانثى: زيد بن الحسن، واختاه ام الحسن، وام الحسين، امهم ام بشير بنت أبي مسعود الخزرجية. والحسن بن الحسن امه خولة بنت منظور الفزاربة. وعمر بن الحسن وأخواه: عبد الله، والقاسم ابنا الحسن قتلا مع الحسين عليه السلام بكربلاء، امهم ام ولد. وعبد الرحمن بن الحسن امه ام ولد. والحسين بن الحسن الملقب بالأثرم، وأخوه طلحة، وأختهما فاطمة، امهم ام إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي. وأبو بكر قتل مع الحسين عليه السلام. وام عبد الله، وفاطمة، وام سلمة، ورقية، لامهات أولاد شتى (2). وكان زيد بن الحسن عليه السلام يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وكان جليل القدر كثير البر، ومات وله تسعون سنة، وخرج من الدنيا ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع من الشيعة ولا غيرهم (3).


(1) اختلف البعض في ذكر عدد أولاده عليه السلام، حيث عدهم الشيخ المفيد بخمسة عشر دون ذكر لأبي بكر حيث عده عين عبد الله المتقدم عليه، وإلى ذلك ذهب الموضح النسابة فتأمل. (أنظر مصادر النص). (2) ارشاد المفيد 2: 2 0، المجدي في أنساب الطالبيين: 1 9، عمدة الطالب: 68. (3) ارشاد المفيد 2: 2 0، كشف الغمة 1: 576. (*)

[ 417 ]

وأما الحسن بن الحسن عليهما السلام فكان جليلا فاضلا، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين عليه السلام، دخل على عبد الملك بن مروان محرشا (1) على الحجاج فقال له عبد الملك بعد أن رحب به وأحسن مسألته: لقد أسرع إليك الشيب يا أبا محمد وكان عنده يحيى بن أم الحكم وقد وعده أن ينفعه عنده. فقال يحيى: وما يمنعه يا أمير المؤمنين ؟ شيبته أماني أهل العراق، تفد عليه الوفود يمنونه الخلافة. فأقبل عليه الحسن وقال: بئس - والله - الرفد رفدت، ليس كما قلت، ولكنا أهل بيت يسرع إلينا الشيب. فأقبل عليه عبد الملك وقال: هلم ما قدمت له. فقال: إن الحجاج يقول: أدخل عمر بن علي معك في صدقة أبيك. فقال عبد الملك: ليس ذلك له، اكتب إليه كتابا لا يجاوزه. فكتب إليه وأحسن صلة الحسن وأكرمه، فلما خرج من عنده لقيه يحيى بن ام الحكم فعاتبه الحسن على سوء محضره فقال له يحيى: أيها عنك، فوالله لا يزال يهابك، ولولا هيبتك لم يقض لك حاجة، وما ألوتك رفدا (2). وروي: أ نه خطب إلى عمه الحسين عليه السلام إحدى ابنتيه، فقال له الحسين عليه السلام: (يا بني اختر أحبهما إليك) فاستحيى الحسن فقال له الحسين عليه السلام: (فإني قد اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي أكثرهما


(1) الحرش: اغراء الانسان ليقع بقرنه، وحرش بينهم: افسد واغرى بعضهم ببعض، (انظر: لسان العرب 6: 279). (2) ارشاد المفيد 2: 23، أنساب الأشراف 3: 73 / 8 5. (*)

[ 418 ]

شبها بامي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) (1). وقبض الحسن بن الحسن وله خمس وثلاتون سنة، وأوصى إلى أخيه من أمه إبراهيم بن محمد بن طلحة. وكان عبد الله بن الحسن قد زوجه الحسين عليه السلام ابنته سكينة فقتل قبل أن يبني بها (2).


(1) ارشاد المفيد 2: 2 5، كشف الغمة 1: 5 79، مقاتل الطالبيين: 185، الأغاني 21: 115. (2) ارشاد المفيد 2: 25. (*)

[ 419 ]

(الباب الثاني) في ذكر السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام سيد شباب أهل الجنة وهو خمسة فصول:

[ 420 ]

(الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده ومبلغ سنه ولد عليه السلام بالمدينة يوم الثلاثاء، وقيل: يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان (1)، وقيل: لخمس خلون منه سنة أربع من الهجرة (2)، وقيل: ولد آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة (3) ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن عليهما السلام إلا الحمل والحمل ستة. وجاءت به فاطمة الزهراء أمه إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فسماه حسينا وعق عنه كبشا. وعاش سبعا وخمسين سنة وخمسة أشهر، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع سنين، ومع أمير المؤمنين سبعا وثلاثين سنة، ومع أخيه الحسن عليه السلام سبعا وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته عشر سنين وأشهرا. وقتل صلوات الله عليه يوم عاشوراء يوم السبت، وقيل: يوم الاثنين (4) وقيل: يوم الجمعة سنة إحدى وستين من الهجرة (5).


(1) مسار الشيعة: 61، مصباح المتهجد: 758. (2) ارشاد المفيد 2: 27، مناقب ابن شهرآشوب 4: 76، مقاتل الطالبيين: 78، اسد الغابة 18: 2. (3) المقنعة: 4 67، التهذيب للطوسي 6: 41. (4) الكافي 1: 385 / ب 115، التهذيب للطوسي 6: 42، مقاتل الطالبيين: 78. (5) التهذيب للطوسي 6: 42، مقاتل الطالبيين: 78. (*)

[ 421 ]

(الفصل الثاني) في ذكر الدلائل على إمامته وأنه المنصوص عليه من جهة أبيه وأخيه تدل على إمامته عليه السلام جميع الطرق الاعتبارية والإخبارية التي ذكرناها في إمامة الحسن عليه السلام بعينها، فإن جميعها كما تدل على إمامته تدل على إمامة أبي عبد الله الحسين عليه السلام من بعده مثلا بمثل، وقد صرح النبي صلى الله عليه واله وسلم على إمامته أيضا بقوله: (إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا) (1). وأيضا فإن وصية الحسن عليه السلام إليه تدل على إمامته كما دفت وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام على إمامته، بحسب ما دلت وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمير المؤمنين عليه السلام على إمامته من بعده. ومما جاء من الأخبار في وصية الحسن عليه السلام إليه ما رواه محمد ابن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن محمد ابن سليمان الديلمي، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول: (لما احتضر الحسن عليه السلام قال للحسين: يا أخي إني اوصيك بوصية (فاحفظها) (2) إذا أنا مت فهيئني ووجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحدث به


(1) تقدم في صفحة: 407 هامش (3). (2) أثبتناها من المصدر. (*)

[ 422 ]

عهدا، ثم اصرفني إلى امي فاطمة عليها السلام ثم ردني فادفني بالبقيع) (1) إلى آخر الخبر. وروى محمد بن يعقوب بإسناده، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لما حضرت الحسن الوفاة قال: يا قنبر انظر هل ترى من وراء بابك مؤمنا من غير آل محمد ؟ فقال: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، قال: امض فادع لي محمد بن علي (2). قال: فأتيته، فلما دخلت عليه قال: هل حدث إلا خير ؟ قلت: أجب أبا محمد. فعجل على شسع نعله فلم يسوه، فخرج معي يعدو، فلما قام بين يديه سلم فقال له الحسن عليه السلام: إجلس فليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات ويموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم ومصابيح الدجى، فإن ضوء النهار بعضه أضوء من بعض، أما علمت أن الله عز جل جعل ولد إبراهيم أئمة وفضل بعضهم على بعض واتى داود زبورا، وقد علمت بما استأثر (به) محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. يا محمد بن علي، إني أخاف عليك الحسد، وإنما وصف الله تعالى به الكافرين فقال: (كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق) ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطانا. يا محمد بن علي، ألا اخبرك بما سمعت من أبيك عليه السلام فيك ؟ قال: بلى. قال: سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحب أن يبرني في الدنيا


(1) الكافي 1: 240 / 3، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 44: 174 / 1. (2) هو أخوه محمد بن الحنفية. (*)

[ 423 ]

والاخرة فليبر محمدا ولدي. يا محمد بن علي، لو شئت أن اخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لاخبرتك. يا محمد بن علي، أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي، وعند الله في الكتاب وراثة من النبي أضافها الله له في وراثة أبيه وامه، علم الله أنكم خيرة خلقه فاصطفى منكم محمدا واختار محمد عليا واختارني علي للإمامة واخترت أنا الحسين. فقال له محمد بن علي: أنت إمامي وسيدي ألا وإن في رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء، ولا تغيره نغمة الرياح، كالكتاب المعجم في الرق المنمنم أهم بإبدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل وما جاءت به الرسل، وإنه لكلام يكل به لسان الناطق ويد الكاتب، حتى لا يجد قلما، ويؤتوا بالقرطاس حمما ولا يبلغ فضلك، وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوة إلا بالله، الحسين أعلمنا علما، وأثقلنا حلما، وأقربنا من رسول الله رحما، كان إماما قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله أن أحدا خيرا منا ما اصطفى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فلما اختار محمدا اختار محمد عليا إماما واختارك علي بعده واخترت الحسين عليه السلام بعدك، سلمنا ورضينا بمن هو الرضى وبمن نسلم به من المشكلات) (1). وفي حديث حبابة الوالبية الذي رويناه هناك (2) ما فيه من ظهور الاية المعجزة على يده الدالة على إمامته فلا معنى لتكريره وإعادته. فكانت إمامته عليه السلام ثابتة بعد أخيه الحسن عليه السلام وإن لم


(1) الكافي 1: 239 / 2، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 44: 174 / 2. (2) تقدم في صفحة: 408. (*)

[ 424 ]

يدع إلى نفسه، للهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، وجرى في ذلك مجرى أبيه في ثبوت إمامته بعد النبي عليه واله السلام مع الكف والصموت، ومجرى أخيه عليه السلام في زمان الهدنة والسكوت، فلما انقضى زمان الهدنة بهلاك معاوية، واجتمع له في الظاهر الأنصار، أظهر أمره بعض الإظهار، وتشمر للقتال، وقدم إلى العراق ابن عمه عليه السلام مسلما للاستنصار. فبايعه أهل الكوفة وضمنوا له النصرة، ثم نكثوا بيعته وخذلوه وأسلموه، وخرجوا إليه فحصروه حيث لا يجد ناصرا ولا مهربا، وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتى تمكنوا منه فقتلوه شهيدا كما استشهد أبوه وأخوه عليهم السلام.

[ 425 ]

(الفصل الثالث) في ذكر بعض خصائصه ومناقبه وفضائله صلوات الله عليه كان عليه السلام يشبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صدره إلى رجليه وكان الحسن عليه السلام يشبهه من صدره إلى رأسه كما تقدم (1). وروى سعيد بن راشد، عن يعلى بن مرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط) (2). وروى عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (إصطرع الحسن والحسين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إيها (3) حسن خذ حسينا،


(1) تقدم في صفحة: 413 (2) كامل الزيارات: 52 و 53، ارشاد المفيد 2: 127، المصنف لابن أبي شيبة 12: 102 / 12244، سنن ابن ماجة 1: 51، الأدب المفرد للبخاري 1: 455 / 364، والتاريخ الكبير 8: 414 / 3536، مسند أحمد 4: 172، صحيح الترمذي 5: 658 / 3775، المعجم الكبير للطبراني 3: 20 / 586 و 587 و 589، مستدرك الحاكم 3: 177، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسين (ع) -: 79 /، 112 اسد الغابة 2: 19، جامع الأصول 9: 29، ذخائر العقبى: 133، سير أعلام النبلاء 3: 190، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 43: 270 / 35. (3) إيه: اسم سسمي به الفعل، لان معناه الأمر. تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: إيه (بكسر الهاء). قال ابن السكيت: فإن وصلت نونت فقلت: إيه حدثنا. (الصحاح - أيه - 6: 2226). (*)

[ 426 ]

فقالت فاطمة عليها السلام: يا رسول الله أتستنهض الكبير على الصغير ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا جبرئيل يقول للحسين: ايها حسين خذ حسنا) (1). وروى الأوزاعي، عن عبد الله بن شداد، عن ام الفضل، أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله رأيت الليلة حلما منكرا. قال: (وما رأيت ؟). فقالت: إنه شديد. قال: (وما هو ؟). قالت: رأيت كان قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خيرا رأيت، تلد فاطمة غلاما فيكون في حجرك). فولدت الحسين عليه السلام وكان في حجري كما قال صلوات الله عليه وآله. قالت: فدخلت به يوما على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعته في حجره، ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهرقان بالدموع، فقلت: بأبي أنت وامي يا رسول الله مالك ؟ قال: (أتاني جبرئيل فأخبرني أن امتي ستقتل ابني هذا، وأتاني بتربة


(1) قرب الاسناد: 101 / 339، أمالي الصدوق: 361، ارشاد المفيد 2: 128، أمالي الطوسي 2: 172، مناقب ابن شهر آشوب 3: 393، مقتل الخوارزمي: 155، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسين (ع) - 116 - 117 / 154 - 156، 5 اسد الغابة 2: 19، ذخائر العقبى: 134، الاصابة: 1: 332، وفي بعضها باختلاف يسير، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 43: 276 / 45. (*)

[ 427 ]

من تربته حمراء) (1). وفي مسند الرضا عليه السلام: عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: (حدثتني أسماء بنت عميس قالت: لما كان بعد حول من مولد الحسن عليه السلام ولد الحسين عليه السلام فجاء النبي عليه واله السلام فقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ووضعه في حجره وبكى. قالت أسماء: فداك أبي وامي مم بكاؤك ؟ قال: من ابني هذا. قلت: إنه ولد الساعة ! قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي، ثم قال: يا أسماء، لا تخبري فاطمة فإنها حديث عهد بولادته، ثم قال لعلي: أي شئ سميت ابني هذا ؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت احب أن اسميه حربا. فقال رسول الله: ما كنت لأسبق باسمه ربي. فأتاه جبرئيل فقال: الجبار يقرئك السلام ويقول: سمه باسم ابن هارون. فقال: وما اسم ابن هارون ؟ قال: شبير.


(1) ارشاد المفيد 2: 129، دلائل الامامة: 72، مستدرك الحاكم 3: 176، دلائل النبوة للبيهقي 6: 468، مقتل الخوارزمي 1: 158، البداية والنهاية 6: 230. (*)

[ 428 ]

قال: لساني عربي. قال: سمه الحسين. فسماه الحسين، ثم عق عنه يوم سابعه بكبشين أملحين، وحلق رأسه وتصدق بوزن شعره ورقا، وطلى رأسه بالخلوق وقال: الدم فعل الجاهلية، وأعطى القابلة فخذ كبش) (1). وروى الضحاك، عن ابن المخارق، عن ام سلمة رضي الله عنها قالت: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جالس والحسين عليه السلام في حجره إذ هملت عيناه بالدموع فقلت: يا رسول الله أراك تبكي جعلت فداك ؟ قال: (جاءني جبرئيل عليه السلام فعزاني بابني الحسين، وأخبرني أن طائفة من امتي ستقتله، لا أنالهم الله شفاعتي) (2). وروي بإسناد اخر عن ام سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خرج من عندنا ذات ليلة فغاب عنا طويلا ثم جاءنا وهو أشعث أغبر ويده مضمومة، فقلت له: يا رسول الله، ما لي أراك شعثا مغبرا ؟ فقال: (اسري بي في هذه الليلة إلى موضع من العراق يقال له: كربلاء، فاريت فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولدي وأهل بيتي، فلم أزل القط منه دماءهم فها هي في يدي) وبسطها فقال: (خذيه واحتفظي به). فخأذته فإذا هو شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة وشددت رأسها واحتفظت بها، فلما خرج الحسين عليه السلام متوجها نحو العراق كنت اخرج تلك القارورة في كل يوم وليلة فأشمها وأنظر إليها ثم أبكي لمصابه،


(1) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 25 / ضمن حديث 5. (2) ارشاد المفيد 2: 130، كشف الغمة 2: 7. (*)

[ 429 ]

فلما كان يوم العاشر من المحرم - وهو اليوم الذي قتل فيه - أخرجتها في أول النهار وهي بحالها ثم عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط، فصحت في بيتي وكظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة، فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتى جاء الناعي ينعاه، فحقق ما رأيت (1). وعن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: (قال لي جبرئيل عليه السلام: إن الله جل جلاله قتل بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا، وهو قاتل بدم ابنك الحسين سبعين ألفا وسبعين ألفا) (2). وروى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: (خرجنا مع الحسين عليه السلام فما نزل منزلا ولا ارتحل عنه إلا ذكر يحيى بن زكريا، وقال يوما: من هوان الدنيا على الله عز وجل أن رأس يحى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل) (3). وروى يوسف بن عبدة قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: لم تر هذه الحمرة في السماء إلا بعد قتل الحسين عليه السلام (4).


(1) ارشاد المفيد 2: 130، كشف الغمة 802، وروى مضمونه اليعقوبي في تاريخه 2: (2) تاريخ بغداد 1: 142، تاريخ ابن الامام الحسين (ع) - 241 / 286، الفردوس لابن شيرويه 3: 187 / 4515. (3) ارشاد المفيد 2: 132، مجمع البيان 3: 502، كشف الغمة 2: 9. (4) ارشاد المفيد 2: 132، كشف الغمة 2: 9، طبقات ابن سعد - ترجمة الامام الحسين (ع) - ج 8 انظر: مجلة تراثنا العدد 10: ص 200 ح 326، تاريخ أبن عسكر - ترجمة الامام علي (ع) -: 45 / 298، وباختلاف يسير في: المعجم الكبير للطبراني 3: 122 / 2840، ونحوه في: شير أعلام النبلاء 3: 312، وتاريخ الاسلام للذهبي: ص 15 حوادث سنة 61. (*)

[ 430 ]

وذكر الحافظ الشيخ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة قال: أخبرنا القطان: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان ابن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن معمر قال: أول ما عرف الزهري تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك، فقال الوليد: أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي ؟ فقال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط (1). قال: وأخبرنا القطان بإسناده، عن علي بن مسهر قال: حدثتني جدتي قالت: كنت أيام الحسين عليه السلام جارية شابة فكانت السماء أياما علقة (2). قال: وأخبرنا القطان بإسناده، عن جميل بن مرة قال: أصابوا إبلا في عسكر الحسين عليه السلام يوم قتل فنحروها وطبخوها، قال: فصارت مثل العلقم فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا (3). وعن ابن عباس قال: رأيت النبي صلى الله عليه واله وسلم فيما يرى النائم ذات يوم بنصف النهار أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وامي يا رسول الله ما هذه ؟


(1) دلائل النبوة للبيهقي 6: 471، ورواه الطبراني في المعجم الكبير 3: 127 / 2856، والذهبي في سير أعلام النبلاء 3: 314، وتاريخ الاسلام: ص 16 حوادث سنة 61، والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 197. (2) دلائل النبوة للبيهقي 6: 472، ورواه الطبراني في المعجم الكبير 3: 120 / 2836، وابن عساكر في تاريخه - ترجمة الامام الحسين (ع) -: 242 / 289، والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 196. (3) دلائل النبوه للبيهقي 6: 472، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء 3: 313، وتاريخ الاسلام: ص 15 حوادث سنة 61. (*)

[ 431 ]

قال: (هذا دم الحسين عليه السلام وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم). فاحصي بذلك الوقت فوجد (قد) قتل ذلك اليوم (1). وعن نضرة الأزدية: لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام مطرت السماء دما، فأصبحت وكل شئ لنامل ء دم (2) ! ! وروى محمد بن مسلم، عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام قال: سمعتهما يقولان: (إن الله تعالى عوض الحسين عليه السلام من قتله: أن جعل الإمامة في ذريته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تعد أيام زائره جائيا وراجعا من عمره). قال محمد بن مسلم: فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: هذه الخلال تنال بالحسين فماله هو في نفسه ؟ قال: (إن الله تعالى ألحقه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان معه في درجته ومنزلته) ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام: (والذين امنوا وأتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) (3) (4). والأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى.


(1) مسند أحمد 1: 242 و 283، المعجم الكبير للطبراني 3: 116 2822، مستدرك الحاكم 4: 397، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك، دلائل النبوة للبيهقي 6: 471، تاريخ بغداد 1: 142، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسين (ع) -: 261 / 325، اسد - الغابة 2: 23، سير أعلام االنبلاء 3: 315، تاريخ الاسلام للذهبي: ص 17 حوادث سنة 61، البداية والنهاية 6: 231، تهذيب التهذيب 2: 355، مجمع الزوائد 9: 194. (2) طبقات ابن سعد - ترجمة الامام الحسين (ع) - ج 8 انظر: مجلة تراثنا العدد 10: ص 199 ح 321، دلائل البوة للبيهقي 6: 471، تاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسين (ع) - 244 / 295، سير أعلام النبلاء 3: 312. (3) الطور 52: 21. (4) أمالي الطوسي 1: 324. (*)

[ 432 ]

ومما روي في السبطين عليهما السلام: ما رواه عتبة بن غزوان قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فجاء الحسن والحسين يركبان ظهره، فم انصرف فوضعهما في حجره وجعل يقبل هذا مرة وهذا مرة، فقال قوم: أتحبهما يا رسول الله ؟ فقال: (ما لي لا احب ريحانتي من الدنيا) (1). وروى سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: (الحسن والحسين ابني من أحبهما أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار على وجهه) (2). وروى ابن لهيعة عن أبي عوانة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الحسن والحسين شنفا (3) العرش، وأن الجنة قالت: يا رب اسكنتني الضفاء والمساكين، فقال لها الله تعالى: (ألا ترضين أني زينت أركانك بالحسن والحسين، قال: فماست كما تميس (4) العروس فرحا) (). وروى عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم


(1) مناقب ابن شهرآشوب 3: 383. (2) مستدرك الحاكم 3: 166، وباختلاف يسير في: إرشاد المفيد 2: 28، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام الحسين (ع) -: 97 - 98 / 131 و 132، كفاية الطالب: 422. (3) الشنف: القرط الأعلى. (الصحاح - شنف - 4: 1 383). (4) الميس: ضرب من الميسان، أي ضرر من المشي في تبختر وتهاد، كما تميس الجارية العروس. (لعين 7: 323). (5) ارشاد المفيد 2: 127، مناقب ابن شهرآشوب: 395، وقطعة منه في: تاريخ بغداد 2: 238، ومجمع الزوائد 9: 184، وكنز العمال 12: 121. (*)

[ 433 ]

من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: (صدق الله تعالى: (انما اموالكم واولادكم فتنة) (1) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما) (2). وأما ما جاء من الرواية في ثواب زيارته، وفضل تربته، وكيفية أخذها، وغير ذلك مما يتعلق بجلال رتبته، وعلو منزلته عند الله فكثيرة، وما ذكرناه كاف في هذا الباب.


(1) الأنفال 8: 28، التغابن 64: 15. (2) مسند أحمد 5: 35 4، صحيح الترمذي 5: 658 / 3774، تاريخ ابن عساكر - ترحمة الامام الحسين (ع) -: 107 / 144 و 145. (*)

[ 434 ]

(الفصل الرابع) في ذكر جملة مختصرة من أخبار خروجه ومقتله عليه السلام ذكر الثقات من أصحاب السير: أنه لما مات الحسن بن علي عليهما السلام تحركت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين عليه السلام في خلع معاوية، فامتنع عليهم للعهد الحاصل بينه وبين معاوية، فلما مات معاوية - وذلك في النصف من رجب سنة ستين - كتب يزيد بن معاوية إلى الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له، فأنفذ الوليد إلى الحسين عليه السلام فاستد عاه، فعرف الحسين ما أراد، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال: (إجلسوا على الباب، فإذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه مني). وصار عليه السلام إلى الوليد، فنعى الوليد إليه معاوية فاسترجع الحسين عليه السلام، ثم قرأ عليه كتاب يزيد، فقال الحسين عليه السلام: (إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرا حتى ابايعه جهرا). فقال الوليد: أجل. فقال الحسين عليه السلام: (فنصبح ونرى في ذلك). فقال الوليد: إنصرف على اسم الله تعالى. فقال مروان: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى يكثر القتلى بينكم وبينه، فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه. فوثب عند ذلك الحسين عليه السلام وقال: (أنت يا ابن الزرقاء تقتلني

[ 435 ]

أو هو ؟ كذبت والله وأثمت) فخرج. فقال مروان للوليد: عصيتني. فقال: ويح غيرك يا مروان، والله ما احب أن لي ما طلعت عليه الشمس وأني قتلت حسينا، سبحان الله أقتل حسينا إن قال: لا ابايع، والله إني لاظن أن امرءا يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله تعالى يوم القيامة. فقال مروان: إن كان هذا رأيك فقد أصبت. وأقام الحسين تلك الليلة في منزله، واشتغل الوليد بمراسلة عبد الله بن الزبير في البيعة ليزيد وامتناعه عليه، وخرج ابن الزبير من ليلته متوجها إلى مكة، وسرح الوليد في إثره الرجال فطلبوه فلم يدركوه. فلما كان اخر النهار بعث إلى الحسين عليه السلام ليبايع فقال عليه السلام: (اصبحوا وترون ونرى) فكفوا تلك الليلة عنه، فخرج عليه السلام ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب متوجها نحو مكة ومعه بنوه وبنو أخيه الحسن وإخوته وجل أهل بيته، إلا محمد بن الحنفية فإنه لم يدر أين يتوجه، وشيعه وود عه. وخرج الحسين عليه السلام وهو يقول: (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) (1) فلما دخل مكة دخلها لثلاث مضين من شعبان وهو يقول: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) (2). وأقبل أهل مكة يختلفون إليه، ويأتيه ابن الزبير فيمن يأتيه بين كل يومين مرة، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير وقد عرف أن أهل الحجاز لا


(1 و 2) القصص 28: 2 1 - 2 2. (*)

[ 436 ]

يبايعونه ما دام الحسين عليه السلام بالبلد. وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية، وعرفوا خبر الحسين، فاجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي وقالوا: إن معاوية قد هلك، وإن الحسين قد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه فاكتبوا إليه. فكتبوا إليه كتبا كثيرة، وأنفذوا إليه الرسل إرسالا، ذكروا فيها: أن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل (1). فكتب إليه امراء القبائل: أما بعد: فقد أخضر الجناب وأينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجندة. فلما قدم الكتب وسأل الرسل كتب إليهم: (من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين. أما بعد: فإن (فلانا وفلانا) (2) قدما علي بكتبكم، وكانا آخر رسلكم، وفهمت مقالة جلكم: أنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق، وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأته في كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله تعالى). ودعا بمسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة


(1) ارشاد المفيد 2: 32، روضة الواعظين: 171، ورواه مقطعا الطبري في تاريخه 5: 339 و 343 و 351 باختلاف، ونحره في: مقتل أبي مخنف: 27، ومقتل ابن طاووس: 14 وتذكرة الخواص: 213 و 220. (2) في الارشاد: هانئا وسعيدا. (*)

[ 437 ]

ابن عبد الله السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي. فأقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل دار المختار بن أبي عبيدة، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، وبايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين عليه السلام يخبره بذلك ويأمره بالقدوم، وعلى الكوفة يومئذ النعمان بن بشير من قبل يزيد (1). وكتب عبد الله بن مسلم الحضرمي إلى يزيد بن معاوية: أن مسلم بن عقيل قدم إلى الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي، فإن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قولا، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف. وكتب إليه عمر بن سعد وغيره بمثل ذلك. فلما وصلت الكتب إلى يزيد دعا بسرجون - مولى معاوية - وشاوره في ذلك - وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد - فقال سرجون: أرأيت معاوية لو يشير لك ما كنت آخذا برأيه ؟ قال: نعم. فأخرج سرجون عهد عبيد الله بن زياد على الكوفة وقال: إن معاوية مات وقد أمر بهذا الكتاب، فضم المصرين إلى عبيد الله، فقال يزيد: إبعث بعهد ابن زياد إليه، وكتب إليه: أن سر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام. فلما وصل العهد والكتاب إلى عبيد الله أمر بالجهاز من وقته والمسير إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي، وشريك بن الأعور الحارثي، وحشمه وأهل بيته، حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم، والناس قد


(1) وقعة الطف لأبي مخنف: 220، ارشاد المفيد 2: 39، مناقب ابن شهر آشوب 1: 90، مقتل ابن طاووس: 16، روضة الواعظين: 173، تاريخ الطبري 5: 353، تذكرة الخواص: 220. (*)

[ 438 ]

بلغهم إقبال الحسين عليه السلام، فهم ينتظرون قدومه، فظنوا أنه الحسين عليه السلام، فكان لا يمر على ملأ من الناس إلا سلموا عليه وقالوا: مرحبا يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم، فرأى من تباشرهم بالحسين عليه السلام ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد، وسار حتى وافى قصر الأمارة فأغلق النعمان بن بشير عليه حتى علم أنه عبيد الله ففتح له الباب (1). فلما أصبح نادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطب وقال: أما بعد: فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه (الصدق ينبئ عنك لا الوعيد) (2). ثم نزل وأخذ الناس أخذا شديدا. ولما سمع مسلم بن عقيل بمجئ ابن زياد إلى الكوفة ومقالته التي قالها خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة، وأقبلت الشيعة تختلف إليه سرا. ونزل شريك بن الأعور دار هانئ بن عروة أيضا، ومرض فاخبر بأن عبيد الله بن زياد يأتيه يعوده، فقال لمسلم بن عقيل: ادخل هذا البيت، فإذا دخل هذا اللعين وتمكن جالسا فاخرج إليه واضربه ضربة بالسيف تأتي


(1) ارشاد المفيد 2: 42، روضة الواعظين: 173، ونحوه في مقتل الحسين للخوارزمي: 198، وتهذيب التهذيب 2: 302. (2) قال الجوهري في الصحاح (6: 2500): في المثل (الصدق ينبئ عنك لا الوعيد): أي ان الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون التهديد. (*)

[ 439 ]

عليه، وقد حصل المراد واستقام لك البلد، ولومن الله علي بالصحة ضمنت لك استقامة أمر البصرة. فلما دخل ابن زياد وأمكنه ما وافقه عليه بدا له في ذلك ولم يفعل، واعتذر إلى شريك بعد فوات الأمر بأن ذلك كان يكون فتكا وقد قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إن الإيمان قيد الفتك). فقال: أما والله لو قد قتلته لقتلت غادرا فاجرا كافرا. ثم مات شريك من تلك العلة رحمه الله. ودعا عبيد الله بن زياد مولى له يقال له: معقل، وقال: خذ ثلاثمائة درهم (1) ثم اطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه، فإذا ظفرت منهم بواحد أو جماعة فأعطهم هذه الدراهم وقل: استعينوا بها على حرب عدوكم، فإذا اطمأنوا إليك ووثقوا بك لم يكتموك شيئا من أخبارهم، ثم اغد عليهم ورح حتى تعرف مستقر مسلم بن عقيل. ففعل ذلك، وجاء حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم وقال: يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام، أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت، فقال له مسلم: أحمد الله على لقائك، فقد سرني ذلك، وقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الأمر قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية، فقال له معقل: لا يكون إلا خيرا، فخذ مني البيعة. فأخذ بيعته، وأخذ عليه المواثيق المغلظة لينا صحن وليكتمن، ثم قال: اختلف إلي اياما في منزلي فأنا طالب لك الإذن، فأذن له، فأخذ مسلم بيعته، ثم أمر قابض الأموال فقبض المال منه، وأقبل ذلك اللعين يختلف إليهم، فهو أول داخل وآخر خارج، حتى علم ما احتاج إليه ابن زياد، وكان


(1) في المصادر: ثلاثة آلاف درهم. (*)

[ 440 ]

يخبره به وقتا وقتا. وخاف هانئ بن عروة على نفسه من عبيد الله بن زياد، فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض، فقال ابن زياد: مالي لا أرى هانئا ؟ فقالوا: هو شاك، فقال: لو علمت بمرضه لعدته، ودعا محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي فقال لهم: ما يمنع هانئا من إتياننا ؟ فقالوا: ما ندري وقد قيل: إنه يشتكي، قال: قد بلغني أنه يجلس على باب داره فالقوه ومروه ألا يدع ما عليه من حقنا. فأتوه حتى وقفوا عليه عشية - وهو على باب داره جالس - فقالوا: ما يمنعك من لقاء الأمير ؟ فقال لهم: الشكوى تمنعني من لقائه، فقالوا له: قد بلغه أنك تجلس على باب دارك عشية وقد استبطأك، فدعا بثيابه فلبسها، ودعا ببغلته فركبها، فلما دخل على ابن زياد قال: أتتك بحائن رجلاه (1) والتفت نحوه وقال: اريد حباءه (2) ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد (3) فقال هانئ: وما ذاك أيها الأمير ؟ قال: ما هذه الأمور التي تربص في دورك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين، جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له الرجال والسلاح قال: ما فعلت ذلك، قال: بلى. ثم دعا ابن زياد معقلا - ذلك اللعين - فجاء حتى وقف بين يديه، فلما رآه هانئ علم أنه كان عينا عليهم وأنه قد أتاه بأخبارهم فقال: اسمع مني


(1) مثل يضرب لمن يسعى إلى مكروه حتى يقع فيه. (جمهرة الأمثال للعسكري 1: 119 / 114)، والحائن: الهالك. (لسان العرب - حين - 13: 136). (2) في نسخة (ق): حياته. (3) البيت لعمرو بن معدي كرب انظر: كتاب سيبويه 1: 276، الأغاني 10: 27، العقد الفريد 1: 21، جمهرة اللغة 6: 361. (*)

[ 441 ]

وصدق مقالتي، والله ما دعوته إلى منزلي ولا علمت بشئ من أمره حتى جاءني يسألني النزول فاستحيت مات رده، فضيفته وآويته، وأنا أعطيك اليوم عهدا ألا أبغيك سوءا ولا غائلة، وإن شئت أعطيك رهينة فتكون في يدك حتى آتيك به أو آمره حتى يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فاخرج من جواره، فقال ابن زياد: والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به، فقال: لا والله لا اتيك به، وكثر الكلام بينهما حتى قال: والله لتأتيني به قال: لا والله لا اتيك به، قال: لتأتيني به أو لأضربن عنقك، فقال هانئ: إذا والله تكثر البارقة حول دارك، فقال ابن زياد: أبا لبارقة تخوفني ؟ ! وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه، فقال: ادنو مني، فلم يزل يضرب وجهه بالقضيب حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجاذبه الرجل ومنعه، فقال ابن زياد: قد حل لنا قتلك، فجروه فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه. وبلغ الخبر مسلم بن عقيل فأمر أن ينادى في الناس، فملأ بهم الدور وقال لمناديه: ناد (يا منصور أمت) فعقد مسلم لرؤوس الأرباع على القبائل كندة ومذحج وأسد وتميم وهمدان، فتداعى الناس واجتمعوا فامتلأ المسجد من الناس والسوق، وما زالوا يزيدون حتى المساء. وضاق بعبيد الله أمره، وليس معه في القصر إلا ثلانون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته، وأقبل من نأى عنه من أشراف الناس، يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، وجعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم وهم يرمونه بالحجارة. ودعا ابن زياد: بكثير بن شهاب، ومحمد بن الأشعث، وشبث بن ربعي، وجماعة من رؤساء القبائل، وأمرهم أن يسيروا في الكوفة ويخذلوا الناس عن مسلم بن عقيل، ويعلموهم بوصول الجند من الشام، وأن الأمير

[ 442 ]

قد أعطى الله عهدا لئن تممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء، ويأخذ البرئ بالسقيم، والشاهد بالغائب. فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وزوجها وتقول: انصرف الناس يكفونك، ويجئ الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول له: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر ؟ ! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرقون حتى أمسى ابن عقيل وصلى المغرب وما معه من أصحابه إلا ثلاثون نفسا. فلما رأى ذلك خرج متوجها نحو أبواب كندة (فلما) (1) بلغ الباب ومعه منهم عشرة، فخرت من الباب فإذا ليس معه إنسان، ولا يجد أحدا يدله على الطريق، فمضى على وجهه متلددا (2) في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها: طوعة، وهي على باب دارها تنتظر ولدا لها، فسلم عليها وقال: يا أمة الله أسقيني ماء، فسقته وجلس. فقالت: يا عبد الله، قم فاذهب إلى أهلك ؟ فقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل، فهل لك في أجر ومعروف ولعلي أكافئك بعد اليوم ؟ فقالت: وما ذاك ؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني وأخرجوني، قالت: أنت مسلم ؟ قال: نعم، قالت: ادخل. فدخل بيتا في دارها غير الذي تكون فيه، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء فلم يتعش. فجاء ابنها، فراها تكثر الدخول إلى البيت والخروج منه، فسألها عن ذلك فقالت: يا بني اله عن هذا، قال: والله لتخبريني.


(1) كذا في نسخنا، والصواب: فما. (2) يتلدد: أي يلتفت يمينا وشمالا. (الصحاح - لدد - 2: 535). (*)

[ 443 ]

فأخذت عليه الأيمان أن لا يخبر أحدا، فحلف فأخبرته، وكانت هذه المرأة ام ولد للأشعث بن قيس، فاضطجع ابنها وسكت. وأصبح فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند امه، فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره، فعرف ابن زياد سراره، فقال: قم فأتني به الساعة. فقام وبعث معه عبيد الله بن العباس السلمي في سبعين رجلا من قيس، حتى أتوا الدار التي فيها مسلم، فلما سمع وقع الحوافر وأصوات الرجال علم أنه قد أتي، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار، فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، واختلف هو وبكر بن حمران الأحمري فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع في السفلى، وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة وثنى باخرى على حبل العاتق، وخرج عليهم مصلتا بسيفه، فقال له محمد بن الأشعث: لك الأمان لا تقتل نفسك، وهو يقاتلهم ويقول: أقسمت لا أقتل إلا حرا إني رأيت الموت شيئا نكرا كل امرئ يوما ملاق شرا أخاف أن اكذب أو اغرا فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تغر، فلا تجزع، إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك. فقال مسلم: أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم، فاتي ببغلة فركبها، واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه، فكأنه أيس هناك من نفسه، فدمعت عيناه وقال: هذا أول الغدر، وأقبل على محمد بن الأشعث وقال: إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير ؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني أن يبلغ حسينا فإني لا أراه إلا خرج إليكم اليوم أو هو خارج غدا - ويقول: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم لا يرى أن

[ 444 ]

يمسي حتى يقتل، وهو يقول: إرجع فداك أبي وأمي بأهل بيتك ولا يغرنك أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة كذبوك وليس لكذوب رأي. فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد أني قد آمنتك. وأقبل ابن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر، ودخل على عبيد الله فاخبره خبره وما كان من أمانه، فقال ابن زياد: ما أنت والأمان ؟ كأنا أرسلناك لتؤمنه وإنما أرسلناك لتأتينا به، فسكت ابن الأشعث. وخرج رسول ابن زياد فأمر بإدخال مسلم، فلما دخل لم يسلم عليه بالإمرة، فقال الحرسي: ألا تسلم على الأمير ؟ قال: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه، وإن كان لا يريد قتلي ليكثرن سلامي عليه، فقال ابن زياد: لعمري لتقتلن قتلة لم يقتلها أحد من الناس في الإسلام، فقال له مسلم: أنت أحق من أحدث في الإسلام، وأنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة، ولؤم الغلبة. وأخذ إبن زياد لعنة الله عليه يشتمه ويشتم الحسين وعليا وعقيلا، وأخذ مسلم لا يكلمه. ثم قال ابن زياد: إصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ثم أتبعوه جسده، فقال مسلم: لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني، فقال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف، فدعي بكر بن حمران الأحمري فقال له: إصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه. فصعد وجعل مسلم يكبر الله ويستغفره، ويصلي على النبي وآله ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا، وضربت عنقه واتبع جسده رأسه، وامر بهانئ بن عروة فاخرج إلى السوق وضربت عنقه وهو يقول: إلى الله المعاد، اللهم إلى رحمتك ورضوانك.

[ 445 ]

وفي قتلهما يقول عبد الله بن الزبير الأسدي: إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هاني في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه وآخر يهوي من طمار قتيل - في أبيات (1) - وبعث ابن زياد لعنه الله برأسيهما إلى يزيد بن معاوبة لعنه الله. وكان خروج مسلم رحمة الله عليه بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، وقتل يوم عرفة سنة ستين. وكان توجه الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة، وكان قد اجتمع إليه عليه السلام مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز والبصرة، ولما أراد الخروج إلى العراق طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل من إحرامه وجعلها عمرة، لأنه لم يتمكن من تمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ إلى يزيد بن معاوية (2). فروي عن الفرزدق الشاعر أنه قال: حججت بامي سنة ستين، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيت الحسين بن علي عليهما السلام خارجا من الحرم معه أسيافه وتراسه فقلت: لمن هذا القطار ؟ فقيل. للحسين بن علي، فأتيته فسلمت عليه وقلت له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب يا ابن رسول الله بأبي أنت وأمي ما أعجلك عن الحج ؟ قال: (لو لم أعجل لاخذت) ثم قال لي: (من أنت ؟). قلت: امرؤ من العرب، فلا والله ما فتشني أكثر من ذلك، ثم قال:


(1) ديوان عبد الله بن الزبير الأسدي: 115. (2) انظر: وقعة الطف لأبي مخنف: 109 - 147، ارشاد المفيد 2: 43، مقتل ابن طاووس: 19، تاريخ الطبري 5: 358، مقاتل لطالبيين: 96، مقتل، الخوارزمي 1: 199، تذكرة الخواص: 218. (*)

[ 446 ]

(أخبرني عن الناس خلفك ؟) فقلت: الخبير سألت، قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، ثم حرك راحلته وقال: (السلام عليكم)، ثم افترقنا. ولحقه عبد الله بن جعفر بكتاب عمرو بن سعيد بن العاص والي مكة مع أخيه يحيى بن سعيد يؤمنه على نفسه، فدفعا إليه الكتاب وجهدا به في الرجوع فقال: (إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وأمرني بما أنا ماض له). قالا: فما تلك الرؤيا ؟ فقال: (ما حدثت بها أحدا ولا احدث أحدا حتى ألقى ربي عز وجل). فلما يئس عبد الله بن جعفر منه أمر ابنيه عونا ومحمدا بلزومه والمسير معه والجهاد دونه، ورجع هو ويحيى بن سعيد إلى مكة. وتوجه الحسين عليه السلام نحو العراق، ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين عليه السلام إلى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطته حتى نزل القادسية، ولما بلغ الحسين عليه السلام بطن الرملة بعث عبد الله ابن يقطر - وهو أخوه من الرضاعة - وقيل: بل بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، ولم يكن علم بخبر مسلم، وكتب معه إليهم كتابا يخبرهم فيه بقدومه، ويأمرهم با لانكماش (1) في الأمر. فأخذه الحصين بن نمير وبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله بن زياد: إصعد وسب الكذاب الحسين بن علي. فصعد وحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، هذا الحسين بن علي


(1) الانكماش: االاسراع. (انظر: الصحاح - كمش - 3: 1018)

[ 447 ]

خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا رسوله إليكم فأجيبوه، ثم لعن ابن زياد، فأمر به فرمي من فوق القصر، فوقع على الأرض وانكسرت عظامه، وأتاه رجل فذبحه وقال: أردت أن اريحه ! ! فلما بلغ الحسين صلوات الله عليه قتل رسوله استعبر، ولما بلغ الثعلبية ونزل أتاه خبر قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليهما) يردد ذلك مرارا. وقيل له: ننشدك الله يا ابن رسول الله لما انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك، فنظر إلى بني عقيل فقال: (ما ترون ؟) فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق. فقال الحسين عليه السلام: (لا خير في العيش بعد هؤلاء). ثم أخرج إلى الناس كتايا فيه: (أما بعد: فقد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج، فليس عليه ذمام). فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه ونفر يسير ممن انضموا إليه، وإنما فعل عليه السلام ذلك لأنه علم أن الأعراب الذين اتبعوه يظنون أنه يأتي بلدا قد استقام عليه، فكره أن يسيروا معه إلا ودهم يعلمون على ما يقدمون. ثم سار عليه السلام حتى مر ببطن العقبة، فنزل فيها فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمرو بن لوذان فقال: أنشدك الله يا ابن رسول الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطؤوا لك الأسياف فقدمت عليهم كان ذلك رأيا. فقال: (يا عبد الله، لا يخفى علي الرأي ولكن الله تعالى لا يغلب على

[ 448 ]

مره) ثم قال عليه السلام: (والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الامم). ثم سار عليه السلام من بطن العقبة وأمر فتيانه أن يستقوا الماء ويكثروا، ثم سار حتى انتصف النهار، فبينا هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه فقال عليه السلام: (اللة أكبر لم كبرت ؟) قال: رأيت النخل، فقال له جماعة من أصحابه: والله إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط، قال: (فما ترونه ؟) قالوا: نراه والله آذان الخيل، قال: (أنا والله أرى ذلك). فما كان بأسرع حتى طلعت هوادي الخيل (1) مع الحر بن يزيد التميمي، فجاء حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين عليه السلام في حر الظهيرة، وكان مجئ الحر بن يزيد من القادسية، يقدم الحصين بن نمير في ألف فارس.. فحضرت صلاة الظهر، فصلى الحسين عليه السلام وصلى الحر خلفه، فلما سلم انصرف إلى القوم وحمد الله وأثنى عليه وقال: (أيها الناس إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أبيتم إلا الكراهة لنا، والجهل بحقنا، وكان رأيكم الان غير ما أتتني به ، كتبكم، وقدمت به علي رسلكم انصرفت عنكم). فقال له الحر: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب التي تذكر ! فقال الحسين عليه السلام لبعض أصحابه: (يا عقبة بن سمعان اخرج


(1) أقبلت هوادي الخيل: إذا بدت أعناقها. (الصحاح - هدى - 6: 2534). (*)

[ 449 ]

الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي). فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرت بين يديه، فقال له الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد امرنا إذا لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدم بك الكوفة على عبيد الله. فقال له الحسين عليه السلام: (الموت أدنى إليك من ذلك) ثم قال لاصحابه: (قوموا فاركبوا) فركبوا، فقال: (انصرفوا). فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين عليه السلام للحر: (ثكلتك امك يا ابن يزيد). قال الحر: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر امه بالثكل، ولكن والله ما لي إلى ذكر امك من سبيل إلا بحأسن ما نقدر عليه. فقال الحسين عليه السلام: (فما تريد ؟) قال: اريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله. قال: (إذا والله لا أتبعك). قال: إذا والله لا أدعك. وترادا القول، فلما كثر الكلام بينهما قال الحر: إني لم أومر بقتالك، إنما امرت أن لا افارقك حتى أقدم بك الكوفة، فتياسر ههنا عن طريق العذيب والقادسية حتى أكتب إلى الأمير ويكتب إلى عبيد الله لعل الله أن ياتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن ابتلى بشئ من أمرك. فسار الحسين عليه السلام وسار الحر في أصحابه يسايره وهو يقول له: إني أذكرك الله قي نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن. فقال الحسين عليه السلام: (أفبالموت تخوفني ؟ ! وساقول ما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخوفه

[ 450 ]

ابن عمه وقال: إنك مقتول فقال: سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبورا وودع مجارما) فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه. قال عقبة بن سمعان: فسرنا معه ساعة فخفق عليه السلام هو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه وهو يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين) ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا، فأقبل إليه علي بن الحسين عليهما السلام على فرس فقال: يا أبه فيم حمدت الله واسترجعت ؟ قال: (يا بني، إني خفقت خفقة فعن لي فارس على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري. إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا). فقال له: يا أبه لا أراك الله سوءا، ألسنا على الحق ؟ قال: (بلى والذي إليه مرجع العباد). قال: فإننا إذن لا نبالي أن نموت محقين. فقال له الحسين عليه السلام: (جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده). فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيرده وأصحابه، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة امتنعوا عليه، فلم يزالوا يتياسرون كذلك حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين عليه السلام، فإذا راكب على نجيب له، فلما انتهى إليهم سلم على الحر ولم يسلم على الحسين عليه السلام وأصحابه، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله بن زياد، فإذا فيه: أما بعد: فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ولا تنزله إلا بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام.

[ 451 ]

فأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقال له الحسين: (دعنا ويحك ننزل في هذه القرية أو هذه) - يعني نينوى والغاضرية -. قال: لا والله لا أستطيع ذالك، هذا رجل قد بعث عينا علي. فقال زهير بن القين: إني والله ما أراه يكون بعد هذا الذي ترون إلا أشد ما ترون، يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا بعدهم من لا قبل لنا به. فقال الحسين عليه السلام: (ما كنت لأبدأهم بالقتال) ثم نزل، وذلك في يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين. فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة الاف فارس فنزل نينوى، فبعث إلى الحسين عليه السلام عروة بن قيس الأحمسي، فقال له: فأته فسله ما الذي جاء بك ؟ وكان عروة ممن كتب إلى الحسين عليه السلام فاستحيى منه أن يأتيه، فعرض ذلك على الرؤساء فكلهم أبى ذلك لمكان أنهم كاتبوه، فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فبعثه، فجاء فسلم على الحسين عليه السلام فبلغه رسالة ابن سعد، فقال الحسين عليه السلام: (كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم، فأما إذا كرهوني فأنا أنصرف عنكم). فلما سمع عمر هذه المقالة قال: أرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله، وكتب إلى عبيد الله بن زياد لعنه الله: أما بعد: فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب، فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم يسألوني القدوم فأما إذ كرهوني فأني منصرف عنهم. فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال:

[ 452 ]

الان إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص وكتب إلى عمر بن سعد: أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمته، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه، فإذا هو فعل ذلك رأينا رأينا والسلام. فلما ورد الجواب قال عمر بن سعد: قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية، وورد كتاب ابن زياد في الأثر إليه: أن حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فالا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي عثمان بن عفان ! ! فبعث ابن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعه وحالوا بين الحسين وأصحابه أن يستقوا منه، وذلك قبل قتل الحسين عليه السلام بثلاثة أيام. ونادى عبد الله بن الحصين الأزدي لعنه الله بأعلى صوته: يا حسين، ألا ترون إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوقون منه قطرة حتى تموتوا عطشا. فقال الحسين عليه السلام: (اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا). قال حميد بن مسلم: فوالله لعدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله غيره، لقد رأيته يشرب الماء حتى يبغرا) ثم يقئ ويصيح: العطش العطش، ثم يعود يشرب الماء حتى يبغر، ثم يقيئه ويتلظى عطشا، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ نفسه. ولما رأى الحسين عليه السلام نزول العساكر مع عمر بن سعد


(1) البغر: داء يأخذ الابل فتشرب فلا تروى وتمرض منه فتموت. قال الفرزدق: فقلت ما هو الا السام تركبه كأنما الموت قي أنجاده البغر (لسان العرب 4: 72). (*)

[ 453 ]

ومددهم لقتاله أنفذ إلى عمر بن سعد: (أني اريد لقاءك) فاجتمعا فتناجيا طويلا. ثم رجع عمر إلى مكانه وكتب إلى عبيد الله بن زياد: أما بعد: فإن الله تعالى قد اطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الامة، هذا حسين أعطاني عهدا أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو أن يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لك رضا وللامة صلاح. فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه. فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ؟ ! والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة ولتكونن أولى بالضعف، فلا تعطه هذه المنزلة، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت أولى بالعقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك. فقال ابن زياد: نعم ما رأيت، الرأي رأيك اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن أبوا فليقاتلهم، فإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش واضرب عنقه وأنفذ إلي برأسه. وكتب إلى عمر: إني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة، ولا لتعتذر له، ولا لتكون له عندي شافعا، انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إلي سلما، لى ان أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتلت الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق ظلوم ! ! ولست أرى أن هذا يضر بعد الموت شيئا ولكن على قول قد قلته: لو قد قتلته لفعلت هذا به،

[ 454 ]

فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل جندنا وعملنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا والسلام. فاقبل شمر بكتاب عبيد الله إلى عمر بن سعد، فلما قرأه قال له: مالك ؟ لا قرب الله دارك، قبح الله ما قدمت به علي، لا يستسلم والله حسين، إن نفس أبيه لبين جنبيه، قال شمر: اخبرني ما أنت صانع، امض أمر أميرك وإلا فخل بيني وبين الجند، قال: لا، ولا كرامة لك، ولكن أنا أتولى ذلك وكن أنت على الرجالة. ونهض عمر بن سعد عشية يوم الخميس لتسع مضين من المحرم، وجاء شمر فوقف على أصحاب الحسين عليه السلام فقال: أين بنو اختنا ؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي عليه السلام فقالوا: ما تريد ؟ قال: أنتم يا بني اختي امنون، فقالوا: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ! ! ثم نادى عمر بن سعد: يا خيل الله اركبي، فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر، والحسين عليه السلام جالس أمام بيته محتب بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت اخته الصيحة فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات ؟ فرفع رأسه فقال: (إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا) فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل، فقال لها: (ليس لك الويل يا اخية، اسكتي رحمك الله). وقال له العباس بن علي: يا أخي قد جاءك القوم، فنهض وقال: (يا عباس، اركب - بنفسي أنت يا أخي - حتى تلقاهم وتقول لهم: ما لكم) ؟ فأتاهم العباس في عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال: ما بدا لكم وما تريدون ؟ قالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن

[ 455 ]

تنزلوا على حكمه أو نناجزكم، فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين عليه السلام يخبره الخبر، ووقف أصحابه يعظون القوم ويكفونهم عن قتال الحسين عليه السلام، وجاء العباس وأخبره بما قال القوم، فقال: (ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غد وتدفعهم عنا العشية فافعل، لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره). ومضى العباس ورجع ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول: إنا قد أجلناكم إلى غد وانصرف. فجمع الحسين عليه السلام أصحابه عند قرب المساء، قال علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام: (فدنوت لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض فسمعت أبي عليه السلام يقول لاصحابه: اثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة،، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين (1) أما بعد: فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خير الجزاء، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا. فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: ولم نفعل ذلك، لنبقى بعدك ؟ ! لا أرانا الله ذلك أبدا، بدأهم بهذا القول العباس بن علي فأتبعه الجماعة عليه وتكلموا بمثله. فقال الحسين عليه السلام: يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم.


(1) في الارشاد زيادة: وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة فاجعلنا من الشاكرين. (*)

[ 456 ]

قالوا: سبحان الله فما يقول الناس ؟ ! يقولون: إنا تركنا شيخنا وسيدنا وسيد بني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن برمح، ولم نضرب دونهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا ؟ !، لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك. وقام إليه مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نخلي عنك ولم نعذر إلى الله تعالى في أداء حقك ؟ ! لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، والله لو علمت أني اقتل ثم احرق ثم أحيى، يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا ! وقام زهير بن القين فقال: والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت، وهكذا ألف مرة، وأن الله سبحانه يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك. ثم تكلم جماعة من أصحابه بكلام يشبه ما ذكرناه، فجزاهم الحسين عليه السلام خيرا وانصرف إلى مضربه). قال علي بن الحسين عليهما السلام: (إني لجالس في تلك العشية - وعندي عمتي زينب تمرضني - إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جوين مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه - ويصلحه - وأبي يقول: يا دهر أف لك من خليل كم لك بم الإشراق والأصيل من صاحب أو طالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل وكل حي سالك سبيل وأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها وعرفت ما أراد فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فإنها سمعت

[ 457 ]

ما سصت وهي امرأة ومن شن أالنساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسهما أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت إمي فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين، فنظر إليها الحسين عليه السلام وقال: يا اختاه لا يذهبن حلمك الشيطان، وترقرقت عيناه بالدموع وقال: لو ترك القطا لنام، فقالت: يا ويلتاه أتغتصب نفسك اغتصابا، فذاك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت على وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشيا عليها، فقام إليها الحسين عليه السلام فصب الماء على وجهها وقال لها: يا اختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شئ هالك إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته وإليه يعودون وهو فرد واحد، وإن أبي خير مني، وأخي خير مني، ولكل مسلم برسول الله اسوة، فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا اختاه، إني أقسمت عليك فأبري قسمي، لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها وأجلسها عندي. ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرب بعضهم بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، أن يكونوا بين البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم. ورجع إلى مكانه فقام الليل كله يصلي ويستغفر ويدعو، وقام أصحابه كذلك يدعون ويصلون ويستغفرون). وأصبح عليه السلام فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس أخاه، وجعلوا

[ 458 ]

البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان هناك قد حفر وأن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم. وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم، وهو يوم الجمعة - وقيل: يوم السبت - فعبأ أصحابه، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجالة شبث بن ربعي. ونادى شمر - لعنه الله - بأعلى صوته: يا حسين، تعجلت النار قبل يوم القيامة، فقال الحسين عليه السلام: (يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا) ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه، فإن الفاسق من عظماء الجبارين وقد أمكن الله منه، فقال عليه السلام: (أكره أن أبدأهم). ثم دعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته - وكلهم يسمعون - فقال: (أيها الناس إسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق علي لكم وحتى أعذر إليكم فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون، إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين). ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي عليه وآله السلام فلم يسمع متكلم قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه، ثم قال: (أما بعد: فانسبوني وانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين المصدقين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما جاء به من عند ربه ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ أو ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي ؟ أو لم يبلغكم ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي:

[ 459 ]

هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟ فإن صدقتموني بما أقول - وهو الحق - فوالله ما تعمدت كذبا منذ علمت أن الله تعالى يمقت عليه (أهله)، وإن كذبتموني فإن فيكم من إذا سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبرونكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟). فقال له شمر لعنه الله: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول، فقال له حبيب بن مظاهر: والله إني لاراك تعبد الله على سبعين حرفا، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك. ثم قال لهم الحسين عليه السلام: (فإن كنتم في شك من هذا أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ؟ ! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص جراحة ؟ !) فأخذوا لا يكلمونه. فنادى عليه السلام: (يا شبث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس ابن الأشعث، يا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي: أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجند ؟). فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول، ولكن انزل على حكم بني عمك فإنهم لم يريدوا بك إلا ما تحب. فقال الحسين عليه السلام: (لا والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد، ثم نادى: يا عباد الله (إني عذت بربي وربكم أن ترجمون) (1) أعوذ (بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) (2)


(1) الدخا ن 44: 20. (2) غافر 40: 27. (*)

[ 460 ]

ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه. فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه السلام قال: لعمر بن سعد: اي عمر، أتقاتل الحسين ؟ ! قال: إي والله قتالا أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح فيه الأيدي، قال: أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى ؟ قال: لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى. فأقبل الحر ومعه رجل من قومه يقال له: قرة بن قيس فقال له: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال: لا. قال قرة: فظننت أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، ولو أنه اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين عليه السلام، فأخذ يدنو من الحسين عليه السلام قليلا قليلا فقال له رجل: ما هذا الذي أرى منك ؟ فقال: إني والله اخير نفسي بين الجنة والنار، فوالله ما أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت، ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين عليه السلام فقال له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، أنا صاحبك الذي جعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم ولا يبلغون منك هذه المنزلة، والله لو علمت أن القوم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت منك الذي ركبت، وإني تائب إلى الله تعالى مما صنعت، فترى لي من ذلك توبة ؟ فقال الحسين عليه السلام: (نعم يتوب الله عليك فانزل) قال: فأنا لك فارسا خير مني راجلا، اقاتلهم لك على فرسي ساعة وإلى النزول يصير اخر أمري، فقال له الحسين عليه السلام: (فاصنع - يرحمك الله - ما بدا لك). فاستقدم أمام الحسين عليه السلام فقال: يا أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر، دعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنكم

[ 461 ]

قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، أخذتم بكظمه (1)، وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة، فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضرا، وحلأتموه (2) ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهود والنصارى والمجوس وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش، بئس ما خلفتم محمدا في ذريته، لا سقاكم الله يوم الظمأ. فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين عليه السلام. ورمى عمر بن سعد بسهم وقال: اشهدوا أني أول من رمى، ثم ارتمى الناس وتبارزوا، فبرز يسار مولى زياد بن أبيه، فبرز إليه عبد الله بن عمير فضربه بسيفه فقتله، فشد عليه سالم مولى عبيد الله بن زياد فصاحوا به: قد رهقك العبد، فلم يشعر حتى غشيه فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه، ثم شد عليه فضربه حتى قتله، وأقبل وقد قتلهما وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن الكلب إني امرؤ ذو مرة وعضب (3) ولست بالخوار عند النكب وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام بمن كان معه من أهل الكوفة، فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب واشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا آخرين.


(1) أخذتم بكظمه: أي بمخرج نفسه. (الصحاح - كظم - 5: 2023). (2) حلأه عن الماء: طرده ولم يدعه يشرب. (الصحاح - حلا - 1: 45). (3) العضب: السيف القاطع. (العين 1: 283) (*)

[ 462 ]

وجاء رجل من بني تميم يقال له: عبد الله بن حوزة إلى عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم: إلى أين ثكلتك امك ؟ فقال: إني أقدم على رب كريم وشفيع مطاع، فقال الحسين عليه السلام لأصحابه: (من هذا ؟) فقيل: ابن حوزة، فقال: (اللهم حزه إلى النار) فاضطربت به فرسه في جدول فوقع وتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى، وشد عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فطارت، وعدا به فرسه فضرب رأسه كل حجر وكل شجر حتى مات وعجل الله بروحه إلى النار. ونشب القتال، فقتل من الجميع جماعة، وحمل الحر بن يزيد على أصحاب عمر بن سعد وهو يتمثل بقول عنترة: ما زلت أرميهم بغرة وجهه ولبانه (1) حتى تسربل بالدم فبرز إليه رجل من بني الحارث فقتله الحر. وبرز نافع بن هلال وهو يقول: أنا ابن هلال البجلي أنا على دين علي فبرز إليه مزاحم بن حريث وهو يقول: أنا على دين عثمان، فقال له نافع: أنت على دين الشيطان، وحمل عليه فقتله. فصاح عمر بن الحجاج بالناس: يا حمقى، أتدرون من تبارزون ومن تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان أهل المصر، تقاتلون قوما مستميتين، لا يبرز إليهم منكم أحد فإنهم قليل وقلما يبقون، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم، فقال عمر بن سعد: صدقت الرأي ما رأيت، فأرسل في الناس واعرض عليهم أن لا يبارز رجل منكم رجلا منهم. ثم حمل عمرو بن الحجاج في أصحابه على أصحاب الحسين عليه


(1) لبانة: صدره. (الصحاح - لبن - 6: 2193). (*)

[ 463 ]

السلام من نحو الفرات، واضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي - رحمه الله - وانصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه، وانقطعت الغبرة فوجدوا مسلما صريعا، فسعى إليه الحسين عليه السلام فإذا به رمق فقال له: (رحمك الله يا مسلم (منهم من قضى نحبة ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (1). وحمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة على أهل الميسرة، وحمل على الحسين عليه السلام وأصحابه من كل جانب، وقاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالا شديدا، وأخذت خيلهم تحمل - وإنما هي اثنان وثلاثون فارسا - فلا تحمل على جانب من خيل الكوفة إلا كشفته. فلما رأى ذلك عروة بن قيس - وهو على خيل الكوفة - بعث إلى عمر ابن سعد: أما ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العدة اليسيرة، فابعث إليهم الرجال الرماة، فبعث إليهم بالرماة، فعقر بالحر بن يزيد فرسه فنزل عنه وهو يقول: إن تعقروا بي فأنا ابن الحر أشجع من ذي لبد هزبر فجعل يضربهم بسيفه، وتكاثروا عليه حتى قتلوه. وقاتل أصحاب الحسين عليه السلام أشد قتال، حتى انتصف النهار فلما رأى الحصين بن نمير - وكان على الرماة - صبر أصحاب الحسين عليه السلام تقدم إلى أصحابه - وكانوا خمسمائة نابل -: أن يرشقوا أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل فرشقوهم، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وجرحوا الرجال حتى أرجلوهم، واشتد القتال بينهم ساعة. وجاءهم شمر بن ذي الجوشن لعنه الله في اصحابه، فحمل عليهبم


(1) الأحزاب 33: 23. (*)

[ 464 ]

زهير بن القين في عشرة رجال وكشفوهم عن البيوت، وعطف عليهم شمر فقتل من القوم ورد الباقين إلى مواضعهم، وكان القتل يبين في أصحاب الحسين عليه السلام لقلة عددهم ولا يبين في أصحاب عمر بن سعد لكثرتهم. واشتد القتال، وكثر القتل في أصحاب أبي عبد الله عليه السلام إلى أن زالت الشمس فصلى الحسين عليه السلام بأصحابه صلاة الخوف. وتقدم حنظلة بن سعد الشبامي بين يدي الحسين عليه السلام فنادى أهل الكوفة: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يا قوم لا تقتلوا حسينا فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى، ثم تقدم فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. وتقدم بعده شوذب مولى شاكر فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته، أستودعك الله، ثم قاتل حتى قتل، ولم يزل يتقدم رجل بعد رجل من أصحابه فيقتل حتى لم يبق مع الحسين عليه السلام إلا أهل بيته خاصة. فتقدم ابنه علي بن الحسين عليهما السلام وكان من أصبح الناس وجها وله يومئذ بضع عشرة سنة، فشد على الناس وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي ففعل ذلك مرارا وأهل الكوفة يتقون قتله، فبصر به مرة بن منقذ العبدي لعنه الله، فطعنه فصرعه، واحتواه القوم فقطعوه بأسيافهم، فجاء الحسين عليه السلام حتى وقف عليه فقال: (قتل الله قوما قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (وانهملت عيناه بالدموع، ثم قال: (على الدنيا بعدك العفاء)، وخرجت زينب اخت

[ 465 ]

الحسين مسرعة تنادي: يا أخياه وابن أخياه، وجاءت حتى أكبت عليه، وأخذ الحسين عليه السلام برأسها فردها إلى الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه. ثم رمى رجل من أصحاب عمر بن سعد يقال له: عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم، فوضع، عبد الله يده على جبهته يتقيه فأصاب السهم كفه ونفذ إلى جبهته فسمرها بها فلم يستطيع تحريكا، ثم انتحى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله. وحمل عبد إلله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام فقتله. وحمل عامر بن نهشل التيمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام فقتله. قال حميد بن مسلم: فأنا كذلك إذ خرج علينا غلام كأن وجهه فلقة قمر، في يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما، فقال لي عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه، فقلت: سبحان الله، وماذا تريد منه ؟ ! دعه يكفيكه هؤلاء القوم، فشد عليه فقتله، ووقع الغلام لوجهه فقال: يا عماه، فجلى (1) الحسين عليه السلام كما يجلي الصقر، ثم شد شدة ليث أغضب، فضرب عمر بن سعيد بالسيف فاتقاها بالساعد فأطنها (2) من لدن المرفق، فصاح صيحة سمعها أهال العسكر ثم تنحى عنه الحسين وحملت خيل أهل الكوفة ليستنفذوه فتوطأته بأرجلها حتى مات لعنه الله، وأنجلت الغبرة فرأيت الحسين عليه السلام قائما على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين عليه السلام يقول: (بعدا لقوم قتلوك


(1) جلى ببصره: إذا رمى به كما ينظر الصقر إلى الصيد. (الصحاح - جلا - 6: 2305). (2) اطنها: أي قطعها، ويراد بذلك صوت القطع. (الصحاح - طنن - 6: 2159) (*)

[ 466 ]

ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك) ثم قال: (عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، صوت - والله - كثر واتره وقل ناصره) ثم حمله على صدره، فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان الأرض، فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين والقتلى من أهل بيته، فسألت عنه فقيل: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. ثم جلس الحسين عليه السلام أمام الفسطاط، فأتي بابنه عبد الله بن الحسين وهو طفل فأجلسه في حجره، فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه، فتلقى الحسين من دمه ملء كفه وصبه في الأرض ثم قال: (رب إن تكن حبست عنا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين)، ثم حوله حتى وضعه مع قتلى أهله. ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام فقتله. فلما رأى العباس بن علي كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من أمه - وهم عبد الله وجعفر وعثمان -: يا بني امي تقدموا حتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله، وإنه لا ولد لكم، فقدم عبد الله فقاتل قتالا شديدا فاختلف هو وهانئ بن ثبيت الحضرمي ضربتين فقتله هانئ، وتقدم بعده جعفر بن علي عليه السلام فقتله أيضا هانئ، وتعمد خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي - وقد قام مقام إخوته - فرماه فصرعه، وشد عليه رجل من بني دارم فاحتز رأسه. وحملت الجماعة على الحسين عليه السلام فغلبوه على عسكره، واشتد به العطش فركب المسناة يريد الفرات وبين يده أخوه العباس، فاعترضته خيل ابن سعد وفيهم رجل من بني دارم، فقال لهم: ويلكم حولوا بينه وبين ماء الفرات ولا تمكنوه من الماء، فقال الحسين عليه السلام:

[ 467 ]

(اللهم اظمأه) فغضب الدارمي فرماه بسهم فأثبته في حنكه (1)، فانتزع الحسين عليه السلام السهم وبسط يده تحت حنكه (2) فامتلأت راحتاه بالدم فرماه ثم قال: (اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك صلى الله عليه وآله وسلم). ثم رجع إلى مكانه واشتد به العطش، وأحاط القوم بالعباص فاقتطعوه عنه، فجعل يقاتلهم وحده حتى قتل رحمه الله. ولما رجع الحسين عليه السلام من المسناة تقدم إليه شمر بن ذي الجوشن لعنه الله في جماعة من أصحابه، وضربه رجل يقال له: مالك الكندي على رأسه بالسيف، وكان عليه قلنسوة فقطعها حتى وصل إلى رأسة فأدماه وامتلأت القلنسوة دما، فقال له الحسين عليه السلام: (لا أكلت بيمينك، ولا شربت بها، وحشرك الله مع الظالمين) ثم ألقى القلنسوة ودعا بخرقة فشد بها رأسه، واستدعى قلنسوة اخرى فلبسها واعتم عليها، ورجع، عنه شمر ومن كان معه إلى مواضعهم، فمكث هنيهة ثم عاد وعادوا إليه وأحاطوا به، فخرج إليه عبد الله بن الحسن - وهو غلام لم يراهق - من عند النساء يشتد حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام فلحقته زينب بنت علي عليه السلام لتحبسه فقال لها الحسين عليه السلام: (احبسيه يا أختي) فأبى وامتنع عليها إمتناعا شديدا وقال: والله لا أفارق عمي، فأهوى ابجر بن كعب إلى الحسين بالسيف فقال له الغلام: ويلك يا ابن الخبيثة أتقتل عمي ؟ فضربه ابجر بالسيف فاتقاها الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة فإذا يده معلقة، فنادى الغلام. يا اماه، فأخذه الحسين عليه السلام فضمه إلى صدره وقال


(1) في نسختي (ق) و (ط): جبينه. (2) في نسختي (ق) و (ط): جبينه. (*)

[ 468 ]

له: (يا بني اصبر على، ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين). ثم رفع الحسين عليه السلام يده وقال: (اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا). وحملت الرجالة يمينا وشمالا على من كان بقي معه، فقتلوهم حتى لم يبق معه إلا ثلاثة نفر أو أربعة، فلما رأى الحسين عليه السلام ذلك دعا بسراويل (1) يلمع فيها البصر ففزرها (2) ثم لبسها، وإنما فزرها لكي لا يسلب بعد قتله، فلما قتل عليه السلام عمد أبجر بن كعب - لعنه الله - إليه فسلبه السراويل وتركه مجردا، فكانت يدا أبجر بن كعب بعد ذلك تتيبسان في الصيف كأنهما عودان، وتترطبان في الشتاء فتنضحان دما وقيحا إلى أن أهلكه الله. ولما لم يبق معه إلا ثلاثة رهط من أهله أقبل على القوم يدفعهم عن نفسه وعن الثلاثة والثلاثة يحمونه، حتى قتل الثلاثة وأثخن بالجراح في رأسه وبدنه، وجعل يضاربهم بسيفه وهم يتفرقون عنه يمينا وشمالا. قال حميد بن مسلم: فوالله ما رأيت مكثورا قظ قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا منه، إن كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فيكشفهم عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا اشتد عليها الذئب. فلما رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن أمر الرماة أن يرموه، فرشقوه


(1) في الإرشاد: بسراويل يمانية. (2) الفزر: الفسخ في الثوب، يقال: لقد تفزر الثوب، إذا تقطع وبلى. (الصحاح - فزر - 2: 781). (*)

[ 469 ]

بالسهام حتى صار كالقنفذ، فأحجم عنهم، فوقفوا بإزائه، ونادى شمر: ويحكم ما تنتظرون بالرجل ثكلتكم امهاتكم. فحمل عليه من كل جانب، فضربه زرعة بن شريك على كفه اليسرى، وطعنه سنان بن أنس بالرمح فصرعه، ؟ نزل إليه خولي بن يزيد الأصبحي لعنه الله ليحز رأسه فارعد، فقال له شمر: فت الله (1) في عضدك ما لك ترعد ؟ ونزل إليه شمر لعنه الله فذبحه ثم دفع رأسه إلى خولي بن يزيد الأصبحي، فقال له: إحمله إلى الأمير عمر ابن سعد. ثم أقبلوا على سلب الحسين عليه السلام، فأخذ قميصه إسحاق بن حيو الحضرمي، وأخذ سراويله أبجر بن كعب، وأخذ عمامته آخنس بن مرثد، وأخذ سيفه رجل من بني دارم. وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله وسلبوا نساءه. قال حميد بن مسلم: فوالله لقد كنت أرى المرأة سن نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها. قال: ثم انتهينا إلى علي بن الحسين عليه السلام وهو منبسط على فرأشه مريض، ومع شمر جماعة من الرجالة، فقالوا: ألا نقتل هذا العليل فقلت: سبحان الله أتقتل الصبيان إنما هذا صبي، وإنه لما به، فلم أزل بهم حتى دفعتهم عنه. وجاء عمر بن سعد فصاح النساء في وجهه وبكين فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النساء، ولا تتعرضوا لهذا الغلام المريض، فسألته النسوة أن يسترجع، ما أخذ منهن ليستترن به، فقال: من أخذ من


(1) فت الشئ: أي كسره. (الصحاح - فتت - 1: 259). (*)

[ 470 ]

متاعهن شيئا فليرده، فوالله ما رد أحد منهم شيئا، فوكل بالفسطاط وبيوت النساء وعلي بن الحسين عليهما السلام جماعة ممن كانوا معه، فقال: احفظوهم. ثم عاد إلى مضربه ونادى في عسكره: من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه ؟ فانتدب عشرة، منهم: إسحاق بن حيوة، وأخنس بن مرثد، فداسوا الحسين عليه السلام بخيولهم حتى رضوا ظهره لعنهم الله. وسرخ عمر بن سعد لعنه الله برأس الحسين عليه السلام من يومه - وهو يوم عاشوراء - مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد لعنه الله، وأمر برؤوس الباقين فقطعت وكانت إثنين وسبعبن رأسا، فسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو ابن الحجاج لعنهم الله، فأقبلوا حتى قدموا بها على ابن زياد لعنه الله، وأقام هو بقية يومه واليوم الثاني إلى الزوال، ثم نادى في الناس بالرحيل، وتوجه نحو الكوفة ومعه بنات الحسين عليه السلام وأخواته ومن كان معه من النساء والصبيان، وعلي بن الحسين عليه السلام فيهم وهو مريض بالذرب (1) وقد أشفى (2). فلما رحل إبن سعد خرج قوم من بني أسد - كانوا نزولا بالغاضرية - إلى الحسين عليه السلام وأصحابه، فصلوا عليهم، ودفنوا الحسين عليه السلام حيث قبره الان، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله حفيرة مما يلي رجله


(1) الذرب: الداء الذي يعرض للمعلة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها ولا تمسكه. (لسان العرب 1: 385). (2) اشفى: قرب من الموت. (الصحاح شفا - 6: 2394). (*)

[ 471 ]

وجمعوهم فدفنوهم جميعا معا ودفنوا العباس بن علي في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الان. فلما وصل رأس الحسين عليه السلام ووصل ابن سعد من غد يوم وصوله جلس ابن زياد في قصر الأمارة وأذن للناس إذنا عاما، وأمر بإحضار الرأس فوضع بين يديه فجعل ينظر إليه ويتبسم وبيده قضيب يضرب به ثناياه، وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وهو شيخ كبير - فقال: إرفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما لا احصيه تترشفهما. ثم انتحب باكيا، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينك، أتبكي لفتح الله، الله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك. فنهض زيد بن أرقم وصار إلى منزله. وادخل عيال الحسين عليه السلام على ابن زياد، فدخلت زينب اخت الحسين في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحف بها إماؤها، فقال ابن. زياد: من هذه التي انحازت ومعها نساؤها ؟ فلم تجبه زينب، فأعاد ثانية وثالثة فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فأقبل عليها ابن زياد لعنه الله وقال: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب احدوثتكم. فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وطهرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا. فقال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك ؟ قالت: كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده.

[ 472 ]

فغضب ابن زياد واستشاط، فقال عمرو بن حريث: إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها. فقال لها ابن زياد: قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك. فرقت زينب وبكت، وقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت. فقال ابن زياد: هذه سجاعة، ولعمري لقد كان أبوها سجاعا. فقالت: ما للمرأة والسجاعة، إن لي عن السجاعة لشغلا، ولكن صدري نفث بما قلت. وغرض عليه علي بن الحسين عليهما السلام فقال له: من أنت ؟ قال: (أنا علي بن الحسين) قال: أليس قد قتال الله علي بن الحسين ؟ فقال: (كان لي أخ يسمى عليا، فقتله الناس). قال ابن زياد: بل الله قتله. فقال علي بن الحسين عليهما السلام: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) (1). فغضب ابن زياد وقال: بك جرأة لجوابي، وفيك بقية للرد علي، إذهبوا به فاضربوا عنقله. فتعلقت به زينب عمته وقالت: يا ابن زياد، حسبك من دمائنا، واعتنقته وقالت: والله لا أفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه. فنظر ابن زياد إليها ساعة وقال: عجبا للرحم، والله اني لاظنها ودت


(1) الزمر 39: 42. (*)

[ 473 ]

أني قتلتها معه، دعوه فإني أراه لما به مشغول، ثم قام من مجلسه. ولما أصبح ابن زياد لعنه الله بعث برأس الحسين عليه السلام فدير به في سكك الكوفة وقبائلها. فروي عن زيد بن أرقم أنه قال: مر به علي وهو على رمح وأنا في غرفة لي فلما حاذاني سمعته يقرأ: (ام حسبت ان اصحاب الكهف والرقيم كانوا من اياتنا عجبا) وقف والله شعري وناديت: رأسك والله يا ابن رسول الله أعجب وأعجب. ولما فرغ القوم من التطواف به ردوه إلى باب القصر فدفعه ابن زياد إلى زحر بن قيس ودفع إليه رؤوس أصحابه وسرحه إلى يزيد بن معاوية وأنفذ معه جماعة من أهل الكوفة حتى وردوا بها إلى يزيد بن معاوية بدمشق، فقال يزيد: قد كنت اقنع وأرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين أما لوأني صاحبه لعفوت عنه. ثم إن عبيد الله بن زياد بعد إنفاذه برأس الحسين أمر بنسائه وصبيانه فجهزوا وأمر بعلي بن الحسين عليه السلام فغل بغل إلى عنقه ثم سرح به في أثر الرأس مع مجفر بن ثعلبة العائذي وشمر بن ذي الجوشن لعنهما الله فانطلقا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس ولم يكن علي بن الحسين عليه السلام يكلم أحدا من القوم في الطريق كلمة حتى بلغوا باب يزيد فرفع مجفر بن ثعلبة صوته فقال: هذا مجفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه علي بن الحسين عليه السلام: (ما ولدت ام مجفر أشر وألام). ولما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد وفيها رأس الحسين عليه السلام قال يزيد:

[ 474 ]

نفلق هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما (1) فقال يحمص بن الحكم - أخو مروان بن الحكم - وكان جالسا مع يزيد: لهام بأدنى الطف أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي الحسب الرذل (2) أمية أمسى نسلها عدد الحصى وبنت رسول الله ليس لها نسل فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال: اسكت. ثم قال لعلي بن الحسين عليهما السلام: يا ابن حسين أبوك قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قدر أيت. فقال علي بن الحسين عليهما السلام: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (3). فقال يزيد لابنه خالد: اردد عليه، فلم يدر خالد ما يرد عليه، فقال له يزيد: قل: اما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (4) ثم دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه فرأى هيهئة قبيحة فقال: قبح الله ابن مرجانة، لو كانت بينكم إبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم ولا بعث بكم على هذا. قالت فاطمة بنت الحسين عليهما السلام: فلما جلسنا بين يدي يزيد رق لنا، فقام رجل من أهل الشام أحمر فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه


(1) البيت من قصيدة للحصين بن الحمام من شعراء الجاهلية. انظر: الأغاني 14: 7، شرح إختيارات المفضل 1: 325. (2) في نسخة (م): الوغل. (3) الحديد 57: 22. (5) الشورى 42: 30. (*)

[ 475 ]

الجارية - يعنيني - وكنت جارية وضيئة، فارعدت وظننت أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون، فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك ولا له. فغضب يزيد وقال: كذبت، إن ذلك لي ولو شئت لفعلت. قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغيرها. فاستطار يزيد غضبا وقال: إياي تستقبلين بهذا، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. قالت زينب: بدين الله ودين أبي وأخي اهتديت أنت وجدك وأبوك إن كنت مسلما. قال: كذبت يا عدوة الله. قالت له: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك. فكأنه استحيا وسكت، فعاد الشامي فقال: هب لي هذه الجارية، فقال له يزيد: اعزب، وهب الله لك حتفا قاضيا. ثم امر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، فافرد لهم دارا تتصل بدار يزيد، فأقاموا أياما، ثم ندب يزيد النعمان بن بشير وقال له: تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة إلى المدينة، ولما أراد أن يجهزهم دعا علي بن الحسين عليه السلام فاستخلاه ؟ قال له: لعن الله ابن مرجانة، أم والله لو أني صاحب أبيك ما سألني خصلة إلا أعطيته اياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت، ولكن الله قضى بما رأيت (1)


(1) لست أدري بأي عبارة أجيب يزيد على أكاذيبه هذه، ودعاواه الباطلة السقيمة التي لا تنطلي لا، إلا على السذج والبسطاء الذين لا يعرفون قطعا من هو يزيد بن معاوبة بن هند، وما هي أفعاله سواء في كربلاء أو المدينة أو غيرهما. (*)

[ 476 ]

عبد المطلب فقتله حمزة، وبارز شيبة عبيدة بن الحارث فاختلفت بينهما ضربتان قطعت إحداهما فخذ عبيدة فاستنقذه علي عليه السلام بضربة بدر بها شيبة فقتله، وشركه في ذلك حمزة، وكان قتل هؤلاء أول وهن لحق المشركين وذل دخل عليهم، ونصرة وعز للمؤمنين. وقتل أيضا بعده العاص بن سعيد بن العاص. وقتل حنظلة بن أبي سفيان، وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، ولما عرف النبي عليه السلام حضوره يوم بدر قال: (اللهم اكفني نوفل بن خويلد). ولم يزل عليه السلام يقتل منهم واحدا بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم، وكانوا سبعين قتيلا، وختم الأمر بمناولته النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفا من الحصى، فرمى بها في وجوههم وقال لهم: (لشاهت الوجوه) فولوا على أدبارهم منهزمين وكفى الله المؤمنين شرهم (1). ومن مقاماته عليه السلام في غزوة احد: أن الفتح كان له في هذه الغزاة كما كان بيده يوم بدر، واختص بحسن البلاء فيها والصبر. قال أبو البختري القريشي: كانت راية قريش ولواؤها جميعا بيد قصي ابن كلاب، ثم لم تزل الراية في يد ولد عبد المطلب يحملها منهم من حضر الحرب حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه واله وسلم فصارت راية قريش وغير ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاقرها في بني هاشم، وأعطاها علي بن أبي طالب في غزوة ودان، وهي أول غزوة حمل فيها راية في الإسلام مع النبي، ثم لم تزل معه في المشاهد: ببدر وهي البطشة الكبرى، وفي يوم احد وكان اللواء يومئذ في بني عبد الدار فأعطاها رسول الله صلى الله عليه


بحار الأنوار 1 9: 293 / 36. (1) انظر: ارشاد المفيد 1: 70. (*)

[ 477 ]

ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب. وهم كلهم قد دفنوا مما يلي رجلي الحسين عليه السلام حفر لهم حفيرة والقوا جميعا فيها وسوي عليهم التراب إلا العباس بن علي بن أبي طالب فإن قبره ظاهر (1). وقال الشيخ المفيد أبو عبد الله - قدس الله روحه -: فأما أصحاب الحسين عليه السلام فإنهم مدفونون حوله، ولسنا نحصل لهم أجداثا على التحقيق، إلا أننا لا نشك أن الحائر محيط بهم (2). وذي - السيد الأجل المرتضى - قدس الله روحه - في بعض مسائله: أن رأس الحسين بن علي عليهما السلام رد إلى بدنه بكربلاء من الشام وضم إليه (3). والله أعلم. عقيل ابن أبي طالب. (أنظر: الارشاد للمفيد 2: 125، مقاتل الطالبيين: 92، تاريخ الطبري 5: 469، الكامل في التاريخ 4: 9 2). (1) انظر ارشاد المفيد 2: 125. (2) إرشاد المفيد 2: 126. (3) رسائل الشريف المرتضى 3: 130. (*)

[ 478 ]

(الفصل الخامس) فبم ذكر عدد أولاد الحسين عليهم السلام كان له عليه السلام ستة أولاد: علي بن الحسين الأكبر زين العابدين عليهما السلام، امه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد بن شهريار. وعلي الأصغر، قتل مع أبيه، أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية، والناس يغلطون ويقولون: إنه علي الأكبر. وجعفر بن الحسين، وامه قضاعية، ومات في حياة أبيه ولا بقية له. وعبد الله، قتل مع أبيه صغيرا وهو في حجر أبيه، وقد مر ذكره فيما تقدم. وسكينة بنت الحسين، وامها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس وهي ام عبد الله بن الحسين عليه السلام. وفاطمة بنت الحسين، وامها ام إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تيمتة (1). (1) انظر ارشاد المفيد 2: 1 35، المناقب لابن شهر آشوب 4: 77، كشف الغمة 2: 38 الفصول المهمة: 199.

[ 479 ]

(الباب الثالث) في ذكر الإمام الرابع سيد العابدين علي بن الحسين عليه السلام وفيه خمسة فصول:

[ 480 ]

(الفصل الأول) في ذكر ألقابه وكناه، وتاريخ مولده، ومبلغ عمره، ووقت وفاته، وموضع قبره كنيته، أبو محمد، ويكنى بأبي الحسن أيضا، وبأبي القاسم. ولقبه: سيد العابدين، وزين ا لعابدين، والسجاد، وذو الثفنات، وإنما لقب بذلك لأن مواضع السجود منه كانت كثفنة البعير من كثرة سجوده عليه السلام (1). ولد صلوات الله عليه بالمدينة يوم الجمعة - ويقال: يوم الخميس - في النصف من جمادى الاخرة (2)، وقيل: لتسع خلون من شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة (3)، وقيل: سنة ست وثلاثين (4)، وقيل: سنة سبع وثلاثين (5) واسم امه شاه زنان، وقيل: شهربانوبه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام ولى حريث بن جابر الحنفي جانبا من المشرق فبعث إليه ببنتي يزدجرد


(1) انظر: ارشاد المفيد 2: 137، المناقب لابن شهرآشوب 4: 175، كشف الغمة 2: 74، العدد التوقية: 70 / 58، دلائل الامامة للطبري: 80، تذكرة الخواص: 291، الفصول المهمة: 251. (2) انظر: المناقب لابن شهرآشوب 4: 175، روضة الواعظين: 201، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 13 / 27. (3) المناقب لابن شهرآشوب 4: 175، روضة الواعظين: 201، كشف الغمة 2: 73، الفصول المهمة: 201. (4) العدد القوية: 55 / 67، روضة الواعظين: 201، اقبال الاعمال: 6 21. (5) المناقب لابن شهرآشوب 4: 175، تذكرة الخواص: 291. (*)

[ 481 ]

ابن شهريار، فنحل ابنه الحسين عليه السلام إحداهما فأولدها زين العابدين عليه السلام، ونحل الاخرى محمد بن أبي بكر فولدت له القاسم بن محمد ابن أبي بكر، فهما ابنا خالة (1). وتوفي عليه السلام يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة خمس وتسعين من الهجرة، ودفن بالبقيع مع عمه الحسن عليهما السلام (2). وكانت مدة إمامته بعد أبيه أربعا وثلاثين سنة، وكان في أيام إمامته بقية ملك يزيد بن معاوية، وملك معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، وتوفي عليه السلام في ملك الوليد بن عبد الملك (3).


(1) ارشاد المفيد 2: 137، المناقب لابن شهرآشوب 4: 176 أورد قطعة منه، روضة الواعظين: 2 0 1، كشف الغمة 2: 83، العدد القوية: 56 / 73 (2) الكافي 1: 388، ارشاد المفيد 2: 137، المناقب لابن شهراشوب 4: 175، ررضة الواعظين: 201، دلائل الإمامة: 80، تذكرة الخواص: 299. (3) انظر: ارشاد المفيد 2: 138، المناقب لابن شهرآشوب 4: 175، دلائل الامامة: 80. (*)

[ 482 ]

(الفصل الثاني) في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام المعول في تصحيح إمامة أكثر أئمتنا عليهم السلام النظر والاعتبار دون تواتر الأخبار، لأنهم عليهم السلام كانوا في زمان الخوف وشدة التقية والاضطرار، ولم يتمكن شيعتهم من ذكر فضائلهم التي تقتضي إمامتهم، فضلا عن ذكرما يوجب فرض طاعتهم ويبين عن تقدمهم على جميع الخلائق ورئاستهم. فمما يدل على إمامته عليه السلام من طريق النظر العقلي ما ثبت من وجوب العصمة، وأن الحق لا يخرج عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أحد يدعي العصمة لامامه في زمان سيد العابدين عليه السلام، إلا من قال بإمامته من الامامية، أو من قال بإمامة محمد بن الحنفية وذهب إلى أنه حي لم يمت وهم الكيسانية، وفسد قول الكيسانية لأنهم ادعوا حياة من علم وفاته كما علم وفات أبيه وأخيه، ولعجزهم أيضا عن إتيان النص على محمد بالإمامة، وبطل قول من قال بإمامة من هو غير معصوم فثبتت إمامته عليه السلام. وأما ما روي من النص عليه بالإمامة والإشارة بالإمامة إليه من أبيه وجده فكثير. منها: ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد ابن الحسين، وأحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر الباقر عليهما السلام قال: (إن الحسين عليه السلام لما حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى فدفع

[ 483 ]

إليها كتابا ملفوفا ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين عليهما السلام مريضا لا يرون أنه يبقى بعده، فلما قتل الحسين عليه السلام ورجع أهل بيته إلى المدينة دفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين عليهما السلام، ثم صار ذلك الكتاب والله إلينا يا زياد) (1). وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الحسين عليه السلام لما سار إلى العراق استوع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية، فلما رجع علي بن الحسين عليهما السلام دفعتها إليه) (2). وقد ذكرنا فيما تقدم النص والإشارة إليه من جده أمير المؤمنين عليهما السلام في وصيته إلى الحسن عليه السلام، فلا معنى لتكراره هنا وأما الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالنص على الأئمة الاثني عشر من ال محمد عليهم السلام وتعيينهم، وحديث اللوح الذي رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3) ورواه جابر بن يزيد الجعفي، عن الباقر، عن أبيه، عن جده عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4) فإنها مشهورة عند


(1) الكافي 1: 241 / 1، وكذا في: بصائر الدرجات: 168 / 9، المناقب لابن شهرآشرب 4: 172، اثبات الوصية: 142 (2) الكافي 1: 242 / 3، وكذا في: الغيبة للطوسي: 195 / 159، والمناقب لابن شهرآشوب 4: 174. (3) الكافي 1: 442 / 3، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 45 / 1، الغيبة للنعماني: 62، الاختصاص: 210، أمالي الطوسي 1: 297، الغيبة للطوسي: 143 / 108، اثبات الوصية: 143. (4) كمال الدين: 311 / 1، اثبات الوصية: 227. (*)

[ 484 ]

أهلها، مذكورة في مظانها، ووافقهم أصحاب الي الحديث العامة على نقل كثير منها على طريق الجملة، وسنورد أكثرها في الركن الرابع من الكتاب إذا أنتهينا إليه إن شاء الله.

[ 485 ]

(الفصل الثالث) في ذكر شئ من معجزاته عليه السلام أما ما يدل على إمامته عليه السلام من طريق المعجز الخارق للعادة فحديث حبابة الوالبية وما جاء فيه من طبعه نقش فصه في الحجر، وما ثبت من دعائه عليه السلام وإيمائه إليها حتى عادت شابة ولها يومئذ مائة سنة وثلاث عشرة سنة (1). وكذلك نطق الحجر الأسود له عليه السلام وقد استشهد به على محمد ابن الحنفية فشهد له بالإمامة، وكانا يومئذ بمكة فقال لمحمد: (ابدأ فابتهل إلى الله واسأله أن ينطق لك) فابتهل محمد في الدعاء ثم دعا فلم يجبه فقال عليه السلام: (أما إنك يا عم لو كنت إماما لأجابك). فقال له محمد: فادع أنت يا ابن أخي، فدعا عليه السلام بما أراد ثم قال: (أسالك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء لما أخبرتنا بلسان عربي مبين من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي ؟) فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه ثم انطقه الله بلسان عربي مبين فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين عليهما السلام. فانصرف محمد وهو يتولى علي بن الحسين عليهما السلام (2).


(1) كمال الدين: 537 / ضمن ح 1 و 2، وقطعة منه في: المناقب لابن شهرآشوب 4: 1 35. (2) انظر: بصائر الدرجات: 522، الكافي 1: 5 / 282 الامامة والتبصرة: 61 و 62 / 49، الهد اية الكبرى للخصيبي: 220، روضة الواعظين: 197، الاحتجاج 2: 316، الخرائج والجرائح 1: 257 / 3، المناقب لابن شهرآشوب 4: 147، اثبات الوصية: 147. (*)

[ 486 ]

وأورد هذا الخبر بإسناده محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب بوادر الحكمة. وفي هذا المعنى يقول السيد الحميري لما رجع عن القول بالكيسانية إلى القول بإمامة الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: عجبت لكر صروف الزمان وأمر أبي خالد ذي البيان ومن رده الأمر لا ينثني إلى الطيب الطهر نور الجنان علي وما كان من عمه برد الأمانة عطف البيان وتحكيمه حجرا أسودا وما كان من نطقه المستبان بتسليم عم بغير امتراء إلى أبن اخ منطقا باللسان شهدت بذلك حقا كما شهدت بتصديق اي القران علي أمامي ولا أمتري وخليت قولي بكان وكان (1) قال الصادق عليه السلام: (كان أبو خالد يقول بإمامة محمد بن الحنفية فقدم من كابل شاه إلى المدينة فسمع محمدا يخاطب علي بن الحسين عليه السلام فيقول: يا سيدي، فقال له: أتخاطب ابن أخيك بما لا يخاطك مثله ؟ ! فقال: إنه حاكمني إلى الحجر الأسود فصرت إليه فسمعت الحجر يقول: سلم الأمر إلى ابن أخيك فإنه أحق به منك، وصار أبو خالد الكابلي إماميا) (2). وروى عنه أنه قال: قال لي علي بن الحسين عليه السلام: (يا كنكر) ولا والله ما عرفني بهذا الاسم إلا أبي وأمي (3).


(1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 148. (2) المناقب لابن شهراشوب 4: 147. (3) انظر: الهداية الكبرى: 221، رجال الكشي 1: 336 / 192، الخرائج والجرائح 1: 261 / 6، المناقب لابن شهرآشوب 4: 147. (*)

[ 487 ]

(الفصل الرابع) في ذكر بعض مناقبه وفضائله عليه السلام روى الحسين بن علوان، عن أبي علي زياد بن رستم، عن سعيد بن كلثوم قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فمدحه بما هو أهله، ثم قال: (والله ما أطاق عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الامة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنة والنار يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله والنجاة من النار مما كده بيده ورشح منه جبينه، وما كان لباسه إلا الكرابيس إذا فضل شئ عن يده من كمه دعا بالجلم (1) فقصه، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين زين العابدين عليهم السلام. ولقد دخل أبو جعفر ابنه عليه السلام عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفر لونه سن السهر، ورمصت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، فقال أبو جعفر عليه السلام: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال من البكاء، فبكيت رحمة له، وإذا هو يفكر فالتفت إلي بعد هنيئة من دخولي، فقال يا بني: أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي عليه السلام، فأعطيته فقرأ فيها يسيرا ثم تركها من يده تضجرا وقال: من يقوى على عبادة علي بن أبي


(1) الجلم: ما يقص به الثسرر الصوف، وهو كالمقص. (أنظر: مجمع البحرين 6: 30). (*)

[ 488 ]

طالب عليه السلام (1). وكان علي بن الحسين عليهما السلام إذا توضأ اصفر لونه فقيل له: ما هذا الذي يغشاك، فقال: (أتدرون من أتأهب للقيام بين يديه ؟) (2). وروي: أنه عليه السلام كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة (3). وعن سفيان الثوري قال: ذكر لعلي بن الحسين عليهما السلام فضله قال: (حسبنا أن نكون من صالحي قومنا) (4). وعن الزهري قال: لم ادرك أحدا من هذا البيت أفضل من علي بن الحسين عليه السلام (5) وروي أن علي بن الحسين عليهما السلام رأى يوما الحسن البصري وهو يقص عند الحجر الأسود فقال له عليه السلام: (أترضى يا حسن نفسك للموت ؟). قال: لا. قال: (فعملك للحساب. ؟).


(1) ارشاد المفيد 2: 142، المناقب لابن شهرآ شوب 4: 149، كشف الغمة 2: 85. (2) ارشاد المفيد 2: 142، المناقب لابن شهرآشوب 4: 148، كشف الغمة 2: 86، الطبقات الكبرى 5: 216، حلية الأولياء 3: 133، مختصر تاريخ دمشق 17: 236، سير أعلام النبلاء 4: 392، ونقله المجلسي بحار الأنوار 46: 73 / 61. (3) انظر: الخصال: 517 / 4، ارشاد المفيد 2: 143، روضة الواعظين: 198، المناقب لابن شهرآشوب 4: 149، كشف الغمة 2: 86، سير أعلام النبلاء 4: 392، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 2 / 674. (4) ارشاد المفيد 2: 143، روضة الواعظين: 198، المناقب لابن شهرآشوب 4: 162، كشف الغمة 2: 86، الطبقات الكبرى 2145، مختصر تاريخ دمشق 17: 235. (5) ارشاد المفيد 2: 144، الجرح والتعديل 6: 179، سير أعلام النبلاء 4: 189. (*)

[ 489 ]

قال: لا. قال: (فثم دار للعمل غير هذه الدار ؟). قال: لا. قال: (فلله في أرضه معاذ غير هذا البيت ؟). قال: لا. قال: (فلم تشغل الناس عن الطواف ؟) (1). وقيل له: يوما: إن الحسن البصري قال: ليس العجب ممن هلك كيف هلك وإنما العجب ممن نجا كيف نجا، فقال عليه السلام: (أنا أقول: ليس العجب ممن نجا كيف نجا، وإنما العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله تعالى) (2). وروي عن طاووس اليماني قال: دخلت الحجر في الليل فإذا علي الحسين عليهما السلام قد دخل فقام يصلي، فصلى ما شاء الله ثم سجد فقلت: رجل صالح من أهل بيت النبوة لاستمعن إلى دعائه، فسمعته يقول في سجوده: (عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك). قال طاووس: فما دعوت بهن في كرب إلا فرج عني (3). وروى أحمد بن محمد الرافعي، عن إبراهيم بن علي، عن أبيه قال: * (همش) * (1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 159، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 78: 153 / 17. (2) نقله المجلي في بحار الأنوار 78: 153 / 17. (3) ارشاد المفيد 2: 143، روضة الواعظين: 198، كشف الغمة: 201، تذكرة الخواص. 297، كفاية الطالب: 451، مختصر تاريخ دمشق 17: 235، سير أعلام النبلاء 4: 393 الفصول المهمة: 201. (*)

[ 490 ]

حججت مع علي بن الحسين عليهما السلام فالتاثت (1) الناقة عليه في مسيرها فأشار إليها بالقضيب، ثم قال: (آه لولا القصاص) ورد يده عنها (2) وعنه قال: حج علي بن الحسين عليهما السلام ماشيا، فسار عشرين يوما من المدينة إلى مكة (3). وروى أبو محمد الحسن بن محمد العلوي بإسناده قال: وقف على علي بن الحسين عليهما السلام رجل من أهل بيته فأسمعه وشتمه، فلم يكلمه، فلما انصرف قال لجلسائه: (قد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا احب أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا مني ردي عليه) قالوا: نفعل. فخأذ نعليه ومشى وهو يقول: (الكاظمين الغيظ) (4) الآية - فعلموا أنه لا يقول شيئا، قال: فأتى منزل الرجل وصرخ به فخرج الرجل متوثبا للشر فقال علي بن الحسين عليهما السلام: (يا أخي، إن كنت قد قلت ما في فاستغفر الله منه، وإن كنت قلت ما ليس في فغفر الله لك). قال: فقبل الرجل بين عينيه وقال: بل قلت فيك ما ليس فيك، وأنا أحق به. قال الراوي للحديث: والرجل هو الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام (5).


(1) التاثت الناقة: أي أبطأت في سيرها. (مجمع البحرين - لوث - 2: 262). (2) ارشاد المفيد 2: 144، روضة الواعظين: 199، المناقب لابن شهراشوب 4: 155، كشف الغمة 2: 86، الفصول المهمة: 203. (3) ارشاد المفيد 2: 144، روضة الواعظين: 199، المناقب لابن شهرآشوب 4: 155، كشف الغمة 2: 86. (4) آل عمران 3: 134. (5) ارشاد المفيد 2: 146، المناقب لابن شهرآشوب 4: 157، مختصر تاريخ دمشق 17: 245، سير أعلام النبلاء 4: 397 وفيها مختصرا. (*)

[ 491 ]

وروى عن علي بن الحسين عليهما السلام: أنه دعا مملوكه مرتين فلم يجبه ثم أجابه في الثالثة، فقال له: (يا بني، أما سمعت صوتي ؟). قال: بلى. قال: (فما بالك لم تجبني). قال: أمنتك. قال: (الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني) 1). وكانت جارية لعلي بن الحسين عليهما السلام تسكب عليه الماء فسقط الإبريق من يدها فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله تعالى يقول: (والكاظمين الغيظ) (2). فقال: (كظمت غيظي). قالت: (والغافين عن الناس) (3). قال: (عفوت عنك). قالت: (والله يحب لمحسنين) (4). قال: (إذهبي فانت حرة لوجه الله تعالى) (5) وروى عن محمد بن إسحاق بن يسار قال: كان بالمدينة كذا وكذا أهل بيت يأتيهم رزقهم وما يحتاجون إليه، لا يدرون من أين يأتيهم، فلما


(1) ارشاد المفيد 2: 147، المناقب لابن شهرآشوب 4: 157، كشف الغمة 2: 87، مختصر تاريخ دمشق 17: 240. (2) آل عمران 3: 134. (3) آل عمران 3: 134 (4) آل عمران 3: 134. (5) أمالي الصدوق: 168 / 12، ارشاد المفيد 2: 147، روضة الواعظين: 199، المناقب لابن شهرآشوب 4: 157 - 1158 كشف الغمة: 2: 87، مختصر تاريخ دمشق 17: (*) =

[ 492 ]

مات علي بن الحسين عليهما السلام فقدوا ذلك (1). والأخبار في هذا المعنى وفيما روي عنه من أنواع العلوم أكثر من أن تحصى، فلنقتصر على ما ذكرناه. =


240، (1) ارشاد المفيد 2: 149، المناقب لابن شهرآشوب 4: 153، كشف الغمة 2: 87، حلية الأولياء 3: 136، تهذيب التهذيب 7: 270، مختصر تاريخ دمشق 17: 238، سير اعلام النبلاء 4: 393. (*)

[ 493 ]

(الفصل الخامس) في ذكر أولاده عليه السلام ونبذ من أخبارهم له خمسة عشر ولدا: محمد الباقر عليه السلام، امه ام عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب. وأبو الحسين زيد، وعمر، أمهما أم ولد. وعبد الله، والحسن، والحسين، امهم ام ولد. والحسين الأصغر، وعبد الرحمن، وسليمان، لام ولد. وعلي - وكان أصغر ولده عليه السالام - وخديجة، أمهما ام ولد. محمد الأصغر، أمه أم ولد. وفاطمة، وعلية، وام كلثوم، (امهن ام ولد) (1). وكان زيد بن علي بن الحسين أفضل إخوته بعد أبي جعفر الباقر عليه السلام، وكان عابدا ورعا سخيا شجاعا، وظهر بالسيف يطلب بثارات الحسين عليه السلام ويدعو إلى الرضا من ال محمد صلى الله عليه واله وسلم فظن الناس أنه يريد بذلك نفسه، ولم يكن يريدها به، لمعرفته بإستحقاق أخيه الباقر عليه السلام الإمامة من قبله، ووصيته عند وفاته إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. وجاءت الرواية أن سبب خروجه - بعد الذي ذكرناه -: أنه دخل على هشام بن عبد الملك، وقد جمع هشام له أهل الشام وأمرأن يتضايقوا له في


(1) انظر ارشاد المفيد 2: 155، المناقب لابن شهرآشرب 4: 176، كشف الغمة 2: 91، تذكرة الخواص: 299، الفصول المهمة: 209، وما بين المعقوفين أثبتناه من الارشاد. (*)

[ 494 ]

المجلس حتى لا يتمكن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنه ليس من عباد الله أحد فوق أن يوصى بتقوى الله، ولا من عباده أحد دون أن يوصي بتقوى الله وأنا اوصيك بتقوى الله يا أمير المؤمنين فاتقه. فقال له هشام: أنت المؤهل نفسك للخلافة، وما أنت وذاك لا أم لك، وإنما أنت ابن أمة. فقال له زيد: إني لا أعلم أحدا أعظم منزلة عند الله من نبي بعثه وهو ابن أمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث، وهو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فالنبوة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة ؟ وبعد فما يقصر برجل أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فوثب هشام عن مجلسه ودعا قهرمانه وقال: لا يبيتن هذا في عسكري. فخرج زيد وهو يقول: إنه لم يكره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا (1). وذكر ابن قتيبة بإسناده في. كتاب عيون الأخبار: أن هشاما قال لزيد بن علي لما دخل عليه: ما فعل أخوك البقرة. فقال زيد: سماه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم باقر العلم وأنت تسميه بقرة لقد اختلفتما إذا (2). قال (3): فلما وصل الكوفة اجتمع إليه أهلها، فلم يزالوا به حتى بايعوه


(1) ارشاد المفيد 2: 172، وانظر: عيون الأخبار لابن قتيبة 1: 312. (2) عيون الأخبار لابن قتيبة 1: 312. (3) يظهر ان القائل هو الشيخ المفيد رحمه الله تعالى، لان المؤلف أورد عين العبارات الواردة في الأشاد هنا كما فعل في المقطع السابق لرواية ابن قتيبة المشار إليها والمنتهية عند الهامش السابق. (*)

[ 495 ]

على الحرب، ثم نقضوا بيعته وأسلموه، فقتل وصلب بينهم أربع سنين لا ينكره أحد منهم ولم يغيره بيد ولا لسان، وكان مقتله يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة عشرين ومائة، وكان سنه يوم قتل إثنين وأربعين سنة، ولما قتل بلغ ذلك من الصادق عليه السلام كل مبلغ، وحزن عليه حزنا عظيما، وفرق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه ألف دينار (1). وكان عبد الله بن علي بن الحسين فقيها فاضلا، وكان يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام (2). وكان عمر بن علي بن الحسين عليهما السلام فاضلا جليلا ورعا، وكان أيضا يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام. وكان الحسين بن علي بن الحسين فاضلا ورعا، وروى أخبارا كثيرة عن أبيه علي بن الحسين وعن أخيه أبي جعفر وعن عمته فاطمة بنت الحسين عليهم السلام (3). وروي عنه أنه قال: كان إبراهيم بن هشام المخزومي واليا على المدينة، وكان يجمعنا يوم الجمعة قريبا من المنبر، ثم يقع في علي ويشتمه، قال: فحضرت يوما وقد امتلأ ذلك المكان فلصقت بالمنبر فأغفيت فرأيت القبر قد انفرج وخرج منه رجل وعليه ثياب بياض فقال لي: يا أبا عبد الله ألا يحزنك ما يقول هذا ؟ قلت: بلى والله. قال: افتح عينك وانظر ما يصنع الله به.


(1) ارشاد المفيد 2: 173. (2) ارشاد المفيد 2: 169 (3) ارشاد المفيد 2: 170 (*)

[ 496 ]

فإذا هو قد ذكر عليا عليه السلام فرمي به من فوق المنبر فمات لعنه الله (1).


(1) ارشاد المفيد 2: 174. (*)

[ 497 ]

(الباب الرابع) في ذكر الامام الباقر والنور الباهر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام وهو خمسة فصول:

[ 498 ]

(الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ عمره، ومدة إمامته، ووقت وفاته، وموضع قبره ولد عليه السلام بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة يوم الجمعة غرة رجب (1)، وقيل: الثالث من صفر (2). وقبض عليه السلام سنة أربع عشرة ومائة من ذي الحجة (3) وقيل: في شهر ربيع الأول (4)، وقد تم عمره سبعا وخمسين سنة. وأمه أم عبد الله فاطمة بنت الحسين عليه السلام، فهو هاشمي من هاشميين وعلوي من علوليين. وقبره بالبقيع من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى جانب أبيه زين العابدين عليه السلام وعم أبيه الحسن بن علي عليهما السلام (5). فعاش عليه السلام مع جده الحسين عليهما السلام أربع سنين، ومع أبيه تسعا وثلاثين سنة، وكانت مدة إمامته ثماني عشرة سنة. وكان في أيام إمامته بقية ملك الوليد بن عبد الملك، وملك سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن


(1) انظر: الكافي 1: 390، ارشاد المفيد 2: 158. مصباح المتهجد: 737، المناقب لابن شهرآشوب 4: 210، دلائل الامامة: 94 (2) انظر: المناقب لابن شهرآشوب 4: 210، الفصول المهمة: 211. (3) انظر: الكافي 1: 390، ارشاد المفيد 2: 158، المناقب لابن شهرآشوب 4: 210 (4) المناقب لابن شهراشوب 4: 210، دلائل الامامة: 94. (5) انظر: الكافي 1: 390، ارشاد المفيد 2: 158، دلائل الامامة: 94. (*)

[ 499 ]

عبد الملك، وتوفي عليه السلام في ملكه (1).


(1) انظر: المناقب لابن شهرآشوب 4: 210، دلائل الامامة: 94. (*)

[ 500 ]

(الفصل الثاني) في ذكر دلائل إمامته عليه السلام الدليل على إمامته عليه السلام ما قدمناه بعينه في إمامة أبيه عليه السلام من اعتبار وجوب العصمة وبطلان قول كل من ادعى حياة الأموات، على الترتيب الذي تقدم في الاستدلال، ودلائل العقول أوكد من دلائل الأخبار لبعدها عن التأويل والاحتمال. فأما النصوص الدالة على إمامته، والآثار الواردة في الإشارة إليه، فمن ذلك: ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن أحمد بن إدريس، عن محمد ابن عبد الجبار، عن أبي القاسم الكوفي، عن محمد بن سهل، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، عن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لما حضرت علي بن الحسين عليهما السلام الوفاة أخرج سفطا أو صندوقا عنده فقال: يا محمد احمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربعة، فلما توفي جاء إخوته يدعون في الصندوق سهما، قال: والله ما لكم فيه شئ، ولو كان لكم فيه شئ ما دفعه إلي، وكان في الصندوق سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتبه) (1). وعنه، عن محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن عيسى عن أبيه عبد الله عن أبيه عيسى،


(1) الكافي 1: 242 / 1، وكذا في بصائر الدرجات: 200 / 18، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 230 / 4. (*)

[ 501 ]

عن جده قال: نظر علي بن الحسين عليهما السلام إلى ولده وهو يجود بنفسه وهم مجتمعون عنده، ثم نظر إلى محمد بن علي فقال: (يا محمد، خذ هذا الصندوق فاذهب به إلى بيتك). وقال: أما إنه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكن كان مملوءا علما (1). وعنه، عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن فضالة بن أيوب، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن حزم أن يرسل إليه بصدقة علي وعمر وعثمان، وإن ابن حزم بعث إلى زيد بن الحسن وكان أكبرهم فسأله الصدقة، فقال زيد: إن الولي كان بعد علي الحسن، وبعد الحسن الحسين، وبعد الحسين علي بن الحسين، وبعد علي بن الحسين محمد بن علي، فابعث إليه، فبعث ابن حزم إلى أبي فأرسلني أبي بالكتاب فدفعته إلن ابن حزم، فقال له بعضنا: يعرف هذا ولد الحسن ؟ قال: نعم كما تعرفون أن هذا ليل،، لكن يحملهم الحسد، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرا لهم ولكنهم يطلبون الدنيا) (2). وأما النصوص المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جملة الاثني عشر فكثيرة، مثل خبر اللوح الذي هبط به جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجنة فأعطاه فاطمة عليها السلام (3) ومثل ما روي: أن الله تعالى أنزل إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم


(1) الكافي 1: 242 / 1، وكذا في: بصائر الدرجات: 185 / 13، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 229 / 2. (2) الكافي 1: 343 / 2، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 230 / 6. (3) تقدمت الإشا ه إليه في صفحة، 493. (*)

[ 502 ]

كتابا مختوما باثني عشر خاتما وأمره أن يدفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويأمره بان يفض أول خاتم فيه فيعمل بما تحته، ثم يدفعه عند وفاته إلى الحسن عليه السلام ويأمره بفض الخاتم الثاني ويعمل بما تحته، ثم يدفعه عند حضور وفاته إلى الحسين عليه السلام فيفض الخاتم الثالث ويعمل بما تحته، ثم يدفعه الحسين عند وفاته إلى علي بن الحسين ويأمره بمثل ذلك، ثم يدفعه عند وفاته إلى ابنه محمد بن علي ويأمره بمثل ذلك، ثم يدفعه إلى ولده حتى ينتهي إلى آخر الأئمة عليهم السلام (1). وسنورد أكثر ما ورد في هذا النوع فيما بعد إن شاء الله تعالى.


(1) الكافي 1: 122 / 1، أمالي الصدوق: 2 / 328، كمال الدين: 231 / 35، الغيبة للنعماني 52 / 3 و 4، ارشاد المفيد 2: 160، أمالي الطوسي 2: 56، كشف الغمة 2: 124 (*)

[ 503 ]

(الفصل الثالث) في ذكر بعض دلائله عليه السلام قد روت الشيعة من دلالاته أشياء سوى ما تقدم ذكره من خبر حبابة الوالبية منها: ما رواه شعيب العقرقوفي، عن أبي عروة قال دخلت مع أبي بصير (1) إلى منزل أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام قال: فقال لي: أترى في البيت كوة قريبا من السقف ؟ قال: قلت: نعم، وما علمك بها ؟ قال: أرانيها أبو جعفر عليه السلام (2). وروى أحمد بن محمد، عن على بن الحكم، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له: أنتم ورثة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قال: (نعم). قلت: رسول الله صلى. الله عليه واله وسلم وارث الأنبياء، عالم كل ما علموا ؟


(1) وهو يحيى بن أبي القاسم الكوفي الأسدي، ولد مكفوفا، وكان يعد من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، ثقة وجيه، له كتاب، مات سنة خمسين ومائة بعد أبي عبد الله الصادق عليه السلام. وذكر العلامة أنه رأى الدنيا مرتين، حيث مسح أبو عبد الله عليه السلام على عينيه وقال: أنظر ما ترى، قال: أرى كوة في البيت وتد أرانيها أبوك قبلك. أنظر: رجال النجاشي 440 / 1187، رجال الطوسي: 330 / 9، الخلاصة: 264 / 3. (2) المناقب لابن شهرآشوب 4: 184، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 268 / 66. (*)

[ 504 ]

قال لي: (نعم). قلت: فأنتم تقدرون على. أن تحيوا الموتى وتبرؤوا الأكمه والأبرص ؟ فقال: (بلى بإذن الله) ثم قال: (ادن مني يا أبا محمد) فمسح على وجهي وعلى عيني فبأصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شئ في الدا ر، فقال: (أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصا ؟) قلت: أعود كما كنت. قال: فمسح على عيني فعدت كما كنت. قال الراوي: فحدثت به ابن أبي عمير فقال: أشهد أن هذا حق كما أن النهار حق (1). وروى حماد بن عثمان، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ان أبي قال ذات يوم: إنما بقي من أجلي خمس سنين، فحسبت فما زاد ولا نقص) (2).


(1) بصائر الدرجات: 289 / 1، الكافي 1: 391 / 3، الهداية الكبرى: 243، الخرائج والجرائح 1: 274 / 5، المناقب لابن شهرآشوب 4: 184، دلائل الامامة: 100، الفصول المهمة: 217 و 218، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 237 / 14. (2) المناقب لابن شهرآشوب 4: 186، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 268 / 67. (*)

[ 505 ]

(الفصل الرابع) في ذكر طرف من مقاتبه وخصائصه، ونبذ من أخباره عليه السلام قد اشتهر في العالم تبريزه على الخلق قي العلم والزهد والشرف، فلم يؤثر عن أحد من أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبله من علم القرآن والآثار والسنن وأنواع العلوم والحكم والاداب ما اثر عنه صلوات الله عليه واختلف إليه بقايا الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين، وعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بباقر العلم على ما رواه نقلة الاثار. عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يوشك أن تبقى حتى تلقى ولدا لي من الحسين يقال له: محمد يبقر علم الدين بقرا، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام (1). وروى أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله قال: (إن جابر بن عبد الله الأنصاري (كان) يقعد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو معتجر (2) بعمامة سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم، وكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله ما إهجر ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا. فذاك


(1) أمالي الصلدق 289 / 9، ارشاد المفيد 2: 1 5 9، المناقب لابن شهرآشوب 4: 197، مختصر تاريخ دمشق 23: 78، الفصول المهمة: 211. (2) الاعتجار: لف العمامة على الرأس. (الصحاح - عجر - 2: 737). (*)

[ 506 ]

الذي دعاني إلى ما أقول (1) قال: فكان جابر يأتيه طرفي النهار وكان أهل المدينة يقولون ؟ واعجبا لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو أحد من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2). وروي ميمون القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: (دخلت على جابر بن عبد الله فسلمت عليه فرد علي السلام وقال لي: من أنت ؟ - وذلك بعد ما كف بصره - فقلت: محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، فقال: يا بني ادن مني، فدنوت منه فقبل يدي ثم أهوى إلى رجلي يقبلها فتنحيت عنه، ثم قال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرئك السلام، فقلت: وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، وكيف ذاك يا جابر ؟ فقال: كنت معه ذات يوم فقال لي: يا جابر، لعلك تبقى حتى تلقى رجلا من ولدي يقال له: محمد بن علي بن الحسين يهب الله له النور والحكمة، فأقرئه مني السلام) (3).


(1) تجاوز المؤلف عند نقله لهذه الرواية مقطعا وسطيا بين هذين المقطعين روما للاختصار، وانكالا منه على شهرة الرواية، نورده نحن لما فيه من توضيج وربط بين هذين المقطعين: قال: فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مر بطريق في ذلك الطريق كتاب فيه محمد بن علي عليه السلام، فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله والذي نفسي بيده، يا غلام ما اسمك ؟ قال: اسمي محمد بن علي بن الحسين. فأقبل عليه يقبل ! رأسه ويقول بأبي أنت وامي أبوك يقرئك السلام ويقول ذلك. فرجع محمد بن علي بن الحسين عليه السلام الى أبيه وهو ذعر فأخبره الخبر، فقال له: يا بني وقد فعلها جابر ؟ قال: نعم. قال: الزم بيتك يا بني.

(2) الكافي 1: 390 / 2، الاختصاص: 62، روضة الواعظين: 206، الخرائج والجرائح 1 279 / 12، المناقب لابن شهر آشوب 4: 196. (3) ارشاد المفيد 2: 158. (*)

[ 507 ]

وروي عن أبي مالك، عن عبد الله بن عطاء المكي قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة - مع جلالته في القوم - بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه (1). وكان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عنه قال: حدثني وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام (2). وروى محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال. (إن محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين عليهما السلام يدع خلفا لفضل علي بن الحسين حتى رأيت ابنه محمدا، فأردت أن أعظه فوعظني. فقال له أصحابه: بأي شئ وعظك ؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيت محمد ابن علي عليهما السلام - وكان رجلا بدينا - وهو متكى على غلامين له أسودين - أو موليين له - فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا ! أشهد لأعظنه، فدنوت منه فسلمت عليه فسلم علي ببهر (3) وقد تصبب عرقا، فقلت: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا ؟ ! لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال ؟ قال: فخلى عن الغلامين من يده وتساند فقال: لو جاءني والله


(1) ارشاد المفيد 2: 160، المناقب لابن شهرآشوب 4: 204، حلية الأولياء 3: 186، مختصر تاريخ دمشق 23: 79. (2) ارشاد المفيد 2: 160، المناقب لابن شهرآشوب 4: 180. (3) البهر (باالضم): تتابع النفس. (الصحاح - بهر - 2: 895). (*)

[ 508 ]

الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله عز وجل أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله عز وجل فقلت: يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني) (1). وكان عليه السلام يقول: (ما ينقم الناس منا إلا أنا أهل بيت الرحمة، وشجرة النبوة، ومعدن الحكمة، وموضع الملائكة، ومهبط الوحي) (1). وكان عليه السلام يقول: (بلية الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا) (3). وكان عليه السلام يقول: (نحن خزنة علم الله، ونحن ولاة أمر الله، وبنا فتح الله الإسلام، وبنا يختمه، فمنا يتعلموا، فوالله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما علم الله في أحد إلا فينا، وما يدرك ما عند الله إلا بنا) (4). وروى ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن الفضيل، عنه عليه السلام قال: (لو أنا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا، ولكنا حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فبينها لنا) (5). وسئل عليه السلام عن الحديث يرسله ولا يسنده فقال (إذا حدثت


(1) الكافي 5: 73 / 1، ارشاد المفيد 2: 161، تهذيب التهذيب 6: 325 / 894، الفصول المهمة: 213 - 214. (2) ارشاد المفيد 2: 168، وباختلاف يسير في: بصائر الدرجات 5 / 77، الكافي 1: 172 / 1. (3) ارشاد المفيد 2: 168، المناقب لابن شهرآشوب 4: 206، واورد صدر الحديث الصفار في: بصائر الدرجات: 2 / 76. (4) نحوه في بصائر الدرجات: 82 / 10 (5) بصائر الدرجات: 319 / 2. (*)

[ 509 ]

بالحديث فلم اسنده فسندي فيه أبي زين العابدين، عن أبيه الحسين الشهيد، عن أبيه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن جبرئيل، عن الله عز وجل (1). وروى عنه معروف بن خربوذ قال: سمعته يقول: (إن حديثا صعب مستصعب، لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للايما ن) (2). وروى سدير الصير في عنه عليه السلام أنه قال: (إنما كلف الله سبحانه الناس معرفة الأئمة والتسليم لهم في ما أوردوا عليهم، والرد إليهم فيما اختلفوا فيه) (3). وروى سورة بن كليب الأسدي عنه عليه السلام قال: (والله إنا لخزان الله في سمائه وفي أرضه، لا على ذهب ولا فضة إلا على علمه) (4). وروي عن عبيد الله بن زرارة، عن أبيه قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام فجاء الكميت (5) فاستأذن عليه فأذن له فأنشده: من لقلب متيم مستهام -. فلما فرغ منها قال له أبو جعفر عليه السلام: (يا كميت، لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك وقلت فينا).


(1) ارشاد المفيد 2: 167، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 46: 288 / 1. (2) بصائر الدرجات: 41 / 4، الكافي 1: 330 / 1، روضة الواعظين: 211، المناقب لابن شهرآشوب 206: 4. (3) الكافي 1: 321 / 1. (4) بصائر الدرجات: 123 / 1، الكافي 1: 148 / 1. (5) الكميت بن زيد، شاعر مقدم، عالم بلغات العرب، خبير بأيامها، من شعراء مضر وألسنتها، كان معروفا بتشيعه لأهل البيت عليهم السلام، لقي الكثير من الأمويين نيجة ولائه وموقفه هذا. (*)

[ 510 ]

وقال الكميت في حديث آخر: فلما بلغت إلى قولي: أخلص الله لي هواي فما اغرق نزعا ؟ لاتطيش سهامي (1) قال عليه السلام:... (وقد اغرق نزعا وما تطيش سهامي). فقلت: يا مولاي أنت أشعر مني في هذا المعنى (2).


(1) من قصيدة يقول في مطلعها: من لقلب متيم مستهام غير ما صبوة ولا احلام طارقات ولا ادكار غوان واضحات الخدود كا لارام بل هواي الذي اجن وابدي لبني هاشم فروع الانام للقريبين من ندى والبعيدين من الجور في عرى الاحكام والمصيبين باب ما احطأ الناس ومرسي قواعده الاسلام والحماة الكفاة في الحرب ان لف ضرانا وقودها بضرام والغيوث الذين أن امحل الناس فمأوى حواضن الايتام (انظر: شرح هاشميات للكميت: 11). (2) الكافي 8: 215 / 262 (*)

[ 511 ]

(الفصل الخامس) في ذكر أولاده عليه السلام وهم سبعة: أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام - وكان يكنى به - وعبد الله بن محمد، وأمهما ام فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر. وإبراهيم وعبيد الله، درجا (1)، امهما ام حكيم بنت اسيد بن المغيرة الثقفية. وعلي وزينب، لام ولد. وام سلمة، لام ولد (2). وقيل: إن لابي جعفر عليه السلام ابنة واحدة فقط: اتم سلمة، واسمها زينب (3).


(1) حرج الرجل: إذا لم يختف نسلا. (الصحاح - درج - 1: 313) (2) ارشاد المفيد 1762، المناقب لابن شهرآشوب 4: 210، الطبقات الكبرى 5: 320، تذكرة الخواص: 306. (3) المناقب لابن شهرآشوب 4: 210. (*)

[ 512 ]

(الفصل الثاني) في ذكر النص على إمامته عليه السلام أما طريقة الاعتبار فمثل ما تقدم ذكره في إمامة ابائه عليهم السلام، فانا إذا اعتبرنا إمامة من اختلف في إمامته في عصره عليه السلام وجدنا الامة بين أقوال: قائل يقول: لا إمام في الوقت، وقوله يبطل بما دل على وجوب الإمامة في كل عصر. وقائل يقول: بإمامة من لا يقطع على عصمته، وقوله يبطل بما دل على وجوب العصمة للامام. ومن ادعى العصمة ولم يقل بالنص من متأخري الزيدية فقوله يبطل بما دللنا عليه من أن العصمة لا يمكن أن تعلم إلا بالنص أو المعجز. ومن اعتبر الحياة - من الكيسانية - فقوله يبطل بما علمناه من موت من ادعي حياته، وأيضا فإن هذه الفرقة قد انقرضت وخلا الزمان من القائلين بقولها وانعقد الإجماع على خلافها. فإذا بطلت هذه الأقوال ثبتت إمامته عليه السلام، وإلا أذى إلى خروج الحق عن أقوال الامة. وأما طريقة التواتر فمثل ما ذكرناه فيما تقدم فإن الشيعة قد تواترت خلفا عن سلف إلى أن اتصل نقلهم بالباقر عليه السلام أنه نص على الصادق عليه السلام، كما تواترت على أن أمير المؤمنين عليه السلام نص على الحسن، ونص الحسن على الحسين عليهما السلام، وكذلك كل إمام على الامام الذي يليه، ثم هكذا إلى أن ينتهى إلى صاحب الزمان، وكل سؤال

[ 513 ]

(الباب الخامس) في ذكر الامام الصادق والعلم الناطق أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام وهو خمسة فصول:

[ 514 ]

(الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ سنه، ومدة إمامته، ووقت وفاته عليه السلام ولد عليه السلام بالمدينة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين من الهجرة (1). ومضى في النصف من رجب (2)، ويقال: في شوال (3)، سنة ثمان وأربعين ومائة، وله خمس وستون سنة. أقام فيها مع جده وأبيه اثنتي عشرة سنة، ومع أبيه بعد جده تسع عشرة سنة، وبعد أبيه أيام إمامته أربعا وثلاثين سنة، وكان في أيام إمامته بقية ملك هشام بن عبد الملك، وملك الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وملك يزيد بن الوليد بن عبد الملك الملقب بالناقص، وملك إبراهيم بن الوليد، وملك مروان ابن محمد الحمار، ثم صارت المسودة من أهل خراسان مع أبي مسلم سنة اثنين وثلاثين ومائة، فملك أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس الملقب بالسفاح أربع سنين وثمانية أشهر، ثم ملك أخوه أبو جعفر عبد الله الملقب بالمنصور إحدى وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا (4). وتوفي الصادق عليه السلام بعد عشر سنين من ملكه، ودفن بالبقيع مع


(1) تاريخ الأئمة (ضمن مجموعة نفيسة): 10، ارشاد المفيد 2: 179، المناقب لابن شهرآشوب 4: 279 - 28 0. (2) روضة الواعظين: 212. (3) الكافي 1: 393، ارشاد المفيد 2: 180. (4) المناقب لابن شهرآشوب 4: 280، دالائل الامامة: 111. (*)

[ 515 ]

أبيه وجده وعمه الحسن عليهم السلام (1).


(1) ارشاد المفيد 2: 180. دلائل الامامة: 111 (*)

[ 516 ]

(الفصل الثاني) في دكر النص على إمامته عليه السلام أما طريقة الاعتبار فمثل ما تقدم ذكره في إمامة آبائه عليهم السلام، فانا إذا اعتبرنا إمامة من اختلف في إمامته في عصره عليه السلام وجدنا الامة بين أقوال: قائل يقول: لا إمام في الوقت، وقوله يبطل بما دل على وجوب الإمامة في كل عصر. وقائل يقول: بإمامة كل من لا يقطع على عصمته، وقوله يبطل بما دل على وجوب العصمة للامام. ومن ادعى العصمة ولم يقل بالنص من متأخري الزيدية فقوله يبطل بما دللنا عليه من أن العصمة لا يمكن أن تعلم إلا بالنص أو المعجز. ومن اعتبر الحياة - من الكيسانية - فقوله يبطل بما علمانه من موت من ادعي حياته، وأيضا فإن هذه الفرقة قد انقرضت وخلا الزمان من القائلين بقولها وانعقد الإجماع على خلافها. فإذا بطلت هذه الأقوال ثبتت إمامته عليه السلام، وإلا أدى إلى خروج الحق عن أقوال الامة. واما طريقة التواتر فمثل ما ذكرناه فيما تقدم فإن الشيعه قد تواترت خلافا عن سلف إلى أن اتصل نقلهم بالباقر عليه السلام أنه نص على الصادق عليه السلام، كما تواترت على أن أمير المؤمنين عليه السلام نص على الحسن، ونص على الحسين عليهما السالام، وكذاك كل إمام على الإمام الذي يليه، ثم هكذا إلى أن ينتهى إلى صاحب الزمان، وكل سؤال

[ 517 ]

يسئل على هذا الدليل فالجواب عنه مذكور في تصحيح التواتر لنص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يحتمل ذكره هذا الموضع. فأما ما جاء في الأخبار من النص بالإمامة عليه والإشارة بذلك من أبيه إليه فمن ذلك: ما رواه محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي الصباح الكناني قال: نظر أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام إلى أبي عبد الله عليه السلام يمشي فقال: (ترى هذا، هذا من الذين قال الله سبحانه: (ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين) (1) (2) وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله قال: (لما حضرت أبي الوفاة قال: يا جعفر اوصيك بأصحابي خيرا. قلت: جعلت فداك، والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر فلا يسأل أحدا) (3). وعنه، عن محمد بن يحميى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام: أنه سئل عن القائم فضرب بيده على أبي عبد الله عليه السلام ثم قال: لم (هذا


(1) القصص 28: 5. (2) الكافي 1: 243 / 1، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 180، المناقب لابن شهرآشوب 4 214، كشف الغمة 2: 167، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 13 / 5 (3) الكافي 1: 244 / 2، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 180، روضة الواعظين: 257، كشف الغمة 2: 166، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 13 / 3. (*)

[ 518 ]

والله قائم آل محمد). قال عنبسة بن مصعب: فلما قبض أبو جعفر عليه السلام دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته بذلك، فقال: (صدق جابر على أبي) ثم قال عليه السلام: (لعلكم ترون أن ليس كل إمام هو القائم بعد الإمام الذي قبله) (1). وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن طاهر قال: كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه السلام فأقبل جعفر عليه السلام فقال أبو جعفر عليه السلام: (هذا خير البرية) (2). وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن أبي استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودات فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب اوصيك بما أوصى به يعقوب بنيه: (يا بني إن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون) (3). أوصى أبو جعفر محمد بن علي إلى جعفر بن محمد، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة، وأن يعم صمه بعمامته، وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت بعدما انصرفوا: ما كان لك في هذا بأن تشهد عليه ؟


(1) الكافي 1: 244 / 2، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 181، روضة الواعظين: 207، كشف الغمة 2: 167، اثبات الوصية: 155، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 14 / 11. (2) الكافي 1: 244 / 4، وكذا في: الأمامة والتبصرة: 199 / 55، ارشاد المفيد 2: 181 كشف الغمة 2: 167، اثبات الوصية: 155، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 13 / 7 ضمن ح 7. (3) البقرة 2: 132. (*)

[ 519 ]

فقال: إني كرهت أن تغلب وأن يقال: إنه لم يوص إليه، فاردت أن تكون لك الحجة) (1). وأشباه هذه الأخبار كثيرة.


(1) الكافي 1: 244 / 8، وكذ في: ارشاد المفيد 2: 181، روضة الواعظين: 208، المناقب لابن شهرآثوب 4: 278 - 279، كشف الغمة 2: 1 67، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 14 / 10. (*)

[ 520 ]

(الفصل الثالث) في ذكر طرف مما ظهر منه من المعجزات والأخبار بالغائبات ما روي من آيات الله الظاهرة على يده والمعجزات المولدة له، الدالة على بطلان قول من ادعى الإمامة لغيره كغيرة، نحن نذكر منها ما اشتهرت به الرواية فمن ذلك: ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب (نوادر الحكمة) بإسناده، عن عائذ بن نباتة الأحمسي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأنا اريد أن أساله عن صلاة الليل ونسيت، فقلت: السلام عليك يا ابن رسول الله. فقال: (أجل والله أنا ولده، وما نحن بذي قرابة، من أتي الله بالصلوات الخمس المفروضات لم يسئل عما سوى ذلك) فاكتفيت بذلك (1). وعنه، بإسناده، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن مهزم قال: كنا نزولا بالمدينة، وكانت جارية لصاحب المنزل تعجبني، وإني أتيت الباب فاستفتحت ففتحت الجارية فغمزت ثديها، فلما كان من الغد دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: (يا مهزم، أين كان أقصى أثرك اليوم ؟) (2)


(1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 225، كشف الغمة 2: 192، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 150 / 207. (3) قال العلامة المجلسي رحمه الله في البحار (47: 150 / 207) تعليقا على هذا القول: (*)

[ 521 ]

فقلت له: (ما برحت المسجد) فقال عليه السلام: (أما تعلم أن أمرنا هذا لا ينال إلا بالورع) (1). وروي غيره عن أبي بصير قال: دخلت المدينة وكانت معي جويرة لي فأصبت منها، ثم خرجت إلى الحمام فلقيت أصحابنا الشيعة وهم متوجهون إلى أبي عبد الله عليه السلام، فخفت أن يسبقوني ويفوتني الدخول عليه، فمشيت معهم حتى دخلت الدار معهم، فلما مثلت بين يدي أبي عبد الله عليه السلام نظر إلي ثم قال لي: (يا أبا بصير، أما علمت أن بيوت الأنبياء وأولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب ؟) فاستحييت وقلت: يا ابن رسول الله إني لقيت أصحابنا فخفت أ ن يفوتني الدخول معهم ولن أعود إلى مثلها، وخرجت (2). ومن كتاب (نوادر الحكمة): عن محمد بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: دخل شعيب العقرقوفي على أبي عبد الله عليه السلام ومعه صرة فيها دنانير فوضعها بين يديه، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (أزكاة أم صلة ؟) فسكت ثم قال: زكاة وصلة. قال: (فلا حاجة لنا في الزكاة). =


لعل المعنى: أين كان في الليل اقصى اثرك، ومنتهى عملك في هذا اليوم، من التقوى والعبادة، أو أين كان اليوم آخر فعلك البارحة، ومهزم لم يفهم كلامه عليه السلام إلا بعد إنمامه. ويحتمل أن يكون قوله اقصى أثرك لا عن فعله في هذا اليوم ثم اشار إلى ما فعله في الليلة الماضية بقوله: أما تعلم. (1) بصائر الدرجات: 263 / 2، المناقب لابن شهرآشوب 4: 226، دلائل المامة: 116 ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 72 / 3 1. (2) ارشاد المفيد 2: 185، روضة الواعظين: 209، المناقب لابن شهرآشوب 2264، كشف الغمة 2: 169. (*)

[ 522 ]

قال: فقبض أبو عبد الله عليه السلام قبضة فدفعها إليه، فلما خرج قال أبو بصير: قلت له: كم كانت الزكاة من هذه ؟ قال: بقدر ما أعطاني، والله لم يزد حبة ولم ينقص حبة (1). وعن عثمان بن عيسى، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: خرجت إلى قبا (2) لأشتري نخلا فلقيته وقد دخل المدينة فقال: (أين تريد ؟) فقلت: لعلنا نشتري نخلا. فقال: (أوقد أمنتم الجراد ؟). فقلت: لا والله لا أشتري نخلة، فوالله ما لبثنا إلا خمسا حتى جاء من الجراد ما لم يترك في النخل حملا (3). علي بن الحكم، عن عروة بن موسى الجعفي قال: قال لنا يوما ونحن نتحدث: (الساعة انفقأت عين هشام في قبره). قلنا: ومتى مات ؟ قال: (اليوم الثالث). قال: فحسبنا موته وسألنا عنه فكان كذلك (4). أحمد بن محمد، عن محمد بن فضيل، عن شهاب بن عبد ربه قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (كيف أنت إذا نعاني إليك محمد بن سليمان ؟).


(1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 227، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 150 / 205. قبا: اسم بئر هناك عرفت القرية بها، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وهي قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة. (معجم البلدان 4: 302). (3) المناقب لابن شهراشوب 4: 228، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 131 / 180 (4) المناقب لابن شهرآشوب 4: 226، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 151 / ذيل حديث 207. (*)

[ 523 ]

قال: فلا والله ما عرفت محمد بن سليمان، ولا علمت من هو ؟ قال: ثم كثر مالي وعرضت تجارتي بالكوفة والبصرة، فإني يوما بالبصرة عند محمد ابن سليمان وهو والي البصرة إذ ألقى إلي كتابا وقال لي: يا شهاب، أعظم الله أجرك وأجرنا في إمامك جعفر بن محمد، قال: فذكرت الكلام فخنقتني العبرة، فخرجت فأتيت منزلي وجعلت أبكي على أبي عبد الله عليه السلام (1). وروى علي بن إسماعيل بن عمار، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن لنا أموالا ونحن نعامل الناس، وأخاف إن حدث حدث أن تفرق أموالنا. قال: فقال: (إجمع مالك في كل شهر ربيع). قال علي بن إسماعيل: فمات إسحاق في شهر ربيع (2). وأحمد بن قابوس، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل عليه قوم من أهل خراسان فقال إبتداء من غير مسألة: (من جمع مالا من مهاوش (3) أذهبه الله في نهابر) (4). فقالوا له: جعلنا الله فداك لا نفهم هذا الكلام. فقال عليما السلام: (از باد ايد به دم بشود) (6).


(1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 222، دلائل الامامة: 138، رجال الكشي 2: 172 / 781، وباختلاف يسير في: بحار الأنوار 47: 150 / 205. (2) رجال الكشي 2: 709 / 767، المناقب لابن شهرآشوب 4: 243، كشف الغمة 2: 197، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 140 / 190 (3) مهاوش: ما غصب وشرق (القاموس المحيط 2: 29 4). (4) النهابر: المهالك. (القاموس المحيط 2: 151). (5) كلام بالفارسية معناه ان الذي يأني به الهواه يذهب به النسيم. (6) بصائر الدرجات 356: 14، المناقب لابن شهراشوب 4: 218، ونقله المجلسي في (*) =

[ 524 ]

وروي: أن داود بن علي بن عبد الله بن عباس قتل المعلى بن خنيس - مولى الصادق عليه السلام - وأخذ ماله، فدخل عليه وهو يجرر داءه فقال له: (قتلت مولاي وأخذت ماله، أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب، أما والله لادعون الله عليك). فقال له داود: تهددنا بدعائك. كالمستهزئ بقوله. فرجع أبو عبد الله عليه السلام إلى داره، ولم يزل ليله كله قائما وقاعدا حتى إذا كان السحر سمع وهو يقول في مناجاته: (يا ذا القوة القوية، ويا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي كل خلقك لها ذليل اكفني هذا الطاغية، وانتقم لي منه). فما كان إلا ساعة حتى ارتفعت الأصوات بالصياح وقيل: قد مات داود ابن علي الساعة (1). واشتهر في الرواية: أن المنصور أمر الربيع بإحضار أبي عبد الله عليه السلام، فأحضره، فلما بصر به قال: قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني وتبغيني الغوائل ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (والله ما فعلت ولا أردت، فإن كان بلغك فمن كاذب، ولو كنت فعلت لقد ظلم يوسف فغفر وابتلي أيوب فصبر وأعطي سليمان فشكر، فهؤلاء أنبياء الله تعالى وإليهم يرجع نسبك). فقال له المنصور: أجل ارتفع هاهنا، فارتفع فقال له: ان فلان بن فلان =


بحار الأنوار 47: 84 / 78. (1) ارشاد المفيد 2: 184، روضة الواعظين: 209، ومختصرا في: الفصول المهمة: 226، وباختلاف في ذيل الحديث في المناقب لابن شهرآشوب 4: 230، ونحوه في: الكافي 2: 372 / 5. (*)

[ 525 ]

أخبرني عنك بما ذكرت. فقال: (أحضره يا أمير المؤمنين ليواقفني على ذلك). فأحضر الرجل المذكور، فقال له المنصور: أنت سمعت ما حكيت عن جعفر ؟ قال: نعم. قال له أبو عبد الله عليه السلام: (فاستحلفه على ذلك). فقال له المنصور: أتحلف ؟ قال: نعم. فابتدأ باليمين. فقال أبو عبد الله: (دعني يا أمير المؤمنين احلفه أنا). فقال له: افعل. فقال أبو عبد الله عليه السلام للساعي: (قل: برئت من حول الله وقوته والتجأت إلى حولي وقوتي لقد فعل كذا وكذا جعفر). فامتنع منها هنيهة ثم حلف بها، فما برح حتى اضطرب برجله، فقال أبو جعفر: جروا برجله، فخأرجوه لعنه الله (1). قال الربيع: وكنت رأيت جعغر بن محمد عليه السلام حين دخل على المنصور يحرك شفتيه، فكلما حركهما سكن غضب المنصور حتى أدناه منه ورضي عنه، فلما خرج أبو عبد الله عليه السلام من عند أبي جعفر اتبعته فقلت له: إن هذا الرجل كان أشد الناس غضبا عليك، فلما دخلت عليه وحركت شفتيك سكن غضبه، فبأي شئ كنت تحركهما ؟ قال: (بدعاء جدي الحسين بن علي عليهما السلام). فقلت: جعلت فداك، وما هذا الدعاء ؟


(1) ارشاد المفيد 2: 183، روضة الواعظين: 209 208، كشف الغمة 2: 168 (*)

[ 526 ]

قال: (يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام). قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء، فما نزلت بي شدة قط فدعوت به إلا فرج الله عني. قال: وقلت لجعفر بن محمد: لم منعت الساعي أن يحلف بالله تعالى ؟ قال: (كرهت أن يراه الله تعالى يوحده ويمجده فيحلم عنه ويؤخر عقوبته، فاستحلفته بما سمعت فأخذه الله أخذة رابية (1) (2). وأمثال ما ذكرناه من الأخبار في آياته ودلالته وإخباره بالغيوب كثيرة يطول تعداده فمن ذلك: ما أورده أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب (مقاتل الطالبيين): ورواه بالأسانيد المتصلة عن رجاله: أن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، منهم: إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبد الله بن الحسن بن الحسن وابناه محمد وإبراهيم، فحمد الله واثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي، فهلم نبايعه، فقال أبو جعفر: لأي شئ تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أصور (3) أعناقا ولا أسرع إجابة


(1) أخذ ة رابية: أي أخذة تزيد على الأخذات (لسان العرب 14: 305) (2) أرشاد المفيد 2: 184، روضة الواعظين: 209، كشف الغمة 2: 168، وباختلاف يسير في الفصول المهمة: 225، وباختصار في: تذكرة الخواص: 309، وكفاية الطالب. 455. (3) اصور: أميل. (انطر الصحاح - صور - 2: 716). (*)

[ 527 ]

منهم إلى هدا الفتى - يريد به محمد بن عبد الله -. فبايعوا محمدا جميعا ومسحوا على يده. وأرسل إلى جعفر بن محمد بن علي الصادق عليهم السلام فجاء وأوسع له عبد الله بن الحسن إلى جنبه ثم تكلم بمثل كلامه فقال جعفر: (لا تفعلوا، فإن هذا الأمر لم يأت بعد، إن كنت ترى - يعني عبد الله - أن ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضبا لله وليأمر بالعروف وينهى عن المنكر فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك في هذا الأمر). فغضب عبد الله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ووالله ما اطلعك الله على غيبه ولكنه يحملك على هذا الحسد لأبني - تقال: (والله ما ذاك يحملني، ولكن هذا وإخوته وابناؤهم دونكم) وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن وقال: (إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنها لهم، وإن ابنيك لمقتولان) ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال: (أرأيت صاحب الرداء الأصفر ؟) يعنى أبا جعفر. فقال له: نعم. فقال: 0 أنا والله نجده يقتله). قال له عبد العزيز: أيقتل محمدا ؟ قال: (نعم). قال: فقلت في نفسي: حسده ورب الكعبة، قال: ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما. قال: فلما قال جعفر ذلك نهض القوم فافترقوا وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا: يا ابا عبد الله أتقول هذا ؟

[ 528 ]

قال: (نعم، أقوله واله وأعلمه). قال أبو الفرج: وحدثني علي بن العباس قال: أخبرنا بكار بن أحمد قال: حدثنا إلحسن بن الحسين، عن عنبسة بن بجاد العابد قال: كان جعفر ابرت محمد إذا رأى محمد بن عبد الله تغرغرت عيناه وقال: (بنفسي هو، إن الناس ليقولون فيه إنه المهدي وإنه لمقتول، ليس في كتاب علي من خلفاء هذ الأمة) (1). ومن ذلك: ما رواه صاحب كتاب (نوادر الحكمة): عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبي محمد الحميري، عن الوليد بن العلاء بن سيابة، عن زكار ابن أبي زكار الواسطي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ أقبل رجل فسلم ثم قبل رأس أبي عبد الله عليه السلام قال: فمس أبو عبد الله ثيابه وقال: (ما رأيت كاليوم ثيابا أشد بياضا ولا أحسن منها). فقال: جعلت فداك، هذه ثياب بلادنا وجئتك منها بخير من هذه. قال: فقال: (يا معتب اقبضها منه). ثم خرج الرجل فقال أبو عبد الله عليه السلام: (صدق الوصف وقرب الوقت، هذا صاحب الرايات السود الذي يأتي بها من خراسان) ثم قال: (يا معتب، ألحقه فسله ما اسمه ؟) ثم قال لي: (إن كان عبد الرحمن فهو والله هو). قال: فرجع معتب فقال: قال: اسمي عبد الرحمن. قال زكار بن أبي زكار: فمكثت زمانا، فلما ولي ولد العباس نظرت إليه وهو يعطي الجند فقلت لأصحابه: من هذا الرجل ؟ فقالوا: هذا


(1) مقاتل الطالبيين: 206. (*)

[ 529 ]

عبد الرحمن، أبو مسلم (1). وذكر ابن جمهور العمي في كتاب (الواحدة) قال: حدث أصحابنا ؟ أن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال لابي عبد الله: والله إني لأعلم منك وأسخى منك وأشجع منك. فقال: (أما ما قلت: إنك أعلم مني، فقد أعتق جدي وجدك ألف نسمة من كد يده فسمهم لي، وإن أحببت أن اسمهم لك إلى آدم فعلت. وأما ما قلت: إنك أسخى مني فوالله ما بت ليلة ولله علي حق يطالبني وأما ما قلت: إنك أشجع مني. فكأني أرى رأسك وقد جئ به ووضع على حجر الزنابير يسيل منه الدم إلى موضع كذا وكذا). قال: فصار إلى أبيه فقال: يا أبه كلمت جعفر بن محمد بكذا فرد علي كذا فقال أبوه: يا بني آجرني الله فيك، إن جعفرا أخبرني أنك صاحب حجر الزنا بير (2). ومن الأخبار الصريحة الدالة على إمامته: ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن جماعة من رجاله، عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فورد عليه رجل من أهل الشام فقال: إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد جئت لمناظرة أصحابك. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (كلامك هذا من كلام رسول الله


(1) المناقب لابن شهرآشوب 4: 229، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 274 / 15 (2) المناقب لابن شهرآشوب 4: 228، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 47: 275 / 1 5 (*)

[ 530 ]

صلى الله عليه وآله وسلم أو من عندك ؟) فقال: من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعضه ومن عندي فقال له أبو عبد الله: (فأنت شريك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟) قال: لا. قال: (فسمعت الوحي عن الله عز وجل يخبرك ؟) قال: للا. قال: (فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟) قال: لا. فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلي فقال: (يا يونس بن يعقوب، هذا قد خصم نفسه قبل أن يتكلم) ثم قال: (يا يونس، لو كنت تحسن الكلام كلمته). قال يونس: فيا لها من حسرة، فقلت: جعلت فداك، سمعتك تنهى عن الكلام وتقول: ويل لأصحاب الكلام، يقولون: هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، وهذا ينساق وهذا لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: (إنما قلت: ويل لقوم تركوا قولي وذهبوا إلى ما يريدون). ثم قال: (اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله). قال: فخرجت فوجدت حمران بن أعين - وكان يحسن الكلام - ومحمد بن النعمان الأحول - وكان متكلما - وهشام بن سالم وقيس الماصر - وكانا متكلمين - فأدخلتهم عليه، فلما استقر بنا المجلس - وكنا في خيمة

[ 531 ]

لأبي عبد الله على طرف جبل في طرف الحرم وذلك قبل الحج بأيام - أخرج أبو عبد الله رأسه من الخيمة فإذا هو ببعير يخب (1) فقال: (هشام ورب الكعبة). قال: فظننا أن هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة لأبي عبد الله عليه السلام، فإذا هو هشام بن الحكم قد ورد - وهو أول ما أختطت لحيته وليس فينا إلا من هو أكبر سنا منه - فوسع له أبو عبد الله عليه السلام وقال: (هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده) ثم قال لحمران: (كلم الرجل) - يعني الشامي - فكلمه حمران فظهر عليه. ثم قال: (يا طاقي، كلمه) فكلمه فظهر عليه محمد بن النعمان. ثم قال: (يا هشام بن سالم كلمه) فتعارفا. ثم قال لقيس الماصر: (كلمه) فكتمه. وأقبل أبو عبد الله عليه السلام يتبسم من كلامهما وقد استخذل الشامي في يده، ثم قال للشامي: (كلم هذا الغلام) يعني هشام بن الحكم. فقال: نعم. ثم قال الشامي لهشام: يا غلام، سلني في إمامة هذا - يعني أبا عبد الله عليه السلام - فغضب هشام حتى ارتعد، ثم ! قال له: خبرني يا هذا أربك أنظر لخلقه أم هم لأنفسهم ؟ قال: بل ربي أنظر لخلقه. قال: ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا ؟ قال الشامي: كلفهم وأقام لهم حجة ودليلا على ما كلفهم، وأزاح في ذلك عللهم.


(1) الخبب: ضرب من العدو. (الصحاح - خط - 1: 117) (*)

[ 532 ]

فقال له هشام: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم ؟ قال الشامي: هو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. فقال له هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من ؟ قال: الكتاب والسنة. قال له هشام: فهل ينفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه حتى يرفع عنا الاختلاف ويمكنا من الاتفاق ؟ قال الشامي: نعم. قال له هشام: فلم اختلفنا نحن وأنت وجئتنا من الشام تخالفنا وتزعم أن الرأي طريق الدين، وأنت مقر بأن الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين ؟ فسكت الشامي كالمفكر، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (ما لك لا تتكلم ؟) قال: إن قلت: إنا ما اختلفنا كابرت، وإن قلت: إن الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت لأنهما يحتملان الوجوه، ولكن لي عليه مثل ذلك. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (سله تجده مليا). فقال الشامي لهشام: من أنظر للخلق، ربهم أم أنفسهم ؟ قال هشام: بل ربهم أنظر لهم. فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم ويرفع إختلافهم ويبين لهم حقهم من باطلهم ؟ قال هشام: نعم. قال الشامي: من هو ؟ قال هشام: أما في ابتداء الشريعة فرسول الله صلى الله عليه وآله

[ 533 ]

وسلم، وأما بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم فغيره، قال الشامي: ومن هو غير النبي القائم مقامه في حجته. قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله ؟ قال الشامي: بل في وقتنا هذا. فقال هشام: هذا الجالس - يعني أبا عبد الله عليه السلام - الذي تشد إليه الرحال، ويخبرنا عن أخبار السماء وراثة عن أب عن جد. قال الشامي: فكيف لي بعلم ذلك ؟ قال هشام: سله عما بدا لك. قال الشامي: قطعت عذري، فعلي السؤال.. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (أنا أكفيك المسألة يا شامي، اخبرك عن مسيرك وسفرك، خرجت يوم كذا، وكان طريقك كذا، ومررت على كذا، ومر بك كذا). فأقبل الشامي كلما وصف له شيئا من أمره يقول: صدقت والله، ثم قال الشامي: أسلمت الساعة. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (إنك امنت بالله الساعة، إن الإسلام قبل الإيمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون). قالى الشامي: صدقت، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصي الأوصياء. قال: فاقبل أبو عبد الله عليه السلام على حمران فقال: (يا حمران تجري الكلام على الأثر فتصيب). والتفت إلى هشام بن سالم فقال: (تريد الأثر ولا تعرف). ثم التفت إلى الأحول فقال: (قياس رواغ تكسر باطلا بباطل، إلا أن باطلك أظهر).

[ 534 ]

ثم التفت إلى قيس الماصر فقال: تتكلم وأقرب ما تكون من الخبر عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم أبعد ما تكون منه، تمزج الحق بالباطل، وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل، أنت والأحول قفازان حاذقان). قال يونس بن يعقوب: فظننت والله أنه يقول لهشام قريبا مما قال لهما، فقال: (يا هشام لا تكاد تقع، تلوي رجليك إذا هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلم الناس، اتق الزلة والشفاعة من ورائك) (1). وهذا الخبر مع ما فيه من المعجز الدال على إمامة أبي عبد الله عليه السلام يتضمن إثبات حجة النظر ودلالة الإمامة من طريق النظر والاستدلال.


(1) الكافي 1: 130 / 4، وكذا في: ارشاد المفيد 2: 194، وبأختصار في المناقب لابن شهرآشوب 4: 243. (*)

[ 535 ]

(الفصل الرابع) في ذكر طرف من مناقبه ومختصر من أخباره ومآثره عليه السلام كان عليه السلام أعلم أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زمانه بالاتفاق، وأنبههم ذكرا، وأعلاهم قدرا، وأعظمهم منزلة عند العامة والخاضة، ولم ينقل عن أحد من سائر العلوم ما نقل عنه، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسامي الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في المقالات والديانات فكانوا أربعة آلاف رجل. روى أبو محمد الحسن بن حمزة الحسيني في كتاب (التفهيم): بإسناده، عن سدير الصير في قال: قال الصادق عليه السلام: (نحن تراجمة وحي الله، نحن خزان علم الله، نحن قوم معصومون، أمر الله بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض) (1). وفيه أيضا: بإسناده، عن جميل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (الناس ثلاثة: عالم، ومتعلم، وغثاء، فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء) (2). وكان يقول: عليه السلام (علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع، وإن عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض ومصحف فاطمة عليها السلام، وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه).


(1) بصائر الدرجات: 124 / 6، الكلافي 1: 212 ذيل الحديث 6. (2) بصائر الدرجات: 28 / ح 1 - 5، الكافي 1: 26 / 4، الخصال 1: 115 123. (*)

[ 536 ]

فسئل عن تفسير كلامه عليه السلام، فقال: (أما الغابر: فالعلم بما يكون. وأما المزبور: فالعلم بما كان. وأما النكت في القلوب: فهو الإلهام. وأما النقر في الأسماع: فحديث الملائكة عليهم السلام نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم. وأما الجفر الأحمر: فوعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت. وأما الجفر الأبيض: فوعاء فيه توراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود عليهم السلام، وكتب الله المنزلة. وأما مصحف فاطمة: عليها السلام ففيه ما يكون من حادث، وأسماء كل من يملك إلى أن تقوم الساعة. وأما الجامعة: فهي كتاب طوله سبعون ذراعا، إملاء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخط علي بن أبي طالب عليه السلام بيده، فيه والله جميع ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، وفيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة) (1). وكان عليه السلام يقول: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث رسول الله


(1) ارشاد المفيد 2: 186، الاحتجاج 2: 372، روضة الوعظين 210 ، كشف الغمة 2: 169 وباختلاف يسير في: الكافي 1: 307 / 3. (*)

[ 537 ]

صلى الله عليه واله وسلم حديث الله عز وجل) (1). وروى عنه محمد بن شريح أنه قال: (لولا أن الله تعالى فرض ولايتنا وأمر بمؤتنا ما وقفناكم على أبوابنا، ولا أدخلناكم بيوتنا، والله ما نقول باهوائنا، ولا نقول برأينا، ولا نقول إلا ما قال ربنا، اصول عندنا نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم) (2)، وروى عنه أبو حمزة الثمالي أنه قال: (ألواح موسى عليه السلام عندنا، وعصا موسى عندنا ونحن ورثة النبيين) (3). وروى معاوية بن وهب، عن سعيد السمان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة ؟ قال: فقال: (لا). فقالا: قدم خبرنا عنك الثقات أنك تقول به ؟ وسموا قوما. فغضب عليه السلام وقال: (ما أمرتهم بهذا). فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا، فقال لي: (أتعرف هذين ؟) قلت: نعم، هما من أهل سوقنا، وهما من الزيدية، وهما يزعمان أن سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عبد الله بن الحسن. فقال: (كذبا لعنهما الله، والله ما رآه عبد الله بن الحسن بعينيه ولا بواحدة من عينيه، ولا راه أبوه إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين، فإن كانا


(1) الكافي 1: 42 / 14، ارشاد المفيد 2: 186، روضة الواعظين: 211، كشف الغمة 2: 170. (2) بصائر الدرجات: 321 / 10 وباختلاف يسير في 320 / 5 و 7. (3) بصائر الدرجات 160 / ذيل ح 4، الكافي 1: 180 / 2، ارشاد المفيد 2. 187، روضة الواعظين: 210، المناقب لابن شهرآشوب 4: 276، كشف الغمة 2: 170. (*)

[ 538 ]

صادقين فما علامة في مقبضه ؟ وما أثر في موضع مضربه ؟ وان عندي لسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورايته ودرعه ولامته (1) ومغفره (2)، فإن كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن عندي لراية رسول الله المغلبة، وإن عندي ألواح موسى وعصا موسى، وإن عندي لراية لم سليمان بن داود، وإن عندي الطست التي كان موسى يقرب بها القربان، وإن عندي الاسم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، وإن عندي لمثل الذي جاءت به الملائكة، ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد التابوت على أبوابهم اوتوا النبوة، ومن صار إليه السلاح منا اوتي الإمامة، ولقد لبس أبي درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطت على الأرض خطيطا، ولبستها أنا فكانت وكانت، وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله) (3). ووجدت في كتاب (كمال الدين) للشيخ أبي جعفر بن بابويه - رضي الله عنه -: حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: حدثنا حمدان بن سليمان، عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع، عن حيان السراج قال: سمعت السيد إسماعيل بن محمد الحميري يقول: كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن الحنفيه زمانا، فمن


(1) اللأمة: الدرع، وقيل: السلاح، ولأمة الحرب: أداتها، وقد يترك الهمز تخفيفا. ويقال للسيف لأمة، وللرمح لأمة، وإنما سمي لأمة لأنها تلائم الجسد وتلازمه. (لسان العرب 12: 532). (2) المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة. (الصحاح - غفر - 2: 771). (3) بصائر الدرجات: 194 / 2، الكافي 1: 181 / 1، ارشاد المفيد 2: 1 87. (*)

[ 539 ]

الله علي بالصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فأنقذني من النار وهداني إلى سواء الصراط، فسألته - بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله على خلقه وأنه الإمام الذي افترض الله طاعته - فقلت له: يا ابن رسول الله، قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها، فأخبرني بمن تقع ؟ فقال عليه السلام: (إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا). قال السيد: فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق عليه السلام تبت إلى الله تعالى على يديه وقلت قصيدتي التي أولها: تجعفرت باسم الله والله أكبر وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت دائنا به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت هب إني قد تهودت برهة وإلا فديني دين من يتنصر فإني إلى الرحمن من ذاك تائب وإني قد أسلمت والله أكبر فلست بغال ما حييت وراجع إلى ما عليه كنت اخفي واضمر ولا قائلا حي برضوى محمد وإن عاب جهال مقالي وأكثروا ولكنه ممن مضى لسبيله على أفضل الحالات يقفي ويخبر مع الطيبين الطاهرين الأولى لهم من المصطفى فرع زكي وعنصر إلى اخرها، وقلت بعد ذلك أيضا أبيات شعر وهي:

[ 540 ]

أيا راكبا نحو المدينة جسرة (1) عذا فرة (2) يطوي بهاكل سبسب (3) إذا ما هداك الله عاينت جعفرا فقل لولي الله وابن المهذب ألا يا أمين الله وابن أمينه أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي إليك من الأمر الذي كنت مطنبا احارب فيه جاهدا كل معرب وما كان قولي في ابن خولة (4) مبطنا معاندة مني لنسل المطيب ولكن روينا عن وصي نبينا وما كان فيما قاله بالمكذب بأن ولي الأمر يفقد لا يرى ستيرا كفعل الخائف المترقب فتقسم أموال الفقيد كأنما تغيبه بين الصفيح المنصب فيمكث حينا ثم يشرق شخصه مضيئا بنور العدل إشراق كوكب يسير بنصر الله من بيت ربه على سؤدد منه وأمر مسبب يسير إلى أعدائه بلوائه فيقتلهم قتلا كحران مغضب فلما روي أن ابن خولة غائب صرفنا إليه قوله لم نكذب وقلنا هو المهدي والقائم الذي يعيش به من عدله كل مجدب فإن قلت: لا، فالقول قولك والذي أمرت فحتم غير ما متعصب وأشهد ربي أن قولك حجة على الناس من مطيع ومذنب بأن ولي الأمر والقائم الذي تطلع نفسي نحوه بتطرب له غيبة لابد من أن يغيبها فصلى عليه الله من متغيب فيمكث حينا ثم يظهر حينه فيملأ عدلا كل شرق ومغرب بذاك أدين الله سرا وجهرة ولست وإن عوتبت فيه بمعتب


(1) الجسرة: العظيمة من الابل. (الصحاح - جسر - 2: 613). (2) العذافرة: العظيمة الشديدة من الابل. (الصحاح - عذفر - 2: 742). (3) السبسب: المفازة أو البادية. (الصحاح - سبب - 1: 145). (4) ابن خولة: هو محمد بن الحنفية رحمه الله. (*)

[ 541 ]

قال: وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية وكان السيد بن محمد بلا شك كيسانيا قكبل ذلك يزعم أن ابن الحنفية هو المهدي وأنه مقيم في جبال رضوى وشعره مملوء بذلك فمن ذلك قوله: ألا إن الأئمة من قريش ولاة الأمر أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم أسباطنا والأوصياء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الجيش يقدمه اللواء يغيب لا يرى عنا زمانا برضوى عنده عسل وماء وقوله أيضا: أيا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى وبنا إليه من الصبابة أولق (1) حتى متى ؟ والى متى ؟ وكم المدى ؟ يا ابن الوصي وأنت حي ترزق إني لآمل أن أراك وأنني من أن أموت ولا أراك لأفرق (2) وقوله أيضا: ألاحي المقيم بشعب رضوى وأهد له بمنزله السلاما وقل يا ابن الوصي فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما فمر بمعشر والوك منا وسموك الخليفة والإماما فما ذاق ابن خولة طعم موت ولا وارت له أرض عظاما (3) وفي شعره الذي ذكرناه دليل على رجوعه عن ذلك المذهب وقبوله


(1) الأولق: شبه الجنون. (الصحاح - ولق - 4: 1568). (2) ورد البيتان في إكمال الدين بهذا الشكل: ايا شعب رضوى مالمن بك لا يرى فحتى متى يخفى وأنت قريب فلو غاب عنا عمر نوح لايقت منا النفوس بانه سيؤوب (3) كمال الدين: 33. (*)

[ 542 ]

إمامة الصادق عليه السلام. وفيه أيضا دليل على أنه عليه السلام دعاه إلى إمامته وعلى صحة القول بغيبة صاحب الزمان عليه السلام. ومما نقل عنه صلوات الله عليه في الحجة والبيان والرد على منكري الحق ومخالفي الإيمان ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي: أن ابن أبي العوجاء، وابن طالوت، وابن الأعمى، وابن المقفع في نفر من الزنادقة كانوا مجتمعين في الموسم في المسجد الحرام، وأبو عبد الله جعفر بن محمد إذ ذاك فيه يفتي الناس ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل، فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به، فقد ترى فتنة الناس به وهو علامة زمانه. فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم. ثم تقدم ففرق الناس وقال: يا أبا عبد الله، إن المجالس أمانات، ولا بد لكل من به سعال أن يسعل، أفتأذن لي في السؤال ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (سل إن شئت). فقال: إلى، كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، من فكر في هذا وقدر علم أنه فعل غير حكيم ولاذي نظر، فقل إنك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك اسه ونظامه ؟ فقال الصادق عليه السلام: (إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليه وربه، يورده مناهل الهلكة، وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته وجعله قبلة للمصلين، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى

[ 543 ]

غفرانه، منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال، خلقه قبل دحو الأرض بألفي عام، وأحق من اطيع - فيما أمر وانتهى عما زجر - الله المنشئ لأرواح والصور). فقال له ابن أبي العوجاء: ذكرت يا أبا عبد الله فأحلت على غائب. فقال الصادق عليه السلام: (كيف يكون غائبا - يا ويلك - من هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويعلم أسرارهم، لا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه من مكان، تشهد له بذلك آثاره وتدل عليه أفعاله ! ! والذي بعثه بالآيات المكمه والبراهين الواضحة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاءنا بهذه العبادة، فأن شككت في شئ من أمره فاسأل عنه أوضحه لك). قال: فأبلس ابن أبي العوجاء فلم يدر ما يقول، فانصرف من بين يدية وقال لأصحابه: سألتكم أن تلتمسوا لي جمرة فألقيتموني على جمرة. قالوا له: اسكت، فوالله لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك، وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه. فقال: إلي تقولون هذا ! إنه ابن من حلق رؤوس من ترون، وأشار بيده إلى أهل الموسم (1). ومن ذلك: ما روي: أن أبا شاكر الديصاني وقف ذأت يوم في مجالسه عليه السلام فقال له: إنك لأحد النجوم الزواهر، وكان اباؤك بدورا بواهر، وامهاتك عقيلات عباهر (2)، وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء


(1) الكافي 1: 98 / 3 و 4: 197 / 1، ارشاد المفيد 2: 199، التوحيد: 253 / 4، كشف الغمة 2: 175، ووردت قطعة منه في. أمالي الصدوق: 493 / 4، علل الشرائع: 403 / 4، الا حتجاج 3: 335. (2) العبهرة: الغي جمعت الحسن والجسم والخلق (لسان العرب 4: 536). (*)

[ 544 ]

فبك تثنى الخناصر، فخبرنا أيها البحر الخضم الزاخر ما الدليل على حدوث العالم ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (من أقرب الدليل على ذلك ما أذكره لك) ثم دعا ببيضة فوضعها في راحته ثم قال: (هذا حصن ملموم، باطنه غرقئ (1)، رقيق يطيف به كالفضة السائلة والذهبة المائعة، افتشك في ذلك ؟) قال أبو شاكر: لا شك فيه. قال أبو عبد الله عليه السلام: (ثم إنه ينفلق عن صورة كالطاووس، ادخله شئ غير ما عرفت ؟) قال: لا. قال: (فهذا الدليل على حدوث العالم). فقال أبو شاكر: دللت يا أبا عبد الله فأوضحت، وقلت فأحسنت، وذكرت فأوجزت، وقد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا، أو سمعناه بآذاننا، أو ذقناه بأفواهنا، أو شممناه بانوفنا، أو لمسناه ببشرتنا. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (ذكرت الحواس الخمس، وهي لا تنتفع في الاستنباط إلا بدليل، كما لا تنقطع الظلمة بغير مصباح) (2). أراد عليه السلام أن الحواس لا توصل إلى العلم بالغائبات إلا بالعقل، وإن الذي أراه من حدوث الصورة معقول يوصل إلى العلم به بالمحسوس. ومن ذلك: ما روي أنه سئل عن التوحيد والعدل فقال: (التوحيد أن لا


(1) الغرقئ: قشر البيض الرقيق الذي تحت القشر الصلب. (الصحاح - غرقا - 1: 61). (2) التوحيد: 292 / 1، ارشاد المفيد 2: 201، كشف الغمة 2: 177، ونحوه في الكافي 1: 63 / ذيل ح 4. (*)

[ 545 ]

تجوز على ربك ما جاز عليك، والعدل أن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه) (1) وهذا يؤول في المعنى إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام: (التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمه) (2). وقيل للصادق عليه السلام: أنت أعلم أم أبوك ؟ فقال: (أبي أعلم مني، وعلم أبي لي). وروى علي بن أسباط، عن داود الرقي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف أدعو الله أن يرضى عني إمامي. قال: (تقول: اللهم رب إمامي وربي، وخالق إمامي وخالقي، ورازق إمامي ورازقي، ارض عني وارض عني إمامي). وما حفظ عنه وتلقي منه في أنواع العلوم وفنون الحكم أكثر من أن يحويه كتاب، أو يحصره حساب، والاقتصار على ما أوردناه أليق بالباب، والله الموفق للصواب.


معاني الأخبار. 11 / 2، التوحيد 96 / 1. نهج البلاغة: 264 / 470. (*)

[ 546 ]

(الفصل الخامس) في ذكر أولاده عليه السلام ونبذ من أخبارهم كان له عليه السلام عشرة أولاد: إسماعيل، وعبد الله، وام فروة، امهم فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. وموسى عليه السلام، وإسحاق، وفاطمة، ومحمد، لام ولد اسمها حميدة البربرية. والعباس، وعلي، وأسماء، لآمهات أولاد شتى. أما إسماعيل: فكان أكبر إخوته، وكان أبوه شديد المحبة له والبربه، وقد كان يظن قوم من الشيعة في حياة الصادق عليه السلام أنه القائم بعده والخليفة له، لميل أبيه إليه وإكرامه له، ولأنه أكبر إخوته سنا، فمات في حياة أبيه الصادق عليه السلام بالعريض (1) وحمل على رقاب الناس إلى أبيه بالمدينة، فجزع عليه جزعا شديدا، وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء، وكان يأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مرارا كثيرة ويكشف عن وجهه وينظر إليه، يريد عليه السلام إزالة الشبهة عن الذين ظنوا خلافخه له من بعده، وتحقيق أمر وفاته عندهم. ودفن.، بالبقيع - رحمه الله -. ولما مات إسماعيل رجع عن القول بإمامته بعد أبيه من كان يظن دلك، وأقام على حياته طائفة لم تكن من خواص أبيه بل، كانوا من الأباعد.


(1) العريض: واد بالمدينة فيه بساتين نخل. (انظر معجم البلدان 4: 114). (*)

[ 547 ]

فلما مات الصادق عليه السلام انتقل جماعة منهم إلى القول بإمامة موسى بن جعفر عليهما السلام، وافترق الباقون منهم فرقتين: فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل وقالوا بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل لظنهم أن الإمامة كانت في أبيه وإن الابن أحق بمقام الإمامة من الأخ، وفريق منهم ثبتوا على حياة إسماعيل وهم اليوم شذاذ، وهذان الفريقان يسميان الإسماعيلية. وأما عبد الله بن جعفر: فإنه كان أكبر إخوته بعد إسماعيل، ولم تكن منزلته عند أبيه عليه السلام منزلة غيره من الأولاد، وكان متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد، وادعى الإمامة بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام، واتبعه قوم ثم رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة موسى عليه السلام لما ظهر عندهم براهين إمامته، ولم يبق على القول بإمامة عبد الله إلا طائفة يسيرة تسمى الفطحية، وإنما لزمهم هذا اللقب لأنه كان أفطح الرجلين، ويقال: لأن داعيهم إلى ذلك رجل اسمه عبد الله بن أفطح. وأما محمد بن جعفر: فكان يرى رأي الزيدية في الخروج بالسيف، وكان سخيا شجاعا، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يذبح كل يوم كبشا للضيافة، وخرج على المأمون في سنة تسع وتسعين ومائة، فخرج لقتاله عيسى الجلودي فهزم أصحابه وأخذه وأنفذه إلى المأمون، فوصله وأكرمه، وكان مقيما معه بخراسان يركب إليه في موكب بني عمه، وكان المأمون يحتمل منه ما لا يحتمل السلطان من رعيته. وروي: أن المأمون أنكر ركوبه إليه في جماعة الطالبية التي خرجت عليه معه، فخرج التوقيع من المأمون إليهم: لا تركبوا مع محمد بن جعفر واركبوا مع عبيد الله بن إلحسين. فأبوا أن يركبوا، ولزموا منازلهم، فخرج التوقيع: إركبوا مع من أحببتم. فكانوا يركبون مع محمد بن جعفر إذا ركب

[ 548 ]

إلى المأمون، وينصرفون بإنصرافه. وأما إسحاق بن جعفر: فكان ورعا فاضلا مجتهدا، وروى عنه الناس الحديث والآثار، وكان ابن كاسب إذا حدث عنه قال: حدثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، وكان يقول بإمامة أخيه موسى بن جعفر، وروى عن أبيه النص عليه بالإمامة. وأما محمد بن جعفر: فكان يرى رأي الزيدية في الخروج بالسيف، وكان سخيا شجاعا، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يذبح كل يوم كبشا للضيافة، وخرج على المأمون في سنة تسع وتسعين ومائة، فخرج لقتاله عيسى الجلودي فهزم أصحابه وأخذه وأنفذه إلى المأمون، فوصله وأكرمه، وكان مقيما معه بخراسان يركب إليه في موكب بني عمه، وكان المأمون يحتمل منه ما لا يحتمل السلطان من رعيته. وروي: أن المأمون أنكر ركوبه إليه في جماعة الطالبية التي خرجت عليه معه، فخرج التوقيع من المأمون إليهم: لا تركبوا مع محمد بن جعفر واركبوا مع عبيد الله بن إلحسين. فأبوا أن يركبوا، ولزموا منازلهم، فخرج التوقيع: إركبوا مع من أحببتم. فكانوا يركبون مع محمد بن جعفر إذا ركب

[ 548 ]

إلى المأمون، وينصرفون بإنصرافه. وأما إسحاق بن جعفر: فكان ورعا فاضلا مجتهدا، وروى عنه الناس الحديث والآثار، وكان ابن كاسب إذا حدث عنه قال: حدثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، وكان يقول بإمامة أخيه موسى بن جعفر، وروى عن أبيه النص عليه بالإمامة. وأما علي بن جعفر: فإنه كان راوية للحديث، كثير الفضل والورع، ولزم أخاه موسى بن جعفر وروى عنه مسائل كثيرة، وقال بإمامته، وإمامة علي ابن موسى، ومحمد بن علي عليهم السلام، وروى من أبيه النص على موسى أخيه عليهما السلام. وكان العباس بن جعفر فاضلا نبيلا (1).


(1) أرشاد المفيد 2: 209. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية