الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الاستغاثة - ابو القاسم الكوفي ج 2ي

الاستغاثة

ابو القاسم الكوفي ج 2


[ 1 ]

الاستغاثة في بدع الثلاثة لابي القاسم الكوفي علي بن احمد بن موسى بن الامام محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام المتوفي سنة 352 هجرية (الجزء الثاني)

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال الذين دخلت عليهم الشبهة في امرهم بما وصفناه في هذه الابواب ما قد اسفر من لوامع الحق وتبين فيه من وجوه الصدق، قد ركبنا الحجة فيما رواه اصحاب الحديث فيهم من الفضائل والمناقب التي بها يصولون وعليها في حسدهم يعولون (1) وذلك (مثل) روايتهم ان رسول الله صلى الله


(1) لقد اجحف اصحاب الحديث من اوليائهم فكانوا لهم مناقب وفضائل كيلا جزافا ورفعوهم فوق مستوى البشر ونحتوا لهم روايات ونسبوها الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم افكار زور وقبلوا احاديث كثيرة وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضل صهره ووصيه الامام امير المؤمنين علي عليه السلام فزادوا فيها ونقصوا وغيروا وبدلوا ورووها في فضائل اوليائهم، ذلك ليرفعوا من شأنهم الى رتبة الامام علي (ع) الذي ورد عن النبي (ص) في فضله ما ملاء الخافقين بالرغم من اخفاء اعدائه فضائله ومناقبه بكل ما لديهم من حول وقوة، فترى ابن حجر الهيثمي في الصواعق والمحب الطبري في الرياض النضرة وغيرهما يروون عن النبي (ص) في فضائل اوليائهم ما تمجه الاسماع ولا يتفق مع المنطق الصحيح وكلها موضوعة مكذوبة على النبي (ص) ويتضح ذلك جليا لمن تتبع اسنادها فان رجالها اكثرهم من اولياء بني امية المستأجرين لهم ومن المشهورين بالنصب والعداوة لاهل البيت النبوي ومن المطلعون فيهم عند علماء الجرح والتعديل منهم وقد دسوا في الاحاديث اكاذيب ارضاء لشهوات اوليائهم مما لا يعد ولا يحصى، فهذا العلامة الفقيه الشيخ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز ابادي الشيرازي صاحب القاموس المتوفى سنة 826 يحدثنا في كتابه سفر السعادة (ص 142 - 143) من طبع مصر سنة 1332 ماهذا نصه: خاتمة الكتاب في الاشارة الى ابواب ورى فيها احاديث وليس منها شئ صحيح ولم يثبت منها عند جهابذة علماء الحديث (ثم قال) اشهر المشهورات من - (*)

[ 3 ]

عليه وآله وسلم امر بتقديم ابي بكر للصلاة في مرضه الذي توفي فيه، فاحتج بذلك محجتهم وقال لما رضيه رسول الله لديننا رضيناه لدنيانا (ومثل) روايتهم وحجتهم في قول الله تعالى " ثاني اثنين " إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا " وهذه فضيلة ليست ولا لمثلها لاحد إذ سماه الله صاحبا لرسوله (ص) " ومثل " روايتهم ان ابا بكر وعمر كانا وزيري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ومثل) روايتهم ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال ما نفعني مال كمال ابي بكر لقد زوجني ابنته وانفق علي اربعين الف دينار - أو قال درهما - ومثل روايتهم اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر (1)


- الموضوعات ان الله يتجلى للناس عامة ولابي بكر خاصة (وحديث) ما صب الله في صدري شيئا الا وصبه في صدر ابي بكر " وحديث " كان صلى الله عليه واله وسلم إذا اشتاق الى الجنة قبل شيبة ابي بكر " وحديث " انا وابو بكر كفرسي رهان " وحديث " ان الله لما اختار الارواح اختار روح ابي بكر، وامثال هذه المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل (انتهى ما ذكره) وقد وفقه على ذلك كثير من الاساطين المنقبين في مؤلفاتهم التي الفوها في ذكر الاحاديث الموضوعة كالسيوطي في اللئالئ المصنوعة وابن الجوزي في الموضوعات والمقدسي في تذكرة الموضوعات والشيخ محمد بن درويش الشهير بالحوت البيروتي في شتى المطالب وغيرهم، فهلا في ذلك مقتنع لمن انصف وتدبر يا اولي الالباب الكاتب (1) قال العلامة المحدث الشيخ محمد بن درويش الحوت البيروتي في اسنى المطالب " ص 48: " خبر اقتدوا بالذين من بعدي ابي بكر وعمر. - (*)

[ 4 ]

ومثل رويتهم هذان سيدا كهول اهل الجنة (1) ومثل روايتهم ان رسول الله (ص) قال ليؤمكم افضلكم واعلمكم قالوا فلما اختاره المسلمون واجمعوا عليه للامامة دل ذلك منهم على انه اعلمهم وافضلهم. ومثل روايتهم ان الرسول قال لما اسري بي الى السماء رأيت مكتوبا على ساق العرش لا اله الا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين (2)


- رواه أحمد والترمذي وحسنه واعسله أبو حاتم وقال البرار ؟ كابن حزم لا يصح الكاتب (1) قال العلامة الخبير الشيخ محمد الحوت في اسنى المطالب ص 123 خبر سيدا كهول اهل الجنة أبو بكر وعمر وان ابا بكر في الجنة مثل الثريا في السماء فيه يحيى بن عنبسة ذكره الذهبي في الضعفاء قال ابن حيان دجال يضع الحديث (2) اورد الحديث السيوطي في اللئالئ المصنوعة ص 165 وفي سنده أبو بكر عبد الرحمن بن عفان الصوفي قال السيوطي أبو بكر وشيخه كذابان وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ص 113 عبد الرحمن بن عفان كذبه يحيى ابن معين، وقال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان ج 3 ص 423 من طبع حيدر آباد عبد الرحمن بن عفان السرخسي سكن بغداد يروي عن السماع والفضل بن عياض الرقاق والحكايات، قال ابن الجنيد سمعت يحيى بن معين وذكر ابا بكر بن عفان ختن مهدي بن حفص فقال كذاب مكذوب رأيت له حديثا حدث به عن ابي اسحق الفزاري كذبا قلت وله خبر آخر عن محمد بن محمد بن الصائغ عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده مرفوعا لما اسري بي رأيت على العرش مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين يقتل ظلما رواه الختلي في الديباج - (*)

[ 5 ]

ومثل روايتهم ان الرسول " ص " قال يوم بدر حين انزل الله " لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو انزل من السماء عذاب ما نجا منا غير ابن الخطاب " ومثل " روايتهم ان الرسول " ص " قال ما ابطأ عني الوحي الا ظننت انه نزل على عمر (ومثل) روايتهم ان الشيطان كان يهرب من عمر ويخاف من حسه ومثل روايتهم ان السكينة تنطق على لسان عمر ومثل روايتهم ان الشيطان كان لا يأمر بالمعاصي في ايام عمر كراهة ان ينهى عنها عمر فلا يعود فيها احد من بعد نهيه ومثل روايتهم ان الرسول صلى الله عليه واله وسلم قال لو لم ابعث فيكم لبعث عمر بن الخطاب (1) ومثل روايتهم ان عمر نادى قوما بنهاوند وهو يومئذ بالمدينة وكان قد بعث جيشا وقدم عليه رجلا يقال له سارية الى نهاوند فوقعت عليهم الهزيمة بنهاوند وعمر يخطب على المنبر بالمدينة فنظر إليهم عمر فصاح يا سارية الجبل قال سارية فسمعت صوت عمر فالتجأت مع اصحابي الى الجبل فسلمنا (2) ومثل روايتهم ان الرسول " ص " قال اللهم اعز الاسلام باحب الرجلين


عنه والمتهم به صاحب الترجمة " انتهى ومراده بصاحب الترجمة عبد الرحمن ابن عفان (1) قال العلامة الشيخ محمد بن درويش الحوت في اسنى المطالب ص 184 خبر لو لم ابعث لبعث عمر موضوع نص عليه الحافظ ابن حجر (2) قال العلامة الشيخ محمد بن درويش الحوت في اسنى المطالب ص 265 خبر يا سارية الجبل هو من كلام عمر قاله على المنبر حين كشف له عن سارية وهو نهاوند من ارض فارس، ورى قصته الواحدى والبيهقي بسند ضعيف وهم في المناقب يتوسعون الكاتب (*)

[ 6 ]

اليك بعمر بن الخطاب أو بابي جهل بن هشام فسبقت الدعوة لعمر (1) " ومثل " روايتهم عن عبد الله بن مسعود انه قال لما مات عمر ذهب تسعة اعشار العلم (2) ومثل روايتهم ان الله جل اسمه لم يعبد علانية حتى اسلم عمر وشهر سيفه وقال لا يعبد الله سرا بعد اليوم ومثل روايتهم ان شاعرا كان عند رسول الله (ص) ينشده إذ اقبل عمر الى رسول الله (ص) فاشار رسول الله (ص) الى الشاعر ان اسكت حتى إذا خرج عمر من عنده استعاده الرسول ص النشيد وان عمر عاد الى الرسول ص فاشار الى الشاعر ان اسكت حتى فعل ذلك ثلاث مرات فلما كان في الرابعة وخرج عمر من عنده استعاده الرسول ص النشيد فقال الشاعر يا رسول الله من الذي إذا جاء اسكتني وإذا خرج استنشدتني فقال صلى الله عليه واله وسلم هذا رجل لا يحب الباطل - أو قال يكره الباطل - ومثل روايتهم ان لا رسول ص شهد لعشرة من اصحابه بالجنة منهم أبو بكر وعمر ومثل روايتهم ان رسول الله ص قال لما اسري بي الى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا من ذهب (وفي رواية اخرى) قصرا ابيض فاعجبني فقلت لمن هذا القصر فثبل لي لفتى من قريش فقلت من هو قيل


(1) اخرج هذا الحديث الترمذي والطبراني عن ابن مسعود وانس عن النبي (ص) كما ذكره ابن حجر الهيثمي في الصواعق ولكن ابن مسعود وانسا حالهما في الضعف معلوم (2) ذكره ابن حجر الهيثمي في الصواعق ص 59 وقال اخرجه الطبراني والحاكم عن ابن مسعود ولكن بلفظ لو ان علم يوضع في كفة ميزان ووضع علم احياء الارض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم ولقد كانوا يرون انه ذهب بتسعة اعشار العلم الكاتب (*)

[ 7 ]

عمر بن الخطاب فما منعني ان ادخله الا ما اعرفه من غيرتك يا عمر فبكى عمر عند ذلك وقال وعلى مثلك يغار يا رسول الله (1) ومثل روايتهم ان اهل الجنة ليترأؤن في عليين كما يترأءى الكوكب الدري لاهل الارض وان ابا بكر وعمر لمنهم (2) ومثل روايتهم ان عثمان كان اقرب الناس مجلسا من رسول الله " ص " بحيث تمس ركبتاه ركبتيه، فلما توفيت زوجته رقية بنت رسول الله - ص جلس في طرق البساط فمر به عمر فقال مالك يابن عفان نزلت عن مجلسك فقال اليوم انقطع صهري فعرفت نفسي فدعاه رسول الله صلى الله عليه واله فزوجه زينب اخت رقية بنت رسول الله ص فعاد الى مجلسه فلما توفيت زينب قال رسول الله ص لو كانت لنا ثالثة لزوجناكها - أو قال ما عدوناك (ومثل) روايتهم ان عثمان جهزه جيش العسرة بمال عظيم من ماله (3)


" 1 " ذكره ابن حجر الهيثمي في الصواعق ص 59 بتغيير يسير وقال اخرجه احمد والترمذي وابن حبان في صحيحه عن انس، واحمد والشيخان عن جابر، واحمد عن بريدة وعن معاذ ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال الحديث " قلت يلوح على هذا الحديث آثار الوضع كما لا يخفى على اولي البصيرة الكاتب " 2 " ذكر هذا الحديث المقدسي في تذكرة الموضوعات ص 27 بلفظ ان اهل الجنة ليرون اهل عليين وان ابا بكر وعمر منهم وانعما، ثم قال فيه مجاهد بن سعيد ضعيف، وذكره ايضا ابن حجر في الصواعق ص 46 بلفظ ان النبي ص قال ان اهل الدرجات العلى ليراهم من هو اسفل منهم كما ترون الكوكب الدري في افق السماء وان ابا بكر وعمر منهم وانعما، وقال رواه ابن عساكر عن ابن عمر وعن ابي هريرة قلت " وحال ابن عمر وابي هريرة معلوم فلا يعتمد على ما يرويان الكاتب " 3 " روي ذلك المحب الطبري في الرياض النضرة عند ترجمته لعثمان - (*)

[ 8 ]

ومثل روايتهم ان الرسول صلى الله عليه واله وسلم قال من يشتري بئر رومة وله الجنة فاشتراها عثمان من ماله وجعلها للناس سبيلا (1) ومثل روايتهم ان عثمان حمل الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دنانير كثيرة فجعل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقلبها بيده ويقول ما على ابن عفان ما فعل بعد هذا (2) ومثل روايتهم ان رسول الله صلى الله عليه واله كان يوما جالسا في حجرته فدخل عليه جماعة من اصحابه وفيهم أبو بكر وعمر ورسول الله


وابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة في ترجمته ايضا عن عبد الرحمن الجناب وعن عبد الرحمن بن سمرة وقال اخرجه الترمذي والحاكم وصححه وذكره ايضا البغوي في مصابيح السنة في ترجمته (1) رواه ابن حجر في الصواعق عن ابي هريرة وقال اخرجه الحاكم ورواه ايضا المحب الطبري في الرياض النضرة عن بشر بن بشير الاسلمي عن ابيه وقال ان عثمان اشتراها بخمسة وثلاثين الف درهم، ورواه ايضا البغوي في المصابيح (2) قال ابن حجر الهيثمي في الصواعق ص 65 أخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن جناب قال شهدت النبي (ص) وهو يحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان يا رسول الله على مائة بعير باحلاسها واقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان يا رسول الله علي مائتا بعير باحلاسها واقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان يا رسول الله علي ثلثمائة بعير باحلاسها واقتابها في سبيل الله فنزل رسول الله (ص) وهو يقول ما على عثمان ما فعل بعد هذه، وروى ايضا عن عبد الرحمن بن سمرة ان عثمان جاء الى النبي (ص) بالف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره رسول الله يقلبها ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، ورواه ايضا المحب الطبري في الرياض النضرة مثل ذلك الكاتب (*)

[ 9 ]

مكشوف الفخذ لم يغط فخذه حتى دخل عثمان فغطى فخذه فقيل يا رسول الله صلى الله عليك وآلك لم ذلك فقال الا استحي ممن تستحي منه الملائكة (1) ومثل رويتهم ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال عمر سراج اهل الجنة في الجنة (2)


(1) ذكر هذا الحديث كل من ابن حجر في الصواعق والمحب الطبري في الرياض النضرة والبغوي في مصابيح السنة في مناقب عثمان وقالوا اخرجه الشيخان واحمد وابو حاتم ورزين كلهم عن عائشة بنت ابي بكر. ليت شعر ما الذي رأت من عثمان - ان كان ما روت فيه صحيحا - حين حرضت على قتله يوم الدار قائلة بملاء فيها اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا فلقد غير سنة النبي (ص) أفلا كان الاحرى بها ان تقتدي بالنبي (ص) فتستحي ممن تستحي منه الملائكة، فهل من المعقول ان يعتمد على مثل هذه الروايات الغريبة فاحكم وانصف (2) ذكر هذه الحديث ابن حجر في الصواعق ص 58 وقال اخرجه البزار عن ابن عمر وابو نعيم في الحلية عن ابي هريرة وابن عساكر عن الصعب بن جثامة، وذكره ايضا المحب الطبري في الرياض النضرة في ترجمة عمر (ثم قال) ومعنى ذلك والله اعلم ان الجنة هم المؤمنون وكانوا قبل اسلام عمر في ظلمة ظلم الكفار من قريش فلما اسلم عمر انقذهم من ظلمهم واظهر شعار الاسلام فان فائدة السراج ضوءه في الظلمة والجنة لا ظلمة فيها فكان معناه ما ذكرناه (انتهى بحروفه) ولعمري ان هذا التفسير مما يضحك الثكلى لو كان الحديث صحيحا ولكنه من الموضوعات فلا يحتاج الى التجشم في تفسيره بالتافهات فقد قال العلامة الخبير الشيخ محمد بن درويش الحوت في اسنى المطالب ص 144 ان خبر عمر بن الخطاب سراج اهل الجنة، فيه عمر الواقدي وهو مالك وساقط عند المحدثين الكاتب (*)

[ 10 ]

ومثل روايتهم ان افضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي، فزعموا ان ابا بكر افضل من عمر وعثمان وغيره وان عمر افضل من عثمان بعد ابي بكر، ثم منهم من ساوى بين عثمان وعلي عليه السلام ومنهم من فضل عثمان على علي عليه السلام ويشهدون للعشرة انهم من اهل الجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابو عبيدة بن الجراح ومثل روايتهم ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال ان الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ومثل روايتهم في قول الله عز وجل " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم " قالوا أبو بكر وعمر من المهاجرين والانصار الاولين (1) ومثل روايتهم في تأويل قول الله عز وجل (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) قالوا العشرة ممن بايعوا تحت الشجرة وممن رضى الله عنهم وهم اهل الجنة ومثل روايتهم في قول الله عز وجل (والذي جاء بالصدق وصدق به) ان ذلك كان ابا بكر سماه الله صديقا ومثل روايتهم في تأويل قول الله عز وجل (فاما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) الى قوله " وسيجنبها الاتقى الذي يؤتى ماله يتزكى وما لاحد عنده من نعمة تجزي الا ابتغاء وجه ربه الاعلى ولسوف يرضى " قالوا هذا أبو بكر


(1) ذكر ابن حجر الهيثمي في الصواعق ص 139 اثنتي عشرة آية من آيات القرآن المجيد وقال انها نزلت في ابي بكر فاقرأ واعجب فان اكثرها نزلت في فضل الامام امير المؤمنين عليه السلام على ما ذكره ثقات المفسرين (*)

[ 11 ]

ومثل روايتهم ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال اوحى الله سبحانه الي ان قل لابي بكر انى عنك راض فهل انت عني راض (1) (وكان الجواب) عن ذلك وبالله المستعان وعليه التوفيق، ان القوم قدرووا ذلك وهم ينقلونه بينهم، ومن ناصح نفسه وصح له تمييزه ونظر وتدبر في حقايق ما يروونه لم يشتبه عليه باطل جميع هذا وشبهه إذ كان كل باب منه فيه من ادلة الفساد ما لا يخفى على ذي فهم ونظر وتمييز وصحة فكر، والواجب على طالب النجاة ان يقصد في تحقيق الاثار وصحة الاخبار الى معرفة الشواهد والعلامات والدلائل الواضحات التي يتحقق معها الحق ويبطل بها الباطل، فاول ما نبدأ به من القول في ذلك انه قد علم ذو الفهم ان الاثار منقولة عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم في ايامه وايام من كان بعده من وجهين في الامامة لا ثالث لهما (احدهما) طرق اهل البيت عليهم السلام وشيعتهم (والثاني) طرق الحشوية من اصحاب الحديث، فمن ادعى من جميع الامة ممن تقدم في الاعصار السالفة غير هذين الوجهين فهو متخرص كذاب ضال مضل فاسد المعرفة داحض الحجة، وإذا كان ذلك كذلك فيعلم ذو الفهم ان ما كان يرويه الحشويه من طرق اهل البيت وشيعتهم ولم


(1) قال ابن حجر في الصواعق ص 44 اخرج البغوي وابن عساكر عن ابن عمر قال كنت عند النبي (ص) وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل عليه جبرئيل فقال يا محمد مالي ارى ابا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فقال يا جبرئيل اتفق ماله علي قبل الفتح قان فان الله يقرأ عليه السلام ويقول قل له اراض انت عني في فقرك هذا ام ساخط فقال أبو بكر اسخط على ربي راض انا عن ربي راض انا عن ربي راض ثم قال ابن حجر وسنده غريب ضعيف جدا ثم قال أبو نعيم عن ابي هريرة وابن مسعود مثله وسندهما ضعيف ايضا وابن عساكر نحوه من حديث ابن عباس الكاتب (*)

[ 12 ]

يرو ذلك اهل البيت وشيعتهم فلا حجة للحشوية ومن تابعهم في ذلك على مخالفيهم، وكذلك إذا رووا اهل البيت وشيعتهم آثارا من طرقهم وعن رجالهم المتصلين عن رجل من الحشوية ولم يرو ذلك الحشوية فلا حجة لشيعة اهل البيت في ذلك على الحشوية وان كانت الرواية في نفسها كثيرة صحيحة محقة، وهذا هو وجه النصفة والنصيحة فإذا اجمعوا على رواية من طريقيهم المتضادين المختلفين فتكون تلك الرواية مما لا يشك في صحتها وعليها الفقهاء من الفريقين المعول في الاحتجاج والنظر عليهم، وإذا اختلفوا في رواية فروى كل فريق منهم من طريقه ضد ما رواه الفريق الاخر كان المعول في ذلك عند اهل النظر على الفحص عن الاسباب المتضادة بشواهد الكتاب ودلالات الاخبار المجمع عليها فايهما ثبت وجوبه من المتضادين لزمت حجته وايهما وجدت شواهده باطلة بطلت حجته ومهما لم توجد شواهد تحققه ولا علامات تبطله كان سبيله الوقوف فيها فلا يلزم الخصم فيها حجة يطالب فيها بواجب ثم يجب النظر بعد ذلك في معرفة الفريقين من نقلة الاخبار من اهل البيت عليهم السلام ومن الحشوية ايهما اولى بالاتباع عند وقوع التنازع والاختلافات فايهما ثبت صدقة وصحت تزكيته من الرسول (ص) والامر منه باتباعه منهما وجب قبول آثاره واطراح ما خالفها أو ضادها، وقد اجمعوا جميعا على الرواية في تزكية اهل البيت عليهم السلام واشارة الرسول إليهم بالهدى والعبد من الضلالة والامر منه باتباعهم والكينونة معهم فقال عليه السلام (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما فان اللطيف الخبير نبأني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وقد اخبرنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان اهل بيته عليهم السلام مع القرآن والقرآن مع اهل بيته عليهم السلام، وهذه دلالة الصحة على ان اهل بيته عليهم السلام معدن العلم إذ كان علموا ما يحتاج إليه في كتاب الله تعالى ولم يقل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قرناه ؟ القرآن

[ 13 ]

الا بعد علمهم به ثم شهدو بازالة عمن تبعهم وتمسك بهم وإذا زالت الضلالة عنهم وعمن تبعهم وتمسك بهم كانوا غير مفارقين للهدى وان يكونوا كذلك حتى يكونوا قد حووا جميع العلوم هي خارجة من كل ضلالة، وإذا كان ذلك كذلك واختلفت الحشوية واهل البيت عليهم السلام في الروايات وتضادا في التحقيقات كان الاتباع لمن شهد الرسول (ص) لهم بازالة الضلالة عن المتمسك بهم اولى واجدر، وهذه الروايات التي رويناها من مناقبهم وفضائلهم فهو شئ تفردوا بنقله دون مخالفيهم من نقله طرق اهل العلم من اهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، بل هؤلاء قد روا فيهم ضدها وانكروا روايتهم هذه التي تخرصوها فلو انصفونا وجروا معنا في ميدان النظر وحقائق التمييز كانت الحجة عنا ساقطة في جميع ذلك ولما احتججنا الى شرح فسادها واظهار باطلها إذ كانوا نقلوها دون غيرهم، ولعمري لو اقتصرنا على هذه الحجة لكان فيها كفاية ومقنع ونهاية مع ما قد شرحناه من بدع القوم وتغييرهم وتبديلهم لدين الله عز وجل وحدوده ولعبادته ولكن من مذهبنا الاستقصاء في الشرح والبيان وايضاح للبرهان علينا ولنا (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة) و (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) فنقول في ذلك وبالله نهتدي (اما ما رووا) من التقديم لابي بكر في الصلاة فروايتهم في ذلك عن بلال عن عائشة فلو كنا ممن يميل الى ابطال الاحاديث من جهة ناقليها دون شواهد وعلامات لابطالها لكان في ابطال هذا الخبر اوكد مقال وذلك ان الحشوية يزعمون ان الحديث يثبت لهم من جهة ناقليه ويفسد عندهم كذلك من جهة ناقليه على قدر تزكيتهم الناقل وانحرافهم عنه من غير نظر في معانيه ولا طلب لشواهد تصديقه وعلامات باطلة، وهذه حالة لا يرضاها الا قليل البصيرة ناقص التمييز والمعرفة زائل الفهم، فاما نحن فلا نعول على ذلك

[ 14 ]

ولا يقتصر عليه دون الشواهد والعلامات والدلائل الواضحات الدالة على تحقيقها أو بطلانها إذ كان من يظن به امثالنا الصدق قد يجوز ان يكذب بحال من الاحوال الحقيقية وكذلك من يظن به امثالنا الكذب يجوز ان يصدق بحال يقوم له في ذلك، فلهذا أو شبهه لم يثق باطراح خبر ولا بحقيقة من عدو ولا ولي حتى يعلم صحته أو بطلانه بالشواهد اللائحة والاعلام الواضحة، واتبعنا في ذلك تأديب الله عز وجل من قائل إذ يقول (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها) وقال (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) فامر الله ان يتدبروا لكتابه ليتحقق حقه ويزول الخلاف فيه وعنه، وإذا كان جمع ابواب الحق ووجوهه متفقة متسقة كان جمع ابواب الباطل وسبله متضادة مختلفة. وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سيكذب علي فاعرضوا ما تحدثوا به عني على كتاب ربي فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فانبذوه واخبر ان كتاب الله مع اهل بيته مقرونا بهم لا يفارقهم ولا يفارقونه فدل ذلك على انهم علماؤه فوجب الرجوع الى اهل بيته (ع) في تحقيق الاشياء إذ كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم امرنا ان نحقق اخباره بكتاب الله ولسنا نحيط بكتاب الله علما ولا شك في احاطة اهل بيت رسول الله (ع) بعلمه إذ قرنهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم به فاوجبنا عند ذلك في كل ما نقل الينا من اخبار رسول الله (ص) النظر والتمييز ليتحقق لنا حقها ويتضح لنا باطلها ولو عولنا في ذلك على ما تذهب إليه الحشوية في الاخبار لقلنا ان بلالا مولى ابي بكر وعائشة ابنته ويجوز ان يتهم بلال في الميل الى مولاه وتتهم عائشة في الميل الى ابيها ويبطل الحديث من هذه الجهة لكن هذه الحالة لا نرضاها لانفسنا فنقول في فساد هذا الخبر وبالله التوفيق. ان اول ما يدل على فساده انهم مختلفون في روايتهم (فمنهم من روى ان ابا بكر صلى بالناس اياما في حياة الرسول (ص) في علته (ومنهم) يقول انه قدمه لصلاة واحدة وهي

[ 15 ]

الصلاة التي توفي عقبها وقالوا لما كبر أبو بكر في المحراب خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين علي (ع) والفضل بن العباس ورجلاه تخطان في الارض ضعفا من العلة فدخل المحراب وصلى بالناس في روايتهم قاعدا ثم اختلفوا ايضا فقالوا انه ازال ابا بكر عن المحراب واقامه بينه وبين الصف الاول فكان أبو بكر يصلي بصلاة الرسول (ص) والناس يصلون بصلاة ابي بكر. وفي قول آخر بقى معه في المحراب يصليان جميعا، فلما اختلفوا في هذه الرواية هذا الاختلاف الذي شرحناه وهي عندهم من افضل مناقب صاحبهم التي بها بزعمهم استحق الامامة عندهم كان اختلافهم فيها دليلا على ابطال ما ادعوه من تقديم رسول الله (ص) له ولو قدمه كما زعموا ما اختلفوا فيه على هذا الحال كما لم يختلفوا في تقديم عتاب بن اسيد للصلاة بالناس بمكة حين فتحها الرسول (ص) ومحال ان يكون الرسول (ص) يقدم رجلا للصلاة في مسجده فيجهل له اولياؤه حتى لا يدرون هل صلى ام لم يصل أو هل ازاله الرسول (ص) عن المحراب ان لم يزله. فهذا احد الدلائل على ابطال ما يدعونه من هذه الرواية وقد اجمعوا مع ذلك في روايتهم ان الرسول ص خرج حين كبر أبو بكر في المحراب في آخر صلاة صلاها رسول الله ص وهي صلاة العصر التي توفي عقبها قبل ان تغرب الشمس. فنقول ان كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قدمه للصلاة على زعمهم وبدعواهم ثم خرج بعد ذلك فازاله عن الصلاة بالناس وصلى هو بهم فان الحال لا يخلوا في هذا من ان يكون الرسول صلى الله عليه واله وسلم قدمه للصلاة بوحي من الله أو برأي قد رآه من نفسه فان كان قدمه للصلاة بوحي من الله ثم خرج فمنعه من الصلاة بالناس فقد عصى الله بمخالفته الله فيما امره من تقديم ابي بكر للصلاة بالناس، وقائل هذا كافر بلا خلاف، وان كان الرسول (ص) قدمه برأي رآه من نفسه فليس يخلو حاله في ازالنا ؟ من ان يكون برأي منه أو بوحي من الله، فان كان ازاله

[ 16 ]

برأيه كما فيه فدفعه الاخير ناسخ للاول فقد عزله عن فضل قد كان اهله. وقبح ان يعزله رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن فضل قد كان اهله (1) بزعم اوليائه الا وقد علم انه غير مستحق لذلك الفضل، وان كان اخوه ؟ بوحي من الله كان سبيله في ذلك كسبيله فيما بعثه بسورة براءة ليقرأها على الناس بمكة من بعد الفتح ومن بعد رجوعه من غزاة تبوك فلما سار أبو بكر بالسورة نحو مكة بعث خلفه عليا (ع) فاسترجعها منه ورده الى الرسول (ص) وتقدم علي على السلام بالسورة الى مكة فقرأها على اهل مكة ورجع أبو بكر الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال يا رسول الله هل نزل في شئ استوجب استرجاعي واخذ الصورة من ي فقال يا ابا بكر ان الله اوحى الي ان لا يؤدي عني الا انا أو رجل مني وان عليا مني وانا منه. وهذا مما لا خلاف فيه بين الامة فان صحت لهم رواية تقديمه في الصلاة فسبيله فيما وصفناه في ازالته عنها كسبيله باداء سورة براءة. فهذا حال يهدم كل فضيلة لابي بكر من دون ان ينسب ويثبت له فضيلة لكن اولياؤه (صم بكم عمى فهم لا يعقلون) واما ما اختلفوا فيه من وقوف ابي بكر بالمحراب مع رسول الله " ص " أو خلفه فانا نقول في ذلك لو كان أبو بكر قام مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في المحراب محازيا له لوجب مشاركته للرسول " ص " في الامامة ولوجب ان يكون سنة مستعملة في الاسلام وغير مطرحة فيصلي بالناس امامان في محراب واحد إذ ليس كان معهم نهى من الرسول " ص " عنه وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد فعله في اخر افعاله التي لم ينسخها شئ من بعدها ولم ينه الرسول عنها. فلما كنا نجد اولياءه مجمعين على منع الشركة من ابي بكر ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الامامة


(1) اهله هنا وفيما قبله بصيغة الفعل الماضي وبفتح الهاء المشددة الكاتب (*)

[ 17 ]

ووجدناهم مجمعين على منع امامين يصليان بالناس في محراب واحد بطل قول من يزعم ان ابا بكر قام مع رسول الله " ص " في المحراب محازيا له. وثبت قول من قال انه اقامه خارجا عنه بينه وبين الصف ولعمري لقد فعل ذلك به، ولو ميز اولياؤه هذه المنزلة لعلموا ان اقامته له في ذلك المقام دليل على انه قد انزله منزلة لا دين له إذ كانت الامة مجمعة على انه لا يجوز ان يصلي رجل جماعة فيقوم فرادى صفا وحده وانه من فعل ذلك وقد عقد صلاته بنية الجماعة فلا صلاة له ومن لا صلاة له فلا دين له فلما قام رسول الله (ص) صاحبهم فرادى بينه وبين الصف كان قد اقامه مقام من لا صلاة له ومن لا صلاة فلا دين له، ام كفى بهذا المقام خزيا لصاحبه ودليلا لمن فهم ما شرحناه وبيناه وهذا المقام أجل منقبة لصاحبهم عندهم وقد شرحنا ما عليهم وما على صاحبهم عندهم فيه، وكان قول ابي بكر (وددت اني سألت رسول الله عن هذا الامر لمن هو فكان لا ينازع فيه) دالا على انه لم يكن له فيه حق يعرفه إذ لم يعرف هو لمن ولو كان له فيه حق لعرفه ولما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (علي مني وانا من علي) دل على ان منزلة علي في دين الاسلام باثبات الحجة لله على الناس منزلة الرسول في ذلك بعد وفاته وفي التأدية عنه في حياته، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه واله وسلم (علي مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي) فلما كان رسول الله ص نبيا اماما وكان هارون نبيا اماما مع موسى (ع) فاستثناء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بمنع اسم النبوة في علي (ع) يثبت له الامامة ضرورة إذ لم يستثن بها الرسول (ص) كما استثنى بالنبوة. وقد شرحنا من معنى هذا الخبر في كتاب الاوصياء ما فيه كفاية لمن فهم. فهذه فضيلة صاحبهم التي يعولون بزعمهم قد اوضحنا ما عليه فيها وان التقدمة لم تكن من قبل الرسول (ص) ولو صحت ايضا لهم من قبل الرسول (ص) عند الضرورة لعلة وثبت عند ذلك ايمانه وتطيره لكان ذلك مما لم يوجب ولايه لاحد

[ 18 ]

على المسلمين ولو كان ذلك مما يوجب ولاية لاحد لكان عتاب بن اسيد احق بالخلافة منه إذ كان رسول الله " ص " قد قدمه يصلي بالناس حين فتح رسول الله " ص " مكة ورسول الله " ص " مقيم بمكة وابو بكر معه يصلي خلف عتاب فقدمه رسول الله " ص " يصلي بالناس في المسجد الحرام من غير علة ولا ضرورة دعته الى ذلك وهذا باجماع الامة فكان رسول الله " ص " يصلي بالناس الظهر والعصر وعتاب بن اسيد يصلي بالناس الثلاث الصلوات باجماع. وكان باجماع ان المسجد الحرام افضل من مسجد المدينة ومكة افضل من المدينة. ويلزم في النظر ان من قدمه رسول الله " ص " في الموطن الافضل من غير علة افضل ممن قدمه في مسجد هو دونه في الفضل من ضرورة العلة، فان زعم جاهل ان مسجد المدينة هو مسجد رسول " ص " دون المسجد الحرام والخلافة لرسول الله " ص " فالمقدم في مجسده اولى من المقدم في غير مسجده قيل له هذا جهل وعمى فان كان رسول الله " ص " حيث صلى من البلاد فهو مسجده وموطنه وهو الحاكم فيه دون غيره والامر له واليه وشاهد ذلك قوله صلى الله عليه واله وسلم جعلت في الارض مسجدا وطهورا. فجميع الارض مسجد لرسول الله " ص " وهذا مالا يحتج به ذو فهم واما رواية اهل البيت عليهم السلام " 1 " في تقديمه للصلاة فانهم رووا بأن بدلا صار الى باب رسول الله " ص " فنادى الصلاة وكان قد اغمى على


(1) وقد حرفت ولعبت يد التغيير بهذه الرواية في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح بما يوافق رغبتهم وميلهم ومن تصفح الصحاح الستة ير العجائب والغرائب من التحريفات والتغييرات الشائعة التي يرجع بعضها الى مؤلفيها واكثرها الى الجنة التحريف والتغيير في مطابع مصر وغير مصر من البلاد التي لا يروق لاهلها احقاق الحق وابطال الباطل لاسيما في الاحاديث الواردة في فضائل ومناقب اهل البيت النبوي ع الكاتب (*)

[ 19 ]

رسول الله (ص) ورأسه في حجر علي عليه السلام فقالت عائشة لبلال مر الناس ان يقدموا ابا بكر ليصلي بهم فان رسول الله مشغول بنفسه فظن بلال ان ذلك عن رسول الله ص فقال للناس قدمو ابا بكر فيصلي بكم فتقدم أبو بكر فلما كبر افاق رسول الله " ص " من غشوته فسمع صوته قال لعلي عليه السلام ماهذا قالت عائشة امرت بلالا يأمر الناس بتقديم ابي بكر يصلي بهم فقال (ص) اسندوني أما انكن كصويحبات يوسف فخرج بين ميمونة زوجته وبين علي بن ابي طالب (ع) الى باب الحجرة فاستقبله الفضل بن العباس فرد ميمونة واخذ الفضل بن العباس بعضده فجاء الى المحراب بين الفضل وعلي عليه السلام (1) واقام ابا بكر خلفه بين المحراب وبين


(1) في صحيح البخاري في كتاب الصلات باب حد المريض ان يشهد الجماعة فخرج النبي (ص) يهاى بين رجلين وفي صحيح مسلم في كتاب الصلاة باب استخلاف الامام إذا عرض له عذر، والرواية عن عائشة وفيها (فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الارض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود فاخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة فقال لي عبد الله بن عباس هل تدري من الرجل الاخر الذي لم تسم عائشة قال قلت لا قال ابن عباس هو علي عليه السلام) وفي رواية اخرى لمسلم فخرج ويدله على الفضل بن عباس ويدله على رجل آخر وهو يخط برجليه في الارض فقال عبيد الله فحدثت به ابن عباس فقال اتدري من الرجل الذي لم تسم عائشة هو علي عليه السلام وفي رواية اخرى لمسلم فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الارض واورد روايات اخرى لم يذكر فيها كيفية خروجه ولا غرابة من عائشة حيث لم تسم الرجل الذي خرج النبي " ص " معتمدا عليه فكيف تسمي عليا عليه السلام وعداوتها له ظاهرة وحسدها له لا ينكر فكم عارضته بمحضر من النبي (ص) والنبي ينهرها، وقضا اياما معه عليه السلام بعد وفاة النبي (ص) لا سيما في حرب - (*)

[ 20 ]

الصف وكان يسمع الناس التكبير إذا كبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كسبيل من يسمع الناس التكبير يوم الجمعة وصلى بالناس قاعدا واما ما زعمت العامة في الرواية من انه قال صلى الله عليه وآله وسلم قدموا ابا بكر فقالت عائشة ان ابا بكر رقيق القلب ولعله لا يتهيأ له ان يصلي بهم فليقدموا عمر فقال رسول الله صلى الله عليه واله ابى الله ورسوله الا تقديم ابي بكر اما انكن كصويحبات يوسف فهو شئ لا معنى له لان هذا شئ لا يشبه فعل يوسف وانما مثل رسول الله ص بقوله في رواية اهل البيت عليهم السلام اما انكن كصويحبات يوسف لكذبهن على يوسف كذلك ايضا كان قولها لبلال قدموا ابا بكر فليصل بالناس فان رسول الله مشغول بنفسه دليل على الكذب على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فلو كان ما رواه حقا لكان ذلك طعنا على عائشة إذ عارضت رسول الله (ص) في امره ومن عارض الرسول في امره فقد ظن انه اعلم منه بما عارضه فيه ومن ظن ذلك فقد كفر بلا خلاف، فليقدموا لعائشة ان شاؤا في الحالين من روايتهم ورواية اهل البيت عليهم السلام ثم ليذموا اباهله ان شاؤا فيما وصفناه في مقامه في تلك الصلاة إذ كان مقام من لا صلاة له وكل ذلك عليهم لا لهم والحمد لله رب العالمين واما قول جهالهم لما رضيه رسول الله لديننا رضيناه لدنيانا بزعمهم فهذا جهل واختلاط، وتخبط وافراط، وذلك ان القوم ان كانوا انما اقاموا ابا بكر لدنياهم فقد يلزم في حق النظر ان يكون أبو بكر وكيلا لهم في دنياهم وإذا قالوا ان ابا بكر كان وكيلا لمن اقامه لزم في حق النظر وحكم الاسلام ان يكون الناس مخيرين في اقامته لدنياهم وازالته عن دنياهم وليس على كل الناس فرض ان يقيموا لدنياهم وكيلا بل ذلك إليهم ان شاؤا اقاموا ذلك وان شاؤا لم يقيموا، وإذا كان ذلك كذلك واختاره قوم اقاموه وكيلا


البصرة اخزى واشنع سامح الله أمنا عائشة وعاملها بعدله الكاتب (*)

[ 21 ]

لدنياهم كما زعموا فليس على جميع الناس واجبا ان يقبلوا ذلك فمن شاء ان يقيمه اقامة ومن شاء ان يمتنع امتنع من ذلك، فان امتنعوا من ذلك تركوا علتهم التي اصالوها بزعمهم انهم رضوا الدنياهم من رضيه رسول الله لدينهم ومن ترك علته وخرج عن اصله الذي عليه معوله ومذهبه فقد لزمه عند جميع اهل النظر مفارقة مذهبه والدحوض لحجته وكفى بذلك خزيا لمن اقام عليه، وان هم اجازوا الاختيار من الناس لاقامته فمن شاء اقامه لدنياه ومن شاء لم يقمه لزمهم في حكم النظر ان يكون القوم الذين اقاموه لدنياهم آمرين ناهين له له في كل احواله ولا أمر له عليهم ولا طاعة إذ كل دين وشريعة وملة ومعقول يوجب ان كل من كان له وكيل في دنياه فطاعته وامره ونهيه لازم لموكله ولا طاعة للوكيل ولا امر له معه ولا نهي، وإذا كان ذلك كذلك فقد اخرجوا ابا بكر من حدود الامامة وهم لا يعلمون ومع ذلك فقد الزموا أبا بكر الظلم والتعدي بل الكفر في قتله الذين منعوه زكاتهم وسبي ذراريهم (1) وابا فروج حريمهم فبأمر من فعل ذلك ومن الذي اوجب له ذلك منهم وانما هو بزعمهم وكيل لمن رضيه لدنياه فان القوم لم يرضوه لدنياهم وكيلا وليس ذلك عليهم بواجب في الدين ولا في احكام العقول لان كل انسان مخير ان شاء اقام وكيلا وان شاء قام هو بنفسه دون غيره، هذا مع ما يلزمهم في حق النظر على اصل علتهم هذه ان يكون كل من قدمه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للصلاة بقوم في مصر من الامصار وقبيلة من القبائل فقد رضيه لدينهم، ويجب على كل قوم ان يرضوا لدنياهم من رضيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لدينهم فيرضى اهل مكة من اقامه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للصلاة بهم لدنياهم وكذلك اهل الطائف واهل


(1) هو مالك بن نويرة فقد قتله خالد بن الوليد بأمر ابي بكر وقتل اصحابه وسبي ذراريهم واباح فروج نسائهم فنكح خالد زوجة مالك من ليلته انظر ص 9 من الكتاب (*)

[ 22 ]

اليمن وكل بلد فتحه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يرضون لدنياهم من قدمه صلى عليه واله وسلم للصلاة بهم، وكذلك جيمع البوادي والقبائل والقرى والسرايا وذلك ان رسول الله (ص) انما اقام ابا بكر على دعواهم للصلاة باهل المدينة دون غيرهم من سائر النواحي فكان لاهل المدينة خاصة وارتضاه رسول (ص) لهم بزعمهم كما ارتضى لاهل مكة صاحبهم المصلي بهم كن قبله وكما يرتضي لاهل كل مصر وكل قبيلة وليس لاهل المدينة ان يتحكموا على غيرهم برأيهم فكل قوم فلهم ان يختاروا لانفسهم صاحبهم كما لاهل المدينة ذلك. فان طالب اهل المدينة اهل مكة الدخول معهم والرضا بصاحبهم قال اهل مكة لاهل المدينة ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بزعمكم اختار صاحبكم للصلاة بكم دون غيركم ولم يختره لنا فرضيه لكم وكذلك اختار لنا رجلا غيره فرضيه لنا كما رضى صاحبكم لكم فنحن نختار صاحبنا كما اخترتم انتم صاحبكم إذ كنا نحن وانتم مختارين في هذا الامر من غير امر من الرسول (ص) معكم ولا معنا في ذلك فقد تساوينا في الاختيار فان منعوا ذلك بان ظلمهم وظهرت فضيحتهم وانكسرت حجتهم وخرجوا عن اصلهم وتركوا علتهم وان اختاروه كثرت الحلفا ؟ والائمة في جميع الامصار وكفى بهذا المذهب خزيا لمن اقام عليه وناضل عنه بعد هذا البيان عند من فهم واما ما احتجوا به من قول الله تعالى (ثاني اثنين إذ هما في الغار) وان ذلك أبو بكر الذي كان مع رسول الله (ص) في الغار ومن قال انهم كانوا خمسة ليس كما قال الله تعالى (ثاني اثنين إذ هما في الغار) وما نجد لابي بكر في هذا الحال فضيله على غيره لانه صحب الرسول (ص) في تلك الحال فلم يدفع بصحبته للرسول (ص) ضيما ولا حارب عنه عدوا ولا وجدنا في الاية مديحا بفضل اكثر من خروجه معه وذكر حجته له وقد اخبرنا الله جل اسمه في كتابه ان الصحبة قد تكون للكافر مع المؤمن حيث يقول (قال له صاحبه وهو يحاوره اكفرت بالذي خلقك من تراب ثم

[ 23 ]

من نطفة ثم سواك رجلا) الاية فما في الاية فما في الصحبة منقبة تعد فضيلة (1) وليس لمن نظر لنفسه فاتبع سبيل ربه طالبا لخلاصه في الهرب ببدنه منه على غيره فاي حال اوجب المنة لابي بكر على غيره في صحبة الرسول


(1) قال السيد الشريف المرتضى علم الهدى رحمه الله في الشافي (ص 221) في رده لقاضي القضاة حيث جعل قصة الغار فضيلة لابي بكر (ما نصه) اما قوله انه كان صاحبه في الغار فانا متى اعتبرنا قصة الغار لم نجد فيها لابي بكر فضلا بل وجدناه منهيا والنهي من الرسول (ص) لا يتوجه الا الى قبيح، ونحن نبين ما يقتضيه سيقراء الاية، اما قوله تعالى (ثاني اثنين) فليس فيه اكثر من اخبار عن عدد وقد يكون ثانيا لغيره من لا يشركه في ايمان ولا فضل، ثم قال (إذ يقول لصاحبه) وليس في التسمية بالصحبة فضل لانها قد تحصل من الولي والعدو والمؤمن والكافر قال الله تعالى مخبرا عن مؤمن وكافر اصطحبا (قال له صاحبه وهو يحاوره اكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) ثم قال (لا تحزن) فنهاه عن الاستمرار على حزن وقع منه بلا خلاف لان الرواية وردت بانه جزع ونشج بالبكاء، وانما ذكرنا ذلك لئلا يقولوا انما نهاه عما لا يقع منه، وظاهر نهيه صلى الله عليه واله وسلم يدل على قبح الفعل وانما يحمل النهي في بعض المواضع على التشجيع والتسكين ؟ بدلالة توجب العدل وعن الظاهر، وهذا يدل على وقوع المعصية من الرجل في الحال، واما قوله تعالى (ان الله معنا) فمعناه انه عالم بحالنا كما قال تعالى (ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا ادنى من ذلك ولا اكثر الا هو معهم انما كانوا) فليس في ذلك ايضا فضل، وقد قيل ان لفظة معنا تختص النبي (ص) وحده دون من كان معه وقد يستعمل الواحد العظيم هذه اللفظة في العبارة عن نفسه كما قال تعالى " انا ارسلنا نوحا، وانا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " ثم قال " فانزل الله سكينته عليه وايده بجنود لم تروها " (*)

[ 24 ]

لى الغار وانما كان هاربا ببدنه طالبا بذلك النجاة لنفسه دون ان يكون ذلك منفعة لغيره، فان كان مؤنسا للرسول (ص) جهلوا في هذا لان رسول الله (ص) لم يكن مستوحشا والله مؤنسه أفضل أنسا من ابي بكر وغيره، وملائكة ربه نازلة من اناء الليل واطراف النهار كما قال الله عز وجل (فانزل الله سكينته عليه وايده بروح القدس وايده بجنود لم تروها) يعني الملائكة، وكما قال جل اسمه مخبرا عن الرسول (ص) ايقول لصحاحبه لا تحزن ان الله معنا) فمن يأنس بالله وملائكته كان محالا ان يأنس بغيرهم ولو كان ايضا ذلك كذلك لكان ثوبه له دون غيره ولم تكن فيه منفعة لسواء فتكون له فضيلة على غيره، ولقد كانت المنة لله ولرسوله عليه ذلك إذ قبله صاحبا وهداه بزعمهم ثم نقول في ذلك بعد هذا كله ان الله قد اخبرنا في قصته وقصة الرسول (ص) بما دلك على تهمته في ايمانه لانه قال جل من قائل، ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا. ثم قال فأنزل الله سكينته عليه وايده بجنود لم تروها، فاخبر انه انزل السكينة عليه دون ابي بكر ولم يذكر ابا بكر في السكينة كما اخبرنا في موطن آخر انه انزل السكينة على الرسول وعلى المؤمنين حيث يقول في سورة التوبة، لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين


- وانزال السكينة انما كان على النبي (ص) بدلالة قوله (وايده بجنود لم تروها) وهم الملائكة وبدلالة ان الهاء من أول الاية الى آخرها كناية عن النبي (ص) ولم تنزل السكينة على النبي في غير هذا المقام الا عمت من كان معه من المؤمنين قال الله تعالى في يوم حنين " فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " وقال تعالى " إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وفي اختاص الرسول (ص) في الغار بالسكينة دون من كان معه ما فيه. الكاتب (*)

[ 25 ]

ثم انزل الله سكينه على رسوله وعلى المؤمنين، ألا ترى انه ذكر السكينة للمؤمنين في هذا الموضع إذ كانوا حضورا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر ابا بكر في حال كونه مع الرسول (ص) في الغار فأنزل السكينة على الرسول ولم يذكره كما ذكر المؤمنين في هذا الموضع من حنين فكان ذلك موجبا للتهمة في ايمانه وانتقاما للذي وجد للطعن عليه بذلك سبيلا لانه يقول لو كان مؤمنا لكان قد ذكره في انزال السكينة على الرسول معه في الغار كما ذكر غيره من المؤمنين يوم حنين وهم الذين ثبتوا مع علي عليه السلام تحت الراية وكانوا يومئذ ثمانية لم ينهزموا مع المنهزمين، وباجماع ان ابا بكر وعمر لم يكونا في الثابتين وكانا من المنهزمين، وقال ايضا قوم من اهل النظر أن أبا بكر بصحبته لرسول الله (ص) في الغار لم تصح له هجرة، قالوا وذلك لان الله يقول " ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله " قالوا وهجرة رسول الله (ص) الى الله وهجرة المؤمنين الى رسول الله (ص) فمن هاجر الى رسول الله (ص) وجب ان تكون هجرته إليه بعد هجرة رسول الله (ص) الى هجرته ولما كان أبو بكر خرج لخروج رسول الله (ص) لم يجز ان يكون شريكا للرسول (ص) في هجرته الى الله تعالى لان ابا بكر كان مستعيذا برسول الله ص والرسول واسطة بينه وبين الله فيكون الرسول (ص) مستعيذا به كما ان ابا بكر مستعيذا بالرسول (ص) فلما كان أبو بكر مستعيذا بالرسول (ص) لم يجز ان يكون شريك الرسول (ص) في هجرته والهجرة الى الرسول لا تكون الا من بعد هجرة الرسول فلا يجوز ان يكون فيه معه فيكون شريكه والشركة له في ذلك غير جائزة باجماع ولا يجوز ان يكون قبله فيكون ذلك غير مهاجر الى الله والى الرسول فلما كان ابي بكر على ما وصفناه من كينونته مع الرسول " ص " في حال هجرة الرسول " ص " بطل ان يكون مهاجرا الى الرسول وثبتت له الصحبة فقط وقد ذكرنا في حال

[ 26 ]

الصحبة انها تكون لمؤمن مع كافر ما فيه كفاية لمن فهم وفي هذا اخراجه من كل خبر ذكر الله به المهاجرين في كتابه إذ لم يكن منهم فانظروا يا اهل النظر الى ما عليهم وعلى صاحبهم في هذه المواطن التي هي اجل مناقب صاحبهم وأعظم فضائله عندهم وبها يصولون وعليها يعولون، وهكذا لعمري سيل اهل الباطل ينقض عمري باطلهم والله عليهم من كل جهة راموا اثبات حجة منها لباطلهم ولله المنة على اوليائه بما بصرهم من نور هدايته. وأما ما زعموا من قولهم أن ابا بكر وعمر وزراه رسول الله (ص) فلسنا نعرف الوزارة في اللغة الا المعونة لا غير فمعونة رسول الله " ص " لا تكون الا من جهتين لا ثالث لهما، في المعونة في التأدية والابلاغ الى الناس من دين الله الذي جاء به من عنده كما قال عز وجل " ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا اخاه هارون وزيرا " وكان هارون عليه السلام مؤديا معه رسالات الله ومعينا له على دين الله، والوجه الثاني هو المعونة بمجاهدة الكفار ومحاربتهم ولا نعرف في معونة الرسول وجها ثالثا وذلك أن في الوزارة لسائر الناس غير الرسل ما يكون معه الرأي والمشورة والتدبير وهذا حال لا يضن لاحد مع الرسل لان الرسل لا يستعملون آرائهم وتدبيرهم دون تدبير الله تعالى وأمرهم وانما هم يصدرون عن أمر الله ونهيه وتدبيره في وجوه تصرفاتهم من حرب الى سلم الى تقدم الى تأخر الى غير ذلك (1) ومن كان الله مدبره ومختارا له في تصرفاته كان مستغنيا عن مشاورة رعيته


" 1 " قال السيد الشريف المرتضى رحمه الله في الشافي ص 222 في رده على قاضي القضاة " ما نصه ان النبي ص " لا يستشير أحدا لحاحة منه الى رأيه وفقر الى تعليمه وتوقيفه لانه " ص " الكامل الراجح المعصوم المؤيد بالملائكة وانما كانت مشاورته اصحابه ليعلمهم كيف يعملون في امورهم، وقد قيل فعل ذلك ليستخرج دخائلهم وضمائرهم فلا تضل في المشاورة " الكاتب " (*)

[ 27 ]

وتدبيرهم معه وهذا مما لا يجوز أن يظنه ذو فهم في رسول ولا نبي ولا حجة لله على عباده، وقد جهل قوم من اهل الغفلة في تأويل قول الله عز وجل " وشاورهم في الامر " فظنوا ان ذلك لحاجة بالرسول الى مشاورتهم، كلا ما يظن هذا الا جاهل عند اهل المعرفة والبصيرة بل لعله نقصان كان فيهم امر رسول الله ص ان يشاورهم ليتألقهم بذلك كما جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا من الصدقات لعلم الله سبحانه بما في ذلك من اصلاح التدبير الذي يجهله المخلوقون، وفي ابتداء الاية ما يدل ذا فهم على ان ذلك كذلك من التأليف، ألا تسمع قول الله تعالى حيث يقول فما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فطا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين. وقوله انهم كانوا ينفضون من حوله لو كان فظا عليهم دليل على نفضانهم وقوله (فاعف عنهم واستغفر لهم) دليل على انهم فعلوا مالا يرضى الله ولا رسوله منهم فأمره بذلك عند تألفهم، ومن كان بهذه الصفة بطل ان يكون مدبرا للرسول ص ومشيرا عليه بما يعمل به، فكيف يكون ذلك منهم والله مخبر عن اهل بدر وهم اجل الصحابة وأرفعهم درجة وهي اجل موطن غزاها المسلمون " كما اخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك بالحق بعد ما تبين كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون إذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون " افترقوا الى هذه الاحوال التي وصفها الله من أهل بدر كيف كانت كلها مضادة لمراد الله جل ذكره في تدبيره فمحال عند ذوي الفهم ان يكون الرسول يستشير مثل هؤلاء ومن هو دونهم من الصحابة في العلم والمعرفة في تدبير يعمل عليه، فلما بطل ذلك ثبت أن أمره بمشاورتهم ليتألفهم بها لتطيب بها أنفسهم وليسكنوا إليه ويثبتوا معه

[ 28 ]

وعنده ويستبصروا في الدين على الامام في وقت بعد وقت، وثبت عند ذلك ان معونة الرسول (ص) ووزارته لا تكون الا من هذين الوجهين التأدية والمجاهدة وما منهما من كان له في هذين الوجهين أثر محمود معروف مشهور مذكور كمقام غيرهما فيهما (اما وجه التأدية) ففي خبر سورة براءة وما قد أجمع عليه أهل الاثر من العامة والخاصة ما فيه كفاية لاولي الالباب وذوي الافهام حين بعثه الرسول (ص) بسورة براءة الى مكة ليقرأها عليهم فلما فصل من حضرته بعث خلفه بعلي عليه السلام فاسترجعها منه وتقدم بها الى مكة اورده الرسول (ص) فقال هل نزل في شئ اتسوجب ردي من الوجه الي انقذتني فيه فقال ان الله اوحى الي انه لا يبلغ عني الا انا ورجل مني وان عليا مني وانا منه، فهذه المنزلة من الوزارة في التأدية ليس لاحد من الصحابة الا لعلي عليه السلام دون غيره فكان علي عليه السلام هو احق بوزارة رسول الله (ص) ومعونته في التأدية دون جميع الناس وشاهد ذلك قول رسول الله (ص) منزلة علي مني كمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي، وقد اخبر الله سبحانه وتعالى انه جعل هارون وزيرا لموسى بقوله تعالى (وجعلنا معه اخاه هارون وزيرا) فبطل ان يكون أبو بكر وعمر وزيريه في وجه التأدية (وأما وجه المجاهدة) في حروب المشركين فليس يختلف اهل الاثر في ان ابا بكر وعمر قد انهزما في مواطن كثيرة من مواطن الحروب والجهاد مثل هزيمتهما يوم احد، ومثل هزيمتهما يوم خيبر حين دفع رسول الله (ص) الراية الى ابي بكر وأمره بالمسير الى حصن خيبر فرجع منها منهزما ثم دفعها الى عمر فرجع بها منهزما كذلك فغضب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال ما بال اقوام ادفع إليهم رايتي فيرجعون بها منهزمين يجبنون اصحابهم واصحابهم يجبنونهم أما والله لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، فقال اهل النظر في ذلك

[ 29 ]

قول الرسول (ص) هذا يدل على انهما لم يكونا يحبان الله ورسوله ولا يحبهما الله ورسوله إذ كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حكيما لا يقول قولا الا لفائدة فيه ودلالة على مواقع الحق وطرق الصدق، ومثل هزيمتهما حيث بعثهما الى بلاد طي التي تسمى غزات ذات السلاسل، ومثل هزيمتهما يوم حنين وهذا كله باحماع اهل الاثر وليس نعرف خبرا واحدا عنهما انهما برزا لفرن ؟ ولا بارزا شجاعا ولا قارعا باطلا من مبارزي المشركين، وقد كان غيرهما من جماعة المسلمين احسن حالا منهما في مواطن الحروب ومعارك المقارعة، فبطل عليهما ايضا هذا الوجه الاخر من ان يكون لهما منه وزارة وكان غيرهما من مجاهدي المهاجرين والانصار أحق بهذا الاسم منهما عند ذوي الفهم. وأما ما رووا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزعمهم قال ما نفعني مال كمال أبي بكر لقد زوجني ابنته وأنفق علي أربعين الفا ففي هذه الرواية ما هو صحيح وما هو باطل وذلك ان تزويج الرسول (ص) من ابنة أبي بكر صحيح لا خلاف فيه، واما انفاق لمال (1) فما يكون عند ذوي الفهم من الكذب شئ اوضح ولا اظهر منه لان من انفق هذا المال


(1) اورد رواية انفاق المال على النبي (ص) قبل الهجرة المحب الطبري في الرياض النضرة في فضائل أبي بكر واسندها تارة على عائشة وأخرى الى اختها اسماء بنت ابي بكر، ولعمري انهما ان لم ينتجا فضيلة الى ابيهما المشفق عليهما فمن احرى بذلك فاقرأ واعجب، وقال السيد الشريف المرتضى علم الهدى رحمه الله في الشافي ص 221 ما هذا نصه: وقد بين اصحابنا في الكلام على نفقة أبي بكر وادعاء يساره تارة انه كان مملقا غير موسر، ودلوا على ذلك من حاله باشياء، منها انه كان يعلم الناس ويأخذ الاجرة على تعليمه وليس هذا صنع الموسرين، ومنه انه كان يخيط الثياب ويبيعها، ومنها ان اباه كان معروفا بالمسكنة والفقر وانه كان - (*)

[ 30 ]

العظيم على رجل محال ان لا يعرف موطنه وموضعه وحيث انفقه ولسنا نعرف ان لرسول الله (ص) موطنا غير مكة والمدينة، فان زعموا ان ابا بكر انفق هذا المال بمكة قبل الهجرة قيل لهم على ما انفق هذا المال وقيم صرفه أكان لرسول الله (ص) من الحشم بمكة والعيال ما انفق عليهم هذا المال كله من مدة ما اسلم أبو بكر الى وقت هجرته فهذا بين المحال، ام يقولون ان الرسول (ص) جهز الجيوش بمكة بهذا المال فتظهر فضائحهم إذ كان الرسول (ص) باجماع لم يشهر سيفا بمكة ولم يؤمر به ولا يأمر به ولا أطلق لاصحابه محاربة احد من المشركين بها وانما كان أسلم معه إذ ذاك أربعون رجلا فلما اشتد عليهم الاذى من قريش وشكوا ذلك الى رسول الله (ص) ولى عليهم جعفر بن أبي طالب وأخرجهم معه الى ارض النجاشي ملك الحبشة وكانوا هناك الى ان هاجر رسول الله (ص) وفتح كثيرا من فتوحه فقدموا عليه بعد سنتين من الهجرة، ولقد كان رسول الله (ص) يشاهده الخاص والعام اعني قريش بعد تزويجه بخديجة وكانت خديجة باقية عنده الى سنة الهجرة لا يحتاج مع مالها الى مال غيرها حتى لقد كان من استظهاره بذلك ان ضم علي بن ابي طالب عليه السلام الى نفسه تخفيفا بذلك في المؤنة على ابي طالب رضي الله عنه وذلك انه اصاب قريشا جدب وكبش ؟ عيال ابي طالب فقال رسول الله (ص) لاعمامه هلموا نخفف على ابي طالب من عياله فاخذ رسول الله (ص) عليا واخذ حمزة جعفر واخذ العباس عقيلا، وما وجدنا في شئ من الاخبار ان رسول (ص) بعد تزويجه


- ينادي في كل يوم على مائدة عبد الله بن جدعان يأجر طفيف فلو كان أبو بكر غنيا لكفى اباه، وبعد فلو سلمنا لهم يساره وانفاقه على ما يدعون لكان غير دال على الغرض الذي يجرون إليه لان المعتبر في الانفاق بالمقاصد ؟ والنيات فمن اين لهم ان عرض ابي بكر فيه كان محمودا، وهذا مما لا يد فيه من الرجوع الى غير ظاهر الانفاق " الكاتب "

[ 31 ]

بخديجة احتاج الى احد من الناس فان اهل الاثر مجمعون على ان خديجة أيسر قريش واكثرهم مالا وتجارة، وقد اجمعوا في الرواية ان علي بن أبي طالب عليه السلام قال في غير موضع والله لقد صليت قبل كل احد مع رسول الله (ص) سبع سنين، وقد اجبر على ان ابا بكر اسلم بعد سبع سنين من اظهار رسول الله (ص) الدعوة وبقى رسول الله (ص) بمكة ثلاث عشرة سنة بعد اظهار نبوته الى ان هاجر الى المدينة. فجميع ما بقي رسول الله (ص) بمكة بعد اسلام أبي بكر ست سنين، فيا معشر من فهم هل تجزون ان رسول الله (ص) لو كان له خمسون نفسا من العيال مع كثرة مال خديجة ينفق في ست سنين اربعين الف دينار أو اربعين الف درهم، الا تنظرون بيان هذا المحال وفساد هذا المقال، فان قالوا انه انفقه عليه بالمدينة بعد الهجرة فقد علم أهل الاثار ان ابا بكر ورد المدينة وهو محتاج الى مواساة الانصار في الدور والمال وفتح الله بعد الهجرة على رسوله ص من غنائم الكفار وبلدانهم ما كان بذلك اغنى العب لو اقتنى منه عقدة ومع هذا فانما أقام رسول الله (ص) في المدينة عشر سنين الى ان قبض، وقد رووا ان رسول الله ص كان في ضيافة الانصار يتداولون ضيافته وانه كان في أوقات كثيرة يشد الحجر من المجاعة على بطنه ويطوي الايام الثلاثة والسبعة والاكثر لم تطعم فيهن طعاما الى ان فتح الله عليه البلدان، فمن يدفع إليه رجل واحد أربعين الف دينار يكون بالحال الذي وصفناه في مدة عشر سنين، فيا سبحان الله ما أعظم تخرصهم على الله ورسوله (ص) ولقد رووا جميعا ان الله عز وجل لما قال " يا ايها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " فقد قعد المهاجرون والانصار عن مناجاته غير علي عليه السلام فانه قال كان معي دينار واحد فبعته بعشرة دراهم فجعلت اتصدق منها بدرهم بعد درهم ثم اناجي رسول الله (ص) مرة بعد اخرى حتى تصدقت بالدراهم كلها في عشر مرات وما

[ 32 ]

فعل ذلك باجماع غيره ثم نسخ الله تعالى تلك الاية بقوله " أأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فاقيموا الصلوة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله " الاية، والاجماع واقع على ان ابا بكر كان فيمن تخلف عن المناجاة بسبب الصدقة، فمن لم تسمح نفسه بصدقة درهم لمناجاة الرسول ص واختار التخلف عن مناجاته بسبب درهم واحد يخل به فكيف ينفق اربعين الف دينار أو اربعين الف درهم، فقد جاؤا بالافك ظلما وقالوا زورا، ومع ذلك فالاجماع واقع من الخاص والعام ان عليا عليه السلام اطعم مسكينا ويتيما وأسيرا اقراصا من شعير يبلغ ثمنها في أيام القحط والجدب والغلاء ربع درهم فانزل الله تعالى في ذلك سورة - هل أتى - الى آخرها " 1 " ومن أنفق أربعين الف درهم أو دينار لم يكن


" 1 " قال الشريف المرتضى علم الهدى رحمه الله في الشافي ص 220 ما نصه: ولو كان انفاق ابي بكر صحيحا لوجب ان يكون وجوهه معروفة كما كانت نفقة عثمان في تجهيز جيش العسرة وغيره معروفة لا يقدر على انكارها منكر ولا يرتاب في جهاتها ؟ مرتاب، وكما كانت جهات نفقات أمير المؤمنين عليه السلام معروفة ينفلها الموافق والمخالف، فمن ذلك انه عليه السلام كان يقوم بما يحتاج النبي ص مدة اقامته بالشعب إليه ويتمحله وقد روى أنه احر نفسه من يهودي وصرف أجره الى بعض ما كان يحتاج إليه النبي وانفاق أمير المؤمنين عليه السلام مع الاقتار والاقلال أفضل وارفع من انفاق ابي بكر لو ثبت مع الغنى والسمعة ومن ذلك تقديمه الصدقة بين يدي النوى ونزول القرآن بذلك بلا خلاف بين اهل العلم. وانه عليه السلام كان يطعم المسكين واليتيم والاسير حتى نزلت في ذلك سورة هل أتى على الانسان، وفيه نزل وفي معنى نفقته ورد قوله - الذين ينفقون اموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون - ولما تصدق بخاتمه وهو راكع نزل فيه قوله تعالى (انما وليكم - (*)

[ 33 ]

الله عز وجل ذكره ينزل فيه آية من كتابه يشكر على ذلك كما انزل الله تعالى في اصحاب الاقراص من الشعير الا ان يكون سبيله في ذلك كما قال في " الذين ينفقون اموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله واليوم الاخر " الاية، وفيما شرحنا مما يدعونه من هذا الباب كفاية لاولي الالباب. واما ما رووا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزعمهم " اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر " فهو ظاهر المحال عند ذوي النظر وذلك انا وجدنا روايتهم في مخاصمة ابي بكر وعمر الانصار في وقت البيعة حين أرادت الانصار البيعة لسعد بن عبادة فما وجدناهما قالا شيئا من ذلك ولا ادعياه على الانصار " 1 " ولو كان هذا صحيحا كما زعم المتخرصون


- الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) وهذه جهات لا تدفع ولا تجهل فأين نفقات أبي بكر والشاهد عليها ان كانت صحيحة " الكاتب " " 1 " قال الشيخ الجليل شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي الغروي المتوفى سنة 460 في تلخيص الشافي للسيد المرتضى رحمه الله ص 389 طبع ايران ما نصه: قوله اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر، لا يصح الاحتجاج به لانه خبر واحد لا يوجب العلم ومسألة الامامة مسألة علمية لا يجوز الرجوع الى مثله فيها وأيضا فانه مطعون على رواية مذكور ذلك في الكتب لانه رواه عبد الملك بن عمير اللخمي وكان فاسقا جريا على الله وهو الذي قتل عبد الله بن يقطر رسول الحسين بن علي عليه السلام الى مسلم ابن عقيل حين رمى به ابن زياد من فوق القصر وبه رمق فأجهز عليه فلما عوتب على ذلك قال انما اردت ان اريحه استهزاء بالقتل وقلة مبالاة وكان يتولى القضاء لبني أمية وكان مروانيا شديد النصب والانحراف عن أهل البيت عليهم السلام ومن هذه صورته لا تقبل روايته، ولو تجاوزنا - (*)

[ 34 ]

لكان لهما فيه أعظم الحجة على الانصار فلم يكونا يحتاجان الى الاحتجاج عليهم بعترة رسول الله (ص) وقومه وما شاكل ذلك وكانا يقولان يا معشر الانصار قد أمركم رسول الله وخبركم بالاقتداء بنا فليس لكم مخالفة رسول الله فلما لم يذكرا ذلك بشئ من احتجاجهما دل على بطلان ما تخرصوه من هذا الخبر، ثم نقول بعد هذا كله ليس يخلو قول الرسول (ص) اقتدوا بالذين من بعدي، من أن يكون اراد به الامامة والخلافة أو ان يكون اراد به ما رويا منه عن رسول الله (ص) فان قالوا اراد


- عن ذلك وسلمنا لم تكن روايته فيها حجة ودلالة من وجوه ذكرها اصحابنا (احدها) ان الاقتداء بالرجلين مستحيل لانهما يختلفان في كثير من احكامهما وافعالهما واتباع المخلتفين متعذر غير ممكن، ولانه يقتضى عصمتهما والمنع من جواز الخطأ عليهما وليس هذا بقول أحد فيهما لان ايجاب الاقتداء بمن ليس بمعصوم ايجاب لما لا يؤمن كونه قبيحا ومتى قالوا نقتدي بما نعلم حسنه بطل اختصاصهما بذلك (ومنها) انه لو كان قبيحا لاحتج به أبو بكر لنفسه في السقيفة ولما جاز ان يعدل عنه الى روايته ان الائمة من قريش ولا خفاه على احد في ان الاحتجاج بخبر الاقتداء أقطع ؟ للشغب وأحض للحجة وأشبه بالحال سيما والتقية عنه زائلة ووجوه الاحتجاج له معرضة، ولوجب ايضا ان يحتج به أبو بكر على طلحة لما نازعه فيما رواه من النص على عمر وأظهر الانكار لفعله فكان احتجاجه في تلك الحال بالخبر المقتضي لنص الرسول (ص) على عمر ودعائه الناس الى الاقتداء به والاتباع له أولى واليق من قوله (أقول يا رب وليت عليهم خير اهللك) وأيضا لو كان هذا صحيحا لكان حاجزا لمخالفة الرجلين وموجا لموافقتهما في جميع أقوالهما وأفعالهما وقد رأينا كثيرا من الصحابة قد خالفهما في كثير من احكامها وذهبوا الى غيرها ما يذهبان إليه واظهروا ذلك فيجب أن يكونوا بذلك عصاة مخالفين لنص الرسول (ص) وقد كان يجب أيضا ان ينبه الرجلان - (*)

[ 35 ]

ما رويا عن لرسول (ص) فيقال لهم أو ليس قد روى غيرهما من ذلك اكثر مما رويا منه عن الرسول (ص) فلا يجدون الى دفع ذلك سبيلا فيقال لهم قد لزمكم ان تقتدوا برواية غيرهما كما تقتدون بروايتهما أو تطرحوا رواية غيرهما، فان قالوا نطرج رواية غيرهما وجب عليهم تكذيب جميع من رووا عنه معالم دينهم من رجالهم ومشايخهم الذين على نقلهم يعولون في أصولهم فأول ما يلزمهم في ذلك اطراح هذا الخبر وابطاله من روايتهم (اقتدوا بالذين من بعدي) لان هذا الخبر نقل عن غيرهما وكفى بهذا لمن يضطر مذهبه الى مثله خزيا، وان قالوا لا يجوز الاقتداء برواية غيرهما في ذلك كسبيل الاقتداء بروايتهما قيل لهم فأي فضل لهما في هذه المنزلة إذ كان غيرهما قد ساواهما فيها، وهذا ما لا فائدة فيه ورسول الله (ص) احكم من ان يقول قولا أو يأمر امرا لا فائدة فيه، فان قالوا ان الرسول (ص) أراد بذلك ما يحدثانه في الدين من بعده كذبهم ما اجمعوا عليه من قول الرسول (ص) كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ولم يقل الا محدثة فلان وفلان دون غيرهما، ولزم ان يكون جميع من أحدث في الدين بعد الرسول (ص) شيئا لم يأت به كتاب ولا سنة رسول الله (ص) فهو مبتدع ضال مضل. وهذا ما لا محيص لهم منه مع ما يكذبهم في ذلك ايضا كتاب الله حيث يقول " اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " ومحال عند ذوي الفهم ان يكون بعد هذا


- من خالفهما وأظهر خلافهما ما مقتضى هذا الخبر ويذكراهم بأن خلافهم محظور ممنوع، على ان ذلك لو اقتضى النص بالامامة على ما ظنوا لوجب ان يكون ما رووه عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم موجبا لامامة الكل وإذا لم يكن هذا الخبر موجبا للامامة فكذلك الاخر. " الكاتب " (*)

[ 36 ]

الكمال والتمام من الله نفصان. إذ لو كان ذلك كذلك لزم تكذيب هذا من الله سبحانه وعظم شأنه إذ قال " اليوم اكملت لكم دينكم " ولم يكمل وقائل هذا ومعتقده كافر راد على الله. وان قالوا اراد به الامامة من بعده، قيل لهم افتقولون ان ابا بكر وعمر كانا امامين في عصر واحد معا، فان قالوا ذلك كذبهم الخبر في استخلاف أبي بكر لعمر وقت وفاته ولن يقوله من يعقل وان قالوا صار احدهما اماما بعد الاخر وهو قولهم قيل لهم فقد بطل الان عليكم هذا الخبر إذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان افصح العرب ولا يجوز ان يقول قولا محكم ولا غير مستقيم وذلك ان ابا بكر ان كان اماما بعد الرسول " ص " ثم كان عمر بعد أبي بكر بطل ان يقال كان عمر اماما بعد الرسول (ص) فان قالوا ان امامته كانت من بعد وفاة الرسول (ص) وان كانت قد تقدمته امامة غيره قيل لهم اوليس كانت امامة عثمان بعد عمر وهذا كله من بعد وفاة الرسول (ص) أفتوجبون الاقداء بامامة عثمان وعلي عليه السلام كما توجبون الاقتداء بامامة أبي بكر وعمر أو تدفعون ذلك فان دفعون وجبت عليهم البراءة من امامة عثمان وعلي عليه السلام وفي ذلك الدخول في كلمة الخوارج والالتحاق بالبراءة والخروج من جملة ما عليه فقهاء اصحاب الحديث والاثر وكفى بذلك خزيا لصاحبه وفضيحة وان قالوا بل نقتدي بعثمان وعلي كسبيل ؟ الاقتداء بأبي بكر وعمر قيل لهم قد اطلتم الان حديثكم وافسدتم خبركم ونقضتم قولكم وتركتم اصلكم وما فائدتكم في هذا الخبر وقد اوجبتم الاقتداء بغيرهما كالاقتداء بهما ممن لم يأمر الرسول " ص " بالاقتداء بهم بعده كأمره بالاقتداء بهما فكيفما قصدوا ليصلحوا باطلهم ففيه فضيحتهم وان احتجوا في الاقداء بعثمان وعلي بالخبر المتخرص (اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) قيل لهم فالان حين ساويتم بين أبي بكر وعمر وبين الصحابة في الاقتداء فلا فضيلة لهما على غيرهما في هذه المنزلة وفائدة

[ 37 ]

- اقتدوا بالذين من بعدي - مع ذلك ساقطة إذ كان قد امرنا بالاقتداء بغيرهما ايضا كذلك، ونحن نذكر فساد خبر - اصحابي كالنجوم - في موضعه ان شاء الله وبالله التوفيق. وأما ما رووا من أنهما سيدا كهول اهل الجنة فقد رووا حديثا آخر ابطلوا به هذه الرواية عند من فهم " 1 " وذلك انهم رووا باجماع منهم


" 1 " قال شيخ الطائفة الشيخ الجليل الفقيه محمد بن الحسن الطوسي الغروي رحمه الله في تلخيص الشافي ص 429 ما نصه: اما الخبر الذي يتضمن أنهما سيدا كهول أهل الجنة، فمن تأمل أصل هذا الخبر بعين انصاف علم انه موضوع في ايام بني أمية معارضة لما روى من قوله - ص - في الحسن والحسين عليهما السلام أنهما سيدا شباب اهل الجنة وابوهما خير منهما، وهذا الخبر الذي ادعوه يروونه عن عبيد الله بن عمر وحال عبيد الله في الانحراف عن اهل البيت عليهم السلام معروف وهو ايضا كالجار الى نفسه، على انه لا يخلوا من أن يريد بقوله سيدا كهول أهل الجنة انهما سيدا كهول من هو في الجنة أو يراد أنهما سيدا من يدخل الجنة من كهول الدنيا، فان كان الاول فذلك باطل لان رسول الله ص قد وقفنا واجمعت الامة على ان جميع اهل الجنة جرد مرد وانه لا يدخلها كهل وان كان الثاني فذلك دافع ومناقض للحديث المجمع على روايته من قوله - ص - في الحسن والحسين عليهما السلام انهما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما لان هذا الخبر يقتضي أنهما سيدا كل من يدخل الجنة إذ كان لا يدخلها الا شباب فأبو بكر وعمر وكل كهل في الدنيا داخلون في جملة من يكونان عليهما السلام سيديه والخبر الذي رووه يقتضي ان ابا بكر وعمر سيداهما من حيث كانا سيدي الكهول في الدنيا وهما عليهما السلام من جملة من كان كهلا في الدنيا (فان قيل) لم يرد بقوله (ص) سيدا شباب أهل الجنة ما ظننتم وانما اراد انهما سيدا من يدخل - (*)

[ 38 ]

ومن غيرهم ان الرسول - ص - قال - اهل الجنة يدخلون الجنة جردا مردا مكحلين - فإذا كانوا كذلك فلا كهول هناك ليكونا سيدهم، ولو كان هناك ايضا كهول كما زعموا في تخرصهم هل كانت امامة أبي بكر وعمر ورياستهما على الكهول دون الشبان والمشايخ أو كانت على الجميع، فان قالوا انها كانت على الكهول دون غيرهم بانت فضيحتهم، وان قالوا على الجميع، قيل لهم فالسيد في كلام العرب هو الرئيس وليس رياسة أجل وهما سيدا الجميع فلا فائدة في قول الرسول (ص) هما سيدا كهول أهل الجنة، ولعمري لو كان ذلك منه صحيحا بخستهما حقهما إذ قال هما سيدا الكهول، فالمشايخ والشبان بزعمهم خارجون، فهذا ما لا يشتغل به ذو فهم. واما ما احتجوا به في فضل أبي بكر وعلمه من روايتهم عن الرسول


- الجنة من شباب الدنيا كما قلنا في قوله سيدا كهول اهل الجنة (قلنا) المناقضة بن الخبرين بعد ثابتة لانه إذا اراد انهما سيدا كل شباب في الدنيا من أهل الجنة فقد عم بذلك جميع من كان في الدنيا من اهل الجنة من الشباب والكهول والشيوخ لان الكل كانوا شبابا فقد تناولهم القول في غيرهما أنهما سيدا كهول اهل الجنة فقد جعلهما بهذا القول سيدين لمن جعلهما بالقول الاول سيديهما لان ابا بكر وعمر إذا كانا شابين فقد دخلا فيمن يسودهما الحسن والحسين عليهما السلام بالخبر المروي والحسن والحسين (ع) إذا بلغا سن التكهل فقد دخلا فيم يسودهما أبو بكر وعمر بالخبر وإذا كانت هذه صورة الخبرين وجب العمل على الظاهر وفي الرواية المتفق عليها واطراح الاخر وذلك موجب لفضل الحسن والحسين عليهما السلام وأبيهما صلوات الله عليه على جميع الخلق. الكاتب (*)

[ 39 ]

صلى الله عليه وآله وسلم انه قال بزعمهم (لؤمكم أفضلكم وليؤمكم اعلمكم) وانهم قد اجمعوا على تقديم ابي بكر وامامته بزعمهم لما أجمع عليه الصحابة انه أعلمهم وأفضلهم إذ كان اجماعهم لا يجوز أن يكون باطلا (فأقول) وبالله أستعين أن الذي تخرصوا فيه على الرسول (ص) من قوله بزعمهم ليؤمكم أعلمهم وأفضلكم لا يخلوا ان يكون اراد بذلك الامامة في جميع الدين أو اراد به الصلوة دون غيرها وقد علمنا ان كل اهل بلد يحتاجون الى من يصلي بهم ولا يجوز ان يصلي جميع اهل البلاد بامام واحد بل لا يمكن ذلك لاهل بلد واحد حتى يكون لاهل كل محلة من يصلي بهم، وإذا كان ذلك كذلك فقد لزم الامة ان يختاروا في كل بلد أعلمهم وأفضلهم للصلاة بهم وإذا لزمهم ذلك فقد يجوز ان يكون في بلد رجل واحد هو اعلمهم وأفضلهم فيمتنع عليهم ان يصلي بهم وإذا امتنع عليهم ذلك الفاضل فما يصنعون يقدمون غيره ام يهملون الصلوة جماعة ولا يجمعون صلاتهم، فان قالوا يهملون الصلوة جماعة فقد قصدوا تعطيل سنة رسول الله (ص) في جميع الصلوات ونسبوا الرسول (ص) الى انه استن سنة فضل ثم بعثهم بهذا القول على تعطيلها، وقائل هذا جاهل، وان قالوا انهم يقدمون غير الفاضل إذا امتنع عليهم الفاضل، قيل لهم فقد الزمتم الامة جميعا خلاف الرسول (ص) فإذا جاز عندكم خلاف الرسول (ص) في هذا الحد فما في قوله من الفائدة إذا اجز ثم تقديم غير الفاضل، وهل يخلو قول الرسول (ص) من أن يكون لاهل المدينة دون غيرهم أو هو لازم لجميع الناس في سائر البلدان، فان قالوا لاهل المدينة خاصة كان على مدعي ذلك اقامة البينة والدليل عليه بخبر مجمع عليه عن الرسول (ص) ولن يجدوا الى ذلك سبيلا، وان قالوا بل هو لجميع الناس، فقيل لهم نجد جميع فقهائهم وعلمائهم في جميع الامصار يقدمون للصلاة من هو دونهم في العلم والفضل عندهم، فاما ان تشهدوا على فقهائكم وعلمائكم بمخالفة الرسول

[ 40 ]

(ص) عامدين متعمدين ومن كان في هذه الصفة كان كل من أتبعه واقتدى به في مذهبه سبيله في الخلاف على الرسول (ص) كسبيله، وفي الخلاف على الرسول (ص) تعمد الكفر بالله والخروج من الدين، وكفى بهذا المذهب لصاحبه خزيا وفضيحة ومقتا. واما ان ترجعوا الى قولنا في تكذيب هذا الخبر وانه ليس من قول الرسول (ص) إذ كان فيه تكلف مالا يطاق والله لا يكلف العباد ولا رسوله مالا يطيقون، وذلك انه لو كان في بلد واحد عشرة من العلماء لكان على أهل ذلك البلد ان يميزوا بين العشرة حتى يختاروا للصلاة بهم أعلمهم وأفضلهم وهذا مالا تهتدي العامة إليه ابدا لان العامة لا تبلغ منازل العلم فتعلم إذا اختلف العلماء منهم من أعلمهم وأفضلهم لان الفاضل منهم عند اختلافهم من كان معه الحق في الاختلاف فلو بلغت العامة معرفة الحق مع من هو منهم إذا اختلفوا لكان العامة عند ذلك اعلم منهم وأفضل، وهذا قول جاهل غير عليم سفيه غير حكيم وان قالوا ان قول الرسول (ص) ليؤمكم أعلمكم وأفضلكم معناه الامامة في جميع الدين فقد علمنا ان الامامة في الدين لا تكون الا لرجل واحد على جميع أهل الامصار من بلدان المسلمين وهذا مما لا خلاف فيه، وإذا كان ذلك كذلك لزم حق النظر أن يجتمع جميع أهل البلدان في كل عصر وزمان حتى يمتحنوا جميعهم فيعلموا أعلمهم وافضلهم فيختاروه للصلاة وهذا مما لا تطيقه الخلق وهو تكليف ما لا يطاق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ومع ذلك فلو اطاقه الخلف لزمهم تجهيل المهاجرين والانصار جميعا عند ايجاب هذا الخبر وكذلك ان الاجماع واقع على المهاجرين والانصار لم يجتمعوا لامتحان جميعهم حين ولوا ابا بكر أمرهم حتى علموا ان ليس فيهم اعلم من أبي بكر وانما وقعت البيعة عقيب اختلاف وضجة وتنازع بين المهاجرين والانصار كل منهم يذكر انه أحق بالامر من غيره ومه هذا كله وجدنا ابا بكر قد أقر على نفسه بغير خلاف بجهل كثير من العلم وانه ضل عنه احكام

[ 41 ]

كثيرة من ابواب الشريعة وانه لم يكن يحفظ القرآن وذلك مثل قوله انكم ان تكلفوني ما كان رسول الله (ص) يقوم به لعجزت عنه فان الرسول يأتيه الوحي من الله وكان موفقا مسددا وأني أقول من عند نفسي فان اصبت فمن الله ورسوله وان اخطأت فمن نفسي ومن كان يقول من عند نفسه والله سبحانه يقول (اليوم اكملت لكم دينكم وأاتممت عليكم نعمتي) وقال (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وقال (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة) فإذا كان قد اكمل الدين ولم يفرط في الكتاب من شئ ونزل الكتاب تبيانا لكل شئ فقد جمع العلم في كمال الدين والكتاب المبين، ثم لا يخلو ما كان يقوله من عند نفسه من ان يكون من الدين أو من غير الدين فان كان من الدين فقد يجب بزعمكم الله بعث رسوله بشريعة ناقصة ودين غير كامل حتى اتم ذلك أبو بكر من عنده بخطأ أو بصواب وقائل هذا كافر بالله تعالى ورسوله، ومع ما يلزم من تكذيب الله تعالى في قوله (اليوم اكملت لكم دينكم) وهذا القول من أبي بكر يوجب ان الله لم يكمل الدين كما اخبر إذ احتاج أن يقول فيه من عند نفسه ومن كان كذلك فقد كذب الله سبحانه في اخباره ومن كذب الله مات كافرا بغير خلاف، أو ان يكون يقول انه اكمل الدين كما اخبر ولم يحط أبو بكر بعلمه وكان غيره اعلم منه وفي هذا نقض لحجتهم انه كان اعلمهم، وان قالوا ان الذي كان يقوله أبو بكر من عند نفسه ليس هو من الدين قيل لهم فما حاجتنا الى شئ ليس هو من الدين وإذا لم يكن من الدين فهو من البدع وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وكفى بهذا لصاحبه خزيا. ومن ذلك اقراره على نفسه بالجهل انه لما اراد جمع القرآن طلب على ذلك شهودا فدل بذلك على انه لم يعرف القرآن ولو كان عارفا به لما احتاج الى شهود عليه وبلا ؟ الى جمعه من عند غيره ومن لم يعرف تنزيل القرآن كان محالا ان يعرف تأويله ومن لم يعرف التنزيل ولا التأويل فهو

[ 42 ]

جاهل باحكام الاسلام، ومثل قوله وددت أنى كنت سألت رسول الله عن الكلالة ماهي وعن الجد ماله من الميراث وعن هذا الامر لمن هو فكان لا ينازع فيه، فهذا قول جاهل باحكام الشريعة وتأويل القرآن المبين وقد اختلفوا في احكام الكلالة واهل المواريث من الجد وغيره اختلافا ظاهرا موجودا يدل من فهم على جهلهم بأحكام الشريعة، واما أمر عمر فلا يجهله الصبيان ولا النسوان في اقراره على نفسه بالجهل والتخلف عن معرفة الاحكام وحدود الدين كقوله في غير موطن (لولا علي لهلك عمر) و (لولا معاذ لهلك عمر) (1) هذا مع ما روايتهم مالا يختلفون فيه من حاجتهما جميعا الى علي ابن ابي طالب عليه السلام في غير حكم تحيرا فيه وكفى بهذا الاحوال منهما جهلا بالدين. واما الفضل فقد رووا جميعا أن أبا بكر قال وليكم ولست بخيركم وعلي فيكم (2) فاقر أبو بكر على نفسه بغير خلاف أنه ليس بخيرهم واولياؤه


(1) اما قوله لولا علي لهلك عمر فقد اعترف فيه الفريقان وان عمر قال هذه المقالة في مواطن كثيرة ومنكر ذلك مكابر جاحد للحق واما قوله لولا معاذ لهلك عمر فقد أورده ابن حجر العسقلاني في الاصابة عند ترجمة معاذ ابن جبل فراجع. (2) قال شيخ الطائفة الطوسي محمد بن الحسن رحمه الله في تلخيص الشافي (415) روي عن عمر انه قال مختارا وليتكم ولست بخيركم فان استقمت فاتبعوني وان اعوججت فقوموني فان لي شيطانا يغتريني فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا أوثر في اشعاركم ودلالته من وجهين أحدهما أن هذه صفة من ليس بمعصوم ولا يأمن الغلط على نفسه ومن يحتاج الى تقويم رعيته إذا واقع المعصية وقد بينا أن الامام لا بد ان يكون معصوما والوجه الاخر أن هذه صفة من لا يملك نفسه ولا يضبط غضبه ومن هو في نهاية الطيش والحدة والخرق والعجلة ولا خلاف ان الامام يجب ان يكون منزها عن - (*)

[ 43 ]

كذبوا ولا محيص لهم عن احد الوجهين وقد شرحنا وبينا وأوضحنا من فساد هذا الخبر الذي زعمه اهل الغفلة أن الرسول (ص) بزعمهم قال (ليؤمكم أعلمكم وأفضلكم) وانه ليس من حكم الرسول (ص) ان يأمر بذلك ما فيه كفاية لاولي الالباب إذا كان الاعلم والافضل من أمة الرسول (ص) أعلم به منهم واعرف. فإذا كان ذلك كذلك وجب ان يختاروا هو لهم الافضل والاعلم فيقيمه عليهم ولا يكلفهم اختيار ما لا تبلغه عقولهم ولا تكمل له افهامهم ولا تتفق عليه آراؤهم ولا تجتمع عليه اهواؤهم إذ جعل الاختيار في ذلك إليهم مع اجماع علماء العامة وفقهائهم على تجويزهم تقديم من غيره أعلم منه وأفضل. ومن أدل الدليل على ابطال هذا الخبر خروجه عن شريعة الاسلام بقصدهم واجماعهم على مخالفة الرسول (ص) عامدين متعمدين وهذا ما لا محيص لهم منه، والحمد لله رب العالمين على ما من به علينا من هدايته. واما ما رووا من ان الرسول (ص) قال بزعمهم انى رأيت مكتوبا على ساق العرش لا اله الا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين، فسبحان الله ما اعظم هذا التخرص وأفظع هذه الرواية واقبحها عبد ذي فهم ان يكون جل اسمه يكتب اسمه واسم رسوله الطاهر المطهر الذي لم يعصه طرفة عين ابدا في دقيقة ولا جليلة على عرشه ويكتب معه اسماء من كانو على عبادة الاوثان والكفر بالرحمن اكثر اعمارهم، هل هذا الا من تخرص الملحدين وتزيين الشياطين، والويل كل الويل


- هذه الاوصاف وليس لهم أن يقولوا ان ذلك فيه على سبيل الخشية والاشفاق وذلك ان مفهوم خطابه يقتضى خلاف ذلك ألا ترى انه قال ان ان لي شيطانا يعتريني وهذا قول من قد عرف عادته ولو كان على سبيل الاشفاق والخوف لكان ؟ يقول انى لا آمن من كذا وانى لمشفق منه. " الكاتب " (*)

[ 44 ]

لمن استجاز مثل هذا الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأما رووا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال بزعمهم يوم بدر بد لو نزلنا علينا العزاب ما نجا الا ابن الخطاب، فما عند ذوي الفهم أجهل وأضل وأعمى قلبا ممن استجاز رواية هذا واستحسن نقله منهم إذ لو كان ذلك لاوجب هلاك الرسول (ص) بالعدا ونجاة ابن الخطاب الذي كان يقول (لولا علي لهلك عمر) (ولو لا معاذ لهلك عمر) فكيف يسلم من الهلكة من كان بزعمهم لا يسلم من الهلاك دونه، ومع هذا فمن قولهم المنكوس ان ابا بكر افضل من عمر وقد اوجبوا اهلاكه لو نزل العذاب ونجاة عمر، فالذي كان ينجو ويسلم من العذاب لو نزل يجب أن يكون أفضل ممن كان يهلك به، وهذا الخبر يوجب أن عمر أفضل من الرسول (ص) وأبي بكر وجميع الخلق فلما كان اولياؤهما مخالفين لهم في تفضيل أبي بكر عليه كانوا قد صرحوا بتكذيب علمائهم المتخرصين لهم هذا الخبر وما يشاكله من اخبار الملحدين، ولا يبعد الله الا من ظلم وقال ما لا يعلم ومثله في ظاهر الحال وفظيع المقال ما رووا ان الرسول (ص) قال بزعمهم " ما أبطأ عني الوحي الا ظننته سينزل على عمر " فهل رووا أو سمعوا أن الله عز وجل عزل نبيا من انبيائه عن نبوته أو رسولا عن رسالته ام هل يجوز ان يجعل الله عبدا من عباده نبيا بعد عبادة الاوثان وسجوده من دون الله للاصنام اكثر عمره. وهل كان يبلغ من جهل الرسول (ص) بنفسه ما كان يتوقع من العزل من الله عن النبوة وتصيره عبدة الاصنام انبياء ورسلا اشهد ان قائل هذا ومعتقده ومستحسن روايته كافر بالله وخارج من كل دين ومستحق لاليم عذاب الله. ومثله في الكذب الواضح ما رووا ان الشيطان كان يهاب من عمر ويهرب منه ويخاف من حسه (1) وفي زمان عبادته وعكوفه على الاوثان


" 1 " روى هذا الحديث وامثاله المحب الطبري في الرياض النضرة - (*)

[ 45 ]

وكفره بالرحمن لم يكن ذلك كله من تزيين الشيطان، فأول ما يلزمهم في هذا الخبر تكذيب الله عز وجل ومن كذب الله كفر بالاجماع وذلك ان الله تعالى يقول في قصتهم يوم أحد حين انهزموا وتركوا الرسول (ص) (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) فلم لم يهب عمر حين استزله معهم حتى هرب في جملة الهاربين ولم يخف الشيطان حسه ولم يهرب منه وهو يعدو في الجبل هاربا كما روى اولياؤه عنه انه قال (رأيتني يوم احد وانا اعدو في الجبل منهزما مثل اروى (1) ومثل هذا لا يشتغل بالنظر فيه والاستماع له ذو فهم، ومثله في الكذب والمحال روايتهم ان السكينة تنطق على لسان عمر (2) فهل يظن ذو فهم من كانت السكينة تنطق على لسان يخطئ ويزل حتى ينادي على نفسه لولا فلان لهلك فلان، وانه قال على المنبر يوما لا يتجاوزن


- ج 1 ص 208 الى ص 209 " الكاتب " (1) أروى بفتح الهمزة بعدها راء مهملة ساكبة ثم واو مفتوحة بعدها الف مقصورة بوزن فعلي وهو جمع أروية بضم الهمزة واروية بكسر الهمزة ضأن الجبل يستعمل للذكر والانثى. (2) ذكر هذه الرواية المحب الطبري في الرياض النضرة في ترجمة عمر كما انه روى بطرق عديدة ان الحق ينطق على لسان عمر، قال السيد الجليل المرتضى على الهدى رحمه الله في الشافي ص 179 - ص 180 في رده على قاضي القضاة (ما نصه) وأما ما رواه من قوله ان الحق ينطق على لسان عمر فهو مقتض ان كان صحيحا عصمة عمر والقطع على ان اقواله كلها حجة وليس هذا مذهب أحد عي عمر لانه لا خلاف في انه ليس بمعصوم وان خلافه سائغ وكيف يكون الحق ناطقا على لسان من يرجع في الاحكام من قول الى قول ويشهد على نفسه في الخطأ ويخالف في الشئ ثم يعود الى قول من خالفه فيوافقه عليه ويقول لولا علي لهلك عمر ولولا معاذ - (*)

[ 46 ]

احدكم بمهر امرأته باكثر من اربعمائة درهم الا اديته - أو قال عاقبته - فقامت إليه امرأة فقالت يا عمر يقول الله في كتابه (وان اردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) فرضى الله سبحانه لنا قنطارا وتعاقب أنت من تجاوز أربعمائة درهم فينا فقال عند ذلك عمر (الناس كلهم أفقه من عمر حتى المخدرات استغفر الله من ذلك (1) ورى اولياؤه انه مر على صبيان يلعبون فقال ما رأينا


- لهلك عمر، وكيف لم يحتج بهذا الخبر هو لنفسه في المقامات التي احتاج الى الاحتجاج فيها وكيف لم يقل أبو بكر لطلحة لما قال له ما تقول لربك إذا وليت علينا فظا غليظا أقول له وليت من شهد الرسول بأن الحق ينطق على لسانه، وليس لاحد ان يدعي في الامتناع من الاحتجاج بذلك سببا مانعا كما ندعيه في ترك أمير المؤمنين عليه السلام الاحتجاج بذلك بالنص لانا قد بينا فيما تقدم ان لتركه عليه السلام ذلك سببا ظاهرا وهو تآمر القوم عليه وانبساط أيديهم وان الخوف والتقية واجبان ممن له السلطان ولا تقية على عمر وأبي بكر من احد لان السلطان كان فيهما ولهما والتقية منهما لا عليهما، على ان هذا الخبر لو كان صحيحا في سنده ومعناه لوجب على من ادعى انه يوجب الامامة ان يبين كيفية ايجابه لذلك ولا يقتصر على الدعوى المحصنة. الكاتب (1) أورده بطرق عديدة العلامة المفسر المحدث الشيخ اسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي المتوفى سنة 1162 في كشف الخلفاء ج 2 ص 117 من طبع مصر، ولمن يلفظ (كل احد علم - أو افقه - من عمر) وذكر ان عمر قال ذلك في قصة المرأة الت ي اعترضته في المهر، ثم ذكر القصة بطرق عديدة " ثم قال " رواه أبو يعلى في مسنده الكبير عن مسروق والبيهقي في شعبه واخرجه عبد الرزاق عن أبي العجفاء السلمي. " الكاتب " (*)

[ 47 ]

خيرا منذ فارقناكم فقال له صبي منهم مه يا عمر اتقول هذا وقد رأيت رسول الله وهو الخير كله فأخذ عمر ترابا ووضعه فوق فيه وقال كل الناس أعقل من عمر حتى الصبيان، فأين السكينة التي تنطق على لسان عمر سبحان الله ما أعظم جهلهم وأبين كذبهم واوضح محالهم. وأعجب من هذا روايتهم ان الشيطان كان لا يأمر بالمعاصي أيام عمر خوفا ان ينهى عنها فلا يعود فيها احد أو تتخذ سنة فهل يكون في الجهل أفظع من جهل من يستحسن رواية مثل هذا ان يكون الشيطان لم يخف من نهي الله ونهي رسوله (ص) عن المعاصي وهما يناديان في الكتاب والسنة بالنهي عنها والوعيد عليها ويخاف من نهي عمر عنها أتظنون ان احدا لم يزن في عهد عمر ولا شرب خمرا ولا ارتكب شيئا من المعاصي فلم جعل عمر بزعمكم في شرب الخمر الحد ثمانين جلدة وتجاوز فيه حد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الاربعين الى الثمانين فزعم اولياؤه ان الناس كانوا يبالغون في شربها ففعل ذلك عمر ليرتدعوا عنها، أفترى ان شرب الخمر لم يكن من المعاصي أو لم يكن ذلك من تزيين الشيطان والله عز وجل يقول (انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) الاية، فجعل الخمر من حبائل الشيطان فما أقل تمييزهم وفهمهم طهر الله الارض منهم. واقبح من هذا كله روايتهم لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر، فتعالى الله جل ذكره عن أفك الافكين والويل لهم، ان عمر كان رجلا يعبد الاوثان من قبل بعث رسول الله (ص) بسنين كثيرة ويسعى في عداوة رسول الله (ص) ومكروهه وكان يظن الرسول (ص) انه كان جائزا ان يبعثه الله نبيا في تلك الحال وقد علم ذو الفهم ان لا عقل أنقص ولا اقل ولا اوضع من عقل من يعبد غير الله من دون الله سيما من يعبد حجرا منحوتا أو خشبا منجورا.

[ 48 ]

ومثله في الكذب والمحال وفظيع المقال روايتهم ان عمر نادى في المدينة يا سارية الجبل وهو بنهاوند فسمع سارية وهو بنهاوند صوته حين وقعت عليه الهزيمة وعلى اصحابه وهو يقول يا سارية الجبل يا سارية الجبل فهذه معجزة من أجل معجزات الرسل والانبياء عليهم السلام لو ظهرت منهم ولم يجد مثلها لاحد منهم ولعمري لو ظهرت منهم ما استبعدنا ذلك ولا استعظمناه منهم ولكنها عند كثير من الناس من المحاولات ولو رويت، ومن كان في محل من يأتي بمثل هذه المعجزة من المحال ان لا يأتي باية دونها ومثلها وفوقها، فلما لم يجد القوم نظيرا لها من المعجزات ولا ما هو دونها ووجدنا ايضا مع ذلك أولياؤه إذا طولبوا بالاقرار انه قد كان له أو لمن تقدم من صاحبه الذي هو عندهم أفضل منه معجزة أنكروا ان تكون المعجزات الا للرسل وكان هذا كله دالا على ابطال تخرصهم، على انا قد رأينا جماعة من فقهاء اصحاب الحديث ينكرون صحة هذا الخبر ويبطلونه ويطعنون على الراوي له وفي هذا كفاية لمن فهم ونظر. وأظهر من هذا الخبر كذبا وأبين منه محالا ما رووه تخرصا وافتراء ان الرسول (ص) قال بزعمهم اللهم اعز الاسلام بأعز الرجلين اليك بعمر أو بأبي جهل بن هشام، فسبحان الله ما اجسرهم على الله بما يتخرصون من الكذب والافتراء عليه وعلى رسوله وهل يجوز عند اهل النظر والفهم أن يكون رسول الله " ص " الذي جعله حجة بينه وبين خلقه يقوم فيهم مقامه فيوجب لمن اتبعه النغيم المقيم ولمن عصاه العذاب الاليم بمحل من هذا الجهل حتى يسأل الله سبحانه ان يعز الاسلام وهو دينه الذي ارتضاه لعباده المؤمنين بأحد رجلين معاديين لله ورسوله متظاهرين بالكفر والالحاد والعتو والعناد وبعبادة الاوثان والعداة لاولياء الرحمن اليس قد أوجب من تخرص هذا الخبر أن يكون عمر اجل منزلة في العز المنيع والقدر الرفيع عند الله من رسوله (ص) إذ كان لم يعز دينه برسوله

[ 49 ]

وأعزه بعمر ثم هم يزعمون مع ذلك أن أبا بكر كان أفضل منه وقد اسلم من قبله بسنين كثيرة فلم يعز الله به الدين حتى أعزه بعمر، أفليس يلزم في حق النظر أن يكون من اعز الله به الذين أفضل ممن لم يعزه به قاتلهم الله أنى يؤفكون. وهذا سبيل في التخرص والافتراء كسبيل روايتهم: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ان تولوها ابا بكر تجدوه قويا في دين الله ضعيفا في نفسه وان تولوها عمر تجدوه قويا في دين الله قويا في نفسه (1) فانظروا يا اهل الفهم هل يكون في الجهل أبين من جهل من زعم ان رسول الله (ص) شهد لرجل بقوة في الدين وقوة في نفسه واخبر عن آخر بزعمهم بقوة في الدين وضعف في نفسه ثم هم مع ذلك يزعمون ان من كان قويا في الدين ضعيفا في نفسه أفضل ممن هو قوي في الدين قوي في نفسه ألا يعلم ذو الفهم أن من كان قويا في الحالين افضل ممن كان قويا في حال واحد ثم هم ايضا


(1) قال الشريف الجليل علم الهدى السيد المرتضى في الشافي ص 245 وشيخ الطائفة الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي ص 420 أما ما روى من قوله وان وليتم عمر تجدوه قويا في أمر الله قويا في بدنه فهذا لو ثبت لدل على صلاحه للامامة لكون دون ثبوته خرط العتاد ؟ فانه خبر واحد لا يقطع على صحته، وأقوى ما يبطله عدول أبي بكر عن ذكره والاحتجاج به لما أراد النص على عمر فعوتب على ذلك وقيل له ما تقول لربك، إذ وليت علينا فظا غليظا ولو كان صحيحا لكان يحتج به ويقول وليت عليكم من شهد النبي (ص) بأنه قوي في أمر الله قوي في بدنه، على ان ظاهر هذا الخبر يقتضى تفضيل عمر على أبي بكر والاجماع بخلاف ذلك لان القوة في الجسم فضل قال الله تعالى ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فكيف يعارض ما علمناه من عدوله عن توليته بهذا الخبر المردود والمدفوع " الكاتب " (*)

[ 50 ]

يروون عن عمر انه قال (وددت أني شعرة في صدر أبي بكر ما أردت حالا في الخبر الا وجدت ان ابا بكر قد سبقني إليها ولقد كنت أبادر إذا أمر رسول الله بشئ من افعال الخير طمعا في ان اسبق ابا بكر إليه فأجده قد سبقني الى ذلك) فان كان هذا الخبر صحيحا فالاول باطل لان من كان يجهد ويتعمد السبق الى خصلة من خصال الخير فيجد غيره قد سبقه إليه فالسابق بغير تكلف أقوى في نفسه ودينه جميعا ممن يتكلف فلا يسبق، فيس نجد بحمد الله ومنه من اخبارهم الا ومعه خبرا آخر ينقضه ويبطله، وهذا لعمري سبيل الباطل تنضاد اخباره وتختلف تمثيلاته حتى لا يثبت له أصل ولا يتم له فصل عند ذوي الفهم والتمييز، وان كان سبقهما وتسابقهما الى افعال الخير نزعمهم عند نزل هذه الاية إذ قال (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) فأجمعت الامة أنهما وجماعة من المهاجرين والانصار تخلفوا عن مناجاة الرسول (ص) عند ذلك غير علي ابن ابي طالب عليه السلام، هذا ما ما يلزمهم أيضا في قول عمر انه كان يتعمد في مسابقة أبي بكر لانه كان رجلا حسودا لا خيرا في الدين وكان يحسد ابا بكر على سبقه ويجهد ان يتقدمه بزعمهم في السبق فلا يتهيأ له وقد رووا جميعا ان الرسول (ص) قال ان الخلود في النار، ومع ذلك فيقال لهم اخبرونا عن هذا الرجل الذي زعمتم ان الله عز وجل اعز الاسلام به هل تجدون له مقاما في شئ من المغازي ومجاهدة المشركين ومبارزة الابطال من الكفار أو كشف في ذلك كربة عن رسول الله (ص) أو عن المسلمين أو اقام في شئ من ذلك مقام المحمودين فلا تجدون الى ذلك سبيلا بل تجدون هزيمته وفراره في كثير من المواطن التي كان فيها مع رسول الله (ص) ظاهرا ذلك مشهودا في اخبار اوليائه. ودون ؟ ما شرحناه من فساد هذه الاخبار المتخرصة كفاية ومقنع ونهاية. ومثل روايتهم عن ابن مسعود انه قال لما قتل عمر (ذهب تسعة اعشار

[ 51 ]

العلم) فما هو بمستنكر من ابن مسعود ان يقول هذا فيه وقد جعله معلما لاهل العراق بشرائع الاسلام بزعمه بأجرة حرام من مال حرام فاستطاب ابن مسعود ذلك فأكله مسارعا فيه واليه على ما تقدم من شرحنا في قصص المهاجرين والانصار والمعلمين والمصلين والمؤذنين، وسواء عندنا قاله ابن مسعود في عمر أو قاله في نفسه فلا لمديحه ولا لذمه عندنا من المحل ما نشتغل به ولا ننظر فيه إذ كان ممن استحل أن يأخذ على تعلم الدين الاجرة الحرام من المال الحرام المأخوذ من الناس ظلما وجورا من ابواب الخراج المخالفة لدين رسول الله (ص) وحدود شريعته. وليس هذه الرواية عن ابن وأشكاله بأعظم ولا أفظع من روايتهم ان شاعرا كان عند رسول الله (ص) وأشار الى الشاعر بالكسوت فسكت حتى خرج عمر ثم استعاده النشيد فعاد عمر فأسكته فلما خرج استنشده حتى فعل ثلاث مرات كلما جاء عمر بالسكوت وإذا خرج اشتنشده، قال الشاعر يا رسول الله من هذا الذي إذا جاء اسكتني وإذا خرج استنشدني فقال هذا عمر بن الخطاب وهو رجل يكره الباطل، وهذه الرواية مع منافاتها من مناقبه السامية عندهم فلم يتخوفوا في تخرصهم ان ينسبوا رسول الله (ص) الى محبة الباطل واستدعائه استماعه ونزهوا عمر عنه وعن سماعه فهل يستحسن رواية مثل هذا من يؤمن بالله ورسوله، فهل يروي هذا من لهم قلوب يفقهون بها أو أعين يبصرون بها أو آذان يسمعون بها زادهم الله عما الى عماهم وضلالا وعجل تطهير البلاد وأرواح العباد منهم. ومن تخرصهم انهم رووا ان عشرة في الجنة منهم عمر بن الخطاب، إذ كان من خالف كتاب الله وغير سنن رسول الله (ص) كما قدمناه ذكره في باب بدعه يكون في الجنة فجائز القائل غدا ان يقول ان فرعون وهامان ايضا في الجنة.

[ 52 ]

ومثل روايتهم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رأيت قصرا في الجنة من ذهب فاعجبني فقلت لمن هذا القصر قيل لفتى من قريش قلت من هو قيل عمر بن الخطاب فما منعني من دخوله الا ما اعرف من غيرتك فيا سبحان الله الا ينظر ذو الفهم في عجائب ما يأتون من محالاتهم، فهل اعجب رسول الله (ص) قصرا رآه لغيره مما لم ير لنفسه مثله، فان قالوا انه ليس لرسول الله (ص) مثله في الجنة كفروا بغير خلاف وان قالوا ايضا انه مثل قصر رسول الله (ص) ساووا بن منزلة رسول الله (ص) ومنزلة عمر، وقال هذا كافر بالله وبرسوله فان الله لم يجعل منازل انبيائه ورسله كمنزلة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يجعل ذلك لعمر، وان قالوا ان قصر رسول الله (ص) في الجنة أفضل منه واجل فما الذي اعجب رسول الله (ص) من قصر عمر وما كان حاجته الى دخوله وله أفضل منه وأعلى درجة وأرفع منزلة، قبحهم الله وقبح ما يأتون به من فضائحهم وتخرصهم لئن قالوا ان عمر كان غيورا فقد اخرجته غيرته هذه الى فساد شريعة الله وتغيير سنة رسول الله (ص) ومعاقبة من يقتدي برسول الله (ص) في ذلك إذ قال متعتان كانتا عهد رسول الله وعهد أبي بكر حلالا أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء، فلو انهم ممن يسمع أو يعقل لما استحلوا رواية مثل هذه المتخرصات من الاحاديث المنكرات لكنهم كما قال الله عز وجل " صم بكم عمي فهم لا يعقلون " ومثل روايتهم ان الرسول " ص " قال ان اهل الجنة ليتراؤن في عليين كما يترائ الكوكب الدري لاهل الارض وان ابا بكر وعمر لمنهم ولعمري ان الخبر في ترائي أهل عليين من أهل الجنة لصحيح ولكن الزيادة فيه من الكلام المختلق يعلمه من هو ذو فهم، وما الحال الذي أوجب ذكر هذين دون غيرهما فان كان لغيرهما من الصحابة تلك المنزلة فهذا ليس من العدل ان يذكر رسول الله (ص) بعض أهل تلك المنزلة ويمسك عن ذكر

[ 53 ]

الباقين من غير علة وهم حضور عنده كحضور ممن ذكرهم أو يوحنون تلك المنزلة لهما دون غيرهما فيكذبون على رسول الله إذ قال ان ابا بكر وعمر لمنهم وان قوله لمنهم يوجب ان يكونا هما هناك كغيرهما وما يوجب ان يكونا هما احق بتلك المنزلة من غيرهما من اصحاب الرسول (ص) وإذا كان كذلك فقد ظلم رسول الله أهل تلك المنزلة من غيرهما من اصحابه إذ ذكر هذين بزعمهم ولم يذكر الباقين، ومن يظن هذا وشبهه برسول الله (ص) أو يقصد في مذهبه الى ما يدعو الى تكذيب رسول الله (ص) والى الظلم فهو كافر بالله خارج عن كل دين لله وأما ما رووا ان رسول الله (ص) قال بزعمهم ان الله جعل لعثمان نورين فليس يخلو الحال في ذلك من ان يكون جعل الله له النورين في الدنيا وفي الاخرة أم جعل له نورا في الدنيا ونورا في الاخرة، فان قالوا انه جعل له في الدنيا نورا وفي الاخرة نورا قيل لهم اوليس كل مؤمن كذلك فان كذبوه فقد كذبهم قول الله عز وجل حيث يقول: " اومن كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " وقوله: " ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور " وقوله: " والذين آمنوا به " يعني رسول الله (ص) " وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك، وقال في نور الاخرة " يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ايديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا " الاية، وقال: " يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين ايديهم وبأيمانهم " الاية، فان قالوا ان لكل مؤمن كذلك قيل لهم فما فضل عثمان على غيره في هذه المنزلة وما الفائدة في هذا القول من الرسول (ص) ان كان عثمان مؤمنا فسبيله في النور كسبيل سائر المؤمنين في الدنيا والاخرة ولا فضيلة له في ذلك ولا فائدة ترد

[ 54 ]

بذكره في ذلك ورسول الله (ص) احكم من ان يقول قولا لا فائدة فيه، فان قالوا اراد بذلك اظهار ايمان عثمان ومنزلته في الدين قيل لهم أو ليس قد كان هناك من الصحابة من هو مثل عثمان ومن هو أفضل منه مثل أبي بكر وعمر بزعمكم فما باله خص عثمان بهذا الذكر ثم منع الباقين ايقولون انه حاباه دونهم فليس هذا من صفة الرسول (ص) ولا من صفة الحكماء أو يقولون ان الرسول - ص - ظلم الباقين حين لم يذكرهم باظهار الايمان كما ذكر من هو مثلهم في الدين والايمان فقائل هذا كافر وان قالوا ان النورين جعلهما له في الدنيا والاخرة قيل لهم اوليس أبو بكر وعمر عندكم افضل من عثمان فلابد من ان يقولوا نعم إذ كان هذا اصلهم فيقال لهم فهل جعل الله لهما نورين لكل واحد منهما فان قالوا نعم فقل لهم فلم ذكر رسول الله - ص - عثمان بهذه الحال ولم يذكرهما ولم يسمها ذا النورين وهل هذا منكم الا تخرص وافتراء، فان قالوا ان الله لم يجعل لهما نورين كما جعل لعثمان قيل لهم فمن جعل الله له نورين يجب أن يكون أفضل ممن جعل الله له نورا واحدا فان منعوا ذلك بان جهلهم وظهرت فضيحتهم وان اجازوا خرجوا عن أصولهم وفارقوا مذهبهم إذ كان من قولهم ان أبا بكر وعمر كانا أفضل من عثمان، ومن اظطر في مذهبه الى مفارقة اصله والمقام على فضيحته فكفى له بذلك خزيا. وما ما رووا من تزويج عثمان من الابنتين فقد شرحنا من قصتهما متقدما في ذكر غلط هند بن أبي هند التميمي في نسبهم وما دخل عليهم من الشبهة فيما بين خديجة وبين اختها هالة ما فيه كفاية لمن فهم. وأما ما احتجوا به من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعثمان لو كانت عندي ثالثة ما عدوناك، فلو علموا ما عليهم في ذلك لاقصروا عن ذكره وذلك انه ان كان تزويج الرسول - ص - فخرا لمن زوجه ففي رده عن التزويج ذم ونقص على رده، وقد اجمعوا في روايتهم ان ابا بكر

[ 55 ]

خطب فاطمة عليها السلام فرده عن تزويجها ثم خطبها عمر فرده كذلك فان قالوا انه لم ير أبا بكر وعمر موضعا للتزويج ببناته ورأى عثمان موضعا لذلك وأهلا له ففي حق النظر أن يكون عثمان أفضل منهما فان اجازوا فضل عثمان عليهما بانت فضيحتهم في مذهبهم المكوس ؟، وان قالوا ان تزويج رسول الله (ص) ومنعه أبا بكر وعمر من ذلك لا يوجب فضلا لعثمان عليهما ولا ذما لهما في ردهما، قيل لهم فذلك ايضا لا يوجب لعثمان فضلا على غيره بهذا التزويج، وفي هذا كفاية لاولي الالباب. وأما روايتهم أن عثمان جهز جيش العسرة بمال عظيم من عنده ففي تحقيق نقض روايتهم وما انزل الله في كتابه من قصة جيش العسرة ما يدل على خلاف ما ادعوه في ذلك. ان جيش العسرة هو الجيش الذي خرج به رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة تبوك وكان الجيش يومئذ مع رسول الله (ص) خمسة وعشرين الفا غير الاتباع، وقد وجدنا في روايتهم ان رسول الله (ص) استدعي من الناس تقوية من لاقوة له من المسلمين فقال عثمان علي مائة راحلة فساق الى رسول الله (ص) مائة راحلة ففرقها على قوم المسلمين ثم استدعى رسول الله (ص) التقوية من الاقوام فقال عثمان وعلي مائة راحلة اخرى فساقها إليه ففرقها كذلك ثم لم يذكر له رسول الله (ص) اكثر من ذلك فإذا سلمنا لهم روايتهم في هذا فلا حجة لهم علينا بعد ذلك، وإذا صح لعثمان دفع مائتي راحلة في جيش العسرة فانما يجوز ان يكون المائتا راحلة لمائتي رجل أو اربعمائة رجل كم هم من خمسة وعشرين الفا فلا يجوز أن يقولوا جهز جيش العسرة من ماله، وهذا الذي ذكرناه من المائتي راحلة جميع ما كان منه في ذلك على تقدير تسليم روايتهم وقد انزل الله سبحانه في سورة التوبة يصف قوما جاؤا الى رسول الله (ص) في جيش

[ 56 ]

العسرة يسألونه ان يحملهم ويقويهم بما يستعينون على الجهاد ولم يكن عند رسول الله (ص) شئ مما يقويهم به فرخص لهم في التخلف عنه إذ لم يجد ما يقويهم وتلك حال ضرورة فانصرفوا عنه يبكون أسفا منهم على الجهاد وما يفوتهم منه لضعفهم فوصفهم الله عز وجل في كتابه فسموا الباكين فقال سبحانه " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم. ولا على الذين إذا ما اتوك لتحملهم قلت لا أجد ما احملكم عليه تولوا واعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدون ما ينفقون " وقد علم جميع أهل الاثر ان عثمان كان اكثر الصحابة يومئذ مالا فما باله لا يجهز اولئك الضعفاء الذين كانوا راغبين في الجهاد وقد كان يمكنه ذلك افلا ترى الى فساد كل ما يدعونه وكيف يرشد الله أولياؤه المؤمنين الى معرفته وكشف باطله واظهار تخرصهم ولله المنة على اوليائه فيما ارشدهم إليه من هدايته. ومثله من كذبهم في روايتهم ان رسول الله (ص) قال بزعمهم من يشتري بئر رومة وله الجنة فاشتراها عثمان من ماله وجعلها للسبيل، أفرأيت لو سلمنا لهم اشتراءه لبئر رومة من أين لهم صحة ما ادعوه من ضمان رسول الله (ص) له الجنة على ذلك وخصومهم يمنعونهم من ذلك، وإذا وجدت أفعال عثمان مخالفة لافعال من يستحق الجنة كان محالا ان يكون الرسول (ص) جهل معرفة ذلك حتى يضمن له الجنة وهو غير مستحق لها. وقد وجدنا من افعاله وبدعه وتعطيله لحدود الله وما اوجبه الله في دينه ما قد شرحناه متقدما في باب بدعه ما يدلنا ومن كان من ذوي الفهم على ان ما ادعوه من ضمان رسول الله - ص - له بالجنة باطل وزور وبهتان وتخرض وافتراء ولسنا مع ذلك بزعمهم نمنع عن شراء بئر رومة ولا عن اكثر منها إذا كان غير نافع لمن لم يعمل عملا صالحا ويمهد مهادا راجحا والله لا يصلح

[ 57 ]

عمل المفسدين، ولو كان لما ادعوه أصل وصحة لكان الله قد ذكر ذلك في كتابه العزيز ومدحه به بما يزول معه الشك والشبهة كما مدح صاحب اقراص الشعير الذي اطعم المسكين واليتيم والاسير وكان ذلك دون ثمن بئر رومة فلما علم الله ان ذلك اليسير من اقراص الشعير التي اطعم بها المسكين فعلها أمير المؤمنين عليه السلام خالصا لوجه الله انزل فيها سورة مفردة وهي (هل اتى على الانسان) تشهد لهم بالجنة وان ذلك كان منهم لوجه الله خالصا مخلصا فقال عز وجل يحكي ما كان في صدورهم ونياتهم ثنا عليهم (انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) ثم قال (فوقاكم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) ولو كان عثمان ايضا اشترى بئر رومة لوجة الله كما زعم أولياؤه وضمن له (ص) على ذلك الجنة لكان قد ذكر في كتابه العزيز كذكر اقراص الشعير، وفي هذا كفاية لمن فهم ووقف على تخرصهم وافترائهم وباطل دعواهم. ومثل روايتهم ان عثمان حمل الى رسول الله (ص) دنانير كثيرة فجعل رسول الله (ص) يقلبها بيده ويقول ما على ابن عثمان ما أتى بعدها وهذا لا يخلو الحال فيه من ان يكون رسول الله (ص) قال ما على ابن عثمان ما أنى بعدها يريد بذلك ما عليه من افعال الخير فهذا لكل انسان وكل ما أتى بشئ من افعال الخير فذلك له لا عليه، وهذا قول لا فائدة فيه وان قالوا انه اراد الافعال السيئة فقد اوجبوا ان رسول الله (ص) قد أباح لعثمان ما حرمه الله للمسلمين في الشريعة وكفى بهذا لقائله خزيا، وان قالوا انه انما قال ذلك لانه علم انه لا يأتي بشئ من الافعال السيئة فما فائدة قوله (ما عليه ما أتى بعدها) وهو لا يأتي بشئ من ذلك، فسبحان الله ما أجهلهم وأقل تمييزهم ومعرفتهم واكثر تخرصهم وافترائهم. ومن تخرصهم وافترائهم على الله ورسوله (ص) روايتهم ان الرسول (ص) كان يوما جالسا في منزله مكشوف الفخذ واصحابه يدخلون عليه

[ 58 ]

فلا يغطيها وممن دخل عليه بزعمهم أبو بكر وعمر فلم يغط فخذه فلما دخل عثمان غطاها فقيل له في ذلك فقال ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة فما أقل تخوفهم من كذبهم وتخرصهم أو ليس قد رووا ان الرسول (ص) قال الركبة عورة أو قال من العورة فكيف يجوز ان يقول ذلك ثم يدع فخذه مكشوفا بين ايدي الناس وهي فوق الركبة فنسبوا الى الرسول (ص) انه يبدي عورته للناس، وهذا من افعال الجهلاء والسفهاء دون أفعال الحكماء قبحهم الله وقبح ما يأتون به، ثم لو صح لهم ذلك لكان فيه هتكهم في ايجابهم تفضيل عثمان على ابي بكر وعمر لانهما دخلا عليه ولم يستحي منهما واستحيى من عثمان فهو إذا أفضل منهما وأجل منزلة وأعظم، وكذلك دل بقوله ان الملائكة تستحي من عثمان ولا تستحي منهما على انه أفضل منها وأجل وأرفع درجة ففي كثير مما يروونه في تخرصاتهم من الفضائح ما يرغب ذا الفهم عن مجالستهم ومجاورتهم فضلا عن الدخول في مذهبهم ومع ذلك فيقال لهم خبرونا عن الملائكة أي حال أوجبت عليهم ان يستحيوا من عثمان هل جنت الملائكة عليه جناية فهي تستحي مما ارتكبته منه أو هل احسن عثمان على الملائكة أفضل عليهم بنعمة أو بدفع مضرة أو استجلاب منفعة وما شاكل هذا من وجوه الفضل والانعام فاوجبت الملائكة على نفسها بذلك تعظيم عثمان والاستحياء منه اجلالا له لجميل فعله بهم لقد ضلوا ضلالا بعيدا. ومثل هذا التخرص والافتراء ما رووا ان عمر سراج اهل الجنة في الجنة، ولم نجد الله عز وجل ذكر في شئ من كتابه انه جعل لاهل الجنة سراجا انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا) فجعل الله رسوله سراجا للمؤمنين في هدايتهم وارشادهم وتعليمهم فان كانوا ارادوا بقولهم في عمر انه سراج اهل الجنة بمعنى ان يعلمهم

[ 59 ]

ويهديهم ويرشدهم قيل لهم ان أهل الجنة لا تكليف عليهم ولا جهل فيهم فلا حاجة لهم الى تعليم ولا الى ارشاد، ولو كانوا محتاجين الى ذلك لكان انبياؤهم ورسلهم أحق بذلك من عمر الا ان يقولوا ان عمر في الجنة أعلم وأفضل من الانبياء فيحق عليهم اللعنة من الله ورسوله والملائكة وجميع عباده، ولعمري ان هذا الخبر يوجب عليهم هذا القول ويلزمهم أن يقولوا ان عمر أفضل من جميع الخلق والانبياء والرسل والملائكة إذ كان الله جعل رسوله سراجا لاهل الدنيا وجعل عمر سراجا لاهل الجنة وسراج اهل الجنة أجل وافضل وأرفع واعظم منزلة من سراج اهل الدنيا ولم يبق بعد الهداية والارشاد في معنى السراج الا الضياء من المصباح من النار والشمس والقمر والنجوم وما شاكل ذلك مما يستضاء به في الظلمة أو نضارة الوجة وحسنه فيبتهج به من يراه، ولا وجه آخر نعرف في معنى السراج غير هذه الوجوه، فان زعموا انه اراد بذلك ضياء أهل الجنة فما في الجنة ظلمة فيحتاجون الى ضياء سراج فيها يستضيئون به، وهذا قول جاهل غافل غوي، وان قالوا اراد بذلك حسن الوجه ونضارته قيل لهم وجه عمر أحسن في الجنة وانضر من وجوه الانبياء والمرسلين، فان قالوا ان وجه عمر أحسن كفروا، وان قالوا وجوه الانبياء والمرسلين احسن قيل لهم قد استغنوا بحسن وجوه انبيائهم ورسلهم عن وجه عمر ما يدل على انه كان أقبح الناس وجها وأشنعهم منظرا، هذا ما ما يلزمهم في هذا الخبر من تفضل عمر على أبي بكر إذ كان عمر سراجا لابي بكر في الجنة بزعمهم انه سراج أهل الجنة وأبو بكر عندهم من أهل الجنة، ويلزمهم ايضا ان يجعلوه افضل من الانبياء والمرسلين إذا كانوا من أهل الجنة وعمر وسراجهم ومن توهم هذا أو ظنه فقد حق عليه غضب الله وسخطه واستحق اليم عذابه وشديد عقابه.

[ 60 ]

واما ما زعموا من قولهم ان افضل الناس من بعد رسول الله (ص) أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومنهم من يقول ثم عمر ثم عثمان ثم علي فزعموا ان ابا بكر أفضل من عمر وعمر أفضل من عثمان افضل من علي، ثم بعضهم ساوى بين علي وعثمان، ثم يشهدون للعشرة بالجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن ابن عوف الزهري وأبو عبيدة بن الجراح (1) فيقال لهم ان الله جل اسمه قد اخبر ان الجنة لاهل الطاعة وأهل الطاعة هم الطائعون لرسوله العاملون بأمره المتبعون لسنته بقوله تعالى (ومن يطع الرسول فقد اطاع الله) وقوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وإذا كان ذلك كذلك ثم وجدنا قوما قد خرجو في كثير من افعالهم عن سنن رسول الله (ص) وقصدوا مخالفته وعصوا امره وابتدعوا في دينه ما لم يأذن الله به ولا رسوله مع قول الرسول (ص) كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. فقد صح عندنا بطلان شهادتهم له بالجنة وايجابهم لهم التزكية وقد وجدنا تسعة من هؤلاء العشرة الذين يزعمون انهم من أهل


(1) وقد الف علماوهم الذين يقولونهم مؤلفات عديدة في مناقب العشرة فهذا العلامة الحافظ محب الدين أبو جعفر أحمد بن عبد الله الطبري شيخ الحرم المكي المولود بمكة في جمادى الاخرة سنة 615 والمتوفى جمادى الاخرة سنة 694 الذي قال فيه لذهبي الفقيه: الزاهد المحدث كان شيخ الشافعية ومحدث الحجاز. قد الف كتابا ضخما في فضائلهم في مجلدين سماه " الرياض النضرة في مناقب العشرة " وقد طبع بمصر سنة 1327 أور فيه ما دب ودرج وكال لاوليائه من الفضائل والمناقب كيلا جزافا وفيه الكثير من المخازي والمخرفات ما يضحك الثكلى فارجع إليه ان شئت فسترى العجائب والغرائب من هذا العلامة الحافظ. " الكاتب " (*)

[ 61 ]

الجنة قد أحدث كل واحد منهم ما يخالف شريعد الله واحكام دينه من فرائضه وسنن رسوله، وذلك مثل ما شرحناه من بدع الثلاثة وما قد ارتكبوه من المسلمين وأحدثوه من الفساد في الدين فطرقوا به سبل الضلالة ومناهج الجور لكل من اقتفى آثارهم من بعدهم وسلك سبيلهم، واما الستة الباقون من التسعة فمنهم طلحة والزبير اللذان ارتكبا من رسول الله (ص) في هتك حريمه مالا يرتكبه منه كافر ولا مشرك بقصدهما اخراج حرمته يسيران بها بين العساكر في البراري والفلوات غير مبالين في ذلك ولا متحرجين مع ما قد أجمع اهل الخبر عليه من الرواية ان رسول الله (ص) قد أعلم طلحة والزبير واعلم عائشة زوجته أنهم سيقاتلون عليا صلوات الله عليه ظالمين له فلم يردهم ذلك من قول رسول الله (ص) عن محاربتهم عليا عليه السلام الا ظلما واعتداء وعن سفك ما سفك منهم من الدماء وتلك الدماء كلها في عنقيهما وعنق عائشة جميعا، وقد زعم الجهال منهم ان الزبير قتل تائبا قتله عمر بن جرموز اعتيالا في رجوعه الى مكة تائبا فقال لهم اهل الدين والتمييز ان ذلك من الزبير لم تكن توبة له لانه اورد الذين جلبهم للحرب مورد الحرب (1) وقذف بهم مناهج الضلالة وحرضهم على محاربة صاحب الحق ودعاهم الى ذلك فكانت تربته ان يقوم في القوم مناديا بظلمه واعتدائه ويعلم من كان معه على رأيه هذا بالظلم ليرجعوا برجوعه ثم يصير بعد ذلك الى امامه علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام فيضع يده بيده وينصرف بين امره ونهيه فلما لم يفعل ذلك كان ممن حقت عليهم كلمة الرسول (ص) حين قال (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) وكان الزبير في أول أمره محاربا له ومعاديا


(1) الحرب هنا بفتح الراء المهملة بمعنى الهلاك، ولعمري أي هلاك اوردهم للزبير مورده فكم نفوس هلكت ودما اريقت في حرب البصرة وفتنة الجمل " الكاتب " (*)

[ 62 ]

وفي آخره خاذلا فقد حقت عليه الدعوة بالعداوة والخذلان جميعا من الله ورسوله ومن حقت عليه دعوة الرسول (ص) بذلك فالنار أولى به من الجنة وأما طلحة بن عبيد الله فانه قتل في معركة الحرب قتله مروان ابن الحكم وزعم انه بقتله طلب دم عثمان فان طلحة كان ممن حضر في دار عثمان، فقتلا جميعا طلحة والزبير محاربين خاذلين مع ما قد سمعناه من دعوة الرسول (ص) بالعداوة من الله والخذلان لفاعل ذلك، وليس يخلو حالهما في ذلك ان يكونا استهانا بدعوة الرسول " ص " وعداوة الله أو ان يكونا قد رأى ان دعوة الرسول (ص) غير مجابة، ولا وجه ثالث لهما يوجب تأويله في دعوة الرسول (ص) بذلك ومن قصد الوجهين أو واحدا منهما فقد خرج من دين الله وشريعة الاسلام. هذا مع ما يلزمهما من عقوبة ما قصدا له من الاذى الذي ادخلاه على رسول الله (ص) باخراجهما زوجته من بيتها ومن سترها وما ضربه الرسول (ص) من الحجاب لانه من المحال ان يخرجا زوجته من بيتها ومن سترها الى مواطن الحرب وتصفح وجوه الرجال في مواقف الصفوف والعساكر الا وهما قد ادخلا على رسول الله (ص) الاذى العظيم بذلك والله يقول " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة واعد لهم عذابا مهينا " هذا وقد سمعنا الله يأمر نساء النبي " ص " بالاستقرار في بيوتهن بقوله " يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى " فاستخفا جميعا بأمر الله في ذلك وحملاها على مخالفة الرسول - ص - فيما امرت به ونهيت عنه وكان الواجب عليهما فيما يلزمهما من طاعة الله وحق رسوله ان لو ارادت عائشة الخروج معهما واستدعت ذلك منهما أن يمنعاها من ذلك ويلزماها بيتها صيانة لحرمة رسول الله - ص - وينهماها عن مخالفة

[ 63 ]

كتاب الله ولكنهما صانا حرمهما في منزلهما واخرجا حرمة رسول الله (ص) وعصيانا في ذلك كله لله ولرسوله (ص) وكانت هي مشاركة لهما فيما استحقاه على ذلك من اليم العقوبة إذ اطاعتهما في معصية الله وهتك سترها الذي اسبله الله عليها ورسوله (ص) فلينظر الناظر بحق في هذا الذي شرحناه وبيناه هل هو من فعل من يجوز أن يشهد له الرسول (ص) بالجنة كلا بلا شهادته لهو بالنار أقرب من شهادته لهم بالجنة عند ذوي الفهم. وأما سعد بن أبي وقاص فرجل يروي عنه الخاص والعام انه قال سمعت رسول الله (ص) يقول في علي " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " وانه قال سمعت رسول الله (ص) يقول " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " وهذا وجد عنه في رواية جميع اصحاب الحديث حتى قد اودعوه كتابا لهم يعرف بكتاب السنة، ثم رووا عنه بعد هذا كله أن عليا عليه السلام دعاه الى نصرته والخروج معه في حروبه فامتنع عليا وقال له ان اعطيتني سيفا يعرف المؤمن من الكافر فيقتل الكافر وينبو عن المؤمن خرجت معك، وقد جعل اصحاب الحديث من الحشوية هذا من مناقبه في ورعه بزعمهم، وهذا قول من لا يؤمن بالله ولا برسوله لانه لم يعرف المؤمن بالله ولا برسوله بزعمه فقد شهد انه قد سمع رسول الله (ص) يقول في علي عليه السلام ما قد رواه وليس يخلو حال سعد في خذلانه لعلي عليه السلام بقعوده عنه أن يكون استحق بهذا القول من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللعنة ولم يتخوف من مخالفته أو ان يكون ظن في نفسه ان دعوة الرسول (ص) غير مستجابة في ذلك ولا موجبة، ومن ظن هذا وقصد الوجه الاول فقد خرج من كل دين الله جل اسمه، ولا وجه آخر يتأول في هذا المعنى بعد هذين الوجهين وكذلك ايضا حاله فيما شهد به من قوله انه سمع رسول الله (ص)

[ 64 ]

يقول " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار " لا يخلو في ذلك من ان يكون كذب على الرسول (ص) وقد قال رسول الله - ص - من كذب على عامدا متعمدا فليتبؤ مقعده من النار، ان يكون الراوون عن سعد هذا الخبر كذبوا على سعد فان اقروا بالكذب على سعد لزمهم ايضا تكذيبهم فيما رووا عن الرسول - ص - من الشهادة للعشرة بالجنة وفي غيره من جيمع رواياتهم حتى لا يصححوا عن سلفهم شيئا من الرواية، وكفى بهذا خزيا عند من فهم أو ان يكون سعد لم يصدق رسول الله - ص - فيما قاله من ذلك ومن لم يصدق رسول الله - ص - في اخباره كفره بغير خلاف أو ان يكون سعد سمع بذلك وتيقنه انه كما قال الرسول - ص - فتهاون بالحق وعانده ومن تهاون بالحق وعانده فقد كفره الحق ومن كره الحق كان ممن قال الله فيه - ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط أعمالهم - لان جميع ما انزل الله في كتابه وبعث به رسوله فهو الحق لقوله - هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق - وقوله - وبالحق انزلناه وبالحق نزل وقوله - انا ارسلناه بالحق بشيرا ونذيرا - ومن كان هذه صفته كان الى صفات الكفر أقرب منه الى صفات الايمان وكانت الشهادة له بالنار احرى من الشهادة له بالجنة. وأما سعيد فانه مات ولم تكن العداوة منه قد ظهرت لامير المؤمنين عليه السلام وأهل بيت الرسول عليهم السلام بعناد ظاهر الا انه قد روي عن طريق أهل البيت عليهم السلام انه كان من اصحات العقبة الذين جلسوا لرسول الله - ص - لينفروا به ناقته في عقبة هو شى فان كان ما رووا من من ذلك حقا فكفى به خزيا ومقتا وان كان باطلا فسبيله كسبيل غيره من المسلمين ان كان قد عمل خيرا فخير وان كان عمل شرا فجزاؤه جهنم واما عبد الرحمن بن عوف الزهري فرجل قد أجمع الخاص والعام انه كان أحد الستة الذين جعل عمر الشورى بينهم وفي وقت وفاته قال للخمسة

[ 65 ]

اني أهب لكم نصيبي ونصيب ابن عمي سعد بن أبي وقاص على أن اكون المختار للامام منكم ففعلوا ذلك فاستعرض الاربعة الباقين وهم علي وعثمان وطلحة والزبير فاختار من الاربعة عليا وعثمان فلما اراد ان يختار واحدا من الاثنين قال لعلي عليه السلام ان اخترتك لهذا الامر تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فقال علي عليه السلام بل اسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله (ص) فتركه وصار الى عثمان فقال ان اخترتك تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فقال نعم فاختاره وبايع له، فانظروا الى هذا الحال وما طالب به عبد الرحمن بن عوف وما كان جواب علي عليه السلام في ذلك فان كانت سيرة أبي بكر وعمر على كتاب الله وسنة نبيه فما معنى ذهابه الى سيرة أبي بكر وعمر، وان كانت سيرة أبي بكر وعمر بخلاف كتاب الله وسنة رسوله (ص) فكفى بذلك خزيا لمن طلبه، ولعمري لقد كانت كذلك بما قدمنا ذكره من بدعهما، ثم رووا عنه بعد هذا كله أنه جرى بينه وبين عثمان جدال من مدة من بيعته فقال له عثمان يا منافق فقال له عبد الرحمن ما ظننت اني أعيش الى زمان تقول في فيه يا عثمان يا منافق ثم حلف انه لا يكلمه ما عاش فبقى مهاجرا له طول حياته حتى مات (1) هذا مع ما رووا جميعا ان الرسول (ص) قال لا يحل لمؤمن ان يهجر اخاه المؤمن اكثر من ثلاثة أيام فان كان عثمان مؤمنا فقد خالف عبد الرحمن قول رسول الله (ص) في مهاجرته لعثمان سنين حتى مات على ذلك من غير توبة منه ومن قصد مخالفة الرسول (ص) عامدا متعمدا فقد تهاون بقول الرسول (ص) واستخف بحقه ومن جرى على ذلك كانت النار مأواه، مع ما يلزمهم من قول عثمان لعبد الرحمن يا منافق لانه


(1) ومن الغريب ما ذكره المحب الطبري في الرياض النضرة في ترجمة عبد الرحمن انه مات وصلى عليه عثمان وكان اوصى بذلك، ليت شعري كيف يوصى ان يصلي عليه عثمان وهو عدوه الالد، وابن حجر في الاصابة يروي صلاة الزبير بن العوام عليه الكاتب (*)

[ 66 ]

لا يخلو الحال في ذلك من أن يكون عثمان صادقا فيما قاله لعبد الرحمن أو يكون كاذبا فان قالوا كاذبا فقد قال الله في كتابه (انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بايات الله) وكفى بهذا خزيا ومقتا، وان قالوا كان صادقا فعبد الرحمن كان منافقا بشهادة عثمان عليه وتصديقهم لعثمان بشهادته بذلك والله يقول (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار) وكفى بهذا خزيا. وأما أبو عبيدة الجراح فالرواية عن أهل البيت عليهم السلام انه كان أمين القوم الذين تحالفوا في الكعبة الشريفة انه ان مات محمد أو قتل لا يصيروا هذا الامر الى اهل بيته من بعده وكتبوا بينهم صحيفة بذلك ثم جعلوا ابا عبيدة بينهم أمينا على تلك الصحيفة، وهي الصحيفة التي روت العامة ان أمير المؤمنين عليه السلام دخل على عمر وهو مسجى فقال ما ابالي ان القى بصحيفة هذا المسجى (1) وكان عمر كاتب الصحيفة، فلما أودعوه الصحيفة خرجوا من الكعبة الشريفة ودخلوا المسجد ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه جالسا فنظر الى أبي عبيدة فقال هذا أمين هذه الامة على باطلها يعني امين النفر الذين كتبوا الصحيفة فروت العامة ما يدل على هذا المعنى ان رسول الله (ص) قال أبو عبيدة أمين هذه الامة فقيل لهم ان الامين لا يخلو من أحد الوجهين اما أن يكون أمينا لقوم على وديعة أو معاملة أو توسط أو مشاكل ذلك، وما أن يكون أمينا عليهم وليس في القوم ثقة وأمين غيره أو يكون فيهم أمين غيره، فان قلتم ان الصحابة ليس فيهم


(1) الذي رواه المحب الطبري في الرياض النضرة ج 2 ص 77 مرسلا عن جعفر بن محمد عن ابيه عليه السلام بلفظ، قال لما غسل عمر وكفن وحمل على سريره وقف عليه علي عليه السلام فقال والله ما على الارض رجل أحب الي ان القى الله بصحيفة هذا المسجى بالثوب (ثم قال) خرجه في الصفوة وابن السمان في الموافقة وعد صاحب الرياض النضرة وغيره من اوليائه. " الكاتب " (*)

[ 67 ]

أمين غير ابي عبيدة فكفى بهذا القول خزيا لقائله، ان قالوا كان أمينهم على كل شئ كان لهم عنده قلنا لهم عرفونا ذلك أي شئ فكانوا في ذلك صما بكما عميا فقيل لهم قلة معرفتكم بذلك ووجود جهلكم به دليل على صحة خبر أهل البيت عليهم السلام، وهذا الحال من جهلكم يوجب التهمة لابي عبيدة ومن كان بهذه الصفة كان بعيدا من الشهادة له بالجنة فهل ترون فيما شرحناه من أحوال هذه للتسعة حالا يوجب لهم ما ادعاه أهل الغفلة وما تخرصوا فيهم أهل الضلالة كلا ان الله لا يصلح عمل المفسدين. وأما ما رووا من تخرصهم ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال بزعمهم ان الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم من اعمال الشر أو قال اعملوا ما شئتم من اعمال الخير والبر فان قالوا اراد اعمال الخير والبر قيل لهم هذا غير مستنكر ان يكون الله قد غفر لهم ما كان منهم من كراهية الجهاد في هذه المواطن كما اخبر عنهم في قوله " كما اخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون " الى آخر القصة فهذه أحوال كلها مذمومة من أهل بدر فجائز ان يكون الله قد غفر لهم من بعد بأفعال جميلة ظهرت منهم ثم قال له رسول الله (ص) استأنفوا عمل الخير بالطاعة وحسن العمل والتسليم، وان كان هذا فيهم كذلك فليس هذا حالا يوجب لاهل بدر كلهم النجاة بل يوجب لمن استأنف منهم اعمال الخير بالسارعة الى الطاعة والانقياد بالرضا والتسليم الى ما قد وعدهم الله من المغفرة والعفو عن الدين وصفهم فيه بالاعمال المذمومة ومن قصر في ذلك وجرى الى خلاف ما يرتضيه اله منه حمله من بعد معانيه مما يلزم غيره من المسلمين وان قالوا انه اراد بقوله اعملوا ما شئتم من الاعمال السيئة كان قائل هذا جاهلا متخرصا لان هذا يوجب اباحة المحارم لاهل بدر والتحليل لهم ما حرمه الله على غيرهم في الشريعة من الزنى والربا وشرب الخمر وقتل النفس التي

[ 68 ]

حرم الله قتلها وما شانه ذلك من المحرمات من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير الى غير ذلك من المحرمات في الدين لان في خبرهم انه قال لهم اعملوا ما شئتم من الاعمال السيئة دليلا على انه قد جعل الاختيار إليهم في ذلك ان شاؤا قللوا وان شاؤا كثروا، وكفى بهذا المذهب لمن اعتقده وجادل عليه خزيا وفضيحة ومقتا، وان قالوا ان الله قد علم انهم لا يأتون بشئ من ذلك، قيل لهم ان كان هذا كما وصفتم فقوله اعملوا ما شئتم وهم لا يعملون لا معنى له ولا فائدة فيه، وليس هذا من قول الحكيم ولا فهم عليم، وان قالوا انما اراد بذلك اظهار جلالة منزلتهم للناس وتبيين فضيلتهم بتحليل المحارم والاباحة للمحظورات فيجعل للجاهل سبيلا الى الدخول في ذلك أو في شئ منه، قيل لهم هذا مالا يستقيم عند ذوي عقل ولا فهم، مع ما يقال لهما كيف يصح ما يقولون ان الرسول (ص) قد علم انهم لا يأتون بما يذم منهم وقد رووا ان الرسول (ص) قال للزبير انك تقاتل عليا وانت ظالم له، فلو كان قد اباح لهم ما زعمتم لكان قوله (ص) للزبير تقاتل عليا وانت ظالم له ظلما من الرسول (ص) واعتداء على الزبير إذ كان الله بزعمهم علم انهم لا يأتون بما يذم منهم، وقد رووا ان الرسول (ص) قد أباح لهم ما شاؤا من الخير والشر ومن اباح الله له ذلك فليس هو بظالم في كل ما فعل ومن قال انه ظالم فهو الظالم على ايجابكم هذا الفظيع من المقال الظاهر من هذا المحال، ومن زعم ان الرسول (ص) ظالم في باب من الابواب كفر بغير خلاف وقد وجدنا الزبير قد أقر من كتاب الله على نفسه وعلى من كان معه بروايتكم ذلك عنه بما يضاهي قول الرسول (ص) له ستقاتل عليا وأنت ظالم له فقد رويتم عنه باجمعكم انه قال يوم الجمل بالبصرة ما زلنا نقرأ هذه الاية وما ندري ما اراد بها حتى علمنا الان انا المقصود بها وهي قول الله عز وجل (واتقوا فتنة لا تصبين الذين ظلموا منكم خاصة) وقد كان طلحة والزبير من البدريين عظيمي

[ 69 ]

المنزلة عندكم وقد تقلدا من سفك الدماء بينهما وبين أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله في يوم حرب الجمل مع عائشة ما لا تقوم به الجبال ولا تنهض به السموات والارضون إذ كانا السبب في سفك تلك الدماء بينها. وبين أمير المؤمنين عليه السلام مع شهادة الرسول (ص) عليهم بالظلم في تلك الحالة ومن شهد عليه الرسول (ص) بالظلم كان محالا ان يكون ممن اباح الله له ما وصفه اهل الغفلة لاهل بدر، وفي هذا كفاية لمن فهم من الدلالة على تخرصهم وافترائهم على الله وعلى رسوله غير الحق. واما ما زعموا من تأويل قول الله تعالى " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار " وزعموا ان ابا بكر وعمر كانا من المهاجرين فقد قالوا هذا زورا وتخرصوا أفكا فان المهاجرين الاولين هم الذين هاجروا الهجرة الاولى وهي الهجرة الى الرسول (ص) في حصاره بمكة حين حاصر قريش بني هاشم مع رسول الله (ص) في شعب عبد المطلب أربع سنين والامة مجمعة ان أبا بكر وعمر لم يكونا معهم في المواطن فكيف يدعون لهما انهما من المهاجرين الاولين، وأما الاولون فهم السبعون الذين جاؤا الى مكة فبايعوا رسول الله (ص) في منزل عبد المطلب ليلا في عقبة مكة وهم العقبيون المعروفون باجماع أهل الاثر، واما شهادة الله لهم بالرضا ولمن اتبعهم باحسان وما وعدهم الله من الخلود في الجنة فقد يمكن ان يكون ذلك منه خصوصا من قول عز وجل وان كان مخرج الكلام العموم فهذا في كتاب الله موجود من خطاب الخصوص وهو عموم ومن خطاب العموم وهو خصوص لمن استقام منهم دون من لم يستقم والنظر به يدلنا على ان الله عز وجل انما رضى عمن استقام في طاعته وان الجنة اعدها لمن سارع الى مرضاته وتجنب معاصيه ومن خرج من هذا الحال كان محالا ان يستحق الرضا من الله فما لهم في هذا الحال حجة والحمد لله. ومثل هذا قوله (لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)

[ 70 ]

وذلك ان هذا الرضا ايضا ان كان عن شئ تقدم منهم فرضى عنهم في ذلك حين تابوا منه ورجعوا عنه فهذا باجماع قول الناس نزل في عام الحديبية حين وقعت الهدنة بين رسول الله (ص) وبين قريش فأنكر ذلك جماعة من الصحابة وكان يومئذ معه الف وسبعمائة رجل فخالفوا رسول الله (ص) في أمره حين أعطى قريش ما التمسوه من الهدنة فقالوا لرسول (ص) لا نرضى بهذا الصلح ولا نعطي الدية في ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل فأخذ رسول الله (ص) عند ذلك بيد علي عليه السلام فجلسا تحت الشجرة ونزل القوم الذين خالفوه فاخذ المسلمون السلاح فحملوا على قريش حملة رجل واحد فحملت عليهم قريش فانهزموا من بين ايديهم يقع بعضهم على بعض في الهزيمة وتبعتهم قريش فأمر رسول الله (ص) عند ذلك عليا عليه السلام ان يلقي قريش فيردها فقام علي عليه السلام في وجوه قريش فصاح بهم فارتعدوا وقالوا جاء علي بأمر، ثم قالوا يا علي هل بدا لابن عمك فيما اعطانا من الهدنة فقال لا فهل بدا لكم انتم قالوا لا قال فانصرفوا فرجعت قريش وسار وفد منهم الى رسول الله (ص) فكتبوا كتاب الهدنة والصلح بشرطها وندم اصحاب الرسول (ص) على ما كان منهم من الخلاف على رسول الله (ص) فاعتذروا إليه فأقبل الرسول " ص " يوبخهم بذكر المواطن التي هربوا فيها واسلموا الرسول (ص) في معارك الحرب فقال الستم الذين انزل الله فيكم يوم بدر كذا ثم الذين كان منكم كذا وكذا حتى عدد عليهم المواطن التي كان منهم فيها الفشل والفضيحة والهزيمة فاعتذروا عند ذلك واظهروا التوبة والاعتراف بالذنب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا تعودوا الا البيعة فقد نقضتم ما كان لي في أعناقكم بخلافكم علي فبايعوه عند ذلك تحت الشجرة وبايعهم بيعة الرضوان عنهم من ذلك الخلاف وتلك الخطيئة في ذلك الموطن من الحدبية وكان هذا رضوانا من شئ معلوم بعد سخط وقع عليهم فيه فأنزل الله عند ذلك يعرفهم انه قد

[ 71 ]

رضي عنهم من ذلك الخلاف فقال تعالى (لقد رضى الله من المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) ثم قال ما دلنا به على ان فيهم من ثبت وفيهم من نكث فقال (ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) فدلنا هذا القول من الله على ما وصفناه من نكث بعضهم ووفاء آخرين منهم وذلك أن الله لو علم أنهم لم ينكثوا جميعا ولا واحد منهم لما كان يقول سبحانه وتعالى (فمن نكث فانما ينكث على نفسه) إذ كان لا فائدة فيه والله احكم من ان يقول قولا لا فائدة فيه فلما قال ذلك علم ان منهم من نكث في وقته ومنهم من وفى به، ولعمري ان من وفى منهم بشروط تلك البيعة فان الرضا له واقع ومن نكث منهم فعليه السخط وقد وجدنا من أبي بكر وعمر خاصة النكث ومن جماعة كثيرة من الرؤساء الذين بايعوا تحت الشجرة على ان لا يفروا ولا ينهزموا بل يثبتوا للموت في الحرب حتى يقتلوا أو يغلبوا كما رووا جميعا عن جابر بن عبد الله الانصاري انه قال بايعنا رسول الله (ص) على الموت ثم وجدناهم بعد ذلك وفي عقب تلك السنة قصدوا بلاد خيبر فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراية الى أبي بكر فانصرف بها منهزما فدفعها الى عمر فانصرف بها منهزما وكان أول النكث منهما من بعد بيعة الرضوان ثم تكامل النكث من اكثرهم يوم خيبر بعد فتح مكة فانصرفوا كلهم وكانوا تحت الراية يومئذ اثنى عشر الفا فلم يثبت منهم الا ثمانون رجلا مع رسول الله " ص " تحت الراية، وإذا كانت بيعتهم تحت الشجرة المسماة ببيعة الرضوان ان لا يفروا ولا ينهزموا ثم فروا وانهزموا أفليس قد نكثوا بيعة الرضوان وخرجوا من الرضوان فدل أمرهم في ذلك على انهم بخلاف ما يدعيه أهل الغفلة فيهم. وأما تأويلهم في قول الله تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به) وأنهم يزعمون انه أبو بكر فهذا من تخرصهم وزورهم وبهتانهم لان ابا بكر أسلم

[ 72 ]

من بعد قوم اسلموا منهم أمير المؤمنين علي عليه السلام وجعفر أخوه وخديجة بنت خويلد وزيد بن حارثة فلو كان هذا نزل في أول من صدق برسول الله (ص) لكان اول مصدق به قبل أبي بكر أحق بهذا الاسم ولكنا نقول ان هذا مقصود به كل مصدق به تقدم أو تأخل وليس لاحد في هذا خاصة فضيلة دون غيره من المصدقين برسول الله (ص) فيما جاء به من عند الله جل اسمه وانما اخبر الله سبحانه ان الرسول (ص) قد جاءهم بالصدق ثم قال فمن صدق به فهم المتقون، ألا تسمع قوله الموافق قولنا حيث يقول (والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون) وهذا حال يوجبه النظر لمن تقدم وتأخر من جميع المصدقين فان كان أبو بكر ممن صدق فهو واحد من الصديقين. وأما دعواهم ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سماه صديقا فما وجدنا في شئ من الاخبار ان ابا بكر ادعاه لنفسه وانما هو شئ تخرصه اولياؤه ممن اراد تزيين امره من بعده وتعظيمه في قلوب العامة " 1 " فلو كان هذا كما وصفوا لكان أبو بكر ادعاه لنفسه وقاله في المواطن التي كان يؤدى فيها


" 1 " قال شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله في تلخيص الشافي ص 434 أما ادعاؤهم انه عليه السلام كان يسميه صديقا فدون صحته خرط الفتاد وليس يقدر أحد على ان يروي عنه عليه السلام في ذلك خبرا معروفا وانما معولهم على الشهرة والظهور وليس في ذلك دلالة على الصحة لانه قد يتقرب الى ولاة الامر وملاك الحل والعقد في الالقاب والسمات والصفات وغير ذلك ما يبلغ من الشهرة أقصاها وينتهي الى ان يغلب على الاسماء والكنى ولا يقع التعريف الا به ومع ذلك فلا يكون صادرا عن حجة ولا منبئا عن صحة ولو قيل لمدعي ذلك أشر الى الحال التي لقبه فيها النبي عليه السلام بالصديق والمقام الذي قام بذلك لعجز عن ايراد شئ مقنع " الكاتب " (*)

[ 73 ]

كما رووا جميعا ان رووا جميعا أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في مواطن على المنبر وغيره انا الصديق الاكبر فلم ينكر ذلك منه احد بل أذعن له كل من سمعه وصدقه في ذلك، ولسنا نعرف في هذا الاسم لاحد ادعاه لنفسه غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وأما ما أدعوه تخرصا وافتراء من قول الله عز وجل (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) الى قوله (وسيجنبها الاتقى الذي يؤتى ماله يتزكى) فزعموا ان هذا نزل في أبي بكر، فسبحان الله ما أجهلهم وأقل تخوفهم (1) اليس قد روى علماؤهم وأصحاب حديثهم مع موافقه أهل البيت عليهم السلام على ذلك أن هذا نزل في رجل من الانصار كان له نخلة في حائط دار رجل آخر من الانصار فكان صاحب الحائط يتأذى بتلك النخلة وصبيانه يترددون الى النخلة فتأذى صاحب الدار وشكا ذلك الى رسول الله (ص) فدعا رسول الله (ص) صاحب النخلة فقال له تجعل هذه النخلة لاخيك هذا يعني صاحب الدار واضمن لك نخلة في الجنة فقال يا رسول الله انا محتاج الى نخلتي في العاجل فلم يفعل فسمع ذلك رجل آخر من الانصار فأقبل الى رسول الله (ص) فقال يا رسول الله أتضمن لي هذه النخلة في الجنة حتى اشتري هذه النخلة وأجعلها لصاحب الدار قال نعم فقال لصاحب النخلة انها لرجل نعرف حائط نخلي في موضع كذا في المدينة قال نعم - يعني بستانا


(1) قال شيخ الطائفة الشيخ الطوسي رحمه الله في تلخيص الشافي ص 428 أما قوله (فأما من أعطى واتقى) فأنها عامه في كل من أعطى وصدق فحملها على التخصص بلا دليل اقتراح لان قائله لا يجد فرقا بينه وبين من خصها بغير من ذكروه، على انهم رووا عن عبد الله بن عباس وأنس ابن مالك وغيرهما انها نزلت في أبي الدحداح الانصاري هو الذي صدق بالحسنى وسمرة بن جندب هو الذي بخل واستغنى، وإذا تكافأت الروايتان سقطتا وبقيت الاية على عمومها. (*)

[ 74 ]

كان له قال - فكيف هو قال لم اجد في المدينة مثله قال هو لك بهذه النخلة واجعلها لي قال قد فعلت فدفع إليه البستان وأخذ منه تلك النخلة فجعلها لصاحب الدار فقطعها من حائطه وضمن له رسول الله (ص) نخلة في الجنة فأنزل الله تعالى فيهما فقال في صاحب البستان (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) يعني بالحسنى الجنة حين ضمن له رسول الله (ص) النخلة فيها، وشاهد ذلك ان الحسنى هي الجنة ما رووه جميعا عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال في تفسير قوله عز وجل (للذين احسنوا الحسنى وزيادة) قال الحسنى الجنة والزيادة النظر الى الله سبحانه قال الله (فسنيسره لليسرى) ثم قال في صاحب النخلة التي بخل بها ولم يصدق بضمان رسول الله (ص) النخلة في الجنة (وأما من بخل واستغنى) يعني بخل بالنخلة واستغنى عند نفسه بالبستان الذي أخذه عوض نخلته (وكذب بالحسنى) يعني كذب بالجنة حتى لم يثق بكلام رسول الله (ص) (فسنيسره للعسرى وما يغنى عنه ماله إذا تردى ان علينا للهدى وان لنا للاخرة والاولى) ثم قصد جماعة المسلمين بذلك فأنذرهم فقال " فأنذركم نارا تلظى لا يصلاها الا الاشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الاتقى الذي يؤتى ماله يتزكى " ترغيبا في فعل الخير، أفلا ترى ان التفسير في هذا كله بخلاف ما يدعيه ويتخرصه أهل الجهل (1) وأما ما رووا عن عمر من قوله حين أسلم، لا يعبد الله سرا بعد هذا اليوم، لعمري لقد كان ذلك منه غير مدفوع، ولكن لو علموا ما عليهم وعلى صاحبهم فيه ما أقروا به ولجحدوه ولكن الله قد أعمى قلوبهم وختم على سمعهم وعلى ابصارهم فهم كما قال الله عز وجل (أم تحسب ان اكثرهم


(1) أورد هذا التفسير للاية الواحدي في اسباب النزول ص 334 بسنده الى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ومثله السيوطي في أسباب النزول وقال اخرجه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس. (*)

[ 75 ]

يسمعون أو يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا) وذلك ان أهل الفهم والمعرفة قد علموا ان عمر لم يكن اشجع قلبا من رسول الله - ص - ولا اعز عشيرة فبأي حال يعهد في عمر انه منع من عبادة الله سرا حين أسلم لشجاعته أم لعظمة قدره وعز عشيرته ولم يكن في قريش أخل من عشيرته ولا أقل عزا من أهل بيته ولا في نفسه من الرؤساء المطاعين في قريش والعرب، فلما بطل الوجهان اللذان فيهما يقدر ذلك ثبت الرواية في ذلك عن أهل البيت عليهم السلام، فنقول ان سل عمر سيفه يوم أسلخ وقوله لا يعبد الله سرا بعد اليوم كان ذلك خطأ منه في قول العلماء من اوليائه وكان ذلك كفرا منه في قول آخرين، أما بيان خطأه فان الامة مجمعة على ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان ينهى اصحابه عن قتال قريش ويأمرهم بالصبر على الاذى طول مقامه بمكة فلما أشتد الاذى بأصحابه الذين اسملوا معه شكوا ذلك إليه مرة بعد أخرى وسألوه ان يطلق لهم دفع الاذى عن أنفسهم والا فلا صبر لهم على ذلك فلم يطلق لهم ذلك وولى عليهم جعفر بن أبي طالب - ع - وأمرهم بالخروج معه الى بلاد الحبشة الى النجاشي ليقيموا بها فلما أسلم عمر وسل سيفه على تلك الحالة منعه رسول الله صلى الله وآله وسلم واعلمه انه لم يؤمر بحرب وأمره بغمد سيفه والرضا بما هو عليه من الصبر على الاذى وهذا باجماع اهل الرواية من نهيه لعمر من ذلك، فدل هذا على انه كان منه خطأ في قول اوليائه ولم يكن حقا ولا لله فيه رضا إذ كان الرسول - ص - لا ينهى عن حق ولا يكره ما لله فيه رضا وكلما ينهى عنه الرسول - ص - ففعله خطأ وجهل وهو لله ولرسوله غير رضا بل كان ذلك دليلا على جهله وقلة فهمه، وأما قول اهل البيت عليهم السلام في ذلك فانهم قالوا ان عمر كان معاضدا لابي جهل في قصد رسول الله - ص - بالاذى الشديد وكان عمر يحرض على قتل رسول الله - ص - فلم تكن قريش تجد الى ذلك سبيلا لاستعمال رسول الله - ص - الصبر الى الاذى وكفه لاصحابه عن منابذتهم

[ 76 ]

(قالوا) فلما رأى عمر ذلك واطأ ابا جهل على ان يظهر الاسلام والدخول في دين رسول الله - ص - ثم يحملهم على المنابذة ولتجد قريش الى قتله سبيلا عند وقوع المنابذة فصار عمر الى رسول الله - ص - فأعلمه انه قد رغب في دينه والدخول في الاسلام وأظهر ذلك ثم قال رسول الله - ص - ما بالنا نعبد الله سرا وقال للذين قد كانوا قد اسلموا مع رسول الله - ص - اخرجوا حتى نقاتل المشركين وسل سيفه وقال من تعرض لنا ضربناه بسيوفنا وقدر ان رسول الله - ص - يتبعه على ذلك فإذا رأت قريشا سيفا مسلولا وجدوا السبيل الى سل السيوف فيكون ذلك سببا لقتل الرسل - ص - إذ كان على من سل سيفه فقد وجد عدوه الى سل سيفه ايضا بحذائه سبيلا فلما فعل عمر ذلك قال له رسول الله - ص - ان كنت يا عمر جئت راغبا في الاسلام فارض بما رضي به اخوانك من المسلمين من الصبر على الاذى والكف عن المنابذة فانى لم أومر بشي من هذا حتى يقدر الله سبحانه ما يشاء وان كنت جئت طالبا غير الدين فلسنا من اصحابك، فلما لم يجد عمر الفرصة فيما قصد له صار متحيرا مداهنا يخاف ان لا يكون للرسول - ص - دولة فيهلك معه ان اظهر لقريش الرغبة في الدين ويخاف ايضا ان يكون للرسول دولة من بعد فلا يكون له من دولته نصيب فيبقى عند ذلك مداهنا للجميع (قال) ومن الدليل على ذلك ان الرسول - ص - لما حوصر في شعب عبد المطلب مع بني هاشم لم يحاصر معه عمر ولا أبو بكر واصطلحا جميعا على المداهنة والانتظار، فسل سيفه في تلك الحالة من أعظم الكفر لانه كان حيلة منه اراد ان ينقض بها على رسول الله - ص - تدبيره ويجعل ذلك سببا لقتل الرسول - ص - فانظروا الى قوم يدعون ذلك فضيلة لصاحبهم وهو في قولهم خطأ وجهل وفي قول آخرين كفر والحاد وعتو وعناد فهل يكون في الجهل أبين من جهل هؤلاء القوم وأقل نظرا وتميزا يتخبطون في الظلمات ويتيهون في الضلالات لا يعرفون حقا ولا يقلعون عن باطل.

[ 77 ]

واما روايتهم المنخرصة ان الله واحى الى الرسول (ص) ان قل لابي بكر انى عنك راض فهل أنت عني راض، فهل يستجيز رواية مثل هذا الا جاهل غبي غافل عمي، هل يجوز ان يسأل الله عبدا من عبيده نبيا كان أو غير نبي هل أنت عني راض ألا يعلم ذو الفهم ان هذا خارج عن الحكمة داخل في الجهالة، مع ما يقال لهم في أي حال راضى عنه أفي يوم أحد حين هرب عن رسول الله (ص) أو في يوم خيبر حين انهزم براية رسول الله (ص) أو في غزوات ذات السلاسل حين رجع عن الطريق خوفا من المشركين بعد ما ولاه رسول الله (ص) وأمره بالمسير برايته إليهم ثم ولى عليه وعلى من معه عمر ثم أنفذه بالراية فرجع عن الطريق كرجوع ابي بكر ثم ولى عليهما وعلى من كان معهما عمرو بن العاص فسار بهما فصلى بهما وبالجماعة التي كانت معهما حينا، وقد رووا ان عمرا كان يوليهما الحرس بالليل ثم رجع عمرو ايضا كرجوعهما من الطريق، امر رضي عنه يوم حنين حين هرب مع الهاربين، أم في حال الرجل الذى بعث به الرسول (ص) ليقتله فوجده بزعمه يصلي فرجع ولم يقتله فزعم ان رأى للصلاة حرمة فكره قتله كذله فظن انه قد عرف من الحق في ذلك مالا يعرفه الرسول (ص) ومن ظن ذلك فقد كفر بالله ورسوله أو في ولاية الرسول (ص) لاسامة ابن زيد عليه حين أمره الرسول (ص) وعمر بالمسير معه وتحت رايته الى الشام فتخلفا جميعا عنه بعد وفاة الرسول (ص) ولم ينفذ لامر الله ولا لامر الرسول (ص) وخالفاه عامدين متعمدين ثم طلبا البيعة لهما والولاية على المسلمين من غير عهد عهده الله ولا رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك أم في كبسه لبيت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله (ص) وهتك الستر عنها بخروجها خلف بعلها وقد جروه الى مسجد رسول الله يطالبونه بالبيعة لهما وهو يمتنع عليهما مع تسليطه لقنفذ ابن عمه على ضربها وضغط عمر لها بين الباب والحائط حتى اسقطت ابنها محسنا ام في منعها ميراث ابيها وتركاته

[ 78 ]

ام في قتله القوم الذين منعوه الزكاة وسماهم أهل الردة وسبى ذراريهم واستباح اموالهم واباح فروج نسائهم أو في جميع بدعه التي قدمنا ذكرها، ام في أمره لخالد بن الوليد بقتل أمير المؤمنين عليه السلام ثم ندم حتى قال في الصلاة من قبل ان يسلم لا يفعلن خالد ما أمرته به، فسبحان الله ما اضل هؤلاء واجهلهم وأعظم افترائهم على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم واما روايتهم المنكرة الشنيعة عند ذوي الفهم ان الرسول ص بزعمهم قال اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فما في المحال اظهر من المحال ولا اشهر منه ولا ابين تخرصا عند اهل النظر والتحصيل، وذلك ان هذا القول لا يخلو من ان يكون الرسول (ص) قاله لاصحابه دون غيرهم أو قاله لغير اصحابه، فان قالوا انه قاله لاصحابه وغيرهم أو قاله لاصحابه دون غيرهم قيل لهم فهل يستقيم في الكلام الفصيح المحكم ان قاله لاصحابه " اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " اما يرون محال هذا الكلام ما ابينه، وان قالوا انه قال لغير اصحابه. قيل لهم هله معكم خبر بهذا معروف مجمع عليه فأوردوه ام هو شئ تتخرصونه بقولكم واستدلالكم فغير معقول ذلك منكم ولا مقبول لان اصحابه هم الذين رأوه فلو كان قاله لغيرهم لكانوا قد ذكروا ذلك الخبر وكانوا يقولون قال لجميع من اسلم غير اصحابه " اصحابي كالنجوم " ولما لم يكن في نقلكم شئ من هذا التخصيص بطل ادعاؤكم مع ما يقال لهم أرأيتم لو سلمنا لكم ان الرسول - ص - اراد بهذا غير الصحابة كزعمكم اليس قد وجدنا الصحابة قد تنازعوا بينهم حتى قتل بعضهم بعضا من ذلك وحارب بعضهم بعضا محاصرتهم لعثمان جميعا فما كان من الصحابة حتى قتل بعضهم بعضا فمن ذلك محاصرتهم لعثمان حتى قتل ولم يحاصروه الا بنو المهاجرون والانصار الذين هم اصحابه جميعا فما كان من الصحابة إذ ذاك الا محاصر أو قاتل أو خاذل، افيقولون ان من كان محاصرا أو مقاتلا أو كان متبعا للذين قتلوه من الصحابة أو كان متبعا للذين خذلوه من الصحابة

[ 79 ]

كلهم كانوا في ذلك مهتدين ومن اتبع عثمان في امتناعه عليهم مما التمسوه من خلع نفسه أو دفع مروان إليهم وغير ذلك كان ايضا مهتديا فان منعوا احدى الفرق من الاهتداء بأن ظلمهم وبطل خبرهم وظهرت فضيحتهم. وان اجازوا اهداء الفرق كلها في ذلك كله شهد والقاتل عثمان بالهداية في قتله ولمحاصريه وخاذليه وناصريه كذلك، وكفى بذلك خزيا، وكذلك يقال لهم في محاربة طلحة والزبير مع عائشة ومن تابعهم واقتدى بهم في محاربة علي عليه السلام كانوا مهتدين وكذلك علي عليه السلام ومن تابعه واقتدى به في محاربتها مهتدين، ولو ان رجلا حارب مع طلحة والزبير الى نصف النهار ثم عاد الى الصف الاخر فحارب مع علي عليه السلام الى آخر النهار كان بزعمهم في الحالين جميعا مهتديا فان منعوا ذلك بان ظلمهم وانكسرت حجتهم وبطل خبرهم وان اجازوه ظهرت فضيحتهم بتكذيب رسول الله (ص) فيما رووه عنه باجماع انه قال للزبير ستقاتل عليا وأنت ظالم له وقال لعائشة كذلك فلو كان مهتديا في افعاله كلها كان محالا في جميع تصرفه فقد كذبوا رسول الله (ص) ومن كذب رسول الله (ص) في شئ من اقاويله كان خارجا من دين الله، مع ما قد روي ان الرسول (ص) قال ليردن على الحوض يوم القيامة أقوام من اصحابي ثم ليختلجن (1) دوني


(1) ذكر هذا الحديث السيوطي في الجامع الصغير وشرحه المناوي في فيض الغدير ج 5 ص 353 بلفظ: ليردن علي ناس من اصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول يا رب اصحابي اصحابي فيقال لي انك لا تدري ما احدثوا بعدك " ثم قال " أخرجه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس وعن حذيفة ثم صححه السيوطي، قال المناوي في الشرح " أختلجوا " بالنباء للمفعول اي نزعوا أو جذبوا قهرا عليهم " دوني " أي بالقرب مني فيقال لي اي من قبل الله تعالى (ما احدثوا بعدك) أي بعد وفاته. المكاتب (*)

[ 80 ]

فأقول أصحابي أصحابي فيقال انهم لم يزالوا بعدك يرجعون القهقري فأقول بعدا وسحقا فليختاروا الان ما شاؤوا من هذا الذي شرحناه وبيناه بتوفيق الله سبحانه اما تكذيب اسلافهم في نقلهم الخبر " اصحابي كالنجوم " وأما تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والكفر بالله في الحالين جميعا وايجاب مفارقة مذهبهم. وكذلك روايتهم (كفروا عن مساوي اصحابي) هل يجوز عندهم أن تكون لاصحابه مساو فان قالوا لا بطل خبرهم ولا فائدة فيه وكان قوله عبثا إذ قال كفوا عن مساويهم ولا مساوي لهم ومن نسب الى رسول الله (ص) العبث كان كافرا بالله ورسوله، وان قالوا بال كانت لهم مساو قيل لهم فقد بطل عليكم خبركم الاول فيما رويتم انهم كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وكيف يجوز ان تكون بالمساوي هداية أم كيف يجوز ان تكون الهداية مساوي الا ترون الى هذه المحالات التي توردها الحشوية ما اشنعها واقبحها عند أهل النظر والفهم والاجماع منهم واقع على ان سعد بن عبادة كان سيد الانصار ومن جملة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلغ لابي بكر ولا لعمر ولا قال بامامتهما بل اظهر الخلاف عليهما والانحراف عنهما فلو اقتدى به مقتد في ترك القول بأمامتهما كان مهتديا فان منعوا ذلك بانت فضيحتهم في خبرهم، وان اجازوه اباحوا الجحود لامامة أئمتهم وكفى بذلك خزيا. وأما ما رووا " ان خير أمتي الفرن الذي في عصري ثم الذين يلونهم الى آخره ثم الذين يلونهم الاعصار " (1) فنقول وبالله التوفيق هذا مخالف


1 " هذا الحديث رواه السيوطي في الجامع الصغير في باب الخاء بوجوه مختلفة تارة بلفظ خير الناس قرني ثم الثاني ثم الثالث ثم يجئ قوم لا خير فيهم، وقال رواه الطبري في الكبير عن ابن مسعود. وأخرى بلفظ خير الناس قرني الذي انا فيه ثم الذين يلونهم والاخرون اراذل وقال رواه - (*)

[ 81 ]

للحقايق خارج عن العدل والحكمة وذلك ان كان فضلهم من جهة تقديم خلقهم في الازمنة المتقدمة لما بعدها فقد زعموا أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الامم التي مضت قبلها وان محمدا (ص) أفضل الانبياء الذين تقدموا قبل عصره وكان الواجب على طرد هذه العلة أن تكون كل أمه أفضل من التي بعدها فلما أوجبوا ان آخر الامم ممن تقدمه كان لا معنى لهذا الخبر في تفضيل القرن الاول على القرن الثاني من هذه الامة بل يجب في النظر والتمييز ما يلزم من نقل الناس من سيرة من تقدم عصرنا هذا ان يكون من تأخر عنهم أفضل ممن تقدمهم منهم، وذلك انا وجدنا القرن الذي كانوا في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والقرن الذي كانوا بعدهم والقرن الثالث ممن كانوا في عصر الفراعنة والطواغيت من ملوك بني أمية الذين كانوا يقتلون أهل البيت عليهم السلام ويسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ويلعنونه على المنابر وأهل عصرهم من فقهائهم وحكامهم الى غير ذلك منهم لهم متبعون وبأفعالهم مقتدون وبامامتهم قائلون ولهم معينون بوجوه المعونة من حامل سلاح الى حاكم خطيب الى تاجر الى غير ذلك من صنوف الامة واسباب المعونة، ولسنا نجد في عصرنا هذا من كثير من اهله من ذلك شيبا بل نجد الغالب على عصرنا هذا الرغبة عن ذلك والذم لفاعله والتنزه عن كثير منه الا لمن يظهر لمذهبه بينهم فيجب ان يكونوا في حق النظر افضل من أهل ذلك العصر


- الطبراني والحاكم عن جعدة بن هبيرة وقال حسن (وثالثة) بلفظ خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي من بعدهم قوم يتسنمون ويحبون السمن يعطون الشهادة قبل ان يسألوها، وقال رواه الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين، وقال صحيح، انظر شرح هذا الحديث بوجوهه المختلفة والفاظه المتفاوتة في فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج 3 ص 479 طبع مصر. الكاتب (*)

[ 82 ]

الذي كانت هذه صفتهم، فان قالوا ان أهل عصر الرسول صلى الله عليه واله وسلم لاجل مشاهدتهم له ومجاهدتهم معه كذلك سبيل من شاهدهم لاجل مشاهدتهم له ومجاهدتهم معه وكذلك من شاهدهم من بعد الرسول (ص) السائقين الينا العلوم والاخبار عنهم ومنهم قيل لهم اليس كل من تقدم خلقه في ذلك العصر فهو فعل يحمد عليه الا يذم عليه فلابد من قولهم نعم، فيقال افتقولون ان الله يحمد العباد على افعالهم ويذمهم عليها فان قالوا ذلك جهلوا عند كل ذي فهم وكفى الجهل لصاحبه خزيا وان قالوا لا قيل لهم إذا كان ذلك كذلك وجب في حق النظر ان يكون من شاهد الرسول (ص) ورأى دلائل العلامات والمعجزات وظهر له البرهان واسفر له البيان ونزل بمشهد منه القرآن لا عذر له في تقصير عن حق ولا دخول في باطل فان الحجة في ذلك الزم عليه واوجب وكان من اشكل عليه منهم شئ في تفسير آية وتحقيق معنى في كتاب الله وسنة رسوله رجع في ذلك الى الرسول (ص) فاثبت له الحق فيه واليقين ونفى عنه الشك والزيغ فمن قصد منهم بعد هذه الحالة الى الخلاف الواجب كان حقيقا على الله ان لا يقبل له عذرا ولا يقبل له عثرة ومن كان في مثل عصرنا هذا الذي اختلفت فيه الاقاويل وتضادت المذاهب وتشتت الاراء وتباينت الاهواه وتماحلت المعارف ونقضت البصائر وعدمت التحقيقات إذ ليس من يرجع الله بزعم أهل الغفلة ممن صفته في تحقيق الاشياء صفة الرسول (ص) فيثبت لنا اليقين وينفي عنا الشك، حقا اقول لو أوجبت ان من ارتكب من أهل هذا العصر مائة ذنب اعذر ممن ارتكب في ذلك العصر ذنبا واحدا أو لو قلت ان من استبصر في هذا العصر في دينه وشغل نفسه بمعرفة بصيرته حتى علم من ذلك ما نجاه بتوفيق الله له فيما ينبغي له من الطلب أفضل من عشرة مستبصرة كانوا في كذلك العصر لقلت حقا ولكان صدقا إذا كان الحال على ما وصفت فيجب على هذه

[ 83 ]

الصفة أن يكون مستبصرنا افضل من مستبصرهم إذ كان البرهان قد قطع عذرهم والبيان قد ازاح علتهم بقرعه اسماعهم صباحا ومساء ومشاهدتهم اياه بابصارهم من غير تكلف منهم في طلبه، وذلك كله معدوم في عصرنا بل نشاهد من الجهل ونباشر من وجوه الباطل ما يضل فيه ذهن الحكيم ويطيش فيه قلب العليم ويذهل معه قلوبهم وتزول منه أفهافهم حتى يسعى المساعي منا دهرا طويلا يقطع المسافة البعيدة والبلدان النائية يتذلل للرجال ويخضع لكل صاحب مقال فاما ان يهلك ولم يدرك البغية واما ان يمن الله عليه بالبصيرة بعد جهد جهيد وعناء شديد وتعب كديد بقية المستبصرين وحرب العارفين من اظهر ذلك الظالمين وكشفه المراغين، فأي ظلم أم أي جور أبين من تفضيل اولئك بما وصفناه من حالهم وحالنا وجور من يوجب عذر اولئك فيما ارتكبوه دوننا، وكم بين من استبصر في دينه ببصيرة يزول معها كل شك ويثبت معها كل يقين من بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم المرسل وبرهان الكتاب المنزل وبين من استبصر في دينه باخبار متضادة وأقاويل مختلفة وبيان غير شاف وبرهان غير كاف حتى يطلب ويميز وينظر ويعتبر ويختبر سهر ليله وضمان نهاره وتعب بدنه وتصاغر نفسه وتذلل قدره فهل هذا الا جور من قائله وظلم ظاهر من موجبه حقيق على الله ان يوجب لمستبصري أهل هذا العصر بما وصفناه من احوالهم، فلا يبعد الله الا من ظلم وقال بما لا يعلم فان قالوا ان الله عز وجل قال في كتابه (والسابقون السابقون اولئك المقربون) فقيل لهم قد قال الله ذلك وصدق عز وجل والامر في ذلك بين واضح والحكمة فيه مستقيمة وذلك ان السابق فيه لا يجوز في الحكمة ان يقع في الايمان الا بين اهل العصر الحاضر اين الشاهدين لندب الداعي لهم الى التسابق ومحال في الحكمة وفي العدل ان يسابق الله وبين قوم لم يخلقهم، هذا ظاهر الفساد بين من الرشادين المحال فظيع المقال لكنه سبحانه وتعالى سابق بين الحاضرين من اهل عصر الرسول

[ 84 ]

(ص) ولعمري ان من سبق منهم الى الايمان أفضل وأجل وأقرب منزلة وأعلى درجة ممن لحق من تقدمهم وما ينكر هذا ذو فهم ولكن المنكر قول من زعم ان الله سابق بين من خلق وبين من لم يخلق فمن قال ان الصحابة سبقونا بالايمان يريد بذلك تقدمهم في عصرهم وتأخر عصرنا عن عصرهم فما قدم الله من خلقهم وآخر من خلقنا فذلك كلام صحيح وقول فصيح كما ان من تقدم ايضا من الامم في الاعصار التي كانت قبل الصحابة كانوا متقدمين على الصحابة باعصارهم سابق من آمن منهم لمؤمنين للصحابة وتقدم خلقهم عليهم وليس في ذلك فضل لهم على من جاء بعدهم ومن قال ان الصحابة سبقونا بالايمان بمعنى التسابق بيننا وبينهم الى الايمان وكان لهم بسبقهم ذلك فضل علينا لاجل تأخرنا عنهم كان هذا قولا محالا شنيعا لان تأخرنا عن عصرهم من فعل الله لا من فعلنا والله لا يذمنا الا على أفعالنا، ولو كان للصحابة علينا فضل في ايمانهم بتقدمهم علينا في الاعصار والخلق لوجب على هذه القصة ان يكون ايمانهم من تقدمهم من الامم السابقة أفضل من ايمانهم بتقدمهم عليهم في الاعصار فلم كانوا يمنعون ذلك ويحبون الفضل لامة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على من تقدمهم ولو كان فاسدا ايجابهم تفضيل اوائل الامة على أواخرها وهذا مما لانطلقه في مذهبنا لكنا نقول ان أهل كل عصر يتفاضلون بينهم فمن سبق منهم الى الايمان فهو أفضل ممن تأخر عنه ثم لحق بالسابق فيه من أهل مصره ولسنا نفضل أهل كل عصر على من جاء بعدهم في الاعصار المتأخرة عمن تقدمهم لكنا نفضل بين أهل كل عصر بعضهم على بعض فمن سبق منهم الى الايمان كان ايضا نقول في عصر الصحابة ان أهله كانوا متفاضلين بعضهم على بعض بما وصفناه من السبق الى الايمان دون ان يكونوا فاضلين على من تقدمهم ولا على من تأخر منهم.

[ 85 ]

وقد احتج المجادلون بقول الله تعالى (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فيقال اليس قد أوجب على من جاؤا من بعدهم الاستغفار لمن تقدمهم. قيل لهم ضل عنكم معرفة مواطن التنزيل ومعالمه فضللتم أيضا عن معرفة التأويل وحقائقه (1) وهذا اخبار من الله عز وجل لا ايجاب وذلك انه وصف الصحابة على منازل ثلاث منهم المهاجرون والانصار، ثم الذين اسلموا ولم يكونوا من المهاجرين ولا من الانصار من أهل البوادي والبلدان الذين اسلموا واقاموا في بلدانهم كما قال الله عز وجل (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا اولئك بعضهم اولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم في ولايتهم من شي حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) كذلك ايضا قال في الاية الاولى يخبر عن الذين اسلموا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل لهم حظوظهم في الفئ والصدقات فبدأ بذكر المهاجرين ثم ثنى بالانصار ثم ثلث بذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله اولئك هم الصادقون والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون


(1) قال السيد الشريف المرتضى علم الهدى رحمه الله في الشافي ص 220 وتلميذه شيخ الطائفة الطوسي الغروي رحمه الله في تلخيص الشافي ص 426 والعبارتان متحدتان (ونصهما) أما قوله تعالى والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان فلا حجة فيه لهم لانه علق المغفرة بالسبق الى الايمان وهذا شرط يحتاج الى دليل في اثباته للجماعة ومع هذا فهو سؤال وليس كل سؤال يقتضي الاجابة. " الكاتب " (*)

[ 86 ]

في صدورهم حاجة مما اوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم قال عز وجل (والذين اتبعوهم باحسان) يعني الذين اتبعوا من المهاجرين والانصار ومن أسلم من سائر البلدان من جميع أهل ذلك العصر لانه خلط معهم أهل عصر آخر ولم يكونوا بعد خلقوا لان هذا حال لا يجوز ان يقع فيه التساوي بين السابق والمسبوق ممن خلق ممن لم يخلق على ما بينا من الشرح والبيان. فهذا ما يتعلق به أهل الغفلة ويحتج به أهل الضلالة والجهالة من تخرصهم وافترائهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد شرحنا من فساده واوضحنا من بطلانه ما فيه كفاية ومقنع والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين تم كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وقد كتب على نسخة كتبها بخطه اسفنديار بن سلام الله الحسني الحسيني الطباطبائي رحمه الله في شهر رمضان سنة 1048 هجرية ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم قال عز وجل (والذين اتبعوهم باحسان) يعني الذين اتبعوا من المهاجرين والانصار ومن أسلم من سائر البلدان من جميع أهل ذلك العصر لانه خلط معهم أهل عصر آخر ولم يكونوا بعد خلقوا لان هذا حال لا يجوز ان يقع فيه التساوي بين السابق والمسبوق ممن خلق ممن لم يخلق على ما بينا من الشرح والبيان. فهذا ما يتعلق به أهل الغفلة ويحتج به أهل الضلالة والجهالة من تخرصهم وافترائهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد شرحنا من فساده واوضحنا من بطلانه ما فيه كفاية ومقنع والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين تم كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وقد كتب على نسخة كتبها بخطه اسفنديار بن سلام الله الحسني الحسيني الطباطبائي رحمه الله في شهر رمضان سنة 1048 هجرية ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم قال عز وجل (والذين اتبعوهم باحسان) يعني الذين اتبعوا من المهاجرين والانصار ومن أسلم من سائر البلدان من جميع أهل ذلك العصر لانه خلط معهم أهل عصر آخر ولم يكونوا بعد خلقوا لان هذا حال لا يجوز ان يقع فيه التساوي بين السابق والمسبوق ممن خلق ممن لم يخلق على ما بينا من الشرح والبيان. فهذا ما يتعلق به أهل الغفلة ويحتج به أهل الضلالة والجهالة من تخرصهم وافترائهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد شرحنا من فساده واوضحنا من بطلانه ما فيه كفاية ومقنع والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين تم كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وقد كتب على نسخة كتبها بخطه اسفنديار بن سلام الله الحسني الحسيني الطباطبائي رحمه الله في شهر رمضان سنة 1048 هجرية ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم قال عز وجل (والذين اتبعوهم باحسان) يعني الذين اتبعوا من المهاجرين والانصار ومن أسلم من سائر البلدان من جميع أهل ذلك العصر لانه خلط معهم أهل عصر آخر ولم يكونوا بعد خلقوا لان هذا حال لا يجوز ان يقع فيه التساوي بين السابق والمسبوق ممن خلق ممن لم يخلق على ما بينا من الشرح والبيان. فهذا ما يتعلق به أهل الغفلة ويحتج به أهل الضلالة والجهالة من تخرصهم وافترائهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد شرحنا من فساده واوضحنا من بطلانه ما فيه كفاية ومقنع والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين تم كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وقد كتب على نسخة كتبها بخطه اسفنديار بن سلام الله الحسني الحسيني الطباطبائي رحمه الله في شهر رمضان سنة 1048 هجرية ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم قال عز وجل (والذين اتبعوهم باحسان) يعني الذين اتبعوا من المهاجرين والانصار ومن أسلم من سائر البلدان من جميع أهل ذلك العصر لانه خلط معهم أهل عصر آخر ولم يكونوا بعد خلقوا لان هذا حال لا يجوز ان يقع فيه التساوي بين السابق والمسبوق ممن خلق ممن لم يخلق على ما بينا من الشرح والبيان. فهذا ما يتعلق به أهل الغفلة ويحتج به أهل الضلالة والجهالة من تخرصهم وافترائهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد شرحنا من فساده واوضحنا من بطلانه ما فيه كفاية ومقنع والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين تم كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وقد كتب على نسخة كتبها بخطه اسفنديار بن سلام الله الحسني الحسيني الطباطبائي رحمه الله في شهر رمضان سنة 1048 هجرية ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم قال عز وجل (والذين اتبعوهم باحسان) يعني الذين اتبعوا من المهاجرين والانصار ومن أسلم من سائر البلدان من جميع أهل ذلك العصر لانه خلط معهم أهل عصر آخر ولم يكونوا بعد خلقوا لان هذا حال لا يجوز ان يقع فيه التساوي بين السابق والمسبوق ممن خلق ممن لم يخلق على ما بينا من الشرح والبيان. فهذا ما يتعلق به أهل الغفلة ويحتج به أهل الضلالة والجهالة من تخرصهم وافترائهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد شرحنا من فساده واوضحنا من بطلانه ما فيه كفاية ومقنع والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين تم كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وقد كتب على نسخة كتبها بخطه اسفنديار بن سلام الله الحسني الحسيني الطباطبائي رحمه الله في شهر رمضان سنة 1048 هجرية ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم قال عز وجل (والذين اتبعوهم باحسان) يعني الذين اتبعوا من المهاجرين والانصار ومن أسلم من سائر البلدان من جميع أهل ذلك العصر لانه خلط معهم أهل عصر آخر ولم يكونوا بعد خلقوا لان هذا حال لا يجوز ان يقع فيه التساوي بين السابق والمسبوق ممن خلق ممن لم يخلق على ما بينا من الشرح والبيان. فهذا ما يتعلق به أهل الغفلة ويحتج به أهل الضلالة والجهالة من تخرصهم وافترائهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد شرحنا من فساده واوضحنا من بطلانه ما فيه كفاية ومقنع والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين تم كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وقد كتب على نسخة كتبها بخطه اسفنديار بن سلام الله الحسني الحسيني الطباطبائي رحمه الله في شهر رمضان سنة 1048 هجرية ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون) ثم ذكر الذين ليسوا من المهاجرين ولا من الانصار فقال عز وجل (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) فهذا كله لاهل العصر من عصر الصحابة كما قال عز وجل في ذكرهم ايضا في سورة التوبة (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) يعني الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والذين تابعوهم من الانصار في العقبة. ثم قال عز وجل (والذين اتبعوهم باحسان) يعني الذين اتبعوا من المهاجرين والانصار ومن أسلم من سائر البلدان من جميع أهل ذلك العصر لانه خلط معهم أهل عصر آخر ولم يكونوا بعد خلقوا لان هذا حال لا يجوز ان يقع فيه التساوي بين السابق والمسبوق ممن خلق ممن لم يخلق على ما بينا من الشرح والبيان. فهذا ما يتعلق به أهل الغفلة ويحتج به أهل الضلالة والجهالة من تخرصهم وافترائهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد شرحنا من فساده واوضحنا من بطلانه ما فيه كفاية ومقنع والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين تم كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وقد كتب على نسخة كتبها بخطه اسفنديار بن سلام الله الحسني الحسيني الطباطبائي رحمه الله في شهر رمضان سنة 1048 هجرية