الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تنزيه الأنبياء- الشريف المرتضىي

تنزيه الأنبياء

الشريف المرتضى


[ 1 ]

تنزيه الانبياء

[ 2 ]

الطبعة الثانية 1409 ه‍. - 1989 م

[ 3 ]

تنزيه الانبياء تصنيف ابى القاسم على بن الحسين الموسوي المعروف بالشريف المرتضى " المتوفى سنة 436 ه‍ " دار الاضواء

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

تقديم وترجمة للمؤلف بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد خاتم المرسلين وعلى الائمة المعصومين، وبارك على آله ومن تبعهم على دينه إلى يوم الدين. وأما بعد.. فإن الله أنعم على ذرية آدم بالبصيرة يهتدون بها إلى الحق لمن أراده، وهيأ لهم أسباب الهداية بعد كل ميل عنها، فبعث فيهم رسله أنوارا تسطع في سمائهم كلما حلت بهم ظلمة، وبث بينهم رسالاته سلسبيلا دائما كلما أصابهم قحط من العلم ينهلون منها ما شاؤوا بركة ورحمة ومغفرة منه إنه هو الغفور الرحيم. ثم ختم ذلك بخاتم رسله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وبكتابه الكريم ليتم به نعمته على خلقه، وجعل فيهم ذرية محمد آل بيته المعصومين مصابيح الهدى ومفاتيح الخلاص يهدون بدين جدهم من ضل، ويقيلون بسنته من عثر أو زل، واختار بفضل حكمته ورعايته ممن سار على دربهم من العلماء والمؤمنين نخبة صالحة تتواصل باستمرار من السلف إلى الخلف، تنفض غبار التآمر عن هذا الدين الحنيف ليظل مصانا مشرقا إلى يوم القيامة بإذنه تعالى إنه هو السميع المجيب. من هنا كانت الحاجة ملحة أن نلجأ دائما إلى المعين الذي لا ينضب

[ 6 ]

لنرفد منه سواقينا الجافة، أعني إلى صدر الاسلام وعصور نهضته، وما نحياه اليوم ومنذ مئات السنين من ظلمات دامسة أريد لديننا فيها الهلاك والدثور. فبالرغم من الاعتداءات السافرة على تراثنا وخزائن علومنا وتعمد إحراقها وإغراقها من جحافل الغزاة وتتار الماضي والحاضر، إلا أنه يظل سناها وهاجا يبهر الابصار والالباب. ويحضرني هنا هذا البيت الذي يقول: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم فإنكار البعض لتاريخنا لا يعني طمسه وزواله. فكلما توغلنا في الماضي استوقفتنا أطواد شامخة لعلماء ومفكرين أجلاء حفروا في الذاكرة أسطرا لا يمكن أن تمحى. فكانت معلقات ذهبية تباهت بها أجيالنا وتوارثتها عبر العصور حتى يومنا هذا. ولو أردنا أن نسترسل في تعداد كنوزنا تلك لما وسعنا ذلك، لما تحويه من قلائد نفيسة. وحسبنا أن نختار منها علما عالما أديبا شاعرا يغني بمفرده فقر مكتبات عصرنا الحاضر، ويزين صدرها فيكون بمثابة واسطة العقد لها، عنيت به علم الهدى ذي المجدين الشريف المرتضى علي بن الحسين. لماذا ؟ وكيف ؟ نترك للقلم والقرطاس مجال التعريف به. اسمه ونسبه: - هو السيد الشريف أبو القاسم علي بن طاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. لقب بالمرتضى ذي المجدين

[ 7 ]

علم الهدى. كان أوحد أهل زمانه علما وكلاما وحديثا وشعرا فكانت بذلك مثالا للثقافة الكاملة. أما والده فيكنى بأبي أحمد ويلقب ب‍ " الطاهر، الاجل، ذو المناقب، الاوحد ". كان نقيب الطالبيين وعالمهم وزعيمهم، جمع إلى رياسة الدين زعامة الدنيا لعلو همته وسماحة نفسه وعظيم هيبته وجليل بركته. وكان قوي المنة شديد العصبة يتلاعب بالدول، ويتجرأ على الامور. وأما والدته فهي فاطمة بنت الحسن الملقب بالناصر الصغير نقيب العلويين في بغداد وعالمهم وزاهدهم وشاعرهم. وقد ورد في كتاب بحر العلوم حول نسب الشريف المرتضى ما يلي: " أما النسب فهو أقصر الشرفاء نسبا، وأعلاهم حسبا، وأكرمهم أما وأبا، وبينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام عشر وسائط من جهة الام والاب معا، وبينه وبين الامام موسى بن جعفر عليهما السلام خمسة آباء كرام ". ولادته ووفاته: ولد السيف الشريف المرتضى في رجب سنة 355 ه‍ - 966 م في بغداد، وتوفي بها في الخامس والعشرين من ربيع الاول من سنة 436 ه‍ - 1044 م، وسنه يومئذ ثمانون سنة وثمانية أشهر، ودفن في داره أولا ثم نقل إلى جوار جده الحسين عليه السلام، حيث دفن في مشهده المقدس مع أبيه وأخيه وقبورهم ظاهرة مشهورة (1). سماته الخلقية وصفاته الخلقية: كان الشريف المرتضى رحمه الله ربع القامة نحيف الجسم أبيض اللون


(1) جاء ذلك في ترجمة في كتاب رسائل الشريف المرتضى المجموعة الاولى - مطبعة سيد الشهداء - قم 1405 ه‍ في الصفحة 39. (*)

[ 8 ]

حسن الصورة. اشتهر بالبذل والسخاء والاغضاء عن الحساد والاعداء، بالرغم مما وصمه به هؤلاء من البخل وقلة الانفاق. وخير دليل على سخائه وبذله ما تعهد به مدرسته العلمية وتلامذته من انفاق وبذل. وله في ذم الحرص والطمع قصائد ومقطوعات في ديوانه تذكر منها هذه الابيات: لا در در الحرص والطمع * ومذلة تأتيك من نجع وإذا انتفعت بما ذللت به * فلانت حقا غير منتفع ومصارع الاحياء كلهم * في الدهر بين الري والشبع وإذا علمت بفرقتي جدتي * فعلام فيما فاتني جزعي وكان رحمه الله ميالا إلى الزهد في الدنيا راغبا عنها ذاما لها، داعيا إلى الاعتبار فيها، سالكا سبيل أجداده الكرام، والصحابة العظام، من جعلها مجازا للآخرة، ومزادا لدار القرار. ويختصر ذلك بهذه الابيات من ديوانه: لا تقربن عضيهة * إن العضائه مخزيات واجعل صلاحك سرمدا * فالباقيات الصالحات في هذه الدنيا ومن * فيها لنا أبدا عظات إما صروف مقبلا * ت أو صروف مدبرات والذل موت للفتى * والعز في الدنيا حياة والذخر في الدارين إما * طاعة أو مأثرات إلا أنه مع زهده في الدنيا وتقشفه فيها كان ذا مقام سياسي في الدولة خطير، وذلك بفضل ما أوتي من أصالة الرأي ووقارة العلم والمال، مع عز العشيرة وكثرة الرجال. وكان رحمه الله مشغوفا بالعلم منصرفا إليه بين دراسة وتدريس، محبا

[ 9 ]

لتلامذته وملازميه. وقد اتخذ من داره الواسعة مدرسة عظيمة تضم طلاب الفقه والكلام والتفسير واللغة والشعر والعلوم كالفلك والحساب وغيره، حتى سميت دار العلم، وكان له فيها مجلس للمناظرات. والملفت للنظر حسب ما روى المحققون أن مدرسته كانت جامعة إنسانية، اجتمع فيها كثير من طلاب العلم من مختلف المذاهب والملل دون تفريق بين ملة وملة ومذهب ومذهب. وهذا يدل على رحابة صدره وسعة أفقه وعمق نظرته الانسانية وترفعه عن العصبية والطائفية والمذهبية التي كان يعتبرها نابعة من الجهل وضيق الافق. كما أنه - قدس الله سره - شغف بجمع الكتب وولع بإقتنائها، ويكفي ما ذكر أن خزانته ضمت ثمانين ألف مجلد من مصنفاته ومحفوظاته ومقروءاته على ما حصره وأحصاه صديقه وتلميذه أبو القاسم التنوخي. عصره ومعاصروه وأصحابه: عاش الشريف المرتضى في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجريين وهي فترة انكماش الدولة العباسية وضعفها ووهنها أيام سيطرة أمراء الاقليم على حكم أقاليمهم وتولي بني بويه شؤون السلطة في بغداد. وكان له بفضل ما أوتي من شرف العلم والنسب وما تحلى به من غزارة العلم وقوة الشخصية وعزة النفس ووفارة المال وجميل الخصال وسمو الرتبة وجليل المكانة أصدقاء كثر جلهم من أهل العلم والادب والفضل والشرف، ويكفي أن نذكر بعض أساتذته وتلامذته ممن كانت لهم المراكز والرتب العلمية والدينية والدنيوية، إضافة إلى صلاته الوثيقة بالخلفاء والملوك والوزراء والامراء والقادة، لنتبين المكانة العالية التي كان يتمتع بها رحمه الله. ونذكر على سبيل المثال:

[ 10 ]

من أساتذته ومشايخه: - الشيخ المفيد العالم المتكلم المشهور، اشتهر بكثرة علمه. وهو محمد بن محمد بن عبد السلام العكبري البغدادي المكنى بأبي عبدالله وابن المعلم. - ابن نباتة: الشاعر المشهور وهو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة السعدي. - المرزباني: وهو أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى بن عبيدالله المعروف بالمرزباني. كان راوية للاخبار والآداب والشعر. - ابن جنيقا: وهو أبو القاسم بن عبدالله بن عثمان بن يحيى الدقاق المعروف بابن جنيقا. كان قاضيا محدثا ثقة مأمونا حسن الخلق. - أبو عبد الله القمي: وهو الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه، أخو الشيخ الصدوق، كان جليل القدر عظيم الشأن في الحديث. وقد وثقه أصحاب التراجم، وأخباره مشهورة في كتبهم. من تلامذته: - الطوسي: وهو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، الفقيه الاصولي والمحدث الشهير. - أبو يعلى الديلمي " سالار ": وهو محمد بن حمزة أو ابن عبد العزيز الطبرستاني. وكان ينوب عن استاذه المرتضى في التدريس، وهو فقيه متكلم. - أبو الصلاح الحلبي: وهو الشيخ تقي الدين بن النجم الحلبي خليفة المرتضى في البلاد الحلبية ومن كبار علماء الامامية.

[ 11 ]

- ابن البراج: وهو أبو القاسم القاضي السعيد عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج. - ابو الفتح الكراجكي: وهو الشيخ الامام العلامة ابو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، عالم، فاضل، متكلم، فقيه، محدث، ثقة جليل القدر. - عماد الدين ذو الفقار: وهو السيد الامام عماد الدين ذو الفقار محمد بن معبد بن الحسن بن أبي جعفر الملقب بحميدان، أمير اليمامة بن اسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف بن الاخيضر بن موسى الجون بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الامام علي بن أبي طالب عليه السلام. كان فقيها عالما متكلما ورعا. - الدوريستي: هو أبو عبدالله جعفر بن محمد بن أحمد بن العباسي الرازي الدوريستي. من أكابر علماء الامامية اشتهر في جميع الفنون. من الخلفاء: الطائع لامر الله، والقادر، وابنه القائم بأمر الله وأبو العباس محمد بن القائم بأمر الله. من الملوك: بهاء الدولة البويهي وأبناؤه شرف الدولة، وسلطان الدولة، وركن الدين جلال الدولة، وأبوكاليجار المرزبان. من الوزراء: ابو غالب محمد بن خلف، وأبو علي الرخجي: وأبو علي الحسن بن حمد، وأبو سعيد بن عبدالرحيم، وأبو الفتح، وأبو الفرج محمد بن

[ 12 ]

جعفر بن فسانجس، وأبو طالب محمد بن أيوب بن سليمان البغدادي، وأبو منصور بهرام بن مافنة. من النقباء: والده الشريف أبو أحمد الموسوي، وخاله الشريف أحمد بن الحسن الناصر، وأخوه الشريف أبو الحسن محمد الرضي، والشريف أبو علي عمر بن محمد بن عمر العلوي، وأبو الحسن الزينبي، وأبو الحسين بن الشبيه العلوي. من الامراء: أبو الغنائم محمد بن مزيد، وأبو علي أستاذ هرمز، وأبو منصور بويه بن بهاء الدولة، وأبو شجاع بكران بن بلفوارس، وعنبر الملكي، وعقيل غريب بن مقفى. من العلماء والقضاة والادباء: الشيخ أبو الحسن عبد الواحد بن عبد العزيز الشاهد، وسعد الائمة أبو القاسم وابنه معتمد الحضرة أبو محمد، وأبو الحسين لبن الحاجب، وأبو اسحاق الصابي، وابن شجاع الصوفي، وأبو الحسين الاقساسي العلوي، وأبو الحسين البتي أحمد بن علي الكاتب، والقاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، وأبو الحسن السمسمي، والشاعر أبو بكر محمد بن عمر العنبري. قيل في الشريف المرتضى الكثير في تعداد مزاياه وفضائله ومراتبه، ومما قيل فيه: - في مرآة الجنان: " إمام أئمة العراق بين الاختلاف والافتراق، إليه فزع علماؤنا، وأخذ عنه عظماؤنا، صاحب مدارسها وجامع شاردها وآنسها،

[ 13 ]

ممن سارت أخباره وعرفت بها أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، وتواليفه في أصول الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين مما يشهد أنه فرع تلك الاصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل ". - في جامع الاصول قال ابن الاثير: " ان مروج المائة الرابعة بقول فقهاء الشافعية هو أبو حامد أحمد بن طاهر الاسفرايني، وبقول علماء الحنفية أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، وباعتقاد المالكية ابو محمد عبد الوهاب بن نصر، وبرواية الحنبلية هو أبو عبدالله الحسين ابن علي بن حامد، وبرواية علماء الامامية هو الشريف المرتضى الموسوي ". - في تتمة يتيمة الدهر قال الثعالبي: " قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والادب والفضل والكرم، وله شعر في نهاية الحسن ". تصانيفه: وقد بلغت تصانيفه ورسائله ومؤلفاته مئة وسبعة عشر مصنفا كما ورد في كتابه (رسائل الشريف المرتضى - المجموعة الاولى) المطبوعة في قم سنة 1405 ه‍. لاحظ الصفحات من 33 إلى 39. وهكذا نجد الشريف المرتضى طيب الله ثراه، قد مخر عباب هذا البحر الزاخر المتلاطم الامواج الدينية منها والادبية والفكرية والسياسية والاجتماعية، فكان كالمارد تحدى العواصف والاعاصير ممتشقا ذهنا وقادا وقلبا كبيرا، وعلما غزيزا، وعزيمة لا تلين. فكان بحق علما في حياته، وقدوة بعد مماته. دار الاضواء ت في 20 / 9 / 1988 9 / صفر / 1409 ه‍

[ 15 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على خيرته من خلقه، على عباده محمد وآله الابرار الطاهرين، الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. سألت احسن الله توفيقك، إملاء كتاب في تنزيه الانبياء والائمة عليهم السلام عن الذنوب والقبائح كلها، ما سمي منها كبيرة أو صغيرة والرد على من خالف في ذلك، على اختلافهم وضروب مذاهبهم وأنا اجيب إلى ما سألت على ضيق الوقت، وتشعب الفكر، وأبتدئ بذكر الخلاف في هذا الباب، ثم بالدلالة على مذهب الصحيح من جملة ما اذكره من المذاهب، ثم بتأويل ما تعلق به المخالف من الآيات والاخبار، التي اشتبه عليه وجهها، وظن انها تقتضي وقوع كبيرة أو صغيرة من الانبياء والائمة عليهم السلام، ومن الله تعالى استمد المعونة والتوفيق، واياه اسأل التأييد والتسديد. بيان الخلاف في نزاهة الانبياء عن الذنوب: اختلف الناس في الانبياء عليهم السلام. فقالت الشيعة الامامية، لا يجوز عليهم شئ من المعاصي والذنوب كبيرا كان أو صغيرا، لا قبل النبوة ولا بعدها، ويقولون في الائمة مثل ذلك، وجوز اصحاب الحديث

[ 16 ]

والحشوية (1) على الانبياء الكبائر قبل النبوة، ومنهم من جوزها في حال النبوة سوى الكذب فيما يتعلق باداء الشريعة، ومنهم من جوزها كذلك في حال النبوة بشرط الاستسرار دون الاعلان، ومنهم من جوزها على الاحوال كلها، ومنعت المعتزلة (2). من وقوع الكبائر والصغائر المستخفة من الانبياء عليهم السلام قبل النبوة وفي حالها، وجوزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغاير، ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي صلى الله عليه وسلم الاقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد، ومنهم من منع من ذلك وقال انهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا، بل على سبيل التأويل. وحكي عن النظام (3)، وجعفر بن مبشر (4)، وجماعة ممن تبعهما، ان ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو والغفلة، وانهم مؤاخذون بذلك، وان كان موضوعا من أممهم لقوة معرفتهم وعلو مرتبتهم. وجوزوا كلهم ومن قدمنا ذكره من الحشوية وأصحاب الحديث على الائمة الكبائر والصغائر، إلا انهم يقولون ان بوقوع الكبيرة من الامام تفسد إمامته ويجب عزله والاستبدال به.


(1) الحشوية: هم المحدثون القائلون بنفي التأويل. (2) المعتزلة: هم جماعة من المسلمين اعتمدوا على المنطق والقياس في مناقشة القضايا الكلامية. أهم تعاليمهم: 1 - ان مقترف الكبيرة ليس بالكافر ولا بالمؤمن بل في منزلة بين المنزلتين. 2 - حرية الاختيار، أي أن الانسان ذو إرادة حرة وليس مجبرا على إتيان أعماله. 3 - خلق القرآن. كما ناقشوا قضايا التوحيد والعدل والصفات الالهية. أشهر المعتزلة: واصل بن العطاء وعمرو بن عبيد، وهما انفصلا عن الحسن البصري. (3) النظام: هو إبراهيم بن سيار (توفي 231 ه‍) تلميذ أبي الهذيل العلاف. متكلم معتزلي، نشأ في البصرة وأقام في بغداد حيث توفي. وهو معلم الجاحظ. عارض آراء الفقهاء وانتقد الجبرية والمرجئة. وإليه تنسب النظامية، وهي إحدى فرق المعتزلة. (4) جعفر بن مبشر: وهو أحد المعتزلة أيضا. (*)

[ 17 ]

واعلم ان الخلاف بيننا وبين المعتزلة. في تجويزهم الصغاير على الانبياء صلوات الله عليهم يكاد يسقط عند التحقيق لانهم انما يجوزون من الذنوب ما لا يستقر له استحقاق عقاب، وإنما يكون حظه نقص الثواب على اختلافهم أيضا في ذلك، لان أبا علي الجبائي (1) يقول: ان الصغيرة يسقط عقابها بغير موازنة، فكأنهم معترفون بأنه لا يقع منهم ما يستحقون به الذم والعقاب. وهذه موافقة للشيعة في المعنى، لان الشيعة إنما تنفي عن الانبياء عليهم السلام جميع المعاصي من حيث كان كل شئ منها يستحق به فاعله الذم والعقاب، لان الاحباط باطل عندهم، وإذا بطل الاحباط فلا معصية إلا ويستحق فاعلها الذم والعقاب، وإذا كان استحقاق الذم والعقاب منفيا عن الانبياء عليهم السلام وجب ان تنتفي عنهم ساير الذنوب، ويصير الخلاف بين الشيعة والمعتزلة متعلقا بالاحباط، فإذا بطل الاحباط فلابد من الاتفاق على ان شيئا من المعاصي لا يقع من الانبياء (ع) من حيث يلزمهم استحقاق الذم والعقاب، لكنه يجوز ان نتكلم في هذه المسألة على سبيل التقدير ونفرض ان الامر في الصغائر والكبائر على ما تقوله المعتزلة، ومتى فرضنا ذلك لم نجوز ايضا عليهم الصغائر لما سنذكره ونبينه انشاء الله تعالى. تنزيه الانبياء كافة عن الصغائر والكبائر: (واعلم) ان جميع ما تنزه الانبياء عليهم السلام عنه، ونمنع من وقوعه منهم من يستند إلى دلالة العلم المعجز إما بنفسه أو بواسطة، وتفسير هذه الجملة، ان العلم المعجز إذا كان واقعا موقع التصديق لمدعي النبوة والرسالة، وجاريا مجرى قوله تعالى له: صدقت في انك رسولي ومؤد عني. فلابد من ان يكون هذا المعجز مانعا من كذبه على الله سبحانه في ما يؤديه عنه، لانه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذاب، لان تصديق الكذاب قبيح،


(1) الجبائي: هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي يكنى بأبي علي وهو من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه تنسب الطائفة الجبائية. (*)

[ 18 ]

كما قلنا ان الكذب قبيح، فأما الكذب في غير ما يؤديه عن الله وسائر الكبائر فانما دل المعجز على نفيها، من حيث كان دالا على وجوب اتباع الرسول وتصديقه فيما يؤديه، وقبوله منه، لان الغرض في بعثة الانبياء عليهم السلام، تصديقهم بالاعلام، المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به، فما قدح في الامتثال والقبول واثر فيهما، يجب أن يمنع المعجز منه، فلهذا قلنا: انه يدل على نفي الكذب والكبائر عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة، وفي الاول يدل بنفسه، فإن قيل: لم يبق إلا أن تدلوا على ان تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول والامتثال، قلنا: لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي ولا نأمن منه الاقدام على الذنوب، لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو استماع وعظه كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئا من ذلك، وهذا هو معنى قولنا ان وقوع الكبائر منفر عن القبول، والمرجع فيما ينفر ومالا ينفر إلى العادات واعتبار ما تقتضيه، وليس ذلك مما يستخرج بالادلة والقياس، ومن رجع إلى العادة علم ما ذكرناه، وأنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول، فان حظ الكبائر في هذا الباب لم يزد على حد السخف والمجون والخلاعة ولم ينقص منه. فإن قيل: أو ليس قد جوز كثير من الناس على الانبياء عليهم السلام الكبائر مع انهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرعوه من الشرايع، وهذا ينقض قولكم ان الكبائر منفرة. قلنا: هذا سؤال من لا يفهم ما أوردناه، لانا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق، وان لا يقع امتثال الامر جملة. وإنما أردنا ما فسرناه من ان سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه، وإنا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول. كما إنا مع الامان من الكبائر نكون أقرب إلى قبول القول. وقد يقرب من الشئ ما لا يحصل الشئ عنده، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده، ألا ترى أن

[ 19 ]

عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجره وتبرمه منفر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول، ولا يخرجه من ان يكون منفرا، وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه ولا يخرجه من ان يكون مقربا، فدل على ان المعتبر في باب المنفر والمقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه، فان قيل: فهذا يقتضي ان الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة، فمن أين انها لا تقع منهم قبل النبوة، وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب والذم، ولم يبق وجه يقتضي التنفير. قلنا: الطريقة في الامرين واحدة، لانا نعلم ان من يجوز عليه الكفر والكبائر في حال من الاحوال وان تاب منهما، لا يكون حال الواعظ لنا الداعي إلى الله تعالى ونحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب، وان كان قد فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا، وفي نفسونا كحال من لم نعهد منه إلا النزاهة والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور، ولهذا كثيرا ما يعير الناس. وخرج من استحقاق العقاب بها لا نسكن إلى قبول قوله، كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الاحوال ولا على وجه من الوجوه. ولهذا من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وإن وقعت التوبة منها، ويجعلون ذلك عيبا ونقصا وقادحا ومؤثرا. وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضا عن تجويزها في حال النبوة، وناقصا عن رتبته في باب التنفير، وجب ان لا يكون فيه شئ من التنفير، لان الشيئين قد يشتركان في التنفير، وإن كان احدهما أقوى من صاحبه. ألا ترى ان كثير السخف والمجون والاستمرار عليهما والانهماك فيهما منفر لا محالة، وان القليل من السخف الذي لا يقع إلا في الاحيان والاوقات المتباعدة منفر أيضا، وان فارق الاول في قوة النفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب من الاول من ان يكون منفرا في نفسه.

[ 20 ]

فإن قيل: فمن أين قلتم ان الصغائر لا تجوز على الانبياء في حال النبوة وقبلها ؟ قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالتين عند التأمل، لانا كما نعلم ان من يجوز كونه فاعلا لكبيرة متقدمة قد تاب منها واقلع عنها ولم يبق معه شئ من استحقاق عقابها وذمها، لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك. وكذلك نعلم ان من يجوز عليه الصغائر من الانبياء (ع) أن يكون مقدما على القبائح مرتكبا للمعاصي في حال نبوته أو قبلها، وان وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كل القبائح ولا نجوز عليه فعل شئ منها. فاما الاعتذار في تجويز الصغائر بأن العقاب والذم عنها ساقطان فليس بشئ، لانه لا معتبر في باب التنفير بالذم والعقاب حتى يكون التنفير واقعا عليهما، ألا ترى ان كثيرا من المباحات منفر ولا ذم عليه ولا عقاب وكثيرا من الخلق والهيئات منفر وهو خارج عن باب الذم. على ان هذا القول يوجب على قائله تجويز الكبائر عليهم قبل البعثة، لان التوبة والاقلاع قد ازالا الذم والعقاب اللذين يقف التنفير على هذا القول عليهما. فإن قيل: كيف تنفر الصغاير وإنما حظها تقليل الثواب وتنقيصه ؟ لانها بكونها صغائر قد خرجت من اقتضاء الذم والعقاب، ومعلوم أن قلة الثواب غير منفرة. ألا ترون ان كثيرا من الانبياء عليهم السلام قد يتركون كثيرا من النوافل مما لو فعلوه لاستحقوا كثيرا من الثواب، ولا يكون ذلك منفرا عنهم. قلنا: ان الصغاير لم تكن منفرة من حيث قلة الثواب معها، بل انما كانت كذلك من حيث كانت قبائح ومعاصي لله تعالى، وقد بينا أن الملجأ في باب المنفر إلى العادة والشاهد. وقد دللنا على انهما يقتضيان بتنفير جميع الذنوب والقبائح على الوجه الذي بيناه.

[ 21 ]

وبعد: فإن الصغاير في هذا الباب بخلاف الامتناع من النوافل، لانها تنقص ثوابا مستحقا ثابتا. وترك النوافل ليس كذلك. وفرق واضح في العادة بين الانحطاط عن رتبة ثبتت واستحقت، وبين قوتها. وان لا تكون حاصلة جملة. ألا ترى ان من ولى ولاية جليلة وارتقى إلى رتبة عالية، يؤثر في حالة العزل عن تلك الولاية والهبوط عن تلك الرتبة، ولا يكون حاله هذه كحاله لو لم ينل تلك الولاية ولا ارتقى إلى تلك الرتبة. وهذا الكلام الذي ذكرناه يبطل قول من جوز على الانبياء عليهم السلام الصغائر على اختلاف مذاهبهم في تجويز ذلك عليهم على سبيل العمد أو التأويل. إلا ان أبا علي الجبائي ومن وافقه في قوله ان ذنوب الانبياء لا تكون عمدا، وإنما يقدمون عليها تأويلا، ويمثل لذلك بقصة آدم (ع)، فإنه نهي عن جنس الشجرة دون عينها فتأول فظن ان النهي يتناول العين، فلم يقدم على المعصية مع العلم بأنها معصية قد ناقض، فإنه إنما ذهب إلى هذا المذهب تنزيها للانبياء عليهم السلام، واعتقادا ان تعمد المعصية مع العلم يوجب كبرها، فنزهه عن معصية وأضاف إليه معصيتين، لانه مخطئ على مذهبه في الاعراض عن تأمل مقتضى النهي، وهل يتناول الجنس أو العين لان ذلك واجب عليه ومخطئ في التناول من الشجرة، وهاتان معصيتان. وبعد: فإن تعمد المعصية ليس يجب ان يكون مقتضيا لكبرها لا محالة، لانها لا يمتنع أن يكون مع التعمد لصاحبها من الخوف والوجل ما يوجب صغرها، ويمنع من كبرها. وليس له ان يقول ان النظر فيما كلفه من الامتناع من الجنس أو النوع لم يكن واجبا عليه، لان ذلك ان لم يكن واجبا عليه فكيف يكون مكلفا، وكيف يكون تناوله معصية ؟ ولابد على هذا من ان يخطر الله تعالى بباله ما يقتضي وجوب النظر في ذلك عليه. وإذا وجب عليه النظر ولم يفعله فقد تعمد الاخلال بالواجب، ولا فرق في باب التنفير بين الاقدام على المعصية والاخلال بالواجب. فإذا جاز عنده ان يتعمد الاخلال

[ 22 ]

بالواجب ولا يكون منه كبيرا، جاز ان يتعمد منه نفس التناول ولا يكون منه كبيرا. فأما ما حكيناه عن النظام وجعفر بن مبشر ومن وافقهما، من ان ذنوب الانبياء عليهم السلام تقع منهم على سبيل السهو والغفلة، وأنهم مع ذلك مؤاخذون بها، فليس بشئ، لان السهو يزيل التكليف ويخرج الفعل من ان يكون ذنبا مؤاخذا به، ولهذا لا يصح مؤاخذة المجنون والنائم. وحصول السهو في أنه مؤثر في ارتفاع التكليف بمنزلة فقد القدرة والآلات والادلة، فلو جاز ان يخالف حال الانبياء في صحة تكليفهم مع السهو، جاز ان يخالف حالهم لحال أممهم في جواز التكليف مع فقد سائر ما ذكرناه وهذا واضح، فأما الطريق الذي به يعلم ان الائمة عليهم السلام لا يجوز عليهم الكبائر في حال الامامة، فهو أن الامام انما احتيج إليه لجهة معلومة، وهي ان يكون المكلفون عند وجوده ابعد من فعل القبيح وأقرب من فعل الواجب على ما دللنا عليه في غير موضع، فلو جازت عليه الكبائر لكانت علة الحاجة إليه ثابتة. فيه. وموجبة وجود امام يكون اماما له، والكلام في امامته كالكلام فيه، وهذا يؤدي إلى وجود ما لا نهاية له من الائمة وهو باطل أو الانتهاء إلى امام معصوم وهو المطلوب. ومما يدل ايضا على ان الكبائر لا تجوز عليهم، ان قولهم قد ثبت أنه حجة في الشرع كقول الانبياء (ع)، بل يجوز ان ينتهي الحال إلى أن الحق لا يعرف إلا من جهتهم، ولا يكون الطريق إليه إلا من أقوالهم على ما بيناه في مواضع كثيرة، وإذا ثبت هذا جملة جروا مجرى الانبياء (ع) فيما يجوز عليهم ومالا يجوز، فإذا كنا قد بينا ان الكبائر والصغائر لا يجوزان على الانبياء (ع) قبل النبوة ولا بعدها، لما في ذلك من التنفير عن قبول اقوالهم، ولما في تنزيههم عن ذلك من السكون إليهم، فكذلك يجب أن يكون الائمة

[ 23 ]

عليهم السلام منزهين عن الكبائر والصغائر قبل الامامة وبعدها، لان الحال واحدة. وإذ قد قدمنا ما أردنا تقديمه في هذا الباب فنحن نبتدئ بذكر الكلام على ما تعلقوا به من جواز الكبائر على الانبياء (ع) من الكتاب.

[ 24 ]

تنزيه آدم عليه السلام تنزيه آدم عن الغواية: (مسألة) فمما تعلقوا به قوله تعالى في قصة آدم (ع): (وعصى آدم ربه فغوى) " 1 ". قالوا وهذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلا قبيحة، وأكده بقوله { فغوى }، وهذا تصريح بوقوع المعصية، والغي ضد الرشد. (الجواب): يقال لهم أما المعصية فهى مخالفة الامر، والامر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب وبالمندوب معا، فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم عليه السلام مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة، ويكون بمواقعتها تاركا نفلا وفضلا وغير فاعل قبيحا، وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب. فإن تسمية من خالف ما أمر به سواه كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهرة، ولهذا يقولون أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني، وإن لم يكن ما أمره به واجبا، وأما قوله (فغوى)، فمعناه انه خاب، لانا نعلم انه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم. فإذا خالف الامر ولم يصر إلى ما


(1) سورة طه الاية (121) (*)

[ 25 ]

ندب إليه، فقد خاب لا محالة، من حيث انه لم يصر إلى الثواب الذى كان يستحق بالامتناع، ولا شبهة في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة. قال الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما فإن قيل: كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية ؟ أو ليس هذا يوجب ان توصف الانبياء (ع) بأنهم عصاة في كل حال، وأنهم لا ينفكون من المعصية لانهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب ؟ قلنا: وصف تارك الندب بانه عاص توسع وتجوز والمجاز لا يقاس عليه ولا يعدى به عن موضعه. ولو قيل انه حقيقة في فاعل القبيح وتارك الاولى والافضل، ولم يجز إطلاقه أيضا في الانبياء (ع) إلا مع التقييد لان استعماله قد كثر في القبائح، فإطلاقه بغير تقييد موهم، لكنا نقول: ان أردت بوصفهم بأنهم عصاة أنهم فعلوا القبايح فلا يجوز ذلك، وان أردت انهم تركوا ما لو فعلوه استحقوا الثواب وكان أولى فهم كذلك. فإن قيل: فأي معنى لقوله تعالى: (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (1) وأي معنى لقوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم) (2) فكيف تقبل توبة من لم يذنب ؟ ام كيف يتوب من لم يفعل القبيح ؟ قلنا: أما التوبة في اللغة: الرجوع، ويستعمل في واحد منا وفى القديم تعالى. والثانى ان التوبة عندنا وعلى أصولنا فغير موجبة لا سقاط العقاب، وإنما يسقط الله تعالى العقاب عندها تفضلا، والذى توجبه التوبة وتؤثره هو استحقاق الثواب، فقبولها على هذا الوجه انما هو ضمان الثواب عليها. فمعنى قوله تعالى: (تاب عليه) انه قبل توبته وضمن له ثوابها،


(1) سورة طه الآية 122 (2) سورة البقرة الآية 37 (*)

[ 26 ]

ولابد لمن ذهب إلى ان معصية آدم عليه السلام صغيرة من هذا الجواب، لانه إذا قيل له كيف تقبل توبته وتغفر له معصيته ؟ قد وقعت في الاصل مكفرة لا يستحق عليها شيئا من العقاب، لم يكن له بد من الرجوع إلى ما ذكرناه، والتوبة قد تحسن ان تقع ممن لا يعهد من نفسه قبيحا على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والرجوع إليه، ويكون وجه حسنها في هذا الموضع إستحقاق الثواب بها أو كونها لفظا، كما يحسن أن تقع ممن يقطع على انه غير مستحق للعقاب، وأن التوبة لا تؤثر في اسقاط شئ يستحقه من العقاب، ولهذا جوزوا التوبة من الصغائر وإن لم تكن مؤثرة في اسقاط ذم ولا عقاب. فان قيل: الظاهر من القرآن بخلاف ما ذكرتموه، لانه اخبر ان آدم عليه السلام منهي عن أكل الشجرة بقوله: (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (1) وبقوله: (ألم انهكما عن تلكما الشجرة) (2) ؟ وهذا يوجب بأنه (ع) عصى بأن فعل منهيا عنه ولم يعص بان ترك مأمورا به. قلنا: أما النهي والامر معا فليسا يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال ولا اشتراك، وقد يؤمر عندنا بلفظ النهي وينهى بلفظ الامر، فإنما يكون النهي نهيا بكراهة المنهي عنه. فإذا قال تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة، ولم يكره قربها، لم يكن في الحقيقة ناهيا، كما أنه تعالى لما قال: (اعملوا ما شئتم وإذا حللتم فاصطادوا)، ولم يرد ذلك، لم يكن أمرا. فإذا كان قد صح قوله (ولا تقربا هذه الشجرة) إرادة لترك التناول، فيجب ان يكون هذا القول أمرا، وإنما سماه منهيا عنه، ويسمى أمره له بأنه نهي من حيث كان فيه معنى النهي، لان النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل، وتزهيدا في الفعل نفسه. ولما كان الامر ترغيبا في الفعل المأمور به وتزهيدا في تركه، جاز ان يسمى نهيا. وقد يتداخل هذان الوصفان في الشاهد فيقول احدنا قد


(1) البقرة الآية 35 (2) الاعراف الآية 22 (*)

[ 27 ]

أمرت فلانا بأن لا يلقى الامير، وإنما يريد أنه نهاه عن لقائه، ويقول نهيتك عن هجر زيد وإنما معناه امرتك بمواصلته، فإن قيل ألا جعلتم النهي منقسما إلى منهي قبيح ومنهي غير قبيح، بل يكون تركه أفضل من فعله، كما جعلتم الامر منقسما إلى واجب وغير واجب. قلنا الفرق بين الامرين ظاهر، لان انقسام المأمور به في الشاهد إلى واجب وغير واجب غير مدفوع، ولا خاف، وليس يمكن أحد أن يدفع ان في الافعال الحسنة التي يستحق بها المدح والثواب ما له صفة الوجوب، وفيها ما لا يكون كذلك. فإذا كان الواجب مشاركا للندب في تناول الارادة له واستحقاق الثواب والمدح به، فليس يفارقه إلا بكراهة الترك. لان الواجب تركه مكروه والنفل ليس كذلك. فلو جعلنا الكراهة تتعلق بالقبيح وغير القبيح من الحكيم تعالى، وكذلك النهي. كما جعلنا الامر منه يتعلق بالواجب وغير الواجب، لارتفع الفرق بين الواجب والندب مع ثبوت الفصل بينهما في العقول، فان قيل: فما معنى حكايته تعالى عنهما قولهما: (ربنا ظلمنا انفسنا) وقوله تعالى: (فتكونا من الظالمين). قلنا: معناه أنا نقصنا انفسنا وبخسناها ما كنا نستحقه من الثواب بفعل ما أريد منا من الطاعة، وحرمناها الفايدة الجليلة من التعظيم من ذلك الثواب، وإن لم يكن مستحقا قبل ان يفعل الطاعة التي يستحق بها، فهو في حكم المستحق، فيجوز ان يوصف بذلك من فوت نفسه بأنه ظالم لها، كما يوصف من فوت نفسه المنافع المستحقة. وهذا معنى قوله تعالى: (فتكونا من الظالمين). فإن قيل فإذا لم تقع من آدم عليه السلام على قولكم معصية، فلم أخرج من الجنة على سبيل العقوبة وسلب لباسه على هذا الوجه ؟ ولولا أن الاخراج من الجنة وسلب اللباس على سبيل الجزاء على الذنب، كما قال الله

[ 28 ]

تعالى: (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما) (1) وقال تعالى في موضع آخر: (فأخرجهما مما كانا فيه) (2) ؟. قلنا: نفس الاخراج من الجنة لا يكون عقابا، لان سلب اللذات والمنافع ليس بعقوبة، وإنما العقوبة هي الضرب والالم الواقعان على سبيل الاستخفاف والاهانة. وكذلك نزع اللباس وابداء السوأة. فلو كانت هذه الامور مما يجوز ان تكون عقابا ويجوز ان يكون غيره لصرفناها عن باب العقاب إلى غيره، بدلالة ان العقاب لا يجوز ان يستحقه الانبياء عليهم السلام. فإذا فعلنا ذلك فيما يجوز أن يكون واقعا على سبيل العقوبة، فهو اولى فيما لا يجوز أن يكون كذلك، فان قيل فما وجه ذلك ان لم تكن عقوبة ؟. قلنا: لا يمتنع ان يكون الله تعالى علم ان المصلحة تقتضي تبقية آدم عليه السلام في الجنة وتكليفه فيها متى لم يتناول من الشجرة، فمتى تناول منها تغيرت الحال في المصلحة وصار اخراجه عنها وتكليفه في دار غيرها هو المصلحة. وكذلك القول في سلب اللباس حتى يكون نزعه بعد التناول من الشجرة هو المصلحة كما كانت المصلحة في تبقيته قبل ذلك، وإنما وصف إبليس بأنه مخرج لهما من الجنة من حيث وسوس اليهما وزين عندهما الفعل الذي يكون عنده الاخراج، وإن لم يكن على سبيل الجزاء عليه لكنه يتعلق به تعلق الشرط في مصلحته، وكذلك وصف بأنه مبدئ لسوأتهما من حيث اغواهما، حتى اقدما على ما سبق في علم الله تعالى بأن اللباس معه ينزع عنهما، ولابد لمن ذهب إلى ان معصية آدم عليه السلام صغيرة لا يستحق بها العقاب من مثل هذا التأويل، وكيف يجوز ان يعاقب الله تعالى نبيه بالاخراج من الجنة أو غيره من العقاب، والعقاب لابد من ان يكون مقرونا بالاستخفاف والاهانة، وكيف يكون من تعبدنا الله فيه بنهاية التعظيم والتبجيل


(1) الاعراف الآية 20 (2) البقرة الآية 36 (*)

[ 29 ]

مستحقا منا ومنه تعالى الاستخفاف والاهانة: وأي نفس تسكن إلى مستخف بقدره مهان موبخ مبكت ؟ وما يجيز مثل ذلك على الانبياء (ع) إلا من لا يعرف حقوقهم ولا يعلم ما تقضيه منازلهم. حول ايحاء ابليس لحواء بتسمية ولدها عبد الحارث: (مسألة) فان قال قائل فما قولكم في قوله تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما اثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما اتاهما فتعالى الله عما يشركون) (1) أو ليس ظاهر هذه الآية يقتضى وقوع المعصية من آدم (ع) لانه لم يتقدم من يجوز صرف هذه الكناية في جميع الكلام إليه إلا ذكر آدم (ع) وزوجته، لان النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء. فالظاهر على ما ترون ينبي عما ذكرناه، على انه قد روي في الحديث أن إبليس لعنه الله تعالى، لما ان حملت حواء عرض لها وكانت ممن لا يعيش لها ولد. فقال لها احببت ان يعيش ولدك فسميه عبد الحارث، وكان أبليس قد سمي الحارث، فلما ولدت سمت ولدها بهذه التسمية. فلهذا قال تعالى: (جعلا له شركاء فيما اتاهما). (الجواب): يقال له قد علمنا ان الدلالة العقلية التي قدمناها في باب أن الانبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر والشرك والمعاصي غير محتملة، ولا يصح دخول المجاز فيها. والكلام في الجملة يصح فيه الاحتمال وضروب المجاز، فلابد من بناء المحتمل على ما لا يحتمل، فلو لم نعلم تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل، لكنا نعلم في الجملة ان


(1) الاعراف 189 - 190 (*)

[ 30 ]

تأويلها مطابق لدلالة العقل. وقد قيل في تأويل هذه الآية ما يطابق دليل العقل ومما يشهد له اللغة وجوه. (منها) ان الكناية في قوله سبحانه: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) غير راجعة إلى آدم (ع) وحواء، بل إلى الذكور والاناث من أولادهما، أو إلى جنسين ممن اشترك من نسلهما. وان كانت الكناية الاولى تتعلق بهما ويكون تقدير الكلام: فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح الذي تمنياه وطلباه جعل كفار أولادهما ذلك مضافا إلى غير الله تعالى. ويقوي هذا التأويل قوله سبحانه: (فتعالى الله عما يشركون). وهذا ينبئ على ان المراد بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين، وليس يجب من حيث كانت الكناية المتقدمة راجعة إلى آدم (ع) وحواء، أن يكون جميع ما في الكلام راجعا اليهما، لان الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى خطاب غيره، ومن كناية إلى خلافها. قال الله تعالى: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله) (1) فانصرف من مخاطبة الرسول صلى الله عليه وآله إلى مخاطبة المرسل إليهم، ثم قال: (وتعزروه وتوقروه) (2) يعني الرسول، ثم قال (وتسبحوه) يعني مرسل الرسول. فالكلام واحد متصل بعضه ببعض والكناية مختلفة كما ترى. وقال الهذلي: يا لهف نفسي كأن جدة خالد * وبياض وجهك للتراب الاعفر ولم يقل بياض وجهه. وقال كثير: أسيئ بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية ان تقلت فخاطب ثم ترك الخطاب.


(1) الفتح الآية 8 - 9 (2) الفتح الآية 9. (*)

[ 31 ]

وقال الآخر: فدى لك ناقتي وجميع أهلي * ومالي انه منه أتاني ولم يقل منك أتاني. فإن قيل، كيف يكنى عمن لم يتقدم له ذكر ؟. قلنا: لا يمتنع ذلك، قال الله تعالى: (حتى توارت بالحجاب) (1) ولم يتقدم للشمس ذكر، وقال الشاعر: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بي الصدر ولم يتقدم للنفس ذكر. والشواهد على هذا المعنى كثيرة جدا على انه قد تقدم ذكر ولد آدم (ع)، وتقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) (2) ومعلوم ان المراد بذلك جميع ولد آدم عليه السلام. وتقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى: (فلما أتاهما صالحا) لان المعنى أنه لما أتاهما ولدا صالحا. والمراد بذلك الجنس، وإن كان اللفظ لفظ وحدة. وإذا تقدم مذكوران وعقبا بأمر لا يليق بأحدهما، وجب أن يضاف إلى من يليق به. والشرك لا يليق بآدم عليه السلام، فيجب ان ننفيه عنه، وإن تقدم ذكره وهو يليق بكفار ولده ونسله فيجب ان نعلقه بهم. (ومنها) ما ذكره أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني، فإنه يحمل الآية على ان الكناية في جميعها غير متعلقة بآدم (ع) وحواء، فيجعل الهاء في (تغشيها) والكناية في (دعوا الله ربهما) و (اتاهما صالحا) راجعين إلى من اشرك. ولم يتعلق بآدم (ع) من الخطاب إلا قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) قال: والاشارة في قوله: (خلقكم من نفس واحدة) إلى


(1) ص الآية 32 (2) الاعراف الآية 189 (*)

[ 32 ]

الخلق عامة. وكذلك قوله: (وجعل منها زوجها) ثم خص منها بعضهم، كما قال الله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) (1) فخطاب الجماعة بالتسيير، ثم خص راكب البحر. وكذلك هذه الآية أخبرت عن جملة أمر البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها، وهما آدم وحواء. ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما أعطاه إياه، أدعى له الشركاء في عطيته. قال وجايز أن يكون عنى بقوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) المشركين خصوصا، إذا كان كل بني آدم مخلوقا من نفس واحدة وزوجها، ويكون المعنى في قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة). وهذا قد يجئ كثيرا في القرآن وفي كلام العرب. قال الله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (2) والمعنى فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة. وهذا الوجه يقارب الوجه الاول في المعنى وان خالفه في الترتيب. (ومنها) ان تكون الهاء في قوله: (جعلا له شركاء) راجعة إلى الولد لا إلى الله تعالى، ويكون المعنى انهما طلبا من الله تعالى أمثالا للولد الصالح، فشركا بين الطلبتين. ويجري هذا القول مجرى قول القائل: طلبت مني درهما فلما أعطيتك شركته بآخر، أي طلبت آخر مضافا إليه. فعلى هذا الوجه لا يمتنع ان تكون الكناية من أول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم وحواء عليهما السلام. فان قيل: فأي معنى على هذا الوجه لقوله: (فتعالى الله عما يشركون) وكيف يتعالى الله عن ان يطلب منه ولد بعد آخر.


(1) يونس الآية 22 (2) النور 4 (*)

[ 33 ]

(قلنا) لم ينزه الله تعالى نفسه عن هذا الاشراك، وإنما نزهها عن الاشراك به، وليس يمتنع ان ينقطع هذا الكلام عن حكم الاول، ويكون غير متعلق به، لانه تعالى قال: (أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون) (1) فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك دون ما تقدم، وليس يمتنع انقطاع اللفظ في الحكم عما يتصل به في الصورة، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب (2)، لان من عادة العرب ان يراعوا الالفاظ اكثر من مراعاة المعاني، فكأنه تعالى لما قال جعلا له شركاء فيما اتاهما، وأراد الاشتراك في طلب الولد، جاء بقوله تعالى عما يشركون على مطابقة اللفظ الاول، وان كان الثاني راجعا إلى الله تعالى، لانه يتعالى عن اتخاذ الولد وما اشبهه. ومثله قول النبي قد سئل عن العقيقة فقال: " لا أحب العقوقة، ومن شاء منكم ان يعق عن ولده فليفعل ". فطابق اللفظ وان أختلف المعنيان وهذا كثير في كلامهم. فاما ما يدعي في هذا الباب من الحديث فلا يلتفت إليه، لان الاخبار يجب ان تبنى على أدلة العقول، ولا تقبل في خلال ما تقتضيه أدلة العقول. ولهذا لا تقبل أخبار الجبر والتشبيه، ونردها أو نتأولها ان كان لها مخرج سهل. وكل هذا لو لم يكن الخبر الوارد مطعونا على سنده مقدوحا في طريقه، فإن هذا الخبر يرويه قتادة عن الحسن عن سمرة وهو منقطع، لان الحسن لم يسمع من سمرة شيئا في قول البغداديين. وقد يدخل الوهن على هذا الحديث من وجه آخر، لان الحسن نفسه يقول بخلاف هذه الرواية فيما


(1) الاعراف 191 (2) في نسخة زيادة هكذا قال الشريف المرتضى في قوله تعالى: (جعلا له شركاء فيما أتاهما فتعالى الله عما يشركون). فايدة: إذا كان الثاني غير الاول لان من عاده: الخ. (*)

[ 34 ]

رواه خلف بن سالم عن اسحاق بن يوسف عن عوف عن الحسن في قوله تعالى: (فلما أتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما أتاهما) قال هم المشركون. وبازاء هذا الحديث ما روي عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن وغيرهم، من ان الشرك غير منسوب إلى آدم وزوجته عليهما السلام وان المراد به غيرهما وهذه جملة واضحة.

[ 35 ]

تنزيه نوح عليه السلام تنزيه نوح عما لا يليق به (مسأله فان سأل سائل عن قوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب ان أبني من اهلي وان وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين قال يا نوح أنه ليس من أهلك انه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم اني اعظك ان تكون من الجاهلين) (1) فقال: ظاهر قوله تعالى انه ليس من أهلك، فيه تكذيب، لقوله عليه السلام ان ابني من أهلي. وإذا كان النبي (ع) لا يجوز عليه الكذب فما الوجه في ذلك ؟ قيل له في هذه الآية وجوه، كل واحد منها صحيح مطابق لادلة العقل (2). (أولها) أن نفيه لان يكون من أهله لم يتناول فيه نفي النسب، وإنما نفى ان يكون من أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم، لانه عزوجل كان وعد نوحا عليه السلام بأن ينجي اهله في قوله: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك إلا من سبق عليه القول) (3) فاستثنى من اهله من اراد اهلاكه بالغرق. ويدل على صحة هذا التأويل قول نوح عليه السلام: ان ابني من


(1) هود الآية 45 - 46. (2) راجع قصص الانبياء - قصة نوح عليه السلام - المسأله الخامسة. (3) هود الآية 40 (*)

[ 36 ]

اهلي وان وعدك الحق. وعلى هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان. وقد روي هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين. (والوجه الثاني) ان يكون المراد من قوله تعالى: (ليس من اهلك) أي انه ليس على دينك، وأراد انه كان كافرا مخالفا لابيه، فكأن كفره اخرجه من ان يكون له أحكام أهله. ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى على سبيل التعليل: (انه عمل غير صالح) فتبين انه انما خرج عن احكام اهله بكفره وقبيح عمله. وقد حكي هذا الوجه أيضا عن جماعة من اهل التأويل. (والوجه الثالث) انه لم يكن ابنه على الحقيقة، وإنما ولد على فراشه. فقال (ع) ان ابني على ظاهر الامر. فأعلمه الله تعالى ان الامر بخلاف الظاهر، ونبهه على خيانة امرأته، وليس في ذلك تكذيب خبره، لانه انما اخبر عن ظنه وعما يقتضيه الحكم الشرعي، فاخبره الله تعالى بالغيب الذي لا يعلمه غيره. وقد روي هذا الوجه عن الحسن ومجاهد وابن جريج. وفي هذا الوجه بعد، إذ فيه منافاة للقرآن لانه تعالى قال: (ونادى نوح ابنه) فأطلق عليه اسم النبوة. ولانه تعالى أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى: (واهلك إلا من سبق عليه القول). ولان الانبياء عليهم السلام يجب ان ينزهوا عن هذه الحال لانها تعبير وتشيين ونقص في القدر، وقد جنبهم الله تعالى ما دون ذلك تعظيما لهم وتوقيرا ونفيا لكل ما ينفر عن القبول منهم. وقد حمل ابن عباس قوة ما ذكرناه من الدلالة على ان تأويل قوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط، فخانتاهما، أن الخيانة لم تكن منهما بالزنا، بل كانت احداهما تخبر الناس بأنه مجنون، والاخرى تدل على الاضياف. والوجهان الاولان هما المعتمدان في الآية، فإن قيل اليس قد قال جماعة من المفسرين ان الهاء في قوله تعالى: (انه عمل غير صالح) راجعة إلى السؤال ؟ والمعنى ان سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح، لانه قد وقع من نوح (ع) السؤال والرغبة في قوله: رب إن ابني من

[ 37 ]

اهلي وان وعدك الحق، ومعنى ذلك نجه كما نجيته. قلنا ليس يجب ان تكون الهاء في قوله ان عمل غير صالح، راجعة إلى السؤال بل إلى الابن يكون تقدير الكلام: ان ابنك ذو عمل غير صالح، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ويشهد لصحة هذا التأويل، قول الخنساء (1): ما ام سقب على بو (2) تطيف به * قد ساعدتها على التحنان اظئار ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت * فانما هي اقبال وادبار وإنما اراد انها ذات إقبال وذات إدبار، وقد قال قوم في هذا الوجه: ان المعنى في قوله: إنه عمل غير صالح، أن اصله عمل غير صالح من حيث ولد على فراشه وليس بإبنه. وهذا جواب من يرى انه لم يكن ابنه على الحقيقة. والذي اخترناه خلاف ذلك، وقد قرئت هذه الآية بنصب اللام وكسر الميم ونصب غير، ومع هذه القراءة لا شبهة في رجوع معنى الكلام إلى الابن دون سؤال نوح (ع)، وقد ضعف قوم هذه القراءة فقالوا: كان يجب ان يقول انه عمل عملا غير صالح، لان العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن، حتى يقولوا عملا غير حسن. وليس هذا الوجه بضعيف، لان من مذهبهم الظاهر أقامة الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس. فيقول القائل: قد فعلت صوابا وقلت حسنا، بمعنى فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا. وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي (3) ؟. ايها القائل غير الصواب * أخر النصح واقلل عتابي وقال أيضا: وكم من قتيل ما يباء به دم * ومن علق رهنا إذا لفه الدما (4)


(1) شاعرة عربية (575 - 664 ه‍) اشتهرت برثاء أخويها. (2) هكذا وردت في الاصل ولعلها (بوق) كما يدل سياق المعنى. (3) شاعر غزلي شهير (644 - 711 ه‍) تزهد في آخر حياته. (4) ومن علق رهنا إذا ألفه غنما - خل. (*)

[ 38 ]

ومن مالي عينيه من شئ غيره * إذا راح نحو الحمرة البيض كالدما أرادوكم من انسان قتيل. وقال رجل من بجيلة: كم من ضعيف العقل منتكث القوى * ما ان له نقض ولا ابرام أرادكم من انسان ضعيف العقل والقوى. فإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتم فلم قال الله تعالى: (فلا تسألني ما ليس لك به علم اني أعظك ان تكون من الجاهلين) فكيف قال نوح عليه السلام من بعد: (رب اني أعوذ بك ان اسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) (1). قلنا ليس يمتنع أن يكون نوح (ع) نهى عن سؤال ما ليس له به علم، وإن لم يقع منه، وان يكون هو (ع) تعوذ من ذلك، وان لم يواقعه. ألا ترى أن نبينا صلى الله عليه وآله قد نهى عن الشرك والكفر، وإن لم يقعا منه، في قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك). وانما سأل نوح عليه السلام نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع. فلما بين الله تعالى ان المصلحة في غير نجاته، لم يكن ذلك خارجا عما تضمنه السؤال. فأما قوله تعالى: (اني اعظك ان تكون من الجاهلين)، فمعناه لئلا تكون منهم. ولا شك في ان وعظه تعالى هو الذي يصرفه عن الجهل وينزهه عن فعله. وهذا كله واضح.


(1) هود الآية 47 (*)

[ 39 ]

تنزيه ابراهيم عليه السلام تنزيه ابراهيم (ع) عن الكفر والعصيان: فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى حاكيا عن ابراهيم عليه السلام: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا احب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الظالمين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال يا قوم اني برئ مما تشركون) (1) أو ليس ظاهر هذه الآية يقتضي انه عليه السلام كان يعتقد في وقت من الاوقات الالهية للكواكب، وهذا مما قلتم انه لا يجوز على الانبياء عليهم السلام. (الجواب): قيل له في هذه الآية جوابان: احدهما ان ابراهيم عليه السلام انما قال ذلك في زمان مهلة النظر، وعند كمال عقله وحضور ما يوجب عليه النظر بقلبه وتحريك الدواعي على الفكر والتأمل له، لان ابراهيم (ع) لم يخلق عارفا بالله تعالى، وإنما اكتسب المعرفة لما اكمل الله تعالى عقله وخوفه من ترك النظر بالخواطر والدواعي، فلما رأى الكواكب: وقد روي في التفسير أنه رأى الزهرة واعظمه ما رآها عليه من النور


(1) الانعام الآيات 76 - 78. (*)

[ 40 ]

وعجيب الخلق، وقد كان قومه يعبدون الكواكب ويزعمون انها آلهة. قال هذا ربي على سبيل الفكر والتأمل لذلك، فلما غابت وأفلت وعلم ان الافول لا يجوز على الاله، علم انها محدثة متغيرة منتقلة. وكذلك كانت حالته في رؤية القمر والشمس، وانه لما رأى ان افولهما قطع على حدوثهما واستحالة الهيتهما، وقال في آخر الكلام: " يا قوم اني برئ مما تشركون، اني وجهت وجي للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين ". وكان هذا القول منه عقيب معرفته بالله تعالى، وعلمه بأن صفات المحدثين لا يجوز عليه تعالى. فان قيل: كيف يجوز ان يقول عليه السلام هذا ربي، مخبرا، وهو غير عالم بما يخبر به، والاخبار بما لا يأمن المخبر ان يكون كاذبا فيه قبيح. وفي حال كمال عقله ولزوم النظر لابد من ان يلزمه التحرز من الكذب، وما جرى مجراه من القبح. قلنا عن هذا جوابان: احدهما: انه لم يقل ذلك مخبرا، وإنما قال فارضا ومقدرا على سبيل الفكر والتأمل، ألا ترى انه قد يحسن من احدنا إذا كان ناظرا في شيئ ومتأملا بين كونه على احدى صفتيه، ان يفرضه على احداهما لينظر فيما يؤدي ذلك الفرض إليه من صحة أو فساد، ولا يكون بذلك مخبرا في الحقيقة. ولهذا يصح من احدنا إذا نظر في حدوث الاجسام وقدمها ان يفرض كونها قديمة، ليتبين ما يؤدي إليه ذلك الفرض من الفساد. والجواب الآخر: أنه أخبر عن ظنه، وقد يجوز أنه يظن المفكر والمتأمل في حال نظره وفكره مالا أصل له، ثم يرجع عنه بالادلة والعقل، ولا يكون ذلك منه قبيحا. فإن قيل الآية تدل على ان ابراهيم عليه السلام ما كان رأى هذه الكواكب قبل ذلك، لان تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها، فكيف يجوز ان يكون إلى مدة كمال عقله لم يشاهد السماء وما فيها من النجوم ؟ قلنا لا

[ 41 ]

يمتنع أن يكون ما رأى السماء إلا في ذلك الوقت، لانه على ما روي كان قد ولدته امه في مغارة خوفا من ان يقتله النمرود، ومن يكون في المغارة لا يرى السماء فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكر فيها، وقد يجوز أيضا ان يكون قد رأى السماء قبل ذلك إلا أنه لم يفكر في اعلامها، لان الفكر لم يكن واجبا عليه. وحين كمل عقله وحركته الخواطر فكر في الشئ الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه. والوجه الآخر في اصل المسألة: هو ان ابراهيم عليه السلام لم يقل ما تضمنته الآيات على طريق الشك، ولا في زمان مهلة النظر والفكر، بل كان في تلك الحال موقنا عالما بأن ربه تعالى لا يجوز ان يكون بصفة شئ من الكواكب، وإنما قال ذلك على سبيل الانكار على قومه والتنبيه لهم على أن ما يغيب ويأفل لا يجوز ان يكون إلها معبودا، ويكون قوله: (هذا ربي) محمولا على أحد وجهين: أي هو كذلك عندكم وعلى مذاهبكم. كما يقول احدنا للمشبه على سبيل الانكار لقوله هذا ربه جسم يتحرك ويسكن. والوجه الآخر: ان يكون قال ذلك مستفهما، واسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، وقد جاء في الشعر ذلك كثيرا: قال الاخطل (1): كذبتك عينك ام رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا


(1) الاخطل: شاعر الامويين (640 - 710 ه‍) هو غياث التغلبي لقب بالاخطل لطول لسانه أو لارتخاء أذنيه له ديوان كبير أكثره في الشعر السياسي مدح فيه الامويين وهجا أعداءهم. (*)

[ 42 ]

وقال الآخر: لعمرك ما ادري وان كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمان وانشدوا قول الهذلي: وقوني وقالوا يا خويلد لم ترع * فقلت وانكرت الوجوه هم هم يعني أهم هم ؟ وقال ابن ابي ربيعة: ثم قالوا تحبها قلت بهرا * عدد الرمل والحصى والتراب فإن قيل: حذف حرف الاستفهام انما يحسن إذا كان في الكلام دلالة عليه وعوض عنه، وليس تستعمل مع فقد العوض. وما انشدتموه فيه عوض عن حرف الاستفهام المتقدم. والآية ليس فيها ذلك. قلنا قد يحذف حرف الاستفهام مع اثبات العوض عنه ومع فقده إذا زال اللبس في معنى الاستفهام، وبيت ابن أبي ربيعة خال من حرف الاستفهام ومن العوض عنه. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة) (1) قال هو أفلا اقتحم العقبة. فألقيت الف الاستفهام. وبعد فإذا جاز ان يلقوا الف الاستفهام لدلالة الخطاب عليها. فهلا جاز أن يلقوها لدلالة العقول عليها، لان دلالة العقل اقوى من دلالة غيره. تنزيه ابراهيم (ع) عن الكذب: (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخبرا عن ابراهيم عليه السلام لما قال له قومه (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون) (2) وإنما عنى بالكبير الصنم الكبير. وهذا


(1) البلد الآية 11 (2) الانبياء الآية 62 - 63 (*)

[ 43 ]

كذب لاشك فيه، لان ابراهيم (ع) هو الذي كسر الاصنام، فاضافته تكسيرها إلى غيره مما لا يجوز ان يفعل شيئا لا يكون الا كذبا. (الجواب): قيل له الخبر مشروط غير مطلق، لانه قال ان كانوا ينطقون ومعلوم ان الاصنام لا تنطق، وان النطق مستحيل عليها. فما علق بهذا المستحيل من الفعل أيضا مستحيل، وإنما أراد ابراهيم بهذا القول تنبيه القوم وتوبيخهم وتعنيفهم بعبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يقدر ان يخبر عن نفسه بشئ. فقال إن كانت هذه الاصنام تنطق فهي الفاعلة للتكسير، لان من يجوز ان ينطق يجوز ان يفعل. وإذا علم استحالة النطق عليها علم استحالة الفعل عليها، وعلم باستحالة الامرين أنها لا يجوز أن تكون آلهة معبودة، وان من عبدها ضال مضل، ولا فرق بين قوله انهم فعلوا ذلك ان كانوا ينطقون، وبين قوله انهم ما فعلوا ذلك ولا غيره لانهم لا ينطقون ولا يقدرون. وأما قوله (ع) فاسألوهم ان كانوا ينطقون، فإنما هو أمر بسؤالهم ايضا على شرط، والنطق منهم شرط في الامرين، فكأنه قال: ان كانوا ينطقون فاسألوهم، فإنه لا يمتنع ان يكونوا فعلوه. وهذا يجري مجرى قول احدنا لغيره: من فعل هذا الفعل ؟ فيقول زيد. إن كان فعل كذا وكذا. ويشير إلى فعل يضيفه السائل إلى زيد، وليس في الحقيقة من فعله. ويكون غرض المسؤول نفي الامرين جميعا عن زيد، وتنبيه السائل على خطئه في إضافة ما أضافه إلى زيد، وقد قرأ بعض القراء وهو محمد بن علي السهيفع اليماني: فعله كبيرهم بتشديد اللام، والمعنى فلعله، اي فلعل فاعل ذلك كبيرهم. وقد جرت عادة العرب بحذف اللام الاولى من لعل فيقولون عل، قال الشاعر: عل صروف الدهر أو دولاتها * تديلنا اللمة من لماتها فتستريح النفس من زفراتها

[ 44 ]

أي لعل صروف الدهر. وقال الآخر: يا أبتا علك أو عساكا * يسقيني الماء الذي سقاكا فإن قيل: فأي فايدة في ان يستفهم عن امر يعلم استحالته، وأي فرق في المعنى بين القراءتين ؟. قلنا: لم يستفهم ولا شك في الحقيقة، وإنما نبههم بهذا القول على خطيئتهم في عبادة الاصنام. فكأنه قال لهم إن كانت هذه الاصنام تضر وتنفع وتعطي وتمنع، فلعلها هي الفاعلة لذلك التكسير، لان من جاز منه ضرب من الافعال جاز منه ضرب آخر، وإذا كان ذلك الفعل الذي هو التكسير لا يجوز على الاصنام عند القوم، فما هو أعظم منه أولى بأن لا يجوز عليها وان لا يضاف إليها، والفرق بين القراءتين ظاهر، لان القراءة الاولى لها ظاهر الخبر، فاحتجنا إلى تعليقه بالشرط ليخرج من ان يكون كذبا. والقراءة الثانية تتضمن حرف الشك والاستفهام، فهما مختلفان على ما ترى. فإن قيل: اليس قد روى بشر بن مفضل عن عوف عن الحسن قال: " بلغني ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال ان ابراهيم عليه السلام ما كذب متعمدا قط إلا ثلاث مرات كلهن يجادل بهن عن دينه قوله اني سقيم، وإنما تمارض عليهم لان القوم خرجوا من قريتهم لعيدهم وتخلف هو ليفعل بآلهتهم ما فعل. وقوله بل فعله كبيرهم، وقوله لسارة انها اختي لجبار من الجبابرة لما أراد اخذها ". قلنا: قد بينا بالادلة العقلية التي لا يجوز فيها الاحتمال ولا خلاف الظاهر، ان الانبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكذب. فما ورد بخلاف ذلك من الاخبار لا يلتفت إليه، ويقطع على كذبه إن كان لا يحتمل تأويلا

[ 45 ]

صحيحا لا يقا بأدلة العقل، فإن احتمل تأويلا يطابقها تأولناه ووفقنا بينه وبينها. وهكذا نفعل فيما يروى من الاخبار التي تتضمن ظواهرها الجبر والتشبيه. فأما قوله (ع) إني سقيم، فسنبين بعد هذه المسالة بلا فصل وجه ذلك، وأنه ليس بكذب. وقوله بل فعله كبيرهم قد بينا معناه وأوضحنا عنه. وأما قوله (ع) لسارة أنها اختي، فإن صح فمعناه أنها اختي في الدين، ولم يرد اخوة النسب. واما ادعائهم على النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ما كذب ابراهيم (ع) إلا ثلاث مرات، فالاولى ان يكون كذبا عليه (ع) لانه صلى الله عليه وآله كان اعرف بما يجوز على الانبياء (ع) وما لا يجوز عليهم، ويحتمل ان كان صحيحا ان يريد ما اخبر بما ظاهره الكذب الا ثلاث دفعات، فاطلق عليه اسم الكذب لاجل الظاهر، وان لم يكن على الحقيقة كذلك. تنزيه ابراهيم عن الشك في الله: (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخبرا عن ابراهيم عليه السلام: (فنظر نظرة في النجوم فقال اني سقيم) (1) والسؤال عليكم في هذه الآية من وجهين: أحدهما انه حكي عن نبيه النظر في النجوم، وعندكم ان الذي يفعله المنجمون من ذلك ضلال، والآخر قوله (ع) إني سقيم. وذلك كذب. (الجواب): قيل له في هذه الآية وجوه (منها): أن ابراهيم (ع) كانت به علة تأتيه في أوقات مخصوصة، فلما دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى


(1) الصافات الآيه 88 - 89 [ * ]

[ 46 ]

النجوم ليعرف منها قرب نوبة علته فقال: اني سقيم. وأراد أنه قد حضر وقت العلة وزمان نوبتها وشارف الدخول فيها. وقد تسمي العرب المشارف للشئ باسم الداخل فيه، ولهذا يقولون فيمن ادنفه المرض وخيف عليه الموت هو ميت. وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: (انك ميت وانهم ميتون) (1) فان قيل: فلو أراد ما ذكرتموه لقال: فنظر نظرة إلى النجوم ولم يقل في النجوم، لان لفظة في لا تستعمل إلا فيمن ينظر كما ينظر المنجم. قلنا ليس يمتنع ان يريد بقوله في النجوم، أنه نظر إليها لان حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، قال الله تعالى: (ولاصلبنكم في جذوع النخل) (2) وانما أراد على جذوعها، وقال الشاعر: اسهري ما سهرت أم حكيم * واقعدي مرة لذاك وقومي وافتحي الباب وانظري في النجوم * كم علينا من قطع ليل بهيم وإنما أراد انظري إليها لتعرفي الوقت. (ومنها): أنه يجوز ان يكون الله تعالى اعلمه بالوحي أنه سيمتحنه بالمرض في وقت مستقبل، وإن لم يكن قد جرت بذلك المرض عادته، وجعل تعالى العلامة على ذلك ظاهرة له من قبل النجوم، إما بطلوع نجم على وجه مخصوص أو افول نجم على وجه مخصوص أو اقترانه بآخر على وجه مخصوص. فلما نظر ابراهيم في الامارة التي نصبت له من النجوم قال اني سقيم، تصديقا بما أخبره الله تعالى. (ومنها): ما قال قوم في ذلك من أن كان آخر امره الموت فهو سقيم، وهذا حسن، لان تشبيه الحياة المفضية إلى الموت بالسقم من احسن التشبيه.


(1) الزمر الآية 30 (2) طه الآية 71 (*)

[ 47 ]

(ومنها): أن يكون قوله إني سقيم القلب والرأي، حزنا من إصرار قومه على عبادة الاصنام. وهي لا تسمع ولا تبصر. ويكون قوله فنظر نظرة في النجوم على هذا المعنى، معناه أنه نظر وفكر في انها محدثه مدبرة مصرفة مخلوقة. وعجب كيف يذهب على العقلاء ذلك من حالها حتى يعبدوها. ويجوز أيضا ان يكون قوله تعالى: فنظر نظرة في النجوم، معناه أنه شخص ببصره إلى السماء كما يفعل المفكر المتأمل، فإنه ربما أطرق إلى الارض وربما نظر إلى السماء استعانة في فكره. وقد قيل ان النجوم هاهنا هي نجوم النبت، لانه يقال لكل ما خرج من الارض وغيرها وطلع، انه نجم ناجم، وقد نجم، ويقال للجميع نجوم، ويقولون نجم قرن الظبى، ونجم ثدي المرأة، وعلى هذا الوجه يكون انما نظر في حال الفكر والاطراق إلى الارض، فرأى ما نجم منها، وقيل ايضا انه اراد بالنجوم ما نجم له من رأيه وظهر له بعد أن لم يكن ظاهرا. وهذا وإن كان يحتمله الكلام، فالظاهر بخلافه، لان الاطلاق من قول القائل: نجوم. لا يفهم من ظاهره إلا نجوم السماء دون نجوم الارض، ونجوم الرأي، وليس كلما قيل فيه انه نجم، وهو ناجم على الحقيقة، يصلح ان يقال فيه نجوم بالاطلاق والمرجع في هذا إلى تعارف أهل اللسان. وقد قال ابو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: ان معنى قوله تعالى: فنظر نظرة في النجوم. اراد في القمر والشمس، لما ظن أنهما آلهة في حال مهلة النظر على ما قصه الله تعالى في قصته في سورة الانعام. ولما استدل بأفولهما وغروبهما على انهما محدثان غير قديمين، ولا ألهين. وأراد بقوله إني سقيم. اني لست على يقين من الامر ولا شفاء من العلم، وقد يسمى الشك بأنه سقيم كما يسمى العلم بانه شفاء. قال وإنما زال عنه هذا السقم عند زوال الشك وكمال المعرفة. وهذا الوجه يضعف من جهة ان القصة التي حكاها عن ابراهيم فيها هذا الكلام يشهد ظاهره بأنها غير

[ 48 ]

القصة المذكورة في سورة الانعام، وان القصة مختلفة لان الله تعالى قال: (وان من شيعته لابراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون أإفكا آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال اني سقيم) (1) فبين تعالى كما ترى أنه جاء ربه بقلب سليم، وإنما أراد أنه كان سليما من الشك وخالصا للمعرفة واليقين. ثم ذكر انه عاتب قومه على عبادة الاصنام، فقال ماذا تعبدون ؟ وسمى عبادتهم بأنها افك وباطل. ثم قال فما ظنكم برب العالمين ؟ وهذا قول عارف بالله تعالى مثبت له على صفاته غير ناظر ممثل ولا شاك، فكيف يجوز ان يكون قوله من بعد ذلك. فنظر نظرة في النجوم، انه ظنها اربابا وآلهة وكيف يكون قوله إني سقيم ؟ اي لست على يقين ولا شفاء، والمعتمد في تأويل ذلك ما قدمناه. تنزيه ابراهيم (ع) عن العجز: (مسألة): فإن قال قائل فما قولكم في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه ان آتيه الله الملك إذ قال ابراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال انا احيي وأميت قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) (2) وهذا يدل على انقطاع ابراهيم (ع) وعجزه عن نصرة دليله الاول ولهذا انتقل إلى حجة اخرى، وليس ينتقل المحتج من شئ إلى غيره إلا على وجه القصور عن نصرته. (الجواب): قلنا ليس هذا بانقطاع من ابراهيم عليه السلام ولا عجز عن نصرة حجته الاولى، وقد كان ابراهيم (ع) قادرا لما قال له الجبار الكافر أنا احيي واميت في جواب قوله ربي الذي يحيي ويميت، ويقال انه دعا رجلين فقتل احدهما واستحى الآخر، فقال عند ذلك انا احيي واميت. وموه


(1) الصافات الآيات 83 - 89 (2) البقرة الآية 258 (*)

[ 49 ]

بذلك على من بحضرته على ان يقول له: ما أردت بقولي ان ربي الذي يحيي ويميت ما ظننته من استبقاء حي. وإنما أردت به انه يحيي الميت الذي لا حياة فيه. إلا ان ابراهيم (ع) علم أنه إن أورد ذلك عليه التبس الامر على الحاضرين وقويت الشبهة، لاجل اشتراك الاسم، فعدل إلى ما هو أوضح، واكشف وأبين وأبعد من الشبهة، فقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر ولم يبق عنده شبهة. ومن كان قصده البيان والايضاح فله ان يعدل من طريق إلى آخر لوضوحه وبعده عن الشبهة، وإن كان كلا الطريقين يفضي إلى الحق. على انه بالكلام الثاني ناصر للحجة الاولى وغير خارج عن سنن نصرتها، لانه لما قال ربي الذي يحيي ويميت، فقال له في الجواب أنا احيي واميت، فقال له ابراهيم: من شأن هذا الذي يحيي ويميت أن يقدر على أن يأتي بالشمس من المشرق ويصرفها كيف يشاء. فإن ادعيت أنت القادر على ما يقدر الرب عليه فائت بالشمس من المغرب كما يأتي هو بها من المشرق، فإذا عجزت عن ذلك علمنا انك عاجز عن الحياة والموت ومدع فيهما ما لا أصل له، فإن قيل: فلو قال له في جواب هذا الكلام: وربك لا يقدر أن يأتي بالشمس من المغرب، فكيف تلزمني ان آتي بها من المغرب ؟ قلنا: لو قال له ذلك لكان إبراهيم (ع) يدعو الله أن يأتي بالشمس من المغرب فيجيبه إلى ذلك، وإن كان معجزا خارقا للعادة. ولعل الخصم إنما عدل عن أن يقول له ذلك علما بأنه إذا سأل الله تعالى فيه أجابه إليه. تنزيه إبراهيم عن الشك في قدرة الله: (مسألة): فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى حاكيا عن ابراهيم: (رب ارني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن (1)


(1) البقرة الآية 260 انظر قصص الانبياء ص 96 و 97 الطبعة الثالثة - دار إحياء التراث العربي - بيروت. (*)

[ 50 ]

قلبي). أو ليس هذا الكلام والطلب من ابراهيم (ع) يدلان على أنه لم يكن موقنا بأن الله تعالى يحيي الموتى ؟ وكيف يكون نبيا من يشك في ذلك ؟ أو ليس قد روى المفسرون ان ابراهيم (ع) مر بحوت نصفه في البر ونصفه في البحر، ودواب البر والبحر تأكل منه، فأخطر الشيطان بباله استبعاد رجوع ذلك حيا مؤلفا، مع تفرق اجزائه وانقسام أعضائه في بطون حيوان البر والبحر ؟ فشك فسأل الله تعالى ما تضمنته الآية، وروى ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: نحن احق بالشك من ابراهيم (ع). (الجواب): قيل له ليس في الآية دلالة على شك ابراهيم في احياء الموتى، وقد يجوز ان يكون (ع) إنما سأل الله تعالى ذلك ليعلمه على وجه يبعد عن الشبهة، ولا يعترض فيه شك ولا ارتياب. وإن كان من قبل قد علمه على وجه للشبهة فيه مجال، ونحن نعلم ان في مشاهدة ما شاهده ابراهيم من كون الطير حيا ثم تفرقه وتقطعه وتباين اجزائه ثم رجوعه حيا كما كان في الحال الاولى، من الوضوح وقوة العلم ونفي الشبهة ما ليس لغيره من وجوه الاستدلالات، وللنبي (ع) أن يسأل ربه تخفيف محنته وتسهيل تكليفه. والذي يبين صحة ما ذكرناه قوله تعالى: (أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). فقد أجاب ابراهيم بمعنى جوابنا بعينه، لانه بين أنه لم يسأل ذلك لشك فيه وفقد ايمان به، وإنما أراد الطمأنينة، وهي ما أشرنا إليه من سكون النفس وانتفاء الخواطر والوساوس والبعد عن اعتراض الشبهة. ووجه آخر: وهو انه قد قيل انه الله تعالى لما بشر ابراهيم عليه السلام بخلته واصطفائه واجتبائه، سأل الله تعالى ان يريه احياء الموتى ليطمئن قلبه بالخلة، لان الانبياء عليهم السلام لا يعلمون صحة ما تضمنه الوحي إلا بالاستدلال. فسأل احياء الموتى لهذا الوجه لا للشك في قدرة الله تعالى على ذلك.

[ 51 ]

ووجه آخر: وهو أن نمرود بن كنعان (1) لما قال لابراهيم عليه السلام: انك تزعم ان ربك يحيي الموتى، وأنه قد قال: ارسلك الي لتدعوني إلى عبادته، فاسأله ان يحيي لنا ميتا ان كان على ذلك قادرا، فإن لم يفعل قتلتك. قال ابراهيم (ع): (رب ارني كيف تحيي الموتى) فيكون معنى قوله: (ولكن ليطمئن قلبي) على هذا الوجه، أي لآمن من القتل ويطمئن قلبي بزوال الروع والخوف. وهذا الوجه الذي ذكرناه وإن لم يكن مرويا على هذا الوجه فهو مجوز، وإن اجاز صلح ان يكون وجها في تأويل الآية مستأنفا متابعا. ووجه آخر: وهو أنه يجوز ان يكون ابراهيم انما سأل احياء الموتى لقومه ليزول شكهم في ذلك وشبهتهم. ويجري مجرى سؤال موسى (ع) الرؤية لقومه، ليصدر منه تعالى الجواب على وجه يزيل منه شبهتهم في جواز الرؤية عليه تعالى. ويكون قوله ليطمئن قلبي على هذا الوجه، معناه ان نفسي تسكن إلى زوال شكهم وشبهتهم، أو ليطمئن قلبي إلى اجابتك إياي فيما اسألك فيه. وكل هذا جائز، وليس في الظاهر ما يمنع منه، لان قوله: (ولكن ليطمئن قلبي) ما تعلق في ظاهر الآية بأمر لا يسوغ العدول عنه مع التمسك بالظاهر، وما تعلقت هذه الطمأنينة به غير مصرح بذكره، قلنا ان تعلقه بكل امر يجوز ان يتعلق به. فإن قيل: فما معنى قوله تعالى اولم تؤمن ؟ وهذا اللفظ استقبال. وعندكم أنه كان مؤمنا فيما مضى. قلنا معنى ذلك أو لم تكن قد آمنت ؟ والعرب تأتي بهذا اللفظ، وان كان في ظاهره الاستقبال، وتريد به الماضي. فيقول احدهم لصاحبه: أولم تعاهدني على كذا وكذا، وتعاقدني على ان لا تفعل كذا وكذا ؟ وإنما يريد الماضي دون المستقبل.


(1) هو أبن كوش بن حام ضرب به المثل بالجبروت. (*)

[ 52 ]

فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: (فخذ اربعة من الطير فصرهن اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم ان الله عزيز حكيم) (1)، قلنا قد اختلف اهل العلم في معنى قوله تعالى (فصرهن اليك)، فقال قوم: معنى قوله فصرهن: ادنهن واملهن. قال الشاعر في وصف الابل: تظل معقلات السوق خرصا * تصور انوفها ريح الجنوب أراد ان ريح الجنوب تميل انوفها وتعطفها. وقال الطرماح (2): عفايف اذيال أوان يصرها * هوى والهوى للعاشقين صؤر ويقول القائل لغيره: صر وجهك الي، أي اقبل به علي. ومن حمل الآية على هذا الوجه لابد ان يقدر محذوفا في الكلام يدل عليه سياق اللفظ، ويكون تقدير الكلام: خذ اربعة من الطير فأملهن اليك ثم قطعهن ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا. وقال قوم ان معنى صرهن اي قطعهن وفرقهن، واستشهدوا بقول توبة بن الحمير (3): فلما جذبت الحبل لطت نسوعه * بأطراف عيدان شديد أسورها فادنت لي الاسباب حتى بلغتها * بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها وقال الآخر: يقولون أن الشام يقتل اهله * فمن لي ان لم آته بخلود تغرب آبائي فهلا صراهم * من الموت ان لم يذهبوا وجدودي


(1) البقرة الآية 260 (2) الطرماح بن حكيم الطائي: من شعراء صدر الاسلام، اعتنق مذهب الخوارج وصار من كبار شعرائهم. (3) من عشاق العرب المشهورين، اشتهر بحبه لليلى الاخيلية وقوله الشعر فيها. (*)

[ 53 ]

اراد: قطعهم. والاصل صرى يصري صريا، من قولهم يأت يصري في حوضه إذا استسقى ثم قطع، والاصل صرى، فقدمت اللام وأخرت العين. هذا قول الكوفيين، وأما البصريون فإنهم يقولون ان صار يصير، ويصور بمعنى واحد، أي قطع. ويستشهدون بالابيات التي تقدمت، وبقول الخنساء: " فظلت الشم منها وهي تنصار " وعلى هذا الوجه لابد في الكلام من تقديم وتأخير، ويكون التقدير: فخذ اربعة من الطير إليك فصرهن اي قطعهن. فإليك من صلة خذلان التقطيع لا يعدى بإلى. فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (ثم ادعهن يأتينك سعيا) وهل أمره بدعائهن وهن احياء أو اموات ؟ وعلى كل حال فدعاؤهن قبيح، لان أمر البهائم التي لا تعقل ولا تفهم قبيح. وكذلك امرهن وهن اعضاء متفرقة اظهر في القبح. قلنا لم يرد ذلك إلا حال الحياة دون التفرق والتمزق. فأراد بالدعاء الاشارة إلى تلك الطيور. فإن الانسان قد يشير إلى البهيمة بالمجئ أو الذهاب فتفهم عنه. ويجوز ان يسمي ذلك دعاء. اما على الحقيقة أو على المجاز. وقد قال ابو جعفر الطبري أن ذلك ليس بأمر ولا دعاء، ولكنه عبارة عن تكوين الشئ ووجوده، كما قال تعالى في الذين مسخهم: (كونوا قردة خاسئين) (1) وانما أخبر عن تكوينهم كذلك من غير امر ولاء دعاء، فيكون المعنى على هذا التأويل. ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، فإن الله تعالى يؤلف تلك الاجزاء ويعيد الحياة فيها، فيأتينك سعيا، وهذا وجه قريب فإن قيل على الوجه الاول: كيف يصح ان يدعوها وهي احياء ؟ وظاهر الآية يشهد بخلاف ذلك، لانه تعالى قال: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا). وقال عقيب هذا الكلام من غير فصل: (ثم ادعهن يأتينك


(1) البقرة الآية 65 والاعراف الآية 166 (*)

[ 54 ]

سعيا }. فدل ذلك على ان الدعاء توجه اليهن وهن اجزاء متفرقة. قلنا ليس الامر على ما ذكر في السؤال، لان قوله: { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } لابد من تقدير محذوف بعده، وهو: (فإن الله يؤلفهن ويحييهن ثم ادعهن يأتينك سعيا }. ولابد لمن حمل الدعاء لهن في حال التفرق وانتفاء الحياة من تقدير محذوف في الكلام عقيب قوله: { ثم ادعهن } لانا نعلم ان تلك الاجزاء والاعضاء لا تأتي عقيب الدعاء بلا فصل، ولابد من ان يقدر في الكلام عقيب قوله ثم ادعهن، فإن الله تعالى يؤلفهن ويحييهن فيأتينك سعيا. فأما ابو مسلم الاصفهاني فإنه فرارا من هذا السؤال حمل الكلام على وجه ظاهر الفساد. لانه قال ان الله تعالى أمر ابراهيم (ع) بأن يأخذ اربعة من الطيور، ويجعل على كل جبل طيرا، وعبر بالجزء عن الواحد من الاربعة، ثم امره بأن يدعوهن وهن احياء من غير اماتة تقدمت ولا تفرق من الاعضاء، ويمرنهن على الاستجابة لدعائه، والمجئ إليه في كل وقت يدعوها فيه. ونبه ذلك على انه تعالى إذا أراد احياء الموتى وحشرهم اتوه من الجهات كلها مستجيبين غير ممتنعين كما تأتي هذه الطيور بالتمرين والتعويد. وهذا الجواب ليس بشئ لان ابراهيم عليه السلام انما سأل الله ان يريه كيف يحيي الموتى، وليس في مجئ الطيور وهن احياء بالعادة والتمرين، دلالة على ما سئل عنه ولا حجة فيه. وإنما يكون في ذلك بيانا لمسألته إذا كان على الوجه الذي ذكرناه. فان قيل إذا كان انما امره بدعائهن بعد حال التأليف والحياة، فأي فايدة في الدعاء وهو قد علم لما رآها تتألف أعضاءها من بعد وتتركب انها قد عادت إلى حال الحياة ؟ فلا معنى في الدعاء إلا أن يكون متناولا لها وهي متفرقة. قلنا للدعاء فائدة بينة، لانه لا يتحقق من بعد رجوع الحياة إلى الطيور وان شاهدها متألفة، وإنما يتحقق ذلك بأن تسعى إليه وتقرب منه.

[ 55 ]

تنزيه ابراهيم عن الاستغفار للكفار: (مسألة): فان قال قائل: فما معنى قوله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها اياه) (1) وكيف يجوز ان يستغفر لكافر أو أن يعده بالاستغفار ؟. (الجواب): قلنا: معنى هذه الآية ان اباه كان وعده بأن يؤمن واظهر له الايمان على سبيل النفاق، حتى ظن انه الخير، فاستغفر له الله تعالى على هذا الظن. فلما تبين له أنه مقيم على كفره رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه (2) على ما نطق به القرآن. فكيف يجوز ان يجعل ذلك ذنبا لابراهيم (ع) وقد عذره الله تعالى في ان استغفاره إنما كان لاجل موعده، وبأنه تبرأ منه لما تبين له منه المقام على عداوة الله تعالى. فإن قيل: فإن لم تكن هذه الآية دالة على اضافة الذنب إليه، فالآية التي في صورة الممتحنة تدل على ذلك لانه تعالى قال: (قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول ابراهيم لابيه لاستغفرن لك) (3) فأمر بالتأسي والاقتداء به، إلا في هذا الفعل. وهذا يقتضي انه قبيح. قلنا: ليس يجب ما ذكر في السؤال، بل وجه استثناء إبراهيم عليه السلام لابيه عن جملة ما أمر الله تعالى بالتأسي به فيه، أنه لو اطلق الكلام لاوهم الامر بالتأسي به في ظاهر الاستغفار من غير علم بوجهه، والموعدة السابقة من ابيه له بالايمان، وأدى ذلك إلى حسن الاستغفار للكفار. فاستثنى الاستغفار من جملة الكلام لهذا الوجه، ولانه لم يكن ما اظهره ابوه من الايمان ووعده به


(1) التوبة الآية 114 (2) قصص الانبياء ص 83 - الطبعة الثالثة - دار إحياء التراث العربي - بيروت. (3) سورة الممتحنة الآية 4 (*)

[ 56 ]

معلوما لكل احد، فيزول الاشكال في انه استغفر لكافر مصر على كفره. ويمكن أيضا ان يكون قوله تعالى: (إلا قول ابراهيم لابيه) استثناء من غير التأسي، بل من الجملة الثانية التي تعقبها. هذا القول بلا فصل وهي قوله (إذ قالوا لقومهم انا برآء منكم) إلى قوله (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء) ابدا، لانه لما كان استغفار ابراهيم (ع) لابيه مخالفا لما تضمنته هذه الجملة، وجب استثناءه. ولا نوهم بظاهر الكلام انه عامل اباه من العداوة والبراءة بما عامل به غيره من الناس. فأما قوله تعالى: (الا عن موعدة وعدها اياه) فقد قيل ان الموعدة انما كانت من الاب بالايمان للابن، وهو الذي قدمناه. وقيل انها كانت من الابن بالاستغفار للاب في قوله: لاستغفرن لك. والاولى أن تكون الموعدة هي من الاب بالايمان للابن، لانا إن حملناه على الوجه الثاني كانت المسألة قائمة. ولقائل ان يقول: ولم أراد ان يعده بالاستغفار وهو كافر ؟ وعند ذلك لابد ان يقال إنه أظهر له الايمان حتى ظنه به. فيعود إلى معنى الجواب الاول. فإن قيل: فما تنكرون من ذلك، ولعل الوعد كان من الابن للاب بالاستغفار، وإنما وعده به لانه اظهر له الايمان ؟ قلنا ظاهر الآية منع من ذلك، لانه تعالى قال: (وما كان استغفار ابراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه) فعلل حسن الاستغفار بالموعدة، ولا يكون الموعدة مؤثرة في حسن الاستغفار إلا بأن يكون من الاب للابن بالايمان، لانها إذا كانت من الابن لم يحسن له لها الاستغفار، لانه ان قيل انما وعده الاستغفار لاظهاره له الايمان، فالمؤثر في حسن الاستغفار هو اظهار الايمان لا الموعدة. فإن قيل: افليس اسقاط عقاب الكفر والغفران لمرتكبه كانا جائزين من طريق العقل، وانما منع منه السمع، وإلا جاز ان يكون ابراهيم عليه السلام

[ 57 ]

انما استغفر لابيه لان السمع لم يقطع له على عقاب الكفار. وكان باقيا على حكم العقل، وليس يمكن ان يدعي ان ما في شرعنا من القطع على عقاب الكفار كان في شرعه لان هذا لا سبيل إليه ؟. قلنا: هذا الوجه كان جائزا لولا ما نطق به القرآن من خلافه، لانه تعالى لما قال: (ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى من بعد ما تبين لهم انهم اصحاب الجحيم) (1) قال عاطفا على ذلك: (وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) فصرح بعلة حسن استغفاره، وأنها الموعدة. وكان الوجه في حسن الاستغفار على ما تضمنه السؤال، لوجب أن يعلل استغفاره لابيه بأنه لم يعلم أنه من أهل النار لا محالة، ولم يقطع في شرعه على عقاب الكفار. والكلام يقتضي خلاف هذا، ويوجب أنه ليس لابراهيم (ع) من ذلك ما ليس لنا، وأن عذره فيه هو الموعدة دون غيرها. وقد قال أبو علي بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي في تأويل الآية التي في التوبة، ما نحن ذاكروه ومنبهون على خلافه. قال بعد أن ذكر أن الاستغفار انما كان لاجل الموعدة من الاب بالايمان: ان الله تعالى انما ذكر قصة إبراهيم (ع) بعد قوله (ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين) لئلا يتوهم احد ان الله عزوجل كان جعل لابراهيم عليه السلام من ذلك ما لم يجعله للنبي صلى الله عليه وآله، لان هذا الذي لم يجعله للنبي صلى الله عليه وآله لا يجوز ان يجعله لاحد، لانه ترك الرضا بأفعال الله تعالى وأحكامه. وهذا الذي ذكره غير صحيح على ظاهره، لانه يجوز ان يجعل لغير نبينا صلى الله عليه وآله ممن لم يقطع له، على ان الكفار معاقبون لا محالة، ان يستغفر


(1) التوبه الآية 113 (*)

[ 58 ]

للكفار، لان العقل لا يمنع من ذلك. وإنما يمنع السمع الذي فرضنا ارتفاعه. فان قال: اردت انه ليس لاحد ذلك مع القطع على العقاب، قلنا: ليس هكذا يقتضي ظاهر كلامك. وقد كان يجب إذا أردت هذا المعنى ان تبينه وتزيل الابهام عنه، وإنما لم يجز أن يستغفر للكفار مع ورود الوعيد القاطع على عقابهم، زايدا على ما ذكره ابو علي من انه ترك الرضا بأحكام الله، أن فيه سؤالا له تعالى ان يكذب في اخباره، وان يفعل القبيح من حيث أخبر بأنه لا يغفر للكفار مع الاصرار. تكريم ابراهيم باستجابة دعائه: (مسألة): فان قال: إذا كان من مذهبكم ان دعاء الانبياء (ع) لا يكون إلا مستجابا، وقد دعا ابراهيم عليه السلام ربه فقال: (واجنبني وبني ان نعبد الاصنام). وقد عبد كثير من بنيه الاصنام وكذلك السؤال عليكم في قوله: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) (1). (الجواب): قيل له اما المفسرون فإنهم حملوا هذا الدعاء على الخصوص وجعلوه متناولا لمن اعلمه الله تعالى انه يؤمن ولا يعبد الاصنام حتى يكون الدعاء مستجابا، وبينوا ان العدول عن ظاهره المقتضى للعموم إلى الخصوص بالدلالة واجب، وهذا الجواب صحيح، ويمكن في الآية وجه آخر: وهو أن يريد بقوله: (واجنبني وبني أن نعبد الاصنام) أي افعل بي وبهم من الالطاف ما يباعدنا عن عبادة الاصنام ويصرف دواعينا عنها. وقد يقال فيمن حذر من الشئ ورغب في تركه وقويت صوارفه عن فعله: أنه قد جنبه. ألا ترى ان الوالد قد يقول لولده إذا كان قد حذره من بعض الافعال


(1) إبراهيم الآية 40 (*)

[ 59 ]

وبين له قبحه وما فيه من الضرر، وزين له تركه وكشف له عما فيه من النفع: انني قد جنبتك كذا وكذا ومنعتك منه. وإنما يريد ما ذكرناه. وليس لاحد ان يقول كيف يدعو ابراهيم (ع) بذلك وهو يعلم ان الله تعالى لابد ان يفعل هذا اللطف المقوى لدواعي الايمان، لان هذا السؤال اولا يتوجه على الجوابين جميعا، لانه تعالى لابد ان يفعل هذا للطف الذي يقع الطاعة عنده لا محالة. كما لابد ان يفعل ما يقوي الداعي إلى الطاعات. والجواب عن هذه الشبهة ان النبي صلى الله عليه وآله لا يمتنع ان يدعو بما يعلم ان الله تعالى سيفعله على كل حال، على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والتذلل له والتعبد. فاما قوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) فالشبهة تقل فيه، لان ظاهر الكلام يقتضي الخصوص في ذريته الكثير ممن اقام الصلاة. تنزيه إبراهيم عن المجادلة: (مسألة): فان قيل فما معنى قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام) (1) فما لبث ان جاء بعجل حنيذ، وكيف يحضر ابراهيم عليه السلام للملائكة الطعام وهو يعلم انها لا تطعم ؟ ومن أي شئ كانت مخافته منهم لما امتنعوا من تناول الطعام ؟ وكيف يجوز ان يجادل ربه فيما قضاه وأمر به ؟. (الجواب): قلنا أما وجه تقديم الطعام فلانه (ع) لم يعلم في الحال انهم ملائكة لانهم كانوا في صورة البشر فظنهم أضيافا، وكان من عادته (ع) أقراء الضيف، فدعاهم إلى الطعام ليستأنسوا به وينبسطوا، فلما امتنعوا أنكر ذلك منهم، وظن ان الامتناع لسوء يريدونه، حتى خبروه بأنهم رسل الله تعالى انفذهم لاهلاك قوم لوط عليه السلام (2).


(1) هود الآية 69 (2) قصص الانبياء ص - 112 - 113 ط 3 - دار إحياء التراث العربي - بيروت. (*)

[ 60 ]

وأما الحنيذ: فهو المشوي بالاحجار. وقيل ان الحنيذ الذي يقطر ماؤه ودسمه. وقد قيل ان الحنيذ هو النضيج. وأنشد ابو العباس: إذا ما اختبطنا اللحم للطالب القرى * حنذناه حتى يمكن اللحم آكله فإن قيل: فكيف صدقهم في دعواهم انهم ملائكة ؟. قلنا: لابد من ان يقترن بهذه الدعوى علم يقتضي التصديق. ويقال انهم دعوا الله بإحياء العجل الذي كان ذبحه وشواه لهم، فصار حيا يرعى. وأما قوله: يجادلنا، فقيل معناه يجادل رسلنا، وعلق المجادلة به تعالى من حيث كانت لرسله، وإنما جادلهم مستفهما منهم هل العذاب نازل على سبيل الاستيصال أو على سبيل التخويف ؟ وهل هو عام للقوم أو خاص ؟ وعن طريق نجاة لوط (ع) وأهله المؤمنين بما لحق القوم ؟ وسمى ذلك جدالا لما كانت فيه من المراجعة والاستثبات على سبيل المجاز، وقيل ان معنى قوله يجادلنا في قوم لوط (ع): يسائلنا أن تؤخر عذابهم رجاء أن يؤمنوا أو أن يستأنفوا الصلاح. فخبره الله تعالى بأن المصلحة في إهلاكهم، وأن كلمة العذاب قد حقت عليهم، وسمى المسألة جدالا على سبيل المجاز. فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: (فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) (1) فأتى بفعل مستقبل بعد لما، ومن شأن ما يأتي بعدها ان يكون ماضيا. قلنا عن ذلك جوابان. احدهما أن في الكلام محذوفا، والمعنى: أقبل يجادلنا أو جعل يجادلنا، وانما حذفه لدلالة الكلام عليه واقتضائه له.


(1) هود الآية 74 (*)

[ 61 ]

والجواب الآخر: أن لفظه (لما) يطلب في جوابها الماضي، كطلب لفظه (إن) في جوابها المستقبل. فلما استحسنوا ان يأتوا في جواب (إن) بالماضي، ومعناه الاستقبال، لدلالة (أن) عليه، استحسنوا ان يأتوا بعد (لما) الاستقبال تعويلا على ان اللفظة تدل على مضيه. فكما قالوا إن زرتني زرتك، وهم يريدون إن تزرني ازرك. قالوا ولما تزرني ازرك، وهم يريدون لما زرتني زرتك. وانشدوا في دخول الماضي في جواب إن قول الشاعر. إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * مني وما سمعوا من صالح دفنوا وفي قول الآخر في دخول المستقبل جوابا بالماضي: وميعاد قوم إن ارادوا لقاءنا * بجمع منى إن كان للناس مجمع يروا خارجيا لم ير الناس مثله * تشير لهم عين إليه واصبع ويمكن في هذا جواب آخر، هو أن يجعل (يجادلنا) حالا لاجوابا للفظة لما. ويكون المعنى ان البشرى جاءته في حال الجدال للرسل. فإن قيل: فاين جواب (لما) على هذا الوجه ؟. قلنا يمكن ان نقدره في احد موضعين: إما في قوله تعالى: (إن ابراهيم لحليم اواه منيب) ويكون التقدير: قلنا ان ابراهيم كذلك. والموضع الآخر أن يكون أراد تعالى (فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) ناديناه يا إبراهيم. فجواب (لما) هو ناديناه، وإن كان محذوفا ودل عليه لفظة النداء. وكل هذا جايز. تنزيه ابراهيم عن القول بخلق الله للافعال: (مسألة): فإن قيل أليس قد حكى الله تعالى عن ابراهيم (ع) قوله إذ قال لقومه: (اتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) (1) وظاهر هذا


(1) الصافات الآية 95 - 96 (*)

[ 62 ]

القول يقتضي انه تعالى خلق اعمال العباد، فما الوجه فيما وما عذر ابراهيم عليه السلام في اطلاقه ؟. (الجواب): قلنا من تأمل هذه الآية حق التأمل، علم ان معناها بخلاف ما يظنه المجبرة، لان قوله تعالى خبر عن ابراهيم (ع) بأنه غير قومه بعبادة الاصنام واتخاذها آلهة من دون الله تعالى، بقوله: (اتعبدون ما تنحتون)، وانما اراد منحوت وما حمله النحت دون عملهم الذي هو النحت، لان القوم لم يكونوا يعبدون النحت الذي هو فعلهم في الاجسام، وإنما كانوا يعبدون الاجسام انفسها. ثم قال: (والله خلقكم وما تعملون). وهذا الكلام لابد من ان يكون متعلقا بالاول ومتضمنا لما يقتضي المنع من عباده الاصنام، ولا يكون بهذه الصفة الا والمراد بقوله: وما تعملون الاصنام التي كانوا ينحتونها. فكأنه تعالى قال: كيف تعبدون ما خلقه الله تعالى كما خلقكم. وليس لهم ان يقولوا ان الكلام الثاني قد يتعلق بالكلام الاول على خلاف ما قدرتموه، لانه إذا أراد ان الله خلقكم وخلق اعمالكم، فقد تعلق الثاني بالاول، لان من خلقه الله لا يجوز ان يعبد غيره. وذلك أنه لو اراد ما ظنوه، لكفى ان يقول الله تعالى: والله خلقكم. ويصير ما ضمنه إلى ذلك من قوله: (وما تعملون) لغوا ولا فائدة فيه، ولا تعلق له بالاول ولا تأثير له في المنع من عبادة الاصنام. فصح أنه أراد ما ذكرناه من المعمول فيه، ليطابق قوله: (اتعبدون ما تنحتون). فإن قالوا هذا عدول عن الظاهر، لقوله تعالى: (وما تعملون) لان هذه اللفظة لا تستعمل على سبيل الحقيقة إلا في العمل دون المعمول فيه. ولهذا يقولون: اعجبني ما تعمل وما تفعل، مكان قولهم: اعجبني عملك وفعلك. قيل لهم: ليس نسلم لكم ان الظاهر ما ادعيتموه، لان هذه اللفظه قد تستعمل في المعمول فيه، والعمل عل حد واحد. بل استعمالها في

[ 63 ]

المعمول فيه اظهر واكثر. ألا ترى انه تعالى قال في العصا (تلقف ما يأفكون) (1) وفي آية اخرى: (والق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) (2). ومعلوم أنه لم يرد أنها تلقف اعمالهم التي هي الحركات واعتمادات، وإنما أراد انها تلقف الحبال وغيرها مما حله الافك. وقد قال الله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) (3) فسمى المعمول فيه عملا. ويقول القائل في الباب انه عمل النجار، ومما يعمل النجار، وكذلك في الناسج والصايغ. وههنا مواضع لا يستعمل فيها (ما) مع الفعل الا والمراد بها الاجسام دون الاعراض التي هي فعلنا. لان القائل إذا قال: اعجبني ما تأكل وما تشرب وما تلبس، لم يجز حمله إلا على المأكول والمشروب والملبوس دون الاكل والشرب واللبس. فصح ان لفظة (ما) فيما ذكرناه أشبه بأن تكون حقيقة، وفيما ذكروه اشبه بأن تكون مجازا. ولو لم يثبت فيها إلا انها مشتركة بين الامرين، وحقيقة فيهما، لكان كافيا في اخراج الظاهر من ايديهم، وابطال ما تعلقوا به. وليس لهم ان يقولوا أن كل موضع استعملت فيه لفظة (ما) مع الفعل، واريد بها المفعول فيه، إنما علم بدليل، والظاهر بخلافه. وذلك أنه لا فرق بينهم في هذه الدعوى وبين من عكسها، فادعى ان لفظة (ما) إذا استعملت مع الفعل واريد بها المصدر دون المفعول فيه كانت محمولة على ذلك بالدليل، وعلى سبيل المجاز. والظاهر بخلافه، على ان التعليل وتعلق الكلام الثاني بالاول على ما بيناه ايضا ظاهر، فيجب ان يكون مراعى. وقد بينا ايضا انه متى حمل الكلام على ما ظنوه لم يكن الثاني متعلقا بالاول ولا تعليلا فيه، والظاهر يقتضي ذلك.


(1) الشعراء الآية 45 والاعراف الآية 117. (2) طه الآية 69 (3) سبأ الآية 13 (*)

[ 64 ]

فقد صار فيما ادعوه عدول عن الظاهر الذي ذكرناه في معنى الآية، فلو سلم ما ادعوه من الظاهر في معنى اللفظة معه لتعارضتا، فكيف وقد بينا أنه غير سليم ولا صحيح ؟. وبعد: فإن قوله: (وما تعملون) لا يستقل بالفائدة بنفسه، ولابد من أن يقدر محذوف، ويرجع إلى (ما) التي بمعنى (الذي)، وليس لهم ان يقدروا الهاء ليسلم ما ادعوه بأولى منا إذا قدرنا لفظة فيه، لان كلا الامرين محذوف، وليس تقدير احدهما بأولى من الآخر، إلا بدليل هذا. على انا قد بينا ان مع تقدير الهاء يكون الكلام محتملا لما ذكرناه، كاحتماله لما ذكروه. ومع تقديرنا الذي بيناه يكون الكلام مختصا غير مشترك، فصرنا بالظاهر اولى منهم، وصار للمعنى الذي ذهبنا إليه الرجحان على معناهم. على أن معنى الآية والمقصود منها يدلان على ما ذكرناه، حتى أنا لو قدرنا ما ظنه المخالف لكان ناقضا للغرض في الآية ومبطلا لفايدتها، لانه تعالى خبر عن إبراهيم (ع) بأنه قرعهم ووبخهم بعبادة الاصنام، واحتج عليهم بما يقتضي العدول عن عبادته. ولو كان مراده بالآية ما ظنوه من انه تعالى خلقهم وخلق اعمالهم، وقد علمنا ان عبادتهم للاصنام من جملة اعمالهم، فكأنه قال الله تعالى: والله خلقكم وخلق عبادة اصنامكم. لوجب ان يكون عاذرا لهم ومزيلا للوم عنهم، لان الانسان لا يذم على ما خلق فيه ولا يعاتب ولا يوبخ. وبعد فلو حملنا الآية على ما توهموه، لكان الكلام متناقضا من وجه آخر، لانه قد أضاف العمل إليهم بقوله (وما تعملون). وذلك يمنع من كونه خلقا لله تعالى، لان العامل للشئ هو من احدثه واخرجه من العدم إلى الوجود. والخلق في هذا الوجه لا يفيد إلا هذا المعنى، فكيف يكون خالقا ومحدثا لما احدثه غيره وعمله ؟ على ان الخلق إذا كان هو التقدير في اللغة، فقد يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا كان مقدرا له ومدبرا. ولهذا يقولون

[ 65 ]

خلق الاديم فيمن قدره ودبره، وإن كان ما احدث الاديم نفسه. فلو حملنا قوله: (وما تعملون) على افعالهم دون ما فعلوا فيه من الاجسام، لكان الكلام على هذا الوجه صحيحا. ويكون المعنى: والله دبركم ودبر أعمالكم. وان لم يكن محدثا لها وفاعلا. وكل هذه الوجوه واضح لا إشكال فيه بحمد الله تعالى ومنه.

[ 66 ]

يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم (1) عليهم السلام تنزيه يعقوب عن ايقاع التحاسد بين بنيه: (مسألة) فان قيل: فما معنى تفضيل يعقوب عليه السلام ليوسف (ع) على اخوته في البر والتقريب والمحبة، حتى اوقع ذلك التحاسد بينهم وبينه وأفضى إلى الحال المكروهة التي نطق بها القرآن، حتى قالوا على ما حكاه الله تعالى عنهم: (ليوسف واخوه احب إلى ابينا منا ونحن عصبة ان أبانا لفي ضلال مبين) (2) فنسبوه إلى الضلال والخطأ. وليس لكم ان تقولوا ان يعقوب (ع) لم يعلم بذلك من حالهم قبل ان يكون منه التفضيل ليوسف (ع). لان ذلك لابد من ان يكون معلوما منه من حيث كان في طباع البشر من التنافس والتحاسد. (الجواب): قيل ليس فيما نطق به القرآن ما يدل على ان يعقوب عليه السلام فضله بشئ من فعله وواقع من جهته، لان المحبة التي هي ميل الطباع ليست مما يكتسبه الانسان ويختاره، وإنما ذلك موقوف على فعل الله تعالى فيه. ولهذا ربما يكون للرجل عدة اولاد فيحب احدهم دون غيره، وربما يكون المحبوب دونهم في الجمال والكمال. وقد قال الله تعالى:


(1) قصص الانبياء ص 119 - 122. (2) يوسف الآية 8 (*)

[ 67 ]

(ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) (1) وإنما أراد ما بيناه من ميل النفس الذي لا يمكن الانسان ان يعدل فيه بين نسائه، لان ما عدا ذلك من البر والعطاء والتقريب وما اشبهه، يستطيع الانسان ان يعدل بين النساء. فإن قيل فكأنكم قد نفيتم عن يعقوب عليه السلام القبيح والاستفساد واضفتموهما إلى الله تعالى فما الجواب عن المسألة من هذا الوجه ؟. قلنا: عنها جوابان: احدهما لا يمتنع ان يكون الله تعالى علم ان اخوة يوسف عليه السلام سيكون بينهم ذلك التحاسد والفعل القبيح على كل حال، وان لم يفضل يوسف (ع) عليهم في محبة ابيه له، وإنما يكون ذلك استفسادا إذا وقع عنده الفساد وارتفع عند ارتفاعه، ولم يكن تمكينا. والجواب الآخر أن يكون ذلك جاريا مجرى التمكين (الامتحان) والتكليف الشاق، لان هؤلاء الاخوة متى امتنعوا من حسد اخيهم والبغي عليه والاضرار به وهو غير مفضل عليهم ولا مقدم ولا يستحقونه من الثواب ما يستحقونه إذا امتنعوا من ذلك مع التقديم والتفضيل، فأراد الله تعالى منهم ان يمتنعوا على هذا الوجه الشاق. وإذا كان مكلفا على هذا الوجه فلا استفساد في تمييله بطباع ابيهم إلى محبة يوسف (ع)، لان بذلك ينتظم هذا التكليف ويجري هذا الباب مجرى خلق إبليس، مع علمه تعالى بضلال من ضل عند خلقه، ممن لو لم يخلقه لم يكن ضالا. ومجرى زيادة الشهوة فيمن يعلم منه تعالى هذه الزيادة انه يفعل قبيحا لولاها لم يفعله. ووجه آخر في الجواب عن أصل المسألة: وهو أنه يجوز ان يكون يعقوب كان مفضلا ليوسف (ع) في العطاء والتقريب والترحيب والبر الذي يصل إليه من جهته، وليس ذلك بقبيح لانه لا يمتنع ان يكون يعقوب (ع) لم يعلم ان ذلك يؤدى إلى ما ادى إليه، ويجوز ان يكون رأى من سيرة اخوته


(1) النساء الآية 129 (*)

[ 68 ]

وسدادهم وجميل ظاهرهم ما غلب في ظنه معهم أنهم لا يحسدونه، وان فضله عليهم. فإن الحسد وإن كان كثيرا ما يكون في الطباع، فإن كثيرا من الناس يتنزهون عنه ويتجنبونه، ويظهر من احوالهم امارات يظن معها بهم ما ذكرناه. وليس التفضيل لبعض الاولاد على بعض في العطاء محاباة، لان المحاباة هي المفاعلة من الحباء، ومعناها ان تحبو غيرك ليحبوك. وهذا خارج عن معنى التفضيل بالبر، الذي لا يقصد به إذا ما ذكرناه. فاما قولهم: ان ابانا لفي ضلال مبين. فلم يريدوا به الضلال عن الدين. وانما ارادوا به الذهاب عن التسوية بينهم في العطية، لانهم رأوا ان ذلك اصوب في تدبيرهم. وأصل الضلال هو العدول. وكل من عدل عن شئ وذهب عنه فقد ضل. ويجوز ايضا ان يريدوا بذلك الضلال عن الدين، لانهم خبروا عن اعتقادهم. ويجوز ان يعتقدوا في الصواب الخطأ. فإن قيل: كيف يجوز أن يقع من اخوة يوسف (ع) هذا الخطأ العظيم والفعل القبيح وقد كانوا انبياء في الحال ؟ فإن قلتم لم يكونوا انبياء في تلك الحال، قيل لكم وأي منفعة في ذلك لكم وانتم تذهبون إلى ان الانبياء عليهم السلام لا يوقعون القبائح قبل النبوة ولا بعدها ؟. قلنا: لم تقم الحجة بأن اخوة يوسف (ع) الذين فعلوا به ما فعلوه كانوا انبياء في حال من الاحوال، وإذا لم تقم بذلك حجة جاز على هؤلاء الاخوة من فعل القبيح ما يجوز على كل مكلف لم تقم حجة بعصمته، وليس لاحد ان يقول كيف تدفعون نبوتهم. والظاهر أن الاسباط من بني يعقوب كانوا انبياء، لانه لا يمتنع ان يكون الاسباط الذين كانوا انبياء غير هؤلاء الاخوة الذين فعلوا بيوسف (ع) ما قصه الله تعالى عنهم. وليس في ظاهر الكتاب ان جميع اخوة يوسف (ع) وما ساير اسباط يعقوب (ع) كادوا يوسف (ع) بما حكاه الله تعالى من الكيد. وقد قيل ان هؤلاء الاخوة في تلك الاحوال لم يكونوا بلغوا الحلم ولا توجه إليهم التكليف. وقد يقع ممن

[ 69 ]

قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الافعال، وقد يلزمهم بعض العقاب واللوم والذم، فإن ثبت هذا الوجه سقطت المسألة ايضا، مع تسليم ان هؤلاء الاخوة كانوا انبياء في المستقبل. تنزيه يعقوب عن التغرير بولده (مسألة) فإن قيل: فلم ارسل يعقوب (ع) يوسف مع اخوته، مع خوفه عليه منهم، وقوله: (واخاف ان يأكله الذئب وانتم عنه غافلون) (1) وهل هذا إلا تغرير به ومخاطرة ؟. (الجواب): قيل له: ليس يمتنع ان يكون يعقوب (ع) لما رأى من بنيه ما رأى من الايمان والعهود والاجتهاد في الحفظ والرعاية لاخيهم، ظن مع ذلك السلامة وغلبة النجاة، بعد أن كان خائفا مغلبا لغير السلامة. وقوي في نفسه أن يرسله معهم اشفاقا من ايقاع الوحشة والعداوة بينهم، لانه إذا لم يرسله مع الطلب منهم والحرص، علموا ان سبب ذلك هو التهمة لهم والخوف من ناحيتهم فأستوحشوا منه ومن يوسف (ع)، وانضاف هذا الداعي إلى ما ظنه من السلامة والنجاة، فأرسله. تنزيه يعقوب عن تكذيب الصادق: (مسألة): فان قالوا: فما معنى قولهم ليعقوب (ع): (وما انت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) (1) وكيف يجوز ان ينسبوه إلى انه لا يصدق الصادق ويكذبه ؟. (الجواب): انهم لما علموا على مرور الايام بشدة تهمة ابيهم لهم وخوفه على اخيهم منهم لما كان يظهر منهم من امارات الحسد والمنافسة، ايقنوا بأنه (ع) يكذبهم فيما اخبروا به من أكل الذئب اخاهم، فقالوا له إنك


(1) يوسف الآية 13 (*)

[ 70 ]

لا تصدقنا في هذا الخبر لما سبق إلى قلبك من تهمتنا وان كنا صادقين. وقد يفعل مثل ذلك المخادع المماكر إذا اراد ان يوقع في قلب من يخبره بالشئ صدقه، لان القتل من أفظع مصائب الدنيا، فيقول انا اعلم انك لا تصدقني في كذا وكذا. وان كنت صادقا، وهذا بين. تنزيه يعقوب عن الحزن المكروه: (مسألة) فان قيل: فلم اسرف يعقوب (ع) في الحزن والتهالك وترك التماسك حتى ابيضت عيناه من البكاء والحزن، ومن شأن الانبياء عليهم السلام التجلد والتصبر وتحمل الاثقال، ولولا هذه الحال ما عظمت منازلهم وارتفعت درجاتهم ؟ الجواب: قيل له ان يعقوب عليه السلام بلي وامتحن في ابنه بما لم يمتحن به احد قبله، لان الله تعالى رزقه مثل يوسف عليه السلام احسن الناس واجملهم واكملهم عقلا وفضلا وادبا وعفافا ثم اصيب به اعجب مصيبة واطرفها، لانه لم يمرض بين يديه مرضا يؤول إلى الموت فيسليه عنه تمريضه له ثم يأسه منه بالموت، بل فقده فقدا لا يقطع معه على الهلاك فييأس منه، ولا يجد إمارة على حياته وسلامته، فيرجو ويطمع. وكان متردد الفكر بين يأس وطمع، وهذا اغلظ ما يكون على الانسان وانكأ لقلبه، وقد يرد على الانسان من الحزن ما لا يملك رده ولا يقوى على دفعه. ولهذا لم لا يكون احدنا منهيا عن مجرد الحزن والبكاء، وانما نهي عن اللطم والنوح، وان يطلق لسانه فيما يسخط ربه وقد بكى نبينا صلى الله عليه وآله على ابنه ابراهيم عند وفاته. وقال: العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول ما يسخط الرب، وهو القدرة في جميع الآداب والفضائل على ان يعقوب (ع) انما ابدى من حزنه يسيرا من كثير، وكان ما يخفيه ويتصبر عليه ويغالبه اكثر وأوسع مما


(1) يوسف الآية 17 (*)

[ 71 ]

اظهره. وبعد، فإن التجلد على المصائب وكظم الغيظ والحزن من المندوب إليه، وليس بواجب ولا لازم، وقد يعدل الانبياء عن كثير من المندوبات الشاقة، وان كانوا يفعلون من ذلك الكثير. حول الرؤيا التي رآها يوسف (ع): (مسألة) فان قيل: كيف لم يتسل يعقوب (ع) ويخفف عنه الحزن ما يحققه من رؤيا ابنه يوسف، ورؤيا الانبياء (ع) لا تكون إلا صادقة ؟. (الجواب) قيل له في ذلك جوابان: احدهما ان يوسف (ع) رأى تلك الرؤيا وهو صبي غير نبي ولا موحى إليه، فلا وجه في تلك الحال للقطع على صدقها وصحتها. والآخر ان اكثر ما في هذا الباب ان يكون يعقوب (ع) قاطعا على بقاء ابنه، وان الامر سيؤول فيه إلى ما تضمنته الرؤيا، وهذا لا يوجب نفي الحزن والجزع، لانا نعلم ان طول المفارقة واستمرار الغيبة يقتضيان الحزن، مع القطع على ان المفارق باق يجوز أن يؤول حال إلى القدوم ؟ وقد جزع الانبياء عليهم السلام ومن جرى مجراهم من المؤمنين المطهرين من مفارقة اولادهم واحبائهم، مع يقينهم بالالتقاء بهم في الآخرة والحصول معهم في الجنة. والوجه في ذلك ما ذكرناه.

[ 72 ]

يوسف بن يعقوب عليهما السلام (1) تنزيه يوسف عن الصبر على الاستعباد: مسألة: فان قيل: كيف صبر يوسف عليه السلام على العبودية، ولم لم ينكرها ويبرأ من الرزق، وكيف يجوز على النبي الصبر على ان يستعبد ويسترق ؟ (الجواب) قيل له: إن يوسف عليه السلام في تلك الحال لم يكن نبيا على ما قاله كثير من الناس، ولما خاف على نفسه القتل جاز ان يصبر على الاسترقاق. ومن ذهب إلى هذا الوجه يتناول قوله تعالى: (واوحينا إليه لتنبئنهم بامرهم هذا وهم لا يشعرون) (2). على ان الوحي لم يكن في تلك الحال، بل كان في غيرها. ويصرف ذلك إلى الحال المستقبلة المجمع على انه كان فيها نبيا. ووجه آخر: وهو أن الله تعالى لا يمتنع ان يكون امره بكتمان امره والصبر على مشقة العبودية امتحانا وتشديدا في التكليف، كما امتحن ابويه ابراهيم واسحق عليهما السلام، أحدهما بنمرود، والآخر بالذبح.


(1) قصص الانبياء ص 120 و 138 - 144 (2) يوسف الآية 15 (*)

[ 73 ]

ووجه آخر: وهو انه يجوز ان يكون قد خبرهم بأنه غير عبد، وأنكر عليهم ما فعلوا من استرقاقه، الا أنهم لم يسمعوا منه ولا اصغوا إلى قوله، وإن لم ينقل ذلك. فليس كل ما جرى في تلك الازمان قد اتصل بنا. ووجه آخر: وهو أن قوما قالوا انه خاف القتل، فكتم أمر نبوته وصبر على العبودية. وهذا جواب فاسد لان النبي (ع) لا يجوز ان يكتم ما ارسل به خوفا من القتل، لانه يعلم ان الله تعالى لم يبعثه للاداء إلا وهو عاصم له من القتل حتى يقع الاداء وتسمع الدعوة، وإلا لكان ذلك نقضا للغرض. (مسألة): فإن قيل: فما تأويل قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام وامرأة العزيز (ولقد همت به وهم بها لولا ان رآى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين) (1). (الجواب): ان الهم في اللغة ينقسم إلى وجوه: منها العزم على الفعل كقوله تعالى: (إذ هم قوم ان يبسطوا اليكم ايديهم فكف ايديهم عنكم) (2) اي ارادوا ذلك وعزموا عليه. قال الشاعر: هممت ولم افعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله ومثله قول الخنساء: وفضل مرداسا على الناس حلمه * وان كل هم همه فهو فاعله ومثله قول حاتم الطائي: ولله صلعوك يساور همه * ويمضي على الايام والدهر مقدما ومن وجوه الهم، خطور الشئ بالبال وان لم يقع العزم عليه. قال الله


(1) يوسف الآية 24 (2) المائدة الآية 11 (*)

[ 74 ]

تعالى: (إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا والله وليهما) (1) وانما اراد تعالى ان الفشل خطر ببالهم، ولو كان الهم في هذا المكان عزما، لما كان الله تعالى ولا هما لانه تعالى يقول: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (2) وارادة المعصية، والعزم عليها معصية. وقد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا ان العزم على الكبيرة كبيرة وعلى الصغيرة صغيرة وعلى الكفر كفر. ولا يجوز ان يكون الله تعالى ولي من عزم على الفرار عن نصرة نبيه صلى الله عليه وآله واسلامه إلى السوء، ومما يشهد ايضا بذلك قول كعب بن زهير: فكم فيهم من سيد متوسع * ومن فاعل للخير ان هم أو عزم ففرق كما ترى بين الهم والعزم. وظاهر التفرقة قد يقتضي اختلاف المعنى. ومن وجوه الهم ان يستعمل بمعنى المقاربة، فيقولون هم بكذا وكذا اي كاد ان يفعله. قال ذو الرمة: أقول لمسعود بجرعاء مالك * وقد هم دمعي ان يلج اوائله والدمع لا يجوز عليه العزم، وإنما اراد انه كاد وقرب. وقال ابو الاسود الدؤلي: وكنت متى تهمم يمينك مرة * لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا وعلى هذا خرج قوله تعالى جدارا يريد ان ينقض اي يكاد. قال الحارثي: يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل


(1) آل عمران 122 (2) الانفال الآية 16 (*)

[ 75 ]

ومن وجوه الهم الشهوة وميل الطباع، لان الانسان قد يقول فيما يشتهيه ويميل طبعه إليه: ليس هذا من همي وهذا أهم الاشياء الي. والتجوز باستعمال الهمة مكان الشهوة ظاهر في اللغة. وقد روي هذا التأويل عن الحسن البصري قال: أما همها فكان اخبث الهم، واما همه (ع) فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء. فإذا كانت وجوه هذه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبي الله ما لا يليق به وهو العزم على القبيح، واجزنا باقي الوجوه لان كل واحد منها يليق بحاله. فإن قيل: فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم والارادة ؟ ويكون مع ذلك لها وجه صحيح يليق بالنبي (ع) ؟. قلنا: نعم، متى حملنا الهم ههنا على العزم، جاز أن نعلقه بغير القبيح ويجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه، كما يقول القائل: قد كنت هممت بفلان، أي بأن اوقع به ضربا أو مكروها. تنزيه يوسف عن العزم على المعصية: فإن قيل: فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى: (لولا ان رأى برهان ربه) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها ؟. قلنا: يجوز ان يكون لما هم بدفعها وضربها، اراه الله تعالى برهانا على انه ان اقدم على من هم به اهلكه اهلها وقتلوه، أو أنها تدعي عليه المراودة على القبيح، وتقذفه بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه، فأخبر الله تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه، أو ظن القبيح به أو اعتقاده فيه. فإن قيل: هذا الجواب يقضي لفظة (لولا) يتقدمها في ترتيب

[ 76 ]

الكلام، ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها، وتقدم جواب (لولا) قبيح، أو يقتضي أن يكون (لولا) بغير جواب. قلنا: اما جواب (لولا) فجائز مستعمل، وسنذكر ذلك فيما نستأنفه من الكلام عند الجواب المختص بذلك، ونحن غير مفتقرين إليه في جوابنا هذا، لان العزم على الضرب والهم به قد وقع، إلا انه انصرف عنه بالبرهان الذى رآه، ويكون تقدير الكلام وتلخيصه: " ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك ". فالجواب المتعلق بلولا محذوف في الكلام، كما يحذف الجواب في قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤوف رحيم)، معناها: ولولا فضل الله عليكم ورحمته، وأن الله رؤوف رحيم لهلكتم، وملثه (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم) (1) معناها لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا ولم تحرصوا على حطامها. وقال امروء القيس: فلو انها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط انفسا اراد فلو أنها نفس تموت سوية لتقضت وفنيت، فحذف الجواب تعويلا على ان الكلام يقتضيه ويتعلق به. على أن من حمل هذه الاية على الوجه الذى لا يليق بنبى الله، وأضاف العزم على المعصية إليه، لا بد له من تقدير جواب محذوف. ويكون التقدير على تأويله: ولقد همت بالزنى وهم بمثله، لولا أن رأى برهان ربه لفعله. فان قيل: متى علقتم العزم في الاية والهم بالضرب أو الدفع كان ذلك مخالفا للظاهر.


(1) التكاثر 5 - 6 (*)

[ 77 ]

قلنا: ليس الامر على ما ظنه هذا السائل، لان الهم في هذه الاية متعلق بما لا يصح ان يتعلق به العزم والارادة على الحقيقة، لانه تعالى قال: (ولقد همت به وهم بها) فتعلق الهم في ظاهر الكلام بذواتهما، والذات الموجودة الباقية لا يصح ان تراد ويعزم عليها، فلا بد من تقدير امر محذوف يتعلق العزم به مما يرجع اليهما ويختصان به ورجوع الضرب والدفع اليهما كرجوع ركوب الفاحشة فلا ظاهر للكلام يقتضي خلاف ما ذكرناه، ألا ترى ان القائل إذا قال: قد هممت بفلان فظاهر الكلام يقتضي تعلق عزمه وهمه إلى أمر يرجع إلى فلان، وليس بعض الافعال بذلك اولى من بعض، فقد يجوز ان يريد انه هم بقصده أو باكرامه أو بإهانته أو غير ذلك من ضروب الافعال، على انه لو كان للكلام ظاهر يقتضى خلاف ما ذكرناه، وان كنا قد بينا ان الامر بخلاف ذلك لجاز ان نعدل عنه ونحمله على خلاف الظاهر، للدليل العقلي الدال على تنزيه الانبياء عليهم السلام عن القبائح. فإن قيل: الكلام في قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها) خرج مخرجا واحدا. فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبح ؟ وهمه بها متعلقا بالضرب والدفع على ما ذكرتم ؟ قلنا: أما الظاهر، فلا يدل الامر الذي تعلق به الهم والعزم منهما جميعا، وإنما اثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب، والآثار بذلك. وهى ممن يجوز عليها فعل القبيح، ولم يؤمن دليل ذلك من جوازه عليها كما أمن ذلك فيه (ع)، والموضع إلى يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى: (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين) (1) وقوله تعالى: (وراودته التى هو في بيتها عن نفسه) (1) وقوله تعالى حاكيا عنها (الآن حصحص الحق اناراودته عن


(1) يوسف الاية 30 (2) يوسف الاية 23 (*)

[ 78 ]

نفسه وانه لمن الصادقين) (1) وفى موضع آخر: (قالت فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم). (1) والآثار واردة باطباق مفسري القرآن ومتأوليه، على أنها همت بالمعصية والفاحشة، وأما هو عليه السلام فقد تقدم من الادلة العقلية ما يدل على انه لا يجوز ان يفعل القبيح ولا يعزم عليه. وقد استقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب. فأما ما يدل من القرآن، على انه عليه السلام ما هم بالفاحشة ولا عزم عليها فمواضع كثيرة منها قوله تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) (1) وقوله تعالى (ذلك ليعلم انى لم اخنه بالغيب) (1) ولو كان الامر كما قال الجهال من جلوسه منها مجلس الخائن وانتهائه إلى حل السراويل وحوشي من ذلك، لم يكن السوء والفحشاء منصرفين عنه، ولكان خائنا بالغيب، وقوله تعالى حاكيا عنها: (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) (1) وفي موضع آخر: (انا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين) وقول العزيز لما رأى القميص قد من دبر (انه من كيدكن ان كيدكن عظيم) (1) فنسب الكيد إلى المرأة دونه، وقوله تعالى حاكيا عن زوجها لما وقف على ان الذنب منها وبراءة يوسف (ع) منه: (يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين) (7) وعلى مذهبهم الفاسد ان كل واحد منهما مخطئ فيجب ان يستغفر فلم اختصت بالاستغفار دونه، وقوله تعالى حاكيا عنه: (رب السجن احب الي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن اصب اليهن واكن من الجاهلين فاستجاب له ربه


(1) يوسف الاية 51 (2) يوسف الاية 32 (3) يوسف 24 (4) يوسف 52 (5) يوسف 32 (6) يوسف 28 (7) يوسف 29 (*)

[ 79 ]

فصرف عنه كيدهن انه هو السميع العليم) (1) فالاستجابة تؤذن ببراءته من كل سوء، وتنبئ أنه لو فعل ما ذكروه لكان قد يصرف عنه كيدهن. وقوله تعالى: (قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) (2) والعزم على المعصية من أكبر السوء، وقوله تعالى حاكيا عن الملك: (اتونى به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال انك اليوم لدينا مكين أمين) (3) ولا يقال ذلك فيمن فعل ما ادعوه عليه. فإن قيل: فأي معنى لقول يوسف: (وما أبرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربى غفور رحيم) (4). قلنا: انما أراد الدعاء والمنازعة والشهوة ولم يرد العزم على المعصية، وهو لا يبرئ نفسه مما لا تعرى منه طباع البشر. وفى ذلك جواب آخر اعتمده ابو على الجبائى واختاره، وان كان قد سبق إليه جماعة من اهل التأويل وذكروه، وهو ان هذا الكلام الذي هو " وما ابرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء " إنما هو من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السلام. واستشهدوا على صحة هذا التأويل بأنه منسوق على الكلام المحكي عن المرأة بلا شك. ألا ترى انه تعالى قال: (قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق (5) أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وان الله لا يهدى كيد الخائنين وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء) (6) فنسق الكلام على كلام المرأة وعلى هذا التأويل يكون التبرؤ من الخيانة الذى هو ذلك " ليعلم انى لم اخنه بالغيب " من كلام المرأة لا من كلام يوسف (ع) ويكون المكنى عنه في قولها (انى لم اخنه بالغيب) هو


(1) يوسف 33 - 34 (2) يوسف 51 (3) يوسف 54 (4) يوسف 53 (5) حصحص الحق: بان بعد كتمانه (6) يوسف الاية 51 - 53 (*)

[ 80 ]

يوسف (ع) دون زوجها، لان زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب، وانما ارادت انى لم اخن يوسف (ع) وهو غائب في السجن، ولم أقل فيه لما سئلت عنه وعن قصتي معه الا الحق، ومن جعل ذلك من كلام يوسف (ع) جعله محمولا على انى لم اخن العزيز في زوجته بالغيب، وهذا الجواب كأنه اشبه بالظاهر، لان الكلام معه لا ينقطع عن اتساقه وانتظامه. فإن قيل: فأي معنى لسجنه إذا كان عند القوم متبرئا من المعصية متنزها عن الخيانة قلنا: قد قيل ان العلة في ذلك الستر على المرأة والتمويه والكتمان لامرها حتى لا تفتضح وينكشف أمرها لكل أحد، والذى يشهد بذلك قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين) (1) وجواب آخر في الآية على ان الهم فيها هو العزم، وهو ان يحمل الكلام على التقديم والتأخير، ويكون تلخيصه " ولقد همت به ولولا ان رأى برهان ربه لهم بها " ويجرى ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لولا ان تداركتك، وقتلت لولا انى قد خلصتك. والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي لقتلت، وإن لم يكن وقع في هلاك ولا قتل. قال الشاعر: ولا يدعنى قومي صريخا لحرة * لئن كنت مقتولا ويسلم عامر وقال الآخر: فلا يدعنى قومي ليوم كريهة * لئن لم اعجل طعنه أو اعجل فقدم جواب لئن في البيتين جميعا. وقد استبعد قوم تقديم جواب لولا عليها، وقالوا لو جاز ذلك لجاز قولهم، قام زيد لولا عمرو، وقصدتك لولا بكر. وقد بينا بما اوردناه من الامثلة والشواهد جواز تقديم جواب لولا، وان القائل قد يقول قد كنت قمت لولا كذا وكذا، وقد كنت قصدتك لولا ان


(1) يوسف الاية 35 (*)

[ 81 ]

صدني فلان، وان لم يقع قيام ولا قصد. وهذا هو الذي يشبه الآية دون ما ذكروه من المثال. وبعد، فان في الكلام شرطا وهو قوله تعالى: (لو لا ان رأى برهان ربه)، فكيف يحمل على الاطلاق مع حصول الشرط ؟ فليس لهم ان يجعلوا جواب لولا محذوفا، لان جعل جوابها موجودا أولى. وليس تقديم جواب لولا بأبعد من حذفه جملة من الكلام. وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لئن لا يلزم الحذف. فإن قيل: فما البرهان الذى رآه يوسف عليه السلام حتى انصرف لاجله عن المعصية، وهل يصح ان يكون البرهان ما روي من ان الله تعالى اراه صورة ابيه يعقوب (ع) عاضا على اصبعه متوعدا له على مقاربة المعصية، أو يكون ما روي من ان الملائكة نادته بالنهي والزجر في الحال فأنزجر. قلنا: ليس يجوز ان يكون البرهان الذي رآه فانزجر به عن المصعية ما ظنه العامة من الامرين اللذين ذكرناهما، لان ذلك يفضي إلى الالجاء وينافي التكليف ويضاد المحنة، ولو كان الامر على ما ظنوه لما كان يوسف عليه السلام يستحق بتنزيهه عما دعته إليه المرأة من المعصية مدحا ولا ثوابا، وهذا من اقبح القول فيه (ع)، لان الله تعالى قد مدحه بالامتناع عن المعصية واثنى عليه بذلك فقال تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين)، فأما البرهان، فيحتمل ان يكون لطفا لطف الله تعالى به في تلك الحال أو قبلها، فاختار عنده الامتناع من المعاصي والتنزه عنها، وهو الذي يقتضى كونه معصوما لان العصمة هي ما اختير (ما اختار) عنده من الالطاف، التنزه عن القيح والامتناع من فعله. ويجوز ان يكون معنى الرؤية ههنا بمعنى العلم، كما يجوز ان يكون بمعنى الادراك، لان كلا الوجهين يحتمله القول.

[ 82 ]

وذكر آخرون: ان البرهان ههنا انما هو دلالة الله تعالى ليوسف (ع) على تحريم ذلك الفعل، وعلى ان من فعله استحق العقاب لان ذلك ايضا صارف عن الفعل ومقو لدواعي الامتناع منه وهذا ايضا جايز. تنزيه يوسف عن محبة المعصية: (مسألة): فإن قيل: كيف يجوز ان يقول يوسف (ع): (رب السجن احب الي مما يدعونني إليه)، ونحن نعلم ان سجنهم له معصية ومحنة، كما ان ما دعوه إليه معصية، ومحبة المعصية عند كم لا تكون الا قبيحة. (الجواب): قلنا: في تأويل هذه الآية جوابان: احدهما: انه اراد بقوله (احب الي) اخف على واسهل، ولم يرد المحبة التي هي الارادة على الحقيقة. وهذا يجري مجرى ان يخير أحدنا بين الفعلين ينزلان به ويكرههما ويشقان (1) عليه، فيقول في الجواب كذا احب إلى، وانما يريد ما ذكرناه من السهولة والخفة. والوجه الآخر: انه اراد ان توطيني نفسي وتصبيري لها على السجن احب الي من مواقعة المعصية. فان قيل: هذا خلاف الظاهر لانه مطلق وقد اضمرتم فيه. قلنا: لابد من مخالفة الظاهر، لان السجن نفسه لا يجوز ان يكون مرادا ليوسف (ع)، وكيف يريده وانما السجن البنيان المخصوص، وإنما يكون الكلام ظاهره يخالف ما قلناه، إذا قرأ: رب السجن (بفتح السين) وان كانت هذه القراءة ايضا محتملة للمعنى الذي ذكرناه، فكأنه أراد ان سجني نفسي عن المعصية احب إلى من مواقعتها. فرجع معنى السجن إلى


(1) ويشقان: بمعنى يثقلان

[ 83 ]

فعله دون افعالهم، وإذا كان الامر على ما ذكرناه، فليس للمخالف ان يضمر في الكلام ان كوني في السجن وجلوسي فيه احب الي، بأولى ممن اضمر ما ذكرنا، لان كلا الامرين يعود إلى السجن ويتعلق به. فان قيل: كيف يقول السجن احب الي مما يدعونني إليه وهو لا يحب ما دعوه إليه على وجه من الوجوه، ومن شأن هذه اللفظة ان تستعمل بين شيئين مشتركين في معناها. قلنا: قد تستعمل هذه اللفظة فيما لا اشتراك فيه، ألا ترى ان من خير بين ما يكرهه وما يحبه ساغ له ان يقول: هذا احب الي من هذا، وان يخير هذا احب الي من هذا، إذا كان في محبته، وإنما سوغ ذلك على احد الوجهين دون الآخر، لان المخير بين الشيئين في الاصل لا يخير بينهما إلا وهما مرادان له أو مما يصح ان يريدهما. فموضوع التخيير يقتضى ذلك، وان حصل فيما يخالف أصل موضوعه. ومن قال وقد خير بين شيئين لا يحب احدهما: هذا أحب الي، انما يكون مجيبا بما يقتضيه اصل الموضوع في التخيير، ويقارب ذلك قوله تعالى (قل اذلك خير ام جنة الخلد) (1) ونحن نعلم انه لا خير في العقاب، وانما حسن القول لوقوعه التقريع والتوبيخ على اختيار المعاصي على الطاعات. وانهم ما أثروها إلا لاعتقادهم ان فيها خيرا ونفعا. فقيل أذلك خير على ما تظنوه وتعتقدونه أم كذا وكذا، وقد قال قوم في قوله تعالى: (أذلك خير): أنه انما حسن لا شتراك الحالتين في باب المنزلة، وان لم يشتركا في الخير والنفع كما قال تعالى: (خير مستقرا وأحسن مقيلا) (2) ومثل هذا المعنى يتأتى في قوله: رب السجن أحب إلي، لان الامرين يعني: المعصية ودخول السجن،


(1) الفرقان الآية 15 (2) الفرقان 24 (*)

[ 84 ]

مشتركان في أن لكل منها داعيا وعليه باعثا، وان لم يكن مشتركا في تناول المحبة، فجعل اشتراكهما في دواعى المحبة اشتراكا في المحبة نفسها، وأجرى اللفظ على ذلك. فان قيل: كيف يقول وإلا تصرف عنى كيدهن اصب إليهن واكن من الجاهلين ؟ وعندكم ان امتناع القبيح منه (ع) ليس مشروط بارتفاع الكيد عنه بل هو ممتنع منه وان وقع الكيد. قلنا أنما أراد يوسف (ع) انك متى لم تلطف بي لما تدعوني إلى مجانبة الفاحشة وتثبتني على تركها صبوت، وهذا منه انقطاع إلى الله تعالى وتسليم لامره، وانه لولا معونته ولطفه ما نجي من الكيد، والكلام وان تعلق في الظاهر بالكيد نفسه فقال (ع) (والا تصرف عنى كيدهن) فالمراد به الا تصرف عني ضرر كيدهن لانهن انما أجرين بالكيد إلى مساعدته لهن على المعصية، فإذا عصم منها ولطف له في الانصراف عنها كان الكيد مصروفا عنه من حيث لم يقع ضرره، وما اجري به إليه، ولهذا يقال لمن اجرى بكلامه إلى غرض لم يقع ما قلت شيئا. ولمن فعل ما لا تأثير له: ما فعلت شيئا. وهذا بين والحمد الله تعالى. تنزيه يوسف (ع) عن التعويل على غير الله: (مسألة): فإن قيل: كيف يجوز على يوسف عليه السلام وهو نبي مرسل ان يعول في اخراجه من السجن على غير الله تعالى ويتخذ سواه وكيلا في ذلك، في قوله للذي كان معه: (اذكرني عند ربك) حتى وردت الروايات ان سبب طول حبسه (ع) انما كان لانه عول على غير الله تعالى ؟. (الجواب): قلنا: ان سجنه (ع) إذا كان قبيحا ومنكرا فعليه ان يتوصل إلى ازالته بكل وجه وسبب، ويتشبث إليه بكل ما يظن أنه يزيله عنه، ويجمع فيه بين الاسباب المختلفة، فلا يمتنع على هذا ان يضم إلى دعائه

[ 85 ]

الله تعالى ورغبته إليه في خلاصه من السجن ان يقول لبعض من يظن انه سيؤدي قوله: (اذكرني ونبه على خلاصي) وانما القبيح ان يدع التوكل ويقتصر على غيره فأما ان يجمع بين التوكل والاخذ بالحزم فهو الصواب الذي يقتضيه الدين والعقل. ويمكن ايضا ان يكون الله تعالى اوحى إليه بذلك وأمره بأن يقول للرجل ما قاله. تنزيه يوسف عن إلحاق الاذى بأبيه: (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في طلب يوسف (ع) اخاه من إخوته ثم حبسه له عن الرجوع إلى ابيه مع علمه بما يلحقه عليه من الحزن، وهل هذا الا اضرارا به وبأبيه ؟. (الجواب): قلنا: الوجه في ذلك ظاهر لان يوسف (ع) لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله إليه، وذلك امتحان منه لنبيه يعقوب عليه السلام وابتلاء لصبره، وتعريض للعالي من منزلة الثواب، ونظير لك امتحانه له (ع) بأن صرف عنه خبر يوسف (ع) طول تلك المدة حتى ذهب بالبكاء عليه، وإنما امرهم يوسف (ع) بأن يلطفوا بأبيهم في ارساله من غير ان يكذبوه ويخدعوه. فان قيل: أليس قد قالوا سنراود عنه اباه وإنا لفاعلون، والمراودة هي الخداع والمكر. قلنا: ليس المراودة ما ظننتم، بل هي التلطف والتسبب والاحتيال، وقد يكون ذلك من جهة الصدق والكذب جميعا، فإنما امرهم بفعله على احسن الوجوه فإن خالفوه فلا لوم إلا عليهم. تنزيه يوسف عن الكذب وتهمة اخوته: (مسألة): فان قيل: فما معنى جعل السقاية في رحل اخيه وذلك

[ 86 ]

تعريض منه لاخيه بالتهمة، ثم ان اذن مؤذنه ونادى بأنهم سارقون ولم يسرقوا على الحقيقة ؟. (الجواب): قلنا: أما جعله السقاية في رحل اخيه، فالغرض فيه التسبب إلى احتباس اخيه عنده، ويجوز ان يكون ذلك بأمر الله تعالى، وقد روى أنه (ع) اعلم اخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به، فقد خرج على هذا القول من ان يكون مدخلا على اخيه غما وترويعا بما جعله من السقاية في رحله، وليس بمعرض له للتهمة بالسرقة، لان وجود السقاية في رحله يحتمل وجوها كثيرة غير السرقة، وليس يجب صرفه إليها الا بدليل. وعلى من صرف ذلك إلى السرقة من غير طريق اللوم في تقصيره وتسرعه، ولا ظاهر ايضا لوجود السقاية في الرحل يقتضي السرقة، لان الاشتراك في ذلك قائم، وقرب هذا الفعل من سائر الوجوه التى يحتملها على حد واحد. فأما نداء المنادي بأنهم سارقون فلم يكن بأمره (ع)، وكيف يأمر بالكذب وإنما نادى بذلك احد القوم لما فقدوا الصواع، وسبق إلى قلوبهم انهم سرقوه، وقد قيل ان المراد بأنهم سارقون انهم سرقوا يوسف (ع) من ابيه واوهموه انهم يحفظونه فضيعوه، فالمنادي صادق على هذا الوجه، ولا يمتنع ان يكون النداء بإذنه (ع). غير ان ظاهر القصة واتصال الكلام بعضه ببعض يقتضى ان يكون المراد بالسرقة سرقة الصواع الذي تقدم ذكره واحسوا فقده، وقد قيل ان الكلام خارج مخرج الاستفهام، وان كان ظاهره الخبر كأنه قال: (إنكم لسارقون) فاسقط الف الاستفهام كما سقطت في مواضع قد تقدم ذكرها في قصة ابراهيم (ع). وهذا الوجه فيه بعض الضعف لان الف الاستفهام لا تكاد تسقط إلا في موضع يكون على سقوطها دلالة في الكلام، مثل قول الشاعر: كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا

[ 87 ]

تنزيه يوسف (ع) عن تعمده بعدم تسكين نفس أبيه: (مسألة): فان قيل: فما بال يوسف (ع) لم يعلم اباه بخبره لتسكن نفسه ويزول وجده وهمه مع علمه بشدة تحرقه وعظم قلقه ؟. (الجواب): قلنا في ذلك وجهان: احدهما: ان ذلك كان له ممكنا وكان عليه قادرا، فأوحى الله تعالى إليه بأن يعدل عن اطلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه وتعريضا للمنزلة الرفيعة في البلوى وله تعالى ان يصعب التكليف وان يسهله. والوجه الآخر: انه جائز أن يكون (ع) لم يتمكن من ذلك ولا قدر عليه فلذلك عدل عنه. تنزيه يوسف (ع) عن الرضا بالسجود له: (مسألة): فان قيل: فما معنى قوله تعالى: (ورفع ابويه على العرش وخروا له سجدا) (1) وكيف يرضى بأن يسجدوا له والسجود لا يكون إلا لله تعالى ؟. (الجواب): قلنا في ذلك وجوه: منها: ان يكون تعالى لم يرد بقوله انهم سجدوا له إلى جهته، بل سجدوا لله تعالى من أجله، لانه تعالى جمع بينهم وبينه، كما يقول القائل: انما صليت لوصولي إلى اهلي، وصمت لشفائي من مرضي. وإنما يريد من اجل ذلك. فان قيل: هذا التأويل يفسده قوله تعالى: (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) (2)


(1) يوسف الآية 100 (2) يوسف الآية 100 (*)

[ 88 ]

قلنا: ليس هذا التأويل بمانع من مطابقة الرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة، لانه (ع) لما رأى سجود الكواكب والقمرين له كان تأويل ذلك بلوغه أرفع المنازل وأعلى الدرجات ونيله أمانيه واغراضه، فلما اجتمع مع أبويه ورأياه في الحال الرفيعة العالية ونال ما كان يتمناه من اجتماع الشمل، كان ذلك مصدقا لرؤياه المتقدمة. فلذلك قال: (هذا تأويل رؤياي من قبل). فلا بد لمن ذهب إلى أنهم سجدوا له على الحقيقة من أن يجعل ذلك مطابقا للرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة، لانه ما كان رأى في منامه ان اخوته وأبويه سجدوا له، ولا رأى في يقظته الكواكب تسجد له. فقد صح ان التطابق في المعنى دون الصورة. ومنها: أن يكون السجود لله تعالى، غير أنه كان إلى جهة يوسف (ع) ونحوه، كما يقال: صلى فلان إلى القبلة وللقبلة. وهذا لا يخرج يوسف (ع) من التعظيم، ألا ترى أن القبلة معظمة وإن كان السجود لله تعالى نحوها. ومنها: أن السجود ليس يكون بمجرده عبادة حتى يضاف إليه من الافعال ما يكون عبادة، فلا يمتنع أن يكون سجدوا له على سبيل التحية والاعظام والاكرام، ولا يكون ذلك منكرا لانه لم يقع على وجه العبادة التي يختص بها القديم تعالى وكل هذا واضح. تنزيه يوسف (ع) عن طاعة الشيطان: (مسألة): فان قيل: فما معنى قوله تعالى حكاية عنه (ع) من بعد ان نزغ الشيطان (1) بيني وبين اخوتي، وهذا يقتضي ان يكون قد اطاع الشيطان ونفذ فيه كيده ونزغه ؟.


(1) نزع الشيطان بينهم: أغرى بعضهم على بعض. (*)

[ 89 ]

(الجواب): قلنا هذه الاضافة لا يقتضي ما تضمنه السؤال، بل النزغ والقبيح كان منهم إليه لا منه إليهم. ويجري قول القائل: جرى بيني وبين فلان شر، وإن كان من احدهما ولم يشتركا فيه. (مسألة): فان قيل: فما معنى قوله عليه السلام للعزيز (اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم) (1) وكيف يجوز ان يطلب الولاية من قبل الظالمين. (الجواب): قلنا انما التمس تمكينه من خزائن الارض ليحكم فيها بالعدل وليصرفها إلى مستحقها، وكان ذلك له من غير ولاية. وإنما سئل الولاية للتمكن من الحق الذي له ان يفعله. ولمن لا يتمكن من اقامة الحق أو الامر بالمعروف ان يتسبب إليه ويتصل إلى فعله، فلا لوم في ذلك على يوسف عليه السلام ولا حرج.


(1) يوسف الآية 55 (*)

[ 90 ]

أيوب عليه السلام في أن ايوب عذب امتحانا ولم يعاقب: (مسألة): فان قيل: فما قولكم في الامراض والمحن التي لحقت ايوب (ع) أو ليس قد نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله: (اني مسني الشيطان بنصب وعذاب) والعذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب والآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمى عذابا ولا عقابا، أو ليس قد روى جميع المفسرين ان الله تعالى انما عاقبه بذلك البلاء لتركه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصته مشهورة يطول شرحها ؟. (الجواب): قلنا: أما ظاهر القرآن فليس يدل على ان ايوب عليه السلام عوقب بما نزل به من المضار، وليس في ظاهره شئ مما ظنه السائل، لانه تعالى قال: (واذكر عبدنا ايوب إذ نادى ربه انى مسني الشيطان بنصب وعذاب) (1) والنصب هو التعب، وفيه لغتان بفتح النون والصاد، وضم النون وتسكين الصاد. والتعب هو المضرة التي لا تختص بالعقاب، وقد تكون على سبيل الامتحان والاختبار. وأما العذاب فهو ايضا يجري مجرى المضار التى يختص اطلاق ذكرها بجهة دون جهة. ولهذا يقال للظالم والمبتدئ بالظلم انه معذب ومضر ومؤلم، وربما قيل معاقب على


(1) ص الآية 41. (*)

[ 91 ]

سبيل المجاز. وليست لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب، لان لفظة العقاب يقتضي ظاهرها الجزاء لانها من التعقيب والمعاقبة، ولفظة العذاب ليست كذلك. فأما اضافته ذلك إلى الشيطان، وإنما ابتلاه به فله وجه صحيح، لانه لم يضف المرض والسقم إلى الشيطان، وإنما أضاف إليه ما كان يستضربه من وسوسته ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم والعافية والرخاء، ودعائه له إلى التضجر والتبرم مما هو عليه، ولانه كان ايضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه ويتجنبوه ويستخفوه لما كان عليه من الامراض الشنيعة المنتنة، ويخرجوه من بينهم. وكل هذا ضرر من جهة اللعين ابليس، وقد روي ان زوجته (ع) كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه بما يأكله ويشربه، وكان الشيطان لعنه الله تعالى يلقي إليهم ان داءه (ع) يعدي، ويحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه وتمس جسده، وهذه مضار لا شبهة فيها. وأما قوله تعالى في سورة الانبياء: (وايوب إذ نادى ربه اني مسني الضر وأنت ارحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه اهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) (1) فلا ظاهر لها ايضا يقتضي ما ذكروه، لان الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة. فأما ما روي في هذا الباب عن جملة (جهلة) المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله، لان هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى والى رسله عليهم السلام كل قبيح ومنكر، ويقذفونهم بكل عظيم. وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم انه موضوع الباطل مصنوع، لانهم رووا ان الله تعالى سلط ابليس على مال ايوب عليه السلام وغنمه واهله، فلما اهلكهم ودمر عليهم ورأى من صبره (ع) وتماسكه، قال ابليس لربه يا رب ان ايوب قد علم انك ستخلف عليه ماله وولده فسلطني على جسده، فقال تعالى قد


(1) الآية (83 - 84) من سورة الانبياء. (*)

[ 92 ]

سلطتك على جسده كله الا قلبه وبصره، قال فاتاه فنفخه من لدن قرنه على قدمه فصار قرحة واحدة، فقذف على كناسة لبني اسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف الدواب على جسده، إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله، فمن يقبل عقله هذا الجهل والكفر كيف يوثق بروايته، ومن لا يعلم ان الله تعالى لا يسلط ابليس على خلقه، وان ابليس لا يقدر على ان يقرح الاجساد ولا يفعل الامراض كيف يعتمد روايته ؟. فأما هذه الامراض العظيمة النازلة بأيوب عليه السلام فلم تكن إلا اختبارا وامتحانا وتعريضا للثواب بالصبر عليها والعوض العظيم النفيس في مقابلتها، وهذه سنة الله تعالى في اصفيائه واوليائه عليهم السلام. فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وآله انه قال وقد سئل أي الناس اشد بلاء فقال: " الانبياء ثم الصالحون ثم الامثل فالامثل من الناس " فنظهر من صبره (ع) على محنته وتماسكه ما صار به إلى الآن مثلا، حتى روي انه كان في خلال ذلك كله صابرا شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه المنفعة والفايدة، وأنه ما سمعت له شكوى ولا تفوه بتضجر ولا تبرم، فعوضه الله تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم ان رد عليه ماله وأهله وضاعف عددهم في قوله تعالى: (وآتيناه اهله ومثلهم معهم) وفي سورة ص (ووهبنا له اهله ومثلهم معهم) (1)، ثم مسح ما به من العلل وشفاه وعافاه وأمره على ما وردت به الرواية، بأن اركض برجلك الارض فظهرت له عين فاغتسل منها فتساقط ما كان على جسده من الداء. قال الله تعالى: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) (2) والركض هو التحريك ومنه ركضت الدابة. فان قيل، افتصححون ما روي ان الجذام اصابه حتى تساقطت أعضاؤه ؟.


(1) ص الآية 43 (2) ص الآية 42 (*)

[ 93 ]

قلنا: ان العمل المستقذرة التي ينفر من رآها وتوحشه كالبرص والجذام فلا يجوز شئ منها على الانبياء عليهم السلام لما تقدم ذكره في صدر هذا الكتاب، لان النفور ليس بواقف على الامور القبيحة، بل قد يكون من الحسن والقبيح معا. وليس ينكر ان يكون امراض ايوب عليه السلام وأوجاعه. ومحنته في جسمه ثم في اهله وماله بلغت مبلغا عظيما يزيد في الغم والالم على ما ينال المجذوم، وليس ننكر تزايد الالم فيه (عليه السلام)، وانما ننكر ما اقتضى التنفير. فان قيل: افتقولون ان الغرض مما ابتلي به ايوب عليه السلام كان الثواب أو العوض أو هما على الاجتماع ؟. وهل يجوز ان يكون ما في هذه الآلام من المصلحة واللطف حاصلا في غيرها مما ليس بألم ام تمنعون من ذلك ؟. قلنا: أما الآلام التي يفعلها الله تعالى لا على سبيل العقوبة فليس يجوز ان يكون غرضه عزوجل فيها العوض من حيث كان قادرا على ان يبتدي بمثل العوض، بل الغرض فيها المصلحة وما يؤدي إلى استحقاق الثواب. فالعوض تابع والمصلحة اصل، وإنما يخرج بالعوض من ان يكون ظلما وبالغرض من أن يكون عبثا، فأما الالم، إذا كان فيه مصلحة ولطف، وهناك في المعلوم ما يقوم مقامه فيهما، إلا أنه ليس بألم. اما بأن يكون لذة أو ليس بألم ولا لذة، ففي الناس من ذهب إلى ان الالم لا يحسن في هذا الموضع، وإنما يحسن بحيث لا يقوم مقامه ما ليس بألم في المصلحة، والصحيح انه حسن. والله تعالى مخير في فعل ايهما شاء، والدليل على صحة ما ذكرناه انه لو قبح والحال هذه، لم يخل من ان يكون انما قبح من حيث كان ظلما أو من حيث كان عبثا. ومعلوم انه ليس بظلم، لان العوض الزايد العظيم الذي يحصل عليه يخرجه من كونه ظلما. وليس ايضا بعبث لان العبث هو ما لا غرض فيه، أو ما ليس فيه غرض مثله. وهذا الالم فيه

[ 94 ]

غرض عظيم جليل، وهو الذي تقدم بيانه. ولو كان هذا الغرض غير كاف فيه ولا يخرجه من العبث لما اخرجه من ذلك إذا لم يكن هناك ما يقوم مقامه، وليس لهم ان يقولوا انه إنما قبح وصار عبثا من حيث كان هناك ما يغني عنه، لان ذلك يؤدي إلى ان كل فعلين ألمين كانا أو لذتين، أو ليسا بألمين ولا لذتين، أو افعال تساوت في وجه المصلحة يقبح فعل كل واحد منهما، لان العلة التي ادعيت حاصلة. وليس له ان يقول ان الالم انما يقبح إذا كان فيه من المصلحة، مثل ما في فعل هو لذة من حيث كان يغني عنه ما ليس بألم، وذلك ان العوض الذي في مقابلته يخرجه من كونه ضررا ويدخله في ان يكون نفعا، ويجريه على أقل الاحوال مجرى ما ليس بضرر، فقد عاد الامر إلى ان الالم بالعوض قد ساوى ما ليس بألم وحصل فيه من الغرض المودي إلى المصلحة مثل ما فيه، فيجب ان يكون مخيرا في الاستصلاح بأيهما شاء. فان قيل: ما أنكرتم أيكون الفرق بين الامرين ان اللذة قد يحس ان يفعل بمجرد كونها لذة، ولا يفتقر في حسن فعلها إلى أمر زايد، والالم ليس كذلك، فإنه لا يحسن ان يكون مجردا ولابد من امر زايد يجعله حسنا. قلنا: هذا فرق بين الامرين في غير الموضع الذي جمعنا بينهما فيه، لان غرضنا انما كان في التسوية بين الالم واللذة إذا كان كل واحد منهما مثل في صاحبه من المصلحة، وأن يحكم بصحة التخيير في الاستصلاح بكل واحد منهما، وان كنا لا ننكر ان بينهما فرقان من حيث كان احدهما نفعا يجوز الابتداء به واستحقاق الشكر عليه، والآخر ليس كذلك، إلا ان هذا الوجه وان لم يكن في الالم فليس يقتضي قبحه، ووجوب فعل اللذة. ألا ترى ان اللذة قد يساويها في المصلحة فعل ما ليس بألم ولا لذة، فيكون المكلف تعالى مخيرا في الاستصلاح بأيهما شاء، وان كان يجوز ويحسن ان يفعل اللذة بمجردها من غير عوض زايد، ولا يحسن ذلك الفعل الآخر الذي جعلناه في مقابلتها متى تجرد، وإنما يحسن لغرض زايد ولم يخرجهما اختلافهما في هذا الوجه من تساويهما فيما ذكرناه من الحكم. وإذا كانت اللذة قد تساوي

[ 95 ]

في الحكم الذي ذكرناه من التخيير في الاستصلاح ما ليس بلذة، وبينا ان العوض قد اخرج الالم من كونه ضررا، وجعله بمنزلة ما ليس بألم، فقد بان صحة ما ذكرناه لان التخيير بين اللذة وما ليس بلذة ولا ألم، إذا حسن متى اجتمعا في المصلحة. فكذلك يحسن التخيير بين اللذة وما جرى مجرى ما ليس بألم ولا ضرر من الالم الذي يقابله المنافع، وليس بعد هذا إلا قول من يوجب فعل اللذة لكونها نفعا، وهذا مذهب ظاهر البطلان لا حاجة بنا إلى الكلام عليه من هذا الموضوع: فان قيل: ما أنكرتم ما يكون الاستصلاح بالالم إذا كان هناك ما يستصلح به، وليس بألم يجري في القبيح والعبث مجرى من بذل المال لمن يحتمل عنه ضرب المقارع، ولا غرض له إلا ايصال المال في ان ذلك عبث قبيح ؟. قلنا: أما قبح ما ذكرته فالوجه فيه غير ما ظننته من ان هناك ما يقوم مقامه في الغرض، لانا قد بينا ان ذلك لو كان هو وجه القبح لكان كل فعل فيه غرض يقوم غيره فيه مقامه عبثا وقبيحا، وقد علمنا خلاف ذلك. وإنما قبح بذل المال لمن يحتمل الضرب، والغرض ايصال المال إليه من حيث حسن ان يبتدئ بدفع المال الذي هو الغرض من غير تكلف الضرب، فصار عبثا وقبيحا من هذا الوجه وليس يمكن مثل ذلك في الالم إذا قابله ما ليس بألم لان ما فيه من العوض لا يمكن الابتداء به.

[ 96 ]

شعيب عليه السلام في قول شعيب (ع) استغروا ربكم ثم توبوا: (مسألة): فان قيل: ما معنى قوله تعالى في الحكاية عن شعيب عليه السلام: (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) (1) والشئ لا يعطف على نفسه لا سيما بالحرف الذي يقتضي التراخي والمهلة وهو (ثم) وإذا كان الاستغفار هو التوبة فما وجه هذا الكلام ؟. (الجواب): قلنا في هذه الآية وجوه: اولها: ان يكون المعنى اجعلوا المغفرة غرضكم وقصدكم الذى فيه تجئرون ونحوه يتوجهون، ثم توصلوا إليها بالتوبة إليه، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب. وثانيها: انه لا يمتنع ان يريد بقوله: (استغفروا ربكم) أي اسألوه التوفيق للمغفرة والمعونة عليها ثم توبوا إليه، لان المسألة للتوفيق ينبغي ان يكون قبل التوبة. وثالثها: انه أراد بثم الواو، والمعنى استغفروا ربكم وتوبوا إليه، وهذان الحرفان قد يتداخلان فيقوم احدهما مقام الآخرة.


(1) هود الآية 90 (*)

[ 97 ]

ورابعها: أن يريد استغفروه قولا ونطقا ثم توبوا إليه لتكونوا بالتوبة فاعلين لما يسقط العقاب عنده. وخامسها: انه خاطب المشركين بالله تعالى فقال لهم: استغفروه من الشرك بمفارقته ثم توبوا إليه، أي ارجعوا إلى الله تعالى بالطاعات وافعال الخير، لان الانتفاع بذلك. لان ذلك لا يكون إلا بتقديم الاستغفار من الشرك ومفارقته. والتائب والآئب والنايب والمنيب بمعنى واحد. وسادسها: ما أومى إليه أبو علي الجبائي في تفسير هذه الآية لانه قال أراد بقوله (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) اي اقيموا على التوبة إليه، لان التائب إلى الله تعالى من ذنوبه يجب ان يكون تائبا إلى الله في كل وقت يذكر فيه ذنوبه بعد توبته الاولى، لانه يجب ان يكون مقيما على الندم على ذلك، وعلى العزم على ان لا يعود إلى مثله. لانه لو نقض هذا العزم لكان عازما على العود، وذلك لا يجوز. وكذلك لو نقض الندم لكان راضيا بالمعصية مسرورا بها وهذا لا يجوز. وقد حكينا الفاظه بأعيانها، حمله على هذا الوجه انه أراد التكرار والتأكيد والامر بالتوبة بعد التوبة. كما يقول احدنا لغيره: " اضرب زيدا ثم اضربه " " وافعل هذا ثم افعل ". وهذا الذي حكينا عن ابي علي اولى مما ذكره في صدر هذه السورة، لانه قال هناك وان استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، ان معناه استغفروا ربكم من ذنوبكم السالفة ثم توبوا إليه بعد ذلك من كل ذنب يكون منكم أو معصية، وهذا ليس بشئ، لانه إذا حمل الاستغفار المذكور في الآية على التوبة فلا معنى لتخصيصه بما سلف دون ما يأتي، لان التوبة من ذلك اجمع واجبة، ولا معنى ايضا لتخصيص قوله ثم توبوا إليه بالمعاصي المستقبلة دون الماضية، لان الماضي والمستقبل مما يجب التوبة منه. فالذي حكيناه اولا عنه اشفى وأولى. حول إنكاح إبنته (ع): (مسألة): فان قيل فما الوجه في عدول شعيب عليه السلام عن جواب

[ 98 ]

ابنته في قولها (يا ابت استأجره ان خير من استأجرت القوي الامين) (1) إلى قوله لموسى عليه السلام (اني اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين) وهي لم تسأل النكاح ولا عرضت به، فترك اجابتها عن كلامها وخرج إلى شئ لم يجر ما يقتضيه. (الجواب): انها لما سألته ان يستأجره ومدحته بالقوة والامانة، كان كلامها دالا على الترغيب فيه والتقريب منه والمدح له بما يدعو إلى إنكاحه، فبذل له النكاح الذي يقتضي غاية الاختصاص، فما فعله شعيب (ع) في غاية المطابقة لجوابها ولما يقتضيه سؤالها. في قول شعيب (ع) فإن أتممت عشرا فمن عندك: (مسألة): فإن قيل فما معنى قول شعيب عليه السلام: (اني اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين على ان تأجرني ثماني حجج فإن اتممت عشرا فمن عندك وما اريد ان اشق عليك ستجدني انشاء الله من الصالحين) (2) وكيف يجوز في الصداق هذا التخيير والتفويض، وأي فايدة للبنت فيما شرط هو لنفسه وليس يعود عليها من ذلك نفع ؟. (الجواب): قلنا: يجوز ان تكون الغنم كانت لشعيب (ع)، وكانت الفايدة باستيجار من يرعاها عائدة عليه، إلا انه أراد ان يعوض بنته عن قيمة رعيها فيكون ذلك مهرا لها. وأما التخيير فلم يكن إلا ما زاد على الثمانى حجج ولم يكن فيما شرطه مقترحا تخيير، وإنما كان فيما تجاوزه وتعداه. ووجه آخر انه يجوز ان تكون الغنم كانت للبنت وكان الاب المتولي لامرها والقابض لصداقها، لانه لا خلاف ان قبض الاب مهر بنته البكر البالغ جايز،


(1) القصص الآية 26 (2) القصص الآية 27 (*)

[ 99 ]

وأنه ليس لاحد من الاولياء ذلك غيره، واجمعوا ان بنت شعيب (ع) كانت بكرا. ووجه آخر: وهو ان يكون حذف ذكر الصداق، وذكر ما شرطه لنفسه مضافا إلى الصداق، لانه جائز أن يشترط الولي لنفسه ما يخرج عن الصداق. وهذا الجواب يخالف الظاهر، لان قوله تعالى (اني اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين على ان تأجرني ثماني حجج) يقتضي ظاهره ان احدهما جزاء على الآخر. ووجه آخر: وهو انه يجوز ان يكون من شريعته عليه السلام العقد بالتراضي من غير صداق معين، ويكون قوله (على ان تأجرني) على غير وجه الصداق. وما تقدم من الوجوه أقوى.

[ 100 ]

موسى عليه السلام تنزيه موسى عن العصيان بالقتل: (مسألة): فان قيل: فما الوجه في قتل موسى عليه السلام للقبطي وليس يخلو من ان يكون مستحقا للقتل أو غير مستحق، فإن كان مستحقا فلا معنى لندمه (ع)، وقوله: (هذا من عمل الشيطان) وقوله: (رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي) (1)، وان كان غير مستحق فهو عاص في قتله، وما بنا حاجة إلى ان نقول ان القتل لا يكون صغيرة لانكم تنفون الصغير والكبير من المعاصي عنهم عليهم السلام. (الجواب): قلنا مما يجاب به عن هذا السؤال ان موسى عليه السلام لم يعتمد القتل ولا اراده، وانما اجتاز فاستغاث به رجل من شيعته على رجل من عدوه بغى عليه وظلمه وقصد إلى قتله، فأراد موسى (ع) ان يخلصه من يده ويدفع عنه مكروهه، فأدى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه، فكل ألم يقع على سبيل المدافعة للظالم من غير ان يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح ولا يستحق عليه العوض به، ولا فرق بين ان تكون المدافعة من الانسان عن نفسه، وبين ان يكون عن غيره في هذا الباب والشرط في الامرين ان يكون


(1) القصص الآية 16 ()

[ 101 ]

الضرر غير مقصود، وأن يكون القصد كله إلى دفع المكروه والمنع من وقوع الضرر. فإن ادى ذلك إلى ضرر فهو غير قبيح. ومن العجب، ان ابا علي الجبائي ذكر هذا الوجه في تفسيره، ثم نسب مع ذلك موسى (ع) إلى أنه فعل معصية صغيرة، ونسب معصيته إلى الشيطان. وقد قال في قوله (رب اني ظلمت نفسي) أي في هذا الفعل الذي لم تأمرني به، وندم على ذلك وتاب إلى الله منه، فياليت شعري، ما الذي فعل بما لم يؤمر به، وهو انما دافع الظالم ومانعه، ووقعت الوكزة منه على وجه الممانعة من غير قصد. ولا شبهة في ان الله تعالى امره بدفع الظلم عن المظلوم، فكيف فعل ما لم يؤمر به، وكيف يتوب من فعل الواجب ؟ وإذا كان يريد ان ينسب المعصية إليه فما الحاجة به إلى ذكر المدافعة والممانعة، وله أن يجعل الوكزة مقصودة على وجه تكون المعصية به صغيرة. فان قيل: أليس لا بد أن يكون قاصدا إلى الوكزة وان لم يكن مريدا بها اتلاف النفس ؟. قلنا: ليس يجب ما ظننته، وكيف يجعل الوكزة مقصودة، وقد بينا الكلام على ان القصد كان إلى التخليص والمدافعة، ومن كان إنما يريد المدافعة لا يجوز ان يقصد إلى شئ من الضرر، وإنما وقعت الوكزة وهو لا يريدها، انما أراد التخليص، فأدى ذلك إلى الوكزة والقتل. ووجه آخر: وهو أن الله تعالى كان عرف موسى عليه السلام استحقاق القبطى للقتل بكفره، وندبه إلى تأخير قتله إلى حال التمكن، فلما رأى موسى (ع) منه الاقدام على رجل من شيعته تعمد قتله تاركا لما ندب إليه من تأخير قتله. فأما قوله: (هذا من عمل الشيطان) ففيه وجهان:

[ 102 ]

احدهما: انه أراد ان تزيين قتلي له وتركي لما ندبت إليه من تأخيره وتفويتي ما استحقه عليه من الثواب من عمل الشيطان. والوجه الآخر: انه يريد ان عمل المقتول من عمل الشيطان، مفصحا بذلك عن خلافه لله تعالى واستحقاقه للقتل. وأما قوله (رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي)، فعلى معنى قول آدم عليه السلام (ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (1) والمعنى احد وجهين: اما على سبيل الانقطاع والرجوع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن حقوق نعمه وان لم يكن هناك ذنب، أو من حيث حرم نفسه الثواب المستحق بفعل الندب. وأما قوله (فاغفر لي) فإنما أراد به: فاقبل منى هذه القربة والطاعة والانقطاع. ألا ترى ان قبول الاستغفار والتوبة يسمى غفرانا ؟ وإذا شارك هذا القبول غيره في معنى استحقاق الثواب والمدح به جاز ان يسمى بذلك، ثم يقال لم ذهب إلى ان القتل منه (ع) كان صغيرة، ليس يخلو من أن يكون قتله متعمدا وهو مستحق للقتل، وقتله عمدا وهو غير مستحق، أو قتله خطأ، وهو مستحق. والقسم الاول يقتضى ان لا يكون عاصيا جملة والثانى لا يجوز مثله على النبي (ع)، لان قتل النفس عمدا بغير استحقاق لو جاز ان يكون صغيرة على بعض الوجوه جاز ذلك في الزنا وعظائم الذنوب، فإن ذكروا في الزنا وما اشبهه التنفير، فهو في القتل اعظم. وان كان قتله خطأ غير عمد وهو مستحق أو غير مستحق، ففعله خارج من باب القبيح جملة. فما الحاجة إلى ذكر الصغيرة ؟.


(1) الاعراف الآية 23 (*)

[ 103 ]

تنزيه موسى عن الضلالة والاستغفار عن الرسالة: (مسألة): فإن قيل: كيف يجوز لموسى عليه السلام ان يقول لرجل من شيعته يستصرخه: (انك لغوي مبين) ؟. (الجواب): إن قوم موسى عليه السلام كانوا غلاظا جفاة، ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات لما رأوا من يعبد الاصنام (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) وإنما خرج موسى (ع) خائفا على نفسه من قوم فرعون بسبب قتله القبطي، فرأى ذلك الرجل يخاصم رجلا من أصحاب فرعون فاستنصر موسى (ع)، فقال له عند ذلك انك لغوى مبين. وأراد انك خائب في طلب ما لا تدركه وتكلف ما لا تطيقه، ثم قصد إلى نصرته كما نصره بالامس على الاول، فظن أنه يريده بالبطش لبعد فهمه، فقال له (اتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالامس، ان تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين) (1). فعدل عن قتله، وصار ذلك سببا لشيوع خبر القبطي بالامس. في تنزيه موسى (ع) عن الضلال: (مسألة): فان قيل: فما معنى قول فرعون لموسى (ع): (وفعلت فعلتك التي فعلت وانت من الكافرين) (2) إلى قوله (ع) (فعلتها إذا وأنا من الضالين) (3) وكيف نسب (ع) الضلال إلى نفسه، ولم يكن عندكم في وقت من الاوقات ضالا ؟. (الجواب): قلنا: أما قوله (وأنت من الكافرين) فإنما أراد به


(1) القصص الآية 19 (2) الشعراء الآية 19 (3) الشعراء الآية 20 (*)

[ 104 ]

من الكافرين لنعمتي، فإن فرعون كان المربي لموسى (ع) إلى ان كبر وبلغ، ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) (1). وأما قول موسى (ع) (فعلتها إذا وانا من الضالين)، فإنما أراد به الذاهبين عن ان الوكزة تأتي على النفس، أو أن المدافعة تفضي إلى القتل. وقد يسمى الذاهب عن الشئ أنه ضال ويجوز ايضا ان يريد اننى ضللت عن فعل المندوب إليه من الكف عن القتل في تلك الحال والفوز بمنزلة الثواب. بين خيفة موسى والوجه فيها: (مسألة): فإن قيل: كيف جاز لموسى عليه السلام وقد قال تعالى: (ان ائت القوم الظالمين) ان يقول في الجواب (اني أخاف ان يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فارسل الي هرون) (2) وهذا استعفاء عن الرسالة. (الجواب): أن ذلك ليس باستعفاء كما تضمنه السؤال، بل كان (ع) قد اذن له في أن يسأل ضم أخيه في الرسالة إليه قبل هذا الوقت، وضمنت له الاجابة، ألا ترى إلى قوله تعالى (وهل اتيك حديث موسى إذ رأى نار فقال لاهله امكثوا) إلى قوله (واجعل لي وزيرا من اهلي هرون) (3) فأجابه الله تعالى إلى مسألته بقوله (فقد أوتيت سؤلك يا موسى). وهذا يدل على ان ثقته بالاجابة إلى مسألته التى قد تقدمت، وكان مأذونا له فيها. فقال: (اني اخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق


(1) الشعراء الآية 18 (2) الشعراء الآية 12 - 13 (3) طه الآية 29 - 30 (*)

[ 105 ]

لساني) شرحا لصورته وبيانا عن حاله المقتضية لضم اخيه إليه في الرسالة، فلم يكن مسألته إلا عن اذن وعلم وثقة بالاجابة. في تنزيه موسى (ع) عن الكفر والسحر: (مسألة): فإن قيل: كيف جاز لموسى (ع) ان يأمر السحرة بالقاء الحبال والعصى وذلك كفر وسحر وتلبيس وتمويه، والامر بمثله لا يحسن ؟. (الجواب): قلنا لا بد من ان يكون في امره عليه السلام بذلك شرط، فكأنه قال القوا ما انتم ملقون ان كنتم محقين، وكانوا فيما يفعلونه حجة. وحذف الشرط لدلالة الكلام عليه واقتضاء الحال له، وقد جرت العادة باستعمال هذا الكلام محذوف الشرط، وان كان الشرط مرادا، وليس يجري هذا مجرى قوله تعالى: (فاتوا بسورة من مثله) (1) وهو يعلم أنهم لا يقدرون على ذلك وما اشبه هذا الكلام من ألفاظ التحدي، لان التحدي وان كان بصورة الامر لكنه ليس بأمر على الحقيقة ولا تصاحبه ارادة الفعل، فكيف تصاحبه الارادة والله تعالى يعلم استحالة وقوع ذلك منهم وتعذره عليهم وانما التحدي لفظ موضوع لاقامة الحجة على المتحدي واظهار عجزه وقصوره عما تحدى به، وليس هناك فعل يتناوله ارادة الامر بالقاء الحبال والعصي بخلاف ذلك، لانه مقدور ممكن. فليس يجوز ان يقال ان المقصود به هو ان يعجزوا بها عن القائها ويتعذر عليهم ما دعوا إليه، فلم يبق بعد ذلك إلا انه امر بشرط، ويمكن ان يكون على سبيل التحدي بأن يكون دعاهم إلى الالقاء على وجه يساوونه فيه، ولا يخيلون فيما ألقوه من السعي والتصرف من غير ان يكون له حقيقة، لان ذلك غير مساو لما ظهر على يده من انقلاب الجماد حية على الحقيقة دون التخييل. وإذا كان ذلك ليس في مقدورهم فإنما تحداهم به لتظهر حجته ويوجه دلالته وهذا واضح، وقد بين الله تعالى


(1) البقرة الآية 23 (*)

[ 106 ]

في القرآن ذلك بأوضح ما يكون فقال: (وجاء السحرة فرعون قالوا ان لنا لاجرا ان كنا نحن الغالبين، قال نعم وانكم لمن المقربين قالوا يا موسى اما ان تلقي واما ان نكون نحن الملقين قال القوا فلما القوا سحروا اعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى ان الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين) (1). تنزيه موسى (ع) عن الخوف: (مسألة) فإن قيل: فمن أي شئ خاف موسى عليه السلام حتى حكى الله تعالى عنه الخيفة في قوله عزوجل: (فأوجس في نفسه خيفة موسى) (2) أو ليس خوفه يقتضى شكه في صحة ما اتى به ؟. (الجواب): قلنا: لم يخف من الوجه الذى تضمنه السؤال، وإنما رأى من قوة التلبيس والتخييل ما اشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم يمعن النظر، فأمنه الله تعالى من ذلك وبين له ان حجته ستتضح للقوم بقوله تعالى: (لا تخف انك انت الاعلى) (3). تنزيه موسى عن نسبة الاضلال لله تعالى: (مسألة): فإن قال: فما معنى قوله تعالى حاكيا عن موسى (ع): (ربنا انك اتيت فرعون وملاه زينة واموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على اموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم) (4).


(1) الاعراف الآيات 113 - 119 (2) طه الآية 67 (3) طه الآية 68 (4) يونس الآية 88 (*)

[ 107 ]

(الجواب: قلنا: أما قوله تعالى (ليضلوا عن سبيلك) ففيه وجوه: أولها انه اراد لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذف (لا) وهذا له نظائر كثيرة في القرآن، وكلام العرب فمن ذلك قوله تعالى: (وان تضل احداهما فتذكر إحداهما الاخرى) وانما اراد (لئلا تضل) وقوله تعالى: (ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين)، وقوله تعالى (والقى في الارض رواسي ان تميد بكم). وقال الشاعر: نزلتم منزل الاضياف منا * فعجلنا القرى ان تشتمونا والمعنى ان لا تشتمونا. فان قيل: ليس هذا نظيرا لقوله تعالى (ربنا ليضلوا عن سبيلك) لانكم حذفتم في الآية (ان) و (لا) معا وما استشهدتم به انما حذف منه لفظة (لا) فقط. قلنا: كلما استشهدنا به فقد حذف فيه الكلام ولا معا، ألا ترى أن تقدير الكلام لئلا تشتمونا. وفي الآية إنما حذف أيضا حرفان وهما أن ولا، وانما جعلنا حذف الكلام فيما استشهدنا به بازاء حذف أن في الآية من حيث كانا جميعا ينبئان عن الغرض ويدلان على المقصود ألا ترى انهم يقولون جئتك لتكرمني، كما تقولون جئتك أن تكرمني. والمعنى ان غرضي الكرامة، فإذا جاز ان يحذفوا أحد الحرفين جاز ان يحذفوا الآخر. ثانيها: ان اللام ها هنا لام العاقبة وليست لام الغرض، ويجري مجرى قوله تعالى (فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) (1) وهم لم يلتقطوه


(1) القصص الآية 8. (*)

[ 108 ]

لذلك بل لخلافه، غير ان العاقبة لما كانت ما ذكره حسن ادخال اللام، ومثله قول الشاعر: وللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدور تبنى المساكن ونظائر ذلك كثيرة. فكأنه تعالى لما علم ان عاقبة امرهم الكفر، وأنهم لا يموتون الا كفارا، وأعلم ذلك نبيه، حسن ان يقول انك اتيتهم الاموال ليضلوا. وثالثها: ان يكون مخرج الكلام مخرج النفي والانكار على من زعم ان الله تعالى فعل ذلك ليضلهم، ولا يمتنع ان يكون هناك من يذهب إلى مذهب المجبرة (1) في ان الله تعالى يضل عن الدين، فرد بهذا الكلام عليه كما يقول احدنا: انما اتيت عبدي من الاموال ما اتيته ليعصيني ولا يطيعني، وهو إنما يريد الانكار على من يظن ذلك به، ونفي اضافة المعصية إليه. وهذا الوجه لا يتصور إلا على الوجهين: إما بأن يقدر فيه الاستفهام وان حذف حرفه، أو بأن يكون اللام في قوله (ليعصيني) لام العاقبة التي قد تقدم بيانها. ومتى رفعنا من أوهامنا هذين الوجهين، لم يتصور كيف يكون الكلام خارجا مخرج النفى والانكار. ورابعها: أن يكون اراد الاستفهام، فحذف حرفه المختص به، وقد حذف حرف الاستفهام في اماكن كثيرة من القرآن. وهذا الجواب يضعف لان حرف الاستفهام لا يكاد يحذف إلا وفي الكلام دلالة عليه وعوض عنه، مثل قول الشاعر: كذبتك عينك ام رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا لان لفظة ام يقتضي الاستفهام، وقد سأل ابو علي الجبائى نفسه عن هذا السؤال في التفسير، وأجاب عنه بأن في الآية ما يدل على حذف حرف


(1) المجبرة: أو الجبرية: فرقة تنسب إلى جهم بن صفوان تقول أن الانسان مجبر في أعماله. (*)

[ 109 ]

الاستفهام، وهو دليل العقل الدال على ان الله تعالى لا يضل العباد عن الدين. ودليل العقل أقوى مما يكون في الكلام دالا على حرف الاستفهام. وهذا ليس بشئ، لان دليل العقل وان كان اقوى من كل دليل يصحب الكلام، فإنه ليس يقتضى في الآية ان يكون حرف الاستفهام منها محذوقا لا محالة. لان العقل انما يقتضي تنزيه الله تعالى عن ان يكون مجربا بشي من افعاله إلى اضلال العباد عن الدين، وقد يمكن صرف الآية إلى ما يطابق دليل العقل من تنزيهه تعالى عن القبيح، من غير ان يذكر الاستفهام ويحذف حرفه. وإذا كان ذلك ممكنا لم يكن في العقل دليل على حذف حرف الاستفهام، وانما يكون فيه دليل على ذلك لو كان يتعذر تنزيهه تعالى عن ارادة الضلال، إلا بتقدير الاستفهام. فأما قوله تعالى: (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم) (1) فأجود ما قيل فيه انه عطف على قوله (ليضلوا) وليس بجواب لقوله (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم) (2) وتقدير الكلام (ربنا إنك أتيت فرعون وملاه زينة واموالا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم.) وهذا الجواب يطابق أن يكون اللام للعاقبة، وأن يكون المعنى فيها لئلا يضلوا أيضا. وقال قوم انه أراد (فلن يؤمنوا) فابدل الالف من النون الخفيفة. كما قال الاعشى: وصل علي حين العشيات والضحى * ولا تحمد المثرين والله فاحمدا اراد فاحمدن، فابدل النون الفا، وكما قال عمر بن ابي ربيعة: وقمير بدا ابن خمس وعشرين * له قالت الفتاتان قوما


(1) يونس الآية 88 (2) يونس الآية 88 (*)

[ 110 ]

اراد قومن. ومما استشهد به ممن أجاب بهذا الجواب الذي ذكرناه آنفا في ان الكلام خبر، وإن خرج مخرج الدعاء. وما روي عن النبي صلي الله عليه وآله من قوله: " لن يلدغ المؤمن من جحر مرتين ". وهذا نهي، وإن كان مخرجه مخرج الخبر. وتقدير الكلام: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. لانه لو كان خبرا لكان كذبا. وإذا جاز أن يراد بما لفظه لفظ الخبر النهي، جاز أن يراد بما لفظه لفظ الدعاء الخبر. فيكون المراد بالكلام " فلن يؤمنوا ". وقد ذكر ابو علي الجبائي ان قوما من أهل اللغة قالوا أنه تعالى نصب قوله تعالى: (فلا يؤمنوا) وحذف منه النون. وهو يريد في المعنى " ولا يؤمنون " على سبيل الخبر عنهم، لان قوله تعالى (فلا يؤمنوا) وقع موقع جواب الامر الذي هو قوله: (ربنا اطمس على اموالهم واشدد على قلوبهم) فلما وقع موقع جواب الامر وفيه الفاء، نصبه بأضمار أن، لان جواب الامر بالفاء منصوب في اللغة. فنصب هذا لما أجراه مجرى الجواب، وان لم يكن في الحقيقة جوابا. ومثله قول القائل " انظر إلى الشمس تغرب " (بالجزم)، وتغرب ليس هو جواب الامر على الحقيقة، لانها لا تغرب لنظر هذا الناظر، ولكن لما وقع موقع الجواب اجراه مجراه في الجزم، وان لم يكن جوابا في الحقيقة. وقد ذكر ابو مسلم محمد بن بحر في هذه الآية وجها آخر، وهو من اغرب ما ذكر فيها، قال: ان الله تعالى انما اتى فرعون وملاه الزينة والاموال في الدنيا على طريق العذاب لهم والانتقام منهم لما كانوا عليه من الكفر والضلال، وعلمه من احوالهم في المستقبل من انهم لا يؤمنون. ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: (فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون) (1). فسأل موسى عليه


(1) التوبة الآية 55 (*)

[ 111 ]

السلام ربه وقال: رب انك اتيتهم هذه الاموال والزينة في الحياة الدنيا على طريق العذاب ولتضلهم في الآخرة عن سبيلك التي هي سبيل الجنة وتدخلهم النار بكفرهم، ثم سأله ان يطمس على اموالهم بأن يسلبهم إياها ليزيد ذلك في حسرتهم وعذابهم ومكروههم، ويشد على قلوبهم بأن يميتهم على هذه الحال المكروهة. وهذا جواب قريب من الصواب والسداد. تنزيه موسى عن سؤال الرؤية لنفسه: (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ارني انظر اليك قال لن تراني) (1) أو ليس هذه الآية تدل على جواز الرؤية عليه تعالى لانها لو لم تجز لم يسغ أن يسألها موسى (ع) كما يجوز ان يسأله اتخاذ الصاحبة والولد ؟. (الجواب): قلنا: أولى ما اجيب به عن هذه الآية ان يكون موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه، وانما سألها لقومه. فقد روي ان قومه طلبوا ذلك منه، فأجابهم بأن الرؤية لا تجوز عليه تعالى. فلجوا به وألحوا عليه في ان يسأل الله تعالى ان يريهم نفسه، وغلب في ظنه ان الجواب إذا ورد من جهته جلت عظمته كان أحسم للشبهة وأنفى لها، فاختار السبعين الذين حضروا للميقات لتكون المسألة بمحضر منهم، فيعرفوا ما يرد من الجواب، فسئل عليه السلام على ما نطق به القرآن، وأجيب بما يدل على ان الرؤية لا يجوز عليه عزوجل. ويقوي هذا الجواب امور: منها: قوله تعالى: (يسألك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) (2).


(1) الاعراف 143 (2) النساء 153 (*)

[ 112 ]

ومنها: قوله تعالى: (واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون) (1). ومنها: قوله تعالى: (فلما اخذتهم الرجفة قال رب لو شئت اهلكتهم من قبل وإياي اتهلكنا بما فعل السفهاء منا ان هي إلا فتنتك) (2) فاضاف ذلك إلى السفهاء، وهذا يدل على انه كان بسببهم من حيث سألوا ما لا يجوز عليه تعالى. ومنها: ذكر الجهرة في الرؤية وهي لا تليق الا برؤية البصر دون العلم، وهذا يقوي ان الطلب لم يكن للعلم الضروري على ما سنذكره في الجواب التالي لهذا الكلام. ومنها: قوله تعالى: (انظر اليك) لانا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية لقومه، امكن ان يكون قوله انظر اليك على حقيقته، وإذا حملنا الآية على العلم الضروري احتيج إلى حذف في الكلام، فيصير تقديره أرني انظر إلى الآيات التي عندها اعرفك ضرورة. ويمكن في هذا الوجه الاخير خاصة أن يقال: إذا كان المذهب الصحيح عندكم أن النظر في الحقيقة غير الرؤية، فكيف يكون قوله انظر اليك على حقيقته، في جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه، فإن قلتم: لا يمتنع ان يكونوا انما التمسوا الرؤية التي يكون معها النظر والتحديق إلى الجهة فسأل على حسب ما التمسوا، قيل لكم: هذا ينقض قولكم في هذا الجواب بين سؤال الرؤية وبين سؤال جميع ما يستحيل عليه من الصاحبة والولد، وما يقتضي الجسمية بأن تقول: الشك في الرؤية لا يمنع من صحة معرفة السمع، والشك في جميع ما ذكر يمنع من ذلك، لان الشك الذي لايمنع من معرفه السمع انما هو في الرؤية التي يكون معها نظر ولا يقتضي التشبيه.


(1) البقرة 55 (2) الاعراف 155 (*)

[ 113 ]

فان قلتم يحمل ذكر النظر على ان المراد به نفس الرؤية على سبيل المجاز، لان عادة العرب ان يسموا الشئ باسم طريقه وما قاربه وما داناه، قيل لكم فكأنكم قد عدلتم عن مجاز إلى مجاز، فلا قوة في هذا الوجه، والوجوه التي ذكرناها في تقوية هذا الجواب المتقدمة أولى، وليس لاحد أن يقول: لو كان موسى (ع) انما سأل الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول ارني انظر اليك، ولا كان الجواب ايضا مختصا به في قوله: لن تراني، وذلك انه غير ممتنع وقوع الاضافة على هذا الوجه، مع ان المسألة كانت من أجل الغير إذا كان هناك دلالة تؤمن من اللبس، فلهذا يقول احدنا إذا شفع في حاجة غيره للمشفوع إليه: أسألك ان تفعل بي كذا وكذا وتجيبني إلى كذا وكذا، ويحسن ان يقول المشفوع إليه: قد اجبتك وشفعتك وما جرى مجرى هذه الالفاظ. وإنما حسن هذا لان للسائل في المسألة غرضا، وإن رجعت إلى الغير لتحققه بها وتكلفه كتكلفه إذا اختصه. فإن قيل: كيف يسأل الرؤية لقومه مع علمه باستحالتها، ولئن جاز ذلك ليجوز ان يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه من كونه جسما وما اشبهه متى شكوا فيه. قلنا: انما صحت المسألة في الرؤية ولم تصح فيما سألت عنه، لان مع الشك في جواز الرؤية التي لا يقتضي كونه جسما يمكن معرفة السمع، وانه تعالى حكيم صادق في اخباره، فيصح ان يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكوا في جوازه، ومع الشك في كونه جسما لا يصح معرفة السمع فلا ينتفع بجوابه ولا يثمر علما. وقد قال بعض من تكلم في هذه الآية: قد كان جايز ان يسأل موسى (ع) لقومه ما يعلم استحالته وان كان دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته متى كان المعلوم أن في ذلك صلاحا للمكلفين في الدين، وأن ورود الجواب يكون لطفا لهم في النظر في الادلة واصابة الحق منها، غير ان من اجاب بذلك شرط ان يبين النبي (ع) انه عالم باستحالة ما سأل فيه، وأن غرضه في السؤال ان يرد الجواب فيكون لطفا.

[ 114 ]

وجواب آخر في الآية: وهو أن يكون موسى عليه السلام انما سأل ربه تعالى ان يعلمه نفسه ضرورة باظهار بعض اعلام الآخرة التي يضطر عندها إلى المعرفة، فتزول عنه الخواطر ومنازعة الشكوك والشبهات، ويستغني عن الاستدلال، فتخف المحنة. عنه بذلك، كما سأل ابراهيم عليه السلام ربه تعالى ان يريه كيف يحي الموتى طلبا لتخفيف المحنة، وان كان قد عرف ذلك قبل ان يراه. والسؤال وان وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الادراك بالبصر. قال الشاعر: رأيت الله إذا سمى نزارا * واسكنهم بمكة قاطنينا واحتمال الرؤية للعلم اظهر من ان يدل عليه لاشتهاره ووضوحه. فقال الله تعالى لن تراني اي لم تعلمني على هذا الوجه الذي التمسته، ثم اكد ذلك بأن اظهر في الجبل من الآيات والعجائب ما دل به على ان المعرفة الضرورية في الدنيا مع التكليف وبيانه لا يجوز، فان الحكمة تمنع منها، والوجه الاول اولى لما ذكرناه متقدما من الوجوه، لان موسى (ع) لا يخلو من ان يكون شاكا في ان المعرفة الضرورية لا يصح حصولها في الدنيا أو غير شاك، فإن كان شاكا فالشك فيما يرجع إلى اصول الديانات وقواعد التكليف لا يجوز على الانبياء (ع)، لا سيما وقد يجوز ان يعلم ذلك على حقيقته بعض امتهم فيزيد عليهم في المعرفة، وهذا ابلغ في التنفير عنهم من كل شئ يمنع منهم، وان كان موسى عليه السلام عالما بذلك وغير شاك فيه، فلا وجه لسؤاله الا ان يقال انه سأل لقومه، فيعود إلى معنى الجواب الاول. فقد حكي جواب ثالث في هذه الآية عن بعض من تكلم في تأويلها من أهل التوجيه، وهو انه قال: يجوز ان يكون موسى عليه السلام في وقته مسألته ذلك كان شاكا في جواز الرؤية عليه تعالى، فسأل عن ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم لا، قال: وليس شكه في ذلك بمانع ان يعرف الله تعالى بصفاته،

[ 115 ]

بل يجري مجرى شكه في جواز الرؤية على بعض ما لا يرى من الاعراض في انه غير مخل بما يحتاج إليه في معرفته تعالى، قال ولا يمتنع ان يكون غلطه في ذلك ذنبا صغيرا وتكون التوبة الواقعة منه لاجله. وهذا الجواب يبعد من جهة ان الشك في جواز الرؤية التي لا تقتضي تشبيها وإن كان لا يمتنع من معرفته بصفاته، فإن الشك في ذلك لا يجوز على الانبياء عليهم السلام من حيث يجوز من بعض من بعثوا إليه ان يعرف ذلك على حقيقته، فيكون النبي (ع) شاكا فيه وامته عارفون به مع رجوعهم في المعارف بالله تعالى، وما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، وهذا يزيد في التنفير على كل ما يوجب تنزيه الانبياء عليهم السلام عنه. فان قيل: فعن أي شئ كانت توبة موسى عليه السلام على الجوابين المتقدمين ؟. قلنا: أما من ذهب إلى ان المسألة كانت لقومه، فإنه يقول انما تاب لانه اقدم على ان يسأل عن لسان قومه يؤذن له وليس للانبياء عليهم السلام ذلك، لانه لا يؤمن من ان يكون الصلاح في المنع منه، فيكون ترك اجابتهم منفرا عنهم. وليس تجري مسألتهم على سبيل الاستسرار، وبغير حضور قومهم يجري مجرى ما ذكرناه لانه ليس يجوز ان يسألوا مستسرين ما لم يؤذن لهم فيه، لان منعهم منه لا يقتضي تنفيرا. ومن ذهب إلى انه سأل المعرفة الضرورية يقول انه تاب من حيث سأل معرفة لا يقتضيها التكليف. وفي الناس من قال انه تاب من حيث ذكر في الحال ذنبا صغيرا مقدما. والذي يجب ان يقال في تلفظه بذكر التوبة انه وقع على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والرجوع إليه والتقرب منه وان لم يكن هناك ذنب معروف. وقد يجوز ان يكون ايضا الغرض في ذلك مضافا إلى ما ذكرناه من الاستكانة والخضوع والعبادة وتعليمنا وتفهيمنا على ما نستعمله وندعو به عند نزول الشدائد وظهور الاهوال وتنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة

[ 116 ]

مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه تعالى، فإن الانبياء (ع) وان لم يقع منهم القبائح فقد يقع من غيرهم، ويحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة والاستغفار والاستقالة وهذا بين بحمد الله ومنه. بيان الوجه في اخذ موسى برأس اخيه يجره: (مسألة): فان قيل: فما وجه قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: (والقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن ام ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين) (1) أو ليس ظاهر هذه الآية يدل على ان هرون عليه السلام أحدث ما اوجب ايقاع ذلك الفعل منه ؟ وبعد فما الاعتذار لموسى (ع) من ذلك وهو فعل السخفاء والمتسرعين وليس من عادة الحكماء المتماسكين ؟. (الجواب) قلنا: ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى وأخيه عليهما السلام ما يقتضي وقوع معصية ولا قبيح من واحد منهما، وذلك ان موسى (ع) اقبل وهو غضبان على قومه لما احدثوا بعده مستعظما لفعلهم مفكرا منكرا ما كان منهم، فأخذ برأس اخيه وجره إليه كما يفعل الانسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدة الفكر. ألا ترى ان المفكر الغضبان قد يعض على شفيته ويفتل اصابعه ويقبض على لحيته ؟ فأجرى موسى (ع) اخاه هرون مجرى نفسه، لانه كان أخاه وشريكه وحريمه، ومن يمسه من الخير والشر ما يمسه، فصنع به ما يصنعه الرجل بنفسه في احوال الفكر والغضب، وهذه الامور تختل احكامها بالعادات، فيكون ما هو اكرام في بعضها استخافا في غيرها، ويكون ما هو استخفاف في موضع اكراما في آخر. وأما قوله: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، فليس يدل على انه وقع على


(1) الاعراف 150 (*)

[ 117 ]

سبيل الاستخفاف، بل لا يمتنع ان يكون هرون (ع) خاف من ان يتوهم بنو اسرائيل لسوء ظنهم انه منكر عليه معاتب له، ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في موضع آخر: (اني خشيت ان تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي (1) وفي موضع آخر: (ابن ام ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) إلى آخر الآية، ويمكن أن يكون قوله: (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) ليس على سبيل الامتعاظ والانفة (اي الغيرة)، لكن معنى كلامه: (لا تغضب ولا يشتد جزعك وأسفك) لانا إذا كنا قد جعلنا فعله ذلك دلالة الغضب والجزع فالنهي عنه في المعنى نهي عنهما. وقال قوم ان موسى عليه السلام لما جرى من قومه من بعده ما جرى اشتد حزنه وجزعه، ورأى من اخيه هرون عليه السلام مثل ما كان عليه من الجزع والقلق، أخذ برأسه إليه متوجعا له مسكنا له، كما يفعل احدنا بمن تناله المصيبة العظيمة فيجزع لها ويقلق منها. وعلى هذا الجواب يكون قوله " لا تشمت بي الاعداء " لا يتعلق بهذا الفعل، بل يكون كلاما مستأنفا. وأما قوله على هذا الجواب " لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي "، فيحتمل أن يريد أن لا تفعل ذلك وغرضك التسكين مني فيظن القوم انك منكر علي. وقال قوم في هذه الآية ان بني اسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السلام، حتى ان هرون (ع) كان غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى انت قتلته، فلما وعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة واتمها له بعشر وكتب له في الالواح كل شئ وخصه بأمور شريفة جليلة الخطر بما أراه من الآية في الجبل ومن كلام الله تعالى له وغير ذلك من شريف الامور، ثم رجع إلى أخيه، أخذ برأسه ليدنيه إليه ويعلمه ما جدده الله تعالى له من ذلك ويبشره به، فخاف هرون (ع) ان يسبق إلى قلوبهم ما لا اصل له، فقال اشفاقا على موسى


(1) طه 94 (*)

[ 118 ]

عليه السلام: لا تأخذ بلحيتي، ولا برأسي لتبشرني بما تريده بين ايدي هؤلاء فيظنوا بك ما لا يجوز عليك ولا يليق بك والله تعالى اعلم بمراده من كلامه. في قدرة موسى على الصبر وتنزيهه عن النسيان: (مسألة) فان قيل: فما وجه قوله تعالى فيما حكاه عن موسى عليه السلام والعالم الذي كان صحبه وقيل انه الخضر عليه السلام من الآيات التي ابتداؤها: (فوجدا عبدا من عبادنا اتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل اتبعك على ان تعلمني مما علمت رشدا قال انك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني انشاء الله صابرا ولا اعصي لك امرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى احدث لك منه ذكرا) (1) إلى آخر الآيات المتضمنة لهذه القصة. وأول ما تسألون عنه في هذه الآيات ان يقال لكم كيف يجوز ان يتبع موسى عليه السلام غيره ويتعلم منه، وعندكم ان النبي (ع) لا يجوز ان يفتقر إلى غيره ؟ وكيف يجوز ان يقول له انك لن تستطيع معي صبرا والاستطاعة عندكم هي القدرة وقد كان موسى عل مذهبكم قادرا على الصبر ؟ وكيف قال موسى ستجدني ان شاء الله صابرا ولا اعصي لك أمرا فاستثنى المشيئة في الصبر واطلق فيما ضمنه من طاعته واجتناب معصيته ؟ وكيف قال لقد جئت شيئا أمرا وشيئا نكرا وما اتي العالم منكرا في الحقيقة ؟ وما معنى قوله لا تؤاخذني بما نسيت وعندكم ان النسيان لا يجوز على الانبياء عليهم السلام ؟ ولم نعت موسى (ع) النفس بأنها زكية ولم تكن كذلك على الحقيقة ؟ ولم قال في الغلام: (فخشينا ان يرهقهما طغيانا وكفرا) (2) فإن كان الذي خشية الله تعالى على ما ظنه قوم، فالخشية لا يجوز عليه تعالى ؟ وان كان هو


(1) الكهف 65 - 70 (2) الكهف 80 (*)

[ 119 ]

الخضر (ع) فكيف يستبيح دم الغلام لاجل الخشية والخشية لا تقتضي علما ولا يقينا ؟. (الجواب): قلنا: ان العالم الذي نعته الله تعالى في هذه الآيات فلا يجوز إلا أن يكون نبيا فاضلا، وقد قيل انه الخضر عليه السلام، وأنكر أبو علي الجبائي ذلك وزعم انه ليس بصحيح قال: لان الخضر (ع) يقال انه كان نبيا من انبياء بني اسرائيل الذين بعثوا من بعد موسى (ع)، وليس يمتنع ان يكون الله تعالى قد اعلم هذا العالم ما لم يعلمه موسى، وارشد موسى (ع) إليه ليتعلم منه، وانما المنكر ان يحتاج النبي (ع) في العلم إلى بعض رعيته المبعوث إليهم. فأما ان يفتقر إلى غيره ممن ليس له برعية فجائز، وما تعلمه من هذا العالم إلا كتعلمه من الملك الذي يهبط عليه بالوحي، وليس في هذا دلالة على ان ذلك العالم كان أفضل من موسى في العلم، لانه لا يمتنع ان يزيد موسى في سائر العلوم التي هي أفضل وأشرف مما علمه، فقد يعلم أحدنا شيئا من سائر المعلومات وان كان ذلك المعلوم يذهب إلى غيره ممن هو افضل منه وأعلم. وأما نفي الاستطاعة فانما أراد بها ان الصبر لا يخف عليك انه يثقل على طبيعتك، كما يقول أحدنا لغيره: انك لا تستطيع ان تنظر الي. وكما يقال للمريض الذي يجهده الصوم وان كان قادرا عليه: انك لا تستطيع الصيام ولا تطيقه، وربما عبر بالاستطاعة عن الفعل نفسه كما قال الله تعالى حكاية عن الحواريين: (هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء) (1) فكأنه على هذا الوجه قال: انك لن تصبر ولن يقع منك الصبر. ولو كان إنما نفى القدرة على ما ظنه الجهال، لكان العالم وهو في ذلك سواء، فلا معنى لاختصاصه بنفي الاستطاعة، والذي يدل على انه نفي عنه


(1) المائدة 112 (*)

[ 120 ]

الصبر لاستطاعته قول موسى (ع) في جوابه: (ستجدني ان شاء الله صابرا) ولم قل ستجدني ان شاء الله مستطيعا. ومن حق الجواب أن يطابق الابتداء، فدل جوابه على ان الاستطاعة في الابتداء هي عبارة عن الفعل نفسه. وأما قوله: (فلا اعصي لك أمرا) فهو ايضا مشروط بالمشيئة، وليس بمطلق على ما ذكر في السؤال، فكأنه قال ستجدني صابرا ولا اعصي لك امرا ان شاء الله. وانما قدم الشرط على الامرين جميعا وهذا ظاهر في الكلام. وأما قوله: (لقد جئت شيئا امرا) فقد قيل انه أراد شيئا عجبا، وقيل أنه أراد شيئا منكرا، وقيل أن الامر أيضا هو الداهية. فكأنه قال جئت داهية. وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى ان الامر مشتق من الكثرة من أمر القوم إذا كثروا، وجعل عبارة عما كثر عجبه، وإذا حملت هذه اللفظة على العجب فلا سؤال فيها، وان حملت على المنكر كان الجواب عنها وعن قوله لقد جئت شيئا نكرا واحدا. وفي ذلك وجوه: منها: ان ظاهر ما اتيته المنكر ومن يشاهده ينكره قبل ان يعرف علته. ومنها: ان يكون حذف الشرط فكأنه قال ان كنت قتلته ظالما فقد جئت شيئا نكرا. ومنها: أنه أراد انك أتيت أمرا بديعا غريبا، فإنهم يقولون فيما يستغربونه ويجهلون علته أنه نكر ومنكر، وليس يمكن ان يدفع خروج الكلام مخرج الاستفهام والتقرير دون القطع. ألا ترى إلى قوله: (أخرقتها لتغرق أهلها) والى قوله: (أقتلت نفسا زكية بغير نفس). ومعلوم انه ان كان قصد بخرق السفينة إلى التغريق، فقد اتى منكرا. وكذلك ان كان قتل النفس على سبيل الظلم.

[ 121 ]

وأما قوله: (لا تؤاخذني بما نسيت) فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة: أحدها: انه أراد النسيان المعروف، وليس ذلك بعجب مع قصر المدة، فإن الانسان قد ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب وغير ذلك. والوجه الثاني: انه أراد لا تأخذني بما تركت. ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي) (1) أي ترك، وقد روي هذا الوجه عن ابن عباس عن ابي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " وقال موسى لا تؤاخذني بما نسيت ". يقول بما تركت من عهدك. والوجه الثالث: انه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسماه نسيانا للمشابهة كما قال المؤذن لاخوة يوسف عليه السلام: انكم لسارقون اي انكم تشبهون السراق. وكما يتأول الخبر الذي يرويه ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " كذب ابراهيم (ع) ثلاث كذبات في قوله سارة اختي، وفي قوله بل فعله كبيرهم هذا. وقوله اني سقيم "، والمراد بذلك ان كان هذا الخبر صحيحا أنه فعل ما ظاهره الكذب. وإذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها. وإذا حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه ان النبي صلى الله عليه وآله انما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤديه عن الله تعالى أو في شرعه أو في امر يقتضي التنفير عنه. فأما فيما هو خارج عما ذكرناه فلا مانع من النسيان، ألا ترى انه إذا نسي أو سهى في مأكله أو مشربه على وجه لا يستمر ولا يتصل، فنسب إلى انه مغفل، فإن ذلك غير ممتنع، وأما وصف النفس بأنها زكية فقد قلنا ان ذاك خرج مخرج الاستفهام لا على سبيل الاخبار. وإذا كان استفهاما فلا سؤال على هذا الموضع. وقد اختلف المفسرون في هذه النفس، فقال اكثرهم انه كان صبيا لم يبلغ


(1) طه 115 (*)

[ 122 ]

الحلم، وأن الخضر وموسى عليهما السلام مرا بغلمان يلعبون، فأخذ الخضر (ع) منهم غلاما فاضجعه وذبحه بالسكين. ومن ذهب إلى هذا الوجه يجب أن يحمل قوله زكية على انه من الزكاة الذي هو الزيادة والنماء، لان الطهارة في الدين من قولهم: زكت الارض تزكو إذا زاد ريعها. وذهب قوم إلى أنه كان رجلا بالغا كافرا ولم يكن يعلم موسى (ع) باستحقاقه القتل، فاستفهم عن حاله. ومن أجاب بهذا الجواب إذا سئل عن قوله تعالى: (حتى إذا لقيا غلاما فقتله) (1) يقول لا يمتنع تسمية الرجل بأنه غلام على مذهب العرب وان كان بالغا. فأما قوله: (فخشينا ان يرهقهما طغيانا وكفرا) فالظاهر يشهد ان الخشية من العالم لا منه تعالى. والخشية ههنا قيل: العلم. كما قال الله تعالى: (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا) (2) وقوله تعالى: (الا ان يخافا الا يقيما حدود الله) (3) وقوله عزوجل: (وان خفتم علية) (4) وكل ذلك بمعنى العلم. وعلى هذا الوجه كأنه يقول انني علمت بإعلام الله تعالى لي ان هذا الغلام متى بقى كفر أبويه (كفروا ابواه)، ومتى قتل بقيا على ايمانهما. فصارت تبقيته مفسدة ووجب احترامه، ولا فرق بين ان يميته الله تعالى وبين أن يأمر بقتله. وقد قيل ان الخشية هاهنا بمعنى الخوف الذي لا يكون معه يقين ولا قطع. وهذا يطابق جواب من قال ان الغلام كان كافرا مستحقا للقتل بكفره، وانضاف إلى استحقاقه ذلك بالكفر خشية ادخال ابويه في الكفر وتزيينه (وترديده) لهما. قال قوم ان الخشية ههنا هي الكراهية. يقول القائل:


(1) الكهف 74 (2) النساء 128 (3) البقرة 229 (4) التوبة 0 28 (*)

[ 123 ]

فرقت بين الرجلين خشية ان يقتتلا، أي كراهة لذلك، وعلى هذا التأويل والوجه الذي قلنا أنه بمعنى العلم لا يمتنع ان تضاف الخشية إلى الله تعالى. فإن قيل: فما معنى قوله تعالى (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) (1) والسفينة البحرية تساوي المال الجزيل، وكيف يسمى مالكها بأنه مسكين والمسكين عند قوم شر من الفقير ؟ وكيف قال: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) (2) ومن كان وراءهم قد سلموا من شره ونجوا من مكروهه وانما الحذر مما يستقبل. قلنا أما قوله: لمساكين ففيه أوجه: منها أنه لم يعن بوصفهم بالمسكنة الفقر، وإنما أراد عدم الناصر وانقطاع الحيلة. كما يقال لمن له عدو يظلمه ويهضمه انه مسكين ومستضعف وان كان كثير المال واسع الحال. ويجري هذا مجرى ما روي عنه عليه السلام من قوله: " مسكين مسكين رجل لا زوجة له ". وانما أراد وصفه بالعجز وقلة الحيلة وان كان ذا مال واسع. ووجه آخر: وهو ان السفينة الواحدة البحرية التي لا يتعيش الا بها ولا يقدر على التكسب إلا من جهتها كالدار التي يسكنها الفقير هو وعياله ولا يجد سواها، فهو مضطر إليها ومنقطع الحيلة إلا منها. فإذا انضاف إلى ذلك ان يشاركه جماعة في السفينة حتى يكون له منها الجزء اليسير، كان اسوأ حالا وأظهر فقرا. ووجه آخر: ان لفظه المساكين قد قرئت بتشديد السين وفتح النون، فإذا صحت هذه الرواية فالمراد بها البخلاء. وقد سقط السؤال. فأما قوله


(1) الكهف 79 (2) الكهف 79 (*)

[ 124 ]

تعالى: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) فهذه اللفظة يعبر بها عن الامام والخلف معا. فهي ها هنا بمعنى الامام. ويشهد بذلك قوله تعالى: (ومن ورائه جهنم) يعني من قدامه وبين يديه. وقال الشاعر: ليس على طول الحياة ندم * ومن وراء المرء ما لا يعلم وقال الآخر: اليس ورائي ان تراخت منيتي * لزوم العصى تحنى عليها الاصابع ولا شبهة في أن المراد بجميع ذلك: القدام. وقال بعض أهل العربية إنما صلح ان يعبر بالوراء عن الامام إذا كان الشئ المخبر عنه بالوراء يعلم انه لابد من بلوغه ثم يسبقه ويخلفه. فتقول العرب: البرد وراءك وهو يعني قدامك، لانه قد علم أنه لابد من ان يبلغ البرد ثم يسبق. ووجه آخر: وهو أنه يجوز ان يريد ان ملكا ظالما كان خلفهم وفي طريقهم عند رجوعهم على وجه لا انفكاك لهم منه ولا طريق لهم إلا المرور به، فخرق السفينة حتى لا يأخذها إذا عادوا عليه. ويمكن ان يكون وراءهم على وجه الاتباع والطلب والله اعلم بمراده. تنزيه موسى عن تبرئته بهتك عورته: (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) (1) أو ليس قد روي في الآثار ان بني اسرائيل رموه (ع) بأنه أدر وبأنه ابرص، وأنه (ع) القى ثيابه على صخرة ليغتسل، فأمر الله تعالى تلك الصخرة بأن تسير فسارت وبقي موسى (ع) مجردا يدور على محافل بني اسرائيل حتى رأوه وعلموا انه لا عاهة به.


(1) الاحزاب 69 (*)

[ 125 ]

(الجواب): قلنا ما روي في هذا المعنى ليس بصحيح وليس يجوز ان يفعل الله تعالى بنبيه عليه السلام ما ذكروه من هتك العورة ليبرئه من عاهة أخرى، فإنه تعالى قادر على ان ينزهه مما قذفوه به على وجه لا يلحقه معه فضيحة أخرى، وليس يرمى بذلك انبياء الله تعالى من يعرف اقدارهم. والذي روي في ذلك من الصحيح معروف، وهو ان بني اسرائيل لما مات هارون عليه السلام قذفوه بأنه قتله لانهم كانوا إلى هرون (ع) أميل، فبرأه الله تعالى من ذلك بأن امر الملائكة بأن تحمل هرون (ع) ميتا، فمرت به على محافل بني اسرائيل ناطقة بموته ومبرئة لموسى عليه السلام من قتله. وهذا الوجه يروى عن امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. وروي ايضا ان موسى (ع) نادى اخاه هرون فخرج من قبره فسأله هل قتله قال لا ؟ ثم عاد إلى قبره. وكل هذا جائز والذي ذكره الجهال غير جائز.

[ 126 ]

داود عليه السلام تنزيه داود عن المعصية (مسألة) فإن قيل فما الوجه في قوله تعالى: (وهل اتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط ان هذا اخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) (1) أو ليس قد روى أكثر المفسرين ان داود عليه السلام قال رب قد اعطيت ابراهيم واسحق ويعقوب من الذكر ما وددت انك اعطيتني مثله، قال الله تعالى اني ابتليتهم بما لم ابتلك بمثله، وان شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم واعطيتك كما اعطيتهم، قال نعم، فقال عزوجل له فاعمل حتى أرى بلاءك، فكان ما شاء الله ان يكون، وطال عليه ذلك حتى كاد ينساه. فبينا هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد ان يأخذها فطارت إلى كوة المحراب، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فاطلع من الكوة فإذا امرأة


(1) سورة ص. الآية (21 - 24). وقصص الانبياء ص (312 - 313). (*)

[ 127 ]

تغتسل فهويها وهم بتزوجها، وكان لها بعل يقال له أوريا، فبعث به إلى بعض السرايا وأمره ان يتقدم امام التابوت الذي فيه السكينة، وكان غرضه ان يقتل فيه فيتزوج بامرأته، فأرسل الله إليه الملكين في صورة خصمين ليبكتاه (1) على خطيئته وكنيا عن النساء بالنعاج. وعلكيم في هذه الآيات سؤال من وجه آخر وهو ان الملائكة لا تكذب فكيف قالوا خصمان بغى بعضنا على بعض ؟ وكيف قال أحدهما ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة إلى آخر الآية ؟ ولم يكن من كل ذلك شئ ؟. (الجواب): قلنا: نحن نجيب بمقتضى الآية ونبين انه لا دلالة في شئ منها على وقوع الخطأ من داود عليه السلام، فهو الذي يحتاج إليه، فأما الرواية المدعاة، فساقطة مردودة، لتضمنها خلاف ما يقتضيه العقول في الانبياء عليهم السلام، قد طعن في رواتها بما هو معروف، فلا حاجة بنا إلى ما ذكره. وأما قوله تعالى: (وهل اتاك نبأ الخصم) فالخصم مصدر لا يجمع ولا يثنى ولا يؤنث. ثم قال (إذ تسوروا المحراب) فكنى عنهم بكناية الجماعة، وقيل في ذلك انه اخراج الكلام على المعنى دون اللفظ، لان الخصمين ههنا كانا كالقبيلتين أو الجنسين. وقيل بل جمع لان الاثنين اقل الجمع، وأوله لان فيهما معنى الانضمام والاجتماع. وقيل بل كان مع هذين الخصمين غيرهما ممن يعنيهما ويؤيدهما. فإن العادة جارية فيمن يأتي باب السلطان بأن يحضر معه الشفعاء والمعاونون، فأما خوفه منهما فلانه (ع) كان خاليا بالعبادة في وقت لا يدخل عليه فيه احد على مجرى عادته، فراعه منهما انهما. أتيا في غير وقت الدخول، أو لانهما دخلا من غير المكان


(1) يبكتاه: بكت (بالفتح): ضربه بسيف أو عصا - وكذلك بمعنى عنف وقرع. (*)

[ 128 ]

المعهود. وقولهما خصمان بغى بعضنا على بعض جرى على التقدير والتمثيل. وهذا كلام مقطوع عن اوله، وتقديره: ارأيت لو كنا كذلك واحتكمنا اليك ؟ ولابد لكل واحد من الاضمار في هذه الآية. وإلا لم يصح الكلام لان خصمان لا يجوز أن يبتدؤا به. وقال المفسرون تقدير الكلام: نحن خصمان. قالوا وهذا مما يضمره المتكلم ويضمره المتكلم له أيضا. فيقول المتكلم سامع مطيع، أي انا كذلك. ويقول القافلون من الحج آئبون تائبون لربنا حامدون. أي نحن كذلك. وقال الشاعر: وقولا إذا جاوزتما ارض عامر * وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما فزيعان من جرم بن ريان انهم * ابوا أن يجيروا في الهزاهز محجما اي نحن فزيعان. ويقال للمتكلم مطاع معان. ويقال له أراحل أم مقيم ؟ وقال الشاعر: تقول ابنة الكعبي لما لقيتها * امنطلق في الجيش أم متثاقل اي أنت كذلك. فإذا كان لابد في الكلام من اضمار فليس لهم ان يضمروا شيئا بأولى منا إذا اضمرنا سواه. فأما قوله: { ان هذا اخي له تسع وتسعون نعجة } إلى آخر الآية. فإنما هو ايضا على جهة التقدير والتمثيل اللذين قدمناهما، وحذف من الكلام ما يقتضي فيه التقدير. ومعنى قوله: { وعزتي في الخطاب } أي صار اعز مني. وقيل إنه أراد قهرني وغلبني. وأما قوله لقد ظلمك من غير مسألة الخصم، فإن المراد به إن كان الامر

[ 129 ]

كذلك. ومعنى ظلمك انتقصك، كما قال الله تعالى: { أتت اكلها ولم تظلم منه شيئا } (1). ومعنى ظن قيل فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد الظن المعروف الذي هو بخلاف اليقين. والوجه الآخر: أنه أراد العلم واليقين، لان الظن قد يرد بمعنى العلم قال الله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا انهم مواقعوها } (2) وليس يجوز ان يكون أهل الآخرة ظانين لدخول النار بل عالمين قاطعين. وقال الشاعر: فقلت لهم ظنوا بالقاء مذحج * سراتهم في الفارسي المسرد أي ايقنوا. والفتنة في قوله: { وظن داود انما فتناه } هي الاختبار والامتحان لا وجه لها إلا ذلك في هذا الموضع. كما قال تعالى: (وفتناك فتونا). فأما الاستغفار والسجود فلم يكونا لذنب كان في الحال، ولا فيما سلف على ما ظنه بعض من تكلم في هذا الباب، بل على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخضوع له والتذلل والعبادة والسجود. وقد يفعله الناس كثيرا عند النعم التي تتجدد عليهم وتنزل وتؤول وترد إليهم شكرا لمواليها. فكذلك قد يسبحون ويستغفرون الله تعالى تعظيما وشكرا وعبادة. وأما قوله تعالى: (وخر راكعا وأناب) فالانابة هي الرجوع. ولما


(1) الكهف 33 (2) الكهف 53 (*)

[ 130 ]

كان داود عليه السلام بما فعله راجعا إلى الله تعالى ومنقطعا إليه، قيل فيه انه أناب، كما يقال في التائب الراجع إلى التوبة والندم انه منيب. فأما قوله تعالى: (فغفرنا له ذلك) فمعناه انا قبلنا منه وكتبنا له الثواب عليه فاخرج الجزاء على وجه المجازات به، كما قال تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم) (1) وقال عزوجل: (الله يستهزئ بهم) فأخرج الجزاء على لفظ المجازي عليه. قال الشاعر: الا لا يجهلن احد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا ولما كان المقصود في الاستغفار والتوبة انما هو القبول، قيل في جوابه فغفرنا لك اي فعلنا المقصود به. كذلك لما كان الاستغفار على طريق الخضوع والعبادة المقصود به القربة والثواب، قيل في جوابه غفرنا مكان قبلنا. على ان من ذهب إلى ان داود عليه السلام فعل صغيرة، فلابد من أن يحمل قوله تعالى (غفرنا) على غير اسقاط العقاب، لان العقاب قد سقط بما هناك من الثواب الكثير من غير استغفار ولا توبة، ومن جوز على داود عليه السلام الصغيرة، يقول ان استغفاره (ع) كان لاحد امور: أحدها ان اوريا بن حنان لما اخرجه في بعض ثغوره قتل، وكان داود (ع) عالما بجمال زوجته فمالت نفسه إلى نكاحها بعده، فقل غمه بقتله لميل طبعه إلى نكاح زوجته، فعوتب على ذلك بنزول الملكين من حيث حمله ميل الطبع، على أن قل غمه بمؤمن قتل من اصحابه. وثانيها: انه روى ان امرأة خطبها اوريا بن حنان ليتزوجها، وبلغ


(1) النساء 142 (*)

[ 131 ]

داود (ع) جمالها فخطبها ايضا فزوجها اهلها بداود وقدموه على اوريا وغيره، فعوتب (ع) على الحرص على الدنيا، بأنه خطب امرأة قد خطبها غيره حتى قدم عليه. وثالثها: أنه روي ان امرأة تقدمت مع زوجها إليه في مخاصمة بينهما من غير محاكمة لكن على سبيل الوساطة، وطال الكلام بينهما وتردد، فعرض داود (ع) للرجل بالنزول عن المرأة لا على سبيل الحكم لكن على سبيل التوسط والاستصلاح، كما يقول احدنا لغيره: إذا كنت لا ترضى زوجتك هذه ولا تقوم بالواجب من نفقتها فانزل عنها. فقدر الرجل ان ذلك حكم منه لا تعريض، فنزل عنها وتزوجها داود (ع)، فاتاه الملكان ينبهانه على التقصير في ترك تبيين مراده للرجل، وأنه كان على سبيل العرض لا الحكم. ورابعها: ان سبب ذلك ان داود (ع) كان متشاغلا بعبادته في محرابه، فأتاه رجل وأمرأة يتحاكمان، فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها فيحكم لها أو عليها، وذلك نظر مباح على هذا الوجه، فمالت نفسه إليها ميل الخلقة والطباع، ففصل بينهما وعاد إلى عبادته، فشغله الفكر في أمرها وتعلق القلب بها عن بعض نوافله التي كان وظفها على نفسه فعوتب. وخامسها: ان المعصية منه انما كانت بالعجلة في الحكم قبل التثبت، وقد كان يجب عليه لما سمع الدعوى من أحد الخصمين ان يسأل الآخر عما عنده فيها، ولا يقتضي عليه قبل المسألة. ومن أجاب بهذا الجواب قال: ان الفزع من دخولهما عليه في غير وقت العادة نساه التثبت والتحفظ. وكل هذه الوجوه لا يجوز على الانبياء (ع)، لان فيها ما هو معصية، وقد بينا ان المعاصي لا تجوز عليهم، وفيها ما هو منفر، وإن لم يكن معصية، مثل ان يخطب امرأة قد خطبها رجل من أصحابه فتقدم عليه وتزوجها. ومثل التعريض بالنزول عن المرأة وهو لا يريد الحكم.

[ 132 ]

فأما الاشتغال عن النوافل فلا يجوز ان يقع عليه عتاب، لانه ليس بمعصية ولا هو ايضا منفر، فأما من زعم انه عرض اوريا للقتل وقدمه امام التابوت عمدا حتى يقتل، فقوله أوضح فسادا من ان يتشاغل برده. وقد روي عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال: لا أوتى برجل يزعم ان داود عليه السلام تزوج بامرأة اوريا إلا جلدته حدين، حدا للنبوة وحدا للاسلام. فأما ابو مسلم فإنه قال: لا يمتنع ان يكون الداخلان على داود (ع) كانا خصمين من البشر، وأن يكون ذكر النعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية، وانما ارتاع منهما لدخولهما من غير اذن وعلى غير مجرى العادة، قال وليس في ظاهر التلاوة ما يقتضي ان يكونا ملكين. وهذا الجواب يستغنى معه عما تأولنا به. قولهما ودعوى احدهما على صاحبه وذكر النعاج. والله تعالى اعلم بالصواب.

[ 133 ]

سليمان عليه السلام تنزيه سليمان عن المعصية: (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد انه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال اني احببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق) (1) أو ليس ظاهر هذه الآيات يدل على ان مشاهدة الخيل الهاه واشغله عن ذكر ربه، حتى روي أن الصلاة فاتته وقيل انها صلاة العصر، ثم انه عرقب الخيل وقطع سوقها واعناقها غيظا عليها، وهذا كله فعل يقتضي ظاهره القبح. (الجواب): قلنا أما ظاهر الآية فلا يدل على اضافة قبيح إلى النبي (ع) والرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الادلة لا يلتفت إليها لو كانت قوية صحيحة ظاهرة، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية ؟ والذي يدل على ما ذكرناه على سبيل الجملة ان الله تعالى ابتدأ الآية بمدحه وتعريفه والثناء عليه، فقال: نعم العبد انه أواب، وليس يجوز ان يثنى عليه بهذا الثناء ثم يتبعه من غير فصل باضافة القبيح إليه، وانه تلهى بعرض الخيل عن فعل المفروض عليه من الصلاة والذي يقتضيه الظاهر ان حبه للخيل وشغفه بها


(1) ص 30 - 33

[ 134 ]

كان بإذن ربه وبأمره وتذكيره إياه لان الله تعالى قد أمرنا بارتباط الخيل واعدادها لمحاربة الاعداء، فلا ينكر ان يكون سليمان عليه السلام مأمورا بمثل ذلك. فقال اني احببت حب الخير عن ذكر ربي، ليعلم من حضره ان اشتغاله بها واستعداده لها لم يكن لهوا ولا لعبا، وانما اتبع فيه أمر الله تعالى وآثر طاعته. وأما قوله: احببت حب الخير ففيه وجهان. احدهما: انه أراد أني احببت حبا ثم أضاف الحب إلى الخير. والوجه الآخر: انه أراد احببت اتخاذ الخير. فجعل قوله بدل اتخاذ الخير حب الخير. فأما قوله تعالى: (ردوها علي) فهو للخيل لا محالة على مذهب سائر اهل التفسير. فأما قوله تعالى: (حتى توارت بالحجاب)، فان أبا مسلم محمد بن بحر وحده قال انه عائد إلى الخيل دون الشمس، لان الشمس لم يجر لها ذكر في القصة. وقد جرى للخيل ذكر فرده إليها اولى إذا كانت له محتملة، وهذا التأويل يبرئ النبي (ع) عن المعصية. فأما من قال ان قوله تعالى (حتى توارت بالحجاب) كناية عن الشمس، فليس في ظاهر القرآن ايضا على هذا الوجه ما يدل على ان التواري كان سببا لفوت الصلاة، ولا يمتنع ان يكون ذلك على سبيل الغاية لعرض الخيل عليه ثم استعادته لها. فأما أبو علي الجبائي وغيره، فإنه ذهب إلى ان الشمس لما توارت بالحجاب وغابت كان ذلك سببا لترك عبادة كان يتعبد بها بالعشي، وصلاة نافلة كان يصليها فنسيها شغلا بهذه الخيل واعجابا بتقليبها، فقال هذا القول

[ 135 ]

على سبيل الاغتمام لما فاته من الطاعة، وهذا الوجه ايضا لا يقتضي اضافة قبيح إليه (ع) لان ترك النافلة ليس بقبيح ولا معصية. وأما قوله تعالى: فطفق مسحا بالسوق والاعناق فقد قيل فيه وجوه: منها: انه عرقبها ومسح اعناقها وسوقها بالسيف من حيث شغلته عن الطاعة، ولم يكن ذلك على سبيل العقوبة لها لكن حتى لا يتشاغل في المستقبل بها عن الطاعات، لان للانسان ان يذبح فرسه لاكل لحمها، فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجه آخر يحسنه. وقد قيل انه يجوز ان يكون لما كانت الخيل اعز ما له عليه اراد ان يكفر عن تفريطه في النافلة فذبحها وتصدق بلحمها على المساكين. قالوا فلما رأى حسن الخيل راقته وأعجبته، اراد ان يقترب إلى الله تعالى بالمعجب له الرائق في عينه، ويشهد بصحة هذا المذهب قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (1) فأما أبو مسلم فإنه ضعف هذا الوجه وقال: لم يجر للسيف ذكر فيضاف إليه المسح، ولا يسمى العرب الضرب بالسيف والقطع به مسحا، قال فان ذهب ذاهب إلى قول الشاعر: مدمن يجلو بأطراف الذرى * دنس الاسوق بالعضب الافل فان هذا الشاعر يعني انه عرقب الابل للاضياف فمسح باسنمتها ما صار على سيفه من دنس عراقبها وهو الدم الذي أصابه منها، وليس في الآية ما يوجب ذلك ولا ما يقاربه، وليس الذي انكره ابو مسلم بمنكر لان اكثر أهل التأويل وفيهم من يشار إليه في اللغة، روى ان المسح ههنا هو القطع وفي الاستعمال المعروف: مسحه بالسيف إذا قطعه وبتره. والعرب تقول مسح علاوتها اي ضربها. ومنها: ان يكون معنى مسحها هو انه أمريده عليها صيانة لها واكراما


(1) آل عمران 92 (*)

[ 136 ]

لما رأى من حسنها. فمن عادة من عرضت عليه الخيل ان يمر يده على اعرافها واعناقها وقوائمها. ومنها: ان يكون معنى المسح ههنا هو الغسل، فإن العرب تسمي الغسل مسحا، فكأنه لما رأى حسنها اراد صيانتها واكرامها فغسل قوائمها واعناقها وكل هذا واضح. تنزيه سليمان عن الفتنة: (مسألة): فان قيل: فما معنى قوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب) (1) أو ليس قد روى في تفسير هذه الآية ان جنيا كان اسمه صخرا تمثل على صورته وجلس على سريره، وانه أخذ خاتمه الذي فيه النبوة فألقاه في البحر، فذهبت نبوته وأنكره قومه حتى عاد إليه من بطن السمكة. (الجواب): قلنا: أما ما رواه الجهال في القصص في هذا الباب فليس مما يذهب على عاقل بطلانه، وان مثله لا يجوز على الانبياء عليهم السلام، وان النبوة لا تكون في خاتم ولا يسلبها النبي (ع) ولا ينزع عنه، وان الله تعالى لا يمكن الجني من التمثيل بصورة النبي (ع) ولا غير ذلك مما افتروا به على النبي (ع). وانما الكلام على ما يقتضيه ظاهر القرآن، وليس في الظاهر اكثر من ان جسدا القي على كرسيه على سبيل الفتنة له وهي الاختبار والامتحان، مثل قوله تعالى: (آلم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (2) والكلام في ذلك الجسد ما هو انما يرجع فيه إلى الرواية الصحيحة التي لا تقتضي اضافة قبيح إليه تعالى، وقد قيل في ذلك


(1) ص 34 (2) العنكبوت 1 - 3 (*)

[ 137 ]

اشياء (منها): ان سليمان عليه السلام قال يوما في مجلسه وفيه جمع كثير: " لاطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله " وكان له فيما روي عدد كثير من السراري، فأخرج كلامه على سبيل المحبة بهذا الحال، فنزهه الله تعالى عن الكلام الذي ظاهره الحرص على الدنيا والتثبت بها لئلا يقتدى به في ذلك، فلم تحمل من نسائه إلا امرأة واحدة فألقت ولدا ميتا، فحمل حتى وضع على كرسيه جسدا بلا روح تنبيها له على انه ما كان يجب بأن يظهر منه ما ظهر، فاستغفر ربه وفزع إلى الصلاة والدعاء. وهذا الوجه إذا صح ليس يقتضي معصية صغيرة على ما ظنه بعضهم حتى نسب الاستغفار والانابة إلى ذلك، وذلك لان محبة الدنيا على الوجه المباح ليس بذنب وان كان غيره اولى منه، والاستغفار عقيب هذه الحال لا يدل على وقوع ذنب في الحال ولا قبلها، بل يكون محمولا على ما ذكرناه آنفا في قصة داود عليه السلام من الانقطاع إلى الله تعالى وطلب ثوابه. فأما قول بعضهم: ان ذنبه من حيث لم يستثن بمشيئة الله تعالى لما قال: تلد كل امرأة واحدة منهن غلاما. وهذا غلط لانه (ع) وان لم يستثن ذلك لفظا قد استثناه ضميرا أو اعتقادا. إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول لكان كاذبا أو مطلقا لما لا يأمن ان يكون كذبا، وذلك لا يجوز عند من جوز الصغائر على الانبياء عليهم السلام. وأما قول بعضهم: انه (ع) انما عوتب واستغفر لاجل ان فريقين اختصما إليه، احدهما من اهل جرادة امرأة له كان يحبها، فأحب ان يقع القضاء لاهلها فحكم بين الفريقين بالحق، وعوتب على محبة موافقة الحكم لاهل امرأته، فليس هذا أيضا بشئ لان هذا المقدار الذي ذكروه ليس بذنب يقتضي عتابا إذا كان لم يرد القضاء بما يوافق امرأته على كل حال، بل مال طبعه إلى ان يكون الحق موافقا لقول فريقها، وان يتفق ان يكون في جهتها

[ 138 ]

من غير ان يقتضي ذلك ميلا منه إلى الحكم أو عدولا عن الواجب. (ومنها): أنه روي عن الجن لما ولد لسليمان عليه السلام ولد قالوا لنلقين من ولده مثل ما لقينا من أبيه، فلما ولد له غلام اشفق عليه منهم فاسترضعه في المزن وهو السحاب فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا تنبيها له على ان الحذر لا ينقطع مع القدر. (ومنها): انهم ذكروا انه كان لسليمان (ع) ولد شاب ذكي وكان يحبه حبا شديدا فأماته الله تعالى على بساطه فجأة بلا مرض اختبارا من الله تعالى لسليمان (ع) وابتلاء لصبره في اماتة ولده، والقى جسده على كرسيه، وقيل ان الله جل ثنائه أماته في حجره وهو على كرسيه فوضعه من حجره عليه. ومنها: ما ذكره ابو مسلم، فإنه قال جايز ان يكون الجسد المذكور هو جسد سليمان (ع)، وان يكون ذلك لمرض امتحنه تعالى به. وتلخيص الكلام: " ولقد فتنا سليمان والقينا منه على كرسيه جسدا " وذلك لشدة المرض. والعرب تقول في الانسان إذا كان ضعيفا " انه لحم على وضم ". كما يقولون: " انه جسد بلا روح " تغليظا للعلة ومبالغة في فرط الضعف. (ثم أناب) اي رجع إلى حال الصحة واستشهد على الاختصار والحذف في الآية بقوله تعالى: (ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا ان هذا إلا أساطير الاولين) (1) ولو اتي بالكلام على شرحه لقول الذين كفروا منهم أي من المجادلين. كما قال تعالى: (محمد رسول الله والذين آمنوا معه اشداء على الكفار رحماء


(1) الانعام 25 (*)

[ 139 ]

بينهم) إلى قوله: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجرا عظيما) (1) وقال الاعشى في معنى الاختصار والحذف: وكأن السموط علقها السلك * بعطفي جيداء أم غزال ولو اتي بالشرح لقال علقها السلك منها. وقال كعب بن زهير: زالوا فما زال انعكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل وانما أراد فما زال منهم انعكاس ولا كشف وشواهد هذا المعنى كثيرة. تنزيه سليمان عن الشح وعدم القناعة: (مسألة): فإن قيل فما معنى قول سليمان عليه السلام: (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي انك أنت الوهاب) (2) أو ليس ظاهر هذا القول منه (ع) يقتضي الشح والظن والمنافة لانه لم يقنع بمسألة الملك حتى أضاف إلى ذلك ان يمنع غيره منه ؟. (الجواب) قلنا: قد ثبت ان الانبياء عليهم السلام لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته، لا سيما إذا كانت المسألة ظاهرة يعرفها قومهم. وجايز أن يكون الله تعالى اعلم سليمان (ع) انه ان سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح له في الدين والاستكثار من الطاعات، واعلمه ان غيره لو سأل ذلك لم يجب إليه من حيث لا صلاح له فيه. ولو ان احدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول اللهم اجعلني ايسر أهل زماني وارزقني مالا يساويني فيه غيري إذا علمت ان ذلك اصلح لي وانه ادعى إلى ما تريده مني، لكان هذا


(1) الفتح 29. (2) ص 35 (*)

[ 140 ]

الدعاء منه حسنا جميلا وهو غير منسوب به إلى بخل ولا شح. وليس يمتنع ان يسأل النبي هذه المسألة من غير اذن إذا لم يكن شرط ذلك بحضرة قومه، بعد ان يكون هذا الشرط مرادا فيها، وإن لم يكن منطوقا به، وعلى هذا الجواب اعتمد ابو علي الجبائي. ووجه آخر: وهو ان يكون عليه السلام انما التمس ان يكون ملكه آية لنبوته ليتبين بها عن غيره ممن ليس نبيا. وقوله " لا ينبغي لاحد من بعدي " أراد به لا ينبغي لاحد غيري ممن أتى مبعوث إليه، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين (ع). ونظير ذلك انك تقول للرجل انا اطيعك ثم لا اطيع احدا بعدك، تريد ولا أطيع احدا سواك. ولا تريد بلفظة بعد المستقبل، وهذا وجه قريب. وقد ذكر ايضا في هذه الآية ومما لا يذكر فيها مما يحتمله الكلام ان يكون (ع) انما سأل ملك الآخرة وثواب الجنة التي لا يناله المستحق إلا بعد انقطاع التكليف وزوال المحنة، فمعنى قوله لا ينبغي لاحد من بعدي أي لا يستحقه بعد وصولي إليه احد من حيث لا يصح ان يعمل ما يستحق به لانقطاع التكليف. ويقوي هذا الجواب قوله " رب اغفر لي " وهو من احكام الآخرة. وليس لاحد ان يقول ان ظاهر الكلام بخلاف ما تأولتم، لان لفظة بعدي لا يفهم منها بعد وصولي إلى الثواب. وذلك ان الظاهر غير مانع من التأويل الذي ذكرناه، ولا مناف له. لانه لابد من ان تعلق لفظة بعدي بشئ من احواله المتعلقة به، وإذا علقناها بوصوله إلى الملك كان ذلك في الفايدة ومطابقة الكلام كغيره مما يذكر في هذا الباب. ألا ترى أنا إذا حملنا لفظة بعدي على نبوتي أو بعد مسألتي أو ملكي، كان ذلك كله في حصول الفايدة به، يجري مجرى ان تحملها إلى بعد وصولي إلى الملك. فإن ذلك مما يقال فيه ايضا بعدي. ألا ترى ان القائل يقول دخلت الدار بعدي ووصلت إلى كذا وكذا بعدي، وإنما يريد بعد دخولي وبعد وصولي وهذا واضح بحمد الله.

[ 141 ]

يونس عليه السلام تنزيه يونس عليه السلام عن الظلم: (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن ان لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ان لا إله إلا انت سبحانك اني كنت من الظالمين) (1) وما معنى غضبه وعلى من كان غضبه وكيف ظن أن الله تعالى لا يقدر عليه ؟ وذلك مما لا يظنه مثله ؟ وكيف اعترف بأنه من الظالمين والظلم قبيح ؟. (الجواب): قلنا اما من يونس عليه السلام خرج مغاضبا لربه من حيث لم ينزل بقومه العذاب، فقد خرج في الافتراء على الانبياء عليهم السلام وسوء الظن بهم عن الحد، وليس يجوز ان يغاضب ربه إلا من كان معاديا له وجاهل بأن الحكمة في سائر افعاله، وهذا لا يليق باتباع الانبياء (ع) من المؤمنين فضلا عمن عصمه الله تعالى ورفع درجته، اقبح من ذلك ظن الجهال واضافتهم إليه عليه السلام انه ظن ان ربه لا يقدر عليه من جهة القدرة التي يصح بها الفعل. ويكاد يخرج عندنا من ظن بالانبياء عليهم السلام مثل ذلك عن باب التمييز والتكليف. وانما كان غضبه (ع)


(1) الانبياء 87 (*)

[ 142 ]

على قومه لبقائهم على تكذيبه واصرارهم على الكفر ويأسه من اقلاعهم وتوبتهم، فخرج من بينهم خوفا من ان ينزل العذاب بهم وهو مقيم بينهم. واما قوله تعالى: (فظن ان لن نقدر عليه)، فمعناه ان لا نضيق عليه المسلك ونشدد عليه المحنة والتكليف، لان ذلك مما يجوز ان يظنه النبي، ولا شبهة في ان قول القائل قدرت وقدرت بالتخفيف والتشديد معناه التضييق. قال الله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما اتاه الله) (1). وقال تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) (2). أي يوسع ويضيق. وقال تعالى: (واما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) (3) أي ضيق، والتضييق الذي قدره الله عليه هو ما لحقه من الحصول في بطن الحوت وما ناله في ذلك من المشقة الشديدة إلى أن نجاه الله تعالى منها. وأما قوله تعالى: (فنادى في الظلمات ان لا إله إلا انت سبحانك اني كنت من الظالمين) (4) فهو على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخشوع له والخضوع بين يديه، لانه لما دعاه لكشف ما امتحنه به وسأله ان ينجيه من الظلمات التي هي ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل، فعل ما يفعله الخاضع الخاشع من الانقطاع والاعتراف بالتقصير، وليس لاحد ان يقول كيف يعترف بأنه كان من الظالمين ولم يقع منه ظلم، وهل هذا إلا الكذب بعينه ؟ وليس يجوز ان يكذب النبي (ع) في حال خضوع ولا غيره،


(1) الطلاق 7 (2) الرعد 26 (3) الفجر 16 (4) الانبياء 87 (*)

[ 143 ]

وذلك انه يمكن ان يريد بقوله اني كنت من الظالمين، أي من الجنس الذي يقع منهم الظلم، فيكون صدقا، وان ورد على سبيل الخضوع والخشوع لان جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم. فان قيل: فأي فايدة في ان يضيف نفسه إلى الجنس الذي يقع منهم الظلم إذا كان الظلم منتفيا عنه في نفسه ؟. قلنا: الفايدة في ذلك التطامن لله تعالى والتخاضع ونفي التكبر والتجبر، لان من كان مجتهدا في رغبة إلى مالك قدير، فلابد من ان يتطأطأ، ويجتهد في الخضوع بين يديه، ومن اكبر الخضوع أن يضيف نفسه إلى القبيل الذي يخطئون ويصيبون كما يقول الانسان، إذا أراد ان يكسر نفسه وينفي عنها دواعي الكبر والخيلاء: انما انا من البشر ولست من الملائكة، وأنا ممن يخطئ ويصيب. وهو لا يريد اضافة الخطأ إلى نفسه في الحال، بل يكون الفايدة ما ذكرناها. ووجه آخر: وهو انا قد بينا في قصة آدم عليه السلام لما تأولنا قوله تعالى: (ربنا ظلمنا انفسنا) ان المراد بذلك انا نقصناها الثواب وبخسناها حظها منه، لان الظلم في اصل اللغة هو النقص والثلم، ومن ترك المندوب إليه. وهو لو فعله لاستحق الثواب، يجوز ان يقال انه ظلم نفسه من حيث نقصها ذلك الثواب، وليس يمتنع ان يكون يونس عليه السلام أراد هذا المعنى لانه لا محالة قد ترك كثيرا من المندوب، فان استيفاء جميع الندب يتعذر، وهذا اولى مما ذكره من جوز الصغائر على الانبياء عليهم السلام، لانهم يدعون ان خروجه كان بغير اذن من الله تعالى له. فكان قبيحا صغيرا، وليس ذلك بواجب على ما ظنوه، لان ظاهر القرآن لا يقتضيه. وانما اوقعهم في هذه الشبهة قوله (اني كنت من الظالمين). وقد بينا وجه ذلك وانه ليس بواجب ان يكون خبرا عن المعصية، وليس لهم ان يقولوا كيف يسمى من ترك النفل بأنه ظالم ؟ وذلك انا قد بينا وجه هذه التسمية في اللغة وان كان

[ 144 ]

اطلاق اللفظة في العرف لا يقتضيه. وعلى من سأل عن ذلك مثله إذا قيل له كيف يسمي كل من قبل معصية بأنه ظالم ؟ وإنما الظلم المعروف هو الضرر المحض الموصل إلى الغير ؟ فإذا قالوا ان في المعصية معنى الظلم وان لم يكن ضررا يوصل إلى الغير من حيث نقصت ثواب فاعلها. قلنا: وهذا المعنى يصح في الندب، على ان يجري ما يستحق من الثواب مجرى المستحق، وبعد فإن أبا علي الجبائي وكل من وافقه في الامتناع من القول بالموازنة في الاحباط لا يمكنه ان يجيب بهذا الجواب، فعلى أي وجه يا ليت شعري يجعل معصية يونس (ع) ظلما. وليس فيها من معنى الظلم شئ. وأما قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) (1) فليس على ما ظنه الجهال من انه (ع) ثقل عليه اعباء النبوة لضيق خلقه. فقذفها، وانما الصحيح أن يونس لم يقو على الصبر على تلك المحنة التي ابتلاه الله تعالى بها وعرضه لنزولها به لغاية الثواب فشكى إلى الله تعالى منها وسأله الفرج والخلاص، ولو صبر لكان أفضل. فأراد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله افضل المنازل وأعلاها.


(1) القلم 48. (*)

[ 145 ]

عيسى عليه السلام تنزيه عيسى (ع) عن ادعائه الالوهية: (مسألة): فان قيل فما معنى قوله تعالى: (واذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ألهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك إنك انت علام الغيوب) (1) وليس يخلو من ان يكون عيسى عليه السلام ممن قال ذلك، أو يجوز ان يقوله. وهذا خلاف ما تذهبون إليه في الانبياء عليهم السلام. أو يكون ممن لم يقل ذلك ولا يجوز ان يقوله فلا معنى لاستفهامه تعالى منه وتقريره، ثم أي معنى في قوله ولا اعلم ما في نفسك ؟ وهذه اللفظة لا تكاد تستعمل في الله تعالى. (الجواب): قلنا: ان قوله تعالى (أأنت قلت للناس) ليس باستفهام على الحقيقة وان كان خارجا مخرج الاستفهام، والمراد به تقريع من ادعى ذلك عليه من النصارى وتوبيخهم وتأنيبهم وتكذيبهم، وهذا يجري مجرى قول احدنا لغيره افعلت كذا وكذا ؟ وهو يعلم انه لم يفعله ويكون مراده تقريع من ادعى ذلك عليه، وليقع الانكار والجحود ممن خوطب بذلك فيبكت من ادعاه عليه.


(1) المائدة 116 (*)

[ 146 ]

وفيه وجه آخر: وهو أنه تعالى. اراد بهذا القول تعريف عيسى عليه السلام ان قوما قد اعتقدوا فيه وفي أمه انهما إلهان، لانه ممكن ان يكون عيسى (ع) لم يعرف ذلك إلا في تلك الحال. ونظيره في التعارف ان يرسل الرجل رسولا إلى قوم فيبلغ الرسول رسالته ويفارق القوم فيخالفونه بعده ويبدلون ما اتى به وهو لا يعلم، ويعلم المرسل له ذلك، فإذا أحب أن يعلمه مخالفة القوم له جاز ان يقول له أأنت أمرتهم بكذا وكذا على سبيل الاخبار له بما صنعوا. بيان معنى النفس في اللغة: فأما قوله (ع): تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك، فإن لفظة النفس تنقسم في اللغة إلى معان مختلفة. فالنفس نفس الانسان أو غيره من الحيوان، وهي التي إذا فقدها خرج عن كونه حياء. ومنه قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) (1) والنفس ايضا ذات الشئ الذي يخبر عنه كقولهم: فعل ذلك فلان نفسه، إذا تولى فعله. واعطى كذا وكذا بنفسه. والنفس ايضا الانفة، كقولهم: ليس لفلان نفس، أي لا أنفة له. والنفس ايضا الارادة، يقولون نفس فلان في كذا وكذا اي ارادته. قال الشاعر: فنفسان نفس قالت ائت ابن بجدل * تجد فرجا من كل غم تهابها ونفس تقول اجهد بحال ولا تكن * كخاضبة لم يغن شيئا خضابها ومنه أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد لم احجج قط إلا ولي نفسان،


(1) آل عمران 185 والانبياء 35 والعنكبوت 57 (*)

[ 147 ]

فنفس تقول لي احجج، ونفس تقول لي تزوج. فقال الحسن: انما النفس واحدة، ولكن هم يقول احجج، وهم يقول لك تزوجل وامره بالحج. وقال الممزق العبدي: ألا من لعين قد نآها حميمها * وأرقها بعد المنام همومها فباتت له نفسان شتى همومها * فنفس تعزيها ونفس تلومها والنفس ايضا العين التي تصيب الانسان، يقال أصابت فلانا نفس أي عين. وروي ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرقي فيقول: " بسم الله ارقيك والله يشفيك من كل داء هو فيك من عين عائن ونفس نافس وحسد حاسد ". وقال ابن الاعرابي: النفوس التي تصيب الناس بالنفس. وذكر رجلا فقال: كان والله حسودا نفوسا كذوبا. وقال عبدالله بن قيس في الرقيات: يتقي أهلها النفوس عليها * فعلى نحرها الرقى والتميم والنفس أيضا من الدباغ مقدار الدبغة، يقال اعطني نفسا من الدباغ أي قدر ما ادبغ به مرة. والنفس ايضا الغيب، يقول القائل: اني لا اعلم نفس فلان، أي غيبه. وهذا هو تأويل قوله: (وتعلم ما في نفسي، ولا اعلم ما في نفسك). أي تعلم غيبي وما عندي، ولا اعلم غيبك وما عندك. وقيل ان النفس ايضا العقوبة، من قولهم: احذرك نفسي اي عقوبتي. وبعض المفسرين حمل قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) على هذا المعنى. كأنه قال: يحذركم الله عقوبته. روي ذلك عن ابن عباس والحسن. وآخرون قالوا: معنى الآية ويحذركم الله اياه.

[ 148 ]

فان قيل: فما وجه تسمية الغيب بأنه نفس ؟. قلنا: لا يمتنع ان يكون الوجه في ذلك ان نفس الانسان لما كانت خفية الموضع الذي يودعه سرها، انزل ما يكتمه ويجهد في سره منزلتها فقيل فيه انه نفس مبالغة في وصفه بالكتمان والخفاء. وانما حسن ان يقول مخبرا عن نبيه (ع) (ولا اعلم ما في نفسك) من حيث تقدم قوله (تعلم ما في نفسي) ليزدوج الكلام. فلهذا لا يحسن ابتداء ان يقول انا لا اعلم ما في نفس الله تعالى، وان حسن على الوجه الاول. ولهذا نظائر في الكلام مشهورة. حول تفويضه الامر لله تعالى: (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن عيسى (ع): (ان تعذبهم فانهم عبادك، وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم) (1) وكيف يجوز هذا المعنى مع علمه (ع) بأنه تعالى لا يغفر للكفار ؟. (الجواب): قلنا: المعنى بهذا الكلام تفويض الامر إلى مالكه وتسليمه إلى مديره، والتبري من أن يكون إليه شئ من أمور قومه. وعلى هذا يقول أحدنا إذا أراد ان يتبرأ من تدبير امر من الامور ويسلم منه ويفوض امره إلى غيره، يقول: هذا الامر لا مدخل لي فيه فإن شئت ان تفعله، وان شئت ان تتركه، مع علمه وقطعه على ان أحد الامرين لابد ان يكون منه. وانما حسن منه ذلك لما أخرج كلامه مخرج التفويض والتسليم. وقد روي عن الحسن انه قال: معنى الآية ان تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم، وان تغفر لهم فبتوبة كانت منهم. فكأنه اشترط التوبة وان لم يكن الشرط ظاهرا في الكلام.


(1) المائدة 118 (*)

[ 149 ]

فان قيل: فلم لم يقل وان تغفر لهم فانك انت الغفور الرحيم ؟ فهو اليق في الكلام ومعناه من العزيز الحكيم ؟. قلنا: هذا سؤال من لم يعرف معنى الآية، لان الكلام لم يخرج مخرج مسألة غفران، فيليق بما ذكر في السؤال. وانما ورد على معنى تسليم الامر إلى مالكه. فلو قيل فانك انت الغفور الرحيم، لاوهم الدعاء لهم بالمغفرة. ولم يقصد ذلك بالكلام. على ان قوله " العزيز الحكيم " ابلغ في المعنى وأشد استيفاء من " الغفور الرحيم " وذلك ان الغفران والرحمة قد يكونان حكمة وصوابا، ويكونا بخلاف ذلك. فهما بالاطلاق لا يدلان على الحكمة والحسن. والوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على معنى الغفران والرحمة، وإذا كانا صوابين. ويزيد عليهما باستيفاء معان كثيرة، لان العزيز هو المنيع القادر الذي لا يذل ولا يضام، وهذا المعنى لا يفهم من الغفور الرحيم البتة. وأما الحكيم فهو الذي يضع الاشياء مواضعها ويصيب بها اغراضها، ولا يفعل إلا الحسن الجميل. فالمغفرة والرحمة إذا اقضتهما الحكمة دخلتا في قوله العزيز الحكيم. وزاد معنى هذه اللفظة عليهما من حيث اقتضاء وصفه بالحكمة في سائر افعاله، وانما طعن بهذا الكلام من الملحدين من لا معرفة له بمعاني الكلام. وإلا فبين ما تضمنه القرآن من اللفظة وبين ما ذكروه فرق ظاهر في البلاغة واستيفاء المعاني والاشتمال عليها.

[ 150 ]

سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله تنزيه محمد (ع) عن الضلال: (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (ووجدك ضالا فهدى) (1) أو ليس هذا يقتضي اطلاقه الضلال عن الدين ؟ وذلك مما لا يجوز عندكم قبل النبوة ولا بعدها ؟ (الجواب): قلنا في معنى هذه الآية أجوبة: (اولها): انه اراد: وجدك ضالا عن النبوة فهداك إليها، أو عن شريعة الاسلام التي نزلت عليه وأمر بتبليغها إلى الخلق، وبارشاده صلى الله عليه وآله إلى ما ذكرناه اعظم النعم عليه. والكلام في الآية خارج مخرج الامتنان والتذكير بالنعم، وليس لاحد ان يقول ان الظاهر بخلاف ذلك، لانه لابد في الظاهر من تقدير محذوف يتعلق به الضلال، لان الضلال هو الذهاب والانصراف فلا بد من امر يكون منصرفا عنه. فمن ذهب إلى انه أراد الذهاب عن الدين فلا بد له من ان يقدر هذه اللفظة ثم يحذفها ليتعلق بها لفظ الضلال، وليس هو بذلك اولى منا فيما قدرناه وحذفناه. (وثانيها): أن يكون اراد الضلال عن المعيشة وطريق الكسب. يقال


(1) الضحى 7 (*)

[ 151 ]

للرجل الذي لا يهتدي طريق معيشته ووجه مكسبه: هو ضال لا يدري ما يصنع ولا اين يذهب. فامتن الله تعالى عليه بأن رزقه وأغناه وكفاه. (وثالثها): ان يكون أراد ووجدك ضالا بين مكة والمدينة عند الهجرة فهداك وسلمك من اعدائك. وهذا الوجه قريب لولا ان السورة مكية وهي متقدمة للهجرة إلى المدينة، اللهم إلا ان يحمل قوله تعالى " ووجدك " على انه سيجدك على مذهب العرب في حمل الماضي على معنى المستقبل فيكون له وجه. (ورابعها): ان يكون اراد بقوله " ووجدك ضالا فهدى " أي مضلولا عنه في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك وارشدهم إلى فضلك. وهذا له نظير في الاستعمال. يقال: فلان ضال في قومه وبين اهله إذا كان مضلولا عنه. (وخامسها): أنه روي في قراءة هذه الآية الرفع " ألم يجدك يتيم فآوى ووجدك ضال فهدى " على ان اليتيم وجده وكذلك الضال، وهذا الوجه ضعيف لان القراءة غير معروفة، ولان هذا الكلام يسمج ويفسد اكثر معانيه. تنزيه سيدنا محمد (ع) عن مدح آلهة قريش: (مسألة): فإن قال فما معنى قوله تعالى: (وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى القى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (1) أو ليس قد روي في ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما رأى تولي قومه عنه شق عليه ما هم عليه من المباعدة والمنافرة، وتمنى في نفسه ان يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبينهم، وتمكن حب ذلك في قلبه، فلما أنزل الله تعالى عليه (والنجم إذا


(1) الحج 52 (*)

[ 152 ]

هوى) (1) وتلاها عليهم، القى الشيطان على لسانه لما كان تمكن في نفسه من محبة مقاربتهم تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجي، فلما سمعت قريش ذلك سرت به واعجبهم ما زكى به الهتهم، حتى انتهى إلى السجدة فسجد المؤمنون وسجد ايضا المشركون لما سمعوا من ذكر الهتهم بما اعجبهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا لايستطيع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وقريش مسرورة بما سمعت. واتى جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله معاتبا على ذلك، فحزن له حزنا شديدا. فانزل الله تعالى عليه معزيا له ومسليا (وما ارسلنا من قبلك) الآية. (الجواب): قلنا أما الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التي قصوها وليس يقتضي الظاهر الا احد أمرين، اما ان يريد بالتمني التلاوة كما قال حسان بن ثابت: تمنى كتاب الله اول ليله * وآخره لاقى حمام المقادر أو اريد بالتمني تمني القلب. فان أراد التلاوة، كان المراد من ارسل قبلك من الرسل كان إذا تلا ما يؤديه إلى قومه حرفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود في الكذب على نبيهم، فأضاف ذلك إلى الشيطان لانه يقع بوسوسته وغروره. ثم بين ان الله تعالى يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه ويحسم مادة الشبهة به. وانما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له صلى الله عليه وآله لما ذكب المشركون عليه، واضافوا إلى تلاوته مدح الهتهم ما لم يكن فيها. وأن كان المراد تمني القلب، فالوجه في الآية ان الشيطان متى تمنى النبي عليه السلام بقلبه بعض ما يتمناه من الامور، يوسوس إليه بالباطل


(1) النجم 1 (*)

[ 153 ]

ويحدثه بالمعاصي ويغريه بها ويدعوه إليها. وأن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان وعصيانه وترك اسماع غروره. وأما الاحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل عليهم السلام عنه. هذا لو لم يكن في أنفسها مطعونة ضعيفة عند اصحاب الحديث بما يستغني عن ذكره. وكيف يجيز ذلك على النبي صلى الله عليه وآله من يسمع الله تعالى يقول: (كذلك لنثبت به فؤادك (1) يعني القرآن. وقوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) (2). وقوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) (3). على ان من يجيز السهو على الانبياء عليهم السلام يجب ان لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنكرة لما فيها من غاية التنفير عن النبي صلى الله عليه وآله لان الله تعالى قد جنب نبيه من الامور الخارجة عن باب المعاصي، كالغلظة والفظاظة وقول الشعر وغير ذلك مما هو دون مدح الاصنام المعبودة دون الله تعالى. على أنه لا يخلو صلى الله عليه وآله وحوشى مما قذف به من ان يكون تعمد ما حكوه، وفعله قاصدا أو فعله ساهيا ولا حاجة بنا إلى ابطال القصد في هذا الباب والعمد لظهوره، وإن كان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز ان يقع منه مثل هذه الالفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقها، ثم لمعنى ما تقدمها من الكلام. لانا نعلم ضرورة ان من كان ساهيا لو أنشد قصيدة لما جاز ان يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها وفي معنى البيت الذي تقدمه وعلى الوجه الذي يقتضيه فائدته، وهو مع ذلك يظن أنه من القصيدة التي ينشدها. وهذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على النبي صلى الله عليه وآله على ان الموحى إليه من الله النازل بالوحي وتلاوة القرآن


(1) الفرقان 22 (2) الحاقة 44 - 46 (3) الاعلى 6 (*)

[ 154 ]

جبرائيل (ع)، وكيف يجوز السهو عليه. على ان بعض أهل العلم قد قال يمكن ان يكون وجه التباس الامر أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما تلا هذه السورة في ناد غاص بأهله وكان أكثر الحاضرين من قريش المشركين، فانتهي إلى قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى) (1) وعلم في قرب مكانه منه من قريش أنه سيورد بعدها ما يسوأهم به فيهن، قال كالمعارض له والراد عليه: (تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجي) فظن كثير ممن حضر أن ذلك من قوله صلى الله عليه وآله. واشتبه علهيم الامر لانهم كانوا يلغطون عند قراءته صلى الله عليه وآله، ويكثر كلامهم وضجاجهم طلبا لتغليطه واخفاء قراءته. ويمكن ان يكون هذا ايضا في الصلاة، لانهم كانوا يقربون منه في حال صلاته عند الكعبة، ويسمعون قراءته ويلغون فيها. وقيل ايضا انه صلى الله عليه وآله كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات واتى بكلام على سبيل الحجاج لهم، فلما تلا افرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى قال تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى على سبيل الانكار عليهم، وأن الامر بخلاف ما ظنوه من ذلك. وليس يمتنع ان يكون هذا في الصلاة لان الكلام في الصلاة حينئذ كان مباحا. وانما نسخ من بعد، وقيل ان المراد بالغرانيق الملائكة. وقد جاء مثل ذلك في بعض الحديث فتوهم المشركون انه يريد آلهتهم. وقيل ان ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة فتلاه الرسول صلى الله عليه وآله، فلما ظن المشركون ان المراد به آلهتهم نسخت تلاوته. وكل هذا يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله: (إذا تمنى القى الشيطان في امنيته) لان بغرور الشيطان ووسوسته اضيف إلى تلاوته صلى الله عليه وآله ما لم يرده بها. وكل هذا واضح بحمد الله تعالى.


(1) النجم 19. (*)

[ 155 ]

تنزيه سيدنا محمد عن معاتبة الله له: (مسألة): فإن قيل فما تأويل قوله تعالى: (واذ تقول للذي انعم الله عليه وأنعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه) (1) أو ليس هذا عتابا له صلى الله عليه وآله من حيث اضمر ما كان ينبغي ان يظهره وراقب من لا يجب ان يراقبه فما الوجه في ذلك ؟. (الجواب): قلنا: وجه هذه الآية معروف وهو ان الله تعالى لما أراد نسخ ما كان عليه الجاهلية من تحريم نكاح زوجة الدعي، والدعي هو الذي كان احدهم يجتبيه ويربيه ويضيفه إلى نفسه على طريق البنوة، وكان من عادتهم ان يحرموا على انفسهم نكاح ازواج ادعيائهم كما يحرمون نكاح ازواج ابنائهم، فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله ان زيد بن حارثة وهو دعي رسول الله صلى الله عليه وآله سيأتيه مطلقا زوجته، وأمره ان يتزوجها بعد فراق زيد لها ليكون ذلك ناسخا لسنة الجاهلية التي تقدم ذكرها، فلما حضر زيد مخاصما زوجته عازما على طلاقها، أشفق الرسول من ان يمسك عن وعظه وتذكيره لا سيما وقد كان يتصرف على امره وتدبيره، فرجف المنافقون به إذا تزوج المرأة يقذفونه بما قد نزهه الله تعالى عنه فقال له (امسك عليك زوجك) تبرؤا مما ذكرناه وتنزها، واخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها لينتهي إلى امر الله تعالى فيها. ويشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ادعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان امر الله مفعولا) (2) فدل على ان العلة في أمره في نكاحها ما ذكرناه من نسخ السنة المتقدمة.


(1) الاحزاب 37 (2) الاحزاب 37 (*)

[ 156 ]

فإن قيل العتاب باق على كل حال لانه قد كان ينبغي ان يظهر ما أظهره ويخشى الله ولا يخشى الناس. قلنا: أكثر ما في الآية إذا سلمنا نهاية الاقتراح فيها ان يكون صلى الله عليه وآله فعل ما غيره اولى منه، وليس ان يكون صلى الله عليه وآله بترك الاولى عاصيا. وليس يمتنع على هذا الوجه ان يكون صبره على قذف المنافقين اهانته بقولهم افضل واكثر ثوابا، فيكون ابداء ما في نفسه اولى من اخفائه على انه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي العتاب، ولا ترك الاولى. وأما اخباره بأنه (اخفى ما الله مبديه) فلا شئ فيه من الشبهة، وانما هو خير محض. وأما قوله (وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه) ففيه أدنى شبهة، وإن كان الظاهر لا يقتضي عند التحقيق ترك الافضل، لانه اخبر أنه يخشى الناس وان الله أحق بالخشية، ولم يخبر انك لم تفعل إلا حق وعدلت إلى الادون، ولو كان في الظاهر بعض الشبهة لوجب ان نتركه ونعدل عنه للقاطع من الادلة. وقد قيل ان زيد بن حارثة لما خاصم زوجته زينب بنت جحش وهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وأشرف على طلاقها اضمر رسول الله صلى الله عليه وآله انه ان طلقها زيد تزوجها من حيث كانت ابنة عمته. وكان يجب ضمها إلى نفسه كما يجب احدنا ضم قراباته إليه، حتى لا ينالهم بؤس ولا ضرر. فاخبر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله والناس بما كان يضمره من ايثار ضمها إلى نفسه ليكون ظاهر الانبياء صلى الله عليه وآله وباطنهم سواء. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصار يوم فتح مكة وقد جاء عثمان بعبدالله بن أبي سرح وسأله ان يرضى عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ذلك قد هدر دمه فأمر بقتله، فلما رأى عثمان استحي من رده ونكس طويلا ليقتله بعض المؤمنين فلم يفعل المؤمنون ذلك انتظارا منهم لامر رسول الله صلى الله عليه وآله مجددا، فقال للانصار: أما كان فيكم رجل يقوم إليه فيقتله ؟ فقال له عباد بن بشر: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان عيني ما زالت في عينك انتظارا ان تومئ الي فاقتله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله:

[ 157 ]

الانبياء صلى الله عليه وآله لا يكون لهم خائنة أعين. وهذا الوجه يقارب الاول في المعنى. فان قيل: فما المانع مما وردت به الرواية من ان رسول الله صلى الله عليه وآله رأى في بعض الاحوال زينب بنت جحش فهواها فلما ان حضر زيد لطلاقها اخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعده وهواه لها، أو ليس الشهوة عندكم التي قد تكون عشقا على بعض الوجوه من فعل الله تعالى وأن العباد يقدرون عليها ؟ وعلى هذا الوجه يمكنكم انكار ما تضمنه السؤال. قلنا: لم ننكر ما وردت به هذه الرواية الخبيثة من جهة أن فعل الشهوة يتعلق بفعل العباد وأنها معصية قبيحة، بل من جهة أن عشق الانبياء عليهم السلام لمن ليس يحل لهم من النساء منفر عنهم وحاط من مرتبتهم ومنزلتهم، وهذا مما لا شبهة فيه، وليس كل شئ يجب ان يجتنبه الانبياء صلى الله عليه وآله مقصورا على افعالهم. الا ترى ان الله تعالى قد جنبهم الفظاظة والغلظة والعجلة، وكل ذلك ليس من فعلهم، وأوجبنا ايضا ان يجتنبوا الامراض المنفرة والخلق المشينة كالجذام والبرص وتفاوت الصور واضطرابها، وكل ذلك ليس من مقدورهم ولا فعلهم. وكيف يذهب على عاقل ان عشق الرجل زوجة غيره منفر عنه معدود في جملة معائبه ومثالبه، ونحن نعلم انه لو عرف بهذه الحال بعض الامناء والشهود لكان ذلك قادحا في عدالته وخافضا في منزلته، وما يؤثر في منزلة احدنا اولى من ان يؤثر في منازل من طهره الله وعصمه وأكمله وأعلى منزلته. وهذا بين لمن تدبره. تنزيه سيدنا محمد عن معاتبته في الاسرى: (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: (ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) (1). وقوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم


(1) الانفال 67 (*)

[ 158 ]

عذاب عظيم) (1) أو ليس هذا يقتضي عتابه على استبقاء الاسارى وأخذ عرض الدنيا عوض عن قتلهم ؟. (الجواب): قلنا ليس في ظاهر الآية ما يدل على انه صلى الله عليه وآله عوتب في شأن الاسارى، بل لو قيل ان الظاهر يقتضي توجه الآية إلى غيره لكان اولى، لان قوله تعالى: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة)، وقوله تعالى: (ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم)، لا شك أنه لغيره، فيجب ان يكون المعاتب سواه. والقصة في هذا الباب معروفة والرواية بها متظافرة، لان الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يأمر اصحابه بأن يثخنوا في قتل اعدائهم بقوله تعالى: (فاضروا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان) (2) وبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك إلى أصحابه فخالفوه، وأسروا يوم بدر جماعة من المشركين طمعا في الفداء، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وبين ان الذي أمر به سواه. فإن قيل: فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله خارجا عن العتاب فما معنى قوله تعالى: (ما كان لنبي ان يكون له اسرى) ؟ قلنا: الوجه في ذلك لان الاصحاب انما اسروهم ليكونوا في يده صلى الله عليه وآله. فهم اسراؤه على الحقيقة ومضافون إليه، وإن كان لم يأمرهم بأسرهم بل أمر بخلافه. فان قيل: افما شاهدهم النبي صلى الله عليه وآله وقت الاسر فكيف لم ينههم عنه ؟. قلنا: ليس يجب ان يكون عليه السلام مشاهدا لحال الاسر، لانه كان


(1) الانفال 68 (2) الانفال 12 (*)

[ 159 ]

على ما وردت به الرواية يوم بدر جالسا في العريش، ولما تباعد أصحابه عنه اسروا من اسروه من المشركين بغير علمه صلى الله عليه وآله فإن قيل: فما بال النبي صلى الله عليه وآله لم يأمر بقتل الاسارى لما صاروا في يده وان كان خارجا من المعصية وموجب العتاب، أو ليس لما استشار اصحابه فأشار عليه ابو بكر باستبقائهم وعمر باستيصالهم رجع إلى رأي ابي بكر، حتى روي أن العتاب كان من اجل ذلك ؟. قلنا: أما الوجه في أنه عليه السلام لم يقتلهم فظاهر، لانه غير ممتنع ان تكن المصلحة في قتلهم وهم محاربون، وان يكون القتل أولى من الاسر، فإذا اسروا تغيرت المصلحة وكان استبقاؤهم اولى، والنبي صلى الله عليه وآله لم يعمل براي ابي بكر إلا بعد ان وافق ذلك ما نزل به الوحي عليه. وإذا كان القرآن لا يدل بظاهر ولا فحوى على وقوع معصية منه صلى الله عليه وآله في هذا الباب فالرواية الشاذة لا يعول عليها ولا يلتفت إليها. وبعد: فلسنا ندري من اي وجه تضاف المعصية إليه صلى الله عليه وآله في هذا الباب، لانه لا يخلو من ان يكون أوحى إليه صلى الله عليه وآله في باب الاسارى بأن يقتلهم، أو لم يوح إليه فيه بشئ، ووكل ذلك إلى اجتهاده ومشورة اصحابه، فإن كان الاول فليس يجوز ان يخالف ما اوحي إليه، ولم يقل احد ايضا في هذا الباب أنه صلى الله عليه وآله خالف النص في باب الاسارى، وإنما يدعى عليه انه فعل ما كان الصواب عند الله خلافه، وكيف يكون قتلهم منصوصا عليه بعد الاسر وهو يشاور فيه الاصحاب ويسمع فيه المختلف من الاقوال وليس لاحد ان يقول إذا جاز أن يشاور في قتلهم واستحيائهم، وعنده نص بالاستحياء، فهلا جاز ان يشاور وعنده نص في القتل، وذلك أنه لا يمتنع ان يكون أمر بالمشاورة قبل ان ينص له على أحد الامرين، ثم أمر بما وافق احدى المشورتين فاتبعه. وهذا لا يمكن المخالف ان يقول مثله، وان كان لم يوح إليه في باب الاسارى شئ ووكل إلى اجتهاده ومشورة اصحابه، فما

[ 160 ]

باله يعاتب وقد فعل ما أداه إليه الاجتهاد والمشاورة، وأي لوم على من فعل الواجب ولم يخرج عنه، وهذا يدل على ان من اضاف إليه المعصية قد ضل عن وجه الصواب. تنزيه سيدنا محمد عن المعاتبة في امر المتخلفين: (مسألة): فإن قيل فما وجه قوله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله لما استأذنه قوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد فأذن لهم: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) (1) أو ليس العفو لا يكون الا عن الذنب ؟ وقوله (لم اذنت) ظاهر في العتاب لانه من اخص الفاظ العتاب ؟. (الجواب): قلنا أما قوله تعالى (عفى الله عنك) فليس يقتضي وقوع معصية ولا غفران عقاب، ولا يمتنع ان يكون المقصود به التعظيم والملاطفة في المخاطبة. لان احدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه: أرأيت رحمك الله وغفر الله لك. وهو لا يقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه، بل ربما لم يخطر بباله ان له ذنبا. وانما الغرض الاجمالي في المخاطبة واستعمال ما قد صار في العادة علما على تعظيم المخاطب وتوقيره. وأما قوله تعالى: (لم أذنت لهم) فظاهره الاستفهام والمراد به التقريع واستخراج ذكر علة اذنه، وليس بواجب حمل ذلك على العتاب، لان احدنا قد يقول لغيره، لم فعلت كذا وكذا. تارة معاتبا وأخرى مستفهما، وتارة مقررا. فليس هذه اللفظة خاصة للعتاب والانكار. وأكثر ما يقتضيه وغاية ما يمكن ان يدعى فيها ان تكون دالة على انه صلى الله عليه وآله ترك الاولى والافضل، وقد بينا ان ترك الاولى ليس بذنب، وان كان الثواب ينقص معه. فإن الانبياء عليهم السلام يجوز ان يتركوا كثيرا من النوافل. وقد يقول


(1) التوبة 43 (*)

[ 161 ]

احدنا لغيره إذا ترك الندب: لم تركت الافضل ولم عدلت عن الاولى ؟ ولا يقتضي ذلك انكارا ولا قبيحا. تنزيه سيدنا محمد عن الوزر: (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك) (1) أو ليس هذا صريحا في وقوع المعاصي منه صلى الله عليه وآله ؟. (الجواب): قلنا أما الوزر في أصل اللغة فهو الثقل، وانما سميت الذنوب بأنها اوزارا لانها تثقل كاسبها وحاملها. فإذا كان أصل الوزر ما ذكرناه، فكل شئ اثقل الانسان وغمه وكده وجهده جاز ان يسمى وزرا، تشبيها بالوزر الذي هو الثقل الحقيقي. وليس يمتنع ان يكون الوزر في الآية انما أراد به غمه صلى الله عليه وآله وهمه بما كان عليه قومه من الشرك، وأنه كان هو وأصحابه بينهم مستضعفا مقهورا. فكل ذلك مما يتعب الفكر ويكد النفس. فلما أن أعلى الله كلمته ونشر دعوته وبسط يده خاطبه بهذا الخطاب تذكيرا له بمواقع النعمة عليه، ليقابله بالشكر والثناء والحمد. ويقوي هذا التأويل قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) وقوله عز وجل: (فإن مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا) والعسر بالشدائد والغموم اشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب وإزالة الهموم والغموم اشبه. فإن قيل: هذا التأويل يبطله ان هذه السورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وهو في الحال الذي ذكرتم انها تغمه من ضعف الكلمة وشدة الخوف من الاعداء، وقبل ان يعلي الله كلمة المسلمين على المشركين، فلا وجه لما ذكرتموه.


(1) الشرح 1 - 3 (*)

[ 162 ]

قلنا: عن هذا السؤال جوابان: أحدهما انه تعالى لما بشره بأنه يعلي دينه على الدين كله ويظهره عليه ويشفى صلى الله عليه وآله من اعدائه وغيظه، وغيظ المؤمنين به، كان بذلك وضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من قومه، ومطيبا لنفسه ومبدلا عسره يسرا، لانه يثق بأن وعد الله تعالى حق ما يخلف، فامتن الله تعالى عليه بنعمة سبقت الامتنان وتقدمته. والجواب الآخر: ان يكون اللفظ وان كان ظاهره الماضي، فالمراد به الاستقبال. ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والاستعمال. قال الله تعالى: (ونادى اصحاب النار اصحاب الجنة) وقوله تعالى: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك)، إلى غير ذلك مما شهرته تغني عن ذكره. تنزيه سيدنا محمد عن الذنب: (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (1) أو ليس هذا صريحا في أن له صلى الله عليه وآله ذنوبا وان كانت مغفورة. (الجواب): قلنا أما من نفى عنه صلى الله عليه وآله صغائر الذنوب مضافا إلى كبائرها، فله عن هذه الآية اجوبة نحن نذكرها ونبين صحيحها من سقيمها. منها: انه أراد تعالى باضافة الذنب إليه ذنب ابيه آدم عليه السلام. وحسنت هذه الاضافة لاتصال القربى، وعفوه لذلك، من حيث اقسم آدم على الله تعالى به، فأبر قسمه، فهذا المتقدم. والذنب المتأخر هو ذنب شيعته وشيعة أخيه عليه السلام. وهذا الجواب يعترضه ان صاحبه نفى عن نبي ذنبا واضافه إلى آخر. والسؤال عليه فيمن اضافه إليه كالسؤال فيمن نفاه عنه.


(1) الفتح 2 (*)

[ 163 ]

ويمكن إذا اردنا نصرة هذا الجواب ان نجعل الذنوب كلها لامته صلى الله عليه وآله، ويكون ذكر التقدم والتأخر انما أراد به ما تقدم زمانه وما تأخر، كما يقول القائل مؤكدا: " قد غفرت لك ما قدمت وما أخرت وصفحت عن السالف والآنف من ذنوبك ". ولاضافه ذنوب أمته إليه وجه في الاستعمال معروف لان القائل قد يقول لمن حضره من بني تميم أو غيرهم من القبائل انتم فعلتم كذا وكذا وقلتم فلانا وان كان الحاضرون ما شهدوا ذلك ولا فعلوه وحسنت الاضافة للاتصال والتسبب ولا سبب اوكد مما بين الرسول صلى الله عليه وآله وامته فقد يجوز توسعا وتجوزا ان تضاف ذنوبهم إليه (ومنها) انه سمى ترك الندب ذنبا وحسن ذلك لانه صلى الله عليه وآله ممن لا يخالف الاوامر الا هذا الضرب من الخلاف ولعظم منزلته وقدره فجاز ان يسمي بالذنب منه ما إذا وقع من غيره لم يسم ذنبا وهذا الوجه يضعفه على بعد هذه التسمية انه لا يكون معنى لقوله انني اغفر ذنبك ولا وجه في معنى الغفران يليق بالعدول عن الندب (عن الذنب). ومنها: ان القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما قلناه في قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم). وهذا ليس بشئ لان العادة قد جرت فيما يخرج هذا المخرج من الالفاظ أن يجري مجرى الدعاء، مثل قولهم: غفر الله لك، وليغفر الله لك، وما أشبه ذلك. ولفظ الآية بخلاف هذا لان المغفره جرت فيها مجرى الجزاء والغرض في الفتح. وقد كنا ذكرنا في هذه الآية وجها اخترناه وهو أشبه بالظاهر مما تقدم، وهو أن يكون المراد بقوله ما تقدم من ذنبك الذنوب إليك، لان الذنب مصدر والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معا، ألا ترى أنهم يقولون: أعجبني ضرب زيد عمرا إذا أضافوه إلى الفاعل، وأعجبني ضرب زيد عمرا إذا أضافوه إلى المفعول. ومعنى المغفرة على هذا التأويل هي الازالة والفسخ والنسخ لاحكام

[ 164 ]

أعدائه من المشركين عليه، وذنوبهم إليه في منعهم إياه عن مكة وصدهم له عن المسجد الحرام. وهذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى تكون المغفرة غرضا في الفتح ووجها له. وإلا فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) معنى معقول، لان المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح، إذ ليست غرضا فيه. وأما قوله تعالى: (ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، فلا يمتنع ان يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح لك ولقومك وما تأخر، وليس لاحد ان يقول ان سورة الفتح نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله بين مكة والمدينة وقد انصرف من الحديبية. وقال قوم من المفسرين: ان الفتح اراد به فتح خيبر، لانه كان تاليا لتلك الحال، وقال آخرون: بل أراد به أنا قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا. فكيف يقولون ما لم يقله أحد من أن المراد بالآية فتح مكة، والسورة قد نزلت قبل ذلك بمدة طويلة، وذلك ان السورة وان كانت نزلت في الوقت الذي ذكر وهو قبل فتح مكة، فغير ممتنع ان يريد بقوله تعالى (انا فتحنا لك فتحا مبينا) فتح مكة. ويكون ذلك على طريق البشارة له والحكم بأنه سيدخل مكة وينصره الله على اهلها، ولهذا نظائر في القرآن، والكلام كثير. ومما يقوي أن الفتح في السورة أراد به فتح مكة قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) (1) فالفتح القريب ههنا هو فتح خيبر. وأما حمل الفتح على القضاء الذي قضاه في الحديبية فهو خلاف الظاهر. ومقتضى الآيه لان الفتح بالاطلاق الظاهر منه


(1) الفتح 27 (*)

[ 165 ]

الظفر والنصر. ويشهد بأن المراد بالآية ما ذكرناه قوله تعالى: (وينصرك الله نصرا عزيزا). فإن قيل: ليس يعرف اضافة المصدر إلى المفعول إلا إذا كان المصدر متعديا بنفسه، مثل قولهم: اعجبني ضرب زيد عمرا. واضافة مصدر غير متعد إلى مفعوله غير معروفة. قلنا: هذا تحكم في اللسان وعلى أهله لانهم في كتب العربية كلها اطلقوا ان المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول معا، ولم يستثنوا متعديا من غيره، ولو كان بينهما فرق لبينوه وفصلوه كما فعلوا في غيره وليس قلة الاستعمال معتبرة في هذا الباب لان الكلام إذا كان له أصل في العربية استعمل عليه، وان كان قليل الاستعمال. وبعد فإن ذنبهم ههنا إليه انما هو صدهم له عن المسجد الحرام ومنعهم اياه عن دخوله، فمعنى الذنب متعد، وإذا كان معنى المصدر متعديا جاز أن يجري ما يتعدى بلفظه، فإن من عادتهم ان يحملوا الكلام تارة على معناه وأخرى على لفظه، ألا ترى إلى قول الشاعر: جئني بمثل بني بدر لقومهم * أو مثل اخوة منظور بن سيار فاعمل الكلام على المعنى دون اللفظ، لانه لو أعمله على اللفظ دون المعنى لقال: أو مثل: بالجر، لكنه لما كان معنى، جئني احضر، أو هات قوما مثلهم. حسن ان يقول أو مثل بالفتح، وقال الشاعر: درست وغير آيهن مع البلى * الا رواكد جمرهن هباء ومشجج (1) اما سوار قذى له * فبدا وغيب سارة المعزاء فقال: ومشجج بالرفع اعمالا للمعنى، لانه لما كان معنى قوله الا رواكد أنهن باقيات ثابتات عطف على ذلك المشجج بالرفع. ولو اجرى


(1) مشجج - وتد (*)

[ 166 ]

الكلام على لفظه لنصب المعطوف به أو امثله هذا المعنى كثير. وفيما ذكرناه كفاية بمشيئة الله تعالى. تنزيه سيدنا محمد عن المعاتبة في أمر الاعمى: (مسألة): فإن قيل: أليس قد عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله في إعراضه عن ابن ام مكتوم لما جاءه واقبل على غيره بقوله: (عبس وتولى أن جاءه الاعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) (1). وهذا ايسر ما فيه ان يكون صغيرا. (الجواب): قلنا: أما ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبي صلى الله عليه وآله ولا فيها ما يدل على أنه خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه. وفيها ما يدل عند التأمل على ان المعني بها غير النبي صلى الله عليه وآله لانه وصفه بالعبوس وليس هذا من صفات النبي صلى الله عليه وآله في قرآن ولا خبر مع الاعداء المنابذين، فضلا عن المؤمنين المسترشدين. ثم وصفه بأنه يتصدى للاغنياء ويتلهى عن الفقراء، وهذا مما لا يوصف به نبينا عليه السلام من يعرفه، فليس هذا مشبها مع اخلاقه الواسعة وتحننه على قومه وتعطفه، وكيف يقول له وما عليك الا يزكى وهو صلى الله عليه وآله مبعوث للدعاء والتنبيه، وكيف لا يكون ذلك عليه. وكان هذا القول اغراء بترك الحرص على ايمان قومه. وقد قيل ان هذه السورة نزلت في رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان منه هذا الفعل المنعوت فيها، ونحن وان شككنا في عين من نزلت فيه فلا ينبغي ان نشك إلى أنها لم يعن بها النبي، واي تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين والتلهي عنهم والاقبال على الاغنياء الكافرين والتصدي لهم، وقد نزه الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله عما هو دون هذا في التنفير بكثير.


(1) عبس 1 - 4 (*)

[ 167 ]

تنزيه محمد (ع) عن الشرك: (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى مخاطبا لنبيه: (لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (1) وكيف يوجه هذا الخطاب إلى من لا يجوز عليه الشرك ولا شي ء من المعاصي. (الجواب): قد قيل في هذه الآية ان الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به أمته، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: نزل القرآن بإياك اعني واسمعي يا جارة. ومثل ذلك قوله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة) (2) فدل قوله تعالى فطلقوهن على ان الخطاب توجه إلى غيره. وجواب آخر: ان هذا خبر يتضمن الوعيد، وليس يمتنع ان يتوعد الله تعالى على العموم. وعلى سبيل الخصوص من يعلم أنه لا يقع منه ما تناوله الوعيد، لكنه لابد من ان يكون مقدورا له وجائزا بمعنى الصحة لا بمعنى الشك، ولهذا يجعل جميع وعيد القرآن عاما لمن يقع منه ما تناوله الوعيد، ولمن علم الله تعالى أنه لا يقع منه. وليس قوله تعالى (لئن اشركت ليحبطن عملك) على سبيل التقدير والشرط بأكثر من قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) لان استحالة وجود ثان معه تعالى: إذا لم يمنع من تقدير ذلك، وبيان حكمه كأولى ان يسوغ تقدير وقوع الشرك الذي هو مقدور لكن، وبيان حكمه. والشيعة لها في هذه الآية جواب تنفرد به وهو أن النبي لما نص على امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بالامامة في ابتداء الامر جاءه قوم من قريش فقالوا له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان الناس قريبوا عهد بالاسلام لا يرضون ان تكون النبوة فيك والامامة في ابن عمك علي بن ابي طالب. فلو عدلت به إلى غيره لكان اولى. فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه، لكن الله تعالى أمرني به


(1) الزمر 65 (2) الطلاق 1 (*)

[ 168 ]

وفرضه علي. فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك تعالى فأشرك معه في الخلافة رجلا من قريش تركن الناس إليه، ليتم لك امرك ولا يخالف الناس عليك. فنزلت الآية والمعنى فيها لئن اشركت مع علي في الامامة غيره ليحبطن عملك، وعلى هذا التأويل. فالسؤال قائم لانه إذا كان قد علم الله تعالى انه صلى الله عليه وآله لا يفعل ذلك ولا يخالف امره لعصمته، فما الوجه في الوعيد ؟ فلابد من الرجوع إلى ما ذكرناه. تنزيه سيدنا محمد (ع) عن الذنب: (مسألة): فإن قيل: فما وجه قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك والله غفور رحيم) (1) أو ليس ظاهر هذا الخطاب يتضمن العتاب ؟ والعتاب لا يكون إلا على ذنب كبير أو صغير. (الجواب): قلنا ليس في ظاهر الآية ما يقتضي عتابا وكيف يعاتبه الله تعالى على ما ليس بذنب، لان تحريم الرجل بعض نسائه لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح ولا داخل في جملة الذنوب، واكثر ما فيه انه مباح. ولا يمتنع ان يكون قوله تعالى: (لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك) خرج مخرج التوجع من حيث يتحمل المشقة في ارضاء زوجاته، وإن كان ما فعل قبيحا. ولو أن احدنا ارضى بعض نسائه بتطليق اخرى أو بتحريمها لحسن ان يقال له لم فعلت ذلك وتحملت المشقة فيه، وان كان ما فعل قبيحا. ويمكن ايضا إذا سلمنا ان القول يقتضي ظاهره العتاب ان يكون ترك التحريم افضل من فعله، فكأنه عدل بالتحريم عن الاولى. ويحسن ان يقال لمن عدل عن النقل لم لم تفعله. وكيف عدلت عنه، والظاهر الذي لا شبهة فيه قد يعدل عنه لدليل، فلو كان للآية ظاهر يقتضي العتاب لجاز أن يصرفه إلى غيره لقيام الدلالة على انه لا يفعل شيئا من الذنوب ولان القصة التي خرجت الآية عليها لا يقتضي ماله تعلق بالذنب على وجه من الوجوه.


(1) التحريم 1 (*)

[ 169 ]

تنزيه محمد (ع) عن مراجعة أمر ربه: (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في الرواية المشهورة ان النبي صلى الله عليه وآله ليلة المعراج لما خوطب بفرض الصلاة راجع ربه تعالى مرة بعد أخرى حتى رجعت إلى خمس، وفي الرواية ان موسى عليه السلام هو القائل له ان امتك لا تطيق هذا. وكيف ذهب ذلك على النبي صلى الله عليه وآله حتى نبهه موسى (ع) ؟ وكيف يجوز المراجعة منه مع علمه بأن العبادة تابعة للمصلحة ؟ وكيف يجاب عن ذلك مع ان المصلحة بخلافه ؟. (الجواب): قلنا أما هذه الرواية فمن طريق الآحاد التي لا توجب علما، وهي مع ذلك مضعفة وليس يمتنع لو كانت صحيحة ان تكون المصلحة في الابتداء يقتضي بالعبادة بالخمسين من الصلاة، فإذا وقعت المراجعة تغيرت المصلحة واقتضت أقل من ذلك حتى ينتهي إلى هذا العدد المستقر، ويكون النبي صلى الله عليه وآله قد اعلم بذلك، فراجع طلبا للتخفيف عن امته والتسهيل، ونظير ما ذكرناه في تغير المصلحة بالمراجعة وتركها أن فعل المنذور قبل النذر غير واجب، فإذا تقدم النذر صار واجبا وداخلا في جملة العبادات المفترضات، وكذلك تسليم المبيع غير واجب ولا داخل في جملة العبادات، فإذا تقدم عقد البيع وجب وصار مصلحة. ونظائر ذلك في الشرعيات أكثر من أن تحصى، فأما قول موسى له صلى الله عليه وآله ان امتك لا تطيق فراجع، فليس ذلك تنبيها له صلى الله عليه وآله، وليس يمتنع أن يكون النبي أراد أن يسأل مثل ذلك لو لم يقل له موسى. ويجوز أن يكون قوله قوى دواعيه في المراجعة التي كانت ابيحت له. ومن الناس من استبعد هذا الموضوع من حيث يقتضي ان يكون موسى (ع) في تلك الحال حيا كاملا، وقد قبض منذ زمان. وهذا ليس ببعيد لان الله تعالى قد خبر أن أنبياءه عليهم السلام والصالحين من عباده في الجنان يرزقون، فما المانع من ان يجمع الله بين نبينا صلى الله عليه وآله وبين موسى.

[ 170 ]

حول استئذان محمد (ع) لربه أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف: (مسألة): فإن قيل: فما الوجه فيما روي من ان الله تعالى لما أمر نبيه ان يقرأ القرآن على حرف واحد قال له جبرئيل عليه السلام استزده يا محمد، فسأل الله تعالى حتى اذن له ان يقرأه على سبعة احرف ؟. (الجواب): قلنا ان اللام في هذا الخبر يجري مجرى ما ذكرناه في المراجعة عند فرض الصلاة، وليس يمتنع ان تكون المصلحة تختلف بالمراجعة والسؤال، وإنما التمس الزيادة في الحروف للتسهيل والتخفيف. فإن في لاناس من يسهل عليه التفخيم وبعضهم لا يسهل عليه إلا الامالة. وكذلك القول في الهمز وترك الهمز. فإن كان هذا الخبر صحيحا فوجه المراجعة فيه هو طلب التخفيف ورفع المشقة. في وجه استثناء محمد (ع) في قول العباس ما لم يكن يريد أن يستثنيه: (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في اجابة النبي صلى الله عليه وآله العباس رضي الله عنه في قوله إلا الاذخر، إلى سؤاله وامضاء استثنائه وانتم تعلمون ان التحريم والتحليل انما يتبع المصالح فكيف يستثني بقول العباس ما لم يكن يريد أن يستثنيه ؟. (الجواب): قلنا: عن هذا جوابان: أحدهما ان يكون النبي صلى الله عليه وآله أراد ان يستثني ما ذكره العباس من الاذخر لو لم يسابقه العباس إليه. وقد نجد كثيرا من الناس يبتدئ بكلام وفي نيته أن يصله بكلام مخصوص فيسابقه إلى ذلك الكلام بعض حاضريه، فيظن انه لما وصل كلامه الاول بالثاني لاجل تذكير الحاضر له ولا يكون الامر كذلك. والجواب الثاني: أن يكون الله تعالى خير نبيه صلى الله عليه وآله في الاذخر،

[ 171 ]

فلما سأله العباس اختار أحد الامرين اللذين خير فيهما. وكل هذا غير ممتنع. في وجه قول سيدنا محمد صلى الله عليه وآله عن وضع الرب قدمه في النار: (مسألة): فإن قيل: فما قولكم في الخبر الذي رواه محمد بن جرير الطبري بإسناده عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله " ان النار تقول هل من مزيد إذا القي فيها اهلها، حتى يضع الرب تعالى قدمه فيها. وتقول قط قط فحينئذ تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض. وقد روي مثل ذلك عن انس بن مالك ؟. (الجواب): قلنا لا شبهة في ان كل خبر اقتضى، ما تنفيه ادلة العقول فهو باطل مردود، إلا ان يكون له تأويل سايغ غير متعسف، فيجوز ان يكون صحيحا، ومعناه مطابقا للادلة. وقد دلت العقول ومحكم القرآن والصحيح من السنة على ان الله تعالى ليس بذي جوارح ولا يشبه شيئا من المخلوقات، وكل خبر نافى ما ذكرناه وجب ان يكون إما مردودا أو محمولا على ما يطابق ما ذكرنا من الادلة، وخبر القدم يقتضي ظاهره التشبيه المحض، فكيف يكون مقبولا وقد قال قوم أنه لا يمتنع ان يريد بذكر القدم القوم الذين قدمهم لها. واخبر أنهم يدخلون إليها ممن استحقها باعماله. فأما قول النار فهل من مزيد ؟ فقد قيل معنى ذلك انها صارت بحيث لا موضع فيها للزيادة، وبحيث لو كانت ممن تقول لقالت قد امتلات وما بقي في مزيد، واضاف القول إليها على سبيل المجاز كما اضاف الشاعر القول إلى الحوض: امتلا الحوض فقال فطني * مهلا رويدا قد ملات بطني وقد قال ابو علي الجبائي ان القول الذي هو هل من مزيد، من قول الخزنة. كما يقال: قالت البلدة الفلانية كذا اي قال أهلها. وكما قال

[ 172 ]

تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (1) وهذا ايضا غير ممتنع. في قول محمد (ع) يعذب الميت ببكاء الحي عليه: (مسألة): فإن قيل: فما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " ان الميت ليعذب ببكاء الحي عليه ". وفي روايه اخرى " ان الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه ". وروى المغيرة بن شعبة عنه صلى الله عليه وآله انه قال: " من نيح عليه فإنه يعذب بما يناح عليه " ؟. (الجواب): قلنا هذا الخبر منكر الظاهر لانه يقتضي اضافة الظلم إلى الله تعالى، وقد نزهت أدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والاتساع والمجاز الله تعالى عن الظلم وكل قبيح. وقد نزه الله تعالى نفسه بمحكم القول عن ذلك فقال عزوجل: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (2). ولابد من ان نصرف ما ظاهره بخلاف هذه الادلة إلى ما يطابقها إن امكن، أو نرده ونبطله. وقد روي عن ابن عباس في هذا الخبر أنه قال وهل ابن عمر: انما مر رسول الله صلى الله عليه وآله على قبر يهودي اهله يبكون عليه فقال انهم يبكون عليه وانه ليعذب. وقد روى انكار هذا الخبر عن عائشة ايضا، وأنها قالت لما خبرت بروايته: وهل ابو عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر، انما قال (ع) ان اهل البيت الميت ليبكون عليه، وانه ليعذب بجرمه. فهذا الخبر مردود ومطعون عليه كما ترى. ومعنى قولهما: وهل: اي ذهب وهمه إلى غير الصواب. يقال وهلت إلى الشئ أو هل وهلا: إذا ذهب وهمك إليه. ووهلت عنه أو هل وهلا: إذا نسيته وغلطت فيه. ووهل الرجل يوهل وهلا: إذا فزع. والوهل: الفزع. وموضع وهله في ذكر القليب أنه روي أن النبي صلى الله عليه وآله وقف على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا. ثم


(1) الفجر 22 (2) الانعام 164 - الاسراء 15 - فاطر 18. الزمر 7 - النجم 38 (*)

[ 173 ]

قال: إنهم ليسمعون ما أقول. فأنكر ذلك عليه، وقيل انما قال عليه السلام: أنهم الآن ليعلمون ان الذي كنت اقول لهم هو الحق. واستشهد بقوله تعالى: (انك لا تسمع الموتى)، ويمكن في الخبر إن كان صحيحا وجوه من التأويل: اولها: انه إن وصى موص بأن يناح عليه ففعل ذلك بأمره، فإنه يعذب بالنياحة. وليس معنى يعذب بها أنه يؤاخذ بفعل النواح، وانما معناه أنه يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها، وانما قال صلى الله عليه وآله ذلك لان الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح ويأمرون به ويؤكدون الوصية بفعله، وهذا مشهور عنهم. قال طرفة بن العبد: فان مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي عليه الجيب يا ابنة معبد وقال بشر بن ابي حازم: فمن يك سائلا عن بيت بشر * فان له بجنب الردم بابا ثوى في ملحد لابد منه * كفى بالموت نابا واغترابا رهين بلى وكل فتى سيبلى * فاذري الدمع وانتحبي انتحابا وثانيها: ان العرب كانوا يبكون موتاهم ويذكرون غاراتهم وقتل اعدائهم، وما كانوا يسلبونه من الاموال ويرونه من الاحوال، فيعدون ما هو معاص في الحقيقة بعذاب الميت بها وإن كانوا يجعلون ذلك من مفاخره ومناقبه، فذكر انكم تبكونهم بما يعذبون به. وثالثها: ان يكون المعنى ان الله تعالى إذا علم الميت ببكاء أهله واعزته عليه تألم لذلك، فكان عذابا له. والعذاب ليس بجار مجرى العقاب الذي لا يكون إلا على ذنب متقدم، بل قد يستعمل كثيرا بمعنى الالم والضرر. ألا ترى ان القائل قد يقول لمن ابتدأه بضرر أو ألم: قد عذبتني بكذا وكذا وآذيتني، كما يقول اضررت بي وآلمتني. وإنما لم يستعمل

[ 174 ]

العقاب حقيقة في الآلام المبتدئة، من حيث كان اشتقاق لفظة العقاب من المعاقبة التي لابد من تقدم سبب لها وليس هذا في العذاب. ورابعها: ان يكون أراد بالميت من حضره الموت ودنا منه. فقد يسمى بذلك القوة المقاربة على سبيل المجاز. فكأنه صلى الله عليه وآله اراد أن من حضره الموت يتأذى ببكاء اهله عنده، ويضعف نفسه، فيكون ذلك كالعذاب له. وكل هذا بين بحمد الله ومنه. في قول سيدنا محمد صلى الله عليه وآله إن قلوب بني آدم كلها بين اصبعين: (مسألة): فإن قيل: فما معنى الخبر المروي عن عبدالله بن عمر أنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين اصبعين من اصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء. ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك: اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك. والخبر الذي يرويه أنس قال رسول الله: ما من قلب آدمي إلا وهو بين اصبعين من اصابع الله تعالى، فإذا شاء ان يثبته ثبته واذشاء ان يقلبه قلبه ؟. (الجواب): قلنا ان لمن تكلم في تأويل هذه الاخبار ولم يدفعها لمنافاتها لادلة العقول ان يقول ان الاصبع في كلام العرب وان كانت هي الجارحة المخصوصه، فهي أيضا الاثر الحسن. يقال لفلان على ماله وابله اصبع حسنة. اي قيام واثر حسن. قال الراعي واسمه عبيد الله بن الحصين ويكنى بأبي جندل، يصف راعيا حسن القيام على ابله: ضعيف العصى بادي العروق ترى له * عليها إذا ما اجدب الناس اصبعا وقال لبيد: من يبسط الله عليه اصبعا * بالخير والشر بأي أولعا يملا له منه ذنوبا مترعا

[ 175 ]

وقال الآخر: أكرم نزارا واسقه المشعشا * فإن فيه خصلات اربعا مجدا وجودا ويدا واصبعا فإن الاصبع في كل ما أوردناه المراد به الاثر الحسن والنعمة، فيكون المعنى ما من آدمي الا وقلبه بين نعمتين لله تعالى جليلتين. فإن قيل: فما معنى تثنية النعمتين ونعم الله تعالى على عباده لا تحصى كثرة. قلنا: يحتمل ان يكون الوجه في ذلك نعم الدنيا ونعم الآخرة، وثناهما لانهما كالجنسين أو النوعين. وان كان كل قبيل منهما في نفسه ذا عدد كثير. ويمكن ان يكون الوجه في تسميتهم الاثر الحسن بالاصبع هو من حيث يشار إليه بالاصبع اعجابا وتنبيها عليه، وهذه عادتهم في تسمية الشئ بما يقع عنده وبما له به علقة وقد قال قوم ان الراعي اراد ان يقول يدا في موضع اصبع، لان اليد النعمة، فلم يمكنه. فعدل عن اليد إلى الاصبع لانها من اليد. وفي هذه الاخبار وجه آخر وهو أوضح من الوجه الاول واشبه بمذهب العرب وتصرف ملاحن كلامها، وهو ان يكون الغرض في ذكر الاصابع الاخبار عن تيسير تصريف القلوب وتقليبها والفعل فيها عليه عزوجل، ودخول ذلك تحت قدرته، ألا ترى أنهم يقولون هذا الشئ في خنصري واصبعي وفي يدي وقبضتي. كل ذلك إذا أرادوا وصفه بالتيسير والتسهيل وارتفاع المشقة فيه والمؤونة وعلى هذا المعنى يتأول المحققون قوله تعالى: (والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) (1) فكأنه صلى الله عليه وآله لما اراد المبالغة في وصفه بالقدرة على تقليب


(1) الزمر 67. (*)

[ 176 ]

القلوب وتصريفها بغير مشقة ولا كلفة، قال إنها بين اصابعه كناية عن هذا المعنى واختصارا للفظ الطويل يه. وقد ذكر قوم في معنى الاصابع على أنها المخلوقات من اللحم والدم استظهارا في الحجة على المخالف وجها آخر، وهو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الاصبعين، يحركه الله بهما ويقلبه بالفعل فيهما. ويكون وجه تسميتهما. بالاصبعين من حيث كانا على شكلهما. والوجه في اضافتهما إلى الله تعالى. وان كانت جميع افعاله تضاف إليه بمعنى الملك والقدرة، لانه لا يقدر على الفعل فيهما وتحريكهما منفردين عما جاوزهما غيره تعالى، وقيل إنهما اصبعان له من حيث اختص بالفعل فيهما على هذا الوجه. وهذا التأويل وان كان دون ما تقدمه فالكلام يحتمله، ولابد من ذكر القوي والضعيف إذا كان في الكلام له ادنى احتمال. في قول سيدنا محمد إن الله خلق آدم على صورته: (مسألة): فإن قيل فما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " ان الله خلق آدم على صورته "، أو ليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه وان له تعالى عن ذلك صورة. (الجواب): قلنا قد قيل في تأويل هذا الخبر أن الهاء في قوله في صورته، إذا صح هذا الخبر راجعة إلى آدم (ع) دون الله، فكان المعنى انه تعالى خلقه على الصورة التي قبض عليها، وأن حاله لم يتغير في الصورة بزيادة ولا نقصان كما تتغير احوال البشر. وذكر وجه ثان: وهو ان تكون الهاء راجعة إلى الله تعالى، ويكون المعنى انه خلقه على الصورة التي اختارها واجتباها، لان الشئ قد يضاف على هذا الوجه إلى مختاره ومصطفيه. وذكر ايضا وجه ثالث: وهو ان هذا الكلام خرج على سبب معروف لان

[ 177 ]

الزهري روي عن الحسن أنه كان يقول: مر رسول الله صلى الله عليه وآله برجل من الانصار وهو يضرب وجه غلام له ويقول قبح الله وجهك ووجه من تشبهه، فقال النبي صلى الله عليه وآله بئس ما قلت، فإن الله خلق آدم على صورة المضروب. ويمكن في هذا الخبر وجه رابع: وهو ان يكون المراد ان الله تعالى خلق صورته لينتفي بذلك الشك في أن تأليفه من فعل غيره، لان التأليف من جنس مقدور البشر، والجواهر وما شكلها من الاجناس المخصوصة من الاعراض التي ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليها. فيمكن قبل النظر ان يكون الجواهر من فعله، وتأليفها من فعل غيره. ألا ترى انا نرجع في العلم من أن تأليف السماء من فعله تعالى إلى السمع، لانه لا دلالة في العقل على ذلك. لما نرجع في أن تأليف الانسان من فعله تعالى في الموضوع الذي يستدل به على أنه عالم من حيف ظهر منه الفعل المحكم، إلى ان يجعل الكلام في اول انسان خلقه، لانه لا يمكن ان يكون مؤلفه سواه إذا كان هو أول الاحياء من المخلوقات. فكأنه عليه السلام اخبر بهذه الفائدة الجليلة وهو أن جواهر آدم عليه السلام وتأليفه من فعل الله تعالى. ويمكن وجه خامس: وهو ان يكون المعنى ان الله تعالى انشأه على هذه الصورة التي شوهد عليها على سبيل الابتداء، وأنه لم ينتقل إليها ويتدرج كما جرت العادة في البشر. وكل هذه الوجوه جائزة في معنى الخبر والله تعالى ورسوله أعلم بالمراد. في قول سيدنا محمد: سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر: (مسألة): فإن قيل: فما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه

[ 178 ]

وآله انه قال: " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " وهذا خبر مشهور لا يمكن تضعيفه ونسبته إلى الشذوذ ؟. (الجواب): قلنا: أما هذا الخبر فمطعون عليه مقدوح في راويه، فإن راويه قيس بن ابي حازم، وقد كان خولط في عقله في آخر عمره مع استمراره على رواية الاخبار. وهذا قدح لا شبهة فيه لان كل خبر مروي عنه لا يعلم تاريخه يجب ان يكون مردودا، لانه لا يؤمن ان يكون مما سمع منه في حال الاختلال. وهذه طريقة في قبول الاخبار وردها ينبغي ان يكون أصلا ومعتبرا فيمن علم منه الخروج ولم يعلم تاريخ ما نقل عنه. على أن قيسا لو سلم من هذا القدح كان مطعونا فيه من وجه آخر، وهو أن قيس بن ابي حازم كان مشهورا بالنصب والمعاداة لامير المؤمنين صلاة الله وسلامه عليه والانحراف عنه، وهو الذي قال: رأيت علي بن أبي طالب (ع) على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقية الاحزاب، فابغضته حتى اليوم في قلبي. إلى غير ذلك من تصريحه بالمناصبة والمعاداة. وهذا قادح لا شك في عدالته. على ان للخبر وجها صحيحا يجوز ان يكون محمولا عليه إذا صح، لان الرؤية قد تكون بمعنى العلم، وهذا ظاهر في اللغة ويدل عليه قوله تعالى: (الم تر كيف فعل ربك بعاد)، وقوله: (الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل). وقوله تعالى: (اولم ير الانسان انا خلقناه من نطفة). وقال الشاعر: رأيت الله إذ سمى نزارا * واسكنهم بمكة قاطنينا فيجوز ان يكون معنى الخبر على هذا " انكم تعلمون ربكم علما ضروريا كما تعلمون القمر ليلة البدر من غير مشقة ولا كد " نظر. وليس لاحد ان يقول ان الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تعدت إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على احدهما على مذهب أهل اللسان، والرؤية بالبصر تتعدى إلى مفعول واحد، فيجب ان يحمل الخبر مع فقد المفعول الثاني على الرؤية

[ 179 ]

بالبصر، وذلك أن العلم عند أهل اللغة على ضربين: علم يقين ومعرفة. والضرب الآخر يكون بمعنى الظن والحسبان. والذي هو بمعنى البصر لا يتعدى إلى اكثر من مفعول واحد. ولهذا يقولون علمت زيدا بمعنى عرفته وتيقنته، ولا يأتون بمفعول ثان وإذا كان بمعنى الظن احتاج إلى المفعول الثاني، وقد قيل ليس يمتنع ان يكون المفعول الثاني في الخبر محذوفا يدل الكلام عليه، وإن لم يكن مصرحا به. فان قيل: يجب على تأويلكم هذا ان يساوى أهل النار اهل الجنة في هذا الحكم الذي هو المعرقة الضرورية بالله تعالى، لان معارف جميع أهل الآخرة عندكم لا تكون الا اضطرارا. فإذا ثبت ان الخبر بشارة للمؤمنين دون الكافرين بطل تأويلكم. قلنا: البشارة في هذا الخبر تخص المؤمنين على الحقيقة، لان الخبر بزوال اليسير من الاذى لمن نعيمه خالص صاف يعد بشارة. ومثل ذلك لا يعد بشارة لمن هو في غاية المكروه ونهاية الالم والعذاب وأيضا فإن علم أهل الجنة بالله ضرورة يزيد في نعيمهم وسرورهم لانهم يعلمون بذلك انه تعالى يقصد بما يفعله لهم من النعيم التعظيم والتبجيل، وأنه يديم ذلك ولا يقطعه. وأهل النار إذا علموه تعالى ضرورة علموا قصده إلى اهانتهم والاستخفاف بهم وادامة مكروهم وعذابهم. فاختلف العلمان في باب البشارة وان اتفقا في انهما ضروريان: في حديث نفي الملل عن الله تعالى: (مسألة): فان قيل فما معنى الخبر الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال " ان احب الاعمال إلى الله تعالى ادومها وان قل فعليكم من الاعمال بما تطيقون فان الله لا يمل حتى تملوا ".

[ 180 ]

(الجواب): قلنا في تأويل هذا الخبر وجوه كل واحد منها يخرج كلامه صلى الله عليه وآله من حيز الشبهة: (اولها) انه اراد نفي الملل عنه تعالى، وأنه لا يمل ابدا، فعلقه بما لا يقع على سبيل التبعيد كما قال عزوجل (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) وكما قال الشاعر: فانك سوف تحكم أو تباهي * إذا ما شبت أو شاب الغراب اراد انك لا تحكم ابدا. فان قيل ومن اين لكم ان الذي علقه به لا يقع، حتى حكمتم بأنه اراد نفي الملل على سبيل التأبيد. قلنا: معلوم ان الملل لا يشمل البشر في جميع امورهم واطوارهم، وأنهم لا يعرفون من حرص ورغبة وامل وطمع، فلهذا جاز ان يعلق ما علم الله تعالى انه لا يكون تمللهم. والوجه الثاني: أن يكون المعنى انه تعالى لا يغضب عليكم فيطرحكم ويخليكم من فضله واحسانه حتى تتركوا العمل له وتعرضوا عن سؤاله والرغبة في حاجاتكم إلى جوده. فسمى الفعلين مللا وان لم يكونا على الحقيقة كذلك على مذهب العرب في تسميتها الشئ باسم غيره إذا وافق معناه من بعض الوجوه، قال عدي بن زيد العبادي: ثم اضحوا لعب الدهر بهم * وكذاك الدهر يودى بالرجال وقال عبيد بن الابرص الاسدي: سائل بنا حجر بن ام قطام إذ * ظلت به السمر الذوابل تلعب فنسب اللعب إلى الدهر والقنا تشبيها.


(1) الاعراف 40 (*)

[ 181 ]

وقال ذو الرمة: وابيض موشى القميص نصبته * على خصر مقلاة سفيه جديلها فسمى اضطراب زمامها سفها، لان السفه في الاصل هو الطيش وسرعة الاضطراب والحركة، وانما وصف ناقته بالذكاء والنشاط. والوجه الثالث: ان يكون المعنى انه تعالى لا يقطع عنكم خيره ونائله حتى تملوا من سؤاله، ففعلهم ملل على الحقيقة، وسمي فعله تعالى مللا وليس على الحقيقة. وكذلك للازدواج والتشاكل في الصورة، وان كان المعنى مختلفا. ومثله قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (1) (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (2). ومثله قول الشاعر: الا لا يجهلن احد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا وانما اراد المجازاة على الجهل، لان العاقل لا يفخر بالجهل ولا يتمدح به. واعلم ان لهذه الاخبار والمضافة إلى النبي صلى الله عليه وآله مما يقتضي ظاهرها تشبيها لله تعالى بخلقه أو جورا له في حكمه أو ابطالا لاصل عقلي، نظائر كثيرة، وان كانت لا تجري في الشهرة مجرى ما ذكرناه، ومتى تقصينا الكلام على جميع ذلك طال الكتاب جدا وخرج عن الغرض المقصود به، لا بأشرطنا ان لا نتكلم ولا نتأول فيما يضاف إلى الانبياء عليهم السلام من المعاصي إلا على آية من الكتاب، أو خبر معلوم أو مشهور يجري في شهرته مجرى المعلوم وفيما ذكرناه بلاغ وكفاية. نحن نبتدئ بالكلام على ما يضاف إلى الائمة عليهم السلام مما ظن ظانون انه قبيح ونرتب ذلك كما رتبناه في الانبياء عليهم السلام، ومن الله نستمد حسن المعونة والتوفيق.


(1) البقرة 194 (2) الشورى 40 (*)

[ 182 ]

تنزيه الائمة عليهم السلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حول نص النبي صلى الله عليه وآله على خلافة علي (ع) وعدم منازعته للمتآمرين: (مسألة): ان قال قائل إذا كان من مذهبكم يا معشر القائلين بالنص ان النبي صلى الله عليه وآله نص على علي بن ابي طالب امير المؤمنين عليه السلام بالخلافة بعده، وفوض إليه امر أمته، فما باله لم ينازع المتآمرين بعد النبي في الامر الذي وكل إليه وعول في تدبيره عليه أو ليس هذا منه اغفالا لواجب لا يسوغ اغفاله ؟ فإن قلتم انه لم يتمكن من ذلك فهلا اعذر وأبلى واجتهد، فإنه إذا لم يصل إلى مراده بعد الاعذار والاجتهاد كان معذورا. أو ليس هو عليه السلام الذي حارب اهل البصرة وفيهم زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله، وطلحة والزبير، ومكانهما من الصحبة والاختصاص والتقدم مكانهما، ولم يحشمه ظواهر هذه الاحوال من كشف القناع في حربهم حتى اتى على نفوس اكثر أهل العسكر، وهو المحارب لاهل صفين مرة بعد أخرى مع تخاذل اصحابه وتواكل أنصاره، وانه (ع) كان في اكثر مقاماته تلك وموقفه لا يغلب في ظنه الظفر ولا يرجو لضعف من معه النصر. وكان عليه السلام مع ذلك كله مصمما ماضيا قدما لا

[ 183 ]

تأخذه في الله لومة لائم، وقد وهب نفسه وماله وولده لخالقه تعالى، ورضي بأن يكون دون الحق اما جريحا أو قتيلا، فكيف لم يظهر منه بعض هذه الامور مع من تقدم والحال عندكم واحدة، بل لو قلنا انها كانت اغلظ وافحش لاصبنا لانها كانت مفتاح الشر واس الخلاف وسبب التبديل والتغيير ؟. وبعد، فكيف لم يقنع بالكف عن التفكير والعدول عن المكاشفة والمجاهرة حتى بايع القوم وحضر مجالسهم، ودخل في آرائهم وصلى مقتديا بهم، وأخذ عطيتهم ونكح من سبيهم وانكحهم، ودخل في الشورى التي هي عندكم مبنية على غير تقوى، فما الجواب عن جميع ذلك اذكروه، فإن الامر فيه مشتبه والخطب ملتبس ؟. (الجواب): قلنا أما الكلام على ما تضمنه هذا السؤال فهو مما يخص الكلام في الامامة، وقد استقصيناه في كتابنا المعروف بالشافي في الامامة، وبسطنا القول فيه في هذه الابواب ونظائرها بسطا يزيل الشبهة ويوضح الحجة، لكنا لا نخلي هذا الكتاب من حيث تعلق غرضه بهذه المواضع من اشارة إلى طريقة الكلام فيها. فنقول: قد بينا في صدر هذا الكتاب ان الائمة عليهم السلام معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها، واعتمدنا في ذلك على دليل عقلي لا يدخله احتمال ولا تأويل بشئ، فمتى ورد عن احدهم عليهم السلام فعل له ظاهر الذنب، وجب ان نصرفه عن ظاهره ونحمله على ما يطابق موجب الدليل العقلي فيهم، كما فعلنا مثل ذلك في متشابه القرآن المقتضي ظاهره ما لا يجوز على الله تعالى، وما لا يجوز على نبي من انبيائه عليهم السلام. فإذا ثبت ان أمير المؤمنين عليه السلام إمام فقد ثبت بالدليل العقلي أنه معصوم عن الخطأ والزلل، فلابد من حمل جميع افعاله على جهات الحسن ونفي القبيح عن كل واحد منها. وما كان له منها ظاهر يقتضي الذنب علمنا

[ 184 ]

في الجملة انه على غير ظاهره، فإن عرفنا وجهه على التفصيل ذكرناه، وإلا كفانا في تكليفنا ان نعلم ان الظاهر معدول عنه، وأنه لابد من وجه فيه يطابق ما تقتضيه الادلة. وهذه الجملة كافية في جميع المشتبهة من افعال الائمة عليهم السلام واقوالهم، ونحن نزيد عليها فنقول: ان الله تعالى لم يكلف انكار المنكر سواء اختص بالمنكر أو تعداه إلى غيره الا بشروط معروفة، اقواها التمكن. وان لا يغلب في ظن المنكر ان إنكارة يؤدي إلى وقوع ضرر به لا يحتمل مثله، وأن لا يخاف في انكاره من وقوع ما هو افحش منه واقبح من المنكر. وهذه شروط قد دلت الادلة عليها ووافقنا المخالفون لنا في الامامة فيها وإذا كان ما ذكرناه مراعي في وجوب انكار المنكر، فمن اين أن أمير المؤمنين عليه السلام كان متمكنا من المنازعة في حقه والمجادلة، وما المنكر من ان يكون عليه السلام خائفا متى نازع وحارب من ضرر عظيم يلحقه في نفسه وولده وشيعته، ثم ما المنكر من ان يكون خاف من الانكار من ارتداد القوم عن الدين وخروجهم عن الاسلام ونبذهم شعار الشريعة، فرأى ان الاغضاء اصلح في الدين من حيث كان يجر الانكار ضررا فيه لا يتلافى. فان قيل: فما يمنع من ان يكون انكار المنكر مشروطا بما ذكرتم، إلا انه لابد لارتفاع التمكن وخوف الضرر عن الدين والنفس من امارات لايحة ظاهرة يعرفها كل احد، ولم يكن هناك شئ من امارات الخوف وعلامات وقوع الفساد في الدين. وعلى هذا فليس تنفعكم الجملة التي ذكرتموها لان التفصيل لا يطابقها. قلنا: أول ما نقوله ان الامارات التي يغلب معها الظن بأن انكار المنكر يؤدي إلى الضرر، انما يعرفها من شهد الحال وحضرها واثرت في ظنه، وليست مما يجب ان يعلمها الغائبون عن تلك المشاهدة. ومن اتى بعد ذلك الحال بالسنين المتطاولة. وليس من حيث لم تظهر لنا تلك الامارات ولم

[ 185 ]

نحط بها علما، يجب القطع على من شهد تلك الحال لم تكن له ظاهرة، فإنا نعلم ان للمشاهد وحضوره مزية في هذا الباب لا يمكن دفعها، والعادات تقتضي بأن الحال على ما ذكرناه. فإنا نجد كثيرا ممن يحضر مجالس الظلمة من الملوك يمتنع من انكار بعض ما يجري بحضرتهم من المناكير، وربما أنكر ما يجري مجراه في الظاهر، فإذا سئل عن سبب اغضائه وكفه ذكر أنه خاف لامارة ظهرت له، ولا يلزمه ان تكون تلك الامارة ظاهرة لكل أحد، حتى يطالب بأن يشاركه في الظن والخوف كل من عرفه. بل ربما كان معه في ذلك المقام من لا يغلب على ظنه مثل ما غلب على ظنه من حيث اختص بالامارة دونه. ثم قد ذكرنا في كتابنا في الامامة من أسباب الخوف وامارات الضرر التي تناصرت بها الروايات، ووردت من الجهات المختلفة ما فيه مقنع للمتأمل، وانه (ع) غولط في الامر وسوبق إليه وانتهزت غرته، واغتنمت الحال التي كان فيها متشاغلا بتجهيز النبي صلى الله وآله عليه، وسعى القوم إلى سقيفة بني ساعدة، وجرى لهم فيها مع الانصار ما جرى، وتم لهم عليهم كما اتفق من بشير بن سعد ما تم وظهر، وانما توجه لهم من قهرهم الانصار ما توجه ان الاجماع قد انعقد على البيعة، وأن الرضا وقع من جميع الامة وروسل امير المؤمنين عليه السلام. ومن تأخر معه من بني هاشم وغيرهم مراسلة من يلزمهم بيعة قد تمت ووجبت لا خيار فيها لاحد، ولا رأي في التوقف عنها لذي رأي ثم تهددوه على التأخر، فتارة يقال له لا تقم مقام من يظن فيه الحسد لابن عمه، إلى ما شاكل ذلك من الاقوال والافعال التي تقتضي التكفل والتثبت، وتدل على التصميم والتتميم. وهذه امارات بل دلالات تدل على ان الضرر في مخالفة القوم شديد. وبعد، فان الذي نذهب إليه من سبب التقية والخوف مما لابد منه، إذا فرضوا ان مذهبنا في النص صحيح، لانه إذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد نص على امير المؤمنين (ع) بالامامة في مقام بعد مقام وبكلام لا يحتمل

[ 186 ]

التأويل، ثم رأى المنصوص عليه اكثر الامة بعد الوفاة بلا فصل، اقبلوا يتنازعون الامر تنازع من لم يعهد إليه بشئ فيه، ولا يسمع على الامامة نصا لان المهاجرين قالوا نحن احق بالامر، لان الرسول صلى الله عليه وآله منا ولكيت وكيت. وقال الانصار نحن آويناه ونصرناه فمنا امير ومنكم أمير. هذا، والنص لا يذكر فيما بينهم. ومعلوم ان الزمان لم يبعد فيتناسوه ومثله لا يتناسى، فلم يبق إلا أنه عملوا على التصميم ووطنوا نفوسهم على التجليح، وأنهم لم يستيجزوا الاقدام على خلاف الرسول صلى الله عليه وآله في اجل اوامره واوثق عهوده، والتظاهر بالعدول عما اكده وعقده، إلا لداع قوي وامر عظيم يخاف فيه من عظيم الضرر، ويتوقع منه شديد الفتنة. فأي طمع يبقى في نزوعهم بوعظ وتذكير ؟ وكيف يطمع في قبول وعظه والرجوع إلى تبصيره وارشاده من رآهم لم يتعظوا بوعظ يخرجهم من الضلالة وينقذهم من الجهالة ؟ وكيف لا يتهمهم على نفسه ودينه من رأى فعلهم بسيدهم وسيد الناس أجمعين فيما عهده وأراده وقصده ؟ وهل يتمكن عاقل بعد هذا ان يقول اي امارة للخوف ظهرت ؟ اللهم الا ان يقولوا ان القوم ما خالفوا نصا ولا نبذوا عهدا، وإن كل ذلك تقول منكم عليهم لا حجة فيه، ودعوى لا برهان عليها، فتسقط حينئذ المسألة من اصلها، ويصير تقديرها إذا كان أمير المؤمنين (ع) غير منصوص عليه بالامامة ولا مغلوب على الخلافة، فكيف لم يطالب بها ولم ينازع فيها ؟ ومعلوم انه لا مسألة في ان من لم يطالب بما ليس له، ولم يجعل إليه، وإنما المسألة في ان لم يطالب بما جعل إليه. وإذا فرضنا ان ذلك إليه، جاء منه كل الذي ذكرناه. ثم يقال لهم إذا سلمتم ان وجوب انكار المنكر مشروط بما ذكرناه من الشروط، فلم انكرتم ان يكون امير المؤمنين عليه السلام انما أحجم عن المجاهدة بالانكار، لان شروط انكار المنكر لم تتكامل، إما لانه كان خائفا على نفسه أو على من يجري مجرى نفسه، أو مشفقا من وقوع ضرر في الدين هو اعظم مما انكره. وما المانع من ان يكون الامر جرى على ذلك ؟.

[ 187 ]

فان قالوا أن امارات الخوف لم تظهر. قلنا: وأي امارة للخوف هي اقوى من الاقدام على خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله في اوثق عهوده واقوى عقوده، والاستبداد بأمر لاحظ لهم فيه. وهذه الحال تخرج من ان يكون امارة في ارتفاع الحشمة من القبيح إلى ان يكون دلالة، وإنما يسوغ أن يقال لا امارة هناك تقتضي الخوف وتدعو إلى سوء الظن إذا فرضنا ان القوم كانوا على أحوال السلامة متضافرين متناصرين متمسكين بأوامر الرسول صلى الله عليه وآله، جارين على سنته وطريقته. فلا يكون لسوء الظن عليهم مجال ولا لخوف من جهتهم طريق. فأما إذا فرضنا انهم دفعوا النص الظاهر وخالفوه وعملوا بخلاف مقتضاه، فالامر حينئذ منعكس منقلب وحسن الظن لا وجه له، وسوء الظن هو الواجب اللازم. فلا ينبغي للمخالفين لنا في هذه المسألة ان يجمعوا بين المتضادات، ويفرضوا ان القوم دفعوا النص وخالفوا موجبه، وهم مع ذلك على أحوال السلامة المعهودة منهم التي تقتضي من الظنون بهم أحسنها وأجملها على أنا لا نسلم انه (ع) لم يقع منه إنكار على وجه من الوجوه، فإن الرواية متظافرة بأنه عليه السلام لم يزل يتظلم ويتألم ويشكو أنه مظلوم ومقهور في مقام بعد مقام وخطاب بعد خطاب. وقد ذكرنا تفصيل هذه الجملة في كتابنا الشافي في الامامة واوردنا طرفا مما روي في هذا الباب، وبينا ان كلامه (ع) في هذا المعنى يترتب في الاحوال بحسب ترتبها في الشدة واللين، فكان المسموع من كلامه عليه السلام في أيام أبي بكر لا سيما في صدرها، وعند ابتداء البيعة له ما لم يكن مسموعا في أيام عمر، ثم صرح عليه السلام وبين وقوى تعريضه في أيام عثمان، ثم انتهت الحال في أيام تسليم الامر إليه إلى انه (ع) ما كان يخطب خطبة ولا يقف موقفا الا ويتكلم فيه بالالفاظ المختلفة والوجوه المتباينة، حتى اشترك في معرفة ما في نفسه الولي والعدو والقريب والبعيد. وفي بعض ما كان (ع) بيديه ويعيده

[ 188 ]

اعذار وافراغ للوسع، وقيام بما يجب على مثله ممن قل تمكنه وضعف ناصره. فأما محاربة أهل البصرة، ثم أهل صفين، فلا يجري مجرى التظاهر بالانكار على المتقدمين عليه (ع)، لانه وجد على هؤلاء اعوانا وانصارا يكثر عددهم ويرجي النصر والظفر بمثلهم، لان الشبهة في فعلهم وبغيهم كانت زايلة عن جميع الاماثل وذوي البصائر، ولم يشتبه امرهم إلا على اغنام وطغام ولا إعتبار بهم ولا فكر في نصرة مثلهم. فتعين الغرض في قتالهم ومجاهدتهم للاسباب التي ذكرناها. وليس هذا ولا شئ منه موجودا فيمن تقدم، بل الامر فيه بالعكس مما ذكرناه لان الجمهور والعدد الجم الكثير، كانوا على موالاتهم وتعظيمهم وتفضيلهم وتصويبهم في اقوالهم وافعالهم. فبعض للشبهة وبعض للانحراف عن أمير المؤمنين عليه السلام والحبة لخروج الامر عنه، وبعض لطلب الدنيا وحطامها ونيل الرياسات فيها. فمن جمع بين الحالتين وسوى بين الوقتين كمن جمع بين المتضادين. وكيف يقال هذا ويطلب منه (ع) من الانكار على من تقدم مثل ما وقع منه (ع) متأخرا في صفين والجمل، وكل من حارب معه (ع) في هذه الحروب، إلا القليل كانوا قائلين بامامة المتقدمين عليه (ع) ومنهم من يعتقد تفضيلهم على سائر الامة، فكيف يستنصر ويتقوى في اظهار الانكار على من تقدم بقوم هذه صفتهم، وابن الانكار على معاوية وطلحة وفلان وفلان من الانكار على ابي بكر وعمر وعثمان لولا الغفلة والعصبية، ولو انه (ع) يرجو في حرب الجمل وصفين وسائر حروبه ظفرا، وخاف من ضرر في الدين عظيم هو اعظم مما ينكره، لما كان إلا ممسكا ومحجما كسنته فيمن تقدم. في بيعة علي للمتآمرين: فأما البيعة، فإن اريد بها الرضا والتسليم، فلم يبايع امير المؤمنين عليه السلام القوم بهذا التفسير على وجه من الوجوه. ومن ادعى ذلك كانت عليه

[ 189 ]

الدلالة، فإنه لا يجدها. وان اريد بالبيعة الصفقة واظهار الرضا، فذلك مما وقع منه (ع)، لكن بعد مطل شديد وتقاعد طويل علمهما الخاص والعام. وانما دعاه إلى الصفقة واظهار التسليم ما ذكرناه من الامور التي بعضها يدعو إلى مثل ذلك. في حضوره مجالسهم: واما حضور مجالسهم فما كان عليه الصلاة والسلام ممن يتعمدها ويقصدها، وانما كان يكثر الجلوس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فيقع الاجتماع مع القوم هنا، وذلك ليس بمجلس لهم مخصوص. وبعد، فلو تعمد حضور مجالسهم لينهى عن بعض ما يجري فيها من منكر، فإن القوم قد كانوا يرجعون إليه في كثير من الامور، لجاز ولكان للحضور وجه صحيح له بالدين علقه قوية. فأما الدخول في آرائهم، فلم يكن عليه السلام ممن يدخل فيها إلا مرشدا لهم ومنبها على بعض ما شذ عنهم، والدخول بهذا الشرط واجب. في الصلاة خلفهم: وأما الصلاة خلفهم، فقد علمنا ان الصلاة على ضربين: صلاة مقتد مؤتم بامامه على الحقيقة، وصلاة مظهر للاقتداء والائتمام وان كان لا ينويها فإن ادعي على امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام انه صلى ناويا للاقتداء، فيجب ان يدلوا على ذلك، فإنا لا نسلمه ولا هو الظاهر الذي لا يمكن النزاع فيه. وان ادعوا صلاة مظهر للاقتداء فذلك مسلم لهم، لانه الظاهر. إلا انه غير نافع فيما يقصدونه، ولا يدل على خلاف ما يذهب إليه في امره (ع)، فلم يبق إلا ان يقال فما العلة في اظهار الاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به ؟ فالعلة في ذلك غلبة القوم على الامر وتمكنهم من الحل والعقد، لان الامتناع من اظهار الاقتداء بهم مجاهرة ومنابذة، وقد قلنا فيما

[ 190 ]

يؤدي ذلك إليه في ما فيه كفاية. في أخذه أعطيتهم: فأما أخذه الاعطية، فما اخذ عليه السلام إلا حقه ولا سأل على من اخذ ما يستحقه، اللهم الا ان يقال ان ذلك المال لم يكن وديعة له (ع) في أيديهم ولا دينا في ذممهم، فيتعين حقه ويأخذه كيف شاء وأنى شاء. لكن ذلك المال انما يكون حقا له إذا كان الجابي لذلك المال والمستفيد له ممن قد سوغت الشريعة جبايته وغنيمته، ان كان من غنيمة. والغاصب ليس له ان يغنم ولا ان يتصرف التصرف المخصوص الذي يفيد المال. عن ذلك انا نقول: ان تصرف الغاصب لامر الامة إذا كان عن قهر وغاية، وسوغت الحال للامة الامساك عن النكير خوفا وتقية يجري في الشرع مجرى تصرف المحق في باب جواز اخذ الاموال التي تفئ على يده، ونكاح السبي وما شاكل ذلك. وان كان هو لذلك الفعل موزورا معاقبا، وهذا بعينه عليه نص عن ائمتنا عليهم السلام لما سئلوا عن النكاح في دول الظالمين والتصرف في الاموال. في نكاح السبي: فأما ما ذكر في السؤال من نكاح السبي فقد قلنا في هذا الباب ما فيه كفاية لو اقتصرنا عليه لكنا نزيد في الامر وضوحا، بأن نقول ليس المشار بذلك فيه الا إلى الحنفية ام محمد رضي الله عنه، وقد ذكرنا في كتابنا المعروف بالشافي انه عليه السلام لم يستبحها بالسبي بل نكحها ومهرها، وقد وردت الرواية من طريق العامة فضلا عن طريق الخاصة بهذا بعينه فان البلاذري (1) روى في كتابه المعروف بتاريخ الاشراف، عن علي بن المغيرة بن


(1) البلاذري: (أحمد بن يحيى) مؤرخ عربي ولد في بغداد ودرس فيها، واشتهر بالنقل عن الفارسية. أهم مصنفاته كتاب فتوح البلدان وكتاب أنساب الاشراف. اعترف له الجميع بصحة الرواية والنقد. (*)

[ 191 ]

الاثرم وعباس بن هشام الكلبي، عن هشام عن خراش بن اسمعيل العجلي، قال اغارت بنو أسد على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر وقدموا بها المدينة في أول خلافة ابي بكر، فباعوها من علي عليه الصلاة والسلام، وبلغ الخبر قومها فقدموا المدينة على علي عليه السلام فعرفوها واخبروه بموضعها منهم، فاعتقها ومهرها وتزوجها، فولدت له محمدا وكناه أبا القاسم. قال وهذا هو الثبت لا الخبر الاول، يعني بذلك خبرا رواه عن المدايني، انه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى اليمن، فأصاب خولة في بني زبيدة وقد ارتدوا مع عمرو بن معد يكرب، وصارت في سهمه، وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ان ولدت منك غلاما فسمه بإسمي وكنه بكنيتي، فولدت له (ع) بعد موت فاطمة صلوات الله وسلامه عليها فسماه محمدا وكناه أبا القاسم. وهذا الخبر إذا كان صحيحا لم يبق سؤال في باب الحنفية. فأما انكاحه عليه السلام اياها، فقد ذكرنا في كتابنا الشافي، الجواب عن هذا الباب مشروحا، وبينا انه (ع) ما أجاب عمر إلى انكاح بنته إلا بعد توعد وتهدد ومراجعة ومنازعة بعد كلام طويل مأثور، اشفق معه من شؤون الحال ظهور ما لا يزال يخفيه منها، وان العباس رحمة الله عليه لما رأى ان الامر يفضي إلى الوحشة ووقوع الفرقة سأله (ع) رد أمرها إليه ففعل، فزوجها منه. وما يجري على هذا الوجه معلوم معروف انه على غير اختيار ولا إيثار. وبينا في الكتاب الذي ذكرناه انه لا يمتنع ان يبيح الشرع ان يناكح بالاكراه ممن لا يجوز مناكحته مع الاختيار، لا سيما إذا كان المنكح مظهرا للاسلام والتمسك بسائر الشريعة. وبينا أن العقل لا يمنع من مناكحة الكفار على سائر انواع كفرهم، وانما المرجع فيما يحل من ذلك أو يحرم إلى الشريعة. وفعل امير المؤمنين عليه السلام اقوى حجة في احكام الشرع، وبينا الجواب عن الزامهم لنا، فلو اكره على انكاح اليهود والنصارى لكان

[ 192 ]

يجوز ذلك، وفرقنا بين الامرين بأن قلنا إن كان السؤال عما في العقل فلا فرق بين الامرين، وان كان عما في الشرع فالاجماع يحظر ان تنكح اليهود على كل حال. وما اجمعوا على حظر نكاح من ظاهره الاسلام وهو على نوع من القبيح لكفر به، إذا اضطررنا إلى ذلك واكرهنا عليه. فإذا قالوا فما الفرق بين كفر اليهودي وكفر من ذكرتم ؟ قلنا لهم: وأي فرق بين كفر اليهودية في جواز نكاحها عندكم وكفر الوثنية. فأما الدخول في الشورى، فقد بينا في كتابنا المقدم ذكره الكلام فيه مستقصى، ومن جملته انه عليه السلام لولا الشورى لم يكن ليتمكن من الاحتجاج على القوم بفضائله ومناقبه. والاخبار الدالة على النص بالامامة عليه، وبما ذكرناه في الامور التي تدل على ان اسبابه إلى الامامة اقوى من أسبابهم، وطرقه إلى تناولها اقرب من طرقهم، ومن كان يصغي لولا الشورى إلى كلامه المستوفى في هذا المعنى. وأي حال لولاها لكانت يقتضي ذكر ما ذكره من المقامات والفضائل، ولو لم يكن في الشورى من الغرض الا هذا وحده لكان كافيا مغنيا. وبعد، فان المدخل له في الشورى هو الحامل له على اظهار البيعة للرجلين، والرضا بامامتهما وامضاء عقودهما، فكيف يخالف في الشورى ويخرج منها وهي عقد من عقود من لم يزل (ع) ممضيا في الظاهر لعقوده حافظا لعهوده، وأول ما كان يقال له انك انما لا تدخل في الشورى لاعتقادك ان الامامة اليك، وان اختيار الامة للامام بعد الرسول باطل، وفي هذا ما فيه. والامتناع من الدخول يعود إليه، ويحمل عليه. وقد قال قوم من أصحابنا انه انما دخل فيها تجويز ان ينال الامر منها. ومعلوم ان كل سبب ظن معه، أو جواز الوصول إلى الامر الذي قد تعين عليه القيام به يلزمه (ع) التوصل به الهجرة له. وهذه الجملة كافية في الجواب عن جميع ما تضمنه السؤال.

[ 193 ]

عن عدم افتائه بمذاهبه في أيام المتآمرين: (مسألة): فإن قيل: إذا كنتم تروون عنه (ع) وتدعون عليه في احكام الشريعة مذاهب كثيرة لا يعرفها الفقهاء له مذهبا، وقد كان عليه السلام عندكم يشاهد الامر يجري بخلافها، فإلا افتى بمذاهبه ونبه عليها وارشد إليها. وليس لكم ان تقولوا انه (ع) استعمل التقية كما استعملها فيما تقدم، لانه (ع) قد خالفهم في مذاهب استبد بها وتفرد بالقول فيها، مثل قطع السارق من الاصابع، وبيع امهات الاولاد، ومسائل في الحدود، وغير ذلك مما مذهبه (ع) فيه إلى الآن معروف. فكيف اتقى في بعض وأمن في آخر ؟ وحكم الجميع واحد في انه خلاف في احكام شرعية لا يتعلق بإمامة ولا تصحيح نص ولا ابطال اختيار ؟ (الجواب): قلنا: لم يظهر امير المؤمنين عليه السلام في احكام الشريعة خلافا للقوم إلا بحيث كان له موافق وان قل عدده، أو بحيث علم ان الخلاف لا يؤول إلى فساد ولا يقتضي إلى مجاهرة ولا مظاهرة. وهذه حال يعلمها الحاضر بالمشاهدة أو يغلب على ظنه فيها ما لا يعلمه الغائب ولا يظنه، واستعمال القياس فيما يؤدي إلى الوحشة بين الناس ونفار بعضهم من بعض لا يسوغ، لانا قد نجد كثيرا من الناس يستوحشون في ان يخالفوا في مذهب من المذاهب غاية الاستيحاش، وان لم يستوحشوا من الخلاف فيما هو اعظم منه وأجل موقعا، ويغضبهم في هذا الباب الصغير ولا يغضبهم الكبير. وهذا انما يكون لعادات جرت وأسباب استحكمت، ولاعتقادهم ان بعض الامور وان صغر في ظاهره، فإنه يؤدي إلى العظائم والكبائر. أو لاعتقادهم ان الخلاف في بعض الاشياء وان كان في ظاهر الامر كالخلاف في غيره، لا يقع الا مع معاند منافس. وإذا كان الامر على ما ذكرناه لم ينكر أن يكون امير المؤمنين (ع) انما لم يظهر في جميع مذاهبه التي خالف فيها القوم اظهارا واحدا، لانه (ع) علم أو غلب في ظنه ان اظهار ذلك يؤدي من

[ 194 ]

المحتمل الضرر في الدين إلى ما لا يؤدي إليه اظهار ما اظهره، وهذا واضح لمن تدبره. وقد دخل في جملة ما ذكرناه الجواب عن قولهم: لم لم يغير الاحكام ويظهر مذاهبه، وما كان مخبوا في نفسه عند افضاء الامر إليه وحصول الخلافة في يديه، فإنه لا تقية على من هو أمير المؤمنين وإمام جميع المسلمين، لانا قد بينا ان الامر ما افضى إليه (ع) إلا بالاسم دون المعنى، وقد كان عليه السلام معارضا منازعا مغصصا طول ايام ولايته إلى ان قبضه الله تعالى إلى جنته، وكيف يأمن في ولايته الخلاف على المتقدمين عليه (ع) رجل من تابعه وجمهورهم شيعة اعدائه (ع). ومن يرى انهم مضوا على اعدل الامور وأفضلها، وأن غاية من يأتي بعدهم ان يتبع آثارهم ويقتفي طرائقهم. وما العجب من ترك امير المؤمنين عليه السلام ما ترك من اظهار بعض مذاهبه التي كان الجمهور يخالفه فيها، وانما العجب من اظهار شئ من ذلك مع ما كان عليه من شر الفتنة وخوف الفرقة، وقد كان (ع) يجهر في كل مقام يقومه بما هو عليه من فقد التمكن وتقاعد الانصار وتخاذل الاعوان، بما ان ذكرنا قليله طال به الشرح وهو (ع) القائل: " والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين اهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى يظهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول يا رب ان عليا قد قضى بقضائك ". وهو القائل عليه السلام وقد استأذنه قضاته فقالوا بم نقضي يا امير المؤمنين فقال (ع): " اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو اموت كما مات اصحابي " يعني (ع) من تقدم موته من اصحابه والمخلصين من شيعته الذين قبضهم الله تعالى وهم على احوال التقية والتمسك باطنا بما أوجب الله جل اسمه عليهم التمسك به. وهذا واضح فيما قصدناه. وقد تضمن كلامنا هذا الجواب عن سؤال من يسأل عن السبب في امتناعه عليه السلام من رد فدك إلى يد مستحقها لما افضى التصرف في الامامة إليه (ع).

[ 195 ]

في مسألة التحكيم: (مسألة): فان قيل: فما الوجه في تحكيمه عليه السلام أبا موسى الاشعري وعمرو بن العاص ؟ وما العذر في ان حكم في الدين الرجال. وهذا يدل على شكه في امامته وحاجته إلى علمه بصحة طريقته ؟ ثم ما الوجه في تحكيمه فاسقين عنده عدوين له. أو ليس قد تعرض لذلك ان يخلعا امامته ويشككا الناس فيه وقد مكنهما من ذلك بأن حكمهما، وكانا غير متمكنين منه ولا أقوالهما حجة في مثله ؟ ثم ما العذر في تأخره جهاد المرقة الفسقة وتأجيله ذلك مع امكانه واستظهاره وحضور ناصره ؟ ثم ما الوجه في محو اسمه من الكتاب بالامامة وتنظيره لمعاوية في ذكر نفسه بمجرد الاسم المضاف إلى الاب كما فعل ذلك به، وانتم تعلمون ان بهذه الامور ضلت الخوارج مع شدة تخشنها في الدين وتمسكها بعلائقه ووثايقه ؟. (الجواب): قلنا كل أمر ثبت بدليل قاطع غير محتمل فليس يجوز ان نرجع عنه ونتشكك فيه لاجل امر محتمل، وقد ثبت امامة أمير المؤمنين عليه السلام وعصمته وطهارته من الخطأ وبراءته من الذنوب والعيوب بأدله عقلية وسمعية، فليس يجوز ان نرجع عن ذلك اجمع، ولا عن شئ منه، لما وقع من التحكيم للصواب بظاهره، وقبل النظر فيه كاحتماله للخطأ ولو كان ظاهره اقرب إلى الخطأ وأدنى إلى مخالفة الصواب، بل الواجب في ذلك القطع على مطابقة ما ظهر من المحتمل لما ثبت بالدليل، أو صرف ماله ظاهر عن ظاهره، والعدول به إلى موافقة مدلول الدلالة التي لا يختلف مدلولها ولا يتطرق عليها التأويل. وهذا فعلنا فيما ورد من آي القرآن التي تخالف بظاهرها الادلة العقلية مما يتعلق به الملحدون أو المجبرة أو المشبهة، وهذه جملة قد كررنا ذكرها في كتابنا هذا لجلالة موقعها من الحجة، ولو اقتصرنا في حل هذه الشبهة عليها لكانت مغنية كافية، كما انها كذلك فيما ذكرناه من الاصول. لكننا نزيد وضوحا في تفصيلها ولا نقتصر عليها كما لم نفعل ذلك

[ 196 ]

فيما صدرنا به هذا الكتاب من الكلام في تنزيه الانبياء عليهم السلام عن المعاصي. فنقول: إن امير المؤمنين عليه السلام ما حكم مختارا، بل احوج إلى التحكيم وألجئ إليه لان اصحابه (ع) كانوا من التخاذل والتقاعد والتواكل إلا القليل منهم على ما هو معروف مشهور، ولما طالت الحرب وكثر القتل وجل الخطب ملوا ذلك وطلبوا مخرجا من مقارعة السيوف، واتفق من رفع أهل الشام المصاحف والتماسهم الرجوع إليها واظهارهم الرضا بما فيها ما اتفق، بالحيلة التي نصبها عدو الله عمرو بن العاص، والمكيدة التى كادبها لما احس بالبوار وعلو كلمة أهل الحق، وأن معاوية وجنده مأخوذون قد علتهم السيوف ودنت منهم الحتوف، فعند ذلك وجد هؤلاء الاغنام طريقا إلى الفرار وسبيلا إلى وقوف أمر المناجزة. ولعل فيهم من دخلت عليه الشبهة لبعده عن الحق وغلط فهمه، وظن ان الذي دعى إليه أهل الشام من التحكيم وكف الحرب على سبيل البحث عن الحق الاستسلام للحجة لا على وجه المكيدة والخديعة، فطالبوه عليه السلام بكف الحرب والرضا بما بذله القوم فامتنع (ع) من ذلك امتناع عالم بالمكيدة ظاهر على الحيلة، وصرح لهم بأن ذلك مكر وخداع، فأبوا ولجوا فأشفق (ع) في الامتناع عليهم والخلاف لهم وهم جم عسكره وجمهور اصحابه من فتنة صماء هي اقرب إليه من حرب عدوه، ولم يأمن ان يعتدى ما بينه وبينهم إلى ان يسلموه إلى عدوه أو يسفكوا دمه، فأجاب إلى التحكيم على مضض. ورد من كان قد اخذ بخناق معاوية وقارب تناوله وأشرف على التمكن منه، حتى انهم قالوا للاشتر رحمه الله تعالى وقد امتنع من ان يكف عن القتال وقد احس بالظفر وايقن بالنصر، أتحب انك ظفرت ها هنا وامير المؤمنين عليه السلام بمكانه قد سلم إلى عدوه وتفرق اصحابه عنه. وقال لهم امير المؤمنين عليه السلام عند رفعهم المصاحف اتقوا الله وامضوا على حقكم، فإن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وانا

[ 197 ]

اعرف بهم منكم، قد صحبتهم اطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، انهم والله ما رفعوا المصاحف ليعملوا بها وانما رفعوها خديعة ودهاء ومكيدة. فأجاب (ع) إلى التحكيم دفعا للشر القوي بالشر الضعيف، وتلافيا للضرر الاعظم بتحمل الضرر الايسر، وأراد ان يحكم من جهته عبدالله بن العباس رحمة الله عليه فأبوا عليه ولجوا كما لجوا في أصل التحكيم، وقالوا لابد من يماني مع مضري. فقال (ع) فضموا الاشتر وهو يماني إلى عمرو، فقال الاشعث بن قيس: الاشتر هو الذي طرحنا فيما نحن فيه. واختاروا أبا موسى مقترحين له (ع) ملزمين له تحكيمه، فحكمهما بشرط ان يحكما بكتاب الله تعالى ولا يتجاوزاه، وانهما متى تعدياه فلا حكم لهما. هذا غاية التحرز ونهاية التيقظ، لانا نعلم انهما لو حكما بما في الكتاب لاصابا الحق. وعلمنا ان امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أولى بالامر، وانه لا حظ لمعاوية وذويه في شئ منه. ولما عدلا إلى طلب الدنيا ومكر أحدهما بصاحبه ونبذا الكتاب وحكمه وراء ظهورهما، خرجا من التحكيم وبطل قولهما وحكمهما، وهذا بعينه موجود في كلام امير المؤمنين عليه السلام لما ناظر الخوارج واحتجوا عليه في التحكيم. وكل ما ذكرناه في هذا الفصل من ذكر الاعذار في التحكيم والوجوه المحسنة له مأخوذة من كلامه عليه السلام. وقد روي ذلك عنه عليه السلام مفصلا مشروحا. فأما تحكيمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فيه، إذ كنا قد بينا ان الاكراه وقع على اصل الاختيار وفرعه، وأنه عليه السلام ألجئ إليه جملة ثم إلى تفصيله، ولو خلى عليه السلام واختياره ما أجاب إلى التحكيم اصلا، ولا رفع السيوف عن أعناق القوم. لكنه أجاب إليه ملجأ كما اجاب إلى ما اختاروه بعينه كذلك. وقد صرح (ع) بذلك في كلامه حيث يقول: لقد أمسيت أميرا واصبحت مأمورا، وكنت أمس ناهيا وأصبحت اليوم منهيا.

[ 198 ]

وكيف يكون التحكيم منه (ع) دالا على الشك، وهو (ع) ناه عنه وغير راض به ومصرح بما فيه من الخديعة ؟ وانما يدل على شك من حمله عليه وقاده إليه، وانما يقال ان التحكيم يدل على الشك إذا كنا لا نعرف سببه والحامل عليه، أو كان لا وجه له إلا ما يقتضي الشك. فأما إذا كنا قد عرفنا ما اقتضاه وادخل فيه، وعلمنا انه (ع) ما أجاب عليه إلا لدفع الضرر العظيم، ولان تزول الشبهة عن قلب من ظن به (ع) أنه لا يرضى بالكتاب ولا يجيب إلى تحكيمه، فلا وجه لما ذكروه. وقد أجاب (ع) عن هذه الشبهة بعينها في مناظرتهم لما قالوا له: اشككت ؟ فقال عليه السلام: أنا اولى بأن لا أشك في دينى أم النبي صلى الله عليه وآله ؟ أو ما قال الله تعالى لرسوله: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو اهدى منهما أتبعه ان كنتم صادقين) (1). واما قول السائل، فإنه (ع) تعرض لخلع امامته ومكن الفاسقين من ان يحكما عليه بالباطل، فمعاذ الله ان يكون كذلك، لانا قد بينا انه (ع) انما حكمهما بشرط لو وفيا به وعملا عليه، لاقرا امامته واوجبا طاعته، لكنهما عدلا عنه فبطل حكمهما، فما مكنهما من خلع امامته ولا تعرض منهما لذلك. ونحن نعلم ان من قلد حاكما أو ولى اميرا ليحكم بالحق ويعمل بالواجب فعدل عما شرط عليه وخالفه، لا يسوغ القول بأن من ولاه عرضه لباطل ومكنه من العدول عن الواجب، ولم يلحقه شئ من اللوم بذلك، بل كان اللوم عائدا على من خالف ما شرط عليه. فأما تأخيره جهاد الظالمين وتأجيل ما يأتي من استيصالهم، فقد بينا العذر فيه، وان اصحابه (ع) تخاذلوا وتواكلوا واختلفوا، وان الحرب بلا أنصار وبغير اعوان لا يمكن. والمتعرض لها مغرر بنفسه وأصحابه.


(1) القصص 49 (*)

[ 199 ]

فأما عدوله عن التسمية بأمير المؤمنين واقتصاره على التسمية المجردة، فضرورة لحال دعت إليها. وقد سبق إلى مثل ذلك سيد الاولين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وآله في عام الحديبية، وقصته مع سهل بن عمرو، وأنذره عليه السلام بأنه: ستدعى إلى مثل ذلك وتجيب على مضض. فكان كما أنذر وخبر رسول الله صلى الله عليه وآله. واللوم بلا اشكال زايل عما اقتدى فيه بالرسول صلى الله عليه وآله. وهذه جملة تفصيلها يطول، وفيها لمن انصف من نفسه بلاغ وكفاية. في أن عليا لم يندم على التحكيم: (مسألة): فان قيل فإذا كان عليه السلام من أمر التحكيم على ثقة ويقين فلم روي عنه (ع) انه كان يقول بعد التحكيم في مقام بعد آخر: لقد عثرت عثرة لا تنجبر * سوف اكيس بعدها واستمر واجمع الرأي الشتيت المنتشر أو ليس هذا اذعانا بأن التحكيم جرى على خلاف الصواب ؟. (الجواب): قلنا قد علم كل عاقل قد سمع الاخبار ضرورة ان أمير المؤمنين عليه السلام وأهله وخلصاء شيعته وأصحابه كانوا من أشد الناس اظهارا لوقوع التحكيم من الصواب والسداد موقعه، وان الذي دعي إليه حسن، والتدبير اوجبه، وأنه (ع) ما اعترف قط بخطأ فيه ولا اغضى عن الاحتجاج على من شك فيه وضعفه، كيف والخوارج انما ضلت عنه وعصته وخرجت عليه، لاجل انها ارادته على الاعتراف بالزلل في التحكيم فامتنع كل امتناع وأبي اشد اباء وقد كانوا يقنعون منه ويعاودون طاعته ونصرته بدون هذا الذي اضافوه إليه (ع) من الاقرار بالخطأ واظهار الندم. وكيف يمتنع من شئ ويعترف بأكثر منه، ويغصب من جزء ويجيب إلى كل هذا مما لا يظن به احد ممن يعرفه حق معرفته. وهذا الخبر شاذ ضعيف، فإما ان يكون باطلا

[ 200 ]

موضوعا أو يكون الغرض فيه غير ما ظنه القوم من الاعتراف بالخطأ في التحكيم. فقد روي عنه عليه السلام معنى هذا الخبر وتفسير مراده منه، ونقل من طرق معروفة موجودة في كتب اهل السير، انه عليه السلام لما سئل عن مراده بهذا الكلام، قال كتب الي محمد بن ابي بكر بأن اكتب له كتابا في القضاء يعمل عليه، فكتبت له ذلك وانفذته إليه، فاعترضه معاوية فأخذه، فأسف (ع) على ظفر عدوه بذلك، واشفق من أن يعمل بما فيه من الاحكام، وتوهم ضعفة اصحابه ان ذلك من علمه ومن عنده، فتقوى الشبهة به عليهم. وهذا وجه صحيح يقتضي التأسف والتندم، وليس في الخبر المتضمن للشعر ما يقتضي ان تندمه كان على التحكيم دون غيره. فإذا جاءت رواية بتفسير ذلك عنه (ع)، كان الاخذ بها اولى. في أن قتله للخوارج كان بعهد من رسول الله: (مسألة): فإن قيل فما الوجه فيما فعله أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام عند حربه للخوارج يوم النهروان من رفعه رأسه إلى السماء ناظرا إليها تارة والى الارض أخرى وقوله (ع): والله ما كذبت ولا كذبت. فلما قتلهم وفرغ من الحرب، قال له ابنه الحسن (ع): يا أمير المؤمنين أكان رسول الله صلى الله عليه وآله تقدم اليك في هؤلاء بشئ ؟. قال: لا ولكن أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بكل حق، ومن الحق أن أقاتل المارقين والناكثين والقاسطين. أو ليس قد تعلق بهذا النظام في كتابه المعروف بالنكت. وقال هذا توهيم منه (ع) لاصحابه أن رسول الله قد تقدم إليه في أن الخوارج سيخالفوه ويقتلهم، إذ يقول والله ما كذبت ولا كذبت. (الجواب): إنا لا ندري كيف ذهب على النظام كذب هذه الرواية، يعني التضمنة لقوله (ع) انه لم يتقدم الرسول إليه في ذلك بشئ، إن كان النظام رواها ونقلها، ام كيف استجاز ان يضيفها إليه (ع) ان كان تخرصها ؟ وكيف ظن ان مثل ذلك يخفى على احد مع ظهور الحال وتواتر الروايات عنه

[ 201 ]

عليه السلام بالانذار لقتال أهل النهروان وكيفيته، والاشعار بقتل المخدج ذي الثدية، وإنما كان عليه السلام ينظر إلى السماء ثم إلى الارض ويقول ما كذبت ولا كذبت استبطاء لوجود المخدج، لانه (ع) عند قتل القوم أمر بطلبه في جملة القتلى، فلما طال الامر في وجوده واشفق (ع) من وقوع شبهة من ضعفة اصحابه فيما كان يخبر به وينذر من وجوده فقلق (ع) لذلك واشتد همه وكرر قوله ما كذبت ولا كذبت، إلى ان اتاح الله وجوده والظفر به بين القتلى على الهيئة التي كان (ع) ذكرها، فلما احضروه اياه كبر (ع) واستبشر بزوال الشبهة في صحة خبره. وقد روى من طرق مختلفة وجهات كثيرة عنه (ع) الانذار بقتال الخوارج وقتل المخدج على صفته التي وجد عليها، وأنه عليه السلام كان يقول لاصحابه أنهم لا يعبرون النهر حتى يصرعوا دونه، وأنه لا يقتل من أصحابه إلا دون العشرة، ولا يبقى من الخوارج إلا دون العشرة، حتى أن رجلا من اصحابه قال له يا أمير المؤمنين ذهب القوم وقطعوا النهر. فقال (ع) لا والله ما قطعوه ولا يقطعونه حتى يقتلوا دونه عهدا من الله ورسوله. فكيف يستشعر عاقل ان ذلك من غير علم ولا اطلاع من الرسول صلى الله عليه وآله على وقوعه وكونه. وقد روي عن ابن ابي عبيدة اليماني لما سمعه (ع) يخبر عن النبي صلى الله عليه وآله بقتال الخوارج قبل ذلك بمدة طويلة وقتل المخدج، شك فيه لضعف بصيرته فقال له: أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ؟ فقال أي ورب الكعبة مرات. وقد روي أمر الخوارج وقتال أمير المؤمنين عليه السلام لهم وانذار الرسول صلى الله عليه وآله بذلك جماعة من الصحابة، لولا ان في ذكر ذلك خروجا عن غرض الكتاب لذكرناه، حتى أن عائشة روت ذلك فيما رفعه عامر عن مسروق

[ 202 ]

قال: دخلت على عائشة، فقالت من قتل الخوارج ؟ قلت قتلهم علي بن ابي طالب عليه السلام. فسكتت. فقلت لها يا امة اسألك بحق الله وحق نبيه وحقي، فإني لك ولد إن كنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهم شيئا لما اخبرتنيه. قالت سمعت رسول الله يقول هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة. وعن مسروق ايضا عن عائشة أنها قالت من قتل ذا الثدية ؟ قلت علي بن ابي طالب. قالت لعن الله عمرو بن العاص، فإنه كتب الي يخبرني انه قتله بالاسكندرية، إلا انه لا يمنعني ما في نفسي ان أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فيه سمعته يقول يقتلهم خير امتي بعدي. وروى فضالة بن ابي فضيلة وهو ممن كان شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا، قال اشتكى امير المؤمنين عليه السلام بينبع شكاة ثقل منها، فخرج ابي يعوده، فخرجت معه، فلما دخل عليه قال لا تخرج إلى المدينة، فإن اصابك اجلك شهدك اصحابك وصلوا عليك وإنك هاهنا بين ظهراني اعراب جهينة. فقال عليه السلام اني لا اموت من مرضي هذا لانه فيما عهده الي رسول الله صلى الله عليه وآله اني لا اموت حتى أؤمر واقتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وحتى تخضب هذه من هذا وأشار (ع) إلى لحيته ورأسه. وذكر المروي في هذا الباب يطول والامر في اخباره عليه السلام بقصة الخوارج وقتاله (ع) لهم وانذاره بذلك ظاهرا جدا. بيان أن عليا قد يعرض في كلامه خدعة الحرب: (مسألة): فإن قيل فما الوجه فيما روي عنه عليه السلام من قوله: إذا حدثتكم عن رسول الله بحديث فهو كما حدثتكم، فوالله لان أخر من السماء احب الي من أن اكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله. وإذا سمعتموني احدث فيما بيني وبينكم، فإنما الحرب خدعة. وأليس هذا مما نفاه النظام ايضا وقال لم

[ 203 ]

يحدثهم عن رسول الله بالمعاريض لما اعتذر من ذلك، وذكر ان هذا يجري مجرى التدليس في الحديث. (الجواب): قلنا ان امير المؤمنين عليه السلام لفرط احتياطه بالدين وتخشنه فيه وعلمه بأن المخبر ربما دعته الضرورة إلى ترك التصريح واستعمال التعريض، أراد ان يميز للسامعين بين الامرين ويفصل لهم بين ما لايدخل فيه التعريض من كلامه مما باطنه كظاهره، وبين ما يجوز ان يعرض فيه للضرورة، وهذا نهاية الحكمة منه وازالة اللبس والشبهة، ويجري البيان والايضاح بالضد فيما يوهمه النظام من دخوله في باب التدليس في الحديث، لان المدلس يقصد إلى الابهام ويعدل عن البيان والايضاح طلبا لتمام غرضه. وهو عليه السلام ميز بين كلامه وفرق بين انواعه حتى لا تدخل الشبهة فيه على احد. واعجب من هذا كله قوله انه لو لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالمعاريض لما اعتذر من ذلك، لانه ما اعتذر كما ظنه، وانما نفى ان يكون التعريض مما يدخل روايته عن رسول الله. كما انه ربما دخل ما يخبر به عن نفسه قصدا للايضاح، ونفي الشبهة. وليس كل من نفى عن نفسه شيئا واخبر عن براءته منه فقد فعله. وقوله عليه السلام لان أخر من السماء يدل على انه ما فعل ذلك ولا يفعله، وإنما نفاه حتى لا يلتبس على احد خبره عن نفسه، ومما يجوز فيه مما يرويه ويسنده إلى رسول الله. في قوله ما حدثني أحد عن الرسول إلا استحلفته: (مسألة): فإن قيل فما الوجه فيما روي عنه عليه الصلاة والسلام من انه قال كنت إذا حدثني احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله بحديث استحلفته بالله أنه سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله فإن حلف صدقته وإلا فلا. وحدثني ابو بكر وصدقني، أو ليس هذا الخبر مما طعن به النظام وقال لا يخلو المحدث عنده من ان يكون ثقة أو متهما. فإن كان ثقة فما معنى

[ 204 ]

الاستحلاف ؟ وان كان متهما فكيف يتحقق قول المتهم بيمينه ؟ وإذا جاز ان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالباطل جاز ان يحلف على ذلك بالباطل ؟. (الجواب): قلنا هذا خبر ضعيف مدفوع مطعون على اسناده، لان عثمان بن المغيرة رواه عن علي بن ربيعة الوالبي عن اسماء بن الحكم الفزاري. قال سمعت عليا عليه السلام يقول كذا وكذا واسماء بن الحكم هذا مجهول عند اهل الرواية لا يعرفونه ولا روي عنه شئ من الاحاديث غير هذا الخبر الواحد. وقد روي ايضا من طريق سعد بن سعيد بن ابي سعيد المقري عن اخيه عن جده ابي سعيد رواه هشام بن عمار والزبير بن بكار عن سعد بن سعيد بن ابي سعيد عن اخيه عبدالله بن سعيد عن جده عن امير المؤمنين عليه السلام. وقال الزبير عن سعد بن سعيد أنه ما ارى اخبث منه. وقال أبو عبدالرحمن الشيباني: عبدالله بن سعيد بن ابي سعيد المقري متروك الحديث. وقال يحيى بن معين انه ضعيف. ورووه من طريق ابي المغيرة المخزومي عن ابن نافع عن سليمان بن يزيد عن المقري وابو مغيرة المخزومي مجهول لا يعرفه اكثر اهل الحديث. ورووه من طريق عطا بن مسلم عن عمارة عن محرز عن ابي هريرة عن امير المؤمنين عليه السلام قالوا: محرز لم يسمع من امير المؤمنين (ع) بل لم يره، وعمارة وهو عمارة بن حريز وهو ابن هرون العبدي، قيل أنه متروك الحديث. ومما ينبئ عن ضعف هذا الحديث واختلاله ان من المعروف الظاهر أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يرو عن احد قط حرفا غير النبي صلى الله عليه وآله. واكثر ما يدعى عليه من ذلك هذا الخبر الذي نحن في الكلام عليه. وقوله ما حدثني احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا استحلفته، يقتضي ظاهره أنه قد سمع اخبارا عنه (ع) من جماعة من الصحابة. والمعلوم خلاف ذلك. واما تعجب النظام من الاستحلاف ففي غير موضعه، لانا نعلم ان في عرض اليمين تهيبا لمن

[ 205 ]

عرضت عليه وتذكيرا بالله تعالى وتخويفا من عقابه، سواء كان من تعرض والاقدام عليها يزيدنا في الثقة بصيرة، وربما قوى ذلك حال الظنين لبعد الاقدام على اليمين الفاجرة، ولهذا نجد كثيرا من الجاحدين للحقوق متى عرضت عليهم اليمين امتنعوا منها وأقروا بها بعد الجحود واللجاج. ولهذا استظهر في الشريعة باليمين على المدعى عليه، وفي القاذف زوجته بالتلفظ باللعان. ولو أن ملحدا أراد الطعن على الشريعة واستعمل من الشبهة ما استعمله النظام، فقال اي معنى لليمين في الدعاوى، والمستحلف ان كان ثقة فلا معنى لاحلافه، وان كان ظنينا متهما فهو بأن يقدم على اليمين اولى. وكذلك في القاذف زوجته لما كان له جواب إلا ما اجبنا به النظام، وقد ذكرناه. وقد حكي عن الزبير بن بكار في هذا الخبر تأويل قريب وهو انه قال: كان ابو بكر وعمر إذا جاءهما حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يعرفانه لا يقبلاه حتى يأتي مع الذي ذكره آخر، فيقوما مقام الشاهدين. قال فأقام امير المؤمنين عليه السلام اليمين مع دعوى المحدث مقام الشاهد مع اليمين في الحقوق، كما اقاما الرواية في طلب شاهدين عليهما مقام باقي الحقوق. فان قيل أو ليس هذا الحديث إذا سلمتوه واخذتم في تأويله يقتضي ان أمير المؤمنين عليه السلام ما كان يعلم الشئ الذي يخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وانه كان يستفيده إلا من المخبر، ولولا ذلك لما كان لاستحلافه معنى ؟ وهذا يوجب انه (ع) كان غير محيط بعلم الشريعة على ما يذهبون إليه ؟. قلنا: قد بينا الجواب عن هذه الشبهة في كتابنا الملقب بالشافي في الامامة، وذكرنا انه (ع) وان كان عالما بصحة ما اخبره به المخبر، وأنه من الشرع، فقد يجوز ان يكون المخبر له به ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وآله، وإن

[ 206 ]

كان من شرعه، ويكون كاذبا في ادعائه السماع، فكان يستحلفه لهذه العلة. وقلنا أيضا لا يمتنع ان يكون ذلك انما كان منه (ع) في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وفي تلك الاحوال لم يكن محيطا بجميع الاحكام، بل كان يستفيدها حالا بعد حال. فان قيل: كيف خص ابا بكر في هذا الباب بما لم يخص به غيره ؟ قلنا: يحتمل ان يكون ابو بكر حدثه بما علم أنه سمعه من الرسول وحضر تلقيه له من جهته صلى الله عليه وآله، فلم يحتج إلى استحلافه لهذا الوجه. في حكمه بعد غنيمة المال والذرية: (مسألة): فإن قيل فما الوجه فيما ذكره النظام في كتابه المعروف بالنكت من قوله العجب مما حكم به علي بن ابي طالب في حرب اصحاب الجمل، لانه (ع) قتل المقاتلة ولم يغنم، فقال له قوم من اصحابه إن كان قتلهم حلالا فغنيمتهم حلال، وإن كان قتلهم حراما فغنيمتهم حرام فكيف قتلت ولم تسب ؟ فقال (ع) فأيكم يأخذ عائشة في سهمه ؟ فقال قوم إن عائشة تصان لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فنحن لا نغنمها ونغنم من ليس سبيله من رسول الله صلى الله عليه وآله سبيلها، قال فلم يجبهم إلى شئ من ذلك. فقال له عبدالله بن وهب الراسبي: أليس قد جاز ان يقتل كل من حارب مع عائشة ولا تقتل عائشة ؟ قال بلى قد جاز ذلك وأحله الله عزوجل. فقال له عبدالله بن وهب: فلم لا جاز ان نغنم غير عايشة ممن حاربنا ويكون غنيمة عايشة غير حلال لنا فيما تدفعنا عن حقنا. فأمسك (ع) عن جوابه وكان هذا أول شئ حقدته الشراة على علي عليه الصلاة والسلام ؟ (الجواب): قلنا ليس يشنع امير المؤمنين عليه السلام ويعترضه في الاحكام الا من قد اعمى الله قلبه وأضله عن رشده، لانه المعصوم الموفق المسدد على ما دلت عليه الادلة الواضحة. ثم لو لم يكن كذلك وكان على

[ 207 ]

ما يعتقده المخالفون، اليس هو الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وآله بأنه (ع) اقضي الامة واعرفها بأحكام الشريعة ؟ وهو الذي شهد صلى الله عليه وآله له بأن الحق معه يدور كيف ما دار ؟ فينبغي لمن جهل وجه شئ فعله (ع) ان يعود على نفسه باللوم ويقر عليها بالعجز والنقص، ويعلم ان ذلك موافق للصواب والسداد، وإن جهل وجهه وضل عن علته. وهذه جملة يغني التمسك بها عن كثير من التفصيل، واستعمال كثير من التأويل. وأمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتل اهل القبلة إلا بعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد صرح (ع) بذلك في كثير من كلامه الذي قد مضى حكاية بعضه، ولم يسر فيهم إلا بما عهده إليه من السيرة. وليس بمنكر ان يختلف احكام المحاربين فيكون منهم من يقتل ولا يغنم. ومنهم من يقتل ولا يغنم. لان احكام الكفار في الاصل مختلفة مقاتلو امير المؤمنين عليه السلام عندنا كفار لقتالهم له. وإذا كان في الكفار من يقر على كفره ويؤخذ الجزية منه، ومنهم من لا يقر على كفره ولا يقعد عن محاربته، إلى غير ذلك مما اختلفوا فيه من الاحكام جاز ايضا ان يكون فيهم من يغنم ومن لا يغنم، لان الشرع لا ينكر فيه هذا الضرب من الاختلاف. وقد روي ان مرتدا على عهد ابي بكر يعرف بعلانة ارتد، فلم يعرض ابو بكر لما له. وقالت امرأته ان يكن علانة ارتد فانا لم نرتد. وروي مثل ذلك في مرتد قتل في ايام عمر بن الخطاب، فلم يعرض لما له. وروي ان امير المؤمنين عليه السلام قتل مستوردا العجلي ولم يعرض لميراثه. فالقتل ووجوبه ليس بامارة على تناول المال واستباحته، على ان الذي رواه النظام من القصة محرف معدول عن الصواب، والذي تظاهرت به الروايات ونقله أهل السير في هذا الباب من طرق مختلفة، أن امير المؤمنين عليه السلام لما خطب بالبصرة وأجاب عن مسائل شتى سئل عنها، واخبر بملاحم وأشياء تكون بالبصرة، قام إليه عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال

[ 208 ]

يا امير المؤمنين، ان الناس يكثرون في أمر الفئ ويقولون من قاتلنا فهو وماله وولده فئ لنا. وقام رجل من بكر بن وايل يقال له عباد بن قيس، فقال يا امير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت في الرعية، فقال عليه السلام ولم ويحك ؟ قال لانك قسمت ما في العسكر وتركت الاموال والنساء والذرية. فقال امير المؤمنين (ع): يا ايها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن. فقال عباد بن قيس جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات. فقال عليه السلام ان كنت كاذبا فلا اماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف. فقال رجل يا امير المؤمنين ومن غلام ثقيف ؟ فقال رجل لا يدع لله حرمة الا انتهكها. فقال له الرجل أيموت أو يقتل ؟ فقال امير المؤمنين عليه السلام بل يقصمه قاصم الجبارين يخترق سريره لكثرة ما يحدث من بطنه، يا أخا بكر انت امرؤ ضعيف الرأي، أما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وان الاموال كانت بينهم قبل الفرقة يقسم ما حواه عسكرهم، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم، فإن عدا علينا احد اخذناه بذنبه، وان كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره. يا أخا بكر والله لقد حكمت فيكم بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل مكة قسم ما حواه العسكر، ولم يعرض لما سوى ذلك. وانما اقتفينا اثره حذو النعل بالنعل. يا أخا بكر، اما علمت ان دار الحرب يحل ما فيها، ودار الهجرة محرم ما فيها إلا بحق، مهلا مهلا رحمكم الله فإن انتم انكرتم ذلك علي، فأيكم يأخذ أمه عايشة بسهمه ؟ قالوا يا امير المؤمنين اصبت واخطأنا وعلمت وجهلنا، أصاب الله بك الرشاد والسداد. فاما قول النظام ان هذا اول ما حقدته الشراة عليه فباطل، لان الشراة ما شكوا قط فيه عليه السلام ولا ارتابوا بشئ من افعاله قبل التحكيم الذي منه دخلت الشبهة عليهم، وكيف يكون ذلك وهم الناصرون له بصفين والمجاهدون بين يديه والسافكون دماءهم تحت رايته. وحرب صفين كانت

[ 209 ]

بعد الجمل بمدة طويلة فكيف يدعى ان الشك منهم في أمره كان ابتداءه في حرب الجمل لولا ضعف البصائر ؟ في أن الزبير لم يلحق بعلي وهو لم يقتل قاتله (مسألة): فإن قيل فما الوجه ذكره النظام من أن ابن جرموز لما أتى أمير المؤمنين عليه السلام برأس الزبير وقد قتله بوادي السباع، قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما كان ابن صفية بجبان، ولا لئيم، لكن الحين ومصارع السوء. فقال ابن جرموز الجائزة يا أمير المؤمنين. فقال (ع) سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول بشر قاتل ابن صفية بالنار. فخرج ابن جرموز وهو يقول: أتيت عليا برأس الزبير * وكنت أرجى به الزلفة فبشر بالنار قبل العيان * فبئس البشارة والتحفة فقلت له ان قتل الزبير * لولا رضاك من الكلفة فان ترض ذاك فمنك الرضا * وإلا فدونك لي حلفة ورب المحلين والمحرمين * ورب الجماعة والالفة لسيان عندي قتل الزبير * وضرطة عنز بذي الجحفة قال النظام، وقد كان يجب على علي عليه السلام أن يقيده بالزبير وكان يجب على الزبير إذ بان أنه على خطأ أن يلحق يعلي فيجاهد معه (الجواب): أنه لا شبهة في أن الواجب على الزبير أن يعدل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أو ينحاز إليه ويبذل نصرته لا سيما ان كان رجوعه على طريق التوبة والانابة. ومن أظهر ما أظهر من المباينة والمحاربة إذا تاب وتبين خطأه يجب عليه أن يظهر ضد ما كان أظهره لا سيما وأمير المؤمنين عليه السلام في تلك الحال مصاف لعدوه ومحتاج إلى نصرة من هو دون الزبير

[ 210 ]

في الشجاعة والنجدة، وليس هذا موضع إستقصاء ما يتصل بهذا المعنى وقد ذكرناه في كتابنا الشافي المقدم ذكره. فأما أمير المؤمنين، فإنما عدل أن يقيد ابن جرموز بالزبير لاحد أمرين: إن كان ابن جرموز قتله غدرا وبعد أن آمنه وقتله بعد أن ولى مدبرا، وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام أمر أصحابه أن لا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح فلما قتل ابن جرموز مدبرا كان بذلك عاصيا مخالفا لامر إمامه، فالسبب في أنه لم يقيده به أن أولياء الدم الذين هم أولاد الزبير لم يطالبوا بذلك ولا حكموا فيه وكان أكبرهم والمنظور إليه منهم عبدالله محاربا لامير المؤمنين عليه السلام، مجاهرا له بالعداوة والمشاقة فقد أبطل بذلك حقه، لانه لو أراد أن يطالب به لرجع عن الحرب وبايع وسلم ثم طالب بعد ذلك فانتصف له منه. وإن كان الامر الآخر وهو ان يكون إبن جرموز ما قتل الزبير الا مبارزة من غير غدر ولا أمان تقدم على ما ذهب إليه قوم، فلا يستحق بذلك قودا ولا مسألة ها هنا في القود. فإن قيل فعلى هذا الوجه ما معنى بشارته بالنار ؟ قلنا، المعنى فيها الخبر عن عاقبة أمره، لان الثواب والعقاب إنما يحصلان على عواقب الاعمال وخواتيمها، وابن جرموز هذا خرج مع أهل النهروان على أمير المؤمنين عليه السلام، فقتل هناك. فكان بذلك الخروج من أهل النار لا بقتل الزبير. فإن قيل: فأي فائدة لاضافة البشارة بالنار إلى قتل الزبير وقتله طاعة وقربة، وإنما يجب ان تضاف البشارة بالنار إلى ما يستحق به النار قلنا: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه (عليه السلام) أراد التعريف والتنبيه، وإنما يعرف

[ 211 ]

الانسان بالمشهور من أفعاله، والظاهر من أوصافه، وابن جرموز كان غفلا خاملا، وكان فعله بالزبير من أشهر ما يعرف به مثله وهذا وجه في التعريف صحيح. والجواب الثاني: ان قتل الزبير إذا كان بإستحقاق على وجه الصواب من أعظم الطاعات وأكبر القربات، ومن جرى على يده يظن به الفوز بالجنة، فأراد (عليه السلام) أن يعلم الناس أن هذه الطاعة العظيمة التي يكثر ثوابها إذا لم تعقب بما يفسده غير نافعة لهذا القاتل، وأنه سيأتي من فعله في المستقبل ما يستحق به النار، فلا تظنوا به لما اتفق على يده من هذه الطاعة خيرا. وهذا يجري مجرى أن يكون لاحدنا صاحب خصيص به خفيف في طاعته مشهور بنصيحته، فيقول هذا المصحوب بعد برهة من الزمان لمن يريد اطرافه وتعجبه: أو ليس صاحبي فلان الذى كانت له من الحقوق كذا وكذا، وبلغ من الاختصاص بي إلى منزلة كذا قتلته وأبحت حريمه وسلبت ماله ؟ وان كان ذلك انما استحقه بما تجدد منه في المستقبل، وانما عرف بالحسن من أعماله على سبيل التعجب وهذا واضح. في الاحكام المدعى مخالفة علي فيها لمن سواه (مسألة): فإن قيل فما الوجه فيما عابه النظام به عليه السلام من الاحكام التي داعى أنه خالف فيها جميع الامة، مثل بيع أمهات الاولاد وقطع يد السارق من أصول الاصابع ودفع السارق إلى الشهود، وجلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا في خلافة عثمان وجهره بتسمية الرجال في القنوت وقبوله شهادة الصبيان بعضهم على بعض، والله تعالى يقول: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وأخذه (عليه السلام) نصف دية الرجل من أولياء المرأة وأخذه نصف دية العين من المقتص من الاعور وتخليفه رجلا يصلى العيدين بالضعفاء في المسجد الاعظم، وأنه (عليه السلام) أحرق رجلا أتى غلاما في دبره، وأكثره ما أوجب على من فعل هذا الفعل الرجم،

[ 212 ]

وأنه أوتى بمال من مهور البغايا فقال عليه السلام ارفعوه حتى يجئ عطاء غني وباهلة. فقال النظام لم خص بهذا غنيا وباهلة ؟ فان كانوا مؤمنين فمن عداهم من المؤمنين كهم في جواز تناول هذا المال وان كانوا غير مؤمنين فكيف يأخذون العطاء مع المؤمنين ؟ قال وذلك المال وان كان من مهور البغايا أو بيع لحم الخنازير بعد أن تملكه الكفار ثم يبيحه الله على المؤمنين فهو حلال طيب للمؤمنين. (الجواب): إنا قد بينا قبل هذا الموضع أنه لا يعترض على أمير المؤمنين عليه السلام في أحكام الشريعة ويطمع فيه من عثرة أو زلة إلا معاند لا يعرف قدره، ومن شهد له النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه أقضى الامة وان الحق معه كيف ما دار، وضرب بيده على صدره وقال: اللهم أهد قلبه وثبت لسانه لما بعثه إلى اليمن حتى قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فما شككت في قضاء بين اثنين. وقال النبي فيه: " انا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب " لا يجوز أن يعترض أحكامه عليه السلام، ولا يظن بها إلا الصحة والسداد. وأعجب من هذا كله الطعن على هذه الاحكام وأشباهها بأنها خلاف الاجماع وأي إجماع ليت شعرى يكون وأمير المؤمنين عليه السلام خارج منه ولا أحد من الصحابة الذين لهم في الاحكام مذاهب وفتاوى وقيام، إلا وقد تفرد بشئ لم يكن له عليه موافق، وما عد مذهبه خروجا عن الاجماع ولو لا التطويل لذكرنا شرح هذه الجملة ومعرفتها وظهورها بغنينا عن تكلف ذلك ولو كان للطعن على أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الاحكام مجال وله وجه لكان أعداؤه من بني أمية والمتقربين إليهم من شيعتهم بذلك أخبر وإليه اسبق، وكانوا يعيبونه عليه ويدخلونه في جملة مثالبهم ومعايبهم التى تمحلوها، ولما تركوا ذلك حتى يستدركه النظام بعد السنين الطويلة وفى أضرابهم عن ذلك دليل على أنه لا مطعن بذلك ولا معاب. وبعد، فكل شئ فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الاحكام

[ 213 ]

وكان له مذهبا، ففعله له واعتقاده إياه هو الحجة فيه، وأكبر البرهان على صحته لقيام الادلة على أنه عليه السلام لا يزل ولا يغلط ولا يحتاج إلى بيان وجوه زايدة على ما ذكرناه إلا على سبيل الاستظهار والتقرير على الخصوم وتسهيل طريق الحجة عليهم. فأما بيع أمهات الاولاد فلم يسر فيهن إلا بنص الكتاب وظاهره، قال الله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) (1) ولا شبهة في أن أم الولد يطؤها سيدها بملك اليمين، لانها ليست زوجة ولا هو عاد في وطئها إلى ما لا يحل، وإذا كانت مملوكة مسترقة بطل ما يدعونه من أن ولدها اعتقها، ويبين ذلك أيضا أنه لا خلاف في أن لسيدها أن يعتقها. ولو كان الولد قد أعتقها لما صح ذلك، لان عتق المعتق محال. وهذه الجملة توضح عن بطلان ما يروونه من أن ولدها أعتقها، ثم يقال لهم اليس هذا الخبر لم يقتض أن لها جميع أحكام المعتقات، لانه لو اقتضى ذلك لما جاز أن يعتقها السيد، ولا أن يطأها إلا بعقد، وانما اقتضى بعض أحكام المعتقات. فلابد من مزيل فيقال لهم: فما انكرتم من أن مخالفكم يمكنه أن يستعمله أيضا على سبيل التخصيص كما استعملتموه، فنقول انه لو أراد بيعها لم يجز إلا في دين، وعند ضرورة، وعند موت الولد. فكأنها يجري مجرى المعتقات فيما لا يجوز بيعها فيه، وان لم يجز من كل وجه كما أجريتموها مجراهن في وجه دون آخر. فأما قطع السارق من الاصابع فهو الحق الواضح الجلي، لان الله تعالى قال (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (2) واسم اليد يقع على جملة هذا العضو إلى المنكب، ويقع عليه أيضا إلى المرافق والى الزند والى


(1) المعارج 29 - 31 (2) المائدة 38 (*)

[ 214 ]

الاصابع كل ذلك على سبيل الحقيقة. ولهذا يقول أحدهم أدخلت يدي في الماء إلى أصول الاصابع والى الزند والى المرفق والى المنكب، فيجعل كل ذلك غاية. وقال الله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) (1) ومعلوم أن الكتابة تكون بالاصابع، ولو يرى أحدنا قلما فعقرت السكين أصابعه لقيل قطع يده وعقرها ونحو ذلك. وقال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن) (2) ومعلوم أنهن ما قطعن اكفهن إلى الزند، بل على ما ذكرناه. وإذا كان الامر على ما ذكرناه ولم يجز ان يحمل اليد على كل ما تناولته هذه اللفظة حتى يقطع من الكتف على مذهب الخوارج، لان هذا باطل عند جميع الفقهاء، وجب ان نحمله على أدنى ما تناوله، وهو من أصول الاشاجع، والقطع من الاصابع أولى بالحكمة وأرفق بالمقطوع، لانه إذا قطع من الزند فاته من المنافع أكثر مما يفوته إذا قطع من الاشاجع. وقد روي ان علي بن أصمع سرق عيبة لصفوان، فأتى به إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقطعه من أشاجعه، فقيل له يا أمير المؤمنين افلا من الرسغ. فقال عليه السلام فعلى أي شئ يتوكأ وبأي شي يستنجي. ومهما شككنا فإنا لا نشك في أن أمير المؤمنين عليه السلام كان أعلم باللغة العربية من النظام وجميع الفقهاء والذين خالفوه في القطع، وأقرب إلى فهم ما نطق به القرآن. وان قوله (عليه السلام) حجة في العربية وقدوة، وقد سمع الآية وعرف اللغة التي نزل بها القرآن، فلم يذهب إلى ما ذهب إليه إلا عن خبرة ويقين. واما دفع السارق إلى الشهود، فلا أدري من أي وجه كان عيبا وهل دفعه إليهم ليقطعوه إلا كدفعه إلى غيرهم ممن يتولى ذلك منه. وفي هذا فضل استظهار عليهم وتهييب لهم من أن يكذبوا فيعظم عليهم تولي ذلك منه


(1) البقرة 79 (2) يوسف 31 (*)

[ 215 ]

ومباشرته بنفوسهم، وهذا نهاية الحزم والاحتياط في الدين. وأما جلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا فإن المروي انه عليه السلام جلده بنسعة لها رأسان فكان الحد ثمانين كاملة: وهذا مأخوذ من قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) (1). واما الجهر بتسمية الرجال في القنوت فقد سبقه (عليه السلام) إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وتظاهرت الرواية بأنه (صلى الله عليه وآله) كان يقنت في صلاة الصبح ويلعن قوما من أعدائه باسمائهم فمن عاب ذلك أو طعن به فقد طعن على أصل الاسلام وقدح في الرسول صلى الله عليه وآله. واما قبول شهادة الصبيان فالاحتياط للدين يقتضيه، ولم ينفرد أمير المؤمنين عليه السلام بذلك، بل قد قال بقوله بعينه أو قريبا منه جماعة من الصحابة والتابعين. وروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في شهادة الصبي يشهد بعد كبره، والعبد بعد عتقه، والنصراني بعد إسلامه أنها جائزة. وهذا قول جماعة من الفقهاء المتأخرين كالثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وروى مالك بن انس عن هشام بن عروة ان عبدالله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح. وروي عن هشام بن عروة انه قال سمعت ابي يقول يجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض، يؤخذ بأول قولهم. وروي عن مالك بن أنس انه قال: المجمع عليه عندنا يعني أهل المدينة أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، ولا تجوز على غيرهم إذا كان ذلك قبل ان يتفرقوا ويجيئوا ويعلموا، فإن تفرقوا فلا شهادة لهم إلا ان يكونوا قد اشهدوا عدولا على شهادتهم قبل ان يتفرقوا، ويوشك أن يكون الوجه في الاخذ بأوائل أقوالهم لان من عادة الصبي وسجيته إذا أخبر


(1) ص 44 (*)

[ 216 ]

بالبديهة ان يذكر الحق الذي عاينه، ولا يتعمل لتحريفه. وليس جميع الشهادات تراعى فيها العدالة. وجماعة من العلماء قد أجازوا شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم، وتأولوا لذلك قول الله عز وجل: (اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم) (1) وقد أجازوا أيضا شهادة النساء وحدهن فيما لا يجوز انت تنظر إليه الرجال، وقبلوا شهادة القابلة. وانما اردنا بذكر قبول شهادة النساء، أن قوله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم) مخصوص غير عام في جميع الشهادات. ألا ترى ان ذلك غير مانع من قبول اليمين مع شهادة الواحد. وبعد فليس قوله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم) بمقتض غير الامر بالشهادة على هذا الوجه، وليس بمانع من قبول شهادة غير العدلين ولا تعلق له بأحكام قبول الشهادات. فاما أخذ نصف الدية من أولياء المرأة إذ أرادوا قتل الرجل بها فهو الصحيح الواضح الذى لا يجوز خلافه، لان دية المرأة (2) عشرة آلاف درهم ودية المرأة نصفها فإذا أراد أولياء المرأة قتل الرجل، فإنما يقتلون نفسا ديتها الضعف من دية مقتولهم، فلا بد إذا إختاروا ذلك من رد الفضل بين القيمتين ولهذا لو أراد أخذ الدية لم يأخذوا أكثر من خمسة آلاف درهم. وهكذا القول في أخذ نصف الدية من المقتص من الاعور، لان دية عين الاعور عشرة آلاف درهم ودية احدى عيني الصحيح خمسة الاف درهم. فلا بد من الرجوع بالفضل على ما ذكرناه، وما أدري من أي وجه تطرق العيب في تخليفه عليه السلام من يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الاعظم، وذلك من رأفته (عليه السلام) بالضعفاء ورفقه بهم، وتوصله إلى ان يحظوا بفضل هذه الصلاة من غير تحمل مشقة الخروج إلى المصلى.


(1) المائدة 106 (2) هكذا وردت والاصوب (الرجل). (*)

[ 217 ]

فأما ما حكاه من أحراقه اللوطي، فالمعروف أنه عليه السلام القى على الفاعل والمفعول به لما رآهما الجدار، ولو صح الاحراق لم ينكران يكون ذلك الشئ عرفه من الرسول صلى الله عليه وآله. وقد روى فهد بن سليمان عن القاسم بن أميه العدوي عن عمر بن أبي حفص مولى الزبير عن شريك عن ابراهيم بن عبدالاعلى عن سويد بن غفلة، أن أبا بكر أتى برجل ينكح فأمر به فضربت عنقه، ثم أمر به فأحرق ولعل أمير المؤمنين (عليه السلام) احرقه بالنار بعد القتل بالسيف كما فعل ابو بكر، وليس ما روي من الاحراق بمانع من ان يكون القتل متقدما له. وقد روي قتل المتلوطين من طرق مختلفة عن الرسول صلى الله عليه وآله وكذلك روي رجمهما. روى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اقتلوا الفاعل والمفعول به. وروي عبد العزيز عن ابن جريح عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) مثل ذلك. وعن عمر بن ابي عمير عن عكرمة عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال فيمن يوجد يعمل بعمل قوم لوط مثل ذلك. وروى ابو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال الذي يعمل عمل قوم لوط ارجموا الاعلى والاسفل ارجموهما جميعا. وسئل ابن عباس ما حد اللوطي ؟ ينظر إلى ارفع بناء في القرية فيرمى به منكسا. ثم يتبع بالحجارة. وروي ان عثمان اشرف على الناس يوم الدار، فقال: ألم تعلموا أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا أربعة: رجل قتل فقتل، ورجل زنى بعد ان أحصن، ورجل ارتد بعد إسلام، ورجل عمل عمل قوم لوط. فلا شبهة على ما ترى في قتل اللوطي، ولا ريب في وجوب ذلك عليه. وكيف يتهم بحيف في حد يقيمه من يتحرى فيما يخصه هذا التحري المشهور. فيقول عليه السلام لما ضربه اللعين ابن ملجم احسنوا أسره، فإن

[ 218 ]

عشت فأنا ولي دمي، وان مت فضربة بضربة. ولا تمثلوا بالرجل فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن المثلة ولو بالكلب العقور. فمن ينهى عن التمثيل بقاتله مع الغيظ الذى يجده الانسان على ظالمه وميله إلى الاستيفاء والانتقام، كيف يمثل بمن لا ترة بينه وبينه ولا حسيكة له في قلبه ؟ وهذا ما لا يظنه به (عليه السلام) إلا مؤف العقل. فأما حبسه (عليه السلام) المال المكتسب من مهور البغايا على غنى وباهلة، فله ان كان صحيحا وجه واضح، وهو ان ذلك المال دني الاصل خسيس السبب، ومثله ما ينزه عنه ذو الاقدار من جلة المؤمنين ووجوه المسلمين. وإن كان حلالا طلقا فليس كل حلال يتساوى الناس في التصرف فيه. فإن من المكاسب والمهن والحرف ما يحل ويطيب ويتنزه ذوو المرؤات والاقدار عنها. وقد فعل النبي صلى الله عليه وآله نظير ما فعله امير المؤمنين عليه السلام، فإنه روي عنه انه (صلى الله عليه وآله) نهى عن كسب الحجام، فلما روجع فيه أمر المراجع له ان يطعمه رقيقه ويعلفه ناضحه، وإنما قصد (صلى الله عليه وآله) إلى الوجه الذي ذكرناه من التنزيه، وان كان ذلك الكسب حلالا طلقا. وهاتان القبيلتان معروفتان بالدناءة ولؤم الاصل مطعون عليهما في ديانتهما ايضا، فخصهما بالكسب اللئيم وعوض من له في ذلك المال سهم من الجلة، والوجوه من غير ذلك المال. وكل هذا واضح لمن تدبره. في كذب الخبر بأنه خطب بنت أبي جهل. (مسألة:) فإن قيل اليس قد روي ان أمير المؤمنين عليه السلام خطب بنت أبي جهل بن هشام في حياة الرسول صلى الله عليه وآله حتى بلغ ذلك فاطمة عليها السلام وشكته إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقام على المنبر قائلا ان عليا آذاني بخطب بنت أبي جهل بن هشام ليجمع بينها وبين ابنتي فاطمة، ولن يستقيم الجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدوه. أما

[ 219 ]

علمتم معشر الناس أن من آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، فما الوجه في ذلك ؟ (الجواب): قلنا هذا خبر باطل موضوع غير معروف ولا ثابت عند أهل النقل، وانما ذكره الكرابيسي (1) طاعنا به أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله، ومعارضا بذكره لبعض ما يذكره شيعته من الاخبار في اعدائه، وهيهات أن يشبه الحق بالباطل، ولو لم يكن في ضعفه إلا رواية الكرابيسي له واعتماده عليه، وهو من العداوة لاهل البيت عليهم السلام والمناصبة لهم والازراء على فضائلهم ومآثرهم على ما هو مشهور، لكفى على أن هذا الخبر قد تضمن ما يشهد ببطلانه ويقتضى على كذبه من حيث ادعى فيه أن النبي ذم هذا الفعل وخطب بإنكاره على المنابر. ومعلوم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو كان فعل ذلك على ما حكى، لما كان فاعلا لمحظور في الشريعة، لان نكاح الاربع حلال على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وآله. والمباح لا ينكره الرسول (صلى الله عليه وآله) ويصرح بذمه، وبأنه متأذبه، وقد رفعه الله عن هذه المنزلة واعلاه عن كل منقصة ومذمة. ولو كان عليه السلام نافرا من الجمع بين بنته وبين غيرها بالطباع التي تنفر من الحسن والقبيح، لما جاز أن ينكره بلسانه، ثم ما جاز أن يبالغ في الانكار ويعلن به على المنابر وفوق رؤوس الاشهاد، ولو بلغ من إيلامه لقلبه كل مبلغ. فما هو اختص به (عليه السلام) من الحلم والكظم، ووصفه الله بأنه من جميل الاخلاق وكريم الآداب ينافي ذلك ويحيله ويمنع من اضافته إليه وتصديقه عليه. وأكثر ما يفعله مثله (عليه السلام) في هذا الامر إذا ثقل على قلبه ان يعاتب عليه سرا ويتكلم في العدول عنه خفيا على وجه جميل وبقول لطيف. وهذا المأمون الذي لا قياس بينه وبين الرسول (صلى الله عليه


(1) الكرابيسي: أبو علي، الحسين بن علي، محدث، فقيه، أصولي، متكلم، من أهل بغداد، صحب الشافعي، له تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، والجرح والتعديل. (*)

[ 220 ]

وآله). وقد انكح أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام بنته ونقلها معه إلى مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) لما ورد كتابها عليه تذكر أنه قد تزوج عليها أو تسرى، يقول مجيبا لها ومنكرا عليها: إنا ما انكحناه لنحظر عليه ما أباحه الله له، والمأمون أولى بالامتعاض من غيرة بنته، وحاله أجمل للمنع من هذا الباب والانكار له. فوالله ان الطعن على النبي صلى الله عليه وآله بما تضمنه هذا الخبر الخبيث، أعظم من الطعن على أمير المؤمنين عليه السلام. وما صنع هذا الخبر إلا ملحد قاصد للطعن عليهما، أو ناصب معاند لا يبالي ان يشفي غيظه بما يرجع على أصوله بالقدح والهدم، على أنه لا خلاف بين أهل النقل أن الله تعالى هو الذي اختار أمير المؤمنين عليه السلام لنكاح سيدة النساء صلوات الله وسلامه عليها، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) رد عنها جلة أصحابه وقد خطبوها وقال " صلى الله عليه وآله ": اني لم أزوج فاطمة عليا (عليه السلام) حتى زوجها الله إياه في سمائه، ونحن نعلم أن الله سبحانه لا يختار لها من بين الخلائق من غيرها ويؤذيها ويغمها، فإن ذلك من أدل دليل على كذب الراوي لهذا الخبر. وبعد، فإن الشئ إنما يحمل على نضائره ويلحق بأمثاله، وقد علم كل من سمع الاخبار أنه لم يعهد من أمير المؤمنين (عليه السلام) خلاف على الرسول، ولا كان قط بحيث يكره على اختلاف الاحوال وتقلب الازمان وطول الصحبة، ولا عاتبه (عليه السلام) على شئ من أفعاله، مع أن أحدا من اصحابه لم يخل من عتاب على هفوة ونكير لاجل زلة، فكيف خرق بهذا الفعل عادته وفارق سجيته وسنته لولا تخرص الاعداء وتعديهم. وبعد، فأين كان أعداؤه (عليه السلام) من بني أمية وشيعتهم عن هذه الفرصة المنهزة ؟ وكيف لم يجعلوها عنوانا لما يتخرصونه من العيوب والقروف ؟ وكيف تحملوا الكذب وعدلوا عن الحق وفى علمنا بأن أحدا من الاعداء متقدما لم يذكر ذلك دليل على أنه باطل موضوع ؟.

[ 221 ]

أبو محمد الحسن بن على عليهما السلام الوجه في مسالمة الحسن لمعاوية. (مسألة:) فإن قال قائل: ما العذر له في خلع نفسه من الامامة وتسليمها إلى معاوية مع ظهور فجوره وبعده عن أسباب الامامة وتعريه من صفات مستحقها، ثم في بيعته وأخذ عطائه وصلاته واظهار موالاته والقول بإمامته، هذا مع وفور انصاره واجتماع أصحابه ومتابعيه من كان يبذل عنه دمه وماله، حتى سموه مذل المؤمنين وعاتبوه في وجهه عليه السلام ؟ (الجواب): قلنا قد ثبت انه عليه السلام الامام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة والادلة القاهرة، فلابد من التسليم لجميع أفعاله وحملها على الصحة، وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل، أو كان له ظاهر ربما نفرت النفوس عنه وقد مضى تلخيص هذه الجملة وتقريرها في مواضع من كتابنا هذا. وبعد، فإن الذي جرى منه عليه السلام كان السبب فيه ظاهرا والحامل عليه بيا جليا لان المجتمعين له من الاصحاب وان كانوا كثيري العدد وقد كانت قلوب أكثرهم دغلة غير صافية، وقد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية وامراحه من أحب في الاموال من غير مراقبة ولا مساترة، فأظهروا له (عليه السلام) النصرة وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يورطوه ويسلموه،

[ 222 ]

وأحس عليه السلام بهذا منهم قبل التولج والتلبس، فتخلى من الامر وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت وقد صرح (عليه السلام) بهذه الجملة وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة بألفاظ مختلفة، وقال إنما هادنت حقنا للدماء وصيانتها وإشفاقا على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي، فكيف لا يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله، وهو عليه السلام لما كتب إلى معاوية يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه عليه السلام ويدعوه إلى طاعته، فأجابه معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة فيه والمواربة وقال له فيه: لو كنت أعلم أنك أقوم بالامر واضبط للناس وأكيد للعدو وأقوى على جميع الاحوال مني لبايعتك، لاني أراك لكل خير أهلا. وقال في كتابه ان أمري وأمرك شبيه بأمر ابي بكر وأبيك وأمركم بعد وفاة رسول الله دعاه إلى أن خطب خطبة بأصحابه بالكوفة يحثهم على الجهاد ويعرفهم فضله، وما في الصبر عليه من الاجر، وأمرهم أن يخرجوا إلى معسكر فما أجابه أحد، فقال لهم عدي بن حاتم: سبحان الله ألا تجيبون إمامكم ؟ أين خطباء مصر ؟ فقام قيس بن سعد وفلان وفلان فبذلوا الجهاد واحسنوا القول. ونحن نعلم ان من ضمن بكلامه أولى بأن يضن بفعاله. أو ليس أحدهم قد جلس له في مظلم ساباط وطعنه بمغول كان معه أصاب فخذه، فشقه حتى وصل إلى العظم وانتزع من يده وحمل عليه السلام إلى المداين وعليها سعيد بن مسعود عم المختار، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) ولاه إياها فأدخل منزله، فأشار المختار على عمه ان يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخي سنة. فأبي عليه وقال للمختار: قبح الله رأيك أنا عامل أبيه وقد أئتمنني وشرفني، وهبني نسيت بلاء أبيه أأنسى رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أحفظه في ابن بنته وحبيبه ثم أن سعد بن مسعود أتاه عليه السلام بطبيب وقام عليه حتى برئ وحوله إلى بعض المدائن. فمن ذا الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم عن النصرة والمعونة ؟ وقد أجاب

[ 223 ]

(عليه السلام) حجر بن عدي الكندي (1) لما قال له سودت وجوه المؤمنين، فقال عليه السلام ما كل أحد يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وانما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم. وروى عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن أبي الكنود عبدالرحمن بن عبيدة، قال لما بايع الحسن عليه السلام معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى بإظهار الاسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له (عليه السلام) سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك لمعاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد ولا حظا من العطية فلو كنت إذ فعلت ما فعلت اشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتابا بأن الامر لك بعده، كان الامر علينا أيسر. ولكنه أعطاك شيئا بينك وبينه لم يف به ثم لم يلبث ان قال على رؤوس الاشهاد أني كنت شرطت شروطا ووعدت عداة إرادة لاطفاء نار الحرب ومداراة لقطع الفتنة، فأما إذا جمع الله لنا الكلمة والالفة فإن ذلك تحت قدمي، والله ما عنى بذلك غيرك، ولا أراد بذلك إلا ما كان بينه وبينك، قد نقض. فإذا شئت فأعدت للحرب عدة، وأذن لي في تقدمك إلى الكوفة، فأخرج عنها عاملها وأظهر خلعه نبذه، على سواء أن الله لا يحب الخائنين. وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان، فقال الحسن عليه السلام: أنتم شيعتنا وأهل مودتنا، ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل ولسلطانها أربض وأنصب، ما كان معاوية بأشد مني بأسا ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكني ارى غير ما رأيتم وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء، فارضوا بقضاء


(1) حجر بن عدي الكندي: من صلحاء الصحابة. قاتل في فتوح فارس. كان مع علي في الجمل والنهروان وصفين. قاوم معاوية. قبض عليه وأمر معاوية بقتله في مرج عذراء شرقي دمشق.

[ 224 ]

الله وسلموا لامره والزموا بيوتكم وامسكوا. أو قال: كفوا ايديكم حتى يستريح برأ ويستراح من فاجر. وهذا كلام منه عليه السلام يشفي الصدور ويذهب بكل شبهة. وقد روي انه عليه السلام لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس ويعلمهم ما عنده في هذا الباب، قام (عليه السلام) فحمد الله واثنى عليه ثم قال: ان أكيس الكيس التقى، واحمق الحمق الفجور. أيها الناس انكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابلس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما وجدتموه غيري، وغير أخي الحسين عليه السلام، وان الله قد هداكم بأولنا محمد صلى الله عليه وآله، وان معاوية نازعني حقا هو لي فتركته لصلاح الامة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على ان تسالموا من سالمت وقد رأيت ان أسالمه ورأيت ان ما حقن الدماء خير مما سفكها، واردت صلاحكم وان يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الامر، وان ادري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. وكلامه عليه السلام في هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم دافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين والمسلمين أشهر من الشمس وأجلى من الصبح. فأما قول السائل انه خلع نفسه من الامامة فمعاذ الله، لان الامامة بعد حصولها للامام لا تخرج عنه بقوله. وعند أكثر مخالفينا أيضا في الامامة أن خلع الامام نفسه لا يؤثر في خروه من الامامة، وإنما ينخلع من الامامة عندهم وهو حي بالاحداث والكبائر، ولو كان خلعه نفسه مؤثرا لكان انما يؤثر إذا وقع إختيارا. فأما مع الالجاء والاكراه، فلا تأثير له لو كان مؤثرا في موضع من المواضع، ولم يسلم أيضا الامر إلى معاوية بل كف عن المحاربة والمغالبة لفقدان الاعوان واعواز النصار وتلافي الفتنة على ما ذكرناه، فتغلب عليه معاوية بالقهر والسلطان مع أنه كان متغلبا على أكثره، ولو أظهر التسليم قولا لما كان فيه شئ إذا كان عن اكراه واضطهاد.

[ 225 ]

وأما البيعة فإن أريد به الصفقة واظهار الرضا والكف عن المنازعة فقد كان ذلك لكنا قد بينا جهة وقوعه والاسباب المحوجة إليه، ولا حاجة في ذلك عليه عليه السلام. كما لم يكن في مثله حجة على أبيه عليه السلام لما بايع المتقدمين عليه، وكف عن نزاعهم وامسك عن خلافهم، وإن اريد بالبيعة الرضى وطيب النفس، فالحال شاهدة بخلاف ذلك، وكلامه المشهور كله يدل على انه (عليه السلام) أحوج وأحرج، وأن الامر له وهو أحق الناس به. وانما كف عن المنازعة فيه للغلبة والقهر والخوف على الدين والمسلمين. وأما أخذ العطاء فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك من أخذه من يد الجائر الظالم المتغلب جائز، وأنه لا لوم فيه على الاخذ ولا حرج. وأما أخذ الصلات فسايغ بل واجب لان لكل مال في يد الجائر المتغلب على أمر الامة يجب على الامام وعلى جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن بالطوع أو الاكراه، ووضعه في مواضعه. فإذا لم يتمكن من إنتزاع جميع ما في يد معاويه من أموال الله تعالى وأخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة، فواجب عليه أن يتناوله من يده ويأخذ منه حقه ويقسمه على مستحقه لان التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له، وليس لاحد أن يقول أن الصلات التى كان يقبلها من معاوية إنما كان ينفقها على نفسه وعياله، ولا يخرجها إلى غيره وذلك ان هذا مما لا يمكن أحد أن يدعي العلم به والقطع عليه ولا شك أنه عليه السلام كان ينفق منها لان فيها حقه وحق عياله وأهله، ولا بد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم وكيف يظهر ذلك وهو عليه السلام كان قاصدا إلى إخفائه ستره لمكان التقية، والمحوج إليه إلى قبول تلك الاموال على سبيل الصلة هو المحوج له إلى ستر اخراجها واخراج بعضها إلى مستحقها من

[ 226 ]

المسلمين. وقد كان عليه السلام يتصدق بكثير من أمواله ويواسي الفقراء ويصل المحتاجين. ولعل في جملة ذلك هذه الحقوق. فأما اظهاره (عليه السلام) موالاته، فما أظهر عليه السلام من ذلك شيئا كما لم يبطنه. وكلامه فيه بمشهد معاوية ومغيبه معروف ظاهر يشهد بذم معاوية ومعائبه، ولو فعل ذلك خوفا واستصلاحا وتلافيا للشر العظيم لكان واجبا، فقد فعل أبوه عليه السلام مثله مع المتقدمين عليه واعجب من هذا كله دعوى القول بإمامته ومعلوم ضرورة منه (عليه السلام) خلاف ذلك، وأنه كان يعتقد ويصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الامام ولا تباعه فضلا عن الامامة نفسها، وليس يظن مثل هذه الامور الا عامي حشوي قد قعد به التقليد. وما سبق إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل وسماع الاخبار المأثورة في هذا الباب فهو لا يسمع إلا بما يوافقه. وإذا سمع لم يصدق إلا بما اعجبه والله المستعان.

[ 227 ]

أبو عبد الله الحسين بن على عليهما السلام بيان الاسباب في قدوم الحسين الكوفة وقتاله: (مسألة): فإن قيل: ما العذر في خروجه عليه السلام من مكة بأهله وعياله إلى الكوفة والمستولى عليها أعداؤه، والمتامر فيها من قبل يزيد منبسط الامر والنهي، وقد رأى عليه السلام صنع أهل الكوفة بأبيه وأخيه، وأنهم غدارون خوانون، وكيف خالف ظنه ظن جميع أصحابه في الخروج وابن عباس يشير بالعدول عن الخروج ويقطع على العطب فيه، وابن عمر لما ودعه يقول استودعك الله من قتيل، إلى غير ما ذكرناه ممن تكلم في هذا الباب. ثم لما علم بقتل مسلم بن عقيل (رضي) وقد انفذه رائدا له، كيف لم يرجع لما علم الغرور من القوم وتفطن بالحيلة والمكيدة، ثم كيف استجاز ان يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها، لها مواد كثيرة. ثم لما عرض عليه ابن زياد الامان وأن يبايع يزيد، كيف لم يستجب حقنا لدمه ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه. ولم القى بيده إلى التهلكة وبدون هذا الخوف سلم أخوه الحسن عليه السلام الامر إلى معاوية، فكيف يجمع بين فعليهما بالصحة ؟ (الجواب): قلنا قد علما أن الامام متى غلب في ظنه يصل إلى حقه والقيام بما فوض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك وان كان فيه ضرب من المشقة يتحمل مثلها تحملها، وسيدنا أبو عبد الله عليه السلام لم

[ 228 ]

يسر طالبا للكوفة الا بعد توثق من القوم وعهود وعقود، وبعد ان كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين. وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة واشرافها وقرائها، تقدمت إليه في أيام معاوية وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن (عليه السلام) فدفعهم وقال في الجواب ما وجب. ثم كاتبوه بعد وفاة الحسن (عليه السلام) ومعاوية باق فوعدهم ومناهم، وكانت أياما صعبة لا يطمع في مثلها. فلما مضى معاوية وأعادوا المكاتبة بذلوا الطاعة وكرروا الطلب والرغبة ورأى (عليه السلام) من قوتهم على من كان يليهم في الحال من قبل يزيد، وتشحنهم عليه وضعفه عنهم، ما قوى في ظنه ان المسير هو الواجب، تعين عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبب، ولم يكن في حسابه أن القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته ويتفق بما اتفق من الامور الغريبة. فإن مسلم بن عقيل رحمة الله عليه لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها. ولما وردها عبيد الله بن زياد وقد سمع بخبر مسلم ودخوله الكوفة وحصوله في دار هاني بن عروة المرادى رحمة الله عليه على ما شرح في السير، وحصل شريك بن الاعور بها جاءه ابن زياد عايدا وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك، وامكنه ذلك وتيسر له، فما فعل واعتذر بعد فوت الامر إلى شريك بأن ذلك فتك، وأن النبي صلى الله عليه وآله قال أن الايمان قيد الفتك. ولو كان فعل مسلم بن عقيل من قتل ابن زياد ما تمكن منه، ووافقه شريك عليه لبطل الامر. ودخل الحسين على السلام الكوفة غير مدافع عنها، وحسر كل أحد قناعه في نصرته، واجتمع له من كان في قلبه نصرته وظاهره مع أعدائه. وقد كان مسلم بن عقيل أيضا لما حبس ابن زياد هانيا سار إليه في جماعة من أهل الكوفة، حتى حصره في قصره وأخذ بكظمه، وأغلق ابن زياد الابواب دونه خوفا وجبنا حتى بث الناس في كل وجه يرغبون الناس ويرهبونهم ويخذلونهم عن ابن عقيل، فتقاعدوا عنه وتفرق أكثرهم، حتى أمسى في شر ذمة، ثم انصرف وكان من أمره ماكان. وإنما أردنا بذكر هذه

[ 229 ]

الجملة أن أسباب الظفر بالاعداء كانت لا يحة متوجهة، وان الاتفاق السئ عكس الامر وقلبه حتى تم فيه ماتم. وقد هم سيدنا أبو عبد الله عليه السلام لما عرف بقتل مسلم بن عقيل، وأشير عليه بالعود فوثب إليه بنو عقيل وقالوا والله لا ننصرف حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أبونا. فقال عليه السلام: لا خير في العيش بعد هؤلاء. ثم لحقه الحر بن يزيد ومن معه من الرجال الذين انفذهم ابن زياد، ومنعه من الانصراف، وسامه ان يقدمه على ابن زياد نازلا على حكمه، فامتنع. ولما رأى أن لا سبيل له إلى العود ولا إلى دخول الكوفة، سلك طريق الشام سائرا نحو يزيد بن معاوية لعلمه عليه السلام بأنه على ما به أرق من ابن زياد وأصحابه، فسار عليه السلام حتى قدم عليه عمر بن سعد في العسكر العظيم، وكان من أمره ما قد ذكر وسطر، فكيف يقال انه القى بيده إلى التهلكة ؟ وقد روى أنه صلوات الله وسلامه عليه وآله قال لعمر بن سعد: اختاروا منى إما الرجوع إلى المكان الذي اقبلت منه، أو ان اضع يدي في يد يزيد ابن عمى ليرى في رأيه، وإما ان تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين، فأكون رجلا من أهله لى ماله وعلي ما عليه. وان عمر كتب إلى عبيد الله بن زياد بما سئل فأبى عليه وكاتبه بالمناجزة وتمثل بالبيت المعروف وهو: الآن علقت مخالبنا به * يرجو النجاة ولات حين مناص فلما رأى (ع) إقدام القوم عليه وان الدين منبوذ وراء ظهورهم وعلم أنه إن دخل تحت حكم ابن زياد تعجل الذل وآل امره من بعد إلى القتل، التجأ إلى المحاربة والمدافعة بنفسه وأهله ومن صبر من شيعته، ووهب دمه ووقاه بنفسه. وكان بين إحدى الحسنيين: إما الظفر فربما ظفر الضعيف القليل، أو الشهادة والميتة الكريمة. وأما مخالفة ظنه عليه السلام لظن جميع من أشار عليه من النصحاء

[ 230 ]

كابن عباس وغيره، فالظنون انما تغلب بحسب الامارات. وقد تقوى عند واحد وتضعف عند آخر، لعل ابن عباس لم يقف على ما كوتب به من الكوفة، وما تردد في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق. وهذه أمور تختلف أحوال الناس فيها ولا يمكن الاشارة إلا إلى جملتها دون تفصيلها. فأما السبب في أنه (ع) لم يعد بعد قتل مسلم بن عقيل، فقد بينا وذكرنا أن الرواية وردت بأنه عليه السلام هم بذلك، فمنع منه وحيل بينه وبينه. فأما محاربة الكثير بالنفر القليل، فقد بينا أن الضرورة دعت إليها وان الدين والحزم ما اقتضى في تلك الحال الا ما فعله، ولم يبذل ابن زياد من الامان ما يوثق بمثله. وإنما أراد إذلاله والغض من قدره بالنزول تحت حكمه، ثم يفضي الامر بعد الذل إلى ما جرى من إتلاف النفس. ولو أراد به (ع) الخير على وجه لا يلحقه فيه تبعة من الطاغية يزيد، لكان قد مكنه من التوجه نحوه استظهر عليه بمن ينفذه معه. لكن التراث البدوية والاحقاد الوثنية ظهرت في هذه الاحوال. وليس يمتنع أن يكون عليه السلام من تلك الاحوال مجوزا أن يفئ إليه قوم ممن بايعه وعاهده وقعد عنه، ويحملهم ما يكون من صبره واستسلامه وقلة ناصره على الرجوع إلى الحق دينا أو حمية، فقد فعل ذلك نفر منهم حتى قتلوا بين يديه شهداء. ومثل هذا يطمع فيه ويتوقع في أحوال الشدة. فأما الجمع بين فعله (ع) وفعل أخيه الحسن فواضح صحيح، لان أخاه سلم كفا للفتنة وخوفا على نفسه وأهله وشيعته، واحساسا بالغدر من أصحابه. وهذا لما قوي في ظنه النصرة ممن كاتبه وتوثق له، ورأى من أسباب قوة أنصار الحق وضعف أنصار الباطل ما وجب عليه الطلب والخروج. فلما انعكس ذلك وظهرت امارات الغدر فيه وسوء الاتفاق رام

[ 231 ]

الرجوع والمكافة والتسليم كما فعل أخوه، فمنع من ذلك وحيل بينه وبينه، فالحالان متفقان. إلا أن التسليم والمكافة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه، ولم يجب إلا إلى الموادعة، وطلب نفسه (ع) فمنع منها بجهده حتى مضى كريما إلى جنة الله ورضوانه. وهذا واضح لمن تأمله، وإذا كنا قد بينا عذر أمير المؤمنين عليه السلام في الكف عن نزاع من استولى على ما هو مردود إليه من أمر الامة، وأن الحزم والصواب فيما فعله، فذلك بعينه عذر لكل إمام من أبنائه عليهم السلام في الكف عن طلب حقوقهم من الامامة، فلا وجه لتكرار ذلك في كل إمام من الائمة (ع) والوجه أن نتكلم على ما لم يمض الكلام على مثله.

[ 232 ]

أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام في وجه قبول الرضا (ع) لولاية العهد (مسألة): إن قيل كيف تولى على بن موسى الرضا عليه السلام العهد للمأمون، وتلك جهة لا يستحق الامامة منها، أو ليس هذا إيهاما فيما يتعلق بالدين ؟ (الجواب): قلنا قد مضى من الكلام في سبب دخول أمير المؤمنين في الشورى ما هو أصل في هذا الباب، وجملته ان ذا الحق له أن يتوصل إليه من كل جهة، وبكل سبب، لا سيما إذا كان يتعلق بذلك الحق تكليف عليه، فإنه يصير واجبا عليه التوصل والتحمل والتصرف في الامامة مما يستحقه الرضا صلوات الله عليه وآله بالنص من آبائه. فإذا دفع عن ذلك وجعل إليه من وجه آخر أن يتصرف فيه، وجب عليه أن يجيب إلى ذلك الوجه ليصل منه إلى حقه. وليس في هذا إيهام لان الادلة الدالة على استحقاقه (ع) للامامة بنفسه تمنع من دخول الشبهة بذلك، وان كان فيه بعض الايهام يحسنه دفع الضرورة إليه كما حملته وآبائه (ع) على إظهار متابعة الظالمين والقول بإمامتهم، ولعله (ع) أجاب إلى ولاية العهد للتقية والخوف، وأنه لم يؤثر الامتناع إلى من ألزمه ذلك وحمله عليه فيفضي الامر إلى المباينة والمجاهرة والحال لا يقتضيها وهذا بين.

[ 233 ]

القائم المهدي صلوات الله عليه بيان الوجه في غيبته: (مسألة): إن قال قائل فما الوجه في غيبته عليه السلام واستتاره على الاستمرار والدوام حتى ان ذلك قد صار سببا لنفي ولادته وانكار وجوده ؟ وكيف يجوز أن يكون اماما للخلق وهو لم يظهر قط لاحد منهم، وآباؤه (ع) وان كانوا غير آمرين فيما يتعلق بالامامة ولا ناهين، فقد كانوا ظاهرين بارزين يفتون في الاحكام ويرشدون عند المعضلات لا يمكن أحد نفي وجودهم وان نفي إمامتهم ؟ (الجواب): قلنا اما الاستتار والغيبة فسببهما اخافة الظالمين له على نفسه، ومن أخيف على نفسه فقد احوج إلى الاستتار، ولم كن الغيبة من ابتدائها على ما هي عليه الآن، فإنه في ابتداء الامر كان ظاهر لاوليائه غائبا عن أعدائه، ولما اشتد الامر وقوي الخوف وزاد الطلب استتر عن الولي والعدو، فليس ما ذكره السائل من أنه لم يظهر لاحد من الخلق صحيحا. فأما كون ذلك سببا لنفي ولادته (ع) فلم يكن سببا لشئ من ذلك إلا بالشبهة وضعف البصيرة والتقصير عن النظر الصحيح، وما كان التقصير داعيا إليه والشبهة سببه من الاعتقادات، وعلى الحق فيه دليل واضح باد لمن أراده، ظاهر لمن قصده، ليس يجب المنع في دار التكليف والمحنة منه،

[ 234 ]

ألا ترى أن تكليف الله تعالى من علم انه يكفر قد صار سببا لا عتقادات كثيرة باطلة، فالملحدون جعله طريقا إلى نفى الصانع، والمجبرة جعلته طريقا إلى أن القبيح منا لا يقبح من فعله تعالى، وآخرون جعلوه طريقا إلى الشك والحيرة الدفع عن القطع على حكمه القديم تعالى، وكذلك فعل الآلام بالاطفال والبهائم قد شك كثير من الناس، منهم الثنوية وأصحاب التناسخ والبكرية والمجبرة، ولم يكن دخول الشبهة بهذه الامور على من قصر في النظر وانقاد إلى الشبهة مع وضوح الحق له لو أراده، موجبا على الله دفعها، حتى لا يكلف إلا المؤمنين ولا يؤل إلا البالغين. ولهذا الباب في الاصول نظائر كثيرة ذكرها يطول، والاشارة إليها كافية. واما الفرق بينه وبين آبائه عليهم السلام فواضح، لان خوف من يشار إليه بأنه القائم المهدي الذي يظهر بالسيف ويقهر الاعداء ويزيل الدول والممالك، لا يكون كخوف غيره ممن يجوز له مع الظهور التقية وملازمة منزله، وليس من تكليفه ولا مما سبق أنه يجري على يده الجهاد واستيصال الظالمين. المصلحة بوجوده: (مسألة): فإن قيل: إذا كان الخوف قد اقتضى ان المصلحة في استتاره وتباعده فقد تغيرت الحال إذا في المصلحة بالامام واختلف، وصار ما توجبونه من كون المصلحة مستمرة بوجوده وأمره ونهيه مختلفا على ما ترون، وهذا خلاف مذهبكم. (الجواب): قلنا المصلحة التى توجب استمرارها على الدوام بوجوده وأمره ونهيه، انما هي للمكلفين. وهذه المصلحة ما تغيرت ولا تتغير، وإنما قلنا ان الخوف من الظالمين اقتضى أن يكون من مصلحته هو (ع) في نفسه الاستتار والتباعد، وما يرجع إلى المكلفين به لم يختلف، ومصلحتنا وإن كانت لا تتم إلا بظهوره وبروزه، فقد قلنا ان مصلحته الآن في نفسه في خلاف الظهور، وذلك غير متناقض، لان من أخاف الامام واحوجه إلى الغيبة

[ 235 ]

والى أن يكون الاستتار من مصلحته قادر على أن يزيل خوفه، فيظهر ويبرز ويصل كل مكلف إلى مصلحته، والتمكن مما يسهل سبيل المصلحة تمكن من المصلحة فمن هذا الوجه لم يزل التكليف الذي (به) الامام لطف فيه عن المكلفين بالغيبة منه والاستتار، على ان هذا يلزم في النبي صلى الله عليه وآله لما استتر في الغار وغاب عن قومه بحيث لا يعرفونه، لانا نعلم أن المصلحة بظهوره وبيانه كانت ثابتة غير متغيرة. ومع هذه الحال فإن المصلحة له في الاستتار والغيبة عند الخوف، ولا جواب عن ذلك. وبيان أنه لا تنافي فيه ولا تناقض إلا بمثل ما اعتمدناه بعينه. في الوجه في غيبته عن أوليائه وأعدائه: (مسألة): فإن قيل: فإذا كان الامام (ع) غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه ؟ وإذا جاز ان يكون اخافة الظالمين سببا لغيبته بحيث لا يصل إلى مصلحتنا به حتى إذا زالت الاخافة ظهر، فلم لا جاز أن يكون اخافتهم له سببا لان يعدمه الله تعالى، فإذا انقادوا واذعنوا أوجده الله لهم ؟ (الجواب): قلنا: أول ما نقول إنا غير قاطعين على ان الامام (ع) لا يصل إليه أحد ولا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم ولا سبيل إلى القطع عليه، ثم الفرق بين وجوده غائبا عن اعدائه للتقية وهو في خلال ذلك منتظر أن يمكنوه فيظهر ويتصرف، وبين عدمه واح لا خفاء به. وهو الفرق بين أن تكون الحجة فيما فات من مصالح العباد لازمة لله تعالى، وبين أن تكون لازمة للبشر، لانه إذا اخيف فغيب شخصه عنهم كان ما يفهوتهم من مصلحة عقيب فعل سببوه وإلجائه إليه، فكانت العهدة فيه عليهم والذم لازما لهم وإذا أعدمه الله تعالى، ومعلوم أن العدم لا يسببه الظالمون بفعلهم، وانما يفعله الله تعالى اختيارا، كان ما يفوت بالاعدام من المصالح لازما له تعالى ومنسوبا إليه.

[ 236 ]

(مسألة): فإن قيل فالحدود التي تجب على الجناة في حال الغيبة كيف حكمها ؟ وهل تسقط عن أهلها ؟ وهذا ان قلتموه صرحتم بنسخ شريعة الرسول صلى الله عليه وآله وان أثبتموه فمن الذي يقيمها والامام (ع) غائب مستتر ؟ (الجواب): قلنا: أما الحدود المستحقة بالاعمال القبيحة فواجبة في جنوب مرتكبي القبائح، فإن تعذر على الامام في حال الغيبة إقامتها فالاثم فيما تعذر من ذلك على من سبب الغيبة وأوجبها بفعله، وليس هذا نسخا للشريعة، ولان المتقرر بالشرع وجوب إقامة الحد مع التمكن وارتفاع الموانع، وسقوط فرض إقامته مع الموانع وارتفاع التمكن لا يكون نسخا للشرع المتقرر، لان الشرط في الوجوب لم يحصل. وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط فرض إقامة الحدود عن الامام مع تمكنه، على أن هذا يلزم مخالفينا في الامامة إذا قيل لهم كيف الحكم في الحدود التي تستحق في الاحوال التي لا يتمكن فيها أهل الحل والعقد من نصب إمام واختياره ؟ وهل تبطل الحدود أو تستحق مع تعذر إقامتها ؟ وهل يقتضي هذا التعذر نسخ الشريعة فأي شئ اعتصموا به من ذلك فهو جوابنا بعينه. حاجة الناس للامام: (مسألة): فإن قيل فالحق مع غيبة الامام كيف يدرك وهذا يقتضي أن يكون الناس في حيرة مع الغيبة ؟ فان قلتم أنه يدرك من جهة الادلة المنصوبة إليه قيل لكم هذا يقتضي الاغتناء عن الامام بهذه الادلة. (الجواب): قلنا: أما العلة المحوجة إلى الامام في كل عصر وعلى كل حال، فهي كونه لطفا فيما أوجب علينا فعله من العقليات من الانصاف والعدل اجتناب الظلم والبغي، لان ما عدا هذه العلة من الامور المستندة إلى السمع والعبادة به جايز ارتفاعها لجواز خلق المكلفين من العبادات الشرعية كلها، وما يجوز على حال ارتفاعه لا يجوز أن يكون علته في أمر

[ 237 ]

مستمر لا يجوز زواله. وقد استقصينا هذا المعنى في كتابنا الشافي في الامامة وأوضحناه، ثم نقول من بعده أن الحق في زماننا هذا على ضربين: عقلي وسمعي: فالعقلي ندركه بالعقل ولا يؤثر فيه وجود الامام ولا فقده. والسمعي انما يدرك بالنقل الذي في مثله الحجة. ولا حق علينا يجب العلم به من الشرعيات إلا وعليه دليل شرعي. وقد ورد النقل به عن النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة من ولده صلوات الله عليهم، فنحن نصيب الحق بالرجوع إلى هذه الادلة والنظر فيها. والحاجة مع ذلك كله إلى الامام ثابتة لان الناقلين يجوز أن يعرضوا عن النقل إما بشبهة أو اعتماد فينقطع النقل أو يبقى فيمن ليس نقله حجة ولا دليل، فيحتاج حينئذ المكلفون إلى دليل هو قول الامام وبيانه، وإنما يثق المكلفون بما نقل إليهم، وانه جميع الشرع لعلمهم بأن وراء هذا النقل إماما متى اختل استدرك عما شذ منه، فالحاجة إلى الامام ثابتة مع ادراك الحق في أحوال الغيبة من الادلة الشرعية على ما بيناه. في بيان علة استتاره: (مسألة): فإن قيل: إذا كانت العلة في استتار الامام خوفه من الظالمين واتقائه من المعاندين فهذه العلة زايلة في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون ظاهرا لهم أو يجب أن يكون التكليف الذي أوجب إمامته لطفا فيه ساقطا عنهم، لانه لا يجوز أن يكلفوا بما فيه لطف لهم ثم يحرموه بجناية غيرهم. (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الاولياء لا يمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان كانوا غير قاصدين بذلك. وقد ذكرنا في كتاب الامامة جوابا آخر، وهو أن الامام (عليه السلام) عند ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز

[ 238 ]

الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم. والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره. ولو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الامامة ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الامامة في موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين