الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشفا بتعريف حقوق المصطفى - القاضي عياض ج 1ي

الشفا بتعريف حقوق المصطفى

القاضي عياض ج 1


[ 1 ]

الشفا بتعريف حقوق المصطفى للعلامة القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي 544 ه‍ مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للعلامة أحمد بن محمد بن محمد الشمنى 873 الجزء الأول دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع

[ 2 ]

جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر 1409 ه‍ - 1988 م دار الفكر بيروت لبنان { المكاتب: البناية المركزية - هاتف: 244739 - ص ب: 7061 / 11 المطابع والمعمل: حارة حريك - شارع عبد النور - هاتف: 390663 (838202 - 837898) برقيا: فكسى. تلكس: 41392 فكر 41392 LE FIKR

[ 1 ]

كلمة الناشر: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فلما كان نشر العلم فضيلة وكانت السنة الشريفة من أجل علوم الشريعة وأرفعها قدرا) وكان على المسلم أن يتخذ من أقوال وأفعال رسول الله (ص) نورا وضياء ينير له الطريق لفهم دينه وأحكامه، ومحركا لسلوكه في عاجلته وذخرا لآخرته، فقد اهتمت دار الفكر منذ تأسيسها بطبع كتب السنة المحمدية والحديث الشريف، مثل: صحيح البخاري وشرحه فتح الباري وصحيح مسلم وشروحاته وتصنيفاته، والموطأ وكافة كتب الصحاح وشروحا إلى جانب أعظم تفاسير القرآن الكريم وأنفعها مثل: الدر المنثور في التفسير بالمأثور ومعالم التنزيل في التفسير والتأويل للبغوي، والتفسير الكبير للفخر الرازي، وجامع اليبان عن تأويل آي القرآن للطبري وغير ذلك من أمهات الكتب في التفسير وعلوم القرآن والحديث والفقه على مختلف المذاهب والتاريخ واللغة وسائر العلوم والفنون الاسلامية. وتقدم اليوم احياء للسنة المحمدية كتاب: شفاء القاضي عياض المسمى: الشفا بتعريف حقوق المصطفى في طبعة جديدة ومصححة ومتقنة، واتماما للفائدة أضفنا للكتاب كحاشية له. درة مفيدة هي: حاشية العلامة الشمنى المسماة: مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء التي لم تطبع قبل الآن. وفيما يلي نبذة يسيرة للتعريف بمؤلفي الكتاب والحاشية:

[ 2 ]

ترجمة القاضى عياض (1) هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي، الإمام العلامة، يكنى أبا الفضل، ستى الدار والميلاد: أندلسى الأصل. قال ولده محمد: كان أجدادنا في القديم بالأندلس، ثم انتقلوا إلى مدينة فاس وكان لهم استقرار بالقيروان لا أدرى قبل حلولهم بالأندلس أو بعد ذلك. وانتقل عمرون إلى سبتة بعد سكنى فاس. وكان القاضى أبو الفضل إمام وقته في الحديث وعلومه، عالما بالتفسير وجميع علومه، فقيها أصوليا عالما بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، بصيرا بالأحكام، عاقدا للشروط، بصيرا حافظ لمذهب مالك رحمه الله تعالى، شاعرا مجيدا ويا نا من علم الأدب، خطيبا بليغا صبورا حليما جميل العشرة، جوادا سمحا كثير الصدقة، دؤوبا على العمل، صلبا في الحق. رحل إلى الأندلس سنة تسع وخمسمائة طالبا العلم، فأخذ بقرطبة عن القاضى أبى عبد الله محمد بن على بن حمدين، وأبى الحسين بن سراج، وعن أبى محمد بن عتاب وغيرهم وأجاز له أبو على الغساني، وأخذ بالمشرق عن القاضى أبى على حسين بن محمد الصدفى وغيره، وعنى بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وأخذ عن أبى عبد الله المازينى: كتب إليه يستجيزه، وأجاز له الشيخ أبو بكر الطرطوشى. ومن شيوخه. القاضى أبو الوليد بن رشد. قال صاحب الصلة البشكوالية: وأظنه سمع عن أبى زيد، وقد إجتمع له من الشيوخ بين من سمع منه وبين من أجاز له مائة شيخ وذكر ولده محمد منهم: أحمد بن بقى، وأحمد بن محمد بن محمد ابن مكحول، وأبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي، والحسن بن محمد بن سكره، والقاضى أبو بكر بن العربي، والحسن بن على بن طريف، وخلف بن إبراهيم بن النحاس، ومحمد بن أحمد بن الحاج القرطبى، و عبد الله بن محمد الخشنى وغيرهم ممن يطول ذكرهم.


(1) نقلت هذه الترجمة من كتاب الديباج الذهب في معرفة أعيان علماء المذهب للعلامة برهان الدين ابن فرحون المالكى. (*)

[ 3 ]

قال صاحب الصلة: وجمع من الحديث كثيرا وله عناية كبيرة به واهتمام بجمعه وتقييده وهو من أهل التفنن في العلم واليقظة والفهم، وبعد عودته من الأندلس أجله أهل سبتة للناظرة عليه في المدونة وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عنها، ثم أجلس للشورى ثم ولى قضاء بلده مدة طويلة حمدت سيرته فيها، ثم نقل إلى قضاء غرناطة في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ولم يطل أمره بها، ثم ولى قضاء سبتة ثانيا. قال صاحب الصلة: وقدم علينا قرطبة فأخذنا عنه بعض ما عنده. قال الخطيب: وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم وبنى في جانب المينا الراتبة الشهيرة وعظم صيته. ولما ظهر أمر الموحدين بادر إلى المسابقة بالدخول في طاعتهم ورحل إلى لقاء أميرهم بمدينة سلا، فأجزل صلته، وأوجب بره، إلى أن اضطربت أمور الموحدين عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة فتلاشت حاله، ولحق بمراكش مشردا به عن وطنه فكانت بها وفاته. وله التصانيف المفيدة البديعة منها كمال المعلم: في شرح صحيح مسلم، ومنها كتاب الشفا: بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم أبدع فيه كل الإبداع، وسلم له أكفاؤه كفاءته فيه ولم ينازعه أحد في الانفراد به ولا أنكروا مزية السبق إليه بل تشوفوا للوقوف عليه، وأنصفوا في الاستفادة منه، وحمله الناس عنه، وطارت نسخه شرقا وغربا، وكتاب مشارق الأنوار في تفسير غريب حديث الموطأ والبخاري ومسلم وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال وهو كتاب لو كتب بالذهب أو وزن بالجوهر لكان قليلا في حقه، وفيه أنشد بعضهم: مشارق أنوار تبدت بسبتة * ومن عجب كون المشارق بالغرب وكتاب التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة: جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحرير المسائل، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك وكتاب الإعلام بحدود قواعد الإسلام، وكتاب الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع، وكتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد، وكتاب الغنيمة في شيوخه، وكتاب المعجم في شيوخ ابن سكره، وكتاب نظم البرهان على حجة جزم الأذان، وكتاب مسألة الأهل المشروط بينهم التزاور، ومما لم يكمله: المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان، وكتاب العيون الستة في أخبار سبتة، وكتاب غنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور

[ 4 ]

والترسل، وكتاب الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة، وكتاب أجوبة القرطبيين، وكتاب أجوبته عما نزلت في أيام قضائه من نوازل الأحكام في سفر، وكتاب سر السراة في أدب القضاة، وكتاب خطبه وكان لا يخطب إلا بإنشائه، وله شعر كثير حسن رائق فمنه قوله: يا من تحمل عنى غير مكترث * لكنه للضنى والسقم أوصى بى تركتني مسهام القلب ذا حرق * أخا جوى وتباريح وأوصاب أراقب النجم في جنح الدجى سمرا * كأننى راصد للنجم أو صابى وله رحمة الله تعالى: الله يعلم أنى منذ لم أركم * كطائر خانه ريش الجناحين ولو قدرت ركبت الريح نحوكم * فإن بعدكم عنى جنى حينى وله من أبيات: إن البخيل بلحظه أو لفظه * أو عطفه أو رفقه لبخيل وله في خامات الزرع بينها شقائق النعمان هبت عليها أرياح: انظر إلى الزرع وخاماته * تحكى وقد ماست أمام الرياح كتيبة خضراء مهزومة * شقائق النعمان فيها جراح وله غير ذلك. كان مولد القاضى عياض بسبتة في شهر شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة، وتوفى بمراكش في شهر جمادى الأخيرة وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقيل إنه مات مسموما سمه يهودى. ودفن رحمه الله تعالى بباب إيلان داخل المدينة. و (عياض) بكسر العين المهملة وفتح الياء المثناة التحتية وبعد الألف ضاد معجمة و (اليحصبى) بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الحاء المهملة وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها وبعدها ياء موحدة نسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير، وسبتة مدينة مشهورة، وغرناطة: مدينة بالأندلس وهى بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة ثم نون مفتوحة بعدها ألف وبعد الألف طاء مهملة ثم هاء ويقال فيها أغرناطة بألف قبل الغين.

[ 5 ]

ترجمة العلامة الشمني (1) صاحب الحاشية هو أحمد بن محمد بن محمد حسن بن على بن يحيى بن محمد التقى السكندرى المولد القاهرى المنشأ الحنفي ويعرف بالشمنى بضم المعجمة والميم ثم نون مشددة نسبة لمزرعة ببلاد المغرب أو لقرية بها ولد في العشر الأخير من رمضان سنة إحدى وثمانمائة واشتغل أولا مالكيا ثم تحول حنفيا لكون البساطى فيما قيل قدم عليه بعض من هو دونه من رفقائه وبرع في الفقه والأصلين والعربية والمعاني والبيان والمنطق والصرف والهندسة والهيئة والحساب وسمع الحديث على جماعة وبحث على شيخنا دروسا من شرح ألفية العراقى ولازمه بعد والده فأحسن إليه وساعده في استخلاص مبلغ ممن وثب عليه في بعض وظائف أبيه وزاد إقبالا عليه حين وقع السؤال عن حكمة الترقي من الذرة إلى الحبة إلى الشعيرة في حديث ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلق فليخلقوا ذرة الحديث. وأجاب التقى بديهة بأن صنع الأشياء الدقيقة فيه صعبوة والأمر بمعنى التعجيز فناسب التدلى من الأعلى إلى الأدنى فاستحسنه شيخنا فزاد في إكرامه والتعريف بفضيلة وتصدى للإقراء، وصنف حاشية على المغنى لخصها من حاشية الدماميني وزاد عليها أشياء نفيسة سماها المنصف من الكلام على مغنى ابن هشام، وتعليقا لطيفا في ضبط ألفاظ الشفاء لخصه من شرح البرهان الحلبي وأتى بتتمات يسيرة فيها تحقيقات دقيقة سماه (مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء) وغير ذلك وأقراء في العقليات بدون ملاحظة كراس ولا حاشية وقد اتفق دخول اثنين من فضلاء العجم الجمالية فوجداه يقرئ في المطول بدون كراس فجلسا عنده وبحثا معه واستشكلا عليه فلم ينقطع منهما بل أفحمهما بحيث امتلأت أعينهما من جلالته وصرحا بعد انفصالهما عنه لبعض أخصائه بأنهما لم يظنا أن في أبناء العرب من ينهض فحكاه للشيخ فتبسم وقال بذلك قد أقرأته اثنى عشر مرة بغير مطالعة وكان إماما علامة سنيا متين الديانة ممن ينسب إلى التصوف لم يتدنس بما يحط مقداره وقد عم النفع به حتى بقى جل الفضلاء من سائر المذاهب من اهل مصر بل وغيرها من تلامذته


من البدر الطالع المنتخب من الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. (*)

[ 6 ]

واشتدت رغبتهم في الأخذ عنه وتزاحموا عليه وهرعوا صباحا ومساء إليه، وامتدحه من الشعراء: الشهاب المنصوري وغيره كل ذلك من الشهامة وحسن الشكالة والأبهة وبشاشة الوجه ومحبة الحديث وأهله وقد حضرت كثيرا من دروسه وتقنعه بخلوة في الجمالية يسكنها وأمة سوداء لقضاء وطره وغير ذلك وقد استقر به قانباى الجركسى في خطابة تربته ومشيخة الصوفية بها وتحول إليها ولم يكن يحابى في الدين أحدا بحيث التمس منه بعض الشبان من ذوى البيوت إذنه له في التدريس بعد أن أهدى إليه شيئا فبادر لرد الهدية وامتنع من الإذن وربما كتب فيما لا يرتضيه لقصد جميل ككتابته على كراس من تفسير البقاعي الذى سماه المناسبات فإنه قال لى حين عاتبتة على ذلك إنما كتبت لصونه عما رام تمريغا أن يوقعه به ووالله ما طالعته وليس هو عندي في زمرة العلماء ولم تكن له رغبة في الكتابة على الفتوى مع سؤالهم له ولا في حضور عقود المجالس وقد خطبه الشهاب ابن العينى أيام ضخامته للحضور عنده وأح عليه وكان قرره متصدرا فيما جده بمدرسة جده فلم يجد بدا من إجابته وجاء العبادي ليجلس فوقه بينه وبين الحنفي فما مكنه الشهاب وحول العبادي إلى جهة يمينه، بل خطب لقضاء الحنفية فأبى بعد مجئ كاتب السر إليه وإخباره بأنه إن لم يجب نزل إليه السلطان فصمم وقال الاختفاء ممكن فقال له كاتب السر فبماذا تجيب إذا سألك الله تعالى عن امتناعك بعد تعينه عليك فقال يفتح الله تعالى حينئذ بالجواب ولم يزل على وجاهته إلى أن تعلل ومات في ليلة الأحد سابع عشر ذى الحجة سنة اثنين وسبعين وثمانمائة بمنزل سكنه من التربة المشار إليها وصلى عليه عند بابها ودفن بها وخلف ذكرين وأنثى من جارية وألف دينار وحفظت جهاته لولديه رحمه الله تعالى وإيانا.

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلى على محمد وآله وسلم. قال الفقيه القاضى الإمام الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبى رحمة الله عليه: الحمد لله المنفرد باسمه الأسمى، المختص بالعز الأحمى، الذى ليس دونه منتهى ولا وراءه مرمى، الظاهر لا تخيلا ولا وهما، الباطن بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله على إفضاله. وصلواته على نبيه محمد وآله، فيقول الفقير إلى الله تعالى: أحمد بن محمد بن محمد بن حسن الشمنى، ختم الله بالسعادة أغماله، وجعل الجنة منقلبه ومآله: قد يسر الله تعالى عند إقرائي للشفاء شيئا من تفسير مفرداته، ونبذا من فتح مغلقاته، وحل مشكلاته، فجمعت ذلك نفعا لطالبيه، وإعانة لمحصليه وقارئيه، وسميته بمزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء، ومن الله أطلب التوفيق، والهداية إلى سواء الطريق. (قوله المختص) أي المنفرد والممتاز (قوله ليس دونه منتهى) في الصحاح دون نقيض فوق وهو تقصير عن الغاية، ويقال هذا دون ذاك أي أقرب منه انتهى. والمعنى هنا أنه تعالى ليس في جهة وحيز، ولا على مسافة وامتداد لأن كل ذى جهة ومسافة للقرب منه نهاية، وليس للقرب منه تعالى نهاية، فليس في جهة، فهو من باب نفى الشئ بنفى لازمه (قوله ولا ورائه مرمى) قال ابن الأثير في النهاية: أي ليس بعد الله لطالب مطلب، فإليه انتهت العقول فليس وراء معرفته والإيمان به غاية تقصد. والمرمى في الأصل: الغرض الذى ينتهى إليه سهم الرامى (قوله الظاهر) أي بالدلالة الدالة على وجوده قطعا ويقينا لا تخيلا ووهما (قوله الباطن) أي بحقيقته فلا تدرك كنهه العقول. (*)

[ 2 ]

تقدسا لا عدما، وسع كل شئ رحمة وعلما، وأسبغ على أوليائه نعما عما، وبعث فيهم رسولا من أنفسهم أنفسهم عربا وعجما، وأزكاهم محتدا ومنمى، وارجحهم عقلا وحلما، وأوفرهم علما وفهما، وأقواهم يقينا وعزما، وأشدهم بهم رأفة ورحما، زكاه روحا وجسما، وحاشاه عيبا ووصما وآتاه حكمة وحكما، وفتح به أعينا عميا وقلوبا غلفا وآذانا صما، فآمن به وعزره ونصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسما، وكذب به وصدف عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتما،


(قوله تقدسا) أي تنزها وتعاليا (قوله عما) بضم المهملة وتشديد الميم جمع عميمة أي تامة يقال نخلة عميمة ونخل عم إذا كانت طوالا وامرأة عميمة تامة القوام والخلقة (قوله من أنفسهم أنفسهم) الأول بضم الفاء جمع نفس بسكون الفاء، والثانى بفتحها من النفاسة أي أعلاهم وأشرفهم (قوله عربا وعجما) العرب بضم المهملة وسكون الراء وبفتحهما جيل من الناس وهم أهل الأمصار، والأعراب منهم سكان البادية خاصة والعجم بضم المهملة وسكون الجيم وبفتحهما خلاف العرب (قوله وأزكاهم) أي أطهرهم (قوله محتدا) هو بميم مفتوحة فمهملة ساكنة فمثناة فوقية مكسورة فدال مهملة: الأصل والطبع كذا في القاموس (قوله ومنمى) هو بميم مفتوحة فنون ساكنة مصدر ميمى بمعنى النمو (قوله وأوفرهم) أي أزيدهم (قوله رأفة) هي أشد الرحمة (قوله ورحما) هو بضم الراء فسكون المهملة الرحمة قال الله تعالى (وأقرب رحما) (قوله وحاشاه عيبا ووصما) يقال حاشيته بمعنى استثنيته والمعنى أنه تعالى استثناه وأخرجه من العيب والوصم أي العار (قوله وآتاه) بمد الهمزة أي أعطاه (قوله حكمة وحكما) الحكمة علم الشرائع وقيل كل كلام وافق الحق والحكم بضم المهلة القضاء (قوله وعزره) بمهملة مفتوحة فزاى مشددة فراء أي وقره وعظمه (قوله وصدف) بمهلتين مفتوحتين ففاء: أي أعرض (قوله حتما) أي لازما (*)

[ 3 ]

(ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) صلى الله عليه وسلم صلاة تنمو وتنمى، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. (أما بعد) أشرق الله قلبى وقلبك بأنوار اليقين، ولطف لى ولك بما لطف بأوليائه المتقين: الذين شرفهم الله بنزل قدسه، وأوحشهم من الخليفة بأنسه، وخصهم من معرفته، ومشاهدة عجائب


(قوله ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) أي من كان في الدنيا لا يبصر رشده كان في الآخرة لا يرى طريق النجاة، وقيل أعمى الثاني للتفصيل ولذلك عطف عليه أضل وأمال الأول ولم يمله أبو عمر ويعقوب لأن أفعل التفضيل تمامه بمن فكانت ألفه في حكم المتوسطة كما في أعمالهم (قوله تنمو) كذا في غالب النسخ. وفى بعضها تنمى بفتح المثناة الفوقية وكسر الميم (قوله تنمى) بضم المثناة الفوقية وفتح الميم في الصحاح: نمى المال وغيره ينمى نماء وربما. قالوا ينمو نموا وأنماه الله قال الكسائي ولم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بنى سليم ثم سألت عنه بنى سليم فلم يعرفوه بالواو والمعنى أنها تزيد عددا ويزيدها الله نوابا. (قوله أما لعد) ذكر النووي في باب الجمعة من شرح مسلم أنه اختلف العلماء في أول من تكلم بأما بعد: فقيل داود عليه السلام وقيل يعرب بن قحطان وقيل قيس ابن ساعدة وقيل بعض المفسرين أو كثير منهم إنه فصل الخطاب الذى أوتيه داود وقال المحققون فصل الخطاب: الفصل بين الحق والباطل انتهى، وفي الكشاف ويدخل فيه يعنى في فصل الخطاب أما بعد فإن المتكلم إذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله أما بعد انتهى. وفي غريب مالك لدار قطني بسند ضعيف أن يعقوب عليه السلام لما جاءه ملك الموت قال كان من جملة كلامه أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء وهذا يدل على أن أول من تكلم به يعقوب عليه السلام (قوله أشرق) بالمعجمة والقاف أي أضاء (قوله ولطف لى) في الصحاح اللطف من الله التوفيق والعصمة وفي المجمل: اللطف من الله الرأفة والرفق (قوله بنزل قدسه) النزل بضم النون والزاى الطعام الذى يهيأ للضيف. (*)

[ 4 ]

ملكوته وآثار قدرته: بما ملأ قلوبهم حبرة، ووله عقولهم في عظمته حيرة، فجعلوا همهم به واحدا، ولم يروا في الدارين غيره مشاهدا، فهم بمشاهدة جماله وجلاله يتنعمون، وبين آثاري قدرته وعجائب عظمته يترددون، وبالانقطاع إليه والتوكل عليه يتعززون، لهجين بصادق قوله قل اللهم ثم ذرهم في خوضهم يلعبون، فإنك كررت على السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة والسلام، وما يجب له من توقير وإكرام، وما حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك القدر، أو قصر في حق منصبه الجليل قلامة ظفر، وأن أجمع لك ما لأسلافنا وأئمتنا في ذلك من مقال، وأبينه بتنزيل صور وأمثال، فاعلم أكرمك الله أنك حملتني من ذلك أمرا إمرا، وأرهقتني فيما ندبتنى إليه عسرا، وأرقيتني بما كلفتني مر تقى صعبا، ملأ قلى رعبا، فإن الكلام في ذلك يستدعى تقدير


قوله ملكوته) الملكوت فعلوت من الملك (قوله ملأ قلوبهم حبرة) الحبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة السرور، قال الله تعالى (فهم في روضة يحبرون) أي ينعمون ويسرون (قوله في عظمته حيرة) الحيرة بالمهملة والمثناة التحتية والراء: مصدر حار يحار (قوله قلامة ظفر) القلامة بضم القاف: ما سقط من الظفر والعرب تكفى به عن الشئ الحقير. قال أبو البقاء: الجمهور على ضم الظاء والفاء من ظفر ويقرأ بإسكان الفاء، ويقرأ بكسر الظاء وإسكان الفاء (قوله أمرا إمرا) الأول بفتح الهمزة بمعنى شئ والثانى بكسرها بمعنى شديد وقوله تعالى (لقد جئت شيئا إمرا) أي منكرا ويقال عجبا كذا في الصحاح (قوله وأرهقتني) في الصحاح أرهقه عسرا أي كلفه إياه (قوله وأرقيتني) أي أصعدتني. (*)

[ 5 ]

أصول، وتحرير فصول، والكشف عن غوامض ودقائق، من علم الحقائق، مما يجب للنبى ويضاف إليه، أو يمتنع أو يجوز عليه، ومعرفة النبي والرسول والرسالة والنبوة، والمحبة والخلة وخصائص هذه الدرجة العلية، وههنا مهامه فيح تحار فيها القطا، وتقصر بها الخطا، ومجاهل تضل فيها الأحلام إن لم تهتد بعلم علم ونظر سديد) ومداحض تزل بها الأقدام إن لم تعتمد على توفيق من الله وتأييد، لكنى لما رجوته لى ولك في هذا السؤال والجواب، من نوال وثواب، بتعريف قدره الجسيم، وخلقه العظيم، وبيان خصائصه التى لم تجتمع قبل في مخلوق، وما يدان الله تعالى به من حقه الذى هو أرفع الحقوق (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا)


(قوله مهامه) جمع مهمه بميمين مفتوحتين بينهما هاء ساكنة وفى آخره هاء وهى المفازة (قوله فيح) بكسر الفاء فالمثناة التحتية الساكنة فالمهملة جمع فيحاء بفتح الفاء والمد بمعنى واسعة (قوله القطا) بالقاف والهملة والقصر جمع قطاة: طائر يضرب به المثل في الهداية قال ابن ظفر القطا يترك فراخه ثم يطلب الماء من مسيرة عشرة أيام وأكثر فيرده فيما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ثم يرجع فلا يخطئ لا صادرا ولا واردا (قوله ومجاهل) بفتح الميم جمع مجهل وهو المفازة لا علامة فيها (قوله تضل) بفتح الأول وكسر الثاني أي تضيع (قوله بعلم) بفتحتين العلامة والجبل (قوله ومداحض) جمع مدحض اسم مكان من الدحض وهو الزلق (قوله لما رجوته) بكسر اللام وتخفيف الميم وكذلك ما عطف عليه من قوله ولما أخذ الله، وقوله لما حدثنا، وكل من اللامات الثلاث متعلق بمحذوف مؤخر أي لهذه الأمور الثلاثة عزمت على ما ذكرت على السؤال فيه فبادرت (قوله الجسيم) يقال جسم الرجل إذا عظم. (*)

[ 6 ]

ولما أخذ الله تعالى على الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، ولما حدثنا به أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه رحمه الله بقراءتي عليه، قال حدثنا الحسين بن محمد حدثنا أبو عمر النمري حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن حدثنا أبو بكر محمد بن بكر حدثنا سليمان ابن الأشعث حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا حماد أخبرنا على بن الحكم عن عطاء عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة، فبادرت إلى نكت سافرة عن وجه الغرض، مؤديا من ذلك الحق المفترض، اختلستها على استعجال، لما المرء بصدده من شغل البدن والبال، بما قلده من مقاليد المحنة التى ابتلى بها


(قوله النمري) بفتح النون والميم نسبة إنى نمر بفتح النون كسر الميم أي قبيلة، فتحوا ميمه في النسبة كراهية توالى الكسرات كذا في الصحاح (قوله أبو بكر) هو ابن داسة بمهملتين أحد رواة أبى داود (قوله سليمان بن الأشعث) هو الحافظ أبو داود صاحب السنن كانت وفاته يوم الجمعة سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين وكان مولده فيما حكاه أبو بيدة الأجرى سنة ثنتين ومائتين (قوله حدثنا حماد) هو أبو سلمة بن دينار أحد الأعلام (قوله من سئل عن علم) المراد علم يلزم ويتعين تعليمه (قوله فبادرت) عطف على ما قدرناه آنفا متعلقا للامات الثلاث (قوله والنكت) بضم النون وفتح الكاف وبالمثناة الفوقية جمع نكتة بضم النون وسكون الكاف وهي كل نقطة من بياض في سواد وعكسه، ونكت الكلام: لطائفه ودقائقه الى تفتقر إلى تفكر ونكت في الأرض (قوله اختلستها) الاختلاس بالخاء المعجمة: اختطاف الشئ بسرعة (قوله والبال) بالموحدة القلب والحال، والمراد الأول. (*)

[ 7 ]

فكادت تشغل عن كل فرض ونفل، وترد بعد حسن التقويم إلى أسفل سفل، ولو أراد الله بالإنسان خيرا لجعل شغله وهمه كله، فيما يحمد غدا ولا يذم محله، فليس ثم سوى نضرة النعيم أو عذاب الجحيم، ولكان عليه بخويصته، واستنقاذ مهجته، وعمل صالح يستزيده، وعلم نافع يفيده أو يستفيد، جبر الله تعالى صدع قلوبنا، وغفر عظيم ذنوبنا، وجعل جميع استعدادنا لمعادنا، وتوفر دواعينا فيما ينجينا ويقربنا إليه زلفى، ويحظينا بمنه ورحمته. ولما نويت تقريبه، ودجت تبويبه، ومهدت تأصيله وخلصت تفصيله، وانتحيت حصره


(قوله سفل) هو بضم المهملة وكسرها وسكون الفاء (قوله لجعل شغله وهمه كله فيما يحمد غدا ولا يذم محله) بمعنى فيما يحمد بفعله واجبا كان أو نفلا أو فيما يذم بتركه وهو الواجب وكل من يحمد ويذم مبنى للفاعل وفاعله مستتر فيه عائد على العبد في قوله ولو أراد بعبد خيرا والظاهر أن المراد بما يذم محله الحرام. فإن قيل: كيف يكون شغل العبد الذى يريد به خيرا في الحرام، أجيب بأن الشغل أعم من الشغل بالفعل والشغل بالترك فشغل العبد الذى يريد الله به خيرا فيما يحمد محله بفعله وشغله فيما يذم محله بتركه (قوله بخوبصة) بضم المعجمة وتشديد الصاد المهملة تصغير خاصة والمراد هنا نفسه أو الأمر الذى يختص به (قوله واستنقاذ) بالقاف والذال المعجمة أي تخليص، والمهجة الروح والدم (قوله ويحظينا) بضم المثناة التحتية وسكون المهملة وكسر المعجمة أي يفضلنا (قوله ولما نويت) لما هذه بفتح اللام وتشديد الميم (قوله ودرجت) بفتح الدال المهملة وتشديد الراء، وفى الصحاح: درجه إلى كذا واستدرجه. أي أدناه منه على التدريج (قوله وانتحيت) بالحاء المهملة بعدها مثناة تحتية بمعنى قصدت. (*)

[ 8 ]

وتحصيله. ترجمته (بالشفا بتعريف حقوق المصطفى) وحصرت الكلام فيه في أربعة أقسام: (القسم الأول) في تعظيم العلي الأعلى، لقدر هذا النبي قولا وفعلا، وتوجه الكلام فيه في أربعة أبواب: الباب الأول: في ثنائه تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه، وفيه عشرة فصول. الباب الثاني: في تكميله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا، وفيه سبعة وعشرين فصلا. الباب الثالث: فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ومنزلته وما خصه الله به في الدارين من كرامته، وفيه اثنا عشر فصلا. الباب الرابع: فيما أظهره الله تعالى على يديه من الآيات والمعجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات، وفيه ثلاثون فصلا. (القسم الثاني) فيما يجب على الأنام من حقوقه عليه الصلاة والسلام ويترتب القول فيه في أربعة أبواب: الباب الأول: في فرض الإيمان به ووجوب طاعته واتباع سنته، وفيه خمسة فصول. الباب الثاني: في لزوم محبته ومناصحته، وفيه ستة فصول. الباب الثالث: في تعظيم أمره ولزوم توقيره وبره، وفيه سبعة فصول

[ 9 ]

الباب الرابع: في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته، وفيه عشرة فصول. (القسم الثالث) فيما يستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم وما يجوز عليه وما يمتنع ويصح من الأمور البشرية أن يضاف إليه، وهذا القسم - اكرمك الله تعالى - هو سر الكتاب، ولباب ثمرة هذه الأبواب، وما قبله له كالقواعد والتمهيدات، والدلائل على ما نورده فيه من النكت البينات، وهو الحاكم على ما بعده، والمنجز من غرض هذا التأليف وعده، وعند التقصى لموهدته، والتفصى عن عهدته، يشرق صدر العدو اللعين، ويشرق قلب المؤمن باليقين، وتملأ أنواره جوانح صدره، ويقدر العاقل النبي حق قدره، ويتحرر الكلام فيه في بابين: الباب الأول: فيما يختص بالأمور الدينية ويتشبث به القول في العصمة وفيه ستة عشر فصلا.


(قوله وعند التقصى لموعدته والتفصى عن عهدته) كلاهما بالصاد المهملة والأول بالقاف يقال استقصى فلان في المسألة وتقصى بمعنى والثانى بالفاء يقال تفصى عن كذا أي تخلص عنه (قوله يشرق) بفتح أوله وثالثه يقال شرق صدره بكذا بكسر الراء أي ضاق به حسدا (قوله ويشرق) بضم أوله وكسر ثالثه أي يضئ (قوله جوانح صدره) الجوانح جمه جانحة وهى الأضلاع التى تحت الترائب مما يلى الصدر كالضلوع مما يلى الظهر، والترائب عظام الصدر ما بين الترقوة إلى السرة، كذا في الصحاح (قوله ويقدر) بفتح أوله وضم ثالثه. (*)

[ 10 ]

الباب الثاني: في أحواله الدنيوية وما يجوز طروه عليه من الأعراض البشرية، وفيه تسعة فصول. (القسم الرابع) في تصرف وجوه الأحكام على من تنقصه أو سبه صلى الله عليه وسلم، وينقسم الكلام فيه في بابين: الباب الاول: في بيان ما هو في حقه سب ونقص من تعريض أو نص وفيه عشرة فصول. الباب الثاني: في حكم شانئه ومؤذيه ومنتقصه وعقوبته وذكر استتابته والصلاة عليه ووراثته، وفيه عشرة فصول، وختمناه بباب ثالث جعلناه تكملة لهذه المسألة ووصلة للبابين اللذين قبله في حكم من سب الله تعالى ورسله وملائكته وكتبه وآل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، واختصر الكلام فيه في خمسة فصول، وبتمامها ينتجز الكتاب، وتتم الأقسام والأبواب، ويلوح في غرة الإيمان لمعة


(قوله وما يجوز طروه) قال ابن القطاع طرأ على القوم طروا قدم وطرا طروا بلا هنز كذلك (قوله والصلاة عليه ووراثته وفيه عشرة فصول) كذا في الأصل وصوابه خمسة فصول لأنا لم نر فيما يأتي إلا خمسة فصول (قوله واختصر الكلام فيه في خمسة فصول) كذا في الأصل وصوابه عشرة فصول لأنه فيما يأتي ذكر عشرة (قوله ينتجز) بالجيم والزاى مطاوع نجزت الحاجة قضيتها (قوله في غرة الإيمان) الغرة في الأصل بياض في وجه الفرس فوق الدرهم والفرجة في وجه الفرس دون الدرهم ثم استعيرت الغرة للشرف والاشتهار حتى صار ذلك عند العرب على الحقيقة ويقال أيضا الأغر للأبيض. (*)

[ 11 ]

منيرة أو في تاج التراجم درة خطيرة، تزيح كل لبس، وتوضح كل تخمين وحدس: وتشفى صدور قوم مؤمنين وتصدع بالحق وتعرض عن الجاهلين، وبالله تعالى - لا إله سواه - أستعين. القسم الأول (في تعظيم العلى الأعلى لقدر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا) قال الفقيه القاضى الإمام أبو الفضل وفقه الله تعالى وسدده: لاخفاء على من مارس شيئا من العلم، أو خص بأدنى لمحة من الفهم: بتعظيم الله قدر نبينا صلى الله عليه وسلم وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنضبط لزمام: وتنويهه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام، فمنها ما صرح به تعالى في كتاب: ونبه به على جليل


(قوله خطيرة) بمعجمة مفتوحة بعدها مهملة مكسورة أي ذات خطر وقدر (قوله تزيح) بالزاى والحاء المهملة أي تذهب واللبس الاختلاط (قوله تخمين وحدس) التخمين بالمعجمة القول بالحدس والحدس مصدر حدس بفتح الدال المهملة يحدث بكسرها: قال شيئا برأيه. (القسم الأول) (قوله لمحة) بفتح اللام هي النظرة الخفيفة (قوله لزمام) أي لضابط استعير من زمام النعل وهو ما يشد به شسع النعل أو استعير من زمام الناقة وهو الخيط الذى يشد في البرة بضم الموحدة وفتح الراء الخفيفة وهى حلقة من نحاس تجعل في أنف البعير أو يشد في الخشاش بكسر الخاء المعجمة وبشينين معجمتين بينهما ألف حلقة من حديد تجعل في أنف البعير. (*)

[ 12 ]

نصابه، وأثنى به عليه من اخلاقه وآدابه، وحض العباد على التزامه وتقلد إيجابه: فكان جل جلاله هو الذى تفضل وأولى. ثم طهر وزكى، ثم مدح بذلك وأثنى، ثم أثاب عليه الجزاء الأوفى، فله الفضل بدأ وعودا، والحمد أولى وأخرى، ومنها ما أبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه الكمال والجلال، وتخصيصه بالمحاسن الجميلة والأخلاق الحميدة والمذاهب الكريمة والفضائل العديدة وتأييده بالمعجزات الباهرة والبراهين الواضحة والكرامات البينة: التى شاهدها من عاصره، ورآها من أدركه، وعلمها علم يقين من جاء بعده، حتى انتهى علم حقيقة ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا: صلى الله عليه وسلم كثيرا * حدثنا القاضى الشهيد أبو على الحسين بن محمد الحافظ قراءة منى عليه، قال حدثنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار وأبو الفضل أحمد بن خيرون، قالا حدثنا أبو يعلى البغدادي، قال حدثنا أبو على السنجى، قال حدثنا محمد بن أحمد بن محبوب، قال حدثنا أبو عيسى بن سورة الحافظ. قال حدثنا إسحاق بن منصور،


(قوله نصابه) بكسر أوله أي منصبه (قوله من خلقه) هو بفتح المعجمة وسكون اللام (قوله الباهرة) أي العالية (قوله القاضى الشهيد) هو ابن سكرة الأندلسى (قوله أبو يعلى البغدادي) هو المعروف بزوج الحرة (قوله أبو على السنجى) هو بكسر المهملة وسكون النون وبالجيم نسبة إلى سنج مرو (قوله ابن سورة) بفتح المهملة وسكون الواو وفتح الراء الترمذي الضرير صاحب الجامع: قيل ولد أكمه توفى بترمذ سنة تسع وسبعين ومائتين قاله ابن ماكولا في الإكمان وترمذ بفتح = (*)

[ 13 ]

حدثنا عبد الرزاق. أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس رضى الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بانبراق ليلة أسرى به ملجما مسرجا، فاستصعب عليه، فقال له جبرئيل: أبمحمد تفعل هذا، فما ركبك أحد أكرم على الله منه ؟ قال فافرض عرقا. الباب الأول في ثناء الله تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه أعلم أن في كتاب الله العزيز آيات كثيرة مفصخة بجميل ذكر


= المثناة من فوق وكسر الميم وبكسرهما وبضمهما قاله النووي في التهذيب في الكنى في أبى جعفر الترمذي (قوله عبد الرزاق) هو الحافظ ابن همام بن نافع للصغانى أحد الأعلام (قوله معمر) بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح الميم وبالراء (قوله بالبراق) هو دابة فوق الحمار ودون البغل: ورد في الصحيح: سمى براقا لسرعته وقيل لشدة صفائه وقيل لكونه أبيض وقال المصنف لكونه ذا لونين من قولهم شاة برقاء إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود وفى كتاب الاحتفال لابن أبى خالد في أسماء خيل النبي صلى الله عليه وسلم أن البراق دون البغل وفوق الحمار ووجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذنبه كذنب الغزال لا ذكر ولا أنثى (قوله فاستصعب عليه) قيل استصعابه لبعد عهده بالأنبياء لطول الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل لأنه لم يذلل قبل ذلك ولم يركبه أحد والقول الأول مبنى على أن الأنبياء عليهم السلام ركبوه قبل النبي صلى الله عليه وسلم والقول الثاني مبنى على أنه لم يركبه أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وفى ذلك خلاف وقيل استصعابه تيها وزهوا بركوب النبي صلى الله عليه وسلم عليه (قوله فارفض) بفاءين بينهما راء ساكنة وبضاد معجمة مشددة أي جرى وسال وفاعله مستتر عائد على البراق وعرقا تمييز. (*)

[ 14 ]

المصطفى صلى الله عليه وسلم وعد محاسنه وتعظيم أمره وتنويه قدره، اعتمدنا منها على ما ظهر معناه وبان فحواه، وجمعنا ذلك في عشرة فصول: (الفصل الأول) فيما جاء من ذلك مجئ المدح والثناء وتعداد المحاسن كقوله تعالى (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) الآية. قال السمرقندى: وقرأ بعضهم (من أنفسكم) بفتح الفاء. وقراءة الجمهور بالضم، قال الفقيه القاضى أبو الفضل وفقه الله تعالى: أعلم الله تعالى المؤمنين أو العرب أو أهل مكة أو جميع الناس على اختلاف المفسرين من المواجه بهذا الخطاب: أنه بعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفونه ويتحققون مكانه ويعلمون صدقه وأمانته فلا يتهمونه بالكذب وترك النصيحة لهم: لكونه منهم، وأنه لم تكن في العرب قبيلة إلا ولها على رسول الله عليه وسلم ولادة أو قرابة، وهو عند ابن عباس وغيره معنى قوله تعالى (إلا المودة في القربى) وكونه من أشرفهم وأرفعهم وأفضلهم على قراءة الفتح هذه نهاية المدح، ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد كثيرة:


(الفصل الأول) (قوله السمرقندى) هو الامام الجليل الحنفي أبو الليث المعروف بإمام الهدى: تفقه على أبى جعفر الهندوانى وتوفى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ولهم أبو الليث السمرقندى متقدم يلقب بالحافظ وهو الفرق بينهما، ذكره السمعاني. (*)

[ 15 ]

من حرصه على هدايتهم ورشدهم وإسلامهم وشدة ما يعنتهم ويضر بهم في دنياهم وأخراهم وعزته عليه ورأفته ورحمته بمؤمنيهم، قال بعضهم أعطاه اسمين من أسمائه رؤف رحيم ومثله في الآية الأخرى قوله تعالى (لفد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) الآية وفى الآية الأخرى (هو الذى بعث في الأميين رسولا منهم) الآية وقوله تعالى (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم) الآية، وروى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (من أنفسكم) قال نسبا وصهرا وحسبا ليس في آبائى من لدن آدم سفاح كلها نكاح قال ابن الكلبى كتبت للنبى صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم فما وجدت فيهم سفاحا ولا شيئا مما كان عليه الجاهلية، وعن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) قال من نبى إلى نبى حتى


(قوله وشده) هو بالجر والتأنيث عطف على حرصه، وعزته عطف على شدة والضمير لما والجار والمجرور أعنى عليه متعلق بالشدة أو بالعزة على طريق التنازع، والضمير المجرور فيه وفى رأفته وفى رحمته للنبى صلى الله عليه وسلم كالضمير في حرصه (قوله يعنتهم) بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه مخففا وبضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه مشددا. في القاموس: أعنته غيره وعنته شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه (قوله وحسبا) الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه (قوله سفاح) السفاح بكسر السين المهملة الزنا. (*)

[ 16 ]

أخرجتك نبيا، وقال جعفر بن محمد علم الله تعالى عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكى يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته، فأقام بينه وبينهم مخلوقا من جلسهم في الصورة، ألبسه من نعته الرأفة والرحمة، وأخرجه إلى الخلق سفيرا صادقا، وجعل طاعته طاعته، وموافقته موافقته فقال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقال الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال أبو بكر محمد بن طاهر: زين الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شئ من رحمته فهو الناجى في الدارين من كل مكروه والواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى أن الله تعالى يقول (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فكانت حياته رحمة ومماته رحمة كما قال صلى الله عليه وسلم (حياتي خير لكم وموتى خير لكم) وكما قال عليه الصلاة والسلام (إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا) وقال


(قوله جعفر بن محمد) هو جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب (قوله سفيرا) في الصحاح السفير الرسول والمصلح بين الخلق (قوله قال أبو بكر بن طاهر) هو ابن مفوز بن أحمد بن مغور المعافرى الشاطبي (قوله فكان كونه) أي وجود النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مصدر كان التامة اسم لكان الناقصة ورحمة خبر لها (قوله شمائله) الشمائل جمع شمال بكسر المعجمة وهو الخلق بضم الخاء وسكون اللام (قوله فرطا) بفتح الفاء والراء وهو الذى يتقدم الواردين فيهئ لهم ما يحتاجون إليه. (*)

[ 17 ]

السمرقندى (رحمة للعالمين) يعنى للجن والإنس، قيل لجميع الخلق: للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب قال ابن عباس رضى الله عنهما: هو رحمة للمؤمنين والكافرين، إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة، وحكى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام (هل أصابك من هذه الرحمة شئ) قال: نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل على بقوله (ذى قوة عند ذى العرش مكين. مطاع ثم أمين) وروى عن جعفر بن محمد الصادق في قوله تعالى (فسلام لك من أصحاب اليمين) أي بك إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى (الله نور السماوات والأرض) - الآية قال كعب الأحبار وابن جبير: المراد بالنور الثاني هنا: محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى (مثل نوره) أي نور محمد صلى الله عليه وسلم، وقال سهل بن عبد الله: المعنى الله هادى أهل السماوات والأرض، ثم قال مثل نور


(قوله كعب الأحبار) هو كعب بن ماتع - بالمثناة من فوق - ابن هينوع أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره وأسلم في خلافة أبى بكر وقيل في خلافة عمر رضى الله عنهما وكان قبل إسلامه على دين اليهود وسكن الين، توفى بحمص سنة اثنين وثلاثين (قوله وقال سهل بن عبد الله) يعنى التسترى، وتسر قال ابن خلكان: بلد من كورة الأهواز ويقول الناس لها (شستر) وبها قبر البراء بن مالك، وقال النووي - هو بمثناتين من فوق الأولى مضمومة والثانية مفتوحة بينهما سين مهملة - مدينة بخوزستان. (2 - 1) (*)

[ 18 ]

محمد إذ كان مستودعا في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا، وأراد بالمصباح قلبه، والزجاجة صدره: أي كأنه كوكب درى لما فيه من الإيمان والحكمة، يوقد من شجرة مباركة: أي من نور إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وضرب المثل بالشجرة المباركة، وقوله: يكاد زيتها يضئ: أي تكاد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تبين للناس قبل كلامه كهذا الزيت، وقد قيل في هذه الآية غير هذا والله أعلم، وقد سماه الله تعالى في القرآن في غير هذا الموضع نورا وسراجا منيرا فقال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) وقال تعالى (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) ومن هذا قوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك) إلى آخر السورة، شرح: وسع، والمراد بالصدر هنا: القلب، قال ابن عباس رضى الله عنهما: شرحه بنور الإسلام، وقال سهل: بنور الرسالة، وقال الحسن: ملأه حكما وعلما، وقيل معناه: ألم يطهر قلبك حتى لا يقبل الوسواس ؟ (ووضعنا عنك وزرك، الذى أنقض


(قوله كمشكاة) المشكاة الكوة في الحائط التى ليست بنافذة وقيل المراد بها في الآية القنديل وبالمصباح الفتيلة وقيل المراد بها معلاق القنديل وبالمصباح القنديل وقيل المراد بها موضع الفتيلة وبالمصباح الفتيلة الموقودة (قوله تبين) بفتح المثناة الفوقية وكسر الموحدة أي تظهر (قوله وقال الحسن) هو ابن أبى الحسن البصري مات سنة عشر ومائة. (*)

[ 19 ]

ظهرك): قيل ما سلف من ذنبك يعنى قبل النبوة، وقيل أراد ثقل أيام الجاهلية، وقيل أراد ما أثقل ظهره من الرسالة حتى بلغها. حكاه الماوردى والسلمى، وقيل عصمناك ولولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك. حكاه السمرقندى، (ورفعنا لك ذكرك): قال يحيى بن آدم: بالنبوة، وقيل إذا ذكرت ذكرت معى في قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل في الأذان والإقامة، قال الفقيه القاضى أبو الفضل: هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه صلى الله عليه وسلم على عظيم نعمه لديه وشريف منزلته عنده وكرامته عليه بأن شرح قلبه للإيمان والهداية ووسعه لوعى العلم وحمل الحكمة ورفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه وبغضه لسيرها وما كانت عليه بظهور دينه على الدين كله وحط عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم وتنويهه بعظيم مكانه وجليل رتبته ورفعة ذكره وقرانه مع اسمه اسمه، قال قتادة: رفع الله تعالى ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله: وروى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه أن النبي صلى


(قوله ثقل) هو بكسر المثلثة وفتح القاف ضد الخفة، وبكسر المثلثة وسكون القاف واحد الأثقال، وبفتحهما متاع المسافر وحشمه (قوله السلمى) هو بضم المهملة وفتح اللام أبو عبد الرحمن النيسابوري شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم (قوله أعباء الرسالة) جمع عب ء بكسر العين المهملة وسكون الموحدة بعدها همزة، في القاموس هو الحمل والثقل من أي شئ كان والعدل. (*)

[ 20 ]

الله عليه وسلم قال: (أتانى جبريل عليه السلام فقال إن ربى وربك يقول: تدرى كيف رفعت ذكرك ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معى) قال ابن عطاء: جعلت تمام الإيمان بذكرك معى، وقال أيضا: جعلتك ذكرا من ذكرى فمن ذكرك ذكرني. وقال جعفر بن محمد الصادق: لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية، وأشار بعضهم في ذلك إلى مقام الشفاعة، ومن ذكره معه تعالى أن قرن طاعته بطاعته واسمه باسمه فقال تعالى (وأطيعوا الله والرسول)، (وآمنوا بالله ورسوله) فجمع بينهما بواو العطف المشركة، ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه صلى الله عليه وسلم. حدثنا الشيخ أبو على الحسين بن محمد الجيانى الحافظ فيما أجازنيه وقرأته على الثقة عنه، قال حدثنا أبو عمر النمري قال حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن حدثنا أبو بكر بن داسة حدثنا أبو داود السجزى حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن منصور عن عبد الله ابن يسار عن حذيفة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال


(قوله قال ابن عطاء) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الآدمى الزاهد البغدادي أحد مشايخ الصوفية (قوله الجيانى) بالجيم المفتوحة والمثناة التحتية المشددة والنون: نسبة إلى بلد بالأندلس (قوله السجزى) بكسر المهملة وسكون الجيم وكسر الزاى. قال ابن ما كولا هي نسبة إلى سجستان على غير قياس وهو إقليم ذو مدائن بين خراسان والسند وكرمان. (*)

[ 21 ]

لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ما شاء الله ثم شاء فلان، قال الخطابى: أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة من سواه، واختارها بثم التى هي للنسق والتراخى بخلاف الواو التى هي للاشتراك، ومثله الحديث الآخر: أن خطيبا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (بئس خطيب القوم أنت، قم - أو قال - اذهب) قال أبو سليمان: كره منه الجمع بين الاسمين بحرف الكناية لما فيه من التسوية، وذهب غيره إلى أنه إنما كره له الوقوف على يعصهما. وقول أبى سليمان أصح لما روى في الحديث الصحيح أنه قال: ومن يعصهما فقد غوى، ولم يذكر الوقوف على يعصهما، وقد اختلف المفسرون وأصحاب المعاني في قوله تعالى (إن الله وملائكته


(قوله الخطابى) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة هو حمد بفتح المهملة وسكون الميم بعدها دال مهملة ابن إبراهيم بن خطاب الإمام الحافظ البستى والخطابى نسبة إلى جده ويقال إنه من نسل زيد بن الخطاب (قوله أن خطيبا خطب عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو ثابت بن قيس بن شماس (قوله وقول أبى سليمان أصح) قال النووي: الصواب أن سبب النهى أن الخطب شأنها الإيضاح واجتناب الرمز ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم لا كراهة الجمع بين الاسمين بالكتاب لأنه ورد في مواضع منها قوله عليه السلام أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. (*)

[ 22 ]

يصلون على النبي) هل يصلون راجعة على الله تعالى والملائكة أم لا ؟ فأجازه بعضهم، ومنعه آخرون لعلة التشريك وخصوا الضمير بالملائكة وقدروا الآية: إن الله يصلى وملائكته يصلون، وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: من فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك طاعته فقد قال تعالى) من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقد قال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) الآيتين، وروى أنه لما نزلت هذه الآية قالوا إن محمدا يريد أن نتخذه حنابا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله تعالى (قل أطيعوا الله والرسول) فقرن طاعته بطاعته رغما لهم، وقد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى في أم الكتاب (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم) قفال أبو العالية والحسن البصري: الصراط المستقيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيار أهل بيته وأصحابه، حكاه عنهما أبو الحسن الماوردى، وحكى مكى عنهما نحوه وقال هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما، وحكى أبو الليث السمرقندى مثله عن أبى العالية في قوله تعالى


(قوله حنانا) في الصحاح: الحنان الرحمة: وقال ابن الأثير: الحنان العطف ومنه قول ورقة ابن نوفل حين كان يمر ببلال وهو يعذب لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا (قوله رغما) بفتح الراء وسكون الغين المعجمة أي غيظا (قوله فقال أبو العالية) هما اثنان تابعيان من أهل البصرة أحدهما الرياحي بكسر الراء والآخر البراء بفتح الموحدة وتشديد الراء. (*)

[ 23 ]

(صراط الذين أنعمت عليهم) قال فبلغ ذلك الحسن فقال صدق والله ونصح. وحكى الماوردى ذلك في تفسير (صراط الذين أنعمت عليهم) عن عبد الرحمان بن زيد. وحكى أبو عبد الرحمان السلمى عن بعضهم في تفسير قوله تعالى (فقد استمسك بالعروة الوثقى) أنه محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل الإسلام، وقيل شهادة التوحيد، وقال سهل في قوله تعالى (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) قال نعمته بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى (والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) الآيتين: أكثر المفسرين على أن الذى جاء بالصدق هو محمد صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: وهو الذى صدق به، وقرئ صدق بالتخفيف، وقال غيرهم الذى صدق به المؤمنون، وقيل أبو بكر، وقيل على، وقيل غير هذا من الأقوال، وعن مجاهد في قوله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) قال بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. الفصل الثاني (في وصفه تعالى له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء والكرامة) قال الله تعالى (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) الآية، جمع الله تعالى له في هذه الآية ضروبا من رتب

[ 24 ]

الأثرة، وجملة أوصاف من المدحة، فجعله شاهدا على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة، وهى من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ومبشرا لأهل طاعته، ونذيرا لأهل معصيته، وداعيا إلى توحيده وعبادته، وسراجا منيرا يهتدى به للحق * حدثنا الشيخ أبو محمد بن عتاب، حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد، حدثنا أبو الحسن القابسى، حدثنا أبو زيد المروزى، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف، حدثنا البخاري، حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح، حدثنا هلال عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدى ورسولي، سميتك


(قوله الأثرة) بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما: الاستبداد بالشئ والانفراد به. اسم، من استأثر بالشئ: استبد به (قوله المدحة) هو بكسر الميم الثنا والذكر الحسن (قوله ابن عتاب) بالمهملة والمثناة المشددة والباء الموحدة هو مسند الأندلس في زمانه عبد الرحمن القرطبى الأندلسى (قوله أبو القاسم حاتم) هو المعروف بالأطرابلسى (قول القابسى) هو الحافظ على بن محمد بن خلف المعافرى القروى وإنما قيل له القابسى لأن عمه كان يشد عمامته شدة أهل قابس (قوله فليح) بضم الفاء وفتح اللام بعدها ياء ساكنة فحاء مهملة. هو ابن سليمان العدوى مولاهم (قوله وحرزا) بالمهملة المكسورة فالراء الساكنة فالزاي: أي حفظا (قوله للأميين) أي للعرب لأن الكتابة عندهم قليلة والأمى من لا يحسن الكتابة، نسبة إلى أمة العرب حين كانوا لا يحسنون الكتابة، أو لأم بمعنى أنه كما ولدته أمه. (*)

[ 25 ]

المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء: بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا) وذكر مثله عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، وفى بعض طرقه عن ابن إسحاق: ولا صخب في الأسواق ولا متزيل بالفحش: ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقولة، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدى به بعد الضلالة، وأعلم به


(قوله ليس بفظ) أي بسئ الخلق (ولا غليظ) أي شديد القول (قوله ولا سخاب) بالسين المهملة والخاء المعجمة المشددة من السخب وهى لغة ربيعة في الصخب وهو رفع الصوت (قوله الملة العوجاء) يعنى ملة إبراهيم لأن العرب غيرتها عن استقامتها فصارت كالعوجاء (قوله غلفا) بضم المعجمة وسكون اللام جمع أغلف وهو الشئ في غلاف وغشاء بحيث لا يوصل إليه (قوله ابن سلام) بتخفيف اللام لا غير هو الأنصاري الخزرجي كان اسمه في الجاهلية حصينا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله (قوله ولا صخب) هو بالصاد المهملة والخاء المعجمة المكسورة من الصخب وهو رفع الصوت في السوق في لغة غير ربيعة (قوله للخنا) بفتح المعجمة والقصر: الفحش (قوله إمامه) بكسر الهمزة (قوله أهدى) بفتح الهمزة أي أرشد (قوله وأعلم) بضم الهمزة وتشديد اللام. (*)

[ 26 ]

بعد الجهالة، ورفع به بعد الخمالة، وأسمى به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة وأهواء متشتتة وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس). وفى حديث آخر: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفته في التوراة: (عبدى أحمد المختار، مولده بمكة، ومهاجره بالمدينة - أو قال طيبة - أمته الحمادون لله على كل حال، وقال تعالى (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) الآيتين، وقد قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم) الآية، قال السمرقندى: ذكرهم الله تعالى منته أنه جعل رسوله صلى الله عليه وسلم رحيما بالمؤمنين، رئوفا، لين الجانت، ولو كان فظا خشنا في القول: لتفرقوا من حوله، ولكن جعله الله تعالى: سمحا، سهلا، طلقا، برا، لطيفا: هكذا قاله الضحاك. وقال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) قال


(قوله بعد الخمالة) في الصحاح: الخامل الساقط الذى لا نباهة له وقد خمل يخمل خمولا وفى أفعال ابن القطاع خمل خمولا: خفى ذكره (قوله وأسمى) بضم الهمزة وتشديد الميم (قوله وأغنى) بضم الهمزة وسكون المعجمة (قوله بعد العيلة هي بفتح المهملة الفقر (قوله سمحا) بفتح السين المهملة وسكون الميم أي جوادا (قوله طلقا) بسكون اللام أي منبسط الوجه متهلله، يقال طلق الرجل بالضم فهو طلق (قوله الظحاك) هو ابن مزاحم الهلالي الخراساني يروى عن أبى هريرة وابن عباس وابن عمر وأنس. (*)

[ 27 ]

أبو الحسن القابسى: أبان الله تعالى فضل نبينا صلى الله عليه وسلم وفضل أمته بهذه الآية، وفى قوله في الآية الأخرى (وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) وكذلك قوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) الآية، وقوله تعالى (وسطا) أي عدولا خيارا، ومعنى هذه الآية: وكما هديناكم فكذلك خصصناكم وفضلناكم بأن جعلناكم أمة خيارا عدولا لتشهدوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أممهم ويشهد لكم الرسول بالصدق، قيل إن الله جل جلاله إذا سأل الأنبياء: هل بلغتم ؟ فيقولون: نعم، فتقول أممهم: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فتشهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء، ويزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل معنى الآية: إنكم حجة على كل من خالفكم، والرسول صلى الله عليه وسلم حجة عليكم، حكاه السمرقندى، وقال تعالى (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) قال قتادة والحسن وزيد بن أسلم: قدم صدق هو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم، وعن الحسن أيضا: هي مصيبتهم بنبيهم، وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه هي شفاعة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، هو شفيع صدق عند ربهم وقال سهل بن عبد الله التسترى: هي سابقة رحمة أودعها في محمد صلى الله

[ 28 ]

عليه وسلم وقال محمد بن على الترمذي: هو إمام الصادقين والصديقين: الشفيع المطاع، والسائل المجاب: محمد صلى الله عليه وسلم. حكاه عنه السلمى الفصل الثالث فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة والمبرة فمن ذلك قوله تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم) قال أبو محمد مكى قيل هذا افتتاح كلام بمنزلة: أصلحك الله، وأعزك الله. وقال عون بن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب، حكى السمرقندى عن بعضهم أن معناه: عافاك الله با سليم القلب لم أذنت لهم، قال ولو بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لم أذنت لهم، لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه، ثم قال له: لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب ؟ وفى هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذى لب، ومن إكرامه إياه وبره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب، قال


(قوله محمد بن على الترمذي) هو الإمام الحافظ الزاهد المؤذن صاحب التصانيف الحكيم الترمذي (قوله عون) هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلى الكوفى الزاهد الفقيه يروى عن أبى هريرة وابن عباس وغيرهما (قوله قبل أن يخبره) بضم المثناة التحتية وسكون المعجمة وكسر الموحدة الخفيفة أو بفتح المعجمة وتشديد الموحدة، في الصحاح: أخبرته وخبرته بمعنى (قوله ولو بدأ) هو مهموز من الابتداء (قوله على ذى لب) اللب العقل (قوله نياط القلب) بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية: عرق يعلق به القلب من الوتين إذا قطع مات صاحبه. (*)

[ 29 ]

نفطويه: ذهب ناس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان مخيرا، فلما أذن لهم أعلمه الله تعالى أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم. قال الفقيه القاضى وفقه الله تعالى: يجب على المسلم المجاهد نفسه ارائض بزمام الشريعة خلقه أن يتأدب بآداب القرآن في قوله وفعله ومعاطاته ومحاوراته، فهو عنصر المعارف الحقيقة وروضة الآداب الدينية والدنيوية، وليتأمل هذه الملاطفة العجيبة في السؤال من رب الأرباب: المنعم على الكل، المستغنى عن الجميع ويستشير ما فيها من الفوائد وكيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب، وآنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثم ذنب. وقال تعالى (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم


(قوله نفطويه) النحوي الواسطي قال ابن الصلاح أهل العربية يقولونه، ونظائره بواو مفتوحة مفتوح ما قبلها ساكن ما بعدها، ومن ينحوها نحو الفارسية يقولها بواو ساكنة مضموم ما قبلها مفتوح ما بعدها وبعدها هاء والتاء خطأ، سمعت الحافظ أبا العلاء يقول: أهل الحديث لا يحبون ويه أي يقولون نفطويه مثلا بوابو ساكنة تأدبا من أن يقع في آخر الكلام ويه انتهى (قوله الرائض بزمام الشرعية) رضت المهر إذا ذللته وجعلته طوع إرادتك، والزمام هنا مستعار للأحكام أي أحكام الشريعة (قوله ومحاوراته) هو بالحاء المهملة جمع محاورة وهى المجاوبة (قوله هو عنصر) العنصر بضم الصاد المهملة وفتحها: الأصل (قوله المنعم على الكل) في الصحاح وكل لفظه واحد ومعناه جمع، فعلى هذا تقول كل حضرت وكل حضروا على اللفظ مرة وعلى المعنى أخرى. وكل وبعض معرفتان ولم يجئ عن العرب بالألف واللام، وهو جائز لأن فيها معنى الإضافة أضيفت أم لم تضف انتهى. (*)

[ 30 ]

شيئا قليلا) قال بعض المتكلمين: عاتل الله الأنبياء صلوات اللهم عليهم بعد الزلات، وعاتب نبينا صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه، ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية، ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه وخيف أن يركن إليه. ففى أثناء عتبه براءته، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته، ومثله قوله تعالى (قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك) الآية. قال على رضى الله عنه: قال أبو جهل للنبى صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب مما جئت به، فأنزل الله تعالى (فإنهم لا يكذبونك) الآية. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبه قومه: حزن، فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال: ما يحزنك ؟ قال: كذبني قومي، فقال إنهم يعلمون أنك صادق، فأنزل الله تعالى الآية، ففى هذه الآية منزع لطيف المأخذ من تسليته تعالى له صلى الله عليه وسلم، وإلطافه في القول: بأن قرر عنده أنه صادق عندهم، وأنهم غير مكذبين له، معترفون بصدقه قولا واعتقادا، وقد كانوا يسمونه قبل النبوة الأمين، فدفع بهذا التقرير ارتماض نفسه بسمة الكذب، ثم جعل


(قوله ما يحزنك) يقال حزنه وأحزنه (قوله منزع) بفتح الميم والزاى وهو ما يرجع إليه الرجل من أمره (قوله وإلطافه) بكسر الهمزة مصدر ألطفه بكذا: بره به (قوله ارتماص) هو بالراء الساكنة والمثناة المكسورة والضاد المعجمة مصدر ارتمض الرجل من كذا: اشتد عليه وأقلقه. (*)

[ 31 ]

الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين فقال تعالى (ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) وحاشاه من الوصم، وطرقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة الظلم، إذ الجحد إنما يكون ممن علم الشئ ثم أنكره كقوله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) ثم عزاه وآنسه بما ذكره عمن قبله ووعده بالنصر بقوله تعالى (ولقد كذبت رسل من قبلك) الآية، فمن قرأ لا يكذبونك بالتخفيف فمعاه لا يجدونك كاذبا، وقال الفراء والكسائي: لا يقولون إنك كاذب، وقيل لا يحتجون على كذبك ولا يثبتونه، ومن قرأ بالتشديد فمعناه لا ينسبونك إلى الكذب، وقيل لا يتعقدون كذبك. ومما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم، فقال: يا آدم يا نوح يا إبراهيم يا موسى يا داود يا عيسى يا زكريا يا يحيى، ولم يخاطب هو إلا: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر. الفصل الرابع في قسمه تعالى بعظيم قدره قال الله تعالى: لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون) اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه


(قوله من الوصم) أي من العيب (قوله عزاه) بتشديد الزاى: أي صبره. (*)

[ 32 ]

وسلم، وأصله ضم العين من العمر ولكنها فتحت لكثرة الاستعمال، ومعناه: وبقائك يا محمد، وقيل وعيشك، وقيل: وحياتك، وهذه نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف. قال ابن عباس رضى الله عنهما: ما خلق الله تعالى وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم. وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره، وقال أبو الجوزاء: ما أقسم الله تعالى بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده، وقال تعالى (يس والقرآن الحكيم) الآيات، اختلف المفسرون في معنى (يس) على أقوال، فحكى أبو محمد مكى أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لى عند ربى عشرة أسماء ذكر منها منها أن طه ويس اسمان له، وحكى أبو عبد الرحمان السلمى عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس (يس) يا إنسان أراد محمدا صلى الله عليه وسلم، وقال هو قسم وهو من أسماء الله تعالى وقال الزجاج قيل معناه يا محمد وقيل يا رجل وقيل يا إنسان، وعن ابن الحنفية يس يا محمد وعن كعب يس قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفى عام يا محمد إنك لمن المرسلين،


(قوله أبو الجوزاء) هو بفتح الجيم فواو ساكنة فزاى فهمزة ممدودة: أوس بن عبد الله الربعي البصري يروى عن عائشة وغيرها، وأما أبو الحوراء بالحاء المهملة والراء فراوي حديث القنوت (قوله الزجاج) هو أبو إسحاق إبراهيم النحوي، إليه ينسب عبد الرحمن الزجاجي صاحب الجمل. (*)

[ 33 ]

ثم قال (والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين) فإن قدر أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم ويؤكد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده وعلى صراط مستقيم من إيمانه أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق، قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له. وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيد ما فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وقال تعالى (لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد) قيل لا أقسم به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه حكاه مكى، وقيل لا زائدة أي أقسم به وأنت به يا محمد حلال أو حل لك ما فعلت فيه على التفسيرين، والمراد بالبلد عند هؤلاء مكة، وقال الواسى أي يحلف لك بهذا البلد الذى شرفته بمكانك فيه حيا وببركتك ميتا يعنى المدينة والأول أصح لأن السورة مكية وما بعده يصححه قوله تعالى (حل بهذا البلد) ونحوه قول ابن عطاء في تفسير قوله تعالى (وهذا البلد الأمين) قال أمنها الله تعالى بمقامه فيها وكونه بها فإن كونه أمان حيث كان


(قوله قال النقاش) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي البغدادي المقرى المفسر. (3 - 1) (*)

[ 34 ]

ثم قال تعالى (ووالد وما ولد) من قال أراد آدم فهو عام ومن قال هو إبراهيم وما ولد فهى إن شاء الله تعالى إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فتتضمن السورة القسم به صلى الله عليه وسلم في موضعين * وقال تعالى (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه) قال ابن عباس هذه الحروف أقسام أقسم الله تعالى بها، وعنه وعن غيره فيها غير ذلك وقال سهل بن عبد الله التسترى: الألف هو الله تعالى واللام جبرئيل والميم محمد صلى الله عليه وسلم، وحكى هذا القول السمرقندى ولم ينسبه إلى سهل وجعل معناه الله أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لا ريب فيه، وعلى الوجه الأول يحتمل القسم أن هذا الكتاب حق لا ريب فيه ثم فيه من فضيلة قرآن اسمه باسمه نحو ما تقدم، وقال ابن عطاء في قوله تعالى (ق والقرآن المجيد) أقسم بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله وقيل هو اسم للقرآن وقيل هو اسم لله تعالى وقيل جبل محيط بالأرض وقيل غير هذا، وقال جعفر بن محمد في تفسير (والنجم إذا هوى) إنه محمد صلى الله عليه وسلم وقال: النجم قلب محمد صلى الله عليه وسلم، هوى انشرح من الأنوار وقال انقطع عن غير الله وقال ابن عطاء في قوله تعالى (والفجر وليال عشر) الفجر محمد صلى الله عليه وسلم لأن منه تفجر الإيمان.

[ 35 ]

الفصل الخامس في قسمه تعالى جده له لتحقق مكانته عنده، قال جل اسمه (والضحى والليل إذا سجى) السورة، اختلف في سبب نزول هذه السورة فقيل كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل لعذر نزل به فتكلمت امرأة في ذلك بكلام وقيل بل تكلم به المشركون عند فترة الوحى فنزلت السورة. قال الفقيه القاضى وفقه الله تعالى: تضمنت هذه السورة من كرامة الله تعالى له وتنويهه به وتعظيمه إياه ستة وجوه: الأول القسم له عما أخبره به من حاله بقوله تعالى (والضحى والليل إذا سجى) أي ورب الضحى وهذا من أعظم درجات المبرة، الثاني بيان مكانته عنده وحظوته لديه بقوله تعالى (ما ودعك ربك وما قلى) أي ما تركك وما أبغضك وقيل ما أهملك بعد أن اصطفاك، الثالث قوله تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) قال ابن إسحق أي مالك في مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا، وقال سهل: أي ما ادخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير لك


(قوله فتكلمت امرأة) روى الحاكم في المستدرك في تفسير سورة الضحى أنها امرأة أبى لهب أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان بن حرب واسمها العوراء (قوله وحظوته بالحاء المهملة المضمومة والظاء المعجمة الساكنة من حظيت المرأة عند زوجها. واعلم أن كل اسم على فعلة لامه واو بعدها هاء التأنيس فإنه مثلث الفاء (*)

[ 36 ]

مما أعطيتك في الدنيا، الرابع قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة وأنواع السعادة وشتات الإنعام في الدارين والزيادة، قال ابن إسحق يرضيه بالفلج في الدنيا والثواب في الآخرة وقيل يعطيه الحوض والشفاعة، وروى عن بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس آية في القرآن أرجى منها، ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد من أمته النار، الخامس ما عده تعالى عليه من نعمه وقرره من آلائه قبله في بقية السورة منه دايته إلى ما هداه له أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير ولا مال له فأغناه بما آناه أو بما جعله في قلبه


(قوله بالفلج) هو بضم الفاء وسكون اللام، بعدها جيم: الفوز والظفر كالإفلاج (قوله عن بعض آله عليه السلام) هو على بن أبى طالب ذكره الثعلبي في تفسيره (قوله ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد من أمته النار) قيل ظاهر الآية مع هذه المقدمة يدل على أن أحدا من أمته صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار، والجواب أنه إنما يدل على ذلك لو كان حصول الإعطاء الموعود به في الآية قبل أن يدخل أحد من أمته النار ولم يقم دليل على ذلك بل جاز أن يكون بعده فإنه مستقبل في القيامة ولو سلم فتلك الدلالة متروكة الظاهر بالأدلة القائمة على أن بعض العصاة من أمته يدخلون النار ثم يخرجون منها لشفاعته صلى الله عليه وسلم (قوله من آلائه) أي نعمه جمع ألا - بفتح الهمزة والتنوين - كرحى، وقيل بكسرها وبالتنوين كمعى، وقيل بفتحها. وسكون اللام وبالواو كدلو، وقيل بكسرها وسكون اللام وبالياء كنحى (قوله قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة أي عنده. (*)

[ 37 ]

من القناعة والغنى ويتيما فحدب عليه عمه وآواه إليه وقيل آواه إلى الله وقيل يتيما لا مثال لك فآواك إليه، وقيل المعنى ألم يجدك فهدى بك ضالا وأغنى بك عائلا وآوى بك يتيما ؟ ذكره بهذه المنن وأنه على المعلوم من التفسير لم يهمله في حال صغره وعيلته ويتمه وقبل معرفته به ولا ودعه ولا قلاه فكيف بعد اختصاصه واصطفائه ؟ السادس أمره بإظهار نعمته عليه وشكر ما شرفه به بنشره وإشادة ذكره بقوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) فإن من شكر النعمة التحدث بها وهذا خاص له عام لأمته * وقال تعالى (والنجم إذا هوى) إلى قوله تعالى (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) اختلف المفسرون في قوله تعالى (والنجم) بأقاويل معروفة منها النجم على ظاهره ومنها القرآن وعن جعفر بن محمد أنه محمد صلى الله عليه وسلم وقال هو قلب محمد صلى الله عليه وسلم وقد قيل في قوله تعالى (والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب) إن النجم هنا أيضا محمد صلى الله عليه وسلم حكاه السلمى، تضمنت هذه الآيات من فضله وشرفه العد ما يقف دونه العد وأقسم جل اسمه على


(قوله فحدب) بحاء مهملة مفتوحة فدال مهملة مكسورة فموحدة، في الصحاح حدب عليه ويحدب أي يعطف (قوله عمه) هو أبو طالب واسمه عبد مناف على الصحيح وقيل اسمه كنيته (قوله وإشادة ذكره) هو مصدر أشاد بذكره - بالدال - أي رفع من قدره (قوله وشرفه العد) بكسر العين المهملة أي الذى لا ينقطع مادته يقال ماء عد أي دائم لا انقطاع له كماء العين والبئر. (*)

[ 38 ]

هداية المصطفى وتنزيهه عن الهوى وصدقه فيما تلا وأنه وحى يوحى أوصله إليه عن الله جبرئيل وهو الشديد القوى ثم أخبر تعالى عن قضيلته بقصة الإسراء وانتهائه إلى سدرة المنتهى وتصديق بصره فيما رأى وأنه رأى من آيات ربه الكبرى وقد نبه على مثل هذا في أول سورة الإسراء، ولما كان ما كاشفه صلى الله عليه وسلم من ذلك الجبروت وشاهده من عجائب الملكوت لا تحيط به العبارات ولا تستقل بحمل سماع أدناه العقول رمز عنه تعالى بالإيماء والكناية الدالة على التعظيم فقال تعالى (فأوحى إلى عبده ما أوحى) وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة بالوحى والإشارة وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز وقال لقد رأى من آيات ربه الكبرى انحسرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى، قال القاضى أبو الفضل اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى بتزكية جملته صلى الله عليه وسلم وعصمتها من الآفات في هذا المسرى فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه، فقلبه بقوه تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) ولسانه بقوله (وما ينطق عن الهوى) وبصره بقوله (ما زاغ البصر وما طغى * وقال تعالى (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) إلى قوله (وما هو بقول شيطان رجيم)


(قوله الجبروت) هو فعلوت من الجبر وهو القهر كالملكوت من الملك، والرهبوت من الرهبة، والرحموت من الرحمة (قوله رمز عنه) الرمز الإشارة. (*)

[ 39 ]

لا أقسم أي أقسم إنه لقول رسول كريم أي كريم عند مرسله ذى قوة على تبليغ ما حمله من الوحى مكين أي متمكن المنزلة من ربه رفيع المحل عنده مطاع ثم أي في السماء أمين على الوحى، قال على بن عيسى وغيره: الرسول الكريم هنا محمد صلى الله عليه وسلم فجميع الأوصاف بعد على هذا له وقال غيره هو جبريل فترجع الأوصاف إليه ولقد رآه يعنى محمد صلى الله عليه وسلم قيل رأى ربه وقيل رأى جبريل في صورته وما هو على الغيب بظنين أي بمتهم ومن قرأها بالضاد فمعناه ما هو ببخيل بالدعاء به والتذكير بحكمه وبعلمه وهذه لمحمد صلى الله عليه وسلم باتفاق * وقال تعالى (ن والقلم) الآيات أقسم الله تعالى بما أقسم به من عظيم قسمه على تنزيه المصطفى مما غمصته الكفرة به وتكذيبهم له وآنسه وبسط أمله بقوله محسنا خطابه (ما أنت بنعمه ربك بمجنون) وهذه نهاية المبرة في المخاطبة وأعلى درجات الآداب في المحاورة ثم أعلمه بما له عنده من نعيم دائم وثواب غير منقطع لا يأخذه عد ولا يمن به عليه فقال وإن لك لأجرا غير ممنون ثم أثنى عليه بما منحه من


(قوله على بن عيسى) الظاهر أنه الرماني النحوي، توفى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة له تفسير القرآن أخذ الأدب عن أبى دريد وغيره قال ابن خلكان يجوز أن يكون نسبته إلى الرمان وبيعه وأن يكون إلى قصر الرمان وهو قصر بواسط معروف (قوله غمصته) بفتح المعجمة والميم وبعدهما صاد مهملة، قال ابن القطاع: غمص الناس احتقارهم والطعن عليهم. (*)

[ 40 ]

هباته وهداه إليه وأكد ذلك تتميما للتمجيد بحرفى التأكيد فقال تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) قيل القرآن وقيل الإسلام وقيل الطبع الكريم وقيل ليس لك همة إلا الله، قال الواسطي أثنى عليه بحسن قبوله لما أسداه إليه من نعمه وفضله بذلك على غيره لأنه جبله على ذلك الخلق فسبحان اللطيف الكريم المحسن الجواد الحميد الذى يسر للخير وهدى إليه، ثم أثنى على فاعله وجازاه عليه سبحانه ما أغمر نواله وأوسع إفضاله ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما وعده به من عقابهم وتوعدهم بقوله (فستبصر ويبصرون) الثلاث الآيات ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه وذكر سوء خلقه وعد معايبه متوليا ذلك بفضله ومنتصرا لنبيه صلى الله عليه وسلم فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه بقوله تعالى (فلا تطع المكذبين) إلى قوله (أساطير الأولين) ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه وخاتمة بواره بقوله تعالى (سنسمه على الخرطوم) فكانت نصرة الله تعالى لم أتم من نصرته لنفسه ورده تعالى على عدوه أبلغ من رده وأثبت في ديوان مجده.


(قوله ما أغمر نواله) هو بالغين المعجمة أي ما أكثره، والنوال: العطاء. (قوله بضع عشرة خصلة) البضع في العدد بكسر الموحدة وفتحها من ثلاث إلى تسعة وقيل ما بين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد، والخصلة بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة. (*)

[ 41 ]

الفصل السادس فيما ورد من قوله تعالى في جهته صلى الله عليه وسلم مورد الشفقة والإكرام قال تعالى (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) قيل طه اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم وقيل هو اسم لله وقيل معناه يا رجل وقيل يا إنسان وقيل هي حروف مقطعة لمعان، قال الواسطي أراد يا طاهر يا هادى وقيل هو أمر من الوطء والهاء كناية عن الأرض أي اعتمد على الأرض بقدميك ولا تتعب نفسك بالاعتماد على قدم واحدة وهو قوله تعالى (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) نزلت الآية فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلفه من السهر والتعب وقيام الليل، أخبرنا القاضى أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن وغير واحد عن القاضى أبو الوليد الباجى إجازة ومن أصله نقلت قال حدثنا أبو ذر الحافظ


(قوله من الوطء) هو بفتح الواو وسكون المهملة وبهمزة: الاعتماد على القدم (قوله أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن) هو الفقيه القاضى ابن عبد الرحمن بن على بن سيرين أحد العلماء الصلحاء من رجال الأندلس، صحب القاضى أبا الوليد الباجى واختص به (قوله الباجى) هو الإمام صاحب التصانيف أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد ابن أيوب، أصله من مدينة بطليوس وانتقل جده إلى مدينة باجة التى بقرب أشبيلية ونسب إليها، وقيل هو من باجة القيروان التى ينسب إليها أبو محمد الباجى الحافظ، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وأربعمائة.

[ 42 ]

حدثنا أبو محمد الحموى حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشى حدثنا عبد ابن حميد حدثنا هاشم بن القاسم عن أبى جعفر عن الربيع بن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله تعالى (طه) يعنى طإ الأرض يا محمد (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) الآية، ولا خفاء بما في هذا كله من الإكرام وحسن المعاملة، وإن جعلنا طه من أسمائه صلى الله عليه وسلم كما قيل أو جعلت قسما لحق الفصل بما قبله، ومثل هذا من نمط الشفقة والمبرة قوله تعالى (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) أي قاتل نفسك لذلك غضبا أو غيظا أو جزعا ومثله قوله تعالى أيضا (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) ثم قال تعالى (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) * ومن هذا الباب قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) إلى قوله تعالى (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) إلى آخر السورة وقوله (ولقد استهزئ برسل من قبلك) الآية قال مكى سلاه تعالى بما ذكر وهون عليه


(قوله الحموى) بفتح المهملة وضم الميم المشددة وكسر الواو وياء: للنسبة إلى جده حمويه وحموبه بلسان المصامدة عبارة عن محمد. (قوله ابن خزيم) بالمعجمة المضمومة والزاى المفتوحة. (قوله عن الربيع عن أنس) هو بفتح الراء: بصرى نزل خراسان يروى عن أنس. (قوله نمط الشفقة) أي نوعها والنمط في الأصل نوع من أنواع البسط ولا يستعمل في غيره في الأكثر إلا مقيدا. (*)

[ 43 ]

ما يلقاه من المشركين وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بمن قبله ومثل هذه التسلية قوله تعالى (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) ومن هذا قوله تعالى (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون) عزاه الله تعالى بما أخبر به عن الأمم السالفة ومقالتها لأنبيائهم قبله ومحنتهم بهم وسلاه بذلك عن محنته بمثله من كفار مكة وأنه ليس أول من لقى ذلك ثم طيب نفسه وأبان عذره بقوله تعالى (فتول عنهم) أي أعرض عنهم (فما أنت بملوم) أي في أداء ما بلغت وإبلاغ ما حملت ومثله قوله تعالى (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) أي اصبر على أذاهم فإنك بحيث نراك ونحفظك، سلاه الله تعالى بهذا في آى كثيرة من هذا المعنى. الفصل السابع فيما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز من عظيم قدره وشريف منزلته على الأنبياء وحظوة رتبته عليهم قال الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة) إلى قوله (من الشاهدين) قال أبو الحسن القابسى استخص


(قوله يحل به) في الصحاح حل العذاب يحل بالكسر أي وجب ويحل بالضم أي نزل، وقرئ (فيحل عليكم غضبى) وأما قوله تعالى (أو يحل قريبا) فبالضم أي ينزل. (*)

[ 44 ]

الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسقلم بفضل لم يؤته غيره أبانه به وهو ما ذكره في هذه الآية، قال المفسرون أخذ الله الميثاق بالوحى فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه لا يؤمنن به وقيل أن يبينه لقومه ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم، وقوله ثم جاءكم: الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، قال على بن أبى طالب رضى الله عنه لم يبعث الله نبيا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذن العهد بذلك على قومه. ونحوه عن السدى وقتادة في آى تضمنت فضله من غير وجه وحد: قال الله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية وقال تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح - إلى قوله -


(قوله ولينصرنه ويأخذن) بفتح الذال عطف على ما قبله ونون التوكيد مراده نحو لا تهينن الفقير. (قوله ونحوه عن السدى) هو بضم السين وتشديد الدال المهملتين نسبة إلى السدة وهى الباب وهما اثنان كوفيان تابعي كبير وهو إسمعيل بن عبد الرحمن يروى عن ابن عباس وأنس وهو المراد هنا، قال أبو الفتح اليعمرى في السيرة في تحويل القبلة كان يجلس في المدينة في مكان يقال له اللسدة فنسب إليه انتهى، وقال الحافظ عبد الغنى في الكمال كان يقعد في سدة باب الجامع بالكوفة فسمى السدى انتهى، وفى الصحاح للجوهري والسدة باب الدار تقول رأيته قاعدا بسدة باب داره، وسمى اسمعيل السدى لأنه كان يبيع الحمر وللقانع في سدة مسجد الكوفة، وهى ما يبقى من الطاق المسدودة انتهى. وتابعي صغير وهو محمد بن مروان يروى عن هشام بن عروة والأعمش منزول منهم. (*)

[ 45 ]

شهيدا) روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال في كلام بكى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا: قال قتادة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث فلذلك وقع ذكره مقدما هنا قبل نوح وغيره قال السمرقندى في هذا تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم لتخصيصه بالذكر قبلهم وهو آخرهم بعثا، المعنى أخذ الله تعالى عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم كالذر وقال تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) الآية قال أهل التفسير أراد بقوله ورفع بعضهم درجات محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه بعث إلى الأحمر والأسود وأحلت له الغنائم وظهرت على يديه المعجزات وليس أحد من الأنبياء أعطى فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم مثلها قال بعضهم ومن فضله أن الله تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم وخاطبه


(قوله بعث إلى الأحمر والأسود) أي العرب والعجم لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض وعلى ألوان العرب الأدمة والسمرة، وقيل الجن والإنس، وقيل الأحمر: الأبيض مطلقا فإن العرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء. (*)

[ 46 ]

بالنبوة والرسالة في كتابه فقال يا أيها النبي ويا أيها الرسول وحكى السمرقندى عن الكلبى في قوله تعالى (وإن من شيعته لإبراهيم) أن الهاء عائدة على محمد صلى الله عليه وسلم أي إن من شيعة محمد لإبراهيم أي على دينه ومنهاجه، وأجازه الفراء وحكاه عنه مكى، وقيل المراد نوح عليه السلام. الفصل الثامن في إعلال الله تعالى خلقه بصلاته عليه وولايته له ورفعه العذاب بسببه قال الله تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) أي ما كنت بمكة فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وبقى فيها من بقى من المؤمنين نزل (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) وهذا مثل قوله (لو تزيلوا لعذبنا) الآية وقوله تعالى (ولولا رجال مؤمنون) الآية فلما هاجر المؤمنون نزلت (وما لهم ألا يعذبهم الله) وهذا من أبين ما يظهر مكانته صلى الله عليه وسلم ودرأته العذاب عن أهل مكة بسبب كونه ثم كون أصحابه بعده بين أظهرهم فلما خلت مكة منهم عذبهم الله بتسليط المؤمنين عليهم وغلبتهم إياهم وحكم فيهم سيوفهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وفى الآية أيضا تأويل آخر * حدثنا القاضى الشهيد أبو على رحمه الله بقراءتي عليه قال حدثنا أبو الفضل


(قوله منهاجه) المنهاج الطريق الواضح. (*)

[ 47 ]

ابن خيرون وأبو الحسين الصيرفى قالا حدثنا أبو يعلى بن زوج الحرة حدثنا أبو على السنجى حدثنا محمد بن محبوب المروزى حدثنا أبو عيسى الحافظ حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابن نمير عن إسمعيل بن إبراهيم ابن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبى بردة بن أبى موسى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله على أمانين لأمتى: ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار، ونحو منه قوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال صلى الله عليه وسلم أنا أمان لأصحابي. قيل من البدع وقيل من الاختلاف والفتن قال بعضهم الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأمان الأعظم ما عاش وما دامت سنته باقية فهو باق فإذا أميتت سنته فانتظروا البلاء والفتن وقال الله تعالى (إن الله وملائكته يلون على النبي) الآية، أبان الله تعالى فضل نبيه صلى الله عليه وسلم بصلاته عليه ثم بصلاة ملائكته وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض العلماء تأول قوله صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عينى في الصلاة على هذا أي في صلاة الله تعالى على


(قوله وأبو الحسين الصيرفى) هو تصغير حسن وهو المبارك بن عبد الجبار وفى بعض النسخ حسن وليس بحسين. (قوله عن عباد بن يوسف) قال المزني في أطرافه عبادة بن يوسف ويقال ابن سعيد والصحيح عباد. (قوله عن أبى بردة بن أبى موسى) قيل اسمه الحارث وقيل عامر، قال النووي وهو الصحيح المشهور. (*)

[ 48 ]

وملائكته وأمره الأمة بذلك إلى يوم القيامة والصلاة من الملائكة ومنا له دعاء ومن الله عز وجل رحمة وقيل يصلون يباركون وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم حين علم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة والبركة وسنذكر حكم الصلاة عليه وذكر بعض المتكلمين في تفسير حروف (كهيعص) أن الكاف من كاف أي كفاية الله لنبيه قال تعالى (أليس الله بكاف عبده) والهاء هدايته له قال (ويهديك صراطا مستقيما) والياء تأييده قال (وأيدك بنصره) والعين عصمته له قال: (والله يعصمك من الناس) والصاد صلاته عليه قال (إن الله وملائكته يصلون على النبي) وقال تعالى (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه) الآية مولاه أي وليه وصالح المؤمنين قيل الأنبياء وقيل الملائكة وقيل أبو بكر وعمر وقيل على رضى الله عنهم أجمعين وقيل المؤمنون على ظاهره. الفصل التاسع فيما تضمنته سورة الفتح من كراماته صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) إلى قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) تضمنت هذه الآيات من فضله والثناء عليه وكريم منزلته عند الله تعالى ونعمته لديه ما يقصر الوصف عن الانتهاء إليه فابتدأ جل جلاله بإعلامه بما قضاه له من القضاء البين بظهور

[ 49 ]

وغلبته على عدوه وعلو كلمته وشريعته وأنه مغفور له غير مؤاخذ بما كان وما يكون قال بعضهم أراد غفران ما وقع وما لم يقع أي أنك مغفور لك وقال مكى جعل الله المنة سببا للمغفرة وكل من عنده لا إله غيره منة بعد منة وفضلا بعد فضل ثم قال ويتم نعمته عليك قيل بخضوع من تكبر لك وقيل بفتح مكة والطائف وقيل يرفع ذكرك في الدنيا وينصرك ويغفر لك فأعلمه تمام نعمته عليه بخضوع متكبرى عدوه له وفتح أهم البلاد عليه وأحبها له ورفع ذكره وهدايته الصراط المستقيم المبلغ الجنة والسعادة ونصره النصر العزيز ومنته على أمته المؤمنين بالسكينة والطمأنينة التى جعلها في قلوبهم وبشارتهم بما لهم عند ربهم بعد وفوزهم العظيم والعفو عنهم والستر لذنوبهم وهلاك عدوه في الدنيا والآخرة ولعنهم وبعدهم من رحمته وسوء منقلبهم ثم قال (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) الآية فعد محاسنه وخصائصه من شهادته على أمته لنفسه بتبليغه الرسالة لهم وقيل شاهدا لهم بالتوحيد ومبشرا لأمته بالثواب وقيل بالمغفرة ومنذرا عدوه بالعذاب وقيل مخدرا من الضلالات ليؤمن بالله تم به من سبقت له من الله الحسنى ويعزروه أي يجلونه وقيل ينصرونه وقيل يبالغون في تعظيمه ويوقروه أي يعظمونه وقرأه


(قوله بخضوع من تكبر لك) الجار والمجرور متعلق بخضوع (قوله وسوء منقلبهم) أي انقلابهم (قوله يعزروه) بمهملة وزاى وراء أي يوقروه. (4 - 1) (*)

[ 50 ]

بعضهم (ويعززوه) بزاءين من العز والأكثر والأظهر أن هذا في حق محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال (ويسبحوه) فهذا راجع إلى الله تعالى قال ابن عطاء جمع للنبى صلى الله عليه وسلم في هذه السورة نعم مختلفة من الفتح المبين وهى من أعلام الإجابة والمغفرة وهى من أعلام المحبة وتمام النعمة وهى من أعلام الاختصاص والهداية وهى من أعلام الولاية فالمغفرة تبرئة من العيوب وتمام النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة والهداية وهى الدعوة إلى المشاهدة: وقال جعفر بن محمد من تمام نعمته عليه أن جعله حبيبه وأقسم بحياته ونسخ به شرائع غيره وعرج به إلى المحل الأعلى وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى وبعثه إلى الأحمر والأسود وأحل له ولأمته الغنائم وجعله شفعا مشفعا وسيد ولد آدم وقرن ذكره بذكره ورضاه برضاه وجعله أحد ركني التوحيد ثم قال (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) يعنى بيعة الرضوان أي إنما يبايعون الله ببيعتهم إياك (يد الله فوق أيديهم) يريد عند البيعة قيل قوة الله وقيل ثوابه وقيل منته وقيل عقده، وهذه استعارات وتجنيس في الكلام وتأكيد لعقد بيعتهم إياه وعظم شأن المبايع صلى الله عليه وسلم وقد يكون من هذا قوله تعالى (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وإن كان الأول


(قوله تبرئة) بالموحدة بعد المثناة الفوقية وبالراء، أو بالنون بعد المثناة الفوقية وبالزاى. (*)

[ 51 ]

في باب المجاز وهذا في باب الحقيقة لأن القاتل والرامي بالحقيقة هو الله وهو خالق فعله ورميه وقدرته عليه ومشيئته ولأنه ليس في قدرة البشر توصيل تلك الرمية حيث وصلت حتى لم يبق منهم من لم تملأ عينيه وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة وقد قيل في هذه الآية الأخرى إنها على المجاز العربي ومقابلة اللفظ ومناسبته أي ما قتلتموهم وما رميتهم أنت إذا رميت وجوههم بالحصباء والتراب ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع أي أن منفعة الرمى كانت من فعل الله فهو القاتل والرامي بالمعنى وأنت بالاسم. الفصل العاشر فيما أظهره الله تعالى في كتابه العزيز من كرامته عليه ومكانته عنده وما خصه به من ذلك سوى ما انتظم فيما ذكرناه قبل: من ذلك ما قصه تعالى من قصة الإسراء في سورة سبحان، والنجم، وما انطوت عليه القصة من عظيم منزلته وقربه ومشاهدته ما شاهد من العجائب، ومن ذلك عصمته من الناس بقوله تعالى (والله يعصمك من الناس) وقوله تعالى (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الآية وقوله (إلا تنصروه فقد نصره الله) وما دفع الله به عنه في هذه القصة من أذاهم بعد تحريهم لهلكه وخلوصهم بحيا في أمر


(قوله لهلكه) الهلك بضم الهاء وإسكان اللام: الاسم من هلك. (*)

[ 52 ]

والأخذ على أبصارهم عند خروجه عليهم وذهولهم عن طلبه في الاغر وما ظهر في ذلك من الآيات ونزول السكينة عليه وقصة سراقة بن مالك حسبما ذكره أهل الحديث والسير في قصة الغار وحديث الهجرة ومنه قوله تعالى (إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر) أعلمه الله تعالى بما أعطاه، والكوثر حوضه وقيل نهر في الجنة وقيل الخبر الكثير وقيل الشفاعة وقيل المعجزات الكثيرة وقيل النبوة وقيل المعرفة، ثم أجاب عنه عدووه ورد عليه قوله فقال تعالى (إن شانئك هو الأبتر) أي عدوك ومبغضك، والأبتر الحقير الذليل أو المفرد الوحيد أو الذى لا خير فيه وقال تعالى (ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم) قيل السبع المثانى السور الطوال الأول والقرآن العظيم أم القرآن، وقيل السبع المثانى أم القرآن والقرآن العظيم سائره وقيل السبع المثانى ما في القرآن من أمر ونهى وبشرى وإنذار وضرب مثل


(قوله حسبما ذكره أهل الحديث) هو بفتح السين وقد يسكن أي على قدره وعدده (قوله الطوال) بكسر الطاء جمع طويلة وأما بضم الطاء فمفرد يقال رجل طوال أي زائد في الطول، واختلف في سابعة هذا الطوال فقيل الأنفال والتوبة لأنهما في حكم سورة واحدة ولهذا لم يفصل بينهما بالبسملة وقيل التوبة وقيل يونس (قوله سائره) هو بمهملة في أوله وهمزة مكسور ثالثه، قال صاحب الصحاح سائر الناس جميعهم واعترض بأنه انفرد بهذا فلا يقبل منه وأجيب بأنه لم ينفرد بل شاركه في نقله التبريزي والجواليقي وغيرهما وفى القاموس السائر الباقي لا الجميع كما توهم جماعات وقد تستعمل له بعد ذكره أشياء عن العرب مما استعمل له. (*)

[ 53 ]

وإعداد نعم وآتيناك نبأ القرآن العظيم وقيل سميت أم القرآن مثانى لأنها نثى في كل ركعة وقيل بل الله تعالى استثناها لمحمد صلى الله عليه وسلم وذخرها له دون الأنبياء وسمى القرآن مثانى لأن القصص نثى فيه وقيل السبع المثانى أكرمناك بسبع كرامات: الهدى والنبوة والرحمة والشفاعة والولاية والتعظيم والكسينة وقال (وأنزلنا إليك الذكر) الآية وقال (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) وقال تعالى (قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا) الآية قال القاضى رحمه الله فهذه من خصائصه وقال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسنان قومه ليبين لهم) فخصهم بقومهم وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كافة كما قال صلى الله عليه وسلم (بعثت إلى الأحمر والأسود) وقال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) قال أهل التفسير أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماض عليه كما يمضى حكم السيد على عبده وقيل اتباع أمره أولى من اتباع رأى النفس وأزواجه أمهاتهم أي هن في الحرمة كالأمهات حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية ولأنهن له أزواج في الجنة وقد قرئ وهو أب لهم ولا يقرأ به الآن لمخالفته المصحف وقال الله تعالى


(قوله لأنها تثنى) بفتح المثلثة وتشديد النون المفتوحة وبتسكين المثلثة وفتح النون (قوله في كل ركعة) أي كل صلاة من باب تسمية الشئ باسم جزئه (قوله لأن القصص هو بكسر القاف جمع قصة وبفتحها الخبر (قوله وقد قرئ وهو أب لهم) هذه قراءة مجاهد وقيل أبى بن كعب. (*)

[ 54 ]

(وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) الآية قيل فضله العظيم بالنبوة وقيل بما سبق له في الأزل وأشار الواسطي إلى أنها إشارة إلى احتمال الرؤية التى لم يحتملها موسى عليه السلام. الباب الثاني في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم أن خصال الجمال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوى اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا، ومكتسب دينى وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله تعالى زلفى، ثم هي على فنين أيضا منها ما يتخلص لأحد الوصفين ومنها ما يتمازج ويتداخل فأما الضرورى المحض فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب مثل ما كان في حملته من كمال خلقته وجمال صورته وقوة عقله وصحة فهمه وفصاحة لسانه وقوة حواسه وأعظائه واعتدال حركاته وشرف نسبه وعزة قومه وكرم أرضه ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه ونومه


(قوله خلقا وخلقا) الأول بفتح المعجمة وسكون اللام والثانى بضمها أو بضم المعجمة وسكون اللام (قوله الجبلة) بكسر الجيم والموحدة وتشديد اللام المفتوحة: الخلقة، ومنه قوله تعالى والجبلة الأولين (قوله من غذائه) بكسر المخعجمة وبالذال المعجمة: ما يغتذى به من الطعام. (*)

[ 55 ]

وملبسه ومسكنه ومنكحه وماله وجاهه، وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها وكانت على حدود الضرورة وقواعد الشريعة، وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلمية والآداب الشرعية من الدين والعلم والحلم والصبر والشكر والعدل والزهد والتواضع والعفو والعفة والجود والشجاعة والحياء والمروءة والصمت والتؤدة والوقار والرحمة وحسن الأدب والمعاشرة وأخواتها وهى التى جماعها: حسن الخلق. وقد يكون من هذه الأخلاق ما هو في الغريزة وأصل الجبلة لبعض الناس وبعضهم لا نكون فيه فيكتسبها ولكنه لا بد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة كما سنبينه إن شاء الله تعالى وتكون هذه الأخلاق دنيوية إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة ولكنها كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة وإن اختلفوا في موجب حسنها وتفضيلها. (فصل) قال القاضى إذا كانت خصال الكمال والجلال ما ذكرناه ورأينا الواحد منا يتشرف بواحدة منها أو اثنتين إن اتفقت له في كل عصر إما من نسب أو جمال أو قوة أو علم أو حلم أو شجاعة


(قوله جماعها) في الصحاح جماع الشئ بالكسر جمعه يقال جماع الخبا الأخبية (قوله في الغريزة) بفتح الغين المعجمة وكسر الراء بعدها مثناة تحتية فزاى: أي الطبيعة (قوله شعبة) بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة: أي فرقة وقطعة. (*)

[ 56 ]

أو سماحة حتى يعظم قدره ويضرب باسمه الأمثال ويتقرر له بالوصف بذلك في القلوب أثرة وعظمة وهو منذ عصور خوال رمم بوال فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال إلى ما لا يأخذه عد ولا يعبر عنه مقال ولا ينال بكسب ولا حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال من فضيلة النبوة والرسالة والخلة والمحبة والاصطفاء والإسراء والرؤية والقرب والدنو والوحى والشفاعة والوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود والبراق والمعراج والبعث إلى الأحمر والأسود والصلاة بالأنبياء والشهادة بين الأنبياء والأمم وسيادة ولد آدم ولواء الحمد والبشارة والنذارة والمكانة عند ذى العرش والطاعة ثم والأمانة والهداية ورحمة للعالمين وإعطاء الرضى والسؤل والكوثر وسماع القول وإتمام النعمة والعفو عما تقدم وما تأخر وشرح الصدر ووضع الإصر ورفع الذكر وعزة النصر ونزول السكينة والتأييد بالملائكة وإيناء الكتاب والحكمة والسبع


(قوله رمم) الرمم: جمع رمة وهى العظام البالية (قوله والوسيلة) هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشئ، قيل هي هنا الشفاعة وقيل منزلة من منازل الجنة (قوله والمقام المحمود) قيل الشفاعة العظمى في إراحة الناس من الموقف إلى الحساب، وقيل إعطاؤه لواء الحمد، وقيل إخراجه طائفة من النار، وقيل أن يكون أقرب من جبريل (قوله ووضع الإصر) في الصحاح: الإصر: العهد والذنب والثقل، والأغلال أي المواثيق اللازمة لزوم الغل للعنق (قوله ونزول السكينة هي فعيلة من السكون قيل في قوله عليه السلام ونزلت عليهم السكينة وهى الرحمة وقيل الطمأنينة والوقار وقيل ما يسكن به = (*)

[ 57 ]

المثانى والقرآن العظيم وتزكية الأمة والدعاء إلى الله وصلاة الله تعالى والملائكة والحكم بين الناس بما أراه الله ووضع الإصر والأغلال عنهم والقسم باسمه وإجابة دعوته وتكليم الجمادات والعجم وإحياء الموتى وإسماع الصم ونبع الماء من بين أصابعه وتكثير القليل وانشقاق القمر ورد الشمس وقلب الأعيان والنصر بالرعب والاطلاع على الغيب وظل الغمام وتسبيح الحصى وإبراء الآلام والعصمة من الناس إلى مالا بحويه محتفل ولا يحيط بعلمه إلا ما نحه ذلك ومفضله به لا إله غيره إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة ودرجات القدس ومراتب السعادة والحسنى والزيادة التى تقف دونها العقول ويحار دون إدراكها الوهم. (فصل) إن قلت أكرمك الله لا خفاء على القطع بالجملة أنه صلى الله عليه وسلم أعلى الناس قدرا وأعظمهم محلا وأكملهم محاسن


= الإنسان، وفى أنوار التنزيل في قوله تعالى (فيه سكينة من ربكم) أي ما تسكنون إليه وهو التوراة وقيل صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان بأن تنزف الياقوت أي تسرع نحو العدو وهم يتبعونه فإذا ثبت ثبتوا وحصل النصر وقيل صور الأنبياء من آدم إلى محمد عليه السلام، وقيل التابوت القلب والسكينة ما فيه من العلوم والإخلاص، وإيتائه مصر قلبهم مقر العلم بعد أن لم يكن، وفى الكشاف وعن على رضى الله عنه كان لها وجه كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة (قوله الجمادات) جمع جماد وهو ما ليس بحيوان، واعجم بضم العين المهملة جمع أعجم وهو من لا يقدر على الكلام أصلا. (*)

[ 58 ]

وفضلا وقد ذهبت في تفاصيل خصال الكمال مذهبا جميلا شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه صلى الله عليه وسلم تفصيلا * فاعلم نور الله قلبى وقلبك وضاعف في هذا النبي الكريم حبى وحبك أنك إذا نظرت إلى خصال الكمال التى هي غير مكتسبة وفى جبلة الخلقة وجدته صلى الله عليه وسلم حائزا لجميعها محيطا بشتات محاسنها دون خلاف بين نقلة الأخبار لذلك بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع، أما الصورة وجمالها تناسب أعضائه في حسنها فقد جاءت الآثار الصحيحة والمشهورة الكثيرة بذلك من حديث على وأنس بن مالك وأبى هريرة والبراء بن عازب وعائشة أم المؤمنين وابن أبى هالة


(قوله وأبى هريرة) اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح وفى اسمه نحو من ثلاثين قولا، فإن قيل هريرة في أبى هريرة العلم غير منصرف وليس فيه إلا التأنيث وهو مشروط بكون مدخوله علما وهريرة ليس بعلم وإنما العلم أبو هريرة: أجيب بأن الجزء الأخير من العلم الإضافى ينزل منزلة كلمة ويجرى عليه أحكام الأعلام فهريرة في أبى هريرة العلم غير منصرف وإن كان في غيره منصرفا (قوله وابن أبى هالة) هو هند ولد أم المؤمنين خديجة، قال السهيلي: كانت خديجة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبى هالة وهو هند بن زرارة وكانت قبل أبى هالة عند عتيق بن عائد ولدت له عبد مناف بن عتيق كذا قال ابن أبى خيثمة وقال الزبير ولدت لعتيق جارية اسمها هند، وولدت لأبى هالة ابنا اسمه هند أيضا مات بالطاعون - طاعون البصرة - وقد مات في ذلك اليوم نحو من سبعين ألفا فشغل الناس جنائزهم عن جنازته فلم يوجد من يحملها فصاحت نادبته واهند بن هنداه واربيب رسول الله فلم يبق جنازة إلا تركت وحملت جنازته على أطراف الأصابع، ذكره الدولابى. ولخديجة من أبى هالة ابنان آخران أحدهما الطاهر والآخر هالة. (*)

[ 59 ]

وأبى جحيفة وجابر بن سمرة وأم معبد وابن عباس ومعرض بن معيقيب وأبى الطفيل والعداء بن خالد وخريم بن فاتك وحكيم بن حزام وغيرهم رضى الله عنهم من أنه صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون أدعج أبحل أشكل أهدب الأشفار أبلج أزج أقنى أفلج مدور الوجه واسع


(قوله وأبى جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة (قوله وأم معبد) اسمها عاتكة وهى التى نزل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة (قوله ومعرض بن معيقيب) معرض بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالضاد المعجمة، ومعيقيب بباء موحدة في آخره كذا بخط الذهبي (قوله وأبى الطفيل) اسمه عامر بن واثلة آخر من مات من الصحابة في الدنيا (قوله والعداء) بفتح العين وتشديد الدال المهملتين وبالمد (قوله وخريم بن فاتك) خريم بضم المعجمة ثم براء مفتوحة ثم مثناة تحتية ساكنة، وفانك بالفاء والمثناة الفوقية المكسورة والكاف (قوله وحكيم بن حزام) حكيم بفتح المهملة وكسر الكاف وحزام بكسر المهملة وبالزاى، ولدا في الكعبة على الأشهر، وفى مستدرك الحاكم أن على بن أبى طالب ولد أيضا في داخل الكعبة (قوله أزهر اللون) قيل نيره وقيل حسنه ومنه (زهرة الحياة الدنيا) وهو زينتها وهذا كما جاء في الحديث الآخر ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم والأمهق: الناصع البياض، والآدم الأسمر (قوله أدعج) الدعج شدة سواد الحدقة (قوله أنجل) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم أي ذو نجل بفتحتين وهو سعة شق العين (قوله أشكل) بفتح الهمزة وسكون المعجمة من الشكلة بضم المعجمة وسكون الكاف وهى حمرة في بياض العين كالشهلة في سوادها (قوله أهدب الأشفار) في الصحاح الأهدب الرجل الكبير أشفار العين وهى حروف الأجفان التى ينبت عليها الشعر وهو الهدب (قوله أبلج) بالهمزة المفتوحة والموحدة الساكنة واللام المفتوحة والجيم أي مشرق وفى الصحاح عن أبى عبيدة في حديث أم سعيد أبلج الوجه أي مشرقه ولم ترد بلج الحاجب لأنها وصفته بالقرن (قوله أزج) أي مقوس الحاجب مع طول وامتداد (قوله أقى) أي محدوب الأنف (قوله أفلج) من الفلج بفتحتين وهو تباعد ما بين الثنايا. (*)

[ 60 ]

الجبين كث اللحية تملأ صدره سواء البطن والصدر واسع الصدر عظيم المنكبين ضخم العظام عبل العضدين والذراعين والأسافل رحب الكفين والقدمين سائل الأطراف أنور المتجرد دقيق المسربة ربعة القد ليس بالطويل البائن ولا القصير المتردد ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله صلى الله عليه وسلم رجل الشعر إذا افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رئ كالنور يخرج من ثناياه، أحسن الناس عنقا ليس بمطهم ولا مكلثم متماسك البدن ضرب اللحم، قال البراء ما رأيت


(قوله سواء البطن) السواء بفتح المهملة والمد: المستوى (قوله عبل العضدين) العبل بفتح المهملة وسكون الموحدة: الضخم (قوله والأسافل) أي الفخذين والساقين (قوله رحب الكفين) بفتح الراء وسكون المهملة أي واسعها (قوله سائل الأطراف) أي طويل الأصابع (قوله أنور المتجرد) بالجيم والراء المشددة المتفوحتين أي ما تجرد عند الثياب من البدن (قوله المسربة) بفتح الميم وسكون المهملة وضم الراء وفتح الموحدة: خيط الشعر الذى بين الصدر والسره (قوله رجل الشعر) بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها، في الصحاح شعر رجل إذا لم يكن شديد الجعود ولا سبطا (قوله إذا افتر ضاحكا) أي إذا بدا أسنانه حالة أنه ضاحك (قوله حب الغمام) هو البرد (قوله ليس بمطهم) هو بضم الميم وبالظاء المهملة والهاء المشددة المفتوحتين المنتفخ الوجه وقيل الفاحش السمن (قوله ولا بمكلثم) هو بالمثلثة المفتوحة: القصير الحنك الدائى الجبهة المستدبر الوجه، أراد أنه كان أسيل الوجه ولم يكن مستديره قاله ابن الأثير (قوله متماسك البدن) أي يمسك بعضه بعضا (قوله ضرب اللحم) بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء، قال الخليل الضرب من الرجال: القليل اللحم. (*)

[ 61 ]

من ذى لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة رضى الله عنه ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجرى في وجهه وإذا ضحك يتلألأ في الجدر وقال جابر بن سمرة وقال له رجل: كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل السيف ؟ فقال لا بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرا وقالت أم معبد في بعض ما وصفته به: أجمل الناس من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب وفى حديث ابن ابى هالة يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر وقال على رضى الله عنه في آخر وصفه له: من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم، والأحاديث في بسط صفته مشهورة كثيرة فلا نطول بسردها وقد اختصرنا في وصفه نكت ما جاء فيها وجملة مما فيه كفاية في القصد إلى المطلوب وختمنا هذه الفصول بحديث جامع لذلك نقف عليه هناك إن شاء الله تعالى. (فصل) وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد فكان قد خصه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره ثم تممها بنظافة الشرع وخصال الفطرة العشر وقال


(قوله من ذى لمة) اللمة بكسر واللام: هي شعر الرأس دون الجمة وسميت به لأنها تلم بالمنكبين (قوله في حلة حمراء) الحلة ثوبان غير لفيفين إزار ورداء (قوله في الجدر) بضم الجيم والدال: جمع جدار وهو الحائط، (*)

[ 62 ]

بنى الدين على النظافة * حدثنا سفيان بن العاصى وغير واحد قالوا حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا أبو العباس الرازي قال حدثنا أبو أحمد الجلودى قال حدثنا ابن سفيان قال حدثنا مسلم قال حدثنا قتيبة حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم * وعن جابر بن سمرة أنه صلى الله عليه وسلم مسح خده قال فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار قال غيره مسها بطيب أم لم يمسها يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها ويضع يده على رأس الصبى فيعرف من بين الصبيان بريحها ونام رسول الله صلى الله عليه


(قوله بنى الدين على النظافة) قال الحافظ زين الدين العراقى لم أجده هكذا بل في الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة تنظفوا فإن الإسلام نظيف، وللطبراني في الأوسط بسند ضعيف من حديث ابن مسعود: النظافة تدعو إلى الإسلام (قوله سفيان بن العاصى) بن أحمد بن العاصى بن سفيان بن عيسى الأسدى أبو بحر أصله من بلنسية ثم سكن تلمسان ثم رجع إلى قرطبة فرأس بها (قوله الجلودى) هو بضم الجيم بلا خلاف قال أبو سعيد السمعائى منسوب إلى الجلود جمع جلد وقال أبو عمرو بن الصلاح إلى سكة الجلود من نيسابور (قوله ما شممت) هو بكسر الميم في الماضي على الأفصح وفتحها في المضارع، لا بفتحها في الماضي وضمها في المضارع (قوله من جؤنة عطار) الجؤنة بضم الجيم وسكون الهمزة وقد تسهل سقط مغشى بجلد يجعل فيه العطار طيبه (قوله فيظل) ظللت أفعل كذا بكسر اللام أظل بفتحها، ونقل حركتها إلى الظاء إذا فعلته نهارا وقد تكون ظل بمعنى دام.

[ 63 ]

وسلم في دار أنس فعرق فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقة فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالت نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب وذكر البخاري في تاريخه الكبير عن جابر لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه وذكر إسحاق بن راهويه إن تلك كانت رائحته بلا طيب صلى الله عليه وسلم وروى المزني والحربي عن جابر أردفني النبي صلى الله عليه وسلم خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفمى فكان ينم على مسكا وقد حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله وفاحت لذلك رائحة طيبة صلى الله عليه وسلم وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدي في هذا خبرا عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم إنك تأتى الخلاء فلا نرى منك شيئا من الأذى فقال يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شئ ؟ وهذا


(قوله فجاءت أمه) أي أم أنس وهى أم سليم واسمها سهلة وقيل رميلة وقيل أنيسة وقيل بليلة وقيل الرميصا وقيل الغميصا وأم سليم هذه وأخنها أم ملحان خالتا النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الرضاع (قوله بقارورة) إناء من زجاج (قوله عن جابر أردفني النبي صلى الله عليه وسلم) عد بعضهم من أردفه النبي صلى الله عليه وسلم على فرس أو غيره فبلغ بهم نيفا وأربعين (قوله فكان ينم) هو بكسر النون يقال نمت الريح إذا جلبت الرائحة، وفى بعض النسخ يثج بالمثلثة المكسورة والجيم أي يسيل. (*)

[ 64 ]

الخبر وإن لم يكن مشهورا فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحدثين منه صلى الله عليه وسلم وهو قول بعض أصحاب الشافعي حكاه الإمام أبو نصر بن الصباغ في شامله وقد حكى القولين عن العلماء في ذلك أبو بكر بن سابق المالكى في كتابه البديع في فروع المالكية وتخريج ما لم يقع لهم منها على مذهبهم من تفاريع الشافعية وشاهد هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن منه شئ يكره ولا غير طيب * ومنه حديث على رضى الله عنه غسلت النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أجد شيئا فقلت طبت حيا وميتا قال وسطعت منه ريح طيبة لم نجد مثلها قط ومثله قال أبو بكر رضى الله عنه حين قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته * ومنه شرب مالك بن سنان دمه يوم أحد ومصه إياه وتسويغه صلى الله عليه وسلم ذلك له وقوله له لن تصيبه النار، ومثله شرب عبد الله بن الزبير دم حجامته فقال عليه السلام ويل لك من الناس وويل لهم منك


(قوله وسطعت) أي ارتفعت (قوله قط) هو توكيد لنفى الماضي وفيه لغات فتح القاف وضمها مع تشديد الطاء المضمومة، وفتح القاف وتشديد الطاء المكسورة، وفتح القاف وإسكان الطاء وفتح القاف وكسر الطاء المخففة (قوله ومنه شرب مالك بن سنان) هو أبو سعيد الخدرى ومثله شرب عبد الله بن الزبير دم حجامته رواه الحاكم والبزاز والبيهقي والطبراني والدارقطني وقد شرب أيضا دمه عليه السلام أبو طيبة واسمه دينار وقيل نافع عاش مائة وأربعين سنة وسالم بن الحجاج فقال له عليه السلام لا تعده فإن الدم كله حرام وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البيهقى وعلى ابن أبى طالب ذكره الرافعى في الشرح الكبير قال ابن الملقن ولم أجده في كتب الحديث. (*)

[ 65 ]

ولم ينكر عليه وقد روى نحو من هذا عنه في امرأة شربت بوله فقال لها لن تشتكى وجع بطنك أبدا، ولم يأمر واحدا منهم بغسل فم ولا نهاه عن عودة. وحديث هذه المراة التى شربت بوله صحيح ألزم الدارقطني مسلما والبخاري إخراجه في الصحيح، واسم هذه المرأة بركة واختلف في نسبها وقيل هي أم أيمن وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم، قالت وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل فبال فيه ليلة ثم افتقده فلم يجد فيه شيئا فسأل بركة عنه فقالت قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم، روى حديثها ابن جريج وغيره وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد مختونا


(قوله في امرأة شربت بوله) هذه المرأة بركة حاضنته صلى الله عليه وسلم وهى حبشية أعتقها عليه السلام حين تزوج خديجة وزوجها عبيد الحبشى فولدت له أيمن وكتبت به ثم بعد النبوة تزوجها زيد بن حارثة فأولدها أسامة قال الواقدي كانت أم أيمن عسرة اللسان فكانت إذا دخلت قالت (سلام لا عليكم) فرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام عليكم والسلام عليكم (قوله وأنا عطشانة) كذا وقع وصوابه عطشى لأنه مؤنث عطشان (قوله قدح من عيدان) العيدان بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وبالدال المهملة جمع عيدانة وهى النخلة الطويلة قال الأصمعى إذا صار للنخلة جذع يتناول منه فتلك العظيد، فإذا أنابت الأيدى فهى الجنازة فإذا ارتفعت فهى الرفلة وعند أهل نجد عيدانة (قوله قد ولد مختونا) وقيل ختن يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة وقيل ختنه جده يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدا وقد ذكر الحاكم في المستدرك ما لفظه: وقد تواترت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد مسرورا مختونا وتعقبه الذهبي فقال ما أعلم صحة ذلك فكيف يكون متواترا ؟ وذكر ابن الجوزى عن كعب الأحبار أن ثلاثة عشر من الأنبياء خلقوا مختونين آدم وشيث وإدريس ونوح = (*)

[ 66 ]

مقطوع السرة وروى عن أمه آمنة أنها قالت ولدته نظيفا ما به قذر، وعن عائشة رضى الله عنها ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، وعن على رضى الله عنه أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم لا يغسله غيرى فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه، وفى حديث عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم نام حتى سمع له غطيط فقام فصلى ولم يتوظأ قال عكرمة لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظا. (فصل) وأما وفور عقله وذكاء لبه وقوة حواسه وفصاحة لسانه واعتدال حركاته وحسن شمائله فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم وسياسة العامة والخاصة


= وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى والنبى صلى الله عليه وسلم وقال محمد بن حبيب الهاشمي هم أربعة عشر: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبى أصحاب الرأس ومحمد صلى الله عليه وسلم (قوله وروى عن أمه آمنة) توفيت أمه وهو عليه السلام ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة وهى راجعة من المدينة وكان معها أم أيمن فرجعت به عليه السلام إلى مكة ولما مر بالأبواء في عمرة الحديبية زار قبرها وقيل ابن سبع سنين وقيل ابن ثمان سنين وقيل ابن تسع وقيل ابن ثنتى عشرة سنة (قوله غطيط) هو بالعين المعجمة المفتوحة والطاء المهملة المكسورة وبالمثناة التحتية الساكنة فالطاء المهملة، صوت يخرج من نفس النائم (قوله فلا مرية) المرية بكسر الميم وقد تضم: الشك وقرئ بهما في قوله تعالى (فلا تك في مرية). (5 - 1) (*)

[ 67 ]

مع عجب شمائله وبديع سيره فضلا عما أفاضه من العلم وقرره من الشرع دون تعلم سبق ولا ممارسة تقدمت ولا مطالعة للكتب منه: لم يمتر في رجحان عقله وثقوب فهمه لأول بديهة، وهذا مما لا يحتاج إلى تقريره لتحققه وقد قال وهب بن منبه قرأت في أحد وسبعين كتابا فوجدت في جميعها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا وأفضلهم رأيا وفى رواية أخرى فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا، وقال مجاهد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه وبه فسر قوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) وفى الموطإ عنه عليه السلام (إنى لأراكم من وراء ظهرى) ونحوه عن أنس في الصحيحين، وعن عائشة رضى الله عنها مثله قالت زيادة زاده الله


(قوله ابن منبه) بضم الميم وفتح النون وتشديد الموحدة: ابن سيج بمهملة مفتوحة وقيل مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فجيم: تابعي جليل مشهور بمعرفة الكتب الماضية (قوله يرى من خلفه) ذكر مختار بن محمود الحنفي شارح القدورى ومصنف القبية في رسالته الناصرية أنه عليه السلام كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر منهما ولا تحجبهما الثياب وذكر النووي شرح مسلم في قوله عليه السلام إنى والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدى، قال العلماء إن الله خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا، وقال القاضى عياض قال أحمد بن حنبل وجمهور العلماء إن هذه الرؤية رؤية عين حقيقة (*)

[ 68 ]

إياها في حجته وفى بعض الروايات إنى لأنظر من ورائي كما أنظر من بين يدى وفى أخرى إنى لأبصر من قفاى كما أبصر من بين يدى وحكى بقى بن مخلد عن عائشة رضى الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء. والأخبار كثيرة صحيحة في رؤيته صلى الله عليه وسلم الملائكة والشياطين، ورفع النجاشي له حتى صلى عليه وبيت المقدس حين وصفه لقريش والكعبة حين بنى مسجده. وقد حكى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجما وهذه كلها محمولة على رؤية العين وهو قول أحمد بن حنبل وغيره وذهب بعضهم إلى ردها إلى العلم، والظواهر تخالفه ولا إحالة في ذلك وهى من خواص الأنبياء وخصالهم كما أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن أحمد العدل من كتابه حدثنا أبو الحسن المقرى الفرغانى حدثتنا أم القاسم بنت أبى بكر عن أبها حدثنا الشريف أبو الحسن على بن محمد الحسنى حدثنا محمد بن محمد بن سعيد حدثنا محمد بن أحمد بن


(قوله النجاشي) بفتح النون وكسرها وفى آخره ياء: الصواب تخفيفها، قال الطبري لقب لمن ملك الحبشة وكان اسم هذا الملك أصحمة كما في صحيح البخاري (قوله أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجما) قال السهيلي في كتابه التعريف والأعلام: الثريا اثنا عشر كوكبا وكان صلى الله عليه وسلم يراها كلها، جاء ذلك في حديث ثابت من طريق العباس، وقال القرطبى في كتاب أسماء النبي وصفاته: إنها لا تزيد على تسعة فيما تذكرونه في كثير من النسخ. (*)

[ 69 ]

محمد بن سليمان حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا همام حدثنا الحسن عن قتادة عن يحيى بن وثاب عن أبى هرير رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لما تجلى الله عز وجل لموسى عليه السلام كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ) ولا يبعد على هذا أن يختص نبينا صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى * وقد جاءت الأخبار بأنه صرع ركانة أشد أهل وقته وكان دعاه إلى الإسلام وصارع أبا ركانة في الجاهلية وكان شديدا وعاوده ثلاث مرات كل ذلك يصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة رضى الله عنه ما رأيت أحدا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث.


(قوله حدثنا همام) كذا في كثير من النسخ وصوابه هانئ وهو هانئ بن يحيى السلمى أخذ عن الحسن بن أبى جعفر الجعفري أحد الضعفاء قال الطبراني لم يروه عن قتادة إلا الحسن بن أبى جعفر تفرد به هانئ بن يحيى (قوله عشرة فراسخ) في الصحاح الفرسخ فارسي معرب وهو ثلاثة أميال والميل منتهى مد البصر عن ابن السكيت انتهى، وقيل الميل أربعة آلاف خطوة والخطوة ثلاثة أقدام بوضع قدم أمام قدم ويلصق به والبريد أربعة فراسخ (قوله بأنه صرع ركانة) هو بضم الراء وتخفيف الكاف، أسلم يوم الفتح وتوفى بالمدينة سنة أربعين (قوله وصارع أبا ركانة) قيل إنه صارعه عليه السلام جماعة: ركانة وهو أمثلها وأبو ركانة كما ذكر القاضى هنا وأبو جهل ولا يصح وأبو الأسد الجمحى قاله السهيلي ويزيد بن ركانة أو ركانة بن يزيد على الشك رواه البيهقى وأبو داود في مراسيله (قوله غير مكترث) أي غير مبال. (*)

[ 70 ]

وفى صفته عليه السلام أن ضحكه كان تبسما إذا التفت التفت معا وإذا مشى مشى تقلعا كأنما ينحط من صبب. (فصل) وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذى لا يحهل سلاسة طبع وبراعة منزع وإيجاز مقطع ونصاعة لفظ وجزالة قول وصحة معان وقلة تكلف أوتى جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب فكان يخاطب كل أمة منها بلسانها ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله. من تأمل حديثه وسيره علم ذلك وتحققه وليس كلامه مع قريش والأنصار وأهل الحجاز ونجد ككلامه مع ذى المشعار


(قوله تقلعا) التقلع رفع الرجل بقوة (قوله من صبب) بفتح المهملة وبالوحدتين الأولى مفتوحة: هو الموضع المرتفع (قوله سلاسة) بفتح السين المهملة أي سهولة (قوله وبراعة منزع) البراعة مصدر برع الرجل بضم الراء وفتحها أي فاق أقرائه في العلم وغيره، والمنزع المأخذ (قوله مقطع) أي تمام كلام (قوله ونصاعة) النصاعة بفتح النون والصاد والعين المهملتين بينهما ألف: الخلوص (قوله وجزالة) بفتح الجيم والزاى خلاف الركانة (قوله جوامع الكلم) هو جمع جامعة (قوله وتحاورها) بالحاء المهملة أي تجاوبها (قوله ويباريها) يقال فلان يبارى فلانا أي يعارضه (قوله وسير) بكسر السين المهملة وفتح المثناة التحتية جمع سيرة بسكون المثناة (قوله المشعار) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة ثم عين مهملة وقيل معجمة بعدها ألف وراء، والهمداني بسكون الميم وبالدال نسبة إلى همدان قبيلة من اليمن. (*)

[ 71 ]

الهمداني وطهفة النهدي، وقطن بن حارثة العليمى والأشعث بن قيس ووائل بن حجر الكندى وغيرهم من أقيال حضرموت وملوك اليمن، وانظر كتابه إلى همدان: (إن لكم فراعها ووهاطها وعزازها. تأكلون علافها، وترعون عفاءها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة. ولهم من الصدقة الثلب


(قوله وطهفه) بكسر المهملة وسكون الهاء، والنهدى بفتح النون (قوله قطن) بالقاف والمهملة المفتوحتين بعدهما نون، وحارثة بالحاء المهملة والمثلثة، والعليمي بضم العين المهملة وفتح اللام من بنى عليم (قوله من حجر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم (قوله من أقيال حضرموت) الأقيال بفتح الهمزة وفتح المثناة من تحت ثم ألف ولام: جمع قيل بفتح القاف وسكون المثناة، وهو الملك من ملوك حمير، وحضرموت اسم لبلد باليمن ولقبيلة (قوله فراعها) هو بفاء مكسورة وراء وعين مهملة: ما علا من الأرض (قوله ووهاطها) بكسر الواو بالطاء المهملة جمع وهط بفتح الواو وسكون الهاء وهو المطمئن من الأرض (قوله عزازها) بفتح العين المهملة وبزائين مخففتين قال الهروي هو ما اشتد من الأرض وصلب وخشن (قوله علافها) بكسر العين المهملة وتخفيف اللام والفاء قال الهروي هو جمع علف يقال علف وعلاف كجمل وجمال (قوله عفاءها) بفتح العين المهملة وتخفيف الفاء والمد قال الهروي هو ما ليس فيه ملك (قوله من دفئهم وصرامهم) الدف ء بكسر المهملة وبالفاء الساكنة وبالهمز، والصرام بكسر المهملة وتخفيف الراء قال الهروي معناه من إبلهم وغنمهم وقيل سماها دفئا لأنها يتخذ من أوبارها وأصوافها ما يتدفؤن به (قوله الثلب) بكسر المثلثة وسكون اللام بعدها موحدة قال الهروي هو من الذكور الذى هرم وتكسرت أسنانه. (*)

[ 72 ]

والناب والفصيل والفارض الداجن والكبش الحوارى وعليهم فيها الصالغ والقارح وقوله لنهد: (اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وابعث راعيها في الدثر وافجر له الثمد وبارك لهم في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا، لكم يا بنى نهد ودائع


(قوله والناب) بالنون والموحدة في آخره. قال الهروي قال أبو بكر هي الناقة الهرمة التى طال نابها وذلك من أمارات هرمها، والفارض الداجن فالفارض بالفاء والراء والضاد المعجمة المسن من الإبل، والداجن بالدال المهملة والجيم المكسورة: الدابة التى تألف البيت (قوله الحوارى) بحاء مهملة وواو مفتوحتين وراء مكسورة وياء نسبة، قال ابن الأثير منسوب إلى الحور وهى جلود تتخذ من جلود الضأن وقيل هو ما دبغ من الجلود بغير قرظ وهو أحد ما جاء على أصله ولم يعل، كتاب، قال الكاشغرى في كتابه مجمع الغريب: الحورى المكوى منسوب إلى الحورا وهى كية يقال حوره إذا كواه هذا الكية (قوله الصالغ) بالصاد المهملة واللام المكسورة والغين المعجمة قال ابن الأثير هو من البقر والغنم الذى كمن وانتهى سنه في السنة السادسة ويقال بالسين انتهى (قوله والقارح) بالقاف والراء والحاء المهملة قال ابن الأثير: الفرس القارح وفى القاموس: القارح من ذوى الحافر بمنزلة البازل من الإبل (قوله لنهد) بفتح النون وسكون الهاء وبالدال المهملة: قبيلة من اليمن (قوله في محضها ومخضها) الأول بالحاء المهملة والضاد المعجمة: اللبن الخالص، والثانى بالمعجمتين وهو ما مخض من اللبن وأخذ زبده (قوله مذقها) هو بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وبالقاف: المزج والخلط والمراد هنا اللبن المخلوط بالماء (قوله في الدثر) بفتح الدال المهملة وسكون المثلثة وبالراء: المال الكثير يقع على الواحد والاثنين والجماعة، قاله ابن الأثير (قوله الثمد) بفتح المثلثة والميم وبالدال المهملة المال القليل (قوله ودائع الشرك) أي عهوده ومواثيقه أعطيته وديعا أي عهدا وقيل ما كانوا استودعوه (*)

[ 73 ]

الشرك ووضائع الملك، لا نلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة ولا تتثاقل عن الصلاة، وكتب لهم، في الوظيفة الفريضة ولكم الفارض والقريش وذو العنان الركوب والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم


من أموال الكفار الذين لم يدخلوا في الإسلام، أراد أنها حلال لهم لأنها مال كافر قدر عليه من غير عهد ولا شرط ويدل عليه قوله في الحديث: ما لم يكن عهد (قوله ووضائع) بفتح الواو والضاد المعجمة وفى آخره عين مهملة جمع وضيعة وهى الوضيفة على الملك وما يلزم الناس في أموالهم من الصدقة والزكاة يعنى لا يتجاوزها معكم ولا يزيد فيها وقيل معناه لا يأخذ منكم ما كان ملوككم وضعوه عليكم بل هو لكم والأول يناسبه الملك بكسر الميم والثانى بضمها (قوله تلطط) بضم المثناة الفوقية وسكون اللام وكسر الطاء المهملة بعدها أخرى يقال لط الغريم وألط إذا منع الحق (قوله ولا تلحد) بضم المثناة الفوقية وسكون اللام وكسر الحاء وبالدال المهملتين قال ابن الأثير أي لا يحصل منكم ميل عن الحق ما دمتم أحياء (قوله الفريضة) قال ابن الأثير: الفريضة المسنة الهرمة يعنى هي لكم لا يؤخذ منكم في الزكاة ويروى عليكم في الوظيفة الفريضة أي في كل نصاب ما فرض فيه انتهى (قوله الفارض) بالفاء وهى المسنة، وفى بعض النسخ بالعين المهملة وهى الناقة التى يصيبها كسر أو مرض فتخر، والقريش بالفاء والراء المكسورة والمثناة التحتية الساكنة والشين المعجمة قال الهروي قال العتيبى هي التى وضعت حديثا كالنفساء من النساء وقال الأصمعى فرس قريش إذا حمل عليها النتاج لسبع (قوله وذو العنان الركون) العنان بكسر العين المهملة سير اللجام قال ابن الأثير يريد الفرس الذلول لأنه يلجم ويركب (قوله والفلو) بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو: المهر، قال أبو بريد إذا فتحت الفاء شددت الواو وإذا كسرتها خففت فقلت فهو مثل جرو، والضبيس بفتح الضاد المعجمة وكسر الموحدة بعدها مثناة تحتية ثم سين مهملة قال الهروي هو العسر الصعب (قوله سرحكم) بفتح السين المهملة وإسكان الراء وبالحاء المهملة أي ماشيتكم. (*)

[ 74 ]

ولا يعضد طلحكم ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الرماق وتأكلوا الرباق، من أقر فله الوفاء بالعهد والذمة ومن أبى فعليه الربوة) * ومن كتابه لوائل بن حجر: (إلى الأقيال العباهلة والأوراع المشابيب،


(قوله يعضد) بضم المثناة التحتية وسكون العين المهملة وفتح الضاد المعجمة بعدها دال مهملة أي يقطع، والطلح شجر عظام من شجر العظاه وأما قوله تعالى (وطلح منضود) فقال المفسرون هو شجر الموز وقيل الطلع (قوله ولا يحبس دركم) أي ذوات الدر أراد أن الماشية لا تحشر إلى المصدق وهو الذى يأخذ صدقات الماشية ولا يحبس عن المرعى إلى أن يجتمع ثم بعد لما في ذلك من الإضرار بها قاله ابن الأثير (قوله ما لم تضمروا الرماق) بكسر الراء بعدها ميم مخففة فقاف بعد الألف أي النفاق يقال رامقه رماقا وهو أن ينظر إليه شزرا نظر العداوة يعنى ما لم تضق قلوبكم عن الحق يقال عيشه رماق أي ضيق وعيش رمق أي يمسك الرمق وهو بقية الروح وآخر النفس قاله ابن الأثير (قوله وتأكلون الرباق) بكسر الراء وبالموحدة وألف فقاف جمع ربق بكسر الراء وهو الحبل فيه عدة عرى يشد به البهم، الواحدة من العرى ربقة وفى الحديث خلع ربقة الإسلام من عنقه كذا في الصحاح، قال ابن الأثير شبه ما يلزم الأعناق من العهد بالرباق واستعار الأكل لبقض العهد فإن البهيمة إذا أكلت الربق خلصت من الشدة (قوله والذمة) هي بمعنى العهد (قوله فعليه الربوة) بكسر الراء وفتحها أي من تقاعد عن أداء الزكاة فعليه الزيادة في الفريضة الواجبة عقوبة عليه (قوله العباهلة) بفتح العين المهملة فالوحدة بعدها ألف فهاء مكسورة فلام، في المصباح عباهلة اليمن ملوكهم الذين أقروا على ملكهم لا يزولون عنه (قوله والأرواع) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الواو بعدها ألف فعين مهملة قال الهروي هي الحسان الوجوه يقال رائع وأرواع (قوله المشابيب) بفتح الميم والشين المعجمة الخفيفة بعدها ألف فموحدة فمثناة تحتية فموحدة قال الهروي أراد الرؤس السادة الزهر الألوان، زاد ابن الأثير: واحدهم مشبوب كأنما أوقدت ألوانهم بالنار. (*)

[ 75 ]

وفيه: في التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك وأنطوا الشبجة وفى السيوب الخمس ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة


(قوله في التيعة) بكسر المثناة الفوقية فسكون المثناة التحتية فعين مهملة قال الهروي قال أبو عبيدة هي الأربعون من الغنم وقال أبو سعيد أدنى ما تجب من الصدقة كالأربعين من الغنم فيها شاة وخمس الإبل فيها شاة وأصله من التيع وهو الفئ يقال أتاع فيه فتاع (قوله لا مقورة الألياط) المقورة بضم الميم وفتح القاف وتشديد الواو بعدها راء: والألياط بفتح الهمزة وسكون اللام وتخفيف المثناة التحتية وفى آخره طاء مهملة قال الهروي يعنى لا مسترخية الجلود لهزالها من الانوار وهو الاسترخاء في الجلود والهزال، والألياط جمع ليط وهو الشعر اللائط بالعود يعنى اللازق به (قوله ولا ضناك) بكسر المعجمة وبالنون المخففة والكاف، قال الهروي: الضناك الكثير اللحم (قوله وأنطوا) بفتح الهمزة وسكون النون لغة يمانية في أعطوا، والثبجة: بالمثلثة فالموحدة فالجيم المفتوحات قال الهروي يعنى أعطوا الوسط في الصدقة ولا تعطوا من خيار المال ولا من رذالته وحشوه انتهى (قوله وفى السيوب) بالسين المهملة والمثناة التحتية المضمومتين والوحدة بعد الواو قال الهروي قال أبو عبيد: السيوب الركاز ولا أراه أخذ إلا من السيب وهو العطية قال ابن الأثير وقيل السيوب عروق من الذهب والفضة تسيب في المعادن أي يتلون فيها ويظهر (قوله مم بكر) قال ابن الأثير لغة أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميما فعلى هذا تكون راء بكر مكسورة من غير تنوين لأن أصله (من البكر) فلما أبدل اللام ميما بقيت الحركة بحالها كقولهم بالحرث في بنى الحرث ويكون استعمل البكر موضع الأبكار والأشبه أن يكون نكرة منونة وقد أبدلت نون (من) ميما لأن النون الساكنة إذا كان بعدها باء قلبت في اللفظ ميما نحو منبر وعنبر فيكون التقدير من زنا من بكر انتهى ملخصا. فإن قيل ما ذكره من الأشبه لا يتأتى في قوله بعد ذلك مم ثيب ؟ أجيب بأن القلب في مم ثيب على هذه المناسبة مم بكر لوقوع الباء الموحدة بعد النون والعرب كثيرا ما يخرجون الكلام عن الأصل إلى غيره للمناسبة كقولهم ما قدم وحدث بضم الدال من حدث لمناسبة قدم والأصل حدث بفتح الدال (قوله فاصقعوه) بهمزة وصل وصاد مهملة وقاف مفتوحة وعين مهملة مضمومة. (*)

[ 76 ]

واستوفضون عاما ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم ولا توصيم في الدين ولا عمه في فرائض الله وكل مسكر حرام) ووائل بن حجر يترفل على الأقيال. أين هذا من كتابه لأنس في الصدقة المشهور لما كان كلام هؤلاء على هذا الحد وبلاغتهم على هذا النمط وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ ؟ استعملها معهم ليبين للناس ما نزل إليهم وليحدث الناس بما يعلمون، وكقوله في حديث عطية السعدى: (فإن اليد العليا هي المنطية


قال ابن الأثير أي اضربوه وأصل الصقع الضرب على الرأس وقيل الضرب ببطن الكف (قوله واستوفضون) بهمزة وصل وسين مهملة ومثناة فوقية مفتوحة وواو ساكنة وفاء مكسورة وضاد معجمة قال الهروي أي غربوه وانفواه واطردوه وأصله من استوفضت الإبل إذا تفرقت في رعيها (قوله فضرجوه) بالضاد المعجمة المفتوحة والراء المشددة المكسورة والجيم قال الهروي التضريج التدمية وقال ابن الأثير ضرجوه بالأضاجيم أي دموه بالضرب (قوله بالأضاميم) بفتح الهمزة وتخفيف الضاد المعجمة وميمين بينهما مثناة من تحت قال الهروي يعنى جماهير الحجاز يرد الرجم واحدتهما إضمامة لأن بعضها ضم إلى بعض وكذلك في جماعات الناس الكتب (قوله ولا توصيم) بفتح المثناة الفوقية وسكون الواو وكسر الصاد المهملة قال الهروي يقول لا تفتروا في إقامة الحد ولا تحابوا فيه والوصم الكسل والتوانى (قوله ولا غمة) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم قال ابن الأثير لا تستر ولا تخفى فرائصه (قوله يترفل) بتشديد الفاء المفتوحة قال ابن الأثير أي يتسود ويترأس استعارة من ترفيل الثوب وهو إسباغه وإسباله (قوله أين هذا من كتابه لأنس) قيل لم يكتب صلى الله عليه وسلم إلى أنس وإنما أبو بكر هو الذى كتب إليه وأجيب بأن الدارقطني ذكر بإسناد صحيح رواية أنس لهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبو داود عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة ولم يخرجه فعمل به أبو بكر وعمر (قوله فإن اليد العليا هي المنطية) في الصحيحين عن (*)

[ 77 ]

واليد السفلى هي المنطاة قال فكلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا. وقوله في حديث العامري حين سأله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (سل عنك) أي سل عما شئت وهى لغة بنى عامر وأما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة وجوامع كلمه وحكمه المأثورة فقد ألف الناس فيها الدواوين وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها مالا يوازى فصاحة ولا يبارى بلاغة كقوله: (المسلمون تتكافؤ دماؤهم ويسعى


ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة (اليد العليا خير من اليد السفلى) والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة ورواه مالك وأبو داود والنسائي قال أبو داود وقد اختلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث فقال عبد الوارث، اليد العليا المتعففة وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب: المنفقة، وقال واقد عن حماد المتعففة قال الخطابى رواية المتعففة أشبه وأصح في المعنى لأن ابن عمر ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف عنها، فعطف الكلام على سببه الذى خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا أن يد المعطى مستعلية فوق يد الآخذ يجعلونه من علو الشئ إلى فوق وليس ذلك عندي بالوجه وإنما هو من علا المجد والكرم يريد التعفف عن المسألة والرفع عنها انتهى كلامه (قوله الدواوين) هو جمع ديوان بكسر الدال المهملة وقد تفتح فارسي معرب وفى الصحاح أصله دووان فعوض عن إحدى الواوين ياء، وسبب تسميته ديوانا وجهان أحدهما أن كسرى اطلع يوما على كتاب ديوانه فرآهم يحسبون مع أنفسهم فقال دوانت أي مجانين ثم حذفت التاء لكثرة الاستعمال والثانى أن الديوان بالفارسية اسم للشياطين فسمى الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور ووقوفهم على الجلى والخفى (قوله يوازى) بضم المثناة التحتية وبالراء المفتوحة أي يماثل ويقابل (قوله تكافؤ) أي تتكافؤ فحذف إحدى التائين والمعنى يتساوى ويتماثل في القصاص والديات. (*)

[ 78 ]

بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) * وقوله (الناس كأسنان المشط والمرء مع من أحب ولا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له والناس معادن وما هلك امرؤ عرف قدره والمستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم) * وقوله (أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن أحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا الذين يألفون ويؤلفون) وقوله (لعله كان يتكلم بمالا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه) وقوله (ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها ونهيه عن قبل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات وعقوق الأمهات


(قوله وهم يد) أي جماعة (قوله كأسنان المشط) هو بضم الميم وكسرها وسكون الشين المعجمة (قوله أحاسنكم) جمع حسن (قوله الموطؤن) بضم الميم وفتح الواو والطاء المشددة المهملة وبالهمزة المضمومة اسم مفعول من التوطئة والتمهيد (قوله والأكناف) بالنون بعد الكاف الجوانب، أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن من صاحبها ولا يتأذى (قوله نهيه عن قيل وقال) أي ما يتحدث به المتجالسون من قولهم قيل كذا وقال كذا، ويجوز بناؤهما على أنهما فعلان ما ضيان مستتر في كل منهما ضمير، وإعرابهما على إجرائهما مجرى الأسماء ولا ضمير فيهما، وقال أبو عبيد هما مصدران يقال قلت قولا وقالا وقيلا وقيل المراد النهى عن كثرة الكلام ابتداء وجوابا، وقيل المراد حكاية أقوال الناس والتحدث عما لا يجدى، قال ذلك كله ابن الأثير (قوله وكثرة السؤال) قيل أراد مسألة الناس أموالهم وقيل كثرة البحث عن أخبار الناس ومالا يعنى وقيل كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما لم ينزل ولم يؤذن به (قوله وإضاعة المال) هو إنفاقه فيما حرم الله وقيل ترك القيام عليه وإهماله وقيل دفع مال السفيه إليه (قوله ومتع وهات) أي منع ما عليه إعطاؤه وطلب ما ليس له (قوله وعقوق الأمهات) يقال عق والده يعقه عقوقا إذا آداه (*)

[ 79 ]

ووأد البنات وقوله (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وخير الأمور أوساطها) وقوله (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما) وقوله (الظلم ظلمات يوم القيامة) وقوله في بعض دعائه (اللهم إنى أسألك رحمة من عندك تهدى بها قلبى وتجمع بها أمرى وتلم بها شعثى وتصلح بها غائبي وترفع بها شاهدى وتزكى بها عملي وتلهمني بها رشدي وترد بها الفتى وتعصمني بها من كل سوء اللهم إنى أسألك الفوز عند القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء والنصر على الأعداء) إلى ما روته الكافة عن الكافة من مقاماته ومحاضراته وخطبه وأدعيته ومخاطباته وعهوده مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره وقد جمعت من كلماته التى لم يسبق


وعصاه وأصله الشق والقطع وإنما خص الأمهات لأن عقوقهن أقبح من عقوق الآباء (قوله ووأد البنات) هو بهمزة ساكنة بعد واو مفتوحة دفنهن حيات غيرة وأنقة وتخفيفا لمؤنتهن (قوله هونا ما) أي حبا قليلا، والهون في الأصل السكينة ومصدر هان بمعنى خف (قوله أسألك رحمة من عندك) قيل الأشياء كلها من عند الله فما معنى التقييد بقوله من عندك ؟ وأجيب بأن معناه رحمة لا في مقابلة عمل عملته (قوله تلم) بفتح المثناة الفوقية وضم اللام، وشعثى بفتح الشين المعجمة والعين المهملة وكسر المثلثة أي تجمع ما تفرق من أمرى (قوله نزل الشهداء) النزل بضم النون والزى ما يهيأ للضيف (قوله الكافة عن الكافة) في الصحاح الكافة جمع من الناس، يقال لقيتهم كافة أي جميعهم انتهى، وعن سيبوبه إن التعريف في كافة لا يجوز وإنما استعمل منكرا منصوبا على الحال كقاطبة (قوله سبقا) بفتح السين المهملة (*)

[ 80 ]

إليها ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه عليها كقوله، حمى الوطيس، ومات حتف أنفه، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين والسعيد من وعظ بغيره) في أخواتها ما يدرك الناظر العجب في مضمنها ويذهب به الفكر في أداني حكمها وقد قال له أصحابه ما رأينا الذى هو أفصح منك فقال، وما يمنعنى وإنما أنزل القرآن بلساني لسان عربي مبين وقال مرة أخرى) أنا أفصح العرب بيد أنى من قريش ونشأت في بنى سعد، فجمع له بذلك صلى الله عليه وسلم قوة عارضة البادية وجزالتها ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهى الذى مدده الوحى الذى لا يحيط بعلمه بشرى. وقالت أم معبد في وصفها له


وسكون الموحدة مصدر سبق يسبق وبفتحها المال الذى يؤخذ رهنا على المسابقة (قوله في قالبه) بفتح اللام وكسرها والفتح أكثر (قوله الوطيس) بواو مفتوحة وطاء مهملة مكسورة ومثناة تحتية ساكنة وسين مهملة اسم لشئ يشبه التنور وقيل الضراب في الحرب، وقيل الوطوس الذى يطس الناس أي يدقهم وقال الأصمعى حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها (قوله ومات حتف أنفه) أي من غير قتل ولا ضرب قيل كيف يكون هذا من الألفاظ التى لم يسبق بها صلى الله عليه وسلم وقد قال السموءل من قصيدة لامية اختارها أبو تمام في حماسته. وما مات منا سيد حتف أنفه * ولا طل منا حيث كان قتيل وأجيب بأن القصيدة المذكورة اختلف في قائلها فقيل السموءل وقيل عبد الملك الحارثى وهو إسلامى (قوله بيد) بالموحدة والمثناة التحتية الساكنة والدال المهملة قال ابن مالك وغيره بمعنى غير على حد قوله. ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (*)

[ 81 ]

حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقة خرزات نظمن وكان جهير الصوت حسن النغمة صلى الله عليه وسلم. (فصل) وأما شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه فما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه ولا بيال مشكل ولا خفى منه فإنه نخبة بنى هاشم وسلالة قريش وصميمها وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه ومن أهل مكة من أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده، حدثنا قاضى القضاة حسين بن محمد الصدفى رحمه الله قال حدثنا القاضى أبو الوليد سليمان بن خلف قال حدثنا أبو ذر عبد بن أحمد حدثنا أبو محمد السرخسى وأبو إسحق وأبو الهيثم قالوا حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن اسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو عن سعيد المقبرى عن


وقال ابن هشام في المغنى هي هنا بمعنى من أجل (قوله فصل) بالفاء المفتوحة والصاد الساكنة المهملة (قوله لا نزر) بفتح النون وسكون الزاى بعدها راء أي لا قليل، فيدل على عدم القدرة على الكلام (قوله ولا هذر) باسكان الذال المعجمة وبعدها راء مصدر هذر إذا كثر كلامه (قوله نخبة) النخبة بضم النون وسكون الخاء المعجمة بعدها موحدة: الخيار (قوله حلالة قريش) سلالة الشئ ما استل منه (قوله السرخسى) هو الحموى وقد تقدم (قوله وأبو إسحق) هو إبراهيم بن أحمد المستملى (قوله وأبو الهيثم) هو محمد بن مكى من زارع (قوله عن عمرو وهو ابن أبى عمرو مولى المطلب يروى عن أنس وعكرمة (قوله عن سعيد المقبرى) هو سعيد ابن أبى سعيد المقبرى واسم أبى سعيد كيسان وكنية (6 - 1) (*)

[ 82 ]

أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذى كنت منه) وعن العباس رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم من خير قرنهم ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهما بيتا، وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة واصطفى من بنى كنانة قريشا واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم) قال الترمذي وهذا حديث صحيح، وفى حديث عن ابن عمر رضى الله عنهما رواه الطبري أنه صلى الله عليه وسلم قال (إن الله عز وجل اختار خلقه فاختار منهم بنى آدم ثم اختار بنى آدم فاختار منهم العرب ثم اختار العرب فاختار منهم قريشا ثم اختار قريشا فاختار منهم بنى هاشم ثم اختار بنى هاشم فاختارني منهم فلم أزل خيارا من خيار ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم) وعن ابن


سعيد أبو سعيد، روى عن أبى هريرة وعائشة وخلق، وروى عنه الليث ومالك وخلق (قوله من خير قرون بنى آدم) القرن أهل كل زمان وقيل أربعون سنة وقيل ستون وقيل سبعون وقيل ثمانون وقيل مائة وقيل مائة وعشرون (قوله وعن واثلة) بمثلثة مكسورة (ابن الأسقع) بسين مهملة وقاف مفتوحة وعين مهملة (قوله رواه الطبري (هو الحافظ محمد بن جرير: أحد الأعلام توفى سنة عشر وثلاثمائة. (*)

[ 83 ]

عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت روحه نورا بين يدى الله تعالى قبل أن يخلق آدم بألفى عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النور في صلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح وقذف بى في صلب إبراهيم ثم لم يزل الله تعالى ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجنى من أبوى لم يلتقيا على سفاح قط، ويشهد بصحة هذا الخير شعر العباس المشهور في مديح النبي صلى الله عليه وسلم. (فصل) وأما ما تدعو ضرورة الحياة إليه مما فصلناه فعلى ثلاثة أضرب: ضرب الفضل في قلته وضرب الفضل في كثرته وضرب تختلف الأحوال فيه، فأما ما التمدح والكمال بقلته اتفاقا وعلى كل حال عادة وشريعة كالغذاء والنوم، ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما وتذم بكثرتهما لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره وغلبة الشهوة، مسبب لمضار الدنيا والآخرة جالب لأدواء


(قوله شعر العباس) هو: من قبلها طبت في الظلال وفى مستودع حيث يخصف الورق، وسيأتى تمامه في كلام المصنف إن شاء الله تعالى (قوله كالغذاء) بكسر الغين وبالذال المعجمتين: ما يتغذى به من الطعام والشراب، وأما الغداء بفتح الغين المعجمة وبالدال المهملة هو الطعام بعينه وهو خلاف العشاء (قوله النهم بفتح النون والهاء: هو إفراط الشهوة في الطعام (قوله والشره) بفتح الشين المعجمة والراء. هو غلبة الحرس (قوله مسبب) بكسر الموحدة الأولى. (*)

[ 84 ]

الجسد وخثارة النفس وامتلاء الدماغ، وقلته دليل على القناعة وملك النفس، وقمع الشهوة مسبب للصحة وصفاء الخاطر وحدة الذهن، كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة والضعف، وعدم الذكاء والفطنة مسبب للكسل وعادة العجز وتضييع العمر في غير نفع وقساوة القلب وغفلته وموته، والشاهد على هذا ما يعلم ضرورة ويوجد مشاهدة وينقل متواترا من كلام الأمم المتقدمة والحكماء السالفين وأشعار العرب وأخبارها وصحيح الحديث وآثار من سلف وخلف مما لا يحتاج إلى الاستشهاد عليه وإنما تركنا ذكره هنا اختصارا واقتصارا على اشتهار العلم به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ من هذين الفنين بالأقل، هذا ما لا يدفع من سيرته وهو الذى أمر به وحض عليه لا سيما بارتباط أحدهما بالآخر: حدثنا أبو على الصدفى الحافظ بقراءتي عليه قال حدثنا أبو الفضل الأصفهاني قال حدثنا أبو نعيم الحافظ قال حدثنا


(قوله وخثارة النفس) بخاء معجمة وثاء مثلثة مخففة وراء، في الصحاح خثرت نفسه بالفتح أي اختلطت وقوم خثرى الأنفس خثراء الأنفس أي مختلطون وقال ابن الأثير في حديث (أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خائر النفس) أي ثقيل النفس غير طيب ولا نشط (قوله وملك النفس) بكسر الميم (قوله على الفسولة) بضم الفاء والسين المهملة يقال فسل بالضم فسالة وفسولة فهو فسل أي رزل (قوله أبو الفضل الأصبهاني) هو ابن حبرون وقد تقدم قال القاضى عياض قال أبو عبيد: إصبهان بكسر الهمزة وقال بعضهم بفتحها وأهل خراسان يقولون بالفاء مكان الباء وقال الكاشغرى في كتاب (مجمع الغرائب) كسر الهمزة هو الصحيح بالباء كان أو بالفاء، قال المزى. المعروف فتح الهمزة والباء مفتوحة لا غير وقد تبدل بالفاء. (*)

[ 85 ]

سليمان بن أحمد قال حدثنا أبو بكر بن سهل قال حدثنا عبد الله بن صالح حدثنى معاوية بن صالح أن يحيى بن جابر حدثه عن المقدام ابن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)، ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب قال سفيان الثوري بقلة الطعام يملك سهر الليل، وقال بعض السلف: لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا، وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف (أي كثرة الأيدى) وعن عائشة رضى الله عنها: لم يمتلئ جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا قط، وأنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه إن أطعموه أكل وما أطعموه قبل وما سقوه شرب، ولا يعترض على هذا بحديث بريرة وقوله (ألم أر البرمة فيها لحم) إذ لعل سبب سؤاله ظنه صلى الله عليه وسلم اعتقادهم أنه لا يحل له فأراد بيان سنته، إذ رآهم لم يقدموه إليه


(قوله أكلات) بضم الهمزة والكاف وفتح اللام جمع أكلة بضم الهمزة وسكون الكاف وهى اللقمة، وأما الأكلة بفتح الهمزة وسكون الكاف فالمرة من الأكل (قوله على ضفف) بضاد معجمة وفاء مفتوحتين بعدهما فاء أخرى فسره القاضى بكثرة الأيدى وهو قول الخليل وفسره أبو يزيد بالضيق والشدة قال الأسمعي أن تكون الأكلة أكثر من الطعام (قوله بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى هي مولاة عائشة وهى بنت صفوان، كذا نسبها النووي، قال بعضهم قبطية وقال الذهى حبشية. (*)

[ 86 ]

مع علمه أنهم لا يستأثرون عليه به فصدق عليهم ظنه وبين لهم ما جهلوه من أمره بقوله (هو لها صدقة ولنا هدية) وفى حكمة لقمان: يا بنى إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، وقال سحنون: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع، وفى صحيح الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (أما أنا فلا آكل متكئا) والاتكاء هو التمكن للأكل والتقعدد في الجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التى يعتمد فيها الجالس على ما تحته والجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل ويستكثر منه، والنبى صلى الله عليه وسلم إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا ويقول (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق عند المحققين. وكذلك نومه صلى الله عليه وسلم كان قليلا شهدت بذلك الآثار الصحيحة، ومع ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم (إن عينى تنامان ولا ينام قلبى) وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم لأنه على الجانب الأيسر أهنا لهدو القلب وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة


(قوله لقمان) قال الثعلبي في تفسيره كان لقمان مملوكا وكان أهون مملوكي سيده عليه، وروى أنه كان عبدا حبشيا نجارا واسم أبيه أنعم وقيل ما ثان وقيل مكشورا (قوله المعدة) بكسر العين المهملة مع فتح الميم وبإسكان العين المهملة مع فتح الميم وكسرها وبكسرهما (قوله مقعيا) قال الهروي قال ابن شميل الإقعاء أن يجلس على وركيه وهو الاحتفاز والاستنضار. (*)

[ 87 ]

حينئذ لميلها إلى الجانب الأيسر فيستدعى ذلك الاستثقال فيه والطول، وإذا نام النائم على الأيمن تعلق القلب وقلق فأسرع الافافة ولم يغمره الاستغراق. (فصل) والضرب الثاني ما يتفق التمدح بكثرته والفخر بوفوره كالنكاح والجاه. أما النكاح فمتفق فيه شرعا وعادة فإنه دليل الكمال وصحة الذكورية ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة والتمادح به سيرة ماضية، وأما في الشرع فسنة مأثورة، وقد قال ابن عباس: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء، مشيرا إليه صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم (تناكحوا تناسلوا فإنى مباه بكم الأمم) ونهى عن التبتل مع ما فيه من قمع الشهوة وغض البصر اللذين نبه عليهما صلى الله عليه وسلم بقوله (من كان ذا طول فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) حتى لم يره العلماء مما يقدح في الزهد، قال سهل ابن عبد الله: قد حببن إلى سيد المرسلين فكيف يزهد فيهن ؟ ونحوه


(قوله لم يغمره) بالغين المعجمة وسكون الراء من غمره الماء إذا علاه (قوله فإنى مباه) الذى في سنن أبى داود والنسائي وابن ماجه (فإنى مكاثر بكم الأمم) (قوله عن التبتل) هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح، وامرأة بتول منقطعة عن الرجال، وبه سميت أم عيسى عليه السلام وسميت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لانقطاعها عن النساء، فضلا ودينا وحسبا وقيل لانقطاعها عن الدنيا (قوله من كان ذا طول) الطول بفتح الطاء المهملة وإسكان الواو: الفضل والمقدرة. (*)

[ 88 ]

لابن عيينة، وقد كان زهاد الصحابة رضى الله عنهم كثيرى الزوجات والسرارى كثيرى النكاح، وحكى في ذلك عن على والحسن وابن عمر وغيرهم غير شئ، وقد كره غير واحد أن يلقى الله عزبا. فإن قيل كيف يكون النكاح وكثرته من الفضائل وهذا يحيى بن زكريا عليه السلام قد أثنى الله تعالى عليه أنه كان حصورا، فكيف يثنى الله عليه بالعجز عما تعده فضيلة وهذا عيسى ابن مريم عليه السلام تبتل من النساء ولو كان كما قررته لنكح ؟ فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم إنه كان هيوبا أو لا ذكر له بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا هذه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصر عنها، وقيل مانعا نفسه من الشهوات، وقيل ليست له شهوة في النساء. فقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها إما بمجاهدة كعيسى عليه السلام أو بكفاية من الله تعالى كيحيى


(قوله عزبا) بفتح المهملة والزاى: من لا أهل له، كذا في القاموس (قوله يحيى بن زكريا) هو من ذرية سليمان بن داود صلوات الله عليهم أجمعين (قوله إنه كان هيوبا) الهيوب بفتح الهاء وضم المثناة التحتية الذى يهاب الفعل المعروف، في الصحاح وفى الحديث (الإيمان هيوب) أي صاحبه يهاب المعاصي (قوله حصور) الحصور الذى يحبس نفسه عما يكون من الرجال مع النساء، وقيل شهوات الدنيا كلها (فعول) بمعنى مفعول كما يقال ناقة حلوب. (*)

[ 89 ]

عليه السلام فضيلة زائدة لكونها مشغلة في كثير من الأوقات حاطة إلى الدنيا، ثم هي في حق من أقدر عليها وملكها وقام بالواجب فيها ولم يشغله عن ربه درجة علياء وهى درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذى لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته إياهن بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال عليه السلام (حبب إلى من دنياكم) فدل أن حبه لما ذكر من النساء والطيب اللذين هما من أمر دنيا غيره واستعماله لذلك ليس لدنياه بل لآخرته، للفوائد التى ذكرناها في التزويج وللقاء الملائكة في الطيب ولأنه أيضا مما يحض على الجماع ويعين عليه ويحرك أسبابه، وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره وقمع شهوته وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدة جبروت مولاه ومناجاته ولذلك ميز بين الحبين وفصل بين الحالين فقال (وجعلت قرة عينى في الصلاة) فقد ساوى يحيى وعيسى في كفاية فتنتهن وزاد فضيلة بالقيام بهن، وكان صلى الله عليه وسلم ممن أقدر على القوة في هذا وأعطى الكثير منه ولهذا أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره، وقد روينا عن أنس أنه صلى الله عليه


(قوله حاطة) بالحاء والطاء المشددة المهملتين (قوله أقدر) بضم الهمزة وكسر الدال (قوله ولم يشغله) بفتح المثناة التحتية في أوله (قوله وقد روينا) قال المزى يقال روينا بفتح الراء والواو وروينا بضم الراء وكسر الواو المشددة. (*)

[ 90 ]

وسلم كان بدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال أنس وكنا نتحدث أنه اعطى قوة ثلاثين رجلا خرجه النسائي، وروى نحوه عن أبى رافع، وعن طاووس أعطى عليه السلام قوة أربعين رجلا في الجماع، ومثله عن صفوان بن سليم، وقالت سلمى مولاته: طاف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة على نسائه التسع


(قوله وهن إحدى عشرة) هكذا في صحيح البخاري عن أنس وفيه أيضا عنه تسع نسوة وجمع بينهما بأن أزواجه كن تسعا في هذا الوقت وسريتاه مارية وريحانة على رواية من روى أن ريحانة كانت أمة وروى بعضهم أنها كانت زوجة وقال ابن حيان حكى أنس هذا الفعل منه في أول قدومه المدينة حيث كانت تحته تسع نسوة ولا نعلم أنه تزوج نساءه كلهن في وقت واحد ولا يستقيم هذا إلا في آخر أمره حيث اجتمع عنده تسع نسوة وجاريتان ولا نعلم أنه اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة بالتزويج فإنه تزوج بإحدى عشر أولهن خديجة ولم يتزوج عليها حتى ماتت (قوله قال أنس) وكنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين) في الحلية لأبى نعيم عن مجاهد أعطى قوة أربعين رجلا كل رجل من رجال أهل الجنة انتهى، وروى الترمذي أن رجال أهل الجنة قوة كل رجل منهم بقوة سبعين رجلا وصححه وروى بقوة مائة رجل وقال صحيح غريب (قوله وروى نحوه عن أبى رافع) هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل اسمه إبراهيم وقيل أسلم وقيل ثابت وقيل هرمز وقيل صالح كان قبطيا، والذى رواه أبو رافع أخرجه الترمذي في الطهارة والنسائي في عشرة النساء أنه عليه السلام طاف على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه: الحديث (قوله وعن طاووس) هو ابن كيسان اليماني، وقيل اسمه ذكوان فلقب بطاووس، قال ابن معين لأنه كان طاووس القراء (قوله صفوان ابن سليم (بضم السين المهملة وفتح اللام إمام جليل (قوله سلمى) بفتح السين المهملة بلا خلاف هي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل مولاة صفية وهى زوج أبى رافع وداية فاطمة الزهراء. (*)

[ 91 ]

وتطهر من كل واحدة قبل أن يأتي الأخرى وقال (هذا أطيب واطهر)، وقد قال سليمان عليه السلام لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، وإنه فعل ذلك، قال ابن عباس: كان في ظهر سليمان ماء مائة رجل وكان له ثلاثمائة امرأة وثلاثمائة سرية، وحكى النقاش وغيره سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية، وقد كان لداود عليه السلام على زهده وأكله من عمل يده تسع وتسعون امرأة وتمت بزوج أو رياء مائة، و قد نبه على ذلك في الكتاب العزيز بقوله تعالى (إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة) وفى حديث أنس عنه عليه السلام) فضلت على الناس بأربع: بالسخاء والشجاعة وكثرة الجماع وقوة البطش) * وأما الجاه فمحمود عند العقلاء عادة وبقدر جاهه عظمه في القلوب وقد قال الله تعالى في صفة عيسى عليه السلام (وجيها في الدنيا والآخرة) لكن آفاته كثيرة فهو مضر لبعض الناس لعقبى الآخرة: فلذلك ذمه من ذمه


(قوله سليمان) كان أبوه داود عليه السلام يشاوره في أمور مع صغر سنه، قال أهل التاريخ: كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاث عشر سنة وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين يعنى ابتدأ تجديده لأن يعقوب هو الذى بناه، وبهذا - أعنى بكون يعقوب هو الذى بناه - يتبين ما في الصحيحين من حديث أبى ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال (المسجد الحرام) قلت ثم أي ؟ قال (المسجد الأقصى) قلت كم بينهما ؟ قال (أربعون عاما) (قوله وثلاثمائة سرية) في المستدرك للحاكم في ترجمة عيسى ابن مريم أن سليمان عليه السلام كان له تسعمائة سرية (قوله أو رياء) بهمزة مضمومة وواو ساكنة وراء مكسورة ومثناة تحتية ومدة. (*)

[ 92 ]

ومدح ضده وورد في الشرع مدح الخمول وذم العلو في الأرض، وكان صلى الله عليه وسلم قد رزق من الحشمة والمكانة في القلوب والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه ويقصدون أذاه في نفسه خفية حتى إذا واجههم أعظموا أمره وقضوا حاجته. وأخباره في ذلك معروفة سيأتي بعضها، وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته من لم يره كما روى عن قيلة أنها لما رأته أرعدت من الفرق فقال (يا مسكينة عليك السكينة)، وفى حديث أبى مسعود أن رجلا قام بين يديه فأرعد فقال له (هون عليك فإنى لست بملك) الحديث * فأما عظيم قدره * بالنبوة وشريف منزلته بالرسالة وإنافة رتبته بالاصطفاء والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم. وعلى معنى هذا الفصل نظمنا هذا القسم بأسره. (فصل) وأما الضرب الثالث فهو ما تختلف الحالات في التمدح


(قوله عند الجاهلية) هي ما قبل مبعثه عليه السلام، سموا بذلك لكثرة جهالاتهم، كذا قال النووي (قوله يفرق) بفتح المثناة التحتية وسكون الفاء وفتح الراء أي يفزع (قوله قيلة) بفتح القاف وسكون المثناة التحتية وهى قيلة بنت محرمة العنبرية في الشمائل للترمذي أنها رأته عليه السلام وهو قاعد القرفصاء قالت فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرعدت من الفرق وفى الصحابيات اثنتان آخرتان كل واحدة منهما قيلة: الأولى قيلة أم بنى أنمار ويقال أخت بنى أنمار والثانية قيلة الخزاعية أم سباع (قوله فأرعد) بضم الهمزة وكسر العين أي أخذته الرعدة (قوله وإنافة رتبته) الإنافة بكسر الهمزة مصدر أناف على الشئ أشرف عليه وأنافت الدراهم على المائة زادت (*)

[ 93 ]

به والتفاخر بسببه والتفضيل لأجله ككثرة المال فصاحبه على الجملة معظم عند العامة لاعتقادها توصله به إلى حاجاته وتمكن أعراضه بسببه وإلا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان المال بهذه الصورة وصاحبه منفقا له في مهماته ومهمات من اعتراه وأمله وتصريفه في مواضعه مشتريا به المعالى والثناء الحسن والمنزلة من القلوب كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا، وإذا صرفه في وجوه البر وأنفقه في سبل الخير وقصد بذلك الله والدار الآخرة كان فضيلة عند الكل بكل حال، ومتى كان صاحبه ممسكا له غير موجهه وجوهه حريصا على جمعه عاد كثره كالعدم وكان منقصة في صاحبه ولم يقف به على جدد السلامة بل أوقعه في هوة رذيلة البخل ومذمة النذالة، فإذا التمدح بالمال وفضيلته عند مفضله ليس لنفسه وإنما هو للتوصل به إلى غيره وتصريفه في متصرفاته، فجامعه إذا لم يضعه مواضعه ولا وجه وجوهه غير ملئ بالحقيقة ولا غنى بالمعنى ولا ممتدح


(قوله توصله) بفتح أوله وثانيه وتشديد الضاد المهملة المضمومة (قوله من اعتراء يقال عراء هذا الأمر واعتراه أي عشيه (قوله عاد كثره) الكثر بضم الكاف: المال الكثير يقال ماله قل ولا كثر (قوله وكان منقصة) بفتح القاف وكسرها (قوله على جدد السلامة) الجدد بفتح الجيم وبدالين مهملتين أولهما مفتوحة: الأرض الصلبة، وفى البيان: الجدد المستوى من الأرض (قوله في هوة) الهوة بضم الهاء وتشديد الواو المفتوحة: الوهدة العميقة (قوله غير ملئ) بالهمزة في آخره، في الصحاح يقال ملؤ الرجل صار مليا أي ثقة فهو غنى ملى بين الملاء والملاءة ممدودان (*)

[ 94 ]

عند أحد من العقلاء بل هو فقير أبدا غير واصل إلى غرض من أغراضه، إذ ما بيده من المال الموصل لها لم يسلط عليه، فأشبه خازن مال غيره ولا مال له فكأنه ليس في يده منه شئ، والمنفق ملى غنى بتحصيله فوائد المال وإن لم يبق في يده من المال شئ. فانظر سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وخلقه في المال تجده قد أوتى خزائن الأرض ومفاتيح البلاد وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبى قبله وفتح عليه في حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما دابى ذلك من الشام والعراق وجلبت إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادته جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشئ منه ولا أمسك منه درهما بل صرفه مصارفه وأغنى به غيره وقوى به المسلمين وقال (ما يسرنى أن لى أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين) وأتته دنانير مرة فقسمها وبقيت


(قوله وجميع جزيرة العرب) قال الأصمعى هو ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام في العرض، وقال أبو عبيدة هو ما بين حفر أبى موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل سر من رأى إلى منقطع السماوة في العرض (قوله من الشأم) بهمزة ساكنة وقد تخفف وتذكر وتؤنث ويقال أيضا شآم بفتح الأول والثانى على وزن فعال والمشهور أن حده من العريش إلى الفرات طولا وقيل إلى نابلس ومن جبل طيئ من نحو القبلة إلى نحو الروم وما يسامت ذلك من البلاد. قال ابن عساكر في تاريخه دخول الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوله لو أن لى أحد) بضم همزة والمهملة جبل معروف بالمدينة. (*)

[ 95 ]

منها ستة فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها وقال: (الآن استرحت) ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله واقتصر من نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعوه ضرورته إليه وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده فيلبس في الغالب الشملة والكساء الخشن والبرد الغليظ ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوصة بالذهب ويرفع لمن لم يحضر، إذ المباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة وهى من سمات النساء، والمحمود منها نقاوة الثوب والتوسط في جنسه وكونه لبس مثله غير مسقط لمروءة جنسه مما لا يؤدى إلى الشهرة في الطرفين وقد ذم الشرع ذلك، وغاية الفخر فيه في العادة عند الناس إنما يعود إلى الفخر بكثرة الموجود ووفور الحال وكذلك التباهي بجودة المسكن وسعة المنزل وتكثير آلاته وخدمه


(قوله ودرعه مرهونة) الدرع بكسر الدال المهملة وسكون الراء: الزردية، مؤنثة، والجمع القليل أدرع وأدراع، فإذا كثرت فهى الدروع وتصغيرها دريع على غير قياسه لأن قياسه بالهاء، وحكى أبو عبيد أن الدرع يذكر ويؤنث، وأما درع المرأة - وهو قميصها - فمذكر والجمع أدراع، وكان له صلى الله عليه وسلم سبع أدراع: ذات الفضول سميت بذلك لطولها أرسلها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وفى الهدى لابن قيم الجوزية إنها التى رهنها صلى الله عليه وسلم وذات الوشاح وذات الحواشى والسعدية والفضة أصابها من بنى قينقاع، ويقال السعدية كانت درع داود التى لبسها لقتال جالوت البتراء والجونق (قوله المخوصة) بضم الميم فمعجمة مفتوحة فواو مشددة مفتوحة: أي المنسوجة بالذهب كخوص النخل قاله ابن الأثير (قوله نقاوة الثوب) النقاوة - بفتح النون - النظافة، وبضمها. الخيار (قوله وسعة المنزل) بفتح السين المهملة (*)

[ 96 ]

ومركوباته، ومن ملك الأرض وجبى إليه ما فيها وترك ذلك زهدا وتنزها فهو حائز لفضيلة المالية ومالك للفخر بهذا الخصلة إن كانت فضيلة زائد عليها في الفخر ومعرق في المدح بإضرابه عنها وزهده في فانيها وبذلها في مظانها. (فصل) وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة التى اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما فوقه وأثنى الشرع على جميعها وأمر بها ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها ووصف بعضها بأنه من أجزاء النبوة وهى المسماة بحسن الخلق وهو الاعتدال في قوى النفس وأوصافها والتوسط فيها دون الميل إلى منحرف أطرافها، فجميعها قد كانت خلق نبينا صلى الله عليه وسلم على الانتهاء في كمالها والاعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله عليه بذلك فقال تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) قالت عائشة رضى الله عنها: كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه، وقال صلى الله عليه وسلم (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، قال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وعن على بن


(قوله ومعرق بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الراء، في الصحاح أعرق الرجل صار عريقا وهو الذى له عرق في الكرم (قوله بإضرابه) بكسر الهمزة مصدر اضرب أي أعرض (قوله يرضى برضاه) أي يرضى برضاء القرآن ويسخط بسخط القرآن، يعنى أن رضاه لم يكن إلا لأوامر الله، وسخطه لم يكن إلا لنواهيه، (*)

[ 97 ]

ابى طالب رضى الله عنه مثله، وكان فيما ذكره المحققون مجبولا عليها في أصل خلقته وأول فطرته لم تحصل له باكتساب ولا رياضة إلا بجود إلهى وخصوصية ربانية، وهكذا لسائر الأنبياء، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك كما عرف من حال عيسى وموسى ويحيى وسليمان وغيرهم عليهم السلام بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة وأودعوا العلم والحكمة في الفطرة قال الله تعالى (وآتيناه الحكم صبيا) قال المفسرون: أعطى الله يحيى العلم بكتاب الله تعالى في حال صباه، وقال معمر: كان ابن سنتين أو ثلاث فقال له الصبيان لم لا تلعب ؟ فقال (أللعب خلقت) ؟ وقيل في قوله تعالى (مصدقا بكلمة من الله) صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث سنين فشهد له أنه كلمة الله وروحه، وقيل صدقه وهو في بطن أمه فكانت أم يحيى تقول لمريم إنى أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له، وقد نص الله تعالى على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله لها (لا تحزني) على قراءة من قرأ (من تحتها) وعلى قول من قال إن المنادى عيسى ونص على كلامه في مهده فقال (إنى عبد الله


(قوله في الفطرة) أي الخلقة (قوله على قراءة من قرأ من تحتها) بفتح الميم والتاء قال البغوي: قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وحفص بكسر الميم والتاء، والمعنى نادى جبرئيل مريم من تحتها بأن كانت مريم على أكمة وكان جبريل تحت الأكمة، وقرأ الاخرون بفتح الميم والتاء والمراد جبريل عند ابن عباس والسدى وقتادة والضحاك، وعند مجاهد والحسن: المراد عيسى لما خرج من بطن أمه (*)

[ 98 ]

آتانى الكتاب وجعلني نبيا) وقال تعالى (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) وقد ذكر من حكم سليمان وهو صبى يلعب في قضية المرجومة وفى قصة الصبى ما اقتدى به داود أبوه، وقال الطبري إن عمره حين أوتى الملك اثنا عشر عاما، وكذلك قصة موسى مع فرعون وأخذه بلحيته وهو طفل. وقال المفسرون في قوله تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل) أي هديناه صغيرا، قاله مجاهد وغيره، وقال ابن عطاء: اصطفاه قبل إبداء خلقه، وقال بعضهم: لما ولد إبراهيم عليه السلام بعث الله تعالى إليه ملكا يأمره عن الله أن يعرفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال: قد فعلت ولم يقل أفعل


(قوله في قصة المرجومة وفى قصة الصبى) أما قصة المرجومة فروى أن رجلا راود امرأة في زمن داود عليه السلام فامتنع فأقام أربعة شهود زور، وشهدوا بزناها، فهم داود برجمها، فبلغ ذلك سليمان فدعا الشهود متفرقين فاختلفوا، فبلغ ذلك داود فدعاهم متفرقين فاختلفوا، فدرأ الحد عنها. وأما قصة الصبى فهى ما روى البخاري وغيره أن امرأتين كبرى وصغرى لكل منهما ابن ذهب الذئب بابن إحداهما فاختصما في الابن الآخر إلى داود فقضى به للكبرى، فلما مر على سليمان فقال شقه بينهما فقالت الصغرى: هو ابنها فقضى به للصغرى، قال النووي: يحتمل أن داود قضى به للكبرى لشبه بينهما أو لأن في شريعته الترجيح بالكبرى أو باليد وكان في يدها، وأما سليمان فتوصل بملاطفته إلى باطل القضية، ولعله استقرر الكبرى فأقرت بعد ذلك به للصغرى، فحكم به لها بإقرار صاحبتها لا بمجرد الشفقة، فإن قيل المجتهد لا ينقض حكم المجتهد، فالجواب أن سليمان فعل ذلك توسلا إلى إظهار الحق فلما أقرت به الكبرى عمل بإقرارها، أو ليل في شرعهم ما يجوز للمجتهد نقض حكم المجتهد (قوله مع فرعون) هو عدو الله الوليد بن مصعب بن الريان، كان من القبط العماليق، وعمر أكثر من أربعمائة سنة (*)

[ 99 ]

فذلك رشده، وقيل إن إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار ومحنته كانت وهو ابن ست عشرة سنة وإن ابتلاء إسحاق بالذبح كان وهو ابن سبع سنين، وإن استدلال إبراهيم بالكوكب والقمر


(قوله وإن ابتلاء إسحاق بالذبح) في أنوار التنزيل للبيضاوي: والأظهر بيا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك (اسمعيل) لأنه الذى ذهب به أثر الهجرة أي هجرته مع لوط وسارة إلى الشام، وقيل إلى حران: وهى بتشديد الراء ونون في الآخر، وللنسبة إليها حرنى بنون بعد الراء الساكنة على غير قياس، كما قالوا منائى في النسبة إلى منان والقياس ما نوى وجرانوى والعامة عليها، وهى في الإقليم الرابع، مدينة عظيمة بين الموصل الشام والروم بينها وبين الرها يوم وبين الرقة يومان، قال المفسرون في قوله تعالى (إنى مهاجر إلى ربى) إن التى هاجر إلهيا حران. وفى قوله تعالى (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها للعالمين) هي حران، فتحت في أيام عمر بن الخطاب على يد عياض بن غنم صلحا مثل ما صالحه عليه أهل الرها، ولأن البشارة بإسحاق معطوفة على البشارة بهذا الغلام، ولقوله عليه السلام (أنا ابن الذبيحين) فأحدهما جده إسمعيل، والآخر أبوه عبد الله فداه أبوه بمائة من الإبل ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة، احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن اسحاق ثمة، ولأن البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقا. وفى تفسير القرطبى وهو قول أبى هريرة وأبى الطفيل عامر بن واثلة، وروى عن ابن عمر وابن عباس وسعيد ابن المسيب والشعبى ويوسف بن مهران ومجاهد، وقيل المخاطب به إسحاق وهو قول الأكثرين، وممن قال بذلك: العباس وعمر وجابر في أربعة آخرين من اصحابة وجماعة من التابعين وهو قول أهل الكتابين، قال سعد بن جبير سار بن مسية شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف الله عنه الذبح سار به مسيرة شهر في غداة واحدة. وفى الهدى لابن قيم الجوزية: واسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فمردود بأكثر من عشرين وجها (*)

[ 100 ]

والشمس كان وهو ابن خمسة عشر شهرا، وقيل أوحى الله تعالى إلى يوسف وهو صبى عند ما هم إخوته بإلقائه في الجب يقول الله تعالى (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا) الآية إلى غير ذلك مما ذكر من أخبارهم. وقد حكى أهل السير أكن آمنة بنت وهب أخبرت أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولد حين ولد باسطا يديه إلى الأرض رافعا رأسه إلى السماء، وقال في حديثه صلى الله عليه وسلم (لما نشأت بغضت إلى الأوثان وبغض إلى الشعر ولم أهم بشئ مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أعد) ثم يتمكن الأمر لهم وتترادف نفحات الله تعالى علهيم وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم حتى يصلوا إلى الغاية ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة ولا رياضة قال الله تعالى (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما) وقد


(قوله إلى يوسف) قال الثعلبي: كان يوسف عليه السلام أبيض اللون حسن الوجه جعد الشعر ضخم العين مستوى الخلق غليظ الساعدين والعضدين خميص البطن أقنى الأنف بخده الأيمن خال أسود وبين عينيه، توفى وهو ابن مائة وعشرين سنة ودفن بمصر بالنيل ثم حمله عليه السلام إلى الشام حين خرجت بنو إسرائيل من مصر (قوله الأوثان) بالمثلثة جمع وثن وهو الجثة من أجزاء الأرض أو الخشب تعبد، وفى حديث عدى بن حاتم: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وفى عنقي صليب من ذهب فقال (ألق عنك هذا الوثن) وفى الصحاح الوثن: الصنم. والصنم، واحد الأصنام ويقال إنه معرب (ممن) وهو الوثن (قوله أهم) بفتح الهمزة وضم الهاء (قوله ثم يتمكن الأمر) عطف على قوله قبل هذا (وهكذا لسائر الأنبياء) (*)

[ 101 ]

نجد غيرهم يطبع على بعض هذه الأخلاق دون جميعها ويولد عليها فيسهل عليه اكتساب تمامها عناية من الله تعالى كما نشاهد من خلقه بعض الصبيان على حسن السمت أو الشهامة أو صدق اللسان أو السماحة وكما نجد بعضهم على ضدها، فبالاكتساب يكمل ناقصها وبالرياضة والمجاهدة يستجلب معدومها ويعتدل منحرفها، وباختلاف هذين الحالين يتفاوت الناس فيها، وكل ميسر لما خلق له، ولهذا ما قد اختلف السلف فيها: هل هذا الخلق جبلة أو مكتسبة ؟ وحكى الطبري عن بعض السلف أن الخلق الحسن جبلة وغريزة في العبد، وحكاه عن عبد الله بن مسعود والحسن وبه قال هو، والصحيح ما أصلناه. وقد روى سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب) وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في حديثه: والجرأة والجبن غرائز يضعهما الله حيث يشاء. وهذه الأخلاق المحمودة والخصال الجميلة الشريفة كثيرة ولكننا نذكر أصولها ونشير إلى جميعها ونحقق وصفه صلى الله عليه وسلم بها إن شاء الله.


(قوله على حسن السمت) أي الطريقة وهيئة أهل الخير (قوله والشهامة) بفتح الشين المعجمة مصدر شهم الرجل بضم الهاء فهو شهم: أي جلد ذكى الفؤاد (قوله ولهذا ما قد اختلف) هكذا وقع في كثير من النسخ بزيادة (ما) للتأكيد (قوله والجرأة) هي الشجاعة على وزن الجرعة ويقال الجرة بفتح الراء وحذف الهمزة (*)

[ 102 ]

(فصل) أما أصل فروعها وعنصر ينابيعها ونقطة دائرتها فالعقل الذى منه ينبعث العلم والمعرفة ويتفرع من هذا ثقوب الرأى وجودة الفطنة والإصابة وصدق الظن والنظر للعواقب ومصالح النفس ومجاهدة الشهوة وحسن السياسة والتدبير واقتناء الفضائل وتجنب الرذائل، وقد أشرنا إلى مكانه منه صلى الله عليه وسلم وبلوغه منه ومن العلم الغاية القصوى التى لم يبلغها بشر سواه وإذ جلالة محله من ذلك ومما تفرع منه متحققة عند من تتبع مجارى أحواله واطراد سيره وطالع جوامع كلامه وحسن شمائله وبدائع سيره وحكم حديثه وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة وحكم الحكماء وسير الأمم الخالية وأيامها وضرب الأمثال وسياسات الأنام وتقرير الشرائع وتأصيل الآداب النفيسة والشيم الحميدة إلى فنون العلوم التى اتخذ أهلها كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة وإشاراته حجة كالعبارة والطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك مما سنبينه في معجزاته إن شاء الله تعالى دون تعليم ولا مدارسة ولا مطالعة كتب من تقدم ولا الجلوس إلى علمائهم بل نبى أمي


(قوله ونقطة دائرتها) أي مركز دائرتها وهى النقطة التى في وسط الدائرة يقوم فيها إحدى عشر قوائم البركار وجميع الخطوط الخارجة منها إلى الدائرة متساوية (قوله وحكم) بكسر الحاء المهملة (قوله كالعبارة) يقال عبرت الرؤيا أعبرها عبارة (قوله والطب) هو مثلث الطاء (*)

[ 103 ]

لم يعرف بشئ من ذلك حتى شرح الله صدره وأبان أمره وعلمه وأقرأه، يعلم ذلك بالمطالعة والبحث عن حاله ضرورة وبالبرهان القاطع على نبوته نظرا فلا نطول بسرد الأقاصيص وآحاد القضايا، إذ مجموعها ما لا يأخذه حصر ولا يحيط به حفظ جامع، وبحسب عقله كانت معارفه صلى الله عليه وسلم إلى سائر ما علمه الله تعالى وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان وعجائب قدرته وعظيم ملكوته قال الله تعالى (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) حارت العقول في تقدير فضله عليه وخرست الألسن دون وصف يحيط بذلك أو ينتهى إليه (فصل) وأما الحلم والاحتمال والعفو مع المقدرة والصبر على ما يكره وبين هذه الألقاب فرق فإن الحلم حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات، والاحتمال حبس النفس عند الآلام والمؤذيات ومثلها الصبر ومعانيها متقاربة، وأما العفو فهو ترك المؤاخذة وهذا كله مما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف)


(قوله خرست) بكسر الراء (قوله مع المقدرة) بضم الدال وفتحها أي القدرة (قوله جبريل) قيل جبريل وميكائيل اسمان أضيفا إلى إيل أو إلى إل، وإيل وإل اسمان لله تعالى، وجبروميك معناه بالسريانية عبد، ورده أبو على الفارسى بأن إيل وإل لا يعرفان من أسماء الله تعالى وبأنه لو كان كذلك لم ينصرف آخر الاسم في وجوه العربية ولكان آخره مجرورا أبدا كعبد الله، قال النووي: وهذا الذى قاله هو الصواب (*)

[ 104 ]

الآية، روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم نزلت عليه هذه الآية سأل جبريل عليه السلام عن تأويلها فقال له حتى أسال العالم ثم ذهب فأتاه فقال يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك وقال له (واصبر على ما أصابك) الآية وقال تعالى (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) وقال (وليعفوا وليصفحوا) الآية وقال تعالى (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا وعلى إسراف الجاهل إلا حلما * حدثنا القاضى أبو عبد الله محمد بن على التغلبي وغيره قالوا حدثنا محمد بن عتاب حدثنا أبو بكر بن واقد القاضى وغيره حدثنا أبو عيسى حدثنا عبيد الله حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضى الله عنها قالت


(قوله أولو العزم) أي الجد والثبات وفى أنوار التنزيل في قوله تعالى (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) من للتبيين وقيل للتبعيض، وأولو العزم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبرا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها، ومشاهيرهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى، وقيل الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وابراهيم صبر على النار وذبح ولده، والذبيح على الذبح، ويعقوب على فقد الولد والبصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى قال له قومه (إنا لمدركون قال كلا إن معى ربى سيهدين) وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة انتهى (*)

[ 105 ]

(ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار ايسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا وقالوا لو دعوت عليهم فقال (إنى لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) وروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال في بعض


(قوله ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما) قال النووي قال القاضى: يحتمل أن يكون تخييره من الله فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة والاقتصاد فكان يختار الأيسر في هذا كله، قال وأما قولها: ما لم يكن إثما، فيتصور إذا خيره الكفار أو المنافقون، فأما إذا كان التخيير من الله أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا (قوله لما كسرت رباعيته وشج وجهه) الرباعية السن التى بين الثنية والناب وهى بفتح الراء وتخفيف الموحدة وكسر العين المهملة وتخفيف المثناة التحتية، وفى سيرة ابن هشام: أن عتبة بن أبى وقاص أخو سعد بن أبى وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في وجهه وأن ابن قميئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته، وقد اختلف في إسلام عتبة، والصحيح أنه لم يسلم، قال السهيلي ولم يولد من نسله ولد، فبلغ الحلم إلا وهو أبخر واهم، يعرف ذلك في عقبه، وأما عبد الله بن شهاب فأسلم، وهو جد شيخ مالك محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، وقد قيل لابن شهاب شيخ مالك: أكان جدك عبد الله بن شهاب ممن شهد بدرا ؟ فقال نعم، ولكن من ذلك الجانب يعنى مع الكفار، وأما ابن قميئة واسمه عبد الله فنطحه تيس فتردى من شاهق، وفى مستدرك الحاكم: أنه لما فعل عتبة ما فعل جاء حاطب بن = = أبى بلتعة فقال يا رسول الله من فعل هذا بك ؟ فأشار إلى عتبة، فتبعه حاطب حتى قتله وجاء بفرسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (*)

[ 106 ]

كلامه: بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا فلقد وطئ ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك فأتبى أن تقول إلا خيرا فقلت اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، قال القاضى أبو الفضل وفقه الله: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان وحسن الخلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم فقال اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله لقومي، ثم اعتذر عنهم بجهلهم فقال فإنهم لا يعلمون، ولما قال له الرجل اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله: لم يزده في جوابه أن بين له ما جهله ووعظ نفسه وذكرها بما قال له فقال ويحك (فمن يعدل إن لم أعدل ؟ خبت وخسرت إن لم أعدل) ونهى من أراد من أصحابه قتله، ولما تصدى


(قوله بأبى أنت وأمى) أي بأبى أنت مفدى وبأمى أي بأبى فديتك أنت وبأمى (قوله ولما قال له الرجل اعدل) هو ذو الخويصرة التميمي قتل في الخوارج يوم النهروان ويقال حرقوص، كذا في تجريد الذهبي (قوله خبت وخسرت) بضم التاء الفوقية فيهما، كذا عن المزى حال القراءة عليه لأنه معلق بعدم العدل الذى هو معصوم منه صلى الله عليه وسلم وليلائم قول القاضى وعظ نفسه وذكرها (قوله ونهى من أراد من أصحابه قتله) هو خالد بن الوليد، وقيل عمر (قوله ولما تصدى له غورث) هو بغين معجمة = = مفتوحة وقد تضم فواو ساكنة فراء مفتوحة فثاء مثلثة: أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك (*)

[ 107 ]

له غورث بن الحارث ليفتك به ورسول الله صلى الله عليه وسلم منتبذ تحت شجرة وحده قائلا والناس قائلون في غزاة فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم والسيف صلتا في يده فقال من يمنعك منى ؟ فقال: الله، فسقط السيف من يده: فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال من يمنعك منى ؟ قال كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه، فجاء إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس * ومن عظيم خبره في العفو عفوه عن اليهودية التى سمته في الشاة بعد اعترافها على الصحيح من الرواية، وأنه لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره وقد أعلم به واوحى إليه لشرح أمره، ولا عتب عليه فضلا عن معاقبته


= مفتوحة وقد تضم فواو ساكنة مفتوحة فثاء مثلثة: أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك (قوله ليفتك به) الفتك أن يأتي الرجل إلى آخر ليقتله وهو غافل (قوله منتبذ) بضم الميم وسكون النون وفتح المثناة الفوقية وكسر الباء الموحدة بعدها ذال معجمة أي جالس في ناحية (قوله قائلا) من القيلولة (قوله في غزاة ذات الرقاع (قوله صلتا) بفتح الصاد المهملة وضمها وفى آخره مثناة فوقية أي مسلولا (قوله عن اليهودية التى سمته) في مغازى موسى بن عقبة والدلائل للبيهقي أن اسمها زينب بنت الحارث بن سلام، وقال ابن قيم الجوزية هي امرأة سلام بن مشكم، واختلف فيها فروى ابن اسحاق أنه صفح عنها، وروى أبو داود أنه قتلها وصلبها، وجمع بين هاتين الروايتين بأنه صفح عنها، فلما مات بشر بن البراء بن معرور من الأكلة التى أكلها مع النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة قتلها به قصاصا، وذلك أن بشرا لم يزل معتلا من تلك الأكلة حتى مات منها بعد حول، ويقال إنه مات في الحال. وفى جامع معمر عن الأزهري أنه قال أسلمت فتركها، قال معمر والناس يقولون قتلها وأنها لم تسلم (قوله لبيد بن الأعصم) جاء التصريح بأنه يهودى في الصحيحين وقد هلك = = على يهوديته (*)

[ 108 ]

وكذلك لم يؤاخذ عبد الله بن أبى وأشباهه من المنافقين بعظيم ما نقل عنهم في جهته قولا وفعلا بل قال لمن أشار بقتل بعضهم (لا، لئلا يتحدث أن محمدا يقتل أصحابه) وعن أنس رضى الله عنه كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه ثم قال يا محمد احمل لى على بعيرى هذين من مال الله الذى عندك فإنك لا تحمل لى من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال (المال مال الله وأنا عبده - ثم قال ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بى) قال لا، قال (لم ؟) قال لأنك لا نكافي بالسيئة السيئة فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر، قالت عائشة رضى الله عنها ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله وما ضرب خادما ولا امرأة، وجئ إليه برجل فقيل هذا أراد أن يقتلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (لن تراع لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلط على) وجاءه


(قوله عبد الله بن أبى) هو عبد الله بن أبى ابن سلول بتنوين أبى وكتابة ألف بعدها لأن سلول أم عبد الله وزوجة أبى فلو لم يفعل ذلك لنوهم إن سلول أم أبى وليس كذلك (قوله وأشباهه من المنافقين) قال ابن عباس كان المنافقون من الرجال ثلاثمائة ومن النساء مائة وسبعين (قوله لا يكافئ) بهمزة في آخره (قوله لن تراع) أي لا خوف عليك (قوله وجاءه زيد بن سعنة هو بسين (*)

[ 109 ]

زيد بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه فجبذ ثوبه عن منكبه وأخذ بمجامع نيابه وأغلظ له ثم قال: إنكم يا بنى عبد المطلب مطل فانتهره عمر وشدد له في القول والنبى صلى الله عليه وسلم بتبسم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر: تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضى، ثم قال لقد بقى من أجله ثلاث، وأمر عمر يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روعه فكان سبب إسلامه، وذلك أنه كان يقول ما بقى من علامات النبوة شئ إلا وقد عرفتها في وجه محمد إلا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما، فأخبرته بهذا فوجدته كما وصف، والحديث عن حلمه صلى الله عليه وسلم وصبر وعفوه عند المقدرة أكثر من أن تأتى عليه، وحسبك ما ذكرناه مما في الصحيح والمصنفات الثابتة إلى ما بلغ متواترا مبلغ اليقين من صبره على مقاساة قريش وأذى الجاهلية ومصابرة الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظفره الله عليهم وحكمه فيهم


مفتوحة مهملة وعين ساكنة مهملة ونون مفتوحة: قال ابن ماكولا في إكماله: هو حبر يهودى له ذكر في حديث لعبد الله بن سلام وقال النووي في تهذيبه: هو من أحبار اليهود الذى أسلم وحسن إسلامه وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهد كثيرة وتوفى في غزوة تبوك مقبلا إلى المدينة، وأما أسيد بن سعية: أسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، وسعية والده بفتح السين وسكون العين المهملتين بعدهما مثناة تحتية، قال الذهبي في التجريد زيد بن سعنة بالنون أصح وأسيد بن سعية بالياء أصح (قوله مطل) بضم الميم والطاء المهملة جمع مطول على وزن فعول بمعنى فاعل كغفور (*)

[ 110 ]

وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم فما زاد على أن عنا وصفح، وقال (ما تقولون إنى فاعل بكم ؟ قالوا خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال أقول كما قال أخى يوسف: لا تثريب عليكم الآية، اذهبوا فأنتم الطلقاء) وقال أنس هبط ثمانون رجلا من التنعيم صلاة الصبح ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى (وهو الذى كف أيديهم عنكم) الآية وقال لأبى سفيان وقد سيق إليه بعد أن جلب إليه الأحزاب وقتل عمه وأصحابه ومثل بهم فعفا عنه ولا طفه في القول: (ويحك يا أبا سفيان ألم يئن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ فقال بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأوصلك وأكرمك) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضى، صلى الله عليه وسلم.


وغفر من المطل وهى اللى بالدين (قوله شأفتهم) بشين معجمة وهمزة ساكنة وفاء مخففة وتاء فوقية، في الصحاح: الشأفة قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب يقال في المثل استأصل الله شأفته أي أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكى (قوله خضرائهم) بفتح الخاء وإسكان الضاد المعجمتين بعدها راء فهمزة ممدودة أي جماعتهم وأشخاصهم (قوله تثريب) قيل معناه لا تغيير وقيل لا تأنيب وقيل لا تبغيض وقيل لا أنا في قبول عذركم (قوله الطلقاء) بضم الطاء المهملة وفتح اللام جمع طليق وهو الأسير إذا أطلق وخلى سبيله (قوله من التنعيم) هو من مكة على ثلاثة أميال من جهة المدينة سمى بذلك لأن عن يمينه جبلا يقال له نعيم وعن شماله جبلا يقال له ناعم وبه واد يقال له نعمان (قوله الأحزاب) هم أهل الخندق وكانوا ثلاثة عساكر وعدتهم عشرة آلاف، قال ابن اسحاق وكان في شوال سنة خمس (قوله ومثل بهم) (*)

[ 111 ]

(فصل) وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة ومعانيها متقاربة وقد فرق بعضهم بينها بفروق فجعلوا الكرم الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه وسموه أيضا جرأة وهو ضد النذالة، والسماحة التجا في عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس وهو ضد الشكاسة، والسخاء سهولة الإنفاق وتجنب اكتساب مالا يحمد وهو الجود وهو ضد التقتير، فكان صلى الله عليه وسلم لا يوازى في هذه الأخلاق الكريمة ولا يبارى بهذا، وصفه كل من عرفه. حدثنا القاضى الشهيد أبو على الصدفى رحمه الله حدثنا القاضى أبو الوليد الباجى حدثنا أبو ذر الهروي حدثنا أبو الهيثم الكشميهنى وأبو محمد السرخسى وأبو إسحاق البلخى قالوا حدثنا أبو عبد الله الفربرى حدثنا البخاري حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن ابن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله يقول: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ فقال لا. وعن أنس رضى الله عنه وسهل ابن سعد رضى الله عنه مثله، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وأجود ما كان في شهر رمضان


يقال مثل يالعبد يمثل كقتل يقتل إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو مذاكيره، وأما مثل بالتشديد فللمبالغة (قوله خطره) بالخاء المعجمة والطاء أي قدره (قوله ضد الشكاسة) هو بفتح الشين المعجمة وتخفيف الكاف وبعدها ألف وسين مهملة، يقال رجل شكس بكسر أوله وسكون ثانيه أي صعب الخلق وقوم شكس بضمهما مثل رجل صدق وقوم صدق (قوله لا يوازى) قال ابن الأثير: الموازاة المقابلة والمواجهة: وفى الصحاح آزيته أي حاذيته ولا تقل وازيته (قوله ابن كثير) بفتح (*)

[ 112 ]

وكان إذا لقيه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة، وعن أنس أن رجلا سأله فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه وقال أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى فاقة، وأعطى غير واحد مائة من الإبل، وأعطى صفوان مائة ثم مائة ثم مائة، وهذه كانت خلقه صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وقد قال له ورقة بن نوفل: إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم. ورد على هوازن سباياها


الكاف وكسر المثلثة بعدها مثناة تحتية (قوله أن رجلا سأله) هو صفوان بن أمية (قوله وقد قال له ورقة بن نوفل) بن أسد بن عبد العزى قال الحافظ زين الدين العراقى: ينبغى أن يقال أول من أسلم من الرجال ورقة، لما في الصحيحين من حديث عائشة في قصة بدء الوحى، فإن فيه (أن الوحى تتابع في حياة ورقة وإنه آمن به) وقد ذكر ابن منده: ورقة في الصحابة واختلف في إسلامه انتهى، ونقل الذهبي كلام ابن منده ثم قال: والأظهر أنه مات قبل الرسالة وبعد نبوة (قوله نحمل الكل) الذى في الصحيحين أن خديجة هي التى قالت ذلك، والكل بفتح الكاف وتشديد اللام: الشئ الثقيل، والمراد هنا نحو اليتيم والضعيف ومن لا قدرة له (قوله وتكسب المعدوم) بفتح أوله قال ابن قرقور: هي أكثر الروايات وأصحها ومعناه تكسبه لنفسه وقيل تكسبه غيرك وتعطيه إياه يقال كسبت مالا وكسبته غيرى، لازم ومتعد، وروى بضم أوله ومعناه تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه فحذف أحد المفعولين، وقيل تعطى الناس مالا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق وقيل المعدوم الرجل العاجز سماه معدوما لكونه كالميت، وفى النهاية يقال كسبت مالا وكسبت زيدا وأكسبت زيدا مالا أي أعنته على كسبه أو جعلته يكسبه، فإن كان من الأول فتريد خديجة: إنك تصل إلى كل معدوم وتناله فلا يتعذر لبعده عليك وإن جعلته متعديا إلى اثنين فتريد أنك تعطى الناس الشئ المعدوم عندهم وتوصله إليهم وهذا أولى القولين لأنه أشبه بما قبله في باب التفضل والإنعام إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه ما كان معدوما عنده وإنما الإنعام أن يوليه غيره وباب الحظ والسعادة في الاكتساب غير باب التفضل والإنعام اه‍. (قوله ورد على هوازن سباياها) وكانت ستة آلاف من الآدميين، وأما الإبل فكانت نحو أربعة وعشرين ألفا، والغنم كانت فوق أربعين ألفا، والورق فأربعة آلاف أوقية من الفضة (*)

[ 113 ]

وكانت ستة آلاف وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ثم قام إليها فقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها وجاءه رجل فسأله فقال ما عندي شئ ولكن ابتع على فإذا جاءنا شئ قضيناه فقال له عمر ما كلفك الله مالا تقدر عليه فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذى العرش إقلالا فتبسم صلى الله عليه وسلم وعرف البشر في وجهه وقال بهذا أمرت. ذكره الترمذي. وذكر عن معوذ بن عفراء قال أتيت النبي صلى الله عليه


(قوله ولكن ابتع) هو بموحدة ثم تاء فوقية (قوله وذكر عن معوذ) قال المزى: هذا الحديث روى عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، وأما معوذ فإنه استشهد يوم بدر، ولم يعرف له رواية. وقوله وذكر: يعنى الترمذي ذكر في كتاب الشمائل عن الربيع بنت معوذ، قالت: بعثنى معاذ بن عفراء بقناع من رطب وعليه أجر من قثاء زغب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب القثاء فأتيته بها وعنده خلية قدمت إليه من البحرين فملأ يدى منها فأعطانيه. وفى رواية قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وعليه أجر زغب فأعطاني مل ء كفه حليا أو قالت ذهبا، والربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية المكسورة ومعوذ بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الواو المشددة. وحكى ابن قرقول فتحها وذال معجمة وعفراء بفتح العين المهملة وسكون الفاء، والمد، والقناع بكسر القاف وتخفيف النون بعدها ألف وعين مهملة، وأجر بضم الهمزة وسكون الجيم بعدها راء جمع جرو، وفى الصحاح والجرو والجروة الصغير من القثاء، وفى الحديث أتى النبي صلى الله [ 8 - 1 ] (*)

[ 114 ]

وسلم بقناع من رطب يريد طبقا وأجر زغب يريد قثاء فأعطاني مل ء كفه حليا وذهبا، قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد. والخبر بجوده صلى الله عليه وسلم كرمه كثير. وعن أبى هريرة: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فاستلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف وسق فجاء الرجل يتقاضاه فأعطاه وسقا وقال (نصفه قضاء ونصفه نائل). (فصل) وأما الشجاعة والنجدة: فالشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل، والنجدة ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف، وكان صلى الله عليه وسلم منهما بالمكان الذى لا يجهل قد حضر المواقف الصعبة وفر الكماة والأبطال عنه غير مرة وهو ثابت لا يبرح ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة وحفظت عنه جولة سواه. حدثنا أبو علي


عليه وسلم بأجر زغب، وكذلك جرو الحنظل والرمان انتهى وقال ابن قرقول أجرا جمع أجر وأجر جمع جرو. والزغب بزاى مضمومة وغين معجمة ساكنة وباء موحدة التى عليها زغبها أي شئ يشبه الزغب وهو شعيرات صفر على ريش الفرخ، والقثاء بكسر القاف وضمها فالمثلثة فالمد (قوله نصف وسق) الوسق بكسر الواو وفتحها ستون صاعا (قوله ونصفه نائل) أي عطفا (قوله والنجدة) بفتح النون في اللغة الشجاعة وفى الحقيقة ما ذكره القاضى رحمه الله تعالى (قوله الكماة) بضم الكاف جمع كمى بفتحها وكسر الميم وتشديد الياء وهو الشجاع المتكمى في سلاحه أي المستتر فيه كأنه جمع كام كقاض وقضاة. (*)

[ 115 ]

الجيانى فيما كتب لى حدثنا القاضى سراج حدثنا أبو محمد الأصيلي حدثنا أبو زيد الفقيه حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا ابن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبى إسحاق سمع البراء وسأله رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر ثم قال لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، قيل فما روى يومئذ أحد كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه


(قوله جولة) بفتح الجيم وسكون الواو أي نفور وزوال عن الموقف (قوله غندر) بغين معجمة مضمومة ونون ساكنة ودال مهملة بضم وبفتح (قوله على بغلته البيضاء) في مسلم أنه عليه السلام كان على بغلته التى أهداها له فروة بن نغائة وفى شرح مسلم أن اسمها الدلدل وأن العلماء لا تعرف له بغلة سواها انتهى. وقال المحب الطبري الدلدل أهداها له المقوقس وذكر أنها كبرت وبقيت إلى زمان معاوية، وفى سيرة مغلطاى: كان له صلى الله عليه وسلم من البغال دلدل وفضة والتى أهداها له ابن العلماء والأبلية وبغلة أهداها له كسرى وأخرى من دومة الجندل وأخرى من عند النجاشي انتهى (قوله وأبو سفيان آخذ بلجامها) هو أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب واسمه مغيرة وقيل اسمه كنيته كان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آلف الناس به قبل النبوة، أسلم يوم الفتح بطريق مكة بالأبواء، ومات بالمدينة سنة عشرين (*)

[ 116 ]

ثم نادى يا للمسلمين - الحديث - وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب ولا يغضب إلا لله - لم يقم لغضبه شئ، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال على رضى الله عنه إنا كنا إذا حمى البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتنى يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو كان من أشد الناس يومئذ بأسا وقيل كان الشجاع هو الذى يقرب منه صلى الله عليه وسلم إذا دنا العدو لقربه منه، وعن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا قد سبقهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبر على فرس لأبى طلحة عرى والسيف في عنقه وهو يقول لن تراعوا، وقال عمران بن حصين ما لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب ولما رآه أبى بن خلف يوم أحد وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجا وقد كان يقول للنبى صلى الله عليه وسلم حين افتدى يوم بدر عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا من


(قوله على فرس لأبى طلحة) هذا الفرس اسمه مندوب جاء ذلك في الصحيح (قوله حين افتدى) بالفاء أي أعطى الجزية (قوله عندي فرس) جاء في بعض الروايات أن اسمه العود بفتح العين المهملة وسكون الواو بعدها دال مهملة (قوله فرقا) (*)

[ 117 ]

ذرة أقتلك عليها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنا أقتلك إن شاء الله فلما رآه يوم أحد شد أبى على فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترضه رجال من المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هكذا أي خلوا طريقه وتناول الحربة من الحارث بن الصمة فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض ثم استقبله النبي صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا وقيل بل كسر ضلعا من أضلاعه فرجع إلى قريش يقول قتلني محمد وهم يقولون لا بأس عليك فقال لو كان ما بى بجميع الناس لقتلهم


بفتح الفاء والراء ويجوز إسكانها قال ابن الأثير في النهاية: الفرق بالتحريك يسع ستة عشر رطلا وهى اثنا عشر مدا أو ثلاثة آصع عند أهل الحجار وأما الفرق بالسكون فمائة وعشرين رطلا (قوله تطائر الشعراء) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها راء وهمزة ممدودة قال صاحب الصحاح والشعراء ذبابة يقال هي التى لها إبرة وقال الهروي وفى الحديث تطاير الناس عنه تطاير الشعر عن البعير قال الصبيبى الشعر جمع شعراء وهى ذباب حمر يقع على الإبل والحمير فتؤذيهما، وفى النهاية أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد قتل أبى ابن خلف تطاير الناس عنه تطاير الشعر عن البعير: الشعر بضم الشين وسكون العين جمع شعراء وهو ذباب حمروقيل روق يقع على الإبل والحمير فتؤذيهما إيذاء شديدا وقيل هو ذباب كثير الشعر وفى رواية أن كعب بن مالك ناوله الحرية فلما أخذها انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنها تطاير الشعر يرى مثل الشعر وقياس واحده شعرور وقيل هي ما تجتمع على دبرة البعير من الذباب فإذا هيجت تطايرت عنها (قوله تدأدأ) بفتح المثناة الفوقية والدال المهملة بعدها همزة ساكنة ثم دال أخرى ثم همزة أي تدحرج (قوله ضلعا) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام وقد تسكن (*)

[ 118 ]

أليس قد قال أنا أقتلك والله لو بصق على لقتلني فمات بسرف في قولهم إلى مكة. (فصل) وأما الحياء والإغضاء: فالحياء رقة تعترى وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهيته أو ما يكون تركه خيرا من فعله والإغضاء التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء وأكثرهم عن العورات إغضاء قال الله تعالى (إن ذلكم كان يؤذى النبي فيستحيى منكم) الآية * حدثنا أبو محمد بن عتاب بقراءتي عليه حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد حدثنا أبو الحسن القابسى حدثنا أبو زيد المروزى حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان حدثنا عبد الله أخبرنا شعبة عن قتادة سمعت عبد الله مولى أنس يحدث عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خذرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه وكان صلى الله عليه وسلم لطيف البشرة رقيق الظاهر لا يشافه أحدا بما يكرهه حياء وكرم نفس، وعن عائشة رضى الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال


(قوله بسرف) بفتح المهملة وكسر الراء بعدها فاء: اسم لموضع على ستة أميال من مكة وقيل سبعة وقيل تسعة (قوله في قفولهم) أي رجوعهم: قفل يقفل إذا عاد من سفره وقد يقال للسفر قفول في الذهاب والمجئ وأكثر ما يستعمل في الرجوع، كذا في النهاية وقال بعضهم إنما قيل للذاهبين قافلة تفاؤلا برجوعهم (قوله العذراء) بالعين المهملة والذال المعجمة والمد: البكر، والخذر بالخاء المعجمة والذال المعجمة: الستر. (*)

[ 119 ]

فلان يقول كذا ولكن يقول ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا ينهى عنه ولا يسمى فاعله. وروى أنس أنه دخل عليه رجل به أثر صفرة فلم يقل له شيئا وكان لا يواجه أحدا بما يكره فلما خرج قال لو قلتم له يغسل هذا، ويروى ينزعها: قالت عائشة رضى الله عنها في الصحيح: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فحاشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، وقد حكى مثل هذا الكلام عن التوراة من رواية ابن سلام وعبد الله بن عمرو بن العاص، وروى عنه أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد وأنه كان يكنى عما اضطره الكلام إليه مما يكره، وعن عائشة رضى الله عنها ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط. (فصل) وأما حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه صلى الله عليه وسلم مع أصناف الخلق فبحيث انتشرت به الأخبار الصحيحة قال على رضى الله عنه في وصفه عليه الصلاة والسلام: كان أوسع الناس صدرا وأصدق الناس لهجة والينهم عريكة وأكرمهم عشرة * حدثنا أبو الحسن على بن مشرف الأنماطي فيما أجازنيه وقرأته على غيره قال حدثنا أبو إسحاق الحبال حدثنا أبو محمد بن النحاس حدثنا ابن الأعرابي


(قوله فاحشا ولا متفحشا) قال الهروي وابن الأثير: الفاحش الذى في كلامه فحش والمتفحش الذى يتكلف ذلك ويتعمده (قوله لهجة) في الصحاح اللهجة: اللسان، وقد تحرك، يقال فلان فصيح اللهجة واللهجة (قوله عريكة) أي طبيعة. (*)

[ 120 ]

حدثنا أبو داود حدثنا هشام بن مروان ومحمد بن المثنى قالا حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي سمعت يحيى بن أبى كثير يقول حدثنى محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن قيس بن سعد قال زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر قصة في آخرها فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا وطأ عليه بقطيفة فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال سعد يا قيس اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قيس فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم اركب فأبيت فقال إما أن تركب وإما أن تنصرف فانصرفت وفى رواية أخرى اركب أمامى فصاحب الدابة أولى بمقدمها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه، يتعهد أصحابه ويعطى كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، بهذا وصفه ابن أبى هالة، قال وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا سحاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه، وقال الله تعالى (فبما رحمة


(قوله ابن المثنى) بضم الميم وفتح المثلثة بعدها نون مشددة. (*)

[ 121 ]

من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك) وقال تعالى (ادفع بالتى هي أحسن) الآية، وكان يجيب من دعاه ويقبل الهدية ولو كانت كراعا ويكافئ عليها. قال أنس رضى الله عنه خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لى أف قط وما قال لشئ صنعته لم صنعته ولا لشئ تركته لم تركته، وعن عائشة رضى الله عنها ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال لبيك، وقال جرير بن عبد الله ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم قط منذ أسلمت ولا رأني إلا تبسم وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجرة ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر، قال أنس ما التقم أحد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينحى رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحى


(قوله ولو كانت كراعا) الكراع بضم الكاف وتخفيف الراء في الغنم والبقر بمنزلة الوطيف في الفرس والبعير، وهو مستدق الساق، يذكر ويؤنث، والجمع أكراع، ثم أكارع (قوله ويكافئ) بهمزة في آخره أي يجازى (قوله فما قال لى أف قط) يقال: أف له أي قذرا له وقيل احتقارا له وقيل استقلالا وفيه ست لغات حكاهن الأخفش وهى ضم الهمزة مع تثليث الفاء بلا تنوين وضمها مع تثلثيث الفاء بالتنوين وحكى المصنف وغيره زيادة على ذلك ضم الهمزة وسكون الفاء وكسر الهمزة وفتح الفاء وأفى وأفه بضم همزتيهما (قوله ما التقم أحد أذن النبي) أي ما حدثه أحد عند أذنه، استعار وضع اللقمة في الفم لوضع الفم عند الأذن. (*)

[ 122 ]

رأسه وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ ولم ير مقدما ركبتيه بين يدى جليس له وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة لم ير قط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التى تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ويكنى أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام ويروى بانتهاء أو قيام وروى أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلى إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته فإذا فرغ عاد إلى صلاته، وكان أكثر الناس تبسما وأطيبهم نفسا ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب، وقال عبد الله بن الحارث ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أنس كان خدم المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بآنية إلا غمس يده فيها وربما كان ذلك في الغداة الباردة يريدون به التبرك. (فصل) وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد قال الله تعالى فيه (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم) وقال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال بعضهم من فضله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أعطاه اسمين من أسمائه فقال (بالمؤمنين رؤف رحيم) وحكى نحوه الإمام أبو بكر بن فورك حدثنا

[ 123 ]

الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الخشنى بقراءتي عليه حدثنا إمام الحرمين أبو على الطبري حدثنا عبد الغافر الفارسى حدثنا أبو أحمد الجلودى حدثنا إبراهيم بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا أبو الطاهر أنبأنا ابن وهب أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة وذكر حنينا قال فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة قال ابن شهاب حدثنا سعيد ابن المسيب أن صفوان قال والله لقد أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض الخلق إلى فما زال يعطينى حتى إنه لأحب الخلق إلى. وروى أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا فأعطاه ثم قال احسنت إليك، قال الأعرابي لا ولا أجملت، فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم قام ودخل منزله وأرسل إليه صلى الله عليه وسلم وزاده شيئا


(قوله الخشنى) بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين (قوله وذكر حنينا بضم الحاء المهملة وفتح النون اسم موضع بين الطائف ومكة - كذا في القاموس - وقال صاحب الصحاح: يذكر ويؤنث فان قصدت به البلد والموضع ذكرته وصرفته كقوله تعالى (ويوم حنين) وإن قصدت به البقعة والبلدة أنثته ولم تصرفه كما قال الشاعر: نصروا نبيهم وشدوا أزره * بحنين يوم تواكل الأبطال وفى التعريف والأعلام: حنين اسم علم بموضع بأوطاس، سمى بحنين بن قانة بن مهلايل انتهى. وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثمان من الهجرة (قوله ابن المسيب) هو بفتح المثناة التحتية عن العراقيين وهو المشهور، وبكسرها عن المدنيين قال ابن قرقول قال الصيد في وذكر لنا أن سعيدا كان يكره الفتح لياء من اسم أبيه وأما غير والد سعيد فتفتح الياء بلا خلاف. (*)

[ 124 ]

ثم قال: آحسنت إليك قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك قلت ما قلت وفى نفس أصحابي من ذلك شئ فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدى حتى يذهب ما في صدورهم عليك، قال: نعم. فلما كان الغد أو العشى جاء فقال صلى الله عليه وسلم إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضى أكذلك ؟ قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مثلى ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحبها خلوا بينى وبين ناقتي فإنى أرفق بها منكم وأعلم فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإنى لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار) وروى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) ومن شفقته على أمته صلى الله عليه وسلم تخفيفه وتسهيله عليهم. وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم كقوله عليه الصلاة والسلام: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك


(قوله من قمام الأرض) بضم القاف وتخفيف الميم، في الصحاح: القمامة الكناسة والجمع قمام (قوله واستناخت) بنون قبل الألف وخاء معجمة بعدها، يقال أنخت الجمل فاستناخ: أي أبركته فبرك. (*)

[ 125 ]

مع كل وضوء وخبر صلاة الليل ونهيهم عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا تتعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة بهم، وأنه كان يسمع بكاء الصبى فيتجوز في صلاته * ومن شفقته صلى الله عليه وسلم أن دعا ربه وعاهده فقال أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة وطهورا وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة، ولما كذبه قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال له إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال مرنى بما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين قال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا، وروى ابن المنكدر أن جبريل عليه السلام قال للنبى صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك فقال أؤخر عن أمتى لعل الله أن يتوب عليهم، قالت عائشة رضى الله عنها ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، قال ابن مسعود رضى الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا،


(قوله الأخشبين) بهمزة مفتوحة وخاء وشين معجمتين: جبلا مكة (قوله يتخولنا) بالخاء المعجمة، قال ابن الأثير أي يتعهدنا، وقال ابن الصلاح الصواب بالحاء المهملة أي يطلب الحال التى يبسطون فيها للموعظة وكان الأصمعى يرويه يتخوننا بالنون (*)

[ 126 ]

وعن عائشة أنها ركبت بعيرا وفيه صعوبة فجعلت تردده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك بالرفق. (فصل) وأما خلقه صلى الله عليه وسلم في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم فحدثنا القاضى أبو عامر محمد بن إسماعيل بقراءتي عليه قال حدثنا أبو بكر محمد بن محمد حدثنا أبو إسحق الحبال حدثنا أبو محمد بن النحاس حدثنا ابن الأعرابي حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن سنان حدثنا إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الكريم ابن عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله عن أبى الحمساء قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت على أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك * وعن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى بهدية قال اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة إنها كانت تحب خديجة، وعن عائشة رضى الله عنها قالت ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة لما كنت أسمعه يذكرها وإن كان ليذبح الشاة فيهديها


والمعجمة أي يتعهدنا (قوله ابن طهمان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء (قوله بديل) بضم الموحدة وفتح الدال وتسكين المثناة من تحت (قوله الحمساء) بحاء مهملة مفتوحة وميم ساكنة وسين مهملة وهمزة ممدودة، وفى بعض النسخ بالخاء المعجمة والنون وهو تصحيف، وفى بعضها عن أبى الحمساء وأبو الحمساء لا إسلام له ولا روايه (*)

[ 127 ]

إلى خلائلها واستأذنت عليه أختها فارتاح إليها، ودخلت عليه امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها فلما خرجت قال (إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإيمان)، ووصفه بعضهم فقال كان يصل ذوى رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم. وقال صلى الله عليه وسلم (إن آل بنى فلان ليسوا لى بأولياء، غير أن لهم رحما سأبلها ببلالها) * وقد صلى عليه الصلاة والسلام بأمامة ابنة ابنته زينب يحملها على عاتقه فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، وعن أبى قتادة وفد وفد للنجاشي فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم فقال له أصحابه نكفيك فقال (إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإنى أحب


(قوله أختها) أي أخت خديجة، وهى هالة بنت خويلد، ذكرها في الصحابة ابن منده وأبو نعيم وهى أم أبى العاص بن الربيع بتشديد الراء المفتوحة وكسر الموحدة (قوله إن آل بنى فلان) قال ابن قرقول المشهور أن آل أبى ليسوا بأوليائى بفتح الهمزة يعنى من أبى قال وبعده بياض في الأصول، كأنهم تركوا الاسم تورعا عن الفتنة، وعند ابن السكن أن آل أبى فلان كنى عنه بفلان انتهى، والمراد الحكم بن أبى العاص (قوله بلالها) البلال بكسر الموحدة، وقد تفتح قال في الصحاح كل ما يبل به الحلق من الماء واللبن فهو بلال، ومنه قولهم انصحوا الرحم ببلالها، أي صلوها بصلتها وندوها. (قوله بأمامة) هي ابنة ابنته زينب من أبى العاص بن الربيع، تزوجها على رضى الله عنه بعد موت فاطمة بوصية فاطمة رضى الله عنها بذلك، وتزوجها بعد على المغيرة بن نوفل فماتت عنده، واسم أبى العاص بن الربيع لقيط وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة، أسر يوم بدر فمن عليه بلا فداء إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب زينب، وأسلم قبيل الفتح وحسن إسلامه، وأعاد له رسول الله صلى الله عليه وسلمن زينب بنكاح جديد، وقيل بالنكاح الأول. (*)

[ 128 ]

أن أكافئهم) * ولما جئ بأخته من الرضاعة الشيماء في سبايا هوازن وتعرفت له بسط لها رداءه وقال لها إن أحببت أقمت عندي مكرمة محببة أو متعتك ورجعت إلى قومك، فاختارت قومها فمتعها، وقال أبو الطفيل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه فبسط لها رداءه فجلست عليه فقلت من هذه قالوا أمه التى أرضعته، وعن عمرو بن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد


(قوله أن أكافئهم) بهمزة بعد الفاء (قوله بأخته من الرضاعة الشيماء بشين معجمة مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وميم ومد. قال المحب الطبري، ويقال لها الشماء بغير ياء، أبوها الحرث أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أدرك الإسلام وأسلم بمكة، والشيماء كانت تربى النبي صلى الله عليه وسلم مع أمها حليمة، أسلمت، وذكرها ابن الأثير في الصحابة واسمها جدامة بالجيم والدال المهملة بعدها ألف فميم، وقيل حذافة بالحاء المهملة والذال المعجمة بعدها ألف ففاء، وقيل خذامة بالخاء المعجمة المكسورة والذال المعجمة بعدها ألف وميم (قوله أبو الطفيل) بضم الطاء وفتح الفاء واسمه عامر بن واثلة بالمثلثة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم صغيرا وهو آخر من مات من الصحابة (قوله قالوا أمه التى أرضعته) في الاستيعاب لابن عبد البر: روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار جاءت حليمة بنت عبد الله أم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة يوم حنين فقام لها وبسط لها رداءه، وفى التجريد للذهبي يجوز أن يكون هذه ثويبة ورد بنقل مغلطاى عن ابن سعد أن ثويبة توفيت سنة سبع وبنقل السهيلي أنه عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة سئل عن ثويبة وعن ابنها مسروخ فأخبر أنهما ماتا، وقال الحافظ الدمياطي لا نعرف لها صحبة ولا إسلاما ثم ذكر حديث بسط الرداء وقال هذه أخته الشيماء لا أمها حليمة وفى سيرة مغلطاى وصحح ابن حبان وغيره حديثا دل على إسلامهما (قوله عمرو بن السائب) هو ابن السائب بن راشد البصري مولى بنى زهرة، تابعي ذكره الحافظ (*)

[ 129 ]

عليه ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه. وكان يبعث إلى ثويبة مولاة أبى لهب مرضعته بصلة وكسوة، فلما ماتت سأل: من بقى من قرابتها ؟ فقيل لا أحد، وفى حديث خديجة رضى الله عنها أنها قالت له صلى الله عليه وسلم: أبشر فو الله لا يحزنك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. (فصل) وأما تواضعه صلى الله عليه وسلم على علو منصبه ورفعة


عبد الغنى المقدسي في إكماله فيمن اسمه عمرو ووهمه المزى، وقال اسمه عمر (قوله ثم أقبلت أمه) من الرضاع، الظاهر أنها حليمة. قيل أرضعته صلى الله عليه وسلم ثمان نسوة: ثويبة وكان لها ابن فرضع يقال له مسروح وحليمة. وخولة بنت المنذر ذكرها أبو الفتح اليعمرى عن أبى إسحاق. وأم أيمن ذكرها أبو الفتح عن بعضهم والمعروف أنها من الحواضن. وامرأة صعدية غير حليمة ذكرها ابن القيم في الهدى، وثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن عاتكة نقله السهيلي عن بعضهم في قوله صلى الله عليه وسلم (أنا ابن العواتك من سليم) (قوله وكان يبعث إلى ثويبة) قال السهيلي: كان يبعث إليها من المدينة فلما افتتح مكة سأل عنها وعن ابنها مسروح فأخبر أنهما ماتا. وثويبة بضم المثلثة وفتح الواو بعدها مثناة تحتية ساكنة فموحدة مولاة لأبى لهب عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم. (قوله لا يحزنك) قال ابن قرقول في الحاء والزاء لا يحزنك الله أبدا كذا رواه معمر عن الزهري، ورواه عنه معقل ويونس من الخزى والفضيحة وهو أصوب انتهى. وإذا روى بالحاء المهملة ففى المثناة التحتية الفتح والضم، لأنه يقال حزنه وأحزنه، وإذا روى بالمعجمة فليس فيها إلا الضم (قوله وتكسب المعدوم) تقدم بما فيه (قوله وتقري) بفتح المثناة وسكون القاف (9 - 1) (*)

[ 130 ]

رتبته فكان أشد الناس تواضعا وأعدمهم كبرا، وحسبك أنه خير بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق الأرض عنه وأول شافع * حدثنا أبو الوليد بن العواد الفقيه رحمه الله بقراءتي عليه في منزله بقرطبة سنة سبع وخمسمائة قال: حدثنا أبو على الحافظ حدثنا أبو عمر حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا ابن داسة حدثنا أبو داود حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا عبد الله بن نمير عن مسعر عن أبى العنبس عن أبى العدبس عن أبى مرزوق عن أبى غالب عن أبى أمامة رضى الله عنه، قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم


(قوله وأقلهم كبرا) القلة هنا مراد بها النفى، لأنها تستعمل بمعناه، نحو: أقل رجل يقول ذلك: أي ما رجل يقوله، ولذلك لا يدخل نواسخ الابتداء على أقل كما لا يدخل على ما النافية، ومن استعمال القلة بمعنى النفى الحديث الذى رواه النسائي عن عبد الله بن أبى أوفى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو، قال ابن الأثير في النهاية: أي لا يلغو شيئا، وهذه اللفظة قد تستعمل في نفى أصل الشئ كقوله تعالى (فقليلا ما يؤمنون) (قوله عن مسعر) بميم مكسورة وسين مهملة ساكنة وعين مهملة مفتوحة (قوله عن أبى العنبس) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة وبعدها سين مهملة، اسمه الحرث بن عبيد بن كعب العدوى الكوفى (قوله العدبس) بفتح العين والذال المهملتين، وتشديد الموحدة، بعدها سين مهملة: هو تبيع، بضم المثناة الفوقية، وفتح الموحدة، وسكون المثناة التحتية بعدها عين مهملة، ذكره ابن ماكولا في الإكمال. (*)

[ 131 ]

متوكئا على عصا فقمنا له فقال (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا) وقال (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) وكان صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ويردف خلفه ويعود المساكين ويجالس الفقراء ويجيب دعوة العبد ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم حيثما انتهى به المجلس جلس. وفى حديث عمر عنه صلى الله عليه وسلم (لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) وعن أنس رضى الله عنه أن امرأة كان في عقلها شئ جاءته فقالت: إن لى إليك حاجة، قال: اجلسي يا أم فلان في أي طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضى حاجتك، قال فجلست فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إليها حتى فرغت من حاجتها. قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ويجيب دعوة العبد وكان يوم بنى قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف. قال: وكان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب قال: وحج صلى الله عليه وسلم على رحل رث وعليه قطيفة ما تساوى


(قوله لا تطرونى) الإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه (قوله أن امرأة كان في عقلها شئ) قيل هي أم زفر ماشطة خديجة بنت خويلد (قوله عليه إكاف) هو بكسر الهمزة وضمها وبالواو بدلها: البرذعة، وقيل ما تشد فوق البرذعة من ورائها (قوله والإهالة السنخة) الإهالة بكسر الهمزة وتخفيف الهاء كل ما يؤدم به من الأدهان، والسنخة بفتح السين المهملة وكسر النون بعدها خاء معجمة المتغير الرائحة، يقال سنخ وزنخ (قوله وعليه قطيفة) القطيفة الكساء الذى له خمل (*)

[ 132 ]

أربعة دراهم فقال (اللهم إجعله حجا مبرورا لا رياء فيه ولا سمعة. هذا وقد فتحت عليه الأرض وأهدى في حجته ذلك مائة بدنة ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى كاد يمس قادمته تواضعا لله تعالى * ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم قوله (لا تفضلوني على يونس - بن متى - ولا تفضلوا بين الأنبياء ولا تخيرونى على موسى ونحن أحق بالشك من إبراهيم، ولو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي) وقال للذى قال له: يا خير البرية (ذاك إبراهيم) وسيأتى الكلام على هذه الأحاديث بعد هذا إن شاء الله تعالى * وعن عائشة والحسن وأبى سعيد وغيرهم في صفته وبعضهم يزيد على بعض. كان في بيته في مهنة أهله يفلى ثوبه ويحلب شاته ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويخدم نفسه ويقم البيت ويعقل البعير ويعلف


(قوله يونس بن متى) قال ابن الأثير متى أمه ولم يشهر نبى بأمه غير عيسى ويونس، فإن قيل قد ورد في الصحيح، لا تفضلوني على يونس بن متى، ونسبه إلى أبيه وهو يقتضى أن متى أبوه أجيب بأن متى مدرج في الحديث من كلام الصحابي لبيان يونس بما اشتهر به، لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان ذلك موهما أن الصحابي سمع هذه النسبة من النبي صلى الله عليه وسلم دفع الصحابي ذلك بقوله: ونسبه إلى أبيه، أي لا كما فعلت أنا من نسبته إلى أمه (قوله في مهنة أهله) في الصحاح المهنة بالفتح الخدمة، وحكى أبو زيد والكسائي المهنة بالكسر، وأنكره الأصمعى انتهى. وعن المزى: كسر الميم أحسن ليكون على وزن خدمة كما هو بمعناه (قوله يفلى ثوبه) قيل إنه عليه السلام، لم يقع عليه ذباب قط، ولم يكن القمل يؤذيه تعظيما له وتكريما (قوله ويخصف نعله) بالخاء المعجمة والصاد المهملة: أي يخرزها (قوله ويقم) بضم القاف: أي كنس (*)

[ 133 ]

ناضحة ويأكل مع الخادم ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق * وعن أنس رضى الله عنه إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت حتى تقضى حاجتها. ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة فقال له (هون عليك فإنى لسته بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد) وعن أبى هريرة رضى الله عنه. دخلت السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم فاشترى سراويل وقال للوزان (زن وأرجح) وذكر القصة، قال: فوثب إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها فجذب يده وقال (هذا تفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم) ثم أخذ السراويل فذهبت لأحمله فقال (صاحب الشئ أحق بشيئه أن يحمله) (فصل) وأما عدله صلى الله عليه وسلم وأمانته وعفته وصدق لهجته، فكان صلى الله عليه وسلم آمن الناس وأعدل الناس وأعف الناس أصدقهم لهجة منذ كان اعترف له بذلك محادوه وعداه وكان يسمى


(قوله ناضحه الناضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة: الجمل الذى يستقى عليه الماء (قوله سراويل) قالوا لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم لبس السروايل، ولكنه اشتراها ولم يلبسها، وفى الهدى لابن قيم الجوزية أنه لبسها. قالوا وهو سبق قلم، واشتراها عليه السلام بأربعة دراهم، وفى الإحياء أنه اشتراها بثلاثة دراهم (قوله آمن) بمد الهمزة وفتح الميم (قوله محادوه) بالحاء والدال المشددة المهملتين. أي: مخالفوه، ومنه قوله تعالى (ومن يحادد الله ورسوله) (قوله وعداه) بكسر العين المهملة والقصر أي أعداؤه (*)

[ 134 ]

قبل نبوته: الأمين، قال ابن اسحاق كان يسمى الأمين بما جمع الله فيه من الأخلاق الصالحة. وقال تعالى (مطاع ثم أمين) أكثر المفسرين على أنه محمد صلى الله عليه وسلم، ولما اختلفت قريش وتحازبت عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر حكموا أول داخل عليهم فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم داخل وذلك قبل نبوته فقالوا: هذا محمد ؟ هذا الأمين قد رضينا به. وعن الربيع بن خثيم: كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال صلى الله عليه وسلم (والله إنى لأمين في السماء أمين في الأرض) حدثنا أبو على الصدفى الحافظ بقراءتي عليه حدثنا أبو الفضل ابن خيرون حدثنا أبو يعلى بن زوج الحرة حدثنا أبو على السنجى حدثنا محمد بن محبوب المروزى حدثنا أبو عيسى الحافظ حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن أبى إسحاق عن ناجية بن كعب عن على رضى الله عنه، أن أبا جهل قال للنبى صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى (فإنهم لا يكذبونك) الآية وروى غيره. لا نكذبك وما أنت فينا بمكذب. وقيل إن الأخنس بن شريق


(قوله وتحازبت) بالحاء المهملة والزاى، أي صارت أحزابا (قوله وعن الربيع بن خثيم) الربيع بفتح الراء وكسر الموحدة المخففة، وخثيم بضم الخاء المعجمة بعدها مثلثة مفتوحة (قوله أبو كريب) بضم الكاف وفتح الراء (قوله عن ناجية) بالنون والجيم المكسورة والمثناة التحتية المخففة (قوله أن الأخنس بن شريق) الأخنس بفتح الهمزة وسكون المعجمة، وشريق بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فقاف (قوله يوم بدر) كان يوم الجمعة (*)

[ 135 ]

لقى أبا جهل يوم بدر فقال له: يا أبا الحكم ليس هنا غيرى وغيرك يسمع كلامنا، تخبرني عن محمد صادق هو أم كاذب ؟ فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط. وسأل هرقل عنه أبا سفيان فقال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال: لا، وقال النضر بن الحارث لقريش: قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر. وفى الحديث عنه: ما لمست يده يد امرأة قط لا يملك رقها. وفى حديث على في وصفه صلى الله عليه وسلم: أصدق الناس لهجة، وقال في الصحيح (ويحك فمن يعدل إن لم أعدل ؟ خبت وخسرت إن لم أعدل، قالت عائشة رضى الله عنها: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما


صبيحة تسع عشرة من رمضان سنة اثنتين من الهجرة (قوله هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء، في الصحاح هرقل ملك الروم على وزن دمشق، ويقال أيضا هرقل، على وزن خندق انتهى، يعنى أن هرقل علم لملك من الروم مخصوص، وهو الذى كان في زمانه عليه السلام، وأما لقب من ملك الروم فقيصر (قوله وقال النضر بن الحارث) النضر بالضاد المعجمة قتل كافرا صبرا بالصفراء بعد أن انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من وقعة بدر، ورثته أخته أو ابنته قتيلة على اختلاف القولين بالأبيات التى أولها: يا راكبا إن الأثيل مظنة * من صبح خامسة وأنت موفق قال الذهبي لم يذكر ابن الأثير شيئا يدل على إسلامها، وفى الاستيعاب قال الزبير: وسمعت بعض أهل العلم يغمز أبياتها، ويذكر أنها مصنوعة (*)

[ 136 ]

فإن كان إثما كان أبعد الناس منه (قال أبو العباس المبرد: قسم كسرى أيامه فقال يصلح يوم الريح للنوم ويوم الغيم للصيد ويوم المطر للشرب واللهو ويوم الشمس للحوائج. قال ابن خالويه ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم جزأ نهاره ثلاثة أجزاء: جزءا لله وجزءا لأهله وجزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس فكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول (أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغى فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله يوم الفزع الأكبر) وعن الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ أحدا بقرف أحد ولا يصدق أحدا على أحد، وذكر أبو جعفر الطبري عن على رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بينى وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمنى الله برسالته، قلت ليلة لغلام كان يرعى معى: لو أبصرت لى غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير لعرس


(قوله كسرى) بكسر الكاف وفتحها لقب لكل من ملك الفرس (قوله بقرف) بفتح القاف وسكون الراء يقال قرفت الرجل أي عبته وهو يقرف بكذا: أي يرمى به ويتهم (قوله عزفا) بفتح العين المهملة سكون الزاى، أي لعبا بالمعازف، وهى الدفوف وغيرها مما يضرب به، وقيل كل لعب عزف. (*)

[ 137 ]

بعضهم فجلست أنظر، فضرب على أذنى فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت ولم أقض شيئا، ثم عرانى مرة أخرى مثل ذلك ثم لم أهم بعد ذلك بسوء) (فصل) وأما وقاره صلى الله عليه وسلم وصمته وتؤدته ومروؤته وحسن هديه فحدثنا أبو على الجيانى الحافظ إجازة وعارضت بكتابه قال: حدثنا أبو العباس الدلائى أخبرنا أبو ذر الهروي أخبرنا أبو عبد الله الوراق حدثنا اللؤلؤي حدثنا أبو داود حدثنا عبد الرحمن بن سلام حدثنا الحجاج بن محمد عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عمر بن عبد العزيز ابن وهب سمعت خارجة بن زيد يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه. وروى أبو سعيد الخدرى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المجلس احتبى بيديه وكذلك كان أكثر جلوسه صلى الله عليه وسلم محتبيا. وعن جابر بن سمرة: أنه تربع وربما جلس القرفصاء وهو


(قوله ثم عرانى) بفتح العين المهملة وتخفيف الراء، أي: غشيني (قوله لم أهم). بضم الهاء (قوله هديه) أي سيرته (قوله الدلائى * بكسر الدال المهملة وتخفيف اللام الممدودة وبعدها همزة وياء مشددة (قوله عبد الرحمن) بن سلام بتشديد اللام وهو جد عبد الرحمن، نسب إليه والد عبد الرحمن اسمه محمد (قوله عن عمر بن عبد العزيز) بن وهيب الأنصاري، هو مولى زيد بن ثابت (قوله خارجة بن زيد) ابن ثابت أحد الفقهاء السبعة، يروى عن أبيه وأسامة بن زيد، وهذا الحديث في مراسيل أبى داود (قوله القرفصاء) بضم القاف والفاء، قال ابن قرقول: يمد ويقصر ويقال (*)

[ 138 ]

في حديث قيلة. وكان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة، تعرض عمن نكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسما وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيرا له واقتداء به. مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير. وفي صفته: يخطو تكفؤا ويمشى هونا كأنما ينحط من صبب: وفى الحديث الآخر: إذا مشى مشى مجتمعا يعرف في مشيته أنه غير غرض ولا وكل أي


بكسر القاف والفاء، وقال الفراء إذا ضممت مددت وإذا كسرت قصرت وفي الصحاح وهو أن يجلس الرجل على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبى بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبى بالثوب تكون يداه مكان الثوب، عن أبى عبيد، وقال أبو المهدى هو أن يجلس على ركبتيه متكئا ويلصق بطنه بفخذيه ويتأبط كفيه وهى جلسة الأعراب انتهى (قوله قلية) بفتح القاف وسكون المثناة التحية، هي بنت محرمة العدوية وقيل العنبرية وهو الصحيح (قوله وتؤبن) بمثناة فوقية مضمومة وهمزة ساكنة وموحدة مفتوحة مخففة، وفي الصحاح فلان يؤبن بكذا أي يذكر بقبيح، وفى ذكر مجلسه صلى الله عليه وسلم لا تؤبن فيه الحرم أي لا يذكر بسوء انتهى (قوله كأنما على رؤوسهم الطير) قال الهروي يعنى ليس فيهم طيش ولا خفة، لأن الطير لا يكاد يقع إلى على ساكن (قوله يكفى) قال ابن الأثير: يتكفى تكفيا أي تمايل إلى قدام هكذا روى غير مهموز والأصل الهمز ويرويه بعضهم مهموزا لأن مصدر يفعل من الصحيح الفعل. كتقدم تقدما والهمز حرف صحيح، فأما إذا اعتل انكسرت عين المستقبل منه، نحو يحفى تحفيا فإذا خففت الهمزة التحق بالمعتل وصار تكفئا انتهى (قوله من صبب) أي منحدر (قوله غرض) بفتح الغين المعجمة وكسر الراء بعدها ضاد معجمة من الغرض بفتحتين وهو الضجر والملالة (قوله ولا وكل) بفتح الواو والكاف، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره، ويتكل عليه. (*)

[ 139 ]

غير ضجر ولا كسلان وقال عبد الله بن مسعود: إن أحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترتيل أو ترسيل. قال ابن أبى هالة: كان سكوته على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عده العاد أحصاه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة ويستعملهما كثيرا ويحض عليهما ويقول (حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة، ومن مروءته صلى الله عليه وسلم نهيه عن النفخ في الطعام والشراب، والأمر بالأكل مما يلى، والأمر بالسواك وإنقاء البراجم والرواجب واستعمال خصال الفطرة. (فصل) وأما زهده في الدنيا فقد تقدم من الأخبار أثناء هذه


(قوله حبب من دنياكم) في بعض النسخ زيادة ثلاث وهى ليست في الحديث والحديث في النسائي ومستدرك الحاكم وفى الكشاف بعد ما ذكر الحديث بزيادة كلمة ثلاث وطوى ذكر الثلاث قال التفتازانى (يعنى أنا وقرة عينى في الصلاة) كلام مبتدا قصد به الإعراض عن ذكر الدنيا وما يجب فيها وليست عطفا على الطيب والنساء كما يسبق إلى الفهم لأنها ليست من الدنيا (قوله وإنقاء البراجم) الإنقاء بالنون والقاف التنظيف والبراجم بفتح الموحدة وتخفيف الراء بعدها ألف وجيم مكسورة وميم جمع برجمة بضم الموحدة والجيم وهى مفاصل الأصابع التى بين الأشاجع والرواجب، وهى رؤوس السلاميات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشرت وارتفعت، والرواجب: بكسر الجيم وبعدها موحدة جمع راجبة وهى مفاصل الأصابع التى تلى الأنامل، ثم تليها الأشاجع اللاتى تلين الكف، والسلاميات جمع سلامى وهى عظام الأصابع. (*)

[ 140 ]

السيرة ما يكفى، وحسبك من تقلله منها وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت إليه بحذافيرها وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفى صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى في نفقة عياله وهو يدعو ويقول (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) * حدثنا سفيان بن العاصى والحسين بن محمد الحافظ والقاضى أبو عبد الله التميمي قالوا: حدثنا أحمد ابن عمر قال: حدثنا أبو العباس الرازي قال: حدثنا أبو أحمد الجلودى حدثنا ابن سفيان حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز حتى مضى لسبيله، وفى رواية أخرى من خبز شعير يومين متواليين ولو شاء لأعطاه الله ما لا يخطر ببال، وفى رواية أخرى: ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر حتى لقى الله عز وجل، وقالت عائشة رضى الله عنها: ما ترك رسول الله


(قوله بحذافيرها) حذافير الشئ أعاليه ونواحيه، ويقال أعطاه الدنيا بحذافيرها أي بأسرها جمع حذفار وحذفور (قوله رزق آل محمد قوتا) القوت بالضم ما يقوت بدن الإنسان من الطعام (قوله أبو معاوية) هو محمد بن خازم بالمعجمة والزاى الحافظ الضرير أحد الأعلام (قوله عن ابراهيم) هو ابن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو ابن ربيعة النخعي الكوفى الفقيه الإمام (قوله تخصر) بكسر الصاد المهملة، أي يحدث، ويجوز ضمها أي تمر (*)

[ 141 ]

صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا، وفى حديث عمرو بن الحارث ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة، قالت عائشة رضى الله عنها ولقد مات وما في بيتى شئ يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لى وقال لى (إنى عرض على أن يجعل لى بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب أجوع يوما وأشبع يوما فأما اليوم الذى أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك وأما اليوم الذى أشبع فيه فأحمدك وأثنى عليك) وفى حديث آخر إن جبريل نزل عليه فقال له: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول لك (أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا وتكون معك حيثما كنت ؟) فأطرق ساعة ثم قال (يا جبريل إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له قد يجمعها من لا عقل له) فقال له جبريل ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت، وعن عائشة رضى الله عنها قالت: إن كنا آل محمد لنمكث شهرا ما نستوقد نارا إن هو إلا التمر والماء، وعن عبد الرحمن بن عوف هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، وعن عائشة وأبى أمامة وابن عباس نحوه قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم


(قوله وفى حديث عمرو بن الحارث) هو ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخو جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار المصطلقى الخزاعى، له ولأبيه صحبة (قوله إلا شطر شعير) قال الترمذي أي شئ من شعير، وقال ابن الأثير قيل نصف مكوك، وقيل نصف وسق، ويقال شطر وشطير، مثل نصف ونصيف انتهى، وتمام الحديث فأكلت منه حتى طال على فكلته ففنى وهو متفق عليه (قوله في رف) بالراء المفتوحة والفاء، وفى الصحاح الرف شبه الطاق (قوله وأبى أمامة) هو صدى بن عجلان الباهلى (*)

[ 142 ]

يبيت هو وأهله الليالى المتتابعة طاويا لا يجدون عشاء، وعن أنس رضى الله عنه قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق ولا رأى شاة سميطا قط، وعن عائشة رضى الله عنها: إنما كان فراشه صلى الله عليه وسلم الذى ينام عليه أدما حشوه ليف، وعن حفصة رضى الله عنها قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته مسحا نثنيه ثنتين فينام عليه فثنيناه له ليلة بأربع فلما أصبح قال: ما فرشتموا لى الليلة فذكرنا ذلك له فقال ردوه بحاله فإن وطأته منعتني الليلة صلاتي وكان ينام أحيانا على سرير مزمول بشريط حتى يؤثر في جنبه. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: لم يمتلى جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا قط ولم يبث شكوى إلى أحد وكانت الفاقة


(قوله على خوان) بكسر الخاء المعجمة وضمها قال ابن قرقول ويقال أيضا إخوان وهى المائدة (قوله ولا في سكرجة) قال ابن قرقول هي بضم السين والكاف والراء، وقال ابن مكى صوابه بفتح الراء وهى قصاع صغار يؤكل فيها وليست بعربية، ومعنى ذلك أن العجم كانت تستعملها في الكواميخ وما أشبهها من الجوارشات على الموائد حول الأطعمة للتشهي والهضم، فأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل على هذه الصفة قط، وقال الداودى هي قصعة صغيرة مدهونة (قوله شاة سميطا) في الصحاح سمطت الجدى: أسمطه وأسمطه سمطا، إذا نظفته عن الشعر بالماء الحار لتشويه فهو سميط ومسموط (قوله مسحا) بكسر الميم وسكون السين وبالحاء المهملتين أي بلاسا (قوله مزمول بشريط) في الصحاح يقال زمل سريره وأزمله إذا زمل شريطا أو غيره فجعله ظهرا له، والشريط حبط يفتل منخوص (قوله شبعا) بكسر الشين المعجمة وفتح الموحدة نقيض الجوع والشبع، بسكون الموحدة اسم ما أشبعك من شئ (قوله ولم يبث) بفتح المثناة التحتية وضم الموحدة بعدها مثلثة. (*)

[ 143 ]

أحب إليه من الغنى وإن كان ليظل جائعا ليلتوى طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه ولو شاء سأل ربه جميع كنور الأرض وثمارها ورغد عيشها ولقد كنت أبكى له رحمة مما أرى به وأمسح بيدى على بطنه مما به من الجوع وأقول نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك فيقول (يا عائشة مالى وللدنيا ؟ إخوانى من أولى العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحيى إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بى غدا دونهم وما من شئ هو أحب إلى من اللحوق بإخوانى وأخلائي، قالت فما أقام بعد إلا شهرا حتى توفى صلى الله عليه وسلم. (فصل) وأما خوفه ربه وطاعته له وشدة عبادته فعلى قدر علمه بربه ولذلك قال فيما حدثا أبو محمد بن عتاب قراءة منى عليه قال حدثنا أبو القاسم الطرابلسي حدثنا أبو الحسن القابسى حدثنا أبو زيد المروزى حدثنا أبو عبد الله الفربرى حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يحيى ابن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب


(قوله عن الليث) هو ابن سعد، قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ مصر: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفقيه يكنى أبا الحارث يقال إنه مولى بنى فهم، ثم لآل خالد بن ناشر بن طاعن الفهمى، ثم من بنى كنانة بن عمر بن القيس، وكان اسمه في ديوان مصر في موالى بنى كنانة من فهم وأهل بيته يقولون: نحن من الفرس من أهل أصبهان، قال ابن يونس وليس لما قالوه من ذلك عندنا صحة وأخرج ابن يونس من طريق عمرو بن أبى الظاهر بن السرح، قال: سمعت يحيى بن بكير يقول سعد والد (*)

[ 144 ]

أن أبا هريرة رضى الله عنه كان يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)، زاد في روايتنا


الليث كان من موالى قريش، ثم افترض في بنى فهم فنسب إليهم، وقال يعقوب ابن سفيان في تاريخه قال يحيى بن بكير سمعت شعيب بن الليث يقول: كان الليث يقول لنا قال لى بعض أهلى إنى ولدت سنة اثنين وتسعين، والذى أوقن أنى ولدت سنة أربع وتسعين، وقال أبو صالح كاتب الليث، سمعت الليث يقول: مات عمر بن عبد العزيز ولى سبع سنين، وكانت وفاة عمر سنة إحدى ومائة، وقال أبو نعيم في الحلية: أدرك الليث نيفا وخمسين رجلا من التابعين وأسند أبو نعيم عن محمد بن رمح قال: كان دخل الليث في كل سنة ثمانين ألف دينار ما أوجب الله عليه قط بزكاة ووصل ابن لهيعة لما احترقت داره بألف دينار وحج فأهدى إليه مالك طبقا فيه رطب فرد إليه على الطبق ألف دينار وأخرج أبو نعيم عن لؤلؤ خادم الرشيد قال جرى بين هارون الرشيد وبين بنت عمه زبيدة بنت جعفر كلام فقال هارون أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة، ثم ندم فجمع الفقهاء فاختلفوا ثم كتب إلى البلدان فاستحضر علماءها إليه، فلما اجتمعوا جلس لهم فسألهم فاختلفوا وبقى شيخ لم يتكلم وكان في آخر المجلس، قال فسأله فقال إذا خلا أمير المؤمنين في مجلسه كلمته فصرفهم فقال: يدنينى أمير المؤمنين فأدناه فقال: أتكلم على الأمان فقال نعم، فأمر بإحضار مصحف، فأحضره، فقال: تصفحه يا أمير المؤمنين حتى تصل إلى سورة الرحمن فاقرأها ففعل، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان، قال أمسك يا أمير المؤمنين، قل والله، قال فاشتد ذلك على هارون، فقال يا أمير المؤمنين الشرط أملك فقال والله حتى فرغا من اليمين، قال: قل إنى أخاف مقام ربى فقال ذلك، فقال يا أمير المؤمنين هي جنتان، وليس بجنة واحدة، قال فسمعت التصفيق والفرح من وراء الستر، فقال له الرشيد: أحسنت والله، وأمر له بالجوائز والخلع وأمر له بإقطاع ولا ينصرف أحد بمصر إلا بأمره وصرفه مكرما، قال خليفة بن حياط ومحمد بن سعد والبخاري وغير واحد، مات الليث سنة خمس وسبعين ومائة زاد ابن سعد يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شعبان (قوله عن عقيل) بضم المهملة وفتح القاف: ابن خالد الأيلي (*)

[ 145 ]

عن أبى عيسى الترمذي رفعه إلى أبى ذر رضى الله عنه (إنى أرى مالا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) لوددت أنى شجرة تعضد، روى هذا الكلام: وددت أنى شجرة تعضد، من قول أبى ذر نفسه وهو أصح وفى حديث المغيرة: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه، وفى رواية: كان يصلى حتى ترم قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا. ونحوه عن أبى سلمة وأبى هريرة وقالت عائشة رضى الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسم ديمة، وأيكم يطيق. وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم * ونحوه عن ابن عباس وأم سلمة وأنس وقال: كنت لا تشاء أن تراه في الليل مصليا إلا رأيته مصليا


(قوله أطت) بهمزة مفتوحة وطاء مهملة مشددة بعدها مثناة فوقية للتأنيث، قال ابن الأثير: الأطيط صوت الأقباب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها، أي ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط، وإنما هو كلامه للتقريب أريد به تعريف عظمة الله انتهى (قوله إلى الصعدات) أي الطرقات، جمع صعد بضمتين جمع صعيد، كطريق وطرق وطرقات، وقيل جمع صعدة كظلمة وهى فناء الباب وممر الناس بين يديه (قوله تجأرون) الجؤار: رفع الصوت (قوله أتكلف) أي أتتكلف فحذف إحدى التاءين (قوله وأم سلمة) اسمها هند على الصحيح، وقيل رملة بنت أبى أمية بن حذيفة. (*)

[ 146 ]

ولا نائما إلا رأيته نائما. وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاك ثم توضأ ثم قام يصلى، فقمت معه فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول: سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد وقال مثل ذلك ثم قرأ آل عمران، ثم سورة سورة، يفعل مثل ذلك. وعن حذيفة مثله وقال: سجد نحوا من قيامه، وجلس بين السجدتين نحوا منه وقام حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة * وعن عائشة قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة. وعن عبد الله بن الشخير: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل. قال ابن أبى هالة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة. وقال صلى الله عليه وسلم: (إنى لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) وروى (سبعين مرة) * وعن على رضى الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته فقال (المعرفة رأس مالى والعقل أصل دينى والحب أساسى والشوق مركبي


(قوله بآية من القرآن ليلة) هي قوله تعالى (إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) (قوله ابن الشخير) بكسر الشين والخاء المعجمتين، صحابي نزل البصرة (قوله أزيز) بفتح الهمزة وبعدها زاى فمثناة تحتية ساكنة فزاى: أي صوت من البكاء، وقيل أن يجيش جوفه فيغلى بالبكاء كغليان المرجل، بكسر الميم وسكون الراء، وهو القدر. وفى الصحاح الأزيز: صوت الرعد وغليان القدر (*)

[ 147 ]

وذكر الله أنيسى والثقة كنزى والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي والرضاء غنيمتي والعجز فخري والزهد حرفتي واليقين قوتي والصدق شفيعي والطاعة حسبى والجهاد خلقي وقرة عينى في الصلاة) وفى حديث آخر: وثمرة فؤادى في ذكره وغمى لأجل أمتى. وشوقي إلى ربى عز وجل. (فصل) اعلم وفقنا الله وإياك أن صفات جميع الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم من كمال الخلق حسن الصورة وشرف النسب وحسن الخلق وجميع المحاسن هي هذه الصفة لأنها صفات الكمال والكمال والتمام البشرى والفضل الجميع لهم صلوات اللهم عليهم إذ رتبتهم أشرف الرتب ودرجاتهم أرفع الدرجات ولكن فضل الله بعضهم على بعض قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) وقال (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) وقد قال صلى الله عليه وسلم إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم قال آخر الحديث على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم عليه السلام طوله ستون ذراعا في السماء وفى حديث أبى هريرة رأيت موسى فإذا


(قوله والرضا غنيمتي) في الصحاح رضيت عنه رضى مقصور مصدر محض والاسم الرضاء ممدود عن الأخفش (قوله على خلق رجل واحد) روى بضم الخاء وفتحها (*)

[ 148 ]

هو رجل ضرب رجل أقنى كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى فإذا هو رجل ربعة كثير خيلان الوجه أحمر كأنما خرج من ديماس وفى حديث آخر مبطن مثل السيف قال وأنا أشبه ولد إبراهيم به وقال في حديث آخر في صفة موسى كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال * وفى حديث آخر في صفة موسى كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال * وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم ما بعث الله تعالى من بعد لوط نبيا إلا في ذروة من قومه ويروى في ثروة أي كثرة ومنعة وحكى الترمذي عن قتادة ورواه الدارقطني من حديث قتادة عن أنس ما بعث الله تعالى نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم


(قوله ضرب) بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة هو الجسم بين جسمين ليس بناحل ولا مطهم. وقال الخليل هو القليل اللحم (قوله رجل) بفتح الراء وسكون الجيم أي منكسر الشعر قليلا ليس بسيطه ولا بجعده (قوله أقنى) بفتح الهمزة وسكون القاف القنا بفتح القاف والقصر طول الأنف ودقة أرنبته، ويقال رجل أقنى وامرأة قنواء (قوله من رجال شنوءة) في الصحاح أزد شنوءة حى من اليمن والنسب إليهم شنائى قال ابن السكيت وربما قالوا شنوة بالتشديد غير مهموز (قوله ربعة) بفتح الراء وسكون الموحدة وفتحها قال ابن قرقول هو الرجل بين رجلين (قوله كثير خيلان الوجه) الخيلان بكسر المعجمة بعدها مثناة تحتية ساكنة الشامات (قوله من ديماس) قال الهروي: هو بفتح الدال وكسرها، وجاء في الحديث تفسيره بالحمام وقيل هو السرب وقيل الكن (قوله مبطن) بضم الميم وفتح الموحدة، قال الهروي المبطن الضامر البطن (قوله من أدم الرجال) بضم الهمزة وسكون الدال المهملة أي سمر الرجال قال ابن الأثير الأدمة في الإبل البياض مع سواد المقلتين، وفى الناس السمرة الشديدة واستدل بعضهم على كون موسى اسمر بقوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) (*)

[ 149 ]

أحصنهم وجها وأحسنهم صوتا صلى الله عليه وسلم * وفى حديث هرقل وسألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها وقال تعالى في أيوب (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) وقال تعالى (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) إلى قوله (ويوم يبعث حيا) وقال (إن الله يبشرك بيحيى - إلى - الصالحين) وقال (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران) الآيتين وقال في نوح (إنه كان عبدا شكورا) وقال (إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح - إلى - الصالحين) وقال (إنى عبد الله آتانى الكتاب - إلى - مادمت حيا) وقال (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى) الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: كان موسى رجلا حييا ستيرا ما يرى من جسده شئ استحياء الحديث وقال تعالى عنه (فوهب لى ربى حكما) الآية وقال في وصف جماعة منهم (إنى لكم رسول أمين) وقال (إن خير من استأجرت القوى الأمين) وقال (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) وقال (ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا) إلى قوله (فبهداهم اقتده) فوصفهم بأوصاف جمة من الصلاح والهدى والاجتباء والحكم والنبوة وقال (فبشرناه بغلام عليم - إلى - وحليم) وقال (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم


(قوله في أيوب) كان أيوب عليه السلام ببلاد حوران ققبره مشهور عندهم. (قوله ستيرا) بكسر المهملة وتشديد المثناة الفوقية أي كثير الستر (*)

[ 150 ]

رسول كريم - إلى - أمين) وقال (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) وقال في إسماعيل (إنه كان صادق الوعد) الآيتين وفى موسى (إنه كان مخلصا) وفى سليمان (نعم العبد إنه أواب) وقال (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدى والأبصار - إلى - الأخيار) وفى داود (إنه أواب) ثم قال (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) وقال عن يوسف (اجعلني على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم) وفى موسى (ستجدني إن شاء الله صابرا) وقال تعالى عن شعيب (ستجدني إن شاء الله من الصحالين) وقال (ما أريد إن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) وقال (ولوطا آتيناه حكما وعلما) وقال (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) الآية قال سفيان هو الحزن الدائم في آى كثيرة ذكر فيها من خصالهم ومحاسن أخلاقهم الدالة على كمالهم وجاء من ذلك في الأحاديث كثير كقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم نبى ابن نبى ابن نبى ابن نبى. وفى حديث أنس وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم وروى أن سليمان كان مع ما أعطى من الملك لا يرفع بصره إلى السماء تخشعا وتواضعا لله تعالى وكان يطعم الناس لذائذ الأطعمة ويأكل خبز الشعير وأوحى إليه يا رأس العابدين وابن محجة الزاهدين وكانت العجوز تعترضه وهو على الريح في جنوده

[ 151 ]

فيأمر الريح فتقف فينظر في حاجتها ويمضى وقيل ليوسف مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض قال أخاف أن أشبع فأنسى الجائع وروى أبو هريرة رضى الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج ولا يأكل إلا من عمل يده قال الله تعالى (وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد) وكان سأل ربه أن يرزقه عملا بيده يعنيه عن بيت المال وقال صلى الله عليه وسلم أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما وكان يلبس الصوف ويفترش الشعر ويأكل خبز الشعير بالملح والرماد ويمزج شرابه بالدموع ولم ير ضاحكا بعد الخطيئة ولا شاخصا ببصره إلى السماء حياء من ربه عز وجل ولم يزل باكيا حياته كلها وقيل بكى حتى نبته العشب من دموعه وحتى اتخذت الدموع في خده أخددا وقيل كان يخرج متنكرا يتعرف سيرته فيسمع الثناء عليه فيزداد تواضعا، وقيل لعيسى عليه السلام لو اتخذت حمارا قال أنا أكرم على الله تعالى من أن يشغلني بحمار وكان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولم يكن له بيت أينما أدركه النوم نام وكان أحب


(قوله خفف على داود القرآن) أي الزبور لأنه مقروء (قوله أخدودا) هو في الأصل اسم للشق المستطيل في الأرض. (*)

[ 152 ]

الأسامى إليه أن يقال له مسكين وقيل إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين كانت ترى خضرة البقل في بطنه من الهزال وقال صلى الله عليه وسلم لقد كان الأنبياء قبلى يبتلى أحدهم بالفقر والقمل وكان أحب إليهم من العطاء إليكم وقال عيسى عليه السلام لخنزير لقيه (اذهب بسلام) فقيل له في ذلك فقال أكره أن أعود لساني المنطبق بسوء وقال مجاهد كان طعام يحيى العشب وكان يبكى من خشية الله حتى اتخذ الدمع مجرى في خده وكان يأكل مع الوحش لئلا يخالط الناس وحكى الطبري عن وهب أن موسى عليه السلام كان يستظل بعريش وكان يأكل في نقرة من حجر ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدابة تواضعا لله بما أكرمه الله به من كلامه وأخبارهم في هذا كله مسطورة وصفاتهم في الكمال وجميل الأخلاق وحسن الصور والشمائل معروفة مشهورة فلا نطول بها ولا تلتفت إلى ما تجده في كتب بعض جهلة المؤرخين والمفسرين مما يخالف هذا. (فصل) قد أتيناك أكرمك الله من ذكر الأخلاق الحميدة والفضائل المجيدة وخصال الكمال العديدة وأريناك صحتها له صلى الله عليه وسلم وجلبنا من الآثار ما فيه مقنع والأمر أوسع فمجال هذا


(قوله بعريش) هو ما يستظل به (قوله كما تكرع الدابة) الكرع الشرب من الماء بالفم من غير أن يشرب بكف أو إناء وقال ابن دريد لا يكون الكرع إلا إذا خاض الماء بقدميه فشرب منه (قوله مقنع) بفتح الميم وسكون القاف وفتح النون في الصحاح المقنع بالفتح العدل من الشهود، ويقال فلان شاهد مقنع أي رضى يقنع به (*)

[ 153 ]

الباب في حقه صلى الله عليه وسلم ممتد ينقطع دون نفاده الأدلاء وبحر علم خصائصه زاخر لا تكدره الدلاء ولكنا أتينا فيه بالمعروف مما أكثره في الصحيح والمشهور من المصنفات واقتصرنا في ذلك بقل من كل وغيض من فيض ورأينا أن نختم هذه الفصول بذكر حديث الحسن عن ابن أبى هالة لجمعه من شمائله وأوصافه كثيرا وإدماجه جملة كافية من سيرة وفضائله ونصله بتنبيه لطيف على غريبه ومشكله حدثنا القاضى أبو على الحسين بن محمد الحافظ رحمه الله بقراءتي عليه سنة ثمان وخمسمائة قال حدثنا الإمام أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميمي فيما قرأت عليه أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن عبد الله بن الحسن النيسابوري والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدى والقاضى أبو على الحسن بن على بن جعفر الوخشى قالوا حدثنا أبو القاسم على ابن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعى أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشى


(قوله نفاده الأدلاء) النفاد بالنون المفتوحة والفاء والدال المهملة، يقال نفد الشئ بالكسر نفادا فنى والأدلاء بكسر الدال المهملة وتشديد اللام جمع أدلة وهى جمع دليل (قوله قل) بضم القاف وتشديد اللام، في الصحاح القل والمقلة مثل الذل والذلة، وفى الحديث الربا وإن كثر فهو إلى قل (قوله وغيض من فيض) الغيض بالغين والضاد المعجمتين، والفيض بالفاء والضاد المعجمة في الصحاح، ويقال غاض الكرام، أي قلوا وفاض اللئام أي كثروا، وقولهم أعطاه غيضا من فيض أي قليلا من كثير (قوله الوخشى) بواو مفتوحة وخاء ساكنة وشين معجمتين (قوله الشاشى) بمعجمتين (*)

[ 154 ]

أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ قال حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلى إملاء من كتابه قال حدثنى رجل من بنى تميم من ولد أبى هالة زوج خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها يكنى أبا عبد الله عن ابن لأبى هالة عن الحسن بن على ابن أبى طالب رضى الله عنه قال سألت خالي هند بن أبى هالة قال القاضى أبو على رحمه الله وقرأت على الشيخ أبى طاهر أحمد بن الحسن ابن أحمد بن خذادادا الكرجى الباقلانى قال وأجاز لنا الشيخ الأجل أبو الفضل أحمد بن الحسن ابن خيرون قالا حدثنا أبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن ابن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران الفارسى قراءة عليه فأقر به قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب المعروف بابن أخى طاهر العلوى قال حدثنا


(قوله جميع) بضم الجيم وفتح الميم وسكون المثناة التحتية بعدها عين مهملة (قوله خذاداد) الكرجى خذاداد بخاء فذال معجمتين فألف فمهملتين بينهما ألف أو معجمتين بينهما ألف ومعناه بالفارسية عطاء الله والكرجي بالكاف المتفوحة والجيم كذا ضبط في النسخ المعتبرة (قوله ابن شاذان) بشين وذال معجمتين (قوله ابن مهران) بكسر الميم (قوله واللفظ لهذا السند) بالنون أي الإسناد (قوله فخما مفخما) الفخم بفتح الفاء وسكون الخاء المعجمة العظيم والمفخم بضم الميم وفتح الفاء والخاء المعجمة وتشديدها المعظم (قوله المشذب) بميم مضمومة وشين وذال مفتوحتين معجمتين وباء موحدة (*)

[ 155 ]

اسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب قال حدثنى على بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أخيه موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن على عن على بن الحسين قال قال الحسن بن على واللفظ لهذا السند سألت خالي هند بن أبى هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وصافا وأنا أرجو أن يصف لى منها شيئا أتعلق به قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلأل ء القمر ليلة البدر أطول من المربوع وأنصر من المشذب عظيم الهامة رجل الشعر إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا يحاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره أزهر اللون واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ من غير قرن بينهما عرق يدره الغضب أقنى العرنين له نور يعلوه ويحسبه من لم يتأمله أشم كث اللحية أدعج سهل الخدين ضليع الفم


(قوله وفر) قال المزى المعروف وفره بزيادة هاء مع تشديد الفاء، وفى الصحاح الوفرة الشعر إلى شحمة الأذن (قوله أزهر اللون) أخرج أبو حاتم عن عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان أبيض اللون وأخرج أيضا عن على رضى الله عنه أنه كان أبيض مشربا بحمرة وفى حديث أنس رضى الله عنه أنه عليه السلام كان أسمر قال المحب الطبري ويرد هذا الأخير ما في الصحيح من حديث أنس أنه عليه السلام لم يكن بالأبيض ولا بالآدم (قوله ضليع الفم) الضليع بفتح الضاد الممعجمة وكسر (*)

[ 156 ]

أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة معتدل الخلق بادنا متماسكا سواء البطن والصدر مشيخ الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط عارى الثديين ما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر طويل الزندين رحب الراحة شثن الكفين والقدمين سائل الأطراف أو قال سائن الأطراف وسائر الأطراف سبط العصب خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو


اللام بعدها مثناة تحتية وعين مهملة (قوله المسربة) بفتح الميم وسكون السين المهملة (قوله جيد دمية) الجيد بكسر الجيم وسكون المثناة التحتية بعدها دال مهملة العنق والدمية بضم الدال المهملة وسكون الميم بعدها مثناة تحتية الصورة من العاج (قوله مشيح) بضم الميم وكسر الشين المعجمة بعدها مثناة تحتية فحاء مهملة (قوله اللبه) بفتح اللام وتشديد الموحدة أي المنحر. والجمع اللبات وكذلك اللبب وهو موضع القلادة من الصدر من كل شئ (قوله الزندين) بفتح الزاى (قوله شئن) بفتح الشين المعجمة وسكون المثلثة، قال ابن الأثير شئن الكفين والقدمين أي يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل هو الذى في أنامله غلط بلا قصر ويحمد ذلك في الرجال (قوله سبط العصب) بالعين والصاد المهملتين، كذا في الأصول، قال ابن القطاع الجسم سبط بسكون الباء والشعر سبط بكسرها وللفاراني معناه وفى الصحاح العصب والأعصاب أطناب المفاصل وقال ابن الأثير في صفته عليه السلام سبط العصب والسبط بسكون الباء وكسرها المتد الذى ليس فيه تعقد ولا نتو، والعصب يريد بها ساعديه وساقيه، وقال الهروي في قصب بالقاف والصاد المهملة والباء الموحدة، وفى صفته عليه السلام سبط القصب، قال وكل عظم عريض لوح وكل أجوف فيه مخ قصب وجمعها قضب انتهى (قوله خمصان) بضم الخاء المعجمة (قوله مسيح بفتح) (*)

[ 157 ]

عنهما الماء إذا زال زال تقلعا ويخطو تكفؤا ويمشى هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام قلت صف لى منطقه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ويتكلم بجوامع الكلم فضلا لا فضول فيه ولا تقصير دمثا ليس بالجنا في ولا المهين يعضم النعمة وإن دقت لا يذم شئيا لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه ولا يقام لغضبه إذا تعرض


الميم وكسر السين المهملة بعدها مثناة تحتية وحاء مهملة (قوله متواصل الأحزان) قال ابن قيم الجوزية حديث هند بن أبى هالة في صفته عليه السلام أنه كان متواصل الأحزان لا يثبت وفي أسناد من لا يعرف وكيف يكون متواصل الأحزان، وقد صانه الله تعالى عن الحزن في الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن على الكفار وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فمن أين يأتيه الحزن بل كان عليه السلام دائم البشر ضحوك السن استعاذ من الهم والحزن. والفرق بينهما أن المكروه الذى يرد على القلب إن كان لما يستقبل فهوا لهم، وإن كان لما مضى فهو الحزن: وقال أبو العباس بن تيمية ليس المراد بالحزن، في حديث هند بن أبي هالة الألم على فوت مطلوب أو حصول مكره، فإن ذلك منهى عنه، ولم يكن من حاله وإنما المراد به الاهتمام والتيقظ، ولما يستقبله من الأمور (قوله فصلا) بفتح الفاء وسكون الصاد المهملة (قوله دمثا) بفتح الدال المهملة وكسر الميم وبالمثلثة من الدماثة وهى سهولة الخلق (قوله ولا المهين) بفتح الميم وضمها قال ابن الأثير، فالضم من الإهانة، أي لا يهين أحدا من الناس والفتح من (*)

[ 158 ]

للحق بشئ حتى ينتصر له ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى وإذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه التبسم ويفتر عن مثل حب الغمام قال الحسن فكتمتها عن الحسين بن على زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأل أباه عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئا قال الحسين سألت أبى عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءا لله وجزئا لأهله وجزءا لنفسه ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدخر عنهم شيئا فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمته على قدر فضلهم في الدين منهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما


المهانة أي الحقارة (قوله وأشاح) بالشين المعجمة والحاء المهملة (قوله إذا أشار أشار بكفه كلها) قال ابن الأثير أراد أن إشارته مختلفة فما كان منها في ذكر التوحيد والتشهد كان بالمسبحة وحدها وما كان في غير ذلك كان بكفه كلها ليكون بين الإشارتين فرق (قوله بفتر) في الصحاح افتر فلان ضاحكا أي أبدى أسنانه (قوله فيرد ذلك) على العامة بالخاصة قال ابن الأثير أراد أن العامة كانت لا تصل إليه في هذا الوقت فكانت الخاصة تخبر العامة بما سمعت منه، فكأنه أوصل الفوائد إلى العامة بالخاصة وقيل إن الباء بمعنى عن أي يجعل وقت العامة بعد وقت الخاصة وبدلا منهم (*)

[ 159 ]

يصلحهم والأمة من مسألته عنهم وأخبارهم بالذى ينبغى لهم ويقول ليبلغ الشاهد منكم الغائب وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغى حاجته فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره قال في حديث سفيان بن وكيع: يدخلون روادا ولا يتفرقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة يعنى فقهاء قلت فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا يفرقهم يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره وخلقه ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويصوبه ويقبح القبيح ويوهنه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره الذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس ويأمر بذلك ويعطى كل جلسائه نصيبه


(قوله يخزن) بسكون الخاء المعجمة وضم الزاى (قوله عتاد) بفتح العين المهملة وتخفيف المثناة الفوقية، وفى آخره دال مهملة. (*)

[ 160 ]

حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى وفى الرواية الأخرى صاروا عنده في الحق سواء مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنشى فلتاته وهذه الكلمة من غير الروايتين يتعاطفون بالتقوى متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير ويرفدون ذا الحاجة ويرحمون الغريب فسألته عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير وإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث من تكلم عنده انصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب


(قوله تنثى) بضم المثناة الفوقية وسكون النون بعدها مثلثة أي لا نشاع يقال نثوت الحديث أنثوة نثوا أي أشعته (قوله وترفدت) يقال رفده يرفده بكسر الفاء في المستقبل إذ أعطاه وأرفده إرفادا إذا أعانه (*)

[ 161 ]

على الجفوة في المنطق ويقول إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام، هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع، وزاد الآخر قلت كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم ؟ قال: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر * فأما تقديره ففى تسوية النظير والاستماع بين الناس * وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى وجمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر فكان لا يغضبه شئ يسنفزه وجميع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به وتركه القبيح لينتهى عنه واجتهاد الرأى بما أصلح أمته والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة. انتهى الوصف بحمد الله وعونه. (فصل في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله) قوله المشذب أي البائن الطول في نحافة وهو مثل قوله في الحديث الآخر ليس بالطويل الممغط، والشعر الرجل الذى كأنه مشط فتكسر قليلا ليس بسبط ولا جعد، والعقيقة شعر الرأس أراد إن انفرقته من ذات نفسها فرقها وإلا تركها معقوصة ويروى عقيصته، وأزهر اللون نيره وقيل أزهر حسن ومنه زهرة الحياة الدنيا أي زينتها وهذا كما قال في الحديث


(قوله يستفزه) بالفاء والزاى (قوله الممغط) قال الهروي قال أبو زيد يقال أمغط النهار أي امتد، ومغطت الحبل فانمغط وامغط، وقال أبو تراب في كتاب الاعتقاب ممغط وممعط بالمعجمة والمهملة انتهى (11 - 1) (*)

[ 162 ]

الآخر ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، والأمهق: هو الناصع البياض والآدم الأسمر اللون، ومثله في الحديث الآخر: أببض مشرب أي فيه حمرة، والحاجب الأزج المقوس الطويل الوافر الشعر، والأقنى: السائل الأنف المرتفع وسطه، والأشم: الطويل قصبة الأنف، والقرن: اتصال شعر الحاجبين، وضده البلج ووقع في حديث أم معبد وصفه بالقرن، والأدعج: الشديد سواد الحدقة. وفى الحديث الآخر: أشكل العين، وأسجر العين، وهو الذى في بياضها حمرة، والضليع: الواسع والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها وتحزيز فيها كما يوجد في أسنان الشباب، والفلج فرق بين الثنايا، ودقيق المسربة خيط الشعر الذى بين الصدر والسرة، بادن ذو لحم ومتماسك معتدل الخلق يمسك. بعضه بعضا مثل قوله في الحديث الآخر لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم أي ليس بمسترخى اللحم. والمكلثم القصير الذقن، وسواء البطن والصدر أي مستويهما مشيح الصدر إن صحت هذه اللفظة فتكون من الإقبال وهو أحد معاني أشاح أي أنه كان بادى الصدر ولم يكن في صدره قعس وهو تطامن فيه وبه يتضح قوله قبل سواء البطن والصدر أي ليس بمتقاعس الصدر، ولا مفاض البطن، ولمل اللفظ مسيح: بالسين وفتح الميم بمعنى عريض كما وقع في الرواية الأخرى، وحكاه ابن دريد والكراديس رؤس العظام، وهو مثل قوله في الحديث الآخر جليل

[ 163 ]

المشاش والكتد والمشاش: رؤس المناكب، والكتد: مجتمع الكنفين وشثن الكفين والقدمين لحيمهما، والزندان: عظما الذراعين، وسائل الأطراف أي طويل الأصابع، وذكر ابن الأنباري أنه روى سائل الأطراف أو قال سائن بالنون قال وهما بمعنى تبدل اللام من النون إن صحت الرواية بها وأما على الرواية الأخرى وسائر الأطراف فإشارة إلى فخامة جوارحه كما وقعت مفصلة في الحديث ورحب الراحة أي واسعها وقيل كنى به عن سعة العطاء والجود، وخمصان الأخمصين أي متجا في أخمص القدم وهو الموضع الذى لا تناله الأرض من وسط القدم، ومسيح القدمين أي أملسهما ولهذا قال ينبو عنهما الماء وفى حديث أبى هريرة خلاف هذا قال فيه إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص وهذا يوافق معنى قوله مسيح القدمين وبه قالوا سمى المسيح ابن مريم أي لم يكن له أخمص وقيل مسيح لا لحم عليهما وهذا أيضا يخالف قوله شئن القدمين والتقلع رفع الرجل بقوة، والتكفؤ: الميل إلى سنن الممشى وقصده، والهون: الرفق والوقار، والذريع: الواسع الخطو أي أن مشيه كان يرفع فيه رجليه بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال ويقصد سمته. وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة كما قال كأنما ينحط من صبب، وقوله يفتتح الكلام ويختمه باشداقه أي لسعة فمه، والعرب تتمادح بهذا، وتذم بصغر الفم، وأشاح: مال وانقبض، وحب الغمام: البرد، وقوله: فيرد ذلك بالخاصة على العامة


(قوله والكتد) قال أبو على: الفتح أفصح. (*)

[ 164 ]

أي جعل من جزء نفسه ما يوصل الخاصة إليه فتوصل عنه للعامة، وقيل يجعل منه للخاصة ثم يبدلها في جزء آخر بالعامة: ويدخلون روادا أي محتاجين إليه وطالبين لما عنده ولا ينصرفون إلا عن ذواق، قيل: عن علم يتعلمونه: ويشبه أن يكون على ظاهره أي في الغالب والأكثر، والعتاد العدة والشئ الحاضر المعد، والموازرة المعاونة وقوله لا يوطن الأماكن أي لا يتخذ لمصلاه موضعا معلوما، وقد ورد نهيه عن هذا مفسرا في غير هذا الحديث، وصابره أي حبس نفسه على ما يريد صاحبه ولا نؤبن فيه الحرم أي لا يذكرن فيه بسوء ولا تنثى فلتاته أي لا يتحدث بها أي لم تكن فيه فلتة وإن كانت من أحد سترت، ويرفدون: يعينون، والسخاب: الكثير الصياح، وقوله ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، قيل مقتصد في ثنائه ومدحه، وقيل إلا من مسلم، وقيل: إلا من مكافئ على يد سبقت من النبي صلى الله عليه وسلم له، ويستفزه: يستخفه، وفى حديث آخر في وصفه صلى الله عليه وسلم منهوس العقب أي قليل لحمها، وأهدب الأشفار: أي طويل شعرها


(قوله ولا يقبل الثناء) بتقديم المثلثة على النون والمد يطلق في الخير ويقيد في الشر ومنه مروا بجنازة فأثنوا عليها شرا وأما النثا بتقديم النون على المثلثة فمقصور ويستعمل في الخير والشر جميعا (قوله وأهدب الأشفار) أهدب بسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها موحدة، والأشفار بالشين المعجمة والفاء جمع شفر وهو حرف الجفن الذى ينبت عليه الشعر وهو الهدب. (*)

[ 165 ]

(الباب الثالث) فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ومنزلته وما خصه به في الدارين من كرامته صلى الله عليه وسلم * لا خلاف أنه أكرم البشر، وسيد ولد آدم، وأفضل الناس منزلة عند الله، وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى. واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدا وقد اقتصرنا منها على صحيحها ومنتشرها وحصرنا معاني ما ورد منها في اثنى عشر فصلا (الفصل الأول) فيما ورد من ذكر مكانته عند ربه عز وجل والاصطفاء ورفعة الذكر والتفضيل، وسيادة ولد آدم وما خصه به في الدنيا من مزايا الرتب وبركة اسمه الطيب: أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله ابن أحمد العدل إذ نا بلفظه حدثنا أبو الحسن الفرغانى حدثتنا أم القاسم بنت أبى بكر بن يعقوب عن أبيها حدثنا حاتم وهو ابن عقيل عن يحيى وهو ابن اسماعيل عن يحيى الحمانى حدثنا قيس عن الأعمش عن عباية ابن ربعى عن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما. فذلك قوله تعالى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب


(قوله عن يحيى الحمانى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم بعدها ألف ونون وياء لنسبة إلى قبيلة (قوله عن عباية بن ربعى) عباية بفتح العين المهملة وتخفيف الوحدة وربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها عين مهملة وياء مشددة. (*)

[ 166 ]

اليمين ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا وذلك قوله تعالى فأصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة والسابقون السابقون فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة وذلك قوله تعالى (وجعلناكم شعوبا وقبائل) الآية فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني من خيرها بيتا فذلك قوله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية، وعن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة قال (وآدم بين الروح والجسد) وعن واثلة ابن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة واصطفى من بنى كنانة قريشا واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم) ومن حديث أنس رضى الله عنه (أنا أكرم ولد آدم على ربى ولا فخر) وفى حديث ابن عباس) أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر وعن عائشة رضى الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم (أتانى جبريل عليه السلام فقال قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمد ولم أر بنى أب أفضل من بنى هاشم) وعن أنس رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسرى به فاستصعب عليه فقال له جبريل بمحمد تفعل هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض عرقا. وعن ابن عباس رضى الله عنهما

[ 167 ]

عنه صلى الله عليه وسلم (لما خلق الله آدم أهبطني في صلبه إلى الأرض وجعلني في صلب نوح في السفينة وقذف بى في النار في صلب إبراهيم ثم لم يزل ينقلني في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجنى بين أبوى لم يلتقيا على سفاح قط) وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه بقوله: من قبلها طبت في الظلال وفى * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق


(قوله من قبلها) أي قبل الدنيا، أو قبل النبوة، أو الولادة (قوله ولا مضغة) المضغة قطعة لحم بقدر ما يمضغ في الفم (قوله ولا علق) العلق جمع علقة وهى قطعة من دم غليظ (قوله يركب السفين) في الصحاح السفين جمع سفينة فعيلة بمعنى فاعلة كأنها تسفن الماء أي تقشه بالقاف والشين المعجمة (قوله نسوا) كان لآدم صلى الله عليه وسلم بنون يسمون نسرا وودا وسواعا ويغوث ويعوق، وكانوا عبادا فماتوا فحزن أهل عصرهم عليهم، فصور لهم إبليس اللعين أمثالهم من صفر ونحاس ليستأنسوا بهم، فجعلوها في مؤخر المسجد، فلما هلك أهل ذلك العصر، قال اللعين لأولادهم هذه آلهة آبائكم فاعبدوهم، ثم إن الطوفان دفنها فأخرجها اللعين للعرب فكانت ود لكلب بدومة الجندل وسواع لهذيل بساحل ويغوث لغطيف من مراد ويعوق لهمدان ونسر لذى الكلاع من حمير (قوله من صالب) قال الهروي أي من صلب يقال صلب وصلب وصالب ثلاث لغات، وقال ابن الأثير الصالب الصلب وهو قليل الاستعمال (قوله إذا مضى عالم بدا طبق) العالم بفتح اللام قال الهروي (*)

[ 168 ]

ثم احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفى النور * وسبل الرشاد نخترق يا برد نار الخليل يا سببا * لعصمة النار وهى تحترق وروى عنه صلى الله عليه وسلم أبو ذر وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وجابر بن عبد الله أنه قال (أعطيت خمسا - وفى بعضها ستا - لم يعطهن نسى قبلى: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل وأحلت لى الغنائم ولم تحل لنبى قبلى وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة) وفى رواية بدل هذه الكلمة: (وقيل لى سل تعطه) وفى رواية أخرى (وعرض على أمتى فلم يخف على التابع من المتبوع) وفى رواية بعثت


وقال ابن عرفة: يقال مضى طبق وجاء طبق أي مضى عالم وجاء عالم ومنه قول العباس إذا مضى عالم بدا طبق، يقول إذا مضى قرن بدا قرن، وقيل للقرن طبق لأنه طبق الأرض (قوله المهيمن) أي الشاهد (قوله خندف) بكسر الخاء المعجمة وسكون النون وكسر الدال المهملة بعدها فاء هو في الأصل مشية كالهرولة ثم سمى به ليلى امرأة الياس بن مصفر (قوله النطق) بضم النون والطاء، قال ابن الأثير جمع نطاق، وهى أعراض من جبال بعضها فوق بعض، أي نواح أوساط منها شبهت بالنطق الذى تشد بها أوساط الناس، ضربه مثلا له في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته، وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال انتهى، وفى الصحاح النطاق شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجر على الأرض، وليس لها حجزة ونيفق، ولا ساقان والجمع نطق (قوله وأيما رجل من أمتى) كذا في بعض النسخ والمشهور فأيما رجل من أمتى بالفاء (قوله وأعطيت الشفاعة) أي العظمى (*)

[ 169 ]

إلى الأحمر والأسود) قيل السود العرب لأن الغالب على ألوانهم الأدمة فهم من السود، والحمر العجم، وقيل البيض والسود من الأمم، وقيل الحمر الإنس والسود الجن * وفي الحديث الآخر عن أبى هريرة رضى الله عنه (نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وبينا أنا نائم إذ جئ بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدى) * وفى رواية عنه (وختم بى النبيون) وعن عقبة بن عامر أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم (إنى فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإنى والله لأنظر إلى حوضى الآن وإنى قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض وإنى والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) وعن عبد الله ابن عمرو رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أنا


وله صلى الله عليه وسلم شفاعات هذه (أولاها) وهى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء عليهم السلام (والثانية) في جماعة يدخلون الجنة بغير حساب وهذه والتى قبلها من خصائصه عليه السلام (والثالثة) في أناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها (والرابعة) في أناس دخلوا النار فيخرجون منها (والخامسة) في رفع درجات أناس في الجنة، قال النووي: ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة أيضا من خصائصه (والسادسة) تخفيف العذاب عمن استحق الخلود فيها كما في حق أبى طالب (والسابعة) شفاعته لمن مات بالمدينة (والثامنة) شفاعته لمن صبر على لأواء المدينة (والتاسعة) شفاعته لفتح باب الجنة كما رواه مسلم (والعاشرة) شفاعته لمن زاره صلى الله عليه وسلم لما روى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من زار قبري وجبت له شفاعتي (والحادية عشر) شفاعته لمن أجاب المؤذن وصلى عليه صلى الله عليه وسلم لما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم حلت له شفاعتي (قوله في يدى) بفتح الدال وتشديد الآخر. (*)

[ 170 ]

محمد النبي الأمي لا نبى بعدى أوتيت جوامع الكلم وخواتمه وعلمت خزنة النار وحملة العرش * وعن ابن عمر (بعثت بين يدى الساعة) ومن رواية ابن وهب أنه صلى الله عليه وسلم قال (قال الله تعالى سل يا محمد فقلت ما أسأل يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما، واصطفيت نوحا، وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، فقال الله تعالى ما أعطيتك خير من ذلك، أعطيتك الكوثر وجعلت اسمك مع اسمى ينادى به في جوف السماء وجعلت الأرض طهورا لك ولأمتك وغفرت لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فأنت تمشى في الناس مغفورا لك، ولم أصنع ذلك لأحد قبلك، وجعلت قلوب أمتك مصاحفها، وخبأت لك شفاعتك ولم أخبأها لنبى غيرك) * وفى حديث آخر، رواه حذيفة (بشرني - يعنى ربه عز وجل - أول من يدخل الجنة معى من أمتى سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب، وأعطاني أن لا تجوع أمتى ولا تغلب، وأعطاني النصر والعزة والرعب يسعى بين يدى أمتى شهرا، وطيب لى ولأمتي المغانم، وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج) * وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم (ما من نبى من الأنبياء إلا وقد أعطى من


(قوله وعلمت) بضم المهملة وتشديد اللام المكسورة ويجوز فتح المهملة وتخفيف اللام (*)

[ 171 ]

الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيت وحيا أوحى الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) معنى هذا عند المحققين بقاء معجزته ما بقيت الدنيا، وسائر معجزات الأنبياء ذهبت للحين ولم يشاهدها إلا الحاضر لها ومعجزة القرآن يقف عليها قرن بعد قرن عيانا لا خبرا إلى يوم القيامة، وفيه كلام يطول هذا نخبته، وقد بسطنا القول فيه، وفيما ذكر فيه سوى هذا آخر باب المعجزات * وعن على رضى الله عنه كل نبى أعطى سبعة بحباء وزراء رفقاء من أمته، وأعطى نبيكم صلى الله عليه وسلم أربعة عشر بحيبا منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وعمار، وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله قد حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد بعدى وإنما أحلت لى ساعة من نهار) وعن العرباض بن سارية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنى عبد الله وخاتم النبيين) وإن آدم لمنجدل في طينته وعدة أبى إبراهيم وبشارة عيسى ابن مريم) وعن ابن عباس قال إن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم قالوا فما فضله على أهل السماء قال إن الله تعالى قال لأهل السماء (ومن يقل منهم إنى إله من دونه) الآية - وقال


(قوله الفيل) كان اسم هذا الفيل محمودا (قوله لمنجدل) أي ساقط يقال جدله أي رماه بالجدالة، وهى الأرض فانجدل أي سقط (قوله وعدة) بكسر العين المهملة وتخفيف الدال المهملة (*)

[ 172 ]

لمحمد صلى الله عليه وسلم (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) الآية، قالوا: فما فضله على الأنبياء ؟ قال: إن الله تعالى قال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) الآية، وقال لمحمد (وما أرسلناك إلا كافة للناس) وعن خالد بن معدان أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، وقد روى نحوه عن أبى ذر وشداد ابن أوس، وأنس بن مالك رضى الله عنهم فقال: نعم أنا دعوة أبى إبراهيم يعنى قوله: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) وبشر بى عيسى ورأت أمي حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بنى سعد بن بكير فبينا أنا مع أخ لى خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذ جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، وفى حديث آخر ثلاثة رجال بطت من ذهب مملوة ثلجا فأخذاني فشقا بطني قال في غير هذا الحديث من نحرى إلى مراق بطني ثم استخرجا


(قوله ابن معدان) بفتح الميم وسكون العين وتخفيف الدال المهملتين (قوله حين حملت بى) كذا هنا وفى غيره حين وضعتني (قوله بصرى) بضم الموحدة مدينة حوران، وهى أول مدينة فتحت في الشام، وكان فتحها صلحا (قوله بهما) بفتح الموحدة وسكون الهاء جمع بهيمة وهى ولد الضأن ذكرا كان أو أنثى وجمع البهم البهائم ويقال لأولاد المعز سخال (قوله بطست) بالسين المهملة، ويقال أيضا طس وطسة وهو الآنية المعروفة، وفى الصحاح الطست الطس في لغة طيئ أبدل من إحدى السينين تاء للاستثقال فإذا جمعت أو صغرت رددت السين لأنك فصلت بينهما بألف أو ياء فقلت طساس أو طسيس (قوله مراق بطني) بتخفيف الراء وتشديد القاف أي ما سفل من البطن ورق من جلده (*)

[ 173 ]

منه قلبى فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قلبى وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، قال في حديث آخر ثم تناول أحدهما شيئا فإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظر دونه فختم به قلبى فامتلأ أيمانا وحكمة ثم أعاده مكانه وأمر الآخر يده على مفرق صدري فالتأم وفى رواية إن جبريل قال قلب وكيع أي شديد فيه عينان تبصران وأذنان سمعتان ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزننى بهم فرجحتهم، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزننى بهم فوزننهم ثم قال: زنه بألف من أمته فوزننى بهم فوزنتهم ثم قال: دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنها قال في الحديث الآخر ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عينى ثم قالوا يا حبيب لم ترع إنك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرت عيناك وفى بقية هذا الحديث من قولهم ما أكرمك على الله إن الله معك وملائكته، قال في حديث أبى ذر: فما هو إلا أن وليا عنى فكأنما أرى الأمر معاينة وحكى أبو محمد المكى أبو الليث السمرقندى وغيرهما أن آدم عند معصيته قال اللهم بحق محمد اغفر لى خطيئتي ويروى وتقبل توبتي فقال له الله: من أين عرفت محمدا. قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد


(قوله يحار) بفتح المثناة التحتية والحاء المهملة أي يخير (قوله مفرق) بفتح الميم وبكسر الراء (قوله وكيع) أي شديد (قوله لم ترع) بضم المثناة الفوقية وفتح الراء أي لا تفزع. (*)

[ 174 ]

رسول الله ويروى محمد عبدى ورسولي فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب الله عليه وغفر له، وهذا عند قائله تأويل قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات) وفى رواية أخرى فقال آدم: لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك فأوحى الله إليه (وعزتئ وجلالى إنه لآخر النبيين من ذريتك ولولاه ما خلقتك قال: وكان آدم يكنى بأبى محمد، وقيل بأبى البشر وروى عن سريج بن يونس أنه قال إن لله ملائكة سياحين عبادتها على كل دار فيها أحمد أو محمد إكراما منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وروى ابن قانع القاضى عن أبى الحمراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسرى بى إلى السماء إذا على العرش مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلى وفي التفسير عن ابن عباس في قوله تعالى: (وكان تحته كنز لهما) قال


(قوله سريج بن يونس) بن سريج: بضم السين المهملة وفتح الراء، وفي آخره جيم هو أبو الحارث البغدادي أحد أئمة الحديث (قوله عبادتها على كل دار) عبادة بالباء الموحدة مبتدإ خبره كل دار على حذف مضاف، أي حفظ كل دار أو إعانة أهل كل دار (قوله ابن قانع) بالقاف والنون المسكورة بعدها عين مهملة هو القاضى عبد الباقي بن مرزوق صاحب معجم الصحابة وكتاب اليوم والليلة (قوله عن أبى الحمراء) بفتح المهملة وسكون الميم والمد، اسم لصحابين أحدهما مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج هذا الحديث عنه ابن ماجه، والآخر مولى آل عفراء، ولا يعلم له رواية (*)

[ 175 ]

لوح من ذهب فيه مكتوب: (عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب ! عجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك ! عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ! أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدى ورسولي) وعن ابن عباس رضى الله عنهما: على باب الجنة مكتوب إنى أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسول الله لا أعذب من قالها، وذكر أنه وجد على الحجارة القديمة مكتوب: محمد تقى مصلح، وسيد أمين، وذكر السمنطارى أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد على أحد جنبيه مكتوب لا إله إلا الله وعلى الآخر محمد رسول الله، وذكر الأخباريون أن ببلاد الهند وردا


(قوله وذكر الأخباريون) بالخاء المعجمة قال الذهبي في ميزانه روى قريش بن أنس عن كليب بن وائل وكليب نكرة لا يعرف أنه رأى بالهند وردا في الوردة مكتوب محمد رسول الله وقال ابن العديم في تاريخه في ترجمة الحسين بن أحمد بن الحسين الوراق الخواص المصيصى مسندا عنه إلى على بن عبد الله الهاشمي الرقى أنه قال دخلت في بلاد الهند إلى بعض قراها فرأيت وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء عليها مكتوب بخط أبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الفاروق فشككت في ذلك، وقلت إنه معمول فعمدت إلى وردة لم تفتح ففتحتها فكان فيها مثل ذلك، وفى البلد منه شئ كثير وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة، ولا يعرفون الله عز وجل انتهى، وقال الشيخ عبد الله اليافعي في كتابه المسمى بروض الرياحين قال بعض الشيوخ دخلت بلاد الهند فدخلت مدينة رأيت فيها شجرة تحمل ثمرا يشبه اللوز له قشران، فإذا كسر خرج منه ورقة خضراء مطوية مكتوب فيها بالحمرة (لا إله إلا الله) كتابة جلية وهم يتبركون بها ويستسقون بها إذا منعوا من الغيث، فحدثت بهذا أبا يعقوب الصياد، فقال لى ما أستعظم هذا كنت أصطاد على نهر الأبلة، فاصطدت سمكة مكتوب على جنبها الأيمن (لا إله إلا الله) وعلى جنبها الأيسر (محمد رسول الله) فلما رأيتها قذفتها في الماء احتراما لما عليها (*)

[ 176 ]

أحمر مكتوبا عليه بالأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله وروى عن جعفر بن محمد عن أبيه إذا كان يوم القيامة نادى مناد ألا ليقم من اسمه. محمد فليدخل الجنة لكرامة اسمه صلى الله عليه وسلم، وروى ابن القاسم في سماعه وابن وهب في جامعه عن مالك سمعت أهل مكة يقولون ما من بيت فيه اسم محمد إلا نمى ورزقوا ورزق جيرانهم، وعنه صلى الله عليه وسلم (ماضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان وثلاثة) وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن الله تعالى نظر إلى قلوب العباد فاختار منها قلب محمد صلى الله عليه وسلم فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، وحكى النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) الآية. قام خطيبا فقال (يا معشر أهل الإيمان إن الله تعالى فضلني عليكم تفضيلا وفضل نسائى على نسائكم تفضيلا) الحديث (فصل) في تفضيله بما تضمنته كرامة الإسراء من المناجاة والرؤية وإمامة الأنبياء والعروج به إلى سدرة المنتهى وما رأى من آيات ربه الكبرى: ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم قصة الإسراء وما انطوت عليه من درجات الرفعة مما نبه عليه الكتاب العزيز وشرحته صحاح الأخبار قال الله تعالى: (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من


(قوله وروى ابن القاسم) هو الفقيه الإمام أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك روى أنه قال: خرجت على مالك اثنى عشرة مرة أنفقت في كل مرة ألف دينار، (*)

[ 177 ]

المسجد الحرام) الآية وقال تعالى (والنجم إذا هوى) إلى قوله (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فلا خلاف بين المسلمين في صحة الإسراء به صلى الله عليه وسلم إذ هو نص القرآن وجائت بتفصيله وشرح عجائبه وخواص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيه أحاديث كثيرة منتشرة رأينا أن نقدم أكمالها ونشير إلى زيادة من غيره يجب ذكرها حدثنا القاضى الشهيد أبو على والفقيه أبو بحر بسماعي عليهما والقاضى أبو عبد الله التميمي وغير واحد من شيوخنا قالوا حدثنا أبو العباس العذري حدثنا أبو العباس الرازي حدثنا أبو أحمد الجلودى حدثنا ابن سفيان حدثنا مسلم ابن الحجاج حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البنانى عن أنس ين مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التى يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبرئيل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبرئيل: اخترت الفطرة ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبرئيل فقيل من أنت، قال: جبريل قيل ومن معك


(قوله ابن فروخ) بفتح الفاء، وتشديد الراء وفى آخره خاء معجمة (قوله البنائى) بضم الموحدة وتخفيف النون (قوله بالحلقة) بإسكان اللام وفتحها (قوله اخترت الفطرة) أي الاستقامة (*)

[ 178 ]

قال: محمد، قيل وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم صلى الله عليه وسلم فرحب بى ودعا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبرئيل، فقيل من أنت ؟ قال: جبرئيل: قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه ؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابنى الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلى الله عليهما فرحبا بى ودعوا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأول ففتح لنا فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم وإذا هو قد أعطى شطر الحسن فرحب بى ودعا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة وذكر مثله فإذا أنا بإدريس فرحب بى ودعا لى بخير قال الله تعالى (ورفعناه مكانا عليا) ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فذكر مثله فإذا أنا بهارون فرحب بى ودعا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فذكر مثله فإذا أنا بموسى فرحب بى ودعا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فذكر مثله فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعوذون


(قوله بعث إليه) وفى بعض روايات الصحيح، أرسل إليه قالوا: وظاهره السؤال عن أصل الرسالة، ولا يصح لأن أمر نبوته كان مشهورا في الملكوت لا يكاد يخفى على خزان السماوات وحراسها، فالمراد أرسل إليه للعروج والإسراء، وكان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه أو الاستبشار بعروجه قال الطبري ويحتمل أن تكون البعثة والرسالة خفيف على السائلين لاشتغالهم بالعبادة (قوله إلى البيت المعمور) عن على أنه قال البيت المعمور في السماء السابعة، يقال له الضراح بضم المعجمة وتخفيف (*)

[ 179 ]

إليه ثم ذهب بى إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، قال فلما غشيها من أمر الله ما غشى تعيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى الله إلى ما أوحى ففرض على خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإنى قد بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربى فقلت يا رب خفف عن أمتى فحط عنى خمسا فرجعت إلى موسى فقلت حط عنى خمسا قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربى تعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتخيت الى موسى فأخبرته فقال ارجع الى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد رجعت الى ربى حتى استحييت منه) قال القاضى وفقه الله جود ثابت رحمه الله هذا الحديث عن أنس ما شاء ولم يأت أحد عنه بأصوب


الراء وفى آخره حاء مهملة، وقيل في السماء الأولى وقيل في الرابعة وقيل في السادسة (قوله إلى سدرة المنتهى) إن قيل لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الأشجار ؟ أجيب بأن شجر السدر يختص بالظل المديد والطعم اللذيذ والرائحة الطيبة. (*)

[ 180 ]

من هذا وقد خلط فيه غيره عن أنس تخلطا كثير لاسيما من رواية شريك بن أبى نمر فقد ذكر في أوله مجئ الملك له وشق بطنه وغسله بماء زمزم وهذا انما كان وهو صبى وقبل الوحى وقد قال شريك في حديثه وذلك قبل أن يوحى إليه وذكر قصة الإسراء ولا خلاف انها كانت بعد الوحى وقد قال غير واحد إنها كانت قبل الهجرة بسنة وقيل قبل هذا وقد روى ثابت عن أنس من رواية حماد بن سلمة أيضا مجئ جبريل الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان عند ظئره وشقة قلبه تلك القصة مفردة من حديث الاسراء كما رواه الناس فجود في القصتين وفى أن الاسراء الى بيت المقدس وإلى سدرة المنتهى كان قصة واحدة وأنه وصل الى بيت المقدس ثم عرج من هناك فأزاح كل إشكال أو همه غيره وقد روى يونس عن ابن شهاب عن أنس قال كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ثلى الله عليه وسلم قال (فرج سقف بيتي فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدى فعرج بنا الى السماء فذكر القصة وروى قتادة الحديث بمثله عن أنس عن مالك بن صعصعة وفيها تقديم وتأخير وزيادة ونقص وخلاف في ترتيب الأنبياء في السماوات وحديث ثابت عن أنس أتقن وأجود وقد وقعت في حديث الإسراء


(قوله عند ظئزه) بكسر الظاء المعجمة وسكون الهمزة: المرضعة (*)

[ 181 ]

زيادان نذكر منها نكتا مفيدة في غرضنا منها في حديث ابن شهاب وفيه قول كل نبى له مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح إلا آدم وإبراهيم فقالا له والابن الصالح وفيه من طريق ابن عباس ثم عرج بى حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، وعن أنس ثم انطلق بى حتى أتيت سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم أدخلت الجنة وفى حديث مالك بن صعصعة فلما جاوزته يعنى موسى بكى فنودى ما يبكيك قال رب هذا غلام بعثته بعدى يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتى وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه وقد رأيتنى في جماعة من الأنبياء فحانت الصلاة فأممتهم فقال قائل يا محمد هذا مالك خازن النار فسلم عليه فالتفت فبدأني بالسلام وفى حديث أبى هريرة ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل


(قوله بمستوى) بالتنوين، أي مكان عال من استوى على ظهر دابته، علا عليها (قوله صريف الأقلام) بفتح الصاد المهملة وكسر الراء أي حركتها وجريانها على المخطوط (قوله قال رب هذا غلام) قيل لم أطلق موسى عليه السلام على نبينا عليه السلام غلاما، وكان صلى الله عليه وسلم في سن الكهولة إذ ذاك، وأجيب بأن الغلام يقال بمعنى المستحكم القوة، ويمكن أن يقال إنما قال ذلك لتقدمه عليه بزمان طويل، وموسى اسم أعجمى لا ينصرف للعجمة والتعريف، قال القرطبى: قال بن إسحاق هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قال السهيلي في التعريف وموسى بن عمران، وهو بالعبرانية عمر بن قاهث بن عازر ابن لاوى بن يعقوب وسمى بموسى لأن التابوت الذى كان فيه وجد في ماء وشجر ومو في لغة القبط هو الماء وسى هو السجر، وكان بين موسى وإبراهيم عليهما السلام سبعمائة سنة (*)

[ 182 ]

فربط فرسه إلى صخرة فصلى مع الملائكة فلما قضيت الصلاة قالوا يا جبريل من هذا معك قال هذا محمد رسول الله خاتم النبيين قالوا وقد أرسل إليه قال نعم قالوا حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم وذكر كلام كل واحد منهم وهم إبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان ثم ذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال كلكم أثنى على ربه وأنا أثنى على ربى الحمد لله الذى أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ونذيرا وأنزل على الفرقان فيه تبيان كل شئ وجعل أمتى خير أمة وجعل أمتى أمة وسطا وجعل أمتى هم الأولون وهم الآخرون وشرح لى صدري ووضع عنى وزرى ورفع لى ذكرى وجعلني فاتحا وخاتما فقال ابراهيم بهذا فضلكم محمد ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا ومن سماء الى سماء نحو ما تقدم. وفى حديث ابن مسعود وانتهى بى الى سدرة المنتهى وهى في السماء السادسة إليها ينتهى ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليهخا ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال تعالى (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال فراش من ذهب وفى رواية أبى هريرة من


(قوله وهى في السماء السادسة) وفى بعض الروايات أنها في السابعة، قال المصنف وكونها في السابعة هو الأصح وقول الأكثرين والذى يقتضيه تسميتها بالمنتهى قال النووي: ويمكن الجمع بأن أصلها في السماء السادسة ومعظمها في السابعة (قوله فراش من ذهب) الفراش بفتح الفاء وتخفيف الراء، وفى آخره شين معجمة: الطائر المعروف الذى يلقى نفسه في ضوء السراج (*)

[ 183 ]

طريق الربيع بن أنس فقيل لى هذه السدرة المنتهى ينتهى إليها كل أحد من أمتك خلا على سبيلك وهى السدرة المنتهى يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وهى شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما وأن ورقه منها مظلة الخلق فغشيها نور وغشيتها الملائكة قال فهو قوله (إذ يغشى السدرة ما يغشى) فقال تبارك وتعالى له سل فقال إنك اتخذت إبراهيم خليلا وأعطيته ملكا عظيما وكلمت موسى تكليما وأعطيت داود ملكا عظيما وألنت له الحديد وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح وأعطيته ملكا لا ينبغى لأحد من بعده وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم فلم يكن له عليهما سبيل فقال له ربه تعالى قد اتخذتك خليلا وحبيبا فهو مكتوب في التوراة محمد حبيب الرحمن وأرسلتك إلى الناس كافة وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولي وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا وأعطيتك سبعا من المثانى


(قوله خلا على سبيلك) هو بفتح الخاء المعجمة واللام بمعنى مضى ومنه قوله تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) أي مضى (قوله مظلة) بفتح الميم وكسر الظاء وتشديد اللام (قوله ملكا) بضم الميم (*)

[ 184 ]

ولم أعطها نبيا قبلك وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشى لم أعطها نبيا قبلك وجعلتك فاتحا وخاتما وفى الرواية الأخرى قال فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث: أعطى الصلوات الخمس وأعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات وقال (ما كذب الفؤاد ما رأى) الآيتين رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح وفى حديث شريك أنه رأى موسى في السابعة قال بتفضيل كلام الله قال ثم على به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله فقال موسى لم أظن أن يرفع على أحد وروى عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء بيت المقدس وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بينا أنا قاعد ذات يوم إذ دخل جبريل عليه السلام فوكز بين كتفي فقمت إلى شجرة فيها مثل وكرى الطائر


(قوله المقحمات) بسكون القاف وكسر الحاء المهملة: الذنوب العظام التى تقحم أصحابها في النار أي تلقيهم فيها (قوله له ستمائة جناح) قال السهيلي في قوله صلى الله عليه وسلم في حق جعفر قد أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء ومما ينبغى الوقوف عليه في معنى الجناحين أنهما ليسا كما يسبق إلى الوهم مثل جناح الطائر وريشه لأن الصورة الآدمية هي أشرف الصور وأكملها ولكنها عبارة عن صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر كما أعطيها الملائكة وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة إنها ليست كما يتوهم من أجنحة الطير وإنما هي صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة واحتجوا بقوله تعالى (أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع) فكيف بكون كأجنحة الطير ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة فكيف بستمائة جناح كما جاء في صفة جبريل فدل على أنها صفات تنضبط كيفيتها للفكر (قوله وكرى الطائر) بفتح الواو وسكون الكاف وفتح الراء تثنية وكر وهو العش (*)

[ 185 ]

فقعد في واحدة وقعدت في الأخرى فنمت حتى سدت الخافقين ولو شئت لمسست السماء وأنا أقلب طرفي ونظرت جبريل كأنه حلس لاطئ فعرفت فضل علمه بالله على وفتح لى باب السماء ورأيت النور الأعظم ولط دوني الحجاب وفرجه الدر والياقوت ثم أوحى الله إلى ما شاء أن يوحى) وذكر البزار عن على بن أبى طالب رضى الله عنه لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم الأذان جاءه جبريل بدابة يقال لها البراق فذهب يركبها فاستصعبت عليه فقال لها جبريل اسكني فو الله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم فركبها حتى أتى بها إلى الحجاب الذى يلى الرحمن تعالى فبينا هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل من هذا قال والذى بعثك بالحق إنى لأقرب الخلق مكانا وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه فقال الملك الله أكبر الله أكبر فقيل له من وراء الحجاب صدق عبدى أنا أكبر


(قوله فنمت) بالفاء والنون المفتوحتين والميم المخففة أي زادت، وفى بعض النسخ، فسمت، بتخفيف الميم أي ارتفعت (قوله الخافقين) أي المشرق والمغرب، قال ابن السكيت، لأن الليل والنهار يخفقان فيهما (قوله لمسست) بكسر المهملة الأولى، وحكى أبو عبيد فتحها، وفي بعض النسخ لمست (قوله كأنه حلس) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وبعدها سين مهملة وهو كساء يلى ظهر البعير تحت القتب (قوله لاطئ) بهمزة في آخره أي لاصق (قوله ولط) بضم اللام وتشديد المهملة أي أرخى (قوله وذكر البزار) بالباء الموحدة والزاى المشددة، وفى آخره راء نسبة إلى عمر بزر الكتان (*)

[ 186 ]

أنا أكبر ثم قال الملك أشهد أن لا إله إلا الله فقيل له من وراء الحجاب صدق عبدى أنا الله لا إله إلا أنا وذكر مثل هذا في بقية الأذان إلا أنه لم يذكر جوابا عن قوله حى على الصلاة حى على الفلاح وقال ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه فأم أهل السماء فيهم آدم ونوح قال أبو جعفر محمد بن على بن الحسين رواية أكمل الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السموات والأرض قال القاضى وفقه الله ما في هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو في حق المخلوق لا في حق الخالق فهم المحجوبون والبارى جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء كقوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فقوله في هذا الحديث الحجاب وإذ خرج ملك من الحجاب يجب أن يقال إنه حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته وعجائب ملكوته وجبروته ويدل عليه من الحديث قوله جبريل عن الملك الذى خرج من ورائه إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه فدل على أن هذا الحجاب لم يختص بالذات ويدل عليه قول كعب في تفسير سدرة المنتهى قال إليها ينتهى علم الملائكة وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم وأما قوله الذى يلى الرحمن فيحمل على حذف المضاف أي يلى عرش الرحمن أو امرا ما من عظيم آياته أو

[ 187 ]

مبادى حقائق معارفه مما هو أعلم به كما قال تعالى (واسال القرية) أي أهلها وقوله فقيل من وراء الحجاب صدق عبدى أنا أكبر فظاهره أنه سمع في هذا الموطن كلام الله تعالى ولكن من وراء حجاب كما قال تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) أي وهو لا يراه حجب بصره عن رؤيته، فإن صح القول بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل فيحتمل أنه في غير هذا الموطن بعد هذا أو قبله رفع الحجاب عن بصره حتى رآه والله أعلم. (فصل) ثم اختلف السلف والعلماء هل كان إسراؤه بروحه أو جسده على ثلاث مقالات فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح وأنه رؤيا منام مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء حق ووحى وإلى هذا ذهب معاوية وحكى عن الحسن والمشهور عنه خلافه وإليه أشار محمد بن اسحاق وحجتهم قوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس) وما حكوا عن عائشة رضى الله عنها ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله بينا أنا نائم وقوله أنس وهو نائم في المسجد


(قوله على ثلاثة أقوال) قال السهيلي وذهبت طائفة منهم شيخنا القاضى أبو بكر إلى تصحيح المحدثين أن الإسراء كان مرتين أحدهما في نومه توطئة وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة فإنه أمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا، لأن هوله عظيم: ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكى هذا القول عن طائفة من العلماء وأنهم قالوا كان الإسراء مرتين مرة في نومه ومرة في يقظته ببدنه صلى الله عليه وسلم انتهى (*)

[ 188 ]

الحرام وذكر القصة ثم قال في آخرها فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفى اليقظة وهذا هو الحق وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وحذيفة وعمر وأبى هريرة ومالك بن صعصعة وأبى حبة البدرى وابن مسعود والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة وابن المسيب وابن شهاب وابن زيد والحسن وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة وابن جريج وهو دليل قول عائشة وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة من المسلمين وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين وقالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة من المسجد الحرام إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح واحتجوا بقوله تعالى (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) فجعل إلى المسجد الأقصى غاية الإسراء الذى وقع التعجب فيه بعظيم القدرة والتمدح بتشريف النبي محمد صلى الله عليه وسلم به وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه قال هؤلاء ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره فيكون أبلغ في المدح، ثم اختلفت هذه الفرقتان هل صلى ببيت المقدس أم لا ؟ ففى حديث أنس وغيره ما تقدم من صلاته فيه وأنكر


(قوله أبو حبة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة هو الصحيح وقيل بتشديد النون وقيل بتشديد المثناة التحتية وقد اختلف هل أبو حبة الأنصاري وأبو حبة البدرى واحد أو اثنان وهل هما بالموحدة أو بالنون (*)

[ 189 ]

ذلك حذيفة بن اليمان وقال والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا قال القاضى وفقه الله والحق من هذا والصحيح إن شاء الله أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة إذ لو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل بعبده وقوله تعالى (ما زاغ البصر وما طغى) ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ولما استبعده الكفار ولا كذبوه فيه ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس أو في السماء على ما روى غيره وذكر مجئ جبريل له بالبراق وخبر المعراج واستفتاح السماء فيقال ومن معك فيقول محمد ولقائه الأنبياء فيها وخبرهم معه وترحيبهم به وشأنه في فرض الصلاة ومراجعته مع موسى في ذلك وفى بعض هذه الأخبار: فأخذ يعنى جبريل بيدى فعرج بى إلى السماء إلى قوله ثم عرج بى حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام وأنه وصل إلى سدرة المنتهى وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره قال ابن عباس هي رؤيا عين رآها صلى الله عليه وسلم لا رؤيا منام وعن الحسن فيه بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبه فقمت

[ 190 ]

فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي، ذكر ذلك ثلاثا، فقال في الثالثة فأخذ بعضدي فجرنى إلى باب المسجد فإذا بدابة وذكر خبر البراق. وعن أم هانئ ما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتى تلك الليلة صلى العشاء الآخرة ونام بيننا فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى الصبح وصلينا قال يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترون، وهذا بين في أنه بجسمه، وعن أبى بكر من رواية شداد بن أوس عنه أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به طلبتك يا رسول الله


(قوله في الحجر) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم، وقال النووي إنه رأى لبعض المصنفين على المهذب أنه يقال أيضا بفتح الحاء كحجر الاسنان (قوله أم هانئ) بهمزة في آخره (قوله أهبنا) أي أيقظنا يقال هب إذا استيقظ أهبه إذا أيقظه (قوله فلما صلى الصبح وصلينا) قبل إن إسلام أم هانئ كان عام الفتح وهى السنة الثامنة من الهجرة والإسراء قبله بكثير فكيف تقول وصلينا وأيضا كيف يقول صلى الصبح والصوات الخمس لم تكن في الوقت الذى أخبرت عنه ؟ والجواب أن قبل الإسراء كانت صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فيصح قولها فلما صلى الصبح، هذا على أن المعراج من بيت المقدس وأنه مع الإسراء في ليلة واحدة، وأما على أنه من مكة وأنه ليس مع الإسراء في ليلة واحدة فقولها صلى الصبح على حقيقته من غير تأويل لأن الصلوات الخمس كانت ليلة المعراج وهو على هذا القول كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا والإسراء كان في ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وأما قولها وصلينا فأرادت به وهيأنا له ما يحتاج إليه في الصلاة على تقدير أنها لم تكن بعد آمنت ولم تقل فرض الصبح حتى يقال أن الصلاة لم تكن بعد فرضت وإنما فرضت ليلة الإسراء (*)

[ 191 ]

البارحة في مكانك فلم أجدك فأجابه أن جبريل عليه السلام حملني إلى المسجد الأقصى، وعن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صليت ليلة أسرى بى في مقدم المسجد ثم دخلت الصخرة فإذا بملك قائم معه آنية ثلاث، وذكر الحديث. وهذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة فتحمل على ظاهرها، وعن أبى ذر عنه صلى الله عليه وسلم: فرج سقف بيتى وأنا بمكة فنزل جبريل فشرح صدري ثم غسله بماء زمزم إلى آخر القصة ثم أخذ بيدى فعرج بى. وعن أنس (أتيت فانطلقوا بى إلى زمزم فشرح عن صدري) وعن أبى هريرة رضى الله عنه (لقد رأيتنى في الحجر وقريش تسألني عن مسراى فسألتني عن أشياء لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط فرفعه الله لى أنظر إليه) ونحوه عن جابر وقد روى عمر بن الخطاب رضى الله عنه في حديث الإسراء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (ثم رجعت إلى خديجة وما تحولت عن جانبها). (فصل) في إبطال حجج من قال إنها نوم احتجوا بقوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا التى أريناك) فسماها رؤيا قلنا قوله (سبحان الذى أسرى بعبده) يرده لأنه لا يقال في النوم أسرى، وقوله فتنة للناس يؤيد أنها رؤيا عين وإسراء بشخص إذ ليس في الحلم فتنة ولا يكذب به أحد لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه من الكون في ساعة واحدة في أقطار متباينة، على


(قوله فكربت) بضم الكاف وكسر الراء من الكرب بفتح الكاف وهو الغم الذى يأخذ النفس (*)

[ 192 ]

أن المفسرين قد اختلفوا في هذه الآية فذهب بعضهم إلى أنها نزلت في قضية الحديبية وما وقع في نفوس الناس من ذلك وقيل غير هذا وأما قولهم إنه قد سماها في الحديث مناما وقوله في حديث آخر بين النائم واليقظان وقوله أيضا وهو نائم وقوله ثم استيقظت فلا حجة فيه إذ قد يحتمل أن أول وصول الملك إليه كان وهو نائم أو أول حمله والإسراء به وهو نائم وليس في الحديث أنه كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه قوله ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام، فلعل قوله استيقظت بمعنى أصبحت أو استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته ويدل عليه أن مسراه لم يكن طول ليله وإنما كان في بعضه وقد يكون قوله استيقظت وأنا في المسجد الحرام لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السموات والأرض وخامر باطنه من مشاهدة الملإ الأعلى وما رأى من آيات ربه الكبرى فلم يستفق ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام ووجه ثالث أن يكون نومه واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه ولكنه أسرى بجسده وقلبه حاضر ورؤيا الأنبياء حق تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم وقد مال بعض أصحاب الاشارات إلى نحو من هذا قال تغميض


(قوله الحديبية) بتخفيف المثناة التحتية قبل هاء التأنيث، كذا عن الشافعي وأهل اللغة وبعض المحدثين وقال أكثر المحدثين بتشديدها وهى قرية بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة على نحو مرحلة من مكة (قوله خامر) بالخاء المعجمة: أي خالط (*)

[ 193 ]

عينيه لئلا يشغله شئ من المحسوسات عن الله تعالى ولا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء ولعله كانت له في هذا الإسراء حالات * ووجه رابع وهو أن يعبر بالنوم ههنا عن هيئة النائم من الاضطجاع ويقويه قوله في رواية عبد بن حميد عن همام: بينا أنا نائم وربما قال مضطجع وفى رواية هدبة عنه بينا أنا نائم في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجع وقوله في الرواية الأخرى بينا النائم واليقظان فيكون سمى هيئته بالنوم لما كانت هيئة النائم غالبا وذهب بعضهم إلى أن هذه الزيادات من النوم وذكر شق البطن ودنو الرب عز وجل الواقعة في هذا الحديث إنما هي من رواية شريك عن أنس فيه منكرة من روايته إذ شق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كان في صغره صلى الله عليه وسلم وقبل النبوة ولأنه قال في الحديث قيل أن يبعث. والإسراء بإجماع كان بعد المبعث. فهذا كله يوهن ما وقع في رواية أنس مع أن أنسا قد بين من غير طريق أنه إنما رواه عن غيره وأنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرة عن مالك ابن صعصعة وفى كتاب مسلم لعله عن مالك بن صعصعة على الشك وقال


(قوله هو همام) بتشديد الميم وفتح الهاء (قوله هدبة) بضم الهاء وإسكان الدال المهملة بعدها موحدة هو ابن خالد القيسي (قوله إذ شق البطن إنما كان في صغره) قال السهيلي: كان شق بطنه صلى الله عليه وسلم مرتين احداهما في الصغر لإزالة حظ الشيطان والأخرى لمل ء قلبه إيمانا وحكمة. (13 - 1) (*)

[ 194 ]

مرة كان أبو ذر يحدث وأما قول عائشة ما فقدت جسده فعائشة لم تحدث به عن مشاهدة لأنها لم تكن حينئذ زوجه ولا في سن من يضبط ولعلها لم تكن ولدت بعد على الخلاف في الإسراء متى كان فإن الإسراء كان في أول الإسلام على قول الزهري ومن وافقه بعد المبعث بعام ونصف وكانت عائشة في الهجرة بنت نحو ثمانية أعوام وقد قيل كان الإسراء لخمس قبل الهجرة وقيل قبل الهجرة بعام والأشبه أنه لخمس والحجة لذلك تطول ليست من غرضنا فإذا لم تشاهد ذلك عائشة دل أنها حدثت بذلك عن غيرها فلم يرجح خبرها على خبر غيرها وغيرها يقول خلافه مما وقع نضأ في حديث أم هانئ وغيره وأيضا فليس حديث عائشة رضى الله عنها بالثابت والأحاديث الأخر اثبت لسنا نعنى حديث أم هانئ وما ذكرت فيه خديجة وأيضا فقد روى في حديث عائشة ما فقدت ولم يدخل بها النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالمدينة وكل هذا يوهنه بل الذى يدل عليه صحيح قولها إنه بجسده لإنكارها أن تكون رؤياه لربه رؤيا عين ولو كانت عندها مناما لم تنكره فإن قيل فقد قال تعالى (ما كذب الفؤاد من رأى) فقد جعل ما رآه


(قوله بعد البعث) بعده بعام ونصف، واختلف في الشهر الذى أسرى صلى الله عليه وسلم فيه فقيل ربيع الأول، وجزم به النووي في فتاويه، وقيل في ربيع الآخر وجزم به النووي في مسلم تبعا للقاضى أبى الفضل المصنف، وقيل في رجب وجزم به النووي في الروضة وقال الواقدي في رمضان، وقال الماوردى في شوال (قوله يوهن) بسكون الواو كسر الهاء المخففة، ويجوز فتح الواو تشديد الهاء (*)

[ 195 ]

للقلب وهذا يدل على أنه رؤيا نوم ووحى لا مشاهدة عين وحس قلنا يقابله قوله تعالى (ما زاغ البصر وما طغى) فقد أضاف الأمر للبصر وقد قال أهل التفسير في قوله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) أي لم يوهم القلب العين غير الحقيقة بل صدق رؤيتها وقيل ما أنكر قلبه ما رأته عينه. (فصل) وأما رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه جل وعز فاختلف السلف فيها فأنكرته عائشة رضى الله عنها * حدثنا أبو الحسين سراج ابن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه قال حدثنى أبى وأبو عبد الله بن عتاب الفقيه قالا حدثنا القاضى يونس بن مغيث حدثنا أبو الفضل الصقيلى حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت عن أبيه وجده قالا حدثنا عبد الله بن على حدثنا محمود بن آدم حدثنا وكيع عن ابن أبى خالد عن عامر عن مسروق أنه قال لعائشة رضى الله عنها يا أم المؤمنين هل رأى محمد ربه فقالت لقد قف شعرى مما قلت ثلاث من حدثك بهن فقد كذب من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت (لا تدركه الأبصار) الآية وذكر الحديث وقال جماعة بقول عائشة رضى الله عنها وهو المشهور عن ابن مسعود ومثله عن أبى هريرة أنه قال إنما


(قوله الصقلى) بفتح الصاد المهملة والقاف، كذا ضبطه ابن خلكان في ترجمة ابن الزلاق الشاعر نسبة إلى صقلية: جزيرة من جزائر بحر الغرب (قوله عن عامر) هو الصواب لا ما يقع في بعض النسخ وهو عن مجاهد. (*)

[ 196 ]

رأى جبريل واختلف عنه. وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه رآه بعينه وروى عطاء عنه أنه رآه بقلبه وعن أبى العالية عنه رآه بفؤاده مرتين وذكر ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس رضى الله عنهما يسأله هل رأى محمد ربه فقال نعم والأشهر عنه أنه رأى ربه بعينه روى ذلك عنه من طرق وقال إن الله تعالى اختص موسى بالكلام وإبراهيم بالخلة ومحمدا بالرؤية وحجته قوله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى) قال الماوردى قيل إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين * وحكى أبو الفتح الرازي وأبو الليث السمرقندى الحكاية عن كعب وروى عبد الله بن الحارث قال اجتمع ابن عباس وكعب فقال ابن عباس أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدا قد رأى ربه مرتين فكبر كعب حتى جاوبته الجبال وقال إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلمه موسى ورآه محمد بقلبه وروى شريك عن أبى ذر رضى الله عنه في تفسير الآية قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه * وحكى السمرقندى عن


(قوله وروى عطاء) هو ابن أبى رباح المكى الفقيه (قوله وعن أبى العالية) هو رفيع بن مهران الرياحي (قوله عبد الله بن الحارث) هو زوج أخت محمد بن سيرين روى هذا الحديث مرسل (*)

[ 197 ]

محمد بن كعب القرظى وربيع بن انس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل هل رأيت ربك قال رأيته بفؤادي ولم أره بعينى وروى مالك ابن يخامر عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربى وذكر كلمة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى الحديث * وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه وحكاه أبو عمر الطلمنكى عن عكرمة * وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود * وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة هل رأى محمد ربه فقال نعم * وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه: رآه رآه حتى انقطع نفسه يعنى نفس أحمد وقال أبو عمر قال أحمد بن حنبل رآه بقلبه وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار وقال سعيد بن جبير لا أقول رآه ولا لم يره وقد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس وعكرمة والحسن وابن مسعود فحكى عن ابن عباس وعكرمة رآه بقلبه وعن


(قوله سئله هل رأيت) هذا الحديث مرسل لأن محمد بن كعب والربيع تابعيان (قوله ابن يخامر) بضم المثناة التحتية وتخفيف الخاء المعجمة وكسر الميم بعدها راء، قال المزى حديث مالك بن يخامر عن معاذ مبين في بعض الروايات أنه في النوم (قوله وحكى عبد الرزاق) هو ابن همام بن رافع الحافظ الصغانى صاحب التصانيف، مات سنة إحدى عشرة ومائتين أخرج له الأئمة الستة (قوله الطلمنكى) بفتح الطاء المهملة واللام والميم والنون والكاف الإمام الحافظ المقرى (قوله وقال أبو عمر الظاهر أنه الطلمنكى المتقدم (*)

[ 198 ]

الحسن وابن مسعود رأى جبريل وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال رآه وعن ابن عطاء في قوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك) قال شرح صدره للرؤية وشرح صدر موسى للكلام وقال أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري رضى الله عنه وجماعة من أصحابه أنه رأى الله تعالى ببصره وعيسى رأسه وقال كل آية أوتيها نبى من الأنبياء عليهم السلام فقد أوتى مثلها نبينا صلى الله عليه وسلم وخص من بينهم بتفضيل الرؤية ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال ليس عليه دليل واضح ولكنه جائز أن يكون. قال القاضى أبو الفضل وفقه الله والحق الذى لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا وليس في العقل ما يحيلها والدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى عليه السلام لها ومحال أن يجهل نبى ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل ولكن وقوعه ومشاهداته من الغيب الذى لا يعلمه إلا من علمه الله فقال له الله تعالى (لن تراني) أي لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي ثم ضرب له مثلا مما هو أقوى من بنية موسى وأثبت وهو الجبل وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا بل فيه جوازها على الجملة وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى (لا تدركه الأبصار) لاختلاف التأويلات في الآية وإذ ليس

[ 199 ]

يقتضى قول من قال في الدنيا الاستحالة وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية وعدم استحالتها على الجملة وقد قيل لا تدركه أبصار الكفار وقيل (لا تدركه الأبصار) لا تحيط به وهو قول ابن عباس وقد قيل لا تدركه الأبصار وإنما يدركه المبصرون وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى (لن تراني) وقوله (تبت إليك) لما قدمناه ولأنها ليس على العموم ولأن من قال معناها لن تراني في الدنيا إنما هو تأويل وأيضا فليس فيه نص الامتناع وإنما جاءت في حق موسى وحيث تتطرق التأويلات تتسلط الاحتمالات فليس للقطع إليه سبيل وقوله (تبت إليك) أي من سؤالي ما لم تقدره لى وقد قال أبو بكر الهذلى في قوله (لن تراني) أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلى في الدنيا وأنه من نظر إلى مات وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم وكونها متغيرة عرضا للآفات والفناء فلم تكن لهم قوة على الرؤية فإذا كان في الآخرة وركبوا تركيبا آخر ورزقوا قوى ثابتة باقية وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس رحمه الله قال


(قوله أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة لضعف تركيب أهل الدنيا) قال المزى يؤيده ما في مسلم في حديث الدجال فاعلموا أنه أعور وأن الله ليس بأعور، وإن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت (*)

[ 200 ]

لم ير في الدنيا لأنه باق ولا يرى الباقي بالفانى فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصار باقية رئى الباقي بالباقي وهذا كلام حسن مليح وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ونفوذ إدراكهما بقوة إلهية منحاها لإدراك ما أدركاه ورؤية ما رأياه والله أعلم. وقد ذكر القاضى أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين ما معناه أن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خر صعقا وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له واستنبط ذلك والله أعلم من قوله (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) ثم قال (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا) وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه على هذا القول وقال جعفر بن محمد شغله بالجبل حتى تجلى ولولا ذلك لمات صعقا بلا إفافة وقوله هذا يدل على أن موسى رآه وقد وقع لبعض المفسرين في الجبل أنه رآه وبرؤية الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا


(قوله وقد ذكر القاضى أبو بكر) يعنى الباقلانى لأن القاضى أبا بكر ابن العربي معاصر للمصنف لأن مولده سنة ثمان وستين وأربعمائة ومماته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ومولد المصنف سنة ست وسبعين وأربعمائة، ومماته سنة أربع وأربعين وخمسمائة (قوله وأن الجبل رأى ربه) قال الإمام الرازي في المعلم: فخلق الله تعالى في الجبل حياة وعقلا وفهما وخلق فيه الرؤية فرأى بها. (*)

[ 201 ]

له إذ جعله دليلا على الجواز ولا مرية في الجواز إذ ليس في الآيات نص في المنع. وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضا ولا نص إذ المعول فيه على آيتى النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجب العمل باعتقاد مضمنه ومثله حديث أبى ذر في تفسير الآية وحديث معاذ محتمل للتأويل وهو مضطرب الإسناد والمتن وحديث أبى ذر الآخر مختلف محتمل مشكل فروى: نور أنى أراه، وحكى بعض شيوخنا أنه روى: نوراني أراه، وفى حديثه الآخر سألته فقال رأيت نورا وليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو قد أخبر أنه لم ير الله تعالى وإنما رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية الله تعالى وإلى هذا يرجع قوله نور أنى أره أي كيف أراه مع حجاب النور المغشى للبصر وهذا مثل ما في الحديث الآخر حجابه النور وفى


(قوله نور أنى أره) بهمزة مفتوحة ونون مشددة مفتوحة بمعنى كيف: قال المازرى الضمير في أراه عائد على الله تعالى، ومعنى الكلام أن النور منعنى من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائى وبينه، وروى نوراني بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء ويحتمل أن يكون معناه راجعا إلى ما سبق، وقال المزى هذا تصحيف، والصواب الأول يدل عليه، قوله رأيت نورا وقوله حجابه النور. (*)

[ 202 ]

الحديث الآخر لم أره بعينى ولكن رأيته بقلبي مرتين وتلا (ثم دنا فتدلى) والله تعالى قادر على خلق الإدراك الذى في البصر في القلب أو كيف شاء لا إله غيره فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه إذ لا استحالة فيه ولا مانع قطعي يرده والله الموفق للصواب. (فصل) وأما ما ورد في هذه القصة من مناجاته لله تعالى وكلامه معه بقوله (فأوحى إلى عبده ما أوحى) إلى ما تضمنته الأحاديث فأكثر المفسرين على أن الموحى هو الله عز وجل إلى جبريل وجبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم إلا شذوذا منهم فذكر عن جعفر بن محمد الصادق قال أوحى إليه بلا واسطة ونحوه عن الواسطي وإلى هذا ذهب بعض المتكلمين أن محمدا كلم ربه في الإسراء وحكى عن الأشعري وحكوه عن ابن مسعود وابن عباس وأنكره آخرون وذكر النقاش عن ابن عباس في قصة الإسراء عنه صلى الله عليه وسلم في قوله دنا فتدلى قال فارقني جبريل فانقطعت الأصوات عنى فسمعت كلام ربى وهو يقول: ليهدأ روعك يا محمد ادن ادن. وفى حديث أنس في الإسراء نحو منه وقد احتجوا في هذا بقوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب


(قوله ليهدأ) بدال مهملة بعدها همزة، والروع بفتح الراء: الفزع (*)

[ 203 ]

أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء) فقالوا هي ثلاثة أقسام من وراء حجاب كتكليم موسى وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء وأكثر أحوال نبينا صلى الله عليه وسلم الثالث قوله وحيا ولم يبق من تقسيم صور الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة وقد قيل الوحى هنا هو ما يلقيه في قلب النبي دون واسطة وقد ذكر أبو بكر البزار عن علي في حديث الإسراء ما هو أوضح في سماع النبي صلى الله عليه وسلم لكلام الله من الآية فذكر فيه: فقال الملك الله أكبر الله أكبر فقيل لى من وراء الحجاب صدق عبدى أنا أكبر أنا أكبر وقال في سائر كلمات الأذان مثل ذلك ويجئ الكلام في مشكل هذين الحديثين في الفضل بعد هذا مع ما يشبهه وفى أول فصل من الباب منه وكلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن اختصه من أنبيائه جائز غير ممتنع عقلا ولا ورد في الشرع قاطع يمنعه فإن صح في ذلك خبر اعتمد عليه وكلامه تعالى لموسى كائن حق مقطوع به نص ذلك في الكتاب وأكده بالمصدر دلالة على الحقيقة ورفع مكانه على ما ورد في الحديث في السماء السابعة بسبب كلامه ورفع محمدا فوق هذا كله حتى بلغ مستوى وسمع صريف الأقلام فكيف يستحيل في حق هذا أو يبعد سماع الكلام ؟ فسبحان من خص من شاء بما شاء وجعل بعضهم فوق بعض درجات. (فصل) وأما ما ورد في حديث الإسراء وظاهر الآية من الدنو

[ 204 ]

والقرب من قوله (دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) فأكثر المفسرين أن الدنو والتدلى منقسم ما بين محمد وجبريل عليهما السلام أو مختص بأحدهما من الآخر أو من السدرة المنتهى قال الرازي وقال ابن عباس هو محمد دنا فتدلى من ربه وقيل معنى دنا قرب وتدلى زاد في القرب وقيل هما بمعنى واحد أي قرب وحكى مكى والماوردي عن ابن عباس هو الرب دنا من محمد فتدلى إليه أي أمره وحكمه * وحكى النقاش عن الحسن قال دنا من عبده محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى فقرب منه فأراه ما شاء أن يريه من قدرته وعظمته قال وقال ابن عباس هو مقدم ومؤخر تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه قال فارقني جبريل وانقطعت عنى الأصوات وسمعت كلام ربى عز وجل وعن أنس في الصحيح (عرج بى جبريل إلى سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه بما شاء وأوحى إليه خمسين صلاة) وذكر حديث الإسراء وعن محمد بن


(قوله قاب قوسين) في الكشاف أي مقدار قوسين عربيتين والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس: المقدار والتقدير في الآية فكان مسافة قربه مثل قاب قوسين، وفى أنوار التنزيل: والمقصود من الآية تمثيل تحقيق استماعه لما يوحى إليه بنفى البعد والملبس (قوله الرفرف) في البيان: الرفرف البساط) وقيل لما كان من الديباج وقيل الفراش وفى الصحاح الرفرف ثياب خضر يتخذ منها المحابس: الواحدة رفرفة والرفرف أيضا كسر الخبا وجوانب الدرع وما يدلى منه: الواحدة رفرفة (*)

[ 205 ]

كعب هو محمد دنا من ربه فكان قاب قوسين. وقال جعفر بن محمد أدناه ربه منه حتى كان منه كقاب قوسين. وقال جعفر بن محمد والدنو من الله لا حد له ومن العباد بالحدود. وقال أيضا انقطعت الكيفية عن الدنو: ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه وزال عن قلبه الشك والارتياب ؟ قال القاضى أبو الفضل وفقه الله: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق ليس بدنو حد وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه. وقربه منه إبانة عظيمه منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول فيه ما يتأول في قوله: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا. على أحد الوجوه نزول إفضال وإجمال وقبول وإحسان قال الواسطي من توهم أنه بنفسه دنا جعل ثم مسافة بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا يعنى عن درك حقيقته إذ لا دنو للحق ولا بعد وقوله قاب قوسين أو أدنى فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب ولطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم وعبارة عن إجابة لرغبة وقضاء


(قوله مدى) بفتح الميم وتخفيف المهملة والتنوين أي غاية (قوله مبرة) أي برا (*)

[ 206 ]

المطالب وإظهار التحفى وإنافة المنزلة والمرتبة من الله له ويتأول فيه ما يتأول في قوله (من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتانى يمشى أتيته هرولة) قرب بالإجابة والقبول وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول. فصل) في ذكر تفضيله صلى الله عليه وسلم في القيامة بخصوص الكرامة حدثنا القاضى أبو على حدثنا أبو الفضل وأبو الحسين قالا أخبرنا أبو يعلى حدثنا السنجى حدثنا ابن محبوب حدثنا الترمذي حدثنا الحسين ابن يزيد الكوفى حدثنا عبد السلام بن حرب عن ليث عن الربيع ابن أنس عن أنس رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدى وأنا أكرم ولد آدم على ربى ولا فخر) * وفى رواية ابن زخر عن الربيع بن أنس في لفظ هذا الحديث


(قوله التحفى) بالمثناة الفوقية والحاء المهملة المفتوحة والفاء المشددة المكسورة أي المبالغة في الإلطاف والإكرام (قوله وإنافة) بكسر الهمزة وتخفيف النون أي زيادة (قوله وأبو الحسين) هو المبارك بن عبد الجبار، وفى بعض النسخ الحسن غير مصغر وليس بالحسين (قوله عن ليث) هو ابن أبى سليم بضم السين وفتح اللام أبو بكر القرشى مولاهم الكوفى أحد العلماء، يروى عن مجاهد وطبقته (قوله ولا فخر) أي قلت ذلك امتثالا بأمر ربى لا افتخارا (قوله ابن زخر) الإفريقى العابد (*)

[ 207 ]

(أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا أبلسوا لواء الكرم بيدى وأنا أكرم ولد آدم على ربى ولا فخر ويطوف على ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون) وعن أبى هريرة رضى الله عنه (وأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيرى) وعن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما نبى يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائى وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع) وعن ابن عباس رضى الله عنهما (أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح لى فأدخلها فيدخلها معى فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر) وعن أنس (أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الناس تبعا) وعن أنس


(قوله أبلسوا) أي يئسوا ومنه قوله تعالى (فإذا هم مبلسون) (قوله حلق الجنة) الحلقة بالتسكين الدروع، وكذلك حلقة الباب وحلقة القوم، والجمع: الحلق على غير قياس، وقال الأصمعى: الجمع حلق مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع، وحكى يونس عن أبى عمرو بن العلاء حلقة في الواحد بالتحريك والجمع حلق وحلقات (*)

[ 208 ]

رضى الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (أنا سيد الناس يوم القيامة وتدرون لم ذلك ؟ يجمع الله الأولين والآخرين.) وذكر حديث الشفاعة وعن أبى هريرة رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال (أطمع أن أكون أعظم الأنبياء أجرا يوم القيامة) وفى حديث آخر (أما ترضون أن يكون إبراهيم وعيسى فيكم يوم القيامة ؟ ثم قال إنهما في أمتى يوم القيامة: أما إبراهيم فيقول أنت دعوتي وذريتي فاجعلني من أمتك وأما عيسى فالأنبياء إخوة بنو علات أمهاتهم شتى وإن عيسى أخى ليس بينى وبينه نبى وأنا أولى الناس به) قوله أنا سيد الناس يوم القيامة هو سيدهم في الدنيا ويوم القيامة ولكن أشار صلى الله عليه وسلم لانفراده فيه بالسودد والشفاعة دون غيره إذ لجأ الناس إليه في ذلك فلم يجدوا سواه والسيد هو الذى يلجأ الناس إليه في حوائجهم فكان حينئذ سيدا منفردا من بين البشر لم يزاحمه أحد في ذلك ولا ادعاه كما قال تعالى (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) والملك له تعالى في الدنيا والآخرة لكن في الآخرة انقطعت دعوى المدعين لذلك في الدنيا وكذلك لجأ إلى محمد صلى الله عليه وسلم جميع الناس في الشفاعة فكان


(قوله بنو علات) العلات بفتح العين المهملة جمع علة وهى الضرة سميت بذلك لأن الرجل تزوجها على أولى كانت قبلها، ثم عل من هذه والعلل الشرب الثاني فبنوا العلات أولاد الرجل من نسوة شئ، والمعنى أن الأنبياء متفقون في أصول الشريعة متباينون في فروعها. (*)

[ 209 ]

سيدهم في الأخرى دون دعوى وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (آتى باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك) وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حوضى مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك كيزانه كنجوم السماء من شرب منه لم يظمأ أبدا) وعن أبى ذر نحوه وقال طوله ما بين عمان إلى أيلة يشخب فيه ميزابان من الجنة * وعن ثوبان مثله وقال أحدهما من ذهب والآخر من ورق، وفى رواية حارثة بن وهب كما بين المدينة وصنعاء


(قوله وعن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم (قوله من الورق) بفتح الواو وكسر الراء وهى الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة بتعويض الهاء في آخره عن الواو في أوله (قوله عمان) قال ابن الأثير حديث الحوض من مقامي إلى عمان بفتح العين وتشديد الميم مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء فأما بالضم والتخفيف فهو صقع عند البحرين وله ذكر في الحديث وقال السهيلي عمان بضم العين وتخفيف الميم قرية باليمن سميت بعمان بن سنان من ولد إبراهيم فيما ذكروا، وأما بفتح العين وتشديد الميم فقرية بالشام قرب دمشق سميت بعمان بن لوط بن هاران كان يسكنها فيما ذكروا وقال المزى يتعين ضم العين والتخفيف لقوله في الحديث الآخر أيلة وصنعاء (قوله إلى أيلة) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية بلدة في طرف الشام على ساحل البحر متوسطة بين المدينة الشريفة وبين دمشق، وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل (قوله يشخب) بضم الخاء المعجمة وفتحها (قوله حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة (قوله وصنعاء) بفتح الصاد المهملة وسكون النون بعدها عين مهملة وهمزة ممدودة: مدينة اليمن العظمى وهى صنعاء اليمن ويقال في النسب إليها صنعاني على غير قياس، وأما صنعاء الروم فقرية في الجانب الغربي من دمشق في ناحية الروم (14 - 1) (*)

[ 210 ]

وقال أنس أيلة وصنعاء وقال ابن عمر كما بين الكوفة والحجر الأسود، وروى حديث الحوض أيضا أنس وجابر بن سمرة وابن عمر وعقبة ابن عامر وحارثة بن وهب الخزاعى والمستورد وأبو برزة الأسلمي وحذيفة بن اليمان وأبو أمامة وزيد بن أرقم وابن مسعود وعبد الله ابن زيد وسهل بن سعد وسويد بن جبلة وأبو بكر وعمر بن الخطاب وابن بريدة وأبو سعيد الخدرى وعبد الله الصنابحى وأبو هريرة والبراء وجندب وعائشة وأسماء بنتا إبى بكر وأبو بكرة وخولة بنت قيس، وغيرهم رضى الله عنهم أجمعين. (فصل) في تفضيله بالمحبة والخلة: جاءت بذلك الآثار الصحيحة واختص على ألسنة المسلمين بحبيب الله. أخبرنا أبو القاسم بن إبراهيم الخطيب وغيره عن كريمة بنت أحمد حدثنا أبو الهيثم وحدثنا حسين


(قوله والمستورد) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح المثناة الفوقية هو ابن شداد بالشين المعجمة (قوله وأبو برزة) بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها زاى (قوله وسويد بن جبلة) سويد بضم السين المهملة وفتح الواو وجبلة بفتح الجيم والباء الموحدة (قوله الصنابحى) بضم الصاد المهملة وتخفيف النون وكسر الباء الموحدة والحاء المهملة، قيل صحابي نسب إلى جده اسمه صنابح (قوله جندب) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها، هو ابن عبد الله بن صعنان البجلى (قوله وخولة بنت قيس) هي الأنصارية النجارية زوج حمزة بن عبد المطلب وقيل زوج حمزة خولة بنت تامر وقيل تامر لقب قيس (قوله عن كريمة) قال ابن ماكولا كريمة بفتح الكاف وكسر الراء ثم قال وكريمة بنت أحمد بن محمد المروزية سمعت جامع البخاري من الكشميهنى. (*)

[ 211 ]

ابن محمد الحافظ سماعا عليه حدثنا القاضى أبو الوليد حدثنا عبد بن أحمد حدثنا أبو الهيثم حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف حدثنا محمد ابن إسماعيل حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو عامر حدثنا فليح حدثنا أبو النضر عن بسر بن سعيد عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر) وفى حديث آخر (وإن صاحبكم خليل الله) ومن طريق عبد الله بن مسعود وفد اتخذ الله صاحبكم خليلا، وعن ابن عباس قال جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه قال فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم عجبا إن الله اتخذ إبراهيم من خلقه خليلا وقال آخر ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه الله تكليما وقال آخر فعيسى كلمة الله وروحه وقال آخر آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال (قد سمعت كلامكم وعجبكم إن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا وهو كذلك وموسى نجى الله وهو كذلك وعسيى روح الله وهو كذلك وموسى نجى الله وهو كذلك وعيسى روح الله وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر


(قوله عبد بن أحمد) من غير إضافة عبد إلى ابن هو أبو ذر الهروي (قوله فريح) بضم الفاء وفتح اللام هو ابن سليمان العدوى المدنى (قوله أبو النضر) بالضاد المعجمة هو سالم بن أبى أمية المدنى (قوله عن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة. (*)

[ 212 ]

وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيد خلنيها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر) في حديث أبى هريرة رضى الله عنه من قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنى اتخذتك خليلا فهو مكتوب في التوراة اس‍ حبيب الرحمن قال القاضى أبو الفضل وفقه الله: اختلف في تفسير الخلة وأصل اشتقاقها فقيل الخليل المنقطع إلى الله الذى ليس في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال وقيل الخليل المختص واختار هذا القول غير واحد وقال بعضهم أصل الخلة الاستصفاء وسمى إبراهيم خليل الله لأنه يوالى فيه ويعادي فيه وخلة الله له نصره وجعله إماما لمن بعده وقيل الخليل أصله الفقير المحتاج المنقطع مأخوذ من الخلة وهى الحاجة فسمى بها إبراهيم لأنه قصر حاجته على ربه وانقطع إليه بهمه ولم يهمه ولم يجعله قبل غيره إذ جاءه جبريل وهو في المنجنيق ليرمى به في النار فقال ألك حاجة ؟


(قوله فهو مكتوب في التوراة اس‍) هكذا وقعت هذه اللفظة في النسخ المعتمدة على هذه الصورة وهى ألف بعدها سين مهملة ثم جرة، وفى بعض النسخ مكتوب بازائها على الطرة ذكر ابن جبير بخطه في كتابه أن هذه اللفظة وقعت في طرة (الأم) المبيضة بخط مؤلفه كما هي هنا مبهمة فحكيتها كما وقعت (قوله من الحلة بفتح الخاء المعجمة وهى الحاجة (قوله قبل غيره) بكسر القاف وفتح الموحدة (قوله وهو في المنجنيق) بفتح الميم والجيم وبكسر الميم ذكرهما أبو عبيد بن سلام في الغريب وفى الصحاح والمنجنيق التى يرمى بها الحجارة معربة وأصلها بالفارسية - من جى نيك - أي ما أجودنى، وهى مؤنثة. (*)

[ 213 ]

قال: أما إليك فلا، وقال أبو بكر بن فورك: الخلة صفاء المودة التى توجب الاختصاص بتخلل الأسرار وقال بعضهم أصل الخلة المحبة ومعناها الإسعاف والإلطاف والترفيع والتشفيع، وقد بين ذلك في كتابه تعالى بقوله (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم) فأوجب للمحبوب أن لا يؤاخذ بذنوبه قال هذا والخلة أقوى من البنوة لأن البنوة قد تكون فيها العداوة كما قال تعالى (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) الآية ولا يصح أن تكون عداوة مع خلة فإذا تسمية إبراهيم ومحمد عليهما السلام بالخلة إما بإنقطاعهما إلى الله ووقف حوائجهما عليه والانقطاع عمن دونه والإضراب عن الوسائط والأسباب أو لزيادة الاختصاص منه تعالى لهما وخفى ألطافه عندهما وما خالل بواطنهما من أسرار إلهيته ومكنون غيوبه ومعرفته أو لاستصفائه لهما واستصفاء قلوبهما عمن سواه حتى لم يخاللهما حب لغيره ولهذا قال بعضهم الخليل من لا يتسع قلبه لسواه وهو عندهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم (ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) لكن أخوة الإسلام واختلف العلماء أرباب القلوب أيهما أرفع: درجة الخلة أو درجة المحبة ؟ فجعلهما بعضهم سواء فلا يكون الحبيب إلا خليلا ولا الخليل إلا حبيبا لكنه خص إبراهيم بالخلة ومحمدا


(قوله والأسرار) بفتح الهمزة جمع سر (قوله وخفى إلطافه) بالخاء المعجمة أو المهملة والإلطاف بكسر الهمزة مصدر، وبفتحها جمع لطف. (*)

[ 214 ]

بالمحبة وبعضهم قال درجة الخلة ارفع واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم (لو كنت متخذا خليلا غير ربى عز وجل) فلم يتخذه وقد أطلق المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة وغيرهم وأكثرهم جعل المحبة أرفع من الخلة لأن درجة الحبيب نبينا أرفع من درجة الخليل إبراهيم وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ولكن هذا في حق من يصح الميل منه والانتفاع بالوفق وهى درجة المخلوق فأما الخالق فمنزه عن الأعراض فمحبته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب وإفاضة رحمته عليه وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه وينظر إليه ببصيرته فيكون كما قال في الحديث (فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ولسانه الذى ينطق به) ولا ينبغى أن يفهم من هذا سوى التجرد لله والانقطاع إلى الله والأعراض عن غير الله وصفاء القلب لله وإخلاص الحركات لله كما قالت عائشة رضى الله عنها كان خلقه القرآن برضاه يرضى وبسخطه يسخط، ومن هذا عبر بعضهم عن الخلة بقوله: قد تخللت مسلك الروح منى * وبذا سمى الخليل خليلا فإذا ما نطقت كنت حديثى * وإذا ما سكت كنت الغليلا فإذا مزية الخلة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا محمد صلى الله عليه


(قوله وقصواها) بضم القاف والقصر (قوله كنت الغليلا) في الصحاح الغلة حرارة العطش وكذلك الغليل يقول منه غل الرجل يغل غلا فهو مغلول على ما لم يسم فاعله (*)

[ 215 ]

وسلم بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة المتلقاة بالقبول من الأمة وكفى بقوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله) الآية، حكى أهل التفسير أن هذه الآية لما نزلت قال الكفار إنما يريد محمد أن نتخذه حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله غيظا لهم ورغما على مقالتهم هذه الآية (قل أطيعوا الله والرسول) فزاده شرفا بأمرهم بطاعته وقرنها بطاعته ثم توعدهم على التولى عنه بقوله تعالى (فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين) * وقد نقل الإمام أبو بكر بن فورك عن بعض المتكلمين كلاما في الفرق بين المحبة والخلة يطول جملة إشاراته إلى تفضيل مقام المحبة على الخلة ونحن نذكر منه طرفا يهدى إلى ما بعده، فمن ذلك قولهم: الخليل يصل بالواسطة من قوله (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض) والحبيب يصل إليه به من قوله (فكان قاب قوسين أو أدنى) وقيل الخليل الذى تكون مغفرته في حد الطمع من قوله (والذي أطمع أن يغفر لى خطيئتي والحبيب الذى مغفرته في حد اليقين من قوله (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) الآية والخليل قال (ولا تخزني يوم يبعثون) والحبيب قيل له (يوم لا يخزى الله النبي) فابتديئ بالبشارة قبل السؤال والخليل قال في المحنة حسبى الله والحبيب قيل له (يا أيها النبي حسبك الله) والخليل قال (واجعل لى لسانه صدق في الآخرين) والحبيب قيل له (ورفعنا لك ذكرك) أعطى بلا سؤال، والخليل قال

[ 216 ]

(واجنبني وبى أن نعبد الأصنام) والحبيب قيل له (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب المقال من تفضيل المقامات والأحوال و (كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) فصل في تفضيله صلى الله عليه وسلم بالشفاعة والمقام المحمود قال الله تعالى (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) أخبرنا الشيخ أبو على الغساني الجيانى فيما كتب به إلى نحطه حدثنا سراج بن عبد الله القاضى حدثنا أبو محمد الأصيلي حدثنا أبو زيد وأبو أحمد قالا حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا إسماعيل بن أبان حدثنا أبو الأحوص عن آدم بن على قال سمعت ابن عمر يقول إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى كل أمة تتبع نبيها يقولون يا فلان اشفع لنا يا فلان اشفع لنا حتى تنتهى الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه


(قوله على شاكلته) أي عادته أو جبلته التى طبع عليها (قوله أبو الأحوص) بالحاء والصاد المهملتين (قوله جثى) بضم الجيم وفتح المثلثة المخففة قال ابن الأثير الجثا جمع جثوة بالضم وهو الشئ المجموع ومنه أن الناس يصيرون يوم القيامة جثى جمع جثوة بالضم وهو الشئ المجموع ومنه أن الناس يصيرون يوم القيامة جثى وتروى هذه اللفظة بتشديد المثلثة جمع جاث وهو الذى يجلس على ركبتيه وفى الصحاح الجثوة والجثوة والجثوة ثلاث لغات: الحجارة المجموعة وجثى الحرم بالضم وجثى الحرم بالكسر أيضا ما اجتمع فيه من حجارة الحمام وجثا على ركبتيه يجثو ويجثى جثوا وجثيا على فعول فيهما وقوم جثى أيضا مثل جلس جلوسا وقوم جلوس ومنه قوله تعالى (ونذر الظالمين فيها جثيا) وجثيا أيضا بكسر الجيم إتباعا لما بعدها من الكسر (*)

[ 217 ]

وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود) وعن أبى هريرة سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى قوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فقال هي الشفاعة * وروى كعب بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم (يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتى على تل ويكسوني ربى حلة خضراء ثم يؤذن لى فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود) * وعن ابن عمر رضى الله عنهما وذكر حديث الشفاعة قال فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود الذى وعده * وعن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيامه عن يمين العرش مقاما لا يقومه غيره يغبطه فيه الأولون والآخرون، ونحوه عن كعب والحسن، وفى رواية هو المقام الذى أشفع لأمتى فيه * وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنى لقائم المقام المحمود قيل وما هو قال ذلك يوم ينزل الله تبارك وتعالى على كرسيه) الحديث * وعن أبى موسى رضى الله عنه عنه صلى القله عليه وسلم (خيرت بين أن يدخل نصف أمتى الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم أترونها للمتقين، ولكنها للمذنبين الخطائين) * وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قلت


(قوله أترونها) بضم المثناة الفوقية وفتح الراء أي أتظنونها (قوله للمتقين) بالمثناة الفوقية جمع متقى وفى بعض النسخ للمتقين بالنون والقاف قال الحافظ المزى روى ابن عرفة في جزئه هذا الحديث أترونها للمتقين ولكنها للمذنبين الخاطئين المتلوثين، وأما إذا لم يكن ذكر المتلوثين فيضبط بالوجهين، والمتلوثين بميم مضمومة ومثناة فوقية مفتوحة ومثلثة مكسورة، ولوث الماء: كدره (*)

[ 218 ]

يا رسول الله ماذا ورد عليك في الشفاعة فقال (شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا يصدق لسانه قلبه) * وعن أم حبيبة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اريت ما تلقى أمتى من بعدى وسفك بعضهم دماء بعض وسبق لهم من الله ما سبق للأمم قبلهم فسألت الله أن يؤتينى شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل) * وقال حذيفة يجمع الله الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حفاة عراة كما خلقوا سكونا لا تكلم نفس إلا بإذنه فينادى: محمد فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهتدى من هديت وعبدك بين يديك ولك وإليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك تبارك وتعاليت سبحانك رب البيت قال فذلك المقام المحمود الذى ذكر الله) * وقال ابن عباس رضى الله عنهما إذا دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة فيبقى آخر زمرة من الجنة وآخر زمرة من النار فتقول زمرة النار لزمرة الجنة ما نفعكم إيمانكم فيدعون ربهم


(قوله وينفذهم البصر) قال ابن الأثير قال أبو حاتم: أصحاب الحديث يرونه بالذال المعجمة، وإنما هو بالمهملة أي يبلغ أولهم وآخرهم البصر حتى يراهم كلهم ويستوعبهم، من نفذ الشئ وأنفدته (قوله فينادى) بفتح الدال ومحمد بلا تنويل على أنه منادى محذوف الأداة أو بالتنوين، على أنه قائم مقام الفاعل لينادي (قوله والشر ليس إليك) أي لا يتقرب به إليك أو لا يصعد إليك إنما يصعد إليك الكلم الطيب أو لا يضاف إليك أدبا وإن كنت موجدا له بالحقيقة إذ ليس الشر شرا بالنسبة إلى حكمتك فإنك لا توجد شيئا عبثا (قوله لا ملجأ) بهمزة في آخره والأجود تخفيفها لتناسب (منجا) فإنه مقصور (*)

[ 219 ]

ويضجون فيسمعهم أهل الجنة فيسألون آدم وغيره بعده في الشفاعة لهم فكل يعتذر حتى يأتو محمد صلى الله عليه سلم فيشفع لهم فذلك المقام المحمود، ونحوه عن بن مسعود أيضا ومجاهد وذكره على بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال جابر بن عبد الله ليزيد الفقير سمعت بمقام محمد، يعنى الذى يبعثه الله فيه قال قلت نعم قال فإنه مقام محمد المحمود الذى يخرج الله به من يخرج يعنى من النار، وذكر حديث الشفاعة في إخراج الجهنميين) وعن أنس نحوه وقال فهذا المقام المحمود الذى وعده، وفى رواية أنس وأبى هريرة وغيرهما دخل حديث بعضهم في حديث بعض قال صلى الله عليه وسلم (يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة فيهتمون - أو قال فيلهمون - فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا) ومن طريق آخر عنه ماج الناس بعضهم في بعض، وعن أبى هريرة: وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم مالا يطيقون ولا يحتملون فيقولون ألا تنظرون من يشفع لكم فيأتون آدم فيقولون زاد بعضهم أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله


(قوله ليزيد الفقير) هو ابن صهيب: كان يشكو فقار ظهره فقيل له الفقير (*)

[ 220 ]

مثله ولا يغضب بعده مثله ونهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي اذهبوا إلى غيرى اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك فيقول إن ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي قال في رواية أنس ويذكر خطيئته التى أصاب سؤاله ربه بغير علم وفى رواية أبى هريرة رضى الله عنه: وقد كانت لى دعوة دعوتها على قومي اذهبوا إلى غيرى اذهبوا إلى إبراهيم فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبى الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربى قد غضب اليوم غضبا فذكر مثله ويذكر ثلاث كلمات كذبهن نفسي نفسي لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله وفى رواية فإنه عبد آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا قال فيأتون موسى فيقول لست لها ويذكر خطيئته التى أصاب وقتله النفس نفسي نفسي ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فاوتى فأقول أنا لها فأنطلق فأستادن على ربى فتؤذن لى فإذا رأيته


(قوله عن الشجرة) قيل هي شجرة الكرم، وقيل السنبلة (قوله بلغنا) بفتح الغين المعجمة قال النووي وضبطه بعض المتأخرين بالفتح والإسكان ويدل للأول ألا ترون ما قد بلغكم، ولو كان بالإسكان لقال بلغتم. (*)

[ 221 ]

وقعت ساجدا وفى رواية فأتي تحت العرش فأخر ساجدا، وفى رواية فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أنه يلهمنيها الله، وفى رواية فيفتح الله على من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلى، قال في رواية أبى هريرة فيقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول يا رب أمتى يا رب أمتى فيقول أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ولم يذكر في رواية أنس هذا الفصل وقال مكانه ثم أخر ساجدا فيقال لى يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطه فأقول يا رب أمتى أمتى فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربى فأحمده بتلك المحامد وذكر مثل الأول وقال فيه مثقال حبة من خردل قال فأفعل ثم أرجع وذكر مثل ما تقدم وقال فيه من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل فأفعل وذكر في المرة الرابعة فيقال لى ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطه فأقول يا رب ائذن لى فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك إليك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائى لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله، ومن رواية قتادة عنه قال فلا أدرى في الثالثة أو الرابعة فأقول يا رب ما بقى في النار إلا من حبسه القرآن أي من وجب عليه


(قوله فأخر ساجدا) في مسند احمد أن كل سجدة: جمعة من جمع الدنيا (*)

[ 222 ]

الخلود * وعن أبى بكر وعقبة بن عامر وأبى سعيد وحذيفة مثله قال فيأتون محمدا فيؤذن له وتأتى الأمانة والرحم فتقومان جنبتى الصراط، وذكر في رواية أبى مالك عن حذيفة فيأتون محمدا فيشفع فيضرب الصراط فيمرون أولهم كالبرق ثم كالريح والطير شد الرجال ونبيكم صلى الله عليه وسلم على الصراط يقول اللهم سلم سلم حتى يجتاز الناس وذكر آخرهم جوازا الحديث، وفى رواية أبى هريرة فأكون أول من يجيز، وعن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم (يوضع للأنبياء منابر يجلسون عليها ويبقى منبرى لا أجلس عليه قائما بين يدى ربى منتصبا فيقول الله تبارك وتعالى ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول يا رب عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنة برحمته ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي ولا أزال أشفع حتى أعطى صكاكا برجال قد أمر بهم إلى النار حتى إن خازن النار ليقول يا محمد ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة، ومن طريق زياد النميري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أنا أول من تنفلق الأرض عن جمجمته ولا فخر وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر ومعى لواء الحمد يوم القيامة وأنا أول من تفتح له الجنة ولا فخر فأتي فآخذ بحلقة الجنة فيقال من هذا ؟ فأقول محمد، فيفتح لى فيستقبلى الجبار تعالى فأخر ساجدا) وذكر


(قوله وشد الرجال) بالجيم هو الصحيح المعروف أي: حزمهم (قوله صكاكا) بكسر الصاد المهملة وتخفيف الكاف جمع صك بفتح الصاد وتشديد الكاف وهو الكتاب (*)

[ 223 ]

نحو ما تقدم، ومن رواية أنيس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر وشجر) فقد اجتمع من اختلاف ألفاظ هذه الآثار أن شفاعته صلى الله عليه وسلم ومقامه المحمود من أول الشفاعات إلى آخرها من حين يجتمع الناس للحشر وتضيق بهم الحاجر ويبلغ منهم العرق والشمس والوقوف مبلغه وذلك قبل الحساب فيشفع حينئذ لإراحة الناس من الموقف ثم يوضع الصراط ويحاسب الناس كما جاء في الحديث عن أبى هريرة وحذيفة وهذا الحديث أتقن فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة كما تقدم في الحديث ثم يشفع فيمن وجب عليه العذاب ودخل النار منهم حسبما تقتضيه الأحاديث الصحيحة ثم فيمن قال لا إله إلا الله وليس هذا لسواه صلى الله عليه وسلم وفى الحديث المنتشر الصحيح (لكل نبى دعوة يدعو بها واختبأت دعوتي شفاعة لأمتى يوم القيامة) قال أهل العلم معناه دعوة أعلم أنها تستجاب لهم ويبلغ فيها مرغوبهم وإلا فكم لكل نبى منهم من دعوة مستجابة ولنبينا صلى الله عليه وسلم منها ما لا يعد لكن حالهم عند الدعاء بها بين الرجاء والخوف وضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاؤه يدعون بها على يقين من الإجابة، وقد قال محمد بن زياد وأبو صالح عن أبى هريرة في هذا الحديث


(قوله ومن رواية أنيس) بالتصغير وهو أنصارى روى عنه شهر بن حوشب حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا أشفع - الحديث - ولم يرو عنه غيره، ذكر ذلك ابن عبد البر (*)

[ 224 ]

(لكل نبى دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له وأنا أريد أن أؤخر دعوتي شفاعة لأمتى يوم اليامة) وفى رواية أبى صالح (لكل نبى دعوة مستجابة فتعجل كل نبى دعوته) ونحوه في رواية أبى زرعة عن أبى هريرة وعن أنس مثل رواية ابن زياد عن أبى هريرة، فتكون هذه الدعوة المذكورة مخصوصة بالأمة مضمونة الإجابة وإلا فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا أعطى بعضها ومنع بعضها وادخر لهم هذه الدعوة ليوم الفاقة وخاتمة المحن وعظيم السؤال والرغبة: جزاه الله أحسن ما جزى نبيا عن أمته وصلى الله عليه وسلم كثيرا. فصل في تفضيله صلى الله عليه وسلم في الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر والفضيلة حدثنا القاضى أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي والفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد بقراءتي عليهما قالا حدثنا أبو على الغساني حدثنا النمري حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا أبو بكر التمار حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وحيوة وسعيد بن أبى أيوب عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا


(قوله حيوة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الواو (قوله عن كعب ابن علقمة) وفى بعض النسخ عن كعب عن علقمة وهو غير صواب. (*)

[ 225 ]

على فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة) * وفى حديث آخر عن أبى هريرة: الوسيلة أعلى درجة في الجنة * وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لى نهر حافتاه قباب اللؤلؤ قلت لجبريل ما هذا قال هذا الكوثر الذى أعطاكه الله قال ثم ضرب بيده إلى طينته فاستخرج مسكا) وعن عائشة عبد الله بن عمرو مثله قال ومجراه على الدر والياقوت وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج وفى رواية عنه فإذا هو يجرى ولم يشق شقا عليه حوض ترد عليه أمتى وذكر حديث الحوض ونحوه عن ابن عباس. وعن ابن عباس أيضا قال الكوثر الخير الذى أعطاه الله إياه وقال سعيد بن جبير والنهر الذى في الجنة من الخير الذى أعطاه الله * وعن حذيفة فيما ذكر صلى الله عليه وسلم عن ربه (وأعطاني الكوثر نهرا من الجنة يسيل في حوضى) وعن ابن عباس في قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) قال ألف قصر من لؤلؤ ترابهن المسك وفيه ما يصلحهن * وفى رواية أخرى وفيه ما ينبغى له من الأزواج والخدم. (فصل) فإن قلت إذا تقرر من دليل القرآن وصحيح الأثر


(قوله حلت عليه) بتشديد اللام أي نزلت (قوله حافتاه) بتخفيف الفاء (قوله إلى طينه) بكسر الطاء المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها نون وهاء للضمير (15 - 1) (*)

[ 226 ]

وإجماع الأمة كونه أكرم البشر وأفضل الأنبياء فما معنى الأحاديث الواردة بنهيه عن التفضيل كقوله فيما حدثناه الأسدى قال حدثنا السمرقندى حدثنا الفارسى حدثنا الجلودى حدثنا ابن سفيان حدثنا مسلم حدثنا محمد بن مثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أبا العالية يقول حدثنى ابن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم يعنى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) وفى غير هذا الطريق عن أبى هريرة قال يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ينبغى لعبد - الحديث) وفى حديث أبى هريرة في اليهودي الذى قال والذى اصطفى موسى على البشر فلطمه رجل من الأنصار وقال تقول ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تفضلوا بين الأنبياء وفى رواية لا تخيرونى على موسى فذكر الحديث وفيه ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى * وعن أبى هريرة من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب * وعن ابن مسعود لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى وفى حديثه الآخر فجاءه رجل فقال يا خير البرية فقال ذاك إبراهيم، فاعلم أن للعلماء في هذه الأحاديث تأويلات (أحدها) أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فنهى عن التفضيل إذ يحتاج إلى توقيف وأن من فضل بلا علم فقد كذب وكذلك قوله لا أقول إن أحدا أفضل منه لا يقتضى تفضيله هو وإنما

[ 227 ]

هو في الظاهر كف عن التفضيل (الوجه الثاني) أنه قاله صلى الله عليه وسلم على طريق التواضع ونفى التكبر والعجب وهذا لا يسلم من الاعتراض (الوجه الثالث) ألا يفضل بينهم تضيلا يؤدى إلى تنقص بعضهم أو الغض منه لا سيما في جهة يونس عليه السلام إذ أخبر الله عنه بما أخبر لئلا يقع في نفس من لا يعلم منه بذلك غضاضة وانحطاط من رتبته الرفيعة إذ قال تعالى عنه (إذ أبق إلى الفلك المشحون - إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) فربما يخيل لمن لا علم عنده حطيطته بذلك (الوجه رابع) منع التفضيل في حق النبوة والرسالة فإن الأنبياء فيها على حد واحد إذ هي شئ واحد لا يتفاضل وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب والألطاف وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها ولذلك منهم رسل ومنهم أولو عزم من الرسل ومنهم من رفع مكانا عليا ومنهم من أوتى الحكم صبيا وأوتى بعضهم الزبور وبعضهم البينات ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات قال الله تعالى (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) الآية وقال (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) الآية قال بعض أهل العلم والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا وذلك بثلاثة أحوال أن تكون آيته ومعجزاته أبهر وأشهر أو تكون أمته أزكى وأكثر أو يكون في ذاته أفضل وأظهر وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته واختصاصه

[ 228 ]

من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه وتحف ولايته واختصاصه وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن للنبوة أثقالا وإن يونس تفسخ منها تفسخ الربع فحفظ صلى الله عليه وسلم موضع الفتنة من أوهام من يسبق إليه بسببها جرح في نبوته أو قدح في اصطفائه وخط في رتبته ووهن في عصمته شفقة منه صلى الله عليه وسلم على أمته وقد يتوجه على هذا الترتيب وجه خامس وهو أن يكون (أنا) راجعا إلى القائل نفسه أي لا يظن أحد وإن بلغ من الذكاء والعصمة والطهارة ما بلغ أنه خير من يونس لأجل ما حكى الله عنه فإن درجة النبوة أفضل وأعلى وإن تلك الأقدار لم تحطه عنها حبة خردل ولا أدنى، وسنزيد في القسم الثالث في هذا بيانا إن شاء الله تعالى فقد بان لك الغرض وسقط بما حررناه شبهة المعترض وبالله التوفيق وهو المستعان لا إله إلا هو. فصل في أسمائه صلى الله عليه وسلم وما تضمنته من فضيلته حدثنا أبو عمران موسى بن أبى تليد الفقيه قال حدثنا أبو عمر الحافظ حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح


(قوله تفسخ الربع) بضم الراء وفتح الموحدة، في الصحاح: الربع الفصيل ينتج في الربيع وهو أول النتاج والجمع رباع وأرباع مثل رطب ورطاب وأرطاب والأنثى ربعة والجمع ربعات فإذا نتج الفصيل آخر النتاج فهو هبع. (*)

[ 229 ]

حدثنا يحيى حدثنا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لى خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى وأنا العاقب) وقد سماه الله تعالى في كتابه محمدا وأحمد فمن خصائصه تعالى له أن ضمن أسماءه ثناءه فطوى أثناء ذكره عظيم شكره فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغة من صفة الحمد ومحمد مفعل مبالغة من كثرة الحمد فهو صلى الله عليه وسلم أجل من حمد وأفضل من حمد وأكثر الناس حمدا فهو أحمد المحمودين وأحمد الحامدين ومعه لواء الحمد يوم القيامة وليتم له كمال الحمد ويتشهر في تلك العرصات بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا كما وعده يحمده فيه الأولون والآخرون بشفاعته لهم ويفتح عليه فيه من المحامد كما قال صلى الله عليه وسلم ما لم يعط غيره وسمى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين فحقيق أن يسمى محمدا وأحمد ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه وبدائع آياته فن آخر هو أن الله جل اسمه حمى أن يمسى بهما أحد قبل زمانه أما أحمد الذى أتى في


(قوله لى خمسة أسماء) في الأحوذى شرح الترمذي للقاضى أبى بكر بن العربي عن بعضهم إن لله ألف اسم، وللنبى صلى الله عليه وسلم ألف اسم (قوله والعاقب) في الصحاح: وفى الحديث السيد والعاقب، فالعاقب من يخلف السيد بعده وقول النبي صلى الله عليه وسلم أنا العاقب، يعنى آخر الأنبياء، وكل من خلف بعد شئ فهو عاقبه انتهى (قوله أجل من حمد) بفتح الخاء المهملة وكسر الميم (قوله وأفضل من حمد) بضم المهملة وكسر الميم. (*)

[ 230 ]

الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك وكذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده صلى الله عليه وسلم وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو والله أعلم حيث يجعل رسالته وهم محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسى ومحمد بن مسلمة الأنصاري ومحمد بن براء البكري ومحمد ابن سفيان بن مجاشع ومحمد بن حمران الجعفي ومحمد بن خزاعي السلمى لا سابع لهم ويقال أول من سمى محمدا محمد بن سفيان واليمن تقول بل محمد بن اليحمد من الأزد ثم حمى الله كل من تسمى به إن يدعى النبوة أو يدعيها أحد له أو يظهر عليه سبب يشكك أحدا في


(قوله ابن أحيحة) بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية (قوله ابن الجلاح) بضم الجيم وتخفيف اللام. وفى آخره حاء مهملة، ذكره ابن عبد البر وأبو موسى في الصحابة، وأما محمد بن البراء فعده أبو موسى أيضا في الصحابة ومحمد بن سفيان قال أبو نعيم وأبو موسى مختلف في صحبته ومحمد بن مسلمة شهد بدرا وغيرها، ومات بالمدينة، وفى سيرة مغلطاى وأيضا سمى محمد بن عدى بن ربيعة المقرى ومحمد بن عثمان السعدى، قال وأظنهما واحدا، ومحمد الأسيدى ومحمد الغنيمى ومحمد بن عثوارة الليثى ومحمد بن حرمان العمرى ومحمد بن خول الهمذانى ومحمد بن يزيد بن ربيعة ومحمد بن أسامة بن مالك قال وفى محمد بن مسلمة الأنصاري نظر (قوله ابن اليحمد) هذا ليس قال المصنف لا سابع لهم، وقد ضبط ابن ماكولا وغيره نظير هذا الاسم وهو سعيد بن محمد بضم الياء وسكون المهملة وكسر الميم. (*)

[ 231 ]

أمره حتى تحققت السمتان له صلى الله عليه وسلم ولم ينازع فيهما وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر ففسر في الحديث ويكون محو الكفر إما من مكة وبلاد العرب وما زوى له من الأرض ووعد أنه يبلغه ملك أمته أو يكون المحو عاما بمعنى الظهور والغلبة كما قال تعالى (ليظهره على الدين كله) وقد ورد تفسيره في الحديث أنه الذى محيت به سيئات من اتبعه وقوله وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى أي على زماني وعهدي أي ليس بعدى نبى كما قال (وخاتم النبيين) وسمى عاقبا لأنه عقب غيره من الأنبياء وفى الصحيح أما العاقب الذى ليس بعدى نبى وقيل معنى على قدمى أي يحشر الناس بمشاهدتي كما قال تعالى (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) وقيل على قدمى على سابقتي قال الله تعالى (أن لهم قدم صدق عند ربهم) وقيل على قدمى أي قدامى وحولي أي يجتمعون إلى يوم القيامة وقيل قدمى على سنتى ومعنى قوله (لى خمسة أسماء) قيل إنها موجودة في الكتب المتقدمة وعند أولى العلم من الأمم السالفة، وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم: لى عشرة أسماء، وذكر منها: طه ويس، حكاه مكى وقد قيل في بعض تفاسير طه إنه يا طاهر يا هادى، وفى يس يا سيد، حكاه السلمى عن الواسطي وجعفر بن محمد، وذكر غيره، لى عشرة أسماء فذكر الخمسة التى في الحديث الأول، قال: وأنا رسول الرحمة ورسول

[ 232 ]

الراحة ورسول الملاحم وأنا المقفى قفيت النبيين وأنا قيم والقيم الجامع الكامل كذا وجدته ولم أروه وأرى أن صوابه قثم بالثاء كما ذكرناه بعد عن الحربى وهو أشبه بالتفسير وقد وقع أيضا في كتب الأنبياء قال داود عليه السلام اللهم ابعث لنا محمدا مقيم السنة بعد الفترة فقد يكون القيم بمعناه وروى النقاش عنه صلى الله عليه وسلم: لى في القرآن سبعة أسماء: محمد وأحمد ويس وطه والمدثر والمزمل وعبد الله) وفى حديث عن جبير بن مطعم رضى الله عنه هي ست: محمد وأحمد وخاتم وعاقب وحاشر وماح، وفى حديث أبى موسى الأشعري أنه كان صلى القله عليه وسلم يسمى لنا نفسه أسماء فيقول (أنا محمد وأحمد والمقفى والحاشر ونبى التوبة ونبى الملحمة) ويروى المرحمة والراحة وكل صحيح إن شاء الله ومعنى المقفى معنى العاقب وأما نبى الرحمة والتوبة والمرحمة والراحة فقد قال الله تعالى (وأما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وكما وصفه بأنه يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقيم وبالمؤمنين رؤف رحيم وقد قال في صفة أمته إنها أمة مرحومة وقد قال تعالى فيهم (وتواصوا بالصبر وتواصر بالمرحمة) أي يرحم بعضهم بعضا فبعثه صلى الله عليه وسلم ربه تعالى رحمة لأمته ورحمة للعالمين ورحيما بهم ومترحما ومستغفرا لهم وجعل وأمته أمة مرحومة


(قوله وأنا قيم) والقيم الجامع الكامل، قال ابن الأثير ومنه الحديث أتانى ملك فقال أنت قيم وخلقك قيم) أي مستقيم حسن (قوله ونبى الملحمة) هي موضع القتال (*)

[ 233 ]

ووصفها بالرحمة وأمرها صلى الله عليه وسلم بالتراحم وأثنى عليه فقال إن الله يحب من عباده الرحماء وقال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وأما رواية نبى الملحمة فإشارة إلى ما بعث به من القتال والسيف صلى الله عليه وسلم وهى صحيحة وروى حذيفة مثل حديث أبى موسى وفيه ونبى الرحمة ونبى التوبة ونبى الملاحم وروى الحربى في حديثه صلى الله عليه وسلم أنه قال أتانى ملك فقال لى أنت قثم أي مجتمع قال والقثوم الجامع للخير وهذا اسم هو في أهل بيته صلى الله عليه وسلم معلوم وقد جاءت من ألقابه صلى الله عليه وسلم وسماته في القرآن عدة كثيرة سوى ما ذكرناه كالنور والسراج المنير والمنذر والنذير والمبشر والبشير والشاهد والشهيد والحق المبين وخاتم النبيين والرؤف الرحيم والأمين وقدم الصدق ورحمة للعالمين ونعمة الله والعروة الوثقى والصراط المستقيم والنجم الثاقب والكريم والنبى الأمي وداعي الله في أوصاف كثيرة وسمات جليلة وجرى منها في كتب الله المتقدمة وكتب أنبيائه وأحاديث رسوله وإطلاق الأمة جملة شافية كتسميته بالمصطفى والمجتبى وأبى القاسم والحبيب ورسول رب العالمين والشفيع المشفع والمتقي والمصلح والظاهر والمهيمن والصادق والمصدوق والهادي وسيد ولد آدم وسيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وحبيب الله وخليل الرحمن وصاحب الحوض المورود والشفاعة والمقام المحمود وصاحب الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة

[ 234 ]

وصاحب التاج والمعراج واللواء والقضيب وراكب البراق والناقة والنجيب وصاحب الحجة والسلطان والخاتم والعلامة والبراهان وصاحب الهراوة والنعلين، ومن أسمائه في الكتب المتوكل والمختار ومقيم السنة والمقدس وروح القدس وروح الحق وهو معنى (البار قليط في الإنجيل) وقال ثعلب البار قليط الذى يفرق بين الحق والباطل ومن أسمائه في الكتب السالفة ماذ ماذ ومعناه طيب وطيب وجمطايا والخاتم والحاتم. حكاه كعب الأحبار وقال ثعلب فالخاتم الذى ختم الأنبياء والحاتم أحسن الأنبياء خلقا وخلقا. ويسمى بالسريانية مشقح والمنحمنا واسمه أيضا في التوراة أحيد روى ذلك عن ابن سيرين


(قوله وصاحب الهراوة) بكسر الهاء أي العصا قال ابن الأثير لأنه كان يمسك بيده القضيب كثيرا وكان يمشى بالعصا بين يديه وتغرز له فيصلى إليها (قوله البار قليط) بالموحدة والألف والراء المكسورة والقاف الساكنة واللام المكسورة والمثناة التحتية الساكنة بعدها طاء مهملة قيل معناه الحامد وقيل الحماد وقيل الحمد وأكثر النصارى على أن معناه المخلص (قوله ماذ ماذ) بميم فألف غير مهموزة فذال معجمة، وفى طرة بعض النسخ إنه بميم مضمومة وإشمام الهمزة ضمة بين الواو والألف (قوله قال جمطايا) بجيم مفتوحة وميم مشددة مفتوحة وطاء مهملة بعدها ألف فمثناة تحتية فألف قال أبو عمرو سألت بعض من أسلم من اليهود عنه فقال معناه يحمى الحرم ويمنع من الحرام ويوطئ الحلال (قوله والخاتم والحاتم) الأول بالخاء المعجمة، والثانى بالمهملة (قوله مشقح) ضبط هذا الاسم بضم الميم وفتح الشين المعجمة والقاف المشددة، وفى آخره مهملة (قوله والمنحمنا) ضبط بضم الميم وسكون النون وفتح الحاء المهملة وكسر الميم وبعدها نون مشددة مفتوحة وألف قال أبو الفتح اليعمرى في سيرته هو محمد صلى الله عليه وسلم وكذا قال ابن إسحاق هو بالسريانية محمد صلى الله عليه وسلم (قوله أحيد) ضبط بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية وكسرها وفى آخره دال مهملة (*)

[ 235 ]

ومعنى صاحب القضيب أي السيف وقع ذلك مفسرا في الإنجيل قال معه قضيب من حديد يقاتل به وأمته كذلك وقد يحمل على أنه القضيب الممشوق الذى كان يمسكه صلى الله عليه وسلم وهو الآن عند الخلفاء وأما الهراوة التى وصف بها فهى في اللغة العصا وأراها والله أعلم العصا المذكورة في حديث الحوض أذود الناس عنه بعصاي لأهل اليمن * وأما التاج فالمراد به العمامة ولم تكن حينئذ إلا للعرب والعمائم تيجان العرب وأوصفاه وألقابه وسمانه في الكتب كثيرة وفيما ذكرناه منها مقنع إن شاء الله وكانت كنيته المشهورة أبا القاسم * وروى عن أنس أنه لما ولد له إبراهيم جاءه جبريل فقال له السلام عليك يا أبا إبراهيم. فصل في تشريف الله تعالى بما سماه به من أسمائه الحسنى ووصفه به من صفاته العلى قال القاضى أبو الفضل وفقه الله تعالى ما أحرى هذا الفصل بفصول الباب الأول لانخراطه في سلك مضمونها وامتراجه بعذب معينها لكن


(قوله وأراها والله أعلم العصا المذكورة في حديث الحوض) قال النووي هذا ضعيف لأن المراد تعريفه بصفة يراها الناس معه يستدلون بها على صدقه وإنه المبشر به المذكور في الكتب السالفة فلا يصح تفسيره بعصا تكون في الآخرة والصحيح أنه كان يمسك القضيب بيده كثيرا وقيل لأنه كان يمشى والعصا بين يديه وتغرز له فيصلى إليها (قوله لأهل اليمن) الذى في صحيح مسلم في المناقب لأهل اليمن وهى الجهة التى عن يمين الكعبة ومعناه أذود الناس لأجل أهل اليمن حتى يتقدموا (*)

[ 236 ]

لم يشرح الله الصدر للهداية إلى استنباطه ولا أنار الفكر لاستخراج جوهره والتقاطه إلا عند الخوض في الفصل الذى قبله فرأينا أن نضيفه إليه ونجمع به شمله فاعلم أن الله تعالى خص كثيرا من الأنبياء بكرامة خلعها عليهم من أسمائه كتسمية إسحق وإسماعيل بعليم وحليم وإبراهيم بحليم، ونوح بشكور، وعيسى ويحيى ببر وموسى بكريم وقوى ويوسف بحفيظ عليم وأيوب بصابر واسماعيل بصادق الوعد كما نطق بذلك الكتاب العزيز من مواضع ذكرهم وفضل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بأن حلاه منها في كتابه العزيز وعلى ألسنة أنبيائه بعدة كثيرة اجتمع لنا منها جملة بعد إعمال الفكر وإحضار الذكر إذ لم نجد من جمع منها فوق اسمين ولا من تفرغ فيها لتأليف فصلين وحررنا منها في هذا الفصل نحو ثلاثين اسما ولعل الله تعالى كما ألهم إلى ما علم منها وحققه يتم النعمة بإبانة ما لم يظهره لنا الآن ويفتح غلقه. فمن أسمائه تعالى الحميد ومعناه المحمود لأنه حمد نفسه وحمده عباده ويكون أيضا بمعنى الحامد لنفسه ولأعمال الطاعات وسمى النبي صلى الله عليه وسلم محمدا وأحمد فمحمد بمعنى محمود وكذا وقع اسمه في زبر داود واحمد بمعنى أكبر من حمد وأجل من حمد وقد أشار إلى نحو هذا حسان بقوله: (قوله وموسى بكريم) في سورة الدخان (وقد جاءهم رسول كريم) (قوله بأن حلاه) بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام (قوله غلقة) بفتح الغين المعجمة واللام ما ينغلق به (قوله حسان) هو ابن ثابت الأنصاري عاش هو والثلاثة فوقه من آبائه كل (*)

[ 237 ]

وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد ومن أسمائه تعالى الرؤف الرحيم وهما بمعنى متقارب وسماه في كتابه بذلك فقال (بالمؤمنين رؤف رحيم) ومن أسمائه تعالى الحق المبين ومعنى الحق الموجود والمتحقق أمره وكذلك المبين أي البين أمره وإلهيته بان وأبان بمعنى واحد ويكون بمعنى المبين لعباده أمر دينهم ومعادهم وسمى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في كتابه فقال (حتى جاءهم الحق ورسول مبين). وقال (وقل إنى أنا النذير المبين) وقال (قد جاءكم الحق من ربكم) وقال (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم) قيل محمد وقيل القرآن ومعناه هنا ضد الباطل والمتحقق صدقه وأمره وهو بمعنى الأول والمبين البين أمره ورسالته أو المبين عن الله تعالى ما بعثه به كما قال تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم). ومن أسمائه تعالى النور ومعناه ذو النور أي خالقه أو منور السموات والأرض بالأنوار ومنور قلوب المؤمنين بالهداية وسماه نورا فقال (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) قيل محمد وقيل القرآن وقال فيه (وسراجا منيرا) سمى بذلك لوضوح أمره


واحد مائة وعشرين سنة وعاش حسان ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام وقد شاركه في العيش ستين في الجاهلية وستين في الإسلام حكيم بن حزام ولم يذكر ابن الصلاح غيرهما، وزيد عليه حويطب بن عبد العزى القرشى، وسعيد بن يربوع القرشى وحمنن - بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وفتح النون الأولى - بن عوف القرشى أخو عبد الرحمن بن عوف ومخرمة بن نوفل القرشى الزهري (قوله وشق له) بفتح الشين المعجمة. (*)

[ 238 ]

وبيان نبوته وتنوير قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به * ومن أسمائه تعالى الشهيد ومعناه العالم وقيل الشاهد على عباده يوم القيامة وسماه شهيدا وشاهدا فقال (إنا أرسلناك شاهدا) وقال (ويكون الرسول عليكم شهيدا) وهو بمعنى الأول * ومن أسمائه تعالى الكريم ومعناه الكثير الخير وقيل المفضل وقيل العفو قيل العلى وفى الحديث المروى في أسمائه تعالى الأكرم وسماه تعالى كريما بقوله (إنه لقول رسول كريم) قيل محمد وقيل جبريل وقال صلى الله عليه وسلم (أنا أكرم ولد آدم) ومعانى الاسم صحيحة في حقه صلى الله عليه وسلم * ومن أسمائه تعالى العظيم ومعناه الجليل الشأن الذى كل شئ دونه وقال في النبي صلى الله عليه وسلم (وإنك لعلى خلق عظيم) ووقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل وسيلد عظيما لأمة عظيمة فهو عظيم وعلى خلق عظيم) ومن أسمائه تعالى الجبار ومعناه المصلح وقيل القاهر وقيل العلى العظيم الشأن وقيل المتكبر وسمى النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب داود بجبار فقال: تقلد أيها الجبار سيفك فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك ومعناه في حق النبي صلى الله عليه وسلم إما لإصلاحه الأمة بالهداية والتعليم أو لقهره أعداءه أو لعلو منزلته على البشر وعظيم خطره ونفى عنه تعالى في القرآن جبرية التكبر التى لا تليق به فقال (وما أنت عليهم بجبار) ومن أسمائه تعالى الخبير ومعناه المطلع يكنه الشئ العالم بحقيقته وقيل معناه المخبر وقال الله تعالى (الرحمن

[ 239 ]

فاسأل به خبيرا) قال القاضى بكر بن العلاء المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله عليه وسلم والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم وقال غيره بل السائل النبي صلى الله عليه وسلم والمسؤول هو الله تعالى فالنبى خبير بالوجهين المذكورين قيل لأنه عالم على غاية من العلم بما أعلمه الله من مكنون علمه وعظيم معرفته مخبر لأمته بما أذن له في إعلامهم به ومن أسمائه تعالى الفتاح ومعناه الحاكم بين عباده أو فاتح أبواب الرزق والرحمة والمنغلق من أمورهم عليهم أو يفتح قلوبهم وبصائرهم بمعرفة الحق ويكون أيضا بمعنى الناصر كقوله تعالى (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر وقيل معناه مبتدئ الفتح والنصر وسمى الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالفاتح في حديث الإسراء الطويل من رواية الربيع بن أنس عن أبى العالية وغيره عن أبى هريرة رضى الله عنه وفيه من قوله الله تعالى وجعلتك فاتحا وخاتما وفيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم في ثنائه على ربه وتعديد مراتبه: ورفع لى ذكرى وجعلني فاتحا وخاتما، فيكون الفاتح هنا بمعنى الحاكم أو الفاتح لأبواب الرحمة على أمته والفاتح لبصائرهم بمعرفة الحق والإيمان بالله أو الناصر للحق أو المبتدى بهداية الأمة أو المبدى المقدم في الأنبياء والخاتم لهم كما قال صلى الله عليه وسلم (كنت أول الأنبياء في الخلق

[ 240 ]

وآخرهم في البعث. ومن أسمائه تعالى في الحديث الشكور ومعناه المشيب على العمل القليل وقيل المثنى على المطيعين ووصف بذلك نبيه نوحا عليه السلام فقال (إنه كان عبدا شكورا) وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بذلك فقال أفلا أكون عبدا شكورا أي معترفا بنعم ربى عارفا بقدر ذلك مثنيا عليه مجهدا نفسي في الزيادة من ذلك لقوله (لئن شكرتم لأزيدنكم). ومن أسمائه تعالى العليم والعلام وعالم الغيب والشهادة. ووصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعلم وخصه بمزية منه فقال (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وقال (ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) ومن أسمائه تعالى الأول والآخر ومعناهما السابق للأشياء قبل وجودها والباقى بعد فنائها وتحقيقه أنه ليس له أول ولا آخر وقال صلى الله عليه وسلم كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث وفسر بهذا قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) فقدم محمدا صلى الله عليه وسلم وقد أشار إلى نحو منه عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومنه قوله (نحن الآخرون السابقون) وقوله (أنا أول من تنشق الأرض عنه وأول من يدخل الجنة أول شافع وأول مشفع، وهو خاتم النبيين وآخر الرسل صلى الله عليه وسلم. ومن أسمائه تعالى القوى وذو القوة المتين ومعناه القادر وقد وصفه الله تعالى بذلك فقال (ذى قوة عند ذى العرش مكين) قيل محمد وقيل جبريل. ومن أسمائه

[ 241 ]

تعالى الصادق في الحديث المأثور وورد في الحديث أيضا اسمه صلى الله عليه وسلم بالصادق المصدوق * ومن أسمائه تعالى الولى والمولى ومعناهما الناصر وقد قال الله تعالى (إنما وليكم الله ورسوله) وقال صلى الله عليه وسلم (أنا ولى كل مؤمن) وقال الله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين) وقال صلى الله عليه وسلم (من كنت مولاه، فعلى مولاه، ومن أسمائه تعالى العفو ومعناه الصفوح وقد وصف الله تعالى بهذا نبيه في القرآن والتوراة وأمره بالعفو فقال (خذ العفو) وقال (فاعف عنهم واصفح) وقال له جبريل وقد سأله عن قوله (خذ العفو) قال أن تعفوا عمن ظلمك وقال في التوراة والإنجيل في الحديث المشهور في صفته: ليس بفظ ولا غليظ ولكن يعفو ويصفح. ومن أسمائه تعالى الهادى وهو معنى توفيق الله لمن أراد من عباده وبمعنى الدلالة والدعاء قال الله تعالى (والله يدعوا إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) وأصل الجميع من الميل وقيل من التقديم وقيل في تفسير طه إنه يا طاهر يا هادى يعنى النبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى له (وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) وقال فيه (وداعيا إلى الله بإذنه) فالله تعالى مختص بالمعنى الأول، قال الله تعالى (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء) وبمعنى الدلالة يطلق على غيره تعالى ومن أسمائه تعالى المؤمن المهيمن قيل هما بمعنى واحد فمعنى المؤمن في حقه تعالى المصدق وعده عباده والمصدق قوله الحق والمصدق لعباده (16 - 1)

[ 242 ]

المؤمنين ورسله وقيل الموحد نفسه وقيل المؤمن عباده في الدنيا من ظلمه والمؤمنين في الآخرة من عذابه وقيل المهيمن بمعنى الأمين مصغر منه فقلبت الهمزة هاء وقد قيل إن قولهم في الدعاء آمين إنه اسم من أسماء الله تعالى (ومعناه معنى المؤمن وقيل المهيمن بمعنى الشاهد والحافظ والنبى صلى الله عليه وسلم أمين ومهيمن ومؤمن وقد سماه الله تعالى أمينا فقال (مطاع ثم أمين) وكان صلى الله عليه وسلم يعرف بالأمين وشهر به قبل النبوة وبعدها وسماه العباس في شعره مهيمنا في قوله. ثم احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق قيل المراد يا أيها المهيمن، قاله القتيبى والإمام أبو القاسم القشيرى وقال تعالى (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) أي يصدق وقال صلى الله عليه وسلم (أنا أمنة لأصحابي) فهذا بمعنى المؤمن. ومن أسمائه تعالى القدوس ومعناه المنزه عن النقائص المطهر عن سمات الحدث وسمى بيت المقدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب ومنه الوادي المقدس وروح القدس ووقع في كتب الأنبياء في أسمائه صلى الله عليه وسلم المقدس أي


(قوله وقد قيل إن قولهم في الدعاء آمين إنه اسم من أسماء الله تعالى) قال النووي في التهذيب هذا لا يصح لأنه ليس في أسماء الله تعالى اسم مبنى ولا غير معرب وأيضا أسماء الله لا تثبت إلا بالقرآن أو السنة المتواترة وقد عدم الطريقان (قوله من خندف) بكسر الخاء المعجمة وقد تقدم (*)

[ 243 ]

المطهر من الذنوب كما قال تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أو الذى يتطهر به من الذنوب ويتنزه باتباعه عنها كما قال تعالى (ويزكيهم) وقال (ويخرجهم من الظلمات إلى النور) أو يكون مقدسا بمعنى مطهرا من الأخلاق الذميمة والأوصاف الدنيئة. ومن أسمائه تعالى العزيز ومعناه الممتنع الغالب أو الذى لا نظير له أو المعز لغيره وقال تعالى (ولله العزة ولرسوله) أي الامتناع وجلالة القدر وقد وصف الله تعالى نفسه بالبشارة والنذارة فقال (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان) وقال (إن الله يبشرك بيحيى * وبكلمة منه) وسماه الله تعالى مبشرا ونذيرا وبشيرا أي مبشرا لأهل طاعته ونذيرا لأهل معصيته ومن أسمائه تعالى فيما ذكره بعض المفسرين طه ويس وقد ذكر بعضهم أيضا أنهما من أسماء محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم. (فصل) قال القاضى أبو الفضل وفقه الله تعالى وها أنا أذكر نكته أذيل بها هذا الفصل وأختم بها هذا القسم وأزيح الإشكال بها فيما تقدم عن كل ضعيف الوهم سقيم الفهم تخلصه من مهاوى التشبيه وتزحزحه عن شبه التمويه وهو أن يعتقد أن الله تعالى جل اسمه


(قوله أذيل) بضم الهمزة وفتح الذال المعجمة وتشديد المثناة التحتية المكسورة (قوله وأزيح) بضم الهمزة وكسر الزاى وفى آخره حاء مهملة: أي أبعد (*)

[ 244 ]

في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعلى صفاته لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه به وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي: إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين إذ صفاتهم لا تنفك عن الأعراض والأغراض وهو تعالى منزه عن ذلك بل لم يزل بصفاته وأسمائه وكفى في هذا قوله (ليس كمثله شئ) ولله در من قال من العلماء والعارفين المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات، وزاد هذه النكتة الواسطي رحمه الله بيانا وهى مقصودنا فقال ليس كذاته ذات ولا كاسمه اسم ولا كفعله فعل ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ اللفظ وجلت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة كما استحال أن تكون للذات المحدثة صفة قديمة وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة رضى الله عنهم وقد فسر الإمام أبو القاسم القشيرى رحمه الله قوله هذا ليزيده بيانا فقال: هذه الحكاية تشتمل على جوامع مسائل التوحيد وكيف


(قوله وعلى صفاته) بضم العين المهملة وفتح اللام وفى بعض النسخ بفتح العين المهملة وكسر اللام وتشديد المثناة التحتية (قوله عن الأعراض والأغراض) كلاهما بالضاد المعجمة وأحدهما بالغين المعجمة والآخر بالمهملة (قوله ولله در) في الصحاح الدر اللبن يقال في الذم لا در دره أي لا كثر خيره وفى المدح لله دره أي علمه (*)

[ 245 ]

تشبه ذاته ذات المحدثات وهى بوجودها مستغنية وكيف يشبه فعله فعل الخلق وهو لغير جلب أنس أو دفع نقص حصل ولا بخواطر وأغراض وجد ولا بمباشرة ومعالجة ظهر وفعل الخلق لا يخرج عن هذه الوجوه، وقال آخر من مشايخنا: ما توهمتموه بأوهامكم أو أدركتموه بعقولكم فهو محدث مثلكم، وقال الإمام أبو المعالى: الجوينى: من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره فهو مشبه ومن اطمأن إلى النفى المحض فهو معطل وإن قطع بموجود اعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد، وما أحسن قول ذى النون المصرى: حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا علاج وصنعه لها بلا مزاج وعلة كل شئ صنعه ولا علة لصنعه وما تصور في وهمك فالله بخلافه، وهذا كلام عجيب نفيس محقق الفصل الآخر تفسير لقوله (ليس كمثله شئ) والثانى تفسير لقوله (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) والثالث تفسير لقوله (إنما قولنا لشئ إذا أردناه


(قوله ولا بخواطر وأغراض) بالغين المعجمة (قوله وقال أبو المعالى الجوينى) هو إمام الحرمين عبد الملك النيسابوري جاور مكة والمدينة أربع سنين فلذا قيل له إمام الحرمين ثم عاد إلى نيسابور، توفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (قوله ذى النون المصرى) هو الزاهد العارف اسمه يونان بن إبراهيم الإخميمى كان أبوه نونيا توفى سنة خمس وأربعين ومائتين (قوله والفصل الآخر) هو قوله وما يصور في وهمك والثانى قوله وعلة كل شئ صنعه ولا علة والثالث قوله أن يعلم أن قدر الله في الأشياء بلا علاج وصنعه بلا مزاج (*)

[ 246 ]

أن نقول له كن فيكون) ثبتنا الله وإياك على التوحيد والإثبات والتنزيه وجنبنا طرفي الضلالة والغواية من التعطيل والتشبيه بمنه ورحمته. الباب الرابع ففيما أظهره الله تعالى على يديه من المعجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات قال القاضى أبو الفضل: حسب المتأمل أن يحقق أن كتابنا هذا لم نجمعه لمنكر نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولا لطاعن في معجزاته فنحتاج إلى نصب البراهين عليها وتحصين حوزتها حتى لا يتوصل المطاعن إليها وتذكر شروط المعجز والتحدى وحده وفساد قول من أبطل نسخ الشرائع ورده، بل ألفناه لأهل ملته الملبين لدعوته المصدقين لنبوته ليكون تأكيدا في محبتهم له ومنماة لأعمالهم وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، ونيتنا أن نثبت في هذا الباب أمهات معجزاته ومشاهير آياته لتدل على عظيم قدره عند ربه وأتينا منها بالمحقق والصحيح الإسناد وأكثره مما بلغ القطع أو كاد وأضفنا إليها بعض ما وقع في مشاهير كتب الأئمة، وإذا تأمل المتأمل


(قوله حوزتها) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها زاى (قوله والتحدى) يفتح المثناة الفوقية وفتح الحاء وتشديد الدال المهملتين هو طلب المعارضة. (*)

[ 247 ]

المنصف ما قدمناه من جميل أثره وحميد سيره وبراعة علمه ورجاحة عقله وحلمه وجملة كماله وجميع خصاله وشاهد حاله وصواب مقاله لم يمتر في صحة نبوته وصدق دعوته وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به فروينا عن الترمذي وابن قانع وغيرهما بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، حدثنا به القاضى الشهيد أبو على رحمه الله قال حدثنا أبو الحسين الصيرفى وأبو الفضل بن خيرون عن أبى يعلى البغدادي عن أبى على السنجى عن ابن محبوب عن الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب الثقفى ومحمد بن جعفر وابن أبى عدى ويحيى بن سعيد عن عوف بن أبى جميلة الأعرابي عن زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام الحديث، وعن أبى رمثة التيمى: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعى ابن لى فأريته فلما رأيته قلت هذا نبى الله، وروى مسلم وغيره أن ضمادا لما وفد عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا


(قوله ابن أبى جميلة) بالجيم المفتوحة (قوله أبى رمثة) بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة، والرمث ضرب من النبات (قوله ضماد) بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الميم وفى آخره دال مهملة هو ابن ثعلبة الأزدي أزد شنوءة كان صديقا للنبى صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، أسلم أول الإسلام وكان يتطيب ويرقى ويطلب العلم (قوله أن الحمد لله) بفتح الهمزة وكسر النون المخففة لا لتقاء الساكنين. (*)

[ 248 ]

مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال له أعد على كلماتك هؤلاء فلقد بلغان قاموسي البحر هات يدك أبايعك) وقال جامع بن شداد كان رجل منا يقال له طارق فأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال هل معكم شئ تييعونه قلنا هذا البعير قال بكم قلنا بكذا وكذا وسقا من تمر فأخذ بخطامه وسار إلى المدينة فقلنا بعنا من رجل لا ندرى من هو ومعنا ظعينة فقالت أنا ضامنة لثمن البعير رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر لا يخيس بكم فأصبحنا فجاء رجل بتمر فقال أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا، وفى خبر الجلندى ملك عمان لما بلغه أن رسول الله صلى الله


(قوله قاموس البحر) بالقاف والميم قال ابن قرقول عند السجزى قاموس البحر وعند العذري قاعوس البحر وذكره الدمشقي قاموس البحر وهو الذى يعرفه أهل اللغة ورواه أبو داود قاموس أو قابوس على الشك في الميم والباء قال والمعول من هذا كله على قاموس أو قاعوس وقال أبو عبيدة قاموس البحر وسطه وقال أبو الحسين بن سراج: قاعوس البحر الصحيح كأنه من القصس وهو دخول الظهر وتعمقه أي إن كلماتك بلغت عمقه ولجته الداخلة (قوله هات) بكسر المثناة الفوقية (قوله ظعينة) أي امرأة وأصله الهودج الذى يكون فيه المرأة ثم سميت به المرأة قيل ولا يقال للمرأة ظعينة إلا إذا كانت راكبة (قوله لا يخيس) بالخاء المعجمة مضارع خاس أي غدر، ويقال أيضا يخوس (قوله الجلندى) بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون بعدها دال مهملة، في الصحاح جلندا بضم الجيم مقصورا اسم ملك عمان بضم العين وتخفيف الميم، وفى القاموس وجلندى بضم أوله اسم ملك عمان ووهم الجوهرى فقصره. (*)

[ 249 ]

عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام قال الجلندى والله لقد دلنى على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ولا ينهى عن شئ إلا كان أول تارك له وأنه يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر ويفى بالعهد وينجز الموعود وأشهد أنه نبى وقال نفطويه في قوله تعالى (يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار) هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول يكاد منظره يدل على نبوته وإن لم يتل قرآنا كما قال ابن رواحة لو لم تكن فيه آيات مبينة * لكان منظره ينبيك بالخبر وقد آن أن نأخذ في ذكر النبوة والوحى والرسالة وبعده في معجزة القرآن وما فيه من برهان ودلالة. (فصل) اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده والعلم بذاته وأسمائه وصفاته وجيمع تكليفاته ابتداء دون واسطة لو شاء كما حكى عن سنته في بعض الأنبياء وذكر بعض أهل التفسير في قوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) وجائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم كلامه وتكون تلك الواسطة إما من غرى البشر كالملائكة مع الأنبياء أو من جنسهم كالأنبياء مع الأمم ولا مانع لهذا من دليل العقل وإذا جاز هذا ولم يستحل وجاءت الرسل بما دل على صدقهم من معجزاتهم وجب نصديقهم في جميع ما أتوا به لأن المعجز مع التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم

[ 250 ]

قائم مقام قول الله صدق عبدى فأطيعوه واتبعوه وشاهد على صدقه فيما يقوله وهذا كاف والتطويل فيه خارج عن الغرض فمن أراد تتبعه وجده مستوفى في مصنفات أئمتنا رحمهم الله فالنبوة في لعة من همز مأخودة من النبأ وهو الخبر وقد لا يهمز على هذا التأويل تسهيلا والمعنى أن الله تعالى أطلعه على غيبه وأسلمه أنه نبيه فيكون نبى منبأ فعيل بمعنى مفعول أو يكون مخبرا عما بعثه الله تعالى به ومنبئا بما أطلعه الله عليه فعيل بمعنى فاعل ويكون عند من لم يهمزه من النبوة وهو ما ارتفع من الأرض معناه أن له رتبة شريفة ومكانه نبيهة عند مولاه منيفة قالو صفان في حقه مؤتلفان وأما الرسول فهو المرسل ولم يأت فعول بمعنى مفعل في اللغة إلا نادرا وإرساله أمر الله له بالإبلاغ إلى من أرسله إليه واشتقاقه من التتابع ومنه قولهم جاء الناس أرسالا إذا تبع بعضهم بعضا فكأنه ألزم تكرير التبليغ أو ألزمت الأمة اتباعه واختلف العلماء هل النبي والرسول بمعنى أو بمعنيين فقيل هما سواء وأصله من الأنباء وهو الإعلام واستدلوا بقوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى) فقد أثبت لهما الإرسال معا، قال ولا يكون النبي إلا رسولا ولا الرسول إلا نبيا وقيل هما مفترقان من وجه إذ قد اجتمعا في النبوة التى هي الإطلاع على الغيب والأعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها وافترقا في زيادة الرسالة للرسول وهو الأمر بالإنذار والإعلام

[ 251 ]

كما قلنا وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين ولو كانا شيئا واحدا لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ قالوا والمعنى وما أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبى وليس بمرسل إلى أحد وقد ذهب بعضهم إلى أن الرسول من جاء بشرع مبتدإ ومن لم يأت به نبى غير رسول وإن أمر بالإبلاغ والإنذار والصحيح والذى عليه الجماء الغفير أن كل رسول نبى وليس كل نبى رسولا وأول الرسل آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وفى حديث أبى ذر رضى الله عنه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبى وذكر أن رسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم عليه السلام، فقد بان لك معنى النبوة والرسالة وليستا عند المحققين ذاتا للنبى ولا وصف ذات خلافا للكرامية في تطويل لهم وتهويل ليس عليه تعويل وأما


(قوله الجماء الغفير) في الصحاح قولهم جاؤا جما غفيرا والجماء الغفير وجماء الغفير بالمد في الجماء أي جاؤا بجماعتهم الشريف والوضيع ولم يتخلف أحد منهم وكان فيهم كثرة (قوله الكرامية) نسبه إلى محمد بن كرام بفتح الكاف وتشديد الراء كذا قيده ابن ماكولا والسمعاني وغير واحد وهو الجارى على الألسنة وأنكره محمد بن الهيضم وغيره من الكرامية وحكى فيه ابن الهيضم وجهين أحدهما التخفيف وفتح الكاف وذكر أنه المعروف في ألسنة مشايخهم وزعم أنه بمعنى كريم أو بمعنى كرامة والثانى التخفيف وكسر الكاف على لفظ جمع كريم وحكى هذا عن أهل سجستان قال ابن الصلاح ولا يعول على الأول وهو ما رواه السمعاني في الأنساب قال وكان والده يحفظ الكرم فقيل له كرام قال الذهبي وفيما قاله السمعاني نظر فإن كلمة كرام علم على والد محد سواء (*)

[ 252 ]

الوحى فأصله الإسراع فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بعجل سمى وحيا وسميت أنواع الإلهامات وحيا تشبيها بالوحى إلى النبي وسمى الخط وحيا لسرعة حركة يد كاتبه ووحى الحاجب واللحظ سرعة إشراتهما ومنه قوله تعالى (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) أي أومأ ورمز وقيل كتب ومنه قولهم الوحا الوحا أي السرعة السرعة وقيل أصل الوحى السر والإخفاء ومنه سمى الألهام وحيا ومنه قوله تعالى (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) أي يوسوسون في صدورهم ومنه قوله (وأوحينا إلى أم موسى) أي ألقى في قلبها وقد قيل ذلك في قوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة. (فصل) اعلم أن معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها وهى على ضربين ضرب هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عنه فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق نبيه كصرفهم عن تمنى الموت وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن


عمل في الكرم أو لم يعمل، وأقول هذا لا يضر السمعاني لجواز أن يكون صار علما عليه بالغلبة لعمله في الكرم وهو صبى وهجر ما وضع علما عليه بعيد الولادة وكان ابن كرام سجن بنيسابور ثمانية أعوام لأجل بدعته ثم أخرج فسار إلى بيت المقدس ومات بالشام في صفر سنة خمس وخمسين ومائتين (قوله الوحا) بفتح الواو والحاء المهملة في الصحاح والوحا السرعة تمد وتقصر، ويقال الوحا الوحا بمعنى البدار (*)

[ 253 ]

على رأى بعضهم ونحوه وضرب هو خارج عن قدرتهم فلم يقدروا على الإتيان بمثله كإحياء الموتى وقلب العصا حية وإخراج ناقة من صخرة وكلام شجرة ونبع الماء من الأصابع وانشقاق القمر مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله فيكون ذلك على يد النبي صلى الله عليه وسلم من فعل الله تعالى وتحديه من يكذبه أن يأتي بمثله تعجيز له. واعلم أن المعجزات التى ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا وهو أكثر الرسل معجزة وأبهرهم آية وأظهرهم برهانا كما سنبينه وهى في كثرتها لا يحيط بها ضبط فإن واحدا منها وهو القرآن لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه فعجز عنها، قال أهل العلم وأقصر السور (إنا أعطيناك الكوثر) فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة ثم فيها نفسها معجزات على ما سنفصله فيما انطوى عليه من المعجزات ثم معجزاته صلى الله عليه وسلم على قسمين قسم منها علم قطعا ونقل إلينا متواتر كالقرآن فلا مرية ولا خلاف بمجئ النبي به وظهوره من قبله واستدلاله بحجته وإن أنكر هذا معاند جاحد فهو كإنكاره وجود محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا وإنما جاء اعتراض الجاحدين في الحجة به فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة ووجه إعجازه معلوم ضرورة ونظرا كما سنشرحه، قال بعض أئمتنا (*)

[ 254 ]

ويجرى هذا المجرى على الجملة أنه قد جرى على يديه صلى الله عليه وسلم آيات وخوارق عادات إن لم يبلغا واحد منها معينا القطع فيبلغها جميعها فلا مرية في جريان معانيها على يديه ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه جرت على يديه عجائب وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله وقد قدمنا كونها من قبل الله وأن ذلك بمثابة قوله صدقت فقد علم وقوع مثل هذا أيضا من نبينا ضرورة لا نفاق معانيها كما يعلم ضرورة جود حاتم وشجاعة عنترة وحلم أحنف لإتفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم هذا وشجاعة هذا وحلم هذا وإن كان كل خبر بنفسه لا يوجب العلم ولا يقطع بصحته والقسم الثاني ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع وهو على نوعين نوع مشتهر منتشر رواه العدد وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة ونقلة السير والإخبار كنبع الماء من بين الأصابع وتكثير الطعام ونوع منه اختص به الواحد والاثنان ورواه العدد اليسير ولم يشتهر اشتهار غيره لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى وأجتمعا على الإتيان بالمعجز


(قوله حاتم) هو والد عدى بن حاتم هلك عن كفره وقدم ابنه عدى سنة تسع في شعبان وكان نصرانيا فأسلم (قوله عنترة) هو ابن معاوية بن شداد العبسى كان شديد السواد وأما زبيبة كانت أمه سوداء لأبيه، كان من أشهر فرسان العرب وأشدهم بأسا (قوله الأحنف) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النون بعدها فاء هو ابن قيس أبو بحر التميمي اسمه الضحاك وقيل صخر، أسلم في زمنه عليه السلام ودعا له عليه السلام ولم تتفق له رواية (*)

[ 255 ]

كما قدمناه قال القاضى أبو الفضل وأنا أقول صدعا بالحق إن كثيرا من هذه الآيات المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم معلومة بالقطع أما انشقاق القمر قالقرآن نص بوقوعه وأحبر عن وجوده ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل وجاء برفع إحتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة ولا يوهن عزمنا خلاف أحرق منحل عرى الدين ولا يلتفت الى سخافة مبتدع يلقى الشك على قلوب ضعفاء للمؤمنين بل نرغم بهذا أنفه ونئبذ بالعراء سخفه وكذلك قصة نبع الماء ونكثير الطعام رواها الثقات والعدد الكثير عن الجماء الغفير عن العدد الكثير من الصحابة ومنها ما رواه الكافة عن الكافة متصلا عمن حدث بها من جملة الصحابة وأخيارهم أن ذلك كان في موطن اجتماع الكثير منهم في يوم الخندق وفى غزوة بواط وعمرة الحديبية وغزوة تبوك وأمثالها من


(قوله أخرق) بالخاء المعجمة ضد الرفيق (قوله سخافة) بفتح السين المهملة والخاء المعجمة المخففة، يقال سخف الرجال بالضم سخفا وسخافة أي رق عقله (قوله نرغم) بضم أوله يقال أرغم الله أنفه ألصقه بالرغام بفتح الراء وهو التراب (قوله العراء) بفتح العين المهمة وتخفيف الراء والمد هو الفضاء لاستر به (قوله سخفه) بضم السين المهملة (قوله في يوم الخندق) قال ابن اسحاق كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس وقال أبو سعيد في ذى القعدة وقال ابن عقبة سنة أربع (قوله بواط) بظم الموحدة وتخفيف الواو وفى آخره طاء مهملة جبل من جبال جهينة (قوله عمرة الحديبية) كانت في السنة السادسة سن الهجرة خرج لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة وقال ابن سعد خرج إليها يوم الاثنين بهلال ذى القعدة (قوله وغزوة تبوك) كانت في السنة التاسعة (*)

[ 256 ]

محافل المسلمين ومجمع العساكر ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوى فيما حكاه ولا إنكار عما ذكر عنهم أنهم رأوه، كما رواه فسكوت الساكت منهم كنطق، الناطق، إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل والمداهنة في كذب وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم ولو كان ما سمعوه منكرا عندهم وغير معروف لديهم لأنكروه كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رواها من السنن والسير وحروف القرآن وخطأ بعضهم بعضا ووهمه في ذلك مما هو معلوم فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من معجزاته لما بيناه وأيضا فإن أمثال الأخبار التى لا أصل لها وبنيت على باطل لابد مع مرور الأزمان وتداول الناس وأهل البحث من انكشاف ضعفها وخمول ذكرها كما يشاهد في كثير من الأخبار الكاذبة والأراجيف الطارئة وأعلام نبينا صلى الله عليه وسلم هذه الواردة من طريق الآحاد لا تزداد مع مرور الزمان إلا ظهورا ومع تداول الفرق وكثرة طعن العدو وحرصه على توهينها وتضعيف أصلها وإجهاد الملحد على إطفاء نورها إلا قوة وقبولا ولا للطاعن عليها إلا حسرة وغليلا وكذلك إخباره عن الغيوب وإنباؤه بما يكون وكان، معلوم من آياته على الجملة بالضرورة وهذا حق لا غطاء عليه وقد قال به من أئمتنا القاضى والأستاذ أبو بكر وغيرهما رحمهم الله وما عندي أوجب قول القائل.


(قوله يلحق) بفتح أوله (قوله وإخباره عن العيوب) بكسر الهمزة (*)

[ 257 ]

إن هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إلا قلة مطالعته للأخبار وروايتها وشغله بغير ذلك من المعارف وإلا فمن اعتنى بطرق النقل وطالع الأحاديث والسير لم يرتب في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذى ذكرناه ولا يبعد أن يحصل العلم بالتواتر عند واحد ولا يحصل عند آخر فإن أكثر الناس يعلمون بالخبر كون بغداد موجودة وأنها مدينة عظيمة ودار الإمامة والخلافة وآخاد من الناس لا يعلمون اسمها فضلا عن وصفها وهكذا يعلم الفقهاء من أصحاب مالك بالضرورة وتواتر النقل عنه أن مذهبه إيجاب قراءة أم القرآن في الصلاة للمنفرد والإمام وإجزاء السية في أول ليلة من رمضان عما سواه وأن الشعافعى يرى تجديد النية كل ليلة والاقتصار في المسح على بعض الرأس وأن مذهبهما القصاص في القتل بالمحدد وغيره وإيجاب النية في الوضوء واشتراط الولى في النكاح وأن أبا حنيفة يخالفهما في هذه المسائل وغيرهم ممن لم يشتغل بمذاهبهم ولا روى أقوالهم لا يعرف هذا من مذاهبهم فضلا عمن سواه وعند ذكرنا آحاد هذه المعجزات نزيد الكلام فيها ببانا إن شاء الله تعالى.


(قوله بغداد) يجوز في داليه الإعجام والإهمال، قال صاحب القاموس بغداد بمهلتين ومعجمتين وتقديم كل منهما وبغدان وبغدين ومغدان مدينة دار السلام وهى عمرت في زمن أبى جعفر المنصور العباسي أخى السفاح سنة خمس وأربعين ومائة وكانت قبل ذلك مبقلة وسبب تسميتها بغداد أن كسرى أقطعها لخصى له وكان ذلك الخصى يعبد صنما في الشرق يقال له بعد فسماها ذلك الخصى بغدادا أي عطية ذلك الصنم (*)

[ 258 ]

فصل في إعجاز القرآن اعلم وفقنا الله وإياك أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة وتحصيلها من جهة ضبط أواعها في أربعة وجوه: أولها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته لخارقة عادة العرب وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشان وفرسان الكلام قد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقه وفيهم غريزة وقوة يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب فيخطبون بديها في المقامات وشديد الخطب ويرتجزون به بين الطعن والضرب ويمدحون ويقدحون ويتوسلون ويتوصلون ويرفعون ويضعون فيأتون من ذلك بالسحر الحلال ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللال فيخدعون الألباب ويذللون الصعاب ويذهبون الإحن ويهجون الدمن ويجرؤن الجبان ويبسطون يد الجعد


(قوله ذرابة اللسان) بفتح الذال المعجمة والراء المخففة والباء الموحدة أي حذقه (قوله يقيد) بمثناة تحية مضمومة وقاف مفتوحة بعدها مثناة تحتية مشددة مكسورة (قوله ويدلون) بضم أوله وسكون ثانيه (قوله ويطوقون) بضم أوله وتشديد الواو المكسورة بعدها قاف (قوله من سمط) بكسر السين المهملة، في الصحاح: الخيط مادام فيه الخزف سمط وإلا فهو سلك (قوله الإحن) بكسر الهمزة وفتح المهملة جمع إحنة بكسر الهمزة وسكون المهملة وهى الحقد (قوله ويهيجون) بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه مشدد ويجوز فتح أوله وكسر ثانيه وسكون ثالثه يقال هاج الشئ وهاجه غيره وهيجته وهاجه (قوله والدمن) بكسر المهملة وفتح الميم جمع دمنة بكسرها وسكون الميم وهى الحقد (قوله الجعد البنان) الجعد بفتح الجيم وسكون العين (*)

[ 259 ]

البنان ويصيورن الناقص كاملا ويتركون النبيه خاملا منهم البدوى ذو اللفظ الجزل والقول المصل والكلام الفخم والطبع الجوهرى والمنزع القوى ومنهم الحصرى ذو البلاغة البارعة والألفاظ الناطعة والكلمات الجامعة والطبع السهل والتصرف في القول القليل الكلفة الكثير الرونق الرقيق الحاشية وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة والقوة الدامغة والقدح الفالج والمهيع الناهج لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم والبلاغة ملك فيادهم قد حووا فنونها واستنبطوا عيوبها ودخلوا من كل باب من أبوابها وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها فقالوا في الخطير والمهين وتفننوا في الغث والسمين وتقاولوا في القل والكثر وتساجلوا في النظم والنثر


المهملة، في الصحاح يقال الكريم من الرجال جعد، فأما إذا قيل فلان جعد اليدين أو جعد الأنامل فهو البخيل وربما لم يذكروا معه اليد، والبنان بفتح الموحدة وتخفيف النون أطراف الأصابع جمع بنانة (قوله النبيه) هو خلاف الخامل (قوله الجزل) بفتح الجيم وسكون الزاى خلاف الركيك (قوله والقول الفصل) بالصاد المهملة بمعنى المفصول أي الذى يتبينه من يخاطب به ولا يلتبس عليه أو بمعنى الفاصل أي الذى يفصل بين الحق والباطل والصواب والخطأ (قوله الناصعة) بالنون والصاد والعين المهملتين أي الخالصة (قوله والقدح الفالج) القدح بكسر القاف وسكون الدال بعدها حاء مهملة: السهم قبل أن يراش ويجعل فيه نصل والفالج بالفاء واللام المكسورة والجيم: الفائز - بالزاى (قوله المهيع) بفتح الميم وسكون الخاء وفتح المثناة التحتية: الطريق، والناهج - بالنون: السالك (قوله صرحا) الصرح القصر وكل بناء عال (قوله في الغث) بفتح الغين المعجمة بعدها مثلثة مشددة أي المهزول (قوله في القل والكثر بضم أول كل منهما (قوله وتسالجوا) بالسين المهملة والجيم أي تفاخروا والمساجلة المفاخرة بأن يصنع مثل صنيعه في جرى أو سقى وأصله من السجل وهو الدلو، ومنه قولهم الحرب سجال، كذا في الصحاح (*)

[ 260 ]

فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أحكمت آياته وفصلت كلماته وبهرت بلاغته العقول وظهرت فصاحته على كل مقول وتظافر إيجازه وإعجازه وتظاهرت حقيقته ومجازه وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه واعتدل مع إيجازه حسن نظمه وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا وأشهر في الخطابة رجالا وأكثر في السجع والشعر سجالا وأوسع في الغريب واللغة مقالا بلغتهم التى بها يتحاورون ومنازعهم التى عنها يتناضلون صارخا بهم في كل حين ومقرعا لهم بعضا وعشرين عاما على رؤس الملإ أجمعين (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) إلى قوله (ولن تفعلوا) و (قل لئن اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) الآية و (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) وذلك أن المفترى


(قوله راعهم) أي أفزعهم (قوله وتبارت) بمثناة فوقية فموحدة، في الصحاح فلان يبارى فلانا أي يعارضه (قوله في السجع) بالسين المهملة يحتمل أن تكون مصدرا وهو توافق الألفاظ الواقعة في أواخر الفقر وأن يكون جمع سجعة وهى الكلمة الأخيرة من الفقرة بإعتبار كونها موافقة للكلمة الأخيرة من الفقرة الأخرى وهى في الأصل هدير الحمام ونحوها (قوله بضعا) بكسر الموحدة وفتحها (قوله المفترى) بفتح الراء والمختلق بفتح اللام (*)

[ 261 ]

أسهل ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب واللفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب ولهذا قيل فلان يكتب كما يقال له وفلان يكتب كما يريد وللأول على الثاني فضل وبينهما شأو بعيد فلم يزل يقرعهم صلى الله عليه وسلم أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم ويشتت نظامهم ويذم آلهتهم وإياهم ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته محجمون عن مماثلته يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب والإغراء بالافتراء وقولهم: إن هذا إلا قول البشر، إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر وإفك افتراه، وأساطير الأولين. والمباهنة والرضى بالدنيئة كقولهم قلوبنا غلف، وفى أكة مما تدعونا إليه وفى آداننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب: ولا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون. والإدعاء مع العجز بقولهم (لو نشاء لقلنا مثل هذا) وقد قال لهم الله (ولن تفعلوا) فما فعلوا ولا قدروا ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عوارة لجميعهم وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ولا جنس بلاغتهم بل ولوا عنه مدبرين وأتوا مذعنين من بين مهتدى وبين مفتون


(قوله محجمون) بسكون المهملة وكسر الجيم أي متأخرون (قوله بالدنيئة) بالهمزة وقد تسهل أي الخصلة الخبيثة يقال دنأ دنوءا خبث فعله ولؤم قوله (قوله عواره) في الصحاح العوار العيب، يقال سلعة ذات عوار بفتح العين وقد تضم عند أبى زيد. انتهى وعن ديوان الأدب إن الضم أفصح (*)

[ 262 ]

ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية قال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر ما يقول هذا بشر، وذكر أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ (فاصدع بما تؤمر) فسجد وقال سجدت لفصاحته، وسمع آخر رجلا يقرأ (فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا فقال أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام وحكى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يوما نائما في المسجد فإذا هو بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق فاستخبره فأعلمه أنه من بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها وأنه سمع رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع فيها ما أنزل الله على عيسى


(قوله الوليد بن المغيرة) وكذا رواه البيهقى في الشعب في حديث ابن عباس وذكره ابن اسحاق في السيرة وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب من غير إسناد والغزالي في الإحياء في أدب تلاوة القرآن أن خالد بن عقبة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث (قوله لطلاوة) بضم الطاء المهملة وفتحها أي لحسنا وقبولا (قوله وإن أسفله لمغدق) لفظ ابن اسحاق وإن أصله لعذق بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة، والعذق النخلة بحملها ولفظ ابن هشام: لغدق بفتح الغين المعجمة وكسر الدال المهملة من الغدق وهو الماء الكثير قال السهيلي ورواية ابن اسحاق أفصح لأن بها آخر الكلام يشبه أوله (قوله وذكر أبو عبيد) هو الإمام الحافظ القاسم بن سلام بتشديد اللام البغدادي أخذ عن الشافعي الفقيه كان أبوه سلام عبدا روميا لرجل من أهل هراة روى عنه ابن أبى الدنيا وغيره. توفى سنة أربع وعشرين ومائتين (قوله من بطارقة) بفتح الموحدة جمع بطريق بكسرها قال ابن الجواليقى هو بلغه الروم القائد أي مقدم الجيوش وأميرها (*)

[ 263 ]

ابن مريم من أحوال الدنيا والآخره وهى قوله (ومن يطع الله ورسوله ويحش الله ويتقه) الآية، وحكى الأصمعى أنه سمع كلام جارية فقام لها: قاتلك الله ما أفصحك ؟ فقالت أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) الآية فجمع في الآية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته غير مضاف إلى غيره على التحقيق والصحيح من القولين وكون القرآن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أتى به معلوم ضرورة وكونه صلى الله عليه وسلم متحديا به معلوم ضرورة وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ووجوه البلاغة وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز المنكرين من أهلها عن معارضته واعتراف المقرين بإعجاز بلاغته وأنت إذا تأملت قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) وقوله (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب) وقوله (ادفع بالتى هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) وقوله: (وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعى) الآية، وقوله (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا) الآية وأشباهها من الآى بل أكثر القرآن حققت ما بينته من إيجاز


(قوله وحكى الأصمعى) هو عبد الملك بن قريب - بضم القاف وفتح الراء - ابن أصمع ولد سنة ثلاث وعشرين ومائة وتوفى سنة ست وعشرة ومائتين (*)

[ 264 ]

ألفاظها وكثرة معانيها وديباجة عبارتها وحسن تأليف حروفها وتلاؤم كلمها وأن تحت كل لفظة منها جملا كثيرة وفصولا جمة وعلوما زواخر ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها وكثرت المقالات في المستنبطات عنها ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون السوالف التى يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام ويذهب ماء البيان آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض والتئام سرده وتناصف وجوهه كقصة يوسف على طولها ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددها حتى تكاد كل واحدة تنسى في البيان صاحبتها وتناصف في الحسن وجه مقابلتها ولا نفور للنفوس من ترديدها ولا معاداة لمعادها. (فصل) الوجه الثاني من إعجازه صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذى جاء عليه ووقفت مقاطع آيه وانتهت فواصل كلمات إليه ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ولا استطاع أحد مماثلة شئ منه بل حارت فيه عقولهم وتدلهت دونه أحلامهم ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر ولما سمع كلامه صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة وقرأ عليه القرآن رق فجاءه أبو جهل منكرا عليه قال والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار منى والله ما يشبه الذى يقول شيئا من هذا، وفى خبره الآخر حين جمع قريشا عند حضور


(قوله وتدلهت) بفتح الدال المهملة واللام المشددة من التدلى، وهو ذهاب العقل من الهوى (*)

[ 265 ]

الموسم وقال إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا فقالوا نقول كاهن قال والله ما هو بكاهن ما هو بزمزمته ولا سجعه قالوا مجنون قال ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته قالوا فنقول شاعر قال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه ما هو بشاعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده قالوا: فما نقول قال ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل وإن أقرب القول أنه ساحر فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه والمرء وأخيه والمرء وزوجه والمرء وعشيرته فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس فأنزل الله تعالى في الوليد (ذرنى ومن خلقت وحيدا) الآيات وقال عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن: يا قوم قد علمتم أنى لم أترك شيئا إلا وقد علمته وقرأته وقلته والله لقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وقال النضر بن الحارث نحوه وفى حديث إسلام أبى ذر


(قوله ما هو بزمزمته) الزمزمة صوت خفى لا يكاد يفهم (قوله ولا بخنقه) في الصحاح الخنق بكسر النون مصدر خنقه يخنقه وفى مطالع ابن قرقول أنه بفتح النون وإسكانها (قوله ولا نفثه ولا عقده) كان الساحر يعقد خيطا ثم ينفث عليه (قوله ولا بالكهانة) الكاهن الذى يخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعى معرفه الأسرار ويزعم أن له تابعا من الجن وراميا يلقى إليه الأخبار وأما من يزعم أنه يعرف الأمور بأسباب يستدل بها من كلم من سأله أو فعله أو حاله مثل أن يدعى معرفة الشئ المسروق ومكان الضالة فهذا يخصونه باسم العراف (*)

[ 266 ]

ووصف أخاه أنيسا فقال والله ما سمعت بأشعر من أخى أنيس لقد ناقض اثنى عشر شاعرا في الجاهلية أنا أحدهم وأنه انطلق إلى مكة وجاء إلى أبى ذر بخبر النبي صلى الله عليه وسلم قلت فما يقول الناس قال يقولون شاعر كاهن ساحر لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم وما يلتئم على لسان أحد بعدى أنه شعر وإنه لصادق وإنهم لكاذبون، والأخبار في هذا صحيحة كثيرة والإعجاز بكل واحد من النوعين الإيجاز والبلاغة بذاتها والأسلوب الغريب بذاته كل واحد منهما نوع إعجاز على التحقيق لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما إذ كل واحد خارج عن قدرتها مباين لفصاحتها وكلامها، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين وذهب بعض المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب وأتى على ذلك بقول تمجه الأسماع وتنفر منه القلوب والصحيح ما قدمناه والعلم بهذا كله ضرورة وقطعا ومن تفنن في علوم البلاغة وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلنا وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه فأكثرهم يقول إنه مما جمع في قوة جزالته ونصاعة ألفاظه وحسن نظمه وإيجازه وبديع تأليفهم وأسلوبه لا يصح أن يكون في


(قوله ناقض) بالضاد المعجمة على وزن فاعل من نقض البناء أي هدمه (قوله أقراء الشعر) بفتح الهمزة وسكون القاف والمد أي طرقه وأنواعه قاله الهروي (قوله وأرهف) أي رفق (*)

[ 267 ]

مقدور البشر وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن اقدار الخلق عليها كإحياء الموتى وقلب العصا وتسبيح الحصا وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أنه مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ويقدرهم الله عليه ولكنه لم يكن هذا ولا يكون فمنعهم الله هذا وعجزهم عنه وقال به جماعة من أصحابه وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع وهو أبلغ في التعجيز وأحرى بالتقريع والاحتاج بمجئ بشر مثلهم بشئ ليس من قدرة البشر لازم وهو أبهر آية وأقمع دلالة وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال بل صبروا على الجلاء والقتل وتجرعوا كاسات الصغار والذل وكانوا من شموخ الأنف وإباءة الضيم بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارا ولا يرضونه إلا اضطرارا وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم والشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم وهم ممن لهم قدرة على الكلام وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام وما منهم إلا من جهد جهده واستنفذ ما عنده في إخفاء ظهوره وإطفاء نوره فما جلا في ذلك خبيثة من بنات شفاههم ولا أتوا بنطفة من معين مياههم * (هامش) قوله على الجلاء) بفتح الجيم والمد: أي الخروج من البلد (قوله الأنف) بهمزة ونون مضمومتين جمع أنف بفتح الهمزة وسكون النون (قوله من قدرهم) بضم القاف وفتح الدال جمع قدرة (قوله بنطفة) بالطاء المهملة والفاء أي بشئ يسير (*)

[ 268 ]

مع طول الأمد وكثرة العدد وتظاهر الوالد وما ولد بل أبلسوا فما نبسوا ومنعوا فانقطعوا فهذان النوعان من إعجازه. (فصل) الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الأخبار بالمغيبات وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذى أخبر كقوله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) وقوله تعالى (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) وقوله (ليظهره عليه الدين كله) وقوله (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) الآية وقوله (إذا جاء نصر الله والفتح) إلى آخرها فكان جميع هذا كما قال فغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخل الناس في الإسلام أفواجا فما مات صلى الله عليه وسلم وفى بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام واستخلف الله المؤمنين في الأرض ومكن فيها دينهم وملكهم إياها من أقصى المشار إلى أقصى المغارب كما قال صلى الله عليه وسلم ذويت لى الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما روى لى منها وقوله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) لكان كذلك لا يكاد يعد من سعى في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة والمعطلة لا سيما القرامطة فأجمعوا كيدهم وحولهم وقوتهم اليوم نيفا


(قوله نبسوا) بنون وموحدة مخففة ومشددة مفتوحتين وسين مهملة في الصحاح يا نبس بكلمة أي ما تكلم (قوله زويت) بالزاى المضمومة أي جمعت (قوله لقرامطة) هم أتباع حمدان القرمطى (قوله نيفا) النيف بفتح النون وسكون المثناة التحتية أو كسرها وتشديدها: الزيادة (*)

[ 269 ]

على خمسمائة عام فما قدروا على إطفاء شئ من نوره ولا تغيير كلمة من كلامه ولا تشكبك المسلمين في حرف من حروفه والحمد لله منه قوله (سيهزم الجمع، يولون الدبر) وقوله (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) الآية وقوله (هو الذى أرسل رسوله بالهدى) الآية وقوله (لن يضروكم إلا أذى إن يقاتلوكم) الآية فكان كل ذلك وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في حلفهم وتقريعهم بذلك كقوله (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبا الله مما نقول) وقوله (يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك) لآية وقوله (من الذين هادوا سماعون للكذب) الآية، وقوله (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه - إلى قوله - في الدين) وقد قال مبديا ما قدره الله واعتقده المؤمنون يوم بدر (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) ومنه قوله تعالى (إنا كفيناك المستهزئين) ولما نزلت بشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه بأن الله كفاه إياهم وكان المستهزؤن نفرا بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه فهلكوا، وقوله (والله يعصمك من الناس) فكان كذلك على كثرة من رام ضره وقصد قتله والأخبار بذلك معروفة صحيحة. (فصل) الوجه الرابع ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ


(قوله إلا الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة. أي الفرد (*)

[ 270 ]

من أخبار أهل الكتاب الذى قطع عمره في تعلم ذلك فيورده النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه ويأتى به على نصه فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه وأن مثله لم ينله بتعليم وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة ولم يغب عنهم ولا جهل حاله أحد منهم وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه صلى الله عليه وسلم عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا كقصص الأنبياء مع قومهم وخبر موسى والخضر ويوسف وإخوته


(قوله ولا مثافنة) بالمثلثة والفاء والنون في الصحاح ثافنت فلانا جالسته ويقال اشتقاقه من الثفنة، واحدة ثقنات البعير وهو ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ كالركبتين كأنك ألصقت ثفنة ركبتك بثفنة ركبته (قوله الخضر) بفتح أوله وكسر ثانيه ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه سمى خضرا لأنه جلس على فروة فإذا هي تهتز خلفه خضراء والفروة الحشيش اليابس وقيل لأنه إذا جلس اخضر ما حوله، واختلف هل كان وليا أو نبيا والقاتلون بأنه نبى اختلفوا هل كان رسولا أم لا قال الثعلبي نبى على جميع الأقوال معمر محجب عن الأبصار، قال ابن الصلاح وهو حى عند جماهير العلماء والصالحين والعامة وقال البخاري وطائفة منهم القاضى أبو بكر بن العربي إنه مات قبل انقضاء المائة لقوله صلى الله عليه وسلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد والجواب أن هذا الحديث عام فيمن يشاهده الناس ويخالطونه لا فيمن ليس كذلك كالخضر بدليل أن الدجال خارج عن هذا الحديث لما روى مسلم من حديث الجساسة الدالة على وجود الدجال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بقائه إلى زمن ظهوره مع أن مسلما روى عن ابن عمر أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد انخرام ذلك القرن (*)

[ 271 ]

وأصحاب الكهف وذى القرنين ولقمان وابنه وأشباه ذلك من الأنباء وبدء الخلق وما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى مما صدقه فيه العلماء بها ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها بل أذعنوا لذلك فمن موفق آمن بما سبق له من خير ومن شقى معاند حاسد ومع هذا لم يحك عن واحد من النصارى واليهود على شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم وتقريعهم بما انظوت عليه مصاحفهم وكثرة سؤالهم له صلى الله عليه وسلم وتعنيتهم إياه عن أخبار أنبيائهم وأسرار علومهم ومستودعات سيرهم وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم ومضمنات كتبهم مثل سؤالهم عن الروح وذى القرنين وأصحاب الكهف وعيسى وحكم الرجم وما حرم إسرائيل على نفسه وما حرم عليهم من الأنعام ومن طيبات كانت أحلت لهم فحرمت عليهم ببغيهم وقوله ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل وغير ذلك من أمورهم التى نزل فيها القرآن


(قوله وذى القرنين) روى الحاكم في المستدرك أنه عليه السلام سأل عن ذى القرنين فقال لا أدرى هو نبى أم لا وقيل في قوله تعالى (وآتيناه من كل شئ سببا) أي علما ينفعه في قوله تعالى (فأتبع سببا) أي طريقة موصلة وقال ابن هشام في غير السيرة السبب حبل من نور كان ملك يمشى به بين يديه فيتبعه، وروى عن أبى الطفيل عامر بن واثلة) قال سأل ابن الكوا على بن أبى طالب فقال أرأيت ذا القرنين أنبيا كان أم ملكا فقال: لانبياء كان ولا ملكا ولكن كان عمدا صالحا دعا قومه إلى عبادة الله فضربوه على قرنى رأسه ضربتين وفيكم مثله يعنى نفسه انتهى وقيل كانت له ضفيرتان من شعر العرب فسمى الضفيرة من الشعر قرنا (*)

[ 272 ]

فأجابهم وعرفهم بما أوحى إليه من ذلك أنه أنكر ذلك أو كذبه بل أكثرهم صرح بصحة نبوته وصدق مقالته واعترف بعاده وحسده إياه كأهل بحران وابن صوريا وابنى أخطب وغيرهم ومن باهت في ذلك بعض المباهتة وادعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه مخالفة دعى إلى إقامة حجته وكشف دعوته فقيل له (قل فأتوا بالتوراة قاتلوها إن كنتم صادقين) إلى قوله (الظالمون) فقرع وونخ ودعا إلى إحظار ممكن غير ممتنع فمن معترف بما جحده ومتواقح يلقى على فضيحته من كتابه يده ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صحفه قال الله تعالى (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير) الآيتين. (فصل) هذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها ولا مرية ومن الوجوه البينة في إعجازه من غير هذه الوجوه آى وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا على ذلك كقوله لليهود (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة) الآية قال أبو إسحاق الزجاج في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة لأنه قال لهم فتمنوا الموت وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا فلم يتمنه واحد منهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 273 ]

والذى نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه يعنى يموت مكانه فصرفهم الله عن تمنيه وجزعهم ليظهر صدق رسوله وصحة ما أوحى إليه إذ لم يتمنه أحد منهم وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا ولكن الله يفعل ما يريد فظهرت بذلك معجزته وبانت حجته: قال أبو محمد الأصيلي من أعجب أمرهم أنه لا يوجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر الله بذلك نبيه يقدم عليه ولا يجيب إليه وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم، وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى حيث وفد عليه أساقفه نجران وأبوا الإسلام فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله (فمن حاجك فيه) الآية قامتنعوا منها ورضوا بأداء الجزية وذلك أن العاقب عظيمهم قال لهم قد علمتهم أنه نبى وأنه مالا عن قوما نبى قط فبقى كبيرهم ولا صغيرهم ومثله قوله (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) إلى قوله (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) فأخبرهم أنهم لا يفعلون كما كان وهذه الآية أدخل في باب الإخبار عن الغيب ولكن فيها من التعجيز ما في التى قبلها. (فصل) ومنها الروعة التى تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه والهيبة التى تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وإنامة خطره وهى


(قوله إلا غص) بالغين المعجمة والصاد المهملة (قوله أساقفة نجران) الأساقفة جمع أسقف بضم الهمزة وتشديد الفاء وهو رئيس دين النصارى وقاضيهم (قوله ونجران) بفتح النون وسكون الجيم منزل للنصارى بين مكة واليمن على سبع مراحل من مكة (18 - 1) (*)

[ 274 ]

على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورا كما قال تعالى ويودون انقطاعه لكراهتهم له ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن القرآن صعب مستصعب على من كرهه وهو الحكم وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابا وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به قال الله تعالى (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) وقال (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) الآية ويدل على أن هذا شئ خص يه أنه يعترى من لا يفهم معانيه ولا يعلم تفاسيره كما روى عن نصراني أنه مر بقارئ فوقف يبكى فقيل له مم بكيت قال للشجا والنظم وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده فمنهم من أسلم لها لأول وهلة وآمن به ومنهم من كفر، فحكى في الصحيح عن جبير بن مطعم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية (أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون) إلى قوله (المصيطرون) كاد قلبى أن يطير للإسلام، وفى رواية وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبى، وعن عتبة بن ربيعة أنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم (حم) فصلت إلى قوله (صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فأمسك عتبة بيده على في النبي صلى الله عليه وسلم وناشده


(قوله هشاشة) في الصحاح هي الارتياح والخفة للمعروف (قوله للشجا) يقال شجاه يشجوه إذا أحزنه، وفى المجمل شجاني أطر بنى (*)

[ 275 ]

الرحم أن يكف وفى رواية فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقام عتبة لا يدرى بم يراجعه ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم وقال والله لقد كلمتي بكلام والله ما سمعت أذناى بمثله قط فما دريت ما أقول له، وقد حكى عن غير واحد ممن رام معارضته أنه اعترته روعة وهيبة كف بها عن ذلك فحكى أن ابن المقفع طلب ذلك ورامه وشرع فيه فمر بصبى يقرأ (وقيل يا أرض ابلعى ماءك) فرجع فمحى ما عمل وقال أشهد أن هذا لا يعارض وما هو من كلام البشر وكان من أفصح أهل وقته وكان يحيى بن حكم الغزال بليغ الأندلس في زمنه فحكى أنه رام شيئا من هذا فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها وينسج بزعمه على منوالها قال فاعترتني منه خشية ورفة حملتني على التوبة والإنابة. (فصل) ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه فقال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقال (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) الآية وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها فلم يبق إلا


(قوله ابن المقفع) ضبطه ابن ماكولا بضم الميم وفتح القاف وتشديد الفاء بعدها مهملة ولم يتعرض لحركة الفاء (قوله الغزال) بفتح الغين المعجمة والزاى مخففة (قوله الأندلس) المشهور فيه فتح الهمزة والدال ويقال أيضا بضمها (*)

[ 276 ]

خبرها والقرآن العزيز الباهرة آياته الظاهرة معجزاته على ما كان عليه اليوم مدة خمسمائة عام وخمس وثلاثين سنة لأول نزوله إلى وقتنا هذا حجته قاهرة ومعارضته ممتنعة الأعصار كلها طافحة بأهل البيان وحملة علم اللسان وأئمة البلاغة وفرسان الكلام وجهابذة البراعة والملحد فيهم كثير والمعادى للشرح عتيد فما منهم من أتى بشئ يوثر في معارضته ولا ألف كلمتين في مناقضته ولا قدر فيه على مطعن صحيح ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه والنكوص على عقيبه (فصل) وقد عد جماعة من الأئمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوها كثيرة منها أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة وترديده يوجب له محبة لا يزال غضا طريا وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد ويعادي إذا أعيد وكتابنا يستلذ به في الخلوات ويؤنس بتلاوته في الأزلمات وسواء من الكتب لا يوجد فيها ذلك حتى أحدث أصحابها لها لحونا وطرقا


(قوله إلا بزند) بفتح الزاى وسكون النون، في الصحاح وهو موصل طرف الذراع في الكف وهما زندان الكوع والكرسوع، والزند أيضا العود الذى يقدح به النار وهو الأعلى والزندة السفلى فيها ثقب وهى الأنثى انتهى (قوله في الأزمات) الأزمة بفتح الهمزة وسكون الزاى: الشدة (*)

[ 277 ]

يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عبره ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل لا يشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة هو الذى لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد) ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد صلى الله عليه وسلم قبل نبوته خاصة بمعرفتها ولا القيام بها ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم فجمع فيه من بيان علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجج العقليات والرد على فرق الأمم ببراهين قوية وأدلة بينة سهلة الألفاظ موجزة المقاصد رام المتحذلقون بعد أن ينصبوا أدلة مثلها فلم يقدروا عليها كقوله تعالى (أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ؟ بلى) و (قل يحييها الذى أنشأها أول مرة) و (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) إلى ما حواه من علوم السير وأنباء الأمم والمواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة ومحاسن الآداب والشيم قال الله جل اسمه (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ)، (ولقد


(قوله لا يخلق) بفتح أوله وضم ثالثة أو بضم أوله وكسر ثالثه، في الصحاح خلق الثوب بالضم خلوقة أي بلى وأخلق الثوب مثله وأخلقته أنا يتعدى ولا يتعدى (قوله المتحذلقون) بالحاء المهملة يقال حذلق الرجل وتحذلق إذا أظهر الحذلق وادعى أكثر مما عنده. (*)

[ 278 ]

ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا وسنة خالية ومثلا مضروبة فيه نبؤكم وخبر ما كان قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم لا يخلقه طول الرد ولا تنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن خاصم به فلج ومن قسم به أقسط ومن عمل به أجر ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم ومن طلب الهدى من غيره أضله الله ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم وحبل الله المتين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، ونحوه عن ابن مسعود وقال فيه ولا يختلف ولا يتشان، فيه نبأ الأولين والآخرين، وفى الحديث قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم (إنى منزل عليك توراة حديثة تفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فيها ينابيع العلم وفهم الحكمة وربيع القلوب)


(قوله فلج) بفتح الفاء واللام وبعدهما جيم، في الصحاح الفلج الظفر والفوز (قوله أقسط) أي عدل وأما قسط فمعناه جار وحكى يعقوب في كتاب الأضداد أنه يأتي أيضا بمعنى عدل (قوله وحبل الله المتين) من المتانة وهى القوة وقال ابن الأثير حبل الله نور هداه وقيل عهده وأمانه الذى يؤمن من العذاب والحبل العهد والميثاق انتهى (قوله ولا يتشان) بشين معجمة وفى آخره نون مخفف من الشنآن بفتحج النون وإسكانها مهموز وهو البغض: شنأه أبغضه، قال الهروي وابن الأثير وفى حديث ابن مسعود في صفة القرآن ولا يتشان معناه لا مخلق على كثرة الرد، مأخوذ من الشن (*)

[ 279 ]

وعن كعب (عليكم بالقرآن فإنه فهم العقول ونور الحكمة) وقال تعالى (إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون) وقال (هذا بيان للناس وهدى) الآية، فجمع فيه مع وجازة ألفاظه وجوامع كلمه أضعاف ما في الكتب قبله التى ألفاظها على الضعف منه مرات * ومنها جمعه فيه بين الدليل ومدلوله وذلك أنه احتج بنظم القرآن وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ووعده ووعيده فالتالي له يفهم موضع الحجة والتكليف معا من كلام واحد وسورة منفردة * ومنها أن جعله في حيز المنظوم الذى لم يعهد ولم يكن في حيز المنثور لأن المنظوم أسهل على النفوس وأوعى للقلوب وأسمع في الآذان وأحلى على الأفهام فالناس إليه أميل والأهواء إليه أسرع * ومنها تيسيره تعالى حفظه لمتعلميه وتقريبه على متحفظيه قال الله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر) وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم فكيف الجماء على مرور السنين عليهم والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة * ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضا وحسن ائتلاف أنواعها والتيئام أقسامها وحسن التخلص من قصة إلى أخرى والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه وانقسام السورة الواحدة إلى أمر ونهى وخبر واستخبار ووعد ووعيد وإثبات نبوة وتوحيد وتفريد وترغيب وترهيب إلى غير ذلك من فوائده دون خلل يتخلل فسوله، والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته

[ 280 ]

ولانت جزالته وقل رونقه وتقلقلت ألفاظه: فتأمل أول (ص) وما جمع فيها من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم وما ذكر من تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتعجبهم مما أتى به والخبر، عن اجتماع ملئهم على الكفر وما ظهر من الحسد في كلامهم وتعجيزهم وتوهينهم ووعيدهم بخزى الدنيا والآخرة وتكذيب الأمم قبلهم وإهلاك الله لهم ووعيد هؤلاء مثل مصابهم وتصبير النبي صلى الله عليه وسلم على أذاهم وتسليته بكل ما تقدم ذكره ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء، كل هذا في أوجز كلام وأحسن نظام ومنه الجملة الكثيرة التى انطوت عليها الكلمات القليلة وهذا كله وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في أعجاز القرآن إلى وجوه كثيرة ذكرها الأثمة لم نذكرها إذ أكثرها داخل في باب بلاغته فلا. نحب أن يعد فنا منفردا في إعجازه إلا في باب تفصيل فنون البلاغة وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم يعد في خواصه وفضائله لا في إعجازه، وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة التى ذكرنا فليعتمد عليها وما بعدها من خواص القرآن وعجائبه التى لا تنقضي والله ولى التوفيق فصل انشقاق القمر وحبس الشمس قال الله تعالى (أقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا

[ 281 ]

ويقولوا سحر مستمر) أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي وإعراض الكفرة عن آياته وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه: أخبرنا الحسين بن محمد الحافظ من كتابه حدثنا القاضى سراج بن عبد الله حدثنا الأصيلي حدثنا المروزى حدثنا الفربرى حدثنا البخاري حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبى معمر عن ابن مسعود رضى الله عنه قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا، وفى رواية مجاهد ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم وفى بعض طرق الأعمش بمنى ورواه أيضا عن ابن مسعود الأسود وقال حتى رأيت الجبل بين فرجتى القمر ورواه عنه مسروق أنه كان بمكة وزاد فقال كفار قريش سحركم ابن أبى كبشة فقال رجل منهم إن محمدا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا فأتوا فسألوهم


(قوله مسدد) قال ابن الجوزى هو ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن ارندل ابن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورة الأسدى (قوله عن أبى معمر) بفتح الميم وسكون العين المهملة عبد الله بن سخبرة بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة (قوله فرجتى القمر) يقال بينهما فرجة بضم الفاء أي انفراج وأما بفتح الفاء فالتفصى عن الهم (قوله عن ابن ابى كبشة) قيل أبو كبشة رجل تأله قديما وفارق دين الجاهلية وعبد الشعرى فشبهت المشركون النبي صلى الله عليه وسلم به وقيل كانت له عليه السلام أخت من الرضاعة تسمى كبشة وكان أبوه من الرضاعة يكنى بها وقيل كان (*)

[ 282 ]

فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك وحكى السمرقندى عن الضحاك نحوه وقال فقال أبو جهل هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا فقالوا يعنى الكافر هذا سحر مستمر ورواه أيضا عن ابن مسعود علقمة فهؤلاء الأربعة عن عبد الله وقد رواه غير ابن مسعود كما رواه ابن مسعود منهم أنس وابن عباس وابن عمر وحذيفة وعلى وجبير بن مطعم فقال على من رواية أبى حذيفة الأرحبى انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم * وعن أنس سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين حتى رأوا حراء بينهما، وراه عن أنس قتادة * وفى رواية معمر وغيره عن قتادة عنه أراهم القمر مرتين انشقاقه فنزلت (اقتربت الساعة وانشق القمر) ورواه عن جبير بن مطعم ابنه محمد وابن ابنه جبير بن محمد ورواه عن ابن عباس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ورواه عن ابن عمر مجاهد ورواه عن حذيفة أبو عبد


في أجداده لأمه من يكنى بذلك (قوله الأرحبى) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الحاء المهملة بعدها باء موحدة وباء للنسبة إلى قبيلة من همدان، وقيل إلى مكان (قوله حراء) بكسر المهملة تمد وتقصر وتذكر وتأنث جبل على ثلاثة أميال من مكة (قوله مرتين) قال ابن قيم الجوزية في كتابه إغائة اللهفان أن المرات مراد بها الأفعال تارة والأعيان أخرى وأكثر ما يستعمل في الأفعال، وأما الأعيان فكما جاء في الحديث انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أي فلقتين ولما خفى هذا على من لم يحط به علما زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة في زمانين ولم يقع (*)

[ 283 ]

الرحمن السلمى ومسلم بن أبى عمران الأزدي وأكثر طرق هذه الأحاديث صحيحة والآية مصرحة ولا يلتفت إلى اعتراض مخذول بأنه لو كان هذا لم يخف عل أهل الأرض إذ هو شئ ظاهر لجميعهم إذ لم ينقل لنا عن أهل الأرض رصدوه تلك الليلة فلم يروه انشق ولو نقل إلينا عمن لا يجوز تمالؤهم لكثرتهم على الكذب لما كانت علينا به حجة إذ ليس القمر في حد واحد لجميع أهل الأرض فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على الآخرين وقد يكون من قوم بضد ما هو من مقابلهم من أقطار الأرض أو يحول بين قوم وبينه سحاب أو جبال ولهذا نجد الكسوفات في بعض البلاد دون بعض وفى بعضها جزئية وفى بعضها كلية وفى بعضها لا يعرفها إلا المدعون لعلمها، ذلك تقدير العزيز العليم، وآية القمر كانت ليلا والعادة من الناس بالليل الهدو والسكون وأيجاف الأبواب وقطع التصرف ولا يكاد يعرف من أمور السماء شيئا إلا من رصد ذلك واهتبل به ولذلك ما يكون الكسوف القمرى كثيرا في البلاد وأكثرهم لا يعلم به حتى يخبر وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار ونجوم طوالع عظام تظهر في الأحيان بالليل في السماء ولا علم عند أحد منها * وخرج الطحاوي في


الانشقاق إلا مرة واحدة (قوله وإيجاف) بكسر الهمزة وسكون المثناة التحتية وتخفيف الجيم مصدر أوجف أو أغلق (قوله واهتبل) بمثناة فوقية مفتوحة (*)

[ 284 ]

مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر على فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصليت يا على قال لا فقال اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقفت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر قال وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات * وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كان يقول لا ينبغى لمن سبله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة * وروى يونس بن بكير في زيادة المغازى روايته عن ابن إسحق لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التى في العير قالوا متى تجئ قال يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت


بعدها موحدة مفتوحة أي تخيل (قوله عن أسماء بنت عميس) بضم العين المهملة وفى آخره سين مهملة قال ابن الجوزى في الموضوعات حديث رد الشمس في قصة على موضوع بلا شك (قوله بالصهباء) ممدودة موضع على مرحلة من خير (قوله في العير) بكسر العين المهملة هي القافلة من الإبل والدواب تحمل الطعام وغيره من التجارات ولا يسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك (قوله يوم الأربعاء) بتثليث الموحدة والأجود كسرها كذا في المحكم وقد حبست الشمس ليوشع وللنبى صلى الله عليه وسلم في صبيحة ليلة الإسراء وفى يوم من أيام الخندق كما ذكره المصنف في غير الشفاء وفى قصة على في حديث أسماء وحبست لداود كما ذكره الخطيب في كتاب النجوم، وضعف رواية ثقله عنه مغلطاى في سبرته وحبست لسلمان كما ذكره البغوي في سورة ص (*)

[ 285 ]

قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم تجئ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وفحبست عليه الشمس. فصل في نبع الماء من بين أصابعه وتكثير ببركته أما الأحاديث في هذا فكثيرة جدا روى حديث نبع الماء من أصابعه صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر الفقيه رحمه الله بقراءتي عليه حدثنا القاضى عيسى بن سهل حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد حدثنا أبو عمر ابن الفخار حدثنا أبو عيسى حدثنا يحيى حدثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله ابن أبى طلحة عن أنس بن مالك رضى الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤا منه قال فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضؤا من عند آخرهم، ورواه أيضا عن أنس قتادة وقال بإناء فيه ماء يغمر أصابعه أو لا يكاد يغمر قال كم كنتم قال زهاء ثلاثمائة وفى رواية عنه وهم بالزوراء


(قوله ثنا أبو عيسى ثنا يحيى) الصواب حدثنا أبو عيسى ثنا أبو عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى لأن أبا عيسى إنما يروى عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه (قوله بوضوء) بفتح الواو وقد تضم (قوله ينبع) بتثليث الموحدة (قوله زهاء) بضم الزاى والمد أي قدر (قوله بالزوراء) بالفتح والمد مكان قريب من المسجد قال الداودى مرتفع كالمنار (*)

[ 286 ]

عند السوق ورواه أيضا حميد وثابت والحسن عن أنس وفى رواية حميد قلت كم كانوا قال ثمانين رجلا ونحوه عن ثابت عنه وعنه أيضا وهم نحو من سبعين رجلا * وأما ابن مسعود ففى الصحيح من رواية علقمة عنه بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس. معنا ماء فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلبوا من معه فضل ماء فأتى بماء فصبه في إناء ثم وضع كفه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم * وفى الصحيح عن سالم بن أبى الجعد عن جابر رضى الله عنه عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه وقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون وفيه فقلت كم كنتم قال لو كنا مائة ألف لكفانا: كنا خمس عشرة مائة، وروى مثله عن أنس عن جابر وفيه أنه كان بالحديبية * وفى رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه في حديث مسلم الطويل في ذكر غزوة بواط قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر ناد الوضوء وذكر الحديث بطوله وأنه لم يجد إلا قطرة في عزلاء شجب


(قوله في عزلاء شجب) العزلاء بفتح العين المهملة وسكون الزاى والمد فم المزادة الأسفل والجمع عزاى بكسر اللام وفتحها، والشجب بفتح الشين المعجمة وسكون الجيم وفى آخره موحدة: ما قدم من القرب مثل الشن (*)

[ 287 ]

فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فغمزه وتكلم بشئ لا أدرى ما هو وقال ناد بجفنة الركب فأتيت فوضعتها بين يديه وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط يده في الجفنة وفرق أصابعه وصب جابر عليه وقال بسم الله قال فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ثم فارته الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا فقلت هل بقى أحد له حاجة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهى ملأى * وعن الشعبى أتى النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بإداوة ماء وقيل ما معنا يا رسول الله ماء غيرها فسكبها في ركوة ووضع إصبعه وسطها وغمسها في الماء وجعل الناس يجيئون ويتوضؤن ثم يقومون، قال الترمذي وفى الباب عن عمران بن حصين ومثل هذا في هذه المواطن الحفلة والجموع الكثيرة لا تتطرق التهمة إلى المحدث به لأنهم كانوا أسرع شئ إلى تكذيبه لما جبلت عليه النفوس من ذلك ولأنهم كانوا ممن لا يسكت على باطل، فهؤلاء قد رووا هذا وأشاعوه ونسبوا حضور الجماء الغفير له ولم ينكر أحد من الناس عليهم ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه فصار كتصديق جميعهم له (فصل) ومما يشبه هذا من معجزاته تفجير الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته * فيما روى مالك في الموطأ عن معاذ بن جبل في قصة غزوة


(قوله ثم فارت الجفنة واستدارت) في صحيح مسلم ثم قارب الجفنة ودارت (قوله بإداوة) بكسر الهمزة وتخفيف الدال المهملة أي مطهرة (*)

[ 288 ]

تبوك وأنهم وردوا العين وهى تبض بشئ من ماء مثل الشراك فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شئ ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس قال في حديث ابن اسحاق فانخرق من الماء ماله حس كحس الصواعق ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا * وفى حديث البراء وسلمة بن الأكوع وحديثه أتم في قصة الحديبية وهم أربع عشرة مائة وبئرها لا تروى خمسين شاة فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جباها قال البراء وأتى بدلوا منا فبصق فدعا وقال سلمة فإما دعا وإما بصق فيها فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم وفى غير هاتين الروايتين في هذه القصة من طريق ابن شهاب في الحديبية فأخرج سهما من كنانته فوضعه في قعر قليب ليس فيه ماء فروى الناس حتى ضربوا بعطن * وعن أبى قتادة وذكر أن الناس شكوا الى رسول الله صلى الله عليه


(قوله تبص) من البصيص بالصاد المهملة وهو البريق واللمعان وبالضاد المعجمة القطر والسيلان القليل (قوله خمسين شاة) قال المزى المعروف عند أهل الحديث خمسين أشاة والأشاة النخلة الصغيرة (قوله على جباها) بفتح الجيم وتخفيف الموحدة والقصر أي ما حول فمها (قوله فجاشت) بالجيم والشين المعجمة أي فارت وارتفعت (قوله حتى ضربوا بعطن) أي رووا ورويت إبلهم حتى بركت لأن عطن الابل مباركها وذلك حول الماء حتى تعاد إلى الشرب (*)

[ 289 ]

وسلم العطش في بعض أسفاره فدعا بالميضأة فجعلها في ضبنه ثم التقم فمها فالله أعلم نفث فيها أم لا فشرب الناس حتى رووا وملوا كل إناء معهم فخيل إلى أنها كما أخذها منى وكانوا اثنين وسبعين رجلا، وروى مثله عمران بن حصين وذكر الطبري حديث أبى قتادة على غير ما ذكره أهل الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم ممدا لأهل مؤتة عند ما بلغه قتل الأمراء وذكر حديثا طويلا فيه معجزات وآيات للنبى صلى الله عليه وسلم وفيه إعلامهم أنهم يفقدون الماء في غد وذكر حديث الميضأة قال والقوم زهاء ثلثمائة وفى كتاب مسلم أنه قال لأبى قتادة احفظ على ميضأتك فإله سيكون لها نبا وذكر نحوه ومن ذلك حديث عمران بن حصين حين أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عطش في بعض أسفارهم فوجه رجلين من أصحابه وأعلمها أنهما يجدان امرأة بمكان كذا معها بغير عليه مزادتان الحديث فوجداها وأتيابها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل في إناء من مزادتيها


(قوله بالميضأة) بكسر الميم وسكون المثناة التحتية وفتح الضاد المعجمة وهمزة: هي آلة الوضوء (قوله ضبنه) بكسر الضاد المعجمة وسكون الموحدة بعدها نون فهاء للضمير، والضبن ما بين الكشح إلى الإبط قاله الخطابى في غريب الحديث (قوله نفث) أي نفخ لا ريق معه (قوله لأهل مؤتة) بضم الميم وسكون الهمزة وقد تبدل واوا (قوله والقوم زهاء) قال المزى: الوجه نصب زهاء ولكن أهل الحديث يرفعونه (قوله وجه رجلين) هما عمير بن حصين وعلى بن أبى طالب (قوله مزادتان) المزادة بفتح الميم وتخفيف الزاى أكبر من القربة قال ابن قرقول وقيل ما زيد فيه جلد ثالث بين جلدين لتبيع (19 - 1) (*)

[ 290 ]

وقال فيه ما شاء الله أن يقول ثم أعاد الماء في المزادتين ثم فتحت عزاليهما وأمر الناس فملؤا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملؤه قال عمران ويخيل إلى أنهما لم تزداد إلا امتلاء ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها وقال الذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ولكن الله سقايا - الحديث بطوله - وعن سلمة بن الأكوع: قال نبى الله صلى الله عليه وسلم هل من وضوء فجاء رجل بإداوة فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة وفى حديث عمر في جيش العسرة وذكر ما أصابهم من العطش حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه فرغب أبو بكر رضى الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت فملؤا ما معهم من آنية ولم تجاوز العسكر وعن عمرو بن شعيب أن أبا طالب قال للنبى صلى الله عليه وسلم وهو رديفه بذى المجاز عطشت وليس عندي ماء فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال اشرب والحديث في هذا الباب الكثير ومنه الإجابة بدعاء الاستسقاء وما جالسه.


(قوله فيها نطفة) أي شئ يسير (قوله ندغفقه) من الدغفقة بالدال المهملة فالغين المعجمة والفاء فالقاف وهى الصب الشديد (قوله في جيش العسرة) يعنى غزوة تبوك (قوله بذى المجاز) بالميم المفتوحة والجيم المخففة والزاى سوق عند عرفة من أسواق الجاهلية (*)

[ 291 ]

فصل ومن معجزاته تكثير الطعام ببركته ودعائه حدثنا القاضى الشهيد أبو على رحمه الله حدثنا العذري حدثنا الرازي حدثنا الجلودى حدثنا ابن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا سلمة ابن شبيب حدثنا الحسن بن أعين حدثنا معقل عن أبى الزبير عن جابر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم * ومن ذلك حديث أبى طلحة المشهور وإطعامه صلى الله عليه وسلم ثمانين أو سبعين رجلا من أقراص من شعير جاء بها أنس تحت يده أي إبطه فأمر بها فقتت وقال فيها ما شاء الله أن يقول، وحديث جابر في إطعامه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق وقال جابر فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبز وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في العجين والبرمة وبارك، رواه عن جابر سعيد بن ميناء وأيمن وعن ثابت مثله عن رجل من الأنصار وامرأته ولم يسمهما قال وجئ بمثل الكف فجعل


(قوله ابن مينا) بكسر الميم والمد أو القصر (قوله وأيمن) هو أيمن الحبشى المكى والد عبد الواحد بن أمين مولى ابن أبى عمرة المخزومى وفى كتاب ابن حيان إنه أيمن بن أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد بأن أيمن بن أم أيمن قتل في حنين (*)

[ 292 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يبسطها في الإناء ويقول ما شاء الله فأكل منه من في البيت والحجرة والدار وكان ذلك قد امتلأ ممن قدم معه صلى الله عليه وسلم لذلك وبقى بعد ما شبعوا مثل ما كان في الإناء، وحديث أبى أيوب أنه صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر من الطغام زهاء ما يكفيهما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادع ثلاثين من أشراف الأنصار فدعاهم فأكلوا حتى تركوا ثم قال ادع ستين فكان مثل ذلك ثم قال ادع سبعين فأكلوا حتى تركوه وما خرج منهم أحد حتى أسلم وبايع قال أبو أيوب فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا، وعن سمرة بن جندب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها لخم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبى بكر كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة وذكر في الحديث أنه عجن صاع من طعام وصنعت شاة فشوى سواد بطنها قال وأيم الله ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون وفضل في القصعتين


(قوله بقصعة) بفتح القاف (قوله سواد بطنها) هو الكبد وقيل حشوا البطن كله (قوله حزة) بضم الحاء المهملة وتشديد الزاى: القطعة المحزوزة وبفتح الحاء المرة من الحز (قوله وفضل) قال الصنمرى فضل يفضل بفتح العين في المعاضى وضمها في المستقبل من الفضل وهو السؤدد وبالكسر في الماضي والفتح في المستقبل من الفضلة وهى بقية الشئ وفى الصحاح فضل منه شئ مثل دخل يدخل وفيه لغة أخرى فضل يفضل مثل حذر يحذر (*)

[ 293 ]

فحملته على البعير، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصاري عن أبيه ومثله لسلمة بن الأكوع وأبى هريرة وعمر بن الخطاب رضى الله عنه فذكروا مخمصة أصابت الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فدعا ببقية الأزواد فجاء الرجل بالحثية من الطعام وفوق ذلك وأعلاهم الذى أتى بالصاع من التمر فجمعه على نطع قال سلمة فحزرته كربضة العنز ثم دعا الناس بأوعيتهم فما بقى في الجيش وعاء إلا ملؤوه وبقى منه قدر ما جعل وأكثر ولو ورده أهل الأرض لكفاهم وعن أبى هريرة أمرنى النبي صلى الله عليه وسلم أن أدعوا له أهل الصفة فتتبعتهم حتى جمعتهم فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا وهى مثلها حين وضعت إلا أنا فيها أثر الأصابع، وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى عبد المطلب وكانوا أربعين منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقى كما هو ثم دعا


(قوله مخمصة) أي مجاعة (قوله بالحثية) بفتح الحاء المهملة من حثى يحثا (قوله على نطع) يجوز فيه فتح النون وكسرها مع سكون الطاء وفتحها فهذه أربع لمات أفضحها كسر النون وفتح الطاء (قوله كربضة) بفتح الراء وسكون الموحدة قال ابن دريد بكسر الراء يقال ربضت الغنم تربض بالكسر وربوضا وهو من البقر والعم والفرس والكلب مثل البروك من الإبل والجثوم من الطير (قوله أهل الصفة) في صحيح البخاري من حديث أبى هريرة لقد رأيت سبعين من أهل الصفة وعد أبوهم في الحليلة منهم مائة ونيفا وفى عوارف المعارف السهروردى إنهم كانوا نحو أربعمائة (*)

[ 294 ]

بعص فشربوا حتى رووا وبقى كأنه لم يشرب منه وقال أنس إن النبي صلى الله عليه وسلم حين ابتنى بزينب أمره أن يدعو له قوما سماهم وكل من لقيت حتى امتلأ البيت والحجرة وقدم إليهم تورا فيه قدر مد من تمر جعل حيسا فوضعه قدامه وغمس ثلاث أصابعه وجعل القوم يتغدون ويخرجون وبقى التور نحوا مما كان وكان القوم أحدا أو اثنين وسبعين وفى رواية أخرى في هذه القصة أو مثلها إن القوم كانوا زهاء ثلثمائة وإنهم أكلوا حتى شبعوا وقال لى ارفع فلا أدرى حين وضعت كانت أكثر أم حين رفعت وفى حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن على رضى الله عنه أن فاطمة طبخت قدرا لغدائهما ووجهت عليا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتغدى معهما فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صحفة صحفة ثم له صلى الله عليه وسلم ولعلى ثم لها ثم رفعت القدر وإنها لتفيض قالت فأكلنا منها ما شاء الله * وأمر عمر بن الخطاب


(قوله بعس) بضم العين وتشديد السين المهملتين هو قدح ضخم (قوله ابتنى) ترتيب المعروف إن ذلك لما ابتنى بصفية وفى شرح مسلم للمصنف إن الراوى أدخل قصة في قصة (قوله تور) بالمثناة الفوقية وهو إناء شبه قدح من حجارة (قوله حيسا) بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها سين مهملة هو تمر وسمن وأقط وقال ابن الصلاح هو التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق (قوله يتغدون) من الغداء بفتح الغين المعجمة والدال المهملة والمد هو الطعام نفسه خلاف العشاء لما في صحيح مسلم فدعا بعد ارتفاع النهار وأما الغذاء بكسر الغين وبالذال المعجمتين والمد هو ما يتغذى به من الطعام والشراب (*)

[ 295 ]

أن يزود أربعمائة راكب من أحمس فقال يا رسول الله ما هي إلا أصوع قال أذهب فذهب فزودهم منه وكان قدر الفصيل الرابض من التمر وبقى بحاله من رواية دكين الأحمسى ومن رواية جرير ومثله من رواية النعمان بن مقرن الخبر بعينه إلا أنه قال أربعمائة راكب من مزينة ومن ذلك حديث حابر في دين أبيه بعد موته وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ماله فلم يقبلوه ولم يكن في ثمرها سنتين كفاف دينهم فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمره بحدها وجعلها بيادر في أصولها فمشى فيها ودعا فأوفى منه جابر غرماء أبيه وفضل مثل ما كانوا يجدون كل سنة وفى رواية مثل ما أعطاهم قال وكان الغرماء يهود فعجبوا من ذلك) وقال أبو هريرة رضى الله عنه أصاب الناس مخمصة فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من شئ قلت نعم شئ من التمر في المزود قال فأتني به فأدخل يده. فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة ثم قال ادع عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم عشرة كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا قال خذ ما جئت به وأدخل


(قوله أصوع) بضم الواو جمع صاع وفى الصحاح وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة (قوله دكين) بضم الدال المهملة وفتح الكاف هو ابن سعيد بفتح السين ويقال بضمها ويقال ابن سعد له صحبة وحديث في أبى داود في الأدب (قوله يجدها) بالجيم والدال المهملة أي قطعها ومنه ثوب جديد بمعنى مجدود كأنه حين جده الجائد أي قطعه (قوله في المزود) بكسر الميم وسكون الزاى ما يجعل فيه الزاد (قوله بقبضة) بفتح القاف: المرة، وبضمها: الشئ المقبوض (*)

[ 296 ]

يدك واقبض منه ولا تكبه فقبضت على أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر إلى أن قتل عثمان فانتهب منى فذهب وفى رواية فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله وذكرت مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك وأن التمر كان بضع عشرة تمرة ومنه أيضا حديث أبى هريرة حين أصابه الجوع فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم فوجد لبنا في قدح قد أهدى إليه وأمره أن يدعو أهل الصفة قال فقلت ما هذا اللبن فيهم كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها فدعوتهم وذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم له أن يسقيهم فجعلت أعطى الرجل فيشرب حتى يروى ثم يأخذه الآخر حتى روى جميعهم قال فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدح وقال بقيت أنا وانت اقعد فاشرب فشربت ثم قال اشرب وما زال يقولها واشرب حتى قلت لا والذى بعثك بالحق ما أجد له مسلكا فأخذ القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة وفى حديث خالد بن عبد العزى أنه أجزر النبي صلى الله عليه وسلم شاة وكان عيال خالد كثيرا


(قوله إلى أن قتل عثمان) كان في سنة خمس وثلاثين (قوله أجزر النبي صلى الله عليه وسلم شاة) بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الزاى بعدها راء قال ابن السكيت يقال أجزرت القوم إذا أعطيتهم شاة يذبحونها نعجة أو كبشا أو عنزا قال ولا يكون الجزوة إلا من الغنم ولا يقال أجزرتهم ناقة لأنها قد تصلح لغير الذبح (*)

[ 297 ]

يذبح الشاة فلا تبد عياله عظما وإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من هذه الشاة وجعل فضلتها في دلو خالد ودعا له بالبركة فنثر ذلك لعياله فأكلوا وأفضلوا ذكر خبره الدولابى وفى حديث الآجرى في إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم لعلى فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بقصعة من أربعة أمداد أو خمسة ويذبح جوزرا لوليتها قال فأتيته بذلك فطعن في رأسها ثم أدخل الناس رفقة رفقة يأكلون منها حتى فرغوا وبقيت منها فضلة فبرك فيها وأمر بحملها إلى أزواجه وقال كلن وأطعمن من غشيكن وفى حديث أنس رضى الله عنه تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصنعت أمي أم سليم حيسا فجعلته في تور فذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ضعه وادع لى فلانا وفلانا ومن لقيت فدعوتهم ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته وذكر أنهم كانوا زهاء ثلثمائة حتى ملؤوا الصفة والحجرة فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم تحلقوا عشرة عشرة ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه وقال ما شاء الله أن يقول فأكلوا حتى شبعوا كلهم فقال لى ارفع فما أدرى حين وضعت كانت اكثر أم حين رفعت وأكثر أحاديث هذه الفصول الثلاثة في الصحيح وقد اجتمع على معنى حديث هذا الفضل بضعة عشر من الصحابة رواه


(قوله تبد) بضم المثناة الفوقية وكسر الموحدة، في الصحاح والتبدة بالكسر النصيب يقول منه أتبدهم العطاء أي أعطى كل واحد منهم تبده أي نصيبه (*)

[ 298 ]

عنهم أضعافهم من التابعين ثم من لا ينعد بعدهم وأكثرها في قصص مشهورة ومجامع مشهودة ولا يسكت الحاضر لها على ما أنكر منها فصل (في كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته) قال حدثنا أحمد بن محمد بن غلبون الشيخ الصالح فيما أجازينه عن أبى عمرو الطلمنكى عن أبى بكر بن المهندس عن أبى القاسم البغوي حدثنا أحمد بن عمران الأخلمى حدثنا أبو حيان التيمى وكان صدوقا عن مجاهد عن ابن عمر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فدنا منه أعرابي فقال يا أعرابي أين تريد قال إلى أهلى قال هل لك إلى خير قال وما هو قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال من يشهد لك على ما تقول قال هذه الشجرة السمرة وهى بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها


(قوله فيما أجازنيه) هذه لغة حكاها ابن فارس والمعروف أجازه لى (قوله عن أبى القاسم البغوي) هو الحافظ الكبى المسند، البغوي الأصل مولده سنة أربع عشرة وعاش مائة وثلاث سنين (قوله أبو حيان) بفتح الحاء المهملة بعدها مثناة تحتية مشددة وعن البزى إنه سقط بين أحمد بن عمران الأحنسى وبين أبى حيان التيمى رجل ولعله يكون محمد بن فضيل ثم قال بل هو محمد بن فضيل فانه يرويه عنه وأما الأحنسى فلم يدرك أبا حيان (قوله السمرة) بضم الميم شجرة من شجر الطلح (قوله تخد) بضم الخاء المعجمة أي تشق (*)

[ 299 ]

ثلاثا فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى مكانها، وعن بريدة سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم آية فقال له قل لتلك الشجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك قال فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها ثم جاءت تخد الأرض تجر عروقها مغبرة حتى وقفت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت السلام عليك يا رسول الله قال الأعرابي مرها فلترجع إلى منبتها فرجعت فدلت عروقها فاستوت فقال الأعرابي ائذن لى أسجد لك قال لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها قال فأذن لى أن أقبل يديك ورجليك فأذن له، وفى الصحيح في حديث جابر بن عبد الله الطويل ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضى حاجته فلم ير شيئا يستتر به فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادى على بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذى يصانع قائده وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال التئما على بإذن الله فالتأمتا وفى رواية أخرى فقال يا جابر قل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله


(قوله المخشوش) بخاء وشينين معجمات هو البعير يجعل في أنفه الخشاش بكسر الخاء المعجمة وهو عود يربط عليه حبل ويدخل في عظم أنف البعير لينقاد (قوله بالمنصف في الصحاح والمصنف بالفتح نصف الطريق والمنصف بالكسر: الخادم، هذا قول الأصمعى. (*)

[ 300 ]

صلى الله عليه وسلم الحقى بصاحبتك حتى اجلس خلفكما فزحفت حتى لحقت بصاحبتها فجلس خلفها فخرجت أحضر وجلست أحدث نفسي فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا والشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة فقال برأسه هكذا يمينا وشمالا وروى أسامة بن زيد نحوه قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه هل يعنى مكانا لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن الوادي ما فيه مواضع بالناس فقال هل ترى من نخل أو حجارة قلت أرى نخلات متقاربات قال انطلق وقل لهن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل للحجارة مثل ذلك فقلت ذلك لهن فو الذى بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهن فلما قضى حاجته قال لى قل لهن يفترقن فو الذى نفسي بيده لرأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعتهن * وقال يعلى بن سباية كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وذكر نحوا من هذين الحديثين وذكر فأمر


(قوله أحضر) هو بضم الهمزة وكسر الضاد مضارع أحضر بفتحها إذا عدى قال في الصحاح يقال أحضر الفرس والغلام إحضارا واحتضر أي عدوا واستحضرته أي أعديته (قوله يعلى بن سيابة) بفتح السين المهملة وتخفيف التحتية وهو ابن مرة أبو المرازم وسيابة أمه ولهم أيضا بعلى بن أمية التيمى وهو يعلى بن منية ومنية أمه وهو أيضا صحابي (*)

[ 301 ]

وديتين فانضمتا وفى رواية أشاءتين وعن غيلان بن سلمة الثقفى مثله في شجرتين وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في غزاة حنين وعن يعلى بن مرة وهو ابن سيابة أيضا وذكر أشياء رآها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن طلحة أو سمرة جاءت فأطافت به ثم رجعت إلى منبتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها استأذنت أن تسلم على، وفى حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه آذنت النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا له شجرة وعن مجاهد عن ابن مسعود في هذا الحديث أن الجن قالوا من يشهد لك قال هذه الشجرة تعالى يا شجرة فجاءت تجر عروقها لها قعاقع وذكر مثل الحديث الأول أو نحوه قال القاضى أبو الفضل فهذا ابن عمر وبريدة وجابر وابن مسعود ويعلى بن مرة وأسامة بن زيد وأنس بن مالك وعلى بن أبى طالب وابن عباس وغيرهم قد اتفقوا على هذه القصة نفسها أو معناها ورواها عنهم من التابعين أضافعهم فصارت في انتشارها من القوة حيث هي، وذكر ابن فورك أنه صلى الله عليه وسلم سار


(قوله وديتين) الودية بفتح الواو وسكون الدال المهملة وفتح المثناة التحتية تثنية ودية وهى الصغيرة من الفسيل وهو صغار النخل (قوله أشاءتين) تثنية أشاءة بفتح الهمزة وفتح الشين المعجمة والمد وهى النخلة الصغيرة (قوله غيلان) بفتح المعجمة، توفى آخر خلافة عمر بن الخطاب قال المزى ليس في الرواة عيلان بالمهملة إنما هو بالمعجمة ولا يقال بالمهملة إلا في نسب مضر بن عيلان (قوله أن طلحه) هي واحدة الطلح وهو شجر عظم من شجر العضاء (قوله قعاقع) بقافين وعينين مهملتين حكاية صوت الصلاح (*)

[ 302 ]

في غزوة الطائف ليلا وهو وسن فاعترضته سدرة فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما وبقيت على ساقين إلى وقتنا هي هناك معروفة معظمة * ومن ذلك حديث أنس رضى الله عنه أن جبريل عليه السلام قال للنبى صلى الله عليه وسلم ورآه حزينا أتحب أن أريك آية قال نعم فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شجرة من وراء الوادي فقال ادع تلك الشجرة فجاءت تمشى حتى قامت بين يديه قال مرها فلترجع فعادت إلى مكانها، وعن على نحو هذا ولم يذكر فيها جبريل قال اللهم أرنى آية لا أبالى من كذبني بعدها فدعا شجرة مثله وذكر، وحزنه صلى الله عليه وسلم لتكذيب قومه وطلبه الآية لهم لا له وذكر ابن اسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم أرى ركانة مثل هذه الآية في شجرة دعاها فأتت حتى وقفت بين يديه ثم قال ارجعي فرجعت وعن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم شكى إلى ربه من قومه وأنهم يخوفونه وساله آية يعلم بها أن لا مخافة عليه فأوحى إليه أن ائت وادى كذا فيه شجرة فادع غصنا


(قوله في غزوة الطائف) كانت في السنة الثامنة بعد الفتح وبعد حنين (قوله وسن) بفتح الواو وكسر السين المهملة أي نعسان (قوله وحزنه صلى الله عليه وسلم لتكذيب قومه) فان قلت قد سبق في حديث هند بن أبى هالة أن ابن القيم قال إنه صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يكون حزنه على الكفار لأن الله تعالى قد نهاه عنه قلت لعل الحزن الذى في الحديث المفسر هنا قبل النهى عن حزنه على الكفار على أن حزنه لتكذيب قومه لا يلزم أن يكون حزنا عليهم لجواز أن يكون لما نسبوه إليه مما هو معصوم منه وهو الكذب (*)

[ 303 ]

منها يأتك ففعل فجاء يخط الأرض خطا حتى انتصب بين يديه فحبسه ما شاء الله ثم قال له ارجع كما جئت فرجع فقال يا رب علمت أن لا مخافة على * ونحو منه عن عمر وقال فيه أرنى آية لا أبالى من كذبني بعدها وذكر نحوه وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أنى رسول الله قال نعم فدعاه فجعل ينقز حتى أتاه فقال ارجع فعاد إلى مكانه وخرجه الترمذي وقال هذا حديث صحيح. فصل في قصة حنين الجذع ويعضد هذه الأخبار حديث أنين الجذع وهو في نفسه مشهور منتشر والخبر به متواتر قد خرجه أهل الصحيح ورواه من الصحابة بضعة عشر منهم أبى بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وسهل بن سعد وأبو سعيد الخدرى وبريدة وأم سلمة والمطلب بن أبى وداعة كلهم يحدث بمعنى هذا الحديث قال الترمذي وحديث أنس صحيح قال جابر بن عبد الله كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا


(قوله العذق) بكسر العين المهملة بعدها ذال معجمة: الكناسة وهو التمر بمنزلة العنقود من العنب كذا في الصحاح (قوله ينقز) بالقاف المضمومة والزاى أي ينبت صعدا (*)

[ 304 ]

خطب يقوم إلى جذع منها فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار. وفى رواية أنس حتى ارتج المسجد بخواره وفى رواية سهل وكثر بكاء الناس لما رأوا به. وفى رواية المطلب وأبى حتى تصدع وانشق حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت، زاد غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا بكى لما فقد من الذكر وزاد غيره والذى نفسي بيده لو لم التزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن تحت المنبر كذا في حديث المطلب وسهل ابن سعد وإسحاق عن أنس وفى بعض الروايات عن سهل فدفنت تحت منبره أو جعلت في السقف. وفى حديث أبى فكان إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليه فلما هدم المسجد أخذه أبى فكان عنده إلى أن أكلته الأرض وعاد رفاتا. وذكر الاسفرائنى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض فالتزمه ثم أمره فعاد إلى مكانه. وفى حديث بريدة فقال يعنى النبي صلى الله عليه وسلم إن شئت اردك إلى الحائط الذى كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك


(قوله العشار) بكسر العين المهملة وتخفيف الشين المعجمة هي النوق الحوامل واحدها عشراء بضم العين وفتح الشين والمد، وقال ابن دريد هي التى أتى لحملها عشرة أشهر (قوله بخواره) هو بضم المعجمة وتخفيف الواو. الصوت للشاء والظى والبقر وبضم الجيم وفتح الهمزة صوت البقر والناس (*)

[ 305 ]

ويجدد لك خوص وثمرة وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك، ثم اصغي له النبي صلى الله عليه وسلم يستمع ما يقول فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل منى أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه فسمعه من يليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلت ثم قال اختار دار البقاء على دار الفناء فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه لمكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه، رواه عن جابر حفص بن عبيد الله ويقال عبد الله بن حفص وأيمن وأبو نضرة وابن المسيب وسعيد بن أبى كرب وكريب وأبو صالح ورواه عن أنس بن مالك الحسن وثابت وإسحاق بن أبى طلحة ورواه عن ابن عمر نافع وأبو حية ورواه أبو نضرة وأبو الوداك عن أبى سعيد وعمار بن أبى عمار عن ابن عباس وأبو حازم وعباس بن سهل عن سهل بن سعد وكثير بن زيد عن المطلب وعبد الله بن بريدة عن أبيه والطفيل بن أبى عن أبيه قال القاضى أبو الفضل وفقه الله فهذا


(قوله وأيمن) هو أيمن الحبشى مولى ابن أبى عمرة المخزومى (قوله وأبو نضرة) بالنون والضاد المعجمة: اسمه المنذر بن مالك ولا نعلم أبو بصرة - بالموحدة والمهملة - إلا جميل الغفاري الصحابي وليس له شئ عن جابر (قوله وأبو حية) بفتح الحاء المهملة بعدها مثناة تحتية: الكلبى الكوفى (قوله وأبو حازم) بالحاء المهملة والزاى هو سلمة بن دينار الأعرج المدينى أحد الأعلام (قوله وعباس) بالموحدة والسين المهملة (قوله وكثير) بفتح الكاف وكسر المثلثة (قوله وعبد الله بن بريدة هو قاضى مرو وعاملها (قوله والطفيل) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء المخففة (20 - 1) (*)

[ 306 ]

حديث كما تراه خرجه أهل الصحة من ذكرنا وغيرهم من التابعين ضعفهم إلى من لم نذكره وبدون هذا العدد يقع العلم لمن اعتنى بهذا الباب والله المثبت على الصواب. فصل ومثل هذا في سائر الجمادات حدثنا القاضى أبو عبد الله محمد بن عيسى التيمى حدثنا القاضى أبو عبد الله محمد بن المرابط حدثنا المهلب حدثنا أبو القاسم حدثنا أبو الحسن القابسى حدثنا المروزى حدثنا الفربرى حدثنا البخاري حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفى غير هذه الرواية عن ابن مسعود كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيحه، وقال أنس أخذ النبي صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فسبحن في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت التسبيح ثم صبهن في يد أبى بكر رضى الله عنه فسبحن ثم في أيدينا فما سبحن * وروى مثله أبو ذر وذكر أنهن سبحن في كف عمر وعثمان رضى الله عنهما وقال على كنا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله


(قوله أبو أحمد الزبيري) بضم الزاى وفتح الموحدة وهو محمد بن عبد الله بن الزبير نسب إلى جده (قوله إسرائيل) هو ابن يونس بن أبى اسحاق السبيعى الكوفى (*)

[ 307 ]

شجرة ولا جبل إلا قال له السلام عليك يا رسول الله * وعن جابر بن سمرة عنه صلى الله عليه وسلم إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على، قيل إنه الحجر الأسود * وعن عائشة رضى الله عنها لما استقبلني جبريل عليه السلام بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله. وعن جابر بن عبد الله لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. وفى حديث العباس إذا اشتمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بنيه بملاءة ودعا لهم بالستر من النار كستره إياهم بملاءته فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت آمين آمين. وعن جعفر بن محمد عن أبيه مرض النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فسبح. وعن أنس صعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان أحدا فرجف بهم فقال اثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان ومثله عن أبى هريرة في حراء وزاد معه وعلى وطلحة والزبير وقال فإنما عليك نبى أو صديق أو شهيد والخبر في حراء أيضا عن عثمان قال ومعه عشرة من أصحابه أنا فيهم وزاد عبد الرحمن وسعدا قال ونسيت الاثنين. وفى حديث سعيد ابن زيد أيضا مثله وذكر عشرة وزاد نفسه


(قوله قيل إنه الحجر الأسود) قال السهيلي روى في بعض المسندات أنه الحجر الأسود (قوله بملاءة) بضم الميم والمد: الملحفة والجمع ملا (قوله أسكفة الباب) أي عتبته ويقال أسكوفة أيضا (*)

[ 308 ]

وقد روى أنه حين طلبته قريش قال له ثير اهبط يا رسول الله فإنى أخاف أن يقتلوك على ظهرى فيعذبين الله فمال حراء إلى يا رسول الله. وروى ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر (وما قدروا الله حق قدره) ثم قال يمجد الجبار نفسه يقول أنا الجبار أنا الجبار أنا الكبير المتعال فرجف المنبر حتى قلنا ليخرن عنه وعن ابن عباس كان حول البيت ستون وثلثمائة ضم مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجارة فأما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد عام الفتح جعل يشير بقضيب في يده إليها ولا يمسها ويقول (جاء الحق وزهق الباطل) الآية فما أشار إلى وجه صنم إلا وقع لقفاه ولا لقفاه إلى وقع لوجهه حتى ما بقى منها صنم، ومثله في حديث ابن مسعود وقال فجعل يطعنها ويقول جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد، ومن ذلك حديثه مع الراهب في ابتداء أمره إذ خرج تاجرا مع عمه وكان الراهب لا يخرج إلى أحد فخرج وجعل


(قوله ثبير) بمثلثة مفتوحة فموحدة مكسورة: جبل المزدلفة وللعرب جبال أربعة أخرى حجازية كل منها يسمى ثبيرا (قوله يطعنها) بضم العين المهملة وقد تفتح (قوله مع الراهب) هو بحيرى بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة والقصر قال الذهبي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم قبل المبعث وآمن به ذكره ابن منده وأبو نعيم في الصحابة وقال السيهلى وقع في سيرة الزهري إنه كان حبرا من يهود تيما وفى المسعودي إنه كان من عبد القيس واسمه جرجس إذ خرج تاجرا مع عمه، قيل لم يخرج عليه السلام في هذه المرة تاجرا وإنما خرج تاجرا بعد ذلك مع ميسرة غلام خديجة وفى هذه الخرجة لقى نسطور الراهب، ويمكن الجواب بأن (تاجرا) حال من عمه لا من الضمير المستتر في خرج (*)

[ 309 ]

بتخللهم حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا سيد العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ من قريش ما علمك فقال إنه لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا له ولا يسجد إلا لنبى وذكر القصة ثم قال وأقبل صلى اقله عليه وسلم وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فئ الشجرة فلما جلس مال الفئ إليه فصل في الآيات في ضروب الحيوانات حدثنا سراج بن عبد الملك أبو الحسين الحافظ حدثنا أبى حدثنا القاضى أبو يونس حدثنا أبو الفضل الصقلى حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت عن أبيه وجده قالا حدثنا أبو العلاء أحمد بن عمران حدثنا محمد ابن فضيل حدثنا يونس بن عمرو حدثنا مجاهد عن عائشة رضى الله عنها قالت كان عندنا داجن فإذا كان عندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قر وثبت مكانه فلم يحئ ولم يذهب وإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء وذهب، وروى عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي قد صاد ضبا فقال من هذا قالوا نبى الله فقال واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب وطرحه بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم


(قوله داجن) بالدال المهملة والجيم المكسورة: ما يألف البيت من الحيوان، يقال دجن فيه بيته إذا ألزمه (قوله في محفل) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الفاء. أي مجتمع (*)

[ 310 ]

له ياضب، فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال من تعبد ؟ قال الذى في السماء عرشه وفى الأرض سلطانه وفى البحر سبيله وفى الجنة رحمته وفى النار عقابه: قال فمن أنا ؟ قال رسول رب العالمين وخاتم النبيين وقد أفلح من صدقك وخاب من كذبك. فأسلم الأعرابي * ومن ذلك قصة كلام الذئب المشهورة عن أبى سعيد الخدرى: بينا راع يرعى غنما له عرض الذئب لشاة منها فأخذها منه فأقعى الذئب وقال للراعي ألا تتقى الله حلت بينى وبين رزقي قال الراعى العجب من ذئب يتكلم بكلام الانس، فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ رسول الله بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فأتى الراعى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم له قم فحدثهم، ثم قال صدق، والحديث فيه قصة وفى بعضه طول وروى حديث الذئب عن أبى هريرة وفى بعض الطرق عن أبى هريرة رضى الله عنه فقال الذئب أنت أعجب واقفا على غنمك وتركت نبيا لم يبعث الله نبيا قط أعظم منه عنده قدرا قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على أصحابه ينظرون قتالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب فتصير في جنود الله، قال الراعى من لى بغنمي ؟ قال الذئب أنا أرعاها حتى ترجع فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى وذكر


(قوله بين الحرتين) تثنة حرة بفتح المهملة، وهى أرض ذات حجارة سود (قوله الشعب) بكسر الشين المعجمة ما يفرج بين الجبلين (*)

[ 311 ]

قصته وإسلامه ووجوده النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم عد إلى غنمك تجدها بوفرها فوجدها كذلك وذبح لذئب شاة منها، وعن أهبان بن أوس وأنه كان صاحب القصة والمحدث بها ومكلم الذئب وعن سلمة بن عمرو بن الأكوع وأنه كان صاحب هذه القصة أيضا وسبب إسلامه بمثل حديث أبى سعيد وقد روى ابن وهب مثل هذا أنه جرى لأبى سفيان بن حرب وصفوان بن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيا فدخل الظبى الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك فقال الذئب أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار فقال أبو سفيان واللات والعزى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفا، وقد روى مثل هذا الخبر وأنه جرى لأبى جهل وأصحابه وعن عباس بن مرداس لما تعجب من كلام ضمار صنمه وإنشاده الشعر الذى ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم فإذا طائر سقط فقال يا عباس أتعجب من كلام ضمار ولا تعجب من نفسك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام وأنت جالس فكان سبب إسلامه، وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما عن رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وهو على بعض حصون خيبر وكان في غنم


(قوله خلوفا) بضم الخاء المعجمة واللام. من قولهم حى خلوف إذا غاب رجالهم وبقى نساؤهم أو من خلوف الفم تغيره (قوله ضمار) بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الميم وفى آخره راء (*)

[ 312 ]

يرعاها لهم فقال يا رسول الله كيف بالغنم قال أحصب وجوهها فإن الله سيؤدى عنك أمانتك ويردها إلى أهلها ففعل فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها، وعن أنس رضى الله عنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائط أنصارى وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار رضى الله عنهم وفى الحائط غنم فسجدت له فقال أبو بكر نحن أحق بالسجود لك منها - الحديث - وعن أبى هريرة رضى الله عنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا فجاء بعير فسجد له وذكر مثله، ومثله في الجمل عن ثعلبة ابن مالك وجابر بن عبد الله ويعلى بن مرة وعبد الله بن جعفر قال وكان لا يدخل أحد الحائط إلا شد عليه الجمل فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم دعاه فوضع مشفره على الأرض وترك بين يديه فخطمه وقال ما بين السماء والأرض شئ إلا يعلم أنى رسول الله إلا عاصي الجن والإنس ومثله عن عبد الله بن أبى أوفى وفى خبر آخر في حديث الجمل أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن شأنه فاخبروه أنهم أرادوا ذبحه وفى رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم إنه شكى كثرة العمل وقلة العلف، وفى رواية أنه شكى إلى أنكم


(قوله عن ثعلبة) قال المزى هو ثعلبة بن مالك القرظى لا نعرف في الصحابة من إسمه ثعلبة بن مالك غيره، قدم من اليمن على دين اليهود فنزل في بنى قريظة فنسب إليهم ولم يكن منهم (قوله مشفره) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة، في الصحاح المشفر من البعير كالجحفلة، من الفرس والجحفلة للحافر كالشفة للإنسان (*)

[ 313 ]

أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره فقالوا نعم وقد روى في قصة العضباء وكلامها للنبى صلى الله عليه وسلم وتعريفها له بنفسها ومبادرة العشب إليها في الرعى وتجنب الوحوش عنها وندائهم لها إنك لمحمد وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت، ذكره الإسفرائنى، وروى ابن وهب أن حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها فدعا لها بالبركة وروى عن أنس وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمر الله ليلة الغار شجرة فنبتت تجاه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته وأمر حمامتين فوقفتا بفم الغار، وفى حديث آخر وأن العنكبوت نسجت على بابه فلما أتى الطالبون له ورأوا ذلك قالوا لو كان فيه أحد لم تكن الحمامتان ببابه والنبى صلى الله عليه وسلم يسمع كلامهم فانصرفوا، وعن عبد الله بن قرط قرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدنات خمس أو ست أو سبع لينحرها يوم


(قوله وقد روى في قصة العضبا) قيل العضبا والقصوى والجذعا ثلاثة أسماء والمسمى واحد وقيل إنهن ثلاث، وقيل الجذعا والقصوى واحد والعضبا أخرى (قوله أمر الله شجرة) قال قاسم بن ثابت هي الراة، وقال أبو حنيفة رحمه الله الراة من أعلا الشجر ويكون مثل قامة الإنسان ولها خيطان وهو أبيض يحشى منه المخاد ويكون كالريش لخفته ولينه لأنه كالقطن (قوله عبد الله بن قرط) بضم القاف قال ابن عبد البر كان اسم عبد الله في الجاهلية شيطانا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله (*)

[ 314 ]

عيد فاردلفن إليه بايهن يبدأ وعن أم سلمة كان النبي صلى الله عليه وسلم في صحراء فنادته ظبية يا رسول الله قال ما حاجتك قالت صادني هذا الأعرابي ولى خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فارضعهما وأرجع قال: أو تفعلين ؟ قالت: نعم فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها فانتبه الأعرابي وقال يا رسول الله ألك حاجة ؟ قال تطلق هذه الظبية، فاطلقها فخرجت تعدو في الصحراء وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ومن هذا الباب ما روى من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وجهه إلى معاذ باليمن فلقى الأسد فعرفه أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابه فهمهم وتنحى عن الطريق وذكر في منصرفه مثل ذلك وفى رواية أخرى عنه أن سفينة تكسرت به فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد فقلت أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامنى على الطريق وأخذ عليه السلام بأذن شاة لقوم من عبد القيس بين إصبعيه ثم خلاها فصار لها ميسما وبقى ذلك الأثر فيها وفى نسلها بعد وما روى عن إبراهيم بن حماد بسنده من كلام الحمار الذى أصابه بخيبر وقال له اسمى يزيد بن شهاب فسماه النبي صلى الله عليه وسلم يعفورا وأنه كان يوجهه إلى دور اصحابه فيضرب


(قوله فازدلفن) بالزاى والفاء: أي تقربن (قوله من كلام الحمار) في سيرة مغلطاى كان له صلى الله عليه وسلم من الحمير يعفر وعفير ويقال هما واحد وآخر أعطاه سعد بن عبادة (*)

[ 315 ]

عليهم الباب برأسه ويستدعيهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات تردى في بئر جزعا وحزنا فمات، وحديث الناقة التى شهدت عند النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه، وفى حديث العنز التى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره وقد أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء وهم زهاء ثلثمائة فحلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأروى الجند ثم قال لرافع أملكها وما أراك فربطها فوجدها قد انطلقت، رواه ابن قانع وغيره، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الذى جاء بها هو الذى ذهب بها وقال لفرسه عليه السلام وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره لا تبرح بارك الله فيك حتى نفرغ من صلاتنا وجعله قبلته فما حرك عضوا حتى صلى صلى الله عليه وسلم، ويلتحق بهذا ما رواه الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وجه رسله إلى الملوك فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد فأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم، والحديث في هذا الباب كثير وقد جئنا منه بالمشهور وما وقع في كتب الأئمة.


(قوله لفرسه) الخيل المتفق عليها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الحافظ الدمياطي سبعة وقد نظمهما القاضى بدر الدين بن جماعة في بيت فقال والخيل سكب لجيف سبحة ظرب لزاز مرتجن ورد لها اسرار (*)

[ 316 ]

فصل في إحياء الموتى وكلامهم (وكلام الصبيان والمراضع وشهادتهم له بالنبوة صلى الله عليه وسلم) حدثنا أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه والقاضى أبو الوليد محمد بن رشد والقاضى أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي وغير واحد سماعا وإذنا قالوا حدثنا أبو على الحافظ حدثنا أبو عمر الحافظ حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا ابن الأعرابي حدثنا أبو داود حدثنا وهب بن بقية عن خالد هو الطحان عن محمد بن عمر وعن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه أن يهودية أهدت للنبى صلى الله عليه وسلم بخيبر شاة مصلية سمتها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم فقال ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة فمات بشر بن البراء وقال للهيودية ما حملك على ما صنعت ؟ قالت: إن كنت نبيا لم بضرك الذى صنعت وإن كنت ملكا أرحت الناس منك قال فأمر بها فقتلت. وقد روى هذا الحديث أنس وفيه قالت أردت قتلك فقال (ما كان الله ليسلطك على ذلك) فقالوا: تقتلها قال (لا) وكذلك


(قوله عن أبى سلمة عن أبى هريرة) قال المزى في الأطراف هكذا وقع هذا الحديث في رواية أبى سعيد ابن الأعرابي عن أبى داود وعندنا في الرواة عن أبى سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس فيه عن أبى هريرة (قوله مصلية) بفتح الميم وسكون الصاد المهملة أي مشوبة (قوله بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة هو ابن البراء ابن معرور. بفتح الميم وسكون العين المهملة (*)

[ 317 ]

روى عن أبى هريرة من رواية غير وهب قال فما عرض لها، ورواه أيضا جابر بن عبد الله وفيه أخبرتني به هذه الذراع قال ولم يعاقبها وفى رواية الحسن أن فخذها تكلمني أنها مسمومة، وفى رواية أبى سلمة ابن عبد الرحمن قالت إنى مسمومة، وكذلك ذكر الخبر ابن اسحاق وقال فيه فتجاوز عنها، وفى الحديث الآخر عن أنس أنه قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذى مات فيه (ما زالت أكلة خيبر تعادنى فالآن أوان قطعت أبهرى) وحكى ابن اسحاق إن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة، وقال ابن سحنون أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل اليهودية التى سمته، وقد ذكرنا اختلاف الروايات في ذلك عن أبى هريرة وأنس وجابر وفى رواية ابن عباس رضى الله عنهما


(قوله في لهوات) بثلاث فتحات جمع لهاة وهى في الأصل اسم اللحمة في أقصى الفم (قوله أكلة خيبر) بضم الهمزة (قوله تعادنى) بضم أوله ورابعه وتشديده أي يراجعني ويعاودني ألم سمها قال الداودى: الألم الذى حصل له صلى الله عليه وسلم من الأكلة هو نقص لذة ذوقه، قال ابن الأثير وليس مبين لأن نقص الذوق ليس بألم (قوله أبهرى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة عرق بكشف الصلب والقلب إذا انقطع مات صاحبه، فان قيل ما الجمع بين قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) وبين هذا الحديث المقتضى لعدم العصمة لأن موته عليه السلام بالسم لصادر من اليهودية والجواب أن الآية نزلت عام تبوك والسم كان بخيبر قبل ذلك (*)

[ 318 ]

أنه دفعها لأولياء بشر بن البراء فقتلوها، وكذلك قد اختلف في قتله للذى سحره، قال الواقدي وعفوه عنه اثبت عندنا وقد روى عنه أنه قتله وروى الحديث البزار عن أبى سعيد فذكر مثله إلا أنه قال في آخره فبسط يده وقال كلوا بسم الله فأكلنا وذكر اسم الله فلم تضر منا أحدا قال القاضى أبو الفضل وقد خرج حديث الشاة المسمومة أهل الصحيح وخرجه الأئمة وهو حديث مشهور واختلف أئمة أهل النظر في هذا الباب فمن قائل يقول هو كلام يخلقه الله تعالى في الشاة الميتة أو الحجر أو الشجر وحروف وأصوات يحدثها الله فيها ويسمعها منها دون تغيير أشكالها ونقلها عن هيئتها وهو مذهب الشيخ أبى الحسن والقاضى أبى بكر رحمهما الله وآخرون ذهبوا إلى إيجاد الحياة بها أولا ثم الكلام بعده، وحكى هذا أيضا عن شيخنا أبى الحسن وكل محتمل والله


(قوله عن شيخنا أبى الحسن) أي الأشعري وهو على بن اسمعيل ابن أبى بشر بن سالم بن اسمعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبى بردة بن أبى موسى عبد الله بن قيس الأشعري، أخذ فقه الشافعي عن أبى إسحاق المروزى، كذا في طبقات السبكى، وبه رد على من قال أنه مالكى وكان في أول أمره بمعتزليا تلميذا للجبائي وكان صاحب نظر وإقدام على الخصوم وكان الجبائى صاحب تصنيف فكان الجبائى إذا عرضت له مناظرة يقول للأشعري نب عنى، وأقام الأشعري على الاعتزال أربعين سنة ثم إنه غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوما ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال أيها الناس إنما تغيبت عنكم هذه المدة لأنى نظرت فتكافأت عندي الأدلة ولم يترجح عندي شئ على شئ فاستهديت الله تعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ودفع الكتب التى ألفها على مذهب أهل السنة للناس، ولد سنة ستين ومائتين وتوفى سنة ست وثلاثين وقبل سنة أربع وعشرين وثلاثمائة (*)

[ 319 ]

أعلم إذ لم يجعل الحياة شرطا لوجود الحروف والأصوات إذ لا يستحيل وجودها مع عدم الحياة بمجردها فأما إذا كانت عبارة عن الكلام النفسي فلا بد من شرط الحياة لها إذ لا يوجد كلام النفس إلا من حى خلافا للجبائي من بين سائر متكلمي الفرق في إحالة وجود الكلام اللفظى والحروف والأصوات إلا من حى مركب على تركيب من يصح منه النطق بالحروف والأصوات والتزم ذلك في الخصا والجذع والذراع وقال إن الله خلق فيها حياة وخرق لها فما ولسانه وآلة أمكنها بها من الكلام وهذا لو كان لكان نقله والتهمم به آكد من التهمم بنقل تسبيحه أو حنينه ولم ينقل أحد من أهل السير والرواية شيئا من ذلك فدل على سقوط دعواه مع أنه لا ضرورة إليه في النظر والموفق الله، وروى وكيع رفعه عن فهد بن عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصبى قد شب لم يتكلم قط فقال من أنا فقال رسول الله، وروى عن معرض بن معيقيب رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم عجبا جئ بصبى يوم ولد فذكر مثله، وهو حديث مبارك اليمامة ويعرف


(قوله للجبائي) هو أبو على محمد بن عبد الوهاب رئيس المعتزلة في عصره بالبصرة، قال الذهبي وابن خلكان: وجبى: مدينة ورستاق عريض مشتبك العماير والنخيل وقصب السكر وغيرها، مات سنة ثلاث وثلاثمائة (*)

[ 320 ]

بحديث شاصوته اسم راويه وفيه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (صدقت بارك الله فيك) ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب فكان يسمى مبارك اليمامة، وكانت هذه القصة بمكة في حجة الوداع، وعن الحسن أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له أنه طرح بنية له في وادى كذا فانطلق معه إلى الوادي. وناداها باسمها يا فلانة أجيبي بإذن الله فخرجت وهى تقول لبيك وسعديك فقال لها إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردك عليهما قالت لا حاجة لى فيهما وجدت الله خيرا لى منهما، وعن أنس أن شابا من الأنصار توفى وله أم عجوز عمياء فسجيناه وعزيناها فقالت مات ابني قلنا نعم قالت اللهم أن كنت تعلم أنى هاجرت إليك وإلى رسولك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملن على هذه المصيبة فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا وروى عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري كنت فيمن دفن ثابت بن قيس بن شماس وكان قتل باليمامة فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الشهيد، عثمان البر الرحيم فنظرنا فإذا هو ميت، وذكر عن النعمان بن بشير أن زيد بن خارجة خر ميتا في بعض أزقة المدينة فرفع وسجى إذ سمعوه


(قوله أن زيد بن خارجة) بن زيد بن أبى زهير، قال أبو نعيم الأصبهاني خارجة بن زيد تكلم بعد الموت ثم قال الصحيح أن الذى تكلم بعد الموت زيد بن خارجة، كذا قال أبو عمرو قال الذهبي زيد بن خارجة المتكلم بعد الموت أبوه، وذلك وهم لأنه قتل يوم أحد (*)

[ 321 ]

بين العشاءين والنساء يصرخن حوله يقول أنصتوا أنصتوا فحسر عن وجهه فقال محمد رسول الله النبي الأمي وخاتم النبيين كان ذلك في الكتاب الأول ثم قال صدق صدق، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ثم عاد ميتا كما كان فصل في إبراء المرضى وذوى العاهات أخبرنا أبو الحسن على بن مشرف فيما أجازنيه وقرأته على غيره قال حدثنا أبو إسحاق الحبال حدثنا أبو محمد بن النحاس حدثنا أبو الورد عن البرقى عن ابن هشام عن زياد البكائى عن محمد بن اسحاق حدثنا ابن شهاب وعاصم بن عمر بن قتادة وجماعة ذكرهم بقضية أحد بطولها قال وقالوا قال سعد بن أبى وقاص إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليناولني السهم لا نصل له فيقول ارم به وقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قوسه حتى اندقت وأصيب يومئذ


(قوله عن هشام) هو محمد بن عبد الملك بن هشام بن أيوب أصله من البصرة وتوفى بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين (قوله عن زياد البكائى) بفتح الموحدة وتشديد الكاف (قوله ابن هشاب) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله الزهري ممن يروى عنه ابن اسحاق وفى بعض النسخ ابن هشام وليس بصحيح (قوله لا نصل له) بالنون المفتوحة والصاد المهملة الساكنة (قوله وقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بقوسه) كان له عليه السلام قسى الروحاء والصفراء - من نبع وهو بنون فموحدة فمهملة شجر من شجر الجبال تتخذ منه القسى ومن أغصانه السهام - والبيضاء وشوحط أصابها من بنى قينقاع والزوراء والكتوم - لا نخفاض من صوتها إذا رمى عليها - قيل والسداد قال صاحب الهدى والتى انكسرت في إحدى الغزوات الكتوم (21 - 1) (*)

[ 322 ]

عين قتاده يعنى ابن النعمان حتى وقعت على وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن عينيه وروى قصة قتاده عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن عياض بن عمر بن قتاده ورواها أبو سعيد الخدرى عن قتادة وبصق على أثر سهم في وجه أبى قتادة في يوم ذى قرد قال فما ضرب على ولا قاح، وروى النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال يا رسول الله ادع الله أن يكشف لى عن بصرى قال فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبى محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصرى اللهم شفعه في قال فرجع وقد كشف الله عن بصره، وروى أن ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده حثوة من الأرض فتفل عليها ثم أعطاها رسوله فأخذها متعجبا يرى أن قد هزئ به فأتاه بها وهو على الشفا فشربها فشفاه الله،


(قوله في يوم ذى قرد) بفتح القاف والراء ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، قال ابن سعد كان يوم ذى قرد في ربيع الأول سنة ست وفى البخاري كان قبل خيبر بثلاثة أيام (قوله قاح) بالقاف والحاء المهملة يقال قاح الجرح وقيح إذا حصل فيه المدة التى لا يخالطها دم (قوله وروى النسائي) هو الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب صاحب السنن توفى سنة عشرين وثلاثمائة ولم يتأخر بعد الثلاثمائة من أصحاب الكتب الستة إلا هو (قوله عثمان بن حنيف) بضم الحاء المهملة وفتح النون شهد أحدا وما بعدها وتولى مسح سواد العراق لعمر (قوله على شفا) بفتح الشين المعجمة والقصر يقال أشفى المريض على الموت وما بقى منه إلا شفا أي قليل (*)

[ 323 ]

وذكر العقيلى عن حبيب بن فديك ويقال فريك أن أباه ابيضت عيناه فكان لا يبصر بهما شيئا فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين، ورمى كلثوم بن الحصين يوم أحد في نحره فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فبرا وتفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تمد، وتفل في عينى على يوم خيبر وكان رمدا فأصبح بارئا ونفث على ضربة بساق سلمة ابن الأكوع يوم خيبر فبرئت وفى رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف، إلى الكعب حين قتل ابن الأشرف فبرئت وعلى ساق على بن الحكم يوم الخندق إذ انكسرت فبرئ مكانه وما نزل عن فرسه واشتكى على بن أبى طالب فجعل يدعو فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اشفه أو عافه ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك الوجع بعد


(قوله وذكر العقيلى) بضم العين المهملة هو الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد المكى صاحب كتاب الضعفاء (قوله كلثوم بن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (قوله فبرأ) يقال برأ من المرض بفتح الراء وبرئ من الدين بكسرها (قوله فلم تمد) بضم أوله وكسر ثانيه من أمد الجرح صار فيه مدة (قوله وفى رجل زيد بن معاذ) قيل لم يحضر هذه الواقعة أحد يسمى زيد بن معاذ بل ولا في الصحابة أحد يسمى زيد بن معاذ إلا أن يكون نسب إلى جد له أو إلى خلاف الظاهر والذى خرج في رجله أو في رأسه على الشك من الراوى في قتل كعب بن الأشرف إنما هو الحرث بن أوس بن معاذ بن النعمان وقيل الحرث ابن أوس بن النعمان وقيل هما واحد نسب في أحدهما إلى جده (*)

[ 324 ]

وقطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت، رواه ابن وهب * ومن روايته أيضا أن خبيب بن يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربة على عاتقه حتى مال شقه فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفث عليه حتى صح، وأتته امرأة من خثعم معها صبى به بلاء لا يتكلم فأتى بماء فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إياه وأمرها بسقيه ومسه به فبرأ الغلام وعقل عقلا يفضل عقول الناس * وعن ابن عباس جاءت امرأة بابن لها به جنون فمسح صدره فثع ثعة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فسعى، وانكفأت القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل فمسح عليه ودعا له وتفل فيه فبرأ لحينه وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلمة تمنعه القبض على السيف وعنان


(قوله وقطع أبو جهل) قيل المعروف أن عكرمة بن أبى جهل فعل ذلك بمعاذ ابن عمرو بن الجموع حين ضرب أباه (قوله معوذ) بكسر الواو المشددة وفتحها. صحابي معروف قتل يوم بدر (قوله خبيب بن إساف) خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة المخففة وإساف بكسر الهمزة ويقال يساف بالمثناة التحتية شهد بدرا وأحدا وما بعدهما كان نازلا بالمدينة فتأخر إسلامه حتى سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فلحقه في الطريق فأسلم وشهد يدرا فضربه رجل على عاتقه يومئذ فمال شقه فتفل صلى الله عليه وسلم على شقه ولا يمه ورده فانطلق فقتل الذى ضربه ثم تزوج ابنه بعتد ذلك فكانت تقول لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح فيقول لا عدمت رجلا عجل أباك إلى النار (قوله فثع) بالمثلثة والعين المهملة المشددة أي قاء (قوله مثل الجرو) هو بتثليث الجيم ولد الكلب والسبع (قوله ابن حاطب) بالحاء والطاء المهملتين (قوله سلعة) بكسر السين المهملة زيادة تحدث في الجسد كالغدة تكون من قدر الحمصة إلى قدر البطيخة (*)

[ 325 ]

الدابة فشكاها للنبى صلى الله عليه وسلم فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثر وسألته جارية طعاما وهو يأكل فناولها من بين يديه وكانت قليلة الحياء فقالت إنما أريد من الذى في فيك فناولها ما في فيه، ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه فلما استقر في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشد حياء منها. فصل في إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم (وهذا باب واسع جدا) وإجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة بما دعا لهم وعليهم متواتر على الجملة معلوم ضرورة * وقد جاء في حديث حذيفة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده * حدثنا أبو محمد العتابى بقراءتي عليه حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد حدثنا أبو الحسن القابسى حدثنا أبو زيد المروزى حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن أبى الأسود حدثنا حرمى حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضى الله عنه قال قالت أمي يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له قال اللهم أكثر ما له وولده وبارك له فيما آتيته، ومن رواية عكرمة قال أنس فو الله إن مالى لكثير وإن ولدى


(قوله يطحنها) بفتح الحاء المهملة مضارع طحن بفتحها أيضا (قوله العتابى) بفتح المهملة وتشديد الفوقية (قوله ومن رواية عكرمة) هو ابن حمار الحنفي اليماني يروى عن الهرماس وعن طاوس وطائفة، والهرماس له صحبة (*)

[ 326 ]

وولد ولدى ليعادون اليوم على نحو المائة، وفى رواية فما اعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت ولقد دفنت بيدى هاتين مائة من ولدى لا أقول سقطا ولا ولد ولد * ومنه دعاؤه لعبد الرحمن بن عوف بالبركة قال عبد الرحمن فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا وفتح الله عليه ومات فحفر الذهب من تركته بالفؤس حتى مجلت فيه الأيدى وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا وكن أربعا وقيل مائة ألف وقيل بل صولحت إحداهن لأنه طلقها في مرضه على نيف وثمانين ألفا وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية في حياته وعوارفه العظيمة أعتق يوما ثلاثين عبدا وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل


(قوله ليعادون) بضم المثناة التحتية وتخفيف العين وتشديد الدال المهملتين (قوله سقط) بتثليث السين المهملة والقاف الجنين الذى يسقط قبل تمامه (قوله ما به) في صحيح البخاري قال أنس وحدثتني ابنتى أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحاجاج البصرة عشرون ومائة انتهى، وكان مقدم الحجاج البصرة سنة خمس وسبعين وكانت وفاة أنس سنة ثلاث وتسعين وقد ولد له بعد مقدم الحجاج أولاد كثيرة ومن كثرة الأولاد ما قال ابن قتيبة وقع إلى الأرض من صلب المهلب بن أبى صفرة ثلاثمائة ولد وقال بن خلكان في ترجمة تميم بن المعز بن باديس إنه خلف مائة ذكر وستين أنثى (قوله بالفؤوس) بهمزة مضمومة بعد الفاء جمع فأس بسكون الهمزة كرأس ورؤس وكأس وكؤس (قوله مجلت) بكسر الجيم وفتحها أي نفطت من العمل وحصل بين الجلد واللحم ماء (قوله وتصدق مرة بعير) بكسر العين المهملة روى الترمذي أن عبد الرحمن بن عوف أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف وقال عروة بن الزبير أوصى عبد الرحمن بن عوف بخمسين ألف دينار في سبيل الله وقال الزهري أوصى عبد الرحمن لمن بقى من أهل بدر لكل رجل بأربعمائة دينار وكانوا مائة فأخذوها وأخذها عثمان فيمن أخذ وأوصى بألف فرس في سبيل الله (*)

[ 327 ]

من كل شئ فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها ودعا لمعاوية بالتمكين فنال الخلافة، ولسعد بن أبى وقاص رضى الله عنه أن يجيب الله دعوته فما دعا على أحد إلا استجيب له، ودعا لعز الإسلام بعمر رضى الله عنه أو بأبى جهل فاستجيب له في عمر، وقال ابن مسعود رضى الله عنه ما زلنا أعتزة منذ أسلم عمر، وأصاب الناس في بعض مغازيه عطش فسأله عمر الدعاء فدعا فجاءت سحابة فسقتهم حاجتهم ثم أقلعت ودعا في الاستسقاء فسقوا ثم شكوا إليه المطر فدعا فصحوا وقال لأبى قتادة أفلح وجهك اللهم بارك له في شعره وبشره فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة، وقال للنابغة لا يفضض الله فاك فما سقطت له سن وفى رواية فكان أحسن الناس ثغرا إذا سقطت له سن نبتت له أخرى وعاش عشرين ومائة وقيل أكثر من هذا، ودعا لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل فسمى بعد الحبر. وترجمان القرآن، ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه فما اشترى شيئا إلا ربح فيه، ودعا للمقداد بالبركة فكانت عنده غرائر من المال ودعا بمثله لعروة بن أبى الجعد فقال فلقد كنت أقوم بالكناسة


(قوله وقال النابغة) هو الجعدى واسمه قيس بن عبد الله وقيل بالعكس، قال الشعر ثم بقى ثلاثين سنة لا يقوله ثم نبغ فيه فسمى النابغة (قوله الحبر) بكسر الحاء المهملة وفتحها أي العالم (قوله ترجمان) بفتح المثناة الفوقية وضمها وضم الجيم وحكى الجوهرى فتح التاء مع فتح الجيم وهو المعبر عن لغة ثانية (قوله فلقد كنت أقوم بالكناسة) بضم الكاف وتخفيف النون مكان بالكوفة وأيضا الكناسة القمامة الحاصلة من الكنس (*)

[ 328 ]

فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا، وقال البخاري في حديثه فكان لو اشترى التراب ربح فيه، وروى مثل هذا لغرقدة أيضا وندت له ناقة فدعا فجاءه بها إعصار ريح حتى ردها عليه، ودعا لأم أبى هريرة فأسلمت، ودعا لعلى أن يكفى الحر والقر فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفى الصيف ثياب الشتاء ولا يصيبه حر ولا برد، ودعا الله لفاطمة ابنته أن لا يجيعها قالت فما جعت بعد وسأله الطفيل بن عمرو آية لقومه فقال اللهم نور له فسطع له نور بين عينيه فقال يا رب أخاف أن يقولوا مثلة فتحول إلى طرف سوطه فكان يضئ في الليلة المظلمة فسمى ذا النور، ودعا على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا، ودعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه فلم تبق له باقية ولا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا ودعا على صبى قطع عليه الصلاة أن يقطع الله أثره فأقعد، وقال لرجل رآه يأكل بشماله كل بيمينك


(قوله لغرقدة) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف والدال المهملة (قوله وندت) بفتح النون والدال المشددة المهملة أي نفرت (قوله ودعا لأم أبى هريرة) قال ابن الأثير وتبعه الذهبي اسمها ميمنة وقيل ميمونة (قوله والقر) بالقاف المضمومة والراء المشددة البرد (قوله الطفيل) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء هو ابن عمرو الدوسى يلقب ذا النور قتل يوم اليمامة، وأصحاب النور أسيد بضم الهمزة بن حضير بضم الحاء المهملة وعباد بن بشر وحمزة بن عمر الأسلمي وقتادة بن النعمان والطفيل بن عمر الدوسى (قوله ودعا على كسرى) هو أبرويز بن هرمز، كذا ذكره السهيلي وغيره (قوله وقال لرجل وآه يأكل بشماله) هو عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون السين المهملة (*)

[ 329 ]

فقال: لا استطيع فقال: لا استطعت فلم يرفعها إلى فيه، وقال لعتبة ابن أبى لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد، وقال لامرأة أكلك الأسد فأكلها، وحديثه المشهور من رواية عبد الله بن مسعود رضى الله عنه في دعائه على قريش حين وضعوا السلا على رقبته وهو ساجد مع الفرث والدم وسماهم وقال فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر، ودعا على الحكم بن أبى العاص وكان يختلج بوجهه ويغمز عند النبي صلى الله عليه وسلم أي لا. فرآه فقال كذلك كن فلم يزل يختلج إلى أن مات، ودعا على محلم بن جثامة فمات لسبع فلفظته الأرض ثم وورى فلفظته مرات فألقوه بين صدين ورضموا عليه بالحجارة - الصد جانب الوادي


(قوله وقال لعتبة) المشهور أن عتبة بن أبى لهب أسلم يوم الفتح وأخوه معتب ولم يهاجرا من مكة وأن عتيبة بن أبى لهب تصغير عتبة هو الذى دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يسلط الله عليه كلبا فأكله الأسد وبعضهم قال إن عتيبة هو الذى أسلم وعتبة هو الذى دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا بنى القاضى كلامه (قوله السلا) بفتح المهملة والقصر هو في الهائم كالمثيمة لبنى آدم وهى الجلدة الرقيقة التى يكون فيها الولد من المواشى إن شقت عن وجه الفضيل ساعة ولادته يفتح وإلا قتلته وكذلك إذا انقطع السلا في البطن فإذا خرج السلا سلمت الناقد وسلم الولد وإن انقطع في بطنها هلكت وهلك الولد (قوله فلقد رأيتهم) أي معظمهم لأن عتبة بن أبى معيط لم يقتل ببدر وإنما حمل منها أسيرا ثم قتل وعمارة بن الوليد هلك على كفره بأرض الحبشة زمن عمر (قوله محلم بن جثامة) محلم بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد اللام المكسورة وجثامة بفتح الجيم وتشديد المثلثة قال السهيلي مات في حمص أيام ابن الزبير (قوله بين صدين) بضم الصاد المهملة وبفتحها وتشديد الدال المهملة أي جبلين (*)

[ 330 ]

وجحده رجل بيع فرس وهى التى شهد فيها خزيمة للنبى صلى الله عليه وسلم فرد الفرس بعد النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل وقال اللهم إن كان كاذبا فلا تبارك له فيها فأصبحت شاصية برجلها - أي رافعة - وهذا الباب أكثر من أن يحاط به. فصل في كرامته وبركاته وانقلاب الأعيان له فيما لمسه أو باشره صلى الله عليه وسلم أخبرنا أحمد بن محمد حدثنا أبو ذر الهروي إجازة وحدثنا القاضى أبو على سماعا والقاضى أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن وغيرهما قالوا حدثنا أبو الوليد القاضى حدثنا أبو ذر الهروي حدثنا أبو محمد وأبو إسحاق وأبو الهيثم قالوا حدثنا الفربرى حدثنا البخاري حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبى طلحة كان يقطف أو به قطاف وقال غيره يبطا فلما رجع قال وجدنا فرسك بحرا فكان بعدلا يجارى


(قوله شاصية) بالشين المعجمة والصاد المهملة أي رافعة (قوله حدثنا البخاري حدثنا يزيد بن زريع) كذا في كثير من النسخ وقد سقط واحد بين البخاري ويزيد لأن يزيد شيخ شيخ البخاري والسياقط هو عبد الأعلى بن حماد كذا ساقة البخاري في كتاب الجهاد ووقع في بعض النسخ (قوله يقطف) بسكون القاف وضم الطاء المهملة أي ينطو في السير وأما يقطف العنب وغيره فبكسر الطاء قاله الزمخشري في مقدمته (قوله يبطأ) بضم (*)

[ 331 ]

ونخس جمل جابر وكان قد أعيا فنشط حتى كان ما يملك زمامه وصنع مثل ذلك بفرس لجعيل الأشجعي خفقها بمخفقة معه وبرك عليها فلم يملك رأسها نشاطا وباع من بطنها بأثنى عشر ألفا وركب حمارا قطوفا لسعد بن عبادة فرده هملاجا لا يساير وكانت شعرات من شعره في قلنسوة خالد بن الوليد فلم يشهد بها قتالا إلا رزق النصر وفى الصحيح عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها وحدثنا القاضى أبو على عن شيخه أبى القاسم بن المأمون قال كانت عندنا قصة من قصاع النبي صلى الله عليه وسلم فكنا نجعل فيها الماء للمرضى فيستشفون بها وأخذ جهجاه الغفاري القضيب من يد عثمان رضى الله عنه ليكسره على ركبتيه فصاح الناس به فأخذته فيها الآكلة فقطعها ومات قبل الحول وسكب من فضل وضوئه في بئر قباء فما نزفت بعد وبزق في بئر كانت في دار أنس فلم يكن بالمدينة أعذب


أوله وتشديد الطاء المهملة المفتوحة بعدها همزة (قوله فنشط) بكسر الشين المعجمة في الماضي وفتحها في المستقبل (قوله لجعيل) بضم الجيم وفتح العين المهملة قوله بمخففة) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء بعدها قاف هي الدرة التى يضرب بها (قوله هملاجا) بكسر الهاء وسكون الميم وفى آخره جيم، في الصحاح الهملاج من البراذين ومشيها الهملجة فارسي معرب (قوله حبة طيالسة) قال النووي هو بإضافة جبة إلى طيالسة جمع طيلسان بفتح اللام على الشهور (قوله جهجاه) بجيمين أولاهما مفتوحة قال الطبري: المحدثون يزيدون في آخره هاء والصواب جهجا بدون هاء في آخره (*)

[ 332 ]

منها ومر ماء فسأل عنه فقيل له اسمه بيسان وماءه ملح فقال بل هو نعمان وماءه طيب فطاب وأتى بدلو من ماء زمزم فمج فيه فصار أطيب من المسك وأعطى الحسن والحسين لسانه فمصاه وكانا يبكيان عطشا فسكتا وكان لأم مالك عكة تهدى فيها للنبى صلى الله عليه وسلم سمنا فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا نعصرها ثم دفعها إليها فإذا هي مملوءة سمنا فيأتيها بنوها يسألونها الأدم وليس عندهم شئ فتعمد إليها فتجد فيها سمنا فكانت تقسيم إدمها حتى عصرتها وكان يتفل في أفواه الصبيان المراضع فيجزههم ريقة إلى الليل ومن ذلك بركة يده فيما لمسه وغرسه لسلمان رضى الله عنه حين كاتبه مواليه على ثلثمائة ودية يغرسها لهم كلها تعلق وتطعم وعلى أربعين أو قية من ذهب فقام صلى الله عليه وسلم وغرسها له بيده إلا واحدة غرسها غيره فأخذت كلها إلا تلك الواحدة فقلعها النبي صلى الله عليه وسلم وردها فأخذت وفى كتاب البزار فأطعم النخل من عامه إلا الواحدة فقلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرسها فاطمعت من عامها وأعطاه مثل بيضة الدجاجة


(قوله يتفل) بكسر الفاء وضمها (قوله أبو قية) بضم الهمزة على المشهور وبحذفها لغة وهى أربعون درهما والنش بفتح النون وسكون المعجمة عشرون درهما (قوله غرسها عمر) روى أبو عمر ابن عبد البر قصة سلمان وأن الذى غرس الواحدة عمر وروى البخاري في غير صحيحه أن الذى غبسها سلمان فإن قيل ما الجمع بين رواية ابن عبد البر ورواية البخاري ؟ أجيب بأن عمر وسلمان اشتركا في غرس واحدة فأضاف الراوى مرة غرسها لعمر ومرة لسلمان (*)

[ 333 ]

من ذهب بعد أن أدراها على لسانه فوزن منها لمواليه أربعين أوقية وبقى عنده مثل ما أعطاهم وفى حديث حنش بن عقيل سقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها فما برحت أجد شبعها إذا جعت وريها إذا عطشت وبردها إذا ظمئت وأعطى قتادة بن النعمان وصلى معه العشاء في ليلة مظلمة مطيرة عرجونا وقال انطلق به فإنه سيضئ لك من بين يديك عشرا ومن خلفك عشرا فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد فضربه حتى خرج ومنها دفعه لعكاشة جذل حطب وقال اضرب به حين انكسر سيفه يوم بدر فعاد في يده سيفا صار ما طويل القامة أبيض شديد المتن فقاتل به ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استشهد في قتال أهل الردة وكان هذا السيف يسمى العون ودفعه لعبد الله بن جحش يوم أحد وقد ذهب سيفه عسيب نخل فرجع في يده سيفا ومنه بركته في دور الشياه الحوائل باللبن الكثير كقصة شاة أم معبد وأعنز معاوية ابن ثور وشاة أنس وغنم حليمة مرضعته وشارفها وشاة عبد الله بن مسعود


(قوله حنش) بحاء مهملة ونون مفتوحتين بعدهما شين معجمة (قوله عرجونا) هو أصل العذق الذى يقطع منه الشماريخ فيمقى على النخل يابسا (قوله لعكاشة) بتشديد الكاف وتخفيفها (قوله وشارفها) الشارف بالشين المعجمة والفاء المسنة من النوق وقيل من الإبل (*)

[ 334 ]

وكانت لم ينز عليها فحل وشاة المقداد ومن ذلك تزيده أصحابه سقاء ماء بعد أن أوكاه ودعا فيه فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به لبن طيب وزبدة في فمه من رواية حماد بن سلمة ومسح على رأس عمير بن سعد وبرك فمات وهو ابن ثمانين فما شاب وروى مثل هذه القصص. عن غير واحد منهم السائب بن يزيد ومدلوك وكان يوجد لعتبة بن فرقد طيب يغلب طيب نسائه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بديه على بطنه وظهره وسلت الدم عن وجه عائذ بن عمرو وكان جرح يوم حنين ودعا له فكانت له غرة كغرة الفرس ومسح على رأس قيس بن زيد الجذامي ودعا له فهلك وهو ابن مائة سنة ورأسه أبيض وموضع كف النبي صلى الله عليه وسلم وما مرت يده عليه من شعره أسود فكان يدعى الأغر وروى مثل هذه الحكاية لعمرو بن ثعلبة الجهى ومسح وجه آخر فما زال على وجهه نور ومسح وجه قتادة بن ملحان فكان لوجهه بريق حتى كان ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة ووضع يده على رأس حنظلة بن حذيم وبرك عليه فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه والشاة قد ورم ضرعها فيوضع على موضع كف النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم ونضح في وجه زينب بنت أم سلمة نضحة من ماء فما يعرف كان في وجه امرأة من الجمال ما بها ومسح على رأس


(قوله لم ينز) يقال في الحافر والظلفف والسباع نزا ينزو نزوا ونزوانا (قوله أوكاه) بألف بعد الكاف يقال أوكى يوكى كما يقال أعطى يعطى (*)

[ 335 ]

صبى به عاهة فبرأ واستوى شعره ومثله روى في خبر المهلب بن قبالة وعلى غير واحد من الصبيان والمرضى والمجانين فبرؤا، وأتاه رجل به أدرة فأمره أن ينضحها بماء من عين مج فيه ففعل فبرأ * وعن طاوس لم يؤت النبي صلى الله عليه وسلم بأحد به مس فصك في صدره إلا ذهب المس الجنون، ومج في دلو من بئر ثم صب فيها ففاح منها ريح المسك، وأخذا قبضة من تراب يوم حنين ورمى بها في وجوه الكفار وقال شاهت الوجوه فانصرفوا يمسحون القذى عن أعينهم، وشكا إليه أبو هريرة رضى الله عنه النسيان فأمره ببسط ثوبه وغرف بيده فيه ثم أمره بضمه ففعل فما نسى شيئا بعد، وما يروى في هذا كثير وضرب صدر جرير بن عبد الله ودعا له وكان ذكر له أنه لا يثبت على الخيل فصار من أفرس العرب وأثبتهم، ومسح رأس عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو صغير وكان دميما ودعا له بالبركة ففرع الرجال طولا وتماما فصل (ومن ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون) والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره ولا ينزف غمره وهذه


(قوله أدرة) بضم الهمزة وسكون الدال المهملة هي نفخة في الخصية يقال رجل آدر بفتح الهمزة والدال (قوله فصك في صدره) أي ضرب (قوله قبضة) بضم القاف تراب مقبوض (قوله القذا) بفتح القاف والذال المعجمة والقصر هو ما يسقط في العين (قوله دميما) بالدال المهملة أي قبيحا (قوله ففرع) بالفاء والراء والعين المهملة أي طال (*)

[ 336 ]

المعجزة من جملة معجزاته المعلومة على القطع الواصل إلينا خبرها على التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب * حدثنا الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الفهرى إجازة وقرأته على غيره قال أبو بكر حدثنا أبو على التسترى حدثنا أبو عمر الهاشمي حدثنا اللؤلؤي حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشئ فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه ثم قال حذيفة ما أدرى أنسى أصحابي أم تناسوه والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته وقال أبو ذر لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما وقد خرج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه صلى الله عليه وسلم عليه مما وعدهم به من الظهور على أعدائه وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله


(قوله جرير) بفتح الجيم وكسر الراء (قوله من الحيرة) بكسر الحاء المهملة مدينة معروفة عند الكوفة وأخرى عند نيسابور (*)

[ 337 ]

وأن المدينة ستغزى وتفتح خيبر على يدى على في غد يومه وما يفتح الله على أمته من الدنيا ومؤمنون من زهرتها وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر وما يحدث بينهم من الفتون والاختلاف والأهواء وسلوك سبيل من قبلهم افتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها فرقة واحدة وأنها ستكون لهم أنماط ويغدو أحدهم في حلة ويروح في أخرى وتوضع بين يديه صحفة وترفع أخرى ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة ثم قال آخر الحديث وأنتم اليوم خير منكم يومئذ وأنهم إذا مشوا المطيطاء وخدمتهم بنات فارس والروم رد الله باسهم بينهم وسلط شرارهم على خيارهم وقتالهم الترك والخزر والروم وذهاب كسرى وفارس حتى لا كسرى ولا فارس بعده وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده وذكر أن الروم ذات القرون إلى آخر الدهر وبذهاب الأمثل فالأمثل من الناس وتقارب الزمان وقبض العلم وظهور الفتن والهرج، وقال (ويل للعرب من شر قد اقترب) وأنه زويت له الأرض فأرى مشارفها ومغاربها وسيبلغ * (هامش) (قوله وإن المدينة ستغزى) بالغين المعجمة والزاى، قال المزى إن الرواية في الحديث بضم الفوقية وبالعين المهملة والراء (قوله أنماط) بفتح الهمزة وسكون النون جمع نمط بفتح النون والميم وهو ضرب من البسط (قوله المطيطا) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وبعدها مثناة تحتية ساكنة وطاء مهملة قال ابن الأثير يمد ويقصر: مشية فيها تبختر ومد اليدين (قوله والخزر) بفتح الخاء المعجمة والزاى وبعدها راء: جنس من الناس (قوله والهرج) بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم: القتل (قوله زويت) أي ضمت وجمعت (22 - 1) (*)

[ 338 ]

ملك أمته ما زوى له منها ولذلك كان امتدت في المشارق والمغارب ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى نحر طنجة حيث لا عمارة وراءه وذلك ما لم تملكه أمة من الأمم ولم تمتد في الجنوب ولا في الشمال مثل ذلك (وقوله) لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ذهب ابن المدينى إلى أنهم العرب لأنهم المختصون بالسقى بالغرب وهى الدلو وغيره يذهب إلى أنهم أهل المغرب وقد ورد المغرب كذا في الحديث بمعناه * وفى حديث آخر من رواية أبى أمامة (لا تزال طائفة من أمتى ظاهر بن على الحق قاهرين لعدوهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قيل يا رسول الله وأين هم ؟ قال ببيت المقدس) وأخبر بملك بنى أمية وولاية معاوية ووصاه، واتخاذ بنى أمية مال الله دولا، وخروج ولد العباس بالرايات السود وملكهم أضعاف ما ملكوا وخروج المهدى وما ينال أهل بيته وتقتيلهم وتشريدهم وقتل على وأن أشقاها الذى يخضب هذه من هذه أي لحيته من رأسه وأنه قسيم النار يدخل أو لياؤه * (هامش) قوله طنجة) بفتح الطاء المهملة وسكون النون بعدها جيم (قوله ابن المدينى) قال ابن الأثير: المدينى نسبة إلى المدينة المشرفة وأصله منها ثم انتقل إلى البصرة وقال إن الأكثر فيما ينسب إلى المدينة مدنى، وفى الصحاح المدنى نسبة إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم والمديني نسبة إلى المدينة التى بناها المنصور (قولا دولا) بضم الدال المهملة وفتح الواو جمع دولة بضم الدال وسكون الواو ما يتدأل من المال (قوله وأن أشقاها) هو ابن ملجم - بضم الميم وسكون اللام وكسر الجيم - كذا ضبطه النووي في التهذيب (*)

[ 339 ]

الجنة وأعداؤه النار فكان فيمن عاداه الخوارج والناصبة وطائفة ممن ينسب إليه من الروافض كفروه وقال يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف وأن الله عسى أن يلبسه قميصا وأنهم يريدون خلعه وأنه سيقطر دمه على قوله تعالى (فسيكفيكهم الله) وأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيا وبمحاربة الزبير لعلى وبنباح كلاب الحوأب على بعض أزواجه وأنه يقتل حولها قتلى كثيرة وتنجو بعد ما كادت فنبحت على عائشة عند خروجها إلى البصرة وأن عمارا تقتله الفئة الباغية فقتله أصحاب معاوية وقال لعبد الله بن الزبير ويل للناس منك وويل لك من الناس وقال في قزمان وقد أبلى مع المسلمين أنه من أهل النار فقتل نفسه، وقال في جماعة فيهم أبو هريرة وسمرة بن جندب وحذيفة آخركم موتا في النار فكان بعضهم يسأل عن بعض فكان سمرة آخرهم موتا هرم وخرف فاصطفى بالنار فاحترق فيها، وقال في حنظلة الغسيل (سلوا زوجته عنه فابى رأيت الملائكة تغسله) فسألوها فقالت إنه خرج جنبا وأعجله الحال عن الغسل قال أبو سعيد رضى الله عنه ووجدنا رأسه يقطر ماء، وقال (الخلافة في قريش ولن يزال هذا الأمر


(قوله والناصبة) بالنون والصاد المهملة بعدها موحدة: طائفة يتعبدون ببغض على رضى الله عنه (قوله ونباح) بضم النون صوت الكلب (قوله الحوأب) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة فموحدة قال ابن الأثير منزل بين البصرة ومكة، وفى الصحاح ماء من مياه العرب على طريق البصرة (قوله قزمان) بالقاف المضمومة والزاى الساكنة: هو الذى قاتل في وقعة أحد قتالا شديدا ثم قتل نفسه (*)

[ 340 ]

في قريش ما أفاموا الدين (وقال) يكون في ثقيف كذاب ومبير فرأوهما الحجاج والمختار، وأن مسيلمة يعقره الله، وأن فاطمة أول أهله لحوقا به، وأنذر بالردة وبأن الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تكون ملكا فكانت كذلك بمدة الحسن بن على (وقال إن هذا لأمر بدأ نبوة ورحمة ثم يكون رحمة وخلافة ثم يكون ملكا عضوضا ثم يكون عتوا وجبروتا وفسادا في الأمة) وأخبر بشأن أويس القرنى وبأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها وسيكون في أمته ثلاثون كذابا فيهم أربع نسوة، وفى حديث آخر ثلاثون دجالا كذابا أحدهم الدجال الكذاب كلهم يكذب على الله ورسوله، وقال (يوشك


(قوله كذاب ومبير) بضم الميم وكسر الموحدة وفى آخره راء: من أبار أي أهلك وفى جامع الترمذي ويقال الكذاب المختار بن أبى عبيد والمبير الحجاج ابن يوسف ثم أسند إلى هاشم بن حسان قال أحصوا من قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل، وشرح مسلم اتفق العلماء على المراد بالكذاب المختار بن أبى عبيد وبالمبير الحجاج بن يوسف انتهى، وكان المختار واليا على الكوفة وكان يلقب بكسيان وإليه نسب الكيسانية وكان خارجيا ثم صار زيديا ثم صار شيعيا وكان يدعو إلى محمد بن الحنفية ومحمد يبرأ منه وكان أرسل ابن الأشتر بعسكر إلى ابن زياد وقاتل الحسين وقتله وقتل كل من كان في قتل الحسين ممن قدر عليه ولما ولى مصعب بن الزبير على البصرة من جهة عبد الله بن الزبير قاتل المختار بن عبيد وقتله (قوله ملكا عضوضا) الملك بضم الميم والعضوض بفتح العين المهملة وبالضاد المعجمة قال ابن الأثير أي يصيب الرعية منه عسف وظلم حتى كأنهم يعضون منه عضا (قوله عتوا) بضم العين المهملة وتشديد الواو (قوله جبروت) بفتح الجيم والموحدة (*)

[ 341 ]

أن يكثر فيكم العجم يأكلون فيئكم ويضربون رقابكم ولا تقوم الساعة حتى يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان (وقال) خيركم قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذى يلونهم ثم يأتي بعد ذلك قوم يشهون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن (وقال) لا يأتي زمان إلا والذى بعده شر منه (وقال) هلاك أمتى على يدى أغيلمة من قريش وقال أبو هريرة راويه لو شئت سميتهم لكم بنو فلان وبنو فلان وأخبر بظهور القدرية والرافصة وسب آخر هذه الأمة أولها وقلة الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام فلم يزل أمرهم يتبدد حتى لم يبق لهم جماعة، وأنهم سيلقون بعده أثره، وأخبر بشأن الخوارج وصفتهم والمخدج الذى فيهم وأن سيماهم التحليق وترى


(قوله يأكلون) بمثناة تحتية فهمزة ساكنة (قوله فيئكم) بفاء مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فهمزة مفتوحة (قوله حتى يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان) قال القرطبى في التذكرة لعله الجهجاه (قوله يشهدون) قيل معناه يشهدون الزور وقيل يحلفون، واليمين تسمى شهادة، ومنه قوله تعالى (فشهادة أحدهم) (قوله لا يأتي زمان إلا والذى بعده شر منه) قيل للحسن ما بال زمان عمر بن عبد العزيز بعد زمان الحجاج: فقال لا بد للناس من تنفيس يعنى أن الله تعالى ينفس عن عباده وقتا ما ويكشف العلاء فيه عنهم (قوله لو شئت سميتهم) قال القرطبى: منهم والله أعلم يزيد بن معاوية وعبيد الله ابن زياد ومن جرى مجراهم من أحداث ملوك بنى أمية (قوله أثرة) بضم الهمزة وإسكان المثلثة وبفتحهما، قال اليعمرى في سيرته كانت هذه الأثرة زمن معاوية (قوله والمخدج) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة بعدها دال مهملة وجيم أي الناقص وكان ناقص اليد (*)

[ 342 ]

رعاة الغنم رؤس الناس والعراة الحفاء يتبارون في البنيان وأن تلد الأمة ربتها وأن قريشا والأحزاب لا يغزونه أبدا وأنه هو يغزوهم، وأخبر بالموتان الذى يكون بعد فتح بيت المقدس وما وعد من سكنى البصرة وأنهم يغزون في البحر كالملوك على الأسرة وأن الدين لو كان منوطا بالثريا لنا له رجال من أبناء فارس وهاجت ريح في غزاته فقال هاجت لموت منافق فلما رجعوا إلى المدينة وجدوا ذلك، وقال لقوم من جلسائه ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد قال أبو هريرة فذهب القوم يعنى ماتوا وبقيت أنا ورجل فقتل مرتدا يوم اليمامة، وأعلم بالذى غل خرزا من خرز يهود فوجدت في رحله وبالذي غل الشملة وحيث هي وناقته حين ضلت وكيف تعلقت بالشجرة بخطامها وبشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة وبقضية عمير مع صفوان حين ساره وشارطه على قتل النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء عمير النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا لقتله وأطلعه


(قوله وأن تلد الأمة ربتها) أي سيتها، أراد به كثرة السرارى واتساع الأحوال، فإن ولد الأمة من سيدها كسيدها وقيل العقوق وأن الولد يغلظ على أمه ويستطيل كالسيد (قوله بالموتان) قال ابن الأثير هو على وزن بطلان، الموت الكثير: وقال المصنف ضم الميم لغة تميم وفتحها لغة غيرها (قوله البصرة) يجوز فيه تثليث الموحدة وفى النسب لا يجوز ضمها (قوله وبالذي غل الشملة) هو كركرة قال النووي يقال بفتح الكافين وبكسرهما (قوله وبشأن كتاب حاطب) قيل كان فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو صار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده وقيل كان فيه إن محمدا قد نصر إما إليكم وإما إلى غيركم فعليكم الحذير، ذكرهما السهيلي (*)

[ 343 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمر والسر أسلم: وأخبر بالمال الذى تركه عمه العباس رضى الله عنه عند أم الفضل بعد أن كتمه فقال ما علمه غيرى وغيرهما فأسلم، وأعلمه بأنه سيقتل بأبى بن خلف وفى عتبة بن أبى لهب أنه يأكله كلب الله وعن مصارع أهل بدر فكان كما قال، وقال في الحسن (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين) ولسعد لعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويستضر بك آخرون) وأخبر بقتل أهل مؤتة يوم قتلوا وبينهم مسيرة شهر أو أزيد وبموت النجاشي يوم مات وهو بأرضه، وأخبر فيروز إذ ورد عليه رسولا من كسرى بموت كسرى ذلك اليوم فلما حقق فيروز القصة أسلم وأخبر أبا ذر رضى الله عنه بتطر يده كما كان ووجده في المسجد نائما فقال له كيف بك إذا أخرجت منه قال أسكن المسجد الحرام قال فإذا أخرجت منه - الحديث - وبعيشه وحده وموته وحده وأخبر أن أسرع أزواجه به لحوقا أطولهن يدا فكانت زينب لطول يدها بالصدقة وأخبر بقتل الحسين بالطف، وأخرج بيده تربة وقال فيها مضجعه، وقال في زيد بن صوحان يسبقه عضو منه إلى الجنة فقطعت يده في الجهاد، وقال في الذين كانوا معه على حراء: اثبت


(قوله عند أم الفضل) هي لبابة بنت الحرث زوج العباس أول امرأة أسلمت بعد خديجة وقيل بل أول امرأة أسلمت بعد خديجة فاطمة بنت الخطاب (قوله وبموت النجاشي) وذلك في السنة التاسعة (قوله فكانت زينب بنت جحش) توفيت سنة عشرين أو إحدى وعشرين (قوله بالطف) بتفح الطاء المهملة وتشديد الفاء موضع بناحية الكوفة (قوله ابن صوحان) بصاد مضمومة وحاء مهملتين (*)

[ 344 ]

فإنما عليك نبى وصديق وشهيد) فقتل على وعمر وعثمان وطلحة والزبير وطعن سعد رضى الله عنهم، وقال للسراقة كيف بك إذا لبست سوارى كسرى فلما أتى بهما عمر ألبسهما إياه وقال الحمد لله الذى سلبهما كسرى وألبسهما سراقة وقال تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تجبى إليها خزائن الأرض يخسف بها يعنى بغداد، وقال سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد هو شر لهذه الأمة من فرعون لقومه وقال لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة وقال لعمر في سهيل بن عمرو عسى أن يقوم مقاما يسرك يا عمر) فكان كذلك قام بمكة مقام أبى بكر يوم بلعهم موت النبي صلى الله عليه وسلم وخطب بنحو خطبته وثبتهم وقوى بصائرهم، وقال لخالد حين وجهه لأكيدر (إنك تجده يصيد البقر) فوجدت هذه الأمور كلها في حياته وبعد


(قوله قال لسراقة) بضم السين المهملة ابن مالك بن جعشم بضم الجيم والشين المعجمة وهو في الأصل اسم للرجل القصير الغليظ مع شدة (قوله سوارى كسرى) السوار بضم السين المهملة وكسرها (قوله دجلة ودجيل وقطربل والصراة) دجلة بكسر الدال نهر بالعراق ودجيل بضم الدال وفتح الجيم نهر بالأهواز حفره أزدشير بن بابك أول ملوك ساسان وهم ملوك الفرس بالمدائن وقطربل بضم القاف وسكون الطاء المهملة وضم الراء والباء الموحدة المشددة موضع بالعراق، والصراة بفتح الصاد المهملة نهر بالعراق، وفى بعض الأصول: والهراة وهى بلدة معروفة (قوله لأكيدر) بضم الهمزة وفتح الكاف، قال الخطيب كان نصرانيا ثم أسلم وقيل بل مات نصرانيا، وقال ابن منده وأبو نعيم في كتابهما في معرفة الصحابة إن أكيدر هذا أسلم وأهدى للنبى صلى الله عليه وسلم جبة سيراء فوهبا لعمر قال ابن الأثير: الهدية والمصالحة (*)

[ 345 ]

موته كما قال صلى الله عليه وسلم إلى ما أحبر به جلساءه من أسرارهم وبواطنهم وأطلع عليه من أسرار المنافقين وكفرهم وقولهم فيه وفى المؤمنين حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه اسكت فو الله لو لم يكن عنده من يخبر لأخبرنه حجارة البطحاء، وإعلامه بصفة السحر الذى سحره به لبيد بن الأعصم وكونه في مشط ومشافة في جف طلع نحلة ذكر وأنه ألقى في بئر ذروان فكان كما قال ووجد على تلك الصفة وإعلامه قريشا بأكل الأرضة ما في صحيفتهم التى تظاهروا بها على بنى هاشم وقطعوا بها رحمهم وأنها أبقت فيها كل اسم لله فوجدوها كما قال ووصفه لكفار قريش بيت المقدس حين كذبوه في خبر الإسراء ونعته إياه نعت من عرفه وإعلامهم بعيرهم التى مر عليها في طريقه وإنذارهم بوقت وصولها فكان كله كما قال الى ما أخبر به من الحوادث التى تكون ولم


صحيحان أما الإسلام فغلطا فيه فإنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير ولما صالحه عليه السلام عاد إلى حصنه وبقى فيه، ثم إن خالدا حاصره زمن أبى بكر فقتله مشركا لنقضه العهد (قوله في مشط) بضم الميم وكسرها وسكون الشين المعجمة (قوله ومشاقة) بالقاف عند أبى زيد وهى ما يمشط من الكتان، وبالطاء المهملة عند غيره وهى ما يسقط من الشعر عند التسريح بالمشط، ويقوى هذا أن السحر يكون في شئ من أثر المسحور وذلك هنا ظاهر في المشاطة دون المشاقة وما أخرجه الدارقطني في السنن أن النبي (ص) كان عنده صبى يهودى يخدمه وأن لبيد بن الأعصم توصل به إلى شئ من أسنان مشط النبي صلى الله عليه وسلم ومشاطة شعره وسحر في ذلك (قوله في جف) بضم الجيم وتشديد: الفاء وعاء الطلع، ويروى في جب بالموحدة أي في داخل (قوله الأرضة) لفتح الهمزة دويبة تأكل الخشب (*)

[ 346 ]

تأت بعد منها مظهرت مقدماتها كقوله (عمران بيت المدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح القسطنطينية) ومن أشراط الساعة وآيات حلولها وذكر النشر والحشر وأخبار الأبرار والفجار والجنة والنار وعرصات القيامة. وبحسب هذا الفصل أن يكون ديوانا مفردا يشتمل على أجزاء وحده وفيما أشرنا إليه من نكت الأحاديث التى ذكرناها كفاية وأكثرها في الصحيح وعند الأئمة. فصل في عصمة الله تعالى له من الناس وكفايته من آذاه قال الله تعالى (والله يعصمك من الناس) وقال تعالى (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) وقال (أليس الله بكاف عبده) قيل بكاف محمدا صلى الله عليه وسلم أعداءه المشركين وقيل غير هذا وقال (إنا كفيناك المستهزئين) وقال (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الآية * أخبرنا القاضى الشهيد أبو على الصدفى بقراءتي عليه والفقيه الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله المعافرى قالا حدثنا أبو الحسين الصيرفى قال حدثنا أبو يعلى البغدادي حدثنا أبو على السنجى حدثنا أبو العباس المروزى حدثنا


(قوله القسطنطينية) قال ابن قرقول هي بضم الطاء الأولى كذا قيدناه عن أهل هذا الشأن (قوله وبحسب هذا) باسكان السين المهملة (قوله المعافرى) بفتح الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء حى من اليمن، قاله المصنف (قوله حدثنا أبو الحسين) تصغير حسن وهو المبارك بن عبد الجبار (*)

[ 347 ]

أبو عيسى الحافظ حدثنا عبد بن حميد حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحارث ابن عبيد عن سعيد الجريرى عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضى الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية (والله يعصمك من الناس) فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم (يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربى عز وجل) وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها فأناه أعرابي فاحترط سيفه ثم قال من يمنعك منى ؟ فقال: الله عز وجل، فرعدت يد الأعرابي وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه فنزلت الآية، وقد رويت هذه القصة في الصحيح وأن غورث بن الحارث صاحب هذه القصة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عفا عنه فرجع إلى قومه وقال جئكم من عند خير الناس وقد حكيت مثل هذه الحكاية أنها جرت له يوم بدر وقد انفرد من أصحابه لقضاء حاجته فتبعه رجل من المنافقين وذكر مثله وقد روى أنه وقع لها مثلها في غزوة غطفان بذى أمر مع رجل اسمه دعثور


(قوله الجريرى) بضم الجيم وفتح الراء نسبة إلى جرير بن عباد (قوله فرعدت) بضم الراء وكسر العين المهملة مبنى للمفعول لم يسمع إلا كذلك وفى بعض النسخ فأرعدت (قوله بذى أمر) بفتح الهمزة والميم بعدها راء موضع من ديار غطفان خرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لجمع محارب قاله ابن الأثير (قوله اسمه دعثور) قال اليعمرى في سيرته وقد تقدم في غزوة ذى أمر خبر لرجل يقال له دعثور بن الحارث من بنى محارب نسبة هذا الخبر إلى أن قال والظاهر أن الخبرين واحد انتهى وقال الذهبي في تجريد الصحابة دعثور بن الحارث الغطفانى في حديث عجيب الإسناد، والأشبه أن غورث (*)

[ 348 ]

ابن الحارث وأن الرجل أسلم فلما رجع إلى قومه الذى أغروه وكان سيدهم وأشجعهم قالوا له أين ما كنت تقول وقد أمكنك فقال إنى نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري وسقط السيف فعرفت أنه ملك وأسلمت، قيل وفيه نزلت (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم) الآية * وفى رواية الخطابى أن غورث بن الحارث المحاربي أراد أن يفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يشعر به إلا وهو قائم على رأسه منتضيا سيفه فقال اللهم اكفنيه بما شئت فانكب من وجهه من زلحة زلخها بين كتفيه وندر سيفه من يده (والزلخة) وجع الظهر وقيل في قصته غير هذا، وذكر أن فيه نزلت (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم) الآية وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف قريشا فلما نزلت هذه الآية استلقى ثم قال من شاء فليخذلني * وذكر عبد بن حميد قال كانت حمالة الحطب تضع العضاه وهى جمر على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما


(قوله أن غورث) المشهور أنه بالمعجمة المفتوحة غير مصغر ورواه الخطابى بالتصغير والشك في إعجام الغين وإهمالها (قوله أراد أن يفتك) بالفاء وضم المثناة الفوقية وكسرها أي يأخذ على غرة (قوله منتضبا) بالضاد المعجمة من نضا سيفه وأنضاه أي سله (قوله من زلخة) بضم الزاى وتشديد اللام المفتوحة بعدها خاء معجمة قال الخطابى وجع يأخذ في الظهر حتى لا يتحرك معه الإسان، وقال السهيلي وجع يأخذ الصلب (قوله زلخها) بضم الزاى وكسر اللام مبنى للمفعول (قوله العصاة) بكسر العين المهملة كل شجر يعظم وله شوك (*)

[ 349 ]

يطؤها كثيبا أهيل، وذكر ابن إسحاق عنها أنها لما بلغها نزول (تبت يدا أبى لهب) وذكرهما بما ذكرها الله مع زوجها من اللم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر وفى يدها فهر من حجارة فلما وقفت عليهما لم تر إلا أبا بكر وأخذ الله تعالى ببصرها عن نبيه صلى الله عليه وسلم فقالت يا أبا بكر أين صاحبك فقد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، وعن الحكم ابن أبى العاصى قال تواعدنا على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا رأيناه سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقى بتهامة أحد فوقعنا مغشيا علينا فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله ثم تواعدنا ليلة أخرى فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه، وعن عمر رضى الله عنه تواعدت أنا وأبو جهم ابن حذيفة ليلة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئنا منزلة فسمعنا له فافتتح وقرأ (الحاقة ما الحاقة) إلى (فهل ترى لهم من باقية) فضرب أبو جهم على عضد عمر وقال انج وفرا هاربين فكانت من مقدمات إسلام عمر رضى الله عنه، ومنه العترة المشهورة والكفاية التامة عند ما أخافته قريش وأجمعت على قتله وبيتوه فخرج عليهم من بيته فقام على رؤسهم وقد ضرب الله تعالى على أبصارهم وذر التراب على رؤسهم وخلص


(قوله أهيل) أي سائلا يقال أهيل الرمل وانهال إذا سال (قوله فهر) بكسر الفاء هو الحجر مل ء الكف وقيل الحجر مطلقا (*)

[ 350 ]

منهم وحمايته عن رؤيتهم في الغار بما هيأ الله له من الآيات ومن العنكبوت الذى نسج عليه حتى قال أمية بن خلف حين قالوا ندخل الغار ما أربكم فيه وعليه من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل أن يولد محمد ووقفت حمامتان على فم الغار فقالت قريش لو كان فيه أحد لما كانت هناك الحمام، وقصته مع سراقة بن مالك بن جعشم حين الهجرة وقد جعلت قريش فيه وفى أبى بكر الجعائل فأنذر به فركب فرسه واتبعه حتى إذا قرب منه دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه فخر عنها واستقسم بالأزلام فخرج له ما يكره ثم ركب ودنا حتى سمع قراءة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر رضى الله عنه يلتفت وقال للنبى صلى الله عليه وسلم أتينا فقال لا تحزن إن الله معنا فساخت ثانية إلى ركبتها وخر عنها فزجرها فنهضت ولقواءمها مثل الدخان فناداهم بالأمام فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم أمانا كتبه ابن فهيرة وقيل أبو بكر وأحبرهم بالأخبار


(قوله ما أربكم فيه) أي ما حاجتكم (قوله فركب فرسه) كان اسم هذا الفرس العود قيل وكانت أنثى لقوله في بعض طرق الصحيح فرفعتها تقرب بى (قوله فساخت) بالسين المهلمة والخاء المعجمة أي غاصت في الأرض (قوله بالأزلام) جمع زلم بفتح الزاى واللام وبضم الزاى وفتح اللام وهى القداح بكسر القاف جمع قدح بكسرها أيضا وهو عود السهم قبل أن يراش ويركب نصله فإذا فعل ذلك فهو سهم، كانوا يكتبون على زلم افعل وعلى آخر لا تفعل فما خرج لهم عملوا به (قوله ابن فهيرة) بضم الفاء وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية قيل كتابه صلى الله عليه وسلم نيف وأربعون = = وأكثرهم ملازمة له زيد بن ثابت ومعاوية بن أبى سفيان بعد الفتح وقيل أبو بكر، وجمع بين القولين بأن ابن فهيرة كتب أولا وكتب الصديق آخرا (*)

[ 351 ]

وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يترك أحدا يلحق بهم فانصرف يقول للناس كفيتم ماهها وقيل بل قال لهما أراكما دعوتما على فادعوا لى فنجا ووقع في نفسه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وفى خبر آخر أن راعيا عرف خبرهما فخرج يشتد يعلم قريشا فلما ورد مكة ضرب على قلبه فما يدرى ما يصنع وأنسى ما خرج له حتى رجع إلى موضعه وجاء، فيما ذكر ابن إسحاق وغيره أبو جهل بصخرة وهو ساجد وقريش ينظرون ليطرحها عليه فلزقت بيده ويبسته يداه إلى عنقه وأقبل يرجع القهقرى إلى خلفه ثم سأله أن يدعو له ففعل فانطلقت يداه وكان قد تواعد مع قريش بذلك وحلف لئن رآه ليدمغنه فسألوه عن شأنه فذكر أنه عرض لى دونه فحل ما رأيت مثله قط هم بى أن يأكلني فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك جبريل لو دنا لأخذه، وذكر السمرقندى أن رجلا من بنى المغيرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله فطمس الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم وسمع قوله فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه وذكر أن في هاتين الفضتين نزلت (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) الآيتين، ومن ذلك ما ذكره ابن إسحاق في قصته إذ خرج لى بنى قريظة


(قوله يشتد) أي يعدو (قوله القهقرى) هو الرجوع إلى خلف (قوله إذ خرج إلى بنى قريظة) الذى ذكره ابن اسحاق وابن عقبة وابن سعد وغيرهم من أهل السير أن ذلك كان في بنى النضير وهو سبب غزوهم وأما غزوة بنى قريظة فسبها غزوة الخندق (*)

[ 352 ]

في أصحابه فجلس إلى جدار بعض آطامهم فانبعث عمرو بن جحاش احدهم ليطرح عليه وحى فقام النبي صلى الله عليه وسلم فانصرف إلى المدينة وأعلمهم بقصتهم وقد قيل إن قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم) في هذه القصة نزلت، وحكى السمرقندى أنه خرج إلى بنى النضير يستعين في عقل الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية فقال له حيى بن أخطب اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وتوامر حيى معهم على قتله فأعلم جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقام كأنه يريد حاجته حتى دخل المدينة وذكر أهل التفسير معنى الحديث عن أبى هريرة رضى الله عنه أن أبا جهل وعد قريشا لئن رأى محمدا يصلى ليطأن رقبته فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم أعلموه فأقبل فلما قرب منه ولى هاربا ناكصا على عقبيه متقيا بيديه فسئل فقال لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوى فيه وأبصرت هولا عظما وخفق أجنحة قد ملأت الأرض فقال صلى الله عليه وسلم


(قوله ابن جحاش) بجيم مفتوحة وحاء مهملة مشددة وفى آخره شين معجمة قتل كافرا (قوله حيى) بحاء مضمومة مهملة فمثناة تحتية مفتوحة فأخرى مشددة (*)

[ 353 ]

تلك الملائكة لو دنا لاختطفته عضوا عضوا ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم (كلا إن الإنسان ليطغى) إلى آخر السورة، ويروى أن شيبة بن عثمان الحجبى أدركه يوم حنين وكان حمزة قد قتل أباه وعمه فقال اليوم أدرك ثارى من محمد فلما اختلط الناس أتاه من خلفه ورفع سيفه ليصبه عليه قال فلما دنوت منه ارتفع إلى شواظ من نار أسرع من البرق فوليت هاربا وأحس بى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فوضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إلى فما رفعها إلا وهو أحب الخلق إلى وقال لى ادن فقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفي وأقيه بنفسى ولو لقيته أبى تلك الساعة لأوقعت به دونه، وعن فضالة بن عمرو قال أردت قتل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح هو يطوف بالبيت فلما دنوت منه قال: أفضالة ؟ قلت نعم، قال (ما كنت تحدث به نفسك ؟) قلت: لا شئ، فضحك واستغفر لى ووضع يده على صدري فسكن قلبى، فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحب إلى منه، ومن مشهور ذلك خبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس حين وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم وكان عامر قال له أنا أشغل عنك وجه محمد فاضربه أنت فلم يره فعل


(قوله الحجبى) بفتح الحاء المهملة والجيم بعدها موحدة وياء النسبة إلى حجب الكعبة ويقع في بعض النسخ جمحى وهو غلط (قوله ثارى) أصله بالهمزة وخفف (قوله وأربد) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الموحدة بعدها دال مهملة، هو أخو لبيد بن ربيعة لأمه، بعث الله عليه صاعقة فأحرقته كافرا، ولبيد صحابي (23 - 1) (*)

[ 354 ]

شيئا فلما كله في ذلك قال له والله ما هممت أن أضربه إلا وجدتك بينى وبينه أفأضربك ؟ ومن عصمته له تعالى أن كثيرا من اليهود والكهنة أنذروا به وعينوه لقريش وأخبروهم بسوطته بهم وحضوهم على قتله فعصمه الله تعالى حتى بلغ فيه أمره، ومن ذلك نصره بالرعب أمامه مسيرة شهر كما قال صلى الله عليه وسلم فصل ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين ومعرفته بأمور شرائعه وقوانين دينه وسياسة عباده ومصالح أمته وما كان في الأمم قبله وقصص الأنبياء والرسل والجبابرة والقرون الماضية من لدن آدم إلى زمنه وحفظ شرائعهم وكتبهم ووعى سيرهم وسرد أنبائهم وأيام الله فيهم وصفات أعيانهم واختلاف آرائهم والمعرفة بمددهم وأعمارهم وحكم حكمائهم ومحاجة كل أمة من الكفرة ومعارضة كل فرقة من الكتابيين بما في كتبهم وإعلامهم بأسرار ومخبآت علومها وإخبارهم بما كتموه من ذلك وغيروه إلى الاحتواء على لغات العرب وغريب ألفاظ فرقها والإحاطة بضروب فصاحتها والحقظ لأيامها وأمثالها وحكمها ومعانى أشعارها والتخصيص بجوامع كلمها إلى المعرفة بضرب الأمثال الصحيحة والحكم البينة


(قوله بمددهم) بضم الميم: جمع مدة (*)

[ 355 ]

لتقريب التفهيم للغامض والتبيين للمشكل إلى تمهيد قواعد الشرع الذى لا تناقض فيه ولا تخاذل مع اشتمال شريعته على محاسن الأخلاق محامد الآداب وكل شئ مستحسن مفصل لم ينكر منه ملحد ذو عقل سليم شيئا إلا من جهة الخذلان بل كل جاحد له وكافر من الجاهلية به إذا سمع ما يدعو إلى صوبه واستحسنه دون طلب إقامة برهان عليه ثم ما أحل لهم من الطيبات وحرم عليهم من الخبائث وصان به أنفسهم وأعراضهم وأموالهم من المعاقبات والحدود عاجلا والتخويف بالنار آجلا مما لا يعلم علمه ولا يقوم به ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والعكوف على الكتب ومثافنة بغض هذا إلى الاحتواء على ضروب العلم وفنون المعارف كالطب والعبارة والفرائض والحساب والنسب وغير ذلك من العلوم مما اتخذ أهل هذه المعارف كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة وأصولا في علمهم كقوله صلى الله عليه وسلم (الرؤيا لأول عابر وهى على رجل طائر) وقوله (الرؤيا ثلاث رؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان) وقوله (إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا


(قوله والعبارة) بكسر العين هي تعبير الرؤيا (قوله وهى على رجل طائر رجل بكسر الراء وسكون الجيم، قال الهروي أي علاى قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر وقال ابن الأثير هو من قولهم اقتسموا دارا فطار سهم فلان إلى ناحية كذا يعنى أن الرؤيا وهى التى يعبرها المعبر الأول فكأنها سقطت ووقعت حيث عبرت كما يسقط الذى يكون على رجل الطائر بأدنى حركة وقال ابن قتيبة أراد أنها غير مستقرة يقال للشئ إذا لم يستقر هو على رجل طائر وبين مخالب طائر وعلى قرن ظبى (قوله إذا تقارب الزمان) قيل هو اقتراب الساعة وقيل تقارب الليل والنهار من الاعتدال (*)

[ 356 ]

المؤمن تكذب) وقوله (أصل كل داء البردة) وما روى عنه في حديث أبى هريرة رضى الله عنه من قوله (المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة) وإن كان هذا حديثا لا نصحهه لضعفه وكونه موضوعا تكلم عليه الدارقطني، وقوله (خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشى وخير الحجامة يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين وفى العود الهندي سبعة أشفية منها ذات الجنب) وقوله (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن - إلى قوله - فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس وقوله وقد سئل عن سبإ أرجل هو أم امرأة أم أرض ؟ فقال (رجل ولد عشرة نيا من منهم ستة وثشأم أربعة) الحديث بطوله، وكذلك جوابه في نسب قضاعة وغير ذلك مما اضطرت العرب على شغلها بالنسب إلى سؤاله عما اختلفوا فيه من ذلك، وقوله


(قوله البردة) بفتح الموحدة والراء وبالدال المهملة وهى التخمة وثقل الطعام على المعدة لأن ذلك يبرد المعدة (قوله السموط) بفتح السين المهملة ما يجعل في الأنف من الأدوية (قوله واللدود) بفتح اللام وبدالين مهملتين بينهما واو هو الدواء الذى يصب في أحد جانبى الفم، قاله الجوهرى (قوله والمشى) بفتح الميم وكسر الشين المعجمة بعدها ياء مشددة هو الدواء المسهل لأنه يحمل شاربه على المشى والتردد إلى الخلاء، قاله ابن الأثير (قوله وفى العود الهندي) قيل هو القسط البحري وقيل العود الذى يتبخر به، قاله ابن الأثير (قوله حمير) بكسر المهملة وسكون الميم وفتح المثناة التحتية (*)

[ 357 ]

(حمير رأس العرب ونابها ومذحج هامتها وغلصمتها والأزد كاهلها وجمجمتها وهمدان غاربها وذروتها) وقوله (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض) وقوله (في الحوض زواياه سواء) وقوله في حديث الذكر (وإن الحسنة بعشر أمثالها، فتلك مائة وخمسون على اللسان وألف وخمسمائة في الميزان وقوله وهو بموضع (نعم موضع الحمام هذا) وقوله (ما بين المشرق والمغرب قبلة) وقوله لعيينة أو الأقرع أنا أفرس بالخيل منك) وقوله لكاتبه (ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للممل) هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولكنه أوتى علم كل شئ حتى قد وردت آثار بمعرفته حروف الخط وحسن تصويرها كقوله (لا تمدوا باسم الله الرحمن الرحيم) رواه أن شعبان من طريق ابن عباس، وقوله في الحديث الآخر الذى يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال له


(قوله مذحج) بسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة، في الصحاح مذحج على وزن مسجد أبو قبيلة من اليمن وهو مذحج بن يحاص بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، قال سيبويه: الميم من نفس الكلمة، وفى القاموس كمجلس: أكمه، ولدت مالكا وطيبا أم هما عندها فسموا مذحجا (قوله وغلصمتها) الغلصمة بفتح الغين المعجمة وسكون اللام رأس الحلقوم وهو الموضع الثاني في الحلق (قوله كاهلها) الكاهل من الإنسان ما بين كتفيه (قوله وهمدان) بسكون الميم (قوله غاربها) الغارب ما بين السنام والعنق (قوله وذروتها) بضم الذال المعجمة وكسرها. أي أعلاه (*)

[ 358 ]

(ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم) وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع الكتابة والقراءة * وأما علمه صلى الله عليه وسلم بلغات العرب وحفظه معاني أشعارها فأمر مشهور قد نبهنا على بعضه أول الكتاب وكذلك حفظه لكثير من لغات الأمم كقوله في الحديث (سنه سنه) وهى حسنة بالحبشية، وقوله (ويكثر الهرج) وهو القتل بها، وقوله في حديث أبى هريرة (أشكنب درد) أي وجع البطن بالفارسية إلى غير ذلك مما لا يعلم بعض هذا ولا يقوم به ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والعكوف على الكتاب ومثافنة أهلها عمرة وهو رجل كما قال الله تعالى أمي لم يكتب ولم يقرأ ولا عرف بصحبة من هذه صفته ولا نشأ بين قوم لهم علم ولا قراءة لشئ من هذه الأمور ولا عرف هو قبل بشئ منها قال الله تعالى (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك)


(قوله ألق الذوة) بفتح الهمزة وكسر اللام، أي: أصلح مدادها (قوله ولا تعور الميم) بضم المثناة الفوقية، وفتح العين المهملة وتشديد الواو المكسورة (قوله سنه سنه) قال ابن الأثير: وفى رواية سنا سنا بتخفيف نونهما وتشديدهما، وفى أخرى سناه سناه بالتشديد والتخفيف فيهما (قوله الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم (قوله أشكنب درد) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الكاف بعدها نون ساكنة فموحدة كذلك فدالين مهملتين أولهما مفتوحة وبينهما راء وأشكنب معناه بالفارسية: البطن، ودرد: الوجع (قوله مثافنة بمثلثة وفاء ونون تقدم تفسيره (*)

[ 359 ]

الآية: إنما كانت غاية معارف العر بالنسب وأخبار أوائلها والشعر والبيان وإنما حصل ذلك لهم بعد التفرق لعلم ذلك والاشتغال بطلبه ومباحثة أهله عنه، وهذا الفن نقطة من بحر علمه صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى جحد الملحد لشئ مما ذكرناه ولا وجد الكفرة حيلة في دفع ما نصصناه إلا قولهم (أساطير الأولين) (وإنما يعلمه بشر) فرد الله قولهم بقوله (لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربي مبين) ثم ما قالوه مكابرة العيان فإن الذى نسبوا تعليمه إليه إما سلمان أو العبد الرومي وسلمان إما عرفة بعد الهجرة ونزول الكثير من القرآن وظهور ما لا ينعد من الآيات، وأما الرومي فكان أسلم وكان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف في اسمه وقيل بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس عنده عند المروة وكلاهما أعجمى اللسان وهم الفصحاء اللد والخطباء اللسن قد عجزوا عن معارضة ما أتى به والإتيان بمثله بل عن فهم وصفه وصورة تأليفه ونظمه فكيف بأعجمى ألكن ؟ نعم وقد كان سلمان أو بلعام الرومي أو يعيش أو جبر ويسار على اختلافهم في اسمه بين أظهرهم يكلمونهم مدى أعمارهم فهل حكى عن واحد منهم شئ من مثل ما كان يجئ به محمد صلى الله عليه وسلم ؟ وهل عرف


(قوله اللد) جمع ألد وهو الشديد الخصومة (قوله اللسن) بضم اللام وإسكان السين المهملة جمع لسن بفتح اللام وكسر المهملة (قوله ألكن) الكنة العجمة في اللسان والعى في الكلام (*)

[ 360 ]

واحد منهم بمعرفة شئ من ذلك وما منع العدو حينئذ على كثرة عدده دؤوب طلبه وقوة حسده أن يجلس إلى هذا فيأخذ عنه أيضا ما يعارض به ويتعلم منه ما يحتج به على شيعته كفعل النضر بن الحارث بما كان يمخرق به من أخبار كتبه ولا غاب النبي صلى الله عليه وسلم عن قومه ولا كثرت اختلافاته إلى بلاد أهل الكتاب فيقال إنه استمد منهم بل لم يزل بين أظهرهم يرعى في صغره وشبابه على عادة أنبيائهم ثم لم يخرج عن بلادهم إلا في سفرة أو سفرتين لم يطل فيهما مكثه مدة يحتمل فيها تعليم القليل فكيف الكثير ؟ بل كان في سفره في صحبة قومه ورفاقة وعشيرته لم يغب عنهم ولا خالف حاله مدة مقامه بمكة من تعليم واختلاف إلى حبر أو قس أو كاهن بل لو كان هذا بعد كله لكان مجئ ما أتى به في معجز القرآن قاطعا لكل عذر ومدحضا لكل حجة ومجليا لكل أمر فصل ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم وكراماته وباهر آياته إنباؤه


(قوله كفعل النضر بن الحارث) قتل كافرا صبرا في توجيهه عليه السلام بعد بدر إلى المدينة (قوله يمخرق) بضم أوله وفتح ثانيه وسكون الخاء المعجمة بعدها راء مكسورة وقاف في الصحاح أما المخرقة فكلمة مولدة (قوله بين أظهرهم) أي بينهم (قوله إلى حبر) بفتح الحاء المهملة وكسرها (قوله أو قس) بفتح القاف وكسرها وتشديد السين، في الصحاح هو رئيس من رؤس النصارى في الدين والعلم وكذلك القسيس (*)

[ 361 ]

مع الملائكة والجن وإمداد الله له بالملائكة وطاعة الجن له ورؤية كثيرا من أصحابه لهم * قال الله تعالى (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل) الآية وقال (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا) وقال (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم) الآيتين، وقال (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الآية * حدثنا سفيان بن العاص الفقيه بسماعي عليه حدثنا أبو الليث السمرقندى قال حدثنا عبد الغافر الفارسى حدثنا أبو أحمد الجلودى حدثنا ابن سفيان نا مسلم حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبى حدثنا شعبة عن سلمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله قال (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) قال رأى جبريل عليه السلام في صورته له ستمائة جناح، والخبر في محادثته مع جبريل وإسرافيل وغيرهما من الملائكة وما شاهده من كثرتهم وعظم صور بعضهم ليلة الإسراء مشهور وقد رآهم بحضرته جماعة من أصحابه في مواطن مختلفة فرأى أصحابه جبريل عليه السلام في صورة رجل يسأله عن الإسلام والإيمان ورأى ابن عباس وأسامة بن زيد وغيرهما عند جبريل في صورة دحية ورأى سعد على يمينه ويساره جبريل وميكائيل في صورة رجلين عليهما ثياب بيض ومثله


(قوله ابن حبيش) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وفى آخره شين معجمة هو أبو مريم الأسدى (قوله دحية) بكسر الدال المهملة وفتحها (*)

[ 362 ]

عن غير واحد، وسمع بعضهم زجر الملائكة خيلها يوم بدر وبعضهم رأى تطاير الرؤس من الكفار ولا يرون الضارب ورأى أبو سفيان بن الحارث يومئذ رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما يقوم لها شئ وقد كانت الملائكة تصافح عمران بن حصين وأرى النبي صلى الله عليه وسلم لحمزة جبريل في الكعبة فخر مغشيا عليه ورأى عبد الله بن مسعود الجن ليلة الجن وسمع كلامهم وشبههم برجال الزط، وذكر ابن سعد أن مصعب بن عمير لما قتل يوم أحد أخذ الراية ملك على صورته فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له (تقدم يا مصعب) فقال له الملك لست بمصعب فعلم أنه ملك، وقد ذكر غير واحد من المصنفين عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: بينا نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل شيخ بيده عصا فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه وقال صلى الله عليه وسلم (نغمة الجن، من أنت ؟ قال أنا هامة بن الهيم بن لاقس بن إبليس) فذكر أنه لقى نوحا ومن بعده في حديث طويل وأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه سورا من القرآن، وذكر الواقدي قتل خالد عند هدمه العزى للسوداء التى


(قوله زجر الملائكة) بفتح الزاى وسكون الجيم، في الصحاح الزجر المنع والنهى، وزجر البعير ساقه (قوله برجال الزط) بضم الزاى وتشديد الطاء المهملة قوم من السودان طوال (قوله وأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه سورا من القرآن) في الميزان: وفى حديثه المذكور أنه عليه السلام علمه المرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت والمعوذتين وقل هو الله أحد (*)

[ 363 ]

خرجت له ناشرة شعرها عريانة فجزلها بسيفه وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له تلك العزى. وقال صلى الله عليه وسلم (إن شيطانا تفلت البارحة ليقطع على صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن 7 أربطه إلى سارية من سوارى المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخى سليمان (رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى) فرده الله خاسئا، وهذا باب واسع فصل ومن دلائل نبوته وعلامات رسالته ما ترادفت به الأخبار عن الرهبان والأحبار وعلماء أهل الكتب من صفته وصفة أمته واسمه وعلاماتاه وذكر الخاتم الذى بين كتفيه وما وجد من ذلك في أشعار الموحدين المتقدمين من شعر تبع والأوس بن حارثة وكعب بن لؤى وسفيان بن مجاشع وقس بن ساعدة وما ذكر عن سيف بن ذى يزن وغيرهم وما عرف به من أمره زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثكلان الحميرى وعلماء يهود وشامول عالمهم


(قوله فجزلها) بالجيم والزاى المفتوحتين: أي قطعها (قوله ولؤي بن كعب وفى بعض النسخ كعب بن لؤى وهو الصواب (قوله وقس) بضم القاف وتشديد السين المهملة والإيادى بكسر الهمزة، وإياد حى، وفى الصحاح وقس بن ساعدة الإيادى أسقف نجران وكان أحد حكام العرب (قوله عثكلان) بفتح العين المهملة وسكون المثلثة (*)

[ 364 ]

صاحب تبع من صفته وخبره وما ألفى من ذلك في التوراة والإنجيل مما قد جمعه العلماء وبينوه ونقله عنهما ثقات من أسلم منهم مثل ابن سلام وابنى سعية وابن يامين ومخيريق وكعب وأشباههم ممن أسلم من علماء يهود وبحيراء ونسطور الحبشة وصاحب بصرى وضغاطر وأسقف الشام والجارود وسلمان والنجاشى ونصارى الحبشة وأساقف نجران غيرهم ممن أسلم من علماء النصارى وقد اعترف بذلك هرقل وصاحب رومة عالما النصارى ورئيساهم ومقوقس صاحب مصر والشيخ صاحبه وابن صويا وابن أخطب وأخوه وكعب بن أسد والزبير بن باطيا وغيرهم من علماء اليهود ممن حمله الحذ والنفاسة على البقاء على الشقاء


(قوله وشامول) بالشين المعجمة والميم المضمومة وفى آخره لام (قوله وما ألفى) بضم الهمزة وكسر الفاء (قوله وابنى سعية) ابني بسكون الموحدة تثنية ابن، وسعية بفتح السين وسكون العين المهملتين بعدهما مثناة تحتية وفى بعض النسخ بنى سعية بفتح الموحدة جمع ابن وفى سيرة اليعمرى قال ابن اسحاق ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من هذيل ليسوا من قريظة ولا النضر نسبهم فوق ذلك وهم بنوعم القوم أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوله ومخيرق) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة (قوله ونسطور الحبشة احترز به عن نسطور الشام الذى رآه في رحلته صلى الله عليه وسلم تاجرا إلى الشام لخديجة (قوله وضغاطر) بالضاد والغين المعجمتين المفتوحتين بعدها ألف وطاء مهملة وراء هو الأسقف رومى، أسلم على يد دحية الكلبى وقت الرسلية فقتلوه، ذكره الذهبي في تجريد الصحابة (قوله والزبير) بفتح الزاى وكسر الموحدة هو والد عبد الرحمن الذى قلت امرأته بنت وهب إنما معه مثل هدبة الثوب (قوله بن باطيا) بموحدة فألف فطاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية، وفى غير الشفاء بالطاء بلا مد ولا همز (*)

[ 365 ]

والأخبار في هذا كثيرة لا تنحصر وقد قرع أسماع اليهود والنصارى بما ذكر أنه في كتبهم من صفته وصفة أصحابه واحتج عليهم بما انطوت عليه من ذلك صحفهم وذمهم بتحريف ذلك وكتمانه وليهم ألسنتهم ببيان أمره ودعوتهم إلى المباهلة على الكاذب فما منهم إلا من نفر عن معارضته وإبداء ما ألزمهم من كتبهم إظهاره ولو وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من بذل النفوس والأموال وتخريب الديار ونبذ القتال وقد قال لهم (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) إلى ما أنذر به الكهان مثل شافع بن كليب وشق وسطيح وسواد بن قارب وخنافر وأفعى نجران وجذل بن جذل الكندى وابن خلصة الدوسى وسعد بن بنت كريز وفاطمة بنت النعمان ومن لا ينعد كثرة إلى ما ظهر على ألسنته الأصنام من نبوته وحلول


(قوله وشق) بكسر المعجمة وتشديد القاف: كاهن من كهان العرب كان شق إنسان: يدا واحدة ورجلا واحدة وعينا واحدة (قوله وسطيح) بفتح السين المهملة وكسر الطاء المهملة بعدها مثناة تحتية ساكنة فحاء مهملة: كاهن بنى ذئب وقال غير واحد ما كان فيه عظم سوى رأسه، وقال محمد بن حبيب النسابة كان سطيح جسدا يلقى لا جوارح له فيما يذكرون ولا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب انتفخ فجلس (قوله وخنافر) بضم الخاء المعجمة وتخفيف النون وكسر الفاء أحد كهان حمير أسلم على يد معاذ (قوله وأفعى) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح العين المهملة (قوله وجدل) بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة (قوله وابن خلصة) بفتح المعجمة واللام والصاد المهملة (قوله النعمان) قال المزى كل اسم على هذه الصيغة فهو بضم النون إلا نعمان بن قراد فإنه بفتحها (*)

[ 366 ]

وقت رسالته وسمع من هواتف الجان ومن ذبائح النصب وأجواف الصور وما وجد من اسم النبي صلى الله عليه وسلم والشهادة له بالرسالة مكتوبا في الحجارة والقبور بالخط القديم ما أكثره مشهور وإسلام من أسلم بسبب ذلك معلوم مذكور فصل ومن ذلك ما ظهر من الآيات عند مولده وما حكته أمه ومن حضره من العجائب وكونه رافعا رأسه عندما وضعته شاخصا ببصره إلى السماء وما رأته من النور الذى خرج معه عند ولادته وما رأته إذ ذاك أم عثمان ابن أبى العاص من تدلى النجوم وظهور النور عند ولاته حتى ما تنظر إلا النور وقول الشفا أم عبد الرحمن بن عوف: لما سقط صلى الله عليه وسلم على يدى واستهل سمعت قائلا يقول رحمك الله وأضاء لى ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى قصور الروم. وما تعرفت به حليمة وزوجها ظئراه من بركته ودرور لبنيها له ولبن شارفها وخصب غنمها وسرعة شبابة وحسن نشأته وما جرى من العجائب ليلة مولده من ارتجاج إيوان كسرى وسقوط شرفاته وغيض بحيرة طبرية وخمود نار


(قوله وقول الشفا) بكسر الشين المعجمة بعدها فاء وألف مقصورة هي بنت عوف ابن عبد الزهرية من المهاجرات (قوله شرفاته) بضم الشين المعجمة وضم الراء فتحها وإسكانها جمع شرفة بضم الشين وإسكان الراء (قوله وغيض بحيرة طبرية) الغيض مصدر غاض يغيض أي قل، وطبرية مدينة معروفة بالشام ذات حصن في ناحية الأردن (*)

[ 367 ]

فارس وكان لها ألف عام لم تخمد وأنه كان إذا أكل مع عمه أبى طالب وآله وهو صغير شبعوا ورووا فإذا غاب فأكلوا في غيبته لم يشبعوا وكان سائر ولد أبى طالب يصبحون شعثا ويصبح صلى الله عليه وسلم صقلا دهينا كحيلا قالت أم أيمن حاضنته: ما رأيته صلى الله عليه وسلم شكى جوعا ولا عطشا صغيرا ولا كبيرا * ومن ذلك حراسة السماء بالشهب وقطع رصد الشياطين ومنعهم استراق السمع وما نشأ عليه من بغض الأصنام والعفة عن أمور الجاهلية وما خصه الله به من ذلك وحماه حتى في ستره في الخير المشهور عند بناء الكعبة إذ أخذ إزاره ليجعله على عاتقه ليحمل عليه الحجارة وتعرى فسقط إلى الأرض حتى رد إزاره عليه فقال له عمه ما بالك ؟ فقال (إنى نهيت عن التعري) ومن ذلك إظلال الله وهى داخلة في الأرض المقدسة بينها وبين بيت المقدس مرحلتين وبحيرتها معروفة والمعروف بالغيض إنما هو بحيرة ساوة كما هو في بعض النسخ إلا أن يريد المصنف عند خروج يأجوج ومأجوج فإنه ورد أن أوائل يأجوج ومأجوج يشرب بحيرة طبرية ويجئ آخرهم فيقول لقد كان بها ماء (قوله لم يخمد) يجوز فيه ضم الميم وفتحها فإنه ورد من باب نصر ينصر وباب علم يعلم (قوله وكان سائر ولد أبى طالب) قال الحريري في درة الغواص في أوهام الخواص ومن أوهامهم الفاضحة وأغلاطهم الواضحة أنهم يستعملون سائر بمعنى الجميع وهو في كلام العرب بمعنى الباقي انتهى، وقال أبو عمرو ابن الصلاح لا يلتفت إلى قول صاحب الصحاح سائر الناس جميعهم فانه لا يقبل ما يتفرد به، وقال النووي إن سائر بمعنى جميع لغة صحيحة لم يتفرد بها صاحب الصحاح بل ذكرها الجواليقى في شرح أدب الكاتب (قوله حتى في ستره) بفتح السين المهملة وسكون المثناة الفوقية (*)

[ 368 ]

له بالغمام في سفره. وفى رواية أن خديجة ونساءها رأينه لما قدم وملكان يظلانه فذكرت ذلك لميسرة فأخبرها أنه رأى ذلك منذ خرج معه في سفره، وقد روى أن حليمة رأت غمامة نظله وهو عندها، وروى ذلك عن أخيه من الرضاعة * ومن ذلك أنه نزل في بعض أسفاره قبل مبعثه تحت شجرة يابسة فاعشوشب ما حولها وأينعت هي فأشرقت وتدلت عليه أغصانها بمحضر من رآه وميل فئ الشجرة إليه في الخير الآخر بحتى أظلته وما ذكر من أنه كان لا ظل شخصه في شمس ولا قمر لأنه كان نورا وأن الذباب كان لا يقع على جسده ولا ثيابه * ومن ذلك تحبيب الخلوة إليه حتى أوحى إليه. ثم إعلامه بموته ودنو أجله وأن قبره في المدينة وفى بيته وأن بين بيته وبين منبره روضة من رياض الجنة وتخيير الله له عند موته وما اشتمل عليه حديث الوفاة من كراماته وتشريفه وصلاة الملائكة على جسده على ما رويناه في بغضها واستئذان ملك الموت عليه ولم يستأذن على غيره قبله وندائهم الذى سمعوه أن لا تنزعوا القميص عنه عند غسله وما روى من تعزية الخضر والملائكة أهل بيته عند موته إلى ما ظهر على أصحابه من كرامته وبركته في حياته وموته كاستسقاء عمر بعمه وتبرك غير واحد بذريته.


(قوله وأينعت) أي أدركت بموتها ونضجت (*)

[ 369 ]

فصل قال القاضى أبو الفضل رحمه الله قد أتينا في هذا الباب على نكت من معجزاته واضحة وجمل من علامات نبوته مقنعة في واحد منها الكفاية والغنية وتركنا الكثير سوى ما ذكرنا واقتصرنا من الأحاديث الطوال على عين الغرض وفص المقصد ومن كثير الأحاديث وغريبها على ما صح واشتهر إلا يسيرا من غريبه مما ذكره مشاهير الأئمة وحذفنا الإسناد في جمهورها طلبا للاختصار وبحسب هذا الباب لو تقصى أن يكون ديوانا جامعا يشتمل على مجلدات عدة * ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين أحدهما كثرتها وأنه لم يؤت نبى معجزة إلا وعند نبينا مثلها مو ما هو أبلغا منها وقد نبه الناس على ذلك فإن أردته فتأمل فصول هذا الباب ومعجزات من تقدم من الأنبياء تقف على ذلك إن شاء الله، وأما كونها كثيرة فهذا القرآن، وكله معجز وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين سورة (إنا أعطيناك الكوثر) أو آية في قدرها وذهب بعضهم إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة وزاد آخرون أن كل جملة منتظمة منه معجزة وإن كانت من كلمة أو كلمتين والحق ما ذكرناه أولا لقول تعالى (فأتوا بسورة من مثله) فهو أقل ما تحداهم به مع ما ينصر هذا من نظر وتحقيق يطول بسطه وإذا كان هذا ففى القرآن من الكلمات نحو


(قوله وفص) بالفاء والصاد المهملة واحد الفصوص، ذكر ابن مالك وغيره أنه مثلث الفاء (قوله وبحسب) بإسكان السين المهملة أي يكفى (24 - 1) (*)

[ 370 ]

من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم وعدد (إنا أعطيناك الكوثر) عشر كلمات فتجزئ القرآن على نسبة عدد كلمات (إنا أعطيناك الكوثر) أزيد من سبعة آلاف جزء كل واحد منها معجز في نفسه، ثم إعجازه كما تقدم بوجهين: طريق بلاغته وطريق نظمه فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان فتضاعف العدد من هذا الوجه ثم فيه وجوه إعجاز أخر من الإخبار بعلوم الغايب فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئة الخبر عن أشياء من الغيب كل خبر منها بنفسه معجز فتضاعف العدد كرة أخرى ثم وجوه الإعجاز الأخر التى ذكرناها توجب التضعيف، هذا في حق القرآن فلا يكاد يأخذ العد معجزاته ولا يحوى الحصر براهينه، ثم الأحاديث الواردة والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في هذه، الأبواب وعما دل على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحوا من هذا * الوجه الثاني وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم وبحسب الفن الذى سما فيه قرنه فلما كان زمن موسى غاية علم أهله السحر بعث إليهم موسى بمعجزة تشبه ما يدعون قدرتهم عليه فجاءهم منها ما خرق عادتهم ولم يكن في قدرتهم وابطل سحرهم، وكذلك زمن عيسى أغنى ما كان الطب وأوفر ما كان أهله فجاءهم أمر لا يقدرون عليه وأتاهم ما لم يحتسبوه من إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص دون معالجة ولا طب وهكذا سائر معجزات الأنبياء، ثم إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وجملة معارف العرب وعلومها

[ 371 ]

أربعه: البلاغة والشعر والخبر والكهانة فأنزل الله عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول من الفصاحة والإيجاز والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم ومن النظم الغريب والأسلوب العجيب الذى لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقه ولاعلموا في أساليب الأوزان منهجه ومن الأخبار عن الكوائن والحوادث والأسرار والمخبات والضمائر فتوجد على ما كانت ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك وصدقه وإن كان أعدى العدو فأبطل الكهانة التى تصدق مرة وتكذب عشرا ثم اجتثها من أصلها برجم الشهب ورصد النجوم وجاء من الأخبار عن القرون السالفة وأنباء الأنبياء والأمم البائدة والحوادث الماضية ما يعجز من تفرغ لهذه العلم عن بعضه على الوجوه التى بسطناها وبينا المعجز فيها ثم بقيت هذه المعجزة الجامعة لهذه الوجوه إلى الفصول الأخر التى ذكرناها في معجزات القرآن ثابتة إلى يوم القيامة بينة الحجة لكل أمة تأتى لا يخفى وجوه ذلك على من نظر فيه وتأمل وجوه إعجازه إلى ما أخبر به من الغيوب على هذه السبيل فلا يمر عصر ولا زمن إلا ويظهر في صدقه بظهور مخبره على ما أخبر فيتجدد الإيمان ويتظاهر البرهان وليس الخبر كالعيان، وللمشاهدة زيادة في اليقين والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين وإن كان كل عندها حقا وسائر معجزات الرسل انقرضت


(قوله والكهانة) في الصحاح يقال كهن يكهن كهانة مثل كتب يكتب كتابة قال وإذا أردت أنه صار كاهنا قلت كهن بالضم كهانة بالفتح (قوله ثم اجتثها) بجيم فمثناة فوقية فمثلثة أي اقتلعها من أصلها) (قوله مخبرة) بسكون المعجمة وفتح الموحدة (*)

[ 372 ]

بانقراضهم وعدمت بعدم ذواتها ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ولا تنقطع وآياته تتجدد ولا تضمحل ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله فيما حدثنا القاضى الشهيد أبو على حدثنا القاضى أبو الوليد حدثنا أبو ذر حدثنا أبو محمد وأبو إسحاق وأبو الهيثم قالوا حدثنا الفربرى حدثنا البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا الليث عن سعيد عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من الأنبياء نبى إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذى أوتيت وحيا أوحاه الله إلى فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) هذا معنى الحديث عند بعضهم وهو الظاهر والصحيح إن شاء الله وذهب غير واحد من العلماء في تأويل هذا الحديث وظهور معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى معنى آخر من ظهورها بكونها وحيا وكلاما لا يمكن التخيل فيه ولا التحيل عليه ولا التشبيه فإن غيرها من معجزات الرسل قد رام المعاندون لها بأشياء طمعوا في التخبيل بها على الضعفاء كألقاء السحرة حبالهم وعصيهم وشه هذا مما يخيله الساحر أو يتحيل فيه، والقرآن كلام ليس للحيلة ولا للسحر في التخييل فيه عمل فكان من هذا الوجه عندهم أظهر من غيره من المعجزات كما لا يتم لشاعر ولا خطيب أن يكون شاعرا أو خطيبا بضرب من الحيل والتمويه، والتأويل الأول أخلص وأرضى وفى هذا التأويل الثاني ما يغمض عليه الجفن


(قوله ولا يضمحل) يقال اضمحل السحاب أي تقشع (قوله ما يغمض) بضم المثناة التحتية وتشديد الميم المفتوحة، والجفن بفتح الجيم (*)

[ 373 ]

ويغضى * وجه ثالث على مذهب من قال بالصرفة وأن المعارضة كانت في مقدور البشر فصرفوا عنها أو على أحد مذهبي أهل السنة من أن الإتيان بمثله من جلس مقدورهم ولكن لم يكن ذلك قبل ولا يكون بعد لأن الله تعالى لم يقدرهم ولا يقدرهم عليه وبين المذهبين فرق بين وعليهما جميعا فترك العرب الإتيان بما في مقدورهم أو ما هو من جنس مقدورهم ورضاهم بالبلاء والجلاء والسباء والإذلال وتغيير الحال وسلب النفوس والأموال والتقريع والتوبيخ والتعجيز والتهديد والوعيد أبين آية للعجز عن الإتيان بمثله والنكول عن معارضته وأنهم منعوا عن شئ هو من جنس مقدورهم، وإلى هذا ذهب الإمام أبو المعالى الجوينى وغيره قال وهذا عندنا أبلغ في خرق العادة بالأفعال البديعة في أنفسهما كقلب العصا حية ونحوها فإنه قد يسبق إلى بال الناظر بدارا أن ذلك من اختصاص صاحب ذلك بمزيد معرفة في ذلك الفن وفضل علم إلى أن يرد ذلك صحيح النظر وأما التحدي للخلائق المئين من السنين بكلام من جنس كلامهم ليأتوا بمثله فلم يأتوا فلم يبق بعد توفر الداعي على المعارضة ثم عذمها إلا أن منع الله الخلق عنها بمثابة ما لو قال نبى آيتى أن يمنع الله القيام عن الناس مع مقدرتهم عليه وارتفاع الزمانة عنهم فلو كان ذلك وعجزهم الله تعالى عن القيام لكان ذلك من أبهر آية وأظهر دلالة وبالله التوفيق، وقد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء حتى احتاج للعذر عن


(قوله والجلاء) بفتح الجيم والمد أي الخروج من البلد (قوله مقدرتهم) بضم الدال وفتحها أي قدرتهم (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)

[ 374 ]

ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبنى إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم)، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى واستبدلوا الذى هو ادنى بالذى هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم وقتلوا آباءهم وابناءهم في نصرته، وأتى في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها وبالله استعين وهو حسبى ونعم الوكيل


(قوله من الغباوة) بفتح الغين المعجمة عدم الفطنة (قوله السامري) كان اسمه موسى بن ظفر وكان من عظماء بنى إسرائيل (قوله زبرج) بكسر الزاى بعدها موحدة ساكنة فراء مكسورة فجيم هي الزينة من وشى أو جوهر أو ذهب ثم بحمد الله الجزء الأول، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني (*)