الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشفا بتعريف حقوق المصطفى - القاضي عياض ج 2ي

الشفا بتعريف حقوق المصطفى

القاضي عياض ج 2


[ 1 ]

الشفا بتعريف حقوق المصطفى العلامة القاضى أبى الفضل عياض اليحصبى 544 ه‍ مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للعلامة أحمد بن محمد بن محمد الشمني 873 ه‍ الجزء الثاني دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم القسم الثاني (فيما يجب على الأنام من حقوقه صلى الله عليه وسلم) قال القاضى أبو الفضل وفقه الله وهذا قسم لخصنا فيه الكلام في أربعة أبواب على ما ذكرناه في أول الكتاب ومجموعها في وجوب تصديقه واتباعه في سنته وطاعته ومحبته ومناصحته وتوقيره وبره وحكم الصلاة عليه والتسليم وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم. (الباب الأول) (في فرض الإيمان به ووجوب طاعته واتباع سنته) إذا تقرر بما قدمناه ثبوت نبوته وصحة رسالته وجب الإيمان به وتصديقه فيما أتى به * قال الله تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا)، وقال: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، لتؤمنوا بالله ورسوله) وقال (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي) الآية، فالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه قال تعالى: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا

[ 3 ]

للكافرين سعيرا) * حدثنا أبو محمد الخشنى الفقيه بقراءتي عليه حدثنا إمام أبو على الطبري حدثنا عبد الغافر الفارسى حدثنا ابن عمرويه حدثنا ابن سفيان حدثنا أبو الحسين حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلا إلا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) * قال القاضى أبو الفضل وفقه الله، والإيمان به صلى الله عليه وسلم هو تصديق نبوته ورسالة الله له وتصديقه في جميع ما جاء به وما قاله ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة بذلك باللسان تم الإيمان به والتصديق له كما ورد في هذا الحديث نفسه من رواية عبد الله بن عمر رضى الله عنهما (أمرت) أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وقد زاده وضوحا في حديث جبريل إذ قال أخبرني عن الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وذكر أركان الإسلام ثم سأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) الحديث، فقد قرر أن الإيمان به محتاج إلى العقد بالجنان والإسلام به مضطر إلى النطق باللسان


(قوله ابن بسطام) بكسر الموحدة وفتحها. (*)

[ 4 ]

وهذه الحالة المحمودة التامة، وأما الحال المذمومة فالشهادة باللسان دون تصديق القلب وهذا هو النفاق، قال الله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) أي كاذبون في قولهم ذلك عن اعتقادهم وتصديقهم وهم لا يعتقدونه فلما لم تصدق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فخرجوا عن اسم الإيمان ولم يكن لهم في الآخرة حكمه إذ لم يكن معهم إيمان ولحقوا بالكافرين في الدرك الأسفل من النار وبقى عليهم حكم الإسلام بإظهار شهادة اللسان في أحكام الدنيا المتعلقة بالأئمة وحكام المسلمن الذين أحكامهم على الظواهر بما أظهروه من علامة الإسلام إذ لم يجعل للبشر سبيل إلى السرائر ولا أمروا بالبحث عنها بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحكم عليها وذم ذلك وقال (هلا شققت عن قلبه ؟) والفرق بين القول والعقد ما جعل في حديث جبريل: الشهادة من الإسلام والتصديق من الإيمان، وبقيت حالتان أخريان بين هذين إحداهما: أن يصدق بقلبه ثم يخترم قبل اتساع وقت للشهادة بلسانه فاحتلف فيه فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول والشهادة به وراه بعضهم مؤمنا مستوجبا للجنة لقوله صلى الله عليه وسلم (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فلم يذكر سوى ما في القلب وهذا مؤمن بقلبه غير عاص ولا مفرط بترك غيره وهذا هو الصحيح في هذا الوجه. الثانية


(قوله ثم يخترم) بضم أوله وسكون المعجمة مبنى للمفعول. (*)

[ 5 ]

أن يصدق بقلبه ويطول مهله، وعلم ما يلزمه من الشهادة فلم ينطق بها جملة ولا استشهد في عمره ولا مرة، فهذا اختلف فيه أيضا فقيل هو مؤمن لأنه مصدق والشهادة من جملة الأعمال فهو عاص بتركها غير مخلد، وقيل ليس بمؤمن حتى يقارن عقده شاهدة اللسان، إذ الشهادة إنشاء عقد والتزام إيمان وهى مرتبطة مع العقد ولا يتم التصديق مع المهلة إلا بها وهذا هو الصحيح وهذا نبذ يفضى إلى متسع من الكلام في الإسلام والإيمان أبوابهما وفى الزيادة فيهما والنقصان، وهل التجزى ممتنع على مجرد التصديق لا يصح فيه جملة وإنما يرجع إلى ما زاد عليه من عمل، أو قد يعرض فيه لاختلاف صفاته وتباين حالاته من قوة يقين وتصميم اعتقاد ووضوح معرفة ودوام حالة وحضور قلب ؟ وفى بسط هذا خروج عن غرض التأليف وفيما ذكرنا غنية فيما قصدنا إن شاء الله تعالى


(قوله مهله) المهل بفتح الميم والهاء النؤدة (قوله مع المهلة) بضم الميم وإسكان الهاء هي الاسم من أمهله إذا أنظره (قوله وهذا نبذ) بفتح النون وسكون الموحدة بعدها ذال معجمة أي شئ يسير وفى بعض النسخ وهذه نبذ بضم النون وفتح الموحدة جمع نبذة وهى القطعة (قوله أو قد يعرض فيه) في الصحاح عرض له أمر كذا يعرض أي ظهر وعرض العود على الإناء والسيف على فخذه يعرضه ويعرضه أيضا فهذه وحدها بالضم وعرضت له القول وعرضت أيضا بالكسر يقال مرنى فلان فما عرضت وما عرضت ولا يعرض له ولا يعرض له لغتان جيدتان (*)

[ 6 ]

فصل وأما وجوب طاعته: فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتى به قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله) وقال (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقال: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) وقال (وإن تطيعوه تهتدوا) وقال (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال (ومن يطع الله والرسول فأولئك) الآية، وقال (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) فجعل تعالى طاعة رسوله طاعته وقرن طاعته بطاعته ووعد على ذلك بجزيل الثواب وأوعد على مخالفته بسوء العقاب وأوجب امتثال أمره واجتناب نهيه، قال المفسرون والأئمة طاعة الرسول في التزام سنته والتسليم لما جاء به وقالوا: ما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه وقالوا من يطع الرسول في سنته يطع الله في فرائضه، وسئل سهل بن عبد الله عن شرائع الإسلام فقال (وما آتاكم الرسول فخذوه): وقال السمرقندى يقال: أطيعوا الله في فرائضه والرسول في سنته وقيل: أطيعوا الله فيما حرم عليكم والرسول فيما بلغكم ويقال: أطيعوا الله بالشهادة له بالربوبية، والنبى بالشهادة له بالنبوة * حدثنا أبو محمد بن عتاب بقراءتي عليه حدثنا حاتم بن محمد حدثنا أبو الحسن على بن محمد بن خلف حدثنا محمد بن

[ 7 ]

يوسف حدثنا البخاري حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أطاعنى فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى ومن عصى أميرى فقد عصاني) فطاعة الرسول من طاعة الله، إذ الله أمر بطاعته، فطاعته امتثال لما أمر الله به وطاعة له * وقد حكى الله عن الكفار في دركات جهنم (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) فتمنوا طاعته حيث لا ينفعهم التمنى، وقال صلى الله عليه وسلم (إذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم (كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال: (من أطاعنى دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) وفى الحديث الآخر الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم (مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إنى رأيت الجيش بعينى وإنى أنا النذير العريان فالنجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت


(قوله وأنى أنا النذير العريان) هذا مثل ضربه عليه السلام مبالغة في صدق النذارة لأن النذير إذا كان عريانا كان أبين وقيل كان النذير يجرد ثيابه ويلوح بها ليجتمع إليه (قوله فالنجاء) بالمد (قوله فأدلجوا) في القاموس الدلجة بالضم والفتح السير من أول الليل وقد أدلجوا إذا ساروا من آخره فادلجوا بالتشديد (قوله على مهلهم) بفتح الميم والهاء أي تؤدتهم. (*)

[ 8 ]

طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق) وفى الحديث الآخر في مثله: كمثل من بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فالدار الجنة والداعى محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمد فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس). فصل وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهدية فقد قال الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) وقال (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) وقال (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم - إلى قوله - تسليما) أي ينقادوا لحكمك، يقال سلم واستسلم وأسلم إذا انقاد. وقال تعالى (لقد كان لكم في رسول


(قوله واجتاحهم) بالجيم في أوله والحاء المهملة في آخره أي استأصلهم (قوله مأدبة) بضم الدال المهملة وفتحها، في القاموس: هي طعام صنع لدعوى أو عرس (قوله فرق بين الناس) بإسكان الراء أي يفرق بين المؤمنين والكافرين بالإيمان من المؤمنين وعدمه من الكافرين (قوله بهدية) بفتح الهاء وسكون الدال أي بطريقه ومذهبه. (*)

[ 9 ]

الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) الآية، قال محمد بن على الترمذي: الأسوة في الرسول الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته في قول أو فعل وقال غير واحد من المفسرين بمعناه وقيل هو عتاب للمتخلفين عنه وقال سهل في قوله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) قال بمتابعة السنة فأمرهم تعالى بذلك ووعدهم الاهتداء باتباعه لأن الله تعالى أرسله بالهدى ودين الحق ليزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط فمستقيم ووعدهم محبته تعالى في الآية الأخرى ومغفرته إذا اتبعوه وآثروه على أهوائهم وما تجنح إليه نفوسهم وأن صحة إيمانهم بانقيادهم له ورضاهم بحكمه وترك الاعتراض عليه، وروى عن الحسن أن أقواما قالوا يا رسول الله إنا نحب الله فأنزل الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله) الآية، وروى أن الآية نزلت في كعب بن الأشرف وغيره وأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أشد حبا لله، فأنزل الله الآية، وقال الزجاج معناه (إن كنتم تحبون الله) أن تقصدوا طاعته فافعلوا ما أمركم به، إذ محبة العبد لله والرسول طاعته لهما ورضاه بما أمرا ومحبة الله لهم عفوه عنهم وإنعامه عليهم برحمته، ويقال الحب من الله عصمة وتوفيق ومن العباد طاعة، كما قال القائل: تعصى الإله وأنت تظهر حبه ؟ * هذا لعمري في القياس بديع !

[ 10 ]

لو كان حبك صادقا لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع ! ويقال محبة العبد لله تعظيمه له وهيبته منه ومحبة الله له رحمته له وإرادته الجيل له وتكون بمعنى مدحه وثنائه عليه، قال القشيرى فإذا كان بمعنى الرحمة والإرادة والمدح كان من صفات الذات وسيأتى بعد في ذكر محبة محبة العبد غير هذا بحول الله تعالى حدثنا أبو إسحاق إبراهيم ابن جعفر الفقيه قال حدثنا أبو الأصبغ عيسى بن سهل وحدثنا أبو الحسن يونس بن مغيث الفقيه بقراءتي عليه قالا حدثنا حاتم بن محمد قال حدثنا أبو حفص الجهنى حدثنا أبو بكر الآجرى حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزى حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو الأسلمي وحجر الكلاعى عن العرباض بن سارية في حديثه في موعظة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) زاد


(قوله الجوزى) بالجيم المفتوحة والزاى المكسورة إبراهيم بن موسى كذا ذكره ابن ماكولا وغيره (قوله عن عبد الرحمن بن عمرو الأسلمي) كذا في بعض النسخ وصوابه السلمى بضم السين المهملة وفتح اللام كما في سنن أبى داود وجامع الترمذي وأطراف المزى وكتب الأسماء (قوله بالنواجذ) بالذال المعجمة قال النووي هي الأنياب وقيل الأضراس وفى النهاية أن النواجذ مشتهرة بأواخر الأسنان وفى الصحاح الناجذ آخر الأضراس، ولإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان بعد الأرجاء ويسمى ضرس الحلم لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. (*)

[ 11 ]

في حديث جابر بمعناه (وكل ضلالة في النار) وفى حديث أبى رافع عنه صلى الله عليه وسلم (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) وفى حديث عائشة رضى الله عنها صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ترخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله ثم قال (ما بال قوم يتنزهون عن الشئ أصنعه ؟ فو الله إنى لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية، وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (القرآن صعب مستصعب على من كرهه، وهو الحكم، فمن استمسك بحديثي وفهمه وحفظه جاء مع القرآن، ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة، أمرت أمتى أن يأخذوا بقولى ويطيعوا أمرى ويتبعوا سنتى، فمن رضى بقوله فقدر رضى بالقرآن) قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه) الآية وقال صلى الله عليه وسلم (من اقتدى بى فهو منى ومن رغب عن سنتى فليس منى) وعن أبى هريرة رضى الله عنه


(قوله وفى حديث أبى رافع) هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل اسمه إبراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز (قوله لا ألفين) بضم الهمزة وكسر الفاء وفتح المثناة التحتية وتشديد النون أي لا أجدن (قوله على أريكته) الأريكة السرير في الحجلة من دونه ستر ولا يسمى السرير منفرد أريكة وقيل هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة قاله ابن الأثير، وفى الصحاح الأريكة سرير مزين في قبة أو بيت وإذا لم يكن فيه سرير فهو حجد والجمع الأرائك (قوله مستصعب) بكسر العين من استصعب الأمر بمعنى صعب (قوله وهو الحكم) بفتح الحاء والكاف. (*)

[ 12 ]

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رصي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم (العلم ثلاثة فما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة) وعن الحسن بن أبى الحسن رحمهما الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة) وقال صلى الله عليه السلام وسلم (إن الله تعالى يدخل العبد الجنة بالسنة تمسك بها) وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (المتمسك بسنتى عند فساد أمتى له أجر مائة شهيد) وقال صلى الله عليه وسلم (إن بنى اسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن أمتى تفترق على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة) قالوا ومن هم يا رسول الله ؟ قال (الذى أنا عليه اليوم وأصحابي) وعن أنس، قال صلى الله عليه وسلم (من احيا سنتى فقد أحيانى ومن أحيانى كان معى في الجنة) وعن عمرو بن عوف المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث (من أحيا سنة من سنتى قد أميتت بعدى فإن له من الأجر مثل


(قوله وخير الهدى) بفتح الهاء وسكون الدال بمعنى السمت والطريقة، أو بضم الهاء وفتح الدال ضد الضلال (قوله أو فريضة عادلة) قال ابن الأثير أراد العدل في القسمة أي معدلة على السهام المذكور في الكتاب والسنة من غير جور، ويحتمل أن يريد أنها مستنبطة من الكتاب والسنة فتكون هذه الفريضة تعدل بما أخر عنها انتهى (قوله وعن الحسن بن أبى الحسن) هو البصري. (*)

[ 13 ]

من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا) (فصل) وأما ورد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته فحدثنا الشيخ أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبى تليد الفقيه سماعا عليه قال حدثنا أبو عمر الحافظ حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ ووهب بن مسرة قالا حدثنا محمد بن وضاح حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا مالك عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر فقال ابن عمر رضى الله عنهما يا ابن أخى إن الله بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا وإنما نفعل كما رأيناه يفعل، وقال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستعمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأى من خالفها، من اقتدى بها فهو مهتد ومن انتصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، وقال الحسن بن أبى الحسن: عمل قليل في سنة خير من


(قوله خالد بن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة. (*)

[ 14 ]

عمل كثير في بدعة، وقال ابن شهاب بلغنا عن رجال من أهل العلم قالوا: الاعتصام بالسنة نجاة، وكتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى عماله بتعلم السنة والفرائض واللحن أي اللغة وقال إن ناسا يجادلونكم - يعنى بالقرآن - فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، وفى خبره حين صلى بذى الحليفة ركعتين فقال أصنع كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع، وعن على حين قرن فقال له عثمان ترى أنى أنهى الناس عنه وتفعله ؟ قال لم أكن أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس، وعنه: ألا إنى لست بنبى ولا يوحى إلى ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما استطعت، وكان ابن مسعود يقول: القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، وقال ابن عمر: صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر، وقال أبى بن كعب عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من خشية ربه فيعذبه الله أبدا، وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهى كذلك إذ


(قوله واللحن) بإسكان الحاء المهملة (قوله بذى الحليفة) ماء من مياه بنى جشم على ستة أميال وقيل سبعة من المدينة (قوله القصد في السنة) أي الوسط بين الطرفين الإفراط والتفريط (قوله من خالف السنة كفر) أي من خالفها مستحلا مخالفتها أو المراد بالكفر كفر النعمة. (*)

[ 15 ]

أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها إلا حط عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة ورقها، فإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة وموافقة بدعة، وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهدا أو اقتصادا أن يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم * وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إلى عمر بحال بلده وكثرة لصوصه: هل يأخذهم بالظنة أو يحملهم على البينة وما جرت عليه السنة ؟ فكتب إليه عمر خذهم بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله، وعن عطاء في قوله تعالى (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) أي إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى اله عله وسلم، وقال الشافعي: ليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اتباعها، وقال عمر ونظر إلى الحجر الأسود إنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ثم قبله، رؤى عبد الله بن عمر يدبر ناقته في مكان فسئل عنه فقال لا أدرى إلا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ففعلته، وقال أبو عثمان الحيرى: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة، وقال


(قوله فتحات) بالحاء المهملة أي فتناثر (قوله بالظنة) بكسر الظاء المعجمة المشالة وتشديد النون المفتوحة أي التهمة (قوله وقال أبو عثمان الحيرى) بحاء مهلمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فراء وياء للنسبه إلى محلة بنيسابور تعرف بالحيرة هو شيخ الصوفية بنيسابور، ذكره القشيرى في الرسالة وذكر هذا الحديث عنه. (*)

[ 16 ]

سهل التسترى أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، وجاء في تفسير قوله تعالى: (والعمل الصالح يرفعه) أنه الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكى عن أحمد بن حنبل قال كنت يوما مع جماعة تجردوا ودخلوا الماء فاستعملت الحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر) ولم أتجرد فرأيت تلك الليلة قائلا لى يا أحمد أبشر فإن الله قد غفر لك باستعمالك السنة وجعلك إماما يقتدى بك، قلت من أنت ؟ قال: جبريل. فصل ومخالفة أمره وتبديل سنته ضلال وبدعة متوعد من الله عليه بالخذلان والعذاق قال الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) وقال: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) الآية، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أبى جعفر وعبد الرحمن بن عتاب بقراءتي عليهما قالا حدثنا أبو القاسم خاتم بن محمد حدثنا أبو الحسن القابسى حدثنا أبو الحسين بن مسرور الدباغ حدثنا أحمد بن أبى سليمان حدثنا سحنون ابن سعيد حدثنا ابن القاسم حدثنا مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن

[ 17 ]

عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة وذكر الحديث في صفة أمته وفيه (فليذادن رجال عن حوضى كما يذاد البعير الضال فأناديهم ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا فسحقا) وروى أنس أنت النبي صلى الله عليه وسلم قال (فمن رغب عن سنتى فليس منى) وقال (من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وروى ابن أبى رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) زاد في حديث المقداد (ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله) وقال صلى الله عليه وسلم وجئ بكتاب في كتف (كفى بقوم حمقا - أو قال ضلال - أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم) فنزلت (أو لم يكفهم أنا أنزنا عليك الكتاب يتلى عليهم) الآية، وقال صلى الله عليه وسلم (هل كالمتنطعون) وقال أبو بكر


(قوله فيلذادن) كذا رواه أكثر الرواة عن مالك الموطأ ومعناه ليطردن ورواه يحيى وابن أبى نافع ومطرف فلا يذادن ومعناه فلا تفعلوا فعلا يوجب ذلك ومنه فلا ألفين أحدكم على رقبته بعير أي لا تفعلوا ما يوجب ذلك (قوله ألا هلم) أي تعالوا وأقبلوا لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث في لغة الحجازيين خلافا لنبى تميم وبلغة الأولين جاء القرآن قال الله تعالى (قل هلم شهداءكم) وقال تعالى (والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) (قوله فسحقا) بإسكان الحاء المهملة وضمها أي فبعدا (قوله المتنطعون) قيل معناه المتعمقون المبالغون في الأمور. (2 - 2) (*)

[ 18 ]

الصديق رضى الله عنه لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به ألا عملت به إنى أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ الباب الثاني: في لزوم محبته صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها) الآية، فكفى بهذا حصا وتنبيها ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضا وعظم خطرها واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله تعالى (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم من ضل ولم يهده الله، حدثنا أبو على الغساني الحافظ فيما أجازنيه وهو مما قرأته على غير واحد قال حدثنا سراج بن عبد الله القاضى حدثنا أبو محمد الأصيلي حدثنا المروزى حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يعقوب ابن ابراهيم حدثنا ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) وعن أبى هريرة رضى الله عنه نحوه وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب


(قوله وعظم) بكسر العين وفتح الظاء المعجمة.

[ 19 ]

المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلى من كل شئ إلا نفسي التى بين جنبى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) فقال عمر والذى أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلى من نفسي التى بين جنبى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (الآن يا عمر) قال سهل من لم ير ولاية الرسول عليه في جميع الأحوال ويرى نفسه في ملكه صلى الله عليه وسلم لا يذوق حلاوة سنته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) الحديث. فصل في ثواب محبته صلى الله عليه وسلم حدثنا أبو محمد بن عتاب بقراءتي عليه حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد حدثنا أبو الحسن على بن خلف حدثنا أبو زيد المروزى حدثنا محمد ابن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان حدثنا أبى حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبى الجعد عن أنس رضى الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال متى الساعة يا رسول الله ؟ قال:


(قوله أن رجلا) في الدارقطني من حديث ابن مسعود أن هذا السائل هو الأعرابي الذى بال في المسجد، وفى جزء أبى الحميم أنه عمير بن قتادة وفى المعلم الذهبي إنه عمر بن الخطاب. (*)

[ 20 ]

ما أعددت لها ؟) قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله قال: (أنت مع من أحببت) وعن صفوان ابن قدامة هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته فقلت: يا رسول الله ناولنى يدك أبايعك فناولني يده فقلت: يا رسول الله إنى أحبك قال (المرء مع من أحب) وروى هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن مسعود وأبو موسى وأنس وعن أبى ذر بمعناه وعن على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين فقال (من أحبنى وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معى في درجتي يوم القيامة) وروى أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لأنت أحب إلى من أهلى ومالى وإنى لأذكرك فما أصبر حتى أجئ فأنظر إليك وإنى ذكرت موتى وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبين وإن دخلتها لا أراك فأنزل الله تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) فدعا به فقرأها عليه * وفى حديث آخر كان رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه لا يطرف فقال (ما بالك ؟) قال بأبى أنت وأمى أتمتع من النظر إليك فإذا كان يوم القيامة رفعك الله


(قوله وروى أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأنت أحب إلى من أهلى) قال البغوي في تفسيره: إن الآية نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن النقاش أنها نزلت في عبد الله بن زيد بن عبد ربه. (*)

[ 21 ]

بتفضيله فأنزل الله الآية * وفى حديث أنس رضى الله عنه (من أحبنى كان معى في الجنة) فصل فيما روى عن السلف والأئمة (من محبتهم للنبى صلى الله عليه وسلم وشوقهم له) حدثنا القاضى الشهيد حدثنا العذري حدثنا الرازي حدثنا الجلودى حدثنا ابن سفيان حدثنا مسلم حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أشد أمتى لى حبا ناس يكونون بعدى يوم أحدهم لو رأني بأهله وماله) ومثله عن أبى ذر، وتقدم حديث عمر رضى الله عنه وقوله للنبى صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلى من نفسي وما تقدم عن الصحابة في مثله، وعن عمرو بن العاص رضى الله عنه ما كان أحد أحب إلى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عبدة بنت خالد بن معدان قالت ما كان خالد يأوى إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يسميهم ويقول هم أصلى وفصلي واليهم يحن قلبى طال شوقي إليهم فعجل رب قبضي إليك حتى يغلبه النوم، وروى عن أبى بكر رضى الله عنه


(قوله هم أصلى وفصلي) في الصحاح قال الكسائي قولهم لا أصل له ولا فصل: الأصل الحسب والفصل اللسان انتهى، وقال ثعلب قولهم لا أصل له ولا فصل: الأصل الوالد والفصل الولد. (*)

[ 22 ]

أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم والذى بعثك بالحق لإسلام أبى طالب كان أقر لعيني من إسلامه - يعنى أباه أبا قحافة - وذلك أن إسلام أبى طالب كان أقر لعينك ونحوه عن عمر بن الخطاب قال للعباس رضى الله عنه أن تسلم أحب إلى من أن يسلم الخطاب لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن إسحاق أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا خيرا هو بحمد الله كما تحبين قالت أرنيه حتى أنظر إليه فلما رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل، وسئل على بن أبى طالب رضى الله عنه كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمإ، وعن زيد بن أسلم خرج عمر رضى الله عنه ليلة يحرس الناس فرأى مصباحا في بيت وإذا عجوز تنقش صوفا وتقول: على محمد صلاة الأبرار * صلى عليه الطيبون الأخيار


(قوله يعنى أباه أبا قحافة) هو والد أبى بكر الصديق واسمه عثمان بن عامر أسلم يوم الفتح وتوفى سنة أربع عشرة بعد وفاة أبى بكر رضى الله عنه وخصه من تركة أبى بكر رضى الله عنه السدس فرده في أولاده وليس لنا والد خليفة تأخرت وفاته عن أبيه الخليفة وورث منه إلا أبو قحافة رضى الله عنه، وفى الصحابة آخر يسمى قحافة وهو ابن عفيف المزني (قوله جلل) بفتح الجيم واللام الأولى أي هين وضعة ويطلق الجلل أيضا ويراد به العظيم فهو من الأضداد (قوله على الظلماء) بالهمزة مع القصر والمد. (*)

[ 23 ]

قد كنت قواما بكا بالأسحار * يا ليت شعرى والمنايا أطوار هل تجمعني وحبيبي الدار تعنى النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس عمر رضى الله عنه يبكى وفى الحكاية طول * وروى أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له اذكر أحب الناس إليك يزل عنك فصاح يا محمداه فانتشرت، ولما احتضر بلال رضى الله عنه نادت امرأته: واحزناه فقال واضرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه * ويروى أن امرأة قالت لعائشة رضى الله عنها اكشفي لى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشفته لها فبكت حتى ماتت، ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفيان بن حرب أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة وإنى جالس في أهلى، فقال أبو سفيان ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا * وعن ابن عباس كانت المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج


(قوله تنفش) بضم الفاء (قوله خدرت) بالخاء المعجمة والدال المهملة المكسورة (قوله ابن الدثنة) بدال مهملة مفتوحة فمثلثة مكسورة وقد تسكن فنون، قال ابن دريد هو من قولهم دثن الطائر إذ طار حول وكره ولم يسقط عليه (قوله أنشدك الله) أي أسألك بالله، ذكر أبو الفتح اليعمرى في سيرته عن ابن اسحاق كما قال المصنف، وذكر ابن عقبة أن الذى قيل له أتحب هو حبيب بن عدى حين رفع على الخشمة. (*)

[ 24 ]

ولا رغبة بأرض عن أرض وما خرجت إلا حبا لله ورسوله، ووقف ابن عمر على ابن الزبير رضى الله عنهما بعد قتله فاستغفر له وقال كنت والله ما علمت صواما قواما تحب الله ورسوله. فصل في علامة محبته صلى الله عليه وسلم أعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه وأولها: الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وشاهد هذا قوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله) وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته قال الله تعالى (والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وإسخاط العباد في رضى الله تعالى * حدثنا القاضى أبو على الحافظ حدثنا أبو الحسين الصيرفى وأبو الفضل بن خيرون قالا حدثنا أبو يعلى البغدادي حدثنا أبو على السنجى حدثنا محمد ابن محبوب حدثنا أبو عيسى حدثنا مسلم بن حاتم حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب قال أنس بن


(قوله ومنشطه ومكرهه) بفتح أولهما وثالثهما مصدران. (*)

[ 25 ]

مالك رضى الله عنه قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا بنى إن قدرت أن تصبح وتمسى ليس في قلبك غش لأحد فافعل) ثم قال لى (يا بنى وذلك من سنتى، ومن أحيا سنتى فقد أحبنى ومن أحبى كان معى في الجنة) فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبة لله ورسوله ومن خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم للذى حده في الخمر فلعنه بعضهم وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم كثرة ذكره له فمن أحب شيئا أكثر ذكره ومنها كثرة شوقه إلى لقائه فكل حبيب يحب لقاء حبيبه وفى حديث الأشعريين عند قدومهم المدينة أنهم كانوا يرتجزون (غدا نلق الأحبة * محمدا وصحبه) وتقدم قول بلال ومثله قال عمار قبل قتله وما ذكرناه من قصة خالد بن معدان * ومن علاماته مع كثرة


(قوله الذى حده في الخمر) في صحيح البخاري هو عبد الله الملقب بحمار وقال الحافظ الدمياطي في حواشيه على البخاري: هذا وهم واسمه نعيمان تصغير نعمان شهد العقبة مع السبعين وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد وأتى به في شرب الخمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجلده أربعا أو خمسا فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يشرب وأكثر ما يجلد فقال عليه السلام لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، وكان صاحب مزاح انتهى (قوله قال عمار قبل قتله) الذى قتل عمارا هو أبو العادية يسار بالمثناة التحتية المفتوحة والسين المهملة ابن سبع، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام وسمع منه (لا ترجعوا بعدى كفارا) الحديث. وكان إذا استأذن على معاوية يقول: قاتل عمار بالباب. (*)

[ 26 ]

ذكره تعظيمه له وتوقيره عند ذكره وإظهار الخشوع والانكسار مع سماع اسمه، قال إسحاق التجيبى كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا وكذلك كثير من التابعين منهم من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه، ومنهم من يفعله تهيبا وتوقيرا * ومنها محبته لمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار وعداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم فمن أحب شيئا أحب من يحب وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين (اللهم إنى أحبهما فأحبهما) وفى رواية في الحسن (اللهم إنى أحبه فأحب من يحبه) وقال (من أحبهما فقد أحبنى ومن أحبنى فقد أحب الله ومن أبغضهما فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله) وقال (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدى فمن أحبهم فيحبى أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) وقال في فاطمة رضى الله عنها (أنها بضعة من يغضبني ما أغضيها) وقال لعائشة في أسامة بن زيد (أحيه فإنى أحبه)، وقال: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم) وفى حديث ابن عمر (من أحب العرب فبحبي


(قوله اسحاق التجيبى) تجيب بضم أوله عند المحدثين وكثير من الأدباء وبفتحه عنه الباقين، والتاء عند هؤلاء أصلية، اسم لقبيلة من كنده (قوله غرضا) بفتح العين المعجمة والراء أي هدفا يرمى عليه (قوله يوشك) أي يقرب ويسرع. (*)

[ 27 ]

أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم فبالحقيقة من أحب شيئا أحب كل شئ يحبه) وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس وقد قال أنس حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالى القصعة فما زلت أحب الدباء من يومئذ، وهذا الحسن بن على وعبد الله ابن عباس وابن جعفر أتوا سلمى وسألوها أن تصنع لهم طعاما مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل نحو ذلك * ومنها بغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه واستثقاله كل أمر يخالف شريعته قال الله تعالى (لا نجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) وهؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم قد قتلوا أحباءهم وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته وقال له عبد الله بن عبد الله بن أبى: لو شئت لأتيتك برأسه


(قوله الدباء) بالمد وحكى المصنف فيه القصر أيضا جمع دباة وهو الفرع (قوله من حوالى) بفتح اللام (قوله أتوا سلمى وسألوها) قال المزى في الأطراف كانت سلمى مولاة للنبى صلى الله عليه وسلم ويقال مولاة لصفية وهى زوج أبى رافع وداية فاطمة الزهراء أو قابلة إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وغاسلة فاطمة الزهراء مع أسماء بنت عميس (قوله السبتية) السبت بكسر السين المهملة جلود البقر المدبوغة بالقرظ يتخذ منها النعال، سميت بذلك لأن شهرها قد سبت عنها أي أزيل وحلق، وقيل لأنها أسبتت بالدباغ أي لانت وقال ابن قرقول عن الدراوردى منسوبة إلى موضع يقال له سوق السبت. (*)

[ 28 ]

يعنى أباه. ومنها أن يحب القرآن الذى أتى به صلى الله عليه وسلم وهدى به واهتدى وتخلق به حتى قالت عائشة رضى الله عنها كان خلقه القرآن وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه ويحب سنته ويقف عند حدودها، قال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا أن لا يدخر منها إلا زادا وبلغة إلى الآخرة، وقال ابن مسعود لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله. ومن علامات حبه للنبى صلى الله عليه وسلم شفقته على أمته ونصحه لهم وسعيه في مصالحهم ورفع المضار عنهم، كما كان صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما. ومن علامة تمام محبته زهد مدعيها في الدنيا وإيثاره الفقر واتصافه به وقد قال صلى الله عليه وسلم لأبى سعيد الخدرى: (إن الفقر إلى من يحبنى منكم أسرع من السيل من أعلى لوادى أو الجبل إلى أسفله) وفى حديث عبد الله بن مغفل قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إنى أحبك فقال (أنظر ما تقول) قال والله إنى أحبك - ثلاث مرات - قال (إن كنت تحبنى فأعد للفقر تجفافا) ثم ذكر نحو حديث أبى سعيد بمعناه.


(قوله وبلغة) بضم الموحدة ما يتبلغ به من العيش (قوله ابن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة (قوله تجفافا) بكسر المثناة الفوقية بعدها جيم = = ساكنة شئ من سلاح يترك على الفرس يقيه الأذى وقد يلبسه الإنسان أيضا، وجمعه تجافيف ويروى جلباب وهو الإزار، قال القتيبى معناه أن يرفض الدنيا ويزهد فيها ويصبر على الفقر والتقلل فكنى بالتجفاف والجلباب عن الصبر لأنه يستر الفقير كما يستران البدن. (*)

[ 29 ]

فصل في معنى المحبة للنبى صلى الله عليه وسلم وحقيقتها اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم وكثرت عباراتهم في ذلك وليست ترجع بالحقيقة إلى اختلاف مقال ولكنها اختلاف أحوال فقال سفيان المحبة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كأنه التفت إلى قوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) الآية، وقال بعضهم محبة الرسول اعتقاد نصرته والذب عن سنته والانقياد لها وهيبة مخالفته، وقال بعضهم المحبة دوام الذكر للمحبوب، وقال آخر: إيثار المحبوب، وقال بعضهم المحبة الشوق إلى المحبوب، وقال بعضهم المحبة مواطأة القلب لمراد الرب يحب ما أحب ويكره ما كره، وقال آخر: المحبة ميل القلب إلى موافق له وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة الذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف

[ 30 ]

المأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم والتشيع من أمة في آخرين ما يؤدى إلى الجلاء عن الأوطان وهتك الحرم واخترام النفوس أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، فإذا تقرر لك هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه صلى الله عليه وسلم جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة. أما جمال الصورة والظاهر وكمال الأخلاق والباطن فقد قررنا منها قبل فيما مر من الكتاب مالا يحتاج إلى زيادة. وأما إحسانه وإنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله تعالى له من رأفته بهم ورحمته لهم وهدايته إياهم وشفقته عليهم واستنقاذهم به من النار وأنه بالمؤمنين رؤف رحيم ورحمة للعالمين ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ويتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقيم، فأى إحسان أجل قدرا وأعظم خطرا من إحسانه إلى جميع المؤمنين، وأى إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين ؟ إذ كان ذريعتهم إلى الهداية ومنقذهم من العماية وداعيهم إلى الفلاح والكرامة ووسيلتهم إلى ربهم وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمد فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجب للمحبة الحقيقة شرعا


(قوله واخترام النفوس) بالخاء المعجمة.

[ 31 ]

بما قدمناه من صحيح الآثار وعادة وجبلة بما ذكرناه آنفا لإفاضته الإحسان وعمومه الإجمال، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفا أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذى بها قليل منقطع فمن منحه ما لا يبيد من النعيم ووقاه ما لا يفى من عذاب الجحيم أولى بالحب، وإذا كان يحب بالطبع ملك لحسن سيرته أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحق بالحب وأولى بالميل، وقد قال على رضى الله عنه في صفته صلى الله عليه وسلم من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه وذكرنا عن بعض الصحابة أنه كان لا يصرف بصره عنه محبة فيه. فصل في وجوب مناصفته صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم) قال أهل التفسير إذا نصحوا لله ورسوله إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية. حدثنا الفقيه أبو الوليد بقراءتي عليه حدثنا حسين بن محمد حدثنا يوسف بن عبد الله حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا أبو بكر


(قوله لما يشاد) بضم المثناة التحتية وتخفيف الشين المعجمة وفى آخره دال مهملة مخففة، في الصحاح أشاد بذكره أي يرفع من قدره (قوله شيمته) بكسر الشين المعجمة أي خلقته. (*)

[ 32 ]

لتمار حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل بن أبى صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم الدارى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال (لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) قال أئمتنا: النصيحة لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) قال أئمتنا: النصيحة لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة قال الإمام أبو سليمان البستى: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصرها، ومعناها في اللغة الإخلاص من قولهم نصحت العسل إذا خلصته من شمعه وقال أبو بكر ابن أبى إسحاق الخفاف: النصح فعل الشئ الذى فيه الصلاح والملاءمة، مأخوذ من النصاح وهو الخيط الذى يخاط به الثو، وقال أبو إسحاق الزجاج نحوه، فنصيحة الله تعالى صحة الاعتقاد له بالوحدانية ووصفه بما هو أهله وتنزيهه عما لا يجوز عليه والرغبة في محابه والبعد من مساخطه والإخلاص في عبادته والنصحية لكتابه: الأيمان به والعمل


(قوله تميم الدارى) ويقال الديرى، فالأول نسبة إلى جده الدار والثانى نسبة إلى دير كان يتعبد فيه قبل الإسلام، أسلم سنة تسع من الهجرة وكان نصرانيا قبل ذلك (قوله إن الدين النصيحة) ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث ونسبه إلى أبى داود وقد أخرجه أبو داود في الأدب ولفظه (الدين النصيحة) من غير تكرار وكذلك لفظ مسلم ولفظ النسائي (إن الدين النصيحة) من غير تكرار أيضا (قوله قال الإمام أبو سليمان البستى) هو الخطابى (قوله والملاءمة) بضم الميم وتخفيف اللام بعدها ألف وهمزة: هي الموافقة بين الأشياء (قوله من النصاح) بكسر النون وتخفيف الصاد والحاء المهملتين (*)

[ 33 ]

بما فيه وتحسين تلاوته والتخسع عنده وتعظم له وتفهمه والتفقه فيه والذب عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين، والصحيحة لرسوله التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه قاله أبو سليمان، وقال أبو بكر: وموازرته ونصرته وحمايته حيا وميتا، وإحياء سنته بالطلب والذب عنها ونشرها، والتخلق بأخلاقه الكريمة وآدابه الجملية، وقال أبو إبراهيم إسحاق التجيبى: نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم التصديق بما جاء به والاعتصام بسنته ونشرها والحض عليها والدعوة إلى الله وإلى كتابه وإلى رسوله وإليها إلى العمل بها، وقال أحمد بن محمد من مفروضات القلوب اعتقاد النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو بكر الآجرى وغيره النصح له يقتضى نصحين نصحا في حياته ونصحا بعد مماته ففى حياته نصح أصحابه له بالنصر والمحاماة عنه ومعاداة من عاداه والسمع والطاعة له وبذل النفوس وأموال دونه كما قال الله تعالى (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية، وقال (وينصرون الله ورسوله) الآية، وأما نصيحة المسلمين له بعد وفاته فالتزام التوقير والإجلال وشدة المحبة له والمثابرة على تعلم سنته والنفقة في شريعته ومحبة آل بيته وأصحابه ومجانبة من رغب عن سنته وانحرف عنها وبغضه والتحذير منه والشفقة على أمته والبحث عن تعرف أخلاقه وسيره وآدابه والصبر على ذلك: فعلى ما ذكره تكون النصيحة إحدى ثمرات المحبة وعلامة من علاماتها كما قدمناه، وحكى (قوله التجيبى) بضم المثناة الفوقانية وفتحها وكسر الجيم (3 - 2) (*)

[ 34 ]

الإمام أبو القاسم القشيرى أن عمرو بن الليث أحد ملوك خراسان ومشاهير الثوار المعروف بالصفار رؤى في النوم فقيل له ما فعل الله بك ؟ فقال غفر لى، فقيل بماذا ؟ قال صعدت ذروة جبل يوما فأشرفت على جنودي فأعجبتى كثرتهم فتمنيت أنى حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعنته ونصرته فشكر الله لى ذلك وغفر لى * وما النصح لأئمة المسلمين فطاعتهم في الحق ومعونتهم فيه وأمرهم به وتذكيرهم إياه على أحسن وجه وتنبيههم على ما غفلوا عنه وكتم عنهم من أمور المسلمين وترك الخروج عليهم وتضريب الناس وإفساد قلوبهم عليهم والصح لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم ومعونتهم في أمر دينهم ودنياهم بالقول والفعل وتنبيه غافلهم وتبصير جاهلهم ورفد محتاجهم وستر عوراتهم ودفع المضار عنهم وجل المنافع إليهم الباب الثالث (في تعظيم أمره ووجوب توقيره وبره) قال الله تعالى (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) وقال (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا


(قوله الثوار) بالمثلثة وتشديد الواو وفى آخره راء: أي الأبطال (قوله صعدت) بكسر العين (قوله ذروة) بكسر المعجمة وضمها (قولها فشكر الله لى) قال ابن قرقول في قوله فشكر الله: أي أثابه وقيل قبل عمله وقيل أثنى عليه بذلك وذكره لملائكته (قوله وتضريب) بالضاد المعجمة، في الصحاح التضريب بين الناس الإغراء (*)

[ 35 ]

بين يدى الله ورسوله، و: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الثلاث آيات وقال تعالى (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) فأوجب تعالى تعذيره وتوقيره وألزم إكرامه وتعظيمه، وقال ابن عباس تعزروه تجلوه وقال المبرد تعزروه تبالغوا في تعظيمه، وقال الأخفش تنصرونه، وقال الطبري تعينونه، وقرئ تعززوه براءين من العز، ونهى عن التقدم بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام على قول ابن عباس وغيره هو اختيار ثعلب، قال سهل ابن عبد الله لا تقولوا قبل أن يقول وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا، ونهوا عن التقدم والتعجل بقضاء أمر قبل قضاء فيه وأن يفتاتوا بشئ في ذلك من قتال أو غيره من أمر دينهم إلا بأمره ولا يسبقوه به، وإلى هذا يرجع قوله الحسن ومجاهد والصحاك والسدى والثوري ثم وعظهم وحذرهم مخالفة ذلك فقال (واتقوا الله إن الله سميع عليم) قال الماوردى اتقوه يعنى في التقدم، وقال السلمى اتقوا الله في إهمال حقه وتضييع حرمته إنه سميع لقولكم عليم بفعلكم، ثم نهاهم عن رفع الصوت فوق صوته والجهر له بالقول كما يجهر بعضهم لبعض ويرفع صوته، وقيل كما ينادى بعضهم بعضا باسمه قال أبو محمد مكى أي لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له بالخطاب ولا تنادوه باسمه نداء بعضكم


قوله تعزيره) بالراء أي تعظيمه وتوقيره (*)

[ 36 ]

لبعض ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى به: يا رسول الله يا نبى الله، وهذا كقوله في الآية الأخرى (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) على أحد التأويلين وقال غيره لا تحاطبوه إلا مستفهمين، ثم حوفهم الله تعالى بحبط أعمالهم إن هم فعلوا ذلك وحذرهم منه، قيل نزلت الآية في وفد بنى تميم وقيل في غيرهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فنادوه يا محمد يا محمد أخرج الينا فذمهم الله تعالى بالجهل ووصفهم بأن أكثرهم لا يعقلون، وقيل نزلت الآية الأولى في محاورة كانت بين أبى بكر وعمر بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف جرى بينهما حتى ارتفعت أصواتهما وقيل نزلت في ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي صلى الله عليه وسلم في مخافرة بنى تميم وكان في أذنيه صمم فكان يرفع صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله وخشى أن يكون حبط عمله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبى الله لقد خشيت أن أكون هلكت، نهانا الله أن نجهر بالقول وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة ؟) فقتل يوم اليمامة، وروى أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال والله يا رسول الله لا أكلمك بعدها إلا كأخى السرار وأن عمر كان إذا حدثه حدثه كأخى السرار ما كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه فأنزل الله


(قوله كأخى السرار) وهو بكسر السين المهملة النجوى، وقال ابن الأثير المساررة (*)

[ 37 ]

تعالى فيهم (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم) وقيل نزلت (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) في غير بنى تميم نادوه باسمه، وروى صفوان بن عسال بينا النبي صلى الله عليه وسلم في سفر إذ ناداه أعرابي بصوت له جهورى أيا محمد أيا محمد أيا محمد فقلنا له اغضض من صوتك فإنك قد نهيت عن رفع الصوت، وقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) قال بعض المفسرين هي لغة كانت في الأنصار نهوا عن قولها تعظيما للنبى صلى الله عليه وسلم وتبجيلا له لأن معناها ارعنا نرعك فنهوا عن قولها إذ مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم بل حقه أن يرعى على كل حال وقيل كانت اليهود تعرض بها للنبى صلى الله عليه وسلم بالرعونة فنهى المسلمون عن قولها قطعا للذريعة ومنها للتشبه بهم في قولها لمشاركة اللفظة. وقيل غير هذا فصل في عادة الصحابة في تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإجلاله حدثنا القاضى أبو على الصدفى وأبو بحر الأسدى بسماعي عليهما في آخرين قالوا حدثنا أحمد بن عمر حدثنا أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن


(قوله ابن عسال) بالعين والسين المشددة المهملتين (قوله جهورى) أي: شديد عال نسبة إلى جهور بفتح الجيم وسكون الهاء وفتح الواو، في الصحاح جهر بالقول رفع به وجهور وهو رجل جهورى الصوت وجهير الصوت (*)

[ 38 ]

عيسى حدثنا إبراهيم بن سفيان حدثنا مسلم حدثنا محمد بن مثنى وأبو معن الرقاشى وإسحاق بن منصور قالوا حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا حيوة بن شريح حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن ابن شماسة المهرى قال حضرنا عمرو بن العاص فذكر حديثا طويلا فيه عن عمرو قال وما كان أحد أحب إلى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عينى منه وما كنت أطيق أن أملا عينى منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأنى لم أكن أملأ عينى وروى الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم لهما، وروى أسامة بن شريك قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله كأنما على رؤسهم الطير، وفى حديث صفته إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير، وقال عروة بن مسعود حين


(قوله حيرو بن شريح) بالشين المعجمة المضمومة وفى آخره حاء مهملة (قوله عن أبى شماسة) بضم المعجمة وفتحها وتخفيف الميم بعدها ألف فسين مهملة (قوله المهرى) بفتح الميم وسكون الهاء (قوله وفى حديث صفته) بكسر الصاد المهملة وفتح الفاء بعدها مثناة فوقية وهاء للضمير وهو الحديث المتقدم الذى رواه الحسن بن على بن أبى طالب عن هند بن أبى هالة وفى بعض النسخ صفية بفتح المهملة وكسر الفاء وتشديد المثناة التحتية اسم امرأة وهو تصحف لأن الصفاة ثلاث أم المؤمنين وبنت الزبير وبنت شبية العبدرية (*)

[ 39 ]

وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى وأنه لا يتوضا إلا ابتدروا وضوئه وكادوا يقتتلون عليه ولا يبصق بصاقا ولا يتخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له فلما رجع إلى قريش قال يا معشر قريش إنى جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشى في ملكه وإنى والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، وفى رواية إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم محمد أصحابه، وقد رأيت قوما لا يسلمونه أبدا، وعن أنس لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يرويدن أن تقع شعرة إلا في يد رجل ومن هذا لما أذنت قريش لعثمان في الطواف بالبيت حين وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في القضية أبى وقال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى حديث طلحة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم


وليس لواحدة منهن في هذا شئ (قوله عام القضية) يريد العام الذى جرت فيه القضية أي الصلح وهو عام الحديبية ولا يريد عام القضاء لأن عام القضاء في السنة السابعة بعد الحديبية بسنة (قوله والحلاق يحلقه) الذى حلق له عليه السلام في عمرة الجعرانة أبو هند وهو حلق له في حجة الوداع في شرح مسلم للنووي المشهور أنه معمر بن عبد الله العدوى وقيل اسمه خراش بن أمية بن ربيعة الكليبي بضم الكاف منسوب إلى كليب بن حبيشة (قوله في القضية) أي قضية صلح الحديبية لأنه إنما (*)

[ 40 ]

قالوا لأعرابي جاهل سله عمن قضى نحبه، وكانوا يهابونه ويوقرونه، فسأله فأعرض عنه إذ طلع طلحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هذا ممن قضى نحبه، وفى حديث قيلة: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا القرفصاء أرعدت من الفرق وذلك هيبة له وتعظيما، وفى حديث المغيرة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعون بابه بالأظافر، وقال البراء بن عازب لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمر فاؤخر سنين من هيبته فصل واعلم أن حزمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته وذلك عند ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه وسيرته ومعاملة آله وعترته وتعظيم أهل بيته وصحابته قال أبو إبراهيم التجيبى واجب على كل مؤمن متى ذكره أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله به، قال القاضى أبو الفضل وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين رضى الله عنهم حدثنا القاضى أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن


أرسله في عام الحديبية (قوله إذ طلع طلحة) هو بن عبد الله بن عثمان أحد العشرة وفى الصحابة أيضا طلحة بن عبيد الله لكن اسم جده شافع (قوله وعترته) بمثناة فوقية وعترة الرجل أهله الأدنون (*)

[ 41 ]

الأشعري وأبو القاسم أحمد بن بقى الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه قالو أخبرنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث قال حدثنا أبو الحسن على بن فهر حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبى إسرائيل حدثنا ابن حميد قال ناظرا أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوما فقال (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الآية، ومدح قوما فقال (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) الآية، وذم قوما فقال (إن الذين ينادونك) الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها أبو جعفر وقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عيه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله قال الله تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) الآية وقال مالك - وقد سئل عن أيوب السختيانى - ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، قال وحج حجتين فكنت أرمقه ولا أسمع منه غيرا أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبى صلى الله وسلم كتبت عنه، وقال مصعب بن عبد الله


(قوله السختيانى) قال ابن قرقول هو بفتح السين ومنهم من يضمها، وبكسر المثناة الفوقية، كان يبيع السختيان وهى الجلود (*)

[ 42 ]

كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحنى حتى يصعب ذلك على جلسائه فقيل له يوما في ذلك فقال لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم على ما ترون ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد سأله عن حديث أبدا إلا يبكى حتى نرحمه ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم أصفر وما رأته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال إما مصليا وإما صامتا وإما يقرأ القرآن ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنت آتى عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع، ولقد رأيت الزهري وكان من أهنإ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته، لقد كنت آتى صفوان بن سليم وكان من المتعبدين


(قوله الدعابة) بالدال المهملة المضمومة هي المزاح (قوله ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم) يعنى ابن محمد بن أبى بكر الصديق ولد زمن عائشة كان أفصل أهل زمانه (قوله تزف) بضم النون وكسر الزاى (قوله وقد جف) بفتح الجيم من الجفاف (قوله وكان من أهنإ) بنون وهمزة في آخره من غير مد (قوله صفوان بن سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام هو الامام القوة يقال إنه لم يضع حنه إلى الأرض أربعين سنة (*)

[ 43 ]

المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه، وروى عن قتادة أنه كان إذا سمع الحديث أحذه العويل والزويل ولما كثر على مالك الناس قيل له لو جعلت مستمليا يسمعهم، فقال قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) وحرمته حيا وميتا سواء، وكان ابن سيرين ربما يضحك فإذا ذكر عنده حديث النبي صلى الله عليه وسلم خشع وكان عبد الرحمن بن مهدى إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالسكوت وقال (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) وبتأول أنه يجيب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله فصل في سيرة السلف في تعظيم رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو الفضل بن خيرون حدثنا أبو بكر البرقانى وغيره حدثنا أبو الحسن الدارقطني حدثنا على بن مبشر حدثنا أحمد بن سنان القطان حدثنا يزيد بن هارون حدثنا المسعودي عن مسلم البطين عن عمرو بن ميمون قال اختلفت إلى ابن


(قوله أخذه العويل والزويل) العويل بفتح المهملة وكسر الواو رفع الصوت، والزويل بفتح الزاى وكسر الواو، قال ابن الأثير القلق والانزعاج بحيث لا يستقر على مكان، وهو والزوال بمعنى (قوله البطين) بفتح الموحدة وكسر الطاء المهملة هو ابن عمران الكوفى (*)

[ 44 ]

مسعود سنة فما سمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه حدث يوما فجرى على لسانه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم علاه كرب حتى رأيت العرق يتحدر عن جبهته ثم قال هكذا إن شاء الله أو فوق ذا أو ما دون ذا أو ما هو قريب من ذا، وفى رواية فتربد وجهه وفى رواية وقد تغرغرت عيناه وانفخت أوداجه: وقال إبراهيم بن عبد الله بن قريم الأنصاري قاضى المدينة مر مالك ابن أنس على أبى حازم وهو يحدث فجازه وقال إنى لم أجد موضعا أجلس فيه فكرهت أن آخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم وقال مالك جاء رجل إلى ابن المسيب فسأله عن حديث وهو مضطجع فجلس وحدثه فقال له الرجل وددت أنك لم تتعن فقال إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع * وروى عن محمد بن سيرين أنه قد يكون يضحك فإذا ذكر عنده حديث النبي صلى الله عليه وسلم خشع * وقال أبو مصعب كان مالك بن أنس لا يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء إجلالا له * وحكى مالك ذلك عن جعفر بن محمد، وقال مصعب ابن عبد الله كان مالك بن أنس إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه


(قوله فتربد) بفتح المثناة الفوقية والراء وتشديد الموحدة بعدها دال مهملة أي تغير (قوله ابن قريم) بضم القاف وفتح الراء (قوله على أبى حازم) بالحاء المهملة والزاى هو الإمام سلمة بن دينار (*)

[ 45 ]

وسلم توضأ وتهيأ ولبس ثيابه ثم يحدث قال مصعب فسئل عن ذلك فقال إنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مطرف كان إذا أتى الناس مالكا خرجت إليهم الجارية فتقول لهم يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل ؟ فإن قالوا المسائل خرج إليهم وإن قالوا الحديث دخل مغتسله واغتسل وبطيب ولبس ثيابا جددا ولبس ساجه وتعمم ووضع على رأسه رداءه وتلقى له مصة فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال غيره ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن أبى أويس فقيل لمالك في ذلك فقال أحب أن أنظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنا، قال وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل وقال أحب أن أفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ضرار بن مرة كانوا يكرهون أن يحدثوا على غير وضوء ونحوه عن قتادة وكان الأعمش


(قوله قال مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة (قوله جددا) بضم الجيم والمهملة الأولى جمع جديد كسرير وسرر (قوله ولبس ساجه) الساج بالسين المهملة والجيم الطيلسان، وفى القاموس الطيلسان الأخضر والأسود (قوله منصة) بكسر الميم وفتح النون وتشديد الصاد المهملة سرير العروس، قاله ابن الأثير، وفى القاموس والعروس أقعدها على المنصد بالكسر وهى ما ترفع عليه فانتصت (قوله ان يحدث) بكسر الدال المشددة (قوله أن أفهم) بضم الهمزة وفتح الفاء وتشديد الهاء (قوله إلى العقيق) هو واد على ثلاثة أميال وقيل على ميلين من المدينة عليه مال من أموال أهلها وهما عقيقان أحدهما عقيق المدينة الذى عق عن حربها أي قطع وهو العقيق الأصفر وفيه بئر رومية والعقيق الأحمر أكبر من هذا وفيه بئر عروة (*)

[ 46 ]

إذا حدث وهو على غير وضوء تيمم، قال عبد الله بن المبارك كنت عند مالك وهو يحدثنا فلدغته عقرب ست عشرة مرة وهو يتغير لونه ويصفر ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من المجلس وتفرق عنه الناس قلت له يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجبا قال نعم إنما صبرت إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن مهدى مشيت يوما مع مالك إلى العقيق فسألته عن حديث فاتتهرنى وقال لى كنت في عينى أجل من أن تسأل عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي، وسأله جرير ابن عبد الحميد القاضى عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه، فقيل له إنه قاض، قال: القاضى أحق من أدب، وذكر أن هشام بن الغازى سأل مالكا عن حديث وهو واقف فضربه عشرين سوطا ثم أشفق عليه فحدثه عشرين حديثا فقال هشام وددت لو زادني سياطا ويزيدني حديثا، قال عبد الله بن صالح كان مالك والليث لا يكتبان الحديث إلا وهما طاهران، وكان قتادة يستحب أن لا يقرأ أحاديث


(قوله وذكر أن هشام بن العازى) قال الحافظان الرشيد العطار والمزى: الصواب هشام بن عمار الدمشقي لأن هشام بن الغازى لا يعرف له رواية عن مالك لأنه توفى سنة ست وخمسين ومائة قبل وفاة مالك وقد ذكر هذه الحكاية جماعة من المؤرخين عن هشام بن عمار الدمشقي (قوله وددت) بكسر الدال الأولى (*)

[ 47 ]

النبي صلى الله عليه وسلم إلا على وضوء ولا يحدث إلا على طهارة، وكان الأعمش إذا أراد أن يحدث وهو على غير وضوء تيمم فصل ومن توقيره صلى الله عليه وسلم وبره بر آله وذريته وأمهات المؤمنين أزواجه كما حض عليه صلى الله عليه وسلم وسلكه السلف الصالح رضى الله عنهم قال الله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية: وقال تعالى (وأزواجه أمهاتهم) * أخبرنا الشيخ أبو محمد بن أحمد العدل من كتابه وكتبت من أصله حدثنا أبو الحسن المقرى الفرغانى حدثتني أم القاسم بنت الشيخ أبى بكر الخفاف قالت حدثنى أبى حديثا حاتم هو ابن عقيل حدثنا يحيى هو ابن إسماعيل حدثنا يحيى هو الحمانى حدثنا وكيع عن أبيه عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنشدكم الله أهل بيتى - ثلاثا -) قلنا لزيد من أهل بيته ؟ قال آل على وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس، وقال صلى الله عليه وسلم (إنى تارك فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتى، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) وقال صلى الله عليه وسلم معرفة آل محمد صلى الله عليه وسلم براءة


(قوله الحمانى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم (قوله عن يزيد بن حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية (*)

[ 48 ]

من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب قال بعض العلماء معرفتهم هي معرفة مكانهم من النبي صلى الله عليه وسلم وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم وحرمتهم بسببه * وعن عمر بن أبى سلمة لما نزلت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية - وذلك في بيت أم سلمة - دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلى خلف ظهره ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا * وعن سعد بن أبى وقاص لما نزلت آية المباهلة دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وحسنا وحسينا وفاطمة وقال (اللهم هؤلاء أهلى) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في على (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) وقال فيه (لا يحبك إلا مومن ولا يبغضك إلا منافق) وقال للعباس (والذى نفسه بيده لا يدخل قلب رجل الأيمان حتى يحبك لله ورسوله ومن آذى عمى فقد آذانى، وإنما عم الرجل صنو أبيه) وقال للعباس (اغد على يا عم مع ولدك) فجمعهم وجللهم بملاءته وقال (هذا عمى وصنو أبى وهؤلاء أهل بيتى فاسترهم من النار كسترى إياهم) فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت آمين آمين، وكان يأخذ بيد أسامة بن زيد والحسن


(قوله فججلهم بالجيم وتشديد اللام الأولى (قوله صنو أبيه) بكسر الصاد المهملة وسكون النون بعدها واو: أي مثل (قوله بملاءته) بضم الميم وتخفيف اللام والمد (*)

[ 49 ]

ويقول (اللهم إنى أحبهما فأحبهما) وقال أبو بكر رضى الله عنه ارقبوا محمدا في أهل بيته، وقال أيضا والذى نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي، وقال صلى الله عليه وسلم (أحب الله من أحب حسنا) وقال (من أحبنى وأحب هذين - وأشار إلى حسن وحسين - وأباهما وأمهما كان معى في درجتي يوم القيامة) وقال صلى الله عليه وسلم (من أهان قريشا أهانه الله) وقال صلى الله عليه وسلم (قدموا قريشا ولا تقدموها) وقال صلى الله عليه وسلم لأم سلمة (لا تؤذيني في عائشة) ومن عقبة بن الحارث رأيت أبا بكر رضى الله عنه وجعل الحسن على عنقه وهو يقول: بأبى شبيه بالنبي * ليس شبيها بعلى. وعلى رضى الله عنه يضحك * وروى عن عبد الله بن حسن بن حسين قال أتيت عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال لى إذا كان لك حاجة فأرسل إلى أو اكتب فإنى استحيى من الله أن يراك على بابى * وعن الشعبى


(قوله ارقبوا محمدا) أي: ارعوه واحترموه (قوله بأبى شبيه بالنبي) قيل المشهور بالشبه للنبى صلى الله عليه وسلم جماعة الحسن بن على وجعفر بن أبى طالب وقثم بن العباس والسائب بن يزيد من أجداد الشافعي وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ويشبهه الحسن بن على بن أبى طالب بنصفه الأسفل ويشبه عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، ويشبهه كابس بن ربيعة بن مالك السامى بالسين المهملة رجل من أهل البصرة وجه إليه معاوية وأقطعه قطيعة، ويشبهه أيضا عبد الله بن عامر بن كريز بضم الكاف وفتح الراء، ويشبهه أيضا مسلم بن مغيث في سيرة أبى الفتح اليعمرى ومن نظمه: بخمسة شبه المختار من مضر * يا حسن ما حولوا من شبهه الحسن بجعفر وابن عم المصطفى قثم * وسائب وأبى سفيان الحسن (4 - 2) (*)

[ 50 ]

قال صلى زيد بن ثابت على جنازة أمه ثم قربت له بغلته ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال زيد خل عنه يا ابن عم رسول الله فقال هكذا نفعل بالعلماء فقبل زيد يد ابن عباس وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، ورأى ابن عمر محمد بن أسامة بن زيد فقال ليت هذا عبدى فقيل له هو محمد بن أسامة، فطأطأ ابن عمر رأسه ونقر بيده الأرض وقال لو رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبه، وقال الأوزاعي دخلت بنت أسامة بن زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر بن عبد العزيز ومعها مولى لها يمسك بيدها فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يديها بين يديه ويداه في ثيابه ومشى بها حتى أجلسها على مجلسه وجلس بين يديها وما ترك لها حاجة إلا قصاها ولما فرص عمر بن الخطاب لابنه عبد الله في ثلاثة آلاف ولأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمائة


(قوله عبدى) قال ابن قرقول بالياء من العبودية للبيهقي وللكافة بالنون، والأول أوجه (قوله على مجلس) قال ابن برى في كتاب الفروق، المسجد، اسم الميت الذى يسجد فيه، والموضع الذى يوضع فيه الجبهة المسجد بفتح الجيم ومثله المجاس بكسر اللام البيت، وبفتحها موضع التكرمة وهو الذى نهى الشارع عن الجلوس فيه بغير إذن صاحبه (قوله ولما فرض عمر بن الخطاب لابنه عبد الله) في ثلاثة آلاف قيل ما الجمع بين هذا وبين ما رواه البخاري في الهجرة عن نافع أن عمر كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف وفرض لابن عمر ثلاث آلاف وخمسمائة فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته عن أربعة آلاف ؟ قال إنما هاجر به أبواه يقول ليس هو كمن هاجر بنفسه ؟ وأجيب بأن ابن عمر فرض له مرتان أو لها ثلاثة آلاف والأخرى (*)

[ 51 ]

قال عبد الله لأبيه لم فضلته فو الله ما سبقني إلى مشهد ؟ فقال له لأن زيدا كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك وأسامة أحب إليه منك فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبى * وبلغ معاوية أن كابس بن ربيعة يشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل عليه من باب الدار قام عن سريره وتلقاه وقبل بين عينيه وأقطعه المرعاب لشبهه صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم * وروى أن مالكا رحمه الله لما ضربه جعفر بن سلميان ونال منه ما نال وحمل مغشيا عليه دخل عليه الناس فأفاق فقال أشهدكم أنى جعلت ضاربي في حل، فسئل بعد ذلك فعال خفت أن أموت فألقى النبي صلى الله عليه وسلم فأستحيى منه أن يدخل بعض آله النار بسببي. وقيل إن المنصور أفاده من جعفر فقال له أعوذ بالله والله ما ارتفع منها سوط عن جسمي إلا وقد جعلته في حل لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو بكر بن عياش لو أتانى أبو بكر وعمر


ثلاث آلاف وخمسمائة فان قيل كيف قال هاجر به أبواه وأمه زينب بنت مظعون ماتت بمكة قبل أن يهاجر ؟ وأجيب بأن المراد بالأبوين هنا الأب وزوجة الأب (قوله فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبى) بضم الحاء وكسرها في الموضعين (قوله وأقطعه المرعاب) بكسر الميم وسكون الراء وتخفيف العين المهملة في آخره موحدة (قوله لما ضربه جعفر) هو ابن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس فهو ابن عم أبى جعفر المنصور، نقلوا له عن مالك أنه لا يرى الأيمان ببيعتهم لازمة لأنه يرى أن يمين المكره ليست بلازمة (قوله أقاده) أي طلب أن يقتص له، في الصحاح أقدت القاتل بالفتيل أي: طلبته به (قوله وقال أبو بكر بن عياش) آخره شين معجمة ابن سالم الأسدى الخياط المقرئ أحد الأعلام (*)

[ 52 ]

وعلى لبدأت بحاجة على قبلهما لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أقدمه عليهما، وقيل لابن عباس ماتت فلانة - لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - فسجد فقيل له أتسجد هذه الساعة ؟ فقال أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم آية فاسجدوا) ؟ وأى آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وكان أبو بكر وعمر يزوران أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقولان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ولما وردت حليمة السعدية على النبي صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه وقضى حاجتها، فلما توفى وفدت على أبى بكر وعمر فصنعا بها مثل ذلك. فصل ومن توقيره وبره صلى الله عليه وسلم توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقهم والاقتداء بهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم والإمساك عما شجر بينهم ومعاداة من عاداهم والإضراب عن أخبار المؤرخين وجهله الرواة وضلال الشيعة والمبتدعين القادحة في أحد منهم وأن يلتمس لهم فيما نقل عنهم من مثل ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات ويخرج لهم أصوب المخارج إذ هم أهل ذلك ولا يذكر


(قوله عما شجر بينهم) أي عما اختلف بينهم يقال شجر بين القوم إذا اختلف الأمر بينهم (*)

[ 53 ]

أحد منهم بسوء ولا يغمص عليه أمر بل نذكر حسناتهم وفضائلهم وحميد سيرهم ويسكت عما وراء ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا) قال الله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) إلى آخر السورة، وقال (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) الآية وقال تعالى (لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وقال (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية. حدثنا القاضى أبو على حدثنا أبو الحسين وأبو الفضل قالا حدثنا أبو يعلى حدثنا أبو على السنجى حدثنا محمد بن محبوب حدثنا الترمذي حدثنا الحسن بن الصباح حدثنا سفيان بن عيينة عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن ربعى بن حراش عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقتدا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر) وقال (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وعن أنس رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا به) وقال (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدى فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن


(قوله ولا يغمص) بسكون الغين المعجمة بعدها صاد مهملة أي يعاب (قوله الحسين بن الصباح) هو البزار - بالراء في آخره (قوله عن ربعى بن حراش) ربعى بكسر الراء وسكون الموحدة وحراش بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وفى آخره شين معجمة (*)

[ 54 ]

يأخذه وقال لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقال من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وقال إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وقال في حديث جابر إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لى منهم أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير أصحابي وفى أصحابي كلهم خير) وقال (من أحب عمر فقد أحبنى ومن أبغض عمر فقد أبغضني وقال مالك بن أنس وغيره: من أبغض الصحابة وسبهم فليس له في فئ المسلمين حق ونزع بآية الحشر (والذين جاؤا من بعدهم) الآية، وقال: من غاظه أصحاب محمد فهو كافر قال الله تعالى (ليغيظ بهم الكفار) وقال عبد الله بن المبارك: خصلتان من كانتا فيه نجا: الصدق وحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال أيوب السختيانى: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ومن أحب عثمان فقد استضاء بنور الله ومن أحب عليا فقد أخذ بالعروة الوثقى ومن أحسن الثناء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق ومن انتقص أحدا منهم فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح وأخاف أن


(قوله نصيفه) بفتح النون وكسر الصاد المهملة يقال نصف بكسر النون وضمها نصيف (قوله صرفا ولا عدلا) الصرف بفتح المهملة: التوبة، وقيل الحيلة والعدل بفتح العين المهملة. وقيل الفريضة (*)

[ 55 ]

لا يصعد له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه سليما * وفى حديث خالد بن سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أيها الناس إنى راض عن أبى بكر فاعرفوا له ذلك أيها الناس إنى راض عن عمر وعن على وعن عثمان وطلحة والزبير وسعد سعيد وعبد الرحمن بن عوف فاعرفوا لهم ذلك أيها الناس إن الله غفر لأهل بدر والحديبية، أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأختانى لا يطالبنكم أحد منهم بمظلمة فإنها مظلمة لا توهب في القيامة غدا) وقال رجل للمعافى بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية فغضب وقال لا يقاس بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد: معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحى الله، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة رجل فلم يصل عليه وقال (كان يغض عثمانا فابغضه الله، وقال صلى الله عليه وسلم في الأنصار (اعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم) وقال (احفظوني في أصحابي وأصهاري فإنه من حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله منه ومن تخلى الله منه يوشك أن يأخذه) وعنه صلى الله عليه وسلم (من حفظني في أصحابي كنت له حافظا يوم القيامة) وقال (من حفظني في


(قوله خالد بن سعيد) قيل هو خالد بن عمرو بن سعيد بن العاصى، فسعيد جده، والحديث من روايته عن سهل بن يوسف بن سهل بن مالك عن أبيه عن جده قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع المدينة صعد المنبر فحمد الله ثم قال: أيها الناس - إلى آخر الحديث (قوله بمظلمة) بكسر اللام وفتحها، في الصحاح ما نطلبه عند الظالم لك وهو اسم ما أخذ منك (*)

[ 56 ]

أصحابي ورد على الحوض ومن لم يحفظني في أصحابي لم يرد على الحوض ولم يرنى إلا من بعيد) قال مالك رحمه الله هذا النبي مؤدب الخلق الذى هدانا الله به وجعله رحمة للعالمين يخرج في جوف الليل إلى البقيع فيدعو لهم ويستغفر كالمودع لهم وبذلك أمره الله وأمر النبي بحبهم وموالاتهم ومعاداة من عاداهم، وروى عن كعب ليس أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلا له شفاعة يوم القيامة، وطلب من المغيرة بن نوفل أن يشفع له يوم القيامة قال سهل بن عبد الله التسترى: لم يؤمن بالرسول من لم يوقر أصحابه ولم يعز أوامره فصل ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة ومعاهده وما لمسه صلى الله عليه وسلم أو عرف به وروى عن صفية بنت نجدة قالت كان لأبى محذورة قصة في مقدم رأسه إذا قعد وأرسلها أصابت الأرض فقيل له ألا تحلقها فقال لم أكن بالذى أحلقها وقد مسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وكانت قلنسوة خالد بن الوليد شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم فسقطت قلنسوته في بعض حروبه فشد عليها شدة أنكر عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثرة من قتل فيها فقال لم أفعلها بسبب القلنسوة بل لما تضمنته


(قوله قصة) بضم القاف وتشديد الصاد المهملة: ما على الجبهة من شعر الرأس (قوله في قلنسوة خالد) أي قبعته (*)

[ 57 ]

من شعره صلى الله عليه وسلم لئلا أسلب بركتها وتقع في أيدى المشركين، ورؤى ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه، ولهذا كان مالك رحمه الله لا يركب بالمدينة دابة وكان يقول أستحيى من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة، وروى عنه أنه وهب للشافعي كراعا كثيرا كان عنده فقال الشافعي أمسك منها دابة فأجابه بمثل هذا الجواب وقد حكى أبو عبد الرحمن السلمى عن أحمد بن فضلويه الزاهد وكان من العزاة الرماة أنه قال: ما مسست القوس بيدى إلا على طهارة منذ بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ القوس بيده، وقد أفتى مالك فيمن قال تربة المدينة ردية يضرب ثلاثين درة وأمر بحسبه وكان له قدر وقال ما أحوجه إلى ضرب عنقه: تربة دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم يزعم أنها غير طيبة ! وفى الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم في المدينة (من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) وحكى أن جهجاها الغفاري أخذ قضيب النبي صلى الله عليه وسلم من يد عثمان رضى الله عنه وتناوله ليكسره على ركبته


(قوله من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا) قال ابن الأثير: الحدث الأمر المنكر الذى ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها فمعنى الكسر من نضر خائنا أو آواه وأجاره من خصمه، ومعنى الفتح. الأمر المبتدع نفسه فيكون معنى الإيواء فيه الرضى والصبر عليه فإنه إذا رضى البدعة وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه فقد آواه (*)

[ 58 ]

فصاح به الناس فأخذته الآكلة في ركبته فقطعها ومات قبل الحول وقال صلى الله عليه وسلم (من خلف على منبرى كاذبا فليتبوأ مقعد، من النار) وحدثت أن أبا الفضل الجوهرى لما ورد المدينة زائرا وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيا منشدا ولما رأينا رسم من لم يدع لنا * فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة * لمن بان عنه أن نلم به ركبا وحكى عن بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أنشأ يقول متمثلا رفع الحجاب لنا فلاح لناظر * قمر تقطع دونه الأوهام وإذا المطى بنا بلعن محمدا * فظهورهن على الرحال حرام قربننا من خير من وطئ الثرى * فلها عليا حرمة وذمام وحكى عن بعض المشايخ أنه حج ماشى فقيل له في ذلك فقال العبد الآبق يأتي إلى بيت مولاه راكبا لو قدرت أن أمشى على رأسي ما مشيت على قدمى، قال القاضى وجدير لمواطن عمرت بالوحى والتنزيل وتردد بها جبريل وميكائيل وعرجت منها الملائكة والروح وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح واشتملت تربتها على جسد سيد البشر


(قوله ولما رأينا) هذا البيتان لأبى طالب أحمد بن الحسين المتنبي (قوله رفع الحجاب) هذه الأبيات لأبى نواس الحكمى يمدح بها أمين الدولة (قوله فظهورهن على الرحال) هو بالمهملة جمع رحل، كذا رأيت بخط شيخنا كمال الدين الدميري الشافعي (*)

[ 59 ]

وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر مدارس آيات ومساجد وصلوات ومشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات ومناسك الدين ومشاعر المسلمين ومواقف سيد المرسلين ومتبوأ خاتم النبيين حيث انفجرت النبوة وأين فاض عبابها ومواطن طويت فيها لرسالة وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها ان نعظم عرصاتها وتتنسم نفحاتها وتقبل ربوعها وجدراتها يا دار خير المرسلين ومن به * هدى الأنام وخص بالآيات عندي لأجلك لوعة وصبابة * وتشوق متوقد الجمرات وعلى عهد أن ملأت محاجرى * من تلكم الجدرات والعرصات لأعفرن مصون شيبي بينها * من كثرة التقبيل والرشفات لولا العوادى والأعادي زرتها * أبدا ولو سحبا على الوجنات لكن سأهدى من حفيل تحيتي * لقطين تلك الدار والحجرات أزكى من المسك المفتق نفحة * تغشاه بالاصال والبكرات وتخصه بزواكى الصلوات * ونوامى التسليم والبركات


(قوله عبابها) العباب بضم العين المهملة وبموحدتين: معظم السيل وارتفاعه وكثرته (قوله يا دار خير المرسلين) الظاهر أن هذه الأبيات للمصنف (قوله صبابة) هي رقة الشوق (قوله من حفيل) بفتح الحاء المهلمة وكسر الفاء أي جميع، في الصحاح حفل القوم واحتفلوا أي اجتمعوا (قوله لقطين) بفتح القاف وكسر الطاء المهملة: أي المقم (قوله المفتق) بتشديد المثناة الفوقية المتفوحة أي المستخرج الرائحة (*)

[ 60 ]

الباب الرابع في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته قال الله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) الآية، قال ابن عباس معناه أن الله وملائكته يباركون على النبي، وقيل إن الله يترحم على النبي وملائكته يدعون له قال المبرد وأصل الصلاة الترحم فهى من الله رحمة فهى من الله رحمة ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله، وقد ورد في الحديث (صفة صلاة الملائكة على من جلس ينتظر الصلاة اللهم اغفر له اللهم ارحمه) فهذا دعاء، وقال بكر القشيرى: الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة وللنبى صلى الله عليه وسلم تشريف وزيادة تكرمة، وقال أبو العالية: صلاة الله وثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء قال القاضى أبو الفضل: وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث تعليم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة ولفظ البركة فدل أنهما بمعنيين، وأما التسليم الذى أمر الله تعالى به عباده فقال القاضى أبو بكر بن بكير نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه وكذلك من بعدهم أمروا أن يسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم عند حضورهم قبره وعند ذكره، وفى معنى السلام عليه ثلاثة وجوه: أحدهما السلامة لك ومعك، ويكون السلام مصدرا كاللذاذ واللذاذة. الثاني أي السلام على حفظك ورعايتك متول

[ 61 ]

له وكفيل به ويكون هنا السلام اسم الله. الثالث أن السلام بمعنى المسالمة له والانقياد كما قال (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) فصل اعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض على الجملة غير محدد بوقت لأمر الله تعالى بالصلاة عليه وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب وادعى فيه الإجماع ولعله فيما زاد على مرة والواجب منه الذى يسقط به الحرج ومأثم ترك الفرض مرة كالشهادة له بالنبوة وما عدا ذلك فمندوب مرغب فيه من سنن الإسلام وشعار أهله، قال القاضى أبو الحسن بن القصار: المشهور عن أصحابنا أن ذلك واجب في الجملة على الإنسان وفرض عليه أن يأتي بها مرة من دهره مع القدرة على ذلك، وقال القاضى أبو بكر بن بكير: افترض الله على خلقه أن يصلوا على نبيه ويسلموا تسليما ولم يجعل ذلك لوقت معلوم فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغفل عنها، قال القاضى أبو محمد بن نصر: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في الجملة قال القاضى أبو عبد الله محمد بن سعيد: ذهب مالك وأصحابه وغيرهم من أهل العلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض بالجملة بعقد الإيمان لا يتعين في الصلاة

[ 62 ]

وأن من صلى عليه مرة واحدة من عمره سقط الفرض عنه. وقال أصحاب الشافعي: الفرض منها الذى أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم هو في الصلاة، وقالوا وأما في غيرها فلا خلاف أنها غير واجبة وأما في الصلاة فحكى الإمامان أبو جعفر الطبري والصحاوى وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد غير واجبة، وشذ الشافعي في ذلك فقال من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم من بعده التشهد الآخر قبل السلام فصلاته فاسدة وأن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه ولا سلف له في هذا القول ولا سنة يتبعها وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه لمخالفته فيها من تقدمه جماعة وشنعوا عليه الخلاف فيها منهم الطبري والقشيري وغير واحد، وقال أبو بكر بن المنذر: يستحب أن لا يصلى أحد صلاة إلى صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة من أصحاب الرأى وغيرهم وهو قول جمل أهل العلم وحكى عن مالك وسفيان


(قوله وشذ الشافعي في ذلك) قال النووي نقل أصحابنا فريضة الصلاة في التشهد عن عمر بن الخطاب وابنه ونقله الشيخ أبو حامد عن ابن مسعود وأبى سعيد الخدرى ورواه البيهقى وغيره عن الشعبى وهو أحد الروايتين عن أحمد (قوله ولا ستة يتبعها) قيل له سنة وهى ما رآه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما من حديث ابن مسعود الأنصاري أنهم قالوا كيف نصلى عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ؟ فقال (قولوا اللهم صلى عليه محمد - إلى آخر الحديث) (*)

[ 63 ]

أنها في التشهد الأخر مستحبة وأن تاركها في التشهد مسئ، وشذا الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان وحكى أبو محمد بن أبى زيد عن محمد بن المواز أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فريضة، قال أبو محمد يريد ليست من فرائض الصلاة، وقاله محمد بن عبد الحكم وغيره وحكى ابن القصار وعبد الوهاب أن محمد بن المواز يراها فريضة في الصلاة كقول الشافعي وحكى أبو يعلى العبدى المالكى عن المذهب فيها ثلاثة أقوال: الوجوب والسنة والندب وقد خالف الخطابى من أصحاب الشافعي وغيره الشافعي في هذه المسألة قال الخطابى وليست بواجبة في الصلاة وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ولا أعلم له فيها قدوة والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه، وقد شنع الناس عليه هذه المسألة جد وهذا تشهد ابن مسعود الذى اختاره الشافعي وهو الذى علمه له النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كل من روى التشهد عن النبي صلى الله عليه وسلم كأبى هريرة وابن عباس وجابر وابن عمر وأبى سعيد الخدرى وأبى موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير لم يذكروا فيه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد


(قوله وأوجب إسحاق) هو ابن إبراهيم بن مخلد الإمام أبا يعقوب بن راهويه المروزى عالم خراسان (قوله وهذا تشهد ابن مسعود) ذكر ابن الملقن التشهدات الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في تخريج أحاديث الرافعى فبلغت ثلاثة عشر تشهدا (*)

[ 64 ]

قال ابن عباس وجابر كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ونحوه عن أبى سعيد، وقال ابن عمر كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما يعلمون الصبيان في الكتاب، وعلمه أيضا على المنبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه وفى الحديث (لا صلاة لمن لم يصل على) قال ابن القصار معناه كاملة أو لمن لم يصل على مرة في عمره، وضعف أهل الحديث كلهم رواية هذا الحديث وفى حديث أبى جعفر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم (من صلى صلاة لم يصل فيها على وعلى أهل بيتى لم تقبل منه) قال الدارقطني: الصواب أنه من قول أبى جعفر محمد بن الحسين لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم فصل في المواطن التى يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ويرغب من ذلك في تشهد الصلاة كما قدمناه وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء حدثنا القاضى أبو على رحمه الله بقراءتي عليه قال حدثنا الإمام أبو القاسم البلخى قال حدثنا الفارسى عن أبى القاسم الخزاعى عن أبى الهيثم بن كليب عن أبى عسيى الحافظ حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الله بن يزيد المقرى حدثنا حيوة بن شريح حدثنى أبو هانئ الخولانى أن عمرو بن


(قوله وفى حديث أبى جعفر) هو الإمام محمد بن على بن الحسين (قوله أبو هانئ) بهمزة في آخره (قوله أن عمرو بن مالك الجنبى) بجيم ونون فموحدة وياء للنسبة إلى جنب بطن من مذحج (*)

[ 65 ]

مالك الجنبى أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (عجل هذا) ثم دعاه فقال له ولغيره (إذا صلى أحدكم فتيبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بعد بما شاء) ويروى من غير هذا السد بتمجيد الله وهو أصح * وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال الدعاء والصلاة معلق بين السماء والأرض فلا يصعد إلى الله منه شئ حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعن على عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه: وعن على، وعلى آل محمد وروى أن الدعاء محجوب حتى يصلى الداعي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعن ابن مسعود إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئا فتيبدأ بمدحه والثناء عليه بما هو أهله ثم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليسأل فإنه اجدر ان ينجح، وعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجعلونى كقدح الراكب فإن الراكب يملأ قدحه ثم يضعه ويرفع متاعه فإن احتاج إلى شراب شربه أو الوضوء وضأ وإلا هراقه ولكن اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره) * وقال ابن عطاء: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات فإن وافق أركانه قوى وإن وافق أجنحته طار في السماء وإن


(قوله فإنه أجدر) بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الدال المهملة أي حق (قوله كقدح) بفتح القاف والدال قال الهروي أراد لا تؤخروني في الذكر كالراكب يعلق قدحه في آخر رحله ويجعله خلفه (قوله هراقه) يقال أراق الماء يريقه وهراقة يريقه بفتح الهاء (5 - 2) (*)

[ 66 ]

وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه أنجح فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله وقطعه من الأسباب وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. وفى الحديث (الدعاء بين الصلاتين لا يرد) وفى حديث آخر (كل دعاء محجوب دون السماء فإذا جاءت الصلاة على صعد الدعاء) وفى دعاء ابن عباس الذى رواه عنه حنش فقال في آخره (واستجب دعائي) ثم تبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: اللهم إنى أسألك أن تصلى على محمد عبدك ونبيك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك أجمعين آمين، ومن مواطن الصلاة عليه عند ذكره وسماع اسمه أو كتابه أو عند الأذان وقد قال صلى الله عليه وسلم (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل على) وكره ابن حبيب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح وكره سحنون الصلاة عليه عند التعجب وقال لا يصلى عليه إلا على طريق الاحتساب وطلب الثواب، وقال أصبغ عن ابن القاسم موطنان لا يذكر فيهما إلا الله الذبيحة والعطاس فلا نقل فيهما تعد ذكر الله محمد رسول الله ولو قال بعد ذكر الله صلى الله على محمد لم يكن تسمية له مع الله، وقاله أشهب قال ولا ينبغى أن تجعل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه استبانا وروى النسائي عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة، ومن مواطن الصلاة والسلام دخول المسجد قال أبو إسحاق بن شعبان وينبغى لمن دخل المسجد أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ويترحم عليه ويبارك عليه وعلى آله ويسلم تسليما ويقول


(قوله رغم أنف) أي ذل حتى كأنه ملصق بالرغام - بفتح الراء - أي التراب (*)

[ 67 ]

اللهم اغفر لى دوبى وأفتح لى أبواب رحمتك وإذا خرج فعل مثل ذلك وجعل موضع رحمتك فصلك، وقال عمرو بن دينار في قوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) قال إن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام على أهل بيت ورحمة الله وبركاته قال قال ابن عباس المراد بالبيوت هنا المساجد وقال النخعي إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وعن علقمة إذا دخلت المسجد أقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته صلى الله وملائكته على محمد، ونحوه عن كعب إذا دخل وإذا خرج ولم يذكر الصلاة: واحتج ابن شعبان لما ذكره بحديث فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله إذا دخل المسجد. ومثله عن أبى بكر ابن عمرو بن حزم وذكر السلام والرحمة وقد ذكرنا هذا الحديث آخر القسم والاختلاف في ألفاظه ومن مواطن الصلاة عليه أيضا الصلاة على الجنائز وذكر عن أبى أمامة أنها من السنة * ومن مواطن الصلاة التى مضى عليها عمل الأمة ولم تنكرها: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله في الرسائل وما يسكتب بعد البسملة


(قوله وذكر عن أبى أمامة) هو سعد بن سهل بن حنيف الأنصاري ولد في زمنه صلى الله عليه وسلم وكناه، وحديثه الذى لم يذكر فيه الصحابي مرسل والذى أشار إليه المصنف رواه الحاكم من طريق يونس عن الزهري عن أبى أمامة أنه أخبره رجال من الصحابة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم (*)

[ 68 ]

ولم يكن هذا في الصدر الأول وأحدث عند ولاية بنى هاشم فمصى به عمل الناس في أقطار الأرض ومنهم من يختم به أيضا الكتب، وقال صلى الله عليه وسلم (من صلى على في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمى في ذلك الكتاب) ومن مواطن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم تشهد الصلاة * حدثنا أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقرى الخطيب رحمه الله وغيره قال حدثتني كريمة بنت محمد قالت حدثنا أبو الهيثم حدثنا محمد ابن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو نعيم حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض هذا أحد مواطن التسليم عليه، وسنته أول التشهد وقد روى مالك عن ابن عمر أنه كان يقول ذلك إذا فرغ من تشهد وأراد أن يسلم، واستحب مالك في المبسوط أن يسلم بمثل ذلك قبل السلام قال محمد بن مسلمة أراد ما جاء عن عائشة وابن عمر أنها كانا يقولان عند سلامهما. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم، واستحب أهل العلم أن يروى الإنسان حين سلامه كل عبد صالح في السماء والأرض من الملائكة وبنى آدم والجن، قال مالك في ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ وأحب للمأموم إذا سلم أمامه أن يقول السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليكم

[ 69 ]

فصل في كيفية الصلاة عليه والتسليم حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر الفقيه بقراءتي عليه حدثنا القاضى أبو الأصبغ نا أبو عبد الله بن عتاب حدثنا أبو بكر بن واقد وغيره حدثنا أبو عيسى حدثنا عبيد الله حدثنا يحيى حدثنا مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقى أنه قال أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلى عليك ؟ فقال: (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه: ذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وفى رواية مالك عن أبى مسعود الأنصاري قال (قولوا اللهم صلى عليه محمد وعلى آله كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم، وفى رواية كعب بن عجرة (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد وعن عقبة بن عمرو في حديثه (اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد) وفى رواية أبى سعيد الخدرى (اللهم صل على محمد عبدك ورسولك) وذكر معناه وحدثنا القاضى أبو عبد الله التميمي سماعا عليه وأبو على الحسن بن طريف النحوي بقراءتي عليه قالا حدثنا أبو عبد الله بن سعدان الفقيه حدثنا


(قوله عن أبى سلم الزرقى) سلم بضم السين المهملة وفتح اللام الزرقى بضم الزاى وفتح الراء (قوله والسلام كما قد علمتم) بضم العين وتشديد اللام وبفتحها وتخفيف اللام السلام يعنى في التحيات وهو السلام عليك أيها النبي إلى آخره (قوله ابن عجرة) بضم العين وسكون الجيم (*)

[ 70 ]

أبو بكر المطوعى قال حدثنا أبو عبد الله الحاكم عن أبى بكر بن أبى دارم الحافظ عن على بن أحمد العجلى عن حرب بن الحسن عن يحيى بن المساور عن عمرو بن خالد عن زيد بن على بن الحسين عن أبيه على عن أبيه الحسين عن أبيه على بن أبي طالب قال عدهن في يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (عدهن في يدى جبريل وقال هكذا نزلت من عند رب العزة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) * وعن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وفى رواية زيد بن خارجة الأنصاري سألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف نصلى عليك ؟ فقال: (صلوا واجتهدوا في الدعاء ثم قولوا اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد) وعن سلامة الكندى كان على يعلمنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم داحى المدحوات وبارئ المسموكات اجعل شرائف


(قوله عن زيد بن على) هو محمد بن الباقر (قوله زيد بن خارجة الأنصاري) هو الحارثى المتكلم بعد الموت زمن عثمان وقد تقدم (قوله داحى المدحوات) أي باسط المبسوطات (قوله وبارئ المسموكات) أي رافع المرفوعات (*)

[ 71 ]

صلوات ونوامى بركاتك ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق والمعلن الحق بالحق والدامغ لجيشات الأباطيل كما حمل فاطلع بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك واعيا لوحيك حافظ لعهدك ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم وأبهج موضحات الأعلام ونائرات الأحكام ومنيرات الإسلام فهو أميك المأمول وخازن عليك المخزون وشهيدك يوم الدين وبعيثك نعمة ورسولك بالحق رحمة اللهم افصح له في عدنك واجزه مضاعفات الخير من فضلك مهيئات له غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول وجزيل عطائك المعلول اللهم أعسل على بناء الناس بناءه وأكرم مثواه لديك نزله وأتم له نوره وأجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة ومرضى


(قوله لما أغلق) بضم الهمزة وكسر اللام (قوله كما حمل) بضم الحاء وكسر الميم المشددة (قوله فاضطلع) بالضاد المعجمة أي نهض (قوله على نفاذ) بالفاء والذال المعجمة (قوله حتى أورى قبسا) في الصحاح وروى الزند بالفتح يورى إذا خرجت ناره وفيه لغة أخرى: ورى الزند يرى بالكسر فيهما وآريته أنا وكذلك وريته والقبس: الشملة من النار (قوله آلاء الله) أي نعمه وهو مبتدأ خبره تصل بأهله أسبابه (قوله به هديت القلوب) بضم الهاء وكسر الدال ورفع القلوب أو بفتح الهاء والدال ونصب القلوب (قوله في عدنك) بفتح العين المهملة وسكون الدال أي جنتك في الصحاح عدنت البلد توطئته وعدنت الإبل بمكان كذا ألزمته فلم يبرح ومنه (جنات عدن) أي جنات إمة (قوله واجزه) بهمزة وصل قال الله تعالى (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) (قوله المعلول) من العلل: بفتح المهملة واللام الأولى وهو الشرب الثاني بعد النهل بفتحتين وهو الشرب الأول (قوله ونزله) بضم النون والزاى (*)

[ 72 ]

المقالة ذا منطق عدل وخصة فصل وبرهان عظيم * وعنه أيضا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله وملائكته يصلون على النبي) الآية لبيك اللهم ربى وسعديك صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين والنبيين والصديقين والشهداء والصحالين وما سنح لك من شئ يا رب العالمين على محمد بن عبد الله خاتم النبيين وسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين الشاهد البشير الداعي إليك بإذنك السراج المنير وعليه السلام) * وعن عبد الله بن مسعود اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) * وكان الحسن البصري يقول: من أراد أن يشرب بالكاس الأوفى من حوض المصطفى فليقل اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته وأصهاره وانصاره وأشياعه ومحبيه وأمته عليا معهم أجمعين يا أرحم الراحمين * وعن طاوس عن ابن عباس أنه كان يقول اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى وارفع درجته العليا وآته سؤلة في الآخرة والأولى كما آتيت إبراهيم وموسى * وعن وهيب بن الورد أنه كان يقول في دعائه اللهم أعط محمدا


(قوله وخطة فصل) الخطة الأمر والقصد والفصل القطع (قوله شفاعة محمد الكبرى) هي التى للفصل بين أهل الموقف (قوله وعن وهيب بن الورد) بالتصغير وهو عبد الوهاب المكى (*)

[ 73 ]

أفضل ما سألك لنفسه وأعط محمدا أفضل ما سألك له أحد من خلقك وأعط محمدا أفضل ما أنت مسؤل له إلى يوم القيامة وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه كان يقول إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه وقولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد * وما يؤثر من تطويل الصلاة وتكثير الثناء عن أهل البيت وغيرهم كثير وقوله والسلام كما قد علمتم هو ما علمهم في التشهد من قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وفى تشهد على السلام على نبى الله السلام على أنبياء الله ورسله السلام على رسول الله السلام على محمد بن عبد الله السلام علينا وعلى المؤمنين والمؤمنات من غاب منهم ومن شهد الله اغفر لمحمد وتقبل شفاعته واغفر لأهل بيته واغفر لى ولوالدي وما ولدا وارحمهما السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته جاء في هذا الحديث عن على: الدعاء للنبى صلى الله عليه وسلم بالغفران * وفى حديث الصلاة عليه عنه أيضا قبل: الدعاء له بالرمة ولم يأت في غيره من الأحاديث المرفوعة المعروفة وقد ذهب أبو عمر بن عبد البر وغيره إلى أنه لا يدعى للنبى صلى الله عليه وسلم


(قوله ولوالدي) إنما قال ذلك للتعليم لا الدعاء (*)

[ 74 ]

بالرحمة وإنما يدعى له بالصلاة والبركة التى تختص به ويدعى لغيره بالرحمة والمغفرة وقد ذكر أبو محمد بن أبى زيد في الصلاة على النبي صلى عليه وسلم اللهم ارحم محمدا وآل محمد كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم ولم يأت هذا في حديث صحيح وحجته قوله في السلام: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فصل في فضيلة الصلاة على النبي والتسليم عليه والدعاء له حدثنا أحمد بن محمد الشيخ الصالح من كتابه حدثنا القاضى يونس بن مغيث حدثنا أبو بكر بن معاوية حدثنا النسائي أنبأنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن حيوة بن شريح قال أخبرني كعب بن علقمة أنه سمع عبد الرحمن بن جبير مولى نافع أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول وصلوا على فإنه من صلى على مرة واحدة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لى الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لى لوسيلة حلت عليه الشفاعة وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مر صلى على صلاة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطئات ورفع له عشر درجات) وفى رواية وكتب له عشر حسنات. وعز أنس عنه صلى الله عليه وسلم (أن


(قوله الوسيلة) أي القرب من الله والمنزلة عنده وفى الحديث أنها درجة في الجنة (قوله النصرى) بالنون والصاد المهملة والأصح عند الذهبي أنه تابعي وحديثه مرسل (*)

[ 75 ]

جبريل نادانى فقال من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات) ومن رواية عبد الرحمن بن عوف عنه صلى الله عليه وسلم (لقيت جبريل فقال لى إنى أبشرك أن الله تعالى يقول من سلم عليك سلمت عليه ومن صلى عليك صليت عليه. ونحوه من رواية أبى هريرة ومالك بن أوس بن الحدثان وعبيد الله بن أبى طلحة وعن زيد بن الحباب سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من قال اللهم صل على محمد وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي) وعن ابن مسعود أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على صلاة) وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم (من صلى على في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقى اسمى في ذلك الكتاب) وعن عامر بن ربيعة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من صلى صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى على فليقل من ذلك عبد أو ليكثر) وعن أبى بن كعب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال (يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها


(قوله ابن الحدثان) بفتح الحاء والدال مهملتين بعدهما مثلثة (قوله وعن زيد ابن الحباب) بضم الحاء المهملة قال الحافظ يحيى بن على القرشى المشهور بالرشيد العصار هذا وهم فان زيد بن الحباب هذا ليس من الصحابة ولا من التابعين ولا من أتباعهم وإنما يروى عن مالك بن أنس والضحاك وأمثالهم وليس له في السحابة نظير في اسمه واسم أبيه معا وهذا الحديث محفوظ من رواية رويفع بن ثابت الأنصاري وقد رواه زيد بن الحباب هذا عن لهيعة عن بكر بن سوادة بن زياد بن نعم عن وفاء بن سريج الحضرمي عن رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب بأن المصنف عند كتابته أسقط ما عدا زيد بن الحباب لأنه لا غرض له في ذكر الرواة (*)

[ 76 ]

الرادفة جاء الموت بما فيه) فقال أبى بن كعب يا رسول الله إنى أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال: (ما شئت) قال: الربع ؟ قال: (ما شئت وإن زدت فهو خير) قال: الثلث ؟ قال: (ما شئت وإن زدت فهو خير) قال، النصف ؟ قال: (ما شئت وإن زدت فهو خير) قال: الثلثين ؟ قال: (ما شئت وإن زدت فهو خير) قال: يا رسول الله فاجعل صلاتي كلها لك قال إذا تكفى ويغفر ذنبك. وعن أبى طلحة: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت من بشره وطلافته ولم أره قط فسألته، فقال (وما يمنعى وقد خرج جبريل آنفا فأتاني ببشارة من ربى عز وجل إن الله تعالى بعثنى إليك أبشرك أنه ليس أحد من أمتك يصلى عليك إلا صلى الله عليه وسلم وملائكته بها عشرا وعن جابر بن عبد الله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة) وعن سعد بن أبى وقاص من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له. وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من سلم على عشرا فكأنما أعتق رقبة) وفى بعض الآثار (ليردن على أقوام ما أعرفهم إلا بكثرة صلاتهم على) وفى آخر إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم على صلاة) وعن أبى بكر الصديق الصلاة على النبي صلى الله


(قوله فكم أجعل لك من صلاتي) قيل الصلاة هنا بمعنى الدعاء والمعنى أن لى زمانا أدعو فيه لنفسي فكم أجعل لك من ذلك الزمان الصلاة عليك (*)

[ 77 ]

عليه وسلم أمحق للذنوب من الماء البارد للنار، والسلام عليه أفضل من عتق الرقاب فصل في ذم من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم وإثمه حدثنا القاضى الشهيد أبو على رحمه الله حدثنا أبو الفضل بن خيرون وأبو الحسن الصيرفى قالا حدثنا أبو يعلى حدثنا السنجى حدثنا محمد ابن محبوب حدثنا أبو عيسى حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقى حدثنا ربعى ابن إبراهيم عن عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل على ورغم أنف رجل دخل رمصان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة) قال عبد الرحمن وأظنه قال أو أحدهما. وفى حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال آمين ثم صعد فقال آمين ثم صعد فقال آمين فسأله معاذ عن ذلك فقال (إن جبريل أتانى فقال يا محمد من سميت بين يديه فلم يصل عليك فمات يدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين وقال فيمن أدرك رمضان فلم يقبل منه فمات مثل ذلك ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات مثله) وعن على بن أبى طالب عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (البخيل الذى ذكرت عنده فلم


(قوله وأبو الحسين) بالتصغير (قوله الدورقى) نسبة إلى نوع من القلانس، وقال المزى تبعا لأبى أحمد الحاكم في الكنى هو منسوب إلى بلد (*)

[ 78 ]

يصل على) وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ذكرت عنده فلم يصل على أحطئ به طريق الجنة. وعن على بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن البخيل كل البخيل من ذكرت عنده فلم يصل على) وعن أبى هريرة قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم (أيما قوم جلسوا مجلسا ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليهم من الله ترة إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) وعن أبى هريرة رضى الله عنه (من نسى الصلاة على نسى طريق الجنة) وعن قتادة عنه صلى الله عليه وسلم (من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلى على) وعن جابر عنه صلى الله عليه وسلم (ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا على غير صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا تفرقوا على أنتن من ريح الجيفة) وعن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجلس قوم مجلسا لا يصلون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب وحكى أبو عيسى الترمذي عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس فصل في تخصيصه صلى الله عليه وسلم بتبليغ صلاة من صلى عليه أو سلم من الأنام حدثنا القاضى أبو عبد الله التميمي حدثنا الحسين بن محمد حدثنا أبو عمر


(قوله ترة) بكسر المثناة الفوقية وفتح الراء المخففة أي نقص وقيل تبعة (قوله من الجفاء) بفتح الجيم والمد هو ترك البر والصلة (*)

[ 79 ]

الحافظ حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا ابن داسة حدثنا أبو داود حدثنا ابن عوف حدثنا المقرئ حدثنا حيوة عن أبى صخر حميد بن زياد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام) وذكر أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى على عند قبري سمعته ومن صلى على نائيا بلغته). وعن ابن مسعود: إن الله ملائكة سياحين في الأرض بلغوني عن أمتى السلام) ونحوه عن أبى هريرة. وعن ابن عمر: أكثروا من السلام على نبيكم كل جمعة فإنه يؤتى به منكم في كل جمعة. وفى رواية: فإن أحدا لا يصلى على إلا عرضت صلاته على حين يفرغ منها. وعن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم (حيثما كنتم فصلوا على فإن صلاتكم تبلغني). وعن ابن عباس ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يسلم عليه ويصلى عليه إلا بلغه. وذكر بعضهم أن العبد إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه اسمه. وعن الحسن بن على إذا دخلت المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله


(قوله ابن عوف) هو محمد بن عوف بن سفيان الحمصى شيخ أبى داود والنسائي (قوله المقرى) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن بريد أحد الشيوخ البخاري (قوله نائيا) أي بعيدا (قوله بلغته) بضم الباء الموحدة وكسر اللام المشددة (قوله وعن أبى مسعود) كذا وقع في كثير من النسخ والصواب ابن مسعود (قوله إلا بلغه) بضم الموحدة وكسر اللام المشددة (*)

[ 80 ]

صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتى عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا على حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) وفى حديث أوس (أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة على) وعن سليمان بن سحيم: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك أتفقه سلامهم ؟ قال (نعم وأرد عليهم) وعن ابن شهاب: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا من الصلاة على في الليلة الزهراء واليوم الأزهر فإنهما يؤديان عنكم وإن الأرض لا نأكل أجساد الأنبياء وما من مسلم يصلى على إلا حملها ملك حتى يؤديها إلى ويسميه حتى إنه ليقول إن فلانا يقول كذا وكذا) فصل في الاختلاف في الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام قال القاضى وفقه الله عامة أهل العلم متفقون على جواز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن ابن عباس أنه لا تجوز الصلاة على غير


(قوله لا تتاخذوا بيتى عيدا) المراد بالبيت هنا القبر لأنه دفن في بينه ومعناه النهى عن الاجتماع لزيارته كالاجتماع للعيد فيحتمل أن يكون نهيه عليه السلام عن ذلك لدفع المشقة عن أمته وأن يكون مخافة أن يتجاوزوا في تعظيم قبره الحد (قوله ولا تتخذوا بيوتكم قبورا) معناه عند البخاري لا يجعلوها كالمقابر التى لا تجوز الصلاة فيها، ومعناه عند غيره: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا لأن الميت لا يصلى في قبره (قوله وفى حديث أوس بن أوس الثقفى الصحابي) أخرج هذا الحديث عنه الترمذي في الصلاة وابن ماجه في الجنائز (*)

[ 81 ]

النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه لا تنبغي الصلاة على أحد إلا النبيين، وقال سفيان يكره أن يصلى إلا على نبى، ووجدت بخط بعض شيوخ: مذهب مالك أنه لا يجوز أن يصل على أحد من الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم وهذا غير معروف من مذهبه، وقد قال مالك في المبسوط ليحيى ابن إسحاق أكره الصلاة على غير الأنيباء وما ينبغى لما أن نتعدى ما أمرنا به قال يحيى بن يحيى لست آخذ بقوله ولا بأس بالصلاة على الأنبياء كلهم وعلى غيرهم. واحتج بحديث ابن عمر وبما جاء في حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه وفيه وعلى أزواجه وعلى آله وقد وجدت معلقا عن أبى عمران الفارسى روى عن ابن عباس رضى الله عنهما كراهة الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم قال وبه نقول ولم يكن يستعمل فيما مضى، وقد روى عبد الرزاق عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثنى) قالوا: والأساند عن ابن عباس لينة والصلاة في لسان العرب بمعنى الترحم والدعاء وذلك على الإطلاق حتى يمنع منه حديث صحيح أو إجماع، وقد قال تعالى: هو الذى يصلى عليكم وملائكته الآية وقال: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم الآية. وقال: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم صل على آل أبى أوفى وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللم صل على آل فلان، وفى حديث الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، وفى آخر: وعلى آل محمد، قيل أتباعه وقيل أمته وقيل آل بيته وقيل الأتباع ولرهط والعشيرة وقيل آل الرجل ولده وقيل قومه، (6 - 2) (*)

[ 82 ]

وقيل أهله الذين حرمت عليهم الصدقة، وفى رواية أنس سئل النبي صلى الله عليه وسلم من آل محمد ؟ قال (كل نفسي) ويجئ على مذهب الحسن أن المراد بآل محمد محمد نفسه فإنه كان يقول في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد يريد نفسه لأنه كان لا يخل بالفرض ويأتى بالنفل لأن الفرض الذى أمر الله تعالى به هو الصلاة على محمد نفسه وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم (لقد أوتى مزمارا من مزامير آل داود) يريد من مزامير داود، وفى حديث أبى حميد الساعدي في الصلاة اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، وفى حديث ابن عمر أنه كان يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبى بكر وعمر ذكره مالك في الموطأ من رواية يحيى الأندلسى والصحيح من رواية غيره ويدعو لأبى بكر وعمر. وروى ابن وهب عن أنس بن مالك كنا ندعو لأصحابنا بالغيب فنقول اللهم اجعل منك على فلان صلوات قوم أبرار الذين يقومون بالليل ويصومون بالنهار قال القاضى والذى ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان رحمهما الله، وروى عن ابن عباس، واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه لا يصلى على غير الأنبياء عند ذكرهم بل هو شئ يختص به الأنبياء توقيرا وتعزيزا كما يخص الله تعالى عند ذكره بالتنزيه والتقديس والتعظيم ولا يشاركه فيه غيره كذلك يجب تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء بالصلاة والتسليم ولا يشارك فيه سواهم كما أمر الله به بقوله (صلوا عليه وسلموا تسليما) ويذكر من سواهم من الأئمة وغيرهم بالغفران والرضى كما قال تعالى (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) وقال (والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله

[ 83 ]

عنهم) أيضا فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول كما قال أبو عمران وإنما أحدثه الرافضة والمتشيعة في بعض الأئمة فشاركوهم عند الذكر لهم بالصلاة وساووهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وأيضا فإن التشبه بأهل البدع منهى عنه فتجب مخالفتهم فيما التزموه من ذلك وذكر الصلاة على الآل والأزواج مع النبي صلى الله عليه وسلم بحكم التبع والإضافة إليه لا على التخصيص قالوا وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى عليه مجراها مجرى الدعاء والمواجهة ليس فيها معنى التعظيم والتوقير قالوا وقد قال تعالى (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) فكذلك يجب أن يكون الدعاء له مخالفا لدعاء الناس بعضهم لبعض، وهذا اختيار الإمام أبى المظفر الإسفرائنى من شيوخنا، وبه قال أبو عمر بن عبد البر فصل في حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره سلم عليه وكيف يسلم ويدعو وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها * حدثنا القاضى أبو على حدثنا أبو الفضل بن خيرون قال حدثنا الحسن بن جعفر قال حدثنا أبو الحسن على بن عمر الدارقطني قال حدثنا القاضى المحاملى قال حدثنا محمد بن عبد الرزاق قال حدثنا موسى بن هلال عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (من زار قبري وجبت له شفاعتي) وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى اله عليه وسلم (من زارني في المدينة محتسبا كان في جواري وكنت له شفيعا يوم القيامة) وفى حديث آخر (من زارني بعد موتى

[ 84 ]

فكأنما زارني في حياتي) وكره مالك أن يقال زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في معنى ذلك فقيل كراهية الاسم لما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم (لعن الله زوارات القبور) وهذا يرده قوله (نهيتم عن زيارة القبور فزوروها وقوله (من زار قبري) فقد أطلق اسم الزيارة وقيل لأن ذلك لما قيل إن الزائر أفضل من المزور وهذا أيضا ليس بشئ إذ ليس كل زائر بهذه الصفة وليس هذا عموما، وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم ولم يمنع هذا اللفظ في حقه تعالى وقال أبو عمران رحمه الله إنما كره مالك أن يقال طواف الزيارة وزرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم لاستعمال الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض وكره تسوية النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس بهذا اللفظ وأحب أن يخص بأن يقال سلمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن الزيارة مباحة بين الناس وواجب شد المطى إلى قبره صلى الله عليه وسلم يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لو قال زرنا النبي لم يكرهه لقوله صلى الله عليه وسلم (اللهم لا تعجعل قبري وثنا يعبد بعدى، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)


(قوله وكره مالك أن يقال) قال أبو عمر بن عبد البر إنما كره مالك أن يقال طواف الزيارة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لاستعمال الناس ذلك بعضهم لبعض فكره تسوية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ مع الناس وأحب أن يخص بأن يقال سلمنا على النبي صلى الله عليه وسلم، قال وأيضا الزيارة مباحة بين الناس وواجب شد المطى إلى قبره صلى الله عليه وسلم، يريد وجوب التبرع لا وجوب الفرائض (*)

[ 85 ]

فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل أولئك قطعا للذريعة وحسما للباب والله أعلم، قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود الذى كان يستبد إليه وينزل جبريل بالوحى فيه عليه وبمن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله، وقال ابن أبى فديك سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) ثم قال صلى الله عليك يا محمد من يقولها سبعين مرة، ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة وعن يزيد ابن أبى سعيد المهرى قدمت على عمر بن عبد العزيز فلما ودعته قال: لى إليك حاجة: إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقره منى السلام، قال غيره وكان يبرد إليه البريد من الشام قال بعضهم رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف وقال مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده وقال في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضى، قال ابن أبى مليكة من أحب أن يقوم وجاء


(قوله وكان يبرد إليه البريد) المراد بالبريد هنا الرسول المستعجل (*)

[ 86 ]

النبي صلى الله عليه وسلم فليجعل القنديل الذى في القبلة عند القبر على رأسه، وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة وأكثر يجئ إلى القبر فيقول السلام على النبي صلى الله عليه وسلم السلام على أبى بكر السلام على أبى ثم ينصرف، وروى ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه. وعن ابن قسيط والعتبى كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد حسوا رمانة المنبر التى تلى القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون، وفى الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثى أنه كان يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلى على النبي وعلى أبى بكر وعمر وعند ابن القاسم والقعنبى ويدعو لأبى بكر وعمر قال مالك في رواية ابن وهب يقول المسلم السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، قال في المبسوط ويسلم على أبى بكر وعمر قال القاضى أبو الوليد الباجى وعندي أنه يدعو للنبى صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة ولأبي بكر وعمر كما في حديث ابن عمر من الخلاف، وقال ابن حبيب ويقول إذا دخل مسجد الرسول باسم الله وسلام على رسول الله السلام علينا من ربنا وصلى الله وملائكة على محمد اللهم اغفر لى ذنوبي وافتح لى أبواب رحمتك وجنتك واحفظنى من الشيطان الرجيم ثم اقصد إلى الروضة وهى ما بين القبر والمنبر فأركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فبهما وتسأله تمام ما خرجت


(قوله القنديل) بكسر القاف وأما بفتحها فالعظيم الرأس (قوله وفى العتبية) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية بعدها موحدة وياء للنسبة إلى فقيه الأندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبى القرطبى مصنفها وهو ابن موالى عتبة بن أبى سفيان (*)

[ 87 ]

إليه والعون عليه وإن كانت كعتاك في غير الروضة أجزأناك وفى الروضة أفضل وقد قال صلى الله عليه وسلم (ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة، ومنبرى على ترعة من ترع الجنة) ثم تقف بالقبر متواضعا متوقرا فتصلى عليه وتثنى بما يحضرك وتسلم على أبى بكر وعمر وتدعو لهما وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار ولا تدع أن تأتى مسجد قبا وقبور الشهداء، قال مالك في كتاب محمد: ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل وخرج يعنى في المدينة وفيما بين ذلك قال محمد وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر وكذلك من خرج مسافرا، وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخلت المسجد فصل على النبي صلى الله عليه وسلم وقل اللهم اغفر لى ذنوبي وافتح لى أبواب رحمتك وإذا خرجت فصل على النبي صلى الله عليه وسلم وقل اللهم اغفر لى ذنوبي وافتح لى أبواب فضلك وفى رواية أخرى فليسلم مكان فليصل فيه ويقول إذا خرج اللهم إنى أسألك من فضلك وفى أخرى (اللهم احفظني من الشيطان الرجيم) وعن محمد بن سيرين: كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد صلى الله وملائكته على محمد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته باسم الله دخلنا وباسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا، وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك، وعن فاطمة أيضا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال صلى الله على محمد، ثم ذكر مثل حديث فاطمة قبل هذا وفى رواية حمد الله وسمى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر مثله، وفى رواية باسم الله والسلام على رسول الله، وعن غيرها

[ 88 ]

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال (اللهم افتح لى أبواب رحمتك ويسر لى أبواب رزقك) وعن أبى هريرة إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل (اللهم افتح لى) وقال مالك في المبسوط وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء وقال فيه أيضا لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلى عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر فقيل له إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعو ساعة فقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك: ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده، قال ابن القاسم ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا، قال وذلك رأى قال الباجى ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم، وقال صلى الله عليه وسلم، اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وقال (لا تجعلوا قبري عيدا) ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا، وفى العتبية يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأحب مواضع التنفل

[ 89 ]

فيه مصلى النبي حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف والتنفل فيه للغرباء أحب إلى من التنفل في البيوت فصل فيما يلزم من دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من الأدب سوى ما قدمناه وفضله وفضل الصلاة فيه وفى مسجد مكة وذكر قبره ومنبره وفصل سكنى المدينة ومكة. قال الله تعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي مسجد هو ؟ قال (مسجدي هذا) وهو قول ابن المسيب وزيد بن ثابت وابن عمر ومالك بن أنس وغيرهم. وعن ابن عباس أنه مسجد قباء حدثنا هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه قال حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو عمر النمري حدثنا أبو محمد بن عبد المومن حدثنا أبو بكر بن داسة حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) وقد تقدمت الاثار في الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم. وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم وقال مالك


(قوله روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أي مجسد) أخرج هذا الحديث مسلم في آخر المالك والترمذي والكسائي في التفسير (*)

[ 90 ]

رحمه الله سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه صوتا في المسجد فدعا بصاحبه فقال ممن أنت ؟ قال: رجل من ثقيف، قال لو كنت من هاتين القريتين لأدبتك إن مسجدنا لا يرفع فيه الصوت، قال محمد بن مسلمة: لا ينبغى لأحد أن يعتمد المسجد برفع الصوت ولا بشئ من الأذى وأن ينزه عما يكره، قال القاضى حكى ذلك كله القاضى إسماعيل في مبسوطه في باب فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء كلهم متفقون أن حكم سائر المساجد هذا الحكم، قال القاضى إسماعيل وقال محمد بن مسلمة ويكره في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر على المصلين فيما يخلط عليهم صلاتهم وليس مما يخص به المساجد رفع الصوت وقد كره رفع الصوت بالتلبيه في مساجد الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجدنا وقال أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) قال القاضى اختلف الناس في معنى هذا الاستثناء على اختلفاهم في المفاضلة بين مكة والمدينة فذهب مالك في رواية أشهب عنه وقاله ابن نافه صاحبه وجماعة أصحابه إلى أن معنى الحديث أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف


(قوله لو كنت من هاتين القريتين) يريد مكة والمدينة (قوله القاضى اسماعيل في مبسوطه) هو ابن اسحاق بن اسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البغدادي المالكى توفى فجاءه سنة اثنين وثمانين ومائتين (قوله إلى أن معنى الحديث أن الصلاة في مسجد الرسول إلى آخره) قيل يرد هذا التأويل ما في مسند أحمد من حديث عبد الله ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا) قال حديث حسن (*)

[ 91 ]

صلاة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فيه بدون الألف، واحتجوا بما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه (صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه فتأتى فضيلة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بتسعمائة وعلى غيره بألف وهذا مبنى على تفضيل المدينة على مكة على ما قدمناه وهو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة وهو قول عطاء وابن وهب وابن حبيب من أصحاب مالك وحكاه الباجى عن الشافعي وحملوا الاستثناء في الحديث المتقدم على ظاهره وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبى هريرة وفيه (وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) * وروى قتادة مثله، فيأتى فضل الصلاة في المسجد الحرام على هذا على الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف ولا خلاف أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض، قال القاضى أبو الوليد الباجى: الذى يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد ولا يعلم منه حكمها مع المدينة، وذهب الطحاوي إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة الفرض، وذهب مطرف من أصحابنا إلى أن ذلك في النافلة أيضا قال وجمعة خير من جمعة ورمضان خير من رمضان وقد ذكر عبد الرزاق في تفضيل رمضان بالمدينة وغيرها حديثا نحوه وقال صلى الله عليه وسلم ما بين بيتى ومنبرى


(قوله وحكاه الباجى) هو الحافظ أبو يحيى زكريا بن يحيى العتبى البصري، أخذ الأشعري عنه مقالة أهل الحديث (*)

[ 92 ]

روضة من رياض الجنة) ومثله عن أبى هريرة وأبى سعيد وزاد (ومنبرى على حوضى) وفى حديث آخر (منبرى على ترعة من ترع الجنة) قال الطبري فيه معنيان أحدهما أن المراد بالبيت بيت سكناه على الظاهر مع أنه روى ما يبينه (بين حجرتي ومنبرى) والثانى أن البيت هنا القبر وهو قول زيد بن أسلم في هذا الحديث كما روى بين قبري ومنبرى، قال الطبري وإذا كان قبره في بيته اتفقت معاني الروايات ولم يكن بينها خلاف لأن قبره في حجرته وهو بيته، وقوله (ومنبرى على حوضى) قيل يحتمل أنه منبره بعينه الذى كان في الدنيا وهو أظهر والثانى أن يكون له هناك منبر والثالث أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصلالحة يورد الحوض ويوجب الشرب منه قاله الباجى، وقوله (روضة من رياض الجنة) يحتمل معنيين أحدهما أنه موجب لذلك وأن الدعاء والصلاة فيه يستحق ذلك من الثواب كما قيل: الجنة تحت ظلال السيوف والثانى أن تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها، قاله الداودى * وروى ابن عمر وجماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المدينة (لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة) وقال فيمن تحمل عن المدينة (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) وقال (إنما المدينة كالكير تنفى خبثها وينصع طيبها) وقال (لا يخرج


(قوله على لأوائها) أي شتائها وصيفها (قوله شفيعا أو شهيدا) أي شفيعا لبعضهم أو شهيدا لبعضهم، فأو: هنا للتقسيم وليس للشك من الراوى لأنه رواه عدة من الصحابة بهذا اللفظ (قوله كالكير) قال ابن الأثير: كير الحداد هو المبنى من الطين وقيل الزق الذى ينفخ به النار، والمبنى من الطين: الكور (*)

[ 93 ]

أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه. وروى عنه صلى الله عليه وسلم (من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب) وفى طريق آخر (بعث من الآمنين يوم القيامة) وعن ابن عمر (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإنى أشفع لمن يموت بها) * وقال تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا) إلى قوله: (آمنا) قال بعض المفسرين آمنا من النار وقيل كان يأمن من الطلب من أحدث حدثا خارجا عن الحرم ولجأ إليه في الجاهلية. وهذا مثل قوله: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) على قوله بعضهم * وحكى أن قوما أتوا سعدون الخولانى بالمنستير فأعلموه أن كتامة قتلوا رجلا وأضرموا عليه النار طول الليل فلم تعمل فيه شيئا وبقى أبيض البدن فقال: لعله حج ثلاث حجج ؟ قالوا نعم، قال حدثت أن من حج حجة أدى فرضه ومن حج ثانية داين ربه، ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار، ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال: (مرحبا بك من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك) وفى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم (ما من أحد يدعو الله تعالى عند الركن الأسود إلا استجاب الله له) وكذلك عند الميزاب، وعنه صلى الله عليه وسلم (من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وحشر يوم القيامة من الآمنين) قال الفقيه


(قوله سعدون) بفتح السين المهملة، والقياس صرفه وصرف حمدون، وقد وقعا في كتب الحديث المعتمدة غير مصروفين (قوله بالمنستير) بميم مضمومة فنون مفتوحة فسين مهملة ساكنة فمثناة فوقية مكسورة: مكان بالقيروان (*)

[ 94 ]

القاضى أبو الفضل فرأت على القاضى الحافظى أبى على حدثنا أبو العباس العذري قال حدثنا أبو أسامة محمد بن أحمد بن محمد الهروي حدثنا الحسن ابن رشيق سمعت أبا الحسن محمد بن الحسن بن راشد سمعت أبا بكر محمد بن إدريس سمعت الحميدى قال: سمعت سفيان بن عيينة قال سمعت عمرو بن دينار قال سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ما دعا أحد شئ في هذا الملتزم إلا استجيب له) قال ابن عباس وأنا فما دعوت الله شئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا استجيب لى، وقال عمرو بن دينار وأنا فما دعوت الله تعالى بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ابن عباس إلا استجيب لى، وقال سفيان وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من عمرو إلا استجيب لى، قال الحميدى وأنا فما دعوت الله شئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من سفيان إلا استجيب لى، وقال محمد بن إدريس وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحميدى إلا استجيب لى، وقال أبو الحسن محمد بن الحسن وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من محمد بن إدريس إلا استجيب لى: قال أبو أسامة وما أذكر الحسن بن رشيق قال فيه شيئا وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحسن بن رشيق إلا استجيب لى من أمر الدنيا وأنا أرجو أن يستجاب لى من أمر الآخرة قال العذري وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من أبى أسامة إلا استجيب لى قال أبو على وأنا فقد دعوت الله فيه بأشياء كثيرة استجيب


(قوله الملتزم) هو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، قال الأزرقي هو قدر أربعة أذرع، سمى بذلك لان الناس يلتزمونه في الدعاء (*)

[ 95 ]

لى بعضها وأنا أرجو من سعة فضله أن يستجيب لى بقيتها، قال القاضى أبو الفضل ذكرنا نبذا من هذه النكت في هذا الفصل وإن لم تكن من الباب لتملقها بالفصل الذى قبله حرصا على تمام الفائدة والله الموفق للصواب برحمته القسم الثالث فيما يجب للنبى صلى الله عليه وسلم وما يستحيل في حقه أو يجوز عليه وما يمتنع أو يصح من الأحوال البشرية أن يضاف إليه: قال الله تعالى (وما محمد إلا رسول قد حلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل) الآية، وقال تعالى (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقه كانا يأكلان الطعام) وقال (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) وقال تعالى (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى) الآية فمحمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء من البشر أرسلوا إلى البشر ولولا ذلك لما أطاق الناس مقاومتهم والقبول عنهم ومخاطبتهم قال الله تعالى) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) أي لما كان إلا في صورة البشر الذين يمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة الملك ومحاطبته ورؤيته إذا كان على صورته، وقال تعالى (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) أي لا يمكن في سنة الله إرسال الملك إلا لمن هو من جنسه أو من خصه الله تعالى واصطفاه وفواه على مقاومته كالأنبياء والرسل فالأنبياء والرسل عليهم السلام وسائط بين الله تعالى وبين

[ 96 ]

خنقه يبلغونهم أوامره ونواهيه ووعده ووعيده ويعرفونهم بما لم يعلموه من أمره وحلقه وجلاله وسلطانه وجبروته وملكوته فظواهرهم وأجسادهم وبنيتهم متصفة بأوصاف البشر طارئ عليها ما يطرأ على البشر من الأعراض والأسقام والموت والفناء ونعوت الإنسانية وأرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر متعلقة بالملإ الأعلى متشبهة بصفات الملائكة سليمة من التغير والآفات لا يلحفها غالبا عجز البشرية ولا ضعف الإنسانية إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشيرة كظواهرهم لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة ورؤيتهم ومخاطبتهم ومخالتهم كما لا يطيقه غيرهم من البشر ولو كانت أجسادهم وظواهرهم متسمة بنعوت الملائكة وبخلاف صفات البشر لما أطاق البشر ومن أرسلوا إليه مخالطتهم كما تقدم من قول الله تعالى. فجعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم (لو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أحوة الإسلام لكن صاحبكم خليل الرحمن) وكما قال (تام عيناى ولا ينام قلبى) إنى لست كهيئتكم إنى أظل يطعمنى ربى ويسقيني فبواطنهم منزهة عن الآفات مطهرة عن القائص والاعتلالات، وهذا جملة لن يكتفى بمضمونها كل ذى همة بل الأكثر يحتاج إلى بسط وتفضيل على ما نأتى به بعد هذا في البابين بعون الله تعالى وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله إنى أظل) بفتح الظاء المعجمة (قوله يطعمنى) قيل على ظاهره وإطعام أهل الجنة لا يفطر وقيل معناه يجعله في قوة الطاعم والشارب (*)

[ 97 ]

الباب الأول فيما يختص بالأمور الدينية والكلام في عصمة نبينا عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم: قال القاضى أبو الفضل وفقه الله: أعلم أن الطوارئ من التغيرات والآفات على آحاد البشر لا يخلو أن تطرأ على جسمه أو على حواسه بغير قصد واختيار كالأمراض والأسقام أو تطرأ بقصد واحتيار وكله في الحقيقة عمل وفعل ولكن جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع: عقد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغيرات بالاحتيار وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلها والنبى صلى الله عليه وسلم وإن كان من البشر ويجوز على جبله يجوز على جبلة البشر فقد قامت البراهين القاطعة ونمت كلمة الإجماع على خروجه عنهم وتنزيهه عن كثير من الآفات التى تقع على الاختيار وعلى غير الاختيار كما سنبينه إن شاء الله تعالى فيما نأتى به من التفاصيل فصل في حكم عقد قلب النبي صلى الله عليبه وسلم من وقت نبوته أعلم منحنا الله إياك توفيقه أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله وصفاته والإيمان به وبما أوحى إليه فعلى غاية المعرفة ووضوح العلم واليقين والإنتفاء عن الجهل شئ من ذلك والشك أو الريب فيه. العصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك واليقين، هذا ومع إجماع المسلمين عليه، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه ولا يعترص على هذا بقول إبراهيم عليه [ 7 - 2 ]

[ 98 ]

السلام قال بلى ولكن ليطمئن قلبى، إذ لم يشك إبراهيم في إخبار الله تعالى له بإحياء الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته * الوجه الثاني أن إبراهيم عليه السلام إنما أراد احتبار منزلته عند ربه وعلم إجابته دعوته بسؤال ذلك من ربه ويكون قوله تعالى (أو لم تؤمن) أي تصدق بمنزلتك منى وخلتك وأصطفائك * الوجه الثالث أنه سأل زيادة يقين وقوة طمأنينة وإن لم يكن في الأول شك إذ العلوم الضرورية والنظرية قد تتفاضل في قوتها، وطريان الشكوك على الضروريات ممتنع ومجوز في النظريات، فأراد الإنتقال من النظر أو الخير إلى مشاهدة والترقى من علم اليقين إلى عين اليقين فليس الخبر كالمعاينة، ولهذا قال سهل بن عبد الله سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكنا في حاله * الوجه الرابع أنه لما أحتج على المشركين بأن ربه يحيى ويميت طلب ذلك من ربه ليصح احتجاجه عيانا * الوجه الخامس قول بعضهم هو سؤال على طريق الأدب، المراد أقدرنى على إحياء الموتى، وقوله ليطمئن قلبى عن هذه الأمنية * الوجه السادس أنه أرى من نفسه الشك وما شك لكن ليجاوب فيزداد قربه وقول نبينا صلى الله عليه وسلم نحن أحق بالشك من إبراهيم نفى لأن يكون إبراهيم شك وإبعاد للخواطر الضعفية أن تظن هذا بإبراهيم أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الله موتى، فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه إما على طريق الأدب


(قوله فليس الخبر كالمعاينة) روى أحمد في مسنده عن ابن عباس مرفوعا: ليس الخبر كالمعاينة. (*)

[ 99 ]

أو أن يريد أمته الذين يجوز عليهم الشك أو على طريق التواضع والإشفاق أن حملت قصة إبراهيم على اختيار حاله أو زيادة يقينه * فإن قلت فما معنى قوله (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك) الآيتين - فاحذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك للنبى صلى الله عليه وسلم فيما أوحى إليه وأنه من البشر، فمثل هذا لا يجوز عليه جملة بل قد قال ابن عباس لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل، ونحوه عن ابن جبير والحسن، وحكى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أشك ولا أسأل، وعامة المفسرين على هذا، واختلفوا في معنى الآية فقيل المراد قل يا محمد للشاك (فإن كنت في شك) الآية، قالوا وفى السورة نفسها ما دل على هذا التأويل: قوله (قل يا أيها الانس إن كنتم في شك من دينى) الآية، وقيل المراد بالخطاب العرب وغير النبي صلى الله عليه وسلم كما قال (لئن أشركت ليحبطن عملك) الآية، الخطاب له والمراد غيره ومثله (فلا تك في مربة مما يعبد هؤلاء) ونظيره كثير، قال بكر بن العلاء ألا تراه يقوله (ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله) الآية وهو صلى الله عليه وسلم كان المكذب فيما يدعو إليه فكيف يكون ممن كذب به ؟ فهذا كله يدل على أن المراد بالخطاب غيره ومثل هذه الآية قوله (الرحمن فأسأل به خبيرا) المأمور ههنا غير النبي صلى الله عليه وسلم ليسأل النبي والنبى صلى الله عليه وسلم هو الخبير المسئول لا المستخبر السائل وقال إن هذا الشك الذى أمر به غير النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الذين يقرؤن الكتاب إنما هو فيما قصة الله من أخبار الأمم

[ 100 ]

لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة ومثل هذا قوله تعالى (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) الآية المراد به المشركون والخطاب مواجهة للنبى صلى الله وسلم قاله العتبى، وقيل معناه سلنا عمن أرسلنا من قبلك فحذف الخافض وتم الكلام ثم ابدأ (أجعلنا من دون الرحمن) إلى آخر الآية على طريق الإنكار أي ما جعلنا، حكاه مكى، وقيل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الأنبياء ليلة الإسراء عن ذلك فكان أشد يقينا من أن يحتاج إلى السؤال فروى أنه قال (لا أسال قد اكفيت) قاله ابن زيد، وقيل سل أمم من أرسلنا هل جاؤهم بغير التوحيد ؟ وهو معنى قول مجاهد والسدى والضحاك وقتادة والمراد بهذا والذى قبله إعلامه صلى الله عليه وسلم بما بعثت به الرسل وأنه تعالى لم يأذن في عبادة غيره لأحد ردا على مشركي العرب وغيرهم في قولهم: إنما نعبدهم ليقربو إلى الله زلفى، و كذلك قوله تعالى: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين) أي في علمهم بأنك رسول الله وإن لم يقروا بذلك وليس المراد به شكه فيما ذكر في أول الآية وقد يكون أيضا على مثل ما تقدم أي قل يا محمد لمن امترى في ذلك لا تكونن من الممترين بدليل قوله أول الآية: (أفغير الله ابتغى حكما) الآية: وأن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بذلك غيره وقيل


(قوله قال القتيبى) وفى بعض النسخ القتبى وكلاهما أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة صاحب المصنفات (قوله إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى) هكذا وقع في كثير من الأصول والتلاوة إنما هي * (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) * وحكى عن أبى عبيد هو معمر بن المثنى (*)

[ 101 ]

هو تقرير كقوله (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إلهين من دون الله ؟) وقد علم أنه لم يقل، وقيل معناه ما كنت في شك فاسأل تزدد طمأنينة وعلما إلى علمك ويقينك، وقيل إن كنت تشك فيما شرفناك وفضلناك به فاسألهم عن صفتك في الكتب ونشر فضائلك، وحكى عن أبى عبيدة أن المراد إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا. فما معنى قوله (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا) على قراءة التخفيف ؟ قلنا المعنى في ذلك ما قالته عائشة رضى الله عنها (معاذ الله أن تظن ذلك الرسل بربها وإنما معنى ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من أتباعهم كذبوهم وعلى هذا أكثر المفسرين) وقيل إن ضمير (ظنوا) عائد على الأتباع والأمم لا على الأنبياء والرسل، وهو قول ابن عباس والنخعي وابن جبير وجماعة من العلماء وبهذا المعنى قرأ مجاهد كذبوا بالفتح فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يلق بمنصب العلماء فكيف بالأنبياء ؟ وكذلك ما ورد في حديث السيرة ومبدإ الوحى من قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة (لقد خشيت على نفسي) ليس معناه الشك فيما آتاه الله بعد رؤية الملك ولكن لعله خشى أن لا تحتمل قوته مقاومة الملك وأعباء الوحى فينخلع قلبه أو تزهق نفسه، هذا على ما ورد في الصحيح أنه قاله بعد لقائه الملك أو يكون ذلك قبل لقائه وإعلام الله تعالى له بالنبوة لأول ما عرضت عليه من العجائب وسلم عليه الحجر والشجر وبدأته المنامات والتباشير كما روى في بعض طرق هذا الحديث أن ذلك كان أولا في المنام ثم أرى في اليقظة مثل ذلك تأنيسا له عليه السلام لئلا يفجأه الأمر مشاهدة ومشافهة فلا يحتمل لأول حالة بنية البشرية وفى الصحيح

[ 102 ]

عن عائشة رضى الله عنها: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة، قالت ثم حبب إليه الخلاء، وقالت إلى أن جاءه الحق وهو في غار حراء (الحديث) وعن ابن عباس: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا وثمان سنين يوحى إليه، وقد روى ابن إسحاق عن بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وذكر جواره بغار حراء، قال (فجاءني وأنا نائم فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ ؟) وذكر نحو حديث عائشة في غطه له وإقرائه له (اقرأ باسم ربك) السورة قال: (فانصرف عنى وهببت من نومى كأنما صورت في قلبى ولم يكن أبغض إلى من شاعر أو مجنون، قلت لا تحدث عنى قريش بهذا أبدا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي سنة فلأقتلنها: فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعت مناديا ينادى من السماء يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فرفعت رأسي فإذا جبريل على صورة رجل - وذكر الحديث) فقد بين في هذا أن قوله لما قال وقصده لما قصد إنما كان قبل لقاء جبريل عليهما السلام وقيل إعلام الله تعالى له


(قوله بمكة خمس عشرة سنة) هذا يتأنى على القول المرجوح وهو أنه عليه السلام عاش خمسا وستين سنة والصحيح أنه عاش ثلاثا وستين سنة، أقام منها بعد النبوة بمكة ثلاثة عشر سنة على الصحيح وفى المدينة عشرا بلا خلاف (قوله جواره) بكسر الجيم وضمها أي ملازمته واعتكافه (قوله وهببت من نومى) انتهيت (قوله لا تحدث) بفتح المثناة الفوقية وأصله تتحدث فحذف منه إحدى التاءين (قوله لأعمدن) بكسر الميم أي لأقصدن (قوله إلى حالق) بالحاء المهملة واللام المكسورة والقاف، قال الهروي: أي جعل عال (*)

[ 103 ]

بالنبوة وإظهاره واصطفائه له بالرسالة ومثله حديث عمرو بن شرحبيل أنه صلى الله عليه وسلم قال لخديجة (إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد خشيت والله أن يكون هذا لأمر) ومن رواية حماد بن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: إنى لأسمع صوتا وأرى ضوءا وأخشى أن يكون بى جنون وعلى هذا يتأول لو صح قوله في بعض هذه الأحاديث إن الأبعد شاعر أو مجنون وألفاظا يفهم منها معاني الشك في تصحيح ما رآه وأنه كان كله في ابتداء أمره وقبل لقاء الملك له وإعلام الله له أنه رسوله فكيف وبعض هذه الألفاظ لا تصح طرقها، وأما بعد إعلام الله تعالى له ولقائه الملك فلا يصح فيه ريب ولا يجوز عليه شك فيما ألقى إليه وقد روى ابن إسحاق عن شيوخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقى بمكة من العين قبل أن ينزل عليه فلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما كان يصيبه فقالت له خديجة أوجه إليك من يرقيك قال أما الآن فلا، وحديث خديجة واختبارها أمر جبريل بكشف رأسها (الحديث) إنما ذلك في حق خديجة لتحقق صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الذى يأتيه ملك ويزول الشك عنها لأنها فعلت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم وليختبر هو حاله بذلك بل قد ورد في حديث عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام عن أبيه عن عائشة أن ورقة أمر خديجة أن تخبر الأمر بذلك، وفى حديث إسماعيل ابن أبى حكيم أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن عم هل


(قوله عمرو بن شرحبيل) هو أبو ميسرة الهمداني (*)

[ 104 ]

تستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك ؟ قال نعم فلما جاء جبريل أخبرها فقالت له اجلس إلى شقى، وذكر الحديث إلى آخره وفيه فقالت ما هذا بشيطان هذا الملك يا ابن عم فاثبت وأبشر، وآمنت به، فهذا يدل على أنها مستثبتة بما فعلته لنفسها ومستظهرة لإيمانها لا للنبى صلى الله عليه وسلم وقول معمر في فترة الوحى فحزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغناه حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من شواهق الجبال: لا يقدح في هذا الأصل، لقول معمر عنه فيما بلغنا ولم يسده ولا ذكر رواته ولا من حدث به ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ولا يعرف مثل هذا إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه قد يحمل على أنه كان أول الأمر كما ذكرناه أو أنه فعل ذلك لما أخرجه من تكذيب من بلغه كما قال تعالى. (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) ويصحح معنى هذا التأويل حديث رواه شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله أن المشركين لما اجتمعوا بدار الندوة للتشاور في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وأتفق رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر اشتد ذلك عليه وتزمل في ثيابه وتدثر فيها فأتاه جبريل فقال: (يا أيها المزمل، يا أيها المدثر) أو خاف


(قوله محمد بن عقيل) بفتح العين المهملة ابن على بن أبى طالب (قوله بدار الندوة) بفتح النون وإسكان الدال المهملة وهى دار بناها قصى بن كلاب وجعل بابها إلى الكعبة ليجتمع فيها العرب للمشاورة وللختان وللنكاح وإذا قدمت غير نزلت وإذا ارتحلت منا وسميت بدار الندوة من الندى - بتشديد الياء - وهو المجتمع، وهى الآن من الحرم (*)

[ 105 ]

أن الفترة لأمر أو سبب منه فخشى أن تكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به، ونحو هذا فرار يونس عليه السلام خشية تكذيب قومه له لما وعدهم به من العذاب وقول الله في يونس (فظن أن لن نقدر عليه) معناه أن لن نضيق عليه، قال مكى طمع في رحمة الله وأن لا يضيق عليه ملكه في خروجه وقيل حسن ظنه بمولاه أنه لا يقصى عليه العقوبة وقيل نقدر عليه ما أصابه، وقد قرئ نقدر عليه بالتشديد وقيل نواحذه بغضبه وذهابه، وقال ابن زيد معناه أفظن أن لن نقدر عليه ؟ على الاستفهام ولا يليق أن يظن بنبى أن يجهل صفة من صفات ربه، وكذلك قوله (إذ ذهب مغاضبا الصحيح مغاضبا لقومه لكفرهم وهو قول ابن عباس والضحاك وغيرهما لا لربه عز وجل إذ مغاضبة الله معاداة له ومعاداة الله كفر لا لميق بالمؤمنين فكيف بالأنبياء ؟ وقيل مستحيبا من قومه أن يسموه بالكذب أو يقتلوه كما ورد في الخبر وقيل مغاضبا لبعض الملوك فيما أمره به من التوجه إلى أمر أمره الله به على لسان نبى آخر فقال له يونس غيرى أقوى عليه منى فعزم عليه فخرج لذلك مغاضبا، وقد روى عن ابن عباس أن إرسال يونس ونبوته إنما كان بعد أن نبذه الحوت واستدل من الآية بقوله (فنبذناه بالعراء. هو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف) ويستدل أيضا بقوله (ولا تكن كصاحب الحوت) وذكر القصة ثم قال (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) فتكون هذه القصة إذا


(قوله وقال ابن زيد) كذا في أكثر النسخ وفى تفسير البغوي، والظاهر أنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وفى بعض النسخ أبو يزيد (*)

[ 106 ]

قبل نبوته فإن قيل فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم (إنه ليغان على قلبى فأستغفر الله كل يوم مائة مرة) وفى طريق (في اليوم أكثر من سبعين مرة) فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في قلبه عليه السلام بل أصل الغين في هذا ما يتغشى القلب ويغطيه، قاله أبو عبيد وأصله من غين السماء وهو إطباق الغيم عليها، وقال غيره والغين شئ يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية كالغيم الرقيق الذى يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس وكذلك لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة أو أكثر من سبعين في اليوم إذ ليس يقتضيه لفظه الذى ذكرناه وهو أكثر الروايات وإنما هذا عدد للاستغفار لا للغين فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان صلى الله عليه وسلم دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ومعناة الأهل ومقاومة الولى والعدو ومصلحة النفس وكلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة وهو في كل هذا في طاعة ربه وعبادة خالقه ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة وأتمهم به معرفة وكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همه وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه ومقامه هنا لك أرفع حاليه رأى صلى الله عليه وسلم حال فترته عنها وشغله بسواها غضا من على حاله وخفضا من رفيع مقامه فاستغفر الله من ذلك، هذا أولى وجوه الحديث وأشهرها وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من الناس وحام حوله فقارب ولم يرد وقد قربنا غامض معناه وكشفنا للمستفيد محياه وهو مبنى على جواز الفترات والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ على ما سيأتي

[ 107 ]

وذهبت طائفة من أرباب القلوب ومشيخة المتصوفة ممن قال بتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا جملة وأجله أن يجوز عليه في حال سهو أو فترة إلى أن معنى الحديث ما يهم خاطره ويغم فكره من أمر أمته صلى الله عليه وسلم لاهتمامه بهم وكثرة شفقته عليهم فيستغفر لهم، قالوا وقد يكون الغين هنا على قلبه السكينة تتغشاه لقوله تعالى (فأنزل الله سكينته عليه) ويكون استغفاره صلى الله عليه وسلم عندها إظهارا للعبودية والافتقار، قال ابن عطاء استغفاره وفعله هذا تعريف للأمة يحملهم على الاستغفار، قال غيره ويستشعرون الحذر ولا يركنون إلى الأمن، وقد يحتمل أن تكون هذه الإعانة حالة حشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرا لله وملازمة لعبوديته كما قال في ملازمة العبادة (أفلا أكون عبدا شكورا ؟) وعلى هذه الوجوه الأخيرة يحمل ما روى في بعض طرق هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبى في اليوم أكثر من سبعين مرة فأستغفر الله فإن قلت فما معنى قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) وقوله لنوح عليه السلام (فلا تسألني ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين) ؟ فاعلم أنه لا يلتفت في ذلك إلى قول من قال في آية نبينا صلى الله عليه وسلم لا تكونن من يجهل أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى وفى آية نوح لا تكونن ممن يجهل أن وعد الله حق لقوله وإن وعدك الحق إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله وذلك لا يجوز على الأنبياء والمقصود وعظهم أن لا يتشبهوا في أمورهم


(قوله بهم) بمثناة تحتية وكسر الهاء، يقال أهمنى الأمر: أفلقني (*)

[ 108 ]

بسمات الجاهلين كما قال إنى أعظك وليس في آية منها دليل على كونهم على تلك الصفة التى نهاهم عن الكون عليها فكيف وآية نوح قبلها (فلا تسألني ما ليس لك به علم) فحمل ما بعدها على ما قبلها أولى لأن مثل هذا قد يحتاج إلى إذن وقد تجوز إباحة السؤال فيه ابتداء فنهاه الله أن يسأله عما طوى عنه علمه وأكنه من غيبه من السبب الموجب لهلاك ابنه ثم أكل الله تعالى نعمته عليه بإعلامه ذلك بقوله (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) حكى معناه مكى كذلك أمر نبينا في الآية الأخرى بالتزام الصبر على إعراض قومه ولا يحرج عند ذلك فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر، حكاه أبو بكر بن فورك وقيل معنى الخطاب لأمة محمد أي فلا تكونوا من الجالين، حكاه أبو محمد مكى، وقال مثله في القرآن كثير، فبهذا الفضل وجب القول بعصمة الأنبياء منه بعد النبوة قطعا فإن قلت فإذ قررت عصمتهم من هذا وأنه لا يجوز عليهم شئ من ذلك فما معنى إذا وعيد الله لنبينا صلى الله عليه وسلم على ذلك إن فعله وتحذيره منه كقوله (لئن أشركت ليحبطن عملك) الآية وقوله تعالى (ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك) الآية وقوله تعالى (إذا لأذقناك ضعف الحياة) الآية وقوله (لأخذنا منه باليمين) وقوله (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) وقوله (وأن يشإ الله يختم على قلبك) وقوله (فإن لم تفعل فما بلغت رسالته) وقوله (اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) فاعلم وفقنا الله وإياك أنه صلى الله عليه وسلم لا يصح ولا يجوز عليه أن لا يبلغ ولا يخالف أمر ربه ولا أن يشرك به ولا يتقول على الله ما لا يحب أو يفترى عليه أو يضل أو يختم

[ 109 ]

على ؟ ؟ ؟ أو يطيع الكافرين لكن يسر أمره بالمكاشفة والبيان في البلاغ للمخالفين وأن إبلاغه إن لم يكن بهذه السبيل فكأنه ما بلغ وطيب نفسه وقوى قلبه بقوله (والله يعصمك من الناس) كما قال لموسى وهارون (لا تخافا) لتشد بصائرهم في الإبلاغ وإظهار دين الله ويذهب عنهم خوف العدو المضعف للنفس * وأما قوله تعالى (ولو نقول علينا بعض الأقاويل) الآية وقوله (إذا ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ضعف الحياة) فمعناه أن هذا جزاء من فعل هذا وجزاؤك لو كنت ممن يفعله وهو لا يفعله وكذلك قوله (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) فالمراد غيره كما قال (إن تطيعوا الذين كفروا) الآية وقوله (فإن يشإ الله يخسم على قلبك): (ولئن أشركت ليحبطن عملك) وما أشبهه فالمراد غيره وأن هذه حال من أشرك والنبى صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه هذا وقوله (اتق الله ولا تطع الكافرين) فليس فيه أنه أطاعهم والله ينهاء عما يشاء ويأمره بما يشاء كما قال (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) الآية: وما كان طردهم صلى الله عليه وسلم ولا كان من الظالمين فصل وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف * والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شئ من ذلك وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ونشأتهم على التوحيد والإيمان بل على إشراق أنوار المعارف نفحات ألطاف السعادة كما نبهنا عليه في الباب الثاني من القسم الأول من كتابنا هذا ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحد النبي

[ 110 ]

واصطفى ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك ومستند هذا الباب النقل وقد استدل بعضهم بان القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله وأنا أقول إن قريشا قد رمت نبينا بكل ما افترته، وغير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته مما نص الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة ولم نجد في شئ من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين وبتلونه في معبوده محتجين ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل ففى إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة وقالوا ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها كما حكاه الله عنهم وقد استدل القاضى القشيرى على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك) الآية وبقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) إلى قوله: (لتؤمنن به ولتنصرنه) قال وطهره الله في الميثاق وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب، بهذا ما لا يجوزه إلا ملحد، هذا معنى كلامه، وكيف يكون ذلك وقد أتاه جبريل عليه السلام وشق قلبه صغيرا واستخرج منه علقة وقال هذا حظ


(قوله وقد استدل القاضى القشيرى) هو الإمام أبو نصر عبد الرحيم ابن الأستاذ أبى القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيرى النيسابوري انتفع على والده وعلى إمام الحرمين وتوفى سنة أربع وخمسمائة بنيسابور نقل الرافعى عنه في البدل (*)

[ 111 ]

الشيطان منك ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا كما تظاهرت به أخبار المبدإ ولا يشبه عليك بقول إبراهيم في الكوكب والقمر والشمس هذا ربى فإنه قد قيل كان هذا في سن الطفولية وابتداء النظر والاستدلال وقبل لزوم التكليف وذهب معظم الحذاق من العلماء والمفسرين إلى أنه إنما قال ذلك مبكتا لقومه ومستدلا عليهم وقيل معناه الاستفهام الوارد مورد الإنكار، والمراد فهذا ربى، قال الزجاج قوله (هذا ربى) أي على قولكم كما قال أين شركائي ؟ أي عندكم، ويدل على أنه لم يعبد شيئا من ذلك ولا أشرك قط بالله طرفة عين: قول الله عز وجل عنه (إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون) ثم قال: (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ؟ فإنهم عدو لى إلا رب العالمين) وقال: (إذ جاء ربه بقلب سليم) أي من الشرك، وقوله: (واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام) فإن قلت فما معنى قوله: (لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين) قيل إنه إن لم يؤيدني بمعونته أكن مثلكم في ضلالتكم وعبادتكم على معنى الإشفاق والحذر وإلا فهو معصوم في الأزل من الضلال فإن قلت فما معنى قوله: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) ثم قال بعد عن الرسل (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها) فلا يشكل عليك لفظة العود وأنها تقتضي أنهم إنما يعودون إلى ما كانوا فيه من ملتهم فقد تأتى هذه اللفظة في كلام العرب لغير ما ليس


(قوله مبكتا) أي معتفا (*)

[ 112 ]

له ابتداء بمعنى الصيرورة كما جاء في حديث الجهنميين عادوا حمما ولم يكونوا قبل كذلك، ومثل قول الشاعر: - تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وما كان قبل كذلك، فإن قلت فما معنى قوله: (وجدك ضالا فهدى) فليس هو من الضلال الذى هو الكفر ؟ قيل ضالا عن النبوة فهداك إليها، قاله الطبري، وقيل وجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك وهداك بالأيمان وإلى إرشادهم ونحوه عن السدى وغير واحد، وقيل ضالا عن شريعتك أي لا تعرفها فهداك إليها، والضلال ههنا التحير ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه ويتشرع به حتى هداه الله إلى الإسلام قال معناه المشيرى وقيل لا تعرف الحق فهداك إليه، وهذا مثل قوله تعالى:) وعلمك ما لم تكن تعلم) قاله على بن عيسى، قال ابن عباس لم تكن له ضلالة معصية وقيل هدى: أي بين أمرك بالبراهين وقيل: (وجدك ضالا) بين مكة والمدينة فهدك إلى المدينة وقيل المعنى وجدك فهدى بك ضالا * وعن جعفر ابن محمد (ووجدك ضالا) عن محبتى لك في الأزل أي لا تعرفها فمننت عليك بمعرفتي، وقرأ الحسن بن على (ووجدك ضال فهدى) أي اهتدى بك، وقال ابن عطاء: (ووجدك ضالا) أي: محبا لمعرفتي والضال المحب كما قال: (انك لفى ضلالك القديم) أي محبتك القديمة


(قوله حمما) بضم الحاء المهملة أي فحما جمع حممة (قوله ومثله قول الشاعر) هو أمية بن أبى الصلت، قاله من جملة أبيات، وأوله. تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا (*)

[ 113 ]

ولم يريدوا ههنا في الدين إذ لو قالوا ذلك في نبى الله لكفروا ومثله عند هذا قوله إنا لنراها في ضلال مبين أي محبة بينة، وقال الجنيد ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل إليك فهداك لبيانه لقوله (وأنزلناه إليك الذكر) الآية، وقيل ووجدك لم يعرفك أحد بالنبوة حتى أظهرك فهدى بك السعداء ولا أعلم أحدا قال من المفسرين فيها ضالا عن الإيمان، وكذلك في قصة موسى عليه السلام قوله: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) أي من المخطئين الفاعلين شيئا بغير قصد. قاله ابن عرفة، وقال الأزهري: معناه من الناسين وقد قيل ذلك في قوله (ووجدك ضالا فهدى) أي ناسيا كما قال تعالى: (أن تضل إحداهما) فإن قلت فما معنى قوله: (ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الأيمان) فالجواب: أن السمرقندى قال: معناه ما كنت تدرى قبل الوحى أن تقرأ القرآن ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان، وقال بكر القاضى نحوه، قال ولا الأيمان الذى هو الفرائض والأحكام، قال: فكان قيل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التى لم يكن يدريها قبل


(قوله وقال الجنيد) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الحراز القواريرى الزاهد أصله من نهاوند ومنشؤه ومولده بالعراق، شيخ الطريقة وسيد الطائفة تفقه على أبى ثور وكان يفتى بحلقته وله من العمر عشرون سنة، كذا في الطبقات للسبكي، واختص بصحبة السرى السقطى والحارث بن أسد المحاسبى وأبى حمزة البغدادي كان يقول ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات وكان يقول طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به، توفى سنة سبع وتسعين ومائتين بالشونيزية عند خاله السرى (قوله قاله ابن عرفة) هو العبدى المؤدب، يروى عن ابن المبارك (8 - 2) (*)

[ 114 ]

فزاد بالتكليف إيمانا وهو أحسن وجوهه قلت فما معنى قوله: (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) فاعلم أنه ليس بمعنى قوله: (والذين هم عن آياتنا غافلون) بل حكى أبو عبد الله الهروي أن معناه لمن الغافلين عن قصة يسف إذ لم تعلمها إلا بوحينا وكذلك الحديث الذى يرويه عثمان بن أبى شيبة بسنده عن جابر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد من المشركين مشاهدهم فسمع ملكين حلفه أحدهما يقول لصاحبه اذهب حتى تقوم خلفه فقال الآخر كيف أقوم خلفه وعهده بالستلاء الأصنام ؟ فلم يشهدهم بعد، فهذا حديث أنكره أحمد بن حنبل جدا وقال هو موضوع أو شبيه بالموضوع، وقال الدارقطني يقال إن عثمان وهم في إسناده، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه، والمعروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله (بغضت إلى الأصنام) وقوله في الحديث الآخر الذى روته أم أيمن حين كلمه عمه وآله في حضور بعض أعيادهم وعزموا عليه بعد كراهته لذلك فخرج معهم ورجع مرعوبا فقال (كلما دنوت منها من صنم تمثل لى شخص أبيض طويل يصيح بى وراءك لا تمسه) فما شهد بعد لهم عيدا، وقوله في قصة بحيرا حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات والعزى إذ لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبى طالب وهو صبى ورأى فيه سلامات النبوة فاختبره بذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (لا تسألني بهما فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما) فقال له بحيرا فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال (سل عما بدا لك) وكذلك المعروف من سيرته صلى الله عليه وسلم وتوفيق الله له أنه كان

[ 115 ]

قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج فكان يقف هو بعرفة لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام. فصل قال القاضى أبو الفضل وفقه الله قد بان بما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان والوحى وعصمتهم في ذلك على ما بيناه، فأما ما عدا هذا الباب من عقود قلوبهم فجماعها أنها مملوءة علما ويقينا على الجملة، وأنها قد احتوت من المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا ما لا شئ فوقه ومن طالع الأحبار واعتنى بالحديث وتأمل ما قلناه وجده وقد قدمنا منه في حق نبينا صلى الله عليه وسلم في الباب الرابع أول قسم من هذا الكتاب ما ينبه على ما وراءه إلا أن أحوالهم في هذه المعارف تختلف، فأما ما تعلق منها بأمر الدنيا فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه ولا وصم عليهم فيه إذ هممهم متعلقة بالآخرة وأنبائها وأمر الشريعة وقوانينها، وأمور الدنيا تضادها بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون كما سنبين هذا في الباب الثاني إن شاء الله ولكنه لا يقال إنهم لا يعلمون شيئا من أمر الدنيا فإن ذلك يؤدى إلى الغفلة والبله وهم المنزهون عنه بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا وقلدوا سياستهم وهدايتهم والنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وهذا لا يكون مع عدم العلم بأمور الدنيا بالكلية، وأحوال الأنبياء وسيرهم في هذا الباب معلومة ومعرفتهم بذلك كله مشهورة وأما إن كان هذا

[ 116 ]

العقد مما يتعلق بالدين فلا يصح من النبي صلى الله عليه وسلم إلا العلم به ولا يجوز عليه جهله جملة لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحى من الله فهو ما لا يصح الشك منه فيه على ما قدمناه فكيف الجهل ؟ بل حصل له العلم اليقين أو يكون فعل ذلك باجتهاده فيما لم ينزل عليه فيه شئ على القول بتجويز وقوع الاجتهاد منه في ذلك على قول المحققين وعلى مقتضى حديث أم سلمة إنى إنما أقضى بينكم برأى فيما لم ينزل على فيه شئ خرجه الثقات، وكقصة أسرى بدر والإذن للمتخلفين على رأى بعضهم فلا يكون أيضا ما يعتقده مما يثمره اجتهاده إلا حقا وصحيحا، هذا هو الحق الذى لا يلتفت إلى خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطأ في الاجتهاد لا على القول بتصويب المجتدين الذى هو الحق والصواب عندنا ولا على القول الآخر بأن الحق في طرف واحد لعصمة نبى صلى الله عليه وسلم من الخطإ في الاجتهاد في الشرعيات ولأن القول في تخطئة المجتهدين إنما هو بعد استقرار الشرع ونظر النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده إنما هو فيما لم ينزل عليه فيه شئ ولم يشرع له قبل، هذا فيما عقد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قلبه فأما ما لم يعقد عليه قلبه من أمر النوازل الشرعية فقد كان لا يعلم منها أولا إلا ما علمه الله شيئا شيئا حتى استقر علم جملتها عنده إما بوحى من الله أو إذن أن يشرع في ذلك ويحكم بما أراه الله وقد كان ينتظر الوحى في كثير منها ولكنه لم يمت حتى استفرغ علم جميعها عنده صلى الله عليه وسلم وتقررت معارفها لديه على التحقيق ورفع الشك والريب وانتفاء الجهل وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشئ من تفاصيل الشرع الذى أمر بالدعوة إليه إذ

[ 117 ]

لا تصح دعوته إلى ما لا يعلمه وأما ما تعلق بعقده من ملكوت السموات والأرض وخلق الله وتعيين أسمائه الحسنى وآياته الكبرى وأمور الآخرة وأشراط الساعة وأحوال السعداء والأشقياء وعلم ما كان وما يكون مما لم يعلمه إلا بوحى فعلى ما تقدم من أنه معصوم فيه لا يأخذه فيما أعلم منه شك ولا ريب بل هو فيه على غاية اليقين لكنه لا يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك وإن كان عنده من علم ذلك ما ليس عند جميع البشر لقوله صلى الله عليه وسلم (إنى لا أعلم إلا ما علمني ربى) ولقوله ولا خطر على قلب بشر (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين) وقول موسى للخضر (هل أتبعك لى أن تعلمن مما علمت رشدا) وقوله صلى الله عليه وسلم (أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم) وقوله (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو لتأثرت به في علم الغيب عندك) وقد قال الله تعالى (وفوق كل ذى علم عليم) قال زيد بن أسلم وغيره حتى ينتهى العلم إلى الله وهذا ما لا خفاء به إذ معلوماته تعالى لا يحاط بها ولا منتهى لها، هذا حكم عقد النبي صلى الله عليه وسلم في التوحيد والشرع والمعارف والأمور الدينية فصل واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوساوس وقد أخبرنا القاضى الحافظ أبو على رحمه الله قال حدثنا أبو الفضل بن خيرون العدل حدثنا أبو بكر البرقانى وغيره حدثنا أبو الحسن

[ 118 ]

الدارقطني حدثنا إسماعيل الصفار حدثنا عباس الترقفى حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبى الجعد عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة) قالوا وإياك يا رسول الله ؟ قال (وإياى ولكن الله تعالى أعاني عليه فأسلم) * زاد غيره عن منصور (فلا يأمرنى إلا بخير) وعن عائشة بمعناه روى فأسلم بضم الميم أي فأسلم أنا منه وصحح بعضهم هذه الرواية ورجحها، وروى فأسلم يعنى القرين أنه انتقل عن حال كفره إلى الإسلام فصار لا يأمر إلا بخير كالملك، وهو ظاهر الحديث، ورواه بعضهم فاستسلم قال القاضى أبو الفضل وفقه الله فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بنى آدم فكيف بمن بعد منه ولم يلزم صحبته ولا أقدر على الدنو منه ؟ وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير موطن رغبة في إطماء نوره وإماتة نفسه وإدخال شغل عليه إذ يئسوا من إغوائه فانقلبوا خاسرين كتعرضه له في صلاته فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وأسره * ففى الصحاح قال أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم (إن الشيطان عرض لى - قال عبد الرزاق في صورة ؟ ؟ ؟ - فشد على يقطع على الصلاة فأمكنني الله


(قوله عباس الترقفى) عباس بالموحدة والسين المهملة، الترقفى بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وضم القاف وكسر الفاء وياء النسبة (قوله فشد على فدعته) شد جمل ودعته بالعين المهملة قال ابن الأثير: الدعت بالدال والذال الدفع العنيف، والذعت أيضا المعك في التراب قال النووي وأنكر الخطابى المهملة وقال لا يصح، وصححها غيره وصوبها وإن كانت المعجمة أوضح وأشهر، وقال ابن قرقول وعند ابن الحذاء في حديث ابن أبى شيبة فذغته بذال وغين معجمتين (*)

[ 119 ]

منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه فذكرت قول أخى سليمان (رب اغفر لى وهب لى ملكا) الآية، فرده الله خاسئا) * وفى حديث أبى الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم (إن عدو الله إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهى، والنبى صلى الله عليه وسلم في الصلاة وذكر تعوذه بالله منه ولعنه له ثم أردت آخذه)، وذكر نحوه وقال (لأصبح موثقا يتلاعب به ولدان أهل المدينة) وكذلك في حديثه في الإسراء (وطلب عفريت له بشعلة نار فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه) ذكره في الموطإ، ولما لم يقدر على أداه بمباشرته تسبب بالتوسط إلى عداه كقضيته مع قريش في الائتمار بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وتصوره في صورة الشيخ النجدي ومرة أخرى في غزوة يوم بدر في صورة سراقة بن مالك وهو قوله (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) الآية، ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العفية، وكل هذا فقد كفاه الله أمره وعصمه ضره وشره وقد قال صلى الله عليه وسلم (إن عيسى عليه السلام كفى من لمسه فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد فطعن في الحجاب) وقال صلى الله عليه وسلم حين لد في مرضه وقيل له خشينا أن يكون بك


(قوله فذكرت قول أخى سليمان) قال المصنف في شرح مسلم معناه أنه مختص بهذا فامتنع صلى الله عليه وسلم من ربطه إلا لأنه لم يقدر عليه لذلك وما لأنه لما تذكر ذلك لما يتعاط ذلك لظنه أنه يقدر عليه أو تواضعا أو تأديا انتهى (قوله أبى الدرداء) اسمه عويمر بن عامر (قوله لشهاب) أي شعلة (قوله الشيخ النجدي) إنما انتسب اللعين إلى نجد لأنهم قالوا عند تعاقدهم لا تدخلوا منكم أحدا من أهل تهامة إن هواهم مع محمد (قوله في الحجاب) أي الغشاة الذى يكون الجنين في داخله وهو للشيمة، وقيل حجاب بين الشيطان وبين مريم (*)

[ 120 ]

ذات الجنب فقال (إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه على) فإن قيل فما معنى قوله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) الآية ؟ فقد قال بعض المفسرين إنها راجعة إلى قوله (وأعرض عن الجاهلين) ثم قال وإما ينزغنك أي يستخفنك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ بالله، وقيل النزع هنا الفساد كما قال (من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى) وقيل ينرغنك يغرينك ويخركنك، والنزع أدنى الوسوسة فأمره الله تعالى أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ منه فيكفى أمره ويكون سبب نمام عصمته إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له ولم يجعل له قدرة عليه وقد قيل في هذه الآية غير هذا وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويلبس عليه لا في أول الرسالة ولا بعدها والاعتماد في ذلك دليل المعجزة بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه الله له أو ببرهان يظهره لديه لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته. فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (وما أرسلنا منى قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) الآية ؟ فاعلم أن للناس في معنى هذه الآية أقاويل منها السهل والوعث * (هامش) (قوله ذات الجنب) هي قرحة تصيب الإنسان في داخل جنبه (قوله ويلبس) بكسر الموحدة أي يخلط (قوله والوعث) بفتح الواو وسكون العين المهملة بعدها مثلثة: في الصحاح الوعث المكان السهل الكبير الدهش تغيب فيه الأقدام ويسبق على من يمشى فيه والدهش المكان السهل لا يبلغ أن يكون رملا وليس ترابا ولا طينا (*)

[ 121 ]

والسمين والغث، وأولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين أن التمنى ههنا التلاوة وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا لليالي حتى يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله الله وينسخه ويكشف لبسه ويحكم آياته وسيأتى الكلام على هذه الآية بعد بأشبع من هذا إن شاء الله، وقد حكى السمرقندى إنكار قول من قال بتسلط الشيطان على ملك سليمان وغلبته عليه وأن مثل هذا لا يصح وقد ذكرنا قصة سليمان مبينة بعد هذا ومن قال إن الجسد هو الولد الذى ولد له، وقال أبو محمد مكى في قصة أيوب وقوله: (أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب) إنه لا يجوز لأحد أن ينازل أن الشيطان هو الذى أمرضه وألقى الضر في بدنه ولا يكون ذلك إلا بفعل الله وأمره ليبتليهم ويثيبهم. قال مكى: وقيل إن الذى أصابه الشيطان ما وسوس به إلى أهله فإن قلت: فما معنى قوله تعالى عن يوشع: - وما أنسانيه إلا الشيطان) وقوله عن يوسف: (فأنساه الشيطان ذكر ربه) وقول نبينا صلى الله عليه وسلم حين نام عن الصلاة يوم الوادي: (إن هذا واد به شيطان) وقول موسى عليه السلام في وكزته: (هذا من عمل الشيطان) فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في جميع خذا على مورد مستمر كلام العرب في وصفهم كل قبح من شخص أو فعل بالشيطان أو فعله كما قال تعالى: (طلعها كأنه رؤس الشياطين) وقال صلى الله عليه وسلم: (فليقاتله فإنما هو شيطان)، وأيضا فإن قول يوشع لا يلزمنا الجواب


(قوله ويثبتهم) من التثبيت وفى نسخة ويثيبهم من الثواب (*)

[ 122 ]

عنه، إذ لم يثبت له في ذلك الوقت نبوة مع موسى، قال الله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه) والمروى أنه إنما نبى بعد موت موسى وقيل: قبيل موته، وقول موسى كان قبل نبوته بدليل القرآن وقصة يوسف قد ذكر أنها كانت قبل نبوته، وقد قال المفسرون في قوله: (أنساه الشيطان) قولين: أحدهما: أن الذى أنساه الشيطان ذكر ربه أحد صاحبي السجن وربه الملك: أي أنساه أن يذكر للملك شأن يوسف عليه السلام، وأيضا فإن مثل هذا من فعل الشيطان ليس فيه تسلط على يوسف ويوشع بوساوس ونزغ وإنما هو بشغل خواطر هما بأمور أخر وتذكيرهما من أمورهما ما ينسيهما ما نسيا، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا واد به شيطان) فليس فيه ذكر تسلطه عليه ولا وسوسته له بل إن كان بمقتضى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان بقوله: (إن شيطان أتى بلالا فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبى حتى نام) فأعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر، هذا إن جعلنا قوله: (إن هذا واد به شيطان) تنبيها على سبب النوم عن الصلاة، وأما إن جعلناه تنبيها على سبب الرحيل عن الوادي وعلة لترك الصلاة به وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم فلا اعتراض به في هذا الباب لبيانه وإرتفاع إشكاله.


(وقوله يهدئه) بسكون الهاء وكسر الدال المخففة بعدها همزة، في الصحاح أهدأت الصبى إذا جعلت تضرب عليه بكفك وتسكنه لينام (قوله بكلاءة) أي بحراسة (*)

[ 123 ]

فصل وأما أقواله صلى الله عليه وسلم فقد قامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شئ منها بخلاف ما هو به لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا أما تعمد الخنف في ذلك فمنتف بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله صدق فيما قال اتفاقا، وبإطباق أهل الملة إجماعا وأما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبى اسحاق الإسفرائنى ومن قال بقوله ومن جهة الإجماع فقط وورود الشرع بانتفاء ذلك وعصمة النبي لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضى أبى بكر الباقلانى ومن وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة لا نطول بذكره فنخرج عن غرض الكتاب فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين أنه لا يجوز عليه خلف في القول إبلاغ الشريعة والإعلام بما أخبر به عن ربه وما أوحاه إليه من وحيه لا على وجه العمد ولا على غير عمد ولا في حالى الرضى والسخط والصحة والمرض، وفى حديث عبد الله ابن عمرو قلت يا رسول الله أأكتب كل ما أسمع منك ؟ قال (نعم) قلت في الرضى والغضب ؟ قال نعم فإنى لا أقول في ذلك كله إلا حقا) ولنزد ما أشرنا إليه من دليل المعجزة عليه بيانا: فنقول إذا قامت المعجزة على صدقه وأنه لا يقول إلا حقا ولا يبلغ عن الله إلا صدقا وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له صدقت فيما تذكره عنى وهو يقول إنى رسول الله إليكم لا بلغكم ما أرسلت به إليكم وأبين لكم ما نزل عليكم (وما ينطق

[ 124 ]

عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى) وقد جاءكم الرسول بالحق من ربكم، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فلا يصح أن يوجد منه في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أي وجه كان، فلو جوزنا عليه الغلط والسهو لما تميز لنا من غيره ولا اختلط الحق بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص فتبريه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا كما قاله أبو اسحاق فصل وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات منها ما روى من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة والنجم وقال (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) قال تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجي ويروى ترتضي، وفى رواية إن شفاعتها لترتجي، وإنها لمع الغرانيق العلى وفى أخرى والغرانقة العلى تلك الشفاعة ترتجى، فلما ختم السورة سجد وسجد معه المسلمون والكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم وما وقع في بعض الروايات أن الشيطان ألفاها على لسانه وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن لو نزل عليه شئ يقارب بينه وبين قومه * وفى رواية أخرى


(قوله بخلاف مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة (قوله الغرانيق) في الصحاح الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف بها الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون فيهما وغرنوق وغرانق وهو الشاب الناعم والجمع الغرانق بالفتح والغرانيق والغرانقة انتهى (*)

[ 125 ]

أن لا ينزل عليه شئ ينفرهم عنه وذكر هذه القصة وأن جبريل عليه السلام جاءه فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال له ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى تسلية له (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى) الآية وقوله (وإن كادوا ليفتنونك) الآية، فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين أحدهما في توهين أصله والثانى على تسليمه، أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم وصدق القاضى بكر بن العلاء المالكى حيث قال لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته فقائل يقول إنه في الصلاة، وآخر يقول قالها في نادى قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول بل حدث نفسه فيها، وآخر يقول إن الشيطان قالها على لسانه وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال والله ما هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى


(قوله المولعون) بضم الميم وفتح اللام (قوله لقد بلى الناس) بضم الموحدة وكسر اللام (قوله سنة) بكسر السين وفتح النون أي نعاس. (*)

[ 126 ]

صاحب وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فيما أحسب الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة وذكر القصة قال أبو بكر البزار هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله علبه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ولم يسنده عن شعبة الا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير وإنما يعرف عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذى لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبى فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار رحمه الله والذى منه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، هذا توهينه من طريق النقل، فأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذبلة أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر - أو سهوا وهو معصوم من هذا كله وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان


(قوله عن أبى بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة. (*)

[ 127 ]

الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان أو يكون للشيطان عليه سبيل أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه وقد قال الله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) الآية، وقال تعالى (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) الآية، ووجه ثان وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روى لكان بعيد الالتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح بالضم متخاذل التأليف والنظم ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ فصيح الكلام علمه، ووجه ثالث أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض


(قوله متخاذل) بالخاء والذال المعجمتين (قوله وصناديد) جمع صنديد بكسر الصاد المهملة وهو السيد الشجاع (قوله والشمات) بضم الشين المعجمة وتشديد الميم: جمع شامت (قوله الفينة بعد الفينة) بفاء مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة ونون ؟ ؟ ؟ ؟ بعد الحين (*)

[ 128 ]

الضعفاء ردة وكذلك ما روى في قصة القضية ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت فما روى عن معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلها واجتثاث أصلها ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلى المحدثين ليلبسن به على ضعفاء المسلمين. ووجه رابع ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت (وإن كادوا ليفتنونك) الآيتين، وهاتان الآيتان تردان الخبر الذى رووه لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفترى وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفترى وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يرون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم: (افتريت على الله وقلت ما لم يقل) وهذا ضد مفهوم الآية وهى تضعف الحديث لو صح فكيف ولا صحة له ؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ) وقد روى عن ابن عباس كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون قال الله تعالى (يكاد سنابرقه يذهب بالأبصار) ولم يذهب وأكاد أخفيها ولم يفعل، قال القشيرى القاضى ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل فما فعل ولا كان ليفعل، قال ابن الانباري ما قارب الرسول ولا ركن وقد ذكرت في معنى هذه الآية تفاسير

[ 129 ]

أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله ترد سفسافها فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار وراموا من فتنته ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم الآية، وأما المأخذ الثاني فهو مبنى على تسليم الحديث لو صح وقد أعاذنا الله من صحته ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين فمنها ما روى قتادة ومقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابته سنة عند قراءته هذه السورة فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم وهذا لا يصح إذ لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم مثله في حالة من أحواله ولا يخلقه الله على لسانه ولا يستولى الشيطان عليه في نوم ولا يقظة لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو وفى قول الكلبى أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث نفسه فقال ذلك الشيطان على لسانه، وفى رواية ابن شهاب عن أبى بكر بن عبد الرحمن قال وسها فلما أخبر بذلك قال إنما ذلك من الشيطان وكل هذه لا يصح أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لا سهوا ولا قصدا ولا يتقوله الشيطان على لسانه وقيل لعل النبي صلى الله عليه وسلم قاله أثناء تلاوته على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار كقول إبراهيم عليه السلام هذا ربى على أحد التأويلات وكقوله بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين ثم رجع إلى تلاوته وهذا يمكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد وأنه ليس من المتلو وهو أحد ما ذكره القاضى أبو بكر ولا يعترض على هذا بما روى أنه


(قوله سفسافها) بسينين مهملتين وفاءين: أي حقيرها ورذلها. (9 - 2) (*)

[ 130 ]

كان في الصلاة فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع والذى يظهر ويترجح في تأويله عنده وعند غيره من المحققين على تسليمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا ويفصل الآى تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات عنه فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلفه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفا فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها عرف منه وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا، وقال إن المسلمين لم يسمعوها وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم ويكون ما روى من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة وقد قال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلكم من رسول ولا نبى) الآية فمعنى تمنى: تلا، قال الله تعالى: (لا يعلمون الكتاب إلا أمانى) أي تلاوة وقوله (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) أي يذهبه ويزيل اللبس به ويحكم آياته، وقيل معنى الآية هو ما يقع للنبى صلى الله عليه وسلم من السهو إذا قرأ فينتبه لذلك ويرجع عنه وهذا نحو قول الكلبى في الآية أنه حدث نفسه وقال إذا تمنى أي حدث نفسه، وفى رواية أبى بكر بن عبد الرحمن نحوه وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني وتبديل الألفاظ


(قوله وقد حكى موسى بن عقبة) أي ابن أبى عباس وفى بعض النسخ محمد بن عقبة، وليس بصواب. (*)

[ 131 ]

وزيادة ما ليس من القرآن بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة ولكنه لا يقر على هذا السهو بل ينبه عليه ويذكر به للحين على ما سنذكره في حكم ما يجوز عليه من السهو وما لا يجوز ومما يظهر في تأويله أيضا أن مجاهدا روى هذه القصة والغرانقة العلى فإن سلمنا القصة قلنا لا يبعد أن هذا كان قرانا والمراد بالغرانقة العلى وأن شفاعتهن لتربحي الملائكة على هذه الرواية وبهذا فسر لكلى الغرانقة أنها الملائكة وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله كما حكى الله عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله (ألكم الذكر وله الأنثى) فأنكر الله كل هذا من قولهم ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم وليس عليهم الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم وألقاه إليهم نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للالباس كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته وكان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة وفى نسخة حكمة ليضل به من يشاء ويهدى من يشاء وما يضل به إلا الفاسقين و (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفى شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم) الآية - وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ ذكرت اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى خاف الكفار أن يأتي بشئ من ذمها فسبقوا إلى مدحها


(قوله ورفع تلاوة تلك اللفظين) الظاهر أن يقال تينك كما وقع في بعض النسخ وكذا قوله بتلك الكلمتين: الظاهر أن يقال بتينك (*)

[ 132 ]

بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم وبشنعوا عليه على عادتهم وقولهم (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) ونسب هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه وأشاعوا ذلك وأذاعوه وأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فحزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه فسلاه الله تعالى بقوله (وما أرسلنا من قبلك) الآية، وبين للناس الحق من ذلك من الباطل وحفظ القرآن وأحكم آياته ودفع ما لبس به العدو كما ضمنه تعالى من قوله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ومن ذلك ما روى من قصة يونس عليه السلام أنه وعد قومه العذاب عن ربه فلما تابوا كشف عنهم العذاب فقال لا أرجع إليهم كذابا أبدا فذهب مغاضبا. فاعلم أكرمك الله أن ليس في خبر من الأخبار الواردة في هذا الباب أن يونس عليه السلام قال لهم أن الله مهلكهم وإنما فيه أنه دعا عليهم بالهلاك، والدعاء ليس بخبر يطلب صدقة من كذبه، لكنه قال لهم إن العذاب مصبحكم وقت كذا وكذا فكان ذلك كما قال ثم رفع الله تعالى عنهم العذاب وتداركهم، قال الله تعالى (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى) الآية وروى في الأخبار أنهم رأوا دلائل الأعذاب ومخايله، قاله ابن مسعود، وقال سعيد بن جبير غشاهم العذاب كما يغشى الثوب القبر. فإن قلت فما معنى ما روى أن عبد الله بن أبى سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش فقال لهم إنى كنت أصرف محمدا حيث أريد كان يملى على عزيز حكيم


(قوله ابن أبى سرح) بسين مهملة وراء ساكنة وحاء مهملة (*)

[ 133 ]

فأقول أو عليم حكيم ؟ فيقول نعم كل صواب، وفى حديث آخر فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم (اكتب كذا) فيقول أكتب كذا: فيقول: (أكتب كيف شئت) ويقول اكتب عليما حكيما فيقول أكتب سميعا بصيرا ؟ فيقول له اكتب كيف شئت، وفى الصحيح عن أنس رضى الله عنه أن نصرانيا كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلم ثم ارتد وكان يقول ما يدرى محمد إلا ما كتبت له: اعلم ثبتنا الله وإياك على الحق ولا جعل للشيطان وتلبيسه الحق بالباطل إلينا سبيلا أن مثل هذه الحكاة أولا لا توقع في قلب مؤمن ريبا إذ هي حكاية عمن ارتد وكفر بالله ونحن لا نقبل خبر المسلم المتهم فكيف بكافر افترى هو ومثله على الله ورسوله ما هو أعظم من هذا ؟ والعجب لسليم العقل يشغل بمثل هذه الحكاية سره وقد صدرت من عدو كافر مبغض للدين مفتر على الله ورسوله ولم يرد على أحد من السملمين ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله وافتراه على نبى الله وإنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون، وما وقع من ذكرها في حديث أنس رضى الله عنه وظاهر حكايتها فليس فيه ما يدل على أنه شاهدها ولعله حكى ما سمع وقد علل البزاز حديثه ذلك وقال: رواه ثابت عنه ولم يتابع عليه، ورواه حميد عن أنس قال وأظن حميدا إنما سمعه من ثابت، قال القاضى أبو الفضل وفقه الله ولهذا والله أعلم لم يخرج أهل الصحيح حديث ثابت ولا حميد والحصحيح حديث عبد الله بن عزيز بن رفيع عن أنس رضى الله عنه الذى خرجه أهل الصحة وذكرناه وليس فيه عن أنس قول شئ من ذلك من قبل نفسه إلا من حكايته عن المرتد النصراني

[ 134 ]

ولو كانت صحيحة لما كان فيها قدح ولا توهيم للنبى صلى الله عليه وسلم فيما أوحى إليه ولا جواز للنسيان والغلط عليه والتحريف فيما بلغه ولا طعن في نظم القرآن وأن من عند الله إذ ليس فيه لو صح أكثر من أن الكاتب قال له عليم حكيم أو كتبه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كذلك هو فسبقه لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما نزل على الرسول قبل إظهار الرسول لها إذ كان ما تقدم مما أملأه الرسول يدل عليها ويقتضى وقوعها بقوة قدرة الكاتب على الكلام ومعرفته به وجودة حسه وفطنته كما يتفق ذلك للعارف إذا سمع البيت أن يسبق إلى قافيته أو مبتدإ الكلام الحسن إلى ما يتم به ولا يتفق ذلك في جملة الكلام كما لا يتفق ذلك في آية ولا سورة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم إن صح كل صواب فقد يكون هذا فيما فيه من مقاطع الآى وجهان وقراءتان أنزلنا جميعا على النبي صلى الله عليه وسلم فأملى إحداهما وتوصل الكاتب بفطنته ومعرفته بمقتضى الكلام إلى الأخرى فذكرها للنبى صلى الله عليه وسلم فصوبها له النبي صلى الله عليه وسلم ثم أحكم الله من ذلك ما أحكم ونسخ ما نسخ كما قد وجد ذلك في بعض مقاطيع الآى مثله قوله تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) وهذه قراءة الجمهور وقد قرأ جماعة فإنك أنت الغفور الرحيم وليست من المصحف وكذلك كلمات جاءت على وجهين في غير المقاطع قرأ بهما معا الجمهور وثبتتا في المصحف مثل (وانظر إلى العظام كيف ننشرها، وننشزها - - ويقضى اللحق، ويقص الحق) وكل هذا لا يوجب ريبا ولا يسبب للنبى صلى الله عليه وسلم غلطا ولا وهما وقد قيل إن هذا يحتمل

[ 135 ]

أن يكون فيما يكتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس غير القرآن فيصف الله ويسميه في ذلك كيف شاء. فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التى لا مستند لها إلى الأحكام ولا أخبار المعاد ولا تضاف إلى وحى بل في أمور الدنيا وأحوال نفسه فالذي يجب تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقع خبره في شئ من ذلك بخلاف مخبره لا عمدا ولا سهوا ولا غلطا وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه وفى حال سخطه وجده ومزحه وصحته ومرضه ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله وللثقة بجميع أخباره في أي باب كانت وعن أي شئ وقعت وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شئ منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا، ولما احتج ابن أبى الحقيق اليهودي على عمر حين أجلاهم من خيبر بإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم واحتج عليه عمر رضى الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: (كيف بك إذا أخرجت من خيبر ؟) فقال اليهودي كانت هزيلة من أبى القاسم فقال له عمر كذبت يا عدو الله وأيضا فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستقصى تفاصيلها ولم يرد في شئ منها استدراكه صلى الله عليه وسلم لغلط في قول قاله أو اعترافه بوهم في شئ أخبر به ولو كان


(قوله وجده) بكسر الجيم: ضد الهزل. (*)

[ 136 ]

ذلك لنقل كما نقل من قصته عليه السلام رجوعه صلى الله عليه وسلم عما أشار به على الأنصار في تلقيح النحل وكان ذلك رأيا لا خبرا وغير ذلك من الأمور التى ليست من هذا الباب كقوله والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا فعلت الذى حلفت عليه وكفرت عن يمينى، وقوله إنكم تختصمون إلى - الحديث - وقوله اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر كما سنبين كل ما في هذا من مشكل ما في هذا الباب والذى بعده إن شاء الله مع أشباههما وأيضا فإن الكذب متى عرف من أحد في شئ من الأخبار بخلاف ما هو على أي وجه كان استريب بخبره واتهم في حديثه ولم يقع قوله في النفوس موقعا ولهذا ترك المحدثون والعلماء الحديث عمن عرف بالوهم والغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط مع ثقته وأيضا فإن تعمد الكذب في أمور الدنيا معصية والإكثار منه كبيرة بإجماع مسقط للمروءة وكل هذا مما ينزه عنه منصب النبوة والمرة الواحدة منه فيما يستبشع ويستشنع مما يخل بصاحبها ويزري بقائلها لا حقة بذلك وأما فيما لا يقع هذا الموقع فإن عددناها من الصغائر فهل تجرى على حكمها في الخلاف فيها مختلف فيه والصواب تنزيه النبوة عن قليله وكثيره وسهوه وعمده إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبيين وتصديق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتجويز شئ من هذا قادح في ذلك ومشكك فيه مناقض للمعجزة فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز


(قوله في تلقيح النخل) أي تبيرها وهو جعل شئ من النخل (الذكر في الأنثى) (قوله الجدر) بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة قيل المراد هنا أهل الحائط وقيل أصول الشجر وقيل جدر المشارب التى يجتمع فيها الماء في أصول الشجر (*)

[ 137 ]

على الأنبياء خلف في القول في وجه من الوجوه لا بقصد ولا بغير قصد ولا نتسامح مع من تسامح في تجوز ذلك عليهم حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ، نعم وبأنه لا يجوز عليهم الكذب قبل النبوة ولا الاتسام به في أمورهم وأحوال دنياهم لأن ذلك كان يزرى ويريب بهم وينفر القلوب عن تصديقهم بعد وانظر أحوال عصر النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرها من الأمم وسؤالهم عن حاله في صدق لسانه وما عرفوا به من ذلك واعترفوا به مما عرف وإتفق النقل على عصمة نبينا صلى الله عليه وسلم منه قبل وبعد وقد ذكرنا من الآثار فيه في الباب الثاني أول الكتاب ما يبين لك صحة ما أشرنا إليه فصل فإن قلت فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السهو الذى حدثنا به الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر حدثنا القاضى أبو الأصبغ ابن سهل حدثنا حاتم بن محمد حدثنا أبو عبد الله بن الفخار حدثنا أبو عيسى حدثنا عبيد الله نا يحيى عن داود بن الحصين عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد أنه قال سمعت أبا هريرة رضى الله عنه يقول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين فقال


(قوله ابن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (قوله فقام ذو اليدين) اسمه الحرباق السلمى كان ينزل بذى خشب من ناحية المدينة له صحبة، قال الحسينى في رجال المسند وكان يقال له ذو الشمالين وليس هو بذى الشمالين إنما ذو الشمالين عمير ابن عبد عمرو بن حبلة الخزاعى استشهد ببدر، وقال الذهبي وهو ذو الزوائد. (*)

[ 138 ]

يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك لم يكن وفى الرواية الأخرى ما قصرت الصلاة وما نسيت - الحديث بقصته - فأخبر بنفى الحالتين وأنها لم تكن وقد كان أحد ذلك كما قال ذو اليدين قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فاعلم وفقنا الله ذلك كما قال ذو اليدين قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فاعلم وفقنا الله وإياك أن للعلماء في ذلك أجوبة بعضها بصدد الإنصاف ومنها ما هو بنية التعسف والاعتساف وها أنا أقول أما على القول بتجويز الوهم والغلط مما ليس طريقه من القول البلاغ وهو الذى زيفناه من القولين فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه وأما على مذهب من يمنع السهو والنسيان في أفعاله جملة ويرى أنه في مثل هذا عامد لصورة النسيان ليسن فهو صادق في خبره لأنه لم ينس ولا قصرت ولكنه على هذا القول تعمد هذا الفعل في هذه الصورة ليسنه لمن اعتراه مثله وهو قول مرغوب عنه نذكره في موضعه وأما على إحالة السهو عليه في الأقوال وتجويز السهو عليه فيما ليس طريقه القول كما سنذكره ففيه أجوبة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن اعتقاده وضميره أما إنكار القصر فحق وصدق باطنا وظاهرا وأما النسيان فأخبر صلى الله عليه وسلم عن اعتقاده وأنه لم ينس في ظنه فكأنه قصد الخبر بهذا عن ظنه وأن لم ينطق به وهذا صدق أيضا


(قوله أقصرت الصلاة) قال ابن الأثير يروى على ما لم يسم فاعله وعلى تسمية الفاعل بمعنى النقص، وقال المزى: الصحيح بناء أقصرت لما لم يسم فاعله من قبل الرواية ومن قبل المعنى لأن غيرها قصرها ولموافقة لفظ القرآن هو أن تقصروا من الصلاة (قوله بنية التعسف) أي بقصد الأخذ على غير الطريق، والتعسف والمعسف والاعتساف بمعنى واحد. (*)

[ 139 ]

ووجه ثان أن قوله ولم أنس راجع إلى السلام أي أنى سلمت قصدا وسهوت عن العدد أي لم أسه في نفس السلام وهذا محتمل وفيه بعد ووجه ثالث وهو أبعدها ما ذهب إليه بعضهم وإن احتمله اللفظ من قوله كل ذلك لم يكن أي لم يجتمع القصر والنسيان بل كان أحدهما ومفهوم اللفظ خلافة مع الرواية الأخرى الصحيحة وهو قوله ما قصرت الصلاة وما نسيت، هذا ما رأيت فيه لأئمتنا وكل من هذه الوجوه محتمل للفظ على بعد بعضها وتعسف الآخر منها، قال القاضى أبو الفضل وفقه الله والذى أقول ويظهر لى أنه أقرب من هذه الوجوه كلها أن قوله لم أنس إنكار للفظ الذى نفاه عن نفسه وأنكره على غيره بقوله: بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا ولكنه نسى، وبقوله في بعض روايات الحديث الآخر لست أنسى ولكن أنسى فلما قال له السائل أقصرت الصلاة أم نسيت أنكر قصرها كما كان ونسيانه هو من قبل نفسه وأنه إن كان جرى شئ من ذلك فقد نسى حتى سأل غير فتحقق أنه نسى وأجرى عليه ذلك ليسن فقوله على هذا لم أنس ولم تقصر وكل ذلك لم يكن صدق وحق لم تقصر ولم ينس حقيقة ولكنه نسى * ووجه آخر استثرته من كلام بعض المشايخ وذلك أنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو ولا ينسى ولذلك نفى عن نفسه النسيان قال لأن النسيان غفلة وآفة والسهو إنما هو شغل. قال فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ولا يغفل عنها وكان يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة


(قوله ولكنه نسى) بضم النون وكسر السين المهملة المشددة. (قوله ولكن أنسى) بضم الهمزة وفتح النون وتشديد السين المفتوحة. (*)

[ 140 ]

شغلا بها لا غفلة عنها فهذا إن تحقق على هذا المعنى لم يكن في قوله (ما قصرت وما نسيت) خلف في قول وعند أن قوله: (ما قصرت الصلاة وما نسيت) بمعنى الترك الذى هو أحد وجهى النسيان أراد والله أعلم أنى لم أسلم من ركعتين تاركا لإكمال الصلاة ولكني نسيت ولم يكن ذلك من تلقاء نفسي والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إنى لأنسى أو أنسى، لأسن. وأما قصة كلمات إبراهيم المذكورة أنها كذباته الثلاث المنصوصة في القرآن منها اثنتان قوله: (إنى سقيم - بل فعله كبيرهم هذا) وقوله للملك عن زوجته: إنها أختى: فاعلم أكرمك الله أن هذه كلها خارجة عن الكذب لا في القصد ولا في غيره وهى داخلة في باب المعاريض التى فيها مندوحة عن الكذب أما قوله: (إنى سقيم) فقال الحسن وغيره معناه: سأسقم أي: أن كل مخلوق معرض لذلك فاعتذر لقومه من الخروج معهم إلى عيدهم بهذا وقيل بل سقيم بما قدر على من الموت وقيل سقيم القلب بما أشاهده من كفركم وعنادكم وقيل بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم فلما رآه


(قوله للملك) قال السهيلي على بن قتيبة إن اسمه صادوف وقيل سنان بن علوان (قوله إنها أختى) قيل إنما لم يقل إنها زوجتى لأن ذلك الجبار كان على دين المجوس وفى دينهم أن أخا الأخت أحق بها من غيره فأراد إبراهيم عليه السلام أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذى عليه ذلك الجبار، واعترض بأن الذى جاء بدين المجوس زرادشت وهو متأخر عن إبراهيم، وأجيب بأن دين المجوس متقدم على زرادشت وإنما زرادشت زاد فيه أمورا، وفى حاشية التفتازانى على الكشاف إنه إنما لم يقل زوجتى لأن ذلك الجبار كان لا يتعرض إلا لذوات الأزواج. (قوله مندوحة) أي سعة: من ندحت الشئ إذا وسعته. (*)

[ 141 ]

اعتذر بعادته وكل هذا ليس فيه كذب بل خبر صحيح صدق وقيل: بل عرض بسقم حجته عليهم وضعف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التى كانوا يشتغلون بها وأنه أثناء نظره في ذلك وقبل استقامة حجته عليهم في حال سقم ومرض مع أنه لم يشك هو ولا ضعف إيمانه ولكنه ضعف في استدلاله عليهم وسقم نظره كمال يقا حجة سقيمة ونظر معلول حتى ألهمه الله باستدلاله وصحة حجته عليهم بالكواكب والشمس والقمر ما نصه الله تعالى وقدمنا بيانه وأما قوله: (بل فعله كبيرهم هذا) الآية فإنه علق خبره بشرط نطقه كأنه قال إن كان ينطق فهو فعله على طريق التبكيت لقومه وهذا صدق أيضا ولا خلف فيه، وأما قوله أختى فقد بين في الحديث وقال: فإنك أختى في الإسلام وهو صدق والله تعالى يقول: (إنما المؤمنون إخوة) فإن قلت: فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد سماها كذبات وقال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات وقال في حديث الشفاعة ويذكر كذباته فمعناه أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلام ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه السلام بمؤاخذته بها وأما الحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد


(قوله ونظر معلول) الأجود أن يقال معل، قال ابن الصلاح: قول المحدثين والفقهاء معلول مرذول عند أهل العربية واللغة قال النووي إنه لحن، وقال صاحب المحكم: والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول كثيرا ولست على ثقة ولا ثلج، لأن المعروف إنما هو علة فهو معل، اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه في قولهم مجنون ومسلول من أنهما جاءا على جننته وسللته ولم يستعملا في الكلام، استغنى عنها: ما فعلت وإذا أرادوا جن وسل فإنما يقول جعل فيه الجنون والسل. (*)

[ 142 ]

غزوة ورى بغيرها فليس فيه خلف في القول إنما هو ستر مقصده لئلا يأخذ عدوه حذره وكتم وجه ذهابه بذكر السؤال عن موضع آخر والبحث عن أخباره والتعريض بذكره لا أنه يقول تجهزوا إلى غزوة كذا أو وجهتنا إلى موضع كذا خلاف مقصده فهذا لم يكن والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف. فإن قلت فما معنى قوله موسى عليه السلام، وقد سئل أي الناس أعلم ؟ فقال أنا أعلم فتعب الله عليه ذلك إذ لم يرد العلم إليه - الحديث - وفيه قال بل عبد لنا بمجمع البحرين أعلم منك وهذا خبر قد أنبأ الله أنه ليس كذلك فاعلم أنه وقع في هذا الحديث من بعض طرقه الصحيحة عن ابن عباس هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ فإذا كان جوابه على علمه فهو خبر حق وصدق لا خلف فيه ولا شبهة، وعلى الطريق الآخر فمحمله على ظنه ومعتقده كما لو صرح به لأن حاله في النبوة والاصطفاء يقتضى ذلك فيكون إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده وحسبانه صدقا لا خلف فيه وقد يريد بقوله أنا أعلم بما يقتضيه وظائف النبوة من علوم التوحيد وأمور الشريعة وسياسة الأمة ويكون الخضر أعلم منه بأمور أخر مما لا يعلمه أحد إلا بإعلام الله من علوم غيبه كالقصص المذكورة في خبرهما فكان موسى عليه السلام أعلم على الجملة بما تقدم وهذا أعلم على الخصوص بما أعلم ويدل عليه قوله تعالى: (وعلمناه من لدنا علما) وعتب الله ذلك عليه فيما قاله العلماء إنكار هذا القول عليه لأنه لم يرد العلم إليه كما قالت الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا أو لأنه لم يرض قوله شرعا وذلك والله أعلم لئلا يقتدى به فيه من لم يبلغ كماله في تزكية نفسه وعلو درجته من أمته فيهلك لما تضمنه من مدح الإنسان نفسه

[ 143 ]

ويروثه ذلك من الكبر والعجب والتعاطي والدعوى وإن نزه عن هذه الرذائل الأنبياء فغيرهم بمدرجة سبيلها ودرك ليلها إلا من عصمه الله فالتحفظ منها أولى لنفسه وليقتدى به، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم تحفظا من مثل هذا مما قد علم به (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وهذا الحديث إحدى حججا لقائلين بنبوة الخضر لقوله فيه أنا أعلم من موسى ولا يكون الولى أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الأنبياء فيتفاضلون في المعارف وبقوله وما فعلته عن أمرى، فدل أنه بوحى، ومن قال إنه ليس بنبى قال يحتمل أن يكون فعله بأمر نبى آخر، وهذا يضعف لأنه ما علما أنه كان في زمن موسى نبى غيره إلا أخاه هارون وما نقل أحد من أهل الأخبار في ذلك شيئا يعول عليه، وإذا جعلنا أعلم منك ليس على العموم وإنما هو على الخصوص وفى قضايا معينة لم يحتج إلى إثبات النبوة خضر، ولهذا قال بعض الشيوخ كان موسى اعلم من الخضر فيما أخذ عن الله والخضر أعلم فيما دفع إليه من موسى، وقال آخر أنما ألجئ موسى إلى الخضر للتأديب لا للتعليم فصل وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال ولا يخرج من جملتها القول باللسان


(قوله لقوله فيه أنا أعلم من موسى) هكذا وقع في كثير من الأصول وهو غير صواب لأن الضمير المضاف إليه القول عائد حينئذ على الخضر والضمير المجرور بقى عائد على الحديث السابق وليس فيه أن الخضر قال أنا أعلم من موسى والصواب ما في بعض النسخ وهو لقوله فيه إنه أعلم من موسى ويكون المضير المضاف إليه القول عائدا على الله تعالى والضمير المنصوب بأن عائد على الخطر وقد سبق أن في الحديث: بل عبد لنا بمجمع البحرين أعلم منك. (*)

[ 144 ]

فيما عدا الخبر الذى وقع فيه الكلام ولا الاعتقاد بالقلب فيما عدا التوحيد وما قدمناه من معارفه المختصة به فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات ومستند الجمهور في ذلك الإجماع الذى ذكرناه وهو مذهب القاضى أبو بكر ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع وهو قول الكافة، واختار الأستاذ أبو إسحاق وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ، لأن كل ذلك يقتضى العصمة منه المعجزة مع الإجماع على ذلك من الكافة، والجمهور قائل بأنهم معصومون من ذلك من قبل الله معتصمون باختيارهم وكسبهم إلا حسينا النجار فإنه قال لا قدر لهم على المعاصي أصلا، وأما الصغائر فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء وهو مذهب أبى جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وسنورد بعد هذا ما احتجوا به، وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف وقالوا العقل لا يحيل وقوعها منهم ولم يأت في الشرع قاطع بأحد الوجهين، وذهبت طائفة أخرى من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر، قالوا: لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر، وإشكال ذلك وقول ابن عباس وغيره إن كل ما عصى الله به فهو كبيرة وأنه إنما سمى منها الصغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه ومخالفة الباري في أي أمر كان يجب كونه كبيرة، قال القاضى أبو محمد


(قوله والموبقات) بكسر الموحدة أي المهلكات (قوله وتعيينها) هو بالجر عطف على الصغائر (قوله وإشكال ذلك) هو بالجر عطف على اختلاف الناس وذلك إشارة إلى تعيينها. (*)

[ 145 ]

عبد الوهاب لا يمكن أن يقال إن في معاصي الله صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر ولا يكون لها حكم مع ذلك بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها فلا يحبطها شئ والمشيئة في العفو عنها إلى الله تعالى وهو قول القاضى أبى بكر وجماعة أئمة الأشعرية وكثير من أئمة الفقهاء، وقال بعض أئمتنا: ولا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها إذ يلحقها ذلك بالكبائر ولا في صغيرة أدت إلى إزالة الحشمة وأسقطت المروؤة وأوجبت الإزراء والخساسة، فهذا أيضا مما يعصم عنه الأنبياء إجماعا، لأن مثل هذا يحط منصب المتسيم به ويزري بصاحبه وينفر القلوب عنه والأنبياء منزهون عن ذلك، بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدى إلى مثله لخروجه بما أدى إليه عن اسم المباح إلى الحظر، وقد ذهب بعضهم إلى عصمتهم من مواقعة المكروه قصدا، وقد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم واتباع آثارهم وسيرهم مطلقا، وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأبى حنيفة من غير التزام قرينة بل مطلقا عند بعضهم وإن اختلفوا في حكم ذلك، وحكى ابن خويز منداذ وأبو الفرج عن مالك التزام ذلك وجوبا وهو قول الأبهري وابن القصار وأكثر أصحابنا وقول أكثر أهل العراق وابن سريج والإصطخري


(قوله إلى الحظر) بالحاء المهملة والظاء المعجمة: أي المنع (قوله وابن سريج) بالسين المهملة والجيم هو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي: أخذ عن الأنماطي، كانت وفاته سنة ست وثلاثمائة (قوله والاصطخري) هو أبو سعيد الحسن بن أحمد بن بريد، توفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة كان هو وابن سريج شيخي الشافعية ببغداد (10 - 2) (*)

[ 146 ]

وابن خيران من الشافعية وأكثر الشافعية على أن ذلك ندب، وذهبت طائفة إلى الإباحة. وقيد بعضهم الاتباع فيما كان من الأمور الدينية وعلم به مقصد القربة ومن قال بالإباحة في أفعاله لم يقبد قال فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم، إذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصد به من القربة أو الإباحة أو الحظر أو المعصية، ولا يصح أو يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية لا سيما على من يرى من الأصوليين تقديم الفعل على القول إذا تعارضا، ونزيد هذا حجة بأن نقول من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا صلى الله عليه وسلم مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل وأنه متى رأى شيئا فسكت عنه صلى الله عليه وسلم دل على جوازه فكيف يكون هذا حاله في حق غيرهن ثم يجوز وقوعه منه في نفسه وعلى هذا المأخذ تجب عصمته من مواقعة المكروه كما قيل وإذ الحظر أو الندب على الاقتداء بفعله ينافى الزجر والنهى عن فعل المكروه، وأيضا فقد علم من دين الصحابة قطعا الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم كيف توجهت وفى كل ؟ ؟ كالاقتداء بأمواله فقد نبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه، وخلعوا نعالهم حين خلع واحتجاجهم برؤية ابن عمر إياه جالسا لقضاء حاجته مستقبلا بيت المقدس واحتج غير واحد منهم في غير شئ مما بابه العبادة أو العادة بقوله رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله وقال: (هلا خبرتيها أنى أقبل وأنا صائم) وقالت عائشة محتجة: (كنت أفعله أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذى أخبر بمثل هذا عنه


(قوله وابن خيران) هو أبو على الحسين بن صالح بن خيران البغدادي. (*)

[ 147 ]

فقال يحل الله لرسوله ما يشاء وقال: (إنى لاخشاكم لله وأعلمكم بحدوده) والآثار في هذا أعظم من أن نحيط بها لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها ولو جوزوا عليه المخالفة في شئ منها لما اتسق هذا وليقل عنهم وظهر بحثهم عن ذلك ولما أنكر صلى الله عليه وسلم على الآخر قوله واعتذاره بما ذكرناه، وأما المباحات فجائز وقوعها منم إذ ليس فيها قدح بل هي مأذون فيها وأيديهم كأيدي غيرهم مسلمة عليها إلا أنهم بما خصوا به من رفيع المنزلة وشرحت لهم صدورهم من أنوار المعرفة واصطفوا به من تعلق بالهم بالله والدار الآخرة لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات مما يتقون به على سلوك طريقهم وصلاح دينهم وضرورة دنياهم وما أخذ على هذه السبيل التحقق طاعة وصار قربة كما بينا منه أول الكتاب طرفا في خصال نبينا صلى الله عليه وسلم، فبان لك عظيم فضل الله على نبينا وعلى سائر أنيبائه عليهم السلام بأن جعل أفعالهم قربات وطاعات بعيدة عن وجه المخالفة ورسم المعصية. فصل وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة فمنعها قوم وجوزها آخرون والصحيح إن شاء الله تنزيههم من كل عيب وعصمتهم من كل ما يوجب الريب فكيف والمسألة تصورها كالممتنع فإن المعاصي والنواهي إنما تكون بعد تقرر الشرع وقد اختلف الناس في حال نبينا صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه هل كان متبعا لشرع قبله أم لا ؟

[ 148 ]

فقال جماعة لم يكن متبعا لشئ وهذا قول الجمهور فالمعاصي على هذا القول غير موجودة ولا معتبرة في حقه حينئذ إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأوامر والنواهي وتقرر الشريعة ثم احتلفت حجج القائلين بهذه المقالة عليها فذهب سيف السنة ومقتدى فرق الأمة القاضى أبو بكر إلى أن طريق العلم بذلك النقل وموارد الخبر من طريق السمع وحجته أنه لو كان ذلك لنقل ولما أمكن كتمه وستره في العادة إذ كان من مهم أمره وأولى ما اهتبل به من سيرته ولفخر به أهل تلك الشريعة ولا احتجوا به عليه ولم يؤثر شئ من ذلك جملة، وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرفا تابعا، وبنوا هذا على التحسين والتقبيح وهى طريفة غير سديدة واستناد ذلك إلى النقل كما تقدم للقاضى أبى بكر أولى وأظهر، وقالت فرقة أخرى بالوقف في أمره صلى الله عليه وسلم وترك قطع الحكم عليه بشئ في ذلك إذ لم يحل الوجهين منها العقل ولا استبان عندها في أحدهما طريق النقل وهو مذهب أبى المعالى، وقالت فرقة ثالثة إنه كان عاملا بشرع من قبله، ثم اختلوا هل يتعين ذلك انشرع أم لا فوقف بعضهم عن تعيينه وأحجم وجسر بعضهم على التعيين وصمم، ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع فقيل نوح وقيل إبراهيم وقيل موسى وقيل عيسى صلوات الله عليهم، فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضى أبو بكر وأبعدها مذاهب المعينين إذ لو كان شئ من ذلك لنقل كما قدمناه ولم يخف جملة ولا حجة لهم في أن عيسى آخر الأنبياء فلزمت شريعته من جاء بعدها إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى بل الصحيح أنه لم

[ 149 ]

يكن لنبى دعوة عامة إلا لنبيا صلى الله عليه وسلم، ولا حجة أيضا للآخر في قوله (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) ولا للآخرين في قوله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) فمحمل هذه الآية على اتباعهم في التوحيد كقوله تعالى (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وقد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث ولم تكن له شريعة تخصه كيوسف ابن يعقوب على قول من يقول إنه ليس برسول وقد سمى الله تعالى جماعة منهم في هذه الآية شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فدل أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى وبعد هذا فهل يلزم من قال بمنع الاتباع هذا القول في سائر الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم أو يخالفون بينهم أما من منع الاتباع عقلا فيطرد أصله في كل رسول بلا مرية وأما من مال إلى النقل فأينما تصور له وتقرر اتبعه، ومن قال بالوقف فعلى أصله، ومن قال بوجوب الاتباع لمن قبله يلتزمه بمساق حجته في كل نبى فصل هذا حكم ما تكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد وهو ما يسمى معصية ويدخل تحت التكلف، وأما ما يكون بغير قصد وتعمد كالسهو والنسيان في الوضائف الشرعية مما تقرر الشرع بعدم تعلق الخطاب به وترك المؤاخذة عليه فأحوال الأنبياء في ترك المؤاخذة به وكونه ليس بمعصية لهم مع أممهم سواء ثم ذلك على نوعين ما طريقه البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام وتعليم الأمة بالفعل وأخذهم باتباعه فيه وما

[ 150 ]

هو خارج عن هذا مما يختص بنفسه، أما الأول فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في القول في هذا الباب، وقد ذكرنا الاتفاق على امتناع ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من جوازه عليه قصدا أو سهوا، فكذلك قالوا الأفعال في هذا الباب لا يجوز طرو المخالفة فيها لا عمدا ولا سهوا لأنها بمعنى القول من جهة التبليغ والأداء وطرو هذه العوارض عليها يوجب التشكيك ويسبب المطاعن، واعتذوا عن أحاديث السهو بتوجيهات نذكرها بعد هذا وإلى هذا مال أبو إسحاق، وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوا وعن غير قصد منه جائز عليه كما تفرر من أحاديث السهو في الصلاة وترقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك تناقضها وأما السهو في الأفعال فغير مناقص لها ولا قادح في النبوة بل غلطات الفعل وعفلات القلب من سمات البشر كما قال صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) نعم بل حالة النسيان والسهو هنا في حقه صلى الله عليه وسلم سبب إفادة علم وتقرير شرع كما قال صلى الله عليه وسلم (إنى لأنسى أو أنسى لأسن) بل قد روى (لست أنسى ولكن أنسى لأسن) وهذه الحالة زيادة له في التبليغ وتمام عليه في النعمة بعيدة عن سمات النقص وأغراض الطعن فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح وقبل انقراضهم على قول الآخرين وأما ما ليس طريقه البلاغ ولا بيان الأحكام من


(قوله لا يجوز طروه) بهمزة في آخره أو بواو مشددة لغتان فيه. (*)

[ 151 ]

أفعاله صلى الله عليه وسلم وما يختص به من أمور دينه وأذكار قلبه مما لم يفعله ليتبع فيه فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وذلك بما كلفه من مقاساة الخلق وسياسات الأمة ومعاناة الأهلي وملاحظة الأعداء ولكن ليس على سبيل التكرار ولا الاتصال بل على سبيل الندور كما قال صلى الله عليه وسلم (إنه ليغان على قلبى فأستغفر الله) وليس في هذا شئ يحط من رتبته ويناقض معجزته وذهبت طائفة إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات في حقه صلى الله عليه وسلم جملة وهو مذهب جماعة المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات ولهم في هذه الأحاديث مذاهب نذكرها بعد هذا إن شاء الله. فصل في الكلام على الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه وسلم وقد قدمنا في الفصول قبل هذا ما يجوز فيه عليه السهو صلى الله عليه وسلم وما يمتنع وأحلناه في الأخبار جملة، وفى الأقوال الدينية قطعا، وأجزنا وقوعه في الأفعال الدينية على الوجه الذى رتبناه وأشرنا إلى ما ورد في ذلك ونحن نبسط القول فيه الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ثلاثة أحاديث: أولها حديث ذى اليدين في السلام من اثنتين، الثاني حديث ابن بحينة في القام من اثنتين،


(قوله ابن بحينة) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة بعدها مثناة تحتية ساكنة ونون: هو عبد الله بن مالك بن القشب - بكسر القاف وسكون الشين المعجمة بعدها موحدة - وبحينة أمه

[ 152 ]

الثالث حديث ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا، وهذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذى قررناه، وحكمة الله فيه ليستن به إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول وأرفع للاحتمال وشرطه أنه لا يقر على السهو بل يشعر به ليرتفع الالتباس وتظهر فائدة الحكمة كما قدمناه وأن النسيان والسهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وسلم غير مضاد للمعجزة ولا قادح في التصديق، وقد قال صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) وقال (رحم الله فلانا لقد اذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطهن - ويروى - أنسيتهن) وقال صلى الله عليه وسلم (إنى لأنسى أو أنسى لأسن) قيل هذا اللفظ شك من الراوى وقد روى (إنى لا أنسى ولكن أنسى لأسن) وذهب ابن نافع وعيسى بن دينار أنه ليس بشك وأن معناه التقسيم أي: أنسى أنا أو ينسيني الله، قال القاضى أبو الوليد الباجى يحتمل ما قالاه أن يريد أنى أنسى في اليقظة وأنسى في النوم أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذهول عن الشئ والسهو أو أنسى مع إقبالي عليه وتفرغى له فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه إذ كان له بعض السبب فيه ونفى الآخر عن نفسه إذ هو فيه كالمضطر، وذهبت طائفة من أصحاب المعاني والكلام على الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو في الصلاة ولا ينسى لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة قال والنبى صلى الله عليه وسلم منزه عنها والسهو شغل فكان صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ويشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة شغلا


(قوله رحم الله فلانا) هو عبد الله بن يزيد الخطمى الأنصاري، قاله النووي عن الخطيب البغدادي. (*)

[ 153 ]

بها لا غفلة عنها واحتج بقوله في الرواية الأخرى إنى لا أنسى، وذهبت طائفة إلى منع هذا كله عنه وقالوا: إن سهوه عليه السلام كان عمدا وقصدا ليسن وهذا قول مرغوب عنه متناقض المقاصد لا يحلى منه بطائل لأنه كيف يكون متعمدا ساهيا في حال ولا حجة لهم في قولهم إنه أمر بتعمد صورة النسيان ليسن لقوله: (إنى لأنسى أو أنسى) وقد أثبت أحد الوصفين ونفى مناقضة التعمد والقصد وقال (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون) وقد مال إلى. هذا عظيم من المحققين من أئمتنا وهو أبو المظفر الاسفرائنى ولم يرتضه غيره منهم ولا أرتضيه ولا حجة لهاتين الطائفتين في قوله (إنى لا أنسى ولكن أنسى) إذ ليس فيه نفى حكم النسيان بالجملة وإنما فيه نفى لفظه وكراهة لقبله كقوله (بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا ولكنه نسى) أو نفى الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه لكن شغل بها عنها ونسى بعضها ببعضها كما ترك الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها وشغل بالتحرز من العدو عنها فشغل بطاعة عن طاعة وقيل إن الذى ترك يوم الخندق أربع صلوات، الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف إذا لم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن وهو مذهب الشاميين والصحيح أن حكم صلاة الخوف كان بعد هذا فهو ناسخ له. فإن قلت فما تقول في نومه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة يوم الوادي وقد قال: (إن عينى تنامان ولا ينام قلبى): فاعلم أن للعلماء عن ذلك أجوبة منها أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في


(قوله لا يحلى) بضم المثناة التحتية وسكون الحاء المهملة. (*)

[ 154 ]

غافل الأوقات وقد يندر منه غير ذلك كما يندر من غيره خلاف عادته ويصحح هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه (إن الله قبض أرواحنا) وقول بلال فيه: ما ألقيت على ؟ ومة مثلها قط، ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر يريده الله من إثبات حكم وتأسيس سنة وإظهار شرع، وكما قال في الحديث الآخر لو شاء الله لأيقظنا ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم، الثاني أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيما لما روى أنه كان محروسا وأنه كان ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه ثم يصلى ولا يتوضأ وحديث ابن عباس المذكور فيه وضوءه عند قيامه من النوم فيه نومه مع أهله فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم إذ لعل ذلك لملامة الأهل أو لحدث آخر فكيف وفى آخر الحديث نفسه ثم نام حتى سمعت غطيطه ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ وقيل لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه في النوم وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس وليس هذا من فعل القلب وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قبض أرواحا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا. فإن قيل فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال اكلأ لنا الصبح، فقيل في الجواب إنه كان من شأنه صلى الله عليه وسلم التغليس بالصبح ومراعاة أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح الظاهرة فوكل بلالا بمراعاة أوله ليعلمه بذلك كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته. فإن قيل فما معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن القول نسيت وقد قال صلى الله عليه وسلم (إنى أنسى


(قوله اكلأ لنا) أي: احفظ لنا. (*)

[ 155 ]

كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) وقال (لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها) فاعلم أكرمك الله أنه لا تعارض في هذه الألفاظ، أما نهيه عن أن يقال نسيت آية كذا فمحمول على ما نسخ نقله من القرآن أي أن العفلة في هذا لم تكن منه ولكن الله تعالى اضطره إليها ليمحو ما يشاء ويثبت وما كان من سهو أو غفلة من قبله تذكرها صلح أن يقال في أنس يوقد قيل إن هذا منه صلى الله عليه وسلم على طريق الاستحباب أن يضيف الفعل إلى خالقه والآخر على طريق الجواز لاكتساب العبد فيه وإسقاطه صلى الله عليه وسلم لما أسقط من هذه الآيات جائز عليه بعد بلاغ ما أمر ببلاغة وتوصيله إلى عباده ثم يستذكرها من أمته أو من قبل نفسه إلا ما قضى الله نسخه ومحوه من القلوب وترك استذكاره، وقد يجوز أن ينسى النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا سبيله كرة ويجوز أن ينسيه منه قبل البلاغ ما لا يغير نظما ولا يخلط حكما مما لا يدخل خللا في الخبر ثم يذكره إياه ويستحيل دوام نسيانه له لحفظ الله كتابه وتكليفه بلاغه. فصل في الرد على من أجاز عليهم الصغائر والكلام على ما احتجوا به في ذلك اعلم أن المجوزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ومن شايعهم على ذلك من المتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من


(قوله ومن شايعهم) أي تابعهم: من شيعة الرجل وهم أتباعه. (*)

[ 156 ]

القرآن والحديث إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع وما لا يقول به مسلم فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلف المفسرون في معناه وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه وجاءت أقاويل فيها للسلف بخلاف ما التزموه من ذلك فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا وكان الخلاف فيما احتجوا به قديما وقامت الدلالة على خطإ قولهم وصحة غيره وجب تركه والمصير إلى ما صح وها نحن نأخذ في النظر فيها إن شاء الله، فمن ذلك قوله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، وقوله (فاستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات) وقوله (ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك) وقوله (عفا الله عنك لم أذنت لهم) وقوله (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) وقوله (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) الآية وما قص من قصص غيره من الأنبياء كقوله (وعصى آدم ربه فغوى) وقوله (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء) الآية وقوله عنه (ربنا ظلمنا أنفسنا) الآية وقوله عن يونس (سبحانك إنى كنت من الظالمين) وما ذكره من قصة داود، وقوله (وظن داود أنما فتاه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) إلى قوله (مآب) وقوله (ولقد همت به وهم بها) وما قص من قصته مع إخوته، وقوله عن موسى (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان) وقول النبي صلى القله عليه وسلم في دعائه (اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت) ونحوه من أدعيته صلى الله عليه وسلم

[ 157 ]

وذكر الأنبياء في الموقف ذنوبهم في حديث الشفاعة، وقوله (إنه ليغان على قلبى فاستغفر الله) وفى حديث أبى هريرة (إنى لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) وقوله تعالى عن نوح (وإلا تغفر لى وترحمني) الآية، وقد كان قال الله له (ولا تخاطبي في الذين ظلموا إنهم مغرقون) وقال عن إبراهيم (والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتي يوم الدين) وقوله عن موسى (تبت إليك) وقوله (ولقد فتنا سليمان) إلى ما أشبه هذه الظواهر، فأما احتجاجهم يقوله (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فهذا قد اختلف فيه المفسرون، فقيل المراد ما كان قبل النبوة وبعدها، وقيل المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع أعلمه أنه مغفور له، وقيل المتقدم ما كان قبل النبوة والمتأخر عصمتك بعدها، حكاه أحمد بن نصر، وقيل المراد بذلك أمته صلى الله عليه وسلم وقيل المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبري واختاره القشيرى، وقيل ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك، حكاه السمرقندى والسلمى عن ابن عطاء وبمثله والذى قبله يتأول قوله: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) قال مكى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ههنا هي مخالطبة لأمته، وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن يقول (وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم) سر بذلك الكفار فأنزل الله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) الآية وبمال المؤمنين في الآية الأخرى بعدها، قاله ابن عباس، فمقصد الآية أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أن لو كان، قال بعضهم: المغفرة ههنا تبرئة من العيوب، وأما قوله (ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك)

[ 158 ]

فقيل ما سلف من ذنبك قبل النبوة وهو قول ابن زيد والحسن ومعنى قول قتادة، وقيل معناه أنه حفظ قبل نبوته منها وعصم، ولولا ذلك لأثقلت ظهره، حكى معناه السمرقندى، وقيل المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى بلغها) حكاه الماوردى والسلمى، وقيل حططنا عنك ثقل أيام الجاهلية، حكاه مكى، وقيل ثقل شغل سرك وحيرتك وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك، حكى معناه القشيرى، وقيل معناه خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت وحفظى عليك، ومعنى أنقض ظهرك أي كاد ينقصه فيكون المعنى على من جعل ذلك لم قبل النبوة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمور فعلها قبل النبوة وحرمت عليه بعد النبوة فعدها أوزارا وثقلت عليه وأشفق منها، أو يكون الوضع عصمة الله له وكفايته من ذنوب لو كانت لأنفضت ظهره، أو يكون من ثقل الرسالة أو ما ثقل عليه وشغل قلبه من أمور الجاهلية وإعلام الله تعالى له بحفظ ما استحفظيه من وحيه، وأما قوله (عفا الله عنك لم أذنت لهم) فأمر لم يتقدم للنبى صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهى فيعد معصية ولا عده الله تعالى عليه معصية بل لم يعده أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك، قال نفطويه وقد حاشاه الله تعالى من ذلك بل كان مخيرا في أمرين قالوا وقد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل عليه فيه وحى فكيف وقد قال الله تعالى (فأذن لمن شئت منهم) فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل وليس (عفا) ههنا بمعنى غفر بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم) عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق) ولم

[ 159 ]

تجب عليهم قط أي لم يلزمكم ذلك، ونحوه للقشيرى، قال: وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب: من لم يعرف كلام العرب، قال ومعنى عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنبا، قال الداودى: روى أنها كانت تكرمة، قال مكى هو استفحتاح كلام مثل أصلحك الله وأعزك، وحكى السمرقندى أن معناه عافاك الله، وأما قوله في أسارى بد (ما كان لنبى أن يكون له أسرى) الآيتين فليس فيه إلزام ذنب للنبى صلى الله عليه وسلم بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء فكأنه قال ما كان هذا لنبى غيرك كما قال صلى الله عليه وسلم (أحلت لى الغنائم ولم تحل لنبى قبلى) فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (تريدون عرض الدنيا) الآية، قيل معنى: الخطاب لمن أراد ذلك منهم وتجرد غرضه لغرض الدنيا وحده والاستكثار منها وليس المراد بهذا النبي صلى الله عليه ولم ولا علية أصحابه، بل قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال حتى خشى عمر أن يعطف عليهم العدو ثم قال تعالى: (لولا كتاب من الله سبق) فاختلف المفسرون في معنى الآية فقيل: معناها لولا أنه سبق منى أن لا أعذب أحدا إلا بعد النهى لعذبتكم، فهذا ينفى أن يكون أمر الأسرى معصية، وقيل المعنى: لولا إيمانكم بالقرآن وهو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم، ويزاد هذا القول تفسيرا


(قوله ولا علية) بكسر العين المهملة وسكون اللام: في الصحاح وعلى في الشرف بالكسر يعلى علا، ويقال أيضا بالفتح وفلان من علية الناس. وهو جمع رجل على: أي شريف رفيع، مثل صبى وصبية. (*)

[ 160 ]

وبيانا بأن يقال لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم لعوقبتم كما عوقب من تعدى، وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم، فهذا كله ينفى الذنب والمعصية لأن من فعل ما أحل له لم يعص، قال الله تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) وقيل: بل كان صلى الله عليه وسلم قد خير في ذلك، وقد روى عن على رضى الله عنه قال جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال خير أصحابك في الأسارى إن شاؤا القتل وإن شاؤا الفداء على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم، فقالوا الفداء ويقتل منا، وهذا دليل على صحة ما قلنا وأنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الإثخان والقتل فعونبوا على ذلك وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم وكلهم غير عصاة ولا مذنبين وإلى نحو هذا أشار الطبري، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه القضية (لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر) إشارة إلى هذا من تصويب رأيه ورأى من أخذ بمأخذه في إعزاز الدين وإظهار كلمته وإبادة عدوه وأن هذه القضية لو استوجبت عذابا نجا منه عمر وعين عمر لأنه أول من أشار بقتلهم ولكن الله لم يقدر عليهم في ذلك عذابا لحله لهم فيما سبق، وقال الداودى والخبر بهذا لا يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بما لا نص فيه ولا دليل من نص ولا جعل الأمر فيه إليه وقد نزهه الله تعالى عن ذلك، وقال القاضى بكر بن العلاء أخبر الله تعالى نبه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتبه له من إحلال

[ 161 ]

الغنائم والفداء وقد كان قبل هذا فادوا في سرية عبد الله بن جحش التى قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه فما عتب الله عليهم وذلك قبل بدر بأزيد من عام، فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة وعلى ما تقدم قبل مثله فلم ينكره الله تعالى عليهم لكن الله تعالى أراد لعظم أمر بدر وكثرة أسراها والله أعلم إظهار نعمته وتأكيد منته بتعريفهم ما كتبه في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم لا على وجه عتاب وإنكار وتذنيب، هذا معنى كلامه، وأما قوله (عبس وتولى) الآيات فليس فيه إثبات ذنب له صلى الله عليه وسلم بل إعلام الله أن ذلك المتصدي له ممن لا يتزكى وأن الصواب والأولى كان لو كشف لك حال الرجلين الإقبال على الأعمى وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل وتصديه لذاك الكافر كان طاعة لله وتبليغا عنه واستئلافا له كما شرعه الله له لا معصية ومخالفة له وما قصة الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين وتوهين أمر الكافر عنده والإشارة إلى الإعراض عنه بقوله وما عليك ألا يزكى وقيل أراد بعبس وتولى الكافر الذى كان مع النبي صلى الله عليه وسلم قاله أبو تمام * وأما قصة آدم عليه السلام وقوله تعالى (فأكلا منها) بعد قوله (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) وقوله (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة)


(قوله في سرية عبد الله بن جحش) هذه السرية كانت في رجب من السنة الثانية وكان مع عبد الله ثمانية رهط من المهاجرين ولم يكن معه من الأنصاري أحد (قوله وذلك قبل بدر بأزيد من عام) قيل بل كلاهما في سنة واحدة، تلك في رجب وبدر في رمضان. (*)

[ 162 ]

وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى) أي جهل وقيل أخطأ فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما) قال ابن زيد نسى عداوة إبليس له وما عهد الله إليه من ذلك بقوله (إن هذا عدو لك لزومك) الآية، قيل نسى ذلك بما أظهر لهما، وقال ابن عباس إنما سمى الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسى وقيل لم يقصد المخالفة استحلالا لها ولكنهما اغترا بحلف إبليس لهما (إنى لكما لمن الناصحين) توهما ان أحدا لا يحلف بالله حانثا وقد روى عذر آدم بمثل هذا في بعض الآثار، وقال ابن جبير حلف بالله لهما حتى غرهما والمؤمن يخدع وقد قيل نسى ولم ينو المخالفة فلذلك قال (ولم نجد له عزما) أي قصدا للمخالفة وأكثر المفسرين على أن العزم هنا الحزم والصبر وقيل كان عند أكله سكران وهذا فيه ضعف لأن الله تعالى وصف خمر الجنة أنها لا تسكر فإذا كان ناسيا لم تكن معصية وكذلك إن كان ملبسا عليه غالطا إذ الاتفاق على خروج الناسي والساهى عن حكم التكليف، وقال الشيخ أبو بكر بن فورك وغيره إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوة ودليل ذلك قوله (وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) فذكر أن الاجتباء والهداية كان بعد العصيان وقيل بل أكلها متأولا وهو لا يعلم أنها الشجرة التى نهى عنها لأنه تأول نهى الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة، وقيل تأول أن الله لم ينهه عنها نهى تحريم. فإن قيل فعلى كل حال فقد قال الله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى، وقال: فتاب عليه وهدى) وقوله في حديث الشفاعة ويذكر ذنبه وإنى

[ 163 ]

نهيت عن أكل الشجرة فعصيت: فسيأتي الجواب عنه وعن أشباهه مجملا آخر الفصل إن شاء الله، وأما قصة يونس فقد مضى الكلام على بعضها آنفا وليس في قصة يونس نص على ذنب وإنما فيها ابق وذهب مغاضبا وقد تكلمنا عليه، وقيل إنما نقم الله عليه خروجه عن قومه فارا من نزول العذاب، وقيل بل لما وعدهم العذاب ثم عفا الله عنهم قال: والله لا ألقاهم بوجه كذاب أبدا وقيل بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك، وقيل ضعف عن حمل أعباء الرسالة. وقد تقدم الكلام أنه لم يكذبهم، وهذا كله ليس فيه نص عليه معصية إلا على قوله مرغوب عنه وقوله (أبق إلى الفلك المشحون) قال المفسرون تباعد، وأما قوله (إنى كنت من الظالمين) فاظلم وضع الشئ في غير موضعه فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه أو لضعفه عما حمله أو لدعائه بالعذاب على قومه، وقد دعا نوح بهلاك قومه فلم يؤاخذ، وقال الواسطي في معناه نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا ومثل هذا قول آدم وحواء (ربنا ظلمنا أنفسنا) إذ كانا السبب في وضعهما في غير الموضع الذى أنزلا فيه وإخراجهما من الجنة وإنزالهما إلى الأرض * وأما قصة داود عليه السلام فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره فيه الأخباريون عن أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ونقله بعض المفسرين ولم ينص الله على شئ من ذلك ولا ورد في حديث صحيح والذى نص الله عليه قوله: (وظن داود أنما فتناه) إلى قوله: (وحسن مآب) وقوله في أواب فمعنى


(قوله إنما نقم) بفتح القاف، وقد تكسر. (*)

[ 164 ]

فتناه اخبرناه وأواب قال قتادة مطيع وهذا التفسير أولى، قال ابن عباس وابن مسعود: ما زاد داود على أن قال للرجل انزل لى عن امرأتك واكفلنيها فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا وهذا الذى ينبغى أن يعول عليه من أمره وقيل خطبها على خطبته، وقيل بل أخب بقلبه أن يستشهد، وحكى السمرقندى أن ذنبه الذى استغفر منه قوله لأحد الخصمين لقد ظلمك فظلمه بقول خصمه، وقيل بل لما خشى على نفسه وظن من الفتنة بما بسط له من الملك والدنيا، ولى نفى ما أضيف في الأخبار إلى داود ذهب أحمد بن نصر وأبو تمام وغيرهما من المحققين، قال الداودى: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت ولا يظن بنبى محبة قتل مسلم وقيل إن الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نتاج غنم على ظاهر الآية * وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تعقب وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم فيلزم الكلام على أفعالهم وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء، قال المفسرون يريد من نبى من أبناء الأسباط وقد قيل إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار الأسنان ولهذا لم يميزوا يوسف حين اجتمعوا به ولهذا قالوا أرسله معنا غدا نرتع ونلعب وإن ثبتت لهم نبوة فبعد هذا والله أعلم، وأما قول الله تعالى فيه (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) فعلى مذهب كثير من الفقهاء والمحدثين أنهم النفس لا يؤاخذ به وليس سيئة لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه (إذ هم عبدى بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) فلا معصية في همه إذا


(قوله أو رياء) بفتح الهمزة وسكون الواو كسر الراء بعدها مثناة تحتية وهمزة ممدودة (*)

[ 165 ]

وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا وظنت عليه النفس سيئة وأما ما لم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه وهذا هو الحق فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا ويكون قوله (وما أبرى نفسي) الآية أي ما أبرئها من هذا الهم أو يكون ذلك منه على طرق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكى قبل وبرى فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبى عبيدة أن يوسف لم يهم وأن الكلام فيه تقديم وتأخير أي ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها وقد قال الله تبارك وتعالى عن المرأة (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) وقال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) وقال تعالى (وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنى ربى أحسن مثواى) الآية قيل في ربى الله وقيل الملك وقيل هم بها أي بزجرها ووعظها وقيل هم بها أي غمها امتناعه عنها وقيل هم بها نظر إليها وقيل هم بضربها دفعها وقيل هذا كله كان قبل نبوته، وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه * وأما خبر موسى صلى الله عليه وسلم مع قتيله الذى وكزه وقد نص الله تعالى أنه من عدوه وقيل كان من القبط الذين على دين فرعون ودليل السورة في هذا كله أنه قبل نبوة موسى، وقال قتادة وكزه بالعصا ولم يتعمد قتله فعلى هذا لا معصية في ذلك، وقوله هذا من عمل الشطان وقوله ظلمت نفسي فاغفر لى


(قوله وقد حكى أبو حاتم) هو الإمام الحافظ الكبير محمد بن إدريس المنذر توفى سنة سبع وسبعين ومائتين. (*)

[ 166 ]

قال ابن جريج قال ذلك من أجل أنه لا ينبغى لنبى أن يقتل حتى يؤمر، وقال النقاش: لم يقتله عن عمد مريدا للقتل وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه قال وقد قيل إن هذا كان قبل النبوة وهو مقتضى للتلاوة وقوله تعالى في قصته (وفتناك فتنا) أي ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء قيل في هذه القصة وما جرى له مع فرعون وقيل إلماؤه في التابوت واليم وغير ذلك وقيل معناه أخلصناك إخلاصا قاله ابن جبير ومجاهد من قولهم فتنت الفضة في النار إذا خلصتها وأصل الفتنة معنى الاحتبار وإظهار ما بطن إلا أنه استعمل في عرف الشرع وفى اختبار أدى إلى ما يكره وكذلك ما روى في الخبر الصحيح من أن ملك الموت جاءه فلطم عينه ففقأها (الحديث) ليس فيه ما يحكم على موسى عليه السلام بالتعدي وفعل ما لا يجب إذ هو ظاهر الأمر بين الوجه جائز الفعل لأن موسى دافع عن نفسه من أتاه لإتلافها وقد تصور له في صورة آدمى ولا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك الموت فدافعه عن نفسه مدافعة أدت إلى ذهاب عين تلك الصورة التى تصور له فيها الملك امتحانا من الله فلما جاءه بعد وأعلمه الله تعالى أنه رسوله إليه استسلم، وللمتقدمين والمتأخرين على هذا الحديث أجوبة هذا أسدها عندي وهو تأويل شيخنا الإمام أبى عبد الله المازرى وقد تأوله قديما ابن عائشة وغيره على صكه ولطمه بالحجة وفق ء عين حجته وهو كلام مستعمل في هذا الباب في اللغة ومعروف * وأما قصة سليمان وما حكى فيها أهل التفاسير من ذنبه وقوله ولقد فتنا سليمان فمعناه ابتليناه وابتلاؤه ما حكى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين


(قوله أسدهما) بالسين المهملة، من السداد. (*)

[ 167 ]

كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله) فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم يقل. فلم تحمل منهن إلا واحدة جاءت بشق رجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذى نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) قال أصحاب المعاني: والشق هو الجسد الذى ألقى على كرسيه حين عرض عليه وهى عقوبته ومحنته وقيل بل مات فألقى على كرسيه ميتا، وقيل ذنبه حرصه على ذلك وتمنيه، وقيل لأنه لم يستثن لما استغرقة من الحرص وغلب عليه من التمنى وقيل عقوبته إن سلب ملكه وذنبه أن أحب بقلبه أن يكون الحق لأختانه على خصمهم وقيل أوخذ بذنب قارفه بعض نسائه ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله، وإن سئل لم لم يقل سليمان في القصة المذكورة إن شاء الله ؟ فعنه أجوبة أحدها ما روى في الحديث الصحيح أنه نسى أن يقولها وذلك ليفذ مراد الله، والثانى أنه لم يسمع صاحبه وشغل عنه وقوله (وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى) لم يفعل هذا سليمان غيرة على الدنيا ولا نقاسة بها ولكن مقصده في ذلك على ما ذكره المفسرون أن لا يسلط عليه أحد كما سلط عليه الشيطان الذى سلبه إياه مسدة امتحانه على قوله من قال ذلك. وقيل بل أراد أن يكون له من الله فضيلة وخاصة يختص بها كاختصاص غيره من أنبياء الله ورسله بخواص منه، وقيل ليكون دليلا وحجة على نبوته كإلابة الحديد لأبيه وإحياء الموتى لعيسى واختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالشفاعة ونحو هذا * وأما قصة نوح عليه السلام

[ 168 ]

فظاهرة العذر وأنه أخذ فيها بالتأويل وظاهر اللفظ لقوله تعالى وأهلك، فطلب مقتضى هذا اللفظ وأراد علم ما طوى عنه من ذلك لا أنه شك في وعد الله فبين الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذى هو غير صالح وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا ونهاه عن مخاطبته فيهم فووخذ بهذا التأويل وعتب عليه وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم يؤذن له في السؤال فيه وكان نوح فيما حكاه النقاش لا يعلم بكفر ابنه وقيل في الآية غير هذا وكل هذا لا يقضى على نوح بمعصية سوى ما ذكرناه من تأويله وإقدامه بالسؤال فيمن لم يؤذن له فيه ولا نهى عنه، وما روى في الصحيح من أن نبيا قرصته نملة فحرق قرية النمل فأوحى الله إليه: (أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح) فليس في هذا الحديث أن هذا الذى أتى معصية بل فعل ما رآه مصلحة وصوابا بقتل من يؤذى جنسه ويمنع المنفعة بما أباح الله، ألا ترى أن هذا النبي كان نازلا تحت الشجرة فلما آذته النملة تحول برحله عنها مخافة تكرار الأذى عليه وليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب عليه معصية بل ندبه إلى احتمال الصبر وترك التشفي كما قال تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) إذ ظاهر فعله إنما كان لأجل أنها آذته هو في خاصته فكان نتقاما لنفسه وقطع مضرة يتوقعها من بقية النمل هناك ولم يأت في كل هذا أمرا نهى عنه فيعصى به ولا نص فيها أوحى الله إليه بذلك ولا بالتوبة والاستغفار منه والله أعلم


(قوله أن نبيا قرصته نملة) قال الزكي المنذرى إنه موسى وإن قيل جاء من غير وجه إنه عزير، ونقل المحب الطبري عن الحكيم الترمذي أنه موسى. (*)

[ 169 ]

فإن قيل فما معنى قوله عليه السلام ما من أحد إلا ألم بذنب أو كاد إلا يحيى ابن زكريا أو كما قال عليه السلام ؟ فالجواب عنه كما تقدم من ذنوب الأنبياء التى وقعت عن غير قصد وعن سهو وغفلة فصل فإن قلت فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب والمعاصي بما ذكرته من اختلاف المفسرين وتأويل المحققين فما معنى قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) وما تكرر في القرآن والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهنم واستغفارهم وبكائهم على ما سلف منهم وإشفاقهم وهل يشفق ويتاب ويستغفر من لا شئ ؟ فاعلم وفقنا الله وإياك أن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم وأنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولا أمروا بها ثم ووخذوا عليها وعوتبوا بسببها وحذروا من المؤاخذة بها وأتوها على وجه التأويل أو السهو أو تزيد من أمور الدنيا المباحة خائفون وجلون وهى ذنوب بالإضافة إلى على منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم فإن الذنب مأخوذ من الشئ الدنى الرذل ومنه ذنب كل شئ أي آخره وأذناب الناس


(قوله فإن قيل فما معنى قوله ما من أحد إلا ألم بذنب) أجاب النووي عن ذلك بأن هذا الحديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده وفى إسناده على بن زيد بن جدعان. (*)

[ 170 ]

رذالهم فكان هذه أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجرى من أحوالهم لتطهيرهم وتنزيههم وعمارة بواطنهم وظواهرهم بالعمل الصالح والكلم الطيب والذكر الظاهر والخفى والخشية لله وإعظامه في السر والعلانية وغيرهم يتلوث من الكبائر والقبائح والفواحش ما تكون بالإضافة إلى هذه الهنات في حقه كالحسنات كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين أي يرونها بالإضافة إلى على أحوالهم كالسيئات وكذلك العصيان الترك والمخالفة فعلى مقتضى اللفظة كيفما كانت من سهو أو تأويل فهى مخالفة وترك وقوله غوى أي جهل أن تلك الشجرة هي التى نهى عنها والغى الجهل وقيل أخطأ ما طلب من الخلود إذ أكلها وخابت أمنيته وهذا يوسف عليه السلام قد ووخذ بقوله لأحد صاحبي السجن (اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) قيل أنسى يوسف ذكر الله، وقيل أنسى صاحبه أن يذكره لسيده الملك، قال النبي صلى الله عليه وسلم (لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن ما لبث) قال ابن دينار: لما قال ذلك يوسف قيل له اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك، فقال: يا رب أنسى قلبى كثرة البلوى، وقال بعضهم: يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل الذر لمكانتهم عنده ويجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته بهم في أضعاف ما أتوا به من سوء الأدب وقد قال المحتج للفرقة


(قوله رذالهم) بضم الراء وتخفيف الذال، ذكره الفارابى في ديوان الأدب، يقال هو رذال المال وغيره يعنى خسيسه (قوله الهيئات) بمثناة تحتية ساكنة بعد الهاء فهمزة وفى بعض النسخ: (الهنات) بنون مخففة من غير همزة، جمع هنة، وهى خصلة الشر. (*)

[ 171 ]

الأولى على سياق ما قلناه إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا يؤاخذ به غيرهم من السهو والنسيان وما ذكرته وحالهم أرفع فحالهم إذا في هذا أسوأ حالا من غيرهم، فاعلم أكرمك الله أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد مؤاخذة غيرهم، بل نقول إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا ليكون ذلك زيادة في درجاتهم ويبتلون بذلك ليكون استشعارهم له سببا لمنماة رتبهم كما قال (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) وقال لداود (فغفرنا له ذلك) لآية وقال بعد قول موسى تبت إليك. (إنى اصطفيتك على الناس) وقال بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته (فسخرنا له الريح) إلى (وحسن مآب) وقال بعض المتكلمين زلات الأنبياء في الظاهر زلات وفى الحقيقة كرامات وزلف وأشار إلى نحو مما قدمناه وأيضا فلينبه غيرهم من البشر منهم أو ممن ليس في درجتهم بمؤاخذتهم بذلك فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم ويعدوا الصبر على المحن بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب الرفيع المعصوم فكيف بمن سواهم، ولهذا قال صالح المرى ذكر داود بسطة للتوابين، قال ابن عطاء لم يكن ما نص الله تعالى من قصة صاحب الحوت نقصا له ولكن استزادة من نبينا صلى الله عليه وسلم وأيضا فيقال لهم فإنكم ومن وافقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر ولا خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر فما جوزتم من وقوع الصغائر علهيم هي مغفورة على هذا فما معنى


(قوله ويعدوا) بضم أوله وكسر ثانيه مضارع أعد (قوله صالح المرى) بضم الميم وتشديد الراء وياء للنسبة إلى مرة الواعظ الزاهد ابن بشير بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة (*)

[ 172 ]

المؤاخذة بها إذا عندكم وخوف الأنبياء وتوبتهم منها وهى مغفورة لو كانت فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأفعال السهو والتأويل، وقد قيل إن كثرة استغفار النبي صلى الله عليه وسلم وتوبته وغيره من الأنبياء على وجه ملازمة الخضوع والعبودية والاعتراف بالتقصير شكرا لله على نعمه كما قال صلى الله عليه وسلم وقد أمن من المؤاخذة بما تقدم وما تأخر (أفلا أكون عبدا شكورا) وقال (إنى أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى) قال الحارث بن أسد: خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام وتعبد لله لأنهم آمنون. وقيل فعلوا ذلك ليقتدى بهم وتستن بهم أممهم كما قال صلى الله عليه وسلم (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) وأيضا فإن في التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء وهو استدعاء محبة الله قال الله تعالى (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) فإحداث الرسل والأنبياء الاستغفار والتوبة والإنابة والأوبة في كل حين استدعاء لمحبة الله والاستغفار فيه معنى التوبة، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار) الآية وقال تعالى (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) فصل قد استبان لك أيها الناظر مما قررناه ما هو الحق من عصمته صلى الله


(قوله وقد أمن) بضم الهمزة وكسر الميم المشددة (قوله وقال الحارث) هو الحاسبى - بضم الميم - نسبة إلى محاسبة النفس. (*)

[ 173 ]

عليه وسلم عن الجهل بالله وصفاته أو كونه على حالة تنافى العلم شئ من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلا وإجماعا وقبلها سماعا ونقلا ولا بشئ مما قررناه من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحى قطعا وعقلا وشرعا وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله وأرسله قصدا أو غير قصد واستحالة ذلك عليه شرعا وإجماعا ونظرا وبرهانا وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا وتنزيهه عن الكبائر إجماعا وعن الصغائر تحقيقا وعن استدامة السهو والغفلة واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة وعصمته في كل حالاته من رضى وغضب وجد ومزح فيجب عليك أن تتلقاه باليمين وتشد عليه يد الضنين وتقدر هذه الفصول حق قدرها وتعلم عظيم قائدتها وخطرها فإن من يجهل ما يجب للنبى صلى الله عليه وسلم أو يجوز أو يستحيل عليه ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه ولا ينزهه عما لا يجب أن يضاف إليه فيهلك من حيث لا يدرى ويسقط في هوة الدرك الأسفل من النار إذ ظن الباطل به اعتقاد ما لا يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار ولهذا ما احتاط عليه السلام على الرجلين اللذين رأياه ليلا وهو معتكف في المسجد مع صفية فقال لهما: إنه صفية، ثم قال لهما: إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم وإنى خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا فتهلكا) * هذه أكرمك الله إحدى فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول ولعل جاهلا لا يعلم


(قوله وخطرها) بفتح الخاء والطاء المهملة أي قدرها (قوله في هوة الدرك) الهوة العميقة في الصحاح ودركات النار منازل أهلها والنار دركات والجنة درجات والقعر الآخر درك ودرك. (*)

[ 174 ]

بجهله إذا سمع شيئا منها يرى أن الكلام فيها جملة من فضول العلم وأن السكوت أولى وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التى ذكرناها وفائدة ثانية يظطر إليها في أصول الفقه ويبتنى عليها مسائل لا تتعد من الفقه ويتخلص بها من تشعيب مختلفى الفقهاء في عدة منها وهى الحكم في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وهو باب عظيم وأصل كبير من أصول الفقه ولا بد من بنائه على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في أخباره وبلاغه وأنه لا يجوز عليه السهو فيه وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدا وبحسب اختلافهم في وقوع الصغائر وقع خلاف في امتثال الفعل بسط بيانه في كتب ذلك العلم فلا نطول به وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم والمفتى فيمن أضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من هذه الأمور ووصفه بها فعن لم يعرف ما يجوز وما يمتنع عليه وما وقع الإجماع فيه والخلاف كيف يصمم في الفتيا في ذلك ومن أين يدرى هل ما قاله في نقص أو مدح فإما أن يجترئ على سفك دم مسلم حرام أو يسقط حقا ويضيع حرمة للنبى صلى الله عليه وسلم ؟ وبسبيل هذا ما قد اختلف أرباب الأصول وأئمة العلماء والمحققين في عصمة الملائكة فصل في القول في عصمة الملائكة أجمع المسلمون على أن الملائكة مؤمنون فضلاء واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه وأنهم في حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم واختلفوا في غير المرسلين منهم فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن

[ 175 ]

المعاصي واحتجوا بقوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) وبقوله (وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) وبقوله (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) وبقوله (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) الآية، وبقوله (كرام بررة) و (لا يمسه إلا المطهرون) ونحوه من السمعيات، وذهبت طائفة إن أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين، واحتجوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتفاسير نحن نذكرها إن شاء الله بعد وتبين الوجه فيها إن شاء الله، والصواب عصمة جميعهم وتنزيه نصابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم ورأيت بعض شيوخنا أشار بأن لا حاجة بالفقيه إلى الكلام في عصمتهم. وأنا أقول إن للكلام في ذلك ما للكلام في عصمة الأنبياء من الفوائد التى ذكرناها سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال فهى ساقطة ههنا، فما احتج به من لم يوجب عصمة جميعهم قصة هاروت وماروت وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة المفسرين وما روى عن على وابن عباس في خبرهما وابتلائهما، فاعلم أكرمك الله أن هذه الأخبار لم يرو منها شئ لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو شيئا يؤخذ بقياس والذى منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف كما سنذكره، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم كما نصه الله أول الآيات من افترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه، وقد انطوت القصة على شنع عظيمة وها نحن نحبر في ذلك ما يشكف غطاء هذه

[ 176 ]

الإشكالات إن شاء الله فاختلف أولا في هاروت وماروت هل هما ملكان أو إنسيان، وهل هما المراد بالملكين أم لا، وهل القراءة ملكين أو ملكين، وهل ما في قوله (وما أنزل) (وما يعلمان من أحد) نافية أو موجية ؟ فأكثر المفسرين أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين لتعليم السحر وتبيينه وأن عمله كفر، فمن تعلمه كفر، ومن تركه آمن، قال الله تعالى (إنما نحن فتنة فلا تكفر) وتعليمهما الناس له تعليم إنذار أي يقولان لمن جاء يطلب تعلمه لا تفعلوا كذا فإنه يفرق بين المرء وزوجه ولا تتخيلوا بكذا فإنه سحر فلا تكفروا فعلى هذا فعل الملكين طاعة وتصرفهما فيما أمرا به ليس بمعصية وهى لغيرهما فتنة، وروى ابن وهب عن خالد بن أبى عمران أنه ذكر عنده هاروت وماروت وأنهما يعلمان السحر فقال نحن ننزههما عن هذا فقرأ بعضهم (وما أنزل على الملكين) فقال خالد لم ينزل عليهما فهذا خالد على جلالته وعلمه نزههما عن تعليم السحر الذى قد ذكر غيره أنهما مأذون لهما في تعليمه بشريطة أن يبيننا أنه كفر وأنه امتحان من الله وابتلاء، فكيف لا ينزههما عن كبائر المعاصي والكفر المذكورة في تلك الأخبار، وقوله خالد لم ينزل يريد أن (ما) نافية وهو قول ابن عباس، قال مكى وتقدير الكلام وما كفر سليمان يريد بالسحر الذى افتعلته عليه الشياطين واتبعهم في ذلك اليهود وما أنزل على الملكين، قال مكى هما جبريل وميكائيل ادعى اليهود عليهما المجئ به كما ادعوا على سليمان فأكذبهم الله في ذلك ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. ببابل هاروت وماروت:

[ 177 ]

قيل: هما رجلان تعلماه، قال الحسن: هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وقرأ، وما أنزل على الملكين بكسر اللام وتكون (ما) إيجابا على هذا، وكذلك قراءة عبد الرحمن بن أبزى بكسر اللام، ولكنه قال الملكان هنا داود وسليمان وتكون (ما) نفيا على ما تقدم، وقيل: كانا ملكين من بنى إسرائيل فمسخهما الله، حكاه السمرقندى والقراءة بكسر اللام شاذة فمحمل الآية على تقدير أبى محمد مكى حسن ينزه الملائكة ويذهب الرجس عنهم ويطهرهم تطهيرا وقد وصفهم الله بأنهم مطهرون و (كرام بررة) و (لا يعصون الله ما أمرهم) ومما يذكرونه قصة إبليس وأنه كان من الملائكة ورئيسا فبهم ومن خزان الجنة إلى آخر ما حكوه وأنه استثناه من الملائكة بقوله (فسجدوا إلا إبليس) وهذا أيضا لم يتفق عليه بل الأكثر ينفون ذلك وأنه أبو الجن كما آدم أو الإنس وهو قوله الحسن وقتادة وابن زيد، وقال شهر بن حوشب كان من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض حين أفسدوا، والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب سائغ وقد قال الله تعالى (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) ومما رووه في الأخبار أن خلقا من الملائكة عصوا الله فحرقوا وأمروا أن يسجدوا لآدم فأبوا فحرقوا ثم آخرون كذلك حتى سجد له من ذكر الله إلا إبليس في أخبار لا أصل لها تردها صحاح الأخبار فلا يشتغل بها والله أعلم


(قوله علجان) العلج بكسر العين المهملة وسكون اللام بعدها جيم: الرجل من كفار العجم وغيرهم (قوله أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفى آخره الف مقصورة اختلف في صحبته (قوله ابن حوشب) بفتح الهاء المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة بعدها موحدة (12 - 2) (*)

[ 178 ]

الباب الثاني فيما يخصهم في الأمور الدنيوية وما يطرأ عليهم من العوارض البشرية قد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والرسل من البشر وأن جسمه وظاهره خالص للبشر يجوز عليه من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام وتجزع كأس الحمام ما يجوز على البشر وهذا كله ليس بنقيصة فيه لأن الشئ إنما يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدار فيها يحيون وفيها يموتون ومنها يخرجون وخلق جميع البشر بمدرجة الغير فقد مرض صلى الله عليه وسلم واشتكى وأصابه الحر والقر وأدركه الجوع والعطش ولحقه الغضب والضجر وناله الإعياء والتعب ومسسه الضعف والكبر وسقط فجحش شقه وشجه الكفار وكسروا رباعيته وسقى السم وسحر وتداوى واحتجم وتنشر وتعوذ ثم قضى نحبه فتوفى صلى الله عليه وسلم ولحق بالرفيق الأعلى وتخلص من دار الامتحان والبلوى وهذه سمات البشر


(قوله بمدرجة الغير) المدرجة بفتح الميم وسكون الدال: المذهب والمسلك، والغير بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة التحتية: الاسم من قولك غيرت الشئ فتغير (قوله فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة: أي خدش (قوله السم) بتثليث السين والأفصح فتحها ويليه بضم (قوله وتنشر) من النشرة وهى الرقية والتعويذ (قوله بالرفيق الأعلى) قال ابن الأثير وهو الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون وقيل هو مرتفق الجنة، وقيل الرفيق الأعلى: الله تعالى لأنه رفيق بعباده وقال ابن قرقول: أهل اللغة لا يعرفون هذا، ولعله تصحيف من الرفيع (*)

[ 179 ]

التى لا محيص عنها وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منه فقتلوا قتلا ورموا في النار ونشروا بالمناشير ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات ومنهم من عصمه كما عصم بعد نبينا من الناس فلئن لم يكف نبينا ربه يد ابن قمئة يوم أحد ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوته أهل الطائف فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور وأمسك عنه سيف غورث وحجر أبى جهل وفرس سراقة ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم من سم اليهودية وهكذا سائر أنبيائه مبتلى ومعافى وذلك من تمام حكمته ليظهر شرفهم في هذه المقامات ويبين أمرهم ويتم كلمته فيهم وليحقق بامتحانهم بشريتهم ويرتفع الالتباس عن أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم ضلال النصارى بعيسى ابن مريم وليكون في محنهم تسلية لأممهم ووفور لأجورهم عند ربهم تماما على الذى أحسن إليهم، قال بعض المحققين وهذه الطوارى والتغييرات المذكورة إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعناة بنى آدم لمشاكلة الجنس وأما بواطنهم فمنزهة غالبا عن ذلك معصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذها عنهم وتلقيها الوحى منهم قال وقد قال صلى الله عليه وسلم (إن عينى تنامان ولا ينام قلبى) وقال (إنى لست كهيئتكم إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقيني) وقال (لست أنسى ولكن أنسى ليستن بى) فأخبر أن سره وباطنه وروحه خلاف جسمه وظاهره وأن الآفات التى تحل ظاهره من ضعف وجوع وسهر


(قوله ووشروا) يقال أشرت الخشبة إشراء ووشرتها وشرا: إذا شققتها، مثل نشرتها، والمئشار بالهمزة: المنشار بالنون، وقد تترك الهمزة (*)

[ 180 ]

ونوم لا يحل منها شئ باطنه بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن لأن غيره إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه وهو صلى الله عليه وسلم في نومه حاضر القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه وكذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه وخارت قوته فبطلت بالكلية جملته وهو صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا يعتريه ذلك وأنه بخلافهم لقوله (إنى لست كهيئتكم إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقيني وكذلك أقول إنه في هذه الأحوال كلها من وصب ومرض وسحر وغضب لم يجر على باطنه ما يخل به ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يليق به كما يعترى غيره من البشر مما نأخذ بعد في بيانه فصل فإن قلت فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم سحر كما حدثنا الشيخ أبو محمد العتابى بقراءتي عليه قال نا حاتم بن محمد نا أبو الحسن على بن خلف نا محمد بن أحمد نا محمد بن يوسف نا البخاري نا عبيد ابن اسماعيل نا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشئ وما فعله وفى رواية أخرى حتى كان يخيل إليه أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن (الحديث) وإذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور


(قوله وخارت) بالخاء المعجمة: أي ضعفت (قوله من وصب) بفتح الواو والصاد المهملة: أي مرض (*)

[ 181 ]

فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وكيف جاز عليه وهو معصوم ؟ فاعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الحديث صحيح متفق عليه وقد طعنت فيه الملحدة وتدرعت به لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع وقد نزه الله الشرع والنبى عما يدخل في أمره لبسا وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته * وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشئ ولا يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شئ من تبليغه أو شريعته أو يقدح في صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التى لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلى عنه كما كان وأيضا فقد فسر هذا الفضل الحديث الآخر من قوله (حتى يخيل إليه أنى يأتي أهله ولا يأتيهن) وقد قال سفيان: هذا أشد ما يكون من السحر ولم يأت في خير منها أنه نقبل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله وإنما كانت خواطر وتخييلات. وقد قيل إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشئ أنه فعله وما فعله لكنه تخييل لا يعتقد صحته فتكون اعتقاداته كلها على السداد وأقواله على الصحة، هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحنا من معنى كلامهم وزدناه بيانا من تلويحاتهم وكل وجه منها مقنع لكنه قد ظهر لى في الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعن


(قوله وتدرعت) أي لبست الدرع (*)

[ 182 ]

ذوى الأضاليل يستفاد من نفس الحديث وهو أن عبد الرزاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيب وعروة بن الزبير، وقال فيه عنهما سحر يهود بنى زريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوه في بئر حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكر بصره ثم دله الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر، وروى نحوه عن الواقدي وعن عبد الرحمن بن كعب وعمر بن الحكم وذكر عن عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة سنة فبينا هو نائم أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه (الحديث)، قال عبد الرزاق: حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة خاصة سنة حتى أنكر بصره، وروى محمد بن سعد عن ابن عباس مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبس عن النساء والطعام والشراب فهبط عليه ملكان وذكر القصة، فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله وأنه إنما أثر في بصره وحبسه عن وطء نسائه وطعامه وأضعف جسمه وأمرضه ويكون معنى قوله: يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن، أي: يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن كما يعترى من أخذ واعترض، ولعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله: وهذا أشد ما يكون


(قوله عطاء الخراساني) هو ابن أبى مسلم مولى المهلب بن أبى صفرة (قوله ابن يعمر) بفتح أوله وضم ثالثه (قوله أتاه ملكان) في سيرة الدماطى أنهما جبريل وميكائيل (قوله أخذة السحر (بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة بعدها ذال معجمة، في الصحاح الأخذة بالضم رقية السحر وخرزة تؤخذ النساء بها الرجال من التأخيذ (*)

[ 183 ]

من السحر ويكون قوله عائشة في الرواية الأخرى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشئ وما فعله من باب اما اختل من بصره كما ذكر في الحديث فيظن أنه رأى شخصا من بعض أزواجه أو شاهد فعلا من غيره ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره لا لشئ طرأ عليه في ميزه وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسا ولا يجد به الملحد المعترض أنسا فصل هذا حاله في جسمه، فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسبرها على أسلوبها المتقدم بالعقد والقول والفعل، أما العقد منها فقد يعتقد في أمور الدنيا الشئ على وجه ويظهر خلافه أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع كما حدثنا أبو بحر سفيان بن العاص وغير واحد سماعا وقراءة قالوا حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر، قال حدثنا أبو العباس الرازي حدثنا أبو أحمد بن عمرويه حدثنا ابن سفيان حدثنا مسلم حدثنا عبد الله بن الرومي وعباس العنبري وأحمد المعقرى قالوا حدثنا النضر بن محمد قال حدثنى عكرمة حدثنا أبو النجاشي قال حدثنا رافع


(قوله في ميزه) بفتح الميم وسكون المثناة التحتية بعدها زاى وهاء للضمير أي تمييزه وإفرازه (قوله نسبرها) بنون في أوله مفتوحة أو مضمومة وسين مهملة ساكنة بعدها موحدة يقال سبرته وأسبرته أي حزبته وجربته (قوله وعباس العنبري) عباس بباء موحدة وسين مهملة هو ابن عبد المنعم ابن اسماعيل بن نوبة (قوله المعقرى) بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف، ويقال أيضا بكسر الميم وفتح القاف ويقال أيضا بضم الميم وفتح العين وكسر القاف المشددة: منسوب إلى معقرة، ناحية باليمن (قوله أبو النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم والشين المعجمة: هو عطاء بن صهيب يروى عن مولاه رافع بن خديج ويروى عنه الأوزاعي وغيره (*)

[ 184 ]

ابن خديج قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل فقال: (ما تصنعون ؟) قالوا: كنا نصنعه، قال: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا) فتركوه فنفضت، فذكروا ذلك له فقال: (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر) وفى رواية أنس (أنتم أعلم بأمر دنياكم) وفى حديث آخر (إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذني بالظن) وفى حديث ابن عباس في قصة الخرص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب) وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه وسنة سنها وكما حكى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل بادنى مياه بدر قال له الحباب ابن المنذر: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ قال (لا بل هو الرأى والحرب والمكيدة) قال فإنه ليس بمنزل، انهض حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه


(قوله ابن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وفى آخره جيم (قوله يأبرون) بموحدة مخففة قبل الراء، وفى رواية الطبري يؤبرون بهمزة مفتوحة وموحدة مشددة (قوله فنفضت) بنون وفاء وضاد معجمة أي أسقطت حملها، قال ابن قرقول ما عدا هذا الرواية تصحيف (قوله الخرص) بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها صاد مهملة: أي الحزر والتقدير (قوله الحباب) بضم الحاء المهملة وبموحدتين (قوله حتى تعور) بالعين المهملة أو المعجمة وتشديد الواو، قال السهيلي بضم العين المهملة وسكون الواو، قال وقد جاء على لغة من يقول قول القول وبوع للباع انتهى وقال الحافظ المرى تعوير القلب - بالعين المهملة - إفساده وتغويره بالمعجمة - إزالة المأمنة وليس هذا من مقدور البشر بخلاف الأول (*)

[ 185 ]

من القلب فنشرب ولا يشربون، فقال (أشرت بالرأى) وفعل ما قاله، وقد قال الله تعالى له صلى الله عليه وسلم (وشاورهم في الأمر) وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث تمر المدينة فاستشار الأنصار فلما أخبروه برأيهم رجع عنه، فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التى لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بها والنبى صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملان الجوانح بعلوم الشريعة مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة وقد تواتر بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم من المعرفة بأمور الدنيا ودقائق مصالحها وسياسة فرق أهلها ما هو معجز في البشر مما قد نبهنا عليه في باب معجزاته من هذا الكتاب. فصل وأما ما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم ومعرفة المحق من المبطل وعلم المصلح من المفسد فبهذه السبيل لقوله صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو مما أسمع،


(قوله ألحن بحجته) في الصحاح اللحن - بالتحريك - الفطنة وقد لحن وفى الحديث (ولعل أحدكم ألحن بحجته) أي أفطن بها، ومنه قول عمر بن عبد العزيز: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم فاطنهم انتهى (*)

[ 186 ]

فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار) * حدثنا الفقيه أبو الوليد رحمه الله حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو عمر حدثنا أبو محمد حدثنا أبو بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحديث) وفى رواية الزهري عن عروة) فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له) ويجرى أحكامه صلى الله عليه وسلم على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة الشاهد ويمين الحالف ومراعاة الأشبه ومعرفة العفاص والوكاء مع مقتضى حكمة الله في ذلك فإنه تعالى لو شاء لأطلعه على سرائر عباده ومخبآت ضمائر أمته فتولى الحكم بينهم بمجرد يقينه وعلمه دون حاجة إلى اعتراف أو بينة أو يمين أو شبهة ولكن لما أمر الله أمته باتباعه والاقتداء به في أفعاله وأحواله وقضاياه وسيره وكان هذا لو كان مما يختص بعلمه ويؤثره الله به لم يكن للأمة سبيل إلى الاقتداء به في شئ من ذلك ولا قامت حجة بقضية من قضاياه لأحد في شريعته لأنا لا نعلم ما أطلع عليه هو في تلك القضية بحكمه هو إذا في ذلك


(قوله ابن كثير) هو بفتح الكاف وكسر المثلثة (قوله العفاص) بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء وفى آخره صاد مهملة: هو الوعاء الذى يكون فيه الشئ وفيه عفاص القارورة للجلد أي بلبسه رأسها (قوله والوكاء) بكسر الواو والمد هو الخيط الذى يشد به الوعاء، ثم استعمل في كل ما يربط به: صرة أو غيرها (*)

[ 187 ]

بالمكنون من إعلام الله له بما أطلعه عليه من سرائرهم وهذا ما لا تعلمه الأمة فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم التى يستوى في ذلك هو وغيره من البشر ليتم اقتداء أمته به في تعيين قضاياه وتنزيل أحكامه ويأتون ما أتوا من ذلك على علم ويقين من سنته، إذ البيان بالفعل أوقع منه بالقول وأرفع الاحتمال اللفظ وتأويل المتأول وكان حكمه على الظاهر أجلى في البيان وأوضح في وجوه الأحكام وأكثر فائدة لموجبات التشاجر والخصام وليقتدى بذلك كله حكام أمته ويستوثق بما يؤثر عنه وينضبط قانون شريعته وطى ذلك عنه من علم الغيب الذى استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فيعلمه منه بما شاء ويستأثر بما شاء ولا يقدح هذا في نبوته ولا يفصم عروة من عصمته فصل وأما أقواله الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي وجه من عمد أو سهو أو صحة أو مرض أو رضى أو غضب وأنه معصوم منه صلى الله عليه وسلم. هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه


(قوله بما أتوا) بقصر الهمزة أي بما جاؤا (قوله ولا يفصم) بالفاء والصاد المهملة: من فصم الشئ كسره من غير أن بين (*)

[ 188 ]

مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره وكما روى من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطبيب قلوب المؤمنين من صحابته وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم كقوله لأحملنك على ابن الناقة وقوله للمرأة التى سألته عن زوجها: (أهو الذى بعينه بياض ؟) وهذا كله صدق لأن كل جمل ابن ناقة وكل إنسان بعينه بياض ؟) وقد قال صلى الله عليه وسلم (إنى لأمزح ولا أقول إلا حقا، هذا كله فيما بابه الخبر * فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر والنهى في الأمور الدنيوية فلا يصح منه أيضا ولا يجوز عليه أن يأمرا أحدا بشئ أو ينهى أحدا عن شئ وهو يبطن خلافه وقد قال صلى الله عليه وسلم (ما كان لنبى أن تكون له خائنة الأعين) فكيف أن تكون له خائنة قلب ؟ فإن قلت فما معنى قوله تعالى في قصة زيد (وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك) الآية ؟ فاعلم أكرمك الله ولا تسترب في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الظاهر وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها كما ذكر عن جماعة من المفسرين وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن على بن حسين أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه فلما


(قوله ودعابته) بضم الدال المهملة أي مزاحه (قوله لأحملنك على ابن الناقة) هو بكسر الكاف خطاب لحاضنته أم أيمن لما روى سعد بإسناده أن أم أيمن جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت احملني قال (احملك على ولد الناقة) فقالت إليه إنه لا يطيقني. فقال (لا أحملك إلا على ولد الناقة والإبل كلها ولد النوق) (قوله خائنة الأعين) قال ابن الصلاح في مشكله قيل هي الإيماء بالعين وقيل مفارقة النظر (قوله في قصة زيد) هو ابن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه في غزوة مؤنة (قوله أن زينب) هي بنت جحش وفى أزواجه عليه السلام زينب أخرى بنت (*)

[ 189 ]

شكاها إليه زيد قال له (أمسك عليك زوجك واتق الله) وأخفى منه في نفسه ما أعلمه الله به من أنه يتزوجها بما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وطلاق زيد لها، وروى نحو عمرو بن فائد عن الزهري قال نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش فذلك الذى أخفى في نفسه، ويصحح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا (وكان أمر الله مفعولا) أي لا بد لك أن تتزوجها، ويوضح هذا أن الله لم يبد من أمره معها غير زواجه لها، فدل أنه الذى أخفاه صلى الله عليه وسلم مما كان أعلمه به تعالى وقوله تعالى في القصة: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله) الآية، فدل أنه لم يكن عليه حرج في الأمر، قال الطبري ما كان الله ليؤثم نبيه فيما أحل له مثال فعله لمن قبله من الرسل، قال الله تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل) أي من النبيين فيما أحل لهم ولو كان على ما روى في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي صلى الله عليه وسلم عند ما أعجبته ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج وما لا يليق به من مد عينيه لما نهى عنه من زهرة الحياة الدنيا ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذى لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء، فكيف سيد الأنبياء ؟ قال القشيرى وهذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلم وبفضله وكيف يقال رآها فأعجبته وهى بنت عمته ولم يزل يراها


خريمة تزوجها في شهر رمضان على رأس أخذ وثلاثين شهرا من الهجرة ومكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت ودفنت بالبقيع (قوله ابن فائد) بالفاء وكذا ذكره ابن ماكولا (قوله وهى بنت عمته) لأن أمها أمية بنت عبد المطلب (*)

[ 190 ]

منذ ولدت ولا كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم وهو زوجها لزيد ؟ وإنما جعل الله طلاق زيد لها وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) * وقال (لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم)، ونحوه لابن فورك، وقال أبو الليث السمرقندى فإن قيل فما الفائدة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بإمساكها فهو أن الله أعلم نبيه أنها زوجته فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن طلاقها إذ لم تكن بينهما ألفة وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به فلما طلقها زيد خشى قول الناس يتزوج امرأة ابنه فأمره الله بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته كما قال تعالى (لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم) وقد قيل كان أمره لزيد بإمساكها قمعا للشهوة وردا للنفس عن هواها وهذا إذا جوزنا عليه أنه رآها فجأة واستحسنها ومثل هذا لا نكرة فيه لما طبع عليه ابن آدم من استحسانه الحسن ونظرة الفجأة معفو عنها ثم قمع نفسه عنها وأمر زيدا بإمساكها وإنما تنكر تلك الزيادات التى في القصة والتعويل والأولى ما ذكرناه عن على بن حسين وحكاه السمرقندى وهو قول ابن عطاء واستحسنه القاضى القشيرى وعليه عول أبو بكر بن فورك وقال إنه معنى ذلك عند المحققين من أهل التفسير، قال والنبى صلى الله عليه وسلم منزه عن استعمال النفاق في ذلك وإظهار خلاف ما في نفسه وقد نزهه الله عن ذلك بقوله تعالى (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له) قال ومن ظن ذلك


(قوله فجأة) بفتح الفاء وسكون الجيم بعدها همزة. وبضم الفاء وفتح الجيم والمد (*)

[ 191 ]

بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ قال وليس معنى الخشية هنا الخوف وإنما معناه الاستحياء أي يستحيى منهم أن يقولوا تزوج زوجة ابنه وأن خشيته صلى الله عليه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود تشغيبهم على المسلمين بقولهم تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء كما كان فعتبه الله على هذا ونزهه عن الالتفات إليهم فيما أحله له كما عتبه على مراعاة رضى أزواجه في سورة التحريم بقوله: (لم تحرم ما أحل الله لك) الآية، كذلك قوله: له ههنا (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) وقد روى عن الحسن وعائشة: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لكتم هذا الآية لما فيها من عتبه وإبداء ما أخفاه فصل فإن قلت قد تقررت عصمته صلى الله عليه وسلم في أقواله في جميع أحواله وأنه لا يصح منه فيها خلف ولا اضطراب في عمد ولا سهو ولا صحة ولا مرض ولا جد ولا مزح ولا رضى ولا غضب ولكن ما معنى الحديث في وصيته صلى الله عليه وسلم الذى حدثنا به القاضى الشهيد أبو على رحمه الله قال حدثنا القاضى أبو الوليد حدثنا أبو ذر حدثنا أبو محمد وأبو الهيثم وأبو إسحقاق قالوا حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا على بن عبد الله حدثنا عبد الرزاق بن همام أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله


(قوله عبد الرزاق) عن همام عن معمر) هذا يقع في كثير من النسخ والصواب ما في بعضها وهو عبد الراق بن همام أو عبد الرزاق عن معمر لأن عبد الرزاق لا يروى = (*)

[ 192 ]

ابن عبد الله عن ابن عباس قال لما احتضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم (هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده) فقال بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع (الحديث) وفى رواية (آتونى أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدى أبدا) فتنازعوا فقالوا ماله أهجر: استفهموه، فقال (دعوني فإن الذى أنا فيه خير) وفى بعض طرقه: إن النبي صلى الله عليه وسلم يهجر. وفى رواية هجر ويروى أهجر، ويروى أهجرا، وفيه فقال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتد به الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا وكثر اللعط فمال قوموا عنى وفى رواية واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا ومنهم من يقول ما قال عمر، قال أئمتنا في هذا الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الأمراض وما يكون من عوارضها من شدة وجع غشى ونحوه مما يطرأ على جسمه معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته ويؤدى إلى فساد في شريعته من هذيان أو اختلال في الكلام. وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث هجر


= عن همام واسم أبيه همام. ويروى عن معمر. ومعمر بفتح الميمين وسكون العين المهملة (قوله أهجر) بفتح الهمزة والهاء والجيم وفى رواية هجر بفتح الهاء والجيم من غير همزة. وفى رواية أهجر بفتح الهمزة وضم الهاء قال ابن الأثير أي هل تغير كلامه واختلط لما به من المرض. وهذا أحسن ما يقال فيه ولا يجعل إخبارا فيكون من الفحش والهذيان والقائل كان عمر لا يظن به ذلك انتهى، وقد أفرد ابن دحية هذه اللفظة بتأليف (*)

[ 193 ]

إذ معناه هذى يقال هجر هجرا إذ هذى، وأهجر هجرا إذا أفحش، وأهجر تعدية هجر، وإنما الأصح والأولى أهجر ؟ على طريق الإنكار على من قال لا يكتب، هكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرواة في حديث الزهري المتقدم، وفى حديث محمد بن سلام عن ابن عيينة وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه وغيره من هذه الطرق وكذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان وعن غيره وقد تحمل عليه رواية من رواه هجر على حذف ألف الاستفهام والتقدير أهجر ؟ أو أن يحمل قول القائل هجر أو أهجر دهشة من قائل ذلك وحيرة لعظيم ما شاهد من حال الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة وجعه والمقام الذى اختلف فيه عليه والأمر الذى هم بالكتاب فيه حتى لم يضبط هذا القائل لفظه وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع لا أنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر كما حملهم الإشفاق على حراسته والله يقول (والله يعصمك من الناس) ونحو هذا * وأما على رواية أهجرا - وهى رواية أبى إسحاق المستملى في الصحيح في حديث ابن جبير عن ابن عباس من رواية قتيبة - فقد يكون هذا راجعا إلى المختلفين عنده صلى الله عليه وسلم ومخاطبة لهم من بعضهم أي جئتم باختلافكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه هجرا ومنكرا


(قوله في حديث محمد بن سلام) هو السكندرى، قال الذهبي ما ذكر فيه الخطيب ولا ابن ماكولا سوى التخفيف، وقال ابن قرقول والمصنف في المشارق نقله الأكثر (قوله وأجرى الهجر) بفتح الهاء وإسكان الجيم وهو الهذيان (قوله مجرى) بضم الميم لأنه من أجرى (قوله أهجرا) بفتح الهاء (قوله المستملى) بمثناة فوقية بعد السين المهملة (قوله هجرا) بضم الهاء وسكون الجيم: اسم من الإهجار (13 - 2) بمعنى الإفحاش في النطق (*)

[ 194 ]

من القول، والهجر بضم الهاء: الفحش في المنطق وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث وكيف اختلفوا بعد أمره صلى الله عليه وسلم أن يأتوه بالكتاب، فقال بعضهم أوامر النبي صلى الله عليه وسلم يفهم إيجابها من ندبها من إباحتها بقرائن، فلعل قد ظهر من قرائن قوله صلى الله عليه وسلم لبعضهم ما فهموا أنه لم تكن منه عزمة بل أمر رده إلى اختيارهم وبعضهم لم يفهم ذلك فقال: استفهموه، فلما اختلفوا كف عنه إذ لم يكن عزمه ولما رأوه من صواب رأى عمر: ثم هؤلاء قالوا ويكون امتناع عمر إما إشفاقا على النبي صلى الله عليه وسلم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد به الوجع، وقيل خشى عمر أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج بالمخالفة ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد وحكم النظر وطلب الصواب فيكون المصيب والمخطئ مأجورا، وقد علم عمر تقرر الشرع وتأسيس الملة وأن الله تعالى قال: (اليوم أكملت لكم دينكم) وقوله صلى الله عليه وسلم (أوصيكم بكتاب الله وعترتي) وقوله عمر: حسبنا كتاب الله رد على ما نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل: إن عمر خشى تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك، وقيل إنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم لهم على طريق المشورة والاختبار وهل يتفقون على ذلك أم يختلفوا)


(قوله المشورة) في الصحاح: المشورة الشورى وكذلك المشورة بضم الشين، تقول منه شاورته واستشرته (*)

[ 195 ]

فلما اختلفوا تركه، وقالت طائفة أخرى: أن معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتدا بالأمر به بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التى ذكرناها، واستدل في مثل هذه القصة بقول العباس لعلى: انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان الأمر فينا علمناه، وكراهة على هذا وقوله: والله لا أفعل - الحديث - واستدل بقوله دعوني فإن الذى أنا فيه خير: أي الذى أنا فيه خير من إرسال الأمر وترككم وكتاب الله وأن تدعوني مما طلبتم، وذكر أن الذى طلب كتابه أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك فصل فإن قيل فما وجه حديثه أيضا الذى حدثنا الفقيه أبو محمد الخشنى بقراءتي عليه حدثنا أبو على الطبري حدثنا عبد الغافر الفارسى حدثنا أبو أحمد الجلودى قال حدثنا إبراهيم بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن سعيد بن أبى سعيد عن سالم مولى النصريين قال: سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإنى قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فأجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة) * وفى رواية (فأيما أحد دعوت عليه


(قوله مولى النصريين) بنون وصاد مهملة هو سالم بن عبد الله النصرى بالنون والصاد المهملة (*)

[ 196 ]

دعوة، وفى رواية (ليس لها بأهل)، وفى رواية (فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فأجعلها له زكاة وصلاة ورحمة) وكيف يصح أن يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من لا يستحق اللعن ويسب من لا يستحق السب ويجلد من لا يستحق الجلد أو يفعل مثل ذلك عند الغضب وهو معصوم من هذا كله، فاعلم شرح الله صدرك أن قوله صلى الله عليه وسلم أولا (ليس لها بأهل) أي عندك يا رب في باطن أمره فإن أمره فإن حكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر كما قال وللحكمة التى ذكرناها فحكم صلى الله عليه وسلم بجلده أو أدبه بسبه أو لعنه بما اقتضاه عنده حال ظاهره ثم دعا له صلى الله عليه وسلم لشفقته على أمته ورأفته ورحمته للمؤمنين التى وصفه الله بها وحذره أن يتقبل الله فيمن دعا عليه دعوته أن يجعل دعاءه وفعله له رحمة وهو معنى قوله (ليس لها بأهل)، لا أنه صلى الله عليه وسلم يحمله الغضب ويستفزه الضجر لأن يفعل مثل هذا بمن لا يستحقه من مسلم، وهذا معنى صحيح، ولا يفهم من قوله (أغضب كما يغضب البشر أن الغضب حمله على ما لا يجب بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه أو سبه وأنه مما كان يحتمل ويجوز عفوه عنه أو كان مما خير بين المعاقبة فيه والعفو عنه، وقد يحمل على أنه خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف والحذر من تعدى حدود الله وقد يحمل ما ورد من دعائه هنا ومن دعواته على غير واحد في غير موطن على غير العقد والقصد بل بما جرت به عادة العرب وليس المراد بها الإجابة

[ 197 ]

كقوله، تربت يمينك، ولا أشبع الله بطنك، وعقرى حلقى) وغيرها من دعواته، وقد ورد في صفته في غير حديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن فحاشا، وقال أنس لم يكن سبابا ولا فاحشا ولا لعانا وكان يقول لأحدنا عند المعتبة (ما له ؟ ترب جبينه) فيكون حمل الحديث على هذا المعنى، ثم أشفق صلى الله عليه وسلم من موافقة أمثالها إجابة فعاهد ربه كما قال في الحديث أن يجعل ذلك للمقول له زكاة ورحمة وقربة، وقد يكون ذلك إشفاقا على المدعو عليه وتأنيسا له لئلا يلحقه من استشعار الخوف والحذر من لعن النبي صلى الله عليه وسلم وتقبل دعائه ما يحمله على اليأس والقنوط، وقد يكون ذلك سؤالا منه لربه لمن جلده أو سبه على حق وبوجه صحيح أن يجعل ذلك له كفارة لما أصابه وتمحية لما اجترم وأن تكون عقوبته له في الدنيا سبب العفو والغفران كما جاء في الحديث الآخر (ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، فإن قلت فما معنى حديث الزبير وقول النبي صلى الله عليه وسلم له حين تخاصمه مع الأنصاري في شراج الحرة (اسق يا زبير حتى يبلغ الكعبين) فقال له


(قوله تربت يمينك) قاله لأم سلمة وفى رواية لعائشة (قوله ولا أشبع الله بطنك) الذى في صحيح مسلم في كتاب الأدب عن ابن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب فجاء فخطاني خطاه وقال اذهب ادع لى معاوية، قال فجئت فقلت هو يأكل، قال: ثم قال لى اذهب فادع لى معاوية، قال فجئت فقلت هو يأكل، فقال لا أشبع الله بطنه (قوله عقرى حلقى) قاله لصفية بنت حبى بن أخطب في حجة الوداع (قوله عند المعتبة) بفتح المثناة الفوقية وكسرها (قوله في شراج الحرة) الشراج بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء وفى آخره جيم جمع شرجة وهى مسيل الماء والحرة بفتح الحاء المهملة: أرض ذات حجارة سود (*)

[ 198 ]

الأنصاري أن كان يا رسول الله ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (اسق يا زبير ثم احبس حتى يبلغ الجدر) الحديث فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه أن يقع بنفس مسلم منه في هذه القصة أمر يريب ولكنه صلى الله عليه وسلم ندب الزبير أولا إلى الاقتصار على بعض حقه على طريق التوسط والصلح فلما لم يرض بذلك الآخر ولج وقال ما لا يجب استوفى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث: (باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى) حكم عليه بالحكم: وذكر في آخر الحديث: فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه. وقد جعل المسلمون هذا الحديث أصلا في قضيته، وفيه الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في كل ما فعله في حال غضبه ورضاه وأنه وإن نهى أن يقضى القاضى وهو غضبان فإنه في حكمه في حال الغضب والرضى سواء لكونه فيها معصوما، وغضب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا إنما كان لله تعالى لا لنفسه كما جاء في الحديث الصحيح، وكذلك الحديث في إقادته عكاشة من نفسه لم يكن لتعمد حمله الغضب عليه بل وقع في الحديث نفسه أن عكاشة قال له: وضربتني بالقضيب، فلا أدرى أعمدا أم أردت ضرب الناقة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أعيذك بالله يا عكاشة أن يتعمدك رسول الله صلى الله عليه وسلم) وكذلك في حديثه الآخر مع الأعرابي حين طلب عليه السلام الاقتصاص منه، فقال الأعرابي


(قوله أن كان ابن عمتك) أي من أجل ذلك حكمت له، وعمته هي صفية أم الزبير (قوله ولج) بفتح اللام وتشديد الجيم (*)

[ 199 ]

قد عفوت عنك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضربه بالسوط لتعلقه بزمام ناقته مرة بعد أخرى والنبى صلى الله عليه وسلم ينهاه ويقول له (تدرك حاجتك) وهو يأتي فضربه بعد ثلاث مرات، وهذا منه صلى الله عليه وسلم لمن لم يقف منذ نهيه صواب وموضع أدب، لكنه عليه السلام أشفق إذ كان حق نفسه من الأمر حتى عفا عنه: وأما حديث سواد بن عمرو: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق فقال (ورس ورس حط حط) وغشيني بقضيب في يده في بطني فأوجعني، قلت القصاص يا رسول الله، فكشف لى عن بطنه: إنما ضربه صلى الله عليه وسلم لمنكر رآه به ولعله لم يرد بضربه بالقضيب إلا تنبيهه، فلما كان منه إيجاع لم يقصده طلب التحلل منه عن ما قدمناه فصل وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم الدنيوية فحكمه فيها من ترقى المعاصي والمكروهات ما قدمناه ومن جواز السهو والغلط في بعضها ما ذكرناه وكله غير قادح في النبوة بل إن هذا فيها على الندور إذ عامة أفعله على السداد والصواب بل أكثرها أو كلها جارية مجرى العبادات والقرب على ما بينا إذ كان صلى الله عليه وسلم لا يأخذ منها لنفسه إلا ضرورته وما يقيم رمق جسمه وفيه مصلحة ذاته التى بها يعبد ربه ويقيم شريعته ويسوس أمته


(قوله سواد بن عمرو) سواد بتخفيف الواو، قال ابن عبد البر سواد بن عمرو القارى الأنصاري روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الحلوق مرة أو ثلاثة وأنه رآه متحلقا فطعنه في بطنه بجريدة وليست هذه القصة لسواد بن عمر انتهى (*)

[ 200 ]

وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه أو بر يوسعه أو كلام حسن يقوله أو يسمعه أو تألف شارد أو قهر معاند، أو مداراة حاسد وكل هذا لاحق بصالح أعماله منتظم في زاكى وظائف عباداته وقد كان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الأحوال ويعد للأمور أشباهها فيركب في تصرفه لما قرب الحمار وفى أسفاره الراحلة ويركب البغلة في معارك الحرب دليلا على الثبات ويركب الخيل ويعدها ليوم الفزع وإجابة الصارخ وكذلك في لباسه وسائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه ومصالح أمته وكذلك يفعل الفعل من أمور الدنيا مساعدة لأمته وسياسة وكراهية لخلافها وإن كان قد يرى غيره خيرا منه كما يترك الفعل لهذا وقد يرى فعله خيرا منه وقد يفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيه كخروجه من المدينة لأحد وكان مذهبه التحصن بها وتركه قتل المنافقين وهو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم ورعاية للمؤمنين من قرابتهم وكراهة لأن يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه كما جاء في الحديث وتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغيرها وحذرا من نفار قلوبهم لذلك وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله فقال لعائشة في الحديث الصحيح: (لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم) ويفعل الفعل ثم يتركه لكون


(قوله وبعدها بضم أوله (قوله الخيرة) بكسر الخاء المعجمة وفتح المثناة التحتية (*)

[ 201 ]

غيره خيرا منه كانتقاله من أدنى مياه بدر إلى أقربها للعدو من قريش وكقوله: (لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى) ويبسط وجهه للكاف والعدو رجاء استئلافه ويصبر للجاهل ويقول: (إن من شر الناس من اتقاه الناس لشر) ويبذل له الرغائب ليحبب إليه شريعته ودين ربه ويتولى في منزله ما يتولى الخادم من مهنته، ويتسمت في ملاءته حتى لا يبدو منه شئ من أطرافه وحتى كأن على رؤس جلسائه الطير ويتحدث مع جلسائه بحديث أولهم ويتعجب مما يتعجبون منه ويضحك مما يضحكون منه وقد وسع الناس بشره وعدله لا يستفزه الغضب ولا يقصر عن الحق ولا يبطن على جلسائه يقول: (ما كان لنبى أن تكون له خائنة الأعين) فإن قلت فما معنى قوله لعائشة رضى الله عنها في الداخل عليه (بئس ابن العشيرة) فلما دخل الآن له القول وضحك معه، فلما خرج سألته عن ذلك قال: (إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره، وكيف جاز أن يظهر له خلاف ما يبطن ويقول في ظهره ما قال ؟ فالجواب أن فعله صلى الله عليه وسلم كان استئلافا لمثله وتطييبا لنفسه ليتمكن إيمانه ويدخل في الإسلام بسببه أتباعه ويراه مثله فينجذب بذلك إلى الإسلام، ومثل هذا على هذا الوجه قد خرج من حد مداراة الدنيا إلى السياسة الدينية وقد كان يستألفهم بأموال الله العريضة فكيف بالكلمة اللينة ؟ قال صفوان لقد أعطاني وهو أبغض الخلق إلى فما زال يعطينى حتى صار أحب


(قوله في مهنته) بفتح الميم وكسرها: أي خدمته (قوله ويتسمت) أي يقصد سمته (قوله في ملاءته بضم الميم والمد (*)

[ 202 ]

الخلق إلى، قوله فيه بئس ابن العشيرة هو غير غيبة بل هو تعريف ما علمه منه لمن لم يعلم ليحذر حاله ويحترز منه ولا يوثق بجانبه كل الثقة لا سيما وكان مطاعا متبوعا، ومثل هذا إذا كان لضرورة ودفع مضرة لم يكن بغيبة بل كان جائزا بل واجبا في بعض الأحيان كعادة المحدثين في تجريح الرواة والمزكين في الشهود، فإن قيل فما معنى المعضل الوارد في حديث بريرة من قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد أخبرته أن موالى بريرة أبوا بيعها إلا أن يكون لهم الولاء فقال لها صلى الله عليه وسلم (اشتريها واشترطي لهم الولاء) ففعلت، ثم قام خطيبا فقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ؟ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) والنبى صلى الله عليه وسلم قد أمرها بالشرط لهم وعليه باعوا ولولاه والله أعلم لما باعوها من عائشة كما لم يبيعوها قبل حتى شرطوا ذلك عليها ثم أبطله صلى الله عليه وسلم وهو قد حرم الغش والخديعة ؟ فاعلم أكرمك الله أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه عما يقع في بال الجاهل من هذا ولتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما قد أنكر قوم هذا الزيادة قوله (اشترطي لهم الولاء) إذ ليس في أكثر طرق الحديث ومع ثباتها فلا اعتراض بها إذ يقع لهم بمعنى عليهم قال الله تعالى: (أولئك لهم اللعنة) وقال (وإن أسأتم فلها) فعلى هذا اشترطي عليهم الولاء لك ويكون قيام النبي صلى الله عليه وسلم ووعظه


(قوله المعضل) بكسر الضاد المعجمة، اسم فاعل. وهو الذى لا يهتدى وجهه (قوله بريرة) هي بنت صفوان، قيل كانت قبطية وقيل حبشية (*)

[ 203 ]

لما سلف لهم من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك * ووجه ثان أن قوله صلى الله عليه وسلم (اشترط لهم الولاء) ليس على معنى الأمر لكن على معنى التسوية والإعلام بأن شرطه لهم لا ينفعهم بعد بيان النبي صلى الله عليه وسلم لهم قبل أن الولاء لمن أعتق فكأنه قال: (اشترطي أولا تشترطي فإنه شرط غير نافع، وإلى هذا ذهب الداوودى وغيره وتوبيخ النبي صلى الله عليه وسلم لهم وتقريعهم على ذلك يدل على علمهم به قبل هذا * الوجه الثالث أن معنى قوله (اشترطي لهم الولاء) أي: أظهري لهم حكمه وبيني عندهم سنته أن الولاء إنما هو لمن أعتق، ثم بعد هذا قام هو صلى الله عليه وسلم مبينا ذلك وموبخا على مخالفة ما تقدم منه فيه، فإن قيل فما معنى فعل يوسف عليه السلام بأخيه إذ جعل السقاية في رحله وأخذه باسم سرقتها وما جرى على إخوته في ذلك وقوله إنكم لسارقون ولم يسرقوا ؟ فاعلم أكرمك الله أن الآية تدل على أن فعل يوسف كان من أمر الله لقومه تعالى (كذلك ؟ ؟ ؟ ؟ ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله) الآية فإذا كان كذلك فلا اعتراض به كان فيه ما فيه، وأيضا فإن يوسف كان أعلم أخاه بأنى انا أخوك فلا تبتئس فكان ما جرى عليه بعد هذا من وفقه ورغبته وعلى يقين من عقى الخير له به وإزاحة السوء والمضرة عنه بذلك، وأما قوله (أيتها العير إنكم لسارقون) فليس من قول يوسف فيلزم عليه جواب يحل شبهه ولعل قائله


(قوله كان فيه ما فيه) هو بدل من قوله فلا اعتراض به جواب لإذا، والذى فيه هو أنه كيف يجوز أن يأمر الله بمثل هذا ؟ (*)

[ 204 ]

إن حسن له التأويل كائنا من كان ظن على صورة الحال ذلك وقد قيل قال ذلك لفعلهم قبل بيوسف وبيعهم له وقيل غير هذا ولا يلزم أن نقول الأنبياء ما لم يأت أنهم قالوه حتى يطلب الخلاص منه ولا يلزم الاعتذار عن زلات غيرهم. فصل فإن قيل فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه وعلى غيره من الأنبياء على جميعهم السلام، وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء وامتحانهم بما امتحنوا به كأيوب ويعقوب ودنيال ويحيى وزكريا وعيسى وإبراهيم ويوسف وغيرهم صلوات الله عليهم وهم خيرته من خلقه وأحباؤه وأصفياؤه ؟ فاعلم وفقنا الله وإياك أن أفعال الله تعالى كلها عدل وكلماته جميعا صدق لا مبدل لكلماته يبتلى عباده كما قال لهم لننظر كيف تعلمون، (وليبلوكم أيكم أحسن عملا) وليعلم الله الذين آمنوا منكم، ولما يعلم الله الذين جاهوا منكم ويعلم الصابرين، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم ورفعة في درجاتهم وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضى والشكر والتسليم والتوكل والتفويض والدعاء والتضرع منهم وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين والشفقة على المسلمين وتذكرة لغيرهم وموعظة لسواهم ليتأسوا في البلاء بهم ويتسلوا

[ 205 ]

في المحن بما جرى عليهم ويقتدوا بهم في الصبر محو لهنات فرطت منهم أو غفلات سلفت لهم ليلقوا الله طيبين مهذبين وليكون أجرهم أكمل وثوابهم أوفر وأجزل. حدثنا القاضى أبو على الحافظ حدثنا أبو الحسين الصيرفى وأبو الفضل بن خيرون قالا حدثنا أبو يعلى البغدادي حدثنا أبو على السنجى حدثنا محمد بن محبوب حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئته)، وكما قال تعالى (وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير) الآيات الثلاث وعن أبى هريرة ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة، وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم (إذ أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة) وفى حديث آخر (إذا أحب الله عبدا ابتلاه ليسمع تضرعه) وحكى السمرقندى أن كل من كان أكرم على الله تعالى كان بلاؤه أشد كى يتبين فضله ويستوجب الثواب كما روى عن لقمان أنه قال يا بنى الذهب والفضة يختبران بالنار والمؤمن يختبر بالبلاء، وقد حكى أن ابتلاء يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلاته إليه ويوسف نائم


(قوله عن عاصم بن بهدلة) قال الذهبي في ترجمته قال يحيى القطان ما وجدت رجلا اسمه عاصم إلا وجدته ردئ الحفظ (*)

[ 206 ]

محبة له، وقيل: بل اجتمع يوما هو وابنه يوسف على أكل حمل مشوى وهما يضحكان وكان لهم جار يتيم فشم ريحه واشتهاه وبكى وبكت له جدة له عجوز لبكائه وبينهما جدار ولا علم عند يعقوب وابنه فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف إلى أن سألت حدثتاه وابيضت عيناه من الحزن فلما علم بذلك كان بقية حياته يأمر مناديا ينادى على سطحه الا من كان مفطرا فليتغد عند آل يعقوب وعوقب يوسف بالمحنة التى نص الله عليها، وروى عن الليث أن سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم فكلموه في ظلمه وأغلظوا له إلا أيوب فإنه رفق به مخافة على زرعه فعاقبه الله ببلائه، ومحنة سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحق في جنبة أصهاره أو للعمل بالمعصية في داره ولا علم عنده وهذه فائدة شدة المرض والوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عبد الله رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه يوعك وعكا شديدا فقلت إنك لتوعك وعكا شديدا، قال أجل إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم) قلت ذلك أن لك الأجر مرتين قال (أجل ذلك كذلك) وفى حديث أبى سعيد أن رجلا وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله ما أطيق


(قوله أكل حمل) بفتح الحاء المهملة والميم، وهو من الضأن الجذع أو دونه، قال ابن دريد والجذع من الضأن ما تمت له سنة وقيل أقل منها (قوله بالمحنة) بنون بعد الحاء المهملة (قوله في جنبة أصهاره) بجيم ونون وموحدة: في القاموس. الجنبة والجانبة والجنب، شق إنسان (قوله وعن عبد الله هو ابن مسعود (*)

[ 207 ]

أضع يدى عليك من شدة حماك فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء إن كان النبي ليبتلى بالقمل حتى يقتله وإن كان النبي ليبتلى بالفقر وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء) وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله أحب قوما ابتلاهم فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط) وقد قال المفسرون في قوله تعالى (من يعمل سوءا يجز به) أن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة، وروى هذا عن عائشة وأبى ومجاهد، وقال أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يصب منه) وقال في رواية عائشة (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا يكفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها) وقال في رواية أبى سعيد (ما يصيب المؤمن من نصف ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) وفى حديث ابن مسعود (ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه كما يحت ورق الشجر) وحكمة أخرى أودعها الله في الأمراض لأجسامهم ونعاقب الأوجاع وشدتها عند مماتهم لتضعف قوى نفوسهم فيسهل خروجها عند قبضهم وتخف عليهم مونة النزع وشدة السكرات بتقدم المرض وضعف الجسم والنفس لذلك خلاف موت الفجأة وأخذه كما يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة واللين والصعوبة وقد قال صلى الله عليه وسلم (مثل


(قوله وعكا) بفتح العين وإسكانها (قوله من نصب) بفتح الصاد المهملة أي تعب (قوله ولا وصب) بفتحتين أي مرض (*)

[ 208 ]

المؤمن مثل خامة الزرع تفيئها الريح هكذا وهكذا) وفى رواية أبى هريرة (من حيث أتتها الريح تكفؤها فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء، ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمه الله) معناه أن المؤمن مرزء مصاب بالبلاء والأمراض راض بتصريفه بين أقدار الله تعالى منطاع لذلك لين الجانب برضاه وقلة سخطه كطاعة خامة الزرع وانقيادها للرياح وتمايلها لهبوبها وترنحها من حيث ما أتتها فإذا أزاح الله عن المؤمن رياح البلايا واعتدل صحيحا كما اعتدلت خامة الزرع عند سكون رياح الجو رجع إلى شكر ربه ومعرفة نعمته عليه برفع بلائه منتظرا رحمته وثوابه عليه، فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت ولا نزوله ولا اشتدت عليه سكراته ونزعه لعادته بما تقدمه من الآلام ومعرفة ما له فيها من الأجر وتوطينه نفسه على المصائب ورقتها وضعفها بتوالى المرض أو شدته والكافر بخلاف هذا معافى في غالب حاله ممتع بصحة جسمه كالأرزة الصماء حتى إذا أراد الله هلاكه قصمه لحينه


(قوله خامة الزرع) بخاء معجمة: في الصحاح: الخامة الغضة الرطبة من النبات، وفى الحديث (مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع يميلها الريح) (قوله تكفؤها بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه أي تقلبها (قوله مثل الأرزة) قال ابن قرقول: الأرزة بفتح الهمزة وسكون الراء، كذا الرواية، هي الصنوبر، وقال أبو عبيد إنما هو الآرزة على وزن الفاعلة ومعناه النابتة في الأرض، وأنكر هذا أبو عبيد، انتهى وقال ابن الأثير الأرزة بسكون الراء وفتحها: شجرة الأرز وهو خشب معروف وقيل هو الصنوبر (قوله معتدلة) أي مكنزة ولا يجلجل فيها، قاله ابن الأثير (*)

[ 209 ]

على غرة وأخذه بغتة من غير لطف ولا رفق فكان موته أشد عليه حسرة ومقاساة نزعه مع قوة نفسه وصحة جسمه أشد ألما وعذابا ولعذاب الآخرة أشد كانجعاف الأرزة وكما قال تعالى (فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون) وكذلك عادة الله تعالى في أعدائه كما قال الله تعالى (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة) الآية، ففجأ جميعهم بالموت على حال عتو وغفلة وصبحهم به على غير استعداد بغتة ولهذا ذكر عن السلف أنهم كانوا يكرهون موت الفجأة ومنه في حديث إبراهيم كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف أي الغضب يريد موت الفجأة * وحكمة ثالثة أن الأمراض نذير الممات وبقدر شدتها شدة الخوف من نزول الموت فيستعد من إصابته وعلم تعهدها له للبقاء ربه ويعرض عن دار الدنيا الكثيرة الأنكاد ويكون قلبه معلقا بالمعاد فيتنصل من كل ما يخشى تباعته من قبل الله وقبل العباد ويؤدى الحقوق إلى أهلها وينظر فيما يحتاج إليه من وصية فيمن يخلفه أو أمر يعهده وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم المغفور له ما تقدم وما تأخر قد طلب التنصل في مرضه ممن كان له عليه مال أو حق في بدن وأقاد من نفسه وماله وأمكن من القصاص منه على ما ورد في حديث الفضل وحديث


(قوله كانجعاف) بكسر الجيم: أي كانقلاع (قوله ولهذا ما كره السلف موت الفجاءة) (ما) هنا زائدة وكذلك فيما يقع في بعض النسخ ولهذا ما ذكر عن السلف أنهم كانوا يكرهون موت انفجاءة (قوله كأخذة الأسف) الأخذة بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة، والأسف بفتح السين المهملة الغضب (قوله تباعته) بكسر أوله: أي تبعته (قوله من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة (14 - 2) (*)

[ 210 ]

الوفاة وأوصى بالثقلين بعده: كتاب الله وعترته، وبالأنصار عيبته، ودعا إلى كتب كتاب لئلا تضل أمته بعده إما في النص عليه الخلافة أو الله أعلم بمراده ثم رأى الإمساك عنه أفضل وخيرا وهكذا سيرة عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين وهذا كله يحرمه غالبا الكفار لإملاء الله لهم ليزدادوا إثما وليستدرجهم من حيث لا يعلمون، قال الله تعالى (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في رجل مات فجأة: (سبحان الله كأنه على غضب المحروم من حرم وصيته) وقال: (موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذه أسف للكافر أو الفاجر) وذلك لأن الموت يأتي المؤمن غالبا مستعد له منتظر لحلوله فهان أمره عليه كيفما جاء وأفضى إلى راحته من نصب الدنيا وأذاها كما قال صلى الله عليه وسلم (مستريح ومستراح منه، وتأتى الكافر والفاجر منيته على غير استعداد ولا أهبة ولا مقدمات منذرة مزعجة (بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون) فكان الموت أشد شئ عليه وفراق الدنيا أفظع أمر صدمه وأكره شئ له. وإلى هذا المعنى أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومنكره لقاء الله كره الله لقاءه)


(قوله بالأنصار عيبته) بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية أراد أنهم موضع سره وأمانته كعيبة الثياب التى يضع فيها الشخص متاعه (قوله أفظع) بالفاء والظاء المعجمة أي أعظم وأشد (*)

[ 211 ]

القسم الرابع في تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه السلاة والسلام قال القاضى أبو الفضل وفقه الله قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما يجب من الحقوق للنبى صلى الله عليه وسلم وما يتعين له من بر وتوقير وتعظيم وإكرام وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابك قال الله تعالى: (إن الذى يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) وقال: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب اليم) وقال الله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) وقال تعالى في تحريم التعريض له: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا) الآية، وذلك أن اليهود كانوا يقولون راعنا يا محمد: أي أرعنا سمعك واسمع منا، ويعرضون بالكلمة يريدون الرعوبة فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق إلى سبه والاستهزاء به وقيل بل لما فيه من مشاركة اللفظ لأنها عند اليهود بمعنى أسمع لا سمعت، وقيل: بل لما فيها من قلة الأدب وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه لأنها في لغة الأنصار بمعنى ارعنا نرعك فنهوا عن ذلك إذ مضمنه أنهم لا يرعون إلا برعايته لهم


(قوله وبحسب هذا) بفتح السين أي بقدر (قوله ويعترضون) بتشديد الراء المكسورة (قوله الرعونة) بضم الراء أي الحمق (قوله إذ مضمنه) بضم الميم الأولى وفتح الضاد المعجمة (*)

[ 212 ]

وهو صلى الله عليه وسلم واجب الرعاية بكل حال وهذا هو صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التكنى بكنيته فقال: (سموا باسمى ولا تكنوا بكنيتي) صيانة لنفسه وحماية عن أذاه إذ كان صلى الله عليه وسلم استجاب لرجل نادى يا أبا القاسم، فقال: لم أعنك، إنما دعوت هذا، فنهى حينئذ عن التكنى بكنيته لئلا يتأذى بإجابة. دعوة غيره لمن لم يدعه ويجد بذلك المنافقون والمستهزؤن ذريعة إلى أذاه والإزراء به فينادونه فإذا التفت قالوا: إنما أردنا هذا لسواه. تعنيتا له واستخفافا بحقه على عادة المجان والمستهزئين فحمى صلى الله عليه وسلم حمى أذاه بكل وجه، فحمل محققوا العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلة، وللناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها وما ذكرناه هو مذهب الجمهور والصواب إن شاء الله أن ذلك على طريق تعظيمه وتوقيره وعلى سبيل الندب والاستحباب لا على التحريم ولذلك لم ينه عن اسمه لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) وإنما كان المسلمون يدعونه يا رسول الله يا نبى الله وقد يدعونه بكنيته أبا القاسم بعضهم في بعض الأحوال، وقد روى أنس رضى الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على كراهة التسمى باسمه وتنزيهه عن ذلك إذا لم يوقر، فقال (تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنونهم) وروى


(قوله تعنينا) بعين مهملة فنون مكسورة يقال عنته تعنيتا إذا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه، كذا في القاموس (قوله المجان) بضم الميم وتشديد الجيم في الصحاح المجون أن لا يبالى الإنسان ما صنع وقد مجن بالفتح يمجن مجونا فهو ماجن (*)

[ 213 ]

أن عمر رضى الله عنه كتب إلى أهل الكوفة لا يسمى أحد باسم النبي صلى الله عليه وسلم) حكاه أبو جعفر الطبري، وحكى محمد بن سعد أنه نظر إلى رجل اسمه محمد ورجل يسبه ويقول له فعل الله بك يا محمد وصنع، فقال عمر لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: لا أرى محمدا صلى الله عليه وسلم يسب بك والله لا تدعى محمدا ما دمت حيا وسماه عبد الرحمن وأراد أن يمنع لهذا أن يسمى أحد بأسماء لأنبياء إكراما لهم بذلك وغير أسماءهم وقال لا تسموا بأسماء الأنبياء ثم أمسك، والصواب جواز هذا كله بعده صلى الله عليه وسلم بدليل إطباق الصحابة على ذلك وقد سمى جماعة منهم ابته محمدا وكناه بأبى القاسم وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك لعلى رضى الله عنه وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك اسم المهدى وكنيته وقد سمى به النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن طلحة ومحمد بن عمرو ابن حزم ومحمد بن ثابت بن قيس وغير واحد وقال: (ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان وثلاثة، وقد فصلت الكلام في هذا القسم على بابين كما قدمناه


(قوله وقد سمى به النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن طلحة) قال سمى به النبي صلى الله عليه وسلم غير محمد بن طلحة قال الذهبي محمد بن خليفة شهد الفتح فيما يقال وكان اسمه عبد مناف فغيره النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحاكم فيمن دخل خراسان من الصحابة محمد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسمه ناهية وكان مجوسيا فسافر بتجارة إلى الحجاز فأسلم وسماه النبي صلى الله عليه وسلم محمدا. قال الذهبي رواه الحاكم بسند مظلم ومحمد بن نبيط بن جابر ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماه محمد وحنكه فيما قيل ومحمد بن هلال بن المعلى سماه النبي صلى الله عليه وسلم وشهد الفتح، قاله أبو موسى (*)

[ 214 ]

الباب الأول في بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سب أو نقص من تعريض أو نص اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهة بشئ على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد ولا يمترى فيه تصريحا كان أو تلويحا وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيره بشئ مما جرى من البلاء والمحنة عليه أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا، قال أبو بكر بن


(قوله أو الإزراء عليه) أي النهاون به (قوله أو عبث) بفتح المهملة وكسر الموحدة بعدها مثلثة أي لعب (قوله وهجر) بضم الهاء وسكون الجيم من الإهجار وهو الإفحاش في النطق (قوله أو عيره) بفتح العين المهملة وتشديد المثناة التحتية (قوله أو غمصه) بفتح الغين المعجمة والميم والصاد المهمل ة: أي عابه أو استصغره (قوله إلى هلم جرا) في الصحاح هلم بمعنى تعالى. قال الخليل: أصله لم من قولك لم الله شعثه: أي جمعه. كأنه أراد لم نفسك إليا أي أقرب وها لتنبيه وإنما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسما واحدا يستوى فيه الواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يصرفونها وجرا من الجر وهو السحب وانتصابه على المصدر أو الحال (*)

[ 215 ]

المنذر أجمع عوام أهلى العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل وممن قال ذلك مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي قال القاضى أبو الفضل وهو مقتضى قول أبى بكر الصديق رضى الله عنه ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلمين لكنهم قالوا: هي ردة، وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك وحكى الطبري مثله عن أبى حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه صلى الله عليه وسلم أو برئ منه أو كذبه وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة كالزندقة وعلى هذا وقع الخلاف في استنابته وتكفيره وهل قتله حد أو كفر كما سنبينه في الباب الثاني إن شاء الله تعالى، ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره وأشار بعض الظاهرية وهو أبو محمد على بن أحمد الفارسى إلى الخلاف في تكفير المسخف به والمعروف ما قدمناه قال محمد بن سحنون أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب


(قوله كالزندقة) قال ابن قرقول: الزنادقة من لا يعتقد ملة من الملل المعروفة ثم استعمل ذلك فيمن عطل الأديان وأنكر الشرائع وفيمن أظهر الإسلام وأسر غيره وأصله من كان على مذهب مانى ونسبوا إلى كتابه الذى وضعه في إبطال النبوة ثم عربته العرب انتهى (قوله وأشار بعض الظاهرية) هو المعروف بابن حر على بن أحمد ابن سعيد بن حزم اليزيدى الأموي القرطبى الطاهري توفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة (*)

[ 216 ]

الله له وحكمه عند الأمة قتل ومن شك في كفره وعذابه كفر، واحتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك ابن نويرة لقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم صاحبكم، وقال أبو سليمان الخطابى لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلما، وقال ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن سحنون والمبسوط والعتبية وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل ولم يستتب، قال ابن القاسم في العتبية من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق وقد فرض الله تعالى توقيره وبره وفى المبسوط عن عثمان بن كنانة من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل أو صلب حيا ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيا أو قتله، ومن رواية أبى المصعب وابن أبى أويس سمعنا مالكا يقول: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل: مسلما كان أو كافرا ولا يستتاب، وفى كتاب محمد أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب، وقال أصبغ، يقتل على كل حال أسر ذلك أو أظهره ولا يستتاب لأن توبته لا تعرف، وقال عبد الله بن عبد الحكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب) وحكى الطبري مثله


(قوله ابن نويرة) بضم النون وفتح الواو بعدها مثناة تحتية ساكنة. (*)

[ 217 ]

عن أشهب عن مالك، وروى ابن وهب عن مالك من قال إن رداءه النبي صلى الله عليه وسلم - ويروى زر النبي صلى الله عليه وسلم - وسخ أراد به عيبه قتل، وقال بعض علمائنا أجمع العلماء على أن من دعا على نبى من الأنبياء بالويل أو بشئ من المكروه أنه يقتل بلا استتابة وأفتى أبو الحسن القابسى فيمن قال في النبي صلى الله عليه وسلم الجمال يتيم أبى طالب بالقتل، وافتى أبو محمد بن أبى زيد بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية فقال لهم تريدون تعرفون صفته هي في صفة هذا المار في خلقه ولحيته قال ولا تقب لتوبته وقد كذب لعنه الله وليس يخرج من قلب سليم الإيمان وقال أحمد بن أبى سليمان صاحب سحنون من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسود، يقتل، وقال في رجل قيل له لا وحق رسول الله، فقال فعل الله برسول الله كذا - وذكر كلاما قبيحا - فقيل له ما تقول يا عدو الله ؟ فقال أشد من كلامه الأول ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب فقال ابن أبى سليمان للذى سأله اشهد عليه وأنا شريكك، يريد في قتله وثواب ذلك. قال حبيب بن أبى الربيع لأن ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل أنه استهان وهو غير معزر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا موقر له فوجب إباحة دمه، وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشار قال لرجل أد واشك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن سألت أو جهلت


(قوله الجمال) بفتح الجيم وتشديد الميم (*)

[ 218 ]

فقد جهل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: بالقتل وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقة الطليطلى وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم وختن حيدرة وزعمه أن زهده لم يكن قصدا ولو قدر على الطيبات أكلها إلى أشباه لهذا، وأفنى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل ابراهيم الفزارى وكان شاعرا متفننا في كثير من العلوم وكان ممن يحضر مجلس القاضى أبى العباس بن طالب للمناظرة فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم فأحضر له القاضى يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء وأمر بقتله وصلبه فطعن بالسكين وصلب منكسا ثم أنزل وأحرق بالنار، وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته وزالت عنها الأيدى استدارت وحوله عن القبلة فكان آية للجميع وكبر الناس، وجاء كلب فولغ في دمه فقال يحيى بن عمر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر حديثا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يلغ الكلب في دم مسلم) وقال


(قوله الطليطلى) بضم الطائين وفتح اللام الأولى وكسر الثانية (قوله وختن حيدرة) في الصحاح الختن كل من كان من المرأة مثل الأب والأخ وعند العامة ختن الرجل زوج ابنته. وحيدرة بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية الأسد. والمراد هنا على بن أبى طالب فان أمه فاطمة بنت أسد سمته في أول ولادته باسم أبيها وكان أبو طالب غائبا فلما قدم سماه عليا فغلب على تسمية أبى طالب وفى صحيح مسلم من إنشاد على * أنا الذى سمتن أمي حيدره * (قوله لا يلغ) بفتح أوله وثانيه ويقال ولغ بفتح اللام وكسرها يلغ بفتح اللام (*)

[ 219 ]

القاضى أبو عبد الله بن المرابط: (من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم القاضى أبو عبد الله بن المرابط: (من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم هزم يستتاب فإن تاب وإلا قتل لا أنه تنقص إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، وقال حبيب بن ربيع القروى: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه صلى الله عليه وسلم ما فيه نقص قتل دون استتابة، وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم بأذى أو نقص معرضا أو مصرحا وإن قل فقتله واجب، فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله عى ما أشرنا إليه ونبينه بعد وكذلك أقول حكم من غمصه أو غيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو بالميل إلى نسائه فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل وقد مضى من مذاهب العلماء في ذلك ويأتى ما يدل عليه. فصل في الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه صلى الله عليه وسلم فمن القرآن لعنه الله تعالى لمؤذيه في الدنيا والآخرة وقرانه تعالى أذاه بأذاه ولا خلاف في قتل من سب الله وأن اللعن إنما يستوجبه من هو كافر وحكم الكافر القتل فقال (إن الذين يؤذون الله ورسوله) الآية وقال في قاتل المؤمن مثل ذلك فمن لعنته في الدنيا القتل قال الله تعالى

[ 220 ]

(ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتولا تقتيلا) وقال في المحاربين وذكر عقوبتهم (ذلك لهم خزى في الدنيا) وقد يقع القتل بمعنى اللعن قال (قتل الخراصون) و (قاتلهم الله أنى يؤفكون) أي لعنهم الله ولأنه فرق بين أذاهما وأذى المؤمنين وفى أذى المؤمنين ما دون القتل من الضرب والنكال فكان حكم مؤذى الله ونبيه أشد من ذلك وهو القتل وقال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) الآية فسلب اسم الإيمان عمن وجد في صدره حرجا من قضائه ولم يسلم له ومن تنقصه فقد ناقض هذا وقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي - إلى قوله - أن تحبط أعمالكم) ولا يحبط العمل إلا الكفر والكافر يقتل وقال الله تعالى (وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله) ثم قال (حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير) وقال تعالى (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) ثم قال (والذين يؤذون الرسول الله لهم عذاب أليم) وقال تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نحوذ ونلعب) إلى قوله (قد كفرتم بعد إيمانكم) قال أهل التفسير كفرتم بقولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الإجماع فقد ذكرناه وأما الآثار فحدثنا الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون عن الشيخ أبى ذر الهروي إجازة قال حدثنا أبو الحسن الدارقطني وأبو عمر بن حيوية حدثنا محمد بن نوح حدثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة حدثنا


(قوله ابن زبالة) بفتح الزاى وتخفيف الموحدة (*)

[ 221 ]

عبد الله بن موسى بن جعفر عن على بن موسى عن أبيه عن جده عن محمد بن على بت الحسين عن أبيه عن الحسين بن على عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من سب نبيا فاقتلوه ومن سب أصحابي فاضربوه) * وفى الحديث الصحيح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب ابن الأشرف وقوله: (من لكعب بن الأشرف فإنه يؤذى الله ورسوله) ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة بخلاف غيره من المشركين وعلل بأذاه له فدل أن قتله إياه لغير الإشراك بل للأذى وكذلك قتل أبا رافع، قال البراء وكان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه وكذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل وجاريتيه اللتين كانتا تغنيان بسبه صلى الله عليه وسلم * وفى حديث آخر أن رجلا كان يسبه صلى الله عليه وسلم فقال (من يكفيني عدوى ؟) فقال خالد أنا فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله وكذلك أمر بقتل جماعة ممن كان يؤذيه من الكفار ويسبه كالنضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط وعهد بقتل جماعة منهم قبل الفتح وبعده فقتلوا إلا من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبى معيط نادى يا معاشر قريش مالى أقتل من بينكم صبرا ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (بكفرك وافترائك على رسول الله صلى الله عليه وسلم) وذكر عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم سبه رجل فقال (من يكفيني عدوى ؟ فقال


(قوله غيلة) بكسر الغين المعجمة (*)

[ 222 ]

الزبير: أنا، فبارزه فقتله الزبير. وروى أيضا أن امرأة كانت تسبه صلى الله عليه وسلم فقال (من يكفيني عدوتى ؟) فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها، وروى أن رجلا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم فبعث عليا والزبير إليه ليقتلاه، وروى ابن قانع أن رجلا جاء إلى النبي صلى القه عليه وسلم فقال يا رسول الله سمعت أبى يقول فيك قولا قبيحا فقتله فلم يشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ المهاجر بن أبى أمية أمير اليمن لأبى بكر رضى الله عنه أن امرأة هناك في الردة غنت بسب النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتها فبلغ أبا بكر رضى الله عنه ذلك فقال له لولا ما فعلت لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود وعن ابن عباس هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال (من لى بها ؟) فقال رجل من قومها أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال (لا ينتطح فيها عنزان) وعن أبى عباس أن أعمى كانت له أم ولد تسب النبي صلى الله عليه وسلم فيزجرها فلا تنزجر فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فقتلها وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأهدر دمها، وفى حديث أبى برزة الأسلمي كنت يوما جالسا عند أبى بكر الصديق فغضب على رجل من المسلمين وحكى القاضى إسماعيل وغير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سب أبا بكر ورواه النسائي: أتيت أبا بكر وقد أغلظ لرجل فرد عليه قال فقلت


(قوله ولا ينتطح فيها عنزان) أي لا يجرى فيها خلف ولا نزاع (قوله أبى برزة) بموحدة مفتوحة وراء ساكنة بعدها زاى اسمه فضلة بن عبيد على الصحيح (*)

[ 223 ]

يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه فقال: اجلس فليس ذلك لأحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال القاضى أبو محمد بن نصر ولم يخالف عليه أحد، فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أغضبه أو آداه أو سبه ومن ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة وقد استشاره في قتل رجل سب عمر رضى الله عنه فكتب إليه عمر: إنه لا يحل قتل امرئ مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن سبه فقد حل دمه، وسأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له أن فقهاء العراق أفتوه بجلده فغضب مالك وقال: يا أمير المؤمنين ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها ؟ من شتم الأنبياء قتل ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلد. قال القاضى أبو الفضل: كذا وقع في هذه الحكاية رواها غير واحد من أصحاب مناقب مالك ومؤلفي أخباره وغيرهم ولا أدرى من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر وقد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله ولعلهم ممن لم يشهر بعلم أو من لا يوثق بفتواه أو يميل به هواه أو يكون ما قاله يحمل على غير السب فيكون الخلاف هل هو سب أو غير سب أو يكون رجع وتاب عن سبه فلم يقله لمالك على أصله وإلا فالإجماع على قتل من سبه كما قدمناه ويدل على قتله من جهة النظر والاعتبار أن من سبه أو تنقصه صلى الله عليه وسلم فقد ظهرت علامة مرض قلبه وبرهان سرطويته وكفره، ولهذا ما حكم له كثير من

[ 224 ]

العلماء بالردة وهى رواية الشاميين عن مالك والأوزاعي وقول الثوري وأبى حنيفة والكوفيين والقول الآخر أنه دليل على الكفر فيقتل حدا وإن لم يحكم له بالكفر إلا أن يكون متماديا على قوله غير منكر له ولا مقلع عنه فهذا كافر، وقوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه أو من كلمات الاستهزاء والذم فاعترافه بها وترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك وهو كفر أيضا فهذا كافر بلا خلاف قال الله تعالى في مثله (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) قال أهل التفسير هي قولهم إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير وقيل بل قول بعضهم ما مثلنا ومثل محمد إلا قول القائل سمن كلبك يأكلك و (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) وقد قيل إن قائل مثل هذا إن كان مستترا به أن حكمه حكم الزنديق يقتل ولأنه قد غير دينه وقد قال صلى الله عليه وسلم (من غير دينه فاضربوا عنقه) ولأن لحكم النبي صلى الله عليه وسلم في الحرمة مزية على امته وساب الحر من أمته يحد فكانت العقوبة لمن سبه صلى الله عليه وسلم القتل لعظيم قدره وشفوف منزلته على غيره فصل فإن قلت فلم لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذى قال له السام عليكم وهذا دعاء عليه ولا قتل الآخر الذى قال له إن هذه لقسمة


(قوله وشفوف) بضم الشين المعجمة وتخفيف الفاء أي فضل منزلته (*)

[ 225 ]

ما أريد بها وجه الله وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال قد أوذى موسى بأكثر من هذا فصبر ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر الأحيان ؟ فاعلم وفقنا الله وإياك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول الإسلام يستألف عليه الناس ويميل قلوبهم ويميل إليه ويجيب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم ويدارئهم ويقول لأصحابه إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا منفرين ويقول (يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا) ويقول (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) وكان صلى الله عليه وسلم يدارى الكفار والمنافقين ويجمل صحبتهم ويغضى عنهم ويحتمل من أذاهم ويصبر على جفائهم ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم عليه وكان يرفقهم بالعطاء والإحسان وبذلك أمره الله تعالى فقال تعالى (ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) وقال تعالى (ادفع بالتى هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) وذلك لحاجة الناس للتألف أول الإسلام وجمع الكلمة عليه فلما استقر وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه واشتهر أمره كفعله بابن خطل ومن عهد بقتله يوم الفتح ومن أمكنه قتله غيلة من يهود وغيرهم أو غلبة ممن لم ينظمه قبل سلك صحبته والانحراط في جملة مظهرى الإيمان به ممن كان يؤذيه كابن


(قوله ويرفقهم بالعطاء) في الصحاح الرفق ضد العنف وقد رفق به يرفق. وحكى أبو زيد رفقت به بمعنى (15 - 2) (*)

[ 226 ]

الأشرف وأبى رافع والنظر وعقبة وكذلك ندر دم جماعة سواهم ككعب ابن زهير وابن زبعر وغيرهما ممن آذاه حتى ألقوا بأيديهم ولقوه مسلمين وبواطن المنافقين مستترة وحكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر وأكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها القائل منهم خفية ومع أمثاله ويحلفون عليها إذا نميت وينكرونها ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكان مع هذا يطمع في فيأتهم ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم فيصبر صلى الله عليه وسلم على هناتهم وجفوتهم كما صبر أولو العزم من الرسل حتى فاء كثير منهم باطنا كما فاء ظاهرا وأخلص سرا كما أظهر جهرا ونفع الله بعد بكثير منهم وقام منهم للدين وزراء وأعوان وحماة وأنصار كما جاءت به الأخبار وبهذا أجاب بعض أئمتنا رحمهم الله عن هذا السؤال قال ولعله لم يثبت عنده صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ما رفع وإنما نقله الواحد ومن لم يصل رتبة الشهادة في هذا الباب من صبى أو عبد أو امرإة والدماء لا تستباح إلا بعدلين وعلى هذا يحمل أمر اليهودي في السلام وأنهم لووا به ألسنتهم ولم يبينوه ألا ترى كيف نبهت عليه عائشة ولو كان صرح بذلك لم تنفرد بعلمه ولهذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على فعلهم وقلة صدقهم في فعلهم وقلة صدقهم في


(قوله وابن الزبعرى) بكسر الزاى وفتح الموحدة وسكون العين المهملة والقصر في الأصل السيئ الخلق، وقال أبو عبيدة: الكثير شعر الوجه والحاجبين واللحيين (قوله فيأتهم) أي رجوعهم (قوله حتى فاء) بالمد: أي رجع (*)

[ 227 ]

سلامهم وخيانتهم في ذلك ليا بألسنتهم وطعنا في الدين فقال إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا عليكم وكذلك قال بعض أصحابنا البغداديين إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين بعلمه فيهم ولم يأت أنه قامت بينة على نفاقهم فلذلك تركهم وأيضا فإن الأمر كان سرا وباطنا وظاهرهم الإسلام والإيمان وإن كان من أهل الذمة بالعهد والجوار والناس قريب عهدهم بالإسلام لم يتميز بعد الخبيث من الطيب وقد شاع عن المذكورين في العرب كون من يتهم بالنفاق من جملة المؤمنين وصحابة سيد المرسلين وأنصار الدين بحكم ظاهرهم فلو قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لنفاقهم وما يبدر منهم وعلمه بما أسروا في أنفسهم لوجد المنفر ما يقول ولا ارتبا الشارد وأرجف المعاند وارتاع من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في الإسلام غير واحد ولزعم الزاعم وظن العدو الظالم أن القتل إنما كان للعداوة وطلب أخذ الترة وقد رأيت معنى ما حررته منسوبا إلى مالك بن أنس رحمه الله ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وقال أولئك الذين نهانى الله عن قتلهم وهذا بخلاف إجراء الأحكام الظاهرة عليهم من حدود الزنا والقتل وشبهه لظهورها واستواء الناس في علمها وقد قال محمد بن المواز لو أظهر المنافقون نفاقهم لقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله القاضى أبو الحسن بن القصار، وقال قتادة في تفسير


(قوله أخذ الترة) بكسر المثناة الفوقفية وتره يتره ترة إذا لم يدرك دم قتيله (*)

[ 228 ]

قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله) الآية، قال معناه إذا أظهروا النفاق، وحكى محمد بن مسلمة في المبسوط عن زيد بن أسلم أن قوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) نسخها ما كان قبلها وقال بعض مشايخنا لعل القائل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وقوله اعدل لم يفهم النبي صلى الله عليه وسلم منه اطعن عليه والتهمة له وإنما رآها من وجه الغلط في الرأى وأمور الدنيا والاجتهاد في مصالح أهلها فلم ير ذلك سبا ورأى أنه من الأذى الذى له العفو عنه والصبر عليه فلذلك لم يعاقبه وكذلك يقال في اليهود إذ قالوا السام عليكم ليس فيه صريح سب ولا دعاء إلا بما لا بد منه من الموت الذى لا بد من لحاقه جميع البشر وقيل بل المراد ؟ ؟ ؟ لون دينكم والسأم والسآمة الملال وهذا دعاء على سآمة الدين ليس بصريح سب ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث (باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم) قال بعض علمائنا وليس هذا بتعريض بالسب وإنما هو تعريض بالأذى قال القاضى أبو الفضل قد قدمنا أن الأذى والسب في حقه صلى الله عليه وسلم سواء وقال القاضى أبو محمد بن نصر مجيبا عن هذا الحديث ببعض ما تقدم ثم قال ولم يذكر


(قوله نسخها ما كان قبلها) كذا في كثير من النسخ والصواب ما في بعضها وهو (نسخت ما كان قبلها) لأن الناسخ لا يكون قبل المنسوخ (قوله فلم ير ذلك سبا) بالسين المهملة والموحدة المشددة وفى بعض النسخ شيئا بالمعجمة والهمزة (*)

[ 229 ]

في الحديث هل كان هذا اليهودي من أهل العهد والذمة أو الحرب ولا يترك موجب الأدلة للأمر المحتمل والأولى في ذلك كله والأظهر من هذه الوجوه مقصد الاستئلاف والمداراة على الدين لعلهم يؤمنون ولذلك ترجم البخاري على حديث القسمة والخوارج (باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه) ولما ذكرنا معناه عن مالك وقررناه قبل وقد صبر لهم صلى الله عليه وسلم على سحره وسمه وهو أعظم من سبه إلى أن نصره الله عليهم وأذن له في قتل من حينه منهم وإنزالهم من صياصبهم وقذف في قلوبهم الرعب وكتب على من شاء منهم الجلاء وأخرجهم من ديارهم وخرب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وكاشفهم بالسب فقال يا إخوة القردة والخنازير وحكم فيهم سيوف المسلمين وأجلاهم من جوارهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فإن قلت فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم (ما انتقم لنفسه في شئ يؤتى إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله) فاعلم أن هذا لا يقتضى أنه لم ينتقم ممن سبه أو آذاه أو كذبه فإن هذه من حرمات الله التى انتقم لها وإنما يكون ما لا ينتقم منه له فيما تعلق بسوء أدب أو معاملة من القول والفعل بالنفس والمال مما لم يقصد فاعله به أذاه لكن مما جبلت عليه


(قوله من حينه) بمهملة مفتوحة ومثناة تحتية مشددة ونون أي أراد هلاكه من الحين بفتح المهملة وهو الهلاك (قوله من صياصهم) أي حصونهم (*)

[ 230 ]

الأعراب من الجفاء والجهل أو جبل عليه البشر من السفه كجبذ الأعرابي إزاره حتى أثر في عنقه وكرفع صوت الآخر عنده وكجحد الأعرابي شراءه منه فرسه التى شهد فيها خزيمة وكما كان من تظاهر زوجيه عليه وأشباه هذا مما يحسن الصفح عنه وقد قال بعض علمائنا أن أذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام لا يجوز بفعل مباح ولا غيره وأما غيره فيجوز بفعل مباح مما يجوز للانسان فعله وإن تأذى به غيره واحتج بعموم قوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة (إنما بضعة منى يؤذيني ما يؤذيها ألا وإنى لا أحرم ما أحل الله ولكن لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبدا) أو يكون هذا مما آذاه به كافر رجا بعد ذلك إسلامه كعفوه عن اليهودي الذى سحره وعن الأعرابي الذى أراد قتله وعن اليهودية التى سمته وقد قيل قتلها ومثل هذا مما يبلغه من أذى أهل الكتاب والمنافقين فصفح عنهم رجاء استئلافهم واستئلاف غيرهم كما قررناه قبل وبالله التوفيق


(قوله كجبذ الأعرابي إزاره) قال المزى لا يصح أن يكون للإزار ذكر هنا لأن الإزار ما يتزر به الإنسان في وسطه والرداء ما يجعله على عاتقه وأكتافه والرواية في الحديث بردائه ويقع ذلك في بعض النسخ (قوله زوجيه) بمثناة تحتية ساكنة (*)

[ 231 ]

فصل قال القاضى تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه والإزراء به وغمصه بأى وجه كان من ممكن أو محال فهذا وجه بين لا إشكال فيه * الوجه الثاني لا حق به في البيان والجلاء وهو أن يكون القائل لما قال في جهته صلى الله عليه وسلم غير قاصد للسب والإزراء ولا معتقد له ولكنه تكلم في جهته صلى الله عليه وسلم بكلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه أو نفى ما يجيب له مما هو في حقه صلى الله عليه وسلم نقيصة مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة أو مداهنة في تبليغ الرسالة أو في حكم بين الناس أو يغض من مرتبته أو شرف نسبه أو وفور علمه أو زهده أو يكذب بما اشتهر من أمور أخبر بها صلى الله عليه وسلم وتواتر الخبر بها عن قصد لرد خبره أو يأتي بسفه من القول أو قبيح من الكلام ونوع من السب في جهته وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ذمه ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو لضجر أو سكر اضطره إليه أو قلة مراقبة وضبط للسانه. وعجرفة وتهور في كلامه فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشئ مما ذكرناه إذا


(قوله أو لضجر) أي لقلق (قوله وعجرفة) في الصحاح جمل به تعجرف وعجرفة كان فيه خرقا وقلة مبالاة لسرعته (قوله وتهور في كلامه) التهور الوقوع في الشئ بقلة مبالاة (قوله دون تلعثم) في الصحاح تلعثم الرجل في الأمر إذا تمكث فيه (*)

[ 232 ]

كان عقله في فطرته سليما إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وبهذا أفتى الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الذى قدمناه وقال محمد بن سحنون في المأمور يسب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في أيدى العدو يقتل إلا أن يعلم تبصره أو إكراهه وعن أبى محمد ابن أبى زيد لا يعذر بدعوى زلل اللسان في مثل هذا وأفتى أبو الحسن القابسى فيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم في سكره يقتل لأنه يظن به أنه يعتقد هذا ويفعله في صحوه وأيضا فإنه حد لا يسقطه السكر كالقذف والقتل وسائر الحدود لأنه أدخله على نفسه لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله بها وإتيان ما ينكر منه فهو كالعامد لما يكون بسببه وعلى هذا ألزمناه الطلاق والعتاق والقصاص والحدود ولا يعترض على هذا بحديث حمزة وقوله للنبى صلى الله عليه وسلم وهل أنتم إلا عبيد لأبى قال فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فانصرف لأن الخمر كانت حينئذ غير محرمة فلم يكن في جناياتها إثم وكان حكم ما يحدث عنها معفوا عنه كما يحدث من النوم وشرب الدواء المأمون فصل الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله أو أتى به أو وجوده أو يكفر أو ينفى نبوته أو رسالته به انتقل بقوله ذلك إلى دين آخر غير


ثمل بفتح المثلثة وكسر الميم: أي سكران، يقال ثمل الرجل بالكسر، ثملا: إذا أخذ فيه الشراب. (*)

[ 233 ]

ملته أم لا ؟ فهذا كافر بإجماع يجب قتله ثم ينظر فإن كان مصرحا بذلك كان حكمه أشبه بحكم المرتد وقوى الخلاف في استتابته وعلى القول الآخر لا تسقط القتل عنه توبته لحق النبي صلى الله عليه وسلم إن كان ذكره بنقيصة فيما قاله من كذب أو غيره وإن كان متسترا بذلك فحكمه حكم الزنديق لا تسقط قتله التوبة عندنا كما سنبينه قال أبو حنيفة وأصحابه من برئ من محمد أو كذب به فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع وقال ابن القاسم في المسلم إذا قال إن محمدا ليس بنبى أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شئ تقوله يقتل وقال ومن كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكره من المسلمين فهو بمنزلة المرتد وكذلك من أعلن بتكذيبه أنه كالمرتد يستتاب وكذلك قال فيمن تنبأ وزعم أنه يوحى إليه وقاله سحنون وقال ابن القاسم دعا إلى ذلك أو جهرا وقال أصبغ وهو كالمرتد لأنه قد كفر بكتاب الله مع الفرية على الله وقال أشهب في يهودى تنبأ أو زعم أنه أرسل إلى الناس أو قال بعد نبيكم نبى أنه يستتاب إن كان معلنا بذلك فإن تاب وإلا قتل وذلك لأنه مكذب للنبى صلى الله عليه وسلم في قوله لا نبى بعدى مفتر على الله في دعواه عليه الرسالة والنبوة، وقال محمد بن سحنون من شك في حرف مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله فهو كافر جاحد، وقال: من كذب النبي صلى الله عليه وسلم كان حكمه عند

[ 234 ]

الأمة القتل، وقال أحمد بن أبى سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أسود قتل. لم يمكن النبي صلى الله عليه وسلم بأسود وقال نحوه أبو عثمان الحداد قال: لو قال إنه مات قبل أن يلتحى أو أنه كان بناهرت ولم يكن بتهامة قتل لأن هذا نفى قال حبيب بن ربيع تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له كافر وفيه الاستتابة والمسر له زنديق يقتل دون استتابة فصل الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل يمكن حمله على النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره أو يتردد في المراد به من سلامته من المكروه أو شره فههنا متردد النظر وحيرة العبر ومظنة اختلاف المجتهدين ووقفة استبراء المقلدين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة فمنهم من غلب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وحمى حمى عرضه فجسر على القتل ومنهم من عظم حرمة الدم


ثمل الرجل بالكسر ثملا إذا أخذ فيه الشراب (قوله بتهامة) بكسر الفوقية اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود اللريح وقال ابن قرقول سميت بذلك لتغير هوائها يقال تهم الرهن إذا تغير (قوله متردد) بفتح الراء والدال الأولى المشددة (قوله وحيرة العبر) الحيرة بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية والعبر بكسر العين المهملة وفتح الموحدة (قوله ومظنة) بفتح الميم وكسر الظاء المعجمة وتشديد النون، في الصحاح مظنة الشئ موضعه ومألفه الذى يظن كونه فيه (*)

[ 235 ]

ودرأ الحد بالشبهة لاحتمال القول وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه فقال له صل على محمد صلى الله عليه وسلم فقال له الطالب لا صلى الله على من صلى عليه فقيل لسحنون هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه ؟ قال: لا إذا كان على ما وصفت من الغضب لأنه لم يكن مضمرا الشتم، وقال أبو إسحاق البرقى وأصبغ بن الفرج لا يقتل لأنه إنما شتم الناس وهذا نحو قول سحنون لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لما احتمل الكلام عنده ولم تكن معه قرينة تدل على شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم ولا مقدمة يحمل عليها كلامه بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء لأجل قول الآخر له صلى على النبي فحمل قوله وسبه لمن يصلى عليه الآن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه هذا معنى قوله سحنون وهو مطابق لعلة صاحبيه وذهب الحارث بن مسكين القاضى وغيره في مثل هذا لإلى القتل وتوقف أبو الحسن القابسى في قتل رجل قال كل صاحب فندق قرنان ولو كان نبيا مرسلا فأمر بشدة بالقيود والتضييق عليه حتى يستفهم البينة عن جملة ألفاظه وما يدل على مقصده هل أراد أصحاب الفنادق الآن فمعلوم أنه ليس فيهم نبى مرسل فيكون أمره أخف قال ولكن ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين

[ 236 ]

وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء والرسل من اكتسب المال قال ودم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بين وما ترد إليه التأويلات لا بد من إمعان النظر فيه هذا معنى كلامه وحكى عن أبى محمد بن أبى زيد رحمه الله فيمن قال لعن الله العرب ولعن الله بنى إسرائيل ولعن الله بنى آدم وذكر أنه لم يرد الأنبياء وإنما أردت الظالمين منهم أن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان وكذلك أفتى فيمن قال: لعن الله من حرم المسكر وقال لم أعلم من حرمه وفيمن لعن حديث لا يبع حاضر لباد ولعن ما جاء به أنه إن كان يعذر بالجهل وعدم معرفة السنن فعليه الأدب الوجيع وذلك أن هذا لم يقصد بظاهر حاله سب الله ولا سب رسوله وإنما لعن من حرمه من الناس على نحو فتوى سحنون وأصحابه في المسألة المتقدمة ومثل هذا ما يجرى في كلام سفهاء الناس من قوله بعضهم لبعض - يا ابن ألف خنزير، ويا ابن مائة كلب - وشبهه من هجر القول ولا شك أنه يدخل في مثل هذا العدد من آبائه وأجداده جماعة من الأنبياء ولعل بعض هذا العدد منقطع إلى آدم عليه السلام فيبلغني الزجر عنه وتبيين ما جهل قائله منه وشدة الأدب فيه ولو علم أنه قصد سب من في آبائه من الأنبياء على علم لقتل وقد يضيق القول في نحو هذا لو قال لرجل هاشمى لعن الله بنى هاشم، وقال: أردت الظالمين منهم أو قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم قولا قبيحا في آبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن

[ 237 ]

قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض آبائه وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ممن سبه منهم وقد رأيت لأبى موسى بن مناس فيمن قال لرجل لعنك الله إلى آدم عليه السلام أنه إن ثبت عليه ذلك قتل قال القاضى وفقه الله وقد كان اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه بشئ ثم قال له تتهمنى ؟ فقال له الآخر: الأنبياء يتهمون فكيف أنت ؟ فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله لبشاعة ظاهر اللفظ وكان القاضى أبو محمد بن منصور يتوقف عن القتل الاحتمال اللفظ عنده أن يكون خبرا عمن اتهمهم من الكفار وأفتى فيها قاضى قرطبة أبو عبد الله بن الحاج بنحو من هذا وشدد القاضى أبو محمد تصفيده وأطال سجنه ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه إذ دخل في شهادة بعض من شهد عليه وهن ثم أطلقه وشاهدت شيخنا القاضى أبا عبد الله بن عيسى أيام قضائه أتى برجل هاتر رجلا اسمه محمد ثم قصد إلى كلب فضربه برجله وقال له: قم يا محمد فأنكر الرجل أن يكون قال ذلك وشهد عليه لفف من الناس فأمر به إلى السجن وتقصى عن حاله وهل يصحب من يستراب بدينه فلما لم يجد ما يقوى الريبة باعتقاده ضربه بالسوط وأطلقه


(قوله ابن مناس) بفتح الميم وتخفيف النون وفى آخره سين مهملة (قوله هاتر رجلا) أي فاتحه في القول من الهترة وهو الباطل والسقط من الكلام (قوله لفيف من الناس) أي ما اجتمع من الناس من قبائل شتى (*)

[ 238 ]

فصل الوجه الخامس أن لا يقصد نقصا ولا يذكر عيبا ولا سبا لكنه ينزع بذكر بعض أوصافه أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه وسلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو على التشبه به أو عند هضيمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على طريق التأسي وطريق التحقيق بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره أو على سبيل التمثيل وعدم التوقير لنبيه صلى الله عليه وسلم أو قصد الهزل والتنذير بقوله كقول القائل إن قيل في السوء فقد قيل في النبي أو إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو إن أذنبت فقد أذنبوا أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم أنبياء الله ورسله أو قد صبرت كما صبر أولو العزم أو كصبر أيوب أو قد صبر نبى الله عن عداه وحلم على أكثر مما صبرت وكقول المتنى: أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود


(قوله ولا سبا) بالسين المهملة والموحدة (قوله أو عند هضيمة) بفتح الهاء وكسر الضاد المعجمة وهى أن يهتضمك القوم شيئا أي يظلمونك أياه (قوله غضاضة) بغين معجمة وضادين معجمتين أي ذلة ومنقصة (قوله المتنبي) هو أبو الطلب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفى ولد سنة ثلاث وثلاثمائة ونشأ بالبادية والشام ومات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة قال السمعاني في الأنساب إنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه كثير من كلب وغيرهم فخرج إليهم لؤلؤ أمير حمص بالأخشيدة فأسره وسجنه طويلا ثم أشهد عليه أنه تاب وكذب نفسه فيما ادعاه وأطلقه (*)

[ 239 ]

ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول المتساهلين في الكلام كقول المعرى كنت موسى وافته بنت شعيب * غير أن ليس فيكما من فقير على أن آخر البيت شديد وداخل في الإزراء والتحقير بالنبي صلى الله عليه وسلم وتفضيل حال غيره عليه وكذلك قوله لولا انقطاع الوحى بعد محمد * قلنا محمد عن أبيه بديل هو مثله في الفضل إلا أنه * لم يأته برسالة جبريل فصدر البيت الثاني من هذا الفصل شديد لتشبيهه غير النبي صلى الله عليه وسلم في فضله بالنبي والعجز محتمل لوجهين أحدهما أن هذه الفضيلة نقصت الممدوح والآخر استغناؤه عنها وهذه أشد ونحو منه قول الآخر وإذا ما رفعت راياته * صفقت بين جناحى جبرين وقول الآخر من أهل العصر فر من الخلد واستجار بنا * فصبر الله قلب رضوان وكقول حسان المصيصى من شعراء الأندلس في محمد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبى بكر بن زيدون


(قوله كقول المعرى) هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان توفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرة

[ 240 ]

كأن أبا بكر أبو بكر الرضا * وحسان حسان وأنت محمد إلى أمثال هذا وإنما أكثرنا بشاهدها مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ولتساهل كثير من الناس في ولوج هذا الباب الضنك واستخفافهم فادح هذا العب ء وقلة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر وكلامهم منه بما ليس لهم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم لا سيما الشعراء وأشدهم فيه تصريحا وللسانه تسريحا ابن هانئ الأندلسى وابن سليمان المعرى بل قد خرج كثير من كلامهما إلى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر وقد أجبنا عنه وغضرنا الآن الكلام في هذا الفصل الذى سقنا أمثلته فإن هذا كلها وإن لم تتضمن سبا ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصا ولست أعنى عجزي بيتى المعرى ولا قصد قائلها إزارة وغضا فما وقر النبوة ولا عظم الرسالة ولا غزر حرمة الاصطفاء ولا عزز حظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها أو معرة قصد الانتفاء منها أو ضرب مثل لتطبيب مجلسه أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره وشرف قدره وألزم توقيره وبره ونهى عن جهر


(قوله الضنك) أي الضيق (قوله فادح) بالفاء وبالدال المكسورة أي شاف (قوله ابن هانئ الأندلسى) هو أبو القاسم محمد الشاعر شاعر العرب كالمتنبي في الشرق توفى سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعمره ست وثلاثون سنة وقيل اثنان وأربعون سنة ببرقة متوجها من مصر إلى المغرب أضافه شخص فعربدوا عليه فقتلوه وقيل بل وجد مخنوقا وقيل بل نام فوجد ميتا (*)

[ 241 ]

القول له ورفع الصوت عنده فحق هذا إن درئ عنه القتل: الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعة مقاله ومقتضى قبح ما نطق به ومألوف عادته لمثله أو ندوره وقرينة كلامه أو ندمه على ما سبق منه ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن جاء به وقد أنكر الرشيد على أبى نواس قوله فإن يك باقى سحر فرعون فيكم * فإن عصا موسى بكف خصيب وقال له يابن اللخناء أنت المستهزئ بعصا موسى وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته وذكر اليقتبى أن مما أخذ عليه أيضا وكفر فيه أو قارب قوله في محمد الأمين وتشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها * خلقا وخلقا كما قد الشراكان وقد أنكروا عليه أيضا قوله كيف لا يدينك من أمل * من رسول الله من نفره


(قوله على أبى نواس) هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح توفى سنة خمس وقيل ست وقيل ثمان وتسعين ومائة ببغداد (قوله يا بن اللخناء) لخن السقاء بالسر أي أنتن وقال ابن الأثير في حديث ابن عمر يا بن اللخناء هي المرأة التى لم تختن وقيل اللخن النتن وقد لخن السقاء يلخن انتهى (قوله في محمد الأمين) هو ابن الرشيد بن المهدى (قوله وقد أنكروا) أيضا عليه أي على أبى نواس (قوله من رسول الله) بفتح الميم (قوله من نفره) النفرة بالتحريك عدة رجال من ثلاث إلى عشرة (16 - 2) (*)

[ 242 ]

لأن حق الرسول وموجب تعظيمه وإناقة منزلته أن يضاف إليه ولا يضاف فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا على هذا المنهج جاءت فتيا إمام مذهبنا مالك بن أنس رحمه الله وأصحابه في النوادر من رواية ابن أبى مريم في رجل غير رجلا بالفقر فقال: تعيرني بالفقر وقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم الغنم فقال مالك قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه أرى أن يؤدب قال: ولا ينبغى لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا قد أخطأت الأنبياء قبلنا، وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: (انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا) فقال كاتب له: قد كان أبو النبي كافرا. فقال: (جعلت هذا مثلا) فعزله وقال: (لا تكتب لى أبدا) وقد كره سحنون أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند التعجب إلا على طريق الثواب والاحتساب توقيرا له وتعظيما كما أمرنا الله وسئل القابسى عن رجل قال لرجل قبيح كأنه وجه نكير، ولرجل عبوس كأنه وجه مالك الغضبان فقال أي شئ أراد بهذا ونكير أحد فتانى القبر وهما ملكان فما الذى أراد أروع دخل عليه حين رآه من وجهه أم عاف النظر إليه لدمامة خلقه فإن كان هذا فهو شديد لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين فهو أشد عقوبة وليس فيه تصريح بالسب للملك


(قوله لدمامة خلقه) الدمامة بتفح الدال المهملة وتخفيف الميم القبح والحلق بفتح الهاء المهملة قال المزى الدمامة بالدال المهملة في الخلق بفتح الخاء المعجمة والذمامة بالذال المعجمة في الخلق بضم الخاء المعجمة (*)

[ 243 ]

وإنما السب واقع على المخاطب وفى الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء، قال: (وأما ذاكر مالك خازن النار فقد جفا الذى ذكره عند ما أنكر حاله من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد فيرهب بعبسته فيشبهه القائل على طريق الذم لهذا في فعليه ولزومه في ظلمه صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله فيقول كأنه لله يغضب غضبه مالك فيكون أخف وما كان ينبغى له التعرض لمثل هذا ولو كان أثنى على العبوس بعبسته واحتج بصفة مالك كان أشد ويعاقب المعاقبة الشديدة وليس في هذا ذم للملك ولو قصد ذمه لقتل وقال أبو الحسن أيضا في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئا فقال له الرجل اسكت فإنك أمي فقال الشاب أليس كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا فشنع عليه مقاله وكفره الناس وأشفق الشاب مما قال وأظهر الندم عليه فقال أبو الحسن أما إطلاق الكفر عليه فخطأ لكنه مخطئ في استشهادته بصفة النبي صلى الله عليه وسلم وكون النبي أميا آية له وكون هذا أميا نقيصة فيه وجهالة ومن جهالته احتجاجه بصفة النبي صلى الله عليه وسلم لكنه إذا استغفر وتاب واعترف ولجأ إلى الله فيترك لأن قوله: (لا ينتهى إلى حد القتل وما طريقه الأدب فطوع فاعله بالدم عليه يوجب الكف عنه ونزلت أيضا مسألة استفتى فيها بعض قضاة الأندلس شيخنا القاضى أبا محمد بن منصور رحمه الله في رجل تنقصه آخر بشئ فقال له إنما تريد

[ 244 ]

نقضى بقولك - وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم - فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إذ لم يقصد السب وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله فصل الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره وآثرا له عن سواه فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه: الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم فإن كان أخبر به على وجه الشهادة والتعريف بقائله والإنكار والإعلام بقوله والتنفير منه والتجريح له فهذا مما ينبغى امتثاله ويحمد فاعله وكذلك إن حكاه في كتاب أو في مجلس على طريق الرد له والنقض على قائله والفتيا بما يلزمه وهذا منه ما يجب ومنه ما يستحب بحسب حالات الحاكى لذلك والمحكى عنه فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث أو يقطع بحكمه أو شهادته أو فتياه في الحقوق وجب على سامعه الإشادة بما سمع منه والتنفير للناس عنه والشهادة عليه بما قاله ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره وبيان كفره وفساد قوله بقطع ضرره عن المسلمين وقياما بحق سيد المرسلين وكذلك إن كان ممن يعظ العامة أو يؤدب الصبيان فإن من هذه سريرته لا يؤمن على إلقاء ذلك في قلوبهم فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي صلى الله عليه وسلم ولحق شريعته

[ 245 ]

وإن لم يكن القائل بهذه السبيل فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم واجب وحماية عرضه متعين ونصرته على الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن لكنه إذا قام بهذا من ظهر به الحق وفصلت به القضية وبان به الأمر سقط عن الباقي الفرض وبقى الاستحباب في تكثير الشهادة عليه وعضد التحذير منه وقد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث فكيف بمثل هذا وقد سئل أبو محمد بن أبى زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى أيسعه أن لا يؤدى شهادته قال: إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ويرى الاستتابة والأدب فليشهد ويلزمه ذلك وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين فلا أرى لها مدخلا في هذا الباب فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعى بمباح وأما للأغراض المتقدمة فمتردد بين الإيجاب والاستحباب وقد حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم والتحذير من كفرهم والوعيد عليه والرد عليهم بما تلاه الله علينا في محكم كتابه وكذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة على الوجوه المتقدمة وأجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس وينقضوا شبهها عليهم وإن كان ورد

[ 246 ]

لأحمد بن حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث بن أسد فقد صنع أحمد مثله في رده على الجهمية والقائلين بالمخلوق وهذه الوجوه الشائعة الحكاية عنها فأما ذكرها على غير هذا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه على وجه الحكايات والأسمار والطرف وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمير ومضاحك المجان ونوادر السخفاء والخوض في قيل وقال ومالا يعنى فكل هذا ممنوع وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض فما كان من قائله الحاكى له على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه أو لم تكن عادته أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ولم يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه زجر عن ذلك ونهى عن العودة إليه وإن قوم ببعض الأدب فهو مستوجب له وإن كان لفظه من البشاعة حيث هو كان الأدب أشد، وقد حكى أن رجلا سأل مالكا عمن يقول القرآن مخلوق فقال مالك كافر فاقتلوه فقال إنما حكيته عن غيرى فقال مالك إنما سمعناه منك وهذا من مالك رحمه الله على طريق الزجر والتغليظ بدليل أنه لم ينفذ قتله وإن اتهم هذا الحاكى فيما حكاه أنه اختلقه ونسبه إلى غيره أو كانت تلك عادة له أو ظهر استحسانه لذلك أو كان مولعا بمثله والاستخفاف له أو التحفظ لمثله وطلبه ورواية أشعار هجوه صلى الله


(قوله على الجهمية) هم أتباع جهم بن صفوان أبى محرز السمرقندى هلك في زمان صغار التابعين أعنى من رأى من الصحابة واحدا أو اثنين (قوله والطرف) بضم الطاء المهملة جمع طرفة (*)

[ 247 ]

عليه وسلم وسبه فحكم هذا حكم الساب نفسه يؤاخذ بقوله ولا تنفعه نسبته إلى غيره فيبادر بقتله ويعجآ إلى الهاوية أمه وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجى به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كفر وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجى به النبي صلى الله عليه وسلم وكتابته وقراءته وتركه متى وجد دون محو ورحم الله أسلافنا المتقين المتحرزين لدينهم فقد أسقطوا من أحاديث المغازى والسير ما كان هذا سبيله وتركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة وغير مستبشعة على نحو الوجوه الأول ليروا نقمة الله من قائلها وأخذه المفترى عليه بذنبه وهذا أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله قد تحرى فيما اضطر إلى الاستشهاد به من أهاجي أشعار العرب في كتبه فكنى عن اسم المهجو بوزن اسمه استبراء لدينه وتحفظا من المشاركة في ذم أحد بروايته أو نشره فكيف بما يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم فصل الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أو يختلف في جوازه عليه وما يطرأ من الأمور البشرية به ويمكن إضافتها إليه أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه وأذاهم له ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وما لقيه من بؤس

[ 248 ]

زمنه ومر عليه من معاياة عيشته كل ذلك على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة إذ ليس فيه غمص ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف لا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم وفهماء طلبة الدين ممن يفهم مقاصده ويحققون فوائده ويجنب ذلك من عساه لا يفقه أو يخشى به فتنته فقد كره بعض السلف تلعيم النساء سورة يوسف لما انطوت عليه من تلك القصص لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن فقد قال صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه باستيجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال (ما من نبى إلا وقد رعى الغنم) وأخبرنا الله تعالى بذلك عن موسى عليه السلام وهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه بخلاف من قصد به الغضاضة والتحقير بل كانت عادة جميع العرب، نعم في ذلك للأنبياء حكمة بالغة وتدريج لله تعالى لهم إلى كرامته وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خليقته بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ومتقدم العلم وكذلك قد ذكر الله يتمه وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته له فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله والخبر عن مبتدئه والتعجب من منح الله قبله وعظيم منته عنده ليس فيه غضاضة بل فيه


(قوله وفهماء) بضم الفاء والمد (*)

[ 249 ]

دلالة على نبوته وصحة دعوته إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ناوأه من أشرافهم شيئا فشيئا ونمى أمره حتى قهرهم وتمكن من ملك مقاليدهم واستباحة مما لك كثير من الأمم غيرهم بإظهار الله تعالى له وتأييده بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم وإمداده بالملائكة المسومين ولو كان ابن ملك أو ذا أشياع متقدمين لحسب كثير من الجهال أن ذلك موجب ظهوره ومقتضى علوه ولهذا قال هرقل حين سأل أبا سفيان عنه هل في آبائه من ملك ؟ ثم قال: ولو كان في آبائه ملك لقلنا رجل يطلب ملك أبيه وإذا اليتم من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة وأخبار الأمم السالفة وكذا وقع ذكره في كتاب أرمياء وبهذا وصفه ابن ذى يزن لعبد المطلب وبحيرا لأبى طالب وكذلك إذا وصف بأنه أمي كما وصفه الله فهى مدحة له وفضيلة ثابتة فيه وقاعدة معجزته إذ معجزته العظمى من القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما منح صلى الله عليه وسلم وفضل به من ذلك كما قدمناه في القسم الأول ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لقن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر وليس في ذلك نقيصة إذ المطلوب من الكتابة والقراءة المعرفة وإنما هي آلة.


(قوله على صناديد) جمع صنديد وهو الشجاع السيد (قوله ونمى) بتشديد الميم (قوله في كتاب أرميا) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الميم والقصر (قوله وليس فيه ذلك نقيصة) الضمير المجرور بفى عائد إلى الرجل في قوله ووجود مثل ذلك من رجل والإشارة بذلك راجعة إلى ما أشير إليه بذلك (*)

[ 250 ]

لها وواسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة والسبب، والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة فسبحان من باين أمره من أمر غيره وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه وحياته فيما فيه هلاك من عداه هذا شق قلبه وإخراج حشوته كان تمام حياته وغاية قوة نفسه وثبات روعه وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه وهلم جرا إلى سائر ما روى من أخباره وسيره وتقلله من الدنيا ومن الملبس والمطعم والمركب وتواضعه ومهنته نفسه في أمور وخدمة بيته زهدا ورغبة عن الدنيا وتسوية بين حقيرها وخطيرها لسرعة فناء أمورها وتقلب أحوالها كل هذا من فضائله ومآثره وشرفه كما ذكرناه فمن أورد شيئا منها مورده وقصد بها مقصده كان حسنا ومن أورد ذلك على غير وجهه وعلم منه بذلك سوء قصده لحق بالفصول التى قدمناه وكذلك ما ورد من أخباره وأخبار سائر الأنبياء عليهم السلام في الأحاديث مما في ظاهره إشكال يقتضى أمورا لا تليق بهم بحال وتحتاج إلى تأويل


(قوله وإخراج حشوته) الحشوة بكسر الحاء المهملة وضمها وبالشين المعجمة الأمعاء (قوله روعه) بضم الراء وفى آخره هاء الضمير أي قلبه - قوله وحتم موته) بفتح الحاء المهملة وسكون التاء الفوقية (قوله مهنته) بفتح الميم وحكى الكسائي كسرها وأنكره الأسمعي (قوله ومآثره) أي مكارمه ومفاخره التى تؤثر عنه (*)

[ 251 ]

وتردد احتمال فلا يجب أن يتحدث منها إلا بالصحيح ولا يروى منها إلا المعلوم الثابت ورحم الله مالكا فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه والمشكلة المعنى وقال: ما يدعو الناس إلى التحدث بمثل هذا فقيل له إن ابن عجلان يحدث بها فقال لم يكن من الفقهاء وليت الناس وافقوه على ترك الحديث بها وساعدوه على طيها فأكثرها ليس تحتع عمل وقد حكى عن جماعة من السلف بل عنهم على الجملة أنهم كانوا يكرهون الكلام فيما ليس تحته عمل والنبى صلى الله عليه وسلم أوردها على قوم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه وتصرفاتهم في حقيقته ومجازه واستعارته وبليغه وإيجازه فلم تكن في حقهم مشكلة ثم جاء من غلبت عليه العجمة وداخلته الأمية فلا يكاد يفهم من مقاصد العرب إلا نصها وصريحها ولا يتحقق إشاراتها إلى غرض الإيجاز ووحيها وتبليغها وتلويحها فتفرقوا في تأويلها أو حملها على ظاهرها شذر مذر فمنهم من آمن به ومنهم من كفر فأما ما لا يصح من هذه الأحاديث فواجب أن لا يذكر منها شئ في حق الله ولا في حق أنبيائه ولا يتحدث بها ولا يتكلف الكلام على معانيها، والصواب طرحها وترك الشغل بها إلا أن تذكر على وجه التعريف بأنها ضعيفة المقاد واهية الإسناد وقد أنكر الأشياخ على أبى بكر بن فورك تكلفه في مشكله الكلام على أحاديث ضعيفة


(قوله شذر مذر) بكسر الشين المعجمة والميم وبفتحهما في الصحاح تفرقوا شذر مذر بالتحريك والنصب وشذر مذر بالكسر إذا ذهبوا في كل وجه (*)

[ 252 ]

موضوعة لا أصل لها أو منقولة عن أهل الكتاب الذين يلبسون الحق بالباطل كان يكفيه طرحها ويعنيه عن الكلام عليها التنبيه على ضعفها إذ المقصود بالكلام على مشكل ما فيها إزالة اللبس بها واجتثاثها من أصلها وطرحها أكشف اللبس وأشفى للنفس فصل ومما يجب على المتكلم فيما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وما لا يجوز والذاكر من حالاته ما قدمناه في الفصل قبل هذا على طريق المذاكرة والتعليم أن يلتزم في كلامه عند ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر تلك الأحوال الواجب من توقيره وتعظيمه ويراقب حال لسانه ولا يهمله وتظهر عليه علامات الأدب عند ذكره فإذا ذكر ما قاساه من الشدائد ظهر عليه الإشفاق والارتماض والغيظ على عدوه ومودة الفداء للنبى صلى الله عليه وسلم لو قدر عليه والنصرة لو أمكنته وإذا أخذ في أبواب العصمة وتكلم على مجارى أعماله وأقواله صلى الله عليه وسلم تحرى أحسن اللفظ وأدب العبارة ما أمكنه واجتنب بشيع ذلك وهجر من العبارة ما يقبح كلفظة الجهل والكذب والمعصية فإذا تكلم في الأقوال قال هل يجوز عليه الخلف في القول والإخبار بخلاف ما وقع سهوا


(قوله يلبسون) بكسر الموحدة أي يخلطون (قوله والارتماض) بالضاد المعجمة يقال ارتمض الرجل من كذا أي اشتد قلقه (قوله تحرى) بالحاء المهملة أي توخى وقصد (*)

[ 253 ]

أو غلطا ونحوه من العبارة ويتجنب لفظة الكذب جملة واحدة وإذا تكلم على العلم قال هل يجوز أن لا يعلم إلا ما علم وهل يمكن أن لا يكون عنده علم من بعض الأشياء حتى يوحى إليه ولا يقول بجهل لقبح اللفظ وبشاعته وإذا تكلم في الأفعال قال هل يجوز منه المخالفة في بعض الأوامر والنواهي ومواقعة الصغائر فهو أولى وآدب من قوله هل يجوز أن يعصى أو يذنب أو يفعل كذا وكذا من أنواع المعاصي فهذا من حق توقيره صلى الله عليه وسلم وما يجب له من تعزيز وإعظام وقد رأيت بعض العلماء لم يتحفظ من هذا فقبح منه. ولم استصوب عبارته فيه ووجدت بعض الجائرين قوله لأجل ترك تحفظه في العبارة ما لم يقله وشنع عليه بما يأباه ويكفر قائله وإذا كان مثل هذا بين الناس مستعملا في آدابهم وحسن معاشرتهم وخطابهم فاستعماله في حقه صلى الله عليه وسلم أوجب والتزامة آكد فجودة العبارة تقبح الشئ أو تحسنه وتحريرها وتهذيبا يعظم الأمر أو يهونه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا فأما ما أورده على جهة النفى عنه والتنزيه فلا حرج في تسريح العبارة وتصريها فيه كقوله لا يجوز عليه الكذب جملة ولا


(قوله إن من البيان لسحرا) قال ابن قرقول قيل أورده مورد الذم لشبهة بعمل السحر في قلب القلوب وجلب الأفئدة وتزيين القبيح وتقبيح الحسن وقيل أورده مورد المدح أي يترضى به الساخط ويستزل به الصعب ولذلك قالوا فيه السحر الحلال ويشهد له (إن من الشعر لحكمة) الحديث (*)

[ 254 ]

إتيان الكبائر بوجه ولا الجور في الحكم على حال ولكن مع هذا يجب ظهور توقيره وتعظيمه وتعزيزه عند ذكره مجردا فكيف عند ذكر مثل هذا وقد كان السلف تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره كما قدمناه في القسم الثاني وكان بعضهم يلتزم مثل ذلك عند تلاوة آى من القرآن حكى الله تعالى فيها مقال عداه ومن كفر بآياته وافترى عليه الكذب فكان يخفض بها صوته إعظاما لربه وإجلالا له وإشفاقا من التشبه بمن كفر به الباب الثاني في حكم سابه وشانئه ومتنقصه مؤذبه وعقوبته وذكر استتباته ووراثته قد قدمنا ما هو سب وأذى في حقه صلى الله عليه وسلم وذكرنا إجماع العلماء على قتل فاعل ذلك وقائله وتخيير الإمام في قتله أو صلبه على ما ذكرناه وقررنا الحجج عليه وبعد فاعلم أن مشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدا لا كفرا إن أظهر التوبة منه ولهذا لا تقبل عندهم توبته ولا تنفعه استقالته ولا فيأته كما قدمناه قبل وحكمه حكم الزنديق ومسر الكفر في هذا القول وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة على قوله (أو جاء تائبا من قبل نفسه لأنه حد وجب لا تسقطه التوبة كسائر الحدود قال الشيخ أبو الحسن القابسى رحمه الله إذا

[ 255 ]

أقر بالسب وتاب منه وأظهر التوبة قتل بالسب لأنه هو حده وقال أبو محمد بن أبى زيد مثله وأما ما بينه وبين الله فتوبته تنفعه، وقال ابن سحنون من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من الموحدين ثم تاب عن ذلك لم تزل توبته عنه القتل وكذلك قد اختلف في الزنديق إذا جاء تائبا فحكى القاضى أبو الحسن بن القصار في ذلك قولين، قال من شيوخنا: من قال أقتله بإقراره لأنه كان يقدر على ستر نفسه فلما اعترف خفنا أنه خشى الظهور عليه فبادر لذلك ومنهم من قال أقبل توبته لأنى أستدل على صحتها بمجيئة فكأننا وقفنا على باطنه بخلاف من أسرته البينة قال القاضى أبو الفضل وهذا قول أصبغ ومسألة ساب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى لا يتصور فيها الخلاف على الأصل المتقدم لأنه حق متعلق للنبى صلى الله عليه وسلم ولأمته بسببه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين والزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك والليث وإسحاق وأحمد لا تقبل توبته وعند الشافعي تقبل واختلف فيه عن أبى حنيفة وأبى يوسف وحكى ابن المنذر عن على بن أبى طالب رضى الله عنه يستتاب، قال محمد بن سحنون ولم يزل القتل عن المسلم بالتوبة من سبه صلى الله عليه وسلم لأنه لم ينتقل من دين إلى غيره وإنما فعل


(قوله وأبى يوسف) هو القاضى صاحب أبى حنفية يعقوب بن إبراهيم بن خبيب بن حبيش بن سعد بن خيثمة الأنصاري توفى سنة اثنين وثمانين ومائة وهو ابن تسع وستين سنة روى عنه أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما (*)

[ 256 ]

شيئا حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحد كالزنديق لأنه لم ينتفل من ظاهر إلى ظاهر، وقال القاضى أبو محمد بن نصر محتجا لسقوط اعتبار توبته والفرق بينه وبين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابته أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر والبشر جنس تلحقه المعرة إلا من أكرمه الله بنبوته والبارى تعالى منزه عن جميع المعايب قطعا وليس من جنس تلحق المعرة بجنسه وليس سبه صلى الله عليه وسلم كالارتداد المقبول فيه التوبة لأن الارتداد معنى ينفرد به المرتد لا حق فيه لغيره من الآدميين فقبلت توبته ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم تعلق فيه حق لآدمي فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده أو يقذف فإن توبته لا تسقط عنه حد القتل والقذف وأيضا فإن توبة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من ؟ ؟ ؟ وسرقة وغيرها ولم يقتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم لكفره لكن لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به وذلك لا تسقطه التوبة، قال القاضى أبو الفضل يريد والله أعلم لأن سبه لم يكن بكلمة تقتضي الكفر ولكن بمعنى الإزراء والاستخفاف أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ارتفع عنه اسم الكفر ظاهرا والله أعلم بسريرته وبقى حكم السب عليه، وقال أبو عمران العابسى من سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد عن الإسلام قتل ولم يستتب، لأن السب من


(قوله كالمرد يقتل) هو بفتح المثناة التحتية في أوله (*)

[ 257 ]

حقوق الآدميين التى لا تسقط عن المرتد وكلام شيوخنا هؤلاء مبنى على القول بقتله حدا لا كفرا وهو يحتاج إلى تفصيل * وأما على رواية الوليد ابن مسلم عن مالك ومن وافقه على ذلك ممن ذكرناه وقال به من أهل العلم فقد صرحوا أنه ردة قالوا ويستتاب منها فإن تاب نكل وإن أبى قتل فحكم له بحكم المرتد مطلقا في هذا الوجه والوجه الأول أشهر وأظهر لما قدمناه ونحن نبسط الكلام فيه فنقول من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدا وإنما نقول ذلك مع فصلين: إما مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاع والتوبة عنه فنقتله حدا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي صلى الله عليه وسلم وتحقيره ما عظم الله من حقه وأجرينا حكمه في ميراثه وغير ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب فإن قيل فكيف تثبتون عليه الكفر ويشهد عليه بكلمة الكفر ولا تحكمون عليه بحكمه من الاستتابة وتوابعها قلنا نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد والنبوة وإنكاره ما شهد به عليه أو زعمه أن ذلك كان منه وهلا ومعصية وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر على بعض الأشخاض وإن لم تثبت له خصائصه كقتل تارك الصلاة وأما من علم أنه سبه معتقدا لاستحلاله فلا


(قوله وهلا) في الصحاح الوهل بالتحريك الفزع قال أبو زيد: وهل يوهل في الشئ وعن الشئ وهلا إذا غلط فيه وسها (17 - 2) (*)

[ 258 ]

شك في كفره بذلك وكذلك إن كان سبه في نفسه كفر كتكذيبه أو تكفير، ونحوه فهذا مما لا إشكال فيه ويقتل وإن تاب منه لأنا لا نقبل توبته ونقتله بعد التوبة حدا لقوله ومتقدم كفره وأمره بعد إلى الله المطلع على صحة إقلاعه العالم بسره وكذلك من لم يظهر التوبة واعترف بما شهد به عليه وصمم عليه فهذا كافر بقوله وباستحلاله هتك حرمة الله وحرمه نبيه صلى الله عليه وسلم يقتل كافرا بلا خلاف فعلى هذه التفضيلات خذ كلام العلماء ونزل مختلف عباراتهم في الاحتجاج عليها وأجر اختلافهم في الموارثة وغيرها على ترتيبها تتضح لك مقاصدهم إن شاء الله تعالى فصل إذا قلنا بالاستتابة حيث تصح فالاختلاف على الاختلاف في توبة المرتد إذ لا فرق بينهما وقد اختلف السلف في وجوبها وصورتها ومدتها فذهب جمهور أهل العلم إلى أن المرتد يستتاب وحكى ابن القصار أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة ولم ينكره واحد منهم وهو قول عثمان وعلى وابن مسعود وبه قال عطاء بن أبى رباح والنخعي والثوري ومالك وأصحابه والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأى وذهب طاوس وعبيد بن عمير والحسن في إحدى الروايتين عنه أنه

[ 259 ]

لا يستتاب وقاله عبد العزيز بن أبى سلمة وذكره عن معاذ وأنكره سحنون عن معاذ وحكاه الطحاوي عن أبى يوسف وهو قول أهل الظاهر قالوا وتنفعه توبته عند الله ولكن لا ندرأ القتل عنه لقوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه وحكى عن عطاء أنه إن كان ممن ولد في الإسلام لم يستتب ويستتاب الإسلامي وجمهور العلماء على أن المرتد والمرتدة في ذلك سواء وروى عن على رضى الله عنه لا تقتل المرتدة وتسترق قاله عطاء وقتادة وروى عن ابن عباس لا تقتل النساء في الردة وبه قال أبو حنيفة قال مالك والحر والعبد والذكر والأنثى في ذلك سواء وأما مدتها فمذهب الجمهور وروى عن عمر أنه يستتاب ثلاثة أيام يحبس فيها وقد اختلف فيه عن عمر وهو أحد قولى الشافعي وقول أحمد وإسحاق واستحسنه مالك وقال لا يأتي الاستظهار إلا بخير وليس عليه جماعة الناس قال الشيخ أبو محمد بن أبى زيد يريد في الاستيناء ثلاثا وقال مالك أيضا الذى آخذ به في المرتد قول عمر يحبس ثلاثة أيام ويعرض عليه كل يوم فإن تاب وإلا قتل وقال أبو الحسن بن القصار في تأخيره ثلاثا روايتان عن مالك هل ذلك واجب أو مستحب واستحسن الاستتابة والاستيناء ثلاثا أصحاب الرأى وروى عن أبى بكر الصديق أنه استتاب امرأة فلم نتب فقتلها، وقال الشافعي مرة فقال إن لم يتب مكانه قتل واستحسنه المزني وقال الزهري يدعى

[ 260 ]

إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أبى قتل وروى عن على رضى الله عنه يستتاب شهرين، وقال النخعي يستتاب أبدا وبه أخذ الثوري ما رجيت توبته، وحكى ابن القصار عن أبى حنيفة أنه يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام أو ثلاث جمع كل يوم أو جمعة مرة وفى كتاب محمد عن ابن القاسم يدعى المرتد إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أبى ضربت عنقه واختلف على هذا هل يهدد أو يشدد عليه أيام الاستتابة ليتوب أم لا فقال مالك ما علمت في الاستتابة تجويعا ولا تعطيشا ويؤتى من الطعام بما لا يضره وقال أصبغ يخوف أيام الاستتابة بالقتل وبعرض عليه الإسلام وفى كتاب أبى الحسن الطابثى يوعظ في تلك الأيام ويذكر بالجنة ويخوف بالنار قال أصبغ وأى المواضع حبس فيها من السجون مع الناس أو وحده إذا استوثق منه سواء ويوقف ماله إذا خيف أن يتلفه على المسلمين ويطعم منه ويسقى وكذلك يستتاب أبدا كلما رجع وارتد وقد استتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نبهان الذى ارتد أربع مرات أو خمسا قال ابن وهب عن مالك يستتاب أبدا كلما رجع وهو قول الشافعي وأحمد وقاله ابن القاسم وقال إسحاق يقتل في الرابعة وقال أصحاب الرأى إن لم يتب في الرابعة قتل دون استتابة وإن تاب ضرب ضربا وجيعا ولم يخرج من السجن حتى يظهر عليه خشوع التوبة قال ابن المنذر ولا نعلم أحدا


(قوله أبى الحسن الطابثى) هو بطاء مهملة وباء موحدة مكسورة وثاء مثلثة (*)

[ 261 ]

أوجب على المرتد في المرة الأولى أدبا إذا رجع وهو على مذهب مالك والشافعي والكوفي فصل هذا حكم من ثبت عليه ذلك بما يجب ثبوته من إقرار أو عدول لم يدفع فيهم فأما من لم تتم الشهادة عليه بما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس أو ثبت قوله لكن احتمل ولم يكن صريحا وكذلك إن تاب على القول بقبول توبته فهذا يدرأ عنه القتل ويتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله وقوة الشهادة عليه وضعفها وكثرة السماع عنه وصورة حاله من التهمة في الدين والنبر بالسفه والمجون فمن قوى أمره أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن والشد في القيود إلى العاية التى هي منتهى طاقته مما لا يمنعه القيام لضرورته ولا يقعده عن صلاته وهو حكم كل من وجب عليه القتل لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه وتربص به لإشكال وعائق اقتضاه أمره وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله وقد روى الوليد عن مالك والأوزاعي أنها ردة فإذا تاب نكل ولمالك في العتبية وكتاب محمد من رواية أشهب إذا تاب


(قوله والنبر) بالنون المفتوحة والموحدة الساكنة والراء مصدر نبره ينبره نبرا أي لقنه (*)

[ 262 ]

المرتد فلا عقوبة عليه وقاله سحنون وأفتى أبو عبد الله بن عتاب فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم فشهد عليه شاهدان عدل أحدهما بالأدب الموجع والتنكيل والسجن الطويل حتى تظهر توبته وقال القابسى في مثل هذا ومن كان أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبغ أن يطلق من السجن ويستطال سجنه ولو كان فيه من المدة ما عسى أن يقيم ويحمل عليه من القيد ما يطيق وقال في مثله ممن أشكل أمره يشد في القيود شدا ويضيق عليه في السجن حتى ينظر فيما يجب عليه، وقال في مسألة أخرى مثلها ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح وفى الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء ويعاقب عقوبة شديدة فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين فأثبت من عداوتهما أو جرحتهما ما أسقطهما عنه ولم يسمع ذلك من غيرهما فأمره أخف لسقوط الحكم عنه وكأنه لم يشهد عليه إلا أن يكون ممن يليق به ذلك ويكون الشاهدان من أهل التبريز فأسقطهما بعداوة فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع الظن صدقهما وللحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد والله ولى الإرشاد فصل هذا حكم المسلم فأما الذمي إذا صرح بسبه أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذى كفر به فلا خلاف عندنا في قتله إن


(قوله عتاب) بفتح العين المهمة وتشديد المثناة الفوقية (*)

[ 263 ]

لم يسلم لأنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا وهو قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة والثوري واتباعهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا لا يقتل لأن ما هو عليه من الشرك أعظم ولكن يؤدب ويعذر واستدل بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم) الآية، ويستدل أيضا عليه بقتل النبي صلى الله عليه وسلم لابن الأشرف وأشباهه ولأنا لم نعاهدهم ولم نعطهم الذمة على هذا ولا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمة فقد نقضوا ذمتهم وصاروا كفارا أهل حرب يقتلون لكفرهم وأيضا فإن ذمتهم لا تسقط حدود الإسلام عنهم من القطع في سرقة أموالهم والقتل لمن قتلوه منهم وإن كان ذلك حلالا عندهم فكذلك سبهم للنبى صلى الله عليه وسلم يقتلون به ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذمي بالوجه الذى كفر به ستقف عليها من كلام ابن القاسم وابن سحنون بعد وحكى أبو المصعب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين واختلفوا إذا سبه ثم أسلم فقيل، يسقط إسلامه قتله لأن الإسلام يجب ما قبله بخلاف المسلم إذا سبه ثم ناب لأنا نعلم باطنة الكافر في بغضه له وتنقصه بقلبه لكنا منعناه من إظهاره فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر ونقضا للعهد فإذا رجع عن دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله، قال الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) والمسلم بخلافه

[ 264 ]

إذ كان ظننا بباطنه حكم ظاهره وخلاف ما بدا منه الآن فلم نقبل بعد رجوعه ولا استنمنا إلى باطنه إذ قد بدت سرائره وما ثبت عليه من الأحكام باقية عليه لم يسقطها شئ وقيل لا يسقط إسلام الذمي الساب قتله لأنه حق للنبى صلى الله عليه وسلم وجب عليه لانتهاكه حرمته وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذى يسقطه كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه من قتل وقذف وإذا كنا لا نقبل توبة المسلم فأن لا نقبل توبة الكافر أولى. قال مالك في كتاب ابن حبيب المبسوط وابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فيمن شتم نبينا من أهل الذمة أو أحدا من الأنبياء عليهم السلام قتل إلا أن يسلم وقاله ابن القاسم في العتبية وعند محمد وابن سحنون وقال سحنون وأصبغ لا يقال له أسلم ولا لا تسلم ولكن إن أسلم فذلك له توبة وفى كتاب محمد أخبرنا أصحاب مالك أنه قال من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب وروى لنا عن مالك إلا أن يسلم الكافر وقد روى ابن وهب عن ابن عمر أن راهبا تناول النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن عمر فهلا قتلتموه وروى عيسى عن ابن القاسم في ذمى قال إن محمدا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم وإنما نبينا موسى أو عيسى ونحو هذا لا شئ


(قوله في كتاب محمد) هو أبو المواز (*)

[ 265 ]

عليهم لأن الله تعالى أقرهم على مثله وأما إن سبه فقال ليس بنبى أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شئ تقوله أو نحو هذا فيقتل قال ابن القاسم وإذا قال النصراني ديننا خير من دينكم إنما دينكم دين الحمير ونحو هذا من القبيح أو سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله فقال كذلك يعطيكم الله ففى هذا الأدب الموجع والسجن الطويل قال وأما إن شتم النبي صلى الله عليه وسلم شتما يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم قاله مالك غير مرة ولم يقل يستتاب قال ابن القاسم ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا، وقال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم في اليهودي يقول لمؤذن إذا تشهد كذبت يعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل وفى النوادر من رواية سحنون عنه من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذى به كفروا ضرب عنقه إلا أن يسلم قال محمد ابن سحنون فإن قيل لم قتلته في سب النبي صلى الله عليه وسلم ومن دينه سبه وتكذيبه قيل لأنا لم نعطهم العهد على ذلك ولا على قتلنا وأخذ أموالنا فإذا قتل واحدا منا قتلناه وإن كان من دينه استحلاله فكذلك إظهاره لسب نبينا صلى الله عليه وسلم قال سحنون كما لو بذل لنا أهل الحرب الجزية على إقرارهم على سبه لم يجز لنا ذلك في قول قائل كذلك ينتقض عهد من سب منهم ويحل لنا دمه وكما لم يحصن الإسلام من سبه من القتل كذلك لا تحصنه الذمة قال القاضى أبو

[ 266 ]

الفضل ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وعن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا فتأمله ويدل على أنه خلاف ما روى عن المدنيين في ذلك فحكى أبو المصعب الزهري قال أتيت بنصراني قال والذى اصطفى عيسى على محمد فاختلف على فيه فضربته حتى قتلته أو عاش يوما وليلة وأمرت من جر برجله وطرح على مزبلة فأكلته الكلاب وسئل أبو المصعب عن نصراني قال عيسى خلق محمدا فقال يقتل وقال ابن القاسم سألنا مالكا عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة ماله لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه لو قتلوه استراح منه الناس قال مالك أرى أن تضرب عنقه قال ولقد كدت أن لا أتكلم فيها بشئ ثم رأيت أنه لا يسعنى الصمت قال ابن كنانة في المبسوطة من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى فأرى للإمام أن يحرقه بالنار وإن شاء قتله ثم حرق جثته وإن شاء أحرقه بالنار حيا إذا تهافتوا في سبه ولقد كتب إلى مالك من مصر وذكر مسألة ابن القاسم المتقدمة قال فأمرني مالك فكتبت بأن يقتل وتضرب عنقه فكتبت ثم قلت يا أبا عبد الله وأكتب ثم يحرق بالنار فقال إنه لحقيق بذلك وما أولاه به فكتبته بيدى بين يديه فما أنكره ولا عابه ونفذت الصحيفة بذلك فقتل وحرق، وأفنى عبيد الله بن يحيى وابن لبابة في جماعة


(قوله على مزبلة) بفتح الميم وتثليث الموحدة (*)

[ 267 ]

سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفى الربوبية ونبوة عيسى لله وتكذيب محمد في النبوة وبقبول إسلامها ودرء القتل عنها به قال غير واحد من المتأخرين، منهم القابسى وابن الكاتب، وقال أبو القاسم ابن الجلاب في كتابه من سب الله ورسوله من مسلم أو كافر قتل ولا يستتاب وحكى القاضى أبو محمد في الذمي يسب ثم يسلم روايتين في درء القتل عنه بإسلامه، وقال ابن سحنون وحد القذف وشبهه من حقوق العباد لا يسقطه عن الذمي إسلامه وإنما يسقط عنه بإسلامه حدود الله فأما حد القذف فحق للعباد كان ذلك لنبى أو غيره فأوجب على الذمي إذا قذف النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم حد القذف ولكن انظر ماذا يجب عليه هل حد القذف في حق النبي صلى الله عليه وسلم وهو القتل لزيادة حرمة النبي صلى الله عليه وسلم على غيره أم هل يسقط القتل بإسلامه ويحد ثمانين فتأمله فصل في ميراث من قتل في سب النبي صلى الله عليه وسلم وغسله والصلاة عليه اختلف العلماء في ميراث من قتل بسب النبي صلى الله عليه وسلم


(قوله استهلت) أي رفعت صوتها (*)

[ 268 ]

فذهب سحنون إلى أنه لجماعة المسلمين من قبل أن شتم النبي صلى الله عليه وسلم كفر يشبه كفر الزنديق، وقال أصبغ ميراثه لورثته من المسلمين إن كان مستسرا بذلك وإن كان مظهرا له مستهلا به فميراثه للمسلمين ويقتل على كل حال ولا يستتاب، قال أبو الحسن القابسى: (إن قتل وهو منكر للشهادة عليه فالحكم في ميراثه على ما أظهر من إقراره يعنى لورثته والقتل حد ثبت عليه ليس من الميراث في شئ وكذلك لو أقر بالسب وأظهر التوبة لقتل إذ هو حده وحكمه في ميراثه وسائر أحكامه حكم الإسلام ولو أقر بالسب وتمادى عليه وأبى التوبة منه فقتل على ذلك كان كافرا وميراثه للمسلمين ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن وتستر عورته ويوارى كما يفعل بالكفار وقول الشيخ أبى الحسن في المجاهر المتمادى بين لا يمكن الخلاف فيه لأنه كافر مرتد غير تائب ولا مقلع وهو مثل قول أصبغ وكذلك في كتاب ابن سحنون في الزنديق يتمادى على قوله، ومثله لابن القاسم في العتبية ولجماعة من أصحاب مالك في كتاب ابن حبيب فيمن أعلن كفره مثله، قال ابن القاسم وحكمه حكم المرتد لا ترثه من المسلمين ولا من أهل الدين الذى ارتد إليه ولا يجوز وصاياه ولا عتقه، وقاله أصبغ قتل على ذلك أو مات عليه وقال أبو محمد بن أبى زيد وإنما يختلف في ميراث الزنديق الذى يستهل بالتوبة فلا تقبل منه فأما المتمادى فلا خلاف أنه لا يورث، وقال

[ 269 ]

أبو محمد فيمن سب الله تعالى ثم مات ولم تعدل عليه بينة أو لم تقبل إنه يصلى عليه، وروى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب ابن حبيب فيمن كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم أو أعلن دينا مما يفارق به الإسلام أن ميراثه للمسلمين، وقال: بقول مالك إن ميراث المرتد للمسلمين ولا ترثه ورثته ربيعة والشافعي وأبو ثور وابن أبى ليلى واختلف فيه عن أحمد وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه وابن مسعود وابن المسيب والحسن والشعبى وعمر بن عبد العزيز والحكم والأوزاعي والليث وإسحاق وأبو حنيفة يرثه ورثته من المسلمين وقيل ذلك فيما كسبه قبل ارتداده وما كسبه في الارتداد فللمسلمين وتفصيل أبى الحسن في باقى جوابه حسن بين وهو على رأى أصبغ وخلاف قول سحنون واختلافهما على قولى مالك في ميراث الزنديق فمرة ورثه ورثته من المسلمين قامت عليه بذلك بينة فأنكرها أو اعترف بذلك وأظهر التوبة، وقاله أصبغ ومحمد بن مسلمة وغير واحد من أصحابه لأنه مظهر للإسلام بإنكاره أو توبته وحكمه حكم المنافقين الذين


(قوله أم لم تقتل) بضم المثناة الفوقية أوله (قوله ربيعة) هو ابن أبى عبد الرحمن واسم أبى عبد الرحمن فروخ مولى المنكدر قال مالك رحمه الله ذهبت حلاوة الفقه منذ مات أبو جعفر محمد بن على بن الحسين وابنه محمد كانا يجلسان في حلقته استقدمه أبو العباس السفاح إلى الأنبار لتوليته القضاء فلم يفعل. توفى سنة ست وثلاثين ومائة (*)

[ 270 ]

كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ابن نافع عنه في العتبية وكتاب محمد أن ميراثه لجماعة المسلمين لأن ماله تبع لدمه، وقال به أيضا جماعة من أصحابه، وقاله أشهب والمغيرة وعبد الملك ومحمد، وسحنون وذهب ابن قاسم في العتبية إلى أنه إن اعترف بما شهد عليه به وتاب فقتل فلا يورث وإن لم يقر حتى مات أو قتل ورث، قال وكذلك كل من أسر كفرا فإنهم يتوارثون بوراثة الاسلام وسئل أبو القاسم بن الكاتب عن النصراني يسب النبي صلى الله عليه وسلم فيقتل هل يرثه أهل دينه أم المسلمون فأجاب أنه للمسلمين ليس على جهة الميراث لأنه لا توارث بين أهل ملتين ولكن لأنه من فيئهم لنقضه العهد هذا معنى قوله واختصاره الباب الثالث في حكم من سب الله تعالى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحبه لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم واختلف في استتابته فقال ابن القاسم في المبسوط وفى كتاب ابن سحنون ومحمد ورواه ابن القاسم عن مالك في كتاب إسحاق بن يحى يمن سب الله تعالى من المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افتراء على الله بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيستتاب وإن لم يظهره لم يستتب، وقال في المبسوطة مطرف

[ 271 ]

وعبد الملك مثله، وقال المخزومى ومحمد بن مسلمة وابن أبى حازم لا يقتل الملم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم وإن لم يتوبوا قتلوا ولا بد من الاستتابة وذلك كله كالردة وهو الذى حكاه القاضى ابن نصر عن المذهب وأفتى أبو محمد بن أبى زيد فيما حكى عنه في رجل لعن رجلا ولعن الله فقال إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني فقال يقتل بظاهر كفره ولا يقبل عذره وأما فيما بينه وبين الله تعالى فمعذور واختلف فقهاء قرطبة في مسألة هارون ابن حبيب أخى عبد الملك الفقيه وكان ضيق الصدر كثير التبرم وكان قد شهد عليه بشهادات منها أنه قال عند استلاله من مرض لقيت في مرضى هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجب هذا كله فأفتى إبراهيم ابن حسين بن خالد بقتله وأن مضمن قوله تجوير لله تعالى وتظلم منه والتعريض فيه كالتصريح وأفتى أخوه عبد الملك بن حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم وسعيد بن سليمان القاضى بطرح القتل عنه إلا أن القاضى رأى عليه التثقيل في الحبس والشدة في الأدب لاحتمال كلامه وصرفه إلا التشكى فوجه من قال في ساب الله بالاستتابة أنه كفر وردة محضة لم يتعلق بها حق لغير الله فأشبه قصد الكفر بغير سب الله وإظهار الانتقال إلى دين آخر من الأديان المخالفة للإسلام


(قوله كثير التبرم) بفتح المثناة الفوقية والموحدة مصدر تبرم بمعنى تشاءم (*)

[ 272 ]

ووجه ترك استتابته أنه لما ظهر منه ذلك بعد إظهار الإسلام قبل اتهمناه وظننا أن لسانه لم ينطق به إلا وهو معتقد له إذ لا يتساهل في هذا أحد فحكم له بحكم الزنديق ولم تقبل توبته وإذا انتقل من دين إلى دين آخر وأظهر السب بمعنى الارتداد فهذا قد أعلم أنه خلع ربقة الإسلام من عنقه بخلاف الأول المستمسك به وحكم هذا حكم المرتد يستتاب على مشهور مذاهب أكثر العلماء وهو مذهب مالك وأصحابه على ما بيناه قبل وذكرنا الخلاف في فصوله فصل وأما من أضاف إلى الهل تعالى ما لا يليق به ليس على طريق السب ولا الردة وقصد الكفر ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطإ المفضى إلى الهوى والبدعة من تشبيه أو نعت بجارحة أو نفى صفة كمال فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا فئة وأنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا وإنما اختلفوا في المنفرد منهم فأكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم وترك قتلهم والمبالغة في عقوبتهم وإطالة سجنهم حتى يظهر إقلاعهم وتستبين توبتهم كما فعل


(قوله ربقة الإسلام) بكسر الراء وسكون الموحدة أي أحكام الإسلام وأصل الربقة عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة أو يدها بمسكها (*)

[ 273 ]

عمر رضى الله عنه بصبيغ وهذا قول محمد بن المواز في الخوارج وعبد الملك بن الماجشون وقول سحنون في جميع أهل الأهواء، وبه فسر قوله مالك في الموطإ وما رواه عن عمر بن عبد العزيز وجده وعمه من قولهم في القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، وقال عيسى بن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب الله يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم، وقال مثله أيضا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم قال واستتابتهم أن يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر أهل البدع قال وهم مسلمون وإنما لرأيهم السوء وبهذا عمل عمر ابن عبد العزيز، قال ابن القاسم: (من قال إن الله لم يكلم موسى تكليما استتيب فإن تاب وإلا قتل) وابن حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم


(قوله بصبيغ) بفح الصاد المهملة وكسر الموحدة وفى آخره غين معجمة هو ابن عسل بكسر العين وسكون السين المهملتين قال يحيى بن معين كان يتبع مشكل القرآن ويسأل عنه عمر فضربه عمر وأمر أن لا يجالس (قوله من الإباضية) بكسر الهمزة وتخفيف الموحدة والضاد المعجمة وتشديد المثناة أصحاب عبد الله بن إباض التميمي الخارجي ظهر في زمن مروان بن محمد آخر بنى أمية وقيل في آخر أمره، يزعمون أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين يجوز قتالهم وغنيمة سلاحهم وكراعم عند الحرب دون غيره ودارهم دار الإسلام إلا معسكر سلطانهم وتقبل شهادة مخالفيهم عليهم كذا في المواقف (18 - 2) (*)

[ 274 ]

وتكفير أمثالهم من الخوارج والقدرية والمرجئة، وقد روى أيضا عن سحنون مثله فيمن قال ليس لله كلام أنه كافر واختلفت الروايات عن مالك فأطلق في رواية الشاميين أبى مسهر ومروان بن محمد الطاطرى: (الكفر عليهم) وقد شوور في زواج القدري فقال: لا تزوجه) قال الله تعالى: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) وروى عند أيضا أهل الأهواء كلهم كفار وقال من وصف شيئا من ذات الله تعالى وأشار إلى شئ من جسده يد أو سمع أو بصر قطع ذلك منه لأنه شبه الله بنفسه وقال فيمن قال القرآن مخلوق كافر فاقتلوه وقال أيضا في رواية ابن نافع يجلد ويوجع ضربا ويحبس حتى يتوب وفى رواية بشر بن بكر التنيسى عنه يقتل ولا تقبل توبته قال القاضى أبو عبد الله البرنكانى والقاضى أبو عبد الله التسترى من أئمة العراقيين جوابه مختلف يقتل المستبصر الداعية وعلى


(قوله والقدرية) هم طائفة ينكرون أن الله قدر الأشياء في القدم وقد انقرضوا وصار القدرية لقبا للمعتزلة لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وإنكارهم القدر فيها كذا في شرح مسلم للنووي (قوله والمرجئة) لقبوا بذلك لأنهم يرجئون العمل عن النية أي يؤخرون في الرتبة عنها وعن الاعتقاد من أرجاء آخره ومنه قوله تعالى (أرجه وأخاه) أو لأنهم يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهم يعطلون الرجاء وعلى هذا ينبغى أن يهمز لفظ المرجئة كذا في المواقف (قوله الطاطرى) بطائين مهملتين ثانيهما مفتوحة نسبة إلى نوع من الثياب البيض كان يبيعها (قوله بشر التنيسى) بشر بالموحدة والشين المعجمة الساكنة والتنيسى بمثناة فوقية ونون مشددة مكسورة وسين مهملة نسبه إلى تنيس قرية بقرب تونة وكلاهما بقرب دمياط وقد أكلهما البحر وصارا بحيرة ماء (قوله بقتل المستبصر) بقتل بالباء الموحدة في أوله (*)

[ 275 ]

هذا الخلاف اختلف قوله في إعادة الصلاة خلفهم وحكى ابن المنذر عن الشافعي لا يستتاب القدري وأكثر أقوال السلف تكفيرهم وممن قال به الليث وابن عيينة وبن لهيعة روى عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن وقاله ابن المبارك والأودي ووكيع وحفص بن غياث وأبو إسحاق الفزارى ؟ ؟ ؟ ؟ وعلى بن عاصم في آخرين وهو من قول أكثر المحدثين والفقهاء والمتكلمين فيهم وفى الخوارج والقدرية وأهل الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين وهو قول أحمد بن حنبل وكذلك قالوا في الوافقة والشاكة في هذه الأصول وممن روى عنه معنى القول الآخر بترك تكفيرهم على بن أبى طالب وابن عمر والحسن البصري وهو رأى جماعة من الفقهاء النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصحابة والتابعين ورثة أهل حروراء ومن عرف بالقدر ممن مات منهم ودفنهم في مقابر المسلمين وجرى أحكام الإسلام عليهم، قال إسماعيل القاضى وإنما قال مالك في القدرية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لأنه من الفساد في الأرض كما قال في المحارب إن رأى الإمام قتله وإن لم يقتل قتله وفساد المحارب إنما هو في الأموال


بقتل بالباء الموحدة في أوله (قوله وحفص بن غياث) بالغين المعجمة المكسورة والمثناة التحتية الخفيفة (قوله حروراء) بفتح الحاء المهملة والمد قرية بقرب الكوفة على ميلين فيها اجتمع الخوارج وتعاقدوا فنسبوا إليها (*)

[ 276 ]

ومصالح الدنيا وإن كان قد يدخل أيضا في أمر الدين من سبيل الحج والجهاد، وفساد أهل البدع معظمه على الدين وقد يدخل في أمر الدنيا بما يلقون بين المسلمين من العداوة فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين * قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب البدع والأهواء المتأولين ممن قال قولا يؤديه مساقه إلى كفر هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك فمنهم من صوب التكفير الذى قال به الجمهور من السلف ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وقالوا هم فساق عصاة ضلال ونورثهم من المسلمين ونحكم لهم بأحكامهم ولهذا قال سحنون لا إعادة على من صلى خلفهم قال وهو قول جميع أصحاب مالك المغيرة وابن كنانة وأشهب قال لأنه مسلم وذنبه لم يخرجه من الإسلام واضطرب آخرون في ذلك ووقفوا عن القول بالتكفير أو ضده واختلاف قولى مالك في ذلك وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه وإلى نحو من هذا ذهب القاضى أبو بكر إمام أهل التحقيق والحق وقال إنها من المعوصات إذا القوم لم يصرحوا باسم


(قوله المعوصات) بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الواو من التعويض في المسائل وغيرها وهو استخراج ما يصعب معناه (*)

[ 277 ]

الكفر وإنما قالوا قولا يؤدى إليه واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه مالك بن أنس حتى قاله في بعض كلامه إنهم على رأى من كفرهم بالتأويل لا تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا الصلاة على ميتهم ويختلف في موارثتهم على الخلاف في ميراث المرتد وقال أيضا نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ولا نورثهم من المسلمين وأكثر ميله إلى ترك التكفير بالمآل وكذلك اضطرب فيه قول شيخه أبى الحسن الأشعري وأكثر قوله ترك التكفير وأن الكفر خصلة واحدة وهو الجهل بوجود الباري تعالى وقال مرة من اعتقد أن الله جسم أو المسيح أو بعض من يلقاه في الطرق فليس بعارف به وهو كافر ولمثل هذا ذهب أبو المعالى رحمه الله في أجوبته لأبى محمد عبد الحق وكان سأله عن المسألة فاعتذر له بأن الغلط فيها يصعب لأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين وقال غيرهما من المحققين: الذى يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر والخطا في ترك ألف كافر أهون من الخطإ في سفك محجمة من دم مسلم واحد وقد قال صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها يعنى الشهادة عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بححقها وحسابهم على الله


(قوله في أجوبته لأبى محمد عبد الحق) هو عن صاحب الأحكام لأن الإمام كانت وفاته قبل مولد عبد الحق صاحب الأحكام (قوله محجمة) بكسر الميم الأولى هي قارورة الحجام (*)

[ 278 ]

فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه وألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل فما جاء منها في التصريح بكفر القدرية وقوله لا سهم لهم في الإسلام وتسميته الرافضة بالشرك وإطلاق اللعنة عليهم وكذلك في الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء فقد يحتج بها من يقول بالتكفير وقد يجيب الآخر بأنه قد ورد مثل هذه الألفاظ في الحديث في غير الكفرة على طريق التغليظ وكفر دون كفر وإشراك دون إشراك وقد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين والزوج والزور وغير معصية وإذا كان محتملا للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا بدليل قاطع، وقوله في الخوارج هم من شر البرية وهذه صفة الكفار، وقال شر قبيل تحت أديم السماء طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، وقال: (فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد) وظاهر هذا الكفر لا سيما مع تشبيههم بعاد فيحتج به من يرى تكفيرهم فيقول له الآخر إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين وبغيهم عليهم بدليله من الحديث نفسه يقتلون أهل الإسلام فقتلهم ههنا حد لا كفر وذكر عاد تشبيه للقتل وحله لا للمقتول وليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره ويعارضه بقول خالد في الحديث دعني أضرب عنقه يا رسول الله فقال لعله يصلى فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم فأخبر

[ 279 ]

أن الإيمان لم يدخل قلوبهم وكذلك قوله (يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه حتى يعود السهم على فوقه) وبقوله (سبق الفرث والدم) يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام بشئ أجابه الآخرون أن معنى لا يجاوز حناجرهم لا يفهمون معانيه بقلوبهم ولا تنشرح له صدورهم ولا تعمل به جوارحهم وعارضوهم بقوله ويتمارى في الفوق وهذا يقتضى التشكك في حاله وإن احتجوا بقول أبى سعيد الخدرى في هذا الحديث. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج في هذه الأمة) ولم يقل (من هذه) وتحرير أبى سعيد الرواية وإتقانه اللفظ أجابهم الآخرون بأن العبارة بفى لا تقتضي تصريحا بكونهم من غير الأمة بخلاف لفظة من - التى هي للتبعيض وكونهم من الأمة مع أنه قد روى عن أبى ذر وعلى وأبى أمامة وغيرهم في هذا الحديث يخرج من أمتى، وسيكون من أمتى، وحروف المعاني مشتركة فلا تعويل على إخراجهم من الأمة ؟ ؟ ؟ ولا على إدخالهم فيما بمن لكن أبا سعيد رضى الله عنه أجاد ما شاء في التنبيه الذى نبه عليه وهذا مما يدل على سعة فقه الصحابة وتحقيقهم للمعانى واستنباطها من الألفاظ وتحريرهم لها وتوقيهم في الرواية هذه المذاهب المعروفة لأهل السنة ولغيرهم


(قوله من الرمية) أي المرمية من الصيد (قوله على فوقه) الفوق بضم الفاء موضع الوتر من السهم (قوله سبق الفرث والدم) أي مر سريعا فلم يعلق بشئ من دمها وفرثها (*)

[ 280 ]

من الفرق فيها منالات كثيرة مضطربة سخيفة أقربها قول جهم ومحمد ابن شبيب إن الكفر بالله الجهل به لا يكفر أحد بغير ذلك وقال أبو الهذيل إن كل متأول كان تأوليه تشبيها لله بخلقه وتجويرا له في فعله وتكذيبا لخبره فهو كافر وكل من اثبت شيئا قديما لا يقال له الله فهو كافر وقال بعض المتكلمين إن كان ممن عرف الأصل وبنى عليه وكان فيما هو من أوصاف الله فهو كافر وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق إلا أن يكون ممن لم يعرف الأصل فهو مخطئ غير كافر وذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل وفارق في دلك فرق الأمة إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين في واحد والمخطئ فيه آثم عاص فاسق وإنما الخلاف في تكفيره وقد حكى القاضى أبو بكر الباقلانى مثل قول عبيد الله عن داود الأصبهاني وقال وحكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم الله سبحانه من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا أو من غير هم وقال نحو هذا القول الجاحظ وثمامة في أن كثيرا من العامة والنساء والبله ومقلدة النصارى واليهود


(قوله عن داود الأصبهاني) هو إمام أهل الظاهر (قوله الجاحظ) هو عمرو بن بحر، إليه تنسب الجاحظية من المعتزلة، توفى سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة (قوله وثمامة) هو ابن اشر بن أبى معين التميرى قال الذهبي كان من كبار المعتزلة ورؤس الضلالة وكان له أيضا اتصال بالرشيد ثم المأمون وكان ذا نوادر وملح (*)

[ 281 ]

وغيرهم لا حجة لله عليهم إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال وقد نحا الغزالي قريبا من هذا المنحى في كتاب التفرقة وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكذر أحدا من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفير هم أوشك قال القاضى أبو بكر لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم فمن وقف في ذلك فقد كذب النص والتوقيف أو شك فيه والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر


(قوله الغزالي) بفتح العين المعجمة وتشديد الزاى قال النووي في التبيان في أداه حملة القرآن بتخفيف الزاى نسبة إلى غزالة قرية من قرى طوس وقال ابن الأثير إن التخفيف خلاف المشهور قال وأظن أن هذه النسبة في التشديد إلى الغزال على عادة أهل جرجان وخوارزم كالقصارى إلى القصار، قال وحكى لى بعض من ينسب إليه من أهل طوس أنه منسوب إلى غزالة بنت كعب الأحبار انتهى وفى الطبقات للسبكي وكان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان بطوس ولما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير وقال له إن لى تأسفا على تعلم الخط وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدى فعلهما الخط ولا عليك ان تنفد في ذلك جميع ما خلفته لهما فلما مات أبوهما أقبل الصوفى على تعليمهما إلى أن فنى الذى خلفه لهما أبوهما وتعذر على الصوفى القيام يفوتهما قال لهما أرى أن تلجأ إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما ففعلا ذلك فكان السبب في سعادتهما وكان الغزالي يقول طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، ولد رحمه الله سنة خمسين وأربعمائة بطوس وتوفى سنة خمس وخمسمائة (*)

[ 282 ]

فصل في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفى الربوبية أو الوحدانية أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهى كفر كمقالة الدهرية وسائر فرق أصحاب الاثنين من الديصانية والمانوية وأشباههم من الصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا بعبادة الأوثان أو الملائكة أو الشيطاين أو الشمس أو النجوم أو النار أو أحد غير الله من مشركي العرب وأهل الهند والصين والسودان وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب وكذلك القرامطة وأصحاب الحلول والتناسخ من الباطنية والطيارة من الروافض وكذلك من اعترف بإلاهية الله


(قوله الدهرية) بفتح الدال طائفه مخلدون جمع دهري بفتحها والدهرى بالضم الشيخ الكبير، قال ثعلب هما جميعا منسوبان إلى الدهر وإنما غيروا في النسب كما قالوا سهلى المنسوب إلى الأرض السهلة (قوله من الديصانية) بكسر الدال المهملة وسكون المثناة التحتية وتخفيف الصاد قوم يقولون بالنور والظلمة كالمانية إلا أن المانية يقولون النور والظلمة حيان والديصانة يقولون النور حى والظلمة ميت (قوله المانية) وفى بعض النسخ المانوية نسبة إلى مانى الزنديق ظهر في زمن سابور بن أردشير وادعى النبوة وادعى أن للعالم أصلين نورا وظلمة وهما قديمان فقبل قوله سابور فلما ملك بهرام ساخه وحشا حلده تبنا وقتل أصحابه وهرب بعضهم إلى الصين (*)

[ 283 ]

ووحدانيته ولكنه اعتقد أنه غير حى أو غير قديم وأنه محدث أو مصور أو ادعى له ولدا أو صاحبة أو والدا أو متولد من شئ أو كائن عنه أو أن معه في الأزل شيئا قديما غيره أو أنثم صانعا للعالم سواه أو مدبرا غيره فذلك كله كفر بإجماع المسلمين كقول الإلهيين من الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين وكذلك من ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص كتول بعض المتصوفة والباطنية النصارى والقرامطة وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص وتعذيبها أو تنعمها فيها بحسب زكائها وخبثها وكذلك من اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النبوة من أصلها عموما أو نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصا أو أحد من الأنبياء الذين نص الله عليهم بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب كالبراهمة ومعظم اليهود والأروسية من النصارى والغرابية من الروافض الزاعمين أن عليا كان المبعوث إليه جبريل وكالمعطلة والقرامطة والإسماعيلية والعنبرية من الرافضة وإن كان بعض هؤلاء قد أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم وكذلك من دان بالوحدانية وصحة النبوة


(قوله والغرابية) بضم الغين المعجمة قالوا محمد بعلى أشبه من الغراب بالغراب والدواب بالدواب وبعث الله جبريل إلى على فغلظ فيلعنون - لعنهم الله - صاحب الريش ويعنون به جبريل عليه السلام (*)

[ 284 ]

ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به ادعى في ذلك المصلحة نزعمه أو لم يذعها فهو كافر بإجماع كالمتفلسفين وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر، والقيامة، والجنة، والنار ليس منها شئ على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب الرسل والارتياب فيما أتوا به وكذلك من أضاف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به أو شك في صدقه أو سبه أو قال إنه لم يبلغ أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم أو قتل نبيا أو حاربه فهو كافر بإجماع وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرا ونبيا من القردة، والخنازير والدواب والدود ووغير ذلك، ويحتج بقوله تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) إذ ذلك يؤدى إلى أن يوصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصف المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين على خلافه وتكذيب قائله وكذلك نكفر من اعترف من الأصول الصحيحة بما تقدم ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم

[ 285 ]

ولكن قال كان أسود أو مات قبل أن يلتحى أو ليس الذى كان بمكة والحجاز أو ليس بقرشي لأن وصفه بغير صفاته المعلومة نفى له وتكذيب به وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعده كالعيسوية من اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب وكالخرمية القائلين بتواتر الرسل وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة على في الرسالة للنبى صلى الله عليه وسلم وبعده فكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة وكالبزيغية والبيانية منهم القائلين بنبوة بزيغ وبيان وأشباه هؤلاء أو من ادعى النبوة لنفسه أو جوز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء ويدخل الجنة ويأكل من ثمارها ويعانق الحور العين فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبى صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين لا نبى بعده وأخبر عن الله


(قوله كالعيسوية) نسبة إلى أبى عيسى بن إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان موجودا في خلافة المنصور وخالف اليهود في أشياء منها أنه حرم الذبائح (قوله وكخرمية) بالخاء المعجمة المضمومة في الصحاح: تخرم: دان بدين الخرمية وهم أصحاب التناسخ والإباحة (قوله وكالبزيغية والبيانية) البزيغية بالموحدة والزاى المكسورة والغين المعجمة نسبة إلى بزيغ والبيانية إلى بيان بن سمعان النهدي التميمي قال إن روح الله جل وعلا حلت في على ثم في ابنه محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبى هاشم ثم في بيان (*)

[ 286 ]

تعالى أنه خاتم النبيين وأنه أرسل كافة للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره وأن مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعا إجماعا وسمعا وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثا مجمعا على نقله مقطوعا به مجمعا على حمله على ظاهره كتكفير الخوارج بإبطال الرجم ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم تقدم عليا وكفرت عليا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم فهؤلاء قد كفروا من وجوه لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها إذ قع انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه كفرة على زعمهم وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم على


(قوله الكميلية) ليس من الفرق ما يلقب بالكميلية وإنما منهم فرقة من الشيعة ثلقب بالكاملية نسبة إلى أبى كامل قال بكفر الصحابة بترك بيعة على وبكفر على بترك طلب الحق وقال بالتناسخ في الأرواح عند الموت وإنما الإمامة نور ينتقل من شخص إلى آخر وقد يصير في شخص نبوة بعد ما كانت في آخر إمامة (*)

[ 287 ]

مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى على رضى الله عنه وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم لعنة الله عليهم وصلى الله على رسوله وآله وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار والسعى إلى الكنائس والبيع مع أهلها والتزيى بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤس فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما عرف يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ووقع الإجماع المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وسجداتها ويقول إنما أوجب الله علينا في كتابه الصلاة على الجملة وكونها خمسا وعلى هذه الصفات والشروط لا أعلمه إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلى والخبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم خبر واحد وكذلك أجمع على تكفير من قال من الخوارج إن


(قوله وفحص الرؤس) بفاء مفتوحة وحاء وصاد مهملتين في الصحاح، وفى الحديث فحصوا عن رؤسهم: كأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل أفاحيص القطا (*)

[ 288 ]

الصلاة طرفي النهار وعلى تكفير الباطنية في قولهم إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم وقول بعض المتصوفة إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها وإباحة كل شئ لهم ورفع عهد الشرائع. عنهم وكذلك إن أنكر منكر مكة أو البيت أو المسجد الحرام أو صفة الحج أو قال الحج واجب في القرآن واستقبال القبلة كذلك ولكن كونه على هذه الهيأة المتعارفة وأن تلك البقعة هي مكة والبيت والمسجد الحرام لا أدرى هل هي تلك أو غيرها ولعل الناقلين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بهذه التفاسير غلطوا ووهموا فهذا ومثله لا مرية في تكفيره إن كان ممن يظن به علم ذلك وممن خالط المسلمين وامتدت صحبته لهم إلا أن يكون حديث عهد بإسلام فيقال له سبيلك أن تسأل عن هذا الذى لم تعلمه بعد كافة المسلمين فلا تجد بينهم خلافا كافة عن كافة إلى معاصر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمور كما قيل لك وإن تلك البقعة هي مكة والبيت الذى فيها هو الكعبة والقبلة التى صلى لها الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون وحجوا إليها وطافوا بها وأن تلك الأفعال هي صفات عبادة الحج والمراد به وهى التى فعلها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون وإن صفات الصلوات المذكورة هي التى فعل النبي صلى الله عليه وسلم

[ 289 ]

وشرح مراد الله بذلك وأبان حدودها فيقع لك العلم كما وقع لهم ولا ترتاب بذلك بعد والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث وصحبته المسلمين كافر باتفاق ولا يعذر بقوله لا أدرى ولا يصدق فيه بل ظاهره التستر عن التكذيب إذ لا يمكن أنه لا يدرى وأيضا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم والغلط فيما نقلوه من ذلك وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله وتفسير مراد الله به أدخل الاسترابة في جميع الشريعة إذ هم الناقلون لها وللقرآن وانحلت عرى الدين كرة ومن قال هذا كافر وكذلك من أنكر القرآن أو حرفا منه أو غير شيئا منه أو زاد فيه كفعل الباطنية والإسماعيلية أو زعم أنه ليس بحجة للنبى صلى الله عليه وسلم أو ليس فيه حجة ولا معجزة كقول هشام الفوطى ومعمر الصيمري إنه لا يدل على الله ولا حجة فيها لرسوله ولا يدل على ثواب ولا عقاب ولا حكم ولا محالة في كفرهما بذلك القول وكذلك نكفرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حجة له أو في خلق السموات والأرض دليل على الله لمخالفهتهم الإجماع والنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم باحتجاجه بهذا كله وتصريح القرآن به وكذلك من أنكر شيئا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذى في أيدى الناس ومصاحف لمسلمين ولم يكن


(قوله كرة) بفتح الكاف وتشديد الراء هي المرة (19 - 2) (*)

[ 290 ]

جاهلا به ولا قريب عهد بالإسلام واحتج لإنكاره أما بأنه لم يصبح النقل عنده ولا بلغه العلم به أو لتجويز الوهم على نافله فنتكفره بالطريقين المتقدمين لأنه مكذب للقرآن مكذب للنبى صلى الله عليه وسلم لكنه تستر بدعواه وكذلك من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواترا وكذلك من اعترف بذلك ولكنه قال إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب معنى غير ظاهره وأنها لذات روحانية ومعان باطنة كقول النصارى والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وزعم أن معنى القيامة الموت أو فناه محض ولتنقاض هيئة الأفلاك وتحليل العالم كقول بعض الفلاسفة وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم إن الأئمة أفضل من الأنبياء فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد التى لا يرجع إلى أبطال شريعة ولا يفضى إلى إنكار قاعدة من الدين كإنكار غزوة تبوك أو مؤنة أو وجود أبى بكر وعمر أو قتل عثمان أو خلافة على مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكار وجحد شريعة فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك وإنكار وقوع العلم له إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة كإنكار هشام وعباد وقعه الجمل ومحاربة على من خالفه فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة


(قوله وأنها لذات) بفتح اللام وتشديد الذال المعجمة: جمع لذة (*)

[ 291 ]

الناقلين ووهم المسلمين أجمع فنكفره بذلك لسريانه إلى إبطال الشريعة فأما من أنكر الإجماع المجرد الذى ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع فأكثر المتكلمين ومن الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عموما وحجتهم قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) الآية وقوله صلى الله عليه وسلم (من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع الذى يختص بنقله العلماء وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائن عن نظر كتكفير النظام بإنكاره الإجماع لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به خارق للإجماع، قال القاضى أبو بكر القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل بوجوده والإيمان بالله هو العلم - بوجوده وأنه لا يكفر أحد بقول ولا رأى إلا أن يكون هو الجهل بالله فإن عصى بقول أو فعل نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر أو يقوم دليل على ذلك فقد كفر ليس لأجل قوله أو فعله لكن لما يقارنه من الكفر فالكفر بالله لا يكون إلا بأحد


(قوله كتكفير النظام) هو إبراهيم بن سيار مولى بنى الحارث بن عباد كان أحد فرسان المتكلمين من المعتزلة وكان في دولة المعتصم (*)

[ 292 ]

ثلاثة أمور أحدها الجهل بالله تعالى والثانى أن يأتي فعلا أو يقول قولا يخبر الله ورسوله أو يجمع المسلمون أن ذلك لا يكون إلا من كافر كالسجود للصنم والمشى إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم أو يكون ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه العلم بالله قال فهذان الضربان وإن لم يكونا جهلا بالله فهما علم أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية أو جحدها مستبصرا في ذلك كقوله: ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها وعلى هذا حمل قول سحنون من قال ليس لله كلام فهو كافر وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا فكفره بعضهم وحكى ذلك عن أبى جعفر الطبري وغيره وقال به أبو الحسن الأشعري مرة وذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان وإليه رجع الأشعري قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق واحتج هؤلاء بحديث السوداء وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما


(قوله وهو لا يكفر) بسكون الهاء وفتح الواو ضمير غيبة عائد على سحنون (قوله لحديث السوداء) هو ما رواه أبو داود في الإيمان والنسائي في الوصايات من حديث الشريد بن سويد الثقفى أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة وعندي جارية سوداء نوبية فذكر نحو حديث معاوية بن الحكم السلمى إلى أن قال أين الله ؟ قالت في السماء، قال من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة (*)

[ 293 ]

طلب منها التوحيد لا غير وبحديث القائل لئن قدر الله على وفى رواية فيه لعلى أضل الله ثم قال: فغفر الله له قالوا ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل، وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه منها أن قدر بمعنى قدر ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه بل في نفس البعث الذى لا يعلم إلا بشرع ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه فيكون الشك فيه حينئذ كفرا فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول أو يكون قدر بمعنى ضيق ويكون ما فعله بنفسه إزراء عليها وغضبا لعصيانها وقيل: إنما قال ما قاله وهو غير عاقل لكلامه ولا ضابط للفظه مما استولى عليه من الجزع والخشية التى أذهبت لبه فلم يؤاخذ به وقيل كان هذا في زمن الفترة وحيث ينفع مجرد التوحيد وقيل بل هذا من مجاز كلام العرب الذى صورته الشك ومعناه التحقيق وهو يسمى تجاهل العارف وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى (لعله يتذكر أو يخشى) وقوله (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال أقول عالم


(قوله لعلى أضل الله) قال صاحب الصحاح: أضل عنه أي: أخفى عليه وأغيب، من قوله تعالى (أئذا ضللنا في الأرض) أي خفينا وغبنا، وقال ابن الأثير: لعلى أضل الله: أفوته ويخفى عليه مكاني، وقيل: لعلى أغيب عن عذاب الله (*)

[ 294 ]

ولكن لا علم له ومتكلم ولكن لا كلام له وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة فمن قال بالمأل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفره لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم ومن لم ير أخذهم بمأل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبم لم ير إكفارهم قال لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا لا نقول ليس بعالم ونحن ننتفى من القول بالمأل الذى ألزمتموه لنا ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر بل نقول إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلواة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأى الخوارج والاعتزال فما أزاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفى والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر

[ 295 ]

عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافا لمن رأى غير ذلك والله الموفق للصواب قال القاضى أبو بكر وأما مسائل الوعد والوعيد والرؤية والمخلوق وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح إذ ليس في الجهل بشئ منها جهل بالله تعالى ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئا منها وقد قدمنا في الفصل قبله من الكلام وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول الله تعالى فصل هذا حكم المسلم الساب لله تعالى وأما الذمي فروى عن عبد الله ابن عمر في ذمى تناول من حرمة الله تعالى غير ما هو عليه من دينه وحاج فيه فخرج ابن عمر عليه بالسيف فطلبه فهرب وقال مالك في كتاب ابن حبيب والمبسوطة، وابن القاسم في المبسوط وكتاب محمد وابن سحنون: من شتم الله من اليهود والنصارى بغير الوجه الذى كفر به قتل ولم يستتب قال ابن القاسم إلا أن يسلم قال في المبسوطة طوعا قال أصبغ لأن الوجه الذى به كفروا هو دينهم وعليه عوهدوا من دعوى الصاحبة والشريك والولد وأما غير هذا من الفرية والشتم فلم يعاهدوا عليه فهو نقض للعهد قال ابن القاسم في كتاب محمد ومن شتم من غير

[ 296 ]

أهل الأديان الله تعالى بغير الوجه الذى ذكر في كتابه قتل إلا أن يسلم وقال المخزومى في المبسوطة ومحمد بن مسلمة وابن أبى حازم لا يقتل حتى يستتاب، مسلما كان أو كافرا فإن تاب وإلا قتل وقال مطرف وعبد الملك مثل قول مالك وقال أبو محمد بن أبى زيد من سب الله تعالى بغير الوجه الذى به كفر قتل إلا أن يسلم وقد ذكرنا قول ابن الجلاب قبل وذكرنا قول عبيد الله وابن لبابة وشيوخ الأندلسيين في النصرانية وفتياهم بقتلها لسبها بالوجه الذى كفرت به الله والنبى وإجماعهم على ذلك وهو نحو القول الآخر فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم منهم بالوجه الذى كفر به ولا فرق في ذلك بين سب الله وسب نبيه لأنا عاهدناهم على أن لا يظهروا لنا شيئا من كفرهم وأن لا يسمعونا شيئا من ذلك فمتى فعلوا شيئا منه فهو نقض لعهدهم واختلف العلماء في الذمي إذا تزندق فقال مالك ومطرف وابن عبد الحكم وأصبغ لا يقتل لأنه خرج من كفر إلى كفر وقال عبد الملك بن الماجشون يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد ولا يوخذ عليه جزية قال ابن حبيب وما أعلم من قاله غيره فصل هذا حكم من صرح بسبه وإضافة ما لا يليق بجلاله وإلهيته * فأما مفترى الكذب عليه تبارك وتعالى بادعاء الإلهية أو الرسالة أو النافي

[ 297 ]

أن يكون الله خالقه أو ربه أو قال ليس لى رب أو المتكلم بما لا يعقل من ذلك في سكره أو غمرة جنونه فلا خلاف في كفر قائل ذلك ومدعيه مع سلامة عقله كما قدمناه لكنه تقبل توبته على المشهور وتنفعه إنابته وتنجيه من القتل فيأته لكنه لا يسلم من عظيم النكال ولا يرفه عن شديد العقاب ليكون ذلك زجرا لمثله عن قوله وله عن العودة لكفره أو جهله إلا من تكرر منه ذلك وعرف استهانته بما أتى به فهو دليل على سوء طويته وكذب توبته وصار كالزنديق الذى لا نامن باطنه ولا نقبل رجوعه وحكم السكران في ذلك حكم الصاحى وأما المجنون والمعتوة فما علم أنه قال من ذلك في حال غمرته وذهاب ميزه فلا نظر فيه وما فعله من ذلك في حال ميزه وإن لم يكن معه عقله وسقط تكليفه أدب على ذلك لينزجر عنه كما يؤدب على قبائح الأفعال ويوالى أدبه على ذلك حتى ينكف عنها كما تؤدب البهيمة على سوء الخلق حتى تراض وقد أحرق على بن أبى طالب رضى الله عنه من ادعى له الإلهية وقد قتل عبد الملك بن مروان الحارث المتنب وصلبه وفعل ذلك غير واحد من الخلفاء والملوك بأشباههم وأجمع علماء وقتهم على صواب فعلهم والمخالف في ذلك من كفرهم كافر وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من


(قوله فيأته) بفتح الفاء وكسرها أي رجوعه (قوله طويته) بفتح الطاء المهملة أي: ضمرته (*)

[ 298 ]

المالكية وقاضي قضاتها أبو عم المالكى على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول وقوله: - أنا الحق - مع تمسكه في الظاهر بالشريعة ولم يقبلوا توبته وكذلك حكموا في ابن أبى العزافير وكان على نحو مذهب الحلاج بعد هذا أيام الراضي بالله وقاضي قضاة بغداد يومئذ أبو الحسين بن أبى عمر المالكى، وقال ابن عبد الحكم في المبسوط من تنبأ قتل، وقال أبو حنيفة وأصحابه: من جحد أن الله تعالى خالقه أو ربه أو قال ليس لى رب فهو مرتد، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب ومحمد في العتبية فيمن تنبأ يستتاب أسر ذلك أو أعلنه وهو كالمرتد وقاله سحنون وغيره وقاله أشهب في يهودى تنبأ وادعى أنه رسول إلينا إن كان ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ بذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل. وقال أبو محمد بن أبى زيد فمن لعن بارئه وادعى أن لسانه زل وإنما أراد لعن الشيطان يقتل بكفره ولا يقبل عذره وهذا على القول الآخر من أنه لا تقبل توبته وقال أبو الحسن القابسى في سكران قال: أنا الله أنا الله إن تاب أدب فإن عاد إلى


(قوله الحلاج) هو الحسين بن منصور من أهل البيضاء بلدة بفارس نشأ بواسط والعراق وصحب الجنيد وغيره، ضرب ألف سوط وقطعت أطرافه وحز رأسه وأحرقت جثته في ذى القعدة سنة تسع وثلاثمائة بأمر المقتدر (قوله وكذلك حكموا في ابن أبى العزافير) بفتح المهملة وتخفيف الزاى وبعد الألف فاء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فراء: هكذا في النسخ، وفى تاريخ الذهبي محمد بن على أبو جعفر محمد بن أبى العزافر بغير ياء الزنديق أحدث مذهبا في الرفض ببغداد ثم قال بالتناسخ ومخرق على الناس وظهر منه ادعاء الربوبية (*)

[ 299 ]

مثل قوله طولب مطالبة الزنديق لأن هذا كفر المتلاعبين فصل وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه وأهمل لسانه بما يقتضى الاستخفاف بعظمة ربه وجلالة مولاه أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ما عظم الله من ملكوته أو نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ولا عامد للإلحاد فإن تكرر هذا منه وعرف به دل على تلاعبه بدينه واستخفافه بحرمة ربه وجهله بعظيم عزته وكبريائه وهذا كفر لا مرية فيه وكذلك إن كان ما أورده يوجب الاستخفاف والتنقص لربه وقد أفتى ابن حبيب وأصبغ بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بابن أخى عجب وكان خرج يوما فأخذه المطر فقال: بدأ الخراز يرش جلوده، وكان بعض الفقهاء بها أبو زيد صاحب الثمانية وعبد الأعلى بن وهب وأبان بن عيسى قد توقفوا عن سفك دمه وأشاروا إلى أنه عبث من القول يكفى فيه الأدب وأفتى بمثله القاضى حينئذ موسى بن زياد فقال ابن حبيب: دمه في عنقي، أيشتم رب عبدناه ثم لا ننتصر له ؟ إنا إذا لعبيد سوء ما نحن له بعابدين، وبكى ورفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرحمن


(قوله الخراز) بالخاء المعجمة والراء المشددة وفى آخره زاى (قوله صاحب الثمانية) بضم المثلثة في أوله وكسر النون وتشديد المثناة تحتية (*)

[ 300 ]

ابن الحكم الأموي وكانت عجب عمة هذا المطلوب من حظاياه وأعلم باختلاف الفقهاء فخرج الإذن من عنده بالأخذ لقول ابن حبيب وصاحبه وأمر بقتله فقتل وصلب بحضرة الفقيهين وعزل القاضى لتهمته بالمداهنة في هذه القصة ووبخ بقية الفقهاء وسبهم. وأما من صدرت عنه من ذلك الهنة الواحدة والفلتة الشاردة ما لم يكن تقصا وإزراء فيعاقب عليها ويؤدب بقدر مقتضاها وشنعة معناها وصورة حال قائلها وشرح سببها ومقارنها، وقد سئل ابن القاسم رحمه الله عن رجل نادى رجلا باسمه فأجابه لبيك اللهم لبيك قال إن كان جاهلا أو فاله على وجه سفه فلا شئ عليه قال القاضى أبو الفضل وشرح قوله أنه لا قتل عليه والجاهل يزجر ويعلم والسفيه يؤدب ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه لكفر، هذا مقتضى قوله وقد أسرف كثير من سخفاء الشعراء ومتهميهم في هذا الباب واستخفوا عظيم هذه الحرمة فأتوا من ذلك بما ننزه كتابنا ولساننا وأقلامنا عن ذكره ولولا أنا قصدنا نص مسائل حكيناها لما ذكرنا شيئا مما يثقل ذكره علينا مما حكيناه في هذه الفصول، وأما ما ورد في هذا من أهل الجهالة وأغاليط اللسان كقول بعض الأعراب


(قوله من سخفاء) جمع سخيف أي رقيقا العقل (قوله كقول بعض الأعراب) قال ابن الأثير وسمع سليمان رجلا من الأعراب في سنة مجدبة يقول رب العباد إلى آخره فحمله سليمان أحسن محمل وقال أشهد أن لا أبا له ولا صاحبة ولا ولد انتهى قال ابن الأثير وأكثر ما يستعمل لا أبا لك في المدح أي لا كافى لك غير نفسك وقد يذكر في معرض الذم وقد يذكر في معرض التعجب ودفع العين وقد يذكر في معنى جد في أمرك وشمر له (*)

[ 301 ]

رب العباد مالنا ومالكا * قد كنت تسقينا فما بدا لكا أنزل علينا الغيث لا أبا لكا في أشباه لهذا من كلام الجهال ومن لم يقومه ثقاف تأديب الشريعة والعلم في هذا الباب فلما يصدر إلا من جاهل يجب تعليمه وزجره والإغلاظ له عن العودة إلى مثله قال أبو سليمان الخطابى وهذا تهور من القول والله منزه عن هذه الأمور وقد روينا عن عون بن عبد الله أنه قال ليعظم أحدكم ربه أن يذكر اسمه في كل شئ حتى لا يقول أخزى الله الكلب وفعل به كذا وكذا وكان بعض من أدركنا من مشايخنا فلما يذكر اسم الله تعالى إلا فيما يتصل بطاعته وكان يقول للإنسان جزيت خيرا وقلما يقول جزاك الله خيرا إعظاما لاسمه تعالى أن يمتهن في غير قربة، وحدثنا الثقة أن الإمام أبا بكر الشاشى كان يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم فيه تعالى وفى ذكر صفاته إجلالا لاسمه تعالى يقول هؤلاء يتمندلون بالله عز وجل وينزل الكلام في هذا الباب تنزيله في باب ساب النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوه التى فصلناها والله الموفق


(قوله ثقاف) بكسر المثلثة وتخفيف الفاء وهو في الأصل اسم لما يسوى به الرماح (قوله تهور من القول) التهور بفتح المثناة الفوقية والهاء وضم الواو تشديدها الوقوع في الشئ بقلة مبالاة (قوله يتمندلون) في الصحاح المنديل معروف تقول منه تمندلت بالمنديل (*)

[ 302 ]

(فصل) وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته واستخف بهم أو كذبهم فيما أتوا به أو أنكرهم وجحدهم حكم نبينا صلى الله عليه وسلم على مساق ما قدمناه قال الله تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) الآية وقال تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم) الآية إلى قوله (لا نفرق بين أحد منهم) وقال (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) قال مالك في كتاب ابن حبيب ومحمد وقال ابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وسحنون فيمن شتم الأنبياء أو أحدا منهم أو تنقصه قتل ولم يستتب ومن سبهم من أهل الذمة قتل إلا أن يسلم وروى سحنون عن ابن القاسم: من سب الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذى به كفر فاضرب عنقه إلا أن يسلم وقد تقدم الخلاف في هذا الأصل وقال القاضى بقرطبة سعيد بن سليمان في بعض أجوبته من سب الله وملائكته قتل، وقال سحنون من شتم ملكا من الملائكة فعليه القتل، وفى النوادر عن مالك فيمن قال إن جبريل أخطأ بالوحى وإنما كان النبي على بن أبي طالب استتيب فإن تاب وإلا قتل ونحوه عن سحنون وهذا قول الغرابية من الروافض سموا بذلك لقولهم كان النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بعلى من الغراب بالغراب وقال أبو حنيفة وأصحابه على أصلهم من كذب بأحد من الأنبياء أو تنقص

[ 303 ]

أحدا منهم أو يرى منهم فهو مرتد وقال أبو الحسن القابسى في الذى قال لآخر كأنه وجه مالك الغضبان لو عرف أنه قصد ذم الملك قتل قال القاضى أبو الفضل وهذا كله فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة والنبيين أو على معين ممن حققنا كونه من الملائكة والنبيين ممن نص الله عليه في كتابه أو حققنا عليه بالخبر المتواتر والمشتهر المتفق عليه بالإجماع القاطع لجبريل وميكائيل ومالك وخزنة الجنة وجهنم والزبانية وحملة العرش المذكورين في القرآن من الملائكة ومن سمى فيه من الأنبياء وكعزرائيل وإسرافيل ورضوان والحفظة ومنكر ونكير من الملائكة المتفق على قبول الخبر بهما فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء كهاروت وماروت في الملائكة والخضر ولقمان وذى القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان المذكورة أنه نبى أهل الرس وزرادشت الذى تدعى المجوس والمؤرخون نبوته فليس الحكم في سابهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة ولكن يزجر من تنقصهم وآذاهم ويؤدب بقدر حال المنقول فيه لا سيما من عرفت صديقيته وفضله منهم وإن لم تثبت نبوته وأما إنكار نبوتهم أو كون الآخر من الملائكة فإن كان المتكلم في ذلك


(قوله ومنكر) بفتح الكاف كذا قيده ابن العربي المكى القاضى أبو بكر (قوله وزرادشت) بزاى مفتوحة وراء فألف فدال مضمومة فشين معجمة فمثناة صاحب كتاب المجوس (*)

[ 304 ]

من أهل العلم فلا حرج لاختلاف العلماء في ذلك وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا فإن عاد أدب إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل لأهل العلم فكيف للعامة ؟ (فصل) واعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشئ منه أو سبهما أو جحده أو حرفا منه أو آية أو كذب به أو بشئ منه أو كذب بشئ مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك أو شك في شئ من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع قال الله تعالى (وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) حدثنا الفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد رحمه الله حدثنا أبو على حدثنا ابن عبد البر حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا ابن داسة حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (المراء في القرآن كفر) تؤول بمعنى الشك وبمعنى الجدال، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (من جحد آية من كتاب الله من المسلمين فقد حل ضرب عنقه) وكذلك إن جحد التوراة والإنجيل وكتب الله المنزلة أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها فهو كافر وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب

[ 305 ]

في المصحف بأيدى المسلمين مما جمعه الدفتان من أول (الحمد لله رب العالمين - إلى آخر - قل أعوذ برب الناس) أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذى وقع الإجماع عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا أنه كافر ولهذا رأى مالك قتل من سب عائشة رضى الله عنها بالفرية لأنه خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل أي لأنه كذب بما فيه، وقال ابن القاسم من قال إن الله تعالى لم يكلم موسى تكليما يقتل وقاله عبد الرحمن بن مهدى وقال محمد بن سحنون فيمن قال المعوذتان ليستا من كتاب الله يضرب عنقه إلا أن يتوب وكذلك كل من كذب بحرف منه قال وكذلك إن شهد شاهد على من قال إن الله لم يكلم موسى تكليما وشهد آخر عليه أنه قال إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا لأنهما اجتمعا على أنه كذب النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عثمان الحداد جميع من ينتحل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف من التنزيل كفر وكان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل له ليس كما قرأت ويقول أما


(قوله المعوذتان) قال النووي أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن وأن من جحد شيئا منها كفر وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه، قال ابن حزم في أول كتاب المجلى هذا كذب على ابن مسعود موضوع وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زيد بن حنيس عن عبد الله بن مسعود وفيها الفاتحة والمعوذتان انتهى (*)

[ 306 ]

أنا فأقرأ كذا فبلغ ذلك إبراهيم فقال أراه سمع أنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله وقال عبد الله بن مسعود من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله وقال أصبغ بن الفرج من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله ومن كذب به فقد كفر به ومن كفر به فقد كفر بالله وقد سئل القابسى عمن خاضم يهوديا فحلف له بالتوراة فقال الآخر لعن الله التوراة فشهد عليه بذلك شاهد ثم شهد آخر أنه سأله عن القضية فقال إنما لعنت توراة اليهود فقال أبو الحسن الشاهد الواحد لا يوجب القتل والثانى علق الأمر بصفة تحتمل التأويل إذ لعله لا يرى اليهود متمسكين بشئ من عند الله لتبديلهم وتحريفهم ولو اتفق الشاهدان على لعن التوراة مجرد لضاق التأويل، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ المقرئ أحد أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد لقراءته وإقرائه بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف وعقدوا عليه


(قوله ابن شنبوذ) قيل إنه بإسكان النون وهو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت المقرئ ء البغدادي قال ابن خلكان كان من مشاهير القراء ذادين وسلامة صدر وقيل كان كثيرا اللحن قليل العلم تفرد بقراءة من الشواذ كان يقرأ بها في المحراب فانكب على وبلغ أمره الوزير بن مقلة في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة فاعتقله بداره واستحضره هو والقاضى أبا الحسين عمر بن محمد وأبا بكر أحمد بن موسى بن مجاهد المقرئ وجماعة من أهل الفرات فأغلظ القول عليهم فأمر الوزير بضربه فضرب سبع ؟ ؟ ؟ فدعا على الوزير بقطع يده وتشتيت شمله فكان الأمر كذلك ثم كتب محضرا بما كان يقرؤه واستتيب أن لا يقرأ إلا بمصحف أمير المؤمنين عثمان وكتب خطه في آخره وأطلق

[ 307 ]

بالرجوع عنه والتوبة منه سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبى على بن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وكان فيمن أفتى عليه بذلك أبو بكر الأبهري وغيره وأفتى أبو محمد بن أبى زيد بالأدب فيمن قال لصبى لعن الله معلمك وما علمك وقال أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن قال أبو محمد وأما من لعن المصحف فإنه يقتل (فصل) وسب آل بيته وأزواجه وأصحابه صلى الله عليه وسلم وتنقصهم حرام ملعون فاعله * حدثنا القاضى الشهيد أبو على رحمه الله حدثنا أبو الحسين الصيرفى وأبو الفضل العدل حدثنا أبو يعلى حدثنا أبو على السنجى حدثنا ابن محبوب حدثنا الترمذي حدثنا محمد بن يحيى حدثنا يعقوب ابن إبراهيم حدثنا عبيدة بن أبى رابطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله ابن مغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدى فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم


(قوله الوزير أبى على) هو محمد بن على بن الحسين بن مقلة الكاتب كان في أول أمره يتولى بعض أعمال فارس ويجبى خراجها ويتقلب أحواله إلى أن استوزره المقتدر سنة ست عشرة وثلاثمائة ثم قبض عليه في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة ونفاه إلى فارس بعد أن صادره ولما ولى القاهرة أحضره في يوم الأضحى سنة عشرين وخلع عليه ولم يزل وزيره إلى أن اتهمه على الفتك به وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر في أول شعبان سنة إحدى وعشرين ولما ولى الراضي بالله في جمادى الأولى سنة اثنين وعشرين استوزره أيضا توفى رحمه الله سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة (قوله عبيدة بن أبى رابطة) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة نص عليه ابن ماكولا (*)

[ 308 ]

ومن آذاهم فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أصحابي فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) وقال صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أصحابي فإنه يجئ قوم في آخر الزمان يسبون أصحابي فلا تصلوا عليهم ولا تصلوا معهم ولا تناكحوهم ولا تجالسوهم وإن مرضوا فلا تعودوهم) وعنه صلى الله عليه وسلم (من سب أصحابي فاضربوه) وقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن سبهم وآذاهم يؤذيه وأذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام فقال (لا تؤذوني في أصحابي ومن آذاهم فقد آذانى) وقال (لا تؤذوني في عائشة) وقال في فاطمة (بضعة منى يؤذيني ما آذاها وقد اختلف العلماء في هذا فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع، قال مالك رحمه الله من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل ومن شتم أصحابه أدب وقال أيضا من شتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال كانوا على ضلال وكفر قتل وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا، وقال ابن حبيب من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا ومن زاد إلى بغض أبى بكر وعمر فالعقوبة عليه


(قوله بضعة منى) بفتح الموحدة أي قطعة (*)

[ 309 ]

أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم وقال سحنون من كفر أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عليا أو عثمان أو غيرهما يوجع ضربا وحكى أبو محمد ابن أبى زيد عن سحنون فيمن قال في أبى بكر وعمر وعثمان وعلى إنهم كانوا على ضلال وكفر قتل ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نكل النكال الشديد * وروى عن مالك من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل، قيل له لم ؟ قال من رماها فقد خالف القرآن وقال ابن شعبان عنه لأن الله يقول (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين) فمن عاد لمثله فقد كفر * وحكى أبو الحسن الصقلى أن القاضى أبا بكر ابن الطيب قال إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه كقوله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه) في آى كثيرة وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك) سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرته من السوء وهذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة ومعنى هذا والله أعلم أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه وكان سبها سبا لنبيه وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان مؤذى نبيه كذلك كما قدمناه، وشتم رجل عائشة بالكوفة فقدم إلى موسى بن عيسى

[ 310 ]

العباسي فقال من حضر هذا فقال ابن أبى ليلى أنا فجلد ثمانين وحلق رأسه وأسلمه للحجامين وروى عن عمر بن الخطاب أنه نذر قطع لسان عبيد الله ابن عمر إذ شتم المقداد بن الأسود فكلم في ذلك فقال دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحد بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وروى أبو ذر الهروي أن عمر بن الخطاب أتى بأعرابى يهجو الأنصار فقال لولا أن له صحبة لكفيتكموه قال مالك من انتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس له في هذا الفئ حق قد قسم الله الفئ في ثلاثة أصناف فقال (للفقراء المهاجرين) الآية ثم قال (والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم) الآية وهؤلاء هم الأنصار ثم قال (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان) الآية فمن تنقصهم فلا حق له في فئ المسلمين، وفى كتاب ابن شعبان من قال في واحد منهم إنه ابن زانية وأمه مسلمة حد عند بعض أصحابنا حدين حدا له وحدا لأمه ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة لفضل هذا على غيره ولقوله صلى الله عليه وسلم (ومن سب أصحابي فاجلدوه) قال ومن قذف أم أحدهم وهى كافرة حد حد الفرية لأنه سب له فإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حيا قام بما يجب له وإلا فمن قام من المسلمين كان على الامام قبول قيامه قال وليس هذا كحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء بنبيهم صلى الله عليه وسلم ولو سمعه

[ 311 ]

الامام وأشهد عليه كان ولى القيام به قال ومن سب غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ففيها قولان أحدهما يقتل لأنه سب النبي صلى الله عليه وسلم بسب حليلته والآخر أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفترى قال وبالأول أقول وروى أبو مصعب عن مالك فيمن سب من انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته لأنه استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم وأفنى أبو المطرف الشعبى فيه ما لفة في رجل أنكر تحليف امرأة بالليل وقال لو كانت بنت أبى بكر الصديق ما حنفت إلا بالنهار وصوب قوله بعض المتسميين بالفقه فقال أبو المطرف ذكر هذا لابنة أبى بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل والفقيه الذى صور قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه فيتقدم إليه في ذلك ويزجر ولا تقبل فتواه ولا شهادته وهى جرحة ثابتة فيه ويبغض في الله وقال أبو عمران في رجل قال لو شهد على أبو بكر الصديق أنه إن كان أراد أن شهادته في مثل هذا لا يجوز فيه الشاهد الواحد فلا شئ عليه وإن كان أراد غير هذا فيضرب ضربا يبلغ به حد الموت وذكروها رواية * قال القاضى أبو الفضل هنا انتهى القول بنا فيما حررناه وانتجز الغرض


(قوله وانتجز الغرض) أي انقضى (*)

[ 312 ]

الذى انتحيناه واستوفى الشرط الذى شرطناه مما أرجو أن في كل قسم منه للمريد مقنع وفى كل باب منهج إلى بغيته ومنزع وقد سفرت فيه عن نكت تستغرب وتستبدع وكرعت في مشارب من التحقيق لم يورد لها قبل في أكثر التصانيف مشرع وأودعته غير ما فضل وددت لو وجدت من بسط قبلى الكلام فيه أو مقتدى يفيدنيه عن كتابه أو فيه لأكتفى بما أرويه عما أرويه والى الله تعالى جزيل الضراعة والمنة بقبول ما منه لوجهه ولعفو عما تخلله من تزين وتصنع لغيره وأن يهب لنا ذلك بجميل كرمه وعفوه لما أودعناه من شرف مصطفاه وأمين وحيه وأسهرنا به جفوتنا لتتبع فضائله وأعملنا فيه خواطرنا من إبراز خصائصه ووسائله ويحمى أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا كريم عرضه ويجعلنا ممن


(قوله انتحيناه) بالحاء أي اعتمدناه (قوله بغيته) بكسر الموحدة أي حاجته (قوله ومنزع) بفتح الميم والزاى (قوله مشرع) بفتح الميم والراء مورد الشاربة (قوله وددت) بكسر الدال الأولى (قوله بما أرويه عما أرويه) الأولى بفتح الهمزة وسكون الراء والثانية بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الواو (قوله الضراعة) بضاد معجمة أي الخضوع (*)

[ 313 ]

لا يذاد إذا ذيد المبدل عن حوضه ويجعله لنا ولمن تهمم باكتتابه واكتسابه سبيا يصلنا بأسبابه وذخيرة نجدها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب من أمله ولا ينتصر من


(قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بحمد الله وعونه كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)

[ 314 ]

خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب