الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الامامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني ج 2ي

الامامة والسياسة

ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني ج 2


[ 1 ]

الامامة والسياسة تأليف الامام الفقيه أبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى المولود سنة 213 والتموفى سنة 276 ه‍ رحمه الله وهو المعروف بتاريخ الخلفاء تحقيق الدكتور طه محمد الزينى الاستاذ بالازهر الجزء الثاني الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع 14 شارع جواد حسنى بالقاهرة ت 56155 1387 ه‍ - 1967

[ 2 ]

حقوق الطبع محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر اختلاف الرواة في وقعة الحرة وخبر يزيد قال: وذكروا أنه لما بويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة، فأقام هو وابن الزبير. قال: وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على المدينة وعلى الموسم، وعزل الوليد بن عقبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي مستقبله: مه مه ! جاءنا والله بالدم فتلقاه رجل بعمامته، فقال مه ! عم والله الناس، ثم قام يخطب، فناوله آخر عصا لها شعبتان. فقال: مه ! شعب والله الناس. ثم خرج إلى مكة، فقدمها يوم التروية، فصلى الحسين ثم خرج. فلما انصرف عمرو بلغه أن الحسين خرج، فقال: اركبوا كل بعير بين السماء والارض فاطلبوه. قال: فكان الناس يعجبون من قوله هذا. قال: فطلبوه فلم يدركوه، فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين. فأبى أن يرجع، وخرج الحسين بابني عبد الله ابن جعفر معه، ورجع عمرو بن سعيد بن العاص إلى المدينة، فأرسل إلى ابن الزبير، فأبى أن يأتيه، وامتنع برجال معه من قريش وغيرهم. قال: فبعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن الزبير. قال: فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة، وهم كارهون للخروج. فقال لهم: إما أن تأتوا ببدل، وأما أن تخرجوا. فقال: فجاء الحارث بن مالك بن البرصاء برجل استأجره بخمس مئة درهم إلى عمرو بن سعيد. فقال: قد جئت برجل بدلي. فقال الحارث للرجل الذي استأجره هل لك أن أزيدك خمس مئة أخرى، وتنكح أمك ؟ فقال له: أما تستحى ؟ فقال: إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد، وحرمت عليك الكعبة في كذا وكذا مكان من القرآن. قال فجاء به إلى عمرو بن سعيد، قال: قد جئتك برجل لو أمرته أن ينكح أمه لنكحها. فقال له عمرو: لعنك الله من شيخ. قال: فبعثهم إلى مكة يقاتلون ابن الزبير، فهزم عمرو ابن الزبير، وبعث يزيد بن معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري، يخطب الناس بالمدينة. فقال في خطبته: أهل الشام جند الله الاعظم، وأهل الشام خير الخلق. فقال الحارث بن مالك: ائذن لي أن أتكلم. فقال: اجلس لا أجلسك الله من شيخ. قال: فتشهد الحارث وقال: لعمر الله لنحن خير من أهل الشام، ما نقمت من أهل المدينة إلا أنهم قتلوا

[ 4 ]

أباك وهو يسرق لقاح النبي صلى الله عليه وسلم، أنسيت طعنة أبي قتادة است أبيك بالرمح، فخرج منه جمعوص مثل هذا، وأشار إلى ساعده، ثم جلس. ولاية الوليد المدينة وخروج الحسين بن علي قال: وذكروا أن يزيد بن معاوية، عزل عمرو بن سعيد، وأمر الوليد ابن عقبة، وخرج الحسين بن علي إلى مكة، فمال الناس إليه، وكثروا عنده واختلفوا إليه، وكان عبد الله بن الزبير فيمن يأتيه. قال: فأتاه كتاب أهل الكوفة فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، من سليمان بن صرد، والمسيب، ورفاعة بن شداد، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد، الذي اعتدى على هذه الامة، فانتزعها حقوقها، واغتصبها أمورها، وغلبها على فيئها، وتأمر عليها على غير رضا منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام، فاقدم علينا، لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى، فإن النعمان بن بشير في قصر الامارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة، وألحقناه بالشام والسلام. قال: فبعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له، وكان على الكوفة النعمان بن بشير. فقال النعمان لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من ابن بحدل. قال: فبلغ ذلك يزيد، فأراد أن يعزله. فقال لاهل الشام: أشيروا علي، من أستعمل على الكوفة ؟ فقالوا: أترضى برأي معاوية ؟ قال: نعم، قالوا: فإن الصك بإمرة عبيدالله بن زياد على العراقين قد كتبه في الديوان. قال: فاستعمله على الكوفة، فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، وبايع له مسلم بن عقيل وأكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة، فنهضوا معه يريدون عبيدالله بن زياد، فجعلوا كلما أشرفوا على زقاق، انسل عنه منهم ناس، حتى بقى مسلم في شرذمة قليلة. قال: فجعل أناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانئ بن عروة المرادي، وكان له فيهم رأى. فقال له هانئ بن عروة: إن لي من ابن زياد مكانا، سوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني، فاضرب عنقه، قال: فقيل لابن زياد: إن هانئ بن عروة شاك يقئ الدم. قال: وشرب المغرة، فجعل يقيئها. قال: فجاء ابن زياد يعوده، وقال لهم هانئ: إذا قلت لكم اسقوني، فاخرج إليه فاضرب عنقه، فقال اسقوني، فأبطئوا عليه، فقال: ويحكم اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي قال: فخرج عبيد الله بن زياد ولم يصنع الآخر شيئا، وكان من أشجع الناس، ولكنه أخذته كبوة، فقيل لابن زياد: والله إن في البيت رجلا متسلحا. قال: فأرسل ابن زياد إلى هانئ فدعاه. فقال: إني شاك لا أستطيع النهوض. فقال: ائتوني به وإن كان شاكيا، قال: فأخرج له دابة، فركب ومعه عصاه وكان

[ 5 ]

أعرج، فجعل يسير قليلا ويقف، ويقول: مالي أذهب إلى ابن زياد ؟ فما زال ذلك دأبه حتى دخل عليه. فقال له عبيدالله بن زياد: يا هانئ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء ؟ قال: بلى، قال: ويدي ؟ قال: بلى، فقال يا هانئ: قد كانت لكم عندي يد بيضاء، وقد أمنتك على نفسك ومالك، فتناول العصا التي كانت بيد هانئ، فضرب بها وجهه حتى كسرها، ثم قدمه فضرب عنقه. قال: وأرسل جماعة إلى مسلم بن عقيل، فخرج عليهم بسيفه، فما زال يقاتلهم حتى أخرج وأسر، فلما أسر بعث الرجال، فقال: اسقوني ماء. قال: ومعه رجل من بني أبي معيط، ورجل من بني سليم يقال له: شهر بن حوشب. فقال له شهر بن حوشب: لا أسقيك إلا من البئر. فقال المعيطى: والله لا نسقيه إلا من الفرات، قال: فأمر غلاما له، فأتاه بإبريق من ماء، وقدح قوارير ومنديل. قال: فسقاه فتمضمض مسلم، فخرج الدم، فما زال يمسح الدم، ولا يسيغ شيئا منه حتى قال: أخروه عني. قال: فلما أصبح دعا به عبيد الله بن زياد وهو قصير، فقدمه لتضرب عنقه، فقال: دعني حتى أوصى، فقال: أوص. فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد: ما أرى هاهنا من قريش غيرك، فادن مني حتى أكلمك، فدنا منه، فقال له: هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش ؟ إن الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم، واكتب إليهم بما أصابني. قال: فضرب عنقه وألقاه عمرو لعبيدالله وقال: أتدرى ما قال ؟ فقال عبيدالله اكتم على ابن عمك. فقال عمرو: هو أعظم من ذلك، فقال ابن زياد: فأي شئ هو ؟ قال: أخبرني أن الحسين ومن معه قد أقبل. وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة. فقال: أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك. قتال عمرو بن سعيد الحسين وقتله قال: وذكروا أن عبيد الله بن زياد، بعث جيشا أمر عليهم عمرو بن سعيد، وقد جاء الحسين الخبر، فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له: أترجع وقد قتل أخونا، وقد جاءك من الكتب ما نثق به ؟ فقال لبعض أصحابه: والله مالي عن هؤلاء من صبر، يعنى بني عقيل. قال: فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع، فلقوهم وليس معهم ماء. فقالوا: يا بن بنت رسول الله اسقنا. قال: فأخرج لكل فارس صحفة من ماء، فسقاهم بقدر ما يمسك برمقهم. ثم قالوا: سر يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زالوا يرجونه، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربلاء، فقال الحسين: أي أرض هذه ؟ قالوا: كربلاء، قال: هذا كرب وبلاء. قال: فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة، فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم

[ 6 ]

وببنه. فقال له شهر بن حوشب لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم، فقال عباس بن علي: يا أبا عبد الله، نحن على الحق فنقاتل ؟ قال نعم. فركب فرسه، وحمل بعض أصحابه على الخيول، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا. ثم بعث عبيد الله بن زياد عمرو بن سعيد يقاتلهم. قال الحسين: يا عمرو، اختر مني ثلاث خصال: إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فأخرى، سيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده، فيحكم في بما يريد. فأرسل عمرو إلى ابن زياد بذلك فهم أن يسيره إلى يزيد. فقال له شهر بن حوشب: قد أمكنك الله من عدوك وتسيره إلى يزيد، والله لئن سار إلى يزيد لا رأى مكروها، وليكونن من يزيد بالمكان الذي لا تناله أنت منه، ولا غيرك من أهل الارض، لا تسيره ولا تبلغه ريقه حتى ينزل على حكمك. قال: فأرسل إليه يقول: لا، إلا أن تنزل على حكمي. فقال الحسين: أنزل على حكم ابن زانية ؟ لا والله لا أفعل، الموت دون ذلك وأحلى. قال: وأبطأ عمرو بن سعيد عن قتاله. فأرسل عبيد الله بن زياد إلى شهر ابن حوشب إن تقدم عمرو يقاتل، وإلا فأقتله، وكن أنت مكانه. قال: وكان مع عمرو ابن سعيد من قريش ثلاثون رجلا من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال لا تقبلون واحدة منها ؟ فتحولوا مع الحسين، فقاتلوا. قال. فرأى رجل من أهل الكوفة عبد الله بن الحسين بن علي على فرس، وكان من أجمل الناس. قال: لاقتلن هذا الفتى، فقيل له ويحك، ما تصنع بقتله، دعه، قال: فحمل عليه فضربه، فقطع يده، ثم ضربه ضربة أخرى فقتله، ثم قتلوا جميعا. فقتل يومئذ الحسين بن علي، وعباس بن على، وعثمان بن على، وأبو بكر بن على، وجعفر بن على، وأمهم أم البنين بنت حرام الكلابية، وإبراهيم بن علي، وأمه أم ولد، وعبد الله بن علي، وخمسة من بني عقيل، وابنان لعبد الله بن جعفر: عون، ومحمد، وثلاثة من بني هاشم، ونساء من نسائهم، وفيهم فاطمة بنت الحسين بن علي، وفيهم محمد بن علي، وابنا جعفر، ومحمد بن الحسين بن علي. قدوم من أسر من آل علي على يزيد قال: وذكروا أن أبا معشر قال: حدثني محمد بن الحسين بن علي، قال: دخلنا على يزيد، ونحن اثنا عشر غلاما مغللين في الحديد وعلينا قمص. فقال يزيد: أخلصتم أنفسكم بعبيد أهل العراق ؟ وما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج، ولا بقتله حين قتل. قال: فقال علي بن الحسين: (ما أصاب من مصبية في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله

[ 7 ]

لا يحب كل مختال فخور). قال: فغضب يزيد، وجعل يعبث بلحيته، وقال: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير) يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء ؟ فقال رجل من أهل الشام لا تتخذن من كلب سوء جروا. فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين ! اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم بهذه الحال. فقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فبكى يزيد حتى كادت نفسه تفيض، وبكى أهل الشام حتى علت أصواتهم. ثم قال: خلوا عنهم، واذهبوا بهم إلى الحمام، واغسلوهم، واضربوا عليهم القباب، ففعلوا، وأمال عليهم المطبخ وكساهم، وأخرج لهم الجوائز الكثيرة من الاموال والكسوة ثم قال: لو كان بينهم وبين عاض بظر أمه (1) نسب ما قتلهم، ارجعوا بهم إلى المدينة. قال: فبعث بهم من صار إلى المدينة. إخراج بني أمية عن المدينة، وذكر قتال أهل الحرة قال: وذكروا في قصة إخراج بني أمية عن المدينة، قالوا: بعث عثمان بن محمد أمير المدينة إلى يزيد بقميصه مشقوقا، وكتب إليه: واغوثاه ! إن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة. قال أبو معشر: فخرج يزيد بعد العتمة، ومعه شمعتان شمعة عن يمينه، وشمعة عن يساره، وعليه معصفرتان، وقد نقش جبهته كأنها ترس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، يا أهل الشام، فإنه كتب إلي عثمان بن محمد أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة، ووالله لان تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا الخبر. قال: وكان معاوية أوصى يزيد فقال له: إن رابك من قومك ريب، أو تنقص عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرة، فاستشره، يعنى مسلم بن عقبة، فلما كانت تلك الليلة قال يزيد: أين مسلم بن عقبة ؟ فقام فقال: ها أنا ذا. قال عبئ ثلاثين ألفا من الخيل. قال وكان معقل بن سنان الاشجعي نازلا على مسلم بن عقبة. فقال له مسلم بن عقبة: إن أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى المدينة في ثلاثين ألفا. فقال له: استعفه. قال: لا. قال: فاركب فيلا أو فيلة، وتكون أبا يكسوم (2)، فمرض مسلم قبل خروجه من الشام، فأدنف فدخل عليه يزيد ابن معاوية يعوده، قال له: قد كنت وجهتك لهذا البعث، وكان أمير المؤمنين معاوية


(1) عاض بظر أمه: كناية عن أحط الناس، لان البظر هو ما بين اسكتي الفرج (الزنبور) والذي يعض بظر أمه يكون أحقر الناس. (2) أبو يكسوم: كنية أبرهة الحبشى صاحب الفيل الذي أتى به ليهدم الكعبة. (*)

[ 8 ]

قد أوصاني بك، وأراك مدنفا ليس فيك سفر. فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله، أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي، إنما أنا امرؤ وليس بي بأس. قال. فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة، فوضع على سرير، وحمله الرجال على أعناقهم، حتى جاءوا مكانا يقال له البتراء، فأرادوا النزول به. فقال لهم: ما اسم هذا المكان ؟ فقيل له البتراء. فقال: لا تنزلوا به، ثم سار حتى حاجزة، فنزل به، فأرسل إلى أهل المدينة: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: أنتم الاصل والعشيرة والاهل، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، فإن لكم عندي في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة، عطاء في الصيف، وعطاء في الشتاء، ولكن عندي عهد الله وميثاقه، أن يجعل سعر الحنطة عندكم كسعر الحنطة عندنا، والحنطة يومئذ سبعة آصع بدرهم، وأما العطاء الذي ذهب به عنكم عمرو بن سعيد، فعلي أن أخرجه لكم، وكان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم، فاشترى بها عبيدا لنفسه: فقالوا لمسلم: نخلعه كما نخلع عمائمنا، يعنون يزيد، وكما نخلع نعالنا. قال: فقاتلهم، فهزم الناس أهل المدينة (1). قال أبو معشر: حدثنا محمد بن عمرو بن حزم، قال: قتل بضعة وسبعون رجلا من قريش، وبضعة وسبعون رجلا من الانصار، وقتل من الناس نحو من أربعة آلاف، وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر، وقتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ثابت لصلبه. فقال مسلم بن عقبة لاهل الشام: كفوا أيديكم، فخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص، يريد القتال، فقاتلهم بعد الكف. فقال مسلم بن عقبة: أنهبها ئلاثا. قال: فقتل الناس، وفضحت النساء، ونهبت الاموال. فلما فرغ مسلم بن عقبة من القتال، انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني عامر بدومة، فدعا أهل المدينة من بقى منهم للبيعة. قال: فجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد الله ابن زمعة، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو قال لام سلمة: أرسلي معي ابن بنتك، قجاء به إلى مسلم، فلما تقدم يزيد قال له مسلم: تبايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خول له، مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين، إن شاء وهب، وإن شاء أعتق، وإن شاء استرق. فقال يزيد: لانا أقرب إلى أمير المؤمنين منك. قال: والله لا تستقبلها أبدا. فقال عمرو بن عثمان: أنشدك الله، فإني أخذته من أم سلمة، بعهده وميثاقه، أن أرده إليها. قال: فركضه برجله، فرماه من فوق السرير، فقتل يزيد بن عبد الله، ثم أتى محمد بن أبي جهم مغلولا. فقال له مسلم: أنت القائل، اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا. قال: قد قلتها ولكن لا يسمع لقصير أمير، فأرسل


(1) هذه إعادة لما ذكر في الجزء الاول، أعادها ابن قتيبة ليبنى عليها ما بعدها. (*)

[ 9 ]

يدى، وقد برئت مني الذمة، إنما نزلت بعد الله وميثاقه. قال: لا، والله حتى أقدمك إلى النار. قال: فضرب عنقه. ثم جاء معقل بن سنان الاشجعى، وكان جالسا في بيته، فأتاه مئة رجل من قومه، فقالوا له اذهب بنا إلى الامير حتى نبايعه. فقال لهم: إني قد قلت له قولا، وأنا أتخوف، فقالوا: لا، والله لا يصل إليك أبدا، فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا، وحبسوا الآخرين، وأغلقوا الباب، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قال: إني أرى شيخا قد تعب وعطش، أسقوه من البلح الذي زودني به أمير المؤمنين، قال: فخاضوا له بلحا بعسل فشربه. قال له: أشربت ؟ قال: نعم، قال: والله لا تبولها من مثانتك أبدا، أنت القائل: اركب فيلا أو فيلة وتكون أبا يكسوم. فقال معقل: أما والله لقد تخوفت ذلك منك، وإنما غلبتني عشيرتي. قال: فجعل يفرى جبة كانت عليه، وقال: أكره أن يلبسوها، فضرب عنقه، ثم سار إلى مكة، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف، فدعا الحصين بن نمير. فقال له: يا بن برذعة الحمار، والله ما خلق الله أحدا أبغض إلي منك، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك، أتسمع ؟ قال: نعم، قال: لا تكونن إلا على الوقاف، ثم الثقاف (1)، ثم الانصراف، ولا تمكن قريشا من أذنك. ثم مات مسلم بن عقبة، فدفن بقفا المشلل، وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة بأستار، فخرجت إليه فنبشته من قبره، ثم أحرقت عليه بالنار، وأخذت أكفانه فشقتها، وعلقتها بالشجرة، فكل من مر عليه يرميه بالحجارة، وسار الحصين حتى جاء مكة، فدعاهم إلى الطاعة، وعبد الله بن الزبير يؤمئذ بمكة، فلم يجبه، فقاتله، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، ورجلان من إخوته، ومصعب بن عبد الرحمن، والمسور بن مخرمة. حرب ابن الزبير رضي الله عنهما قال: وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرة، مضى إلى مكة المشرفة، يريد ابن الزبير، حتى إذا كان بقديد، حضرته الوفاة، فدعا الحصين بن نمير. فقال له: إن أمير المؤمنين عصاني فيك، فأبى إلا استخلافك بعدي، فلا ترسلن بينك وبين قريش رسولا تمكنه من أذنيك، إنما هو الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف. وهلك مسلم بن عقبة، فدفن بالثنية. قال: وسمع بهم عبد الله بن الزبير، فأحكم مراصد مكة، فجعل عليها


(1) الوقاف: بكسر الواو: الوقوف للحرب، والثقاف: الخصام والمجالدة، يريد لا تكن إلا على الحرب ولا تكن على المهادنة أو تنصرف. (*)

[ 10 ]

المقاتلة، وجاءه جند أهل المدينة، وأقبل ابن نمير حتى نزل على مكة، وأرسل خيلا فأخذت أسفلها، ونصب عليها العرادات والمجانيق، وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة، في كل يوم يرمونها بها. فقال الناس: انظروه لئلا يصيبه ما أصاب أصحاب الفيل. قال عبد الله ابن عمرو بن العاص، وكان بمكة معتمرا، قدم من الطائف: لا تظن ذلك، لو كان كافرا بها لعوقب دونها، فأما إذا كان مؤمنا بها فسيبتلى فيها، فكان كما قال، وحاصروهم لعشر ليال بقين من المحرم، سنة أربع وستين، فحاصروهم بقية المحرم، وصفر، وشهري ربيع، يغدون على القتال ويروحون، حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية، فأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير، أن ائذن لنا نطوف بالبيت، وننصرف عنكم، فقد مات صاحبنا. فقال ابن الزبير: وهل تركتم من البيت إلا مدرة ؟ وكانت المجانيق قد أصابت ناحية من البيت الشريف فهدمته، مع الحريق الذي أصابه، قال: فمنعهم أن يطوفوا بالبيت. فارتحل الحصين، حتى إذا كان بعسفان تفرفوا، وتبعهم الناس يأخذونهم، حتى إن كانت الراعية في غنمها لتأتى بالرجل منهم مربوطا، فيبعث بهم إلى المدينة، وأصاب منهم أهل المدينة حين مروا بهم ناسا كثيرا، فحبسوا بالمدينة، حتى قدم مصعب بن الزبير عليهم من عند عبد الله بن الزبير، فأخرجهم إلى الحرة، فضرب أعناقهم، وكانوا أربع مئة وأكثر، قال: وانصرف ذلك الجيش إلى الشام مفلولا، وبايع أهل المدينة لابن الزبير يالخلافة، وكان ابن عباس بمكة يومئذ، فخرج إلى الطائف، فهلك بها سنة سبعين، وهو يومئذ ابن أربعة وسبعين سنة رضي الله عنه. خلافة معاوية بن يزيد قال: فلما مات يزيد بن معاوية، استخلف ابنه معاوية بن يزيد، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، فلبث واليا شهرين وليالي محجوبا لا يرى، ثم خرج بعد ذلك، قال: فجمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم، وقلدته من ولايتكم، فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي، أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني، وأحقهم بذلك، وأقوى على ما قلدته، فاختاروا مني إحدى خصلتين: إما أن أخرج منها، وأستخلف عليكم من أراه لكم رضا ومقنعا، ولكم الله علي ألا آلوكم نصحا في الدين والدنيا، وإما أن تختاروا لانفسكم وتخرجوني منها. قال: فأنف الناس من قوله، وأبوا من ذلك، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم، فقالوا: ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين ونستخير الله فأمهلنا. قال لكم ذلك، وعجلوا علي. قال فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى

[ 11 ]

طعن، فدخلوا عليه، فقالوا له: استخلف على الناس من تراه لهم رضا. فقال لهم: عند الموت تريدون ذلك ؟ لا والله لا أتزودها، ما سعدت بحلاوتها، فكيف أشقى بمرارتها، ثم هلك رحمه الله ولم يستخلف أحدا. فقالوا لعثمان بنى عنبسة: تقدم فصل بالناس، فأبى. وقال: لا. أما أنا فلاحق بخالي عبد الله بن الزبير، فقال له ابن زياد: إن هذا ليس بزمان خالك ولا عمك. فلما دفن معاوية بن يزيد، وسوى عليه التراب، وبنو أمية حول قبره، قال مروان: أما والله يا بني أمية إنه لابو ليلى، ثم قال: الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا. وماج أمر بني أمية واختلفوا. غلبة ابن الزبير رضى الله عنهما وظهوره قال: وذكروا أن أبا معشر قال: حدثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير، قال: لما نزل الحصين بمكة، وغلب عليها كلها إلا المسجد الحرام، قال: فإني لجالس مع ابن الزبير، ومعه من القرشيين عبد الله بن مطيع، والمختار بن أبي عبيد، والمسور بن مخرمة، والمنذر بن الزبير، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف في نفر من قريش. قال: فقال المختار بن عبيد: وهبت رويحة: والله إني لاجد النصر في هذه الرويحة، فاحملوا عليهم، قال: فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة، وقتل المختار رجلا، وقتل ابن مطيع رجلا. قال: فجاءه رجل من أهل الشام، في طرف سنان رمحه نار. قال: وكان بين موت يزيد بن معاوية وبين حريق الكعبة إحدى عشرة ليلة ثم التحمت الحرب عند باب بني شيبة، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، ورجلان من إخوته، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف والمسور بن مخرمة، وكان الحصين قد نصب المجانيق (1) على جبل أبي قبيس، وعلى قعيقعان، فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت، وأسند ابن الزبير ألواحا من الساج إلى البيت، وألقى عليها القطائف والفرش، فكان إذا وقع عليها الحجر، نبا عن البيت، فكانوا يطوفون تحت تلك الالواح، فإذا سمعوا صوت الحجر حين يقع على الفرش والقطائف كبروا، وكان طول الكعبة في السماء ثمانية عشر ذراعا، وكان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا في ناحية من المسجد، فكلما جرح أحد من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط.


(1) المجانيق: جمع منجنيق، وهو مثل المدفع الآن. (*)

[ 12 ]

حريق الكعبة قال: فجاء رجل في طرف سنان رحمه نار، فأشعلها في الفسطاط، فوقعت النار على الكعبة، فاحترق الخشب، وانصدع الركن، واحترقت الاستار، وتساقطت إلى الارض. قال: ثم قاتل أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة، واحترقت في ربيع الاول سنة أربع وستين. قال: فلما احترقت جلس أهل مكة في ناحية الحجر، ومعهم ابن الزبير، وأهل الشام يرمونهم بالنبل. قال: فوقعت بين يديه نبلة. قال: في هذه خبر، فأخذوها فوجدوا بها مكتوبا: مات يزيد ابن معاوية يوم الخميس لاربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاول. فلما قرأ ذلك ابن الزبير قال: يا أهل الشام، يا محرقي بيت الله، يا مستحلي حرم الله، علام تقاتلون ؟ وقد مات طاغيتكم يزيد ابن معاوية، فأتاه الحصين بن نمير فقال له: موعدك البطحاء الليلة يا أبا بكر. فلما كان الليل خرج ابن الزبير بأصحابه، وخرج الحصين بأصحابه إلى البطحاء، فتنحى كل واحد منهما من أصحابه وانفردا، فقال الحصين: يا أبا بكر، قد علمت أني سيد أهل الشام، لا أدافع عن ذلك، وأن أعنة خيلهم بيدي، وأرى أهل الحجاز قد رضوا بك، فأبايعك الساعة، على أن تهدر كل شئ أصبناه يوم الحرة، وتخرج معي إلى الشام، فإني لا أحب أن يكون الملك في الحجاز. قال: لا والله لا أفعل لا أؤمن من أخاف الناس، وأحرق بيت الله، وانتهك حرمته. فقال الحصين: بلى، فافعل، فعلي ألا يختلف عليك اثنان. فأبى ابن الزبير. فقال له الحصين لعنك الله، ولعن من زعم أنك سيد، والله لا تفلح أبدا، اركبوا يا أهل الشام. فركبوا وانصرفوا قال: فحدثني من شهد انصرافهم، قال: والله إن كانت الوليدة لتخرج فتأخذ الفارس ما يمتنع. قال أبو معشر: وذلك أن المنهزم لا فؤاد له. قال: فبايع أهل الشام كلهم ابن الزبير، إلا أهل الاردن، وبايع أهل مصر ابن الزبير، وغلب على أهل العراق والحجاز واليمن، وغلظ أمره، وعظم شأنه، واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس على أهل الشام. اختلاف أهل الشام على ابن الزبير قال: وذكروا أن ابن الزبير لما استخلف الضحاك على أهل الشام، قام أناس من أهل الشام من رءوس قريش بني أمية وأشرافهم وفيهم روح بن زنباع الجذامي، فقال بعضهم: إن الملك كان فينا أهل الشام، أفينتقل ذلك إلى أهل الحجاز ؟ لا نرضى بذلك، هل لكم أن تأخذوا رجلا منا فينظر في هذا الامر ؟ قالوا: نعم. فجاءوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية، وهو غلام

[ 13 ]

حدث السن، فقيل له: ارفع رأسك لهذا الامر، فقال: أستخير الله وأنظر، فرأى القوم أنه ذو ورع عن القيام في ذلك، فخرجوا فأتوا عمرو بن سعيد، فقالوا له: يا أبا أمية، ارفع رأسك لهذا الامر، فجعل يشير ويقول: والله لافعلن لافعلن، فلما خرجوا من عنده قالوا: هذا حديث علج. فأتوا مروان بن الحكم، فإذا عنده مصباح، وإذا هم يسمعون صوته بالقرآن، فاستأذنوا ودخلوا عليه، فقالوا له: يا أبا عبد الملك، ارفع رأسك لهذا الامر، فقال: استخيروا الله واسألوه أن يختار لامة محمد خيرها وأعدلها ما شاء الله. بيعة أهل الشام مروان بن الحكم قال: وذكروا أن روح بن زنباع قال لمروان بن الحكم: إن معي أربع مائة رجل من جذام، وسامرهم أن يبتدرا في المسجد غدا، فمر ابنك عبد العزيز أن يخطب، ويدعوهم إليك، وأنا آمرهم أن يقولوا صدقت، فيظن الناس أن أمرهم واحد، قال: فلما أصبح عبد العزيز خرج على الناس وهم مجتمعون، فقام: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما أحد أولى بهذا الامر من مروان بن الحكم، إنه لكبير قريش وشيخها، وأفرطها عقلا وكمالا، ودينا وفضلا، والذي نفسي بيده، لقد شاب شعر ذراعيه من الكبر. فقال الجذاميون: صدقت. فقال خالد بن يزيد: أمر قضى بليل. فبايعوا مروان بن الحكم. فقال عمرو بن سعيد للضحاك بن قيس: أرضيت أن تكون بريدا لابن الزبير، وأنت أكبر قريش وسيدها، تعال نبايعك، فخرج به إلى مرج راهط، فلما دعاه إلى البيعة اقتتلوا، فقتل الضحاك بن قيس، فقال عمرو بن سعيد لاهل الشام، ما صارت أيديكم إلا مناديل، من جاءكم مسح يده بها، إن مروان سيد قريش، وأكبرهم سنا، فبايعوا مروان بن الحكم، وقتل الضحاك بن قيس، وهزم أصحابه، وكانت قيس مع الضحاك، وكان اليمن مع عمرو بن سعيد، فمكث مروان ما شاء الله أن يمكث، ثم قال له أصحابه: والله ما نتخوف إلا خالد بن يزيد بن معاوية، وإنك إن تزوجت أمه كسرته، وأمه ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، فخطبها مروان بن الحكم، فتزوجها، وأقام بالشام، ثم أراد أن يخرج إلى مصر. فقال لخالد: أعرني سلاحا إن كان عندك. قال: فأعاره سلاحا، وخرج إلى مصر، فقاتل أهل مصر، وسبى ناسا كثيرا، فافتدوا منه، ثم قدم الشام. موت مروان بن الحكم قال: وذكروا أن مروان بن الحكم لما قدم الشام من مصر، قال له خالد بن يزيد

[ 14 ]

ابن معاوية: اردد إلي سلاحي، فأبى عليه مروان، فألح عليه، وكان مروان فاحشا سبابا، وقال له يا ابن الربوخ (1)، يا أهل الشام، إن أم هذا ربوخ، يا ابن الرطبة، قال: فجاء ابنها إليها قال: هذا ما صنعت بي، سبني مروان على رءوس أهل الشام وقال. هذا ابن الربوخ. قال: وكان مروان استخلف حين خرج إلى مصر ابنه عبد الملك وعبد العزيز أنهما يكونان بعده، وبايع لهما أهل الشام، فلبث مروان بعد ذلك ليالي، بعدما قال لخالد بن يزيد ما قال، ثم جاء إلى أم خالد فرقد عندها، فأمرت جواريها فطوين عليه الشوادك (2)، ثم غطته حتى قتلته، ثم خرجن يصحن ويشققن جيوبهن، يا أمير المؤمنين. قال: فقام عبد الملك، فبايع لنفسه، ووعد عمرو بن سعيد أن يستخلفه، فبايعه وأقاموا بالشام. بيعة عبد الملك بن مروان وولايته قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان بايع لنفسه بالشام، ووعد الناس خيرا، ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة، وإقامة العدل والحق، وكان معروفا بالصدق، مشهورا بالفضل والعلم، لا يختلف في دينه، ولا بنازع في ورعه، فقبلوا ذلك منه، ولم يختلف عليه من قريش أحد، ولا من أهل الشام. فلما تمت بيعته خالفه عمرو بن سعيد الاشدق، فوعده عبد الملك أن يستخلفه بعده، فبايعه على ذلك، وشرط عليه أن لا يقطع شيئا دونه، ولا ينفذ أمرا إلا بمحضره، فأعطاه ذلك. ثم إن عبد الملك بعث حبيش بن دلجة القيسي إلى المدينة، في سبعة آلاف رجل، فدخل المدينة، وجلس على المنبر الشريف، فدعا بخبز ولحم، فأكل على المنبر، ثم أتى بماء فتوضأ على المنبر. قال أبو معشر: فحدثني رجل من أهل المدينة يقال له أبو سلمة، قال: شهدت حبيش ابن دلجة يومئذ، وقد أرسل إلى جابر بن عبد الله الانصاري، فدعاه فقال: تبايع لعبد الملك أمير المؤمنين بالخلافة، عليك بذلك عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، فإن خالفت فأهرق الله دمك على الضلالة. فقال له جابر بن عبد الله: إنك أطوق لذلك مني، ولكني أبايعه على ما بايعت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، على السمع والطاعة. قال: ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر، فقال له: تبايع لعبد الله عبد الملك


(1) الربوخ: المرأة يغشى عليها عند الجماع. (2) الشوادك: جمع شودكان، وهو الشبكة وأداة السلاح. (*)

[ 15 ]

أمير المؤمنين على السمع والطاعة ؟ فقال ابن عمر: ؟ ذا اجتمع الناس عليه بايعت له إن شاء الله. ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك نحو الربذة (1)، وقام في أثره رجلان: أحدهما على أثر الآخر، مع كل واحد منهما جيش، وكل واحد منهما يصعد المنبر ويخطب، ثم خرجوا جميعا إلى الر ؟ ذة، وذلك في رمضان، سنة خمس وستين، فاجتمعوا بها، وأميرهم ابن دلجة. وكتب ابن الزبير إلى عباس بن سهل الساعدي بالمدينة: أن سر إلى حبيش ابن دلجة وأصحابه في ناس، فسار حتى لقيهم بالربذة في شهر رمضان، وبعث الحارث بن عبد الله اين أبي ربيعة من البصرة، مددا إلى عباس بن سهل بن حنيف بن السجف في تسع مئة رجل، فساروا حتى انتهوا إلى الربذة، فبات أهل البصرة وأهل المدينة يقرءون القرآن، ويصلون ليلتهم حتى أصبحوا، وبات الآخرون في المعازف والخمور، فلما أصبحوا قال لهم حبيش بن دلجة: أهريقوا ماءكم، حتى تشربوا من سويقكم المعتد فأهرقوا الماء، وغدوا إلى القتال، فقتل حبيش، ومن معه من أهل الشام، وتحصن من أهل الشام خمس مئة رجل على عمود الربذة، وهو الجبل الذي عليها. قال: وكان يوسف أبو الحجاج مع ابن دلجة، قال: وأحاط بهم عباس بن سهل، فقال: انزلوا على حكمي، فنزلوا على حكمه، فضرب أعناقهم أجمعين. غلبة ابن الزبير على العراقيين وبيعتهم قال: وذكروا أن عباس بن سهل، لما فرغ من قتال أهل الشام، رجع المدينة فجدد البيعة لابن الزبير، فسارعوا إليها، ولم يتثبطوا، وقدم أهل البصرة على ابن الزبير بمكة فكانوا معه، وكان عبد الله بن الزبير استعمل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، فلما قدمها قيل له: إن الناس يقطعون الدراهم يجعلونها حتى كأنها أصفار. فقال لهم: هلم بسبعة ثقالا، فأتوه بسبعة ثقال. فقال: هذه بعشرة، فزنوا كيف شئتم. قال: وأتوا بالمكيال الذي يكيلون به، فقال: هذا قريب صالح. ثم قيل له: إن أهل البصرة لا يصلحهم إلا القتل. فقال: لان تفسد البصرة أحب إلي من أن يفسد الحرث والنسل. قال: فبعث ابن الزبير حمزة بن عبد الله بن الزبير إلى البصرة عاملا، فاستحقره أهل البصرة، فبعث مصعب بن الزبير، فقدم عليهم، فقال أهل البصرة: لا يقدم عليكم أحد إلا لقبتموه، وأنا ألقب لكم نفسي، أنا القصاب. ثم سار إلى المختار فقتله.


(1) الربذة: بفتح الراء والباء والذال: موضع قرب المدينة به قبر أبى ذر الغفاري رحمه الله. (*)

[ 16 ]

بيعة أهل الكوفة لابن الزبير وخروج ابن زياد عنها قال: وذكروا عن بعض المشيخة من أهل العلم بذلك، قالوا: كان ابن زياد أول من ضم إليه الكوفة والبصرة، وكان أبوه زياد كذلك قبله، فلم يزل عبيد الله يتبع الخوارج ويقتلهم، ويأخذ على ذلك الناس بالظن، ويقتلهم بالشبهة، واستعمد إلى عامتهم، وكان بعضهم له على ما يحب. قال: فلما اختلف أمر الناس، ومات يزيد، وامتد سلطان ابن الزبير، وغلظ شأنه وعظم أمره، وخلع أهل البصره طاعة بني أمية، وبايعوا ابن الزبير، خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، إن الذي كنا نقاتل على طاعته قد مات، واختلف أمر الناس، وتشتتت كلمتهم، وانشقت عصاهم، فإن أمرتموني عليكم جبت فيكم، وقاتلت بكم عدوكم، وحكمت بينكم، وأنصفت مظلومكم، وأخذت على يد ظالمكم حتى يجتمع الناس على خليفة. فقام يزيد بن الحارث بن رويم اليشكرى وقال: الحمد الله الذي أراحنا من بني أمية وأخزى ابن سمية، لا والله ولا كرامة، فأمر به عبيد الله فلبب، ثم انطلق به إلى السجن، فقامت بكر بن وائل، فحالت بينه وبين ذلك. ثم خرج الثانية عبيد الله بن زياد إلى المنبر، فخطب الناس، فحصبه الناس ورموه بالحجارة وسبوه، وقام قوم فدنوا منه، فنزل فاجتمع الناس في المسجد. فقالوا: نؤمر رجلا حتى تجتمع الناس على خليفة، فاجتمع رأيهم على أن يؤمروا عمرو بن سعد بن أبي وقاص وكان الذين قاموا بأمره هذا الحي الذي من كندة، فبينما هم على ذلك إذ أقبل النساء يبكين وينعين الحسين، وأقبلت همدان حتى ملاوا المسجد، فأطافوا بالمنبر متقلدين السيوف، وأجمع رأي أهل البصرة والكوفة على عامر بن مسعود ابن أمية بن خلف، فأمروه عليهم حتى يجتمع الناس، وكتبوا إلى عبد الله بن الزبير يبايعونه، بالخلافة، فأقره عبد الله بن الزبير عاملا عليهم نحوا من سنة، واستعمل العمال في الامصار، فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة، فاجتمعوا وأخرجوا الريات، فلم يبق أحد إلا خرج، وذلك لسوء آثار عبيد الله بن زياد فيهم، يطلبون قتله. ثم قام ابن أبي ذؤيب فقال: يا هؤلاء من ينصر الله ينصر الكعبة، من يغار على ابن سمية، سارعوا أيها الناس إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض، واجتنبوا هذه الدعوة، وأقيموا أود هذه البيعة، فإنها بيعة هدى، فإنه من قد علمتهم عبد الله بن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق، أما والله لو أن أبا بكر علم أنه بقى على الارض من هو خير منه وأولى بهذه البيعة، ما مد يده، ولا نازعته إليها نفسه، أما والله لقد علمتم ما أحد على وجه الارض خير ولا أحق بها إلا هذا الشيخ عبد الله بن عمر، المتبرئ من الدنيا، المعتزل عن الناس الكاره لهذا الامر، ثم خرجت الخوارج من سجون عبيد الله ابن زياد، واجتمعوا على حدة،

[ 17 ]

والقبائل كل قبيلة في المسجد معتزلة على حدة، وعبيد الله بن زياد في القصر، وقد أخذ بأبوابه وقد تمنع أن يدخل القصر أحد، وقد أخذت العرب بأفواه السكك والدروب، وكان عبيد الله أول من جفا العرب، وأخذ منهم المحاربة اثنى عشر ألفا ليعتز بهم، فوالله ما زادوه إلا ذلا، فلما رأى ذلك عبيد الله بن زياد لم يدر كيف يصنع، وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم ولم يأمن غدرهم، فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمى من الازد، فدخل عليه الحارث. فقال: يا حارث، قد أكرمتهم زيادا، وحفظتم منه ما كنتم أهله، وقد استجرت بكم، فأنشدكم الله في. قال الحارث: أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا، لما أرى من سوء رأى العامة فيك مع سوء آثارك في الازد. قال: فتهيأ عبيد الله، فلبس لبس امرأة في خمرتها وعقيصتها، فأردفه الحارث خلفه، فخرج به على الناس فقالوا: يا حارث ما هذه ؟ قال: تنحوا رحمكم الله، هذه امرأة من أهلي، كانت زائرة لاهل ابن زياد، أتيت أذهب بها. فقال عبيد الله للحارث: أين نحن ؟ قال: في بني سليم، فقال: سلمنا الله. قال: ثم سار قليلا، ثم قال: أين نحن ؟ قال: في بني ناجية من الازد، قال: نجونا إن شاء الله. قال: فأتى به مسعود بن عمرو وهو يومئذ سيد الازد، فقال: يا أبا قيس ؟ قد جئتك بعبيد الله مستجيرا. قال: ولم جئتني بالعبد ؟ قال: نشدتك الله، فقد اختارك على غيرك، فلما رآهم عبيد الله يتراضون ويتناشدون، قال: قد بلغني الجهد والجوع، فقال مسعود: يا غلام: ائت البقال، فأتنا من خبزه وتمره. قال: فجاء به الغلام فوضع. قال: فأكل، وإنما أراد ابن زياد أن يتحرم بطعامه. ثم قال: أدخل فدخل، ومنارات الناس يومئذ من القصب، وكان منزل مسعود يومئذ قاصيا. قال: فكأن عبيد الله خاف. فقال: يا غلام، اصعد إلى السطح بحزمة من قصب، فأشعل أعلاه نارا، ففعل ذلك في جوف الليل، فأقبلت الازد على الخيل وعلى أرجلها حتى شحنوا السكك وملئوها. فقالوا: ما لسيدنا ؟ قال: شئ حدث في الدار. قال: فعرف عبيد الله عزته ورفعته، وما هو عليه. قال: هذا والله العز والشرف، فأقام عنده أياما، وعنده امرأتان امرأة من الازد، وامرأة من عبد قيس، فكانت العبدية تقول: أخرجوا العبد وكانت الازدية تقول: استجار بك على بغضه إياك، وجفوته لك، وتحدث الناس أنه لجأ إلى مسعود بن عمرو، فاجتمعت القبائل في المسجد والخوارج، وهم في أربعة آلاف، فقال مسعود: ما أظنني إلا خارجا إلى البصرة معتذرا إليهم من أمر عبيد الله. ثم قال: وكيف آمن عليه وهو منزلي، ولكني أبلغه مأمنه، ثم أعتذر إليهم. قال: وكان مسعود قد أجار عنده ابن زياد أربعين ليلة. قال: فأقبل مسعود يوما على برذون له، وحوله عدة من الازد عليهم السيوف، وقد عصب رأسه بسير أحمر، قال الهيثم: فقلت لابن عباس: لم عصب رأسه بسير أحمر ؟ قال: قد سألت عن

[ 18 ]

ذلك قبلك. فقال شيخ من الازد، كان ضخم الهامة، وكانت له ضفيرتان، فعصب لذلك بالسير قال ابن عباس: فذكرت ذلك لعمرو بن هرم، وكان معنا بواسط. فقال: حدثك من لا يعرف هذا شئ كانت العرب تصنعه إذا أراد الرجل الاعتذار من الذنب، عصب السير ليعلموا أنه معتذر. قال: فأقبل مسعود حتى انتهى إلى باب المسجد، ومعه أصحابه رجالة، بيت يديه وخلفه وكان كبيرا فلم يستطع النزول والقبائل في المسجد بأجمعها، فدخل المسجد بدابته، فبصرت به الخوارج، فظنوا أنه عبيد الله، فأقبلوا نحوه متقلدين السيوف، وجال الناس جولة، فضربوه بأسيافهم حتى مات. قتله نفر من بني حنيفة من الخوارج، وجال الناس ونهضوا من مجالسهم، وبلغ ذلك الازد، فأقبلوا على كل صعب وذلول، وأقبل عباد بن الحصين لينظر إلى عبيد الله فإذا هو بمسعود. فقال: مسعود ورب الكعبة، إنا لله وإنا إليه راجعون، أبا قيس قد وفيت، ما كان أغنى أهل مصرك بما صنعت من ذلك، فجعتهم بنفسك. ثم ألقي عليه كساءه، ثم أقبلت الازد، فكان بينهما وبين مضر ما وقع ذكره في غير هذا الكتاب حتى اصطلحوا، وتراضوا على بيعة ابن الزبير. قال الهيثم: قال ابن عباس: حدثنى عوكل اليشكرى قال: إنا مع عبيد الله بن زياد في ليلة مظلمة، فإذا نحن بنار من بعد. فقال عبيد الله: يا عوكل كيف الطريق ؟ قال: اجعل النار على حاجبك، فقال: بل على حاجبك. قال عوكل: فوالله إنا لنسير بالسمارة، إذ قال عبيد الله: قد كرهت البعير، فابغوا لي ذا حاقر. قال: فإذا نحن بأعرابي من كلب معه حمار أقمر ضخم. فقلت: تبيعه بكم ؟ فقال: بأربع مئة درهم، لا أنقصكم درهما، فأشار إلينا عبيد الله أن خذوه. قال: فجعلنا ننقده الدراهم. قال: لست أدرى ما هذه ؟ ولكن بيني وبينكم هذا المولى، يعنى عبيد الله بن زياد، وكان عبيد الله أحمر أقمر، شبيها بالموالى. قال: فأخذناه منه فقال عبد الله: إرحلوا لي عليه، فرحلنا له عليه، فلما قدم ليركب، قال الاعرابي: أنا أقسم بالله إن لكم لشأنا، وما أظن صاحبكم إلا والى العراق، فاستقفاه عبيد الله بالعصا، فضربه بها، فوقع، ثم شدوه وثاقا. قال: وجعلوا يتجنبون المياه. قال عوكل: ثم إن عبيد الله بيننا هو على راحلته، إذ هجعت عينه. فقلت له: أراك نائما. فقال: ما كنت بنائم. فقلت له: ما أعلمني بما كنت تحدث به نفسك قال: وبأي شئ كنت أحدث نفسي ؟ قال: قلت: ليتني لم أبن البيضاء (1)، ولم أستعمل الدهاقين (2)، وليتني لم أتخذ المحاربة، قال: ما خطر لي هذا على بال، أما قولك: ليتني لم أبن البيضاء، فما كان على منها إثم، بناها اليزيد من ماله، وأما استعمال


(1) البيضاء: البيضاء دار بالبصرة لعبيد الله بن زياد. (2) الدهاقين جمع دهقان وهو رئيس التجار. (*)

[ 19 ]

الدهاقين، فقد استعملهم أبي ومن كان قبله، وأما المحاربة: فوالله ما اتخذتهم إلا وقاية، لاني كنت أقتل بهم أهل المعصية، فلو أمرت عشائرهم بهم لم يقتلوهم ولشق ذلك عليهم، فجعلت ذلك بيني وبينهم، من لا آل بينه وبينهم، ولكني كنت أحدث نفسي أني ندمت على تركي أربعة آلاف في السجن من الخوارج، فوددت أني كنت أضرمت البيضاء عليهم، حتى آتى على آخرهم ووددت أني جمعت آل بيتي وموالي، ونابذت أهل المصر على سواء، حتى يموت الاعجل، ووددت أني قدمت الشام ولم يبايع أهلها بعد. قتل المختار عمرو بن سعد قال: وذكروا أن المختار بن أبي عبيد كتب إلى عبد الله بن الزبير من الكوفة، وقال لرسوله: إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى عبد الله بن الزبير، فأت المهدي محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، فاقرأ عليه مني السلام، وقل له: يقول لك أخوك أبو إسحاق: إني أحبك، وأحب أهل بيتك، قال: فأتاه الرسول فقال له ذلك. قال: كذبت، وكذب أبو إسحاق معك، كيف يحبني ويحب أهل بيبتي، وهو يجلس عمرو بن سعد بن أبي وقاص على وسائده، وقد قتل الحسين بن علي أخي. قال: فلما قدم عليه رسوله أخبره بما قال محمد بن علي. فقال المختار لابي عمرو صاحب حرسه: استأجر لي نوائح يبكين الحسين على باب عمرو بن سعد بن أبي وقاص. قال: ففعل، فلما جئن يبكين الحسين، قال عمرو لابنه حفص: يا بني ائت الامير، فقل له: ما شأن النوائح يبكين الحسين على بابي ؟ قال: فأتاه فقال له ذلك، فقال له: إنه أهل أن يبكي عليه، فقال: أصلحك الله، انههن عن ذلك. قال: نعم. ثم دعا أبا عمرو، فقال: اذهب إلى عمرو بن سعد فأتني برأسه، قال: فأتاه، فقال: قم إلي أبا حفص، فقام إليه وهو ملتحف، فجلله بالسيف، ثم جاء برأسه إلى المختار، وحفص جالس عنده على الكرسي، فقال: هل تعرف هذا الرأس ؟ قال: نعم، رحمة الله عليه، قال: أتحب أن ألحقك به ؟ قال: وما خير الحياة بعده. قال: فضرب رأسه فقتله. قال: ثم أرسل عبد الله بن الزبير يزيد بن زياد على العراق، فكان بالكوفة حتى مات يزيد، وأحرقت الكعبة، ورجع الحسين هاربا إلى الشام. قال: ثم أرسل عبد الله بن مطيع إلى الكوفة، ثم بعث المختار بن أبي عبيد على الكوفة، وعزل عبد الله بن مطيع، وسيره إلى المدينة، وسار عبيد الله بن زياد بعد ذلك إلى المختار، وجهه عبد الملك بن مروان أميرا على العراق، وندب معه جيشا عظيما من أهل الشام، فأقبل إلى الكوفة يريد المختار، فالتقوا بجازر، فاقتتلوا، فقتل المختار عبيد الله بن زياد ومن معه، وكان معه الحصين بن نمير، وذو الكلاع، وغلبة من كان معه ممن شهد وقعة الحرة من رؤوسهم.

[ 20 ]

قتل مصعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد الله قال: وذكروا أن أبا معشر، قال: لما قتل عبيد الله بن زياد ومن معه، ارتضى أهل البصرة عبد الله بن الحارث بن نوفل، فأمروه على أنفسهم، ثم أتى عبد الله بن الزبير، وأم عبد الله بن الحارث هند بنت أبي سفيان، وكانت أمه تنبزه وهو صغير بببه، فلقب بببه، ثم بعث عبد الله ابن الزبير الحارث بن عبيد الله بن أبي ربيعة عاملا على البصرة، ثم بعث حمزة بن الزبير بعده، ثم بعث مصعب بن الزبير أخاه، وضم إليه العراقين جميعا الكوفة والبصرة، فلما ضم إليه الكوفة، وعزل المختار عنها خلع المختار عبد الله بن الزبير بالكوفة، ودعا إلى آل الرسول، وأراد أن يعقد البيعة لمحمد بن الحنفية، ويخلع عبد الله بن الزبير. فكتب عبد الله إلى أخيه مصعب، أن سر إلى المختار بمن معك، ثم لا تبلعه ريقه، ولا تمهله حتى يموت الاعجل منكما، فأتاه مصعب بمن معه فقاتله ثلاثة أيام حتى هزمه وقتله، وبعث مصعب برأس المختار إلى أخيه. وقتل مصعب أصحاب المختار، قتل منهم ثمانية آلاف صبرا، ثم قدم حاجا في سنة إحدى وسبعين، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير، ومعه رؤساء أهل العراق ووجوههم وأشرافهم. فقال: يا أمير المؤمنين: قد جئتك برؤوساء أهل العراق وأشرافهم، كل مطاع في قومه، وهم الذين سارعوا إلى بيعتك، وقاموا بإحياء دعوتك، ونابذوا أهل معصيتك، وسعوا في قطع عدوك، فأعطهم من هذا المال، فقال له عبد الله بن الزبير جئتني بعبيد أهل العراق وتأمرني أن أعطيهم مال الله ! لا أفعل، وايم الله لوددت أني أصرفهم كما تصرف الدنانير بالدراهم: عشرة من هؤلاء برجل من أهل الشام. قال: فقال رجل منهم: علقناك (1) وعلقت أهل الشام، ثم انصرفوا عنه وقد يئسوا مما عنده، لا يرجون رفده، ولا يطمعون فيما عنده، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على خلعه، فكتبوا إلى عبد الملك بن مروان أن أقبل إلينا. خلع ابن الزبير قال: وذكروا أن أبا معشر قال: لما أجمع القوم على خلع ابن الزبير، وكتبوا إلى عبد الملك بن مروان، أن سر إلينا، فلما أراد عبد الملك أن يسير إليهم، وخرج من دمشق، فأغلق عمرو بن سعيد باب دمشق، فقيل لعبد الملك ما تصنع ؟ أتذهب إلى أهل العراق، وتدع دمشق ؟ أهل الشام أشد عليك من أهل العراق. فأقام مكانه، فحاصر أهل دمشق أشهرا،


(1) علقناك: أحببناك وبايعناك، وعلقت أهل الشام أحببتهم وفضلتهم علينا. (*)

[ 21 ]

حتى صالح عمرو بن سعيد، على أنه الخليفة بعده، ففتح دمشق، ثم أرسل عبد الملك إلى عمرو، وكان بيت المال في يد عمرو، أن أخرج للحرس أرزاقهم. فقال عمرو: إن كان لك حرس فإن لنا حرسا، فقال عبد الملك: أخرج لحرسك أرزاقهم أيضا. قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال: وذكروا أن أبا معشر قال: لما اصطلح عبد الملك وعمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار أن ائتني أبا أمية. قال فخرج ليأتيه، فقالت له امرأته لا تذهب إليه فإني أتخوفه عليك، وإني لاجد ريح دم مسفوح. قال: فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه، فشجها، فتركته، فأخرج معه أربعة آلاف رجل من أهل دولته، لا يقدر على مثلهم، متسلحين، فأحدقوا بخضراء دمشق، وفيها عبد الملك بن مروان. فقالوا لعمرو: إذا دخلت على عبد الملك يا أبا أمية ورابك منه شئ فأسمعنا صوتك، فقال لهم: إن خفى عليكم صوتي ولم تسمعوه، فالزوال بيني وبينكم ميعاد، إن زالت الشمس ولم أخرج إليكم، فاعلموا أني مقتول أو مغلوب، فضعوا أسيافكم ورماحكم حيث شئتم، ولا تغمدوا سيفا حتى تأخذوا بثأرى من عدوي. قال: فدخل، وجعلوا يصيحون: يا أبا أمية، أسمعنا صوتك. وكان معه غلام أسحم شجاع. فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم: ليس عليه بأس، ليسمع عبد الملك أن وراءه ناسا، فقال له عبد الملك: أتمكر يا أبا أمية عند الموت ! خذوه، فأخذوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أقسم ليجعلن في عنقك جامعة منه، ثم نتر إلى الارض نترة، فكسرت ثنيته. قال: فجعل عبد الملك ينظر إليه. فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين، عظم انكسر. فقال عبد الملك لاخيه عبد العزيز: اقتله حتى أرجع إليك. قال: فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه، قال له عمرو: تمسك بالرحم يا عبد العزيز أنت تقتلني من بينهم فتركه، فجاء عبد الملك فرآه جالسا، فقال له: لم لا تقتله ؟ لعنه الله ولعن أما ولدته ! قال: فإنه قال: تمسك بالرحم فتركته. قال: فأمر رجلا عنده يقال له ابن الزويرع، فضرب عنقه، ثم أدرجه في بساط، ثم أدخله تحت السرير. قال: فدخل عليه قبيصة بن ذؤيب الخزاعى، وكان أحد الفقهاء، وكان رضيع عبد الملك بن مروان، وصاحب خاتمه ومشورته، فقال له عبد الملك: كيف رأيك في عمرو بن سعيد ؟ فأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب عنقه يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: جزاك الله خيرا، فما علمتك إلا ناصحا أمينا موافقا، قال له: فما ترى في هؤلاء الذين أحدقوا بنا، وأحاطوا بقصرنا ؟ قال قبيصة: اطرح رأسه إليهم يا أمير المؤمنين، ثم اطرح عليهم الدنانير والدراهم يتشاغلون بها. قال: فأمر عبد الملك

[ 22 ]

برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى القصر، فطرح إليهم، وطرحت الدنانير، ونثرت الدراهم، ثم هتف عليهم الهاتف ينادي: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم، بما كان من القضاء السابق، والامر النافذ، ولكم على أمير المؤمنين عهد الله وميثاقه، أن يحمل راجلكم، ويكسو عاريكم، ويغنى فقيركم، ويبلغكم إلى أكمل ما يكون من العطاء والرزق، ويبلغكم إلى المئتين في الديوان، فاعترضوا على ديوانكم، واقبلوا أمره، واسكنوا إلى عهده، يسلم لكم دينكم ودنياكم. قال. فصاحوا نعم نعم نعم، سمعا وطاعة لامير المؤمنين. قال: فلما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان بالشام، أراد أن يخرج إلى مصعب، فجعل يستفز أهل الشام، فيبطئون عليه. فقال له الحجاج بن يوسف، وكان يومئذ في حرس أبان بن مروان: يا أمير المؤمنين، سلطني عليهم، فأعطاه ذلك فقال له عبد الملك: اذهب قد سلطتك عليهم. قال: فكان لا يمر على بيت رجل من أهل الشام تخلف إلا أحرق عليه بيته، فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا، قال: فأصابهم من ذلك غلاء في الاسعار، وشدة من الحال، وصعوبة من الزمان، قال: وكانوا يصنعون لعبد الملك بن مروان الارز. فسار بأهل الشام إلى العراق ومعه الحجاج بن يوسف. مسير عبد الملك إلى العراق قال: وذكروا أن عبد الملك لما سار بأهل الشام ومعه الحجاج بن يوسف إلى العراق، خرج مصعب بن الزبير بأهل البصرة والكوفة، فالتقيا بين الشام والعراق، وكان عبد الملك ومصعب قبل ذلك متصافيين، وصديقين متحابين، لا يعلم بين اثنين من الناس ما بينهما من الاخاء والصداقة، فبعث إليه عبد الملك أن ادن مني أكلمك. قال: فدنا كل واحد من صاحبه، وتنحى الناس عنهما، فسلم عبد الملك عليه، وقال له: يا مصعب، قد علمت ما أجرى الله بيني وبينك منذ ثلاثين سنة، وما اعتقدته من إخائي وصحبتي، والله أنا خير لك من عبد الله، وأنفع منه لدينك ودنياك، فثق بذلك مني، وانصرف إلى وجوه هؤلاء القوم، وخذ لي بيعة هذين المصرين، والامر أمرك، لا تعصى ولا تخالف، وإن شئت اتخذتك صاحبا لا تخفى، ووزيرا لا تعصى. فقال له مصعب: أما ما ذكرت في من ثقتي بك، ومودتي وإخائي، فذلك كما ذكرته ولكنه بعد قتلك عمرو بن سعيد لا يطمأن إليك، وهو أقرب رحما مني إليك، وأولى بما عندك، فقتلته غدرا، ووالله لو قتلته في ضرب ومحاربة لمسك عاره، ولما سلمت من إثمه. وأما ما ذكرت من أنك خير لى من أخى، فدع عنك أبا بكر، وإياك وإياه، لا تتعرض له واتركه ما تركك، واربح عاجل عافيته وارج الله في السلامة من عاقبته فقال له عبد الملك:

[ 23 ]

لا تخوفنى به، فوالله إني لاعلم منه مثل ما تعلم، إن فيه لثلاث خصال لا يسود بها أبدا: عجب قد ملاه، واستغناء برأيه: وبخل التزمه، فلا يسود بها أبدا. قتل مصعب بن الزبير قال: وذكروا أن عبد الملك لما أيس من مصعب، كتب إلى أناس من رؤساء أهل العراق يدعوهم إلى نفسه، ويجعل لهم أموالا عامة، وشروطا وعهودا، ومواثيق وعقودا، وكتب إلى ابراهيم بن الاشتر يجعل له وحده مثل جميع ما جعل لاصحابه، على أن يخلعوا عبد الله بن الزبير إذا التقوا. فقال إبراهيم بن الاشتر لمصعب: إن عبد الملك قد كتب إلي هذا الكتاب، وكتب لاصحابي كلهم فلان وفلان بذلك، فادع بهم في هذه الساعة، فاضرب أعناقهم واضرب عنقي معهم. فقال مصعب ما كنت لافعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم. قال إبراهيم: فأخرى، قال: وما هي ؟ قال: احبسهم في السجن حتى يتبين ذلك، فأبى، فقال له ابراهيم ابن الاشتر: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، ولا تراني والله بعد في مجلسك هذا أبدا. وقد كان قال له قبل ذلك: دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبد، وهي ما شرطه الله. فقال له مصعب: لا والله لا أفعل، لا أكون قتلتهم بالامس، وأستنصر بهم اليوم، قال: فما هو إلا أن التقوا فحولوا رؤوسهم ومالوا إلى عبد الملك بن مروان. قال فبقى مصعب في شرذمة قليلة. قال فجاءه عبيد الله بن ظبيان، فقال: أين الناس أيها الامير ؟ فقال: غدرتم يا أهل العراق. قال: فرفع عبيد الله سيفه ليضربه، فبدره مصعب بالسيف على البيضة، فنشب فيها، فجعل يقلب السيف ولا ينتزع من البيضة. قال: فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان، فضرب مصعبا بالسيف فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك، يدعي أنه قتله، فطرح رأسه وقال: نطيع ملوك الارض ما أقسطوا لنا * وليس علينا قتلهم بمحرم قال: فوقع عبد الملك ساجدا، فتحامل عبيد الله على ركابه ليضرب عبد الملك بالسيف. فرفع عبد الملك رأسه وقال: والله يا عبيد الله لولا منتك لالحقتك سريعا به. قال: فبايعه الناس، ودخل الكوفة فبايعه أهلها. ذكر حرب ابن الزبير وقتله قال: وذكروا أنه لما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان من أهل العراق، وأتاه الحجاج ابن يوسف فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت في المنام كأني أسلخ عبد الله بن الزبير، فقال

[ 24 ]

له عبد الملك: أنت له فاخرج إليه، فخرج إليه الحجاج في ألف وخمس مئة رجل من رجال أهل الشام حتى نزل الطائف، وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا، حتى توافي الناس عنده قدر ما يظن أنه يقدر على قتال عبد الله بن الزبير، وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين فسار الحجاج من الطائف، حتى نزل منى، فحج بالناس وعبد الله بن الزبير محصور بمكة، ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس، ونواحى مكة كلها، فرمى أهل مكة بالحجارة، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها، جمع عبد الله بن الزبير القرشيين، فقال لهم: ما ترون ؟ فقال رجل منهم من بني مخزوم: والله لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا، لئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت معك، وإنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الامان لانفسنا ولك، وإما أن تأذن لنا فنخرج. فقال عبد الله قد كنت عاهدت الله أن لا يبايعني أحد، فأقيله بيعته إلا ابن صفوان. قال ابن صفوان: والله إنا لنقاتل معك، وما وفيت لنا بما قلت، ولكن خذني لحفيظة أن لا أدعك عند مثل هذه حتى أموت معك. فقال رجل آخر: اكتب إلى عبد الملك. فقال له عبد الله: وكيف ؟ أأكتب إليه: من عبد الله أبي بكر أمير المؤمنين، فوالله لا يقيل هذا مني أبدا، أم أكتب إليه: لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير، فوالله لان تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك. قال عروة أخوه وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك أسوة. فقال عبد الله: من هو أسوتي ؟ قال: الحسن بن علي ابن أبي طالب، خلع نفسه وبايع معاوية. فرفع عبد الله رجله وضرب عروة حتى ألقاه ثم قال: يا عروة، قلبي إذن مثل قلبك، والله لو قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا، وقد أخذت الدنية، وما ضربة بسيف إلا مثل ضربة بسوط، لا أقبل شيئا مما تقولون. قال: فلما أصبح دخل على بعض نسائه فقال: اصنعي لي طعاما، فصنعت له كبدا وسناما. قال: فأخذ منها لقمة فلاكها ساعة، فلم يسغها فرماها، وقال: اسقوني لبنا، فأتى بلبن فشرب، ثم قال هيئوا لي غسلا، قال: فاغتسل، ثم تحنط وتطيب، ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول: ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى يلين لضرس الماضغ الحجر ثم دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي عمياء من الكبر، قد بلغت من السن مئة سنة. فقال لها: يا أماه، ما ترين ؟ قد خذلني الناس وخذلتي أهل بيتي. فقالت: يا بني لا يلعبن بك صبيان بني أمية، عش كريما، ومت كريما. فخرج وأسند ظهره إلى الكعبة، ومعه نفر يسير فجعل يقاتل بهم أهل الشام، فيهزمهم، وهو يقول: ويل امه فتحا لو كان له رجال ! قال: فجعل الحجاج يناديه: قد كان لك رجال، ولكنك ضيعتهم. قال: فجاءه حجر

[ 25 ]

من حجارة المنجنيق وهو يمشى، فأصاب قفاه، فسقط، فما درى أهل الشام أنه هو حتى سمعوا جارية تبكى وتقول: وا أمير المؤمنين، فاحتزوا رأسه، فجاءوا به إلى الحجاج، وقتل معه عبد الله بن صفوان بن أمية، وعمارة بن عمرو بن حزم، ثم بعث برؤوسهم إلى عبد الملك، وقتل لسبع عشرة ليلة مضين من جمادي الاولى، سنة ثلاث وسبعين. قال أبو معشر: ثم أقام الحجاج بالمدينة عاملا عليها وعلى مكة والطائف ثلاث سنين، يسير بسيرته فيما يقولون. قال: فلما مات بشر بن مروان، وكان على الكوفة والبصرة، كتب إليه عبد الملك: أن سر إلى العراقيين، واحتل لقتلهم، فإنه قد بلغني عنهم ما أكره. واستعمل عبد الملك على المدينة يحيى بن حكيم بن أبي العاص. ولاية الحجاج على العراقيين قال: وذكروا أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين ويحتال لقتلهم، توجه ومعه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام وحماتهم، وأربعة آلاف من أخلاط الناس وتقدم بألفي رجل، وتحرى دخول البصرة يوم الجمعة في حين أوان الصلاة، فلما دنا من البصرة، أمرهم أن يتفرقوا على أبواب المسجد، على كل باب مئة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم وعهد إليهم أن إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد، والواقعة فيهم، فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الارض وكان المسجد له ثمانية عشر بابا، يدخل منها إليه. فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الابواب، فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون الصلاة: ودخل الحجاج وبين يديه مئة رجل، وخلفه مئة كل رجل منهم مرتد بردائه، وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره. فقال لهم: إني إذا دخلت فسأكلم القوم في خطبتي، وسيحصبونني، فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي، فضعوا أسيافكم، واستعينوا بالله، واصبروا إن الله مع الصابرين، فلما دخل المسجد، وقد حانت الصلاة، صعد المنبر فحمد الله ثم قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده، وارتضاه إماما على عباده، وقد ولاني مصركم، وقسمة فيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإمضاء الحكم على ظالمكم، وصرف الثواب إلى المحسن البرئ، والعقاب إلى العاصى المسيئ، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ عليكم عهده، وأرجو بذلك من الله عز وجل المجازاة، ومن خليفته المكافأة وأخبركم أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم: سيف رحمة، وسيف عذاب ونقمة، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، وأما سيف

[ 26 ]

النقمة فهو هذا. فحصبه الناس. فلما أكثروا عليه خلع عمامته، فوضعها على ركبته، فجعلت السيوف تبرى الرقاب، فلما سمع الخارجون الكائنون على الابواب وقيعة الداخلين، ورأوا تسارع الناس إلى الخروج، تلقوهم بالسيوف، فردعوا الناس إلى جوف المسجد، ولم يتركوا خارجا يخرج، فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا، حتى سالت الدماء إلى باب المسجد، وإلى السكك. قال أبو معشر: لما قدم الحجاج البصرة، صعد المنبر، وهو معتجر بعمامته متقلد سيفه وقوسه. قال: فنعس على المنبر، وكان قد أحيا الليل، ثم تكلم بكلام فحصبوه، فرفع رأسه ثم قال: إني أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها. فهابوه وكفوا، ثم كلمهم فحصبوه وأكثروا، فأمر بهم جندا من أهل الشام، وكانوا قد أحاطوا به من حوله ومن حول أبواب المسجد. قال: فلما فرغ منهم وأحكم شأنه فيهم، بعث عبد الرحمن بن محمد ابن الاشعث إلى سجستان، عاملا ومعه جيش. فكتب إليه الحجاج أن يقاتل حصن كذا وكذا، فكتب إلى الحجاج: إني لا أرى ذلك صوابا، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فكتب إليه الحجاج: أنا الشاهد، وأنت الغائب، فانظر ما كتبت به إليك، فامض له، والسلام. خروج ابن الاشعث على الحجاج قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث لما خرج على الحجاج جمع أصحابه، وفيهم عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن نوفل، وبنو عون بن عبد الله، وعمر بن موسى ابن معمر بن عثمان بن عمرة، وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص. فقال لهم: ما ترون ؟ فقالوا: نحن معك، فاخلع عدو الله وعدو رسوله، فإن خلعه من أفضل أعمال البر، فخلعه وأظهر خلعه. فلما أظهر ذلك قدم عليهم سعيد بن جبير، فقالوا له: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، فما الرأي ؟ قال: الرأي أن تكفوا عما تريدون، فإن الخلع فيه الفتنة، والفتنة فيها سفك الدماء، واستباحة الحرم، وذهاب الدين والدنيا. فقالوا. إنه الحجاج وقد فعل ما فعل، فذكروا أشياء، ولم يزالوا به حتى سار معهم وهو كاره. قال. وانتهى الخبر إلى الحجاج، فقيل له: إن عبد الرحمن قد خلعك ومن معه فقال: إن معه سعيد بن جبير، وأنا أعلم أن سعيدا لا يخرج، وإن أرادوا ذلك فيسكفهم عنه. فقيل له: إنه رام ذلك، ثم لم يزالوا به حتى فتنوه، وسار معهم. فبعث الحجاج الغضبان الشيباني ليأتيه بخبر عبد الرحمن بن الاشعث من كرمان، وتقدم إليه أن لا يكتمه من أمره شيثا،

[ 27 ]

فتوجه الغضبان إلى عبد الرحمن. فقال له عبد الرحمن: ما وراءك يا غضبان ؟ قال: شر طويل، تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك. ثم انصرف من عنده، فنزل رملة كرمان، وهي أرض شديدة الحر، فضرب بها قبة وجلس فيها، فبينا هو كذلك إذ ورد أعرابي من بكر بن وائل على قعود، فوقف عليه وقال: السلام عليك. فقال له الغضبان: السلام كثير، وهي كلمة مقولة. قال الاعرابي: من أين أقبلت ؟ قال: من الارض الذلول. قال: وأين تريد ؟ قال: أمشى في مناكبها، وآكل من رزق الله الذي أخرج لعباده منها. قال الاعرابي: فمن غلب اليوم ؟ قال الغضبان. المتقون. قال: فمن سبق ؟ قال: حزب الله الفائزون. قال الاعرابي: ومن حزب الله ؟ قال: هم الغالبون. فعجب الاعرابي من منطقه، وحضور جوابه. ثم قال: أتقرض (1) ؟ قال الغضبان: إنما تقرض الفأرة. قال: أفتنشد (2) ؟ قال: إنما تنشد الضالة. قال: أفتسجع (3) ؟ قال: إنما تسجع الحمامة. قال: أفتنطق (4) ؟ قال: إنما ينطق كتاب الله. قال: أفنقول (5) ؟ قال: إنما يقول الامير. قال الاعرابي: تالله ما رأيت مثلك قط. قال الغضبان: بل رأيت ولكنك نسيت، قال الاعرابي: فكيف أقول ؟ قال: أخذتك الغول، في العاقلون (6)، وأنت قائم تبول. قال الاعرابي: أتأذن لي أن أدخل عليك ؟ قال الغضبان: وراؤك أوسع لك، قال الاعرابي: قد أحرقتني الشمس: قال الغضبان: الآن يفئ عليك الفئ (7) إذا غربت. قال الاعرابي: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي. قال الغضبان: بل عليها تبرد. قال الاعرابي: إن الوهج شديد. قال الغضبان: ما لي عليه سلطان. قال الاعرابي: إني والله ما أريد طعامك ولا شرابك. قال الغضبان: لا تعرض بهما، فوالله لا تذوقهما. قال الاعرابي: وما عليك لو ذقتهما ؟ قال الغضبان: نأكل ونشبع. فإن فضل شئ من الاكرياء (8) والغلمان، فالكلب أحق به منك. قال الاعرابي: سبحان الله ! قال الغضبان: نعم، من قبل أن


(1) تقرض: تقول الشعر. (2) تنشد: تروى شعر غيرك. (3) تسجع: تقول نثرا مسجوعا. (4) تنطق: تتكلم باي كلام. (5) تقول: تتكلم بأي كلام عن غيرك. (6) العاقول: نبات تأكله الابل. (7) الفئ: الظل. (8) الاكرياء: جمع كري وهو من يعمل بالاجر. (*)

[ 28 ]

يطلع رأسك وأضراسك إلى الدنيا، قال الاعرابي: ما عندك إلا ما أرى ؟ قال الغضبان: بل عندي هراوتان أضرب بهما رأسك حتى يثتثر دماغك. قال الاعرابي: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الغضبان: أظلمك أحد ؟ قال الاعرابي: ما أرى. ثم قال الاعرابي: يا آل حارث بن كعب، فقال الغضبان: بئس الشيخ ذكرت. قال الاعرابي: ولم ذلك ؟ قال الغضبان: لان إبليس يسمى حارثا. قال الاعرابي: إني لاحسبك مجنونا. قال الغضبان: اللهم اجعلني من خيار الجن. قال الاعرابي: إني لاظنك حروريا (1). قال الغضبان: اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير. قال الاعرابي: إني لاراك منكرا. قال الغضبان. إني لمعروف فيما أوتى. فولى عنه وهو يقول: إنك لبذخ أحمق، وما أنطق الله لسانك إلا بما أنت لاق وعما قليل تلتف ساقك بالساق. فلما قدم الغضبان على الحجاج قال له: أنت شاعر ؟ قال: لست بشاعر، ولكني خابر. قال: أفعراف أنت ؟ قال: بل وصاف. قال: كيف وجدت أرض كرمان ؟ قال الغضبان: أرض ماؤها وشل (2)، وسهلها جبل، وثمرها دقل (3)، ولصها بطل، إن كثر الجيش بها جاعوا، وإن قل بها ضاعوا. قال: صدقت، أعلمت من كان الاعرابي ؟ قال: لا، قال: كان ملكا خاصمك، فلم تفقه عنه لبذخك، اذهبوا به إلى السجن فإنه صاحب المقالة: تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك. وأنت يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك، فما الذي به دهاك ؟ قال الغضبان: جعلني الله فداك أيها الامير، أما إنها لا تنفع من قيلت له، ولا تضر من قيلت فيه. فقال الحجاج: أجل ولكن أتراك تنجو مني بهذا ؟ والله لاقطعن يديك ورجليك، ولاضربن بلسانك عينيك. قال الغضبان: أصلح الله الامير، قد آذاني الحديد وأهون ساقي القيود، فما يخاف من عدلك البرئ، ولا يقطع من رجائك المسئ. قال الحجاج: إنك لسمين. قال الغضبان: القيد والرتعة (4)، ومن يك ضيف الامير يسمن. قال: إنا حاملوك على الادهم (5) قال الغضبان: مثل


(1) حرورى: نسبة إلى حروراء قرية قرب الكوفة ظهر بها الخوارج، يريد إني لاظنك من الخوارج. (2) وشل: قليل. (3) الدقل: أردأ التمر. (4) الرتعة: عدم المسئولية: (5) الادهم: أصله في اللغة الاسود ولكنه يطلق على قيد الحديد لان الحديد أسود وصار علما عليه. (*)

[ 29 ]

الامير أصلحه الله يحمل على الادهم (1) والاشقر. قال الحجاج: إنه لحديد. قال الغضبان: لان يكون حديدا (2) خير من أن يكون بليدا. قال الحجاج: اذهبوا به إلى السجن، قال الغضبان: (فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون). فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط، فقال لجلسائه: كيف ترون هذه القبة ؟ قالوا: ما رأينا مثلها قط. قال الحجاج: أما إن لها عيبا فما هو ؟ قالوا: ما نرى بها عيبا. قال: سأبعث إلى من يخبرني به، فبعث، فأقبل بالغضبان وهو يرسف في قيوده، فلما مثل بين يديه. قال له يا غضبان: كيف قبتي هذه ؟ قال: أصلح الله الامير نعمت القبة ! حسنة مستوية ! قال: أخبرني بعيبها ؟ قال: بنيتها في غير بلدك، لا يسكنها ولدك، ومع ذلك فإنه لا يبقى بناؤها، ولا يدوم عمرانها، وما لا يبقى ولا يدوم، فكأنه لم يكن. قال الحجاج: صدق، ردوه إلى السجن. فقال الغضبان: أصلح الله الامير، قد أكلني الحديد، وأوهن ساقي القيود، وما أطيق المشي. قال: احملوه. فلما حمل على الايدي قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) قال: أنزلوه، فلما أنزلوه. قال: (رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين). قال الحجاج: جروه. قال الغضبان وهو يجر: (بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم). قال الحجاج: اضربوا به الارض، فقال: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال: ويحكم، قد غلبني والله هذا الخبيث، أطلقوه إلى صفحي عنه. قال الغضبان: (فاصفح عنهم وقل سلام). فنجا من شره بإذن الله، وكانت براءته فيما انطلق على لسانه. حرب الحجاج مع ابن الاشعث وقتله قال: وذكروا أن الحجاج لما قدم العراق أميرا، زوج ابنه محمدا ميمونة بنت محمد بن الاشعث ابن قيس الكندي، رغبة في شرفها، مع ما كانت عليه من جمالها، وفضلها في جميع حالاتها، وأراد من ذلك، استمالة جميع أهلها وقومها إلى مصافاته، ليكونوا له يدا على من ناوأه، وكان لها أخ يقال له عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث الكندي، له أبهة في نفسه. وكان جميلا بهيا منطقيا، مع ما كان له من التقدم والشرف، فازدهاه ذلك وملاه كبرا وفخرا وتطاولا، فألزمه بنفسه، وألحقه بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره، وأجرى عليه العطايا الواسعة،


(1) يريد الفرس الادهم وهو الاسود والفرس الاشقر وهو الابيض. (2) أراد الغضبان بالفرس الحديد: السريع. (*)

[ 30 ]

صلة لصهره، وحبا لاتمام الصنيعة إليه، وإلى جميع أهله. فأقام عبد الرحمن كذلك حينا مع الحجاج، لا يزيده الحجاج إلا إكراما، ولا يظهر له إلا قبولا، وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها، لتشمخه زاهيا بأنفه حتى إنه كان ليقول إذا رآه مقبلا: أما والله يا عبد الرحمن، إنك لتقبل علي بوجه فاجر، وتدبر عني بقفاء غادر، وايم الله لتبتلين حقيقة أمرك على ذلك. فمكث بهذا القول منه دهرا، حتى إذا عيل صبر الحجاج على ما يتطلع من عبد الرحمن، أراد أن يبتلى حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور، وأن يبدي منه ما يكتم من غائلته، فكتب إليه عهده على سجستان. فلما بلغ ذلك أهل بيت عبد الرحمن، فزعوا من ذلك فزعا شديد، فأتوا الحجاج، فقالوا له: أصلح الله الامير، إنا أعلم به منك، فإنك به غير عالم، ولقد أدبته بكل أدب، فأبى أن ينتهى عن عجبه بنفسه، ونحن نتخوف أن يفتق فتقا، أو يحدث حدثا، يصيبنا فيه منك ما يسوؤنا. فقال الحجاج: القول كما قلتم، والرأي كالذي رأيتم، ولقد استعملته على بصيرة، فإن يستقم فلنفسه نظر، وإن يفترج سبيله عن بصائر الحق يهد إليها إن شاء الله. فلما توجه عبد الرحمن إلى عمله، توجه وهو مصر لخلعان طاعة الحجاج، وسار بذلك مسيره أجمع حتى نزل مدينة سجستان، ثم مر على خلعانه عام كامل، فلما أجمع عبد الرحمن على إظهار خلعان الحجاج، كتب إلى أيوب بن القرية التميمي، وهو مع الحجاج في عسكره، خاص المنزلة منه، وكان مفوها كليما يسأله أن يصدر إليه رسالة الحجاج، يخلع فيها طاعة الحجاج، فكتب له ابن القرية رسالة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث، إلى الحجاج ابن يوسف: سلام على أهل طاعة الله، أوليائه الذين يحكمون بعدله، ويوفون بعهده، ويجاهدون في سبيله، ويتورعون لذكره، ولا يسفكون دما حراما، ولا يعطلون للرب أحكاما، ولا يدرسون له أعلاما، ولا يتنكبون النهج، ولا يبرمون السي، ولا يسارعون في الغي، ولا يدللون الفجرة، ولا يترضون الجورة، بل يتمكنون عند الاشتباه، ويتراجعون عند الاساءة. أما بعد: فإني أحمد إليك الله حمدا بالغا في رضاه، منتهيا إلى الحق في الامور الحقيقية لله علينا. وبعد: فإن الله أنهضني لمصاولتك، وبعثني لمناضلتك، حين تحيرت أمورك، وتهتكت ستورك، فأصبحت عريان حيران، مبهتا (1) لا توافق وفقا، ولا ترافق رفقا. ولا تلازم صدقا، أؤمل من الله الذي ألهمني ذلك، أن يصيرك في حبالك، أو أن يجئ بك في القرن (2)، ويسحبك للذقن (3) وينصف منك من لم تنصفه من نفسك،


(1) مبهتا: منسوبا إلى البهتان والزيغ. (2) القرن: بفتح القاف والراء الحبل: يريد أن يأتي أسيرا. (3) أي تجر على وجهك. (*)

[ 31 ]

ويكون هلاكك بيدى من اتهمته وعاديته. فلعمري لقد طال ما تطاولت، وتمكنت وأخطيت، وخلت أن لن تبور، وأنت في فلك الملك تدور، وأظن مصداق ما أقول ستخبره عن قريب فسر لامرك، ولاق عصابة خلعتك من حبالها خلعها نعالها. وتدرعت جلالها (1)، تجرعها مطالها، لا يحذرون منك جهدا، ولا يرهبون منك وعيدا، يتأملون خزايتك، ويتجرعون إمارتك، عطاشا إلى دمك، يستطعمون الله لحمك، وايم الله لينافقنك منهم الابطال، الذين بيتهم فيما يحاولونك به على طاعة الله، شروا (2) أنفسهم تقربا إلى الله، فأغض عن ذلك يا بن أم الحجاج. فسنحمل عليك إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام على أهل طاعة الله. فلما قدم الكتاب على الحجاج، خرج موائلا قد أخذ بطرف ردائه، وألقى الطرف الآخر يجره من خلفه حتى صعد المنبر ونودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ثم قال: نقاتلهم ولم نشتم عدوا * وشر عداوة المرء السباب امرؤ وعظ نفسه بنفسه، امرؤ تعاهد غفلة نفسه وتفقدها جهده، امرؤ وعظ بغير فاتعظ، قد تبين لكم ما تأتون وما تبغون، العجب العجب، وما هو أعجب من العير (3) الابتر، إني وجهته ومن معه من المنافقين لسبع مئة وزن سبعة سواء، فانطلقوا في نحور العدو، ثم أقبلوا على راياتهم لقتال أهل الاسلام، من أجل عير أبتر، ومن كيده ما هو أعجب العجب، على حين أننا قد أمنا الخوارج، وأطفأنا الفتن، فكان من شكركم يا أهل العراق ليد الله فيكم، ونعمته عليكم، وإحسانه إليكم، جرأتكم على الله، وانتهاككم حرمته، واغتراركم بنعمة الله، ألم يأتكم شبيب مهزوما ذليلا، فهلا توجهت إليه منكم خمسة وعشرون أمير جيش، ليس منهم من أمير جيش إلا وهو في جنده بمنزلة العروس التي يزف بها إلى خدرها، فيقتل أميرهم وهم وقوف ينظرون إليه، لا يرون له حرمة في صحبة، ولا ذماما في طاعة، فقبحت تلك الوجوه ! فما هذا الذي يتخوف منكم يا أهل العراق، أما هذا الذي نتقى ؟ والله لقد أكرمنا الله بهوانكم وأهانكم بكرامتنا، في مواطن شتى تعرفونها، وتعرفون أشياء حرمكم الله اتخاذها، وما الله


(1) الجلال: الامور العظيمة. (2) شروا أنفسهم: باعوها. (3) العير: بفتح العين وسكون الياء الحمار، الابتر المقطوع الذنب (*)

[ 32 ]

بظلام للعبيد. ثم خذلانكم لهذه المعلوجاء (1) المقصصة انحرافا، أولى لهذه (2) المعلوجاء وأخلاطها من أهل العراق ! لقد هممت أن أترك بكل سكك منها جيفا منتفخين، شائلة (3) أرجلهم، تنهشهم الطير من كل جانب. يا أهل الشام: أحدوا قلوبكم، وأحدوا سيوفكم، ثم قال: قد جد أشياعكم فجدوا * والقوس فيها وتر عرد (4) مثل ذراع البكر (5) أو أسد هيهات: ترك الخداع من أجرى من المئة، ومن لم يذد عن حوضه يهدم، وأرى الحزام قد بلغ الطبيين، والتقت حلقتا البطان (6)، ليس سلامان كعهدين، أنا ابن العرقية (7). وابن الشيخ الاعز، كذبتم ورب الكعبة، ما الرأي كما رأيتم، ولا الحديث كما حدثتم، فافطنوا لعيوبكم وإياكم أن أكون أنا وأنتم كما قال القائل: إنك إن كلفتني ما لم أطق * ساءك ما سرك مني من خلق وألمخبر بالعلم ليس كالراجم بالظنون، فالتقدم قبل التندم، وأخو المرء نصيحته ثم قال. لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما ثم قال. احمدوا ربكم، وصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم نزل وقال: اكتب يا نافع وكان نافع مولاه وكاتبا يكتب بين يديه: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الاشعث، سلام على أهل النزوغ من التزييغ وأسباب


(1) المعلوجاء: جمع علج وهو الرجل الاعجمي الذي ليس بعربي، والمقصصة: التى تركت حتى كادت تموت. (2) أولى لهذه المعلوجاء: كلمة تهديد: أي قاربهم ما يهلكهم. (3) شائلة: مرتفعة. (4) العرد: المشدود مستعد الاطلاق السهم. (5) البكر: بفتح الباء وضمها: الفتى من الابل القوى. (6) سبق بيان معنى هذه الجملة والتي قبلها في الجزء الاول في خطاب عثمان رضي الله عنه إلى الامام علي بن أبي طالب رضى الله عنه وفي غيره من الخطب والرسائل. (7) كنابة عن الشدة. (*)

[ 33 ]

الرداء، لا إلى معادن السي، والتقحم في الغي، فإني أحمد الله الذي خلاك في حيرتك، إذ بهتك في السيرة، ووهلك للضرورة حق أقحمك أمورا أخرجت بها عن طاعته، وجانبت ولايته، وعسكرت بها في الكفر، وذهلت بها عن الشكر، فلا تشكر في السراء، ولا تصبر في الضراء أقبلت مستنا بحريم الحرة، وتستوقد الفتنة لتصلى بحرها، وجلبت لغيرك ضرها، وقلت وثاق الاحتجاج، ومبارزة الحجاج، ألا بل لامك الهبل، وعزة ربك لتكبن لنحرك (1). ولتقلبن لظهرك، ولتتخبطن فريصتك (2)، ولتدحضن حجتك ولتذمن مقامك، ولتشتغلن سهامك، كأني بك تصير إلى غير مقبول منك. إلا السيف هوجا هوجا، عند كشوف الحرب عن ساقها، ومبارزة أبطالها، والسلام على من أناب إلى الله وسمع وأجاب. ثم قال: من ها هنا من فتية بني الاشعث بن قيس ؟ قيل سعيد بن جبير. قال: فأتى به. قال له: انطلق بهذا الكتاب إلى هذا الطاغية، الذي قد فتن وفتن، فاردعه عن قبيح ما دخل فيه، وعظيم ما أصر عليه من حق الله، وحرمة ما انتهك عدو الله، إلى ما في ذلك من سفك الدماء، وإباحة الحريم، وإنفاق الاموال، فإني لو لا معرفتي بأنك قد حويت علما، وأصبت فقها، أخاف أن يكون عليك لا لك، لعهدت لك به عهدا تقفل به، ولكن انطلق مرتك هذه قبل الكتاب إلى، واحمله على البريد. فخرج سعيد به متوجها، حتى انتهى إليه. فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب، تبينت رعشته جزعا منه، وهيبة له، وسمع بذلك من كان يتابعه، وهوى كل ذي هوى، وضم سعيد بن جبير فلم يظهره للناس، وكتم الكتاب وجعل يستخلى بابن جبير في الليل فيسمر معه، ويسأله عبد الرحمن الدخول معه فيما رأى هو من خلع الحجاج، فأبى سعيد ذلك عليه، فمكث بذلك شهرا كريتا (3). فأسعفه سعيد بن جبير بطلبته، وسارع معه في رغبته، وخلعان طاعة الحجاج، ثم إن عبد الرحمن، تجهز من سجستان مقبلا، يقود من يقوده من أهل هواه وأهل رأيه، وخرج الحجاج إليه بمن معه من أجناده من أهل الشام، وبمن معه يومئذ من أهل الطاعة من أهل العراق، حتى لقيه


(1) تكبن لنحرك: الكب: الالقاء، والنحر موضع الذبح من الحيوان، أي لتلقين على وجهك. (2) الفريصة: داخل الفخز أي الجزء غير الظاهر من الفخز، ومعنى تخبط الفريصة اضطرابها، وهذا يحدث عند الخوف، يقال ارتعدت فرائصه أي خاف (3) كريتا: كاملا. (*)

[ 34 ]

بدير من أديار الاهواز، يسمى بنيسابور، فناصبه للقتال ستة أشهر كريتة (1)، لا له ولا عليه، حتى إذا كان في جوف ليلة من الليلى، خلا الحجاج بعنبسة بن سعيد بن العاص، ويزيد بن أبي مسلم، وعلي بن منقذ مولاه، وبعبد الرحمن بن زياد مولاه، وكان يزيد بن أبي مسلم حاجبه على ما وراء بابه وأما يحيى فوكله بالقيام خلف ظهره، إذا هو نسى أو غفل نخسه بمنخسه، ثم قال: اذكر الله يا حجاج، فيذكر ما بدا له أن يذكر. وأما عبد الرحمن ابن زياد: فكان ذا رأى ومشورة وأدب وفقه ونصيحة. أما عنبسة: فكان بعيد الهمة، طويل اللسان، بديه الجواب، فاصل الخطاب، موفق الرأي، فاستشارهم لما طال به وبعبد الرحمن القتال، لا يظفر واحد منهما بصاحبه - ومع عبد الرحمن سعيد بن جبير والشعبي، فكان هذا فقيه أهل الكوفة، وهذا فقيه أهل البصرة - في أن يبيته، فكره ذلك مواليه، وأشار عنبسة أن يبيته، فقال الحجاج: أصبت، أصاب الله بك الخير، وما الامر إلا النصيحة، والرأى شعوب، فمخطئ منها أو مصيب، غدا الاثنان، فصوموا ونصوم، واستعينوا الله بالخيرة، ونبيتهم الليلة المقبلة، ليلة الثلاثاء، فسوف أترجل، ويترجل أهل مودتي ونصيحتي، من ولدي وغيرهم. ففعل: وأصبح صائما، وبيتهم ليلة الثلاثاء وهو يقول: اللهم إن كان الحق لهم فلا تمتنا على الضلالة، وإن كان الحق لنا فانصرنا عليهم، فحمل عليهم والنيران توقد، فأصاب منهم، وأصيب منه، وانهزم ابن الاشعث في سواد الليل، وأصاب الحجاج عسكره، وأسر سعيد بن جبير، وأفلت عامر بن سعيد الشعبي مع ابن الاشعت، فلما أتى الحجاج بسعيد بن جبير، قال له: ويحك يا سعيد ! أما تستحيى مني ؟ ومدك الشيطان في طغيانك، ألا استحيت من المراقب لي ولك، والحافظ علي وعليك ؟ فقال: أصلح الله الامير، وأمتع به ! هي بلية وقعت، وعذاب نزل، والقول كما قال الامير، وكما نسبه به وأضافه إليه، إلا أني أتيت رجلا قد أزهى وطغى، ولبسته الفتنة، وركب الشيطان كتفيه، ونفث في صدره، وأملى على لسانه فخفته واتقيته بالذي فعلت ؟ فإن تعاقب فبذنب، وإن تعف فسجية منك. فقال له الحجاج: فإنا قد عفونا عنك، وسنردك إليه تارة أخرى. ثم كتب كتابا، ووجهه مع سعيد بن جبير إلى عبد الرحمن، فلما كان سعيد ببعض الطريق، خرق الكتاب. وقدم عبد الرحمن فأخبره، فنفر عبد الرحمن، وخرج موائلا إلى أهل البصرة، وقد قدمت عليه كتبهم، يستبطئونه ويستعجلونه حتى قدم عليهم، وبلغ ذلك الحجاج فسبقه إلى البصرة فدخل الحجاج المسجد متنكبا قوسا، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وحرض الناس على قتال ابن


(1) كريتة: كاملة. (*)

[ 35 ]

الاشعث، وحضهم على طاعة عبد الملك، وتكلم رجل من أهل البصرة، يقال له سلمة المنقرى، من بني تميم، وكان رجلا منطيقا، وله هوى في الخوارج، وكان الحجاج به خابرا. فلما رآه عرف أنه يريد الكلام. فقال له: ادن يا سلمة، فدنا. فقال له: قل: رضينا بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالاسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبأمير المؤمنين خليفة، وبالحجاج بن يوسف واليا. قال: والله لو كنا زمعا وبنى زمع ما رضينا أن نكون تبعا لهذا الحائك، أمير المؤمنين أعزه الله، وأعز أمره، أقرب قرابة وأوجب حقا، ونحن ألزم لطاعة الامير، أكرمه الله، من أن نسارع له في معصية أو نبطئ عنه في طاعة، فأجابه الحجاج فقال: يا سلمة، هذا قول حسن، لا أدخله صدري، ولاردنه في نحرك، حتى نبتلى حقيقته إن شاء الله، وكان قوله هذا على المنبر، وقد عسكر بأجناده بالزاوية، والزاوية في طرف من ناحية البصرة في طرف بن تميم. ثم إنه خرج من المسجد، وحشد الناس من كان في الطاعة يومئذ من أهل العراق، وقد كان انهزم لابن الاشعث غير ما مرة، وقتل له ابن الاشعث خلقا لا تحصى كثرة، قبل هذه المرة، حتى يئس من نفسه وقال: أترون العجوز، ابنة الرجل الصالح كذبتني ؟ يعنى أسماء بنت أبي بكر الصديق، لئن صدقت أسماء لا أقتل اليوم. وكان الحجاج لما فرغ من قتال عبد الله بن الزبير، بعث إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق أن تأتيه، فأبت أن تأتيه. فقال: والله لئن لم تأتني لابعثن إليها من يجر بقرون رأسها، ويسحبها حتى تصل إلي، فقيل ذلك لها. فقالت: والله لا أسير إليه حتى يبعث إلي من يجر بقرون رأسي. فأقبل الحجاج حتى وقف عليها، فقال لها: كيف رأيت ما فعل الله تعالى بابنك، عدو الله ؟ الشاق لعصا المسلمين، المفنى لعباده والمشتت لكلمة أمة نبيه ؟ فقالت: رأيته اختار قتالك، فاختار الله له ما عنده، إذ كان إكرامه خيرا من إكرامك. ولكن يا حجاج بلغني أنك تنتقصني بنطاقي هذين، أو تدري ما نطاقاي ؟ أما النطاق هذا فشددت به سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة بدر، وأما النطاق الآخر، فأوثقت به خطام بعيره. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن لك به نطاقين في الجنة، فانتقص علي بعد هذا أودع، ولكن لا إخا لك يا حجاج، أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: منافق ثقيف يملا الله به زاوية من زوايا جهنم، يبيد الخلق، ويقذف الكعبة بأحجارها، ألا لعنة الله عليه ! فأفحم الحجاج ولم يحر جوابا. قال: وسار ابن الاشعث بعد ما هزم الحجاج مرارا إلى الكوفة حتى نزل دير الجماجم، فقتل للحجاج فيه خلق كثير، وكتب إلى عبد الملك بن مروان أن أمدني بالرجال، قال: فأمده بمحمد بن مروان في أناس من بني أمية كثير، وجعل الحجاج أمير عليهم، فسار الحجاج إلى ابن الاشعث، فافتتلوا أياما بدير الجماجم، حتى كثر القتل في


(1) الزمع بفتح الزاى والميم: أراذل الناس. (*)

[ 36 ]

الفريقين جميعا، ثم إن ابن الاشعث لما حشد العسكر والحجاج بالبصرة. عسكر على مسير ثلاثة أميال من البصرة على نهر يقال له نهر ابن عمر، فكتب ابن الاشعث يسأله أن يتنحى عنهم لما كرهوا ولايته، حتى يستعمل عليهم أمير المؤمنين غيره، من هو أحب إليهم منه. فلما انتهى إليه رسوله قال الحجاج: أدخلوه، فلما دخل سلم عليه بالامارة، قال: من أنت ؟ قال: رجل من خزاعة. قال: من أهل البصرة أنت، أم من أهل الكوفة ؟ قال: لا، بل من أهل سجستان. قال: هل تأخذ لامير المؤمنين ديوانا ؟ قال: لا، قال: أفمن وزراء ابن الاشعث أنت علينا في هذه الفتنة يا أخا خزاعة ؟ قال، والله ما هويتها، ولقد جلبني إليك مكرها، قال: فكيف تسليمك على صاحبك إذا انصرفت إليه ؟ قال: بالامرة، قال: فهل ترى في ذلك أنك صادق ؟ قال: الله أعلم بأي الامرين هو في نفسك أعلى الصواب أم على الخطأ ؟ قال: الله أعلم أي الامرين في نفسي. قال: أما إنك يا أخا خزاعة قد رددت الامر إليه وهو تعالى أعلم، انطلق إلى صاحبك بكتابك كما جئت به، وأعلمه بالذي كان من ردنا عليك، فإنه جوابه عندنا، ونحن مناجزوه القتال، ومحاكموه إلى الله من يوم الاربعاء إن شاء الله، فليعد وليستعد لذلك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وذلك يوم الاحد. قال: فلما انصرف رسوله إليه ناوله الكتاب، فلما رآه بخاتمه، أي مثل ما بعثه كف، فلم يسأله أمام من حضر، حتى ارتفع الناس، ثم دعاه فأخبره الخبر. قال: وما وراء ظهرك إلا هذا ؟ قال له: في دون ما جئتك به ما يكفيك، فقد رأيت أمرا صعبا ليس وراء إلا المناجزة. ثم إن الحجاج هتف هتفة أن اجتمعوا للعطية، ففرق العطية في ثلاثة مواضع، وكان قواده يومئذ ثلاثة: سفيان بن الابرد الكلبي على ميمنته، وسعيد بن عمرو الجرشى على القلب، وعبد الرحمن بن عبد الله العكى على ميسرته، فأعطى الناس على هذا وأقام في معسكره متربصا ومنتظرا ليوم الاربعاء. فلما رأى ابن الاشعث أنه لا يتقدم لقتاله، وأنه متربص ليوم الاربعاء، بعث رجلا من معسكره، حتى دنا من معسكر الحجاج، فنزل قريبا منه، على مقدار حضر (1) الفرس، رجاء أن يتحرش له أحد من معسكر الحجاج، فينشب القتال قبل يوم الاربعاء، فرارا منه، وتطيرا به. فلما رأى الحجاج ذلك علم ما أراده والذي توقع، فتقدم إى أمراء أجناده وقواده، وإلى أهل عسكره عامة، ألا يكلم أحد منهم أحدا من عسكر ابن الاشعث، ولا يعرضه على نفسه، وإن أمكنته الفرصة منه إلا يوم الاربعاء، فلما كانت صبيحة يوم الاربعاء، وهو يوم يتطير به أهل العراق، فلا يتناكحون، ولا يسافرون فيه، ولا يدخلون من سفر، ولا


(1) حضر الفرس: جريه السريع، أي على مسافة يقطعها الفرس سريعا بحيث يراه من خلفه. (*)

[ 37 ]

يبايعون فيه بشئ، ولا بالبغل الاغر الاشقر. قال: فدعا الحجاج ببغلة شقراء محجلة، فركبها خلافا لرأيهم، واستشعارا بطيرتهم، وتوكلا على الله، ونادى مناديه في عسكره: أن انهضوا إلى قتال ابن الاشعث، وأمر خاصته فركبوا معه، وقدم رجالته، وأخر خلفه مقاتلته، حتى إذا كانوا من عسكر ابن الاشعث على مثال الاسهم وقف فصف أصحابه وعبأهم للقتال، وفعل مثل ذلك ابن الاشعث، وترجل الحجاج وخاصته، ووضع له منبرا من حديد، فجلس عليه وترامى الناس، حتى إذا كاد القتال ينشب، خرج رجل من أصحاب ابن الاشعث وهو ينادى: ألا هل من مبارز ؟ فقام إليه عنبسة بن سعيد القرشى وهو يمشى مشية قد لامه الحجاج عليها، وكرهها له. فلما رآه الحجاج وهو يمشى تلك المشية، قال الحجاج: ظلمتك يا عنبسة، لو كنت تاركها يوما من دهرك لتركتها يومك هذا. فلما دنا من الرجل، قال له عنبسة: فمن أنت يا منتخي ؟ فقال: رجل من بني تميم، ثم من بني دارم، فحمل عليه عنبسة، فبدره بالضربة فقتله، ثم انصرف إلى مجلسه فجلس، وقد تبين للناس حسن صنعه، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، واشتد قتالهم، وانتحى سفيان على مركزه لم يرم، والجرشي على مركزه لم يرم، وكانت ميلتهم على الميسرة، فنحوا عبد الرحمن العكى. فلما رآه الحجاج قد انكسرت ناحيته، وزال عنها، بعث إليه ابن عمه الحكم بن أيوب في خيل. فقال: انطلق إلى عدو الله فاضرب وجهه بالسيف حتى ترده إلى مقامه، ففعل، وبعث إلى سفيان بن الابرد يأمره بقتال القوم ومحاربتهم، فحمل عليهم سفيان وهم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها، وكان بإذن الله الفتح والغلبة من ناحية سفيان، وقد بعث إليه الجرشي يستأذنه للقتال، فمنعه الحجاج وقال له: لا، إلا أن ترى أمرا مقبلا، وتمكنا من فرصة، فاجتمع الامر، وثاب العكى، وانهزم ابن الاشعث، واستحقت هزيمته، فدعا الحجاج بدابته فركبها، وركب من كان مترجلا معه، بعد سجود ودعاء، وشكر كان منه، على ما صنع الله به ومن كان معه، وحمدوا الله تعالى كثيرا، وكبروا تكبيرا عاليا، ثم انتهى إلى ربوة فأومأ إليها، ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم، وحسر بيضته (1) عن رأسه، فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده، وهو يتمثل بهذه الابيات، وهي من قول عبيد بن الابرص، أو من قول اليشكرى: كيف يرجون سقاطى بعد ما * جلل الرأس بياض وصلع ساء ما ظنوا وقد أوريتهم * عند غايات الوغى كيف أقع


(1) البيضنه: الخوذة من الحديد يغطى الفارس بها رأسه. (*)

[ 38 ]

رب من أنضجت غيظا قلبه * قد تمنى لي موتا لم يطع ويراني كالشجي في حلقه * عسرا مخرجه ما ينتزع مربد يهدر ما لم يرني * فإذا أسمعته صوتي انقمع ويحييني إذا لاقيته * وإذا يخلو له الحمى رتع ورث البغضاء عن والده * حافظا منه الذي كان استمع ولساني صيرفي صارم * كذباب السيف ما مس قطع قال: فلما فرغ الحجاج من هذه الابيات كبر، ثم حمد الله بما هو أهله، للذي كان من صنعه به وبجماعته، فبينا هو كذلك، إذ أتاه من يخبره أن ابن الاشعث قد انخزل من أصحابه في نفر يسير، متوجها إلى ناحية خراسان، فدعا الحجاج ابن عم له، كان يعرفه بالنصيحة والهوى، فقطع معه ليلا، وأرسله في طلب ابن الاشعث إلى مواضع شتى، وعهد إليهم أن لا يدركوا أحدا إلا أتوا به أو برأسه أو يموت، فوقف الحجاج طويلا في مكانه ذلك المرتفع ينظر إلى معسكر ابن الاشعث، وأصحابه ينتهبونه، ثم رجع إلى معسكره فنزل، ودخل فسطاطه فجلس، وأذن لاصحابه فدخلوا عليه، فقام كل واحد منهم يهنئه بالفتح، وجعل ابن جبلة يأتيه بالاسرى، فكلما أتى بأسير أمر به فضربت عنقه، فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل، فلما أصبح وتراجع إليه أكثر خيله، أمر مناديه ينادى بالقفل (1)، فقفل وقفلت معه أجناده، وجميع أصحابه إلى مدينة واسط، فكان فيها وهو الذي كان بناها، قال: وضرب ابن الاشعث ظهرا لبطن، ليلا ونهارا حتى لحق بخراسان، ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج، والحذر لنفسه، ولم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع، حتى استغاث بقصر منيف، فحصره ابن عم الحجاج فيه، وأحاطت به الخيل من كل جانب، حتى ضيق عليه، ودعا بالنار ليحرقه في القصر، فلما رأى ابن الاشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ، وخاف النار، رمى بنفسه من بعض علالى القصر، وطمع أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار الناس، فيخفى أمره، ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه، وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه، قال: فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه، وقد أفاق بعض الافاقة، ولا يقدر على النهوض فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته، وانطلق برأسه إلى الحجاج، فلما قدم عليه أحدث لله شكرا وحمدا


(1) القفل: الرجوع. (*)

[ 39 ]

فيما كان من تمام الصنع، وما هيأ له من التأييد والظفر، وأقام كذلك لا يمر عليه يوم إلا وهو يؤتى فيه بأسرى، فلما رأى كثرتهم ازداد حنقا وغيظا لمسارعتهم في اتباع ابن الاشعث، ومخالفتهم عن الحجاج، فيأمر بقتلهم حردا على الخوارج، ورجا أن يستأصلهم، فلا يخرج عليه خارجي بعدها، فلما رأى كثرة من يؤتى به من الاسرى تحرى، فجعل إذا أتى بأسير يقول له: أمؤمن أنت أم كافر ؟ ليعرف بذلك الخوارج من غيرهم، فمن بدأ على نفسه بالكفر والنفاق عفا عنه، ومن قال أنا مؤمن ضرب عنقه. وأسر عامر بن سعيد الشعبي فيمن أسر، وكان مع ابن الاشعث في جميع حروبه، وكان خاص المنزلة منه، ليس لاحد منه مثلها للذي كان عليه من حاله، إلا سعيد بن جبير، وأفلت سعيد بن جبير فلحق بمكة، وأتى الشعبي إلى الحجاج في سورة غضبه (1)، وهو يقتل الاسرى الاول فالاول، إلا من باء على نفسه بالكفر والنفاق، فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له بريد بن أبي مسلم وكان مولاه وحاجبه، فقال: يا شعبي، لهفى بالعلم الذي بين دفتيك، وليس هذا بيوم شفاعة إذا دخلت على الامير، فبؤله بالكفر والنفاق عسى أن تنجو، فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعا رأسه لم يشعر، فلما رفع رأسه رآه قال له: وأنت أيضا يا شعبي فيمن أعان علينا وألب ! قال أصلح الله الامير إني أمرت بأشياء أقولها لك، أرضيك بها وأسخط الرب، ولست أفعل، ولكني أقول: أصلح الله الامير وأصدقك القول، فإن كان شئ ينفع لديك فهو في الصدق إن شاء الله أحزن بنا المنزل، وأجدب الجناب، واكتحلنا السهر، واستحلسنا (2) الخوف، وضاق بنا البلد العريض، فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فقال له الحجاج: كذلك. قال: نعم، أصلح الله الامير، وأمتع به، قال: فنظر الحجاج إلى أهل الشام فقال: صدق والله يا أهل الشام ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا، ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا، ثم قال: انطلق يا شعبي فقد عفونا عنك، فأنت أحق بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم يقول: كان وكان، قال: وكان قد أحضر بالباب رجلان، وأحدهما من بكر بن وائل، والآخر من تميم، وكانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب أن يقوله، فلما أدخلا. قال الحجاج للبكري: أمنافق أنت ؟ قال: نعم، أصلح الله الامير، لكن أخو بني تميم لا يبوء على نفسه بالنفاق. قال التميمي: أنا على دمى أخدع ؟، بل أنا - أصلح الله الامير - منافق مشرك.


(1) في شدة غضبه (2) استحلسنا الخوف: أي صار الخوف حلسا لنا أي ملاصقا لاجسادنا (*)

[ 40 ]

فتبسم الحجاج وأمر بتخلية سبيلهما. قال الشعبي: فو الله ما أتى لذلك الامر إلا نحو من شهرين، حتى رفعت إليه فريضة أشكلت عليه، وهي أم، وجد، وأخت. فقال: من هاهنا نسأله عنها ؟ قال: فدل على، فأرسل إلي، وقال يا شعبي ما عندك في هذه الفريضة، أم، وأخت وجد ؟ فقلت: أصلح الله الامير. قال فيها خمسة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال. من قال فيها ؟ قلت: قال فيها علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت. قال. هات ما قال فيها علي. فأخبرته. قال: فما قال فيها ابن مسعود ؟ فأخبرته، قال: فما قال فيها ابن عباس ؟ فو الله لقد كان متفقها فأخبرته. قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان ؟ فأخبرته. قال: فما قال زيد بن ثابت ؟ قلت: أخذها من تسعة أسهم، أعطى الام ثلاثة أسهم، وأعطى الجد أربعة أسهم، وأعطى الاخت سهمين. فلما سمع ما كان من قول كل واحد منهم، وعرف رأيهم فيها. قال يا غلام: قل للقاضى يمضيها على ما قال أمير المؤمنين عثمان. قال الشعبي: ودخلت عليه الترك، قد شدوا أوساطهم بعمائمهم، وانتزعت السيوف من أعناقهم وأخذوا الطوامير (1) بأيمانهم، فدخل عليه رجل من قبل أمير المؤمنين عبد الملك. فقال له الحجاج: كيف تركت أمير المؤمنين وأهله وولده وحشمه ؟ فأنباه عنه وعنهم بصلاح. فقال: ما كان وراءك من غيث ؟ قال: نعم، أصلح الله الامير، أصابتني سحابة في موضع كذا، فواد سائل، وواد تارع، فأرض مدبرة، وأرض مقبلة، حتى صدعت عن الكمأة أماكنها، فما أتيتك إلا في مثل مجرى الضب. فقال للحاجب: ائذن للناس فدخل عليه رجل أتاه من قبل نجد. فقال له: ما كان وراءك من غيث ؟ فقال: كثر الاعصار، واغبر البلاد، وأكل ما أشرف من الحشيشة، فاستيقنا أنه عام سنة. فقال: بئس المخبر أنت. قال: أخبرتك بالذي كان. فقال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل أتاه من قبل اليمامة. فقال: هل كان وراءك من غيث ؟ قال: نعم. وسمعت الرواد يدعون إلى ريادها، وسمعت رائدا يقول: هلموا أطعمكم محلة تطفو فيها النيران، وتشتكى فيها النساء، وتنافس فيها المعز. فقال له: ويحك، إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم. فقال: أصلح الله الامير، أما تطفوا النيران، فيستكثر فيها الزبد واللبن والتمر، فلا توقد نار، وأما أن يشتكى النساء: فإنه من جذبها على إبريق لبنها فتظل تمخض لبنها فتبيت ولها أنين من عضديها، وأما تنافس المعز: فإنها ترأم من نوار النبات وألوان الثمر ما يشبع بطونها، ولا يشبع عيونها، فتبيت، وقد امتلات أكراشها، لها من الكظة شرة تنزل به


(1) الطوامير: جمع طومار وطامور وهو الصحيفة. (*)

[ 41 ]

الدرة. ثم قال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل من الموالى، كان أشجع الناس في زمانه، يقال له عمرو بن الصلت. فقال له الحجاج: هل كان وراءك من غيث ؟ قال: نعم. أصلح الله الامير، أصابتني سحابة بموضع كذا وكذا، فلم أزل أطأ في أثرها، حتى دخلت على الامير. فقال له الحجاج: أما والله لئن كنت في المطر أقصرهم خطبة، إنك بالسيف لاطولهم باعا وخطوة. ولما انهزم بن الاشعث، قام بعده عبد الرحمن بن عياش بن ربيعة، فقاتل الحجاج ثلاثة أيام، ثم انهزم، فوقع بأرض فارس، ثم صار إلى السند، فمات هناك. وتحصن ناس من أصحاب ابن الاشعث في قلعة بأرض فارس، منهم عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل، والفضل ابن عياش، وعمرو بن موسى التميمي، ومحمد بن سعد أبي وقاص، وعبيد الله، ومحمد، وإسحاق، وعون، بنو عبد الله بن الحارث في ناس من قريش، ولحق سعيد بن جبير بمكة، فأشعر به الحجاج، فغفل عنه ولم يهيجه، فبعث الحجاج يزيد بن المهلب، فحاصرهم بفارس. قال أبو معشر: حدثني عون قال: كتب إلينا يزيد بن المهلب، أن أخبروني بآية بيني (1) وبينكم حتى أخرجكم. قال: فكتب إليه عبد الله بن الحارث: كنت يوم كذا وكذا في دارنا. قال: فأخرجه وبنيه، فسكنا عمان. وأسر من بقى، وأسروا اثنى عشر رجلا من وجوه الناس عامتهم من قريش، منهم عمرو ابن موسى التميمي ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، فبعث بهم إلى الحجاج فحبسهم عنده، وكتب إلى عبد الملك يخبره بأمرهم، وجعل يذكر في كتابه أن سعيد قد أنكر الخروج مع هؤلاء القوم، فكتب إليه عبد الملك يأمره بضرب أعناقهم ويقول في كتابه: لم أبعثك مشفعا وإنما بعثتك منفذا مناجزا لاهل الخلاف والمعصية. فأبرزهم الحجاج، فقال لعمرو بن موسى: يا عاتق قريش وكان شابا جميلا، ما لك أنت وللخروج، إنما أنت عاتق (2) صاحب ثياب ولعب ؟ فقال له عمرو: أيها الرجل، امض لما تريد، فإنما نزلت بعهد الله وميثاقه، فإن شئت فأرسل يدي، وبرئت مني الذمة. فقال له الحجاج: كلا، حتى أقدمك إلى النار، فضربت رقبته، ثم جئ بمحمد بن سعد، فقال له: يا ظل الشيطان، وكان رجلا طويلا، ألست بصاحب كل موطن ؟ أنت صاحب الحرة، وصاحب يوم الزاوية، وصاحب الجماجم. فقال له: إنما نرلت بعهد الله وميثاقه، أرسل يدى وبرئت مني الذمة، قال: لا، حتى


(1) الآية: المراد بها هنا العلامة. (2) العاتق: الجميل والشريف والكريم والنجيب والحر والمراد به هنا الجميل. (*)

[ 42 ]

أقدمك إلى النار، ثم قال لرجل من أهل الشام: اضرب لي مفرق رأسه، فضرب، فمال نصفه هاهنا، ونصفه هاهنا، ثم قتل الباقين: ذكر قتل سعيد بن جبير قال، وذكروا أن مسلمة بن عبد الملك، كان واليا على أهل مكة، فبينما هو يخطب على المنبر، إذ أقبل خالد بن عبد الله القسرى من الشام واليا عليها، فدخل المسجد، فلما قضى مسلمه خطبته، صعد خالد المنبر، فلما ارتقى في الدرجة الثالثة، تحت مسلمة، أخرج طومارا مختوما، ففضه، ثم قرأه على الناس، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة، أما بعد: فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسرى، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلا، فإنما هو القتل لا غير، وقد برئت الذمة من رجل أوي سعيد بن جبير، والسلام. ثم التفت إليهم خالد وقال: والذي نحلف به، ونحج إليه، لا أجده في دار أحد إلا قتله، وهدمت داره، ودار كل من جاوره، واستبحت حرمته. وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام، ثم نزل، ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام، فأتى رجل إلى خالد فقال له: إن سعد بن جبير بواد من أودية مكة، مختفيا بمكان كذا، فأرسل خالد في طلبه، فأتاه الرسول، فلما نظر إليه الرسول قال إنما أمرت بأخذك، وأتيت لاذهب بك إليه، وأعوذ بالله من ذلك، فالحق بأي بلد شئت، وأنا معك. قال له سعيد بن جبير: ألك هاهنا أهل وولد قال: نعم. قال: إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني. قال الرسول: فإني أكلهم إلى الله. فقال سعيد: لا يكون هذا. فأتى به إلى خالد فشده وثاقا، وبعث به إلى الحجاج. فقال له رجل من أهل الشام: إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك، فما عرض له، فلو جعلته فيما بينك وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله. فقال خالد، وقد كان ظهره إلى الكعبة قد استند إليها: والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا ينقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته. فلما قدم سعيد على الحجاج، قال له ما اسمك ؟ قال: سعيد. قال: ابن من ؟ قال: ابن جبير. قال: بل أنت شقى بن كسير ؟ قال سعيد: أمي أعلم باسمي واسم أبي. قال الحجاج: شقيت وشقيت أمك. قال سعيد: الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج: لاوردنك حياض الموت، قال سعيد: أصابت إذا أمي اسمي. فقال الحجاج: لابدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال سعيد: لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. قال الحجاج: فما قولك في محمد ؟ قال سعيد: نبي الرحمة، ورسول رب العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة. فقال الحجاج: فما قولك في الخلفاء ؟ قال سعيد:

[ 43 ]

لست عليهم بوكيل، كل امرئ بما كسب رهين. قال الحجاج: اشتمهم أم أمدحهم ؟ قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم، إنما استحفظت أمر نفسي. وقال الحجاج: أيهم أعجب إليك ؟ قال: حالاتهم يفضل بعضهم على بعض. قال الحجاج: صف لي قولك في علي. أفي الجنة هو، أم في النار ؟ قال سعيد: لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت، ولو رأيت من في النار علمت، فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب ؟ قال الحجاج: فأي رجل أنا يوم القيامة ؟ فقال سعيد: أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب. قال الحجاج: أبيت أن تصدقني ؟ قال سعيد: بل لم أرد أن أكذبك. فقال الحجاج فدع عنك هذا كله، أخبرني ما لك لم تضحك قط ؟ قال: لم أر شيئا يضحكني، وكيف يضحك مخلوق من طين، والطين، والطين تأكله النار، ومنقلبه إلى الجزاء، واليوم يصبح ويمسى في الابتلاء. قال الحجاج: فأنا أضحك. فقال سعيد: كذلك خلقنا الله أطوارا. قال الحجاج هل رأيت شيئا من اللهو ؟ قال: لا أعلمه. فدعا الحجاج بالعود والناى. قال: فلما ضرب بالعود، ونفخ في الناى بكى سعيد. قال الحجاج: ما يبكيك ؟ قال: يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما، والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت، ولا زلت حزينا لما رأيت. قال الحجاج: وما كنت رأيت هذا اللهو ؟ فقال سعيد: بل هذا والله الحزن يا حجاج، أما هذه النفخة، فذكرتني يوم النفخ في الصور، وأما هذا المصران (1) فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب، وأما هذا العود فنبت بحق، وقطع لغير حق. فقال الحجاج: أنا قاتلك. قال سعيد: قد فرغ من تسبب في موتي. قال الحجاج: أنا أحب إلى الله منك ؟ قال سعيد: لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه، والله بالغيب أعلم. قال الحجاج: كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا، وأنا مع إمام الجماعة، وأنت مع إمام الفرقة والفتنة ؟ قال سعيد: ما أنا بخارج عن الجماعة، ولا أنا براض عن الفتنة، ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له. قال الحجاج: كيف ترى ما نجمع لامير المؤمنين ؟ قال سعيد: لم أر، فدعا الحجاج بالذهب والفضة، والكسوة والجوهر، فوضع بين يديه. قال سعيد: هذا حسن إن قمت بشرطه. قال الحجاج: وما شرطه ؟ قال: أن تشترى له بما تجمع الامن من الفزع الاكبر يوم القيامة، وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت، ويضع كل ذي حمل حمله، ولا ينفعه إلا ما طاب منه. قال الحجاج: فترى طيبا ؟ قال: برأيك جمعته، وأنت أعلم بطيبه. قال الحجاج: أتحب أن لك شيئا منه ؟ قال: لا أحب ما لا يحب الله. قال الحجاج: ويلك. قال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه. قال:


(1) المراد بالمصران: الاوتار التي يضرب عليها، لانها مأخوذة من مصارين الحيوانات. (*)

[ 44 ]

إن أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أسحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك. فلما أدبر ضحك. قال الحجاج: ما يضحكك يا سعيد ؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك ! قال الحجاج: إنما أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرفة التي نهى الله عنها، اضربوا عنقه. قال سعيد: حتى أصلى ركعتين، فاستقبل القبلة وهو يقول: وجهت وجهى للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. قال الحجاج: اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى، الذين تفرقوا واختلفوا بغيا بينهم، فإنه من حزبهم، فصرف عن القبلة. فقال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله الكافي بالسرائر.. قال الحجاج: لم نوكل بالسرائر، وإنما وكلنا بالظواهر. قال سعيد: اللهم لا تترك له ظلمي، واطلبه بدمى، واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد. فضربت عنقه. ثم قال الحجاج هاتوا من بقى من الخوارج، فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم، وقال: ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين، فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين، وقائد سبيل المتوسمين. وقال قائل: إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله، وجعل يصيح: قيودنا، يعنى القيود التى كانت في رجل سعيد بن جبير، ويقول: متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها ؟ وهذا يمكن القول فيه لاهل الاهواء في الفتح والاغلاق. ذكر بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك قال: وذكروا أنه لما فرغ الحجاج من قتل الخوارج، وتم لة أمر العراق، فاستقر ملك عبد الملك، كتب إليه الحجاج أن يبايع للوليد ابنه، ويكتب له عهده للناس ؟ فأبى ذلك عبد الملك، لان أخاه عبد العزيز كان حيا، وكان قد استعمله عبد الملك على مصر، وكتب إلى الحجاج يوبخه، ويقول له مالك أنت والتكلم بهذه ؟ وكانت البيعة بالشام لهما جميعا، إذ مات مروان، وكان عبد العزيز نظير عبد الملك في الحزم والرأي والعقل والذكاء، وكان عبد الملك لا يفضل عبد العزيز في شئ إلا باسم الخلافة: حتى لربما كان عبد الملك يأمر بالشئ، فيريد عبد العزيز غيره، ويرى خلافه، فيرده إلى رأيه ولا يمضيه، وكان لا ينكر ذلك عبد الملك، فلما كانت سنة إحدى وثمانين عقد عبد الملك لموسى بن نصير على إفريقية وما حولها، ووجهه إلى من بها من البربر يقاتلهم، وضم إليه برقة، فلما قدم موسى بن نصير متوجها، انتهى ذلك إلى عبد العزيز، فرده من مصر إلى الشام، وبعث قرة بن حسان الثعلبي: فانصرف موسى بن نصير إلى الشام لعبد الملك، وذكر امتهانا ناله من عبد العزيز وما استقبله به إلى كلام

[ 45 ]

كثير، فقال له عبد الملك: إن عبد العزيز صنو أمير المؤمنين، وقد أمضينا فعله، فتوجه قرة ابن حسان إلى أفريقية، فهزم بها، وقتل غالب أصحابه. فلما كانت سنة أربع وثمانين، توفى عبد العزيز بن مروان بمصر، ثم ولى محمد بن مروان إلى سنة ست وثمانين، فلما توفى عبد العزيز، أجمع عبد الملك على بيعة الوليد، ثم من بعد الوليد سليمان، فكتب إلى الحجاج ببيعة الوليد وسليمان، فبايع الحجاج لهما بالعراق، فلم يختلف عليه أحد، وبويع لهما بالشام ومصر واليمن، وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل، وهو عامله على المدينة، أن يأخذ بيعة أهل المدينة، فلما أتت البيعة لهما، كره ذلك سعيد ابن المسيب، وقال: لم أكن لابايع بيعتين في الاسلام بعد حديث سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا كانت بيعتان في الاسلام فاقتلوا الا حدث منهما " فأتاه عبد الرحمن بن عبد القارى. فقال: إني مشير عليك بثلاث خصال، اختر أيها شئت. قال: وما هي ؟ قال له: إنك تقوم حيث يراك هشام ابن إسماعيل، فلو غيرت مقامك ؟ قال: ما كنت لاغير مقاما قمته منذ أربعين سنة لهشام بن إسماعيل: قال: فثانية: قال: وما هي ؟ قال: اخرج معتمرا، قال سعيد: ما كنت لاجهد نفسي، وأنفق مالي في شئ ليس لي فيه نية. قال له: فثالثة، قال: وما هي ؟ قال: تبايع للوليد، ثم لسليمان، قال سعيد: أرأيت إن كان الله قد أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي ؟ قال: وكان عبد الرحمن هذا أعمى. قال: فدعاه هشام بن اسماعيل إلى البيعة، وكان ابن عم سعيد بن المسيب، فلما علم بذلك القرشيون، أتوا هشاما فقالوا له: لا تعجل على ابن عمك حتى نكلمه ونخوفه القتل، فعسى به أن يبايع ويجيب. قال: فاجتمع القرشيون، فأرسلوا إلى سعيد مولى له كان في الحرس. فقالوا له: اذهب إليه، فخوفه القتل، وأخبره أنه مقتول، فلعله يدخل فيما دخل فيه الناس. فجاءه مولاه، فوجده قائما يصلى في مسجده، فبكى مولاه بكاء شديدا، قال له سعيد: ما يبكيك ويحك ! قال: أبكى مما يراد بك. قال له سعيد: وما يراد بي، ويحك. قال: جاء كتاب من عبد الملك بن مروان، إلى هشام بن إسماعيل، إن لم تبايع وإلا قتلت، فجئتك لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة وتفرغ من عهدك إن كنت لا تريد أن تبايع. فقال له سعيد: لا أم لك قد وجدتني أصلى في مسجدي، أفتراني كنت أصلى ولست بطاهر، وثيابي غير طاهرة ! وأما ما ذكرت من أن أفرغ من عهدي، فما كنت لاوخر عهدي بعد ما حدثني به عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين له شئ يوصى به إلا ووصيته مكتوبة "، فإذا شاءوا فليفعلوا، فإني لم أكن لابايع بيعتين في الاسلام. قال: فرجع إليهم المولى فأخبرهم بما ذكر، فكتب صاحب المدينة هشام بن اسماعيل إلى عبد الملك يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما (للوليد وسليمان) فكتب

[ 46 ]

عبد الملك إليه: مالك ولسعيد، وما كان علينا منه أمر نكرهه، وما كان حاجتك أن تكشف عن سعيد، أو تأخذه ببيعة، ما كنا نخاف من سعيد ؟ فأما إذ قد ظهر ذلك وانتشر أمره في الناس، فادعه إلى البيعة، فإن أبى فاجلده مئة سوط: أو احلق رأسه ولحيته وألبسه ثيابا من شعر وأوقفه في السوق على الناس لكيما لا يجترئ علينا أحد غيره. قال: فلما وصل الكتاب أرسل إليه هشام، فانطلق سعيد إليه، فلما أتاه دعاه إلى البيعة، فأبى أن يجيبه، فألبسه ثيابا من شعر، وجرده وجلده مئة سوط، وحلق رأسه ولحيته، وأوقفه في السوق، وقال لو أعلم أنه ليس إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا ولا أجبت إلى ذلك قال بعض الايليين (1) الذين كانوا في الشرطة بالمدينة: لما علمنا أنه لا يلبس الثياب طائعا قلنا له: يا أبا محمد إنه القتل فاستر بها عورتك قال فلبس فلما تبين له أنا خدعناه قال: يا معلجة (2) أهل أيلة، لو لا أني ظننت أنه القتل ما لبسته. قال: فكان هشام بن إسماعيل بعد ذلك إذا خطب الناس يوم الجمعة تحول إليه سعيد بن المسيب، أي يقبل عليه بوجهه ما دام يذكر الله، حي إذا وقع في مدح عبد الملك وغيره أعرض سعيد عنه بوجهه فلما فطن هشام لذلك، أمر حرسيا يحصب وجه سعيد إذا تحول عنه ففعل ذلك به، فقال سعيد: إنما هي ثلاث، وأشار بيده. قال: فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام. موت عبد الملك وبيعة الوليد قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة، جمع بنيه وقال لهم: اتقوا الله ربكم، وأصلحوا ذات بينكم، وليجل صغيركم كبيركم، وكبيركم صغيركم، انظروا أخاكم مسلمة، فاستوصوا به خيرا، فإنه شيخكم ومجنكم الذي به تستجنون، وسيفكم الذي به تضربون، أوصيكم به خيرا، وانظروا ابن عمكم عمر بن عبد العزيز، فاصدروا عن رأيه، ولا تخلوا عن مشورته اتخذوه صاحبا لا تجفوه، ووزيرا لا تعصوه، فإنه من علمتم فضله ودينه، وذكاء عقله، فاستعينوا به على كل مهم، وشاوروه في كل حادث. قال: ثم دخل عليه خالد وعبد الرحمن ابنا يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فقال لهما: أتحبان أن أسألكما بيعة الوليد وسليمان ؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، معاذ الله من ذلك. قال: فأومأ بيده إلى مصلى كان مضطجعا عليه، فأخرج من تحته سيفا مصلتا. فقال لهما: والله لو قلتما غير ذلك لضربت أعناقكما بهذا السيف، ثم خرجا من عنده، ودخل عليه عمر بن عبد العزيز. فقال عبد الملك: يا أبا حفص استوص خيرا بأخويك


(1) الايليون: نسبة إلى أيلة وهي بلد بين ينبع ومصر (2) المعلجة: الاعاجم الذين ليسوا عربا (*)

[ 47 ]

الوليد وسليمان، إن زلا فشلهما (1) وإن مالا فأقمهما، وإن غفلا فذكرهما، وإن ناما فأيقظهما، وقد أوصيتهما بك، وعهدت إليهما أن لا يقطعا شيئا دونك. فقال عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أوصيتهما بكتاب الله فليقيماه في عباده وبلاده، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليحيباها، ويحملا الناس عليها ؟ فقال عبد الملك: قد فعلت ووليى فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. ثم قال: وقد علمت يا عمر مكان فاطمة مني، ومحلها من قلبي، وإني آثرتك بها على جميع آل مروان، لفضلك وورعك، فكن عند ظني بك، ورجائي فيك، وقد علمت أنك غير مقصر، ولا مضيع حقها، ولكن الله قد قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين، قوموا عصمكم الله وكفاكم. ثم خرجوا من عنده. قال: ثم دعا عبد الملك بالوليد وسليمان، فدخلا عليه. فقال للوليد. اسمع يا وليد، قد حضر الوداع، وذهب الخداع، وحل القضاء. قال: فبكى الوليد. فقال له عبد الملك: لا تعصر عينيك على كما تعصر الامة الوكساء (2)، إذا أنا مت فاغسلني، وكفني، وصل على وأسلمني إلى عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي، واخرج أنت إلى الناس، والبس لهم جلد نمر، واقعد على المنبر، وادع الناس إلى بيعتك، فمن مال بوجهه عنك كذا، فقل له بالسيف كذا، وتنكر للصديق والقريب، واسمح للبعيد، وأوصيك بالحجاج خيرا، فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر، وكفاكم تقحم تلك الجرائم. قال: فلما توفى عبد الملك، ومات من يومه ذلك، خرج الوليد إلى الناس، وقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: نعمة ما أجلها، ومصيبة ما أعظمها، وإنا لله وإنا إليه راجعون. نقل الخلافة، وفقد الخليفة، ثم دعا الناس إلى البيعة، فلم يختلف عليه أحد، ثم كان أول ما ظهر من أمره، وتبين من حكمه، أن أمر بهدم كل دار ومنزل، من دار عبد الملك إلى قبره، فهدمت من ساعتها، وسويت بالارض، لئلا يعرج بسرير عبد الملك يمينا وشمالا، وليكون النهوض به إلى حفرته تلقاء منزله، ثم كتب ببيعته إلى الآفاق والامصار، وإلى الحجاج بالعراق فبايع له الناس ولم يختلف عليه أحد. فدخل عليه سليمان بن عبد الملك. فقال له: يا أمير المؤمنين، اعزل الحجاج بن يوسف عن العراقين فإن الذي أفسد الله به أكثر مما أصلح. فقال له الوليد: إن عبد الملك قد أوصاني به خيرا. فقال سليمان: عزل الحجاج والانتقام منه من طاعة الله، وتركه من معصية الله.


(1) شلهما: ارفعهما وأنهضهما، لان الزلل العثور والسقوط. (2) الوكساء: الخسيسة. (*)

[ 48 ]

فقال الوليد: سنرى في هذا الامر، وترون إن شاء الله. ثم كتب الحجاج إلى الوليد: أما بعد، فإن الله تعالى استقبلك يا أمير المؤمنين في حداثة بما لا أعلمه استقبل به خليفة قبلك من التمكين في البلاد، والملك للعباد، والنصر على الاعداء، فعليك بالاسلام، فقوم أوده، وشرائعه وحدوده، ودع عنك محبة الناس وبغضهم وسخطهم، فإنه قل ما يؤتى الناس من خير أو شر، إلا أفشوه في ثلاثة أيام، والسلام. تولية موسى بن نصير البصرة قال: وحدثنا يزيد بن سعيد مولى مسلم، أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يولى أخاه بشر بن مروان على العراق، كتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو بمصر، وبشر معه يقود الجنود، وكان يؤمئذ حديث السن: إني قد وليت أخاك بشرا البصرة، فأشخص معه موسى بن نصير، وزيرا ومشيرا، وقد بعثت إليك بديوان العراق، فادفعه إلى موسى، وأعلمه أنه المأخوذ بكل خلل وتقصير، فشخص بشر من مصر إلى العراق، ومعه موسى بن نصير، حتى نزل البصرة، فلما نزلها دفع إلى موسى بن نصير خاتمه، وتخلى عن جميع العمل، فلبث موسى مع بشر ما لبث، ثم إن رجلا من أهل العراق دخل على بشر بن مروان فقال له: هل لك أن أسقيك شرابا لا تشيب معه أبدا، بعد أن أشترط عليك شروطا ؟ قال بشر: وما هي ؟ قال: لا تغضب ولا تركب، ولا تجامع امرأة في أربعين ليلة، ولا تدخل حماما، فقبل ذلك بشر وأجابه، وشرب ما أسقاه، واحتجب عن قريب الناس وبعيدهم، وخلا مع جواريه وخدامه، فكان كذلك حتى أتته ولاية الكوفة وقد ضمت إليه مع البصرة، فأتاه من ذلك ما لم يحمل فرحه، ولا السرور به، فدعا بركاب ليركبها، فأتاه الرجل، فناشده لا يخرج ولا يركب، وأن لا يتحرك بحركة من مكانه، فلم يلتفت بشر إلى كلامه، ولم يقبل ما أمره به، فلما رأى الرجل عزمه قال له: فأشهد لي على نفسك بأنك قد عصيتني ففعل بشر ذلك، وأشهد أنه قد أبرأه، فركب وهو يريد الكوفة، فلم يسر إلا أميالا، حتى وضع يده على لحيته، فإذا هي في كفه قد سقطت من وجهه، فلما رأى ذلك انصرف إلى البصرة، فلم يلبث إلا قليلا حتى هلك، فلما بلغ عبد الملك موته، وجه الحجاج بن يوسف واليا عليها. فقال موسى بن نصير: ما فاتك فلا يفوتك، وكان عبد الملك قد أراده لامر عتب عليه منه. فكتب خالد بن أبان، من الشام إلى موسى ابن نصير: إنك معزول، وقد وجه

[ 49 ]

إليك الحجاج بن يوسف، وقد أمر فيك بأغلظ أمر، فالنجاة، والوحى الوحى (1)، فإما أن تلحق بالفرس فتأمن وإما أن تلحق بعبد العزيز بن مروان مستجيرا به، ولا تمكن ملعون ثقيف من نفسك فيحكم فيك. فلما أتاه الكتاب: ركب النجائب ولحق بالشام، وبها يومئذ عبد العزيز بن مروان قد وفد بأموال مصر. فكتب الحجاج من العراق: يا أمير المؤمنين، إنه لا قدر لما اقتطعه موسى بن نصير من أموال العراق، وليس بالعراق، فابعث به إلي. دخول موسى بن نصير على عبد الملك بن مروان قا: وذكروا أن عبد الرحمن بن سالم حدثهم عن أبيه، أنه حضر يومئذ شأن موسى، ودخوله على عبد الملك. قال: وكانت لموسى يد عظيمة عند عبد العزيز بن مروان يطول ذكرها قال سالم، قال لي موسى: لما قدمت الشام لقيت بها عبد العزيز، وكان ذلك من صنع الله، فأدخلني على عبد الملك، فلما رآني عبد الملك قلت: موسى. قال: ما تزال تعرض لحيتك علينا ؟ قال: قلت لم يا أمير المؤمنين ؟ قال: لجرأتك علي واقتطاعك الفئ. قال: فقلت ما فعلت يا أمير المؤمنين، وما ألوتك نصحا واجتهادا وإصلاحا، قال: أقسم لتؤدين دينك خمسين مرة. قال: قلت لم يا أمير المؤمنين ؟ قال: فما تركني أتمها حتى قال: قم لتؤدينها مئة مرة، فذهبت لاتكلم، فأشار علي عبد العزيز أن قل نعم. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم خرجت فأعانني عبد العزيز بخمسين ألفا، وأديت خمسين ألفا في ثلاثة أشهر نجمها علي. تولية موسى بن نصير على إفريقية قال: وذكروا أن عبد العزيز لما رجع إلى مصر، سار موسى معه. فكان من أشرف الناس عنده، فأقام بها ما أقام حتى قدم حسان بن النعمان من إفريقية يريد الشام إلى عبد الملك وقد فتح له بها فتحا، وقتل الكاهنة، فأجازه عبد الملك وزاده برقة، ورده إليها، أي إلى إفريقية واليا، فأقبل حتى نز مصر، وبعث معه بعثا من هناك، فأخذوا أعطياتهم منه، ثم ساروا حتى نزلوا ذات الجماجم. قال: فبلغ ذلك عبد العزيز وأن حسان بن النعمان يطلب برقة من عند عبد الملك، وأنه قد ولاه إياها، فبعث إليه فقال له: أولاك أمير المؤمنين برقة ؟ قال: نعم. فقال له عبد العزيز: لا تعرض، وكان عليها مولى لعبد العزيز. فقال حسان: ما أنا فاعل.


(1) الوحى الوحى: النجاة النجاة: وقد قالها مروان بن الحكم لاهله وعشيرته حين خلع أهل المدينة معاوية بن أبي سفيان وأخرجو الامويين منها. (*)

[ 50 ]

فغضب عبد العزيز وقال له: ائت بعهدك عليها إن كنت صادقا. قال: فأني به حسان، فلما أقرأه عبد العزيز وجدها فيه، فالتفت إلى حسان فقال: ما أنت بتاركها ؟ قال: والله لا أنعزل عما ولانيه أمير المؤمنين. قال: فاقعد في بيتك، فسيولي هذا الامر من هو خير منك وأولى به منك، في تجربته وسياسته، ويغنى الله أمير المؤمنين عنك. ثم أخذ عبد العزيز عهده ومزقه، ودعا بموسى بن نصير فعقد له على أفريقية يوم الخميس في صفر سنة تسع وسبعين، فتجهز موسى ابن نصير، وحمل الاموال إلى ذات (1) الجماجم، وبها الجيوش ينتظرون واليهم فقدم عليهم موسى بن نصير، فلما صار على الجيش الاول أتى عصفور حتى وقع على صدره، فأخذه موسى، فدعا بسكين، فذبحه موسى، ولطخ بدمه صدره من فوق الثياب، ونتف ريشه وطرحه على صدره وعلى نفسه، ثم قال: الفتح ورب الكعبة، والظفر إن شاء الله. خطبة موسى بن نصير رحمه الله قال: وذكروا أن موسى لما قدم ذات الجماجم، وقد توافت الجيوش بها، جمع الناس فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين أصلحه الله رأى رأيا في حسان بن النعمان، فولاه ثغركم، ووجهه أميرا عليكم، وإنما الرجل في الناس بما أظهر، والرأي فيما أقبل، وليس فيما أدبر، فلما قدم حسان بن النعمان على عبد العزيز أكرمه الله كفر النعمة، وضيع الشكر، ونازع الامر أهله، فغير الله ما به، وإنما الامير أصلحه الله صنو أمير المؤمنين وشريكه، ومن لا يتهم في عزمه ورأيه، وقد عزل حسان عنكم، وولاني مكانه عليكم، ولم يأل أن أجهد نفسه في الاختبار لكم، وإنما أنا رجل كأحدكم، فمن رأى مني حسنة، فليحمد الله، وليحض على مثلها، ومن رأى مني سيئة فلينكرها، فإني أخطئ كما تخطئون، وأصيب كما تصيبون، وقد أمر الامير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها أثلاثا، فخذوها هنيئا مريئا، ومن كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها عل ما عز وهان، مع المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. دخول موسى بن نصير أفريقية قال: وذكروا أن موسى لما سار متوجها إلى المغرب، بقية صفر، ثم ربيع وربيع، ودخل في جمادي الاولى، يوم الاثنين، لخمس خلون منه، سنة تسع وسبعين، فأخذ


(1) ذات الجماجم ويقال لها دير الجماجم موضع قرب الكوفة. (*)

[ 51 ]

سفيان بن مالك الفهري وأبا صالح الفهري، فغرم كل واحد منهما عشرة آلاف دينار، ووجههما إلى عبد الملك في الحديد. قال: وكان قدوم موسى أفريقية وما حولها مخوفا، بحيث لا يقدر المسلمون أن يبرزوا في العيدين، لقرب العدو منهم، وإن عامة بيوتها الخصوص (1) وأفضلها القباب، وبناء المسجد يومئذ شبيه بالحظير، غير أنه قد سقف ببعض الخشب، وقد كان ابن النعمان بنى القبلة وما يليها بالمدر، بنيانا ضعيفا، وكانت جبالها كلها محاربة لا ترام، وعامة السهل. خطبة موسى بأفريقية قال: وذكروا أن موسى لما قدم أفريقية، ونظر إلى جبالها، وإلى ما حولها، جمع الناس ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما كان قبلى على أفريقية أحد رجلين: مسالم يحب العافية، ويرضى بالدون من العطية، ويكره أن يكلم (2)، ويحب أن يسلم، أو رجل ضعيف العقيدة، قليل المعرفة، راض بالهويني، وليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر، وأحسن النظر، وخاض الغمر، وسمت به همته، ولم يرض بالدون من المغنم لينجو، ويسلم دون أن يكلم أو يكلم، ويبلغ النفس عذرها في غير خرق يريده، ولا عنف يقاسيه، متوكلا في حزمه، جازما في عزمه، مستزيدا في علمه، مستشيرا لاهل الرأى في إحكام رأيه، متحنكا بتجاربه، ليس بالمتجابن إقحاما، ولا بالمتخاذل إحجاما، إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا، وإن نكب أظهر جلادة وصبرا، راجيا من الله حسن العاقبة، فذكر بها المؤمنين، ورجاهم إياها لقول الله تعالى (إن العاقبة للمتقين) أي الحذرين. وبعد: فإن كل من كان قبلي كان يعمد إلى العدو الاقصى، ويترك عدوا منه أدنى، ينتهز منه الفرصة، ويدل منه على العورة، ويكون عونا عليه عند النكبة، وايم الله لا أريم (3) هذه الفلاع والجبال الممتنعة حتى (4) يضع الله أرفعها، ويذل أمنعها، ويفتحها على المسلمين بعضها أو جمعها، أو يحكم الله لى وهو خير الحاكمين.


(1) الخصوص جمع خص: وهو البيت من البوص ونحوه. (2) يكلم: يجرح. (3) أريم القلاع: أتركها وأغادرها. (4) يضع الله أرفعها: أي يسقطه وينزله إلي. (*)

[ 52 ]

فتح زعوان قال: وذكروا أنه كان بزعوان قوم من البربر، يقال لهم عبدوه، عليهم عظيم من عظمائهم يقال له: ورقطان، فكانوا يغيرون على سرح المسلمين، ويرصدون غرتهم، والذي بين زعوان وبين القيروان يوم إلى الليل، فوجه إليهم موسى خمس مئة فارس، عليهم رجل من خشين يقال له: عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله، وقتل صاحبهم ورقطان، وفتحها الله على يد موسى، فبلغ سبيهم يومئذ عشرة آلاف رأس، وأنه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى، ثم وجه ابنا له يقال له عبد الرحمن بن موسى، إلي بعض نواحيها، فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان، فأتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس. قدوم كتاب الفتح على عبد العزيز بن مروان قال: وذكروا أن موسى بن نصير كتب إلى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه، وأمكن له، ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا، وكان ذلك وهما من الكاتب. فلما قرأ عبد العزيز الكتاب، دعا الكاتب وقال له: ويحك ! اقرأ هذا الكتاب. فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجعه. فكتب إليه عبد العزيز: إنه بلغني كتابك، وتذكر فيه أنه قد بلغ خمس ما أفاء الله عليك ثلاثين ألف رأس، فاستكثرت ذلك، وظننت أن ذلك وهم من الكاتب، فاكتب إلي بعد ذلك على حقيقة، واحذر الوهم. فلما قدم الكتاب على موسى كتب إليه: بلغني أن الامير أبقاه الله، يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة، التي أفاء الله علي، وأنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب، فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الامير، والخمس أيها الامير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم. قال: فلما أتى الكتاب إلى عبد العزيز وقرأه ملاه سرورا. إنكار عبد الملك تولية موسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد العزيز لما ولى موسى وعزل حسان كما تقدم، وفتح الله لموسى بلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فكره ذلك وأنكره، ثم كره رد رأى عبد العزيز، ثم هم بعزل موسى لسوء رأيه فيه، ثم رأى أن لا يرد ما صنع عبد العزيز. فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان، وتوليتك موسى مكانه، وعلم الامر الذي له عزلته، وقد كنت أنتظر منك مثلها في موسى، وقد

[ 53 ]

أمضى لك أمير المؤمنين من رأيك ما أمضيت، وولايتك من وليت، فاستوص بحسان خيرا فإنه ميمون الطائر، والسلام. جوابه فلما قدم الكتاب على عبد العزيز كتب إلى أخيه عبد الملك: أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في عزل حسان، وتوليتي موسى بن نصير، وقد كان لمثلها مني منتظرا في موسى، ويعلمني أنه قد أمضى لي من رأيى فيما أمضيت، وولايتي من وليت، وقد علمت أن أمير المؤمنين يتفاءل بحسان للذي فتح الله على يديه، ولم أعد مع نظري لامير المؤمنين، بأن عزلت حسان، ووليت موسى في يمن طائره، وحسن أثره: فأما قول أمير المؤمنين: قد كنت أنتظرها منك في موسى، فلعمري لقد كنت لها فيه مرصدا، ولامير المؤمنين أن يسبق بها إليه منتظرا، حتى حضر أمر جهدت فيه نفسي لامير المؤمنين. ولنفسي الرأى والنصيحة، والسلام. كتاب عبد العزيز بالفتح إلى عبد الملك قال: وذكروا أن عبد العزيز كتب إلى عبد الملك، أما بعد: فإني كنت وأنت يا أمير المؤمنين في موسى وحسان كالمتراهنين أرسلا فرسيهما إلى غايتهما فأتيا معا، وقد مدت الغاية لاحدهما (1)، ولك عنده مزيد إن شاء الله (2)، وقد جاءني يا أمير المؤمنين كتاب من موسى، وقد وجهته إليك لتقرأه، وتحمد الله عليه، والسلام. جوابه فكتب إليه عبد الملك: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم المثل الذي مثلته في حسان وموسى، ويقول لك عند أحدهما مزيد، وكل قد عرف الله على يده خيرا ونصرا، وقد أجريت وحدك (3)، وكل مجر بالخلاء مسرور (4)، والسلام.


(1) الغاية: هي النهاية أي المكان الذي ينتهى عنده السباق. (2) أي أنه سيمد غايته ثانية ومعنى ذلك أنه يتصل نصره وكلما وصل إلى غاية مدها إلى غيرها. (3) أجريت وحدك: أي أرسلت موسى فوصل إلى غايته ولم أرسل أنا حسان حتى يظهر إن كان يسبق موسى أو لا يسبقه. (4) كل مجرى بالخلاء مسرور ؟ أي كل شخص يجرى فرسه وحده بدون فرس آخر معه يسر من جريه لانه لا مفاضلة بينه وبين غيره، يريد عبد الملك أنه لا يظهر فضل موسى إلا إذا ظهر عجر حسان عن إدراك ما أدركه موسى. (*)

[ 54 ]

ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى، وعلى ما كتب به. فلما قدم الرسول على موسى: دفع إليه ما ذكر، وزاده ألفا للوفاء. فتح هوارة، وزناتة، وكتامة قال: وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى هوارة وزناتة في ألف فارس، فأغار عليهم وقتلهم وسباهم، فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس، وكان عليهم رجل منهم يقال له كمامون، فبعث به موسى إلى عبد العزيز في وجوه الاسرى، فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة، فسميت بركة كمامون. فلما أوجع عياش فيهم دعوا إلى الصلح، فقدم على موسى بوجوههم، فصالحوهم وأخرجوهم، وكانت كتامة قد قدمت على موسى فصالحته، وولى عليهم رجلا منهم، وأخذ منهم رهونهم، وكتب أحدهم إلى موسى، إنما نحن عبد انك، قتل أحدنا صاحبه، وأنا خير لك منه، فلم يشك موسى أن ذلك إنما كان عن ممالاة من كتامة، وقد كانت رهون كتامة استأذنوا موسى قبل ذلك بيوم ليتصيدوا، فأذن لهم. فلما أتاه ما أتاه تحقق ظنه فيهم، وأنهم إنما هربوا، فوجه الخيول في طلبهم، فأتى بهم، فأراد صلبهم. فقالوا: لا تعجل أيها الامير بقتلنا حتى يتبين أمرنا، فإن آباءنا وقومنا لم يكونوا ليدخلوا في خلاف أبدا، ونحن في يدك، وأنت على البيان أقدر منك على استحيائنا بعد القنل، فأوقرهم حديدا، وأخرجهم معه إلى كتامة، وخرج هو بنفسه. فلما بلغهم خروج موسى، تلقاه وجوه كتامة معتذرين، فقبل منهم، وتبينت له برأتهم، واستحيا رهونهم. فتح صنهاجة قال: وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى حتى غشى صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس، ومن الابل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الاجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا.

[ 55 ]

فتح سجوما قال: وذكروا أنه لما كان سنة ثلاث وثمانين، قدم على موسى نجدة عبد الله بن موسى في طالعة أهل مصر. فلما قدم عليه، أمر الناس بالجهاد والتأهب، ثم غزا يريد سجوما وما حولها، واستخلف عبد الله بن موسى على القيروان، ثم خرج وهو في عشرة آلاف من المسلمين، وعلى مقدمته عياض بن عقبة، وعلى ميمنته زرعة بن أبي مدرك، وعلى ميسرته المغيرة بن أبي بردة القرشي، وعلى ساقته نجدة بن مقسم، فأعطى اللواء ابنه مروان، فسار حتى إذا كان بمكان يقال له سجن الملوك، خلف به الاثقال، وتجرد في الخيول، وخلف على الاثقال عمرو بن أوس في ألف، وسار بمن معه حتى انتهى إلى نهر يقال له ملوية، فوجده خاملا، فكره طول المقام عليه، خوفا من نفاد الزاد، وأن يبلغ العدو مخرجه ومكانه، فأحدث مخاضة غير مخاضة عقبة بن نافع، وكره أن يجوز عليها. فلما أجاز وانتهى إليهم: وجدهم قد أنذروا به وتأهبوا، وأعدوا للحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا في جبل منيع، لا يوصل إليهم إلا من أبواب معلومة، فاقتتلوا يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى العصر، فخرج إليهم رجل من ملوكهم، فوقف والناس مصطفون، فنادى بالمبارزة، فلم يجبه أحد، فالتفت موسى إلى مروان ابنه، فقال له: اخرج إليه أي بني، فخرج إليه مروان، ودفع اللواء إلى أخيه عبد العزيز بن موسى. فلما رآه البربري ضحك، ثم قال له: ارجع، فإني أكره أن أعدم منك أباك. وكان حديث السن. قال: فحمل عليه مروان فرده، حتى ألجأه إلى جبله، ثم إنه زرق مروان بالمزراق، فتلقاه مروان بيده وأخذه، ثم حمل مروان عليه وزرقه به زرقة وقعت في جنبه، ثم لحقت حتى وصلت إلى جوف برذونه، فمال فوقع به البرذون ثم التقى الناس عليه فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما كان قبله، ثم إن الله هزمهم، وفتح للمسلمين عليهم، وقتل ملكهم كسيلة بن لمزم وبلغ سبيهم مئتي ألف رأس، فيهم بنات كسيلة، وبنات ملوكهم، وما لا يحصى من النساء السلسات، اللاتي ليس لهن ثمن ولا قيمة. قال فلما وقفت بنات الملوك بين يدى موسى، قال: علي بمروان ابني. قال: فأتى به قال له: أي بني اختر. قال: فاختار ابنة كسيلة فاستسرها (1)، فهى أم عبد الملك بن مروان هذا. قال: قاتل يومئذ زرعة بن أبي مدرك قتالا شديدا أبلى فيه حتى اندقت ساقه قال: فآلى موسى أن لا يحمل إلا على رقاب الرجال، حتى يدخل القيروان، وأن يحمله خمسون رجلا، كل يوم يتعاقبون بينهم، ثم انصرف موسى وقد دانت له البلاد كلها، وجعل


(1) استسرها: اتخذها سرية أي مملوكة تزوج بها فولدت له. (*)

[ 56 ]

يكتب إلى عبد العزيز بفتح بعد فتح، وملات سباياه الاجناد، وتمايل الناس إليه، ورغبوا فيما هنالك لديه، فكان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يقول: إذا جاءه فتوح موسى: لتهنئك الغلبة أبا الاصبع. ثم يقول: عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. قال: وبعث موسى إلى عياض وعثمان وإلى عبيدة بني عقبة، فقال: اشتفوا، وضعوا أسيافكم في قتلة أبيكم عقبة. قال: فقتل منهم عياض ست مئة رجل صبرا من خيارهم وكبارهم، فأرسل إليه موسى أن أمسك. فقال: أما والله لو تركني ما أمسكت عنهم، ومنهم عين تطرف. قدوم الفتح على عبد الملك بن مروان قال: وذكروا أن موسى لما قدم، وجه بذلك الفتح إلى عبد العزيز بن مروان، مع على ابن رباح، فسار حتى قدم على عبد العزيز بمصر، فأجازه ووصله، ووجهه إلى عبد الملك بن مروان أخيه، فلما قدم عليه أجازه أيضا، وزاد في عطائه عشرين (1). فلما انصرف، قال له عبد العزيز: كم زادك أمير المؤمنين ؟ قال: عشرين. قال: لو لا كره أن أفعل مثل ما فعل لزدتك مثلها، ولكن تعدلها زيادة عشرة (2). وكتب عبد الملك إلى موسى يعلمه أنه قد فرض لجميع ولده فئ مئه (3). وبلغ به هو إلى المئتين، وفرض في مواليه، وأهل الجزاء والبلاء ممن معه خمس مئة رجل ثلاثين ثلاثين، وكتب إليه إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمئة ألف التى أغرمها لك، فخذها من قبلك من الاخماس. قال: فلما قدم على موسى كتاب عبد الملك بن مروان، يأمره بأخذ المئة الالف مما قبله. قال: فإني أشهدكم أنه رد على المسلمين، ومعونة لهم، وفي الرقاب (4) وكان موسى إذا أفاء الله عليه شيئا، اشترى من ظن منهم أنه يقبل الاسلام وينجب (5) فيعرض عليه الاسلام، فإن رضبى قبله من بعد أن يمحص عقله، ويجرب فطنة فهمه، فإن وجده ماهرا أمضى عتقه وتولاه، وإن لم يجد فيه مهارة رده في الخمس والسهام. قال: وكتب موسى


(1) أي عشرين دينارا. (2) أي أن عبد العزيز زاده عشرة فقط فأصبحت زيادته ثلاثين درهما. (3) أي أعطى لكل ولد من أولاده مئة دينار من الفئ وهو المال الذي آفاءه الله عليهم من أموال الكفار المحاربين. (4) أي في عتق الرقاب، وهم العبيد المملوكون يأخذون من هذه الآلاف العشرة ليعطوا سادتهم حتى يعتقوهم، أو يشترون بها. (5) أي يصير نجيبا نافعا للمسلمين. (*)

[ 57 ]

إلى عبد العزيز ببلاء زرعة بن أبي مدرك وما أوصله، وأنه لو لا ذلك أوفده إلى أمير المؤمنين، ففرض له عبد العزيز في مئة، وفرض لثلاثين رجلا من قومه، وانصرف موسى قافلا، وذلك في سنة أربع وثمانين. غزوة موسى في البحر قال: وذكروا أن موسى أقام بالقيروان بعد قفله شهر رمضان وشوال، فأمر بدار صناعة بتونس (1) وجر البحر إليها (2)، فعظم عليه الناس ذلك، وقالوا له: هذا أمر لا نطيقه، فقام إلى موسى رجل من مسالمة البربر، ممن حسن إسلامه، فقال له: أيها الامير، قد مر على مئة وعشرون سنة، وإن أبى حدثنى أن صاحب قرطا جنة لما أراد بناء قناتها، أتاه الناس يعظمون عليه ذلك فقام إليه رجل فقال له: أيها الملك: إنك إن وضعت يدك بلغت منها حاجتك، فإن الملوك لا يعجزها شئ بقوتها وقدرتها، فضع يدك أيها الامير، فإن الله تعالى سيعينك على ما نويت، ويأجرك فيما توليت. فسر بذلك موسى، وأعجبه قول هذا الشيخ. فوضع يده، فبنى دار صناعة بتونس، وجر البحر إليها مسيرة اثنى عشر ميلا، حتى أقحمه دار الصناعة، فصارت مشتى للمراكب إذا هبت الانواء والارياح. ثم أمر بصناعة مئة مركب، فأقام بذلك بقية سنة أربع وثمانين، وقدم عطاء بن أبي نافع الهذلى في مراكب أهل مصر، وكان قد بعثه عبد العزيز يريد سردانية، فأرسى بسوسة، فأخرج إليه موسى الاسواق، وكتب إليه أن ركوب البحر قد فات في هذا الوقت وفي هذا العام. فأقم لا تغرر بنفسك. فإنك في تشرين الآخر، فأقم بمكانك حتى يطيب ركوب البحر قال: فلم يرفع عطاء لكتاب موسى رأسا (3)، وشحن مراكبه، ثم رفع فسار حتى أتي جزيرة يقال لها سلسلة، وافتتحها، وأصاب فيها مغانم كثيرة، وأشياء عظيمة من الذهب والفضة والجواهر، ثم انصرف قافلا، فأصابته ريح عاصف، فغرق عطاء وأصحابه، وأصيب الناس، ووقعوا بسواحل أفريقية. فلما بلغ ذلك موسى، وجه يزيد بن مسروق في خيل إلى سواحل البحر، يفتش على ما يلقى البحر من سفن عطاء وأصحابه فأصاب تابوتا منحوتا قال: فمنه كان أصل غناء يزيد بن مسروق. قال: ولقد لقيت شيخا متوكئا على قصبة، فذهبت


(1) هي ترسانة بناء السفن وميناء تاوى إليه. (2) جر إليها البحر: حفر قناة واسعة توصل مياه البحر إليها وذلك تأمينا للسفن وحرصا على عدم تأثرها بعواصف البحر وأمواجه المتلاطمة. (3) أي لم يهتم به ولم يعمل بمضمونه، وتفذ ما يريد. (*)

[ 58 ]

لافتشه فنازعني، فأخذت القصبة من يده فضربت بها عنقه فانكسرت، فتناثر منها اللؤلؤ والجوهر والدنانير، ثم إن موسى أمر بتلك المراكب ومن نجا من النواتية، فأدخلهم دار الصناعة بتونس، ثم لما كانت سنة خمس وثمانين أمر الناس بالتأهب لركوب البحر، وأعلمهم أنه راكب فيه بنفسه، فرغب الناس وتسارعوا، ثم شحن فلم يبق شريف ممن كان معه إلا وقد ركب حتى إذا ركبوا في الفلك، ولم يبق إلا أن يرفع هو، دعا برمح فعقده لعبدالله بن موسى بن نصير، وولاه عليهم وأمره، ثم أمره أن يرفع من ساعته، وإنما أراد موسى بما أشار من مسيره، أن يركب أهل الجلد والنكاية والشرف، فسميت غزوة الاشراف، ثم سار عبد الله بن موسى في مراكبه، وكانت تلك أول غزوة غزيت في بحر أفريقية. قال: فأصاب في غزوته تلك صقلية، فافتتح مدينة فيها، فأصاب ما لا يدري، فبلغ سهم الرجل مئة دينار ذهبا، وكان المسلمون ما بين الالف إلى التسع مئة، ثم انصرف قافلا سالما. فأتت موسى وفاة عبد العزيز بن مروان، واستخلاف الوليد بن عبد الملك سنة ست وثمانين، فبعث إليه بالبيعة، وبفتح عبد الله بن موسى، وما أفاء الله على يده، ثم إن موسى بعث زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البربر، فلم يلق حربا منهم ورغبوا في الصلح، فوجه رؤوسهم إلى موسى، فأعطاهم الامان، وقبض رهونهم، وعقد لعياش ابن أخيل على مراكب أهل أفريقية، فشتا في البحر، وأصاب مدينة يقال لها سرقوسة، ثم قفل في سنة ست وثمانين، ثم إن عبد الله بن مرة قام بطالعة أهل مصر على موسى في سنة تسع وثمانين فعقد له موسى على بحر أفريقية، فأصاب سردانية، وافتتح مدائنها، فبلغ سبيها ثلاثة آلاف رأس، سوى الذهب والفضة والحرث وغيره. غزوة السوس الاقصى قال: وذكروا أن موسى وجه مروان ابنه إلى السوس الاقصى، وملك السوس يومئذ مزدانة الاسواري، فسار في خمسة آلاف من أهل الديوان (1) فلما اجتمعوا، ورأى مروان أن الناس قد تعجلوا إلى قتال العدو، وأن في يده اليمنى القناة (2)، وفي يده اليسرى الترس، وإنه ليشير بيده إلى الناس أن كما أنتم. فلما التقى مروان ومزدانة، اقتتل الناس إذ ذاك قتالا شديدا، ثم انهزم مزدانة ومنح الله مروان أكتافهم، فقتلوا قتلة الفناء، فكانت تلك الغزوة


(1) المراد بأهل الديوان: الجنود المقيدون في ديوان الدولة أنهم جنود وهذا عدا المتطوعين من المسلمين. (2) القناة: الرمح. (*)

[ 59 ]

استئصال أهل السوس (1) على أيدي مروان، فبلغ السبى أربعين ألفا، وعقد موسى على بحر أفريقية حتى نزل بميورقة قافتتحها. قدوم الفتوحات على الوليد بن عبد الملك قال: وذكروا أن خادما للوليد بن عبد الملك بن مروان أخبرهم قال: إني لقريب من الوليد بن عبد الملك، وبين يديه طشت من ذهب، وهو يتوضأ منه، إذ أتى رسول من قبل قتيبة بن مسلم من خراسان بفتح من فتوحاتها، فأعلمته قال: خذ الكتاب منه، فأخذه فقرأه، فما أتي على آخره، حتى أتى رسول آخر من قبل موسى بن نصير، بفتح السوس من قبل مروان ابن موسى، فأعلمته. قال: هاته، فقرأه، فحمد الله، وخر ساجدا لله حامدا، ثم التفت إلى قال: أمسك الباب لا يدخل أحد. قال: وكان عنده ابن له يحبو بين يديه. فلما خر الوليد ساجدا لله شاكرا، جاء الصبي إلى الطشت فاضطرب فيه وصاح، فما التفت إليه. قال: وصرت لا أستطيع أن أغيثه لما أمرني به من إمساك الباب، وأطال السجود حتى خفي صوت الصبي، ثم رفع رأسه فصاح بي، فدخلت وأخذت الصبي، وإنه لما به روح. فتح قلعة أرساف قال: ثم إن صاحب قلعة أرساف، أغار على بعض سواحل أفريقية، فنال منهم، وبلغ موسى خبره، فخرج إليه بنفسه فلم يدركه، فاشتد ذلك على موسى. قال: قتلني الله إن لم أقتله وأنا مقيم هنا. قال: فأقام موسى ما أقام، ثم إنه دعا رجلا من أصحابه، فقال له: إني موجهك في أمر وليس عليك فيه بأس ولك عندي فيه حسن الثواب، خذ هذين الاذنين فسر فيهما بمن معك، حتى تأتى موضع كذا وكذا، في مكان كذا، فإنك تجد كنيسة، وتجد الروم قد جعلوها لعيدهم، فإذا كان الليل فادن من ساحلها، ودع إحدى هذين الاذنين (2) بما فيها ثم انصرف إلى بالاذن الاخرى، وبعث معه موسى قبة من الخز والوشى، ومن طرائف أرض


(1) المراد بالسوس هذه بلد بالمغرب تسمى السوس الاقصى، وهي غير سوسة التي هي بلد بالمغرب أيضا وتقع بين الجزيرة والقيروان. (2) تثنية أذن، العروة التى يمسك منها الخرج ونحوه والمراد أنه بعث معه خرجين أو نحوهما لكل منهما أذن وفيهما الهدايا والكتب. (*)

[ 60 ]

العرب شيئا مليحا، وكتب كتابا بالرومية جوابا لكتاب، كأنه كان كتب به إلى موسى يسأله الامان، على أن يدله على عورة الروم، وكتاب فيه أمان من موسى مطبوع، فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي وصف له موسى، فترك الاذن بما فيها، وانصرف راجعا في الاذن الاخرى حتى قدم على موسى، وأن الروم لما عثروا على أذن موسى استنكروها، فارتفع أمرها إلى بطريق تلك الناحية، فأخذ ما فيها. فلما رأى ما فيها من الكتب والهدية هاب ذلك، فبعث بها كما هي إلى الملك الاعظم. فلما أفضت إليه، وقرأ الكتب تحقق ذلك عنده، فبعث إلى أرساف رجلا وملكه عليها، وأمر أن يضرب عنق صاحبها الذي أغار على سواحل أفريقية، ففعل، فقتل الله بحيلة موسى. فتح الاندلس قال: وذكروا أن موسى وجه طارقا مولاه إلى طنجة وما هنالك، فافتتح مدائن البربر وقلاعها، ثم كتب إلى موسى: إني قد أصبت ست سفن، فكتب إليه موسى. أتممها سبعا، ثم سر بها إلى شاطئ البحر، واستعد لشحنها، واطلب قبلك رجلا يعرف شهور السريانيين، فإذا كان يوم أحد وعشرين من شهر أذار بالسرياني، فاشحن على بركة الله ونصره في ذلك اليوم، فإن لم يكن عندك من يعرف شهور السريان، فشهور العجم، فإنها موافقة لشهور السريان، وهو شهر يقال له بالاعجمية مارس، فإذا كان يوم أحد وعشرين منه، فاشحن على بركة الله كما أمرتك إن شاء الله، فإذا أجريت فسر حتى يلقاك جبل أحمر، وتخرج منه عين شرقية، إلى جانبها صنم فيه تمثال ثور، فاكسر ذلك التمثال، وانظر فيمن معك إلى رجل طويل أشعر، بعينيه قبل (1)، وبيده شلل، فاعقد له على مقدمتك، ثم أقم مكانك حتى يغشاك إن شاء الله. فلما انتهى الكتاب إلى طارق كتب إلى موسى: إني منته إلى ما أمر الامير ووصف، غير أني لم أجد صفة الرجل الذي أمرتني به إلا في نفسي، فسار طارق في ألف رجل وسبع مئة، وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وتسعين، وقد كان لذريق ملك الاندلس، قد غزا عدوا يقال له البشكنس، واستخلف ملكا من ملوكهم يقال له تدمير. فلما بلغ تدمير مكان طارق، ومن معه من المسلمين. كتب إلى لذريق: إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء نزلوا أم من الارض نبعوا. فلما بلغ لذريق ذلك أقبل راجعا إلى طارق في سبعين ألف عنان، ومعه العجل تحمل


(1) القبل: له معان كثيرة وهو على العموم يدور على قرب سواد العين من بياضها فهو شبه الحول في العين. (*)

[ 61 ]

الاموال والزخرف، وهو على سرير بين دابتين، وعليه قبة مكللة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، ومعه الحبال، ولا يشك في أسرهم: فلما بلغ طارقا دنوه منهم، قام في أصحابه، فحمد الله، ثم حض الناس على الجهاد، ورغبهم في الشهادة، وبسط لهم في آمالهم. ثم قال: أيها الناس، أين المفر، البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، فليس ثم والله إلا الصدق والصبر، فإنهما لا يغلبان، وهما جندان منصوران، ولا تضر معهما قلة، ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل والاختلاف والعجب كثرة. أيها الناس، ما فعلت من شئ فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، ألا وإني عامد إلى طاغيتهم، بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه أو أقتل دونه، فإن قتلت فلا تهنوا ولا تحزنوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم، وتولوا الدبر لعدوكم، فتبددوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة، والراحة من المهانة والذلة، وما قد أجل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا، والله معكم ومعيذكم، تبوءوا بالخسران المبين، وسوء الحديث غدا بين من عرفكم من المسلمين. وها أنا ذا حامل حتى أغشاه، فاحملوا بحملتي، فحمل وحملوا. فلما غشيهم اقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الطاغية قتل، وانهزم جميع العدو، فاحتز طارق رأس لذريق، وبعث به إلى موسى بن نصير، وبعث به موسى مع ابنه، وجهز معه رجالا من أهل أفريقية، فقدم به على الوليد بن عبد الملك، ففرض له في الشرف، وأجاز كل من كان معه، ورده إلى أبيه موسى، وأن المسلمين قد أصابوا مما كان مع لذريق ما لا يدرى ما هو ولا ما قيمته. قال: وكتب طارق إلى مولاه موسى: إن الامم قد تداعت علينا من كل ناحية، فالغوث الغوث، فلما أتاه الكتاب نادى في الناس وعسكر، وذلك في صفر سنة ثلاث وتسعين، وكان أحب الخروج إليه يوم الخميس أول النهار، فاستخلف عبد الله بن موسى على أفريقية وطنجة والسوس، وكتب ساعة قدم عليه كتاب طارق إلى مروان، يأمره بالمسير، فسار مروان بمن معه، حتى أجاز إلى طارق، قبل دخول أبيه موسى، وخرج موسى بن نصير والناس معه حتى أتى المجاز، فأجاز بمن زحف معه في جموعه، وعلى مقدمته طارق مولاه، فوجد الجموع قد شردت إليه من كل مكان، فسار حتى افتتح قرطبة وما يليها، من حصونها وقلاعها ومدائنها، فغل الناس يومئذ غلولا لم يسمع بمثله (1)، ولم يسلم من الغلول يومئذ إلا أبو عبد الرحمن الجبلى. ثم إن موسى سار لا يرفع له شئ إلا هده، يفتتح له المدائن يمينا وشمالا، حتى انتهى إلى مدينة


(1) الغلول: هو أن يحتجز المحارب شيئا من الغنيمة لنفسه ولا يضعه مع باقى الغنائم ليقسم بين المحاربين. (*)

[ 62 ]

الملوك، وهي طليطلة، فوجد فيها بيتا يقال له بيت الملوك، وجد فيه أربعة وعشرين تاجا، تاج كل ملك ولى الاندلس، كان كلما هلك ملك جعل تاجه في ذلك البيت، وكتب على التاج اسم صاحبه، وابن كم هو، ويوم مات، ويوم ولى، ووجد في ذلك البيت أيضا مائدة عليها اسم سليمان بن داود عليه السلام، ومائدة من جزع، فعمد موسى إلى التيجان والآنية والموائد، فقطع عليها الاغشية، وجعل عليها الامناء ليس منها شئ يدرى ما قيمته. فأما الذهب والفضة والمتاع، فلم يكن يحصيه أحد. اتهام الوليد موسى بالخلع قال: وذكروا أن الوليد بن عبد الملك بن مروان لما بلغه مسير موسى بن نصير إلى الاندلس ووصفت له، ظن أنه يريد أن يخلع، ويقيم فيها، ويمتنع بها، وقيل ذلك له، وأبطأت كتب موسى عليه، لاشتغاله بما هنالك من العدو، وتوطيئه لفتح البلاد. فأمر الوليد القاضى أن يدعو على موسى إذا قضى صلاته، وأن موسى لما دخل طليطلة، بعث علي بن رباح بفتحها، وأوفد معه وفدا، فسار حتى قدم دمشق صلاة العصر، فدخل المسجد فألفى القاضى يدعو على موسى. فقال: أيها الناس، الله الله في موسى، والدعاء عليه، والله ما نزع يدا من طاعة، ولا فارق جماعة، وإنه لفي طاعة أمير المؤمنين، والذب عن حرمات المسلمين، والجهاد للمشركين، وإني لاحدثكم عهدا به، وما قدمت الآن من عنده، وإن عندي خبره، وما أفاء الله على يده لامير المؤمنين، وما أمد به المسلمين، ما تقر به أعينكم، ويسر به خليفتكم. دخول وفد موسى على الوليد بن عبد الملك قال: وذكروا أن الوليد لما بلغه خبر هذا المتكلم الوافد من عند موسى، أرسل إليه، فأدخل عليه، ثم قال له: ما وراءك ؟ فقال: كل ما تحب يا أمير المؤمنين، تركت موسى ابن نصير في الاندلس، وقد أظهره الله ونصره، وفتح على يديه ما لم يفتح على يد أحد، وقد أوفدني إلى أمير المؤمنين في نفر من وجوه من معه، بفتح من فتوحه، فدفع إليه الكتاب من عند موسى، فقرأه الوليد. فلما أتى على آخره خر ساجدا، فلما رفع رأسه أتاه فتح آخر، فخر أيضا ساجدا، ثم رفع رأسه، فأتاه آخر بفتح آخر، وخر ساجدا، حتى ظننت أنه لا يرفع رأسه.

[ 63 ]

ذكر ما وجد موسى في البيت الذي وجد فيه المائدة مع صور العرب قال: وذكروا أن هرم بن عياض حدثهم عن رجل من أهل العلم، أنه كان مع موسى بالاندلس حين فتح البيت الذي كانت فيه المائدة، التى ذكروا أنها كانت لسليمان بن داود عليه السلام. فقال: كان بيتا عليه أربعة وعشرون قفلا، كان كلما تولى ملك، جعل عليه قفلا اقتداء منه بفعل من كان قبله، حتى إذا كانت ولاية لذريق القرطبي، الذي افتتحت الاندلس على يديه وفي ملكه قال: والله لا أموت بغم هذا البيت، ولافتحنه حتى أعلم ما فيه، فاجتمعت إليه النصرانية والاساقفة والشمامسة، وكل منهم معظم له. فقالوا له: ما تريد بفتح هذا البيت ؟ فقال: والله لا أموت بغمه، ولاعلمن ما فيه. فقالوا: أصلحك الله، إنه لا خير في مخالفة السلف الصالح، وترك الاقتداء بالاولية، فاقتد بمن كان قبلك، وضع عليه قفلا كما صنع غيرك، ولا يحملك الحرص على ما لم يحملهم عليه، فإنهم أولى بالصواب منا ومنك، فأبى إلا فتحه. فقالوا له: انظر ما ظننت أن فيه من المال والجواهر، وما خطر على قلبك، فإنا ندفعه إليك، ولا تحدث علينا حدثا لم يحدثه فيه من كان قبلك من ملوكنا، فإنهم كانوا أهل معرفة وعلم. فأبى إلا فتحه، ففتحه، فوجد فيه تصاوير العرب، ووجد كتابا فيه: إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء الذين هيئاتهم هكذا، هذه البلاد فملكوها. فكان دخول المسلمين من العرب إليه في ذلك العام. ذكر ما أفاء الله عليهم قال: وذكروا عن الليث بن سعد أن موسى لما دخل الاندلس، ضربوا الاوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنائسها، فتلفت الاوتاد فلم تلج (1) فنظروا فإذا بصفائح الذهب والفضة خلف بلاط الرخام. قال: وذكروا أن رجلا كان مع موسى ببعض غزواته بالاندلس، وأنه رأى رجلين يحملان طنفسة (2) منسوجة بالذهب والفضة والجوهر والياقوت، فلما أثقلتهما أنزلاها، ثم حملا عليها الفأس فقطعاها نصفين، فأخذا نصفا وتركا الآخر. قال: فلقد رأيت الناس يمرون يمينا وشمالا، ما يلتفتون إليها استغناء عنها بما هو أنفس منها وأرفع. قال: وأقبل رجل


(1) لم تلج: لم تدخل في الارض. (2) الطنفسة: البساط العظيم أو السجادة القيمة. (*)

[ 64 ]

إلى موسى فقال: ابعث معي أدلكم على كنز، فبعث معه موسى رجالا. فقال الذي دلهم: انزعوا هاهنا، فنزعوا، فسال عليهم من الزبرجد والياقوت ما لم يروا مثله قط، فلما رأوه بهتوا وقالوا: لا يصدقنا موسى، أرسلوا إليه. فأرسلوا حتى جاء ونظر. قال: وكانت الطنفسة قد نظمت بقضبان الذهب والفضة المسلسلة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد. قال: وكان البربريان ربما وجداها فلا يستطيعان حملها حتى يأتيا بالفأس فيضربا وسطها، ويأخذا منها ما أمكنهما، اشتغال بغير ذلك مما هو أنفس منه. قال الليث: وبلغني أن رجلا غل في غزوة عطاء بن نافع فحمل ما غل حتى جعله في مزفت (1) بين كتفيه وصدره، فحضره الموت، فجعل يصيح: المزفت المزفت. وحدثنا ابن أبي ليلى التجيبى، عن حميد، عن أبيه أنه قال: لقد كانت الدابة تطلع في بعض غزوات موسى، فينظر في حافرها فيوجد فيه مسامير الذهب والفضة. قال: وكتب موسى حين افتتح الاندلس إلى أمير المؤمنين: إنها ليست كالفتوح يا أمير المؤمنين، ولكنه الحشر. وأخبرني عن عبد الحميد ابن حميد، عن أبيه أنه قال: قدمت الاندلس امرأة عطارة فخرجت بخمس مئة رأس، فأما الذهب والفضة والآنية والجوهر فذلك لا يحاط بعلمه. قال: وحدثني ياسين بن رجاء، أنه قدم عليهم رجل من أهل المدينة شيخ، فجعل يحدثنا عن الاندلس، وعن دخول موسى إياها، فقلنا له: فكيف علمت هذا ؟ قال: إني والله من سبيه، ولاخبركم بعجيب، والله ما اشتراني الذي اشتراني إلا بقبضة من فلفل لمطبخ موسى بن نصير. فقلنا له: ما أقدمك ؟ فقال: أبى كان من وجوه الاندلس. فلما سمع بموسى بن نصير عمد إلى عين ماله من الذهب والفضة والجوهر، وغير ذلك، فدفنه في موضع قد عرفته، فتقدمت أنا للخروج إلى ذلك الموضع لاستخراجه. قلنا له، وكم لك منذ فارقته ؟ قال: سبعون سنة. قلنا له: أفنسيته ؟ قال: نعم، فلم ندر بعد ما فعل. عزوة موسى بن نصير البشكنس والافرنج قال: وذكروا أن موسى خرج من طليطلة بالجموع غازيا يفتح المدائن جميعا، حتى دانت له الاندلس، وجاءه وجوه جليقية، فطلبوا الصلح فصالحهم، وغزا البشكنس فدخل في بلادهم حتى أتى قوما كالبهائم، ثم مال إلى أفرنجة، حتى انتهى إلى سرقسطة فافتتحها، وافتتح ما دونها


(1) المزفت: حق أو نحوه مغلف بالزفت حتى لا ينظر إليه أحد وحتى لا يفتح إلا بصعوبة. (*)

[ 65 ]

من البلاد إلى الاندلس. قال: فأصاب فيها ما لا يدرى ما هو، ثم سار حتى جاوزها بعشرين ليلة، وبين سرقسطة وقرطبة شهر أو أربعون يوما. قال: وذكروا أن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، قال: كنت ممن غزا مع موسى الاندلس حتى بلغنا سرقسطة، وكانت من أقصى ما بلغنا مع موسى إلا يسيرا من ورائها، فأتينا مدينة على بحر، ولها أربعة أبواب. قال: فبينما نحن محاصروها إذ أقبل عياش بن أخيل، صاحب شرطة موسى، فقال أيها الامير، إنا قد فرقنا الجيش أرباعا على نواحى المدينة، وقد بقى الباب الاقصى، وعليه رتبة. قال له موسى بن نصير: دع ذلك الباب فإنا سننظر فيه. قال: ثم إن موسى التفت إلي فقال لي: كم معك من الزاد ؟ قلت: ما بقى معي غير تليس (5)، قال: فأنت لم يبق معك غير تليس، وأنت من أمراء الجيش، فكيف غيرك ! اللهم أخرجهم من ذلك الباب. قال المغيرة: فأصبحنا من تلك الليلة وقد خرجوا من ذلك الباب، فدخلها موسى منه، ووجه ابنه مروان في طلبهم فأدركهم، فأسرع القتل فيهم، وأصابوا مما كان معهم، ومما في المدينة شيئا عظيما. قال: وذكروا أن جعفر بن الاشتر، قال: كنت فيمن غزا الاندلس مع موسى، فحاصرنا حصنا من حصونها عظيما، بضعا وعشرين ليلة، ثم لم نقدر عليه. فلما طال ذلك عليه نادى فينا، أن أصبحوا على تعبئة، وظننا أنه قد بلغه مادة من العدو، وقد دنت منا، وأنه يريد التحول عنهم، فأصبحنا على تعبئة، فقام فحمد الله، ثم قال: أيها الناس، إني متقدم أمام الصفوف، فإذا رأيتموني قد كبرت وحملت، فكبروا واحملوا. فقال الناس: سبحان الله، أترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه، يأمرنا نحمل على الحجارة وما لا سبيل إليه ! قال: قتقدم بين يدى الصفوف حيث يراه الناس، ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والرغبة، فأطال ونحن ركوب منتظرون تكبيره، فاستعددنا، ثم إن موسى كبر، وكبر الناس، وحمل وحمل الناس، فانهدت ناحية الحصن التي تلينا، فدخل الناس منها، وما راعني إلا خيل المسلمين تمزع فيها، وفتحها الله علينا، فأصبنا من السبى والجواهر ما لا يحصى. قال: وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى، وكانت من أهل الصدق والصلاح، أن موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله، وكان تلقاءه حصن آخر. قالت: فأقام لنا محاصرا حينا، ومعه أهله وولده، وكان لا يغزو إلا بهم لما يرجو في ذلك من الثواب. قالت: ثم إن أهل الحصن خرجوا إلى موسى فقاتلوه قتالا شديدا، ففتح الله عليه. قالت: فلما رأى ذلك أهل


(1) التليس يتشد اللام: الكيس الكبير أو الشوال الكبير. (*)

[ 66 ]

الحصن الآخر، نزلوا على حكمه، ففتحهما موسى في يوم واحد. فلما كان في اليوم الثاني، أتى حصنا ثالثا، فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا، حتى جال المسلمون جولة واحدة. قال: فأمر موسى بسرادقه فكشط (1) عن نسائه وبناته حتى برزن. قال: فلقد كسرت بين يديه من أغماد السيوف ما لا يحصى، وحمى المسلمون، واحتدم القتال، ثم إن الله فتح عليه ونصره، وجعل العاقبه له. وقال عبد الرحمن بن سلام: كنت فيمن غزا مع موسى في غزواته كلها. فلم ترد له زاية قط، ولا هزم له جمع قط، حتى مات. وقال ابن ضخر: لما قدم موسى الاندلس قال أسقف من أساقفتها. إنا لنجدك في كتب الحدثان، عن دانيال. بصفتك صيادا تصيد بشبكتين، رجل لك في البر، ورجل في البحر، تضرب بهما هاهنا وهاهنا فتصيد. قال: فسر بذلك موسى وأعجبه. وقال عبد الحميد بن حميد، عن أبيه: إن موسى لما وغل وجاوز سرقسطة، اشتد ذلك على الناس وقالوا: أين تذهب بنا ؟ حبنا ما في أيدينا، وكان موسى قال: حين دخل أفريقية، وذكر عقبة بن نافع: لقد كان غرر بنفسه حين وغل في يلاد العدو، والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه، أما كان معه رجل رشيد ؟ فسمعه حبيش الشيباني قال: فلما بلغ موسى ذلك المبلغ، قام حبيش فأخذ بعنانه. ثم قال أيها الامير ! إني سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول: لقد غرر بنفسه وبمن معه، أما كان معه رجل رشيد ؟ وأنا رشيدك اليوم، أين تذهب ؟ تريد أن تخرج من الدنيا، أو تلتمس أكثر وأعظم مما آتاك الله عز وجل، وأعرض مما فتح الله عليك، ودوخ لك، إني سمعت من الناس ما لم تسمع، وقد ملاوا أيديهم، وأحبوا الدعة. قال: فضحك موسى ثم قال: أرشدك الله، وكثر في المسلمين مثلك. ثم انصرف قافلا إلى الاندلس فقال موسى يومئذ: أما والله لو انقادوا إلي لفدتهم إلى رومية، ثم يفتحها الله على يدي إن شاء الله. خروج موسى بن نصير من الاندلس قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم، وكان مع موسى بن نصير بالاندلس.


(1) السرادق: القبة التي كانت مضروبة على نسائه وبناته وكشط أزيح وطوى، وهذا تحميس للرجال ولنفسه لان المحارب إذا رأى نساءه وبناته امامه خاف عليهن فحارب أشجع ما يكون. (*)

[ 67 ]

قال: أقام موسى بقية سنته تلك، وأشهرا من سنة أربع وتسعين، ثم خرج وافدا إلى الوليد بن عبد الملك، وكان ما أقام بها موسى عشرين شهرا، واستخلف عبد العزيز بن موسى، فجاز موسى البحر على الاندلس، فغزا بالناس حتى بلغوا أربونة، ومعه أبناء الملوك من الافرنج، وبالتيجان والمائدة والآنية والذهب والفضة، والوصفاء والوصائف، وما لا يحصى من الجواهر والطرائف، وخرج معه بوجوه الناس. قال: وذكروا عن صفة المائدة عن عبد الحميد أنه قال كانت مائدة خوان، ليست لها أرجل، قاعدتها منها، وكانت من ذهب وفضة خليطين، فهى تتلون صفرة وبياضا، مطوقة بثلاثة أطواق، طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، وطوق من زمرد قال قلت: فما عظمها ؟ قال: كنا بموضع والناس معسكرون، إذ فلت بغل لرجل من موالى موسى يقال له صالح أبو ريشة، على رمكة (1)، فكردها في العسكر، فقام الناس إليه بأعمدة الاخبية، وجال في العسكر جولة، فتطلع موسى قال: ما هذا ؟ وتطلع الحواري فإذا هو بالبغل يكرد الرمكة، وقد أدلى (2)، فغار موسى وقال: احملوا عليه المائدة، فلم يبلغ بها إلا منقلة (3) حتى تفتخت قوائمه لكثرة ثقلها على هذا البغل القوي. قدوم موسى أفريقية قال: وذكروا أن يزيد بن مسلم مولى موسى، أخبرهم أنه لما جاز موسى الحصن أمرهم بصناعة العجل (4)، فعملت له ثلاثون ومئة عجلة، ثم حمل عليها الذهب والفضة والجواهر، وأصناف الوشى الاندلسي، حتى أتى أفريقية. فلما قدمها بقى بها سنة أربع وتسعين، ثم قفل، واستخلف ابنه عبد الله على أفريقية وطنجة والسوس، وخرج معه ولده مروان بن موسى، وعبد الاعلى بن موسى وعبد الملك بن موسى، وخرج معه مئة رجل من أشراف الناس، من قريش والانصار وسائر العرب ومواليها، منهم عياض بن عقبة، وعبد الجبار بن أبي سلمة


(1) الرمكة: الفرس أو البغلة تتخذ للنسل، وكردها طاردها وجرى وراءها يريد أن يقع عليها. (2) أدلى: انتصب ذكره متدليا. (3) المنقلة: هي انتقال الاقدام أي لم يبلغ بها إلا خطوة، وتفتحت قوائمه استرخت أعصابها ولانت من ثفل المائدة. (4) العجل: أي العجلات وهي العربات. (*)

[ 68 ]

ابن عبد الرحمن بن عوف، والمغيرة بن أبي بردة، وزرعة بن أبي مدرك، وسليمان بن نجدة ووجوه من وجوه الناس وأخرج معه من وجوه البربر مئة رجل فيهم بنو كسيلة، وبنو قصدر، وبنو ملوك البربر، وملك السوس مزدانة ملك قلعة أرساف وملك ميورقه، وخرج بعشرين ملكا من ملوك جزائر الروم، وخرج معه مئة من ملوك الاندلس، ومن الافرنجيين، ومن القرطبيين وغيرهم، وخرج معه أيضا بأصناف ما في كل بلد من بزها (2) ودوابها ورقيقها وطرائفها وما لا يحصى، فأقبل يجر الدنيا وراءه جرا لم يسمع بمثله، ولا بمثل ما قدم به. قدوم موسى إلى مصر قال: وذكروا أن يزيد بن سعيد بن مسلم أخبرهم قال: لما أتى موسى مصر، وانتهى ذلك إلى الوليد بن عبد الملك، كتب إلى قرة بن شريك، أن ادفع إلى موسى من بيت مال مصر ما أراد، فأقبل موسى حتى إذا كان في بعض الطريق، لقيه خبر موت قرة بن شريك، ثم قدم مصر سنة خمس وتسعين، فدخل المسجد فصلى عند باب الصوال، وكان قرة قد استخلف بن رفاعة على الجند حتى توفى، فلما سمع بموسى خرج مبادرا حتى لحقه حين استوى على دابته فلقيه فسلم عليه، فقال له موسى من أنت يا بن أخى ؟ فانتسب له. فقال: مرحبا وأهلا، فسار معه حتى نزل منية عمرو بن مروان، فعسكر بها موسى، فكلمه حينئذ رفاعة في المال الذي كان استخرجه من سفيان بن مالك الفهرى، وذلك بعد مهلك سفيان. فقال: هو لك. قال: فأمر بدفع عشرة آلاف دينار إلى ولد سفيان بن مالك. قال: فأقام موسى ثلاثة أيام، تأتيه أهل مصر في كل يوم، فلم يبق شريف إلا وقد أوصل إليه موسى صلة ومعروفا كثيرا، وأهدى لولد عبد العزيز ابن مروان فأكثر لهم، وجاءهم بنفسه فسلم عليهم، ثم سار متوجها حتى أتى فلسطين، فتلقاه آل روح ابن زنباع، فنزل بهم، فبلغني أنهم نحروا له خمسين جزورا، وأقام عندهم يومين، وخلف بعض أهله وصغار ولده عندهم، وأجاز آل مروان وآل روح بن زنباع بجوائز من الوصائف، وغير ذلك من الطرف. قدوم موسى على الوليد رحمهما الله تعالى قال: وذكروا أن محمد بن سليمان وغيره من مشايخ أهل مصر، أخبروهم أن موسى لما قدم على الوليد، وكان قدومه عليه وهو في آخر شكايته التي توفى فيها، وقد كان سليمان


(1) البز: الثياب المنسوجة من القطن ونحوه. (*)

[ 69 ]

ابن عبد الملك بعث إلى موسى من لقيه في الطريق قبل قدومه على الوليد، يأمره بالتثبط (1) في مسيره، وألا يعجل، فإن الوليد بآخر رمقه. فلما أتى موسى بالكتاب من سليمان وقرأه، قال: خنت والله وغدرت وما وفيت، والله لا ؟ ربصت ولا تأخرت ولا تعجلت ولكني أسير بمسيري، فإن وافيته حيا لم أتخلف عنه، وإن عجلت منيته فأمره إلى الله. فرجع الرسول إلى سليمان فأعلمه فآلى سليمان لئن ظفر بموسى ليصلبنه، أو ليأتين علي نفسه (2). قال: فلما قدم موسى على الوليد وكان الوليد لما بلغه قدوم موسى واقترابه منه، وجه إليه كتابا يأمره بالعجلة في مسيره، خوفا أن تعجل به منيته قبل قدوم موسى عليه، وأنه أراد أن يراه وأن يحرم سليمان ما جاء به من الجواهر والطرائف التي لا قيمة لها، فلم يكن لموسى شئ يثبطه حين أتاه كتاب الوليد، فأقبل حتى دخل عليه، وقدم تلك الطرائف من الدر والياقوت والزبرجد، والوصفاء والوصائف والوشى، ومائدة سليمان بن داود عليه السلام، ومائدة ثانية من جزع ملون والتيجان. قال: فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت، وعمد إلى أفخر ما فيها، والتيجان والجزع، فجعله في بيت الله الحرام، وفرق غير ذلك، ولم يلبث الوليد أن مات رحمه الله. خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه، بعث إلى موسى، فأنى به، فعنفه بلسانه، وكان فيما قال له يومئذ: أعلى اجترأت، وأمري خالفت، والله لاقللن عددك، ولافرقن جمعك، ولابددن مالك، ولاضعن منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور، وتخدعه من آل أبي سفيان، وآل مروان، فقال له موسى: والله يا أمير المؤمنين ما تعتل علي بذنب، سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك، وحافظت على من ولى النعمة عندي فيه، فأما ذكر أمير المؤمنين: من أنه يقل عددي، ويفرق جمعى ويبدد مالى، ويخفض حالى، فذلك بيد الله، وإلى الله، وهو الذي يتول النعمة على الاحسان إلي، وبه أستعين، ويعيذ الله عز وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجرى على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه، ولم يبلغه ذنب اجترمته. فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه. قال: وكانت بموسى نسمة (3)، فلما أصابه حر الشمس، وأتعبه الوقوف،


(1) التمهل وعدم الاسراع. (2) ليأتين على نفسه: بزهق نفسه أي يقتله. (3) النسمة: الربو وهو مرض معروف من أمراض الصدر. (*)

[ 70 ]

هاجت عليه. قال: وجعلت قرب العرق تنصب منه، فما زال كذلك حتى سقط، وعمر بن عبد العزيز حاضر، إلى أن نظر سليمان إلى موسى، وقد وقع مغشيا عليه. قال عمر بن عبد العزيز ما مر بي يوم كان أعظم عندي، ولا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم، لما رأيت من الشيخ موسى، وما كان عليه من بعد أثره في سبيل الله، وما فتح الله على يديه وهذا يفعل به. قال: فالتفت إلي سليمان فقال يا أبا حفص، ما أظن إلا أني قد خرجت من يميني قال عمر: فاغتنمت ذلك منه فقلت يا أمير المؤمنين شيخ كبير بادن (1)، وبه نسمة قد أهلكته، وقد أتت على ما فيه من السلامة لك من يمينك، وهو موسى البعيد الاثر في سبيل الله، العظيم الغناء عن المسلمين قال عمر: والذي منعني من الكلام فيه ما كنت أعلم من يمينه وحقده عليه، فخشيت إن ابتدأته أن يلح عليه، وهو لحوح. قال. فلما قال لي ما قال آخرا، حمدت الله على ذلك، وعلمت أن الله قد أحسن إليه، وأن سليمان قد ندم فيه. فقال سليمان: من يضمه ؟ فقال يزيد بن المهلب أنا أضمه يا أمير المؤمنين. قال: وكانت الحال بين يزيد وموسى لطيفة خاصة. قال سليمان: فضمه إليك يا يزيد، ولا تضيق عليه. قال: فانصرف به يزيد، وقد قدم إليه دابة ابنه مخلد، فركبها موسى، فأقام أياما. قال: ثم إنه تقارب ما بين موسى وسليمان في الصلح، حتى افتدى منه موسى بثلاثة آلاف ألف دينار. عدة موالى موسى بن نصير قال: وذكروا عن بعض البصريين، أن رجلا منهم أخبرهم أن يزيد قال لموسى ذات ليلة وقد سهر سهرا طويلا: يا أبا عبد الرحمن، كم تعد مواليك وأهل بيتك ؟ فقال: كثير. قال يكونون ألفا ؟ قال له موسى: نعم وألفا وألفا حتى ينقطع النفس، لقد خلفت من الموالى ما أظن أن أحدا لا يخلف مثلهم. قال له يزيد: إنك لعلى مثل ما وصفت، وتعطى بيدك ؟ ألا أقمت بدار عزك، وموضع سلطانك، وبعثت بما قدمت به، فإن أعطيت الرضا أعطيت الطاعة، وإلا كنت على التخيير من أمرك ؟ فقال موسى: والله لو أردت ذلك ما تناولوا طرفا من أطرافي إلى أن تقوم الساعة، ولكن آثرت حق الله، ولم أر الخروج من الطاعة والجماعة. قال: ثم خرج يزيد من عنده، فنظر إليه موسى، قال لمن عنده: والله إن في رأس أبي خالد لنفرة وليأتين عليها.


(1) البادن والبدين: ضخم الجسم (تخين). (*)

[ 71 ]

ذكر ما رآه موسى بالمغرب من العجائب قال: وذكروا عن محمد بن سليمان، عن مشايخ أهل مصر، قال: لما بعث موسى رحمه الله بالخمس الذي أفاه الله عليه، وكان مئة ألف رأس، فنزلوا الاسكندرية، ونزل بعضهم كنيسة فيها، فسميت كنيسة الرقيق إلى اليوم، ونزلوا موضعا بالفسطاط فتسوقوا فيه، فسمى سوق البربر إلى اليوم، قال محمد بن سليمان، ومحمد بن عبد الملك: إن موسى اتخذ لنفسه دارا وسكنا حتى كان من أمر سليمان ما قد ذكر، وهو الذي أخرجه وأهله من المغرب. قال: وحدثنا بعض أهل أفريقية أن موسى ركب يوما حتى خرج من القيروان، فوقف قريبا من أفريقية على رأس أميال، فأخذ بيده ترابا فشمه من ثم، ثم أمر بحفر بئر وابتني دارا ومنية (1) واتخذ فيها خيلا فسميت بئر منية الخيل، فليس يعلم بالمغرب بئر أعذب منها. وحدثنا الكرير أبو بكر عبد الوهاب بن عبد الغفار شيخ من مشايخ تونس قال: إن موسى انتهى إلى صنم يشير بأصبعه إلى خلفه ثم تقدم إلى صنم أمام الصنم الاول، فإذا هو يشير بأصبعه إلى السماء، ثم تقدم فإذا بصنم على نهر ماء جار، يشير بأصبعه تحت قدميه، فلما انتهى موسى إلى الصنم الثالث. قال موسى: احفروا، فإذا بمحدث (2) مختوم الرأس، قد أخرج، فأمر به موسى فكسر، فخرجت ريح شديدة. فقال موسى للجيش: أتدرون ما هذا ؟ قالوا: لا والله أيها الامير ما ندرى. قال: ذلك شيطان من الشياطين التي سجنها نبي الله سليمان بن داود. قال: وحدثنا بعض مشايخ أهل المغرب أن موسى أرسل ناسا في مراكب فامرهم أن يسيروا حتى ينتهوا إلى صنم يشير بأصبعه أمامه في جزيرة في البحر، ثم يسيروا حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة يشير بأصبعه أمامه ثم يسير الليالي والايام ويجد في السير حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة في البحر، فيها أناس لا يعرف كلامهم. قال: فإذا بلغتم ذلك فارجعوا، وذلك في أقصى المغرب ليس وراءه أحد من الناس إلا البحر المحيط، وهو أقصى المغرب في البر والبحر. قال: وحدثنا بعض المشايخ من أهل المغرب أن موسى بلغ نهرا من أقصى المغرب، فإذا عليه في الشق الايمن أصنام ذكور، وفي الايسر أصنام إناث، وأن موسى لما انتهى إلى ذلك


(1) المنية: الضاحية أو القرية الصغيرة. (2) المحدث: شئ كالابريق قد أغلقت فوهته وختمت. (*)

[ 72 ]

الموضع خاف الناس فيه، فلما رأى ذلك منهم رجع بالناس، ثم مضى في وجهه ذلك حتى انتهى إلى أرض تميد بأهلها، ففزع الناس وخافوا فرجع بهم. قالوا: وحدثنا عبد الله بن قيس، قال: بلغني أن موسى لما جاوز الاندلس أتى موضعا، فإذا فيه قباب من نحاس، فأمر بقبة منها فكسرت، فخرج منها شيطان نفخ ومضى، فعرف موسى أنه شيطان من الشياطين التي سجنها سليمان بن داود، فأمر موسى بالقباب فتركت على حالها، وسار بالناس قدما. قال: وحدثنا عمارة بن راشد، قال: بلغنا أن موسى كان يسير في بعض غزواته وهو بأقصى المغرب، إذ غشى الناس ظلمة شديدة، فعجب الناس منها وخافوا، وسار بهم موسى في ذلك، إذ هجم على مدينة عليها حصن من نحاس، فلما أتاها أقام عليها، وطاف بها، فلم يقدر على دخولها، فأمر بنبل ورماح، وندب الناس فجعل يقول: من يصعد هذه، وله خمس مئة دينار ؟ فصعد رجل، فلما استوى على سورها تردى فيها، ثم ندب الناس موسى ثانية، وقال: من يصعد وله ألف دينار ؟ فصعد آخر، ففعل به مثل ذلك، ثم ندب الناس ثالثة: قال: من يصعد وله ألف وخمس مئة دينار، فصعد رجل ثالث، فأصابه ما أصاب صاحبيه، فكلم الناس موسى فقالوا: هذا أمر عظيم أصيب إخواننا، وغررت بهم حتى هلكوا. فقال لهم: على رسلكم يأتيكم الامر على ما تحبون إن شاء الله، ثم أمر موسى بالمنجنيق، فوضعت على حصن المدينة، ثم أمر أن يرمى الحصن، فلما علم من في الحصن ما عمل موسى، ضجوا وصاحوا. وقالوا: يا أيها الملك، لسنا بغيتك، ولا نحن ممن تريد، نحن قوم من الجن، فانصرف عنا، فقال، لهم موسى: أين أصحابي، وما فعلوا ؟ قالوا: هم عندنا على حالهم. فقال: أخرجوهم إلينا. قالوا: نعم. فأخرج الثلاثة النفر، فسألهم موسى عن أمرهم وما صنع بهم. فقالوا: ما درينا ما كنا فيه، وما أصابتنا شوكة حتى أخرجنا إليك. فقال موسى: الحمد لله كثيرا، ثم تقدم بالناس سائرا يفتح كل ما مر به. ثم نرجع إلى حديث سليمان بن عبد الملك. تولية سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة وما أشاربه موسى عليه قال: وذكروا أن سعيد بن عبد الله أخبرهم، قال: إن سليمان ب عبد الملك بعث أخاه

[ 73 ]

مسلمة إلى أرض الروم، ووجه معه خمس مئة وثلاثين ألف رجل، وخمس مئة رجل ممن قد ضمه الديوان واكتتب في العطاء وتقلب في الارزاق، ثم دعا سليمان بموسى، بعد أن رضى عنه على يد عمر بن عبد العزيز فقال سليمان له: أشر علي يا موسى، فلم تزل مبارك الغزوة في سبيل الله، بعيد الاثر، طويل الجهاد. فقال له موسى: أرى يا أمير المؤمنين أن توجهه بمن معه، فلا يمر بحصن إلا صير عليه عشرة آلاف رجل حتى يفرق نصف جيشه، ثم يمضى بالباقي من جيشه، حتى يأتي القسطنطينية، فإنه يظفر بما يريد يا أمير المؤمنين. قال: فدعا سليمان مسلمة فأمره بذلك من مشورة موسى وأوعز إليه فلما علم مسلمة بالمشورة فكأنه كره ذلك، وكان في مسلمة بعض الا باية، ثم رجع إلى قول موسى فيما صنع بأرض الروم، حين ظفر ببطريق ليس فوقه إلا ملك الروم: فقال البطريق لمسلمة: آمني على نفسي وأهلي ومالي وولدي، وأنا آتيك بالملك، فأمنه، ومضى البطريق إلى الملك الاعظم، فأعلمه بما فعل مسلمة، وما ظفر به منه، ومن حصون الروم، فلما رأى ذلك ملك الروم، أعظم ذلك وسقط في يديه. فقال البطريق له عند ذلك: ما لي عليك إن صرفت مسلمة عنك وجميع من معه ؟ فقال الملك: أجعل تاجي على رأسك، وأقعدك مكاني. فقال البطريق: أنا أكفيك ذلك. فرجع البطريق إلى مسلمة، فقال: أخرني ثلاثا حتى آتيك بالملك، فبعث البطريق إلى جميع الحصون، فأمرهم بالتقلع إلى الجبال، وحمل ما قدروا عليه من الطعام، وأمر بإحراق الزرع، وغير ذلك مما يؤكل وينتفع به، مما كان خلفه مسلمة وجنده، وما بين المسلمين وملك الروم، فلما فعلوا ما أمروا به، وعلم البطريق أنه أحكم أمره، بعث إلى مسلمة فقال له لو كنت امرأة لفعلت بك كما يفعل الرجل بأمرأته. قال: فتغيظ مسلمة وآلى ألا يبرح حتى يظفر بملك الروم. سؤال سليمان موسى عن المغرب قال: وذكروا أن محمد بن سليمان، أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك قال لموسى: من خلفت على الاندلس ؟ قال له: عبد العزيز بن موسى. قال: ومن خلفت على أفريقية وطنجة والسوس ؟ قال: عبد الله ابني. فقال له سليمان: لقد أنجبت يا موسى، فقال موسى: ومن أنجب مني يا أمير المؤمنين، إن ابني مروان أتى بملك الاندلس، وابني عبد الله أتى بملك ميورقة وصقلية وسردانية، وإن ابني مروان أتى بملك السوس الاقصى فهم متفرقون في الامصار، وغيرهم يغيرون فيأتون من السبى بما لا يحصى، فمن أنجب مني يا أمير المؤمنين ؟ قال: فغضب سليمان، فقال ولا أمير

[ 74 ]

المؤمنين ليس بأنجب منك ؟ فقال موسى: شأن أمير المؤمين شأن ليس فوقه شأن، وكل شأن وإن عظم دونه، لانه به ومنه، وعلى يديه وأمره. قالوا: وحدثنا عبد الله بن شريح، قال: بلغني أن موسى لما نزل الحيرة عند قدومه من المغرب أتاه رجل من بني أمية، فقال له: يا موسى، أنت ملك المغرب، وأعلم الناس تخرج إلى الوليد، وتعلم من سليمان ؟ فقال له موسى: يا بن أخي، حسبك من قريش، ثم من بني أمية ما تعلم، ألا ترى يا بن أخي أن الصبي يأخذ العظم فيعقفه (1) بحبل، ثم ينصبه ويهيئ طريقا، ويضع فيه حبة بر أو ذرة، فينصب للهدهد العالم بما تحت الارض، فيستنفر (2)، ثم تدفعه المقادير إلى الوقوع فيه، فاحذر يا بن أخي أن تراك الشام أو تراها. فخرج موسى إلى الوليد بدمشق، فمات الوليد، واستخلف سليمان أخاه، فلقى منه موسى ما ذكرنا، وخرج القرشي إلى الشام، فضربت عنقه. ذكر قدوم موسى على الوليد قال: وذكروا أن موسى لما قدم على الوليد، وذلك يوم الجمعة، في حين جلوس الوليد ابن عبد الملك على المنبر، وكان موسى قال لبعض من وفد معه، بأن يلبس كل رجل من الاسرى تاجا، وثياب ملك ذلك التاج، ثم يدخلوا معه المسجد. قال: فألبس ثلاثين رجلا ثلاثين تاجا، وهيأهم هيئة الملوك، وأمر بأبناء ملوك البربر فهيئوا وأمر بأبناء ملوك الجزائر والروم فهيئوا كذلك، ولبسوا التيجان، وأمر بأبناء ملوك الاشبان (3)، فهيئوا بمثل ذلك وأمر بالاموال والجوهر واللؤلؤ والياقوت والزبرجد والجزع والوطاء (4) والكساء المنسوج بالذهب والفضة، المحرش (5) باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، فوقف الجميع بباب الوليد، وأبناء ملوك أفرنجة وأقبل موسى بالذين ألبسهم التيجان، حتى دخل مسجد دمشق، والوليد على المنبر، يحمد الله وهو موهون (6)، قد أثرت فيه العلة، وأنهكه المرض وإنما كان متحملا


(1) يعقفه: يثنيه ويلويه. (2) يستنفر: بهرب. (3) الاشبان: الاسبان: وهم ملوك الاندلس. (4) الوطاء: الفرش اللين الثمين. (5) المحرش: الموضع عليه اللؤلؤ وغيره بارزا تلمس اليد خشونته. (6) موهون: ضعيف. (*)

[ 75 ]

لاجل قدوم موسى ومن معه. فلما رآهم بهت إليهم، وقال الناس: موسى ؟ موسى، ثم أقبل حتى سلم على الوليد، ووقف الثلاثون بالتيجان، عن يمين المنبر وشماله ثم إن الوليد أخذ في حمد الله تعالى والثناء عليه، والشكر لما أيده الله ونصره، فتكلم بكلام لم يسمع بمثله، وأطال حتى فات وقت الجمعة، ثم صلى بالناس فلما فرغ جلس، ثم دعا بموسى، فصب عليه الوليد الخلع ثلاث مرات، وأجازه بخمسين ألف دينار، وفرض لولده جميعا في الشرف، وفرض لخمس مئة من مواليه، ثم أدخل عليه موسى ملوك البربر، وملوك الروم، وملوك الاشبان، وملوك أفرنجة، ثم أدخل عليه رءوس أهل البلاد ممن كان معه من قريش والعرب، فأحسن جوائزهم، وفرض لهم في الشرف، ثم أقام موسى عند الوليد أربعين يوما، ثم إن الوليد هلك. ذكر اختلاف الناقلين في صنع سليمان بموسى قالوا: لما استخلف سليمان بعد أخيه الوليد، فكان أحنق الناس على الحجاج وموسى بن نصير، وكان يحلف لئن ظفر بهما ليصلبنهما، وكان حنقه عليهما لامر يطول ذكره. قال: فأرسل سليمان إلى عمر بن عبد العزيز فأتاه، فقال: إني صالب غدا موسى بن نصير، فبعث عمر إلى موسى فأتاه. فقال له يا بن نصير، إني أحبك لاربع. الواحدة: بعد أثرك في سبيل الله، وجهادك لعدو الله. والثانية: حبك لآل محمد صلى الله عليه وسلم. والثالثة. حبك عياض بن عقبة لما تعلم من حسن رأيى فيه، وكان عياض من عباد الله الصالحين، والرابعة: أن لابي عندك يدا وصنيعة، وأنا أحب أن تتم يده وصنيعته حيث كانت، وقد سمعت أمير المؤمنين يذكر أنه صالبك غدا، فأحدث عهدك (1)، وانظر فيما أنت فيه ناظر من أمرك، فقال له موسى: قد فعلت، وأسندت ذلك إليك. فقال له عمر: لو قبلت ذلك من أحد قبلت منك، ولكن أسند إلى من أحببت. فانصرف، فلما أصبح اغتسل وتحنط وراح، ولم يشك في الصلب. فلما انتصف النهار، واشتد الحر، وذلك في حمارة الصيف: دعا سليمان موسى: فأدخل عليه متبعا، وكان بادنا جسيما، به نسمة لا تزال تعرض (2). فلما وقف بين يديه: شتمه وخوفه وتوعده، فقال له موسى: أما والله يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي، ولا قدر


(1) أحدث عهدك: أكتب وصيتك حتى إذا مت كنت قد رتبت أمورك على ما تحب. (2) البادن: السمين كبير الجسم. والنسمة: الربو وقد مر ذكرهما. (*)

[ 76 ]

جزائي، إني لبعيد الاثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين، مع قدمة (1) آبائي مع آبائك، ونصيحتي لهم. قال: فيقول له سليمان: كذبت، قتلني الله إن لم أقتلك. فلما أكثر على موسى قال له: أما والله لمن في بطن الارض أحب إلي ممن على ظهرها. فقال سليمان: ومن أولئك واستطير (2). فقال له موسى: مروان، وعبد الملك والوليد أخوك، وعبد العزيز عمك. قال: فكاد سليمان ينكسر. ثم يقول: قتلني الله إن لم أقتلك. فيقول له موسى: ما أنت بفاعل يا أمير المؤمنين ؟ فيقول: ولم ؟ لا أم لك. فيقول له موسى: إني لارجو ألا يكرم موسى بهوان أمير المؤمنين وموسى حينئذ قائم في الشمس، قد ارتفع نفسه، وعظم بهره (3)، ثم التفت سليمان إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: ما أرى يميني إلا قد برئت يا عمر (4). قال عمر: فاغتنمتها منه، ولم أبال أن يحنث بإحياء رجل من المسلمين. فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، امرؤ كبرت سنه، وكثر لحمه، وبه نسمة وبهر وسقم. فما أراه إلا ميتا. قال: ثم التفت سليمان إلى جلسائه فقال: من يأخذ هذا الشيخ، فيستخرج منه هذه الاموال ؟ فقال يزيد بن المهلب: أنا يا أمير المؤمنين قال: فخذه ولا تمسه، وضع العذاب على ابنيه مروان، وعبد الاعلى، فخرج به يزيد فحمله على دابة ابنه، ثم انصرف به إلى منزله، فأكرمه وبره. وقال له: أطع أمرى، وأجب أمير المؤمنين إلى مقاضاته عن نفسك وعن ابنيك، وحملني كل ما قاضيته عليه. فقال له موسى: أما إذا كنت أنت صاحب هذا الشأن، فأنا غير مخبرك فيما ضمنت لامير المؤمنين، وايم الله لو أمر سواك بي، وأمره بالبسط علي، لكان أحب إلي أن ألقى الله عز وجل، وأقرب إلي من أن يأخذوا مني دينارا واحدا، ولكن أديا يا ابني عن أنفسكما وعن أبيكما، فقالا: نعم، فغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان، فأعلمه بذلك، وبرضا موسى بمقاضاته، فأدخله سليمان عليه. فقال موسى: أرأيت لو لم أقاضك ما كنت فاعلا فقال سليمان: أضع العذاب عليك وعلى ابنيك حتى أبلغ ما أريد، أو آتى على أنفسكم. فقال موسى: الآن طابت نفسك يا أمير المؤمنين فأعطني أربع خصال، ولك ما دعوتني إليه من هذا المال. فقال: وما هن ؟ قال: لا تعزل عبد الله بن موسى عن أفريقية وجميع عمله سنتين، وأن كل ما جباه عبد الله بأفريقية، وعبد العزيز بالاندلس،


(1) القدمة: السابقة أي مع سابقة آبائي مع آبائك من حيث قيام آبائي بأعمال جلبلة لآبائك. (2) استطير: ذعر وخاف. (3) بهره: انقطاع نفسه من الاعياء والتعب. (4) برئت: أي نفذت يمينى وكان قد حلف ليصلبنه. (*)

[ 77 ]

فهو لي فيما قاضيت عليه أمير المؤمنين، وأن تدفع إلي طارقا مولاى، وأكون أملا به عينا وبماله. فقال له سليمان: أما ما سألت من إقرار عبد العزيز وعبد الله على مكانهما فذلك لك. وأما ما سألت من دفع طارق إليك فتكون أملا عينا به وبماله، فليس هذا جزاء أهل النصيحة لامير المؤمنين، فلست بفاعل، ولا مخل بينك وبين عقوبته، ولا اخذ ماله، فقاضاه موسى على مال، فأجله في ذلك، وخلى سبيله. نسخة القضية هذا ما قاضى عليه عبد الله سليمان أمير المؤمنين موسى بن نصير، قاضاه على أربعة آلاف ألف دينار، وثلاثين ألف دينار، وخمسين دينارا ذهبا طيبة وازنة يؤديها إلى أمير المؤمنين، وقد قبض منها أمير المؤمنين مئة ألف، وبقى على موسى سائر ذلك، أجله أمير المؤمنين إلى سير رسول أمير المؤمنين إلى ابني موسى الذي بالاندلس، والذي بإفريقية، يمكث شهرا بالاندلس، وليس له أن يمكث وراء ذلك يوما واحدا، حتى يقفل راجعا بالمال، إلى ما كان من أفريقية وما دونها، وليس لموسى أن يتكثر بشئ مما كان عليه من العمل، منذ استخلف الله أمير المؤمنين من ذمة أو فئ أو أمانة، فهو لامير المؤمنين يأخذه ويقتضيه، ولا يحسبه موسى من غرامته، فإن أدى موسى الذي سمى أمير المؤمنين في كتابه هذا من المال، إلى ما قد سمى أمير المؤمنين من الاجل، فقد برئ موسى وبنوه وأهله ومواليه، وليست عليهم تبعة ولا طلبة في المال ولا في العمل، يقرون حيث شاءوا، وما كان قبض موسى أو بنوه من عمال موسى إلى قدوم رسول أمير المؤمنين أفريقية، فهو من الذي على موسى من المال، يحسب له من الذي عليه، ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير المؤمنين، فليس منه في شئ، وقد خلى أمير المؤمنين بين موسى وبين أهله ومواليه، ليس له ظلم أحد منهم، غير أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه طارقا مولاه، ولا شيئا من الذي قد أباه عليه أول يوم. شهد أيوب ابن أمير المؤمنين، وداود بن أمير المؤمنين، وعمر بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن الوليد، وسعيد بن خالد، ويعيش بن سلامة، وخالد بن الريان، وعمر ابن عبد الله، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن سعيد. وكتبه جعفر بن عثمان في جمادي سنة تسع وتسعين. فلما تقاضيا أمر سليمان يزيد بن مهلب بتخلية موسى وابنيه، والكف عنه، فأعانه

[ 78 ]

يزيد بن المهلب بمئة ألف دينار، فأهدى إليه موسى حقا فيه ثلاث خرزات، فبعث بهن إلى ابن المهلب فقومهن، فقوبلن بثلاث مئة ألف دينار. فقال ابن المهلب لموسى: أتدرى لم قلت لامير المؤمنين أنا أضمه ؟ قال: لا، قال: خفت أن يجيبه قبلى من لا يرى فيك ما أنا عليه لك، وكانت لك يد عند المهلب رحمه الله. فأحببت أن أجزيك بها عنه، وبالله لو لم تفعل وأبپت ؟ عن المقاضاة ما شاكتك عندي شوكة حتى لا يبقى لآل المهلب مال ولا ثوب. قال: فجزاه موسى خيرا. ذكر يد موسى إلى المهلب قال: وذكروا أن مخبرا أخبرهم من شيوخ الشام ممن أدرك القوم وصحبتهم قال: كانت اليد التي أسداها موسى إلى المهلب، أن عبد الملك بن مروان لما ولي العراق بشرا أخاه، جعل منه موسى بن نصير وزيرا ومديرا لامره، وقد كانت الازارقة أفسدت ما هنالك، فأمر عبد الملك بشر بن مروان أن يولى المهلب قتالهم، وكان بشر للمهلب مسيئا، فلما قدم بشر العراق، وعلم المهلب برأيه، اعتزل بشرا. فلم يأته، فولى بشر بن مروان قتال الازارقة، الوليد بن خالد، فانهزم وافتضح، ثم ولى بشر رجلا آخر، فلم يصنع شيئا، فكتب عبد الملك إلى بشر أخيه، يفند رأيه فيما صنع، ويوبخه لما خالف أمره، فصمم بشر على رأيه، فلما استغلظ أمر الازارقة، استشار بشر بن مروان أسماء بن خارجة، وعكرمة بن ربعى، وموسى بن نصير في أمر المهلب. فأما عكرمة وأسماء فوافقا هواه فيه، وأما موسى فقال له: إن أمير المؤمنين لا يحتملك على المعصية، وليس مثل المهلب في فضله وشرفه، وقدره في قومه ومعرفته، أفصيت أو جفوت، فإن كان بلغك أمر يقال إنه أتاه، فاكشفه عنه، حتى تعلم عذره فيه أو ذنبه، فلم يزل موسى يردد أمر المهلب على بشر، ويعطفه عليه، بعد أن كان هم بقتله إن ظفر به، حتى أرسل إليه بشر قجاءه المهلب فتنصل إليه المهلب، فقبل منه بشر، وولاه ما كان يلى، فبعث إليه موسى بخمسين فرسا وبمئة بعير. وقال له: استعن بها على حربك، ثم لم يزل موسى قائما بأمره عند بشر، حتى هلك بشر. قالوا: وأخبرنا محمد بن عبد الملك أن المهلب في الايام التي كان يخاف فيها بشر بن مروان على نفسه، خرج إلى مال له، فكان فيه وحده، فأتى رجل إلى بشر وعنده موسى، فقال له: إن كان لك أيها الامير بالمهلب حاجة فابعث خيلا إلى موضع كذا وكذا، فإنه فيه في غار وحده، وليس معه فيه رجل من قومه. فبعث بشر خيلا، قال: فنهض من مجلسه موسى، فوجه إليه غلاما له، ثم قال له: أنت حر لوجه الله، إن أنت سبقت هذه الخيل حتى تنتهى

[ 79 ]

إلى موضع كذا وكذا، فتأتى المهلب فتقول له: إن موسى يقول لك: النجاة بنفسك، فخرج غلام موسى حتى انتهى إلى المهلب فأعلمه، فاستوى على فرسه فذهب، وأتت الخيل فلم تجد أحدا هناك، فانصرفوا راجعين إلى بشر فأعلموه بذلك. ذكر قتل عبد العزيز بن موسى بالاندلس قال: وذكروا أن محمد بن عبد الملك أخبرهم قال: أقام موسى بن نصير مع سليمان ابن عبد الملك يطلب رضاه، حتى رضى عنه، وابنه عبد الله بن موسى على أفريقية وطنجة والسوس، وابنه عبد العزيز على الاندلس كما هو، فلما بلغ عبد العزيز الذي فعل سليمان بأبيه موسى تكلم بكلام خفيف حملته عليه حمية لما صنع بأبيه على حسن بلائه، فنميت إلى سليمان، فخاف سليمان أن يخلع، فكتب إلى حبيب بن أبي عبيدة، وابن وعلة التميمي، وسعد بن عثمان ابن ياسر، وعمرو بن زياد اليحصبى، وعمر بن كثير، وعمرو بن شرحبيل، كتب إلى كل رجل منهم كتابا يعلمه بالذي بلغه عن عبد العزيز بن موسى، وما هم به من الخلع، وأنه قد كتب إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إلى عبد العزيز، وأعلمه إنما دعاه إلى ذلك الذي أحب من مكانفتكم، لانه بإزاء العدو، وأعطاهم العهود، أن من قتله منهم فهو أمير مكانه. وكتب إلى عبد الله بن موسى: إني نظرت فإذا عبد العزيز بإزاء عدو يحتاج فيه إلى الغناء والبلاء. فسأل أمير المؤمنين فأخبر أن معك رجالا، منهم فلان وفلان، فأشخصهم إلى عبد العزيز بن موسى، وكتب سليمان إلى عبد العزيز: أما بعد، فإن أمير المؤمنين علم ما أنت بسبيله من العدو، وحاجتك إلى الرجال أهل النكاية والغناء، فذكر له أن بأفريقية رجالا منهم، فكتب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إليك، فولهم أطرافك وثغورك، واجعلهم أهل خاصتك. وكتب إليهم سليمان: إني قد بعثت لكم بكتاب إلى أهل الاندلس بالسمع والطاعة لكم، والغدر في قتله، فإذا ولاكم أطرافه فأقروا عهدي على من قبلكم من المسلمين، ثم ارجعوا إليه حتى تقتلوه. فلما قدم الكتاب على عبد الله بن موسى بأفريقية، أشخص القوم، فخرجوا حتى قدموا على عبد العزيز بالاندلس بكتاب سليمان في إلطافهم وأكرامهم، فقربهم عبد العزيز وأكرمهم وحياهم، وقال لهم. اختاروا أي نواحي وثغوري شئتم، فضربوا الرأى فقالوا: إنكم إن فعلتم ما أنتم فاعلون، ثم رجعتم إليه من أطرافه، لم نأمن أن يميل معه عظيم الناس، فإن في يديه الاموال والقوة، من مواليه وغيرهم ولكن أعملوا رأيكم في الفتك به. قالوا: فإن هاهنا رجلا إن دخل معنا استقام لنا الامر، ووصلنا إلى ما أردنا، وهو أيوب بن حبيب بن أخت موسى. قال: فلقوه ودعوه إلى أنه

[ 80 ]

إن قتله فهو مكانه، فقبل وبايعوه على ذلك، ثم إنهم أتوا عبد الله بن عبد الرحمن الغافقي، وكان سيد أهل الاندلس صلاحا وفضلا فأعلموه، ثم أقرءوه كتاب سليمان. فقال لهم: قد علمتم يد موسى عند جميعكم، صغيركم وكبيركم، وإنما بلغ أمير المؤمنين أمر كذب عليه فيه، والرجل لم ينزع يدا من الطاعة، ولم يخالف فيستوجب القتل وأنتم ترون وأمير المؤمنين لا يرى، فأطيعوني ودعوا هذا الامر، فأبوا، ومضوا على رأيهم، فأجمعوا على قتله، فوقفوا له. فلما خرج لصلاة الصبح، ودخل القبلة وأحرم، وقرأ بأم القرآن الكريم، واستفتح (إذا وقعت الواقعة) ضربه حبيب بن أبي عبيدة ضربة، فدهش ولم يصنع شيئا، فقطع عبد العزيز الصلاة وخرج، وتبعوه فقتله ابن وعلة التميمي، وأصبح الناس، فأعظموا ذلك، فأخرجوا كتاب سليمان بذلك، فلم يقبله أهل الاندلس، وولوا عليهم عبد الله بن عبد الرحمن الغافقي، ووفد حبيب بن أبي عبيدة برأس عبد العزيز ابن موسى رحمهما الله. قدوم رأس عبد العزيز بن موسى على سليمان قال: وذكروا أن سليمان لما ظن أن القوم قد دخلوا الاندلس، وفعلوا ما كتب به إليهم، عزل عبد الله بن موسى عن أفريقية وطنجة والسوس، في آخر سنة ثمان وتسعين في ذي الحجة، وأقبل هؤلاء حتى قدموا على سليمان، وموسى بن نصير لا يشعر بقتل عبد العزيز ابنه. فلما دخلوا على سليمان، ووضع الرأس بين يديه، بعث إلى موسى، فأتاه، فلما جلس وراء القوم. قال له سليمان: أتعرف هذا الرأس يا موسى ؟ فقال: نعم هذا رأس عبد العزيز بن موسى، فقام الوفد فتكلموا بما تكلموا به. ثم إن موسى قام فحمد الله، ثم قال: وهذا رأس عبد العزيز بين يديك يا أمير المؤمنين، فرحمة الله تعالى عليه، فلعمر الله ما علمته نهاره إلا صواما، وليله إلا قواما، شديد الحب لله ولرسوله، بعيد الاثر في سبيله، حسن الطاعة لامير المؤمنين، شديد الرأفة بمن وليه من المسلمين، فإن يك عبد العزيز قضى نحبه، فغفر الله له ذنبه، فوالله ما كان بالحياة شحيحا، ولا من الموت هائبا، وليعز على عبد الملك وعبد العزيز والوليد أن يصرعوه هذا المصرع، ويفعلوا به ما أراك تفعل، ولهو كان أعظم رغبة فيه، وأعلم بنصيحة أبيه، أن يسمعوا فيه كاذبات الاقاويل، ويفعلوا به هذه الافاعيل. فرد سليمان عليه قال: بل ابنك المارق من الدين، والشاق عصا المسلمين، المنابذ لامير المؤمنين، فمهلا أيها الشيخ الخرف. فقال موسى: والله ما بي من خرف،

[ 81 ]

ولا أنا من الحق بذى جنف (1) ولن ترد محاورة الكلام مواضع الحمام (2)، وأنا أقول كما قال العبد الصالح (3). (فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون) قال: ثم قال موسى: أفتأذن في رأسه يا أمير المؤمنين ؟ واغرورقت عيناه: فقال له سليمان: نعم، فخذه، فقام موسى فأخذه، وجعله في طرف قميصه الذي كان عليه، ثم أدير في السماطين (4)، فوقع الطرف الآخر عن منكبيه، وهو يجره لا يحفل به ولا يرفعه. فقال له خالد بن الريان: ارفع ثوبك يا بن نصير، فالتفت موسى وقال: ما أنت وذاك يا خالد. قال سليمان: دعه، حسبه ما فعلنا به: فلما توارى موسى قال سليمان: دعه إن في الشيخ لبقية بعد. ثم إن موسى التفت إلى حبيب بن أبي عبيدة فكلمه بكلام غليظ حتى ذكر أمرا خفيا من نسبه فأفحمه ثم إن سليمان كشف عن أمر عبد العزيز، فألفى ذلك باطلا، وأن عبد العزيز لم يزل صحيح الطاعة، مستقيم الطريقة، فلما تحقق عند سليمان باطل ما رفع إليه عن عبد العزيز ندم، وأمر بالوفد فأخرجوا، ولم ينظر في شئ من حوائجهم، وأهدر عن موسى بقية القضية، التي كان سليمان قاضاه عليها، وكان سليمان قد آلى قبل خلافته، لئن ظفر بالححاج بن يوسف وموسى بن نصير ليعزلنهما، ثم لا يليان معه من أمور الناس شيئا. فلما رضى عن موسى جعل يقول: ما ندمت على شئ ندامتي، أن لا كنت خلوا من اليمين على موسى في أن لا أوليه شيئا، ما مثل موسى أستغنى عنه. قال: وإن موسى دخل على سليمان في آخر يوم من شعبان عند المغرب، وهو مستشرف على سطح وعنده الناس. فلما رآه سليمان قال: عندكم والله من إن سألتموه عن الهلال ليخبرنكم أنه قد رآه وقد غم الهلال يومئذ على سليمان والناس. فلما دنا موسى وسلم قال له سليمان أرأيت الهلال بعد يا موسى ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ها هو ذاك، وأشار بأصبعه إلى ناحية، وهو مقبل على سليمان بوجهه، فرمى الناس بأبصارهم حيث أشار موسى، فأبصروا الهلال فلما جلس موسى قال إني والله لست بأحدكم بصرا، ولكني أعلمكم بمطالعه ومناسقه (5). وقال: فخرج فلقيه يزيد بن المهلب، فقال له: يا أبا عبد الرحمن،


(1) الجنف: البعد (2) الحمام بكسر الحاء: الموت. (3) العبد الصالح: يعقوب أبو يوسف عليهما السلام قالها بعد أن أخبره إخوة يوسف بما حدث ليوسف. (4) السماطان: الثوبان اللذين تحت القميص. (5) مناسقة: طرقه ومساراته. (*)

[ 82 ]

بينا أنت أدهى الناس وأعلمهم، أقبلت تسوق نفسك حتى تضعها في يد سليمان: فقال له موسي: أما علمت يا أبا خالد، أن الهدهد يهتدى إلى الماء ويعرفه من الارض الفضاء ومن الحزونة والسهل، ويبصر القريب منه والبعيد، ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة وما أشبهها، فلا يبصر ذلك حتى يقع فيه فيؤخذ ؟ وذلك أنه لا حذر ينجى من قدر، ولا رأى ولا بصر، وكذلك كنت وسليمان بن عبد الملك. قال: وذكروا أن سليمان خرج يوما إلى بعض أمواله متنزها فخرج معه موسى بن نصير، فعرضت عليهم غنم حلب، نحو من ألف رأس، فأعجب سليمان ما رأى منها، والتفت إلى موسى، فقال له: هل رأيت مثلها قط ؟ قال: نعم، إن لادنى موالي لاصنافا كثيرة، فالتفت إليه سليمان، وقال له: أدنى مواليك ؟ قال: نعم فرددها سليمان كالمغضب عليه. قال موسى: نعم يا أمير المؤمنين، وما هذا فيما أفاء الله عز وجل على يدى، لقد كانت الالف تباع بعشرة دراهم أو دونها، ولقد كانت في بعض المواطن وما لها قيمة، ولا يلتفت إليها أحد يا أمير المؤمنين، ولغير ذلك مما أفاء الله عليهم، ولقد رأيت العلج العتل (1)، والوصيف الفاره (2)، والجارية الحسناء، وإن أكثر ما تبلغ خمسين درهما، لكثرة ذلك من صنوفه كلها. ولقد رأيت الذود (3) من الابل، لا تبلغ قيمته عشرين درهما، أكثير يا أمير المؤمنين ما أعلمتك فيما تسمع ؟ قال سليمان: لا، وحمد الله. قال: وذكروا أن موسى دخل على سليمان يوما وعنده الناس، فلما رآه سليمان قال: ذهب سلطان الشيخ، وأبصره موسى حين تكلم، فلم يفهم ما قال فلما سلم قال: يا أمير المؤمنين رأيتك لما نظرتني داخلا تكلمت بكلام ظننتك عنيتني به. قال: نعم. قلت: ذهب سلطان الشيخ. قال له موسى: أما والله لئن ذهب سلطان الشيخ لقد أثر الله به في دينه أثرا حسنا، ولقد كنت طويل الجهاد في الله حريصا على إظهار دين الله، حتى أظهره الله، وكنت ممن أتم الله به موعده لنبيه، ولئن أدبر معك، لقد كان مع آبائك ناضر الغصن، ميمون الطائر،


(1) العلج: الرجل الكافر من الاعاجم، والعتل: الجافي الغليظ القوي: يريد من العبيد الذين أسرهم جيش موسى وكانو يباعون في هذا الزمان. (2) الوصيف: الخادم، والفاره: الحاذق الماهر القوي. (3) الذود: من الثلاثة إلى العشرة من الجمال وقيل إلى ثلاثين. (*)

[ 83 ]

فقال سليمان: هو ذاك. فقال موسى: وهو ذاك، فلم يزل يرددها سليمان، ويرددها موسى، حتى سكت سليمان. سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله قال: وذكروا أن سليمان قال لموسى: ما الذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوك ؟ قال: التوكل، والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين. قال له سليمان: هل كنت تمتنع في الحصون والخنادق، أو كنت تخندق حولك ؟ قال: كل هذا لم أفعله. قال: فما كنت تفعل ؟ قال: كنت أنزل السهل، وأستشعر الخوف والصبر، وأتحصن بالسيف والمغفر، وأستعين بالله، وأرغب إليه في النصر. قال له سليمان: فمن كان من العرب فرسانك ؟ قال حمير. قال: فأي الخيل رأيت في تلك البلاد أصبر ؟ قال شقرها. قال: فأي الامم كانوا أشد قتالا ؟ قال: إنهم يا أمير المؤمنين أكثر مما أصفهم. قال له: أخبرني عن الروم. قال: أسود في حصونهم، عقبان على (1) خيولهم، نساء في مواكبهم (2) إن رأوا فرصة افترصوها، وإن خافوا غلبة فأوعال (3)، ترقل في أجبال، لا يرون عارا في هزيمة تكون لهم منجاة. قال: فأخبرني عن البربر. قال: هم يا أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب: لقاء ونجدة، وصبرا وفروسية، وسماحة وبادية، غير أنهم يا أمير المؤمنين غدر. قال: فأخبرني عن الاشبان، قال: ملوك مترفون، وفرسان لا يجبنون. قال: فأخبرني عن الافرنج. قال: هناك يا أمير المؤمنين العدد والعدة، والجلد والشدة وبين ذلك أمم كثيرة، ومنهم العزيز، ومنهم الذليل، وكلا قد لقيت بشكله، فمنهم المصالح، ومنهم المحارب المقهور، والعزيز البذوخ (4). قال: فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم، أكانت عقبا (5) ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ما هزمت لي راية قط، ولا فض لى جمع، ولا نكب المسلمون معى نكبة، منذ اقتحمت


(1) العقبان: جمع عقاب وهو طائر سريع الطيران يريد أنهم سريعوا الجرى على خيولهم كأنهم يطيرون كالعقبان. (2) يتجملون كالنساء. (3) الاوعال جمع وعلى وهو تيس الجبل، وترقل: تسرع، والاجبال: الجبال، والمراد أنهم سريعو الهرب إذا خافوا فروا سراعا (4) البذوخ: المتكبر. (5) أي كانت معاقبة تنتصر وتهزم. (*)

[ 84 ]

الاربعين، إلى أن شارفت الثمانين. قال: فضحك سليمان وقال: فأين الراية التى حملتها يوم مرج راهط (1) مع الضحاك ؟ قال: تلك يا أمير المؤمنين زبيربة، وإنما عنيت المروانية. فقال: صدقت، وأعجبه قوله. وذكروا أن محمد بن عبد الملك حدثهم عن ريان بن عبد العزيز بن مروان قال: إنا لجلوس عند سليمان وهو على سطح فسيح، والناس يدخلون حتى دخل موسى من الباب، فتحرك بنا سقف السطح من شدة وطئه، فسلم ثم جلس، فذكر سليمان بيت الذهب الذي فتحه قتيبة بن مسلم، فجعل يردد فيه. فقال له موسى: وما هذا يا أمير المؤمنين ؟ بيت لا يكون فيه عشرة آلاف دينار، والله لقد بعثت إلى أخيك الوليد بثور من زمرد أخضر، يصب فيه اللبن فيخضر وإنه لمن أدنى ما بعثت به إليه. ولقد أصبت كذا وكذا، وأصاب المسلمون كذا وكذا، وجعل يحدث سليمان بالعجائب. قال ريان: حتى والله أبهته. ولم يزل موسى بباب سليمان عظيم المنزلة عنده. فلما كانت سنة ثمان وتسعين تجهز سليمان للحج، وأمر موسى بالشخوص والحج معه، فذكر له أنه ضعيف، فأمر له سليمان بثلاثين نجيبا موقوره (2) جهازا، وبحجرة من حجره وجائزة، فحج سليمان، وحج معه موسى، فبينما هو يسير يوما إذ دعا بموسى، فناداه خالد بن الريان، وكان موسى يساير رجلا، فلم يلتفت موسى إلى ندائه، ثم دعا به، فناداه خالد أيضا، فلم يلتفت إليه. فقال له الرجل: غفر الله لك، ألم تسمع دعاء أمير المؤمنين ؟ إني أخافه وأخاف أن يغضب. فقال موسى: ذاك لو كان عبد الملك أو الوليد. فأما هذا فإنه يرضيه ما يرضى الصبي، ويسخطه ما يسخطه، وستري ذلك. ثم تقدم موسى حتى لحق ولصق بسليمان. فقال له: أين كنت يا بن نصير ؟ فقال له: يا أمير المؤمنين أين دوابنا من دوابك ؟ إني لمنذ دعاني أمير المؤمنين لفي كد، حتى لحقت أمير المؤمنين، فضحك سليمان وأمر له بدواب من مراكبه، فسايره وحادثه، ثم انصرف عنه، فلحق الرجل به. فقال له موسى: كيف رأيت ؟ قال: أنت كنت به أعلم، فسار سليمان حتى نزل المدينة في دار يزيد بن رومان.


(1) مرج راهط: موضع بالشام كانت فيه موقعة بين أتباع عبد الله بين الزبير وأتباع الامويين هزم فيها الزبيريون، وكان الضحاك بن قيس قائد الزبيريين فيها وكان موسى بن نصير تحت قيادة الضحاك: يقول سليمان لموسى كيف تقول لم تهزم لك راية وقد هزمت في موقعة مرج راهط ؟ فقال له إنما كنت يومها مع الزبيريين لا مع الامويين. (2) موقورة: محملة. (*)

[ 85 ]

قال: فحدثني بعض أهل المدينة، أن موسى قال يوما لبعض من يثق به ليموتن إلى يومين. رجل قد بلغ ذكره المشرق والمغرب، فلم نظن إلا أنه يعنى الخليفة، فلما كان اليوم الثاني، لم أشعر وأنا في مسجد الرسول، حتى سمعت الناس يقولون: مات موسى بن نصير، فإذا هو (1)، وصلي سليمان عليه، ودفن رحمه الله. وذكروا أن عبد الله بن صخر أخبرهم قال: بينما موسى يسير يوما على دابة له، وكان طويلا جسيما، فمر به رجلان من قريش: وقد تدلت رجلاه وانحنتا، وهما لا يعرفانه. فقالا أدبر والله الشيخ، فسمعهما موسى، فقال لهما: من أنتما ؟ فانتسبا له. فقال: أما والله إن أميكما لمما أفاء الله على يدي هذا الشيخ: فأهداهما إلى أبويكما، فقالا له: ومن أنت يرحمك الله ؟ قال: موسى بن نصير، فقالا، فمرحبا وأهلا، صدقت وبررت، والله ما عرفناك: فقال: لا عليكما، قد والله أدبر عني وبقى مني. وذكروا أن إبراهيم بن سليمان أخبرهم عمن حدثه عن موسى، أن الناس قحطوا بأفريقية عاما، فحرج موسى بالناس فاستسقى، فأمر رجلا فقص على الناس ورققهم، فجعل يذكر، ثم إنه انتحى في الدعاء للوليد بن عبد الملك فأكثر. فأرسل إليه موسى: إنا لم نأت هاهنا للدعاء للوليد، فأقبل على ماله جئنا فعدنا، فلم يلتفت، ورجا أن يبلغ الوليد، فأمر به فسحب، حتى خرج من الناس، ثم قام موسى ودعا بالناس، فما برحنا حتى انصبت السماء بمثل القرب، فأتى موسى بدابة من دوابه. فقال: والله لا ركبت، ولكن أخوض الطين، وانصرف ماشيا،، ومشى الناس، فسمعته يومئذ يردد في دعائه: اللهم الشهادة في سبيلك، أو موتا في مدينة رسولك. قال فذكروا أن عرفة بن عكرمة حدثهم عن مشايخ من مراد عن رجل منهم كان مع موسى بالاندلس قال: كنت أبصر من مجارى الشمس والقمر شيئا، فوقع في عند موسى، وقيل له عنده علم، فوالله ما شعرت حتى أتيت فأخذت، فأدخلت عليه، فإذا بين يديه عصفور مذبوح، مشقوق البطن قال لي: أدخل يدك فانظر. قلت: أصلح الله الامير: طلقت امرأته ألبتة إن كان يعلم قليلا أو كثيرا، إلا ما يعلم الناس من مجارى الشمس والقمر. قال: فأمر بي فنحيت، ثم دعا برجل من الاعاجم، قال: أدخل يدك، فانظر ماذا ترى، وكان من الاسارى، فأدخل يده في جوف العصفور، فحركه طويلا، ثم قلبه، نم قال للترجمان بلسانه: إنه ليس يموت ها هنا، ولكنه يموت بالمشرق في بلاد العرب، فنظر إليه موسى، ثم قال له: قاتلك الله ما أعلمك، قال: ثم أمر به فقتل، ثم دعاني، فأخذ على الايمان أن لا أتكلم به ما بقى،


(1) يعنى فإذا الذي عناه موسى بالرجل الذي بلغ ذكره المشرق والمغرب هو نفسه. (*)

[ 86 ]

ففعلت. وكان دخول موسى المغرب سنة تسع وسبعين، في جمادى الاولى، وكان يومئذ ابن ستين سنة، فأقام بأفريقية ست عشرة سنة، وقفل منها سنة خمس وتسعين، ومات سنة ثمان وتسعين، وولى عبد الله بن موسى بأفريقية وطنجة والسوس، بعد موسى أبيه سنتين، وكان عزله عنها في ذي الحجة، سنة سبع وتسعين، وقيل سنة تسع وتسعين. ذكر ولاة الاندلس بعد موسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد العزيز بن موسى ولى الاندلس بعد أبيه سنة، ثم قتل، وولى بعده أيوب بن حبيب ستة أشهر، ثم الحارث بن عبد الرحمن ثلاث سنين ونصفا، ثم عنبسة سنتين وتسعة أشهر، ثم يحيى بن سلمة سنة وثلاثة أشهر، ثم الهيثم بن عبيد سنة وشهرين، ثم عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي أربع سنين، ثم عبد الملك بن قطن الفهرى أيضا سنة، ثم بلج بن بشر القشيرى ستة أشهر، ثم ثعلبة بن سلامة الجذامي خمسة أشهر، ثم أبو الخطار بن ضرار الكلبي ثلاث سنين، ثم ثوابة بن مسلمة سنة وشهرا. فلما وهن سلطان بني أمية بالمشرق، ولوا على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن القرشى الفهرى، من غير عهد من الخليفة، فملك الاندلس عشر سنين، إلى أن دخل عليه عبد الرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان. ذكر حج سليمان مع عمر بن عبد العزيز وذكروا أن عبيد الله بن عبد المؤمن أخبرهم عن رجاء بن حيوة: أنه لما حج سليمان بن عبد الملك، ومعه عمر بن عبد العزيز، وذلك في سنة ثمان وتسعين فلما انتهى إلى عقبة عسفان، نظر سليمان إلى السرادقات، قد ضربت له ما بين أحمر وأخضر وأصفر، وكان يوسف بن عمر قد عمل له باليمن ثلاثة سرادقات، فكانت تضرب له، وكان الذي منها للناس من خز أخضر، والذي يليه من خز أصفر، ثم الذي يكون هو فيه من وشى أحمر، محبر من حبرات (1) اليمن، مزرر بالذهب والفضة (2)، وفي داخله فسطاط (3)، فيه أربعة أفرشة من


(1) الحبرات: نوع من برود اليمن أي من ثياب اليمن جميل الشكل. (2) مزرر بالذهب والفضة: أي جعلت العواميد التي نصب عليها من الذهب والفضة. (3) الفسطاط: الخيمة. (*)

[ 87 ]

خز (1) أحمر، مرافقها من وشى (2) أصفر، وضربت حجب نسائه من وراء فسطاطه، وحجر بنيه وكتابه وحشمه قرب ذلك. فلما استوى سليمان في قبة العقبة، ونظر إلى ما نصب له. قال: يا عمر، كيف ترى ها هنا ؟ قال: أرى دنيا عريضة، يأكل بعضها بعضا، أنت المسئول عنها، والمأخوذ بها، فبينما هما كذلك، إذ طار غراب من سرادق سليمان، في منقاره كسرة، فصاح الغراب. فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب يا عمر ؟ قال عمر: ما أدرى، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم. قال سليمان: أخبرني. فقال عمر: هذا غراب طار من سرادقك بكسرة، هو يأكلها، وأنت المأخوذ بها، والمسئول عنها من أين دخلت، وأين خرجت ؟ قال سليمان: إنك لتجئ بالعجائب يا أبا حفص. فقال عمر: أفلا أخبرك بأعجب من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: أخبرني. قال من عرف الله تعالى كيف يعصاه، ومن عرف الشيطان كيف يطيعه، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش ويسوغ له الطعام، ومن أيقن بالنار كيف يضحك ! فقال سليمان: نغصت علينا ما نحن فيه يا أبا حفص، ومن يطيق ما تطيق أنت يا عمر ؟ أنت والله الموفق المطيع. ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة قالوا: إن إبراهيم بن مسلم أخبرهم عن رجاء بن حيوة، أنه نظر إلى طاووس اليماني يصلى في المسجد الحرام، فانصرف رجاء إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ بمكة قد حج ذلك العام. فقال: إني رأيت طاووس في المسجد، فهل لك أن ترسل إليه ؟ قال: فأرسل إليه سليمان. فلما أتاه قال رجاء لسليمان: يا أمير المؤمنين، لا تسأله عن شئ حتى يكون هو الذي يتكلم. فلما قعد طاووس سكت طويلا. ثم قال: وما أول شئ خلق ! فقلنا: لا ندرى. فقال أول شئ خلق: القلم. ثم قال: أتدرون ما أول شئ كتب ؟ قلنا: لا، قال: فإن أول ما كتب بسم الله الرحمن الرحيم، ثم كتب القدر خيره وشره إلى يوم القيامة. ثم قال: أتعلمون من أبغض الخلق إلى الله ؟ قلنا: لا، فقال: إن أبغض الخلق إلى الله تعالى عبد أشركه الله في سلطانه، فعمل فيه بمعاصيه، ثم نهض. قال رجاء: فأظلم علي البيت، فما زلت خائفا عليه حتى توارى، فرأيت سليمان يحك رأسه بيده، حتى خشيت أن تجرح أظفاره لحم رأسه.


(1) الخز: الحرير. (2) الوشى: المنقوش من الثياب أو القماش المزركش. (*)

[ 88 ]

ما قال أبو حازم لسليمان قالوا: وإن يحيى بن المغيرة أخبرهم عن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال: لما حج سليمان، ودخل المدينة زائرا لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ابن شهاب الزهري ورجاء بن حيوة، فأقام بها ثلاثة أيام، فقال: أما ها هنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل له: بلى ها هنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه، فجاءه، وهو أقور (1) أعرج، فدخل عليه، فوقف منتظرا للاذن. فلما طال عليه الاذن: وضع عصيته ثم جلس. فلما نظر إليه سليمان: ازدرته عينه. فقال له يا أبا حازم. ما هذا الجفاء الذي ظهر منك، وأنت توصف برؤية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع فضل ودين تذكر به ؟ فقال أبو حازم: وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين ؟ فقال سليمان: إنه أتاني وجوه أهل المدينة وعلماؤها وخيارها، وأنت معدود فيهم ولم تأتني. فقال أبو حازم: أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها. قال سليمان: صدق الشيخ، فقال يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت ؟ فقال أبو حازم: لانكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال سليمان: صدقت يا أبا حازم. فكيف القدوم على الآخرة ؟ قال: نعم، أما المحسن فإنه يقدم على الآخرة كالغائب يقدم على أهله من سفر بعيد. وأما قدوم المسئ فكالعبد الآبق، يؤخذ فيشد كتافه، فيؤتى به إلى سيد فظ غليظ، فإن شاء عفا، وإن شاء عذب. فبكى سليمان بكاء شديدا، وبكى من حوله. ثم قال: ليت شعرى ما لنا عند الله يا أبا حازم ؟ فقال: اعرض نفسك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند الله. قال سليمان: يا أبا حازم، وأين أصيب تلك المعرفة في كتاب الله، قال عند قوله تعالى: (إن الابرار لفى نعيم، وإن الفجار لفى جحيم). قال سليمان: يا أبا حازم، فأين رحمة الله ؟ قال: رحمة الله قريب من المحسنين، قال سليمان: يا أبا حازم من أعقل الناس ؟ قال أبو حازم: أعقل الناس من تعلم العلم والحكمة وعلمهما الناس. قال سليمان: فمن أحمق الناس ؟ فقال: من حط في هوى رجل وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره. قال سليمان: فما أسمع الدعاء ؟ قال أبو حازم: دعاء المخبتين (2) الخائفين. فقال سليمان: فما أزكى الصدقة عند الله ؟ قال: جهد المقل (3) قال: فما تقول فيما ابتلينا به ؟ قال: أعفنا عن هذا وعن الكلام فيه أصلحك الله،


(1) أقور: أعور. (2) المخبتين: الخاضعين لله المتوكلين عليه. (3) أي صدقة الرجل الذي ليس بغنى ويتصدق بما يسمح به دخله. (*)

[ 89 ]

قال سليمان: نصيحة تلقيها. فقال: ما أقول في سلطان استولى عنوة بلا مشورة من المؤمنين، ولا اجتماع من المسلمين ؟ فسفكت فيه الدماء الحرام، وقطعت به الارحام، وعطلت به الحدود، ونكثت به العهود، وكل ذلك على تنفيذ الطينة (1)، والجمع لمتاع الدنيا المشينة، ثم لم يلبثوا أن ارتحلوا عنها، فياليت شعرى ما تقولون ؟ وماذا يقال لكم ؟ فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا أقور (2)، أمير المؤمنين يستقبل بهذا ؟ فقال أبو حازم: اسكت يا كاذب، فإنما أهلك فرعون هامان، وهامان فرعون، إن الله قد أخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه: أي لا ينبذونه وراء ظهورهم. قال سليمان: يا أبا حازم: كيف لنا أن نصلح ما فسد منا ؟ فقال: المأخذ في ذلك قريب يسير يا أمير المؤمنين، فاستوى سليمان جالسا من اتكائه. فقال: كيف ذلك ؟ فقال: تأخذ المال من حله، وتضعه في أهله، وتكف الاكف عما نهيت، وتمضيها فيما أمرت به. قال سليمان: ومن يطيق ذلك ؟ فقال أبو حازم: من هرب من النار إلى الجنة، ونبذ سوء العادة إلى خير العبادة. فقال سليمان: اصحبنا يا أبا حازم، وتوجه معنا تصب منا ونصب منك. قال أبو حازم: أعوذ بالله من ذلك، قال سليمان: ولم يا أبا حازم ؟ قال: أخاف أن أركن إلى الذين ظلموا، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف المماة. فقال سليمان: فتزورنا. قال أبو حازم: إنا عهدنا الملوك يأتون العلماء ولم يكن العلماء يأتون الملوك، فصار في ذلك صلاح الفريقين، ثم صرنا الآن في زمان صار العلماء يأتون الملوك، والملوك تقعد عن العلماء، فصار في ذلك فساد الفريقين جميعا. قال سليمان: فأوصنا يا أبا حازم وأوجز. قال: اتق الله ألا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك. قال سليمان: ادع لنا بخير. فقال أبو حازم: اللهم إن كان سليمان وليك فبشره بخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ إلى الخير بناصيته. قال سليمان: زدنى. قال: قد أوجزت، فإن كنت وليه فاغتبط، وإن كنت عدوه فاتعظ، فإن رحمته في الدنيا مباحة، ولا يكتبها في الآخرة إلا لمن اتقى في الدنيا، فلا نفع في قوس ترمى بلا وتر: فقال سليمان: هات يا غلام ألف دينار، فأتاه بها، فقال خذها يا أبا حازم. فقال: لا حاجة لي بها، لاني وغيري في هذا المال سواء، فإن سويت بيننا وعدلت أخذت، وإلا فلا، لاني أخاف أن يكون ثمنا لما سمعت من كلامي. وإن موسى بن عمران عليه السلام لما هرب من فرعون ورد ماء مدين،


(1) الطينة: الطبيعة الانسانية والخلقة البشرية التي تحب السلطان وتعشق السيطرة. (2) أي يا أعور كما سبق. (*)

[ 90 ]

ووجد عليه الجاريتين تذودان (1). فقال: ما لكما معين ؟ قالتا: لا، فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل. فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، ولم يسأل الله أجرا. فلما أعجل الجاريتان الانصراف (2)، أنكر ذلك أبوهما. فقال لهما: ما أعجلكما اليوم ؟ قالنا: وجدنا رجلا صالحا قويا سقى لنا. قال: ما سمعتماه يقول ؟ قالتا: تولى إلى الظل وهو يقول رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. فقال ينبغي لهذا أن يكون جائعا. تنطلق إحداكما له، فتقول له إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فأنته إحداهما تمشى على استحياء: أي على إجلال له: قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فجزع موسى من ذلك، وكان طريدا في الفيافي والصحارى. فقال لها: قولى لابيك إن الذي سقى يقول: لا أقبل أجرا على معروف اصطنعته، فانصرفت إلى أبيها فأخبرته. فقال: اذهبي فقولي له: أنت بالخيار بين قبول ما يعرض عليك أبي وبين تركه، فأقبل، فإنه يحب أن يراك، ويسمع منك، فأقبل والجارية بين يديه، فهبت الريح فوصفتها له، وكانت ذات خلق كامل. فقال لها: كوني ورائي، وأريني سمت الطريق. فلما بلغ الباب قال: استأذني لنا، فدخلت على أبيها، فقالت: إنه مع قوته لامين. فقال شعيب: وبم علمت ذلك ؟ فأخبرته ما كان من قوله عند هبوب الريح عليها. فقال: أدخليه فدخل، فإذا شعيب قد وضع الطعام، فلما سلم رحب به وقال أصب من طعامنا يا فتى. فقال موسى: أعوذ بالله. قال شعيب: لم ؟ قال: لاني من بيت قوم لا نبيع ديننا بمل ء الارض ذهبا. قال شعيب: لا والله ما طعامي لما تظن، ولكنه عادتي وعادة آبائي: نقرى الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى فأكل. وهذه الدنانير يا أمير المؤمنين إن كانت ثمنا لما سمعت من كلامي، فإن أكل الميتة والدم في حال الضرورة، أحب إلي من أن آخذها. فأعجب سليمان بأمره إعجابا شديدا. فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، إن الناس كلهم مثله. قال: لا. قال الزهري: إنه لجارى منذ ثلاثين سنة، ما كلمته قط. فقال أبو حازم: صدقت، لانك نسيت الله ونسيتني، ولو ذكرت الله لذكرتني. قال الزهري: أتشتمني ؟ قال له سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أو ما علمت أن للجار على الجار حقا. قال أبو حازم: إن بني إسرائيل


(1) تذودان: تمنعان غنمهما من السقى حتى يسقى الناس وهذا إشارة إلى قوله تعالى في سورة القصص عن موسى عليه السلام (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان). (2) أي لما انصرفتا بسرعة عن عادتهما. (*)

[ 91 ]

لما كانوا على الصواب كانت الامراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الامراء، فلما رئى قوم من أراذل الناس تعلموا العلم، وأتوا به الامراء، استغنت الامراء عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية، فسقطوا وهلكوا، ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم، لكانت الامراء تهابهم، وتعظمهم. فقال الزهري: كأنك إياى تريد، وبي تعرض ؟ قال: هو ما تسمع. قال سليمان: يا أبا حازم عظني وأوجز. قال: حلال الدنيا حساب، وحرامها عذاب، وإلى الله المآب فاتق عذابك أودع. قال: لقد أوجزت، فأخبرني ما مالك ؟ قال: الثقة بعدله، والتوكل على كرمه، وحسن الظن به، والصبر إلى أجله، واليأس مما في أيدى الناس. قال يا أبا حازم: ارفع إلينا حوائجك ؟ قال: رفعتها إلى ممن لا تخذل دونه، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني رضيت، مع أني قد نظرت فوجدت أمر الدنيا يئول إلى شيئين: أحدهما لى، والآخر لغيري. فأما ما كان لي، فلو احتلت عليه بكل حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه وحينه الذي قد قدر لي. وأما الذي لغيري: فذلك لا أطمع فيه، فكما منعني رزق غيرى، كذلك منع غيري رزقي، فعلام أقتل نفسي في الاقبال والادبار ؟ قال سليمان: لا بد أن ترفع إلينا حاجة نأمر بقضائها. قال: فتقضيها ؟ قال: نعم، قال: فلا تعطني شيئا حتى أسألكه، ولا ترسل إلي حتى آتيك، وإن مرضت فلا تعدني، وإن مت لا تشهدني. قال سليمان: أبيت يا أبا حازم أبيت (1)، قال: أتأذن لي أصلحك الله في القيام، فإني شيخ قد زمنت (2). قال سليمان: يا أبا حازم: مسألة ما تقول فيها ؟ قال: إن كان عندي علم أخبرتك به، وإلا فهذا الذي عن يسارك، يزعم أنه ليس شئ يسأل عنه إلا وعنده له علم، يريد محمدا الزهري، فقال له الزهري: عائذ بالله من شرك أيها المرء. قال: أما من شرى فستعفي، وأما من لساني فلا. قال سليمان: ما تقول في سلام الائمة من صلاتهم: أواحدة أم اثنتان، فإن العلماء لدينا قد اختلفوا علينا في ذلك أشد الاختلاف ؟ قال: على الخبير سقطت، أرميك في هذا بخبر شاف. حدثني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد، أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم في الصلاة عن يمينه، حتى يرى بياض خده الايمن، ثم يسلم عن يساره، حتى يرى بياض خده الايسر، سلاما يجهر به. قال عامر: وكان أبي يفعل ذلك.


(1) أبيت: يريد امتنعت عن طلب شئ مني أقضيه لك. (2) زمنت: شخت وعجزت. (*)

[ 92 ]

وأخبرني سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى عمر بن الخطاب وابن عمر يسلمان من الصلاة كذلك. فقال الزهري: اعلم ما تحدث به أيها الرجل، فإن الحديث عن رسول الله صعب شديد إلا بالتثبت واليقين. قال أبو حازم: قد علمته ورويته قبل أن تطلع أضراسك في رأسك. فالتفت الزهري إلى سليمان قال: أصلحك الله. إن هذا الحديث ما سمعت به من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، فضحك أبو حازم. ثم قال: يا زهرى، أحطت بحديث رسول الله كله ؟ قال: لا. قال: فثلاثة أرباعه ؟ قال: لا، قال: فثلثه ؟ فقال: أراني ذلك قد رويت وبلغني. فقال أبو حازم: فهذا من الثلث الذي لم يبلغك، وبقى عليك سماعه. فقال سليمان: ما ظلمك من حاجك، ثم قام مأذونا له. فأتبعه سليمان بصره، ينظر إليه، ويعجب به. ثم التفت إلى جلسائه فقال: ما كنت أظن بقى في الدنيا مثل هذا. قال: ثم انصرف سليمان من الحج قافلا إلى الشام. وذكروا أن غلمانا لسليمان نازعوا غلمانا لعمر بن عبد العزيز، فتعدى غلمان عمر على غلمان سليمان، فرفع ذلك إلى سليمان، وأغرى بعمر. فقال له سليمان: ألا تنصف غلماني، وهو كالمغضب مما فعل بهم ؟ فقال عمر: ما علمت هذا قبل هذا الوقت، وما سمعت هذا إلا في مقامي هذا. فقال سليمان: كذبت لقد علمته. فقال عمر: كذبت والله ما كذبت ولا تعمدت كذبا منذ شددت مئزري على نفسي، وإن في الارض عن مجلسك لسعة ثم خرج عمر، فتجهز وهو يريد مصر ليسكنها، فبلغ ذلك سليمان، فندم على ما كان من قوله، وأرسل إليه أن لا يبرح، وأمر رجلا يقول له: لا تعاقب أمير المؤمنين على قوله، ولا تذكر له هذا، فترك عمر الخروج وجلس، وأقل الاختلاف إلى سليمان. ذكر وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن خالد بن أبي عمران أخبرهم، وكان قد أدرك القوم. قال: مرض سليمان مرضه الذي مات فيه، وذلك في شهر صفر سنة تسع وتسعين، فدخل عليه عمر بن عبد العزيز عائدا، فدعا سليمان بنين له صغارا، فقلدهم السيوف، فوقعوا في الارض. فقال سليمان: قد أفلح من كان له بنون كبار. فقال عمر: ليس هكذا قال الله. فقال سليمان: وكيف قال الله ؟ فقال عمر: قال الله تعالى (قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى)، فقال سليمان: إني أريد أن أعهد إليك، وأوليك أمور الناس بعدى. فقال عمر: لا حاجة لى بذلك. فقال سليمان: ولم ذلك ؟ فقال: لاني لا أريد أخذ أموالهم، فإذا لم أرد أخذ أموالهم، فما الذي يدعوني إلى ضرب ظهورهم ؟ فقال سليمان: لا بد من هذا. فقال عمر: ولم ذلك ؟ ولك في ولد عبد الملك

[ 93 ]

سعة، فأعفني من هذا يعف الله عنك. فقال له سليمان: والله لا أوليها غيرك بعدى. فقال عمر: وما الذي يدعوك إلى هذا ؟ فقال سليمان: إني رأيت في منامي قائلا يقول لي: إن عمر بن عبد العزيز لك جنة ووقاية وجسر تتخطاه. فأولت ذلك - إن شاء الله - أن أوليك الامر من بعدي، لتكون توليتي لك جنة من النار، وجسرا أركبه، لانجو عليه من عذاب يوم القيامة ثم ليزيد بعدك، فإنه أرشد ولد عبد الملك. فقال عمر: إن هذا الامر لا يسعني بيني وبين الله عز وجل، أن أتقدم على أمة محمد، وفيهم خير مني. فقال سليمان: أما في آل أمية وعبد شمس فلا أعلم خيرا منك فقال عمر:، إن لم يكن في آل أمية وعبد شمس خير مني بقولك، ففى آل عبد مناف وآل هاشم من هو خير مني. فقال سليمان: لا، فقال عمر: ففى آل تيم وعدى خير مني، ومل ء الارض مثلى. فقال سليمان: إنما تريد القاسم وسالما ؟ قال: نعم، إياهما أردت فقال سليمان: رجلان صالحان ذكرت، ولكنهما ليسا للملك، ولا الملك لهما، ولا من معدن الملك هما، مع أنه ليس بزمان خلافة، ولا أيام يملك فيها مثل القاسم وسالم، إنما هو زمان ملك وسيف وإنما هي ذئاب تعدو ليست على غنم تؤمن: فقال عمر: الله المعين، المصلح لمن أراده. فسكت سليمان، وظن أن عمر رضى بما قال له، ثم دعا سليمان بصحيفة ثم كتب ويده ترتعش من شدة العلة، لا يعلم أحد بما يخط، فكتب عهد عمر، ثم من بعد عمر ليزيد، ثم ختم عليه بيده، متحاملا لذلك، وعمر لا يشك أن الامر فيه قد صار لغيره، ثم دعا سليمان برجاء بن حيوة، فقال له: خذ هذا الكتاب فإنه عهدي، فاجمع إليك قريشا، وأمراء الاجناد، وأعلمهم أنه عهدي، وأن من كان اسمه في كتابي هذا فهو الخليفة بعدي، فمن نزع عن ذلك وأباه، فالسيف السيف، والقتل القتل، ثم رفع سليمان يديه إلى السماء فقال: اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلت، وهي صغيرة يسيرة في جنب عفوك، فاعف عني يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اعف عني ما بيني وبينك من الذنوب، واحمل عني ما بيني وبين خلقك، وأرضهم بما شئت، يا أرحم الراحمين. اللهم إن كنت تعلم مني وتطلع من ضميري، أني إنما أردت بعهدي هذا وتوليتي من وليت فيه وجهك ورضاك فاغفر لي وارحمني. ثم تخلخل لسانه، فلم يقو على الكلام من ثقل العلة، ثم سكت وأغمى عليه. قال رجاء: فخرجت وعمر معي. فقلت له: ما أراك إلا صاحب الامر، فقال عمر: ما أحسب ذلك. فقلت: ومن عسى أن يكون في آل مروان من يريد سليمان توليته غيرك ؟ فقال عمر: ما أراه عهد إلا لاحد الرجلين: القاسم أو سالم. قال رجاء: فقلت له أسمعت ذلك منه ؟ فقال عمر ما سمعته، ولكن دار بيني وبينه كلام آنفا قبل دخلتك، لا أشك أنه أراد أحدهما. قال رجاء: فقلت والله هذا الاختلاف في أمة محمد، والفتن الظاهرة القاصمة للظهور، المفنية للانفس. فقال عمر:

[ 94 ]

ولم ذلك ؟ فقال رجاء: لان قريشا ونحوها لا ترضى بهذا، ولا تصير إليه، ولا آل أمية وعبد شمس حيث كانت من الارض. فقال عمر: إن الامر لله من قبل ومن بعد، يؤتى الملك من يشاء. فقال رجاء: فخرجت إلى الناس وأعلمتهم بعهد أمير المؤمنين. فقالوا سمعا وطاعة، ثم أعلمتهم بابتهاله ورغبته إلى الله، وما قال، فلم يشك الناس أن عمر بن عبد العزيز صاحبهم، فأرادوا أن يسلموا عليه بالخلافة، وذلك لما أيقنوا بهلاك سليمان. فقلت لهم: لا تعجلوا فإن عمر قال لي أرى سليمان ما أراد إلا القاسم أو سالما، وهذا أفطن منى بهذا الامر لانه كان حاضرا، وسليمان يكتب العهد بيده، فضج الناس من ذلك واختلفوا. فقالت فرقة: سمعنا وأطعنا، لمن استخلف علينا، كان من كان. وقالت فرقة: لا، والله لا نقر بهذا، ولا نطيعه، ولا يستخلف علينا إلا مرواني، ولا تبقى منا عين تطرف في الدنيا. فقال رجاء لعمر: كيف ترى قولى، والله لئن كان هذا إنه لهو البلاء المبين، وإنها الفتنة قد فتح بابها. فقال عمر: أرجو الله أن يغلقه إن شاء الله. قال رجاء: فقلت لعمر: ما نحن صانعون إن كان هذا ؟ فقال عمر: لا أدرى ما أقول في موقفي هذا. قال رجاء: ولم ؟ فقال عمر: لاني والله ما وقفت موقفا قط، لا رأى لي فيه ولا بصيرة، إلا موقفي هذا، فإنى قد أجدني قد ذهب روعى (1)، وفقدت رأيى، ولا أدرى ما أستقبل من أمرى، ولا ما أستدبر، ولو استعطت الفرار لفررت من موضعي هذا، حيث لا أدرك ولا أرى: قال رجاء: فلما قاولني بهذا علمت أنه للذى قال من فقده لرأيه وبصيرته. قال رجاء: فقلت له يا أبا حفص، فأين نحن من المفزع إلى الله، والرغبة في الصلاح علينا وعلى المسلمين، ويعزم لنا على ما فيه الخير والخيرة (2) ؟ فقال عمر: بلى والله هذا الملجأ وهذا الحصن الحصين والمعقل الشديد. قال رجاء: فبتنا ليلتنا لا نألوا على أنفسنا في الدعاء، والاستخارة لله. فلما أصبحنا قلت لعمر: ما ترى يا أبا حفص ؟ فقال: أرى أن أسمع وأطيع لمن في هذا الكتاب فإن كان أحد الرجلين قدم سمعت له وأطعت، ورددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى أموت. قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول: قد قضى أمير المؤمنين نحبه، فخرجا، فإذا بالعويل والنوح، فرجعا إلى المسجد ترعد فرائصهما، والناس يسلمون على عمر بالخلافة وهو يقول: لست به، حتى دخل المسجد، وقد اجتمع الناس، وهم مستعدون للفتنة والقتال، إن خالف العهد ما يريدون. فقام رجاء إلى جانب المنبر: فحمد الله، وحض الناس على الطاعة، ولزوم الجماعة، وأعلمهم بما في الفرقة


(1) الروع: بضم الراء القلب أي ذهب عقلي وضاعت فطنتي. (2) الخيرة: الاختيار. (*)

[ 95 ]

والاختلاف، من ذهاب الدين والدنيا، ثم أخرج العهد، ففضه بمحضر منهم، ثم قرأه عليهم. فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عهد أنه يشهد لله بالربوبية والوحدانية، وأن محمدا عبده ورسوله، بعثه إلى محسني عباده بشيرا، وإلى مذنبيهم نذيرا، وأن الجنة حق، وأن النار حق مخلوقتان، خلق الجنة رحمة لمن أطاعه، والنار عذابا لمن عصاه، وأوجب العفو لمن عفا عنه، وأن إبليس في النار، وأن سليمان مقر على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه، موجب على نفسه استحقاق ما خلق من النقمة راج لما وعد من الرحمة والمغفرة، وأن المقادير كلها خيرها وشرها من الله، وأنه هو الهادى وهو الفاتن، لم يستطع أحد لمن خلق الله لرحمته غواية، ولا لمن خلق لعذابه هداية، وأن الفتنة في القبور بالسؤال عن دينه ونبيه الذي أرسل إلى أمته حق يقين، لا منجى لمن خرج من الدنيا إلى الآخرة من هذه المسألة. وسليمان يسأل الله بواسع فضله وعظيم منه، الثبات على الحق عند تلك المسألة، والنجاة من أهوال تلك الفتنة، وأن الميزان حق يقين، يضع الموازين القسط ليوم القيامة، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك هم الخاسرون، وأن حوض محمد صلى الله عليه وسلم يوم الحشر والموقف حق، عدد آنيته كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا. وسليمان يسأل الله برحمته أن لا يرده عنه عطشان. وأن أبا بكر وعمر خير هذه الامة، بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، والله يعلم بعدهما حيث الخير، وفيمن الخير من هذه الامة، وأن هذه الشهادة المذكورة في عهده هذا، يعلمها من سره وإعلانه، وعقد ضميره، وأن بها عبد ربه في سالف أيامه، وماضي عمره، وعليها أتاه يقين ربه، وتوفاه أجله، وعليها يبعث بعد الموت إن شاء الله وأن سليمان كانت له بين هذه الشهادة بلايا وسيئات، لم يكن له عنها محيص، ولا دونها مقصر (1) بالقدر السابق والعلم النافذ في محكم الوحى، فإن يعف ويصفح، فذلك ما عرف منه قديما، ونسب إليه حديثا، وتلك الصفة التى وصف بها نفسه في كتابه الصادق، وكلامه الناطق، وإن بعاقب وينتقم فيما قدمت يداه، وما الله بظلام للعبيد، وإني أحرج على من قرأ عهدي، وسمع ما فيه من حكمه، أن ينتهى إليه في أمره ونهيه، بالله العظيم وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن يدع الاحن (2)، ويأخذ بالمكارم، ويرفع يديه إلى السماء بالابتهال الصحيح، والدعاء الصريح، يسأله العفو عني، والمغفرة لي، والنجاة من فزعي، والمسألة في قبري، لعل الودود أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما على من صفحه يعود


(1) مقصر: بفتح الميم وسكون القاف: ابتعاد وانتهاء (2) الاحن: الضغائن والاحقاد (*)

[ 96 ]

إن شاء الله. وإن ولي عهدي فيكم، وصاحب أمرى بعد موتى، في كل من استخلفني الله عليه، الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ابن عمي لما بلوت من باطن أمره وظاهره، ورجوت الله بذلك وأردت رضاه ورحمته إن شاء الله، ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده، فإني ما رأيت منه إلا خيرا، ولا اطلعت له على مكروه، وصغار ولدى وكبارهم إلى عمر، إذ رجوت ألا يألوهم رشدا وصلاحا، والله خليفتي عليهم، وهو أرحم الراحمين، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. ومن أبى عهدي هذا وخالف أمرى فالسيف، ورجوت أن لا يخالفه أحد، ومن خالفه فهو ضال مضل يستعتب (1) فإن أعتب، وإلا فالسيف، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله القديم الاحسان. أيام عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن خالد بن أبي عمران أنه قال: إني لحاضر يوم قرئ عهد سليمان في المسجد بدمشق على الناس، فما رأيت يوما أكثر باكيا ولا داعيا له بالرحمة من ذلك اليوم، فلم يبق محب ولا مبغض ولا خارجي ولا حرورى (2) إلا أخذ الله له بقلوبهم، وابتهلوا بالدعاء وأخلصوا له بالسؤال بالعفو من الله، ورضى الناس أجمعون فعله، قال خالد: ثم بايع الناس لعمر في المسجد بيعة تامة جامعة طيبة بها النفوس، لا يشوبها غش، ولا يخالطها دنس، قال خالد: وسمعت رجاء (3) يقول لما تمت البيعة: إني مهما شككت في شئ فإني لم أشك يوم البيعة لعمر بالنجاة، والرحمة لسليمان إن شاء الله، واستفتح عمر ولايته ببيع أموال سليمان، ورباعه وكسوته (4)، وجميع ما كان يملكه، فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف دينار، فجمع ذلك كله، وجعله في بيت المال، ثم دخل على زوجته فاطمة ابنة عبد الملك، فقال لها: يا فاطمة، فقالت لبيك يا أمير المؤمنين، فجعل يبكى، وكان لها محبا، وبها كلفا (5)، ثم استفاق من بكائه، فقال


(1) يستعتب: يراجع ويعاقب حتى يرجع عما هو فيه (2) الحروري: نسبة إلى حروراء بلدة ظهر بها الخوارج أول ما ظهروا كما سبق (3) هو رجاء بن حيوة الذي تسلم العهد من سليمان بن عبد الملك وحفظه لحين وفاته (4) الرباع: جمع ربع: بضم الراء وفتح الباء وهو الفصيل الذي ينتتج في الربيع، والكسوة الثياب (5) الكلف: شدة التعلق والحب (*)

[ 97 ]

لها: اختاريني، أو اختاري الثوب الذي عمل لك أبوك، وكان قد عمل لها أبوها عبد الملك ثوبا منسوجا بالذهب، منظوما بالدر والياقوت، أنفق عليه مائة ألف دينار. فقال لها: إن اخترتني فإنى آخذ الثوب فأجعله في بيت المال، وإن اخترت الثوب، فلست لك بصاحب. فقالت: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين من فراقك، لا حاجة لى بالثوب. فقال عمر: وإنا أفعل بك خصلة، أجعل الثوب في آخر بيت المال، وأنفق ما دونه، فإن وصلت إليه أنفقته في مصالح المسلمين، وإنما هو من أموال المسلمين أنفقت فيه، وإن بقى الثوب ولم أحتج إليه، فلعل أن يأتي بعدى من يرده إليك. قالت: افعل يا أمير المؤمنين ما بدا لك. ثم دخل عليه ابنه، وعليه قميص تذعذع (1). فقال له عمر: ارقع قميصك يا بني، فوالله ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم. ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن عبد الاعلى بن أبي المشاور، أنه أخبرهم قال: قدم جرير شاعر أهل العراق وأهل الحجاز على عمر، أول ما استخلف، فأطال المقام ببابه، لا يصل إليه حتى قدم عليه عون بن عبد الله الهذلى، وكان من عباد الناس وخيارهم، وعليه جبة صوف وعمامة صوف قد أسد لها خلفه، فجعل يتخطى رقاب الناس من قريش، بنى أمية وغيرهم، لا يمنع ولا يحجب هو ومثله من أكابر الناس وخيارهم، وفضلاء العباد، وقريش لا يصلون ولا يدخلون فلما خرج عون بن عبد الله، اتبعه جرير بن الخطفى وهو يقول يا أيها الرجال المرخى عمامته * هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه * أتى لدى الباب كالمصفود (2) في قرن فاحلل صفادي (3) فقد طال المقام به * وشطت (4) الدار عن أهلى وعن وطني قال فضمن له عون بن عبد الاعلى أن يدخله عليه. فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين، هذا جرير بن الخطفى بالباب، يريد الاذن. فقال عمر: ما كنت أرى أحدا يحجب عني. قال: إنه يريد إذنا خاصا قال له عمر: اله عن ذكزه، ثم حدثه طويلا، ثم قال يا أمير المؤمنين: إن جريرا بالباب: فقال: اله عن ذكره. قال إذا لا أسلم من لسانه. فقال عمر: أما إذ قد بلغ منك خوف لسانه ما أرى فأذن له. فدخل جرير. فلما كان قيد رمح أو رمحين (5) وعمر


(1) تذعذع: تمزق وتقطع (2) المصفود: المقيد، والقرن: الحبل (3) صفادي: تفييدى (4) شطت الدار: بعدت (5) قيد: مقدار ومسافة، والرمح مقدار طوله متر ونصف، أي فلما قرب جرير من الخليفة مقدار متر ونصف أو ثلاثة أمتار (*)

[ 98 ]

منكس رأسه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، ثم قال إن الخلفاء كانت تتعاهدني فيما مضى بجوائز وصلات، وقد أصبحت إلى ذلك منك محتاجا. ثم أنشأ يقول: قد طال قولى إذا ما قمت مبتهلا * يا رب أصلح قوام الدين والبشر إنا لنرجو إذ ما الغيث أخلفنا * من الخليفة ما نرجو من المطر أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت * أم قد كفاني ما بلغت من خبر ما زلت بعدك في هم يؤرقني * قد طال في الحي إصعادى ومنحدري (1) لا ينفع الحاضر المجهود بادية * ولا يعود لنا باد على حضر كم باليمامة (2) من شعثاء أرملة * ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر يدعوك دعوة ملهوف كأن به * مسا من الجن أو مسا من البشر فإن تدعهم فمن يرجون بعدكم * أو تنج منها فقد أنجيت من ضرر هذى الارامل قد قضيت حاجتها * فمن لحاجة هذا الارمل الذكر خليفة الله ما ذا تأمرون بنا * لسنا إليكم ولا في دار منتظر أنت المبارك والمهدي سيرته * تعصى الهوى وتقوم الليل بالسور قال: فبكى عمر، وهملت عيناه، وقال: ارفع حاجتك إلينا يا جرير. قال جرير: ما عودتني الخلفاء قبلك. قال: وما ذلك ؟ قال: أربعة آلاف دينار، وتوابعها من الحملان والكسوة. قال عمر: أمن أبناء المهاجرين أنت ؟ قال: لا. قال: أفمن أبناء الانصار أنت ؟ قال: لا. قال: أفقير أنت من فقراء المسلمين ؟ قال: نعم. قال: فأكتب لك إلى عامل بلدك، أن يجرى عليك ما يجرى على فقير من فقرائهم. قال جرير: أنا أرفع من هذه الطبقة يا أمير المؤمنين. قال: فانصرف جرير. فقال عمر: ردوه علي. فلما رجع قال له عمر: قد بقيت خصلة أخرى، عندي نفقة وكسوة أعطيك بعضها، ثم وصله بأربعة دنانير. فقال: وأين تقع مني هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر: إنها والله لمن خالص مالى، ولقد أجهدت لك نفسي. فقال جرير: والله يا أمير المؤمنين إنها لاحب مال كسبته. ثم خرج، فلقيه الناس فقالوا له: ما وراءك ؟ قال: جئتكم من عند خليفة يعطى الفقراء، ويمنع الشعراء وإني عنه لراض:


(1) الاصعاد: الارتفاع، والمنحدر: الهبوط، والمراد قد طال ترددي على الناس من مختلف الطبقات (2) اليمامة: البلاد التي ادعى بها مسيلمة الكذاب النبوة، بينها وبين مكة ست عشرة مرحلة من البصرة والكوفة، والشعثاء، المغبره الرأس من الفقر وشظف العيش (*)

[ 99 ]

دخول الخوارج على عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن ابن حنظلة أخبرهم قال: بعثنى وعون بن عبد الله عمر ابن عبد العزيز إلى خوارج خرجت عليه بالحيرة، رأسهم رجل من بني شيبان يقال له شوذب، وكتب معنا كتابا إليهم، فقدمنا عليهم، فبعثوا معنا إليه رجلين أحدهما من العرب، فأتينا بهما عمر، فدخلنا عليه وتركناهما بالباب. فقلنا له: إنا قد بلغنا عنك، وقد بعثوا معنا رجلين هما بالباب. قال: فتشوهما لا يكون معهما حديد أو شئ، ففعلنا، ثم إننا أدخلناهما عليه. فلما دخلا قالا: السلام عليكم. قال: وعليكم السلام، اجلسا. فلما جلسا قال لهما عمر: ما الذي أخرجكم علينا ؟ فقال العربي: وكان أشدهما كلاما، وأتمهما عقلا: أما إنا لم ننكر عليك عدلك ولا سيرتك، ولكن بيننا وبينك أمر، هو الذي يجمع ويفرق بيننا، فإن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن لم تعطنا فلسنا منك ولست منا. فقال عمر: فما هو ؟ فقال: خالفت أهل بيتك، وسميتهم الظلمة، وسميت أعمالهم المظالم، فإن زعمت أنك على الحق وأنهم على الباطل، فالعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إنكم لم تتركوا الاهل والعشائر وتعرضتم للقتال إلا وأنتم في أنفسكم مصيبون، ولكنكم أخطأتم وضللتم، وتركتم الحق. أخبراني عن الدين: أو احد أو اثنان. قالا: لا بل واحد. قال: أفيسعكم في دينكم شئ يعجز عني ؟ قالا: لا. قال: فأخبراني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم ؟ قالا: أفضل الناس أبو بكر وعمر. قال: ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفى ارتدت العرب، فقاتلهم أبو بكر، فقتل الرجال، وسبى النساء والذرية ؟ قالا: بلى. قال عمر: فلما توفى أبو بكر وقام عمر، ورد تلك النساء والذراري إلى عشائرهما، فهل تبرأ عمر من أبي بكر، ولعنه بخلافه إياه ؟ قالا: لا. قال فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فما تقولان في بلال بن مرداس ؟ قالا: من خير أسلافنا. قال: أفليس قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والاموال وقد لطخ أصحابه أيديهم فيها، فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الاخرى، أو لعنت إحداهما الاخرى ؟ قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فأخبراني عن عبد الله بن وهب حين خرج بأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم، فمروا بعبدالله بن خباب فقتلوه، وبقروا بطن جاريته، ثم عدوا على قوم من بني قطيفة، فقتلوا الرجال، وأخذوا الاموال وغلوا الاطفال في المراجل، ثم قدموا على أصحابهم من الكوفة وهم كافون عن الدماء والفروج والاموال، هل تبرأت إحدى الطائفتين من الاخرى، أو لعنت إحداهما الاخرى، قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. فقال عمر فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والاحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض، ولا لعن بعضهم بعضا، وأنتم تتولونهم على خلاف سيرتهم فهل وسعكم في

[ 100 ]

دينكم ذلك، ولا يسعنى حين خالفت أهل بيتي في الاحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم ؟ أخبراني عن اللعن: فرض على العبادة ؟ قالا: نعم. فقال عمر: متى عهدك بلعن فرعون ؟ قال: مالي به من عهد منذ زمان. قال عمر: هذا رأس من رءوس الكفار ليس لك عهد بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعنى أن ألعن من خالفتهم من أهل بيتي، ألستم أنتم الذين نؤمنون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيفه، وتخيفون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنه ؟ فقالا: نبرأ إلى الله تعالى من هذه الصفة. فقال: بلى فسأخبركما عن ذلك، ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج والناس أهل كفر، فدعاهم أن يقروا بالله ورسوله، فمن أبى قاتله وخوفه، ومن أقر بهما أمنه وكف عنه، وأنتم اليوم من مر بكم يقر بهما قتلتموه، ومن لم يقر بهما أمنتموه وخليتم سبيله، فقال العربي: تالله ما رأيت حجيجا (1) أقرب مأخذا، ولا أوضح منهاجا منك، أشهد أنك على الحق، وأنا على الباطل. وقال الآخر: لقد قلت قولا حسنا، وما كنت لافتات على أصحابي حتى ألقاهم فلحق بأصحابه، وأقام الآخر عند عمر، فاجرى عليه العطاء والرزق حتى مات عنده. وفاة عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن يزيد أخبرهم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن أبى زكريا: أما بعد: فإذا نظرت في كتابي فأقدم: فقدم عليه فقال: مرحبا بابن أبى زكريا. قال. وبك يا أمير المؤمنين. قال: حاجة لى قبلك. قال: بين الانف والعين حاجتك يا أمير المؤمنين، إن قدرت عليها. قال: لست أكلفك إلا ما تقدر عليه. قال: نعم، قال: أحب أن تثنى على الله بمبلغ علمك، حتى إذا فرغت سألت الله أن يقبض عمر. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، بئس وافد أمة محمد أنا، هذا لا يحل لى. قال: فإني أعزم عليك بحق الله وبحق رسوله، وبحقي إن كان لى عليك حق إلا ما فعلته، فبكى ثم استرجع، ثم أقبل يثنى على الله، وإنه ليبكي حتى إذا فرغ قال: اللهم إن عمر سألني بحقك وبحق رسولك وبحقه علي أن أدعو في قبضه إليك، فاقبض عمر إليك كما سأل ولا تبقنى بعده، وجاء حينئذ بني لعمر فسقط في حجره، فقال: وهذا أي ربي معنا فإنى أحبه. قال: فما كانوا إلا كخرزات في خيط فانقطع الخيط، فأتبع بعضها بالسقوط بعضا (2). ذكر رؤيا عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن مزاحم مولى عمر قال: أخبرتني فاطمة بنة عبد الملك امرأة عمر


(1) الحجيج: صيغة مبالغة أي محاجا قوى الحجة (2) أي ماتوا متتابعين بعضهم بعد بعض (*)

[ 101 ]

قالت: كان لعمر بن عبد العزيز مكان يخلو فيه، فأبطأ علي ذات ليلة، فقلت لآتينه، فوجدته نائما، فهبته أن أوقظه، فما لبث إلا قليلا حتى رفع رأسه فقال: من هذا ؟ فقلت: أنا فاطمة فقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها. فقلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أحسن منها، ورأيت في تلك الارض قصرا من زبرجد، ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادى. فقال: أين محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام فدخل القصر، فقلت سبحان الله، أنا في جمع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسلم عليه، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادى فنادى: أين أبو بكر بن أبي قحافة ؟ فقام أبو بكر فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادى فنادى: أين عمر بن الخطاب، أين الفاروق ؟ فقام عمر فدخل، فقلت سبحان الله، أنا في ملا فيهم جدى لم أسلم عليه، فما لبثت إلا يسيرا حتى خرج المنادى فقال: أين عثمان بن عفان ؟ فقام عثمان فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادى فنادى: أين علي بن أبى طالب ؟ فقام فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادى فنادى: أين عمر بن عبد العزيز. قال: فقمت فدخلت، فلما صرت في القصر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعثمان وعليا أمامه. فقلت: أين أقعد ؟ لا أقعد إلا إلى جنب عمر. قال: فرأيت فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر شابا حسن الوجه حسن الهيئة. فقلت لعمر: من هذا ؟ قال: هذا عيسى بن مريم عليه السلام، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج عثمان بن عفان وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني ربى، ثم خرج علي وهو يقول: الحمد الله الذي غفر لى ربى، ثم نودى لى: أين عمر بن العزيز، فقمت فصرت بين يدى ربى فحاسبني، فلقد سألني عن النقير والفتيل والقطمير، حتى خفت أن لا أنجو، ثم قمت فخرجت فقيل لي: اثبت وتمسك على ما أنت عليه، فبينما أنا سائر، فإذا بجيفة قد علا نتنها الخلائق، فضربتها برجلي، وقلت لمن معى: لمن هذه الجيفة ؟ فقيل لي: هذه الحجاج بن يوسف، فضربته برجلي، فقلت له: ما فعل الله بك يا حجاج: قال: يا أمير المؤمنين والله لقد قتلت بكل قتيل قتلته بسيف من نار، ولقد قتلت بسعيد ابن جبير اثنين وسبعين قتلة. فقلت: فآخر أمرك ما هو ؟ قال: أنا ها هنا أنتظر ما ينتظر من وحد الله، وآمن برسوله. قالت فاطمة: فلم يبق عمر بعد هذه الرؤيا إلا يسيرا، حتى مرض مرضه الذى مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك لنترك ولدك عالة على الناس، فأوص بهم إلي، أكفك أمرهم، فإنك لم تمولهم شئيا، ولم تعطهم. فقال عمر: يا أبا سعيد، إن ولدى لهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، ثم دعاهم عمر وهم أربعة عشر غلاما، فنظر إليهم عمر، وقد لبسوا الخشن من قباطي مصر (1)،


(1) القباطى: جمع قبطية بضم القاف والقبطية ثياب مصرية منسوبة إلى القبط أهل مصر على غير قياس، وهى ثياب فيها الخشن والناعم وقد لبس أولاد عمر بن عبد العزيز رحمه الله عنه خشنها (*)

[ 102 ]

فاغرورقت عيناه بالدموع. قال لهم: أوصيكم بتقوى الله العظيم، وليجل صغيركم كبيركم، وليرحم كبيركم صغيركم. ثم قال لمسلمة: يا أبا سعيد، إنما ولدى على أحد أمرين: إما عامل بطاعة الله فلن يضيعه الله، وإما عامل بمعصيته فلا أحب أن يعينه بالمال، قوموا عصمكم الله ووفقكم. ثم دعا رجاء بن حيوة فخلا به. فقال: يا رجاء، إن الموت قد نزل، وأنا أعهد إليك عهدا لا أعهده إلى غيرك: إذا أنا مت فكن ممن يقبرني، فإذا سويت علي اللبن (1)، فارجع لبنة، ثم اكشف عن وجهى وانظر إليه، فإني قبرت ثلاثة رجال بيدى، وكشفت عن وجوههم، فنظرت وجوههم قد اسودت، وعيونهم قد برزت من وجوههم، فاكشف عن وجهى يا رجاء وانظر إليه، فإن رأيت شيئا من هذا، فاستر علي، ولا تعلم به أحدا، وإن رأيت غير ذلك، فاحمد الله عليه. قال رجاء: ففعلت ذلك، فلما سوينا عليه اللبن، رفعت لبنة وكشفت وجهه، فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر، وإذا على صدره صك فيه خط ليس من كتابة الآدميين: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب بالقلم الجليل، من الله العزيز العليم، براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الاليم. ما علم به موت عمر رحمه الله في الامصار قال: وذكروا أن رجلا من أهل المدينة قال: وفد قوم من أهل المدينة إلى الشام، فنزلوا برجل في أوائل الشام موسع عليه، تروح عليه إبل كثيرة، وأبقار وأغنام، فنظروا إلى شئ لا يعلمونه، غير ما يعرفون من غضارة العيش، إذ أقبل بعض رعاته فقال: إن السبع عدا اليوم على غنمي، فذهب منها بشاة. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم جعل يأسف أسفا شديدا فقلنا بعضنا لبعض: ما عند هذا خير، يتأسف ويتوجع من شاة أكلها السبع !، فكلمه بعض القوم. قال له: إن الله تعالى قد وسع عليك، فما هذا التوجع والتأسف ؟ قال: إنه ليس مما ترون، ولكن أخشى أن يكون عمر بن عبد العزيز قد توفى الليلة، والله ما تعدى السبع على الشاة إلا لموته، فأثبتوا ذلك اليوم، فإذا عمر قد توفى في ذلك اليوم. وذكروا أنهم سمعوا رجلا يحدث ويقول: بينا رجل باليمن نائم على سطح له ذات ليلة، إذ تسور عليه كلب، فسمعه وهو يقول لهرة له: أي جنة، هل من شئ أصيبه، فإنى والله أكال ؟ فقالت له الهرة: ما ثم شئ، لقد غطوا الاناء، وأكفئوا الصفحة. فقال لها: هل تدنينى من يد صبى، أو قدر لم تغسل، أشمها لترتد لي روحي ؟ قالت الهرة: ما كنت لاخونهم


(1) اللبن: الطوب الاخضر غير المحروق (*)

[ 103 ]

أمانتي، فمن أين أقبلت تشكو الكلل والجوع ؟ قال: من الشام، شهدت وفاة عمر بن عبد العزيز، وحضرت جنازته. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون. نور كان في الدنيا فطمس، ثم زالت عنه، وتنحت وفرت منه، وهابته خوفا من أن يعدو عليها، ثم انسل الكلب ذاهبا، فلما أصبح الرجل جعل يقول للهرة: أي جنة، جزاك الله عنا خيرا. قال: فاستوبرت (1) الهرة، وذهبت فلم ترد بعد، فكتب ذلك اليوم فجاءهم موت عمر في ذلك اليوم. وذكروا أن زياد بن عبد الله أخبرهم قال: كان رجل في بعض كور الشام يعالج أندرا (2) له مع زوجته، وكان قد استشهد ابن لهما منذ زمان طويل، فنظر الرجل إلى فارس مقبل نحوهما. فقال الرجل لزوجته: يا فلانة، هذا والله ابني وابنك مقبلا، فنظرت المرأة فقالت: أخدعك الشيطان ؟ إنك مفتون بابنك، وانك تشبه به الناس كلهم، كيف يكون ابنك، وابنك استشهد منذ حين، فاستعاذ الرجل بالله من الشيطان الرجيم، ثم أقبل على أندره يعالجه، ودنا منهما الفارس، ثم نظر ثانية، قال: يا فلانة، ابني والله وابنك، فنظرت ودنا منهما الفارس، فلما وقف عليهما فإذا هو ابنهما. قال: فسلم عليهما وسلما عليه. فقالا له: يا بني أما كنت استشهدت منذ حين ؟ قال: نعم. إلا أن عمر بن عبد العزيز توفى الليلة، فاستاذن الشهداء ربهم عز وجل في شهود جنازته، فأذن لهم، وكنت فيهم، فاستأذنت ربى في زيارتكما والنظر، فأذن لي، ثم ودعاه، وسلما عليه، ودعا لهما، ثم ذهب: ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان قال: وذكروا أن الامر صار بعد عمر بن عبد العزيز، إلى يزيد بن عبد الملك، بعهد سليمان أخيه إليه بذلك، وإلى عمر، وكان يزيد قبل ولايته محبوبا في قريش بجميل مأخذه في نفسه، وهديه وتواضعه وقصده، وكان الناس لا يشكون إذا صار إليه الامر، أن يسير بسيرة عمر لما ظهر منه. فلما صارت إليه الخلافة حال عما كان يظن به، وسار بسيرة الوليد أخيه، واحتذى على مثاله، وأخذ مأخذه، حتى كأن الوليد لم يمت، فعظم ذلك على الناس، وصاروا من ذلك إلى أحوال يطول ذكرها، حتى هموا بخلعه، وجاءهم بذلك قوم من أشراف قريش، وخيار بني أمية، وكانت قلوبهم قد سكنت إلى هدى عمر، واطمأنت إلى عدله بعد النفار، والانكار لسيرته، وعاد ذلك من قلوبهم إلى الرضا بأمره، والقنوع بقصده عليهم، وتقصيره في إدراك المطامع، والعطايا عليهم، واتهم منهم نفر بالخلع والخروج، فأخذهم عمه محمد بن


(1) استوبرت الهرة: أي توحشت وسارت في أمكنة بعيدة (2) الاندر: البيدر: الجرن الذي يدرس فيه القمح ونحوه، ويعالجانه يعملان شيئا فيه لاصلاحه أو نحوه (*)

[ 104 ]

مروان بن الحكم، فأسكنهم السجن عشرين شهرا، ثم دس لهم السم، فماتوا جميعا، وأقصى من سائر قريش ثلاثين رجلا، بعد أن أغرمهم مئة ألف ألف وباع عقر (1) أموالهم ورباعهم، وحمل العذاب عليهم والنكال، حتى أصارهم عالة يتكففون الناس، متفرقين في كور الشام، وآفاق البلاد، وصلب من الناس جملة ممن ألف هؤلاء القوم، واتهم بمصانعتهم ومصاحبتهم، وكانت ولايته في ربيع الاول سنة إحدى ومئة، ومات سنة ست ومئة. ولاية هشام بن عبد الملك قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يوما في بعض بوادي الشام يتطوف، إذ نظر إلى ساع يسعى إليه، فوقف منتظرا له، فلما قاربه قال له: ما وراءك ؟ فقال: ولدت المخزومية غلاما، قال: فما سمته ؟ قال: هشاما. قال: هشم الله رأسها. فقال له قيبصة بن ذؤيب: ولم يا أمير المؤمنين ؟ قال: أخبرني أبي مروان، أنه سمع بشرة بنت صفوان تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: راحة أصحابي معاوية، ولا راحة لهم بعد معاوية وراحة العرب هشام، ولا راحة لهم بعد هشام: وذكروا أن هشاما صارت إليه الخلافة في سنة ست ومئة، فكان محمود السيرة، ميمون النقيبة، وكان الناس معه في دعة وسكون وراحة، لم يخرج عليه خارج، ولم يقم عليه قائم، إلا ما كان من قيام زيد بن علي بن الحسين، في بعض نواحى الكوفة، فبعث إليه ابن هبيرة، وكان عامل الكوفة، فأخذ زيد، فأنى به ابن هبيرة، فأمر بقتله دون رأى هشام، فلما بلغ ذلك هشاما، عظم عليه قتله، وأعظم فعل ابن هبيرة، واجترائه على قتل قرشي دون مشورة حتى جعل يقول: مثل زيد بن علي في شرفه وفضله يقتله ابن هبيرة، وما كان عليه من قيامه، إن هذا لهو البلاء المبين، وما يزال ابن هبيرة مبغضا لاهل هذا البيت من آل هاشم وآل عبد المطلب، ووالله لا زلت لهم محبا حتى أموت، ثم عزل ابن هبيرة عن الكوفة، وأغرمه ألف ألف، ولم يل له شيئا حتى مات، وكانت أيام هشام عشرين سنة، ولى سنة ست ومئة، وتوفى سنة ست وعشرين ومئة، بعد أن حج إحدى عشرة حجة، وهو خليفة.


(1) عقر الاموال: أصولها وعقر الرباع أصولها أيضا، والرباع هي الفصلان التى تنتج في الربيع، والمعنى أنه استولى على كل أموالهم من صامت وناطق (*)

[ 105 ]

قدوم خالد بن صفوان بن الاهتم على هشام قال: وذكروا أن شبيب بن شبة، أخبرهم عن خالد بن صفوان بن الاهتم، قال: أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام في وفد العراق، فقدمت عليه، وقد خرج منتدبا (1) في قرابته وأهله وحشمه، وحاشيته من أهله إلى بعض بوادي الرصافة (2)، فنزل في قاع صحصح (3) أفيح، في عام قد بكر وسميه (4) وقد ألبست الارض أنواع زهرتها، وأخرجت ألوان زينتها، من نور ربيعها فهى في أحسن منظر وأجمل مخبر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، فلو أن قطعة دينار ألقيت فيه لم تترب (5)، وقد ضرب له سرادقات من حبرات اليمن (6) مزرورة بالفضة والذهب، وضرب له فسطاطه في وسطه، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر، مثلها مرافقها، وعليه دراعة (7) خز أحمر وعمامة مثلها، وضربت حجر نسائه من وراء سرادقه، وعنده أشراف قريش، وقد ضربت حجر بنية وكتابه وحشمه بقرب فسطاطه، ثم أمر الربيع حاجبه، فأذن للناس إذنا عاما، فدخلوا عليه، وأخذ الناس مجالسهم، قال خالد: فأدخلت رأسي من ناحية السماط فأطرق، ثم رفع رأسه ونظر إلي شبه المستنكر، وكنت قد حليت عنده ببلاغة، وفهم وحكمة. فقلت: أقر الله نعمته عليك يا أمير المؤمنين وكرامته، وسوغك شكره يا أمير المؤمنين ومد لك في المزيد فيها بفضله، ثم وصلها بعد بطول العمر، وتتابع الكرامة الباقية التي لا انقطاع لها، ولا نفاد لشئ منها، حتى يكون آجل ذلك خيرا من عاجله، وآخره أفضل من أوله، وعاقبته خيرا من ابتدائه، وجعل ما قلدك من هذا الامر رشدا، وعاقبته تئول إلى أحمد ودرك الرضا، وأخلص لك ذلك بالتقوى، وكثره لك بالنماء، ولا كدر عليك منك ما صفا، ولا خالط


(1) منتدبا: أي مجيبا لمن ندبه وطلب منه الخروج لزيارة بعض بوادي الرصافة (2) الرصافة: بضم الراء بلد بالشام ومحلة ببغداد، وبلد بالبصرة وبلد بالاندلس والمراد هنا البلد التي بالشام (3) الصحصح: المستوى من الارض، والافيح: الواسع (4) الوسمى: مطر أول الربيع (5) لم يصبها التراب لانه غير موجود بسبب وجود النبات وذهاب التراب بسبب المطر (6) سبق شرحها قريبا وكذلك ما بعدها عند حج الوليد بن عبد الملك وإقامة السرادقات له (7) الدراعة: الثوب (*)

[ 106 ]

سروره أذى، فقد أصبحت للمسلمين ثقة وسترا، يفزعون إليك في أمورهم ويقصدونك في حوائجهم، وما أجد يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك شيئا، أبلغ في حقك وتوقير مجلسك، إذ من الله علي بمجالستك، والنظر إلى وجهك مني، وما أجد فيما أظهر ذلك إلا في مذاكرتك نعم الله التي أنعم ؟ يها عليك، وأحسن فيها إليك، وأنبهك إلى شكرها، ثم إني لا أجد شيئا هو أبلغ في ذلك، ولا أجمع من ذكر حديث لملك خلا من الملوك، كان في سالف الامم، فإن أذن أمير المؤمنين أكرمه الله حدثته. قال: وكان هشام متكئا، فاستوى جالسا وقال: هات يا بن الاهتم، قال: قلت يا أمير المؤمنين، إن ملكا كان فيما خلا من الملوك، مجتمعا له فيها فتاء السن واعتدال الطبائع، وتمام الجمال، وكثرة المال، وتمكين الملك، وكان له ذلك إلى البطر والمرح داعيا، وعلى الغفلة والذهول معينا، فخرج متنزها إلى بعض منازله. فصعد جوسقا (1) له، فأشرف على أرض، قد أخضلها ربيع عامه (2)، كان شبيها بعامك هذا يا أمير المؤمنين، في خصبه وعشبه، وكترة زهره، وحسن منظره، فنظر فرجع إليه بصره كليلا عن بلوغ أقصى أمواله من الضياع والابل والخيل والنعم. فقال لنفر من ناديه. لمن هذا ؟ قيل له: لك، فأعجبته نفسه، وما بسط له من ذلك، حتى أظهر فرحه وزهوه، ثم قال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه، أم هل أوتى أحد مثل ما أوتيت ؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والعلم، والمضى على أدب الحق ومنهاج الصدق في الضمير والمقالة، وقد قيل: إن الله الجليل، لم يخل الارض منذ هبط آدم، من قائم يقوم بحجة الله فيها، وكان ذلك الرجل ممن يسامره. قال: أيها الملك، قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب فيه ؟ قال: نعم. قال: أرأيتك هذا الذي أعجبك مما عليه اطلع نظرك، واستطال ملكك وسلطانك، أشئ لم يزل لك ولم يزل عنك، أم شئ كان لغيرك، فزال عنه إليك، ثم هو صائر إلى غيرك كما صار إليك ؟ قال الملك: بل كما ظننت ومثلت. قال: فإني أراك أعجبت بما يفنى، وزهدت فيما يبقى، وسررت بقليل، وحسابه غدا طويل. قال: ويحك فكيف المطلب، وأين المهرب، وما الحيلة في المخرج ؟ قال: إحدى خصلتين، إما أن تقيم في ملكك، فتعمل فيه بطاعة ربك على ما سرك وساءك وأمضك، وإما أن تضع تاجك ونجادك (3)، وتذكر ذنوبك، وتلحق في الخلاء بمن يغفر لك، فتعبد فيه ربك، حتى يوافيك أجلل، وتنقضي مدتك، وأنت عامل لربك فيما يعطيك. قال: فإذا فعلت ذلك فمالي ؟ فقال: ملك خالد لا يفنى، ونعيم لا ينقضى، ومزيد وكرامة، وصحة لا تستقيم أبدا، وسرور لا ينصرم،


(1) الجوسق: القصر (2) أخضلها: بللها بالمطر (3) النجاد جمع نجد وهو ما ينجد به البيت من فرش وبسط ونحوها (*)

[ 107 ]

وشباب لا يشوبه هرم، وقرار لا يخالطه هم. قال الملك: سأنظر إلى نفسي في الاختيار لها مما ذكرت لي، فإذا كان وقت السحر، فاقرع علي بابي لتعرف رأيى، فإنى مختار إحدى المنزلتين، فإن أقمت في ملكى، واخترت ما أنا فيه، كنت وزيرا لا تعصى، وإن خلوت كنت رفيقا لا تجفى. فلما كان السحر. قرع عليه بابه، فإذا هو قد وضع تاجه، ولبس أطماره (1)، فلحقا بالجبل، فلم يزالا يعبدان الله فيه، حتى بلغ أجلهما، وانقضى عمرهما. فبكى هشام حتى بل لحيته، ثم نكس رأس طويلا، ثم أمر ينزع أبنيته وانتقاله، وأقبلت العامة من الموالى على ابن الاهتم. فقالوا له: ما أردت لامير المؤمنين، أفسدت عليه لذته، ونغصت عليه شهوته، وقد حرمتنا ما أملنا فيه. قال: إليكم عنى، فإني عاهدت الله ربى، أنى لا أخلو بملك إلا ذكرته الله، ونبهته ورشدته. ثم رجع خالد إلى فسطاطه، كئيبا حزينا، متخوفا يظن أنه قد هلك، وكان للربيع صديقا. فبينما هو كذلك، إذ أتاه رسول الربيع. فقال: يا صفوان، يقول لك أخوك الربيع: من كان في حاجة الله، كان الله في حاجته. إنك لما وليت من عند أمير المؤمنين جعل يقول: لله در ابن الاهتم، أي رجل دنيا وأخرى، مره يا ربيع، فليرجع حوائجه، وليغد إلينا بها نقضها له. فقال الربيع: فاغد علينا بحوائجك رحمك الله، واحمده على ما صنع، وأذهب من مخافتك. فغدا عليه بحوائجه فقضيت. وذكروا أنه لم يكن في بني أمية ملك أعظم من هشام، ولا أعظم قدرا، ولا أعلى صوتا منه، دانت له البلاد، وملك جميع العباد، وأديت له الجزية من جميع الجهات، من الروم والفرس والترك والافرنج والزنج والسند والهند، وكان قريبا من الضعفاء، مهتما بإصلاح الادواء، لم يجترئ أحد معه على ظلامة، ولم يسلك أحد معه إلا سبيل الاستقامة، وكان له موضع بالرصافة أفيح من الارض، يبرز فيه، فتضرب له به السرادقات، فيكون فيه ستين ليلة، بارزا للناس، مباحا للخلق، لا يفنى أيامه تلك إلا برد برد المظالم، والاخذ على يد الظالم من جميع الناس، وأطراف البلاد، ويصل إلى مخاطبته بذلك الموضع، راعي السوام (2)، والامة السوداء، فمن دونهما، قد وكل رجالا أدباء عقلاء، بإدناء الضعفاء والنساء اليتامي منه، وأمرهم بإقصاء أهل القوة والكفاية عنه، حتى يأتي على آخر ما يكون من أمره، فيما يرفع إليه، لا ينضم إليه رجل يريد الوصول إليه، فينظروا أوضع منه إلا أدنوا الاوضع وأبعدوا الا رفع، حتى ينظر في شأنه، ويعرف أمره، وينفذ فيه ما أمر، ولا يرفع إليه ضعيف، ولا امرأة أمرا، وظلامة على غطريف (3) من الناس مرتفع القدر، ولا مستخدم به إلا أمر باقتضاء يمينه، وأغداه بمطلبه، لا يقبل لهم حجة، ولا يسمع لهم بينة، حتى لربما تمر به المرأة والرجل


(1) الاطمار: الثياب الباليه (2) السوام: الابل الراعية (3) الغظريف: السيد الشريف (*)

[ 108 ]

أو عابر سبيل، لا حاجة له فيما مر به. فيقال له: ما حاجتك، وما قصتك، وما ظلامتك ؟ فيقول: إنما سلكت أريد موضع كذا، أروم بلد كذا، فيقول له: لعلك ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره، وتتوقع سطوته، فذلك الذي منعك عن رفع ظلامتك إلى أمير المؤمنين، فيقول: لا، والله لا أبغى إلا ما قلت. فيقال له: اذهب بسلام، حتى لربما أتت عليه تارات من الليل، وساعات من النهار لا ينظر في شئ، ولا يأتيه أحد في خصومة لاستغناء الناس عن المطالب، وتععفا من المظالم، ووقاية من سطواته، وتخوفا من عقوبته، وقد وسع العباد أمنه، وأشعرهم عدله، وصارت البلاد المتنائية الشاسعة، كدار واحدة، ترجع إلى حاكم قاض، يرقبه الناس في المواضع النائية عنه كما يرقبه من معه، وقد وضع العيون والجواسيس من خيار الناس، وفضلاء العباد، في سائر الامصار والبلدان، يحصون أقوال الولاة والعمال، ويحفظون أعمال الاخيار والاشرار، قد صار هؤلاء أعقابا يتعاقبون، ينهض قوم بأخبار ما بلوا في المصر الذي كانوا فيه، ويقبل آخرون يدخلون مسترقين، ويخرجون متفرقين، لا يعلم منهم واحد، ولا يرى لهم عابر، فلا خبر يكون، ولا قصة تحدث، من مشرق الارض ولا مغربها إلا وهو يتحدث به في الشام، وينظر فيه هشام، وقد قصر نفسه على هذه الحال، وحببت إليه هذه الافعال، فكانت أيامه عند الناس أحمد أيام مرت بهم، وأعفاها وأرجاها، قد لبس جلباب الهيبة على اهل العنود والكيود، وارتدى برداء التواضع إلى أهل الخشوع والسكون، وكان قد حبب إليه التكاثر من الدنيا، والاستمتاع بالكساء، لم يلبس ثوبا قط يوما، فعاد إليه، حتى لقد كان كساء ظهره، وثياب مهنته، لا يستقل بها، ولا يحملها إلا سبعة مئة بعير، من أجلد ما يكون من الابل، وأعظم ما يحمل عليه من الجمال، وكان مع ذلك يتقللها، وطالت أيامه، واستبطأ صاحب العهد بموته، فناوأه وعاداه، وانتقل عن الموضع الذي كان به هو والوليد بن يزيد ابن عبد الملك، فمات هشام والوليد غائب، فأتاه موته، فأمر بقفل الخزائن، فلم يجدوا لهشام ما يكفنونه به، واستؤذن الوليد في إقباله، فلم يدفن هشام حتى قدم الوليد، وذلك في ثلاثة أيام. بدء الفتن والدولة العباسية قال: وذكروا أن الهيتم بن عدي أخبرهم، قال: اختلفت روايات القوم الذين عنهم حملنا وروينا ذكر الدولة، فحملنا عنهم ما اختلفوا فيه وألفناه، فكان أول ما اختلفت فيه الرواية، ولم تلائمه الحكاية، أشياء سنذكرها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله، واقتصرنا على معانيها، وقيدنا بعض ألفاظها لطول أخبارها، واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ، ورددنا هزيله لنزر فائدته، وقلة عائدته، وقد اختصرنا وأشبعنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا، والله الموفق للصواب.

[ 109 ]

فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة، وما أخبرنا عن الهيثم بن عدي، عن الرجال الذين حدثوه. قالوا: لما سلم الحسن بن علي الامر إلى معاوية بن أبي سفيان، قامت الشيعة من أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الكوفة، واليمن، وأهل البصرة، وأرض خراسان، في ستر وكتمان، فاجتمعوا إلى محمد بن علي، وهو محمد بن الحنفية، فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك، وعرضوا عليه قبض زكاتهم، لينفقوها يوم الوثوب على فرصته، فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته، فقبلها، وولى على شيعة كل بلد رجلا منهم، وأمره باستدعاء من قبله منهم، في سر وتوصية إليهم، ألا يبوحوا بمكتومهم، إلا لمن يوئق به، حتى يرى للقيام موضعا. فأقام محمد بن الحنفية: إمام الشيعة قابضا لزكاتهم، حتى مات. فلما حضرته الوفاة، ولى عبد الله ابته من بعده، وأمره بطلب الخلافة إن وجد إلى ذلك سبيلا، وأعلم الشيعة بتوليته إياه، فأقام عبد الله بن محمد بن علي، وهو أمير الشيعة، فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك، في أول خلافته، أن الشيعة قد بايعت عبد الله بن محمد بن علي، بعد أبيه، فبعث إليه، وقد أعد له في أفواه الطرق رجالا، معهم أشربة مسمومة، وأمرهم إذا خرج من عنده أن يعرضوا عليه الشراب. فلما دخل على سليمان، أجلسه إلى جانبه. ثم قال له: بلغني أن الشيعة بايعتك على هذا الامر، فجحده عبد الله وقال: بلغك الباطل، وما زال لنا أعداء يبلغون الائمة قبلك عنا مثل ما بلغك، ليغروهم بنا، فيدفع الله عنا كيد من ناوأنا، وأنا بما يلزمنى من مؤنتي أشغل مني بطلب هذا الامر، ثم خرج من عنده في وقت شديد الحر، فكان لا يمر بموضع إلا قام إليه الرجل بعد الرجل، يقول له: هل لك في شربة سويق اللوز، وسويق كذا وكذا يا بن بنت رسول الله، ونفسه موجسة منهم، فيقول: بارك الله لكم، حتى إذا خرج إلى آخر الطريق، خرج إليه رجل من خبائه، وبيده عس (1)، فقال له: هل لك في في شربة من لبن يا بن بنت رسول الله ؟ فوقع في نفسه أن اللبن مما لا يسم، فشرب منه ثم مضى، فلم ينشب أن وجد للسم حسا (2)، فاستدل على الطريق إلى الحميمة (3)، وبها جماعة آل عباس، وقال لمن معه: إن مت ففي أهلى، ثم توجه فنزل على محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فأخبره الخبر، وقال له: إليك الامر، والطلب للخلافة بعدى، فولاه، وأشهد له من الشيعة رجالا، ثم مات. فأقام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ودعوة الشيعة له حتى مات، فلما حضرته الوفاة، ولى محمد بن إبراهيم الامر، فأقام وهو أمير الشيعة، وصاحب الدعوة بعد أبيه.


(1) العس بضم العين: القدح العظيم مثل الكوز الكبير عندنا (2) أي أحس بسريان السم في جسمه (3) الحميمة: بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء بلدة صغيرة بالبلقاء بالشام (*)

[ 110 ]

دخول محمد بن علي على هشام قال: وذكروا أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس دخل، وهو شيخ كبير قد غشى بصره على هشام بن عبد الملك، متوكئا على ولديه أبى العباس وأبى جعفر، فسلم. ثم قال له هشام: ما حاجتك ؟ ولم يأذن له في الجلوس، فذكر قرابته وحاجة به، ثم استجداه. فقال هشام: ما هذا الذي بلغني عنكم يا بنى العباس، ثم يأتي أحدكم وهو يرى أنه أحق بما في أيدينا منا، والله لا أعطيتك شيئا. فخرج محمد بن علي، فقال هشام كالمستهزئ: إن هذا الشيخ ليرى أن الامر سيكون لولديه هذين، أو لاحدهما، فرجع محمد نحوه فقال: أما والله إني أرى ذلك على رغم من رغم. فضحك هشام وقال: أغضبنا الشيخ، ثم مضى محمد بن علي. ولاية الوليد بن يزيد وفتن الدولة قال: وذكروا أن الوليد بن يزيد لما تولى الامر بعد هشام، أساء السيرة، وانتحى على أهله وجماعة قريش، وأحدث الاحداث العظيمة، وسفك الدماء وأباح الحريم، وكانت ولايته في سنة ست وعشرين ومئة. فلما استولى على الامر بعث إلى أشراف الاجناد، فقدموا عليه وقدم خالد فيمن قدم، فلم يأذن لواحد منهم، وكان مشتغلا بلهوه ولعبه، ومرض خالد، فاستوذن له في الانصراف فأذن له، فانصرف إلى دمشق، فأقام بها شهرا. ثم كتب إليه الوليد: إن أمير المؤمنين قد علم الخمسين ألف ألف التى تعلم، فأقدم بها على أمير المؤمنين مع رسوله، فقد أمره أن لا يعجلك عن جهازك، فبعث خالد إلى عدة من ثقاته، فيهم عمارة بن أبي كلثوم، فأقرأهم كتاب الوليد وقال: أشيروا علي برأيكم. فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون، فالرأى أن تدخل مدينة دمشق، فتأخذ بيوت الاموال، وتدعو إلى من أحببت، والناس قومك، ولن يختلف منا عليك اثنان. فقال لهم: وماذا ؟ قالوا: تأخذ بيوت الاموال، وتجمع إليك قومك حتى تتوثق لنفسك. قال: وماذا ؟ قالوا: نتوارى. فقال: أما قولكم أن أدعو إلى من أحببت، فإنى أكره أن تكون الفرقة على يدى، وأما قولكم أن آخذ بيوت الاموال حتى أتوثق لنفسي، فأنتم لا تأمنونني عليها ولا ذنب لى، فكيف لى ترجون وفاء بما يعطينى. وقد فعلت ما فعلت، وأما قولكم في التوارى، فوالله ما قنعت رأسي خوفا من أحد قط، فالآن وقد بلغت من السن ما بلغت ؟ ولكني أمضى، وأستعين بالله تعالى.

[ 111 ]

قتل خالد بن عبد الله القسرى قال: وذكروا أن خالد بن عبد الله القسرى، شخص إلى الوليد بن يزيد حتى قدم على معسكره، فلم يدع به الوليد ولم يكلمه، وهو يختلف إليه غدوة وعشية، حتى قدم برأس يحيى بن زيد بن علي بن الحسين من خراسان، فجمع الناس الاذن، فحضر الاشراف، وجلس الوليد، وجاء خالد إلى الحاجب فقال: إن حالى كما ترى، لا أقدر على المشى، وإنما أحمل في الكرسي. قال الحاجب: ما يدخل أحد على أمير المؤمنين على هذه الحال، ثم أذن له فحمله على كرسيه، ثم دخل على الوليد وهو جالس في سريره، والمائدة موضوعة. فلما دخل عليه قال له الوليد: أين ولدك يزيد بن خالد. فقال: قد أصابه من هشام ظفر، فخلى سبيله، ثم طلب فهرب، فكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله. فقال له الوليد: لكنك خلفته طلبا للفتنة. فقال خالد: قد علم أمير المومنين أنا أهل بيت طاعة أنا وأبى وجدى. فقال له الوليد: لتأتينى بابنك أو لازهقن نفسك، فقال له خالد: هذا الذى تدور عليه، وهو الذى تريد ؟ والله لو كان ابني تحت قدمي ما رفعتهما لك، فاصنع ما بدا لك. فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبسط (1) عليه والاخذ له، وقال له: أسمعني صوته، فذهب به غيلان إلى رحله، فعذبه بالسلاسل والحديد، فلم يتكلم بكلمة، فرجع غيلان إلى الوليد فقال له: والله لا أعذب إنسانا لا يتكلم. فقال له: كف عنه واحتبسه، ففعل، فقام يوسف بن عمر فقال: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد أن يوسف بن عمر قد سأل أن يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن ضمنتها لامير المؤمنين، وإلا دفعتك إليه. قال خالد: ما عهدنا العرب تباع، فدفعه إلى يوسف بن عمر، فنزع ثيابه، وألبسه عباءة وألحفه (2) أخرى، وحمله على محمل ليس تحته وطاء (3)، فبسط (4) عليه وعذبه، وخالد لا يكلمه بكلمة، ثم ارتحل، حتى إذا كان ببعض الطريق عذبه يوما، ثم وضع المضرسة (5) على صدره، فقتلة في الليل، فدفن في الحيرة، وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين ومئة.


(1) البسط عليه: التسلط عليه وعمل بما يضره ويؤذيه (2) الحفه أخرى: جعل العباءة الاخرى ملحفة له كالشال الذي يوضع على الرقبة (3) أركبه دابة بدون سرج ولا برذعة ولا شئ يفصل بين جسم الدابة وجسمه (4) بسط عليه: تسلط عليه وعمل به ما يحلو له من الاذى (5) المضرسة: بكسر الميم وسكون الضاد: حجر ثقيل أو آلة ثقيلة تكسر بها الحجارة وتهرس (*)

[ 112 ]

وثوب أهل دمشق على الوليد بن يزيد وقتله قال: وذكروا أن يزيد بن خالد دب في أهله، وتحمل في عشائره، فاجتمع أمرهم على الوليد بن يزيد، فبينما هم يدبرون أمرهم، إذ انطلق ساع إلى الوليد قال له: أدلك على يزيد بن خالد. قال: نعم. فبعث الوليد مولى له، وأمره أن يكمن النهار، ويسير الليل، حتى أتى دمشق ليلا، ويزيد مختف بدمشق، في منزل رجل عند باب السوق، فاقتحم عليه المنزل فأخذه، وشخص به من ساعته حتى قدم على الوليد، فأمر بالبعث به إلى يوسف بن عمر بالعراق، قال له يزيد: يا أمير المؤمنين، أنا أدفع لك الخمسين ألف ألف التى طلبت من خالد في ثلاث سنين، على أن تكتب إلى الآفاق، بأمان من كانت لى عنده وديعة، وأمان فيه ذمتي وموالى، فقبل منه الوليد ذلك، فأمر بالكتب إلى العراق والحجاز وكور الشام في ذلك، واحتبس يزيد عنده، وجعل عليه القيود والحرس، ثم ارتحل الوليد ومعه خدمته وشرطته، وتواعد أهل اليمن أن يثوروا إذا صلوا العتمة (1) في المسجد، وكانت العلامة بينهم أن يلتمس أحدهم صاحبه. فلما تفرق أهل المسجد، خرجوا، فاستخرجوا يزيد بن الوليد من منزله، ثم أتوا به القصر، وعلى دمشق يومئذ رجل من بنى الحجاج، وكان قد خرج من الطاعون، واستخلف رجلا من قيس، فدخلوا عليه، فأوثقوه كتافا، وأوثقوا كل من خافوا خلافه، فتسلل رجل حتى أتى الوليد بن يزيد، فأخبره الخبر، فلما أصبحوا غدوا إلى الوليد، فبعث الوليد في طلب يزيد بن. خالد، وهو عنده في الحديد. فقال له: إن قومك قد خرجوا بين يدى الوليد، فارددهم عن أمير المؤمنين، ولك الله أن أوليك العراق، وأدفع إليك يوسف تقتله بأبيك، فقال له يزيد ابن خالد: وتوثقني يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم، فتوثق له وحلف، قال: فأرسلني إليهم حتى أردهم عنك. فقال له الوليد: بل اكتب إليهم. قال: إن كتابي لا يغنى شيئا، وقد علموا أنى في يديك، وأتى سأكتب بما تريد، فأمر بإطلاقه من الحديد، ورده إلى حبسه، وأمر الحرس يتحفظون به، ثم ارتحل الوليد بيزيد بن خالد معه، فلما كان الفجر: صبحته أوائل الخيل، خيل أهل اليمن، فأرسل الوليد إلى يزيد بن خالد. فقال له يزيد: خل عنى حتى أردهم عنك، فبينما هم على ذلك، إذ التقى القوم، فشدت الميمنة، وقد طلعت الشمس، واختلط الناس وكثر القتل، وتخلص يزيد بن خالد من الحرس، فأتوه ببرذون من براذين الوليد، وأتى بسيف فتقلده، ثم نادى مناديه: من جاء برأس الوليد، فله مئة ألف دينار، ونودى في العسكر: من دخل رحله فهو آمن. فنادى الوليد: يا أهل الشام، ألم أحسن إليكم،


(1) العتمة: بفتح العين والتاء: العشاء (*)

[ 113 ]

ألم أفعل كذا، فعدد إحسانه. فقال عبد السلام: بلى قد فعلت، ولكنك عمدت إلى شيخنا وسيدنا خالد بن عبد الله قد عزله الخليفة قبلك، وأخذ أمواله، ثم خلى عنه، فدفعته إلى يوسف بن عمر بالبيع فأدرعه (1)، ثم حمله على محمل بلا وطاء، ثم انطلق به فعذبه، حتى قتل شر قتل يكون. فقال لهم الوليد: فاخلعوني في قميصي هذا، وولوا من شئتم، فانصرفوا إلى قومهم، فأعلموهم بما رضى من الخلع. فقالوا: لا إلا رأسه، فتدلى القوم إلى القصر، وانتهى يزيد بن خالد إلى الباب، وعليه سلسلة، فأمر بها فكسرت، وكسر الباب، وخرج الوليد يسعى، حتى دخل بيتا من بيوت القصر، ودخل عليه نحو من ثلاثين رجلا، وهو قائم بيده السيف، منكسا رأسه لا ينظر إليهم، وهو يذب (2) عن نفسه، فضربه رجل، ضربة، ثم صرعه (3)، ثم أكب (4) عليه فاحتز رأسه، فخرج به وانصرف الناس إلى دمشق فبايع الناس ليزيد بن الوليد بن عبد الملك. وذلك في ذى الحجة من سبع وعشرين ومئة، فكان خليفة ستة أشهر، ثم مات في جمادى الاولى. ثم ولى إبراهيم بن الوليد فبويع له في جمادى الاولى، فمكث ثلاثة أشهر، ثم خلع وهرب. ولاية مروان بن محمد بن مروان بن الحكم قال: وذكروا أنه لما خلع إبراهيم بن الوليد، خرج مروان بن محمد في صفر، سنة سبع وعشرين ومئة، ومعه أهل الجزيرة، وأهل حمص، فدعا إلى نفسه يالبيعة، ووعد الناس خيرا فرضى به أكثر الناس لشجاعة كانت فيه، وسخاء يوصف به، فملك الشام، واستقل له الامر، وغلظ شأنه، واستعلى سلطانه، وبايع له أهل العراق والحجاز، وهابه الناس وخافوه، واستعمل العمال في الآفاق والامصار، وكانت الشيعة تتكاتب على الكتمان لذلك، وتتلاقى على السر. قال: فلما كانت سنة ثمان وعشرين ومائة اجتمعت الشيعة. خروج أبى مسلم الخراساني قال: وذكروا أن الشيعة لما اجتمعت، وغلظ أمرهم بخراسان، قدم منهم سليمان ابن كثير، وقحطبة بن شبيب، فلقوا إبراهيم بمكة. فقالوا: قد قدمنا بمال. قال: وكم هو ؟ قالوا عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وبمسك ومتاع قال: ادفعوه إلى عروة


(1) أدرعه: ألبسه الدرع وهو القميص فقط (2) يذب: يدافع (3) صرعه: طرحه على الارض (4) أكب عليه: انحنى عليه (*)

[ 114 ]

مولى محمد بن علي، ففعلوا، فكان يحي بن محمد بتبعهم ويسألهم، فيقول: ما قصتكم وفي أي شئ جئتم ؟ فلا يخبرونه، فذكروا ذلك لابراهيم. فقال احذروه، فإنه قليل العقل، ضعيف الرأى. فجاء إلى إبراهيم فقال له: إن على دينا، والله لئن لم تعطنى قضاء دينى، لارفعن أمرك إلى عبد العزيز بن عمر، وهم يومئذ على الموسم، فأعطاه خمسة آلاف درهم، وقدموا بأبى مسلم معهم، وقد خرج أصحابه من السجن، فأعلموا إبراهيم أنه مولاه. فقال لسليمان: قد ربا (1) أمركم، فأنت على الناس، فاخرج إلى خراسان، وقد كان أبو مسلم قدم على إبراهيم قبل أن ينصرف أصحابه، فرأى عقله وظرفه. فكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته على خراسان، وما غلب عليها، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، فالتقوا بمكة، فأعلمهم أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه. قال إبراهيم: إنه قد أجمع رأيه على هذا، فاسمعوا له وأطيعوا. ثم قال لابي مسلم: يا أبا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت، فاحفظ وصيتى، انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم، فإن الله لا يتم هذا الامر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة، فإنهم معهم، وانظر هذا الحي من مضر، فإنهم العدو القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره، ومن وقع في نفسك منه تهمة. فقال: أيها الامام، فإن وقع في أنفسنا من رجل هو على غير ذلك، أحبسه حتى تستبينه ؟ فقال: لا، السيف السيف، لا تتقى العدو بطرف (2). ثم قال للشيعة: من أطاعنى فليطع هذا، يعنى أبا مسلم، ومن عصاه فقد عصاني. ثم قال له: إن استطعت أن لا تدع بخراسان أرضا فيها عربي فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار، فاتهمته فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ، يعنى سليمان بن كثير، ولا تعصه، فشخصوا إلى خراسان، ووقعت العصبية بخراسان، بين نصر بن سيار، وكان عامل مروان عليها، وبين الكرماني. فدخل على نصر بن سيار رجل فقال له: إن مروان ابن محمد قد خالف ما ظن به الناس: وقد كان رجى وأمل، وما أرى أمره إلا وقد انتقض، واجترأت عليه الخوارج، وانتقضت عليه البلاد، وخرج عليه ثابت بن نعيم، ورأى الاشتغال بلذاته أهم عليه، فلو اجتمعت كلمتك مع الكرماني فإني خائف أن يوقعك هذا الخلاف فيما نكره وأنت شيخ العرب وسيدها، وأرى والله في هذه الكور شيئا، وأسمع أمورا أخاف أن تذهب، أو تذهل منها العقول. فقال نصر بن سيار: والله ما أ ؟ هم عقلك ولا نصيحتك، ولكن أكفف عن هذا القول، فلا يسمعن منك، فالتحم ما بين الرجلين، وهاجت الحرب وتقاتلوا، وجعلت رحال الشيعة تجتمع في الكور الالف والالفان، فيجتمعون


(1) ربا أمركم: زاد وارتفع شأنكم (2) الطرف: النظر (*)

[ 115 ]

في المساجد، ويتعلمون: أي يتعارفون بينهم، فبلغ ذلك نصرا، واغتم لذلك، وخاف إن وجه إليهم من يقاتلهم أن يتجاوزوا إلى الكرماني، فلما استفحل أمر القوم، وقام بأمرهم أبو مسلم الخراساني، ثم اجتمعوا وأظهروا أمرهم. كتب نصر بن سيار إلى مروان ابن محمد: أرى خلل الرماد (1) وميض نار * ويوشك أن يكون له ضرام (2) فإن النار بالعودين تذكى * وإن الحرب أولها الكلام أقول من التعجب: ليت شعرى * أأيقاظ أمية أم نيام فان كانوا لحينهم نياما * فقل قوموا فقد حان القيام ففرى عن رحالك ثم قولى * على الاسلام والعرب السلام فكتب إليه مروان: إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فقال نصر لما قرأ الكتاب: أما صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده، وجعل أبو مسلم يكتب الكتب، ثم يقول للرسل: مروا بها على اليمانية، فإنهم يتعرضون لكم، ويأخذون كتبكم، فإذا رأوا فيها أنى رأيت المضرية لا وفاء لهم، ولا خير فيهم، فلا تثق بهم، ولا تطمئن إليهم، فإنى أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب، ويرسل رسولا آخر بمثل ذلك على اليمانية. فيقول: مر على المضرية، فكان الفريقان جميعا معه، وجعل يكتب إلى نصر بن سيار، وإلي الكرماني: أن الامام قد أوصاني بكم، ولست أعدو رأيه فيكم، فجعل نصر يقول: يا عباد الله، هذه والله الذلة، رجل بين أظهرنا يكتب إلينا بمثل هذا، لا نقدر له على ضر ولا نفع، فلما تبين القوم أن لا نصير لهم كتب أبو مسلم إلى أصحابه في الكور، أن أظهروا أمركم، فكان أول الناس من سود (3) أسيد بن عبد الله، فنادى: يا محمد، يا منصور، فسود معه العكى، ومقاتل بن حكم، وعمر بن غزوان، وأقبل أبو مسلم حتى نزل الخندقين فهابه الفريقان جميعا. فقال: لست أعرض لواحد منكم، إنما ندعو إلى آل محمد، فمن تبعنا فهو منا، ومن عصانا فالله حسيبه. فلما جعل أصحابه يكثرون عنده. وهو يطمع الفريقين جميعا في نفسه. كتب نصر بن سيار: إلى مروان بن محمد، يذكر استعلاء أمر أبى مسلم، ويعلمه بحاله وخروجه، وكثرة شيعته، وأنه قد خاف


(1) خلل الرماد: التراب وخلله بين حباته، وتحته، ووميض النار لمعانها (2) ضرام: اشتعال (3) بفتح السين وتشديد الواو اتخذ شعار السواد، وهو لبس الاسود وكان شعار الدولة العباسية لبس الاسود (*)

[ 116 ]

أن يستولى على خراسان، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، فأتى مروان الكتاب، وقد أتاه رسول أبي مسلم بجواب إبراهيم، فأخذ جواب إبراهيم، وفيه لعن إبراهيم لابي مسلم، حين ظفر بالرجلين، ألا يدع بخراسان عربيا إلا قتله، فانطلق الرسول بالكتاب إلى مروان، فوضعه في يده. فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية، وهو على دمشق: أن اكتب إلى عاملك بالببلقاء، فليأخذ إبراهيم بن محمد فليشده وثاقا، ثم يبعث به إليك، ثم وجه به إلي، فأتى إليه وهو جالس في مسجد القرية، فأخذ إلى دمشق، ودخل على مروان، فأنبه وشتمه، فاشتد لسان إبراهيم عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما أظن ما يروى الناس عنك إلا حقا في بعض بنى هاشم. فقال: أدركك الله بأعمالك، اذهب به، فإن الله لا يأخذ عبدا عند أول ذنب، اذهب به إلى السجن. فقال أبو عبيدة: فكنت آتيه في السجن، ومعه عبد الله بن عبد العزيز، فوالله إني ذات ليلة في سقيفة السجن، بين النائم واليقظان، إذ مولى لمروان قد استفتح، ومعه عشرون رجلا من موالى مروان، من الاعاجم، ومعه صاحب السجن، ففتح لهم فدخلوا، وأصبحنا فإذا عبد الله بن عمر، وإبرهيم بن محمد ميتان، فانكسر لذلك أبو مسلم بخراسان، إذا بلغه موت إبراهيم، وانكسرت الشيعة، واستعلى أمر الكرماني، فلما رأى أبو مسلم ذلك قال له: إنا معك، ثم داوت الاحوال بين نصر والكرماني، حتى غدر نصر بالكرمانى فقتله وصلبه، فخاف نصر على نفسه من أبى مسلم. ذكر ما أمال أصحاب الكرماني إلى أبى مسلم قال: وذكروا أن أبا مسلم كتب إلى نصر: إنه قد جاءنا من الامام كتاب فهلم نعرضه عليك، فإن فيه بعض ما تحب، فدخل عليه رجل فقال: إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين. فقال نصر: ادخل فالبس ثيابي، فدخل بستانا له، وقد تقدم إلى صاحب دوابه، فأتاه بدواب، فركب وهرب، معه داود بن أبى داود، وهرب معه بنوه، وتفرق أصحابه، وجاء القوم إلى أبى مسلم فأعلموه أنه قد خرج، ولا يدرون أين توجه، فاستولى أبو مسلم على خراسان، فاستعمل عليها عماله، ثم وجه أبا عون في ثلاثين ألفا إلى مروان، فلما بلغ مروان الخبر خرج حتى أتى حران، فتخمل بعياله وبناته وأهله، وقد كان يتعصب قبل، فجفا أهل اليمن وأهل الشام وغيرهم، وقتل ثابت بن نعيم، والسمط بن ثابت، وهدم مدائن الشام، وتحول إلى الجزيرة. قال اسماعيل بن عبد الله القسرى: دعاني مروان فقال: يا أبا هاشم وما كان يكنينى قبلها، قد ترى ما حل من الامر وأنت الموثوق به، ولا مخبأ بعد بؤس، ما الرأى ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين على ما أجمعت ؟ قال: على أن أرتحل بموالي

[ 117 ]

وعيالي وأموالي، ومن تبعني من الناس حتى أقطع الدرب، ثم أميل إلى مدينة من مدائن الروم، فأنزلها، وأكاتب صاحب الروم، وأستوثق منه، فما يزال يأتيني الخائف والهارب حتى يلتف أمرى. قال إسماعيل: وذلك والله الرأى. فلما رأيت ما أجمع عليه، ورأيت سوء آثاره في قومي، وبلائه القبيح عندهم، قلت له: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأى، أن تحكم فيك أهل الشرك، وفي بناتك وحرمك، وهم الروم لا وفاء لهم، ولا تدرى ما تأتى به الايام، فإن أنت حدث عليك حادث بالروم، ولا يحدث إلا خير، ضاع أهلك من بعدك، ولكن اقطع الفرات، ثم استدع الشام جندا جندا، فإنك في كنف وجماعة وعزة، ولك في كل جند صارم يسيرون معك، حتى تأتى مصر، فإنها أكثر أرض الله مالا ورجالا، ثم الشام أمامك، وأفريقيه خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن كانت الاخرى مضيت إلى أفريقية. قال: صدقت، ثم استخار الله وقطع الفرات، فمر بكور من كور الشام، فوثبوا عليه، فأخذوا مؤخر عسكره فانتهبوه، ثم مر بحمص فصنعوا له مثل ذلك، ثم مر بأهل دمشق فوثبوا عليه، ووثب به الوليد بن معاوية، وكان عامل مروان على دمشق، ثم مضى إلى الاردن، فوثب به هاشم بن عمر، ثم مر بفلسطين فوثب به الحكم، ثم مضى إلى مصر فاتبعه الحجاج بن زمل السكسكى. فقيل له: أتتبعه وقد عرفت بغضه لقومك ؟ فقال: ويحكم إنه أكرمنى لمثل هذا اليوم لآخذ له، وتبعه أيضا أبو سلمة الخلال وثعلبة بن سلامة، وكان عامله على الاردن، وتبعه أيضا الرحس فقال: إنى لاسير مع مروان حيث جزنا فلسطين. فقال: يا رماحس (1) انفرجت عنى قيس انفراج الرأس ما تبعني منهم أحد، وذلك أنا وضعنا الامر في غير موضعه، وأخرجناه من قوم أيدنا بهم، وخصصنا به قوما، والله ما رأينا لهم وفاء ولا شكرا. تولية أبى مسلم قحطبة بن شبيب قتال مروان قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم عن رجال أدركوا الدولة وصحبوا أهلها. قالوا: لما استولى أبو مسلم على خراسان، وولى قحطبة الطائى قتال مروان بن محمد، وبعث معه ثلاثين ألفا من رجال اليمن وأهل الشيعة، وفرسان خراسان، وخرج مروان وهو يريد أبا مسلم بخراسان، ومعه مئة ألف فارس سوى أصحاب الحمولة، فهرب من بين يديه أبو العباس، وأبو جعفر، وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، فلحقوا بالكوفة، فبعث أبو العباس إلى أبى سلمة الخلال، واسمه حفص بن سليمان، وكان واليا لابراهيم بن محمد على


(1) الرماحس بضم الراء وكسر الميم: الشجاع المجترئ. (*)

[ 118 ]

الشيعة بالكوفة فأمره إن بلغه أمر فيه قوة لابي مسلم بخراسان أن يظهر أمره بالكوفة، ويدعو إليه، ويناهض صاحب الكوفة، ففعل ذلك أبو سلمة، فلما غلظ أمر أبى مسلم بخراسان، واستولى عليها، وبعث الجيوش إلى مروان أظهر أمره بالكوفة، وطرد عامل الكوفة، فخرج هاربا. ذكر البيعه لابي العباس بالكوفة قال: وذكروا أن أبا مسلم لما بلغه أن أبا سلمة قد أظهر أمره بالكوفة، ودعا إلى محمد، وجه رجلا من قواده إلى الكوفة في ألفي فارس، وأمره أن يسرع السير حتى يأتيها، فأقبل ذلك القائد حتى دخل الكوفة، فلقى غلاما أسود لابي العباس، فقال له: أين مولاك ؟ قال: هو في دار هاهنا. قال: دلنى عليه، فدله على الدار، فاستفتح الباب، ثم دخل عليه، فسلم عليه بالخلافة، وكان أبو سلمة يريد صرف الخلافة إلى ولد علي بن أبى طالب، وكان ينهى أبا العباس عن الخروج، ويقول له: إن الامر لم يتم، وإن موالى بني أمية قائمون بالحرب، والامر أشد مما كان. فقال أبو العباس: إن أبا سلمة منعنى عن الخروج حتى يولى العمال، ويعمل الخراج. فقال القائد: لعن الله أبا سلمة، والله لا أجلس حتى تخرج إلى الناس، فخرج له مع رجاله إلى المسجد، ونودى الصلاة جامعة، فصعد أبو العباس المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم ذكر بنى أمية وسوء آثارهم، وذكر العدل فحض عليه، ووعد الناس خيرا، ورجا لهم الاصلاح وقسمة الفئ على وجهه، ثم دخل الامارة، وجلس الناس، فلما بلغ أبا سلمة خروجه أتاه يعتذر إليه، فقبل ذلك منه، وأراه المكانة منه، والخاصة به، وقد كان علم أبو العباس الذي أراد أبو سلمة من صرف الخلافه إلى ولد علي بن أبى طالب. حرب مروان بن محمد وقتله قال: وذكروا أن قحطبة بن شبيب، لما انتهى إلى بعض كور الشام، التقى بمروان فقاتله، فانهزم مروان، فأقحم قحطبة في طلب مروان فرسه في الفرات، فحمله الماء، فمات فيه، وقد أصاب أهل عسكر قحطبة من أموال مروان، وأمتعة عسكره ما لا يحصى كثرة، فتناول اللواء حميد بن قحطبة، وعبر الفرات حتى أتى الشام، فقيل له: إن مروان ترك الطريق إلى دمشق وذهب صالح بن عبد الله بن عباس، وكان بناحية من الشام، وقد اجتمع إليه الناس لما علموا من قرابته لامير المؤمنين، فلما اجتمع مع حميد بن قحطبة سلم إليه الامر، وقال الناس: إنه خرج بإظهار الدعوة لابي العباس من غير أمره، فلما سلم الامر إلى صالح بن علي، أتاه

[ 119 ]

كتاب أبى مسلم، أن يرجع ابن قحطبة ببعض عساكره إلى العراق، فيكون فيها حتى يأتيه أمره، فأتى صالح بن علي كتابه بأنه قد صير إليه الشام، وما وراءها إلى المغرب، ويأمره فيه ببعثه الجيوش في طلب مروان، فولى صالح بن على رجلا من الازد، يقال له أبو عون على مصر، وأمره بطلب مروان في أرض المغرب، وبعثه في عشرين ألفا، وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد نافر مروان بن محمد، وقاتله مرارا قبل أن يشتد أمر أبى مسلم، فسار إليه في أربعة آلاف، وذلك بعد خروج قحطبة من عند أبى مسلم، فنزل به سليمان، وكانت بينه وبين أبى العباس مودة قديمة، فبايع أبا مسلم على طاعة أبى العباس، فسر به أبو مسلم وشيعته، ثم سيره في طلب قحطبة ممدا له، وقد قاتل مروان قحطبة قبل قدوم سليمان بيومين، فلما نظر مروان إلى دخول سليمان ابن هاشم في عسكر قحطبة، وكثرة من جاء معه انهزم، فمضى سليمان مع حميد بن قحطبة في طلبه، ولم يكن مروان انهزم عنه غلبة، ولكنه كان نظر في كتب الحدثان، فوجد فيها أن طاعة المسودة (1) لا تجاوز الزاب (2)، فقال ذلك لوزرائه. فقيل له: إن بمصر زابا آخر. قال: فإليها نذهب إذا، والزاب الذى أراد علمه هو بأرض المغرب، فأقبل مروان وهو يريد مصر، فالتقت الخيل، فانهزمت خيل أبى عون، وأسر جماعتهم وصاحب أمرهم، فأتى مروان بالاسارى، فقال مروان لجماعته: شدوا أيديكم بالاسرى، فقد أجننا الليل، وبات مسرورا. فلما أصبح جعل يهنئ أصحابه للقاء القوم، فأقبل سليمان بن هشام، وأبو عون وكان مروان قد أرخى حبال الجسر، وتوسط أصحابه فيما هنالك وهم آمنون. فقال أبو عون للقبط (3): هل لهذا النهر من مخاضة، فقالوا له: ما علمنا ذلك، ولا بلغنا أن أحدا خاضه قط، فقطع عما قصد وأراد. فكتب إلى صالح بن علي بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بمراكب ساحل البحر عاجلا، فبينما هو في ذلك، إذ أتاه رجل من القبط فقال له: إن أبى كان يقرأ الكتاب، وكان يحدثنا بأمور تكون بعده، ويصف لنا موضعا يجعله الله لكم تخوض فيه الخيل عند تلك الامور، وقد اختبرت ذلك الليلة، فسر بذلك أبو عون، ثم بعث معه الخيل إلى ذلك الموضع، بعد أن وصله ووعده خيرا وكان مروان نظر إلى الرايات السود بناحية مصر، ونظر إلى الخيل تعدو النهر، ولا يشك أنهم لا يجدون سبيلا إلى عبوره، فلم ينشب أهل عسكر مروان أن نظروا إلى خيل أبى عون قد جاوزت النيل، فعبأ مروان أصحابه وأهل بيته، ثم خطبهم وحضهم على الصبر.


(1) المسودة: العباسيون لان شعارهم كان لبس الاسود (2) الزاب: نهر بالموصل ونهر بإربل ونهر بين سوراء وواسط، ولكنهم يطلقون الزاب هنا على مطلق النهر، بدليل قولهم إن بمصر زابا آخر وليس بمصر غير النيل (3) القبط: أهل مصر الاصليون. (*)

[ 120 ]

وقال لهم: إن الجزع لا يزيد في الاجل، وإن الصبر لا ينقص الاجل وأقبل القوم فاقتتلوا من وقت صلاة الصبح إلى أن مالت الشمس، فأصيب عبد الله ومحمد ابنا مروان وبنو أبيه أكثرهم، وولد عبد العزيز، وصابر القوم، فلما لم يبق حوله إلا قدر الثلاثين، حمل على القوم فأكردهم (1) ورجع، فجعل أصحابه يفترقون عنه. فلما رأى ذلك نزل عن فرسه وأنشأ يقول متمثلا: ذل الحياة وهول الممات * وكلا أراه وخيما وبيلا فإن كان لابد من ميتة * فسيرى إلى الموت سيرا جميلا فوثب رجل إلى فرسه فأخذه. فقال له مروان: أكرمه فإنه أشقر مروان. ثم كسر غمد سيفه، وقاتل قتالا شديدا، ثم أصيب، فنزل أبو عون، فأمر بضرب قبابه، وأمر سليمان ابن هشام بطلب المنهزمين، حتى أصيب عامتهم واستأسر منهم من استأسر، وكان فيمن أسر منهم عبد الحميد كاتبه، وحكم المكي مؤذنه، فاستبقاهما أبو عون، وبعث بهما إلى صالح بن علي، ثم أمر أبو عون بطلب جثة مروان على شاطئ النيل. فلما كان من الغد: ركب أبو عون وسليمان ابن هشام لينظرا مروان، فنظرا إليه، ثم تحول أبو عون إلى سليمان. فقال: الحمد لله الذى شفى صدرك قبل الموت من مروان، فهل لك يا أبا أيوب أن تذهب إلى أمير المؤمنين بكتابي وبما هيأ الله على يديك وشفا به صدرك، فيفعل بك خيرا، ويعرف من قرابتك ونصحك ما أنت أهله ؟ فرضى بذلك سليمان، فكتب وسار. فلما قدم سليمان بن هشام على أبى العباس أمير المؤمنين، رحب به وقربه واستلطفه، وأنزله بعض دور الكوفة، وفعل به ما لم يفعل بأحد سواه، من البر والاكرام، وكان سليمان يختلف إلى مائدة أبى العباس في كل يوم، فيتغدى معه، ويتعشى، وكان كأحد وزائه وفوقهم، وكان يجلس أبا جعفر عن يمينه، وسليمان عن يساره. قتل أبى سلمة الخلال قال: وذكروا أن أبا العباس لما تمت له الامور واستوثقت، استشار وزراءه في قتل أبى سلمة، فأدار القوم الرأي فيه، وكان أبو سلمة يظهر الا دلال والقدرة على أمير المؤمنين، وكان يقيم عنده في كل ليلة إلى حين من الليل، فإذا أراد الخروج والرجوع إلى منزله، قربت إليه دابته إلى المجلس، فيركب منه دون غيره، ثم يخرج إلى داره. فقالوا له: إنك إن قتلته ارتاب أبو مسلم، ولم تأمن أن يحدث لذلك حدثا، ولكن الرأى أن تكتب إليه بالذي رابك


(1) اكردهم: طردهم وجعلهم يجرون أمامه (*)

[ 121 ]

منه، والذي يريده من فسخ ما أنت فيه، فكتب إلى أبى مسلم بذلك، وكان أبو العباس وأبو جعفر لا يسميان عبد الرحمن (يعنى أبا مسلم إلا عما). فلما قدم الكتاب إلى أبى مسلم، كتب إلى أبى العباس: إن كان رابك منه ريب فاضرب عنقه. فلما أتاه الكتاب قال له وزراؤه: إنك لا تأمن من أن يكون ذلك غدرا من أبى مسلم، وأن يكون إنما يريد أن يجد السبيل إلى ما تتخوف منه، ولكن اكتب إليه أن يبعث إليك برجل من قواده يضرب عنقه. فكتب إليه بذلك، وذكر في كتابه: إني لا أقدم ولا أؤخر إلا برأيك. فبعث إليه برجل يقال له مرار الضبى. فلما قدم على أبى العباس أمر ذلك الضبى أن يقعد له في الظلمة، في داخل الامارة بالكوفة، فإذا خرج ضربه بالسيف برأسه، فقتله، ثم أمر بصلبه. فلما أصبح الناس إذا هم بأبى سلمة مصلوبا على دار الامارة. قتل رجال بنى أمية بالشام قال: وذكروا أن أبا العباس ولى عمه عبد الله بن علي، الذي يقال له السفاح: الشام، وأمره أن يسكن فلسطين، وأن يجد السير نحوها، وهنأه بما أصاب من أموال بنى أمية، وكتب إلى صالح بن علي أن يلحق بمصر واليا عليها. فقدم السفاح فلسطين، وتقدم صالح إلى مصر، فأتاها بعد قتل مروان بيومين، وأن السفاح بعث إلى بنى أمية، وأظهر للناس أن أمير المؤمنين وصاه بهم، وأمره بصلتهم، وإلحاقهم في ديوانه، ورد أموالهم عليهم، فقدم عليه من أكابر بنى أمية وخيارهم، ثلاثة وثمانون رجلا، وكان فيهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وأبان بن معاوية بن هشام، وعبد الرحمن بن معاوية، وغيرهم من صناديد بنى أمية. فأما عبد الرحمن بن معاوية، فلقيه رجل كان صنع به برا، وأسداه خيرا، وأولاه جميلا. فقال له: أطعني اليوم في كلمة، ثم اعصني إلى يوم القيامة. فقال له عبد الرحمن: وما أطيعك فيه اليوم ؟ فقال له الرجل: أدرك موضع سلطانك، وقاعدتك المغرب، النجاء النجاء، فإن هذا غدر من السفاح، ويريد قتل من بقى من بنى أمية. فقال له عبد الرحمن: ويحك إنه كتاب أبى العباس، قدم عليه، يأمره فيه بصلتنا، ورد أموالنا إلينا، وإلحاقنا بالعطاء الكامل، والرزق الوافر. فقال له الرجل: ويحك أتغفل ؟ والله لا يستقر ملك بنى العباس، ولا يستول على سلطان، ومنكم عين تطرف. فقال له عبد الرحمن: ما أنا بالذي يطيعك في هذا. فقال الرجل: أفتأذن لى أن أنظر إلى ما تحت ظهرك مكشوفا ؟ فقال له: وما تريد بهذا ؟ فقال له: أنت والله صاحب الامر بالاندلس، فاكشف لى، فكشف عبد الرحمن عن ظهره، فنظر الرجل فإذا العلامة

[ 122 ]

التى كانت في ظهره قد وجدت في كتب الحدثان (1)، وكانت العلامة خالا أسود عظيما مرتفعا على الظهر هابطا، فلما نظر إليه الرجل قال له: النجاء النجاء، والهرب الهرب، فإنك والله صاحب الامر، فاخرج فإنا معك، ومالى لك، ولى عشرون ألف دينار مصرورة، كنت أعددتها لهذا الوقت. فقال له عبد الرحمن: وعمن أخذت هذا العلم ؟ فقال الرجل: من عمك مسلمة بن عبد الملك. فقال له عبد الرحمن: ذكرت والله عالما بهذا الامر، أما لئن قلت ذلك لقد وقفت بين يديه وأنا غلام، يوم توفى أبى معاوية، وهشام يومئذ خليفة، فكشفت عن ظهرى، فنظر إلى ما نظرت إليه. فقال لهشام جدى وهو يبكى: هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك المغرب. فقال له هشام: وما الذى أبكاك يا أبا سعيد ؟ ألهذا تبكى ؟ فقال: أبكى والله على نساء بنى أمية وصبيانهم، كأنى بهم والله قد أبدلوا بعد أساورة الذهب والفضة الاغلال والحديد، وبعد الطيب والدهن البقل والعقار، وبعد العز الذل والصغار. فقال هشام: أحان زوال ملك بنى أمية يا أبا سعيد ؟ فقال مسلمة: إي والله حان، وإن هذا الغلام يعمر منهم، ثم يصير إلى المغرب فيملكها: فقال له الرجل: فاقبض منى هذا المال، واخرج بمن تثق به من علمانك. فقال عبد الرحمن: والله إن هذا الوقت ما يوثق فيه بأحد، فولى ذاهبا، وخرج لا يدرى متى خرج، فلحق بالمغرب، وأقبل القوم من بنى أمية، وقد أعد لهم السفاح مجلسا فيه أضعافهم من الرجال، ومعهم السيوف والاجرزة (2)، فأخرجهم عليهم، فقتلهم وأخذ أموالهم، واستعفى (3) عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان عبد الواحد قد بذ العابدين في زمانه، وسبق المجتهدين في عصره، فركب السفاح إلى أموال عبد الواحد، وكان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة، تطرد فيها المياه والعيون، فأمره السفاح أن يصيرها إليه، فأبى عليه، واختفى منه، فأخذ رجالا من أهله، فتواعدهم السفاح، وأمر بحبسهم حتى دلوه عليه. فلما قبضه أمر بقتله، ثم استقصى ماله، فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين، وكان أبو العباس يعرفة قبل ذلك، وكان عبد الواحد أفضل قرشي كان في زمانه عبادة وفضلا. فقال أبو العباس: رحم الله عبد الواحد، ما كان والله ممن يقتل لغائلة (4)، ولا ممن يشار إليه بفاحشة، وما قتلته إلا أمواله، ولولا أن السفاح عمى، وذمامه ورعاية حقه علي واجب، لاقدت منه (4)، ولكن


(1) كتب الحدثان: كتب التنجيم والاخبار بالمستقبل. (2) الاجرزه: جمع جرز: بضم الجيم وسكون الراء وهو عمود الحديد. (3) استعفى عبد الواحد: تركه فلم يقتله. (4) الغائلة: الداهية، والقتل غدرا وهو المراد هنا. (5) لاقدت منه: لاخذت منه القود وهو القصاص أي لقتلته قصاصا بقتله عبد الواحد. (*)

[ 123 ]

الله طالبه، وقد كنت أعرف عبد الواحد برا تقيا، صواما قواما. ثم كتب إلى عمه السفاح ألا يقتل أحدا من بنى أمية، حتى يعلم به أمير المؤمنين، فكان هذا أول ما نقم أبو العباس على عمه السفاح. ذكر قتل سليمان بن هشام قال: وذكروا أن عيسى بن عبد البر أخبرهم قال: كان سليمان بن هشام أكرم الناس على أبى العباس أمير المؤمنين، لحسن بلائه مع قحطبة، وقيامه معه على مروان ابن عمه، وكان هو الذي تولى كبره (1)، وقتل على يديه، فكان لذلك أخص الناس بأبى العباس، فبينما هما يوما وقد تضاحكا وتداعبا، إذ أتى رجل من موالى أبى العباس يقال له سديف، فناول أبا العباس كتابا فيه: أصبح الملك ثابت الآساس * بالبهاليل (2) من بنى العباس طلبوا وتر (3) هاشم فشفوها * بعد ميل من الزمان وياس (4) لا تقيلن عبد شمس (5) عثارا * واقطعن كل نخلة وغراس ذلها أظهر التودد منها * وبها منكم كحز المواسى (6) ولقد غاظنى وغاظ سوائى * قربهم من منابر وكراسى واذكرن مقتل الحسين وزيدا * وقتيلا بجانب المهراس (7) فقرأها أبو العباس، ثم قال له: نعم، ونعما عين وكرامة، سننظر في حاجتك، ثم ناول الكتاب أبا جعفر، ثم سلم سليمان بن هشام، ثم قام وخرج، فتطلع رجل من موالى بنى أمية. كانت له خاصة وخدعة في بنى العباس، فعرف بعض ما في الكتاب، فلما خرج من عند أمير المؤمنين مر بسليمان بن هشام في غرفة له بالكوفة فسلم، ثم قال لسليمان: من عندك


(1) تولى كبره: تحمل إثمة الكبير. (2) البهاليل: جمع بهلول وهو السيد الشريف. (3) الوتر: الثأر وشفوها: أرضوا نفوسها. (4) ياس: وهو البأس وعدم الامل أي بعد أن كانوا يائسين من الاخذ بثأرهم. (5) عبد شمس: هي قبيلة بنى أمية. (6) المواسى: جمع موسى وهي الشفرة التى يحلق بها الشعر. (7) المهراس موضع باليمامة. (*)

[ 124 ]

يا أبا أيوب، فقال له: ما عندي غير ولدى. فقال له: إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إنى لك من الناصحين. فخرج سليمان من ليلته هاربا، فلحق ببعض نواحى الجزيرة وكتب ألى مواليه وصنائعه، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فبعث إليه أبو العباس بعثا يقاتله، فانهزم ذلك البعث، ثم بعث إليه بعثا آخر، فهزمه إيضا. قال: فتنقل سليمان عن ذلك الموضع إلى غيره، ثم بعث إليه بعثا آخر، فأسر سليمان وولده، فأتى بهما أسيرين إلى أبى العباس، فأمر، فقطعت لهما خشبتان، رقمتا إليهما، فأمر بضرب رقابهما، وصلبهما. فقال سليمان لولده: لقدم يا بنى على مصيبتي بك، فتقهقر الغلام، ثم تقدم فقتل، ثم قتل سليمان، وصلبا على باب دار الامارة بالكوفة. خروج السفاح على أبى العباس وخلعه قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم قال: لما ولي السفاح الشام، واستصفى أموال بنى أمية لنفسه، أعجبته نفسه، وحسد ابن أخيه على الخلافة فأظهر الطعن على أبى العباس، والتنقص له. فلما بلغ ذلك أبا العباس، كتب إليه يعاتبه على ما كان منه، فزاده ذلك عجبا وحسدا بما فيه، فحبس الخراج، ودعا إلى نفسه، وخلع طاعته، ثم قرب موالى بنى أمية وأطمعهم، وسد ثغورهم (1)، وأبدى العزم، وأظهره على محاربة أبى العباس، فلما انتهت أخباره إلى أبى العباس، كتب إلى أبى مسلم يستغيثه، ويذكر عظيم يده عنده، ويسأله القدوم عليه لامر السفاح، فقدم أبو مسلم، فأقام عنده أياما، ثم خرج إلى السفاح ومعه أجناده وقواده، فلقى السفاح على الفرات فهزمه، واستباح عسكره، وأخذ أسيرا، فقدم به على أبى العباس. فلما قدم إليه، وأدخل عليه قال: يا عمى أحسنا وواسينا فحسدت وبغيت، وقد رأيت تعطفا عليك، وصلة لرحمك، أن أحبسك حبسا رفيقا، حتى تؤدب نفسك، ويبدو ندمك، ثم أمر فبنى له بيت. جعل أساسه قطع الملح، فحبسه فيه. فلما كان بعد أيام أرسل الماء حول البيت، فذاب الملح، وسقط البيت عليه، فمات فيه، ورد أبا مسلم إلى عمله بخراسان، فأقام فيها بقية عامه، ثم أخرج أبو العباس أبا جعفر واليا على الموسم، وخرج أبو مسلم أيضا حاجا من خراسان. اختلاف أبى مسلم على أبى العباس قال: وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر في ثلاثين رجلا إلى أبى مسلم، وكان فيهم الحجاج بن أرطاة الفقيه، والحسن بن الفضل الهاشمي، وعبد الله بن الحسين، فلما توجه


(1) سد ثغورهم، دافع عنهم ولم يترك أبوابا مفتوحة لاحراجهم. (*)

[ 125 ]

أبو جعفر إلى أبى مسلم بخراسان، وقدم عليه، استخف به بعض الاستخفاف، ولم يزد الاجلال له، وجعل يعظم في كلامه وفعله الخليفة، ولم يزل أبو مسلم يتخوف أن يصنع به مثل ما صنع بأبى سلمة الخلال، وكان لا يظهر ذلك لاحد. فلما قدم أبو جعفر عليه، ومعه الثلاثون رجلا، وفيهم عبد الله بن الحسين، قام إليه سليمان بن كثير. فقال: يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعوا إلى ما تريدون. فظن أنه دسيس من أبى مسلم، فخاف ذلك، فبلغ أبا مسلم أن سليمان بن كثير سامر عبد الله بن الحسين بن علي. فقال لسليمان: بلغني أنك سامرت هذا الفتى. قال: أجل، له قرابة وحق علينا وحرمة، فسكت. فأتى عبد الله ابن الحسين أبا مسلم فذكر له ذلك، وظن أنه إن لم يفعل اغتاله أبو مسلم. فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير، فقال له: أتحفظ قول الامام: من اتهمته فاقتله. قال نعم. قال: الامام. قد اتهمتك فقال: ناشدتك الله، قال: لا تناشدني وأنت منطو على غش فأمر فضربت عنقه، وكتب أبو مسلم إلى محمد بن الاشعث، أن يأخذ عمال أبى سلمة، فيضرب أعناقهم، واستعمل أبو العباس عيسى بن علي على فارس، فأخذه محمد فهم بقتله. فقيل لمحمد: إن هذا لا يسوغ لك. قال: أمرنى أبو مسلم أن لا يقدم علي أحد إلا ضربت عنقه. فقال: ما كان أبو مسلم ليفعل شيئا إلا بأمر الامام. فلما قدم أبو جعفر من عند أبى مسلم قال لابي العباس: لست بخليفة، ولا أمرك بشئ، إن لم تقتل أبا مسلم. فقال أبو العباس: وكيف ذلك ؟ قال: لا والله ما يعبأ بنا، ولا يصنع إلا ما يريد. فقال له أبو العباس: اسكت واكتمها. قتال بن هبيرة وأخذه قال: وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر إلى مدينة واسط، فقدم على الحسين ابن قحطبة وهو على الناس، وكتب أبو العباس إلى الحسين بن قحطبة: إن العسكر عسكرك، والقواد قوادك، فإن أحببت أن يكون أخى حاضرا، فأحسن موازرته (1) ومكانفته. وكتب إلى أبى نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك، وذكروا أن ابن هبيرة كان قد نصب الجسور بين المدينتين، فقالت اليمانية الذين مع ابن هبيرة: لا والله لا نقاتل على دعوة بنى أمية أبدا، لسوء رأيهم فينا، وبغضهم لنا، وقالت القيسية: لا والله لا نقاتل حتى يقاتل على اليمانية، فلم يكن يقاتل مع ابن هبيرة إلا صعاليك الناس، وأهل العطاء. وكان كثيرا ما يتمثل ويقول:


(1) موازرتة: مؤازرتة ومعاونته من الوزارة وهى المعاونة. (*)

[ 126 ]

الثوب إن أنهج فيه البلى * أعيا على ذى الحيلة الصانع كنا نرقعها إذا مزقت * فانسع الخرق على الراقع وكان من رأى ابن هبيرة أن لا يعطى طاعة لبنى العباس، وكان رأيه أن يدعو إلى محمد ابن عبد الله بن الحسين، فاطلع على ذلك أبو العباس، وخاف أن يثور اليمانية مع ابن هبيرة في ذلك. فكاتبهم أبو جعفر، وقال في كتابه لهم: السلطان سلطانكم، والدولة دولتكم، وكتب إلى زياد بن صالح الحارثى بذلك وكان عامل ابن هبيرة في المدينة، مكان عامله قبل ذلك على الكوفة، فأجاب زياد بن صالح، وذلك لما خاف أن يدخل المدينة فيقتل بها. فلما كان مغيب الشمس قاموا إليه. فلما صلى المغرب، ركب فطاف في مسالحه (1) وأبوابه، فرجع عتمة، فتعشى، ثم صلى. فأقبل على بن الهيثم فقال: والله ما أخلف غصة أعظم ولا أهم إلي منك، لانك مع هؤلاء، ولست أدرى ما يكون بعد اليوم، وأرى الامر قد استتب لهؤلاء القوم في المشرق والمغرب، ولكن إن لقيت أبا العباس أعلمته من أمرك مثل الذى أعلمته من أمرى. قال: ما أخاف تقصيرك، ثم قال: لست أثق بولد ولا بغيره، ثقتى بك فيما أريد أن أوطده، تأخذ مفاتيح هذه المدينة، حتى تصبح فتأتى بها ابن هبيرة. فقلت: انظر ما تصنع في خروجك، أتثق بالقوم ؟ قال: نعم، قد جرى بينى وبينهم ما أثق به، وأتانى كتاب أبى العباس بكل ما أحب، وكتاب أبى جعفر. فقلت: يا أبا الربيع، أخاف أن لا يوفى لك. فلما أدهم (2) الليل وانتصف قام فصلى ركعات، ثم أمر غلمانه فحملوا متاعه على أربعة بغال، ثم أخرج أربعة غلمان له، وابنه ثابت على برذون له، ثم خرج وأغلق الباب. فلما انتهى الخبر إلى ابن هبيرة بكى وقال: ما يوثق بأحد بعد زياد بن صالح، وبعد إيثارى إياه، وإكرامى وتفصيلي له، وما صنعت به. قلت: هو هنالك، والله خير لك منه ها هنا. قال: وترى ذلك ؟ قلت: نعم. قال: ثم مشت الكتب والرسل بينهم أي بين أبى جعفر وابن هبيرة حتى صار أمرهم إلى أن بلقاه، ونهض ابن هبيرة إليهم، وتخلى مما بيده لهم. كتاب الامان قال: وذكروا أن رجلا من قيس يقال له أبو بكر بن مصعب العقيلى، سعى في كتاب الصلح والامان عند أبى جعفر، حتى تم له، فأتى ابن هبيرة، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم،


(1) المسالح: جمع مسلحة بفتح الميم واللام وسكون السين: الثغر وهو المكان الذى يكون عليه الحراس خوف دخول الاعداء. (2) أدهم الليل: اشتد سواده وإظلامه (*)

[ 127 ]

هذا كتاب من عبد الله بن محمد بن علي أبى جعفر، ولي أمر المسلمين، ليزيد بن هبيرة، ومن معه من أهل الشام والعراق، وغيرهم في مدينة واسط (1) وأرضها، من المسلمين والمعاهدين، ومن معهم من وزرائهم: إني أمنتكم بأمان الله الذي لا إله إلا هو، الذي يعلم سرائر العباد وضمائر قلوبهم، ويعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور، وإليه الامر كله، أمانا صادقا لا يشوبه غش، ولا يخالطه باطل، على أنفسكم وذراريكم وأموالكم، وأعطيت يزيد بن عمر بن هبيرة، ومن أمنته في أعلى كتابي هذا بالوفاء، بما جعلت لهم من عهد الله وميثاقه، الذي واثق به الامم الماضية من خلقه، وأخذ عليهم به أمره عهدا خالصا مؤكدا، وذمة الله، وذمة محمد ومن مضى من خلفائه الصالحين، وأسلافه الطيبين التى لا يسع العباد نقضها، ولا تعطيل شئ منها، ولا الاحتقار بها، وبها قامت السموات والارض والجبال، فأبين أن يحملنا، وأشفقن منها، تعظيما لها، وبها حقنت الدماء، وذمة روح الله وكلمته عيسى بن مريم، وذمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط، وذمة جبريل وميكائيل وإسرافيل، وأعطيتك ما جعلت له من هذه العهود والمواثيق، ولمن معك من المسلمين، وأهل الذمة بعد استثمارى فيما جعلت لك منه عبد الله بن محمد أمير المؤمنين أعز الله نصره، وأمر بإنفاذه لكم، ورضى به، وجعله لكم وعلى نفسه، وتسليم ذلك من قبله من وزرائه وقواده، وأنصار الحق من شيعته، من أهل خراسان، فأنت وهم آمنون بأمان الله، ليس عليك حد، ولا تؤاخذ بذنب أتيته، وكنت عليه في خلاف أو مناوأة، أو قتل أو زلة، أو جرم أو جناية، أو سفك دماء خطأ أو عمدا، أو أمر سلف منك أو منهم، صغيرا أو كبيرا في سر أو علانية، ولا ناقض عليك ما جعلت لك من أمانى هذا، ولم أخنك فيه، ولا ناكث عنه، وأذنت لك في المقام في المدينة الشرقية إلى الاجل الذي سألت، ثم اسلك حيث بدا لك من الارض آمنا مطمئنا، مكلوءا (2) أنت ومن سألته أن يؤذن له في المسير معك. ومن تبعك، وأهل بيتك. والخمس مئة رجل على ما سألت من دوابهم وسلاحهم، ولباس البياض لا يخافون غدرا، ولا إخفارا (3) بك حيث أحببت، من بر أو بحر، وانزل حيث شئت من الارض إلى أن تنتهى إلى منزلك من أرض الشام، فأنت آمن بأمان الله، ممن مررت بهم من عمالنا


(1) واسط: بلد بالعراق. (2) مكلوءا: مرعيا ملحوظا برعاية الله وبرعايتنا. (3) الاخفار: نقض العهد وعدم الوفاء به. (*)

[ 128 ]

ومسالحنا (1) ومراصدنا، ليس عليك شئ تكرهه في سر ولا علانية، ولك الله الذي لا إله إلا هو، لا ينالك من أمر تكرهه في ساعة من ساعات الليل والنهار، ولا أدخل لك في أمانى الذى ذكرت لك غشا ولا خديعة ولا مكرا. ولا يكون منى في ذلك دسيس بشئ مما تخافه على نفسك ؟ ولا خديعة في مشرب، ولا مطعم ولا لباس، ولا أضمر لك عليه نفسي إلى ارتحالك من مدينة واسط إلى دخولك على عسكري، والغدو والرواح إذا بدا لك، والدخول أي ساعات من ساعات الليل والنهار أحببت، فاطمئن إلى ما جعلت لك من الامان، والعهود والمواثيق، وثق بالله وبأمير المؤمنين فيما سلم منه، ورضى به، وجعلته لك ولمن معك على نفسي، ولك علي الوفاء بهذه العهود والمواثيق والذمم، أشد ما أخذه الله وحرمه. وما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه جعله كتابا مببنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونورا وحجة على العباد، حتى ألقى الله وأنا عليه، وأنا أشهد الله وملائكته ورسله، ومن قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين والمعاهدين بقبول هذه العهود والمواثيق، وإقرارى بها على نفسي وتوكيدي فيها، وعلى تسلبمى لك ما سألت ولا يغادر (2) منها شئ، ولا ينكث عليك فيها، وأدخلت في أمانك هذا جميع من قبلى من شيعة أمير المؤمنين من أهل خراسان، ومن لامير المؤمنين عليه طاعة من أهل الشام والحرب وأهل الذمة، وجعلت لك أن لا ترى منى انقباضا ولا مجانبة ولا ازورار (3)، ولا شيئا تكرهه في دخولك علي إلى مفارقتك إياى، ولا ينال أحدا معك أمر يكرهه، وأذنت لك ولهم في المسير والمقام، وجعلت لهم أمانا صحيحا، وعهدا وثيقا، وإن عبد الله بن محمد إن نقض ما جعل لكم في أمانكم هذا، فنكث أو غدر بكم أو خالف إلى أمر تكرهه، أو تابع على خلافه أحدا من المخلوقين في سر أو علانية، أو أضمر لك في نفسه غير ما أظهر لك، أو أدخل عليك شيئا في أمانه، وما ذكر لك من تسليم أمير المؤمنين أو التماس الخديعة والمكر بك، وإدخال المكروه عليك، أو نوى غير ما جعل لك من الوفاء لك به، فلا قبل الله منه صرفا ولا عدلا (4)، وهو برئ من محمد بن علي وهو يخلع أمير المؤمنين، ويتبرأ من طاعته، وعليه ثلاثون حجة يمشيها من موضعه الذى هو به من مدينة واسط إلى بيت الله


(1) المسالح: الثغور كما سبق (2) لا يغادر منها شئ: لا يترك منها شئ وإنما تسلم إليك كاملة (3) الازورار: البعد والجفاء (4) صرفا ولا عدلا: أي لا يقبل الله منه شيئا مطلقا من عمله (*)

[ 129 ]

الحرام الذى بمكة حافيا راجلا وكل مملوك يملكه من اليوم إلى ثلاثين حجة بشراء أو هبة أحرار لوجه الله، وكل امرأة له طالق ثلاثا، وكل ما يملكه من ذهب أو فضة أو متاع أو دابة أو غير ذلك، فهو صدقة على المساكين، وهو يكفر بالله وبكتابه المنزل على نبيه، والله عليه بما وكد (1)، وجعل على نفسه في هذه الايمان راع وكفيل، وكفى بالله شهيدا. قالوا: وكان من رأى أبى جعفر الوفاء لابن هبيرة وأصحابه. قدوم ابن هبيرة على أبى العباس قال: وذكروا أن ابن هبيرة وأصحابه لما جاءهم الكتاب بالامان، ترددوا فيه أربعين يوما يتدبرونه، ويستخيرون الله في الخروج إليهم، ثم عزم الله له في القدوم على أبى العباس وأبى جعفر، وكان أبو مسلم كثيرا ما كتب لابي العباس إنه قل طريق سهل يلقى فيه حجارة إلا أضر ذلك بأهله، ولا والله يصلح طريق فيه ابن هبيرة وأصحابه، وكان أبو الجهم بن عطية عين أبى مسلم على أبى العباس فكان يكتب إليه بالاخبار، وكان أبو العباس لا يقطع أمرا دون رأى أبى مسلم، وقد كان ابن هبيرة في تلك الاربعين ليلة يجمع لذلك الكتاب ممن يعبر الكلام والفقه طرفي النهار، فيترددون فيه، حتى بلغوا فيه الغاية التي يريدون، ثم خرج ابن هبيرة إلى أبى جعفر في ألف وثلاث مئة. فلما قدم أراد أن يدخل دار الامارة على دابته. فقام الآذن فقال: مرحبا بك أبا خالد، انزل راشدا، وقد طاف بالدار يومئذ نحو من عشرة آلاف رجل من أهل خراسان، متلئمين في السلاح، أعينهم تزهو من تحت المغافر (2)، على عواتقهم السيوف مشهورة، وعمد الحديد بأيديهم. فأتى ابن هبيرة بوسادة، فطرحت له، فجلس عليها، ثم دعا الحاجب بالقواد، فدخلوا على أبى جعفر، ثم خرج سلام بن سلام فقال: ادخل يا أبا خالد. قال: ومن معى ؟ قال: إنما استأذنت لك، فدخل، فوضعت له وسادة فجلس، فحدثه أبو جعفر طويلا ثم نهض فركب، فأتبعه أبو جعفر بصره حتى انصرف. قتل ابن هبيرة قال: وذكروا أن أبا العباس كتب إلى أبى جعفر: أن اقتل ابن هبيرة، فراده أبو جعفر بالكتاب. فكتب إليه أبو العباس: والله لتقتلنه أو لابعثن إليك من يخرجه من عندك، ويتولى


(1) وكد: أكد وثبت. (2) المغافر: جمع مغفر بكسر الميم وسكون الغين، وهو زرد من الحديد منسوج على هيئة حلقات يلبسه المحارب تحت القلنسوة على رأسه ووجهه. (*)

[ 130 ]

ذلك عليك. وكان ابن هبيرة إذا ركب إلى أبى جعفر، ركب في ثلاث مئة فارس، وخمس مئة راجل، فقدم يزيد بن حاتم على أبى جعفر، فقال: أصلح الله الامير، ما ذهب من سلطان ابن هبيرة شى، يأتينا فيتضعضع (1) به العسكر. فقال أبو جعفر، يا سلام قل لابن هبيرة لا يركب في مثل تلك الجماعة، وليأتينا في حاشيته. قال عدي: فأصبحنا، فخرج ابن هبيرة أيضا في مثل تلك الجماعة الذين كانوا يركبون معه، فخرج إليه سلام فقال: يقول لك الامير ما هذه الجماعة ؟ لا تسيرن إلا في حاشيتك، فتغير وجه ابن هبيرة. فلما أصبح أتى في نحو من ثلاثين رجلا قال له سلام: كأنك إنما تأتينا مباهيا. فقال ابن هبيرة: إن أحببتم أن نمشي إليكم فعلنا. فقال سلام: ما نريد بذلك استخفافا بك، ولكن أهل العسكر إذا رأوا جماعة من معك غمهم ذلك، فكان هذا من الامير نظرا لك، فمكث طويلا جالسا في الرواق. فقيل له: إن الامير يحتجم، فانصرف راشدا، فلم يزل يركب يوما ويقيم آخر، لا يجئ إلا في رجلين أو غلامه، وقد ختموا على الخزائن وبيوت الاموال، وجعل القواد يدخلون علي أبى جعفر فيقولون: ما تنتظر به ؟ فيقول: ما أريد إلا الوفاء له حتى إذا اجتمع أمرهم على قتلته، بعث إلى الحسين بن قحطبة فأتاه. فقال: لو سرت إلى هذا الرجل فأرحتنا منه. فقال: لا نريد ذلك، ولكن ابعث إليه رجلا من قومه من مضر حتى يقتله، فتتفرق كلمتهم عند ذلك، فدعا حازم بن خزيمة، والهيثم بن شعبة. قال لهم أبو جعفر: ائتوا إلى ابن هبيرة فجددوا على بيوت المال الختم، وعلى الخزائن، وبعث معهما من المضرية والقيسية أن يحضروا الاذن، وأريحونا من الرجل، ففعلوا، ثم دخلوا رحبة القصر في مئة رجل، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد حمل ما بقى في الخزائن. فقال: ادخلوا، فدخلوا الخزائن فطافوا بها ساعة، وجعلوا يخلفون عند كل باب عدة حتى دخلوا عليه. فقالوا: أرسل معنا من يدلنا على المواضع وبيوت الاموال. فقال: يا عثمان أرسل معهم من يريدون، فطاف حازم وأصحابه في القصر ساعة، وابن هبيرة عليه قميص له مصرى، وملاءة موردة، وهو مسند ظهره إلى حائط المسجد في رحبة القصر، ومعه ابن داود، وحاجبه، وكاتبه عمر بن أيوب، وعدة من مواليه وبنيه، وفي حجر ابن هبيرة ولد صغير. فلما توثقوا من كل شئ أقبلوا نحوه، فلما رآهم قد أقبلوا إليه قال: والله إن في وجوه القوم لشرا. فلما دنوا منه قام أبو عثمان فقال: ما وراءكم ؟ فنضحه الهيثم بالسيف، فأصاب حبل عاتقه، فصرعه، وقام ابنه داود فقاتل، فتفرقوا عليه فقتلوه ومواليه، ثم مضوا نحو ابن هبيرة فخر ساجدا، وقال:


(1) يتضعضع به العسكر: يضعف وينكسر قلبه. (*)

[ 131 ]

ويحكم ! نحوا عنى هذا الصبي لا يرى مصرعي. قال: فضرب حتى مات ساجدا، ثم أخذوا رؤوسهم فأتوا بها أبا جعفر، ونادى المنادى بواسط: أمن الامير خلق الله جميعا إلا الحكم بن بشر، وعمرو بن ذر. قال: فضاقت علي والله الارض بما رحبت حتى خرجت، على دابتي مالى هجير (1) إلا آية الكرسي أتلوها، والله ما عرض لى أحد حتى تواريت، فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد الله ابن العباس فأمنه، وهرب الحكم بن عبد الله بن بشر إلى عسكره، وضاقت بخالد بن مسلمة الارض حتى أتى أبا جعفر، فاستأذن عليه فأمنه. وبلغ ذلك أبا العباس. فكتب إلى أبى جعفر: والله لو كانت له ألف نفس لاتيت عليها، اضرب عنقه، فهرب أبو علافة الفزاري، وهشام بن هبيرة، وصفوان بن يزيد، فلحقهم سعد بن شعيب فقتلهم، وقبض على أصحاب ابن هبيرة، فقتل من وجوههم نحوا من خمسين، ثم أمن الناس جميعا، ونادى منادى أبى جعفر: من أراد أن يقيم فليقم بالجابية (2)، ومن أحب أن يشخص فليشخص، وهرب القعقاع بن ضرار وحميد وعدة، حتى أتوا زياد بن عبد الله، فاستأمن لهم، فأمنوا جميعا، وقوى ملك بنى العباس، واستقرت قواعده. فلما قتل ابن هبيرة، ونودى في أهل الشام: الحقوا شامكم، فلا حاجة لنا بكم، فسار أهل الشام حتى قدموا الكوفة، منهم من قدم، ومنهم من أخذ على عين التمر (3)، ومنهم من أخذ على طريق المدائن (4)، ثم لحقوا بالشام على طريق الفرات. واستعمل أبو جعفر على واسط ومن فيها الهيثم بن زياد، وخلف معه خيلا، ثم انصرف أبو جعفر إلى أبى العباس، وهو يومئذ بالحيرة (5)، ثم وجه داود بن علي إلى الحجاز، فقتل من ظفر به من بنى أمية وغيرهم، فتوجه إلى المثنى بن زياد بن عمر بن هبيرة باليمامة، فقتله وأصحابه، ثم تبعهم محمد بن عمارة، وكان على الطائف فقتلهم، وتحول أبو العباس من الحيرة إلى الانبار (6)، فأمر أبو العباس برأس ابن هبيرة فوضع بالحيرة على خشبة، ومعه غيره من عمال مروان، وبها رفع رأس مروان بن محمد، وعن يمينه رأس ثعلبة بن سلامة، ورأس عثمان بن أبى شعيب عن يساره، وانقطعت شيعة بنى أمية، وطلبوا تحت كل حجر ومدر.


(1) الهجير والهجيمرى: بكسر الهاء وتشديد الجيم: العادة الدائمة والمعنى مالى عمل دائم إلا تلاوة آية الكرسي باستمرار. (2) الجابية: قرية بدمشق. (3) عين التمر: موضع قرب الكوفة. (4) المدائن: بلد صغيرة قرب بغداد. (5) الحيرة: بلد قرب الكوفة. (6) الانبار: بلد بالعراق. (*)

[ 132 ]

اختلاف أبى مسلم على أبى العباس قال: وذكروا لنا أن أبا مسلم كتب إلى أبى العباس يستأذنه في القدوم عليه فقدم عليه، فتلقاه الناس جميعا، ومعه القواد والجماعة، والخيل والنجائب، ثم استأذن أبا العباس في الحج، فقال: لولا أن أبا جعفر يحج لاستعملتك على الموسم. واستعمل أبا جعفر على الموسم، فقال أبو جعفر لابي العباس: أطعنى واقتل أبا مسلم، فو الله إن في رأسه لغدرة. فقال له: أي أخى، قد عرفت بلاءه. وما كان منه. فقال أبو جعفر: هو أخطأ بذلك، والله لو بعثت سنورا مكانه لبلغ ما بلغ في ميل الدولة. قال أبو العباس: كيف تقتله ؟ قال: إذا دخل عليك فحادثه، فإذا أقبل عليك دخلت فأتيت من خلفه، فضربته ضربة آتى منها على نفسه. فقال أبو العباس: أي أخى، فكيف تصنع بأصحابه الذين يؤثرونه على أنفسهم ودينهم ؟ قال: يئول ذلك إلى خير، وإلى ما تريد. قال: يا أخى، إنى أريد أن تكف عن هذا. فقال أبو جعفر: أخاف إن لم تتغده (1) يتعشاك. فقال أبو العباس: فدونكه يا أخى. قال: وكان مع أبى مسلم من أهل خراسان عشرة آلاف، قد قدم بهم، يأخذون العطاء عند غرة كل شهر، أوفر ما يكون من الارزاق سوى الاعاجم. فلما دخل أبو مسلم على أبى العباس، دعا أبو العباس خصيا له. فقال: إذهب فاعرف ما يصنع أبو جعفر، فأتاه فوجده محتفيا بسيفه. فقال أبو جعفر: أجالس أمير المؤمنين، فقال الوصيف: قد تهيأ للجلوس، ثم رجع الوصيف فذكر ذلك لابي العباس، فرده أيضا إلى أبى جعفر، وقال: قل له: عزمت عليك أن لا تنفذ الامر الذى عزمت عليه، فكف عن ذلك. فسار إلى مكة حاجا وللموسم. وخرج أبو مسلم، فكان إذا كتب إلى أبى جعفر يبدأ بنفسه، ثم يكتب إليه: لا يهولنك ما في صدر الكتاب، فإني لك بحيث تحب، ولكني أحب أن يعلم أهل خراسان أن لي منزلة عند أمير المؤمنين. كتاب أبي مسلم إلى أبى جعفر وقد هم أن يخلع ويخالف قال: وذكروا أن أبا مسلم لما رجع من عند أبي العباس، وقد قيل له بالعراق إن القوم أرادوك، لولا توقعوا ممن معك من أهل خراسان، فلما كان في بعض الطريق كتب إلى أبى جعفر: أما بعد، فإنى كنت اتخذت أخاك إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه، وكان في محله من العلم، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله بحيث كان، فقمعني


(1) أي أخاف إن لم تسبق بقتله أن يقتلك هو، أو يخلعك. (*)

[ 133 ]

بالفتنة، واستجهلنى بالقرآن، فحرفه عن مواضعه، طمعا في قليل قد نعاه الله إلى خلقه، فمثل لي الضلالة في صورة الهدى، فكان كالذي دلى بغرور، حتى وترت (1) أهل الدين والدنيا في دينهم، واستحللت بما كان من ذلك من الله النقمة، وركبت المعصية في طاعتكم، وتوطئة سلطانكم، حتى عرفكم من كان يجهلكم، وأوطأت غيركم العشواء (2) بالظلم والعدوان، حتى بلغت في مشيئة الله ما أحب. ثم إن الله بمنه وكرمه أتاح لي الحسنة، وتداركني بالرحمة، واستنقذني بالتوبة، فإن يغفر فقديما عرف بذلك، وإن يعاقب فبما قدمت يداى، وما الله بظلام للعبيد. فكتب إليه أبو جعفر: يا عم، أروم ما رمت، وأزول حيث زلت، ليس لي دونك مرمى، ولا عنك مقصر (3)، الرأى ما رأيت، إن كنت أنكرت من سيرته شيئا، فأنت الموفق للصواب، والعالم بالرشاد، أنا من لا يعرف غير يدك، ولم يتقلب إلا في فضلك، فأنا غير كافر بنعمتك، ولا منكر لاحسانك لا تحمل علي إصر غيرى، ولا تلحق ما جناه سواى بي، إن أمرتنى أشخص إليك، وألحق بخراسان فعلت. الامر أمرك. والسلطان سلطانك، والسلام. موت أبي العباس واستخلاف أبى جعفر قال: وذكروا أن أبا جعفر لما انقضى الموسم، وانصرف راجعا: جاءه موت أبى العباس وكان بينه وبين أبى مسلم مرحلة. فكتب إلى أبى مسلم: إنه قد حدث حدث ليس مثلك غائب عنه، فالعجل العجل. قال إسحاق بن مسلم: فقلت لابي جعفر وأنا أسايره، ونحن مقبلون من مكة: أيها الرجل، لا ملك لك، ولا سلطان مع هذا العبد. فقال أبو جعفر: ظهر غشك، وبدا منك ما كنت تكتم، بأبى مسلم يفعل هذا ؟ قلت: نعم، فإنى أخاف عليك منه يوم سوء فقال: كذبت. قال إسحاق: فسكت ثم لقيته بعد ذلك من الغد، ولا والله ما عرفتها فيه، وعاودني بمثل كلامه الاول، فقلت له: أكثر أو أقل، إن لم تقتله والله يقتلك. قال: فهل شاورت في هذا أحدا ؟ قلت: لا، قال: اسكت، فسكت. فقدم الكوفة، فإذا عيسى بن موسى قد سبقه إلى الانبار، وغلب على المدينة والخزائن، وبيوت الاموال والدواوين، وخلع


(1) وترت أهل الدين والدنيا: أصبت منهم شيئا يطلبونني بثأره. (2) أوطأت غيركم العشواء: الظلمة: أي جعلت غيركم في ظلام وهم لا يدرى المخرج منه. (3) المقصر: القصور: أي لا أستطيع أن أبتعد عنك ولا أمتنع عليك. (*)

[ 134 ]

عبد الله، وتوثب على أبى جعفر، ودعا أهل خراسان فألحقهم باليمن، وجعل لهم الجعائل (1) الجليلة، والعطايا الجزيلة، فلما قدم أبو جعفر، سلم الامر لعيسى بن موسى، وتوثب عبد الله ابن علي على أهل خراسان بالشام، فقتلهم ودعا إلى نفسه، وأتاه أبو غانم عبد الحميد بن ربعى. فقال: إن أردت أن يصفو لك الامر فاقتل أهل خراسان، وابدأ بى. فلما قدم أبو جعفر من مكة قال لابي مسلم: إنما هو أنا وأنت، والامر أمرك، فامض إلى عبد الله بن علي وأهل الشام. فلما سار إليه أبو مسلم، سار معه القواد وغيرهم، فلقى عبد الله بن علي وأهل الشام فهزمهم، وأسر عبد الله بن علي، وبعث به إلى أبى جعفر، فاستنكر أبو جعفر قعود أبى مسلم عنه، فبعث إليه يقطين بن موسى ورجلا معه على القبض (2). فقال أبو مسلم: لا يوثق بى بهذا ونحوه فوثب وشتم، وقال قولا قبيحا. فقال له يقطين بن موسى: جعلت فداك، لا تدخل الغم على نفسك، إن أحببت رجعت إلى أمير المؤمنين، فإنه إن علم أن هذا يشق عليك لم يدخل عليك مركوها. ثم قدم أبو جعفر من الانبار حتى قدم المدائن، وخرج أبو مسلم فأخذ طريق خراسان مخالفا لابي جعفر. فكتب إليه أبو جعفر: قد أردت مذاكرتك في أشياء لم تحملها الكتب، فأقبل فإن مقامك عندنا قليل. فلم يلتفت أبو مسلم إلى كتابه. فبعث إليه أبو جعفر: جرير ابن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلى، وكان أبو مسلم يعرفه. فقال له: أيها الامير، ضربت الناس عن عرض لاهل هذا البيت، ثم تنصرف على مثل هذه الحال، إن الامر عند أمير المؤمنين لم يبلغ ما تكره، ولا أرى أن تنصرف على هذه الحال، فيقول أبو مسلم: ويحك إنى دليت بغرور (3)، وأخاف عدوه (4). قتل أبى مسلم قال: وذكروا أن جريرا لم يزل بأبى مسلم حتى أقبل به، وكان أبو مسلم يقول: والله لاقتلن في الروم، فأقبل منصرفا، فلما قدم على أبى جعفر وهو يومئذ بالروميه من المدائن، أمر الناس يتلقونه، وأذن له فدخل على دابته، ورحب به وعانقه، وأجلسه معه على السرير،


(1) الجعائل: جمع جعيله وهى ما يجعل من المال في نظير عمل يقوم به الانسان. (2) أي قبض الغنائم. (3) دليت بغرور: خدعت في الامر. (4) عدوه: بفتح العين وسكون الدال اعتداءه علي. (*)

[ 135 ]

وقال له: كدت أن تخرج ولم أفض إليك بما تريد. فقال: قد أتيت يا أمير المؤمنين، فليأمرني بأمره. قال: انصرف إلى منزلك، وضع ثيابك وادخل الحمام، ليذهب عنك كلال السفر، وجعل أبو جعفر ينتظر به الفرصة، فأقام أياما يأتي أبا جعفر كل يوم، فيريه من الاكرام ما لم يره قبل ذلك، حتى إذا مضت له أيام أقبل على التجنى. فأتى أبو مسلم إلى عيسى بن موسى، فقال: اركب معى إلى أمير المؤمنين، فإنى قد أردت عتابه بمحضرك. فقال عيسى: أنت في ذمتي، فأقبل أبو مسلم، فقيل له: ادخل. فلما صار إلى الزقاق الداخلي، قيل له إن أمير المؤمنين يتوضأ، فلو جلست ؟ فجلس، وأبطأ عيسى بن موسى عليه، وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك، وهو على حرسه في عدة، فيهم شبيب بن رياح، وأبو حنيفة حرب بن قيس، فتقدم أبو جعفر إلى عثمان فقال له: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا. وجعل عثمان وأصحابه في ستر خلف أبى مسلم في قطعة من الحجرة، وقد قال أبو جعفر لعثمان بن نهيك: إذا صفقت بيدى فدونك يا عثمان. فقيل لابي مسلم: أن قد جلس أمير المؤمنين، فقام ليدخل، فقيل له: انزع سيفك فقال: ما كان يصنع بى هذا. فقيل: وما عليك ؟ فنزع سيفه، وعليه قباء أسود، وتحته جبة خز، فدخل فسلم، وجلس على وسادة ليس في المجلس غيرها، وخلف ظهره القوم خلف ستر. فقال أبو مسلم: صنع بى يا أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد، نزع سيفى من عنقي. قال: ومن فعل ذلك قبحه الله ؟ ثم أقبل يعاتبه، فعلت وفعلت، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يقال مثل هذا لى على حسن بلائى، وما كان منى ؟ فقال له أبو جعفر: يا بن الخبيثة، والله لو كانت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت في دولتنا، ولو كان ذلك ذلك إليك ما قطعت فتيلا. ألست الكاتب إلى تبدأ بنفسك، والكاتب إلي تخطب آمنة ابنة علي ابن عمى، وتزعم أنك أبو مسلم بن سليط بن عبد الله بن العباس، لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقي صعبا. قال: وأبو جعفر ترعد يده، فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: يا أمير المؤمنين، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلى، فإن قدري أصغر ممبلغ منك هذا. فصفق أبو جعفر بيده، فخرج عثمان بن نهيك، فضربه ضربة خفيفة فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبى جعفر يقبلها ويقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، استبقني لاعدائك، فدفعه برجله وضربه شبيب على حبل العاتق (1)، فأسرعت فيه، فقال أبو مسلم: وانفساه: ألا قوة ؟ ألا مغيث ؟ وصاح أبو جعفر: أضرب لا أم لك، فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه، فأمر به أبو جعفر، فكفن بمسح (2)،


(1) العاتق: الكتف، وحبله عظمة التوقوة وهى الواصلة من رأس العضد إلى أعلى القصبة الهوائية. (2) المسح: ثوب خشن. (*)

[ 136 ]

ثم وضع في ناحية، ثم قيل: إن عيسى بن موسى بالباب، فقال: أدخلوه. فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين، فأين أبو مسلم ؟ قال: كان ها هنا آنفا فخرج. فقال عيسى: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته، ورأى إبراهيم الامام فيه. قال له أبو جعفر: يا أنوك (1) والله ما أعرف عدوا أعدى لك منه: ها هو ذا في البساط. فقال عيسى إنا لله وإنا إليه راجعون، فأقبل إسحاق صاحب شرطته قال: إنما كان أبو مسلم عبد أمير المؤمنين وأمير المؤمنين أعلم بما صنع. فأمر أبو جعفر برأسه، فطرح إلى من بالباب من قواد أبى مسلم، فجالوا جولة، وهموا أن يبسطوا سيوفهم على الناس، ثم ردهم عن ذلك انقطاعهم من بلادهم وتغربهم وإحاطة العدو بهم، فبعضهم اتكأ على سيفه فمات، وبعضهم ناصب وأراد القتال. فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك، أمر بالعطاء لاصحاب أبى مسلم، وأجزل الصلات للقواد والرؤساء منهم، ثم عهد إليهم أن من أحب منكم أن يكون معنا ها هنا، نأمر بإلحاقه في الديوان، في ألف من العطاء، ومن أحب أن يلحق بخراسان كتبناه في خمس مئة ترد عليه في كل عام وهو قاعد في بيته. قال: فكأنها نار طفئت. فقالوا: رضينا يا أمير المؤمنين كل ما فعلت، فأنت الموفق. فمنهم من رضى بالمقام معه، ومنهم من لحق بخراسان. ثورة عيسى بن زيد بن على بن الحسين قال: وذكروا أن أبا جعفر لما قتل أبا مسلم، واستولى على ملك العراقين (2) والشام، والحجاز، وخراسان، ومصر، واليمن، ثار عليه عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبى طالب، فقاتله فيما بين الكوفة وبغداد، ولقيه في جموع كثيرة، نحوا من عشرين ومئة ألف، فأقام أياما يقاتله في كل يوم، حتى هم أبو جعفر بالهزيمة، وركب فرسه ليهرب، ثم جعل يشجع أصحابه، ويعدهم بالعطايا الواسعة، والصلات الجزيلة، فقاتلوا، ثم إن أبا جعفر غلبته عيناه وهو على فرسه، فرأى في نومه أنه يمد يديه ورجليه على الارض. فاستيقظ ودعا عبارا كان معه، فأخبره بما رأى. فقال له: أبشر يا أمير المؤمنين فإن سلطانك ثابت، وسيليه بعدك جماعة من ولدك، وهذا الرجل منهزم، فما كان بأسرع من أن نظر إلى عيسى ابن زيد منهزما.


(1) الانوك: الاحمق. (2) العراقين تثنية عراق: وهما عراقان أحدهما من عبادان إلى الموصل، والثانى من القادسية إلى حلوان ويطلق العراقان على البصرة والكوفة. (*)

[ 137 ]

هروب مالك بن الهيثم وذكروا أن مالك بن الهيثم خرج هاربا حتى أتى همدان، وعليها يومئذ زهير بن التركي مولى خزاعة، فكتب إليه أبو جعفر: إن الله مهرق دمك إن فاتك مالك، فجاء زهير بن التركي إلى مالك بن الهيثم، فقال له: جعلت فداك، قد أعددت لك طعاما، فلو أكرمتني بدخولك منزلي. فقال له: نعم، وكان قد هيا له زهير أربعين رجلا، فلما دخل مالك قال لزهير: عجل طعامك، وقد توثق زهير من الباب، وهيأ أصحابه، فخرج عليه الاربعون، فشدوه وثاقا، ثم وضعوا القيود في رجله، ثم قال: أبا نصر، جعلت فداك، والله ما عرفت هذه الدعوة حتى أدخلتني فيها ودعوتني إليها، فما الذى يخرجك منها، والله ما أخليك حتى تزور أبا جعفر، فبعث به إليه، فعفا عنه أبو جعفر، وولاه الموصل. قال الهيثم: وكان يقال: إن عبد الملك بن مروان كان أحزم بنى أمية، وإن أبا جعفر كان أحزم بنى العباس، وأشدهم بأسا، وأقواهم قلبا، ألا ترى أن عبد الملك قتل عمرو بن سعيد في داخل قصره، وأبوابه مغلقة، وأبو جعفر قتل أبا مسلم في داخل سرادقه، وليس بينه وبين أهل خراسان إلا خرقة ؟ وقال الهيثم: ذكر ابن عياش أن أبا جعفر قال لحاجبه عيسى بن روضة تقدم إلى كل من دخل أن لا يذكر أبا مسلم في شئ من كلامه. قال ابن عياش فاغتممت لذلك، فوقفت له خلف ستر، ومر راكبا مع هشام بن عمرو وعبد الله، فلما طلع عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطته وبيده الحربة ركبت. قال أبو الجراح مالك ؟ فقلت: أسلم على أمير المؤمنين. قال: دونك فدنوت والنهر بينى وبينه. فقلت: يا أمير المؤمنين هنيئا لك وقفة أقعدت كل قائم. فقال بيده (1) على فيه ولم يلتفت كالكاره لما سمع، وأقبل على صاحبيه. قال ابن عياش: وكان هذا في سنة خمس وأربعين ومئة، ثم انصرف أبو جعفر إلى الحيرة، ومعه عمه عبد الله بن علي في غير وثاق، وعليه الاحراس، وقد هيأ له أبو جعفر بيتا، فحبسه فيه، فلما قدم به قيل: إنه سمه. قال الهيثم: بل كان أساس البيت الذي حبسه فيه من لبن، والحيرة كثيرة السواقى، ندية الارض. فيقال: إنه أمر من الليل بجدول، فسرح حول البيت فتهدم عليه فمات. قال ابن عياش: أقبل رجل من همدان إلى أبى جعفر في وفد من العرب فدخلوا عليه، فلما خرجوا وفاتوا بصره، قال للآذن: علي بالهمداني، فلما مثل بين يديه قال له: يا أخا همدان، أخبرني عن خليفة اسمه على عين (2) قتل ثلاثة، أسماؤهم على عين. فقال الهمداني: نعم يا أمير المؤمنين


(1) قال بيده: أشار بيده على فمه، أي وضع يده على فمه. (2) أي أول اسمه عين. (*)

[ 138 ]

عبد الملك ابن مروان قتل عمرو بن سعيد الاشدق، اسمه على عين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد الاشعث، وأنت يا أمير المؤمنين اسمك على عين، وقتلت عبد الرحمن بن مسلم أبا مسلم، أول اسمه على عين، وعبد الجبار الخولانى، وسقط البيت على عمك عبد الله. فقال: وما يدخل سقوط البيت على عمى لا أم لك. ثم استعمل أبو جعفر على خراسان أسيد ابن عبد الله الخزاعى، وأمره بتطلب عمال أبى مسلم، ثم عفا عنهم، ثم عزل الخزاعى وولى أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم ولى بعد أبى عون حمد بن قحطبة، ثم ولى المسير بن زهير حتى مات أبو جعفر المنصور. قصة سابور ملك فارس قال: وذكروا أن أبا جعفر دعا إسحاق بن مسلم العقيلى، فقال له: حدثنى عن الملك الذى كنت حدثتني عنه بحران. فقال: نعم أكرمك الله، أخبرني أبى عن حصين بن المنذر: أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور الاكبر، كان له وزير ناصح، قد أخذ أدبا من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، فانتصف من أهلها فعلا ولسنا (1)، فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما يعظمون الدنيا جهالة بالدين، واستكانة لحب الدنيا، وذلا لجبابرتها، فجمعهم على كلمة من الهدى يكيد بها مطالب الدنيا، واعتز بقتل ملوكهم، وتخوله إياهم (2)، وكان يقال: لكل ذليل دولة، ولكل ضعيف صولة. فلما استوثقت له البلاد، جعل إليه سابور أمرهم، وأحال عليه طاعتهم، فساس قوما لا يرامونه إلى ما سبق إليه قبلهم، فلم ينتصف سابور من طاعتهم، واستمالة أهوائهم، مع مالا يأمن من زوال القلوب، وغدرات الوزراء، فاحتال على قطع رجائه عن قلوبهم، فصمم على قتله عند وروده عليه برؤوساء أهل خراسان وفرسانهم، فقتله، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الفرقة وتخطف الاعداء، ونأى (3) الرجعة واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ويتعوضوه (4) من الفتنة، فملكهم ثمانين عاما. فأطرق أبو جعفر مليا، ثم قال متمثلا: لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما


(1) اللسن: بفتح السين: البلاغة وحسن المنطق. (2) تخوله إياهم: استخدامه لهم وجعلهم خولا خدما. (3) نأى الرجعة: بعد مسافة الرجوع إلى أوطانهم. (4) يتعوضوه: أي يجعلوه عوضا وبدلا من الفتنة أي فتنهم بقتلهم واستذلالهم. (*)

[ 139 ]

خروج شريك بن عون على أبى جعفر وخلعه قال: وذكروا أن أبا جعفر لما استقامت له الامور، واستولى على الملك، خرج عليه شريك بن عون الهمداني وقال: ما على هذا بايعتك، ولا بايعنا آل محمد على أن تسفك الدماء وأن يعملوا بغير الحق، فخالف أبا جعفر، وتبعه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه أبو جعفر زياد بن صالح الخزاعى، فقاتله شهورا، ونهى أبو جعفر أن يسبى أحد منهم، أو يقتل أحد من رجالهم، لانه كان فيهم قوم أخيار ورجال أشراف، وكان خروجهم ديانة وإنكارا للدماء، وللعمل بغير الحق، فلذلك لم يقتلوا. وكتب إليهم: وإن عدتم عدنا، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا، وقد عفونا عنكم مرتكم هذه، فالله الله على دمائكم احقنوها. اجتماع شبيب بن شيبة مع أبى جعفر قبل ولايته وبعدها قال: وذكروا أن شبيب بن شيبة قال: حججت عام هلك هشام بن عبد الملك، فبينما أنا مريح (1) ناحية المسجد، إذ طلع علي من بعض أبوابه فتى أسمر، رقيق السمرة، موفر اللمة (2)، خفيف اللحية، رحب الجبهة، كأن عينيه لسانان ناطقان، عليه أبهة الاملاك، في زي النساك، تقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه، والعفو في صورته، واللب في مشيته فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره، فتحرم بالطواف. فلما قضى طوافه قصد المقام ليركع، وأنا أرعاه ببصرى، ثم نهض منصرفا، فكأن عينا أصابته، فكبا كبوة دميت منها أصبعه، فدنوت منه متوجعا لما ناله، متصلا به، أمسح عن رجله عفر التراب، فلا يمتنع علي، ثم شققت حاشية ثوبي، فعصبت على رجله، فلم ينكر ذلك، ثم نهض متوكئا علي، وانقدت له حتى أتى بناء بأعلى مكة، فابتدره غلامان، تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب، فدخل واجتذبنى، فدخلت بدخوله، فخلى يدى، وأقبل على القبلة فصلى ركعتين، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد الله وصلى على نبيه، ثم قال: لم يخف علي مكانك منذ اليوم، فمن تكون ؟ فقلت: شبيب بن شيبة التميمي. فقال: الاهتمى ؟ فقلت: نعم. فرحب وقرب، ووصف بأبين وصف، وأفصح لسان. فقلت: أصلحك الله، أحب المعرفة، وأجل عن المسألة. فتبسم وقال: بلطف أهل العراق: أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عباس، فقلت: بأبى أنت وأمى، ما أشبهك بنسبك، وأدلك على


(1) مريح: مستريح، ومريح دابتي. (2) اللمة: الشعر الذى على أعلى القفا، وتوفير اللمة كثرة شعرها. (*)

[ 140 ]

سلفك: وقد سبق إلى قلبى من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك. قال: فاحمد الله يا أخا تميم، فإنا قوم يسعد بحبنا من يحبنا، ويشقى ببغضنا من يبغضنا، ولن يصل الايمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله، ومهما ضعفنا عن جزائه قوى الله على أدائه. فقلت له: أنت توصف بالعلم، وأنا من حملته، وأيام الموسم ضيقة، وشغل أهله كثير، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها، أفتأذن فيها جعلت فداك ؟ قال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسر موضعا، وللامانة واعيا، فإن كنت على ما رجوت، فهات على بركة الله. فقدمت إليه من وثائق الايمان ما سكن إليه، فتلا قول الله - قل أي شئ أكبر شهادة ؟ قل الله شهيد بينى وبينكم - ثم قال: سل. فقلت: ما ترى في من على الموسم ؟ وكان عليه يوسف ابن محمد الثقفى، خال الوليد بن يزيد، فتنفس الصعداء، ثم قال: عن الصلاة خلفه تسأل، أم استنكرت أن يتأمر على آل الرسول من ليس منهم ؟ قلت: عن كلا الامرين أسأل. قال: إن هذا عند الله عظيم، أما الصلاة، ففرض الله على عباده، فأد فرضه عليك في كل وقت، فإن الذى ندبك لحج بيته ومجاهدة عدوه، وحضور جماعته وأعياده، لم يخبرك في كتابه أنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا رحمة لك، ولو فعل ذلك بك ضاق الامر عليك، فأسمح يسمح لك. ثم كررت عليه السؤال، فما احتجت إلى أن أسأل عن أمر دينى أحدا بعده. ثم قلت له: يزعم أهل العلم بالكتاب أنها ستكون لكم دولة لا شك فيها، تطلع مطلع الشمس، وتظهر بظهورها، فأسأل الله خيرها، ونعوذ به من شرها. قال: فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها. قلت: أو يتخلف عنها أحد من العرب وأنتم سادتها ؟ قال: نعم، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم ونأبى إلا طلبا لحقنا، فننصر ويخذلون، كما نصر أولنا بأولهم، وخذل لمخالفتنا من خذل منهم، فاسترجعت. قال: هون عليك الامر، سنة الله التى قد خلت في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وليس ما يكون منهم يحاجز لنا عن صلة أرحامهم، وحفظ أعقابهم فقلت: كيف تسلم لهم قلوبكم، وقد قاتلوكم مع عدوكم ؟ فقال: نحن قوم حبب إلينا الوفاء وإن كان علينا، وبغض إلينا الغدر وإن كان لنا، وإنما يشذ عنا منهم الاقل، فأما أنصار دولتنا، ونقباء شيعتنا، وأمراء جيوشنا فهم ومواليهم معنا، فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا للمحسن عن المسئ، ووهب للرجل قومه ومن اتصل بأسبابه، فتذهب المثابرة، وتخمد الفتنة، وتطمئن القلوب. فقلت: ويقال: إنه يبتلى بكم من أخلص لكم المحبة. فقال: قد روى أن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره.


(1) أسمح: تجاوز وكن سمحا. (*)

[ 141 ]

قلت: لم أرد هذا. قال: فما الذي تريد ؟ قلت توقعون بالولي وتحظون (1) العدو. فقال: من يسعد بنا من الاولياء أكثر، ومن يسلم معنا من الاعداء أقل، إنما نحن بشر، ولا يعلم الغيب إلا الله، وربما استترت عنا الامور، فنوقع بمن لا نريد، وإن لنا لاحسانا يجازى الله به مداواة ما تكلم (2) ورتق ما تثلم (3) فنستغفر الله بما يعلم، وما أنكر من ألا يكون الامر على ما بلغك، ومع الولي التعزز والادلال، والثقة والاسترسال، ومع العدو التحرز والتذلل والاحتيال، وإنك لمسئول يا أخا بنى تميم. قلت: إني أخاف ألا أراك بعد اليوم. قال: لكن أرجو أن أراك وتراني قريبا إن شاء الله. قلت. عجل الله ذلك، ووهب لى السلامة منكم، فإني محبكم. فتبسم وقال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاثة. قلت: وما هي ؟ قال: قدح في الدين، وهتك للملوك، وتهمة في حرمة، واحفظ عني ما أقول لك: اصدق وإن ضرك الصدق، وانصح وإن باعدك النصح، ولا تخالطن لنا عدوا وإن أحظيناه فإنه مخذول، ولا تخذلن وليا وإن أقصيناه وأصبحنا بترك المماكرة، وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تستخف فيمقتوك، ولا تنقبض فيحتشموك، ولا تخطب الاعمال (4)، ولا تتعرض للاموال، وأنا رائح من عشيتي هذه، فهل من حاجة ؟ فنهضت لوداعه فودعته، ثم قلت: أوقت لظهور الامر ؟ ومتى ؟ قال الله الموقت والمنذر، فخرجت من عنده، فإذا مولى له يتبعني، فأتاني بكسوة من كسوته. وقال لى: يأمرك أبو جعفر أن تصلى في هذه، ثم افترقنا، فو الله ما رأيته إلا وحرسيان (5) قابضان علي يدفعانني إلى بيعتى في جماعة من قومي لنبايعه. فلما نظر إلي: أثبتني: وقال للحرسيين: خليا عمن صحت مودته، وتقدمت قبل اليوم حرمته، وأخذت بيعته، فأكبر الناس ذلك من قوله. ثم قال لي: أين كنت أيام أبى العباس أخي ؟ فذهبت اعتذر. فقال: أمسك، فإن لكل شئ وقتا لا يعدوه، ولن يفوتك إن شاء الله حظ مودتك، وحق مشايعتك، واختر مني رزقا يسعك، أو خطة (6) ترفعك، أو عملا ينهضك.


(1) تحظون العدو: تجعلونه ذا حظوة وجاه. (2) تكلم: تجرح لان الكلم الجرح. (3) تثلم: تفتق وتخرق. (4) تخطب الاعمال: تطلب لوظائف لنفسك. (5) حرسيان: شرطيان. (6) الخطة: الطريقة. (*)

[ 142 ]

فقلت: أنا لوصيتك حافظ. فقال: وأنا لها أحفظ، إني إنما نهيتك أن تخطب الاعمال ولم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك. فقلت: الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحب إلي. فقال: وذلك أحب إلي لك، وهو أجم لقلبك وأودع لك، وأعفى إن شاء الله، فهل زدت أحدا في عيالك بعد. وقد كان سألني عنهم فعجبت من حفظه. فقلت: زدت الفرس والخادم، فقال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا: ولو لم يسعنى حملت لك على بيت المال، فهل تحملك مئتا دينار لكل غرة (1) أو نزيدك ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن شطرها ليحملني العامين. قال: فإنها لك في كل غرة فاقبضها من عاملي في أي بلد أحببت، وإن شئت فقد ضممتك إلى المهدى، فإنه أفرغ لك مني، وأرضاه لك إن شاء الله. حج أبى جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له ذكروا أن أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الامور، واستولى على السلطان خرج حاجا إلى مكة، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومئة. فلما كان بمنى، أتاه الناس يسلمون عليه، ويهنئونه بما أنعم الله عليه، وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم، وفقهائهم وعلمائهم، ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث. فكان فيمن دخل عليه منهم: مالك بن أنس. فقال له أبو جعفر: يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا. فقال مالك: يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأى، ويلهمه الرشاد من القوم، ويعينه على خير الفعل، فما رأى أمير المؤمنين ؟ فقال أبو جعفر: رأيت أني أجلسك في هذا البيت، فتكون من عمار بيت الله الحرام، وأحمل الناس على علمك، وأعهد إلى أهل الامصار يوفدون إليك وفدهم، ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق، إن شاء الله، وإنما العلم علم أهل المدينة، وأنت أعلمهم. فقال مالك: يا أمير المؤمنين أعلى عينا، وأرشد رأيا، وأعلم بما يأتي وما يذر، وإن أذن لى أقول قلت، فقال أبو جعفر: نعم، فحقيق أنت أن يسمع منك، ويصدر عن رأيك. فقال مالك: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق قد قالوا قولا تعدوا فيه طورهم، ورأيت أنى خاطرت بقولى لانهم أهل ناحية، وأما أهل مكة فليس بها أحد، وإنما العلم علم أهل المدينة، كما قال الامير، وإن لكل قوم سلفا وأئمة. فإن رأى أمير المؤمنين أعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل. فقال أبو جعفر: أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا، وإنما العلم علم أهل المدينة، وقد علمنا أنك إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها. فقال مالك: أجل يا أمير المؤمنين، فأعفني يعف الله عنك. فقال أبو جعفر قد أعفاك أمير المؤمنين، وايم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه.

[ 143 ]

دخول سفيان الثوري وسليمان الخواص على أبى جعفر وما قالا له قال: وذكروا أنه لما كان أبو جعفر بمنى في العام الذى حج فيه سفيان الثوري وسليمان الخواص، قال أحدهما لصاحبه: ألا ندخل على هذا الطاغى الذي كان يزاحمنا بالامس في مجالس العلم عند منصور والزهرى، فنكلمه، ونأمره بحق، وننهاه عن باطل، فلعل أن يقع كلامنا منه موقعا ينفع الله به المسلمين، ويأجرنا عليه. فقال سليمان الخواص: إنى لاخشى أن يأتي علينا منه يوم سوء. فقال الثوري: ما أخاف ذلك، فإن شئت فادخل، وإن شئت دخلت. فدخل سليمان الخواص، فأمره ونهاه، ووعظه وذكره الله، وما هو صائر إليه، ومسئول عنه. فقال له أبو جعفر: أنت مقتول، ما تقول في كذا وكذا، لشئ سأله عنه من باب العلم ؟ فأجابه، فلما خرج قال سفيان الثوري: ماذا صنعت ؟ قال: أمرت ونهيت، ووعظت وذكرت فرضا كان في رقابنا أديناه مع أنه لا يقبل، وسألني عن مسألة فأجبته. قال سفيان: ما صنعت شيئا، فدخل سفيان الثوري فأمره ونهاه. فقال له: ها هنا أبا عبد إلى إلى، ادن منى. فقال: إني لا أطأ ما لا أملك ولا تملك. فقال أبو جعفر: يا غلام أدرج البساط، وارفع الوطاء، فتقدم سفيان فصار بين يديه وقعد، ليس بينه وبين الارض شئ، وهو يقول: - منها خلقناكم، وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى -، فدمعت عينا أبى جعفر. ثم تكلم سفيان دون أن يستأذن، فوعظ وأمر ونهى وذكر، وأغلظ في قوله. فقال له الحاجب: أيها الرجل، أنت مقتول: فقال سفيان: وإن كنت مقتولا فالساعة، فسأله أبو جعفر عن مسألة فأجابه، ثم قال سفيان: فما تقول أنت يا أمير المؤمنين فيما أنفقت من مال الله، ومال أمة محمد بغير إذنهم، وقد قال عمر في حجة حجها، وقد أنفق ستة عشر دينارا هو ومن معه: ما أرانا إلا وقد أجحفنا ببيت المال. وقد علمت ما حدثنا به منصور بن عمار، وأنت حاضر ذلك، وأول كاتب كتبه في المجلس عن إبراهيم، عن الاسود، عن علقمة، عن ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رب متخوض في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه له النار غدا " فقال له أبو عبيدة الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا ؟ فقال له سفيان: اسكت، فإنما أهلك فرعون هامان، وهامان فرعون. ثم خرج سفيان، فقال أبو عبيدة الكاتب: ألا تأمر بقتل هذا الرجل ؟ فو الله

[ 144 ]

ما أعلم أحدا أحق بالقتل منه. فقال أبو جعفر: اسكت يا أنوك (1)، فو الله ما بقى على الارض أحد اليوم يستحيا منه غير هذا، ومالك بن أنس. دخول ابن أبى ذؤيب ومالك بن أنس وابن سمعان على أبى جعفر قال: وذكروا عن مالك بن أنس قال: لما ولى أبو جعفر الخلافة، وافى إليه الملاقون (2) المشاءون بالنميمة عنى بكلام كان قد حفظ علي، فأتاني رسوله ليلا ونحن بمنى، قال: أجب أمير المؤمنين، وذلك بعد مفارقتي له، وخروجي عنه، فلم أشك أنه للقتل، ففرغت من عهدي (3)، واغتسلت وتوضأت ولبست ثياب كفني وتحنطت، ثم نهضت فدخلت عليه في السرادق، وهو قاعد على فراش قد نظم بالدر الابيض، والياقوت الاحمر، والزمرد الاخضر، حكى له أنه كان من فرش هشام بن عبد الملك كان قد أهداه إليه صاحب القسطنطينية، لا يعلم ثمنه، ولا يدرى ما قيمته، والشمع يحترق بين يديه، وابن أبى ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه، وهو ينظر في صحيفة في يده. فلما صرت بين يديه سلمت، فرفع رأسه، فنظر إلى، وتبسم تبسم المغضب، ثم رمى بالصحيفة، وأشار لى إلى موضع عن يمينه أقعد فيه. فلما قعدت وأخذت مقعدي، وسكن روعى، رفعت رأسي أنظر تلقائي، فإذا أنا بواقف عليه درع، وبيده سيف قد شهره، يلمع له ما حوله، فالتفت عن يمينى، فإذا أنا بواقف بيده جرز (4) من حديد، ثم التفت عن يسارى فإذا أنا بواقف عليه درع، وبيده سيف قد شهره، وهم أجمعون قد أصغوا إليه، ورمقوه بأبصارهم خوفا من أن يأمر في أحد أمرا فيجده غافلا. ثم التفت إلينا وقال: أما بعد معشر الفقهاء، فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره، وضاق به ذرعه وكنتم أحق الناس بالكف من ألسنتكم، والاخذ بما يشبهكم، وأولى الناس بلزوم الطاعة، والمناصحة في السر والعلانية لمن استخلفه الله عليكم. قال مالك: فقلت يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: - يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. فقال أبو جعفر: على ذلكم أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن أئمة العدل، أم من أئمة الجور ؟ فقال مالك: فقلت يا أمير المؤمنين، أنا متوسل إليك بالله تعالى، وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم


(1) الانوك: الاحمق كما سبق. (2) الملاقون: المتملقون المنافقون. (3) العهد: الوصية: أي أوصيت بما أريد وبينت ما علي ومالى. (4) الجرز من الحديد: العمود من الحديد. (*)

[ 145 ]

وبقرابتك منه، إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا. قال: قد أعفاك أمير المؤمنين. ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له: أيها القاضى ناشدتك الله تعالى، أي الرجال أنا عندك ؟ فقال ابن سمعان: أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين، تحج بيت الله الحرام، وتجاهد العدو، وتؤمن السبل، ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوى، وبك قوام الدين، فأنت خير الرجال، وأعدل الائمة. ثم التفت إلى ابن أبى ذؤيب فقال له: ناشدتك الله: أي الرجال أنا عندك ؟ قال: أنت والله عندي شر الرجال، استأثرت بمال الله ورسوله، وسهم ذوى القربى واليتامى والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوى، وأمسكت أموالهم، فما حجتك غدا بين يدى الله ؟ فقال له أبو جعفر: ويحك: ما تقول ؟ أتعقل ؟ انظر ما أمامك. قال: نعم، قد رأيت أسيافا، وإنما هو الموت، ولابد منه، عاجله خير من آجله. ثم خرجا وجلست. قال: إنى لاجد رائحة الحنوط عليك. قلت: أجل: لما نمى إليك عنى ما نمى، وجاءني رسولك في الليل، ظننته القتل، فاغتسلت وتطيبت، ولبست ثياب كفني. فقال أبو جعفر: سبحان الله ما كنت لاثلم (1) الاسلام، وأسعى في نقضه، أو ما تراني أسعى في أود (2) الاسلام، وإعزاز الدين، عائذا بالله مما قلت يا أبا عبد الله، انصرف إلى مصرك راشدا مهديا، وإن أحببت ما عندنا، فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا، ولا يعدل بك مخلوقا. فقلت: إن يجبرنى أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة: وإن يخيرني أمير المؤمنين اخترت العافية. فقال: ما كنت لاجبرك، ولا أكرهك، انقلب معافى مكلوءا (3). قال: فبت ليلتى، فلما أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير، في كل صرة خمسة آلاف دينار، ثم دعا برجل من شرطته. فقال له: تقبض هذا المال، وتدفع لكل رجل منهم صرة، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله، وإن ردها لا جناح عليه فيما فعل، وإن أخذها ابن أبى ذؤيب فأتني برأسه، وإن ردها عليك فبسبيله، لا جناح عليه، وإن يكن ابن سمعان ردها فأتني برأسه، وإن أخذها فهى عافيته. فنهض بها إلى القوم، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم، وأما ابن أبى ذؤيب فردها فسلم، وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق.


(1) أثلم الاسلام: أكسره وأجعل فيه ثلما أي كسرا أو شرخا. (2) الاود: العوج: أي أسعى في تقويم أوده وإصلاح اعوجاجه. (3) مكلوءا: ملحوظا مراعى. (*)

[ 146 ]

كتاب عبيدالله العمرى إلى أبى جعفر قال: وذكروا أن أبا جعفر لما قفل من حجه سنة ثمان وأربعين ومئة، سأل عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو الفقيه المعروف بالعمرى. فقيل له: إنه لم يحج العام يا أمير المؤمنين، ولو حج لكان أول داخل عليك، فلا تقبل عليه أحدا يا أمير المؤمنين، ولا يقدح فيه عندك إلا باطلي أو كذاب، فإنه من علمت. فقال أبو جعفر: والله ما تخلف عن الحج في عامه هذا إلا علما منه بأنى حاج، فلذلك تخلف، ولا والله ما زاده ذلك عندي إلا شرفا ورفعة، وإنى من التوقير له والاجلال بحال لا إخال أحدا من الناس بذلك، لشرفه في قريش، وعظيم منزلته من هذا الامر، والموضع الذى جعله الله فيه، والمكان الذي أنزله به. فلما قدم أبو جعفر بغداد، ورد عليه كتاب عبيدالله العمرى، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبدالله أبى جعفر أمير المؤمنين، من عبيدالله بن عمر. سلام الله عليك، ورحمة الله التى اتسعت فوسعت من شاء. أما بعد: فإنى عهدتك، وأمر نفسك لك مهم، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الامة، أحمرها (1) وأسودها وأبيضها، وشريفها، ووضيعها، يجلس بين يديك العدو والصديق، والشريف والوضيع، ولكل حصته من العدل، ونصيبه من الحق، فانظر كيف أنت عند الله يا أبا جعفر، وإنى أحذرك يوما تفنى فيه الوجوه والقلوب، وتنقطع فيه الحجة، لملك قد قهرهم بجبروته، وأذلهم بسلطانه والخلق داخرون (2) له، يرجون رحمته ويخافون عذابة وعقابه. وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الامة سيرجع في آخر زمانها، أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، وإنى أعوذ بالله أن تنزل كتابي سوء المنزل، فإنى إنما كتبت به نصيحة، والسلام. فأجابه أبو جعفر المنصور من عبد الله بن محمد أمير المؤمنين، إلى عبيدالله بن عمر بن حفص: سلام عليك، أما بعد، فإنك كتبت إلي تذكر أنك عهدتني وأمر نفسي لى مهم، فأصبحت وقد وليت أمر هذه الامة بأسرها، وكتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه الامة سيرجع في


(1) الاحمر: الفرس، والاسود: العرب، والابيض: الروم، يريد أنك توليت أمر الامة بما فيها جميع الاجناس. (2) داخرون له: أذلاء له، صغار أمام كبريائه. (*)

[ 147 ]

آخر زمانها، أن يكون إخوان العلانية، أعداء السريرة، ولست إن شاء الله من أولئك، وليس هذا زمان ذلك، إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة، والرغبة تكون رغبة بعض الناس إلى بعض، صلاح دنياهم أحب إليهم من صلاح دينهم. وكتبت تحذرني ما حذرت به الامم من قبلى، وقدما كان يقال: اختلاف الليل والنهار يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار. وكتبت تتعوذ بالله أن ننزل كتابك سوء المنزل، وأنك إنما كتبت به نصيحة فصدقت وبررت، فلا تدع الكتب إلي. فإنه لا غنى بى عن ذلك، والسلام. اجمتاع أبى جعفر مع عبد الله بن مرزوق قال: وذكروا أن أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين لما حج ودخل في الطواف بالبيت الحرام، أمر بالناس فنحوا عن البيت، ثم طاف أسبوعه، فوثب إليه عبد الله بن مرزوق ؟ وقال: من جرأك على هذا ؟ فليبه بردائه وهزه. ثم قال له: من جعلك أحق بهذا البيت من الناس: تحول بينه وبينهم، وتنحيهم عنه ؟ فنظر أبو جعفر في وجهه، فعرفه. فقال عبد الله بن مرزوق: قال: نعم. فقال: من جرأك على هذا ؟ ومن أقدمك عليه ؟ فقال عبد الله بن مرزوق: وما تصنع بي ؟ بيدك ضر أو نفع ؟ والله ما أخاف ضرك، ولا أرجو نفعك حتى يكون الله عزوجل يأذن لك فيه، ويلهمك إلى فعله. فقال له أبو جعفر: إنك أحللت بنفسك وأهلكتها. فقال عبد الله بن مرزوق: اللهم إن كان بيد أبى جعفر ضرى فلا تدع من الضر شيئا إلا أنزلته علي، وإن كان بيده منفعتي فاقطع عنى كل منفعة منه، أنت يا رب بيدك كل شئ، ومليك كل شئ، فأمر به أبو جعفر فحمل إلى بغداد فسجنه بها. وكان يسجنه بالنهار، ويبعث إليه بالليل يبيت عنده ويسامره، يلبث نهاره أجمع بالسجن، ثم يسامره بالليل ليظهر للناس أنه سجن أول من اعترض عليه، لئلا يجترئ الجاهل فيقول: قد وسع عفو أمير المؤمنين فلانا، أفلا يسعنى ؟ فكان دأبه هذا معه زمانا طويلا حتى نسى أمره، وانقطع خبره، ثم خلى سبيله، فلحق بمكة، فلم يزل بها حتى مات أبو جعفر، وولى ابنه المهدى. فلما حج المهدى، فعل مثل ذلك، ففعل به عبد الله ابن مرزوق مثل ذلك أيضا، فأراد قتله. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه قد فعل هذا بأبيك، فكان من صنيعه أن حمله إلى بغداد، فسجنه بالنهار، وسامره بالليل، وأنت أحق من أخذ بهديه، واحتذى على مثاله، وورث أكروماته، فحمله المهدى معه، فمات ببغداد، رحمه الله.

[ 148 ]

ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان قال: وذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبى جعفر، فبعث إليها أبو جعفر ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس، ليسكن هيجها وفتنها، ويجدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا على أهل الخلاف لهم، فأظهر الغلظة والشدة، وسطا (1) بكل من ألحد في سلطانهم، وأشار إلى المنازعة لهم، وأخذ الناس بالبيعة، وكان مالك بن أنس رحمه الله لم يزل صغيرا وكبيرا محسدا (2)، وكذلك كل من عظمت نعمة الله عليه في علمه أو عمله، أو فهمه أو ورعه، فكيف بمن جمع الله ذلك فيه، ولم يزل منذ نشأ كذلك قد منحه الله تعالى العلم والعمل، والفهم واللب والنبل، ووصل له ذلك بالدين والفضل، عرف منه ذلك صغيرا، وظهر فيه كبيرا، واستلب الرياسة ممن كان قد سبقه إليها، بظهور نعمة الله عليه، وسموها به على كل سام، فاستدعى ذلك منهم الحسد له، وألجأهم ذلك إلى البغى عليه، فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له: إن مالكا يفتى الناس بأن أيمان البيعة لا تحل، ولا تلزمهم لمخالفتك، واستكراهك إياهم عليها، وزعموا أنه يفتى بذلك أهل المدينة أجمعين، لحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " فعظم ذلك على جعفر واشتد عليه وخاف أن ينحل عليه ما أبرم من بيعة أهل المدينة، وهم أن يبدر (3) فيه بما عافاه الله منه، وأنعم على المسلمين ببقائه. فقيل له: لا تبدر فيه ببادرة، فإنه من أكرم الناس على أمير المؤمنين، وآثرهم عنده، ولا بأس عليك منه، فلا تحدث شيئا إلا بأمر أمير المؤمنين، أو يستحق ذلك عندنا بأمر لا يخفى على أهل المدينة. فدس إليه جعفر بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من قبله، ومن مأمنه يؤتى الحذر (4)، فسأله عن الايمان في البيعة فأفتاه مالك بذلك طمأنينة إليه، وحسبة فيه. فلم يشعر مالك إلا ورسول جعفر بن سليمان يأتيه، فأتوا به إليه منتهك الحرية، مزال الهيبة (5)، فأمر به فضرب سبعين سوطا: فلما سكن الهيج بالمدينة، وتمت له البيعة، بلغ بمالك ألم الضرب حتى أضجعه.


(1) سطا بكل من ألحد: تسلط عليهم وعذبهم، ومعنى ألحد في سلطانهم، لم يعترف به. (2) كثير الحساد. (3) ببدر فيه: يؤذيه. (4) هذا مثل عربي معناه أن الشخص كثير الحذر والاحتياط يؤتى من الجهة التى يأمن منها ولا يخافها. (5) مزال الهيبة: قد أزيلت هيبته ولم يعامل بمقتضى ماله من وقار واحترام. (*)

[ 149 ]

إنكار أبى جعفر المنصور لضرب مالك قال: وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر ضرب مالك بن أنس، وما أنزل به جعفر بن سليمان أعظم ذلك إعظاما شديدا، وأنكره ولم يرضه، وكتب بعزل جعفر بن سليمان عن المدينة، وأمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب (1). وولى على المدينة رجلا من قريش من بنى مخزوم، وكان يوصف بدين وعقل وحزم وذكاء، وذلك في شهر رمضان، من سنة إحدى وستين ومائة. وكتب أبو جعفر إلى مالك بن أنس، ليستقدمه إلى نفسه ببغداد، فأبى مالك، وكتب إلى أبى جعفر يستعفيه من ذلك، ويعتذر له ببعض العذر إليه. فكتب أبو جعفر إليه: أن وافنى بالموسم العام القابل إن شاء الله، فإنى خارج إلى الموسم. دخول مالك على أبى جعفر بمنى قال وذكروا: أن مالكا حج سنة ثلاث وستين ومائة، ثم وافى أبا جعفر بمنى أيام منى، فذكروا أن مطرفا أخبرهم، وكان من كبار أصحاب مالك. قال: قال لى مالك: لما صرت بمنى أتيت السرادقات، فأذنت بنفسى، فأذن لى، ثم خرج إلي الآذن من عنده فأدخلني. فقلت للآذن: إذا انتهيت بى إلى القبة التى يكون فيها أمير المؤمنين فأعلمني، فمر بى من سرادق إلى سرادق، ومن قبة إلى أخرى، في كلها أصناف من الرجال بأيديهم السيوف المشهورة، والاجزرة (2) المرفوعة، حتى قال لى الآذن: هو في تلك القبة، ثم تركني الآذن وتأخر عنى، فمشيت حتى انتهيت إلى القبة التى هو فيها فإذا هو قد نزل عن مجلسه الذى يكون فيه إلى البساط الذى دونه، وإذا هو قد لبس ثيابا قصدة (3)، لا تشبه ثياب مثله، تواضعا لدخولي عليه، وليس معه في القبة إلا قائم على رأسه بسيف صليت (4)، فلما دنوت منه، رحب بى وقرب. ثم قال: هاهنا إلي، فأوميت للجلوس. فقال: هاهنا، فلم يزل يدنينى حتى أجلسني إليه، ولصقت ركبتي بركبتيه. ثم كان أول ما تكلم به أن قال: والله الذى لا إله إلا هو يا أبا عبد الله ما أمرت بالذى كان، ولا علمته قبل أن يكون، ولا رضيته إذ بلغني (يعنى الضرب). قال


(1) القتب: بفتح القاف والتاء: البرذعة الصغيرة على قدر سنام البعير وهى مهينه غير كريمة. (2) الاجرزة: جمع جرز بضم الجيم وهو عمود الحديد. (3) قصدة: غير فخمة ولا غالية الثمن (4) السيف الصليت: المعد للقطع أو القتل. (*)

[ 150 ]

مالك: فحمدت الله تعالى على كل حال، وصليت على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم نزهته عن الامر بذلك، والرضا به. ثم قال: يا أبا عبد الله، لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإنى إخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته، ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة، فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن، وأضعفهم عنها، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وقد أمرت أن يؤتى بعدو الله من المدينة على قتب، وأمرت بضيق مجلسه، والمبالغة في امتهانه، ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه. فقلت له: عافى الله أمير المؤمنين، وأكرم مثواه، قد عفوت عنه، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم منك. قال أبو جعفر: وأنت فعفى الله عنك ووصلك. قال مالك. ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء، فوجدته أعلم الناس بالناس، ثم فاتحني في العلم والفقه، فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه، وأعرفهم بما اختلفوا فيه، حافظا لما روى، واعيا لما سمع، ثم قال لى: يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه، ودون منه كتبا، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد إلى أواسط الامور، وما اجتمع عليه الائمة والصحابة رضى الله عنهم، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك، ونبثها في الامصار، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها، فقلت له: أصلح الله الامير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر: يحملون عليه، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طي ظهورهم بالسياط، فتعجل بذلك وضعها، فسيأتيك محمد المهدى ابني العام القابل إن شاء الله إلى المدينة، ليسمعها منك، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله. قال مالك: فبينما نحن قعود إذ طلع بنى له صغير من قبة، بظهر القبة التى كنا فيها. فلما نظر إلي الصبى فزع، ثم تقهقر فلم يتقدم. فقال له أبو جعفر: تقدم يا حبيبي، إنما هو أبو عبد الله فقيه أهل الحجاز، ثم التفت إلي فقال: يا أبا عبد الله، أتدرى لم فزع الصبى ولم يتقدم ؟ فقلت: لا. فقال: والله استنكر قرب مجلسك منى إذ لم ير به أحدا غيرك قط، فلذلك قهقر. قال مالك: ثم أمر لى بألف دينار عينا ذهبا، وكسوة عظيمة، وأمر لابنى بألف دينار، ثم استأذنته فأذن لى، فقمت فودعني ودعا لى، ثم مشيت منطلقا، فلحقني الخصي بالكسوة فوضعها على منكبي، وكذلك يفعلون بمن كسوه، وإن عظم قدره، فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها، ثم يسلمها إلى غلامه، فلما وضع الخصى الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي، كراهة احتمالها، وتبرؤا من ذلك، فناداه أبو جعفر: بلغها رحل أبى عبد الله.

[ 151 ]

ما قال أبو جعفر لعبد العزيز بن أبى داود قال: وذكروا أن أبا جعفر لما دخل في الطواف بالبيت لقى عبد العزيز بن أبى دواد في الطواف، فقبض على يده، ثم قال له: أتعرفني ؟ قال: لا. إلا أن قبضتك قبضة جبار. فقال له: أنا أبو جعفر أمير المؤمنين، فسلني من حوائجك ما شئت أقضها. قال: أسألك برب هذا البيت أن لا ترسل إلي بشئ حتى آتيك طوعا. فقال له أبو جعفر: ذلك لك، فأقبل يمشى بمشيته في طوافه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا. فتأنف بقربه، وثقل عليه كلامه. فقال: أسألك بحرمة هذا البيت إلا تنحيت عنى، فتنحى عنه أبو جعفر وخلي سبيله. وكان عبد العزيز بن أبى دواد هذا لا يرفع رأسه إلى السماء، تخشعا لله، فأقام كذلك أربعين سنة. قدوم المهدى إلى المدينة قال: وذكروا أن مالك بن أنس لما أخذ في تدوين كتبه، ووضع علمه قدم عليه المهدى بن أبى جعفر، فسأله عما صنع فيما أمره به أبو جعفر، فأتاه بالكتب وهى كتب الموطأ، فأمر المهدى بانتساخها، وقرئت على مالك. فلما أتم قراءتها: أمر له بأربعة آلاف دينار، ولابنه بألف دينار. موت أبى جعفر المنصور واستخلاف المهدى قال: وذكروا أنه لما كانت سنة ست وستين ومائة قدم أبو جعفر مكة، فلما قضى حجه احتضر ثلاثة أيام، ثم توفى في اليوم الرابع، وولى ابنه محمد المهدى وكان معه يومئذ بمكة وأخوه جعفر ببغداد، وكان قد عهد إليه أبو جعفر. فلما قفل المهدى إلى بغداد أتاه رجل فقال له: أدرك أخاك جعفرا، فإنه قد هم بمنازعتك، وهو يريد خلعك، فأخذ في السير، ومعه الجنود والاموال، وصناديد الرجال من العراق، ورجال العرب، ووجوه قريش. فلما قدم العراق اعتذر إليه جعفر مما رفع إليه عنه، وحلف له أنه ما نوى ولا أراد منازعته، ولا أشار إلى خلافه، ولا هم به، فقبل منه المهدى ذلك، وعفا عنه، وكان كريما سخيا حليما، فلما كان سنة سبع وستين ومائة قدم حاجا، فدخل المدينة زائرا لقبر النبي صلى الله عليه وآله، فدخل عليه مالك، فحضه على الاحسان إلى أهل المدينة، وحدثه بفضلها وفضل أهلها، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله فيها: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب (وهي المدينة) تنفى الناس كما ينفي الكير خبث الحديد، ثم قال يا أمير المؤمنين: أفليس هؤلاء أهلا أن يعانوا على الصبر عليها

[ 152 ]

وعلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! فقال المهدى: بلى والله يا أبا عبد الله، حتى لا أجد إلا مثل هذا، ومد يده ليأخذ من الارض شيئا فلم يجده. ثم قال صدقت فيهم وبررت، وحضضت على الرشد، فأنت أهل أن يطاع أمرك، ويسمع قولك، فأمر له بخمسة أبيات مال، والبيت عندهم خمسمائة ألف، وأمر مالكا أن يختار من تلامذته رجالا يثق بهم، ويعتمد عليهم، يقسمونها على أهل المدينة، ويؤثرون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيت أبى بكر وعمر وعثمان، ثم أهل بيوت المهاجرين والانصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، ففعل فأغنى أهل المدينة عامهم ذلك. ذكر استخلاف هارون الرشيد قال: وذكروا أنه لما كانت سنة ثلاث وسبعين ومائة توفى المهدى، وذلك أنه خرج يوما إلى بعض المنازل، ومعه أهله وبعض بنيه، وكان قد ذكر أن يستخلف ابنه عبد الله بعده، ثم غفل عن ذلك وتركه، فحمل عبد الله الحرص والطيش إلى أن دس على أبيه بعض الجوارى المتمكنات منه بسمه، وبذل لها على ذلك الاموال، ومناها أمانى الغرور. فلما سمته، ووصل إليه السم، عرف المهدى أنه قد قتل، فدعا كاتبه فقال له: عجل واكتب عهد هارون الرشيد، وخذ بيعة الجند، وأمراء الاجناد، واكتب بذلك إلى ولاة الامصار، وكان الرشيد أصغر بنيه، وكان ابن أمة، لا يطمع في خلافة، ولا يظن بها، فأدخله على نفسه وهو يجود بها، والرشيد لا يعلم أنه مستخلف. فقال له المهدى: أي بنى، والله ما أردت استخلافك، ولا هممت به لحداثة سنك، وقد كان قال لى جدك أبو جعفر، وأنت يومئذ قد ترعرعت في أول رؤية رآك: إن ابني هذا الاعين (1) سيلى هذا الامر، ويسير فيه سيرة صالحة، فقلت: يا أبت، أتظن ذلك ؟ قال: ما هو بالظن، ولكن اليقين، ويكون ملكا بضعا وعشرين سنة، وتقتله الحمى الربع (2)، فاندفع الرشيد باكيا فقال له: ما يبكيك يا فتى ؟ قال: يا أبت، إنك والله نعيت لى نفسي، وعرفتني متى أموت، ومم أموت ؟ قال: هو ذاك، فشمر، واجتهد وجد، وخذ بالحزم والكرم، ودع الاحن، وانظر أخاك عبد الله فلا يناله منك مكروه، فقد عفوت عنه. فقال الرشيد: يا أبت، وتعفو عنه، وقد أتى ما ذكرت،


(1) الاعين: شديد سواد العين واسعها (2) الحمى الربع: بكسر الراء وسكون الباء هي التى تأتى المريض يوما وتسكت يومين ثم تأتى في اليوم الرابع. (*)

[ 153 ]

وصنع ما وصفت ؟ قال يا بني: وما علي أن أعفو عمن أكرمنى الله على يديه، وأرجو أن يغفر لى بصنيعته بى إن شاء الله. عليك يا بني بتقوى الله العظيم وطاعته، فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجارة، وأوصيك بإخوتك خيرا، وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، اقبل حسناتهم، وتجاوز عن سيأتهم، واغفر زلاتهم، وأوصيك بأهل الحرمين خيرا، فقد علمت من هم، وأبناء من هم، أجزل لهم العطاء، وأحسن لهم الجزاء، يكافئك الله في الآخرة والاولى. ثم توفى المهدى من يومه ذاك، واستخلف الرشيد، وخرج إلى الناس يبايعهم بوجه طلق ولسان سلط (1)، فبايعوه ببغداد، وذلك يوم الخميس من المحرم سنة ثلاث وسبعين ومائة، وتمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد الجامع، فلم يختلف عليه أحد. ولا كره خلافته مخلوق، فأحسن السيرة، وأحكم أمر الرعية، وكان أوحد أهل بيته، ولم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله، رحمه الله. قدوم هارون الرشيد المدينة قال: وذكروا أنه لما كانت سنة أربعة وسبعين ومائة، خرج هارن حاجا إلى مكة، فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فبعث إلى مالك بن أنس، فأتاه، فسمع منه كتابه الموطأ، وحضر ذلك يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن، ولم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك الموسم مع الرشيد وسمع وسمعوا من مالك موطأه الذى وضع، وكان قارئه يومئذ حبيب كاتب الرشيد. فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز والعراق: هل أنكرتم شيئا من هذا العلم ؟ قالوا: ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر الدماء، والتدمية في القتل، فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم وأبطله، يقول الرجل: قتلني فلان فيقبل منه، ويحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا، ثم يقتل، ولعل أولياءه لم يحضروا، ولم يكونوا بمصر، فيعرض بهم الحنث في الايمان، فيقبل قول رجل على غيره، وهو لا يقبل في ربع دانق (2) يدعيه إلا ببينة تقوم، إن هذا لهو الضلال. وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذى رواه ابن عباس حيث قال: " لو يعطى


(1) اللسان السلط: الطويل، والمراد بذلك الفصاحة. (2) الدانق: بفتح النون: سدس الدرهم. (*)

[ 154 ]

الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء أقوام وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ". قال الرشيد: ويحكم، إن في كتاب الله ما يصدق ذلك، ولا إخال أبا عبد الله أخذه إلا من كتاب الله فاستثبتوه. فأرسل إليه فأقبل. فقال هارون: يا أبا عبد الله، إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في الانكار عليك فيما وضعت في موطئك من التدمية (1). وتصديق قول من ادعى، وأنت وهم تزعمون بطل دعوى من ادعى على رجل دانقا إلا ببينة تقوم له، فأخبر القوم، وأوضح لهم حجتك في ذلك وأنا معك عليهم، فإني لا أعلم بعد أمير المؤمنين أحدا أعلم منك، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، إن مما يصدق القسامة ما في كتاب الله من القتل، والاخذ بالدم الذي كان في بنى إسرائيل. قال الله عز وجل: " اضربوه ببعضها " فذبحت البقرة، ثم ضربوه بعضو من أعضائها، فحي القتيل، ثم تكلم. فقال: فلان قتلني، فقتله موسى ابن عمران عليه السلام بقوله ذلك، وهو حكم التوراة، فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا، فالذين أسلموا: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد حكم بالتوراة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المرجوم اليهودي الذى زنى، فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر أنس بن مالك رضى الله عنه. أن يهوديا لقى جارية من جواري الانصار في بعض أنقاب (2) المدينة، وعليها أوضاع (3) من ذهب وورق، فأخذ الاوضاح منها، وشدخ رأسها بين حجرين، فأدركت الجارية وبها رمق، فانهم بها اليهود، فأنى بهم، فعرضوا عليها رجلا رجلا وهي لا تتكلم، حتى أتى بصاحبها الذي قتلها فعرفته. فقيل لها: هذا الذي قتلك ؟ فأومأت برأسها أن نعم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدخ رأسه بين حجرين، فهذا يا أمير المؤمنين حكم الدماء، والقسامة فيها سنة قائمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء، فقعوا منه بذلك، وصاروا إلى الرضا بقوله، والتصديق لروايته، والتسليم لتأويل ما تأول من القرآن الكريم. ثم قال له مالك: إن أباك يا أمير المؤمنين بعث إلي في هذا المجلس كما بعثت إلي، وحدثنه بما حدثتك به في شأن أهل المدينة، وما يصبرون عليه من البلاء، وشدة الزمان، وغلاء الاسعار، صبرا على ذلك، واختيارا لجوار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال هارون: ذلك هو أبى وأنا ابنه، وسوف أفعل ما فعل، وأمر لاهل المدينة بعشرة أبيات مال، ضعف ما أمر به المهدي، وكان أبو يوسف


(1) التدمية: التسهيل وقبول الحلف بدل البينة وإلحاق الدم بمن ذكره المقتول. (2) الانقاب: جمع نقب وهو المكان المرتفع. (3) الاوضاح: جمع وضح بفتح الواو والضاد نوع من حلى النساء، والورق بكسر الراء: الفضة. (*)

[ 155 ]

القاضى مع الرشيد يومئذ، فسأله أن يجمع بينه وبين مالك، ليكلمه في الفقه. فقال الرشيد لمالك: كلمه يا أبا عبد الله، فأنف من ذلك مالك، وتنزه عنه، وقال لهارون: ها هنا من فتيان قريش من تلامذتنا، من يبلغ حاجة أمير المؤمنين، ويخصمه (1) فيما يتكلم به، ويذهب إليه، فسر ذلك الرشيد حين أضاف ذلك إلى قريش. فقال: من هو ؟ فقال: المغيرة بن عبد الرحمن المخزومى، فبعث إليه الرشيد فجمعه بأبى يوسف فقال: كلمني بما بدا لك أجاوبك. فقال أبو يوسف القاضى: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء، يعنى مالكا وأصحابه، يقضون بغير ما في كتاب الله، يقول الله عز وجل " وأشهدوا ذوى عدل منكم ": وقال: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " وهؤلاء يقضون باليمين مع الشاهد، ولا نسمع أن الله تعالى ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى به، وإنما يدور هذا الحديث الذي روى فيه سهيل عن أبى صالح عن أبيه، ثم نسبه سهيل، فكان يحدث ويقول: حدثنى ربيعه عن أبى هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد " فلما نسبه سهيل بطل الخبر، وأثبت أصله، فلا معنى لذكره. قال المغيرة: قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى به علي بالكوفة. فقال أبو يوسف: أنا أكلمك بالقرآن، وأنت تكلمني بأفعال الناس، أتراك تعرفني بهذا، وبما قضى به علي وغيره ؟ فقال المغيرة. فأنت كافر بنبى قضى باليمين مع الشاهد، أو مؤمن به ؟ فسكت أبو يوسف فحجه (2) المغيرة. فسر بذلك الرشيد، وأمر للمغيرة بألف دينار. ثم أرسل الرشيد إلى مالك فقال: ما تقول في هذا المنبر، فإنى أريد أن أنزع ما زاد فيه معاويه بن أبى سفيان وأرده إلى الثلاث درجات، التي كانت بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنما هو من عود ضعيف قد تخرمته المسامير، فإن نقضته تفكك، وذهب أكثره، ومع هذا إنه يا أمير المؤمنين لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن عليه أن ينتقل عن المدينة، يأتي بعدك أحد فيقول أو يقال له: ينبغى لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون معك حيث كنت، فإنما المنبر للخليفة، فينتقل كما انتقل من المدينة كل ما كان بها من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أعلم أنه ترك له عليه الصلاة والسلام بها نعل ولا شعر ولا فراش ولا عصا ولا قدح ولا شئ مما كان له ها هنا من آثاره إلا وقد انتقل: فأطاعه الرشيد، وانتهى عن ذلك برأى


(1) يخصمه بضم الصاد: ينتصر عليه في هذه الخصومة. (2) حجه: انتصر عليه في حجته. (*)

[ 156 ]

مالك بن أنس وكان ذلك رحمة من الله لاهل المدينة، وتثبيتا لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم. مسير الرشيد إلى الفضل بن عياض قال: وذكروا أن الرشيد كان كثيرا ما يتلثم، فيحضر مجالس العلماء بالعراق وهو لا يعرف. وكان قد قسم الايام والليالي على سبع ليالى: فليلة للوزراء، يذاكرهم أمور الناس، ويشاورهم في المهم منها، وليلة للكتاب يحمل عليهم الدواوين، ويحاسبهم عما لزم من أموال المسلمين، ويرتب لهم ما ظهر من صلاح أمور المسلمين، وليلة للقواد، وأمراء الاجناد يذاكرهم أمر الامصار ويسألهم عن الاخبار، ويوقفهم على ما تبين له من صلاح الكور (1) وسد الثغور، وليلة للعلماء والفقهاء يذاكرهم العلم ويدارسهم الفقه، وكان من أعلمهم، وليلة للقراء والعباد يتصفح وجوههم، ويتعظ برؤيتهم، ويستمع لمواعظهم، ويرقق قلبه بكلامهم، وليلة لنسائه وأهله ولذاته، يتلذذ بدنياه، ويأنس بنسائه، وليلة يخلو فيها بنفسه، لا يعلم أحد قرب أو بعد ما يصنع، ولا يشك أحد أنه يخلو فيها بربه، يسأله خلاص نفسه، وفكاك رقه: فبينما هو يوما في مجلس محمد بن السماك، وقد قصد لرؤيته يسمع لموعظته، ولا يعلم أحد بمكانه، فسمع بعض أهل المجلس يذكر الفضل بن عياض، ويصف فضله وعبادته، وعلمه وروعه، فاشتهى النظر إليه، وتاقت نفسه إلى رؤيته ومحادثته، فتوجه من العراق إلى الحجاز قاصدا إليه، ومعه عبد الله بن المبارك فقيه أهل بغداد وعالمهم، وكان الفضل بن عياض يسكن الغيران. فلما قربا من موضعه قال عبد الله بن المبارك: يا أمير المؤمنين إن الفضل إن عرفك وعرف مكانك لم بأذن لك عليه، ويسفر عنك. فقال هارون: تستأذن أنت عليه، وتخفى مكاني عنه، حتى يأذن بالدخول فاستأذن عليه ابن المبارك. قال الفضل: من بالباب ؟ قال. ابن المبارك. قال: مرحبا يا أخي وصاحبى، فقال ابن المبارك: ومن معى يدخل ؟ فقال الفضل: ومن معك ؟ قال: رجل من قريش. فقال الفضل: لا إذن، لا حاجة لى برؤيه أحد من قريش. فقال له ابن المبارك: إنه من العلم والعناية والفقه فيه بمكان، فقال له الفضل: أو ما علمت أن إبليس أفقه الناس ؟ فقال له ابن المبارك: إنه سيد قريش في زمانه هذا وفوقهم، وإنما عنى أنه فوقهم في الدنيا وسيدهم فقال له الفضل: فإن كان كما تقول فليدخل، فدخل الرشيد فسلم عليه، ثم جلس بين يديه، فتحدثوا ساعة. فقال له أين المبارك: يا أبا الحسن، أتدرى من هذا قال: لا أدرى. فقال له:


(1) الكور بفتح الواو: القرى والبلاد الصغيرة. (*)

[ 157 ]

هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين، فنظر إليه الفضل بن عياض ساعة، ثم قال: هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ويؤاخذ بها، لئن كان العفو والغفران يسعك مع ما أنت فيه، إن هذا لهو الفضل المبين، وكان الرشيد من أجمل الناس خلقا، وأحسنهم نطقا، وأبلغهم لسانا، وأعذبهم كلاما، وأكثرهم علما وفهما، ثم جعل الفضل بن عياض يعظه ويخوفه حتى بكى هارون بكاء شديدا. قال ابن المبارك. ما رأيت أحدا يبكى بكاء الرشيد يومئذ، ثم أفاق من بكائه، فجعل الفضل يذكر مثالبه، ومثالب أهل بيته، ورداءة سبرتهم، وخلافهم الحق، ثم لم يدع شيئا يعيبه به، ولا أمرا ينتقصه فيه إلا واستقبله به. فقال له الرشيد: يا أبا الحسن، أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك: فقال الفضل: بلى. فقال الرشيد: فما جعلك بأحق أن ترجو المغفرة منى ؟ وأنا على دين يقبل الله فيه الحسنات، ويعفو عن السيئات، ومع ذلك فإني والله ما كنت لاخير (1) بين شئ وبين الله إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، الله الشاهد على قولى، والمطلع على نيتي وضميري، وكفى به شهيدا: وأنا مع هذا ألى من الاصالح بين الناس، والجهاد في سبيل الله، والامر بالمعروف، والنهى عن المنكر، مالا تليه أنت، فما جعلك أحق أن ترجو المغفرة مني ؟ فسكت الفضل ساعة ثم قال: ما ظلمك من حجك (2)، ثم قام هارون للخروج. فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا، فقال الرشيد: أجل إنه ما قلت. فلما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الامصار كلها، وإلى أمراء الاجناد، أما بعد: فانظروا من التزم الاذان عندكم، فاكتبوه في ألف من العطاء، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر مجالس العلم، ومقاصد الادب، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء، ومن جمع القرآن، وروى الحديث، وتفقه في العلم واستبحر، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء، وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الامر، من المعروفين به من علماء عصركم، وفضلاء دهركم، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم، فإن الله تعالى يقول: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم " وهم أهل العلم. قال ابن المبارك: فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن، ولا سابقا للخيرات، ولا حافظا للمحرمات بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين، ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم، ويروى الحديث، ويجمع الدواوين، ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة.


(1) الاخير: لا أفاضل بين شئ وبين الله. (2) من حجك: من غلبك بالحجة. (*)

[ 158 ]

ذكر الحائك المتطفل قال: وذكروا أن الرشيد لما انصرف من الحجاز وصار بالرقة (1) قال لوزيره عمرو بن مسعدة: ما زلت تكلمني وتستلطفنى في الرحجي حتى وليته الاهواز، فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما (2) وقضما، ولم يوجه إلي درهما، فاخرج إليه من ساعتك هذه، حتى تحل ساحته، ثم لا تدع له حرمة إلا انتهكتها، ولا أكرومة إلا أهنتها، ثم لا تسمع له حجة يرفعها، ولا تقبل منه كلمة ينهيها، إن اعتذر فلا تقبل له عذرا، وإن قال فلا تقبل له قولا، فشر قائل. وأكذب متظلم، فقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير مستحثا على عامل خراج ؟ ولكن لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين، إذ كانت ولايته بسببي. فقلت: أخرج يا أمير المؤمنين ؟ قال: فاحلف أنك لا تلبث في بغداد إلا يوما، فحلفت له، ثم انحدرت إلى بغداد، ثم خرجت، فلما صرت بين دير هرقل وبين دير العاقول، إذا رجل يصيح: يا ملاح، يا ملاح، رجل منقطع. فقلت للملاح: قرب إلى الشط. فقال: يا سيدى هذا رجل شحاذ وإن قعد معك آذاك، قال الوزيز: فلم يلتفت إليه ولقوله، وأمرت الغلمان فأدخلوه فقعد، فلما حضر الغداء دعوته، فكان يأكل أكل جائع بنهامة، إلا أنه نظيف الاكل، فلما رفع الطعام، أردت أن يقوم ويغسل يديه في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان، فلم يفعل، فتشاغلت عنه ليقوم، ثم قلت له: يا هذا ما صناعتك ؟ قال لي: حائك، فقلت في نفسي: هذه شر من الاولى، ما ألوم غير نفسي، إذ لم أقبل ممن نصحنى، وصرت أواكل الحوكة (3). فقلت: توضأ يا أخي، فتوضأ، ثم قال لي: جعلت فداك: قد سألتني عن صناعتي، فما صناعتك أنت ؟ فقلت في نفسي: هذه شر من الاولى، وكرهت أن أذكر الوزارة، وقلت أقتصر على الكتابة. فقلت له: كاتب. فقال: إن الكتابة على خمسة أصناف: كاتب رسائل، يحتاج أن يعرف الفصل من الوصل، والصدور ورقيق الكلام، والتهانى والتعازي، والترهيب والترغيب، والمقصور والممدود، وجملا من العربية. وكاتب جند يحتاج إلى أن يعرف حساب التقدير، وشيات (4) الدواب، وحلى الناس ونعوتهم (5). وكاتب قاض،


(1) الرقه: بلد على الفرات. (2) الخضم: الاكل مع مل ء الفم، وأكل الرطب، والقضم أكل اليابس، والمراد أنه يأكل خير الاهواز جميعه رطبا ويابسا ولا يترك من خيرها شيئا للدولة. (3) الحوكة: جمع حائك وهو خياط الثياب. (4) شيات الدواب: علاماتها. (5) نعوتهم: جمع نعت وهو الصفه أي أوصافهم. (*)

[ 159 ]

يحتاج أن يكون عالما بالشروط والاحكام، عارفا بالناسخ والمنسوخ من القرآن، والحلال، من الحرام، والفروع والمواريث. وكاتب شرطة، يحتاج أن يكون عالما بالجروح والقصاص والديات، فقيها في أحكام الدماء، عارفا بدعوى التعدي. وكاتب خراج، يحتاج أن يعرف الزرع والمساحة وضروب الحساب، فأيهم أنت أعزك الله ؟ قلت: فو الله ما قضى كلامه حتى صار أعظم الناس في نفسي وأحبهم إلي، وصار كلامه عندي أشهى من الماء البارد العذب على الظمآن. فقلت له: أصلحك الله، تقدم إلي، وادن مني أكلمك، وأقعدك المقعد الذي يقعده مثلك، فلولا أن من البر ما يكون عقوقا لاقعدتك مقعدي هذا. قال: مقعدي الذي أنا به أولى بى. فقلت: أمتع الله بك، أنا كاتب رسائل. قال: فأخبرني لو كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب والمكروه، ويكتب إليك في جميع الاسباب، فتزوجت أمه، كيف كنت تكتب إليه ؟ تهنئه أم تعزيه ؟ قلت: والله ما أدرى كيف الوجه في هذا وهو بالتعزية أولى منه بالتهنئة. قال: صدقت، كيف كنت تعزيه ! فقلت: والله ما أقف على ما تقول. قال: فلست بكاتب رسائل، فأيهم أنت ؟ قلت: كاتب خراج. قال: فما تقول أصلحك الله، وقد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه، فجاء قوم يتظلمون من بعض عمالك، فأردت أن تنظر في أمرهم، وتنصفهم إذا كنت تحب العدل، وتؤثر حسن الاحدوثة وطيب الذكر، وكان لاحدهم براح، فأردت مساحته، كيف كنت تمسحه ؟ قلت: أضرب العطوف في العمود، وأنظر إلى مقدار ذلك. قال: إذا تظلم الرجل. قلت: فأمسح العمود على حدته. قال: إذا تظلم السلطان. قلت: والله ما أدرى. قال: لست بكاتب خراج، فأيهم أنت ؟ قلت: كاتب جند. قال: فما تقول في رجلين اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع الشفة العليا، والآخر مقطوع الشفة السفلى، كيف كنت تنعتهما وتحليهما ؟ فقلت: كنت أكتب أحمد الاعلم (1)، وأحمد الاعلم. قال: كيف يكون هذا ورزق هذا مئتا درهم، ورزق ذاك ألف درهم، فيقبض هذا عطاء ذاك، وذاك عطاء هذا، فتظلم صاحب الالف ؟ قلت: والله ما أدرى: قال: فلست بكاتب جند، فأيهم أنت ؟ قلت: كاتب قاض. قال: فما تقول في رجل خلف سرية (2) وزوجة، وكان للزوجة بنت، وللسرية ابن، فلما كان تلك الليلة التى مات فيها الرجل، أخذت الحرة ابن السرية فادعته، وجعلت ابنتها مكانه، فتنازعتا فيه، فقالت هذه ابني، وقالت هذه ابني، كيف كنت تحكم بينهما وأنت خليفة


(1) الاعلم: هو مشقوق الشفة. (2) خلف: ترك بعد وفاته، والسرية الامة التى تسرى بها أي جامعها فولدت له، والزوجة هي الحرة. (*)

[ 160 ]

القاضى ؟ قلت: والله ما أدرى. قال: فلست بكاتب قاض، فأيهم أنت ؟ فقلت: كاتب شرطة. قال: فما تقول في رجل وثب على رجل، فشجه شجة موضحة (1)، فوثب عليه المشجوج فشجه شجة مأمومة (2)، كيف كنت تفضى بينهما ؟ فقلت: ما أعلم. قال: فلست بكاتب شرطة. فقلت: أصلحك الله: قد سألت ففسر لى ما ذكرت. فقال: أما الذي تزوجت أمه، فتكتب إليه: أما بعد، فإن أحكام الله تجرى بغير محاب المخلوقين، والله يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبر أكرم لها، والسلام. وأما البراح: فتضرب واحدا وثلثا في مساحة العطوف، فمن ثم بابه. وأما أحمد وأحمد: فتكتب حلية المقطوع الشفة العليا: أحمد الاعلم، والمقطوع الشفة السفلى: أحمد الاشرم. وأما المرأتان فيوزن لبن هذه ولبن هذه، فأيهما كان أخف، فهى صاحبة البنت. وأما صاحب الشجة: فإن في الموضحة خمسا من الابل، وفى المأمومة ثلاثا وثلاثين وثلثا، فيرد صاحب المأمومة ثمانية وعشرين وثلثا. فقلت: أصلحك الله ؟ فما أتى بك هاهنا ؟ قال: ابن عم لي كان عاملا على ناحية، فخرجت إليه، فألفيته معزولا فقطع بى، فأنا خارج أضطرب في المعاش. قلت: ألست قد ذكرت أنك حائك ؟ فقال: جعلت فداك: إنما أحوك الكلام، ولست بحائك الثياب. قال: فدعوت المزين فأخذ من شعره، وأدخل الحمام وطرحت عليه من ثيابي، فلما صرت إلى الاهواز كلمت فيه الرحجي، فأعطاه خمسة آلاف درهم، ورجع معى، فلما صرت إلى أمير المؤمنين ألفيته قد توقد علي نارا، وامتلا غيظا، وقد حلف بالمشى إلى الكعبة أن ينالني منه يوم سوء، لطول مقامي، واشتغالى عنه بالرجل، فلما دخلت عليه قال: ما كان من خبرك في طريقك، وما الذي شغلك بعد أمرى لك أن لا تلبث ببغداد إلا يوما واحدا، ويمينك على ذلك ؟ فأخبرته خبرى، حتى حدثته بحديث الرجل، وقصتي معه، قال: لقد جئتني بأعظم الفوائد، فلاي شئ يصلح ويحك ؟ قلت: هو والله يا أمير المؤمنين أعلم الناس بالفقه والعلم، والحلال والحرام، والهندسة والفلسفة، والحساب والكتابة. فولاه هارون البناء والمرمة (3)، والمهم من الامور، وأولاه على عمال الخراج يتقاضاهم ويحاسبهم، فكنت والله ألقاه في المواكب العظيمة، فينحط عن دابته ساعيا، حتى يقبل على يدى يقبلها، فأحلف عليه، فيقول: سبحان الله، إنما هذه نعمتك، وبك نلتها، ويقول:


(1) موضحة: الموضحة هي التى تظهر العظام بعد شق الجلد واللحم. (2) المأمومة التى بلغت أم الرأس أي غارت حتى وصلت إلى داخل العظم. (3) المرمه: إصلاح المباني وترميمها وهي مبنية. (*)

[ 161 ]

فلو أن للشكر شخصا يرى * إذا ما تأمله الناظر لمثلته لك حتى تراه * فتعلم أنى امرؤ شاكر قال عمرو بن مسعدة: ثم قال لى هارون: ويحك، لما أبطأت حلفت بالمشى إلى الكعبة أن ينالك منى يوم سوء، ولا والله ما هذا جزاؤك لدي فما الرأى ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت أعلى عينا، وأولى من بر يمينه. فقال: والله ما أريد ذلك. قلت: فليكفر أمير المؤمنين عن يمينه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر، وليأت الذي هو خير: فقال: ويحك: إن العلماء لم يروا الكفارة في هذا، وإنما تأولوا قوله عليه الصلاة والسلام في الايمان بالله تعالى، وقد أجمعت على المشي، والمضي إلى الكعبة راجلا. فقلت: أني لك بذلك ؟ وكيف تصل راجلا ؟ قال: لابد من ذلك. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، فأمهل عامك هذا حتى أسهل لك طريقا، وأحدد لك مراحل، وأوقت لك مواقيت يسهل عليك ذلك إن شاء الله. قال: ذلك لك. فأمر عمرو بالانهار فعرجت عن مسيلها، وبالآكام والجبال فسويت، وبالخنادق والاودية فردمت، حتى صار ما بينه وبين مكة كالراحة الموزونة، وصارت الانهار والاودية تسايره على طريقه، ثم صنع له مراحل، قد حدد له عند كل مرحلة حدا، وابتنى في كل مرحلة دارا، وكانت المرحلة بريدا، قدرها اثنا عشر ميلا، ثم أمر بالمراحل ففرشت بالبسط الرهاوية (1)، ونصب له جدارا بالستور، وسمكها بأكسية الخز الرفيع الملون، وقد ضرب عند كل فرسخ قبة مزوقة، قد أقام فيها الفرش الممهدة، وقد أحاط بها الظلال الممدودة بالرواقات الكثيفة، فيها أنواع الطعام والشراب وألوان الفواكه: فلما تم صنعه ذلك: وأبرم أمره. قال: يا أمير المؤمنين، قد تم ما أردته، وكمل ما حاولته، فانهض على اسم الله العظيم، وكانت زبيدة زوجته التى أغرته عليه، وحملته على اليمين لمعاقبته، فخرج الرشيد ماشيا، ومعه دابته وزبيدة، فكانت المرحلة تفرش، والستور تنصب، والسمك ترفع، فيمشي ثلاثة أميال، ثم ينزل في قبة أمامها رواق (2)، فينال راحته، ويصيب ما اشتهى من لذة في مأكل ومشرب، ثم ينهض ثلاثة أخرى، فينزل على مثل ذلك، فإذا استكمل مشى أربعة فراسخ، نزل في قصر قد شيد له، ودار قد بنيت، فيها حمام طيب، ينال فيها راحته مع أهله، ويصيب لذته مما شاء وكيف شاء، ثم يكسر (3) فيه يوما، ثم يخرج


(1) البسط الرهاوية: نسبة إلى اقليم الرها وهو مشهور بجودة البسط. (2) الرواق: السرادق أو الحوش المغطى بكساء. (3) يكسر فيه يوما: يحتجب فيه ويقيم. (*)

[ 162 ]

في اليوم الثاني إلى مثل ذلك، قد شايعه في طريقه الوزراء والقواد، وأمراء الاجناد، والعلماء والفقهاء، والجنود والعساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه في طريقه. إذا نزل في الرواق صار الخصيان حوله، بحيث يسمعون كلامه، ولا يرون شخصه، فلا يشتهى شيئا من معرفة أخبار الامصار والبلدان، إلا وخط فيه كتابا، يأمر فيه بإيصاله لحيث شاء من الاماكن، مسيرة الايام والليالي، فيأتيه الجواب من يومه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام، ويأتيه الجواب من يومه من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام، يعلق الكتاب في جناحه فيرتفع في الجو ارتفاعا يغيب شخصه عمن في الارض، وينقض على وطنه، وموضع فراخه، فإذا نزل لا يستقر نزوله، حتى يؤخذ الكتاب من جناحه، فيجاوب بما أحب، ثم يسرح غيره، فيرتفع في الجو حتى يوازى وطنه وموضعه من بعد تلك الاماكن التى عليها طريق أمير المؤمنين، فيؤخذ الجواب منه، وقد صار الموكلون بذلك لا يهتمون بغير ما قلدوا، ولا يتشاغلون بغير ما حملوا، فلم يزل كذلك ماشيا، حتى وصل إلى مكة في ثلاثة أشهر، فقضى حجه، وشهد مناسكه ومشاعره، ثم انصرف قافلا إلى بغداد، وذلك في آخر شهر ذى الحجة من سنة ثمانين ومئة. فلما هم بالانصراف، وذكر القفول إلى العراق، رفع إليه أهل مكة كتابا يسألونه فيه أن يولى عليهم قاضيا عدلا، فأدخلهم على نفسه، فقال: إن شئتم فاختاروا منكم رجلا صالحا أوليه قضاءكم، وإن أحببتم بعثت إليكم من العراق رجلا لا آلوكم فيه إلا خيرا، فخرجوا فاختاروا رجلا، فاختلفوا فيه، فاختارت طائفة منهم رجلا، واختارت أخرى رجلا آخر، فلما اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد يذكرون اختلافهم. فقال لهم هارون: أدخلوا علي هذين الرجلين اللذين اختلفتم فيهما، فإذا برجلين، أحدهما شيخ من قريش، والآخر غلام حدث من الموالى. فلما نظر إليهما الرشيد قال للشيخ: ادن منى، فدنا منه، فقال له الرشيد: أيها القاضى، إن بينى وبين وزيرى هذا خصومة وتنازعا، فاقض بيننا بالحق. فقال الشيخ: قصا علي قصتكما، فقصا عليه، فقال الشيخ: تقيم البينة يا أمير المؤمنين على ما ذكرته، أو يحلف وزيرك هذا. فقال له هارون: إن أخى لا يدافعني ما أقول، ولا ينكر إلا قليلا مما أدعى، فلم يزالا يرددان القول بينهما ويتنازعان، حتى قضى القاضى لامير المؤمنين على الوزير. فقال له: قم، فقام عنه. ثم دعا بالغلام الحدث، الذى دعته الطائفة الاخرى، فدخل عليه. فقال له: ادن منى، فدنا منه. فقال له هارون: إن بينى وبين وزيرى تنازعا وخصومة، فاسمع منا قولنا، ثم اقض بيننا بالحق. قال لهما: إن مقعدكما مختلف، ومجلسكما متناء، وأخشى إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما، فإذا تفاضل مجلس الخصوم اختلف بينهما القول، وكان صاحب المجلس الا رفع ألحن بحجته، وأدحض لحجة صاحبه،

[ 163 ]

وكان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الا رفع أكثر، وإليه أميل. ولكن تقومان من مجلسكما هذا الذي قد استعليتما فيه، فتجلسا بين يدي، ثم أسمع منكما قولكما، وأقضى لمن رأيت الحق له، ثم لا أبالى على من دار منكما. فقال الرشيد: صدقت وبررت في قولك، فقام الرشيد، وقام عمرو بن مسعدة، حتى صارا بين يديه جالسين. فلما جلسا بين يديه ذهب الرشيد ليتكلم. فقال له القاضى: لو تركت هذا يتكلم، فإنه أسن منك. فقال الرشيد. إن الحق أسن منه. فقال القاضى: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحويصة ومحيصة (1): كبر كبر. يريد ليتكلم عمكما، لانه أسن منكما وأكبر، فتكلم عمرو ابن مسعدة، ثم تكلم الرشيد، وتنازعا الخصومة، وترافعا الحجة بينهما، حتى رأى القاضى أن الحق لعمرو، فقضى له به على الرشيد، فلما قضى عليه قال لهما: عودا إلى مجلسكما، فعادا، فعجب الرشيد من قضائه وعدله واحتفاظه وقلة ميله، فالتفت إلى عمرو فقال: إن هذا أحق بقضاء القضاة من الذى استقضيناه. فقال عمرو: بلى والله، ولكن القوم أحق بقاضيهم إلا أن يأذنوا فيه، فدعا الرشيد برجال مكة، فأدخلهم على نفسه، وأجزل لهم العطاء، وأحسن على قاضيهم الثناء. ثم قال لهم: هل لكم أن تأذنوا أوليه قضاء القضاة، فيسير إلى العراق يقضى بينهم ؟ فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين أنت أحق به نؤثرك على أنفسنا. فأرسل إليه الرشيد فقال: إني قد وليتك قضاء القضاة، فسر إلى العراق لتقضى بينهم، وتولى القضاة في البلدان والامصار من تحت يدك، وتوليتهم إليك، وعزلهم عليك. فقال القاضى: إن يجبرنى أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة، وإن يخيرني في نفسي اخترت العافية، وجوار هذا البيت الحرام. فقال الرشيد: ما ينبغى لى أن أدع المسلمين وفيهم مثلك، لا أوليه عليهم، فخذ على نفسك فإنى مصبح على ظهر إن شاء الله. فخرج الرشيد ومعه الفتى حتى قدم العراق، فولاه القضاء، وجعل إليه قضاء القضاة، فلم يزل بها قاضيا حتى توفى، وذلك بعد ثلاثة أعوام من توليته. فلما توفى اغتم الرشيد وشق عليه، فجعل الناس يعزونه فيه علما منهم بما بلغ منه الغم عليه. فسأل عن قاض يوليه قاضى القضاة في العراق بعد ذلك، فرفعت إليه تسمية عشرة رجال من خيار الناس وعلمائهم وأشرافهم، فلما رفعت إليه التسمية، أمر بهم فأدخلوا عليه رجلا رجلا، ليتفرس فيهم من يوليه القضاء، فنظر إلى رجل منهم توسم فيه الخير والعلم فأمر به فقدم إليه. فلما صار بين يديه، قال له: ما اسمك ؟ قال: معشوق: قال: فما كنيتك ؟ قال: أبو الهوى. قال: فما نقش خاتمك ؟ قال: دام الحب دام، وعلى الله التمام. فقال له: قم لا قمت. ثم دعا بالآخر، وكان قد تفرس فيه ما تفرس في صاحبه فقال له: ما نقش خاتمك ؟ فقال: " مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " فقال


(1) هما حويصة ومحيصة ابنا مسعود الصحابيان. (*)

[ 164 ]

له اخرج: فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن برمك، وكان ممن رفع إليه أسماءهم، فعنفه بهم، وقال: رفعت إلي أسماء المجانين. قال له: والله ما في العراقيين أعقل من الرجلين اللذين سالت، ولا أفضل منهما. فقال: ويحك إنى اختبرت منهما جنونا. قال يحيى: إنهما والله كانا كارهين لما دعوتهما إليه وإنما أراد التخلص منك. قال: ويحك: أعدهما علي، فطلبا فلم يوجدا. ذكر الاعرابي مع هارون الرشيد قال: وذكروا أن أعرابيا قدم على هارون الرشيد مستجديا، فأراد الدخول عليه، فلم يمكنه ذلك، فلما رأى أنه لم يؤذن له، أتى عبد الله ابن الفضل الحاجب، فقال له: توصل كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، وكان الرشيد قد عهد إى حاجبه أن لا يحبس عنه كتاب أحد قرب أو بعد، فأعطاه الاعرابي كتابا فيه أربعة أسطر. السطر الاول فيه: الضرورة والامل قادانى إليك. والثانى العدم يمنع من الصبر. والثالث: الانقلاب عنك بلا فائدة شماتة الاعداء. والرابع: فإما " نعم " مثمرة ! وإما " لا " مريحة. فلما وصل الكتاب إلى الرشيد قال: هذا رجل قد ساقته الحاجة، ووصلت إليه الفاقة، فليدخل، فدخل فقال له الرشيد: إرفع حاجتك يا أعرابي. فقال الاعرابي: إن مع الحاجة حويجات. فقال له الرشيد: ارفع حاجتك وحويجاتك تقض كلها. قال الاعرابي: تأمر لى يا أمير المؤمنين بكلب أصيد به، فضحك الرشيد ثم قال له: قد أمرنا لك بكلب تصيد به. فقال: تأمر لى يا أمير المؤمنين بداية أركبها: فقال الرشيد: قد أمرنا لك بداية تركبها. فقال: تأمر لى يا أمير المؤمنين بغلام يخدم الدابة. فقال له الرشيد: قد أمرنا لك بغلام. قال الاعرابي: تأمر لى يا أمير المؤمنين بجارية تطبخ لنا الصيد، وتطعمنا منه، فقال الرشيد: قد أمرنا لك بجاريتين، جارية تؤنسك وجارية تخدمك. فقال الاعرابي: لابد لهؤلا، من دار يسكنونها. فقال له الرشيد: قد أمرنا لك بدار، فقال الاعرابي: يا أمير المؤمنين يصيرون فيها عالة على الناس، وعلي كلالة، لا يدلهم من ضيعة تقيمهم. فقال له الرشيد: قد اقتطعتك مئة جريب (1) عامرة ومئة جريب غامرة (2). فقال الاعرابي: ما الغامرة يا أمير المؤمنين ؟ قال الرشيد: غير معمورة تأمر بعمارتها. فقال الاعرابي: أنا أقطعتك ألف ألف جريب من أرض أخوالى بنى أسد بالحجاز تأمر بعمارتها، فضحك الرشيد وقال: قد أقطعتكها عامرة كلها. ثم قال الرشيد: تمت


(1) الجريب: الوادي والعامرة الآهلة بالسكان. (2) غامرة: مغمورة مجهولة ليس بها سكان. (*)

[ 165 ]

حويجاجتك كلها يا أعرابي ؟ فقال نعم، وبقيت حاجتى العظمى. فقال له الرشيد. ارفعها تقض فقال أقبل رأسك يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: هذا لا سبيل إليه. فقال الاعرابي: أتمنعني حقا هو لى، وتدفعني عما بذلت لى أمير المؤمنين ! فقال الرشيد ؟ هذا الامر لا يكون يا أعرابي، ولا سبيل إلى مثل هذا. فقال الاعرابي: لابد من أن أصل إلى حقى، إلا أن أغصبه: فقال له الرشيد: يا أعرابي أشترى منك هذا الحق الذي وجب لك: فقال له الاعرابي: هذا الحق مما لا يشترى، وهل في الارض من المال ما يكون ثمنا لهذا أو عوضا منه ؟ لا والذي نفسي بيده ما في الدنيا صفراء ولا بيضاء يشترى بها هذا. فقال الرشيد: تبيعه ببعض ما تراه من الثمن، فإنه لا يكون ولا يتوصل إليه. فقال له الاعرابي: فإذا قد أبيت فأعطني مما أعطاك الله، فأمر له بمئة ألف دينار، فأتى بها إليه. فقال الاعرابي: ما هذه ؟ فقيل له: هذه مئة ألف دينار تأخذها. فقال الاعرابي: هي للغرماء علي: وهم أولى بها مني، فضحك الرشيد، ثم أمر له بمئة ألف أخرى. فقال: ما هذه ؟ فقيل له: مئة ألف ثانية، والاولى للغرماء، وهذه لك. فقال الاعرابي: هذه لضعفاء أهلى، يصلهم بها أمير المؤمنين، فبم أوسع على نفسي ؟ فأمر له الرشيد بمئة ألف ثالثة. فقيل له: هذه مئة ألف ثالثة، توسع بها على نفسك في معيشتك، أرضيت يا أعرابي ؟ فقال: نعم رضيت، فرضى الله عنك يا أمير المؤمنين، وابنى فضالة يقرأ السلام عليك، ويسألك مئة ألف، يستعين بها في نكاحه، ويتزين بها في دنياه، وإنه قد جمع القرآن وعرف شرائعه وأحكامه، وعلم ناسخه ومنسوخه، وتفنن في ضروب من العلم، وأحكم أنواع الادب، وقد جمع الدواوين والكتب، وتبحر في فهم الحديث والاثر، قد أخذ من من كل علم أهذبه ومن كل ضرب أمحضه إلى لب لبيب، وعقل رصين، وعلم ثابت، ونظر عجيب، وفضل ودين، يصوم النهار كله، ويقوم الليل أكثره، وقد صار في كثير من الاهل والعيال، وعدد من البنين والصبيان. فقال الرشيد: أو لست تذكر يا أعرابي أنه يريد الاستعانة على النكاح، والتوسع في المعاش، ثم أراك تصفه بكثرة العيال، وعدد البنين والصبيان ؟ فقال الاعرابي: يا أمير المؤمنين إنه ذو ثلاث نسوة من حرائر النساء، وتسعة من سرائر الاماء، وهو ذو خمسة من الولد من كل حرة، وذو سبع بنات من كل أمة، ويبتغى نكاح الرابعة الحرة، استتماما لما أمر الله به في التنزيل المحكم، وأباح في كتابه الناطق، بكلامه الصادق. فقال الرشيد: يا أعرابي لقد سألت كيثرا، فهلا سألت مئة ألف درهم فتعطاها. قال الاعرابي: فأعطه يا أمير المؤمنين تسعين ألف دينار، واحطط عنك عشرة آلاف دينار. فقال الرشيد: والله لقد سألت كثير، وتحططت قليلا. قال الاعرابي: إنما سألتك يا أمير المؤمنين على قدرك، وحططت على قدري، فاختر ما شئت. فقال الرشيد: يا أعرابي إنما تريد مغالبتي، لا غلبتني اليوم، فأمر له بمئة ألف دينار ذهبا.

[ 166 ]

فقال له أمير المؤمنين: أرضيت يا أعرابي ؟ فقال: ما بقى لى شئ يا أمير المؤمنين إلا الحملان والكسوة، وطرائف الكوفة، وتحف البصرة، وجوائز الضيافة وحقها. فقال الرشيد: وما يصلح لك من الحملان يا أعرابي ؟ فقال: أقصد ما يكون دابة للجمال، وأخرى للحملان وثلاثة للاسترحال، ولابني مثل ذلك، ومن الكسوة ما لابد منه من ثياب المهنة والاستشعار، ومالا غنى عنه من الوطاء والدثار، مع رائع الثياب التى تكون للجمال والجماعات والاعياد، ولابني وبنى ابني مثل ذلك. فدعا الرشيد بجعفر بن يحيى وقال: أرحني من هذا، وأمر له بما سأل من الحملان، وما أراد به من ثياب المهنة والجمال، وأغدق عليه من التحف والطرائف ما ترضيه به، وأخرجه عنى، فخرج جعفر فأمر له بما سأل وأعطاه ما أراد. ثم انصرف الاعرابي راجعا إلى الحجاز بأموال عظيمة، لا يوصف أكثرها، ولا يعرف أقلها، وكل هذا يقل عندما عرف من جود الرشيد وسخائه، وجزيل عطائه، قتل جعفر بن يحيى بن يرمك قال عمرو بن بحر الجاحظ: حدثنى سهل بن هارون، قال: والله إن كان سجاعو الخطب، ومحبر والقريض لعيالا على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر بن يحيى، ولو كان كلام يتصور درا، ويحيله المنطق السري، جوهرا، لكان كلامهما، والمنتقى من لفظهما، ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد، في بديهته وتوقيعاته في أسافل كتبه، عيين، وجاهلين أميين، ولقد عبرت معهم وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم، وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ولم تكن مقصورة إلا عليهم، ولا انقادت إلا لهم، وأنهم محض (1) الانام، ولباب الكرام، وملح الايام، عتق منظر، وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة لفظ، ونزاهة أنفس، واكتمال خصال، حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم، والمأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم، من لدن آدم أبيهم إلى نفخ الصور، وانبعاث أهل القبور، حاشا أنبياء الله المكرمين، وأهل وحيه المراسلين، لما باهت إلا بهم، ولا عولت في الفخر إلا عليهم، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورفق ميثاقهم، ومعسول مذاقهم، وسنى إشرافهم، ونقاوة أعراضهم، وطيب أغراضهم، واكتمال خلال الخير فيهم إلى مل ء الارض مثلهم، في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر، وكالخردلة في المهمه القفر. قال سهل: إني لمحصل أرزاق العامة بين يدى يحيى بن خالد في داخل سرادقه، وهو مع الرشيد بالرقة (2)، وهو يعقدها جملا بكفه، إذ غشيته سآمة، وأخذته سنة، فغلبته عيناه. فقال:


(1) خلاصة الناس. (2) الرقة: بلدي على الفرات وأخرى غربي بغداد. (*)

[ 167 ]

ويحك يا سهل، طرق النوم شفرى عيني، فأظلمت وأكلت السنة خواطري، فما ذاك ؟ قلت: طيف كريم، إن أقصيته أدركك، وإن غالبته غلبك، وأن قربته روحك، وإن منعته عنتك، وإن طردته طلبك. فنام أقل من فواق بكية (1) أو نزح ركية (2)، ثم انتبه مذعورا، فقال: يا سهل، لامر ما كان، ذهب والله ملكنا، وذل عزنا، وانقطعت أيام دولتنا. فقلت: وما ذاك أصلح الله الوزير. قال: كأن منشدا أنشدني: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر فأجبته عن غير روية ولا إجالة فكر: بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالى والجدود العواثر فو الله ما زلت أعرفها فيه، وأراها ظاهرة منه إلى الثالث من يومه ذلك، فإنى لفي مقعدي ذلك بين يديه، أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه، فقد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا ساعيا إليه، حتى ارتمى مكبا عليه، فرفع رأسه وقال: سهلا ويحك: ما اكتتم خير، ولا استتر سر. قال له: قتل أمير المؤمنين الساعة جعفرا. قال: أو فعل ؟ قال: نعم، فما زاد أن رمى بالقلم من يده وقال: هكذا تقوم الساعة بغته. قال سهل: فلو انكفأت السماء على الارض ما تبرأ منهم الحميم، أو استبعد عن نسبهم القريب، وجحد ولاءهم المولى، واستعبرت لفقدهم الدنيا، فلا لسان يخطر بذكرهم، ولا طرف ناظر يشير إليهم، وضم يحيى وبقية ولده الفضل، ومحمدا وخالدا بنيه، وعبد الملك ويحيى وخالدا بنى جعفر بن يحيى، والعاصي ويزيد، ومعمرا بنى الفضل بن يحيى، ويحيى وجعفرا وزيدا، بنى محمد بن يحيى، وإبراهيم ومالكا وجعفرا وعمرا بنى خالد بن يحيى، ومن لف لفهم، أو هجس بنفسه أمل فيهم. قال سهل: وبعث إلي الرشيد فو الله لقد أعجلت عن النظر، فدخلت ولبست ثياب أحزاني، وأعظم رغبتي إلى الله الاراحة بالسيف، وإلا نعيت كما نعى جعفر فلما دخلت


(1) البكية كثيرة البكاء، والفواق المقدار أي نام أقل من مدة بكاء باكية على من تبكيه. (2) الركية: البئر ونزحها استخراج الماء منها، والمراد أنه نام قليلا. (*)

[ 168 ]

عليه، ومثلت بين يديه، عرف الذعر في تجريض (1) ريقي، والتمايد (2) في طريقي، وشخوصي إلى السيف المشهور ببصرى. فقال هارون: إيها يا سهل، من غمط نعمتي، واعتدى وصيتى، وجانب موافقتي أعجلته عقوبتي. فو الله ما وجدت جوابها حتى قال: ليفرخ روعك (3)، وليسكن جأشك، ولتطب نفسك، ولتطمئن حواسك. فإن الحاجة إليك قربت منك، وأبقت عليك بما يبسط منقبضك، ويطلق معقولك (4)، فاقتصر على الاشارة قبل اللسان، فإنه الحاكم الفاصل، والحسام الناصل، وأشار إلى مصرع جعفر وهو يقول: من لم يؤد به الجميل * ففى عقوبته صلاحه قال سهل: فو الله ما أعلمني أنى عييت بجواب أحد قط غير جواب الرشيد يومئذ، فما عولت في شكره والثناء عليه، إلا على تقبيل يديه، وباطن رجليه. ثم قال لي: اذهب فقد أحللتك محل يحيى بن خالد، ووهبتك ما ضمته أبنيته، وحوى سرادقه، فاقبض الدواوين، وأحص جباءه، وجباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله. قال سهل: فكنت كمن نشر عن كفن وأخرج من حبس، فأحصيت جباءهما فوجدت عشرين ألف ألف دينار، ثم قفل إلى بغداد راجعا، وفرق البرد إلى الامصار بقبض أموالهم وغلاتهم، وأمر بجيفة جعفر، فنصبت مفصله على ثلاثة جذوع، رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الفرات، وبعض جسده في جذع آخر في آخر الجسر الاول وأول الجسر الثاني، مما يلى بغداد، قال سهل: فلما دنونا من بغداد، طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر لنا أولا، واستقبلنا وجهه، واستقبلته الشمس، فو الله لخلتها تطلع من بين حاجبيه، وأنا عن يمينه، وعبد الملك بن الفضل عن يساره. فلما نظر إليه الرشيد، كأنه قنئ شعره، وطلى بنور بشره، واربد وجهه، وأغضى بصره قال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب لم يسعه عفو أمير المؤمنين. فقال الرشيد، وغرورقت عيناه حتى لعرفنا الجهش في صدره: من يرد غير مائه يصدر بمثل دائه، ومن أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته. علي بالنضاحات. قال سهل: فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها، وهو يقول: أما والله لئن ذهب أثرك، لقد بقى خبرك،


(1) تجريض الريق: ذهاب مائه وجفاف الحلق. (2) التمايد: التمايل وعدم الثبات. (3) الروع: الخوف وإفراخه: ذهابه، أي لتهدأ وتطمئن ويذهب خوفك. (4) المعقول: المقيد، أي إني سأعطيك ما منع عنك حتى تكون حرا طليقا في كل ما تبغى وتريد. (*)

[ 169 ]

ولئن حط قدرك لقد علا ذكرك. قال سهل: وأمر بضم أموالهم، فوجد من العشرين ألفا التى كانت مبلغ جبائهم اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها صكوك مختومة، بتفسيرها وفيمن حبوا بها، فما كان منها حباء على غريبة أو استطراف ملحة تصدق يحى بها، وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، وساعات أعطياتها، فكان ديوان إنفاق، واكتساب فائدة، وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وست مئة ألف وستين ألفا إلى سائر ضياعهم وغلاتهم ودورهم ورباعهم ورياشهم، والدقيق (1) والجليل من مواعينهم، فإنه لا يصف أقله، ولا يعرف أكثره إلا من أحصى الاعمال، وعرف منتهى الآجال. وأبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة المهدى، فو الله ما علمته عاش ولا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدقا عليه، وصار من موجدة الرشيد فيما لم يعلم من ملك قبله على آخر ملكه. وكانت أم جعفر بن يحى فاطمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن قحطبة بن شبيب قد أرضعت الرشيد مع جعفر، وكان ربي في حجرها، وغذي برسلها، لان أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لاكرامها، والتبرك برأيها، وكان قد آلى على نفسه، وهو في كفالتها أن لا يحجبها، وأن لا تستشفعه لاحد إلا شفعها، وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها، ولا تشفعت لاحد لغرض دنيا. قال سهل: فكم أسير فكت، ومبهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرجت. قال: واحتجب الرشيد بعد قدومه، فطلبت الاذن عليه من دار البانوقة، ومتت بوسائلها إليه، فلم يأذن لها ولا أمر بشئ فيها، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها، واضعة لثامها، محتفية في مشيتها، حتى صارت بباب قصر الرشيد، فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب، فقال ظئر (2) أمير المؤمنين بالباب، في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى حنين الولد وشفقة أم الواحد، فقال له الرشيد: ويحك يا ابن الفضل: أو ساعية ؟ فقال: نعم أصلح الله الامير حافية. فقال: أدخلها يا عبد الملك، فرب كبد كريم غذتها، وكربة فرجتها، وعورة سترتها. فقال سهل: فو الله ما شككت في شئ قط ما شكتت يومئذ في إجابة طلابها وإسعافها بحاجتها. فلما دخلت ونظر إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس، فأكب على تقبيل رأسها ومواضع ثديها، ثم أجلسها معه. فقالت يا أمير المؤمنين، أيعدو علينا الزمان، ويجفونا خوفا لك الاخوان، يحردك بنا البهتان، ويوسوس لك بأذانا الشيطان، وقد ربيتك


(1) الدقيق: الصغير الحقير، والجليل الكبير العظيم. (2) الظئر: في الاصل العاطفة على ولد غيرها ثم أطلق على المرضعة لولد غيرها، أي مرضعة أمير المؤمنين بالباب، ويطلق الطئر أيضا على الرجل زوج المرضعة لغير ولدها. (*)

[ 170 ]

وأخذت برضاعي لك الامان من دهري. فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد ؟ قال سهل: فآيسنى من رأفته بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني منه في بره بها أو لا. قالت له: ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك: ولا أرشحه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته له، وإشفاقه، عليه، وتعرضه للحتف في شأن موسى أخيه. فقال: يا أم الرشيد، قدر سبق، وقضاء حم، وغضب من الله نزل. قالت: يا أمير المؤمنين: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب: فقال الرشيد: صدقت، فهذا مما لا يمحوه الله. فقالت: الغيب محجوب عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين ؟ فأطرق الرشيد يسيرا ثم قال: وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع فقالت بغير روية: ما أنا ليحي بتميمة يا أمير المؤمنين. وقد قيل: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الاعمال هذا بعد قول الله " والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين " فأطرق هارون قليلا ثم قال: إذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد * إليه بوجه آخر الدهر تقبل فقالت: يا أمير المؤمنين وهو يقول: ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني * يمينك فانظر أي كف تبدل قال الرشيد: رضيت. فقالت: يا أمير المؤمنين، فهبه لله تعالى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك شيئا لله لم يوجده الله، فأكب الرشيد مليا، ثم رفع رأسه وهو يقول: لله الامر من قبل ومن بعد. قالت: يا أمير المؤمنين: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ". واذكر يا أمير المؤمنين أليتك (1): ما استشفعت إلا شفعتني. قال: واذكري يا أم الرشيد أليتك: أن لا شفعت لمقترف ذنبا. قال سهل ابن هارون: فلما رأته صرح بمنعها، ولاذ من مطلبها، أخرجت له حقا من زمردة خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا ؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب، فأخرجت منه خفضه (2) وذوائبه وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك. فقالت: يا أمير المؤمنين: أستشفع


(1) الالية: الحلف: أي اذكر يمينك التى حلفتها لئن تشفعت عندك لتقبلن شفاعتي. (2) خفضة: قطعة اللحم التى قطعت منه عند ختانه، وذوائبه: شعره الذى قص عند أول حلافته، وثناياه: أسنان طفولته التى سقطت منه، ونبت له غيرها. (*)

[ 171 ]

إليك، وأستعين بالله عليك، وبما صار معى من كريم جسدك، وطيب جوارحك، ليحي عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا، وبكى أهل المجلس، ومر البشير إلى يحيى، وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له، ورجوع عنه. فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق، وقال لها: لحسن ما حفظت الوديعة: قالت: وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين. فسكت: وطبع الحق، ودفعه إليها، وقال: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها "، قالت: يا أمير المؤمنين وقال عز وجل: " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "، وقال تعالى: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم "، فقال لها: وما ذاك يا أم الرشيد ؟ قالت: ما أقسمت لى به يا أمير المؤمنين، أن لا يحجبك عنى حاجب. فقال لها: يا أم الرشيد، أحب أن تشتريه محكمة فيه. قالت: أنصفت يا أمير المؤمنين، وقد فعلت غير مستقيلة لك، ولا راجعة عنك. قال: بكم ؟ قالت: برضاك عمن لم يسخطك: قال: يا أم الرشيد، أمالى عليك من الحق مثل الذى لهم ؟ قالت: بلى يا أمير المؤمنين إنك لاعز علي، وهم أحب إلي. قال: إذا فتحكمي في ثمنه بغيرهم. قالت: بلى وقد وهبتكه وجعلتك في حل منه، وقامت عنه، فبقى الرشيد مبهوتا، ما يحير لفظة. قال سهل: وخرجت عنه فلم تعد إليه، ولا والله إن رأيت عينى لعينها عبرة، ولا سمعت أذنى لنعيها أنه. قال سهل: وكان الامين رضيع يحيى بن جعفر، فمت إليه يحيى بن خالد بذلك، فوعده استيهاب أمه إياهم، ثم شغله اللهو عنهم، فكتب إليه يحي، وقيل: إنها لسليمان الاعمى أخى مسلم بن الوليد: يا ملاذي وعصمتي وعمادي * ومجيري من الخطوب الشداد بك قام الرجاء في كل قلب * زاد فيه البلاء كل مزاد إنما أنت نعمة أعقبتها * أنعم نفعها لكل العباد وعد مولاك أتممتة فأبهى الد * ر ما زين حسنه بانعقاد ما أظلت سحائب اليأس إلا * خلت في كشفها عليك اعتمادي إن تراخت بداك عنى فواقا * أكلتنى الايام أكل الجراد وبعث بها إليه، فبعثها الامين إلى أمه زبيدة، فأعطها الرشيد وهو في موضع لذاته، وفي إقبال من أريحيته، وتهيأت للاستشفاع لهم، وهيأت جواريها ومغنياتها، وأمرتهن بالقيام إليه معها. فلما فرغ الرشيد من قراءتها لم ينقض حبوته (1) حتى وقع في أسفلها: عظيم ذنبك أمات


(1) لم ينقض حبوته: أي لم يتحرك من مكانه، وأصل الحبوة أن يجلس الرجل واضعا ركبتيه منصوبتى الساقين ملتصتقين ببطنه، ولكن المراد هنا لم يتحرك من مكانه. (*)

[ 172 ]

خواطر العفو عنك. ورمى بها إلى زبيدة، فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع عنه. قال: واعتل يحي، فلما شفى دعا برقعة فكتب في عنوانها: ينفذ أمير المؤمنين أبقاه الله عهد مولاه يحيى بن خالد، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، قد تقدم الخصم لموضع الفصل، وأنت على الاثر، والله الحكم العدل. فلما ثقل قال للسجان: هذا عهدي، توصله إلى أمير المؤمنين، فإنه ولي نعمتي، وأحق من نفذ وصيتى فلما مات أوصل السجان عهد يحيى إلى الرشيد. فلما قرأه استمد (1)، فكتب، ولا أدرى لمن الرقعة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أكفيك ؟ قال: كلا: إنى أخاف عادة الراحة أن يقوى سلطان العجزة فيحكم الغفلة، ويقضى بالبلادة. قال سهل: فوقع فيها: الحكم الذى رضيت به في الآخرة لك، هو أعدى الخصوم عليك في الدنيا، وهو من لا ينقض حكمه، ولا يرد قضاؤه، ثم رمى الكتاب إلي، فلما رأيته علمت أنه ليحيي، وأن الرشيد أراد أن يؤثر الجواب عنه. قال سهل: قلت لبعض من أثق بوفائه، وأعتقد صدق إخائه من خصيان القصر المتقدمين عند أمير المؤمنين، والمتمكنين من كل ما يكون لديه. ما الذي نعى جعفر بن يحيى وذويه عند أمير المؤمنين، وما كان من ذنبه الذي لم يسعه عفوه، ولم يأت عليه رضاه ؟ فقال: لم يكن له جرم، ولا لديه ذنب، كان والله جعفر على ما عرفته عليه، وفهمته عنه من اكتمال خصال الخير، ونزاهة النفس من كل مكروه ومحذور، إلا أن القضاء السابق، والقدر النافذ لابد منه. كان من أكرم الخلق على أمير المؤمنين، وأقربهم منه، وكان أعظمهم قدرا وأوجبهم حقا فلما علم ذلك من حسن رأى أمير المؤمنين فيه وشديد محبته له، استأذنته أخته، فاختة بنت المهدي وشقيقته في إتحاف جعفر ومهاداته، فأذن لها، وكانت قد استعدت له بالجوارى الرائعات، والقينات الفاتنات، فتهدى له كل جمعة بكرا يفتضها، إلى ما يصنع له من ألوان الطعام والشراب والفاكهة، وأنواع الكسوة والطيب، كل ذلك بمعرفة أمير المؤمنين ورأيه، فاستمرت بذلك زمانا، ومضت به أعواما. فلما كانت جمعة من الجمع، دخل جعفر القصر الذي استعددت به، ولم يرع جعفر إلا بفاختة ابنة المهدى في القصر، كأنها جارية من الجوارى اللاتى كن يهدين له، فأصاب منها لذته، وقضى منها حاجته، ولا علم له بذلك. فلما كان المساء، وهم بالانصراف، أعلمته بنفسها، وعرفته بأمرها، وأطلعته على شديد هواها، وإفراط محبتها له، فازداد بها كلفا، وبها حبا، ثم استعفاها من المعاودة إلى ذلك. وانقبض عما كان يناله من جواريها، واعتذر بالعلة والمرض، فأعلم جعفر أباه يحيى. فقال له: يا بني أعلم أمير


(1) استمد: وضع قلمه في المداد وهو الحبر. (*)

[ 173 ]

المؤمنين ما كان معجلا، وإلا فأذن لى فأعلمه، فإني أخاف علينا يوم سوء إن تأخر هذا، وبلغه من غيرنا، وإعلامك له في هذا الوقت يسقط عنا ذلك الذنب، فهى أحق بالعقوبة منك قال: جعفر: لا والله لا أعلمته به أبدا، فالموت علي أيسر منه، وأرجو الله أن لا يطلعه عليه، فقال له يحيى: لا تظن هذا يخفى عليه، فأطعني اليوم وأعلمه. فقال جعفر: والله لا أفعل هذا أبدا ولا أتكلم به، وبالله أستعين، فلم يرع الرشيد إلا أن رفعت إليه جارية من جواريها رقعة، وأعلمت ذلك فيها فاستحق ذلك عند الرشيد باستعفاء جعفر لما كان من إتحافها، واعتذاره بالعلة من غير مرض ينهكه، فغفل عنه الرشيد، ولم ير لذلك جفوة، ولا زاد له إلا كرامة، ولا لديه إلا حرمة ورفعة، حتى قرب وقت الهلاك، ودنا منقلب الحتف، والله أعلم. قد تم بعون الله تعالى ما به ابتدأنا، وكمل وصف ما قصصنا، من أيام خلفائنا وخير أئمتنا، وفتن زمانهم، وحروب أيامهم، وانتهينا إلى أيام الرشيد، ووقفنا عند انقضاء دولته، إذ لم يكن في اقتصاص أخبار من بعده، ونقل حديث ما دار على أيديهم، وما كان في زمانهم كبير منفعة، ولا عظيم فائدة، وذلك لما انقضى أمرهم، وصار ملكهم إلى صبية أغمار (1)، غلب عليهم زنادقة العراق، فصرفوهم إلى كل جنون، وأدخلوهم إلى الكفر، فلم يكن لهم بالعلماء والسنن حاجة، واشتغلوا بلهوهم، واستغنوا برأيهم. وكان الرشيد مع عظم ملكه، وقدر شأنه، معظما للخير وأهله، محبا لله ورسوله، ولما دخلت عليه سنة تسعين ومئة أخذته الحمى التى أخبر بها جده أبو جعفر المنصور، وهو في المهد صغيرا، فعرف أنه قد دنا أجله، وحان هلاكه، فاجتمع إليه أطباء العراق يعالجونه، ثم استعان بأطباء الروم والهند، واستجلبهم من الآفاق، فلم يرالوا يداوونه حتى مضت له ثلاثة أعوام، وما أقلعت عنه، ولم يزده العلاج إلا شدة. فلما دخلت سنة أربع وتسعين ومئة أثرت به، وأنهكت بدنه، واشتد ألمه، وتمادى به وجعه، فذكر البيعة لابنه المأمون. فلما سمعت بذلك زبيدة، وكان ابنها منه محمد الامين، هجرته وتغاضت عنه، وأكربها ذلك وغمها، حتى ظهر ذلك عليها، وبدا أثر الغم في وجهها، ودخلت عليه تعاتبه في ذلك أشد المعاتبة، وتؤاخذه أعنف المؤاخذة.


(1) أغمار: جمع غمر بضم الغين وفتحها وكسرها: الشاب غير المجرب، الساذج الذى لم تحنكه التجارب. (*)

[ 174 ]

فقال لها الرشيد: ويحك ! إنما هي أمة محمد، ورعاية من استرعاني الله تعالى مطوقا بعنقي وقد، عرفت ما بين ابني وابنك، ليس ابنك يا زبيدة أهلا للخلافة، ولا يصلح للرعاية. قالت: ابني والله خير من انبك، وأصلح لما تريد، ليس بكبير سفيه، ولا صغير فهيه، وأسخى من ابنك نفسا، وأشجع قلبا. فقال هارون: ويحك ! إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين الابوين، فاتقى الله، فو الله إن ابنك لاحب إلي، إلا أن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلا، ولها مستحقا، ونحن مسئولون عن هذا الخلق، ومأخوذون بهذا الانام، فما أغنانا أن نلقى الله بوزرهم، وننقلب إليه بإثمها، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك، فقعدت معه على الفراش، فدعا ابنه عبد الله المأمون، فلما صار بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة، فأذن له بالجلوس فجلس، وأمر له فتكلم، فحمد الله على ما من به عليه من رؤية أبيه، ورغب إليه في تعجيل الفرج مما به، ثم استأذن في الدنو من أبيه، فدعا منه، وجعل يلثم أسافل قدميه ويقبل باطن راحتيه، ثم انثنى ساعيا إلى زبيدة، فأقبل على تقبيل رأسها، ومواضع ثدييها، ثم انحنى إلى قدميها، ثم رجع إلى مجلسه. فقال الرشيد: يا بني إنى أريد أن أعهد إليك عهد الامامة، وأقعدك مقعد الخلافة، فإنى قد رأيتك لها أهلا وبها حقيقا، فاستعبر عبد الله المأمون باكيا، وصاح منتحبا يسأل الله العافية من ذلك، ويرغب إليه أن لا يريه فقد، أبيه. فقال له: يا بني إنى أرانى لما بى وأنت أحق، وسلم الامر لله، وارض به، واسأله العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م. العون عليه، فلابد من عهد يكون في يومى هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخى أحق منى وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر منى، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسى السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإنى أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده. فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفى الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (1) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك


(1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (*)

[ 175 ]

المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ ببعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. وإلى هنا تم الجزء الثاني من الامامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م.