الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الامامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني ج 1ي

الامامة والسياسة

ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني ج 1


[ 1 ]

الامامة والسياسة تأليف الامام الفقيه أبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري المتولد سنة 213 والمتوفى سنة 276 ه‍ رحمه الله وهو المعروف بتاريخ الخلفاء تحقيق الدكتور طه محمد الزيني الاستاذ بالازهر الجزء الاول الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع

[ 2 ]

حقوق الطبع محفوظة للناشر

[ 3 ]

مقدمة الناشر بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد، فإن عبد الله بن مسلم بن قتيبة من العلماء المبرزين في كثير من الفنون، وله تآليف في التفسير والحديث واللغة والنحو والتاريخ، ومن أشهر كتبه وأكثرها سيرا بين الناس، وأحبها إلى قلوبهم كتابه الامامة والسياسة الذي تناول فيه تاريخ حقبة من أحفل حقب الاسلام بالتاريخ المجيد، والاحداث الجسام التي دل تصرف المسلمين فيها على عقل راجح، وقدم راسخة في السياسة وتدبير شئون الملك، والعمل على جمع الشمل، وإبعاد الفرقة عن الامة الاسلامية، مما جعل قراءة هذا الكتاب واجبا على كل من يريد معرفة تاريخ قومه من المسلمين الاولين وفيهم جلة الصحابة وخيار التابعين، وفيهم الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم من ملوك المسلمين الذين رفعوا رايته، ووسعوا سرادقه، وعدلوا بين الناس وأنصفوا الظالم من المظلوم، وكانوا قدوة للحكام العادلين. لذلك: رأت مؤسسة الحلبي أن تعيد نشر هذا الكتاب بطريقة تشوق لقراءته، وتبسط بعض حوادثه وتوضح بعض غوامضه، ورائدها في ذلك خدمة العلم ونفع قراء العربية، وإعادتهم إلى حظيرة تاريخهم المجيد بعد أن عدلوا عنه إلى قراءة تاريخ الامم الاعجمية وتفانوا في ذلك حتى كادوا ينسون تاريخ بلادهم وعظمة خلفائهم وملوكهم، والله نسأل التوفيق والعون إنه على ما يشاء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير. مؤسسة الحلبي

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المحقق الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الامين خير الخلق أجمعين محمد بن عبد الله صاحب السيرة العطرة والتاريخ المجيد، وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ونصروه وحملوا الامانة من بعده فقاموا عليها خير قيام وأضاءوا طرق الحياة لسالكيها بالعدل والحكمة والاستقامة، ورفعوا شأن دينهم ومعتنقيه، ودفعوا إلى المجد والعزة اتباع رسولهم ومحبيه، وكان منهم النجوم الذين يستضاء بها في ظلمات الحوالك، والملوك الذين يعاش في أكنافهم ويستظل بظلهم، والعباد الذين عرفت المساجد جنوبهم وظهورهم، وبواطن أقدامهم، والزهاد الذين كانت الدنيا لا تساوى عندهم غدوة أو روحة في سبيل الله. وبعد، فإن كتاب " الامامة والسياسة " للعالم الفاضل المؤرخ العظيم عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، من أشهر الكتب تداولا بين قراء العربية، لما حواه من تاريخ حقبة عزيزة على نفس كل مسلم حبيبة إلى قلبه جديرة بالذكر على لسانه، فيها عرف المسلمون العزة، ونعموا بالسعادة، وأقاموا صروح العدالة، وقوضوا قوائم الظلم، وطمسوا معالم الكفر، وأوقدوا مشاعل الايمان بهمة يتقاعس عن دركها الزمن، وعزيمة لا ينال منها الوهن، وقد وكلت مؤسسة الحلبي إلى تحقيق هذا الكتاب، ليخرج في ثوب قشيب يحسن عند الرائي منظره، ويطيب عند قارئه مخبره، ويحبب الناشئة في تاريخهم، ويقربهم من أيام أجدادهم، حتى يستشعروا عظمة أمتهم، وينهجوا في حياتهم تهجهم، ويبنوا كما بنوا، ويجاهدوا كما جاهدوا ولا يناموا عن إحياء تراثهم، واسترجاع ميراثهم الذي تكالبت عليه ذئاب الامم من الكفار، ومن والاهم من الذين لا يهمهم سوى الدنيا، ولا يرون إلا العاجلة، ولا ينظرون إلى الآجلة، والله من ورائهم محيط. وقد لبيت الدعوة وقمت بجهد في هذا الكتاب أعتبره قليلا، ولكنه مفيد، فجعلت لبعض الموضوعات عناوين جديدة توضحها وشرحت بعض الجمل لبيان غوامضها، وعلقت تعليقات مختصرة على بعض الاحداث التاريخية تقربها من القارئ وتقرب القارئ منها، وترجمت للمؤلف حتى يعرف الناس الرجل الذي يقرءون كتابه من هو ويلموا بنبذة من تاريخه. وأسأل الله أن يجعل الكتاب مثمرا نافعا لكل من يقرؤه، إنه نعم المولى ونعم النصير ؟ طه الزينى

[ 7 ]

ترجمة ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتيبه الدينوري أبو محمد من أئمة الادب والتاريخ والنحو وغيرهما من العلوم وهو من المصنفين المكثرين، ولد ببغداد وسكن الكوفة، ثم ولى قضاء الدينور مدة فنسب إليها، وتوفى ببغداد 276 ه‍ سنة 889 م وكان ميلاده سنة 213 ه‍ سنة 828 م. ومن كتبه " تأويل مختلف الحديث، وأدب الكاتب، والمعارف، وكتابي المعاني وعيون الاخبار، والشعر والشعراء، والامامة والسياسة، ويعرف بتاريخ الخلفاء وكتاب الاشربة، والرد على الشعوبية، وفضل العرب على العجم، ومشكل القرآن، والاشتقاق وغريب القرآن والمسائل والاجوبة، وغير ذلك فهو من علماء العرب الذين يشار إليهم بالبنان والذين أفادوا اللغة العربية وأهلها أيما فائدة، رحمه الله وجزاه خير الجزاء على ما قدمت يداه من خير وما حوى جنانه من علم، إنه سميع الدعاء.

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله تعالى: نفتتح كلامنا بحمد الله تعالى، ونقدس ربنا بذكره والثناء عليه، لا إله إلا هو لا شريك له، الذي اتخذ الحمد لنفسه ذكرا، ورضى به من عباه شكرا وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله بالهدى، وختم به رسل الله السعدا، صلاة زاكية، وسلم تسليما كثيرا أبدا. فضل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما حدثنا ابن أبي مريم، قال حدثنا أسد بن موسى، قال حدثنا وكيع، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال عليه الصلاة والسلام: هذان سيدا كهول (1) أهل الجنة من الاولين والاخرين إلا النبيين والمرسلين عليهم السلام ولا تخبرهما يا علي. حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمامي رضي الله عنه، حدثنا أحمد بن حواش الحنفي، قال حدثنا ابن المبارك، عن عمر بن سعيد، عن أبي مليكة، قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول: وضع عمر رضي الله عنه على سريره فتكنفه (2) الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع (3)، فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي (4) من ورائي، فالتفت فإذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يترحم على عمر رضي الله عنه، وقال: والله ما خلفت أحدا أحب إلى أن


(1) الكهول جمع كهل، وهو من ظهر الشيب برأسه وكان له مهابة في النفس، وقيل من جاوز الثلاثين إلى إحدى وخمسين سنة. (2) أحاطوا به. (3) أي قبل أن يحمل ليذهب به إلى القبر. (4) المنكب الكتف. (*)

[ 10 ]

ألقى الله تعالى بمثل عمله منك يا عمر، وأيم الله إن كنت لارجو أن يجعلك الله مع صاحبك (1)، وذاك أني كنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وكنت أنا وأبو بكر وعمر، وإن كنت لاظن (2) أن يجعلك الله تعالى معهما. وأخبرنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن الحباب، عن موسى بن عبيد، قال: أخبرني أبو معاذ وأبو الخطاب، عن علي رضي الله عنه، قال: بينما أنا جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة، إلا ما كان من الانبياء عليهم السلام، ولا تخبرهما. حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن عبد العلى عن القاسم بن أبي عبد الرحمن رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد هممت أن أبعث إلى الامم رجالا يدعونهم إلى الاسلام ويرغبونهم في الدين، فأبعث أبي بن كعب، وسالما مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، كما فعل عيسى بن مريم عليهما السلام (3)، فقالوا: يا رسول الله أفلا تبعث أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هما لا بد لي منهما، هما منى بمنزلة السمع والبصر. سؤال عمر بن عبد العزيز عن استخلاف الرسول لابي بكر وحدثنا، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن الزبير، قال: أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري، رحمهما الله تعالى، أسأله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر رضي الله عنه، فأتيته فاستوى جالسا، وقال: إي والذي لا إله إلا هو، استخلفه، وهو كان أعلم بالله تعالى، وأتقى لله تعالى، من أن يتوثب (4) عليهم لو لم يأمره. استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه عن ابن أبي مريم، قال: حدثنا العرياني، عن أبي عون بن عمرو بن تيم الانصاري رضي الله عنه، وحدثنا سعيد بن كثير، عن عفير بن عبد الرحمن قال: حدثنا بقصة استخلاف


(1) يريد بصاحبه أبا بكر رضي الله عنه. (2) الظن هنا معناه الرجحان أي الارجح. (3) أي على عيسى وأمه مريم السلام، ومعنى كما فعل عيسى بن مريم أي كما جعل له حواريين يعلمون الناس الدين. (4) يتوثب عليهم أي يأخذ الخلافة بالرغم عنهم ودون موافقتهم. (*)

[ 11 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي بكر، وشأن السقيفة، وما جرى فيها من القول، والتنازع بين المهاجرين والانصار وبعضهم يزيد على بعض في الكلام، فجمعت ذلك وألفته على معنى حديثهم، ومجاز لغتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه الذي قبض فيه، متوكئا على الفضل بن العباس رضي عنهما، وغلام يقال له ثوبان رضي الله عنه، ثم رجع صلى الله عليه وسلم فدخل منزله، وقال لغلامه اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الانصار رضي الله عنهم، فأحدقوا بالباب، وقالوا للغلام ائذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عنده نساؤه رضي الله تعالى عنهن، فسمع رسول الله صلى عليه وسلم بكاءهم، فقال من هؤلاء ؟ فقيل له الانصار رضي الله عنهم يبكون، فخرج صلى الله عليه وسلم متوكئا على علي والعباس رضي الله عنهما فدخل المسجد واجتمع الناس إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه لم يمت نبي قط إلا خلف وراءه تركة وإن تركتي فيكم الانصار رضي الله عنهم، وهم كرشي (1) التي آوى إليها، وأوصيكم بتقوى الله تعالى، والاحسان إليهم، فقد علمتم أنهم شاطروكم (2) وواسوكم في العسر واليسر نصروكم في النشط والكسل، فاعرفوا لهم حقهم، واقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله وهو معصوب الرأس شديد الوجع، فلما كانت الصلاة أتى بلال المؤذن رضي الله عنه يدعو إلى الصلاة، ففتح صلى الله عليه وسلم عينيه، وقال للنساء: ادعون لي حبيبي، فعرفت عائشة رضي الله عنها أنه يريد أبا بكر، فقالت: أرسل إلى عمر، فإن أبا بكر رجل رقيق، وإن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم افتضح من البكاء، وعمر أقوى منه، فأرسلت إلى عمر رضي الله عنه، فأتى فسلم، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم عينيه، فرد السلام، ثم أطرق عنه، فعرف عمر أنه لم يرده، فلما خرج أقبل صلى الله عليه وسلم عليهن وقال: ادعون لي حبيبي فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، أمرت عمر يصلي بالناس، فقال صلى الله عليه وسلم: إنكن صواحبات يوسف عليه السلام، ادعون لى حبيبي إنما أفعل ما أومر فدعى أبو بكر رضي الله تعالى عنه.


(1) الكرش هنا: الجماعة: أي هم جماعتي التي آوى وأسكن إليها. (2) شاطروكم. تقاسموا معكم أموالهم. (*)

[ 12 ]

استخلاف أبي بكر رضي الله عنه في الصلاة بالناس فلما جاء قال له: اذهب مع المؤذن، فصل بالناس، فلم يزل أبو بكر رضي الله عنه يصلي بالناس حتى كان اليوم الذي مات فيه رسول الله وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين. اختلاف الصحابة على موضع دفنه صلى الله عليه وسلم فأتمروا فقال قائل يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يصلى فيه مقامه، فقال أبو بكر رضي الله عنه. معاذ الله أن نجعله وثنا نعبده ! وقال قائل: ندفنه صلى الله عليه وسلم في البقيع، حيث دفن إخوانه من المهاجرين والانصار. فقال أبو بكر: إنا نكره أن نخرج قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا إلى البقيع، قالوا: فما ترى يا أبا بكر ؟ قال: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبي قط إلا دفن جسده حيث قبض روحه. قالوا: فأنت والله رضا ومقنع (1). وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قد لقي عليا كرم الله وجهه، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقبض، فاسأله إن كان الامر لنا بينه وإن كان لغيرنا أوصى بنا خيرا، محاولة العباس مبايعة الامام علي فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أبسط يدك أبايعك، فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبايعك أهل بيتك، فإن هذا الامر إذا كان لم يقل (2)، فقال له علي كرم الله وجهه: ومن يطلب هذا الامر غيرنا ؟ وقد كان العباس رضي الله عنه لقي أبا بكر فقال: هل أوصاك رسول الله بشئ ؟ قال: لا. ولقى العباس أيضا عمر، فقال له مثل ذلك. فقال عمر: لا. فقال العباس لعلي رضي الله عنه: ابسط يدك أبايعك ويبايعك أهل بيتك. ذكر السقيفة وما جرى فيها من القول وحدثنا، قال: حدثنا ابن عفير عن أبي عون عن عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري رضي الله عنه. أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قبض، اجتمعت الانصار رضي الله عنهم إلى سعد بن عبادة، فقالوا له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض. فقال سعد لابنه قيس رضي الله عنهما: إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلاما لمرضى، ولكن تلق مني قولي فأسمعهم، فكان سعد يتكلم، ويحفظ ابنه رضي الله عنهما قوله، فيرفع صوته، لكي يسمع قومه، فكان مما قال رضي الله عنه، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: يا معشر الانصار إن لكم سابقة في


(1) أي أنت نرضى بحكمك وتقنع بكلامك. (2) أي إذا بويع بالخلافة لاحد لا يقال منها. (*)

[ 13 ]

الدين وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الاوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفوا دينه، ولا يدفعوا عن أنفسهم، حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الايمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم، والمنع له ولاصحابه والاعزاز لدينه، والجهاد لاعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم، وأثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لامر الله تعالى طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة (1) صاغرا داحرا حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الارض (2)، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله تعالى وهو راض عنكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الامر، فإنكم أحق الناس وأولاهم به. فأجابوه جميعا: أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت توليتك هذا الامر، فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا. قال فأتى الخبر إلى أبي بكر رضي الله عنه، ففزع أشد الفزع، وقام معه عمر رضي الله عنهما، فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فانطلقوا رضي الله عنهم جميعا، حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة، وفيها رجال من الاشراف، معهم سعد بن عبادة رضي الله عنه، فأراد عمر رضي الله عنه أن يبدأ بالكلام، وقال: خشيت أن يقصر أبو بكر رضي الله عنه عن بعض الكلام. فلما تيسر عمر للكلام، تجهز أبو بكر رضي الله عنه وقال له: على رسلك، فستكفى الكلام، فتشهد أبو بكر رضي الله عنه، وانتصب له الناس، فقال: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الاسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا (3) وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا فيه تبع، ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة. وأنتم أيضا والله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا في الدين، ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا، وأكرمهم علينا، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لامر الله


(1) أعطى المقادة: خضع لحكم المسلمين وقيادتهم له. (2) أثخن بكم الارض: غلب بكم أهل الارض. (3) النواصي جمع ناصية وهي مقدم الرأس والمراد جذب الله عقولنا وقلوبنا إلى ما دعا إليه. (*)

[ 14 ]

عز وجل ولما ساق لكم ولاخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم، وهم أحق الناس فلا تحسدوهم، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين، وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الامر واختلافه علي أيديكم، وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم، وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الامر، وكلاهما له أهل. فقال عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما: ما ينبغي لاحد من الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار ثاني اثنين، وأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الامر. فقال الانصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، وإنا لكما وصفت يا أبا بكر والحمد لله، ولا أحد من خلق الله تعالى أحب إلينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الامر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الانصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الامة، كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأن يكون بعضنا يتبع بعضا، فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الانصاري، ويشفق الانصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي. فقام أبو بكر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى خلقه، وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى، يزعمون أنها لهم شافعة، وعليهم بالغة نافعة، وإنما كانت حجارة منحوتة، وخشبا منجورة (1)، فاقرءوا إن شئتم " إنكم وما تعبدون من دون الله "، " ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله "، وقالوا " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الاولين رضي الله عنهم بتصديقه، والايمان به، والمواساة له والصبر معه على الشدة من قومهم، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس مخالف عليهم، زار (2) لهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وإزراء الناس بهم واجتماع قومهم عليهم، فهو أول من عبد الله في الارض، وأول من آمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالامر من بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم، وأنتم يا معشر الانصار من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الاسلام، رضيكم الله تعالى أنصارا لدينه ولرسوله، وجعل إليكم مهاجرته


(1) منجورة: أي صنعها النجار. (2) زار: عائب عليهم محقر لهم. (*)

[ 15 ]

فليس بعد المهاجرين الاولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الامراء، وأنتم الوزراء، لا نفتات (1) دونكم بمشورة، ولا تنقضي دونكم الامور. فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه، فقال: يا معشر الانصار: املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم (2) وظلالكم، ولن يجير مجير (3) على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا، فيفسد عليكم رأيكم، وتقطع أموركم، وأنتم أهل الايواء والنصرة، وإليكم كانت الهجرة، ولكم في السابقين الاولين مثل ما لهم، وأنتم أصحاب الدار والايمان من قبلهم، والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا دانت العرب للاسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيبا في هذا الامر، وإن أبي القوم، فمنا أمير ومنهم أمير. فقام عمر رضي الله عنه، فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولى هذا الامر إلا من كانت النبوة فيهم، وأولو الامر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف (4) لاثم، أو متورط في هلكة. فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه، فقال: يا معشر الانصار: املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الامر عليهم، فأنتم والله أولى بهذا الامر منهم، فإنه دان لهذا الامر ما لم يكن يدين له بأسيافنا، أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة (5)، والله لا يدر على أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني، لم يكن لي معه كلام، لانه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدا. ثم قام أبو عبيدة، فقال: يا معشر الانصار أنتم أول من نصر وآوى، فلا تكونوا أول من يبدل ويغير.


(1) افتات عليه: طغى على حقه واستأثر به. (2) الفئ: الظل. (3) أجار فلان على فلان، أي نقض حكمه وخالفه. (4) متجانف: مائل ومرتكب للاثم. (5) نعيدنها جذعة: نعيد الحرب بيننا وبينكم قوية. (*)

[ 16 ]

مخالفة بشير بن سعد، ونقضه لعهدهم قال: وإن بشيرا لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة، قام حسدا لسعد، وكان بشير من سادات الخزرج، فقال: يا معشر الانصار، أما والله لئن كنا أولى الفضيلة في جهاد المشركين، والسابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكرم لانفسنا، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغى به عوضا من الدنيا فإن الله تعالى ولى النعمة والمنة علينا بذلك. ثم إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه، وتولى سلطانه، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الامر أبدا فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم. بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ثم إن أبا بكر قام على الانصار، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجماعة، ونهاهم عن الفرقة، وقال: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين: أبي عبيدة بن الجراح، أو عمر فبايعوا من شئتم منهما، فقال عمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، أنت أحقنا بهذا الامر، وأقدمنا صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل منا في المال، وأنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين، وخليفته على الصلاة، والصلاة أفضل أركان دين الاسلام، فمن ذا ينبغى أن يتقدمك، ويتولى هذا الامر عليك ؟ أبسط يدك أبايعك. فلما ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير الانصاري فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد، عقك (1) عقاق ما اضطرك إلى ما صنعت ؟ حسدت ابن عمك على الامارة ؟ قال لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم. فلما رأت الاوس ما صنع قيس (2) بن سعد وهو من سادات الخزرج، وما دعوا إليه المهاجرين من قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير رضي الله عنه: لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، ولا جعلوا لكم نصيبا فيها أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله عنه، فقاموا إليه فبايعوه ؟ فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه


(1) عقك: مخالفتك لنا، عقاق: مر لان العقاق هو المر. (2) ورد الاسم هنا قيس بن سعد وقبل ذلك بشير بن سعد، والصحيح الاول. (*)

[ 17 ]

منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال فعلمتوها يا معشر الانصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم، قد وقفو يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء. قال أبو بكر: أمنا تخاف يا حباب ؟ قال: ليس منك أخاف، ولكن ممن يجئ بعدك. قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك، فالامر إليك وإلى أصحابك، ليس لنا عليكم طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر، إذا ذهبت أنا وأنت، جاءنا بعدك من يسومنا الضيم. تخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه عن البيعة فقال سعد بن عبادة: أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض، لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك أنت وأصحابك، ولالحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه الناس جميعا، حتى كادوا يطئون سعدا. فقال سعد: قتلتموني. فقيل: اقتلوه قتله الله فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره وترك أياما، ثم بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه: أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس، وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب (1) منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي، وأعلم حسابي. فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولج، وليس يبايعك حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل ولده معه، وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تقتل الخزرج، ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الاوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم، وإنما هو رجل واحد، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه (2) لما بدا لهم منه. فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع (3) بجمعتهم، ولا يفيض (4) بإفاضتهم، ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى توفى أبو بكر رحمه الله، وولى عمر بن الخطاب، فخرج إلى الشام، فمات بها، ولم يبايع لاحد، رحمه الله. وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الانصار إلى


(1) أخضب: الخضاب الحناء. والمراد حتى أسيل دمكم على سناني ورمحي. (2) استنصحوه: وجدوه ناصحا لهم عاملا لخيرهم. (3) أي لا يصلى الجمعة معهم. (4) أي لا يمشي معهم في الحج. (*)

[ 18 ]

على ابن أبي طالب، ومعهم الزبير بن العوام رضي الله عنه، وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب، وإنما كان يعد نفسه من بني هاشم، وكان علي كرم الله وجهه يقول: ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه، فصرفوه عنا، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيد وقد بايع الناس أبا بكر قال لهم عمر: مالي أراكم مجتمعين حلقا شتى (1)، قومو فبايعوا أبا بكر، فقد بايعته وبايعه الانصار، فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية فبايعوه، وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا. وأما علي والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم، فقالوا: انطلقوا فبايعو أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام رضي الله عنه بالسيف، فقال عمر رضي الله عنه: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار، وانطلقوا به فبايع وذهب بنو هاشم أيضا فبايعوا. إباية علي كرم الله وجهه بيعة أبي بكر رضي الله عنهما ثم إن عليا كرم الله وجهه أتى به إلى أبى بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الامر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ؟ ألستم زعمتم للانصار أنكم أولى بهذا الامر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الامارة، وأنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار نحن أولى برسول الله حيا وميتا فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلبا لك شطره (2)، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا. ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي كرم الله وجهه: يا بن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم، ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك، وأشد احتمالا واضطلاعا


(1) حلق: جمع حلقة وهو القوم المجتمعون المستديرون في اجتماعهم كالحلقة (2) أي أفعل فعلا يكون لك منه نصيب فانت تبايعه اليوم ليبايعك غدا. (*)

[ 19 ]

به، فسلم لابي بكر هذا الامر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الامر خليق وبه حقيق، في فضلك ودبنك، وعلمك وفهمك، وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فو الله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به. لانا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الامر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الامور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله، فتتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد الانصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الانصار منك يا علي قبل بيعتها لابي بكر، ما اختلف عليك اثنان. قال: وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة ليلا في مجالس الانصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما لله حسيبهم وطالبهم. كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال. وإن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده. لتخرجن أو لاحرقنها على من فيها، فقيل له يا أبا حفص. إن فيها فاطمة ؟ فقال وإن، فخرجوا فبايعوا إلا عليا فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقا. فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر لقنفد وهو مولى له: اذهب فادع لي عليا، قال فذهب إلى علي فقال له: ما حاجتك ؟ فقال يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله. فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلا. فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفد: عد إليه، فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفد، فأدى ما أمر به، فرفع على صوته فقال سبحان الله ؟ لقد ادعى

[ 20 ]

ما لبس له، فرجع قنفد، فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلا، ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، وبقى عمر ومعه قوم، فأخرجوا عليا، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، فقال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيح ويبكي، وينادي: يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني. فقال عمر لابي بكر، رضي الله عنهما، انطلق بنا إلى فاطمة، فإنا قد أغضبناها، فانطلقا جميعا، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليا فكلماه، فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها، حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله والله إن قرابة رسول الله أحب إلى من قرابتي، وإنك لاحب إلي من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت، ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، فقالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا: نعم. فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لاشكونكما إليه، فقال أبو بكر أنا عائذ بالله تعالى مني سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لادعون الله عليك في كل صلاة أصليها، ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته، مسرورا بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي. قالوا: يا خليفة رسول الله، إن هذا الامر لا يستقيم، وأنت أعلمنا بذلك، إنه إن كان هذا لم يقم لله دين، فقال: والله لو لا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولى في عنق مسلم بيعة، بعدما سمعت ورأيت من فاطمة. قال: فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنهما، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة. قال: فلما توفيت أرسل علي إلى أبي بكر: أن أقبل إلينا، فأقبل

[ 21 ]

أبو بكر حتى دخل على علي وعنده بنو هاشم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا أبا بكر: فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكار لفضيلتك، ولا نفاسة عليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا، فاستبددت علينا، ثم ذكر على قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر. فقال أبو بكر رضي الله عنه: لقرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته إن شاء الله تعالى. فقال علي: موعدك غدا في المسجد الجامع للبيعة إن شاء الله. ثم خرج فأتى المغيرة بن شعبة، فقال: الرأي يا أبا بكر ان تلقوا العباس، فتجعلوا له في هذه الامرة نصيبا، يكون له ولعقبه، وتكون لكما الحجة على علي وبني هاشم، إذا كان العباس معكم. قال: فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس رضي الله عنه. فحمد الله أبو بكر، وأثني عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا وللمؤمنين وليا، فمن الله تعالى بمقامه بين أظهرنا، حتى اختار له الله ما عنده، فخلى على الناس أمرهم، ليختاروا لانفسهم في مصلحتهم، متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم واليا، ولامورهم راعيا، وما أخاف بعون الله وهنا ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلت وإليه أنيب. وما أزال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين، ويتخذكم لجأ، فتكونون حصنه المنيع، فإما دخلتم فيما دخل فيه العامة، أو دفعتموهم عما مالوا إليه، وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا، يكون لك ولعقبك من بعدك، إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان أصحابك، فعدلوا الامر عنكم وعلى رسلكم بني عبد المطلب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ومنكم، ثم قال عمر: إي والله، وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم، ولكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامة، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لانفسكم ولعامتكم. فتكلم العباس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدا كما زعمت نبيا، وللمؤمنين وليا، فمن الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لانفسهم، مصيبين للحق، لا مائلين عنه بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدمون فيهم، وإن كان هذا الامر إتما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه وإن يكن حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم وإن كان حقنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض. وأما قولك إن رسول الله منا ومنكم، فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها، وأنتم جيرانها. قال: ثم خرج أبو بكر إلى المسجد الشريف، فأقبل على الناس، فعذر عليا بمثل ما اعتذر عنه، ثم قام علي فعظم حق أبي بكر، وذكر فضيلته

[ 22 ]

وسابقته، ثم مضى فبايعه، فأقبل الناس على علي، فقالوا: أصبت يا أبا الحسن وأحسنت. قال: فلما تمت البيعة لابي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم، يقول قد أقلتكم في بيعتي، هل من كاره ؟ هل من مبغض ؟ فيقوم علي في أول الناس فيقول: والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدا، قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوحيد ديننا، من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنيانا ؟. خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ثم إن أبا بكر قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الله الجليل الكريم العليم الحكيم الرحيم الحليم، بعث محمدا بالحق، وأنتم معشر العرب كما قد علمتم، من الضلالة والفرقة، ألف بين قلوبكم ونصركم به وأيدكم، ومكن لكم دينكم، وأورثكم سيرته الراشدة المهدية، فعليكم بحسن الهدى ولزوم الطاعة، وقد استخلف الله عليكم خليفة ليجمع به ألفتكم، ويقيم به كلمتكم، فأعينوني على ذلك بخير، ولم أكن لابسط يدا ولا لسانا على من لم يستحل ذلك إن شاء الله، وايم الله ما حرصت عليها ليلا ولا نهارا ولا سألتها الله قط في سر ولا علانية، ولقد قلدت أمرا عظيما، مالي به طاقة ولا يد، ولوددت أني وجدت أقوى الناس عليه مكاني، فأطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم، ثم بكى وقال: اعلموا أيها الناس أني لم أجعل لهذا المكان أن أكون خيركم، ولوددت أن بعضكم كفانيه، ولئن أخذتموني بما كان الله يقيم به رسوله من الوحي ما كان ذلك عندي، وما أنا إلا كأحدكم، فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني أحيانا، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، ثم نزل. ثم دعا عمر الاوجاه (1) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما ترون لي من هذا المال ؟ فقال عمر: أنا والله أخبرك مالك منه. أما ما كان لك من ولد قد بان عنك وملك أمره، فسهمه كرجل من المسلمين، وأما ما كان من عيالك وضعفة أهلك، فتقوت منه بالمعروف وقوت أهلك. فقال: يا عمر إني لاخشى ألا يحل لي أن أطعم عيالي من فئ المسلمين. فقال عمر: يا خليفة رسول الله، إنك قد شغلت بهذا الامر عن أن تكسب لعيالك. قال: ولما تمت البيعة لابي بكر، واستقام له الامر، اشرأب النفاق بالمدينة، وارتدت العرب، فنصب لهم أبو بكر الحرب، وأراد قتالهم، فقالوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة. فقال الناس: اقبل منهم يا خليفة رسول الله، فإن العهد حديث، والعرب كثير، ونحن شرذمة قليلون، لا طاقة لنا بالعرب، مع أنا


(1) الاوجاه جمع وجه وهو ذو الفضل والكرامة. (*)

[ 23 ]

قد سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا متى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ". فقال أبو بكر: هذا من حقها، لابد من القتال. فقال الناس لعمر. اخل به فكلمه لعله يرجع عن رأيه هذا، فيقبل منهم الصلاة، ويعفيهم من الزكاة، فخلا به عمر نهاره أجمع، فقال: والله لو منعوني عقالا (1) كانو يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه، ولو لم أجد أحدا أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي، حتى يحكم الله بيني وبينهم، وهو خير الحاكمين، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أمرت أن أقاتل الناس على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة " فو الله الذي لا إله إلا هو لا أقصر دونهن، فضرب منهم من أدبر بمن أقبل، حتى دخل الناس في الاسلام طوعا وكرها. وحمدوا رأيه، وعرفوا فضله. قال أبو رجاء العطاردي: رأيت الناس مجتمعين وعمر يقبل رأس أبي بكر ويقول: أنا فداؤك، لولا أنت لهلكنا. فخمد له رأيه في قتال أهل الردة. مرض أبي بكر واستخلافة عمر رضي الله عنهما قال: ثم إن أبا بكر عمل سنتين وشهورا، ثم مرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه أناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فيهم عبد الرحمن ابن عوف، فقال له: كيف أصبحت يا خليفة رسول الله، فإني أرجو أن تكون بارئا ؟ قال: أترى ذلك ؟ قال: نعم قال أبو بكر: والله إني لشديد الوجع، ولما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشد على من وجعى، إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه (2) إرادة أن يكون هذا الامر له. وذلك لما رأيتم الدنيا قد أقبلت. أما والله لتتخذن نضائد (3) الديباج، وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصفوف الاذربي (4)، كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان (5)، والله لان يقدم أحدكم


(1) العقال: زكاة عام من الابل والغنم، وفي رواية عناقا بدل عقال، والعناق أنثى المعز والمراد بهذه الرواية لو منعوني شيئا قليلا لقاتلتهم. (2) ورم أنفه: غضب. (3) نضائد: جمع نضيدة وهي الوسادة والديباج: المنقوش المزين. (4) الاذربي: نسبة إلى أذربيجان من بلاد العجم، وصوفها مشهور بجودته ونعومته. (5) حسك السعدان: الحسك نبات له ورق كورق الرجلة له شوك صلب ذو ثلاث شعب ملتصق ببعضه، والسعدان مكان، والسعدان نبات له شوك تشبه الواحدة منه حلمة الثدى، والمراد كما تألمون النوم على الشوك الصلب. (*)

[ 24 ]

فتضرب عنقه في غير حدث خير له من أن يخوض عمرات الدنيا. فقال له عبد الرحمن بن عوف: خفض عليك من هذا يرحمك الله، فإن هذا يهيضك (1) على ما بك، وإنما الناس رجلان: رجل رضي ما صنعت، فرأيه كرأيك، ورجل كره ما صنعت، فأشار عليك برأيه، ما رأينا من صاحبك (2) الذي وليت إلا خيرا، وما زلت صالحا مصلحا، ولا أراك تأسى على شئ من الدنيا فاتك. قال: أجل، والله ما آسى إلا على ثلاث فعلتهن، ليتني كنت تركتهن، وثلاث تركتهن ليتني فعلتهن، وثلاث ليتني سألت رسول الله عنهن، فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن، فليتني تركت بيت علي وإن كان أعلن على الحرب، وليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الامير وكنت أنا الوزير، وليتني حين أتيت بذي الفجاءة السلمى أسيرا أني قتلته ذبيحا أو أطلقته نجيحا، ولم أكن أحرقته بالنار. وأما اللاتي تركتهن وليتني كنت فعلتهن، ليتني حين أتيت بالاشعث بن قيس أسيرا أني قتلته ولم أستحيه، فإني سمعت منه، وأراه لا يرى غيا ولا شرا إلا أعان عليه، وليتني حين بعثت خالد بن الوليد إلى الشام، أني كنت بعثت عمر بن الخطاب إلى العراق، فأكون قد بسطت يدي جميعا في سبيل الله: وأما اللاتي كنت أود أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن، فليتني سألته لمن هذا الامر من بعده ؟ فلا ينازعه فيه أحد، وليتني كنت سألته: هل للانصار فيها من حق ؟ وليتني سألته عن ميراث بنت الاخ والعمة، فإن في نفسي من ذلك شيئا. ثم دخل عليه أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا خليفة رسول الله، ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك ؟ فقال: قد نظر إلى (3). قالوا: فماذا قال ؟ قال: إني فعال لما أريد. ثم قال لهم: انظروا ماذا أنفقت من بيت المال، فنظروا فإذا هو ثمانية آلاف درهم: فأوصى أهله أن يؤدوها إلى الخليفة بعده. ثم دعا عثمان بن عفان فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان وأملى عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في الدنيا نازحا عنها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم، فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن بدل وغير فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ثم ختم الكتاب ودفعه، فدخل عليه المهاجرون والانصار حين


(1) يهيضك: يضعفك. (2) يريد عمر رضي الله عنه. (3) يريد أن الله هو الطبيب وقد نظر إليه. (*)

[ 25 ]

بلغهم أنه استخلف عمر، فقالوا: نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته، وعلمت بواثقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنا وأنت لاق الله عزوجل فسائلك، فما أنت قائل ؟ فقال أبو بكر: لئن سألني الله لاقولن: استخلفت عليهم خيرهم في نفسي. قال: ثم أمر أن تجتمع له الناس، فاجتمعوا، فقال: أيها الناس قد حضرني من قضاء الله ما ترون، وإنه لا بد لكم من رجل يلى أمركم، ويصلي بكم، ويقاتل عدوكم، فيأمركم، فإن شئتم اجتهدت لكم رأيى، ووالله الذي لا إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرا، قال: فبكى وبكى الناس، وقالوا: يا خليفة رسول الله. أنت خيرنا وأعلمنا، فاختر لنا، قال: سأجتهد لكم رأيى، واختار لكم خيركم إن شاء الله: قال: فخرجوا من عنده، ثم أرسل إلي عمر فقال: يا عمر، أحبك محب، وأبغضك مبغض، وقديما يحب الشر، ويبغض الخير. فقال عمر: لا حاجة لي بها، فقال أبو بكر: لكن بها إليك حاجة، والله ما حبوتك بها، ولكن حبوتك بك. ثم قال: خذ هذا الكتاب واخرج به إلى الناس، واخبرهم أنه عهدي، وسلهم عن سمعهم وطاعتهم. فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم، فقالوا: سمعا وطاعة، فقال له رجل: ما في الكتاب يا أبا حفص ؟ قال: لا أدري، ولكني أول من سمع وأطاع. قال: لكني والله أدري ما فيه: أمرته عام أول، وأمرك العام. ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ولما توفى أبو بكر وولى عمر وقعد في المسجد مقعد الخلافة، أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أدنو منك فإن لي حاجة ؟ قال عمر: لا. قال. الرجل: إذا أذهب فيغنيني الله عنك، فولى ذاهبا، فاتبعه عمر ببصره، ثم قام فأخذه بثوبه، فقال له: ما حاجتك ؟ فقال الرجل: بغضك الناس، وكرهك الناس، قال عمر: ولم ويحك ؟ قال الرجل: للسانك وعصاك، قال: فرفع عمر يديه، فقال: اللهم حببهم إلي وحببني إليهم. قال الرجل: فما وضع يديه حتى ما على الارض أحب إلى منه. وكان أهل الشام قد بلغهم مرض أبي بكر، واستبطئوا الخبر، فقالوا: إنا لنخاف أن يكون خليفة رسول الله قد مات وولى بعده عمر، فإن كان عمر هو الوالى فليس لنا بصاحب، وإنا نرى خلعه. قال بعضهم: فابعثوا رجلا ترضون عقله، قال: فانتخبوا لذلك رجلا، فقدم على عمر، وقد كان عمر استبطأ خبر أهل الشام، فلما أتاه قال له: كيف الناس ؟ قال: سالمون صالحون، وهم كارهون لولايتك، ومن شرك مشفقون (1)، فأرسلوني أنظر: أحلو أنت أم مر ؟ قال: فرفع عمر يديه إلى السماء وقال: اللهم حببني إلى الناس، وحببهم إلى.


(1) مشفقون: خائفون. (*)

[ 26 ]

قال: فعمل عمر عشر سنين بعد أبي بكر، فو الله ما فارق الدنيا حتى أحب ولايته من كرهها. لقد كانت إمارته فتحا، وإسلامه عزا ونصرا، اتبع في عمله سنة صاحبيه وآثارهما، كما يتبع الفصيل أثر أمه، ثم اختار الله له ما عنده. قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عمرو بن ميمون: شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن، فما منعني أن أكون في الصف الاول إلا هيبته، فكنت في الصف الذي يليه، وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المتقدم بوجهه، فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة، فذلك الذي منعني من التقدم. قال: فأقبل لصلاة الصبح، وكان يغلس بها (1)، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة ابن شعبة، فطعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب، فإنه قد قتلني، وماج الناس، قجرح ثلاثة عشر رجلا، وصاح بعضهم ببعض: دونكم الكلب، فشد عليه رجل من خلفه، فاحتضنه، وماج الناس، فقال قائل: الصلاة عباد الله، طلعت الشمس. فدفعت عبد الرحمن بن عوف، فصلى بأقصر سورتين في القرآن، واحتمل عمر، ومات من الذين جرحوا ستة أو سبعة، وجرى الناس إلى عمر، فقال: يا ابن عباس، اخرج فناد في الناس أعن ملا ورضى منهم كان هذا ؟ فخرج فنادى، فقالوا: معاذ الله، ما علمنا ولا اطلعنا، قال: فأتاه الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك ؟ قال: النبيذ فسقوه نبيذا، فخرج من بعض طعناته. فقال الناس: صديد، اسقوه لبنا، فخرج اللبن، فقال الطبيب: لا أرى أن تمسى، فما كنت فاعلا فافعل، فقال لابنه عبد الله: ناولني الكتف (2)، فلو أراد الله أن يمضي ما فيه أمضاه، فمحاها بيده، وكان فيها فريضة الجد. ثم دخل عليه كعب الاحبار، فقال: يا أمير المؤمنين، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، قد كنت أنبأتك أنك شهيد، قال: ومن أين لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب ؟ ثم جعل الناس يثنون عليه، ويذكرون فضله. فقال: إن من غررتموه لمغرور، إني والله وددت أن أخرج منها كفافا (3) كما دخلت فيها، والله لو كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، فقالوا: يا أمير المؤمنين لا بأس عليك، فقال: إن


(1) يغلس بها: يصليها مبكرا وفي وقت الغلس وهو آخر ظلمة الليل. (2) الكتف: عظم الكنف وكانوا يكتبون على العظام والجريد. (3) الكفاف: بفتح الكاف المثل: أي أن أخرج منها كفافا كما دخلت فيها لا على ولا لي. (*)

[ 27 ]

يكن القتل بأسا، فقد قتلني أبو لؤلؤة، قالوا: فإن يكن ذلك فجزاك الله عنا خيرا. فقال: لا أراكم تغبطونني بها، فو الذي نفس عمر بيده ما أدرى علام أهجم (1)، ولوددت أني نجوت منها كفافا لا لي ولا علي، فيكون خيرها بشرها، ويسلم لي ما كان قبلها من الخير. ودخل علي بن أبي طالب فقال: يا علي، أعن ملا منكم ورضى كان هذا ؟ فقال علي: ما كان عن ملا منا ولا رضي، ولوددنا أن الله زاد من أعمارنا في عمرك. قال: وكان رأسه في حجر ابنه عبد الله، فقال له: ضع خدي بالارض، فلم يفعل، فلحظه وقال: ضع خدي بالارض لا أم لك، فوضع خده بالارض، فقال: الويل لعمر ولام عمر إن لم يغفر الله لعمر، ثم دعا عبد الله بن عباس وكان يحبه ويدنيه ويسمع منه، فقال له: يا ابن عباس، إني لاظن أن لي ذنبا، ولكن أحب أن تعلم لي أعن ملا منهم ورضي كان هذا ؟ فخرج ابن عباس، فجعل لا يرى ملا من الناس إلا وهم يبكون، كأنما فقدوا اليوم أنصارهم، فرجع إليه فأخبره بما رأى. قال: فمن قتلني ؟ قال: أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة. قال عبد الله: فرأيت البشر في وجهه، فقال: الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة. ثم قال: يا عبد الله، ألا لو أن لي ما طلعت عليه الشمس وما غربت لافتديت به من هول المطلع، وما ذاك والحمد لله أن أكون رأيت إلا خيرا، فقال له ابن عباس: فإن يك ذاك يا أمير المؤمنين، فجزاك الله عنا خيرا، أليس قد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعز الله بك الدين والمسلمون محبسون بمكة ؟ فلما أسلمت كان إسلامك عزا أعز الله به الاسلام، وظهر النبي وأصحابه، ثم هاجرت إلى المدينة، فكانت هجرتك فتحا، ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول الله من قتال المشركين، وقال فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كذا وكذا، ثم قبض رسول الله وهو عنك راض، ثم ارتد الناس بعد رسول الله عن الاسلام، فوازرت الخليفة على منهاج رسول الله، وضربتم من أدبر بمن أقبل، حتى دخل الناس في الاسلام طوعا وكرها، ثم قبض الخليفة وهو عنك راض، ثم وليت بخير على ما يلي أحد من الناس. مصر الله بك الامصار، وجبى بك الاموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله على أهل كل بيت من المسلمين توسعة في دينهم، وتوسعة في أرزاقهم، ثم ختم الله لك بالشهادة، فهنيئا لك، فصب الله الثناء عليك صبا، فقال: أتشهد لي بهذا يا عبد الله عند الله يوم القيامة ؟ قال نعم، فقال عمر: اللهم لك الحمد.


(1) أي علام أنا مقبل عليه من الآخرة. (*)

[ 28 ]

تولية عمر بن الخطاب الستة الشورى وعهده إليهم قال: ثم إن المهاجرين دخلوا على عمر رضي الله عنه وهو في البيت من جراحه تلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين، استخلف علينا، قال: والله لا أحملكم حيا وميتا، ثم قال: إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، يعنى أبا بكر، وإن أدع فقد ودع من هو خير مني يعنى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين، فقال: ما شاء الله راغبا، وددت أن أنجو منها لا لي ولا على. فلما أحس بالموت قال لابنه: اذهب إلى عائشة، وأقرئها مني السلام، واستأذنها أن أقبر في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر، فأتاها عبد الله بن عمر، فأعلمها، فقالت: نعم وكرامة ثم قالت: يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني أخشى عليهم الفتنة، فأتى عبد الله فأعلمه، فقال: ومن تأمرني أن أستخلف ؟ لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح باقيا استخلفته ووليته، فإذا قدمت على ربي فسألني وقال لي: من وليت على أمة محمد ؟ قلت إي ربي، سمعت عبدك ونبيك يقول: لكل أمة أمين وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح، ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته، فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد ؟ قلت: إي ربي، سمعت عبدك ونبيك يقول: إن معاذ ابن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيامة. ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته، فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد ؟ قلت إ ي ربي، سمعت عبدك ونبيك يقول: خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله على المشركين، ولكني سأستخلف النفر الذين توفى رسول الله وهو عنهم راض، فأرسل إليهم فجمعهم، وهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم وكان طلحة غائبا، فقال: يا معشر المهاجرين الاولين، إني نظرت في أمر الناس، فلم أجد فيهم شقاقا ولا نفاقا، فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم، تشاوروا ثلاثة أيام. فإن جاءكم طلحة إلى ذلك، وإلا فأعزم عليكم بالله أن لا تتفرقوا من اليوم الثالث حتى تستخلفوا أحدكم، فإن أشرتم بها إلى طلحة، فهو لها أهل، وليصل بكم صهيب هذه الثلاثة الايام التي تشاورون فيها، فإنه رجل من الموالى لا ينازعكم أمركم، وأحضروا معكم من شيوخ الانصار، وليس لهم من أمركم شئ، وأحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس، فإن لهما قرابة، وأرجو لكم البركة في حضورهما، وليس لهما من أمركم شئ، ويحضر ابني عبد الله مستشارا، وليس له من الامر شئ. قالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه للخلافة موضعا فاستخلفه، فإنا راضون به

[ 29 ]

فقال: حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة، ليس له من الامر شئ. ثم قال: يا عبد الله إياك ثم إياك لا تتلبس بها، ثم قال: إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه، وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما، وإن استقر ثلاثة واختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد الله، فلاي الثلاثة قضى فالخليفة منهم وفيهم، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم، فقالوا: قل فينا يا أمير المؤمنين مقالة نستدل فيها برأيك ونقتدي به. فقال: والله ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك، مع أنك رجل حرب. وما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلا أنك فرعون هذه الامة. وما يمنعني منك يا زبير إلا أنك مؤمن الرضا، كافر الغضب. وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره، ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته. وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك وحبك قومك وأهلك، وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها، وإنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين، والصراط المستقيم. أوصى الخليفة منكم بتقوى الله العظيم، وأحذره مثل مضجعي هذا، وأخوفه يوما تبيض فيه وجوه وتسود وجوه، يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية، ثم غشى عليه حتى ظنوا أنه قد قضى فجعلوا ينادونه ولا يفيق من إغمائه، فقال قائل: إن كان شئ ينبه فالصلاة، فقالوا: يا أمير المؤمنين الصلاة، ففتح عينيه فقال: الصلاة هأنذا، ولا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دما (1)، ثم التفت إليهم وقال: قد قومت لكم الطريق فلا تعوجوه، ثم التفت إلى علي بن أبي طالب، فقال: لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله، وما آتاك الله من العلم والفقه والدين فيستخلفوك، فإن وليت هذا الامر فاتق الله يا علي فيه، ولا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس، ثم التفت إلى عثمان فقال يا عثمان، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك وشرفك وسابقتك فيستخلفوك، فإن وليت هذا الامر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس. ثم دعا صهيبا فقال: يا صهيب، صل بالناس ثلاثة أيام، ويجتمع هؤلاء النفر ويتشاورون بينهم: اخرجوا عني، اللهم ألفهم واجمعهم على الحق، ولا تردهم على أعقابهم، وول أمر أمة محمد خيرهم. فخرجوا من عنده، وتوفى رحمه الله تعالى من يومه ذلك، ودفن وصلى عليه صهيب.


(1) يثعب دما: يتفجر دما. (*)

[ 30 ]

ذكر الشورى وبيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم إنه بعد موت عمر اجتمع القوم فخلوا في بيت أحدهم، وأحضروا عبد الله بن عباس، والحسن بن علي، وعبد الله بن عمر، فتشاوروا ثلاثة أيام، فلم يبرموا فتيلا، فلما كان في اليوم الثالث قال لهم عبد الرحمن بن عوف. أتدرون أي يوم هذا ؟ هذا يوم عزم عليكم صاحبكم أن لا تتفرقوا فيه حتى تستخلفوا أحدكم، قالوا: أجل. قال: فإني عارض عليكم أمرا، قالوا: وما تعرض ؟ قال: أن تولوني أمركم، وأهب لكم نصيبي فيها، وأختار لكم من أنفسكم، قالوا: قد أعطيناك الذي سألت، فلما سلم القوم قال لهم عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فجعل الزبير أمره إلى علي،، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف. قال المسور بن مخرمة: فقال لهم عبد الرحمن: كونوا مكانكم حتى آتيكم. وخرج يتلقى الناس في أنقاب المدينة متلثما لا يعرفه أحد، فما ترك أحدا من المهاجرين والانصار وغيرهم من ضعفاء الناس ورعاعهم إلا سألهم واستشارهم. أما أهل الرأي فأتاهم مستشيرا، وتلقى غيرهم سائلا، يقول: من ترى الخليفة بعد عمر ؟ فلم يلق أحدا يستشيره ولا يسأله إلا ويقول عثمان، فلما رأى اتفاق الناس واجتماعهم على عثمان. قال المسور: جاءني رضى الله عنه عشاء، فوجدني نائما فخرجت إليه فقال: ألا أراك نائما، فو الله ما اكتحلت عيني بنوم منذ هذه الثلاثة، ادع لى فلانا وفلانا (نفرا من المهاجرين) فدعوتهم له، فناجاهم في المسجد طويلا، ثم قاموا من عنده، فخرجوا، ثم دعا عليا فناجاه طويلا ثم قام من عنده على طمع، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه طويلا حتى فرق بينهما أن آنت صلاة الصبح، فلما صلوا جمعهم، فأخذ على كل واحد منهم العهد والميثاق: لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة رسوله، وسنة صاحبيك من قبلك، فأعطاه كل واحد منهم العهد والميثاق على ذلك، وأيضا لئن بايعت غيرك لترضين ولتسلمن، وليكونن سيفك معي على من أبى فأعطوه ذلك من عهودهم ومواثيقهم، فلما تم ذلك أخذ بيد عثمان، فقال له عليك عهد الله وميثاقه لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة رسوله وسنة صاحبيك، وشرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني أمية على رقاب الناس، فقال عثمان: نعم. ثم أخذ بيد علي، فقال له: أبايعك على شرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس، فقال علي عند ذلك: مالك ولهذا إذا قطعتها في عنقي ؟ فإن على الاجتهاد لامة محمد حيث علمت القوة والامانة استعنت بها، كان في بني هاشم أو غيرهم، قال عبد الرحمن: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط، قال علي: والله لا أعطيكه أبدا، فتركه،

[ 31 ]

فقاموا من عنده، فخرج عبد الرحمن إلى المسجد، فجمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك، فإنه السيف لا غير. ثم أخذ بيد عثمان فبايعه وبايع الناس جميعا، قال فكان عثمان رضي الله عنه ست سنين في ولايته، وهو أحب إلى الناس من عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان عمر رجلا شديدا قد ضيق على قريش أنفاسها، لم ينل أحد معه من الدنيا شيئا إعظاما له وإجلالا، وتأسيا به واقتداء، فلما وليهم عثمان ولى رجل لين. قال الحسن البصري: شهدت عثمان وهو يخطب وأنا يومئذ قد راهقت الحلم، فما رأيت قط ذكرا ولا أنثى أصبح وجها ولا أحسن نضرة منه. فسمعته يقول: أيها الناس. اغذوا على أعطياتكم فيأخذونها وافية، أيها الناس اغدوا على كسوتكم، فيغدون فيجاء بالحلل فتقسم بينهم، حتى والله سمعت أذناي: يا معشر المسلمين اغدوا على السمن والعسل فيغدون فيقسم بينهم السمن والعسل، ثم يقول: يا معشر المسلمين اغدوا على الطيب، فيغدون فيقسم بينهم الطيب من المسك والعنبر وغيره، والعدوان والله منفي والاعطيات دارة والخير كثير، وما على الارض مؤمن يخاف مؤمنا، من لقى في أي البلدان فهو أخوه وأليفه، وناصره ومؤدبه فلم يزل المال متوفرا، حتى لقد بيعت الجارية بوزنها ورقا، وبيع الفرس بعشرة آلاف دينارا وبيع البعير بألف، والنخلة الواحدة بألف. ثم أنكر الناس على عثمان أشياء أشرا وبطرا. قال ابن عمر: لقد عيبت عليه أشياء لو فعلها عمر ما عيبت عليه. ذكر الانكار على عثمان رضي الله عنه قال عبد الله بن مسلم: حدثنا ابن أبي مريم وابن عفير قالا: حدثنا ابن عون، قال: أخبرنا المخول بن ابراهيم وأبو حمزة الثمالي وبعضهم يزيد على بعض والمعنى واحد، فجمعته وألفته على قولهم، ومعنى ما أرادوا عن علي بن الحسين، قال: لما أنكر الناس على عثمان بن عفان صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن لكل شئ آفة، ولكل نعمة عاهة، وإن آفة هذا الدين وعاهة هذه الملة، قوم عيابون طعانون، يرونكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون. أما والله يا معشر المهاجرين والانصار، لقد عبتم على أشياء ونقمتم أمورا قد أقررتم لابن الخطاب مثلها، ولكنه وقمكم (1) وقمعكم، ولم يجترئ أحد يملا بصره منه


(1) وقمكم: قهركم، وقمعكم: وقفكم عند حدودكم (*)

[ 32 ]

ولا يشير بطرفه إليه، أما والله لانا أكثر من ابن الخطاب عددا، وأقرب ناصرا وأجدر إلى أن قال لهم: أتفقدون من حقوقكم شيئا ؟ فمالي لا أفعل في الفضل ما أريد، فلم كنت إماما إذا ؟ أما والله ما عاب على من عاب منكم أمرا أجهله، ولا أتيت الذي أتيت إلا وأنا أعرفه. قال: وقدم معاوية بن أبي سفيان على أثر ذلك من الشام، فأتى مجلسا فيه علي ابن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعمار بن ياسر، فقال لهم: يا معشر الصحابة، أوصيكم بشيخي هذا خيرا، فو الله لئن قتل بين أظهركم لاملانها عليكم خيلا ورجالا، ثم أقبل على عمار بن ياسر فقال: يا عمار، إن بالشام مئة ألف فارس، كل يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لا يعرفون عليا ولا قرابته، ولا عمارا ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحابته، ولا طلحه ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله، ولا يتقون سعدا ولا دعوته، فإياك يا عمار أن تقعد غدا في فتنة تنجلي، فيقال: هذا قاتل عثمان، وهذا قاتل علي. ثم أقبل على ابن عباس فقال: يا ابن عباس، إنا كنا وإياكم في زمان لا نرجو فيه ثوابا، ولا نخاف عقابا، وكنا أكثر منكم، فو الله ما ظلمناكم ولا قهرناكم ولا أخرناكم عن مقام تقدمناه، حتى بعث الله رسوله منكم، فسبق إليه صاحبكم، فو الله ما زال يكره شركنا ويتغافل به عنا حتى ولى الامر علينا وعليكم، ثم صار الامر إلينا وإليكم فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسنه، ثم غير فنطق ونطق على لسانه، فقد أوقدتم نارا لا تطفأ بالماء، فقال ابن عباس. كنا كما ذكرت حتى بعث الله رسوله منا ومنكم، ثم ولى الامر علينا وعليكم، ثم صار الامر إلينا وإليكم، فأخذ صاحبكم على صاحبنا لسنه، ولما هو أفضل من سنه، فو الله ما قلنا إلا ما قال غيرنا، ولا نطقنا إلا بما نطق به سوانا، فتركتم الناس جانبا، وصيرتمونا بين أن أقمنا متهمين أو نزعنا معتبين (1) وصاحبنا من قد علمتم، والله لا يهجهج مهجهج إلا ركبه (2)، ولا يرد حوضا إلا أفرطه (3). وقد أصبحت أحب منك ما أحببت: وأكره ما كرهت، ولعلى لا ألقاك إلا في خير.


(1) ملومين. (2) أي لا يصيح صائح مستنكرا إلا أخذ على يده. (3) أفرطه: ملاه حتى سال الماء منه وفاض. (*)

[ 33 ]

ذكر القول والمجادلة لعثمان ومعاوية رضي الله عنهما قال: وذكروا أن ابن عباس قال: خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع على حين صليت العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو عليا، فقال علي نعم، فلما أن ولى الرسول أقبل علي فقال: لم تراه دعاني ؟ قلت له: دعاك ليكلمك، فقال انطلق معي، فأقبلت فإذا طلحة والزبير وسعد وأناس من المهاجرين، فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان، فسكت القوم، ونظر بعضهم إلى بعض، فحمد الله عثمان، ثم قال: أما بعد، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان غائبا عنكم وعما نلتم مني، وما عاتبتكم عليه وعاتبتموني، وقد سألني أن يكلمكم وأن يكلمه من أراد، فقال سعد بن أبي وقاص: وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك ؟ فقال على ذلكم تكلم يا معاوية، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر المهاجرين وبقية الشورى فإياكم أعنى وإياكم أريد، فمن أجابني بشئ فمنكم واحد، فإني لم أرد غيركم، توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة، ثم دفنوا نبيهم، فأصبحوا سالما أمرهم، كأن نبيهم بين أظهرهم، فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلا من بعده أحد المهاجرين، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره، فجعلها في ستة نفر بقية المهاجرين، فأخذوا رجلا منهم لا يألون عن الخير فيه، فبايعوه وهم ينظرون إلى الذي هو كائن من بعده، لا يشكون ولا يمترون، مهلا مهلا معشر المهاجرين، فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم، ومن إن فعلتم الذي أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم وأعد من جمعكم، ثم استن عليكم بسنتكم، ورأى أن دم الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي، فسددوا وارفقوا، لا يغلبكم على أمركم من حذرتكم، فقال علي بن أبي طالب: كأنك تريد نفسك يا بن اللخناء لست هنالك، فقال معاوية: مهلا عن شتم بنت عمك، فإنها ليست بشر نسائك. يا معشر المهاجرين، وولاة هذا الامر، ولاكم الله إياه فأنتم أهله، وهذان البلدان مكة والمدينة مأوى الحق ومنتهاه، إنما ينظر التابعون إلى السابقين، والبلدان إلى البلدين فإن استقاموا استقاموا، وأيم الله الذي لا إله إلا هو لئن صفقت إحدى اليدين على الاخرى لا يقوم السابقون للتابعين، ولا البلدان للبلدين، وليسلبن أمركم ولينقلن الملك من بين أظهركم، وما أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الابيض فإني رأيتكم نشبتم في الطعن على خليفتكم، وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم، وما كل نصيحة مقبولة، والصبر على بعض المكروه خير من تحمله كله. قال: ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس، فقال له عثمان: يا بن عمي ويا بن خالتي، فإنه لم يبلغني عنك في أمري شئ أحبه ولا أكرهه علي ولا لي، وقد علمت أنك رأيت بعض

[ 34 ]

ما رأى الناس، فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، وقد أحببت أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر، قال ابن عباس: فقلت يا أمير المؤمنين، إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد السعة، ووالله إن رأيى لك أن يجل سنك، ويعرف قدرك، وسابقتك، والله لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك، فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنه ليس لهما علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما، وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن أن ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له، ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك، قال: فما منعك أن تشير على بهذا قبل أن أفعل ما فعلت ؟ قال: وما علمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل ؟ قال: فهب لي صمتا حتى ترى رأيى. قال: فخرج ابن عباس، فقال عثمان لمعاوية: ما ترى، فإن هؤلاء المهاجرين قد استعجلوا القدر، ولابد لهم مما في أنفسهم، فقال معاوية: الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم. قال: من ؟ قال: علي وطلحة والزبير، قال عثمان: سبحان الله ! أقبل أصحاب رسول الله بلا حدث أحدثوه، ولا ذنب ركبوه ؟ قال معاوية: فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك. قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول الله في أمته بإهراق الدماء. قال معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال ؟ قال عثمان: وما هي ؟ قال معاوية: أرتب لك ها هنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام، يكونون لك ردءا وبين يديك يدا قال عثمان: أرزقهم من أين ؟ قال: من بيت المال، قال عثمان: أرزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي ؟ لا فعلت هذا. قال: فثانية، قال: وما هي ؟ قال: فرقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، واضرب عليهم البعوث والندب، حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته، قال عثمان: سبحان الله ؟ شيوخ المهاجرين وكبار أصحاب رسول الله، وبقية الشورى أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم ؟ لا أفعل هذا. قال معاوية فثالثة، قال: وما هي ؟ قال: اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت، قال عثمان. نعم هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي. قال: ثم خرج عثمان فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس، إن نصيحتي كذبتني، ونفسي منتنى، وقد سمعت رسول الله يقول: لا تتمادوا في الباطل فإن الباطل يزداد من الله بعدا، من أساء فليتب، ومن أخطأ فليتب، وأنا أول من اتعظ، والله لئن ردني الحق عبدا لانتسبن نسب العبيد، ولاكونن كالمرقوق الذي إن ملك صبر، وإن أعتق شكر، ثم نزل، فدخل على زوجته نائلة بنت الفرافصة، ودخل معه مروان بن الحكم، فقال: يا أمير المؤمنين، أتكلم أو أسكت ؟ فقالت له نائلة: بل اسكت فو الله لئن تكلمت لتغرنه ولتوبقنه. فالتفت إليها عثمان مغضبا، فقال: اسكتي، تكلم يا مروان، فقال مروان: يا أمير المؤمنين إنك والله لو قلت

[ 35 ]

الذي قلت وأنت في عز ومنعة لتابعتك، ولكنك قلت الذي قلت وقد بلغ السيل الزبي (1)، وجاوز الحزام الطبيين، فانقض التوبة ولا تقر بالخطيئة. ما أنكر الناس على عثمان رحمه الله قال: وذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة صاحبيه، وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين، وما كان من تطاوله في البنيان، حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة: دارا لنائلة، ودارا لعائشة وغيرهما من أهله وبناته، وبنيان مروان القصور بذي خشب (2)، وعمارة الاموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله، وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبنى عمه من بني أمية أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالامور، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربع ركعات ثم قال لهم: إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم، وتعطيله إقامة الحد عليه، وتأخيره ذلك عنه، وتركه المهاجرين والانصار لا يستعملهم على شئ ولا يستشيرهم، واستغنى برأيه عن رأيهم، وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة، وما كان من إدراره القطائع والارزاق والاعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لا يغزون ولا يذبون (3)، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران. ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الاسود وكانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمار، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شات، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه، فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال: نعم، قال: ومن كان معك ؟ قال كان معي نفر تفرقوا فرقا


(1) الزبي جمع زبية وهي المكان في أعلى الجبل، والطيبان تثنية طبى وهو ثدي الدابة وإذا جاوز حزام البرزعة الطبى فقد حان سقوطها، والمعنى أن الامر بلغ منتهاه وكاد يفلت زمامه من يدك. (2) ذو خشب بضم الخاء والشين موضع بالمدينة. (3) لا يذبون: لا يدافعون عن الاسلام. (4) فرقا: بفتح الفاء والراء: يعنى خوفا منك. (*)

[ 36 ]

منك، قال: من هم ؟ قال: لا أخبرك بهم. قال: فلم اجترأت على من بينهم ؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الاسود (يعنى عمارا) قد جرأ عليك الناس، وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه، قال عثمان: أضربوه، فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه، فغشى عليه، فجروه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، فأدخل منزلها، وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر، عرض له هاشم بن الوليد بن المغيرة، فقال: أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا لاقتلن به رجلا عظيما من بني أمية، فقال عثمان: لست هناك. قال: ثم خرج عثمان إلى المسجد، فإذا هو بعلي وهو شاك مصعوب الرأس، فقال له عثمان: والله يا أبا الحسن ما أدري: أشتهى موتك أم أشتهى حياتك ؟ فو الله لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك، لاني لا أجد منك خلفا، ولئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخذك سلما وعضدا، ويعدك كهفا وملجأ، لا يمنعني منه إلا مكانه منك، ومكانك منه، فأنا منك كالابن العاق من أبيه: إن مات فجعه، وإن عاش عقه. فإما سلم فنسالم، وإما حرب فنحارب، فلا تجعلني بين السماء والارض، فانك والله إن قتلتني لا تجد مني خلفا، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفا، ولن يلي أمر هذه الامة بادئ فتنة. فقال علي: إن فيما تكلمت به لجوابا، ولكني عن جوابك مشغول بوجعي. فأنا أقول كما قال العبد الصالح: (فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون). قال مروان: إنا والله إذا لنكسرن رماحنا، ولنقطعن سيوفنا، ولا يكون في هذا الامر خير لمن بعدنا. فقال له عثمان: اسكت، ما أنت وهذا ؟ فقام إليه رجل من المهاجرين، فقال له. يا عثمان، أرأيت ما حميت من الحمى (آلله أذن لكم أم على الله تفترون) فقال عثمان. إنه قد حمى الحمى قبلي عمر لابل الصدقة، وإنما زادت فزدت، فقام عمرو بن العاص فقال. يا عثمان، إنك ركبت بالناس نهابير (1) من الامر، فتب إلى الله يتوبوا، فرفع عثمان يديه وقال توبوا إلى الله من كل ذنب، اللهم إني أول تائب إليك. ثم قام رجل من الانصار: فقال: يا عثمان: ما بال هؤلاء النفر من أهل المدينة يأخذون العطايا ولا يغزون في سبيل الله. وإنما هذا المال لمن غزا فيه وقاتل عليه، إلا من كان من هذه الشيوخ من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فقال عثمان: فاستغفر الله وأتوب إليه. ثم قال: يا أهل المدينة، من كان له منكم ضرع فليلحق بضرعه ومن كان له زرع فليلحق بزرعه فإنا والله لا نعطي مال الله إلا لمن غزا في سبيله: إلا من كان من هذه الشيوخ من الصحابة. قال: فما بال هذا القاعد الشارب لا تقيم


(1) النهابير والنهابر: المهالك. (*)

[ 37 ]

عليه الحد ؟ (يعني الوليد بن عقبة)، فقال عثمان لعلي: دونك ابن عمك فأقم عليه الحد. فقال علي للحسن: قم فاجلده. فقال الحسن ما أنت وذاك ؟ هذا لغيرك، قال علي: لا، ولكنك عجزت وفشلت، يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده. فقام فضربه وعلي يعد، فلما بلغ أربعين أمسك وقال: جلد رسول الله أربعين، وأبو بكر أربعين: وكملها عمر ثمانين: وكل سنة. حصار عثمان رضي الله عنه قال وذكروا أنه لما اشتد الطعن على عثمان: استأذنه على في بعض بواديه ينتحى إليها ! فأذن له ؟ واشتد الطعن على عثمان بعد خروج علي: ورجا الزبير وطلحة أن يميلا إليهما قلوب الناس، ويغلبا عليهم، واغتنما غيبة علي، فكتب عثمان إلى علي إذ اشتد الطعن عليه. أما بعد فقد بلغ السيل الزبى ! وجاوز الحزام الطبيين (1). وارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره ! وزعموا أنهم لا يرضون دون دمي. وطمع في من لا يدفع عن نفسه (2). وإنك لم يفخر عليك كفاخر * ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب (3) وقد كان يقال: أكل السبع خير من افتراس الثعلب: فأقبل على أولى. فإن كنت مأكولا فكن خير آكل * وإلا فأدركني ولما أمزق قال حويطب بن عبد العزى: أرسل إلى عثمان حين اشتد حصاره، فقال: قد بدا لي أن أتهم نفسي لهؤلاء، فأت عليا وطلحة والزبير، فقل لهم: هذا أمركم تولوه، واصنعوا فيه ما شئتم فخرجت حتى جئت عليا، فوجدت على بابه مثل الجبال من الناس، والباب مغلق، لا يدخل عليه أحد، ثم انصرفت، فأتيت الزبير، فوجدته في منزله ليس ببابه أحد، فأخبرته بما أرسلني به عثمان، فقال: قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين، هل جئت عليا ؟ قلت: نعم، فلم أخلص إليه، فقمنا جميعا، فآتينا طلحة بن عبيد الله فوجدناه في داره وعنده ابنه محمد، فقصصنا عليه ما قال عثمان، فقال: قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين، هل جئتم عليا ؟ قلنا نعم، فلم نخلص إليه. فأرسل طلحة إلى الاشتر، فأتاه فقال لي: أخبره، فأخبرته بما قال عثمان، فقال طلحة وقد دمعت عيناه: قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين، فقام الاشتر فقال: تبعثون إلينا وجاءنا رسولكم بكتابكم، وها هو ذا، فأخرج كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من المهاجرين الاولين وبقية الشورى، إلى من بمصر من الصحابة والتابعين، أما بعد، أن تعالوا إلينا


(1) سبق بيان معنى هذا الكلام ص 35. (2) يريد طمع في الضعفاء. (3) الذي غلبه الناس كثيرا. (*)

[ 38 ]

وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فإن كتاب الله قد بدل، وسنة رسوله قد غيرت، وأحكام الخليفتين قد بدلت، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان، إلا أقبل إلينا، وأخذ الحق لنا، وأعطاناه، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم، وفارقكم عليه الخلفاء، غلبنا على حقنا واستولى على فيئنا، وحيل بيننا وبين أمرنا، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة، وهي اليوم ملك عضوض (1). من غلب على شئ أكله. أليس هذا كتابكم إلينا ؟ فبكى طلحة، فقال الاشتر: لما حضرنا أقبلتم تعصرون أعينكم، والله لا نفارقه حتى نقتله، وانصرف. قال: ثم كتب عثمان كتابا بعثه مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكة، وابن عباس يخطب، وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم، فقام نافع ففتح الكتاب، فقرأ، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين، إلى من حضر الحج من المسلمين، أما بعد. فاني كتبت إليكم كتابي هذا وأنا محصور، أشرب من بئر القصر، ولا آكل من الطعام ما يكفيني، خيفة أن تنفد ذخيرتي. فأموت جوعا أنا ومن معي، لا أدعى إلى توبة أقبلها، ولا تسمع مني حجة أقولها، فأنشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابي إلا قدم على، فأخذ الحق في، ومنعني من الظلم والباطل. قال: ثم قام ابن عباس، فأتم خطبته، ولم يعرض لشئ من شأنه. وكتب إلى أهل الشام عامة، وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة: أما بعد فإني في قوم طال فيهم مقامي، واستعجلوا القدر في، وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف (2) من الابل إلى دخل (3). وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني (4). وبين أن أقيدهم (5) ممن قتلت. ومن كان على سلطان يخطئ ويصيب، فيا غوثاه يا غوثاه، ولا أمير عليكم دوني، فالعجل العجل يا معاوية، وأدرك ثم أدرك، وما أراك تدرك.


(1) ملك عضوض، لاصق بأصحابه يصعب خلعهم منه، أو شديد قوى على الناس. (2) الشارف من الابل: المسن العجوز. (3) دحل بضم الدال وسكون الحاء جزيرة بين اليمن وبلاد البحة، المراد خيروه بين النفي وبين الاستقالة من الخلافة. (4) رداء الله هو الخلافة. (5) أسلم لهم نفسي ليأخذوا القود مني فيقتلوني قصاصا بمن قتل من المسلمين. (*)

[ 39 ]

تولية محمد بن أبي بكر على مصر شكوى أهل مصر من ابن أبي سرح قال: وذكروا أن أهل مصر جاءوا يشكون ابن أبي سرح عاملهم، فكتب إليه عثمان كتابا يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان وضرب بعض من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبع مئة رجل فنزلوا المسجد وشكوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة ما صنع بهم ابن أبي سرح، فقام طلحة فتكلم بكلام شديد وأرسلت عائشة إلى عثمان فقالت له: قد تقدم إليك أصحاب رسول الله وسألوك عزل هذا الرجل، فأبيت إلا واحدة، فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه على وكان متكلم القوم، فقال له: إنما يسألونك رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب لهم عليه حق، فانصفهم منه، فقال اختاروا رجلا أوليه عليهم. تولية محمد بن أبي بكر فقالو: استعمل محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه، وخرج معه عدد من المهاجرين والانصار، ينظرون فيما بين ابن أبي سرح وأهل مصر، فخرج محمد ومن معه حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاث ليال من المدينة: إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير، كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد: ما قصتك وما شأنك ! كأنك طالب أو هارب فقال أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر معنا، قال: ليس هذا أريد، فأخبر محمد بأمره فبعث في طلبه رجلا، فجاء به إليه، فقال له، غلام من أنت ؟ فأقبل مرة يقول أنا غلام مروان ومرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين، حتى عرفه رجل أنه لعثمان: فقال له محمد: إلى من أرسلك ؟ قال: إلى عامل مصر، قال: بماذا ؟ قال: برسالة. قال أما معك كتاب، قال: لا، قفتشوه: فلم يجدوا معه كتابا، قال وكانت معه إداوة (1) قد يبست: فيها شئ يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا إداوته، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى عبد الله ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والانصار، ثم فك الكتاب بمحضر منهم، فقرأه، فإذا فيه: إذا أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاقتلهم، وأبطل كتابهم، وقر على عملك حتى يأتيك رأيى. فلما رأوا الكتاب فزعموا منه، ورجعوا إلى المدينة.


(1) الاداوة سقاء من جلد يوضع فيه الماء ويسمى المطهرة لان صاحبها يتطهر بما فيها من الماء ومعنى قد يبست: قد جفت لعدم وضع الماء فيها مدة طويلة. (*)

[ 40 ]

رجوع محمد بن أبي بكر إلى المدينة وختم محمد الكتاب بخواتم النفر الذين كانوا معه، ودفعه إلى رجل منهم، ثم قدموا المدينة، فجمعوا طلحة والزبير وعليا وسعدا، ومن كان من أصحاب رسول الله، ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم، وأخبرهم بقصة الغلام: وأقرأهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق (1) على عثمان وقام أصحاب النبي فلحقوا بمنازلهم: وحضر الناس عثمان، وأحاطوا به، ومنعوه الماء والخروج، ومن كان معه، وأجلب (2) عليه محمد بن أبي بكر. حصار أهل مصر والكوفة عثمان رحمه الله قال: وذكروا أن أهل مصر أقبلوا إلى علي، فقالوا: ألم تر عدوا الله (3) ماذا كتب فينا ؟ قم معنا إليه، فقد أحل الله دمه، فقال علي، لا والله: لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا ؟ قال علي: لا والله ما كتبت إليكم كتابا قط: فنظر بعضهم إلى بعض. ثم أقبل الاشتر النخعي من الكوفة في ألف رجل: وأقبل ابن أبي حذيفة من مصر في أربع مئة رجل، فأقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلا ونهارا، وطلحة يحرض الفريقين جميعا على عثمان: ثم إن طلحة قال لهم: إن عثمان لا يبالى ما حصرتموه ؟ وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه. مخاطبة عثمان من أعلى القصر طلحة وأهل الكوفة وغيرهم قال: وذكروا أن عثمان لما منع الماء صعد على القصر، واستوى في أعلاه ثم نادى: أين طلحة ؟ فأتاه، فقال: يا طلحة، أما تعلم أن بئر رومة كانت لفلان اليهودي، لا يسقى أحدا من الناس منها قطرة إلا بثمن، فاشتريتها بأربعين ألفا، فجعلت رشائي (4) فيها كرشاء رجل من المسلمين، استأثر عليهم ؟ قال: نعم. قال: فهل تعلم أن أحدا يمنع أن يشرب منها اليوم غيري ؟ لم ذلك ؟ قال: لانك بدلت وغيرت. قال: فهل تعلم أن رسول الله قال: من اشترى هذا البيت


(1) حنق: حقد وغضب. (2) أجلب عليه: جمع عليه الناس ينتقدون عمله ويردونه عن طريقه الذي يرونه غير مستقيم. (3) يريدون مروان بن الحكم. (4) الرشاء: الحبل الذي يربط به الدلو عند إخراج الماء من البئر، والمراد جعلت نفسي كأحدكم في سقى الماء مع أنها ملكي. (*)

[ 41 ]

وزاده في المسجد فله به الجنة، فاشتريته بعشرين ألفا، وأدخلته في المسجد ؟ قال طلحة: نعم. قال: فهل تعلم اليوم أحدا يمنع فيه من الصلاة غيري ؟ قال: لا. قال: لم ؟ قال: لانك غيرت وبدلت. ثم انصرف عثمان وبعث إلى علي بخبره أنه منع من الماء، ويستغيث به، فبعث إليه على ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، فقال طلحة: ما أنت وهذا ؟ وكان بينهما في ذلك كلام شديد، فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت فقال لهم: إن معاوية قد بعث من الشام يزيد بن أسيد مددا لعثمان، في أربعة آلاف من خيل الشام، فاصنعوا ما أنتم صانعون، وإلا فانصرفوا وكان معه في الدار مئة رجل ينصرونه منهم عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، والحسن بن علي، وعبد الله بن سلام، وأبو هريرة، فلما سمع القوم إقبال أهل الشام، قامو فألهبوا النار بباب عثمان، فلما نظر أهل الدار إلى النار، نصبوا للقتال وتهيئوا، فكره ذلك عثمان قال: لا أريد أن تهراق في محجمة (1) دم، وقال لجميع من في الدار: أنتم في حل من بيعتي، لا أحب أن يقتل في أحد، وكان فيهم عبد الله بن عمر، فقال: يا أمير المؤمنين: مع من تأمرني أن أكون إن غلب هؤلاء القوم عليك ؟ قال: عليك بلزوم الجماعة. قلت: فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك ؟ قال عليك بلزوم الجماعة حيث كانت. قال: ثم دخل عليه الحسن بن علي، فقال مرني بما شئت، فإني طوع يديك. فقال له عثمان: ارجع يا بن أخي، اجلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره. ثم دخل عليه أبو هريرة متقلدا سيفه، فقال: طاب الضراب يا أمير المؤمنين، قد قتلوا منا رجلا، وقد ألهبوا النار، فقال عثمان: عزمت عليك يا أبا هريرة إلا ألقيت سيفك، قال أبو هريرة: فألقيته فلا أدري من أخذه. قال: ودخل المغيرة بن شعبة، فقال له: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قد اجتمعوا عليك، فإن أحببت فالحق بمكة، وإن أحببت أن نخرق لك بابا من الدار فتلحق بالشام ففيها معاوية وأنصارك من أهل الشام، وإن أبيت فاخرج ونخرج، ونحاكم القوم إلى الله تعالى. فقال عثمان: أما ما ذكرت من الخروج إلى مكة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يلحد بمكة رجل من قريش، عليه نصف عذاب هذه الامة من الانس والجن، فلن أكون ذلك الرجل إن شاء الله، وأما ما ذكرت من الخروج إلى الشام، فإن المدينة دار هجرتي، وجوار قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فلا حاجة لي في الخروج من دار هجرتي، وأما ما ذكرت من محاكمة هؤلاء القوم إلى الله، فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بإهراق الدم.


(1) المحجمة: آلة يؤخذ بها الدم من المريض تشبه الحقنة عندنا الآن، والمراد: دم قليل. (*)

[ 42 ]

رؤية عثمان أبا بكر وعمر في المنام ثم قال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي: صم فإنك مفطر عندنا الليلة، وإني أصبحت صائما، وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إلا خرج من الدار سالما. فقالوا: إنا إن خرجنا لم نأمن على أنفسنا منهم، فأذن لنا فنكون في موضع من الدار فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب محمد، كلهم بدرى، ثم دخلوا على عثمان ومعهم الكتاب والغلام والبعير، فقال على: الغلام غلامك، والبعير بعيرك ؟ فقال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال: لا، وحلف بالله ما كتبت، ولا أمرت، ولا علمت. فقال له: فالخاتم خاتمك ؟ قال: نعم. قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وكتاب عليه خاتمك لا تعلم به ؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب، ولا وجهت، ولا أمرت. فشك القوم في أمر عثمان، وعلموا أنه لا يحلف بباطل. فقال قوم منهم: لا يبرأ عثمان عن قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نعرف كيف يأمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله، وقطع أيديهم بغير حق، فإن كان عثمان كتبه عزلناه، وإن كان مروان كتبه نظرنا في أمره، وما يكون في أمر مروان، فانصرف القوم عنه، ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، وخشى عليه القتل. فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنا أردنا مروان، فأما قتل عثمان فلا، ثم قال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، ولا تدعا أحدا يصل إليه، وبعث الزبير ابنه على كره، وبعث طلحة ابنه كذلك، وبعث عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبناءهم، يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان. ويسألوه أن يخرج مروان، فأشرف عليهم عثمان من أعلى القصر، فقال: يا معشر المسلمين، أذكركم الله، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب دار بني فلان، ليوسع بها للمسلمين في مسجدهم. فاشتريتها من خالص مالي. وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيه. أذكركم الله يا معشر المسلمين. ألستم تعلمون أن بئر رومة كانت تباع القربة منها بدرهم. فاشتريتها من خالص مالي، فجعلت رشائي كرشاء واحد من المسلمين، وأنتم تمنعونني أن أشرب من مائها، وأنا اشتريتها، حتى إني ما أفطر إلا على ماء البحر ؟ ألستم تعلمون أنكم نقمتم على أشياء، فاستغفرت الله وتبت إليه منها، وتزعمون أني غيرت وبدلت، فابعثوا على شاهدين مسلمين، وإلا فأحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت الكتاب، ولا أمرت به، ولا اطلعت عليه، يا قوم (لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح) يا قوم لا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه، يا قوم إن الله رضى لكم السمع والطاعة، وحذركم المعصية والفرقة، فاقبلوا نصيحة الله، واحذروا عقابه، فإنكم إن فعلتم الذي أنتم فاعلون، لا تقوم الصلاة جميعا،

[ 43 ]

ويسلط عليكم عدوكم، وإني أخبركم أن قوما أظهروا للناس أنهم إنما يدعونني إلى كتاب الله تعالى والحق، فلما عرض عليهم الحق رغبوا عنه وتركوه، وطال عليهم عمري، واستعجلوا القدر بي، وقد كانوا كتبوا إليكم، أنهم قد رضوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئا، وكانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود، وترك المظالم، وردها إلى أهلها، فرضيت بذلك، وقالوا: يؤمر عمرو بن العاص، وعبد الله بن قبس، ومثلهما من ذوي القوة والامانة، وكل ذلك فعلت، فلم يرضوا، وحالوا بيني وبين المسجد، فابتزوا ما قدروا عليه بالمدينة وهم يخيرونني بين إحدى ثلاث: إما أن يقيدوني بكل رجل أصبت خطأ أو عمدا، وإما أن أعتزل عن الامر، فيؤمروا أحدا، وإما أن يرسلوا إلى من أطاعهم من الجنود وأهل الامصار، فأرسلوا إليكم فأتيتم لتبتزوني من الذي جعل الله لي عليكم من السمع والطاعة، فسمعتم منهم، وأطعتموهم والطاعة لي عليكم دونهم، فقلت لهم: أما إقادة من نفسي فقد كان قبلي خلفاء، ومن يتول السلطان يخطئ ويصيب، فلم يستقد من أحد منهم، وقد علمت أنهم يريدون بذلك نفسي، وأما أن أتبرأ من الامر، فإن يصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من جنة الله تعالى وخلافته بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي: يا عثمان، إن الله تعالى سيقمصك قميصا بعدي، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة، ولكن أتوها طائعين، ييتغون بذلك مرضاة الله، وصلاح الامة، ومن يكن منهم يبتغي الدنيا فلن ينال منها إلا ما كتب له، فاتقوا الله، فإني لا أرضى لكم أن تنكثوا عهد الله، وإني أنشدكم الله والاسلام ألا تأخذوا الحق ولا تعطوه مني (وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء، إلا ما رحم ربي) وإني عاقبت أقواما، وما أبتغى بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى الله من كل عمل عملته، وأستغفره، أما والله لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: الردة عن الاسلام، والزنا بعد الاحصان، ولا والله ما كان ذلك مني في جاهلية ولا إسلام، أو رجل قتل رجلا فيقاد به. فقال بعضهم: إنه ليقول مقالا. وقال آخر: لئن سمعتم منه ليصرفنكم، فأبوا، ورموه بالسهام، واستقبلوه بما لا يستقبل به مثله، ثم أشرف عليهم عبد الله بن سلام، وكان من أهل الدار، فقال: يا معشر من حاصر دار عثمان من المهاجرين والانصار، ممن أنعم الله عليهم بالاسلام، لا تقتلوا عثمان فو الله إن حقه على كل مؤمن لحق الوالد على ولده، ووالله إن على حوائط المدينة اثنى عشر ألف ملك منذ أن أمد الله بهم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ووالله لئن قتلتموه ليسخطن عليكم ربكم، ولتتفرقن ملائكته عنكم وليقتلن بقتله أقواما هم في الاصلاب وما خلقوا في الا حارم وإني لاجده في التوراة التي أنزل الله على موسى عليه السلام، وكتب بيده عزوجل إليكم بالعبراني وبالعربي خليفتكم المظلوم الشهيد والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لا تؤدي بعده طاعة إلا عن مخافة، ولا توصل رحم

[ 44 ]

إلا عن مكافأة (1) وليقتلن به الرجال ومن في الاصلاب. فقالوا له: أيا يهودي، أشبع بطنك، وكسا ظهرك والله لا ينتطح فيه شاتان، ولا يتنافر فيه ديكان، فقال: أما الشاتان والديكان فصدقتم، ولكن التيسان (2) الاكبر ان يتناطحان فيه فحصبوه ورموه حتى شجوه. فالتفت إلى عثمان، فقال له: زعموا أنك أشبعت بطني وكسوت ظهري، فاصبر يا أمير المؤمنين، فو الذي نفسي بيده إني أجدك في كتاب الله تعالى المتزل: الخليفة المظلوم الشهيد، فرميت بالسهام من كل جانب، وكان الحسن بن علي حاضرا، فأصابه سهم، فخضبه بالدم، وأصاب مروان سهم، وهو في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشج قنبر مولى على فخشى محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم للحسن فيثيروها فتنة. قتل عثمان رضي الله عنه وكيف كان قال: وذكروا أن محمد بن أبي بكر لما خرج الحسن بن علي أخذ بيد رجلين، فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم، فرأوا الدماء على وجه الحسن، كشفوا الناس عن عثمان، وبطل ما تريدون ولكن قوموا حتى نتسور عليه، فنقتله من غير أن يعلم أحد، فتسور هو وصاحباه من دار رجل من الانصار، حتى دخلوا على عثمان، وما يعلم أحد ممن كان معه، لان كل من معه كان فوق البيت، ولم يكن معه إلا امرأته، فدخل عليه محمد بن أبي بكر فصرعه، وقعد على صدره، وأخذ بلحيته، وقال: يا نعثل (2). ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن عامر وابن أبي سرح. فقال له عثمان، لو رآني أبوك رضي الله عنه لبكاني، ولساءه مكانك مني، فتراخت يده عنه، وقام عنه وخرج فدعا عثمان بوضوء فتوضأ، وأخذ مصحفا، فوضعه في حجره، ليتحرم (3) به ودخل عليه رجل من أهل الكوفة بمشقص (4) في يده، فوجأ به (5) منكبه مما يلي الترقوة، فأدماه ونضح الدم على ذلك المصحف، وجاء آخر فضربه برجله، وجاء آخر فوجأه بقائم سيفه، فغشى عليه، ومحمد بن أبي بكر لم يدخل مع هؤلاء، فتصايح نساؤه، ورش الماء على وجهه فأفاق، فدخل محمد بن أبي بكر وقد أفاق فقال له: أي نعثل، غيرت وبدلت وفعلت. ثم دخل رجل من أهل مصر، فأخذ بلحيته، فنتف منها خصله، وسل سيفه، وقال: افرجوا لي، فعلاه بالسيف، فتلقاه عثمان بيده: فقطعها، فقال عثمان أما والله إنها أول يد خطت المفصل، وكتبت


(1) يريد أن الايمان ينزع من القلوب ويحل محله الخوف والحرص على الدنيا فالذي يصل رحمه يرجو منهم جزاء على صلته لهم أي لا يصلها ابتغاء وجه الله وإنما لغرض الدنيا (2) يريد عليا ومعاوية، والعرب تشبه الرجل الشجاع بالتيس، وهو ذكر المعز. (3) النعثل: الشيخ الاحمق، ورجل ذو لحية كان يشبه به عثمان رضي الله عنه. (4) يتحرم به: يصير به كأنه في حرم لا يجرؤ أحد على قتله. (5) المشقص: نصل عريض أو طويل أو سهم فيه نصل عريض أو طويل. (6) وجأ به: ضرب به أو طعن به. (*)

[ 45 ]

القرآن، ثم دخل رجل أزرق قصير مجدر، ومعه جرز (1) من حديد، فمشى إليه فقال: على أي ملة أنت يا نعثل، فقال: لست بنعثل، ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين. قال: كذبت. وضربه بالجرز على صدغه الايسر فغسله الدم، وخر على وجهه، وحالت نائلة بنت الفرافصة زوجته بينه وبينه، وكانت جسيمة، وألقت بنت شيبة نفسها عليه، ودخل عليه رجل من أهل مصر، ومعه سيف مصلت، فقال: والله لاقطعن أنفه، فعالج امرأته عنه، فكشف عنها درعها. فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها، فضربت على السيف، فقطع أناملها، فقالت: يا رباح، غلام لعثمان أسود ومعه سيف، أعن عني هذا، فضربه الاسود فقتله، ثم دخل آخر معه سيف فقال: افرجوا لي، فوضع ذباب السيف في بطن عثمان، فأمسكت نائلة زوجته السيف، فحز أصابعها، ومضى السيف في بطن عثمان فقتله، فخرجت امرأته وهي تصيح، وخرج القوم هاربين من حيث دخلوا، فلم يسمع صوت نائلة، لما كان في الدار من الجلبة، فصعدت امرأته إلى الناس، فقالت إن أمير المؤمنين قد قتل. فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما، فوجدوا عثمان مقتولا قد مثل به فأكبوا عليه يبكون وخرجوا فدخل الناس فوجدوه مقتولا فبلغ عليا الخبر وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم، فدخلوا عليه واسترجعوا، وأكبوا عليه يبكون ويعولون حتى غشى على علي ثم أفاق، فقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب ؟ فرفع يده فضرب الحسن والحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج على وقد سلب عقله، لا يدري ما يستقبل من أمره، فقال طلحة: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين ؟ فقال: يا طلحة، يقتل أمير المؤمنين ولم نقم عليه بينة ولا حجة، فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل. فقال علي: لو دفع مروان قتل قبل أن تقوم عليه حكومة. فخرج علي فأتى منزله، وأغلق الباب، وكتبت نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية تصف دخول القوم على عثمان، وأخذه المصحف ليتحرم به، وما صنع محمد بن أبي بكر وأرسلت بقميص عثمان مضرجا بالدم ممزقا، وبالخصلة التي نتفها الرجل المصري من لحيته، فعقدت الشعر في زر القميص، ثم دعت النعمان ابن بشير الانصاري، فبعثته إلى معاوية، ومضى بالقميص حتى أتى على يزيد بن أسيد ممدا لعثمان بعثه معاوية في أربعة آلاف، فأخبرهم بقتل عثمان فانصرفوا إلى الشام. قال: ثم دخل أهل مصر الدار، فلما رأوا عثمان مقتولا ندموا واستحيوا وكره أكثرهم ذلك، وثار أهل الدار في وجوههم، فأخرجوهم منها. ثم اقتتلوا عند الباب، فضرب مروان بالسيف فصرع (2).


(1) الجرز بضم الجيم وسكون الراء: عمود من حديد. (2) صرع: طرح على الارض. (*)

[ 46 ]

دفن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن أزهر، قال: لم أكن دخلت في شئ من أمر عثمان، لا عليه ولا له، فإني لجالس بفناء داري ليلا بعدما قتل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير، فقال: إن أخي يدعوك فقمت إليه، فقال لي: إنا أردنا أن ندفن عثمان، فهل لك ؟ قلت: والله ما دخلت في شئ من شأنه، وما أريد ذلك، فانصرفت عنه، ثم اتبعته، فإذا هو في نفر فيهم جبير بن مطعم، وأبوالجهم بن حذيفة، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن ابن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، فاحتملوه على باب وإن رأسه ليقول: طق طق، فوضعوه في موضع الجنائز، فقام إليهم رجال من الانصار، فقالوا لهم: لا والله لا تصلون عليه. فقال أبو الجهم: ألا تدعونا نصلي عليه، فقد صلى الله تعالى عليه وملائكته، فقال له رجل منهم: إن كنت فأدخلك الله مدخله، فقال له: حشرني الله معه. فقال له: إن الله حاشرك مع الشياطين، والله إن تركناكم به لعجز منا. فقال القوم لابي الجهم اسكت عنهم وكف، فسكت، فاحتملوه، ثم انطلقوا مسرعين كأني أسمع وقع رأسه على اللوح، حتى وضعوه في أدنى البقيع فأتاهم جبلة بن عمر الساعدي من الانصار، فقال: لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله، ولا نترككم تصلون عليه، فقال أبو الجهم: انطلقوا بنا، إن لم نصل عليه فقد صلى الله عليه، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان، معها مصباح في حق، حتى إذا أتوا به حش كوكب (1) حفروا له حفرة، ثم قاموا يصلون عليه، وأمهم جبير بن مطعم، ثم دلوه في حفرته، فلما رأته ابنته صاحت، فقال ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لاضربن الذي فيه عينيك، فدفنوه، ولم يلحدوه بلبن (2)، وحثوا عليه التراب حثوا. بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكيف كانت قال: وذكروا أنه لما كان في الصباح اجتمع الناس في المسجد، وكثر الندم والتأسف على عثمان رحمه الله، وسقط في أيديهم، وأكثر الناس على طلحة والزبير واتهموهما بقتل عثمان، فقال الناس لهما: أيها الرجلان، قد وقعتما في أمر عثمان، فخليا عن أنفسكما، فقام طلحة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا والله ما نقول اليوم إلا ما قلناه أمس، إن عثمان خلط الذنب بالتوبة، حتى كرهنا ولايته وكرهنا أن نقتله وسرنا أن نكفاه، وقد كثر فيه اللجاج، وأمره إلى الله، ثم قام الزبير فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أيها الناس إن الله قد رضى لكم الشورى، فأذهب بها الهوى، وقد تشاورنا فرضينا عليا فبايعوه، وأما قتل عثمان فإنا


(1) حش كوكب: بضم الحاء موضع ا بالمدينة. (2) اللبن بكسر الباء: الطوب غير المحروق. (*)

[ 47 ]

نقول فيه إن أمره إلى الله، وقد أحدث أحداثا والله وليه فيما كان، فقام الناس، فأتوا عليا في داره، فقالوا: نبايعك، فمد يدك، لابد من أمير، فأنت أحق بها، فقال: ليس ذلك إليكم، إنما هو لاهل الشورى وأهل بدر، فمن رضى به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة، فنجتمع وننظر في هذا الامر فأبى أن يبايعهم، فانصرفوا عنه، وكلم بعضهم بعضا فقالوا: يمضى قتل عثمان في الآفاق والبلاد فيسمعون بقتله، ولا يسمعون أنه بويع لاحد بعده، فيثور كل رجل منهم في ناحية، فلا نأمن أن يكون في ذلك الفساد فارجعوا إلى علي، فلا تتركوه حتى يبايع، فيسير مع قتل عثمان بيعة علي، فيطمئن الناس ويسكنون فرجعوا إلى علي، وترددوا إلى الاشتر النخعي، فقال لعلي: أبسط يدك نبايعك، أو لتعصرن عينيك عليها ثالثة، ولم يزل به يكلمه، ويخوفه الفتنة، ويذكر له أنه ليس أحد يشبهه، فمد يده، فبايعه الاشتر ومن معه، ثم أتوا طلحة، فقالوا له: اخرج فبايع، قال: من ؟ قالوا: عليا. قال: تجتمع الشورى وتنظر، فقالوا: اخرج فبايع، فامتنع عليهم. فجاءوا به يلببونه، فبايعه بلسانه ومنع يده، فقال أبو ثور، كنت فيمن حاصر عثمان فكنت آخذ سلاحي وأضعه، وعلي ينظر إلى لا يأمرني ولا ينهاني، فلما كانت البيعة له، خرجت في أثره، والناس حوله يبايعونه، فدخل حائطا من حيطان بني مازن، فألجئوه إلى نخلة، وحالوا بيني وبينه، فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراعه، تختلف أيديهم على يده ثم أقبل إلى المسجد الشريف، وكان أول من صعد المنبر طلحة فبايعه بيده، وكانت أصابعه شلاء، فتطير منها على، فقال: ما أخلقها أن تنكث، ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعا، ثم نزل فدعا الناس، وأمر مروان، فهرب منه، وطلب نفرا من بني أميه وابن أبي معيط فهربوا، وخرجت عائشة باكية تقول قتل عثمان رحمه الله، فقال لها عمار: بالامس تحرضين عليه الناس، واليوم تبكينه، ثم جاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان ؟ قالت: لا أدري، دخل عليه رجال لا أعرفهم إلا أن أرى وجوههم، وكان معهم محمد بن أبي بكر، فدعا على محمدا، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: صدقت، قد والله دخلت عليه، فذكر لى أبى، فقمت عنه، وأنا تائب إلى الله تعالى، والله ما قتلته، ولا أمسكته، فقالت: صدق، ولكن هو أدخلهم. قال: ثم خرج طلحة، فلقى عائشة، فقالت له: ما صنع الناس ؟ قال: قتلوا عثمان. قالت: ثم ما صنعوا ؟ قال: بايعوا عليا، ثم أتونى فأكرهوني ولببونى حتى بايعت. قالت: وما لعلى يستولى على رقابنا، لا أدخل المدينة ولعلى فيها سلطان، فرجعت. وكان الزبير خارجا لم يشهد قتل عثمان، وكان عمرو بن العاص بفلسطين يوم قتل عثمان، فطلع عليه راكب من الحجاز، فقال له: ما وراءك ؟ قال تركت عثمان محصورا، قال عمرو: قد يضرط العير والمكواة في النار، (1)


(1) هذا مثل عربي: معناه أن عثمان لا ينفعه شئ. (*)

[ 48 ]

ثم لبث أياما، فطلع عليه راكب آخر، فقال له عمرو: ما الخبر ؟ قال: قتل عثمان. قال: فما فعل الناس ؟ فقال: بايعوا عليا. قال: فما فعل على في قتلة عثمان ؟ قال: دخل عليه الوليد ابن عقبة فسأله عن قتله، فقال: ما أمرت ولا نهيت، ولا سرني ولا ساءني. قال: فما فعل بقتلة عثمان ! فقال: آوى ولم يرض، وقد قال له مروان: إن لا تكن أمرت فقد توليت الامر، وإلا تكن قتلت فقد أويت القاتلين، فقال عمرو بن العاص: خلط والله أبو الحسن، قال: ثم كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان: ومن قتله: ومن تولى كبره ؟ فكتب إليه سعد: إنك سألتني من قتل عثمان ؟ وإني أخبرك أنه قتل بسيف سلته عائشة، وصقله طلحة، وسمه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن، ولو شئنا دفعنا عنه، ولكن عثمان غير وتغير، وأحسن وأساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله، وأخبرك أن الزبير مغلوب بغلبة أهله وبطلبه بذنبه، وطلحة لو يجد أن يشق بطنه من حب الامارة لشقه. قال: وكان ابن عباس غائبا بمكة المشرفة: فأقبل إلى المدينة وقد بايع الناس عليا. قال ابن عباس: فوجدت عنده المغيرة بن شعبة، فجلست حتى خرج، ثم دخلت عليه، فسألني وساءلته: ثم قلت له: ما قال لك الخارح من عندك آنفا ؟ قال: قال لي قبل هذه الدخلة، أرسل إلى عبد الله بن عامر بعهده على البصرة، وإلى معاوية بعهده على الشام، فإنك تهدئ عليك البلاد، وتسكن عليك الناس. ثم أتأني الآن، فقال لي: إني كنت أشرت عليك برأي لم أتعقيه، فلم أر ذلك رأيا، وإني أرى أن تنبذ إليهما العداوة، فقد كفاك الله عثمان، وهما أهون موتة منه. فقال له ابن عباس: أما المرة الاولى فقد نصحك فيها، وأما الثانية فقد غشك فيها، قال: فإني قد وليتك الشام فسر إليها، قال: قلت: ليس هذا برأى، أترى معاوية وهو ابن عم عثمان مخليا بيني وبين عمله، ولست آمن إن ظفر بي أن يقتلني بعثمان، وأدنى ما هو صانع أن يحبسني ويحكم على، ولكن اكتب إلى معاوية، فمنه وعده، فإن استقام لك الامر فلبعثنى، قال: ثم أرسل بالبيعة إلى الآفاق، وإلى جميع الامصار ! فجاءته البيعة من كل مكان إلا الشام، فإنه لم يأته منها بيعة. فأرسل إلى المغيرة بن شعبة، فقال له: سر إلى الشام فقد وليتكها. قال: تبعثني إلى معاوية وقد قتل ابن عمه، ثم آتيه واليا، فيظن أني من قتلة ابن عمه ؟ ولكن إن شئت ابعث إليه بعهده، فإنه بالحرى إذا بعثت له بعهده أن يسمع ويطيع. فكتب علي إلى معاوية: أما بعد فقد وليتك ما قبلك من الامر والمال: فبايع من قبلك، ثم اقدم إلي في ألف رجل من أهل الشام. فلما أتى معاوية كتاب على دعا بطومار فكتب فيه: من معاوية إلى علي، أما بعد، فإنه:

[ 49 ]

ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب فلما أتى عليا الكتاب، ورأى ما فيه، وما هو مشتمل عليه، وكره ذلك، وقام فأنى منزله فدخل عليه الحسن ابنه، فقال له: أما والله كنت أمرتك فعصيتني، فقال له علي: وما أمرتني به فعصيتك فيه ؟ قال: أمرتك أن تركب رواحلك، فتلحق بمكة المشرفة، فلا تتهم به، ولا تحل شيئا من أمره فعصيتني، وأمرتك حين دعيت إلى البيعة أن لا تبسط يدك إلا على بيعة جماعة، فعصيتني، وأمرتك حين خالف عليك طلحة والزبير أن لا تكرههما على البيعة، وتخلى بينهما وبين وجههما، وتدع الناس يتشاورون عاما كاملا، فو الله لو تشاوروا عاما ما زويت عنك، ولا وجدوا منك بدا، وأنا آمرك اليوم أن تقيلهما بيعتهما، وترد إلى الناس أمرهم، فإن رفضوك رفضتهم، وإن قبلوك قبلتهم، فإني والله قد رأيت الغدر في رؤوسهم، وفي وجوههم النكث والكراهية. فقال له علي، أنا إذا مثلك، لا والله يا بني، ولكن أقاتل بمن أطاعني من عصاني، وايم الله يا بني ما زلت مبغيا علي منذ هلك جدك، فقال له الحسن: وايم الله يا أبت ليظهرن عليك معاوية، لان الله تعالى قال (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) فقال علي يا بني، وما علينا من ظلمه، والله ما ظلمناه، ولا أمرنا ولا نصرنا عليه، ولا كتبت فيه إلى أحد سوادا في بياض، وإنك لتعلم أن أباك أبرأ الناس من دمه ومن أمره. فقال له الحسن: دع عنك هذا، والله إني لا أظن، بل لا أشك أن ما بالمدينة عاتق (1) ولا عذراء ولا صبى إلا وعليه كفل من دمه. فقال: يا بنى إنك لتعلم أن أباك قد رد الناس عنه مرارا أهل الكوفة وغيرهم، وقد أرسلتكما جميعا بسيفيكما لتنصراه وتموتا دونه، فنهاكما عن القتال، ونهى أهل الدار أجمعين. وايم الله لو أمرني بالقتال لقاتلت دونه، أو أموت بين يديه. قال الحسن، دع عنك هذا، حتى يحكم الله بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. قال: ثم دخل المغيرة بن شعبة، فقال له علي: هل لك يا مغيرة في الله ؟ قال: فأين هو يا أمير المؤمنين ؟ قال: تأخذ سيفك، فتدخل معنا في هذا الامر، فتدرك من سبقك، وتسبق من معك، فإني أرى أمورا لا بد للسيوف أن تشحذ لها، وتقطف الرؤوس بها، فقال المغيرة: إني والله يا أمير المؤمنين ما رأيت عثمان مصيبا، ولا قتله صوابا، وإنها لظلمة تتلوها ظلمات، فأريد يا أمير المؤمنين - إن أذنت لي - أن أضع سيفي وأنام في بيتي حتى تنجلي الظلمة ويطلع قمرها، فنسرى مبصرين، نقفو آثار المهتدين، ونتقى سبيل الجائرين. قال علي:


(1) العاتق: المرأة في منتصف عمرها، والعذراء البكر التي لم تتزوج. (*)

[ 50 ]

قد أذنت لك، فكن من أمرك على ما بدا لك. فقام عمار فقال: معاذ الله يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا. يغلبك من غلبته، ويسبقك من سبقته، انظر ما ترى وما تفعل، فأما أنا فلا أكون إلا في الرعيل الاول. فقال له المغيرة، يا أبا اليقظان. إياك أن تكون كقاطع السلسلة: فر من الضحل (1) فوقع في الرمضاء (2). فقال علي لعمار: دعه، فإنه لن يأخذ من الآخرة إلا ما خالطته الدنيا، أما والله يا مغيرة إنها المثوبة المؤدية، تؤدي من قام فيها إلى الجنة، ولما اختار بعدها، فإذا غشيناك فنم في بيتك. فقال المغيرة: أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني، ولئن لم أقاتل معك لا أعين عليك، فإن يكن ما فعلت صوابا فإياه أردت، وإن يكن خطأ فمنه نجوت، ولى ذنوب كثيرة، لا قبل لي بها إلا الاستغفار منها. خطبة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: وذكروا أن البيعة لما تمت بالمدينة، خرج علي إلى المسجد الشريف، فصعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعد الناس من نفسه خيرا، وتألفهم جهده، ثم قال: لا يستغنى الرجل وإن كان ذا مال وولد عن عشيرته، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم. هم أعظم الناس حيطة من ورائه، وإليهم سعيه وأعطفهم عليه إن أصابته مصيبة، أو نزل به بعض مكاره الامور، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنه يقبض عنهم يدا واحدة، وتقبض عنه أيد كثيرة، ومن بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه الله تعالى، يخلف الله له ما أنفق في دنياه، ويضاعف له في آخرته، واعلموا أن لسان صدق يجعله الله للمرء في الناس، خير له من المال، فلا يزدادن أحدكم كبرياء، ولا عظمة في نفسه، ولا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها، بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه. واعلموا أن الدنيا قد أدبرت، والآخرة قد أقبلت، ألا وإن المضمار (3) اليوم، والسبق (4) غدا. ألا وإن السبقة (5) الجنة. والغاية النار، ألا إن الامل يشهي القلب، ويكذب الوعد، ويأتي بغفلة، ويورث حسرة فهو غرور، وصاحبه في عناء، فافزعوا إلى قوام دينكم، وإتمام صلاتكم، وأداء زكاتكم، والنصيحة لامامكم، وتعلموا كتاب الله، واصدقوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوفوا


(1) الضحل: الماء القليل. (2) الرمضاء: الارض الشديدة الحرارة. (3) المضمار: مكان السباق. (4) السبق: السباق. (5) السبقة بضم السين وسكون الباء: ما يتسابق عليه. (*)

[ 51 ]

بالعهد إذا عاهدتم، وأدوا الامانات إذا ائتمنتم وارغبوا في ثواب الله، وارهبوا عذابه، واعملوا الخير تجزوا خيرا يوم يفوز بالخير من قدم الخير. اختلاف الزبير وطلحة على علي كرم الله وجهه قال: وذكروا أن الزبير وطلحة أتيا عليا بعد فراغ البيعة، فقالا: هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين ؟ قال علي: نعم، على السمع والطاعة، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان، فقالا: لا، ولكنا بايعناك على أنا شريكاك في الامر، قال علي: لا، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والاولاد، قال: وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق، وطلحة في اليمن، فلما استبان لهما أن عليا غير موليهما شيئا، أظهرا الشكاة (1)، فتكلم الزبير في ملا من قريش، فقال: هذا جزاؤنا من علي، قمنا له في أمر عثمان، حتى أثبتنا عليه الذنب، وسببنا له القتل، وهو جالس في بيته وكفى الامر. فلما نال بنا ما أراد، جعل دوننا غيرنا، فقال طلحة: ما اللوم إلا أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى، كرهه أحدنا وبايعناه، وأعطيناه ما في أيدينا، ومنعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا. قال: فانتهى قولهما إلى على فدعا عبد الله بن عباس وكان استوزره، فقال له: بلغك قول هذين الرجلين ؟ قال نعم، بلغني قولهما. قال: فما ترى ؟ قال: أرى أنهما أحبا الولاية. فول البصرة الزبير، وول طلحة الكوفة، فإنهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان، فضحك علي، ثم قال: ويحك، إن العراقين بهما الرجال والاموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوى بالسلطان، ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام، ولو لا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية، لكان لي فيهما رأي. قال: ثم أتى طلحة والزبير إلى علي، فقالا: يا أمير المؤمنين، ائذن لنا في العمرة، فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك، وإن تسر نتبعك. فنظر إليهما علي، وقال: نعم، والله ما العمرة تريدان، وإنما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما، فمضيا. خلاف عائشة رضي الله عنها على علي قال: وذكروا أن عائشة لما أتاها أنه بويع لعلي. وكانت خارجة عن المدينة: فقيل لها: قتل عثمان. وبايع الناس عليا. فقالت: ما كنت أبالي أن تقع السماء على الارض، قتل والله مظلوما، وأنا طالبة بدمه، فقال لها عبيد: إن أول من طعن عليه وأطمع الناس فيه لانت، ولقد قلت: اقتلوا نعثلا فقد فجر، فقالت عائشة: قد والله قلت وقال الناس، وآخر قولي خير من أوله، فقال عبيد: عذر والله ضعيف يا أم المؤمنين. ثم قال:


(1) الشكاة: الشكوى والوجع. (*)

[ 52 ]

منك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الامام * وقلت لنا إنه قد فجر فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر قال: فلما أتى عائشة خبر أهل الشام أنهم ردوا بيعة علي، وأبوا أن يبايعوه، أمرت فعمل لها هودج من حديد، وجعل فيه موضع عينيها، ثم خرجت ومعها الزبير وطلحة وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة. اعتزال عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة عن مشاهدة علي وحروبه قال: وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، ائذن لي آتي عبد الله بن عمر فأكلمه، لعله يخف معنا في هذا الامر، فقال على: نعم، فأتاه، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنه قد بايع عليا المهاجرون والانصار، ومن إن فضلناه عليك لم يسخطك، وإن فضلناك عليه لم يرضك، وقد أنكرت السيف في أهل الصلاة، وقد علمت أن على القاتل القتل، وعلى المحصن الرجم، وهذا يقتل بالسيف، وهذا يقتل بالحجارة، وأن عليا لم يقتل أحدا من أهل الصلاة، فيلزمه حكم القاتل. فقال ابن عمر: يا أبا اليقظان، إن أبي جمع أهل الشورى، الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فكان أحقهم بها علي، غير أنه جاء أمر فيه السيف ولا أعرفه، ولكن والله ما أحب أن لي الدنيا وما عليها وأني أظهرت أو أضمرت عداوة علي ؟ قال: فانصرف عنه، فأخبر عليا بقوله، فقال علي: لو: أتيت محمد بن مسلمة الانصاري، فأتاه عمار، فقال له محمد: مرحبا بك يا أبا اليقظان على فرقة ما بيني وبينك، والله لولا ما في يدي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لبايعت عليا، ولو أن الناس كلهم عليه لكنت معه، ولكنه يا عمار كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي، فقال عمار. كيف ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت المسلمين يقتتلون أو إذا رأيت أهل الصلاة. فقال عمار: فإن كان قال لك: إذا رأيت المسلمين فو الله لا ترى مسلمين يقتتلان بسيفيهما أبدا، وإن كان قال لك: أهل الصلاة، فمن سمع هذا معك، إنما أنت أحد الشاهدين، فتريد من رسول الله قولا بعد قوله يوم حجة الوداع: دماؤكم وأموالكم عليكم حرام إلا بحدث، فتقول: يا محمد، لا نقاتل المحدثين. قال: حسبك يا أبا اليقظان. قال: ثم أتى سعد بن أبي وقاص فكلمه، فأظهر الكلام القبيح، فانصرف عمار إلى علي، فقال له علي: دع هؤلاء الرهط،

[ 53 ]

أما ابن عمر فضعيف، وأما سعد فحسود، وذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر: مرحب اليهودي. هروب مروان بن الحكم من المدينة المنورة قال: وذكروا أن مروان بن الحكم لما بويع علي هرب من المدينة، فلحق بعائشة بمكة. فقالت له عائشة: ما وراءك ؟ فقال مروان: غلبنا على أنفسنا: فقال له رجل من أهل مكة: إياك وعليا فقد طلبك، ففر من بين يديه. فقال مروان: لم ؟ فو الله ما يجد إلي سبيلا. أما هو فقد علمت أنه لا يأخذني بظن، ولا ينصب إلا على اليقين، وايم الله ما أبالي إذا قصر علي سيفه ما طال علي من لسانه. فقال الرجل: إذا أطال الله عليك لسانه طال سيفه. قال مروان كلا إن اللسان أدب، والسيف حكم. خروج علي من المدينة قال: وذكروا أن عليا تردد بالمدينة أربعة أشهر: ينتظر جواب معاوية، وقد كان كتب إليه كتابا بعد كتاب يمنيه ويعده أولا، ثم كتابا يخوفه ويتواعده فحبس معاوية جواب كتابه ثلاثة أشهر، ثم أتاه جوابه على غير ما يحب، فلما أتاه ذلك شخص من المدينة في تسعمائة راكب من وجوه المهاجرين والانصار من أهل السوابق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعهم بشر كثير من أخلاط الناس، واستخلف على المدينة قثم بن عباس، وكان له فضل وعقل، وأمره أن يشخص إليه من أحب الشخوص، ولا يحمل أحدا على ما يكره، فخف الناس إلى علي بعده، ومضى معه من ولده الحسن والحسين ومحمد، فلما كان في بعض الطريق، أتاه كتاب أخيه عقيل بن أبي طالب، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أخي، كلاك الله، والله جائرك من كل سوء، وعاصمك من كل مكروه على كل حال، وإني خرجت معتمرا، فلقيت عائشة معها طلحة والزبير وذووهما، وهم متوجهون إلى البصرة، قد أظهروا الخلاف، ونكثوا البيعة، وركبوا عليك قتل عثمان، وتبعهم علي ذلك كثير من الناس، من طعناتهم وأوباشهم، ثم مر عبد الله بن أبي سرح، في نحو من أربعين راكبا، من أبناء الطلقاء (1)، من بني أمية، فقلت، لهم وعرفت المنكر في وجوههم: أبمعاوية تلحقون ؟ عداوة والله إنها منكم ظاهرة غير مستنكرة، تريدون بها إطفاء نور الله، وتغيير أمر الله. فأسمعني القوم وأسمعتهم ثم قدمت مكة، فسمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة واليمامة، فأصاب ما شاء


(1) الطلقاء: أهل مكة الذين أطلقهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم يوم فتح مكة. (*)

[ 54 ]

من أموالهما، ثم انكفأ راجعا إلى الشام، فأف لحياة في زهو جرأ عليك الضحاك، وما الضحاك إلا فقع بقرقره (1) فظننت حين بلغني ذلك أن أنصارك خذلوك، فاكتب إلي يا بن أمي برأيك وأمرك، فإن كنت الموت تريد، تحملت إليك بينى أخيك، وولد أبيك، فعشنا ما عشت ومتنا معك إذا مت، فو الله ما أحب أن أبقى بعدك، فو الله الاعز الاجل إن عيشا أعيشه بعدك في الدنيا لغير هنئ، ولا مرئ، ولا نجيع (2)، والسلام. فكتب إليه علي كرم الله وجهه: أما بعد يا أخي، فكلاك الله كلاءة من يخشاه، إنه حميد مجيد. قدم على عبد الرحمن الازدي بكتابك، تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح، في أربعين من أبناء الطلقاء من بني أمية، متوجهين إلى المغرب، وابن أبي سرح يا أخي طال ما كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصد عن كتابه وسنته وبغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح وقريشا وتركاضهم (3) في الضلال، فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك، اجتماعها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلى، ونصبوا لي الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله، اللهم فاجز قريشا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، وظاهرت علي، وسلبتني سلطان ابن عمي، وسلمت ذلك لمن ليس في قرابتي، وحقي في الاسلام، وسابقتي التي لا يدعى مثلها مدع، إلا أن يدعى ما لا أعرف، ولا أظن الله يعرفه، والحمد لله على ذلك كثيرا. وأما ما ذكرت من غارة الضحاك على الحيرة واليمامة، فهو أذل وألام من أن يكون مر بها، فضلا عن الغارة، ولكن جاء في خيل جريدة (4) فسرحت إليه جندا من المسلمين، فلما بلغه ذلك ولى هاربا، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق، حين همت الشمس للاياب، فاقتتلوا، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا، ونجا هاربا، بعد أن أخذ منه بالمخنق (5)، فلولا الليل ما نجا. وأما ما سألت أن أكتب إليك فيه برأيى، فإن رأيى جهاد المحلين حتى ألقى الله، لا يزيدنى كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عنى وحشة لانى محق، والله مع المحق، وما أكره الموت على الحق لان الخير كله بعد الموت لمن عقل ودعا إلى الحق. وأما ما عرضت به من مسيرك إلي ببنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فذرهم راشدا مهديا، فو الله ما أحب أن تهلكوا معي أن هلكت، وأنا كما قال أخو بني سليم:


(1) الفقع: بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف نبات طرى أبيض، والقرقرة بفتح القافين الارض الواطئة والمعنى أن أمره هين كهذا النبات الذي يسهل نيله ولا يصعب جنيه، ويقال للذليل هو أذل من فقع بقرقرة أو هو فقع بقرقرة على التشبيه بهذا النبات. (2) الطعام النجيع الذي يهنأ آكله. (3) التركاض: الاسراع. (4) جريدة: الخيل الجريدة التي لا رجالة فيها يريد أنها لا خطر منها. (5) أخذ منه بالمخنق: ضيق عليه. (*)

[ 55 ]

فإن تسأليني كيف صبري فإنني * صبور على ريب الزمان صليب عزيز على أن أرى بكآبة * فيشمت واش أو يساء حبيب كتاب أم سلمة إلى عائشة قال: وذكروا أنه لما تحدث الناس بالمدينة بمسير عائشة مع طلحة والزبير، ونصبهم الحرب لعلي، وتألفهم الناس كتبت أم سلمة إلى عائشة أما بعد: فإنك سدة بين رسول الله وبين أمته، وحجابك مضروب علي حرمته، قد جمع القرآن الكريم ذيلك، فلا تندحيه (1)، وسكن عقيرتك (2)، فلا تصحريها، الله من وراء هذه الامة، قد علم رسول الله مكانك، لو أراد أن يعهد إليك، وقد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع، حماديات (3) النساء غض الابصار وضم الذيول، ما كنت قائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو عارضك بأطراف الجبال والفلوات، على قعود من الابل، من منهل إلى منهل، إن بعين الله مهواك، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تردين، وقد هتكت حجابه الذى ضرب الله عليك، وتركت عهيداه (4). ولو أتيت الذي تريدين، ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى الله هاتكة حجابا قد ضربه علي، فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك، فابغيه منزلا لك حتى تلقيه، فإن أطوع ما تكونين إذا ما لزمته، وأنصح ما تكونين إذا ما قعدت فيه، ولو ذكرتك كلاما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنهشتني نهش الحية، والسلام. فكتبت إليها عائشة: ما أقبلني لوعظك، وأعلمني بنصحك، وليس مسيري على ما تظنين، ولنعم المطلع مطلع فزعت فيه إلي فئتان متناجزتان، فإن أقدر ففي غير حرج، وإن أحرج مالي مالا غنى بي عن الازدياد منه، والسلام. استنفار عدي بن حاتم قومه لنصرة علي رضي الله عنه قال: وذكروا أن ابن حاتم قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، لو تقدمت إلى قومي أخبرهم بمسيرك وأستنفرهم، فإن لك من طيئ مثل الذي معك. فقال علي: نعم، فافعل، فتقدم عدي إلى قومه، فاجتمعت إليه رؤساء طيئ، فقال لهم: يا معشر طيئ، إنكم أمسكتم


(1) لا تندحيه: لا توسعيه بخروجك إلى البصرة. (2) العقيرة: الصوت، وتصحريها ترفعيها. (3) حماديات: جمع حمادي أي محاد النساء. (4) عهيداه: بضم العين وتشديد الهاء مفتوحة وسكون الياء: العهد. (*)

[ 56 ]

عن حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشرك، ونصرتم الله ورسوله في الاسلام على الردة، وعلي قادم عليكم، وقد ضمنت له مثل عدة من معه منكم، فخفوا معه، وقد كنتم تقاتلون في الجاهلية على الدنيا، فقاتلوا في الاسلام على الآخرة، فإن أردتم الدنيا فعند الله مغانم كثيرة، وأنا أدعوكم إلى الدنيا والآخرة، وقد ضمنت عنكم الوفاء، وباهيت بكم الناس، فأجيبوا قولي، فإنكم أعز العرب دارا، لكم فضل معاشكم وخيلكم، فاجعلوا أفضل المعاش للعيال وفضول الخيل للجهاد، وقد أظلكم علي والناس معه، من المهاجرين والبدريين والانصار، فكونوا أكثرهم عددا، فإن هذا سبيل للحي فيه الغنى والسرور، وللقتيل فيه الحياة والرزق، فصاحت طيئ: نعم نعم، حتى كاد أن يصم من صياحهم. فلما قدم على طيئ أقبل شيخ من طيئ قد هرم من الكبر، فرفع له من حاجبيه، فنظر إلى علي، فقال له أنت ابن أبي طالب ؟ قال نعم. قال: مرحبا بك وأهلا، قد جعلناك بيننا وبين الله، وعديا بيننا وبينك، ونحن بينه وبين الناس، لو أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك، لقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيامك الصالحة، ولئن كان ما يقال فيك من الخير حقا إن في أمرك وأمر قريش لعجبا، إذ أخرجوك وقدموا غيرك. سر، فو الله لا يتخلف عنك من طيئ إلا عبد أو دعى إلا بإذنك. فشخص معه من طيئ ثلاثة عشر آلاف راكبا. استنفار زفر بن زيد قومه لنصرة علي قال: وذكروا أن زفر بن زيد بن حذيفة الاسدي، وكان من سادة بني أسد قام إلى على فقال: يا أمير المؤمنين، إن طيئا إخواننا وجيراننا قد أجابوا عديا، ولي في قومي طاعة، فأذن لي فآتهم. قال: نعم، فأتاهم فجمعهم وقال: يا بني أسد، إن عدي بن حاتم ضمن لعلي قومه فأجابوه، وقضوا عنه ذمامه، فلم يعتل الغنى بالغنى، ولا الفقير بالفقر، وواسى بعضهم بعضا، حتى كأنهم المهاجرون في الهجرة، والانصار في الاثرة، وهم جيرانكم في الديار، وخلطاؤكم في الاموال، فأنشدكم الله لا يقول الناس غدا: نصرت طيئ وخذلت بنو أسد، وإن الجار يقاس بالجار، كالنعل بالنعل، فإن خفتم فتوسعوا في بلادهم، وانضموا إلى جبلهم، وهذه دعوة لها ثواب من الله في الدنيا والآخرة. فقام إليه رجل منهم، فقال له: يا زفر، إنك لست كعدي، ولا أسد كطيئ، ارتدت العرب، فثبتت طيئ على الاسلام، وجاد عدي بالصدقة، وقاتل بقومه قومك، فو الله لو نفرت طيئ بأجمعها لمنعت رعاؤها دارها، ولو أن معنا أضعافنا لخفنا على دارنا، فإن كان لا يرضيك منا إلا ما أرضى عديا من طيئ، فليس ذلك عندنا، وإن كان يرضيك قدر ما يرد عنا عذر الخذلان، وإثم المعصية، فلك ذلك منا.

[ 57 ]

فسار معه من أسد جماعة ليست كجماعة طئ، حتى قدم بها على علي. توجه عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة قال: وذكروا أنه لما اجتمع طلحة والزبير وذووهما مع عائشة، وأجمعوا على المسير من مكة، وأتاهم عبد الله بن عامر، فدعاهم إلى البصرة، ووعدهم الرجال والاموال، فقال سعيد ابن العاصى لطلحة والزبير: إن عبد الله بن عامر كلمه إلى البصرة، وقد فر من أهلها فرار العبد الآبق، وهم في طاعة عثمان، ويريد أن يقاتل بهم عليا، وهم في طاعة علي، وخرج من عندهم أميرا، ويعود إليهم طريدا، وقد وعدكم الرجال والاموال، فأما الاموال فعنده، وأما الرجال فلا رجل. فقال مروان بن الحكم. أيها الشيخان، ما يمنعكما أن تدعوا الناس إلى بيعة مثل بيعة على، فإن أجابو كما عارضتماه ببيعة كبيعته، وإن لم يجيبوكما عرفتما مالكما في أنفس الناس. فقال طلحة: يمنعنا أن الناس بايعوا عليا بيعة عامة، فبم ننقضها ؟ وقال الزبير: ويمنعنا أيضا من ذلك تثاقلنا عن نصرة عثمان، وخفتنا إلى بيعة علي. فقال الوليد بن عقبة: إن كنتما أسأتما فقد أحسنتما، وإن كنتما أخطأتما فقد أصبتما (1)، وأنتما اليوم خير منكما أمس. فقال مروان: أما أنا فهواي الشام، وهواكما البصرة، وأنا معكم وإن كانت الهلكة. فقال سعيد بن العاصى: أما أنا فراجع إلى منزلي. فلما استقام أمرهم، واجتمعت كلمتهم على المسير، قال طلحة للزبير: إنه ليس شئ أنفع ولا أبلغ في استمالة أهواء الناس من أن نشخص لعبد الله بن عمر، فأتياه فقالا: يا أبا عبد الرحمن، إن أمنا عائشة خفت لهذا الامر، رجاء الاصلاح بين الناس، فاشخص معنا، فإن لك بها أسوة، فإن بايعنا الناس فأنت أحق بها. فقال ابن عمر: أيها الشيخان، أتريدان أن تخرجاني من بيتي، ثم تلقياني بين مخالب ابن أبي طالب ؟ إن الناس إنما يخدعون بالدينار والدرهم. وإني قد تركت هذا الامر عيانا في عافية أنالها. فانصرفا عنه. وقدم يعلى بن منبه عليهم من اليمن، وكان عاملا لعثمان، فأخرج أربعة مئة بعير، ودعا إلى الحملان، فقال الزبير: دعنا من إبلك هذه، وأقرضنا من هذا المال، فأقرض الزبير ستين ألفا، وأقرض طلحة أربعين ألفا، ثم سار القوم، فقال الزبير: الشام بها الرجال والاموال، وعليها معاوية، وهو ابن عم الرجل، ومتى نجتمع يولنا عليه، وقال عبد الله بن عامر: البصرة، فإن غلبتم عليا فلكم الشام، وإن غلبكم علي كان معاوية لكم جنة (2)، وهذه كتب أهل البصرة إلي. فقال يعلى بن منبه، وكان داهيا: أيها الشيخان، قدرا قبل أن ترحلا أن معاوية قد سبقكم


(1) يريد إن كان حدث منكم إساءة وخطأ، فقد حدث بعدها إحسان وإصابة. (2) جنة: بضم الجيم: وقاية وحمى. (*)

[ 58 ]

إلى الشام وفيها الجماعة، وأنتم تقدمون عليه غدا في فرقة وهو ابن عم عثمان دونكم، أرأيتم إن دفعكم عن الشام، أو قال: أجعلها شورى، ما انتم صانعون ؟ أتقاتلونه أم تجعلونها شورى فتخرجا منها ؟ وأقبح من ذلك أن تأتيا رجلا في يديه أمر قد سبقكما إليه، وتريدا أن تخرجاه منه، فقال القوم: فإلى أين ؟ قال: إلى البصرة، فقال الزبير لعبد الله بن عامر: من رجال البصرة ؟ قال ثلاثة، كلهم سيد مطاع، كعب بن سور (1) في اليمن، والمنذر بن ربيعة في ربيعة، والاحنف بن قيس في مضر. فكتب طلحة والزبير إلى كعب بن سور: أما بعد، فإنك قاضي عمر بن الخطاب، وشيخ أهل البصرة، وسيد أهل اليمن، وقد كنت غضبت لعثمان من الاذى، فاغضب له من القتل، والسلام. وكتب إلى الاحنف بن قيس: أما بعد، فإنك وافد عمر وسيد مضر، وحليم أهل العراق، وقد بلغك مصاب عثمان، ونحن قادمون عليك، والعيان أشفى لك من الخبر، والسلام، وكتب إلى المنذر: أما بعد، فإن أباك كان رئيسا في الجاهلية، وسيدا في الاسلام، وإنك من أبيك بمنزلة المصلى (2) من السابق، يقال: كاد أو لحق، وقد قتل عثمان من أنت خير منه، وغضب له من هو خير منك، والسلام. فلما وصلت كتبهما إلى القوم، قام زياد بن مضر، والنعمان بن شوال، وغزوان، فقالوا: مالنا ولهذا الحي من قريش ؟ أيريدون أن يخرجونا من الاسلام بعد أن دخلنا فيه ؟ ويدخلونا في الشرك بعدما خرجنا منه ؟ قتلوا عثمان، وبايعوا عليا، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم. وكتب كعب بن سور إلى طلحة والزبير: أما بعد، فإنا غضبنا لعثمان من الاذى والغير باللسان، فجاء أمر الغير فيه بالسيف، فإن يك عثمان قتل ظالما، فما لكما وله ؟ وإن كان قتل مظلوما فغير كما أولى به، وإن كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل. وكتب الاحنف إليهما: أما بعد، فإنه لم يأتنا من قبلكم أمر لا نشك فيه إلا قتل عثمان، وأنتم قادمون علينا، فإن يكن في العيان فضل، نظرنا فيه ونظرتم، وإلا يكن فيه فضل فليس في أيدينا ولا في أيديكم ثقة، والسلام. وكتب المنذر: أما بعد، فإنه لم يلحقني بأهل الخير إلا أن أكون خيرا من أهل الشر، وإنما أوجب حق عثمان اليوم حقه أمس، وقد كان بين أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم، وبدا لكم هذا الرأي ؟ فلما قرآ كتب القوم ساءهما ذلك وغضبا. ثم غدا مروان إلى طلحة والزبير، فقال لهما: عاودا ابن عمر، فلعله ينيب، فعاوداه، فتكلم


(1) كعب بن سور: بضم السين وسكون الواو قاضي البصرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. (2) المصلى هو التالي للاول، والسابق هو الاول. (*)

[ 59 ]

طلحة، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنه والله لرب حق ضيعناه وتركناه، فلما حضر العذر قضينا بالحق، وأخذنا بالحظ، إن عليا يرى إنفاذ بيعته، وإن معاوية لا يرى أن يبايع له، وإنا نرى أن نردها شورى، فإن سرت معنا ومع أم المؤمنين صلحت الامور، وإلا فهى الهلكة. فقال ابن عمر: إن يكن قولكما حقا ففضلا ضعيت، وإن يكن باطلا فشر منه نجوت، واعلما أن بيت عائشة خير لها من هودجها، وأنتما المدينة خير لكما من البصرة، والذل خير لكما من السيف، ولن يقاتل عليا إلا من كان خيرا منه، وأما الشورى فقد والله كانت، فقدم وأخرتما، ولن يردها إلا أولئك الذين حكموا فيها، فاكفياني أنفسكما، فانصرفا. فقال مروان: استعينا عليه بحفصة، فأتيا حفصة، فقالت: لو أطاعنى أطاع عائشة، دعاه، فاتركاه وتوجها إلى البصرة. وأتاهما عبد الله بن خلف، فقال لهما: إنه ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شئ إلا وقد بلغ أهل العراق، وقد كان منكما في عثمان من التحليب والتأليب ما لا يدفعه جحود، ولا ينفعكما فيه عذر، وأحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل وألزمكما الخذل، وقد بايع الناس عليا بيعة عامة، والناس لاقوكما غدا، فما تقولان ؟ فقال طلحة: ننكر القتل، ونقر بالخذل، ولا ينفع الاقرار بالذنب إلا مع الندم عليه، ولقد ندمنا على ما كان منا. وقال الزبير: بايعنا عليا والسيف على أعناقنا، حيث تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا، ولم نصب لعثمان خطأ فتجب علينا الدية، ولا عمدا فيجب علينا القصاص. فقال عبد الله بن خلف: عذركما أشد من ذنبكما، قال: فتهيأ القوم للمسير، فقال طلحة والزبير: أسرعوا السير، لعلنا نسبق عليا من خلاف طريقه إلى البصرة. قال: وكتب قثم بن عباس إلى علي يخبره أن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة، يريدون البصرة، وقد استنفروا الناس، فلم يخف معهم إلا من لا يعتد بمسيره، ومن خلفت بعدك فعلى ما تحب. فلما قدم على علي كتابه غمه ذلك، وأعظمه الناس، وسقط في أيديهم، فقام قيس بن سعد بن عبادة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه والله ما غمنا بهذين الرجلين كغمنا بعائشة، لان هذين الرجلين حلالا الدم عندنا، لبيعتهما ونكثهما، ولان عائشة من علمت مقامها في الاسلام، ومكانها من رسول الله، مع فضلها ودينها وأمومتها منا ومنك، ولكنهما يقدمان البصرة، وليس كل أهلها لهما، وتقدم الكوفة، وكل أهلها لك، وتسير بحقك إلى باطلهم، ولقد كنا نخاف أن بسيرا إلى الشام، فيقال: صاحبا رسول الله وأم المؤمنين، فيشتد البلاء، وتعظم الفتنة، فأما إذا أتيا البصرة وقد سبقت إلى طاعتك، وسبقوا إلى بيعتك، وحكم عليهم عاملك، ولا والله ما معهما مثل ما معك، ولا يقدمان على مثل ما تقدم عليه، فسر فإن الله معك، وتتابعت الانصار فقالوا وأحسنوا. قال: ولما نزل طلحة والزبير

[ 60 ]

وعائشة بأوطاس، من أرض خيبر، أقبل عليهم سعيد بن العاصى على نجيب له، فأشرف على الناس، ومعه المغيرة بن شعبة، فنزل وتوكأ على قوس له سوداء، فأتى عائشة، فقال لها: أين تريدين يا أم المؤمنين ؟ قالت: أريد البصرة، قال: وما تصنعين بالبصرة ؟ قالت: أطلب بدم عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك. ثم أقبل على مروان فقال له: وأنت أين تريد أيضا ؟ قال: البصرة. قال: وما تصنع بها ؟ قال: أطلب قتلة عثمان، قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك، إن هذين الرجلين قتلا عثمان " طلحة والزبير "، وهما يريدان الامر لانفسهما، فلما غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم، والحوبة (1) بالتوبة. ثم قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس، إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم، فارجعوا بها خيرا لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان، فرؤساؤكم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على علي شيئا، فبينوا ما نقمتم عليه، أنشدكم الله فتنتين في عام واحد، فأبوا إلا أن يمضوا بالناس، فلحق سعيد ابن العاصى باليمن، ولحق المغيرة بالطائف، فلم يشهد شيئا من حروب الجمل ولا صفين، فلما انتهوا إلى ماء الحوأب (2) في بعض الطريق ومعهم عائشة، نبحها كلاب الحوأب، فقالت لمحمد بن طلحة، أي ماء هذا ؟ قال: هذا ماء الحوأب، فقالت: ما أراني إلا راجعة، قال: ولم ؟ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه: كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب، وإياك أن تكوني أنت يا حميراء. فقال لها محمد بن طلحة: تقدمي رحمك الله، ودعى هذا القول. وأتى عبد الله بن الزبير، فحلف لها بالله لقد خلفته أول الليل، وأتاها ببينة زور من الاعراب، فشهدوا بذلك، فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الاسلام، فلما انتهى إقبالهم على أهل البصرة، ودنوا منها، قام عثمان بن حنيف عامل البصرة لعلي بن أبي طالب فقال: يا أيها الناس، إنما بايعتم الله (يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) والله لو علم على أن أحدا أحق بهذا الامر منه ما قبله، ولو بايع الناس غيره لبايع من بايعوا، وأطاع من ولوا، وما به إلى أحد من صحابة رسول الله حاجة، وما بأحد عنه غنى، ولقد شاركهم في محاسنهم، وما شاركوه في محاسنه، ولقد بايعه هذان الرجلان وما يريدان الله، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع، والرضاع قبل الولادة، والولادة قبل الحمل، وطلبا ثواب الله من العباد، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين. فإن كانا استكرها قبل بيعتهما كانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا، ألا وإن الهدى ما كانت


(1) الحوية: الاثم والذنب. (2) الحوأب: الوادي الواسع، والمراد هنا موضع معروف بالبصرة. (*)

[ 61 ]

عليه العامة، والعامة على بيعة علي، فما ترون أيها الناس ؟ فقام حكم بن جبل العبدي، فقال: نرى إن دخلا علينا قاتلناهما، وإن وقفا تلقيناهما والله ما أبالي أن أقاتلهما وحدي، وإن كنت أحب الحياة، وما أخشى في طريق الحق وحشة، ولا غيرة ولا غشا ولا سوء منقلب إلى بعث، وإنها لدعوة قتيلها شهيد، وحيها فائز، والتعجيل إلى الله قبل الاجر خير من التأخير في الدنيا، وهذه ربيعة معك. نزول طلحة والزبير وعائشة البصرة قال: وذكروا أن طلحة والزبير لما نزلا البصرة، قال عثمان بن حنيف: نعذر إليهما برجلين (1)، فدعا عمران بن الحصين صاحب رسول الله، وأبا الاسود الدؤلى، فأرسلهما إلى طلحة والزبير، فذهبا إليهما فناديا: يا طلحة فأجابهما، فتكلم أبو الأسود الدؤلي، فقال: يا أبا محمد، إنكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله، وبايعتم عليا غير مؤامرين في بيعته، فلم نغضب لعثمان إذ قتل، ولم نغضب لعلي إذ بويع، ثم بدا لكم، فأردتم خلع علي، ونحن على الامر الاول، فعليكم المخرج مما دخلتم فيه. ثم تكلم عمران، فقال: يا طلحة، إنكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثم بايعتم عليا وبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لماذا ؟ وإن كان خطأ فحظكم منه الاوفر، ونصيبكم منه الاوفى. فقال طلحة: يا هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الامر غيره، وليس على هذا بايعناه، وايم الله ليسفكن دمه. فقال أبو الاسود: يا عمران، أما هذا فقد صرح أنه إنما غضب للملك. ثم أتيا الزبير فقالا: يا أبا عبد الله، إنا أتينا طلحة، قال الزبير: إن طلحة وإياي كروح في جسدين، وإنه والله يا هذان، قد كانت منا في عثمان فلتات، احتجنا فيها إلى المعاذير، ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا نصرناه، ثم أتيا فدخلا على عائشة، فقالا: يا أم المؤمنين، ما هذا المسير ؟ أمعك من رسول الله به عهد ؟ قالت: قتل عثمان مظلوما، غضبنا لكم من السوط والعصا، ولا نغضب لعثمان من القتل، فقال أبو الأسود: وما أنت من عصانا وسيفنا وسوطنا ؟ فقالت: يا أبا الاسود، بلغني أن عثمان بن حنيف يريد قتالي. فقال أبو الاسود، نعم والله قتالا أهونه تندر منه الرؤوس. وأقبل غلام من جهينة إلى محمد بن طلحة، فقال له: حدثنى عن قتلة عثمان، قال: نعم، دم عثمان على ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة الهودج (2)،


(1) نعذر إليهما: نقطع عذرهما بإرسال رجلين إليهما ليكفا عما يريدان. (2) صاحبة الهودج: عائشة رضي الله عنها. (*)

[ 62 ]

وثلث على صاحب الجمل الاحمر (1)، وثلث على علي بن أبي طالب. فضحك الجهيني، ولحق بعلي بن أبي طالب، وبلغ طلحة قول ابنه محمد، وكان محمد من عباد الناس، فقال له: يا محمد، أتزعم عنا قولك إني قاتل عثمان، كذلك تشهد على أبيك ؟ كن كعبد الله بن الزبير، فو الله ما أنت بخير منه، ولا أبوك بدون أبيه، كف عن قولك، وإلا فارجع فإن نصرتك نصرة رجل واحد، وفسادك فساد عامة. فقال محمد: ما قلت إلا حقا، ولن أعود. نزول علي بن أبي طالب الكوفة قال: وذكروا أن عليا لما نزل قريبا من الكوفة بعث عمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى الاشعري، وكان أبو موسى عاملا لعثمان على الكوفة، فبعثهما علي إليه وإلى أهل الكوفة يستفزهم، فلما قدما عليه قام عمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، فدعوا الناس إلى النصرة لعلي، فلما أمسوا دخل رجال من أهل الكوفة على أبي موسى، فقالوا: ما ترى ؟ أنخرج مع هذين الرجلين إلى صاحبهما، أم لا ؟ فقال أبو موسى: أما سبيل الآخرة ففي أن تلزموا بيوتكم، وأما سبيل الدنيا فالخروج مع من أتاكم، فأطاعوه، فتباطأ الناس على علي، وبلغ عمارا ومحمدا ما أشار به أبو موسى على أولئك الرهط، فأتياه فأغلظا له في القول، قال أبو موسى: إن بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكم، ولئن أردنا القتال ما لنا إلى قتال أحد من سبيل، حتى نفرغ من قتلة عثمان. خطبة أبي موسى الاشعري ثم خرج أبو موسى فصعد المنبر، ثم قال: أيها الناس: إن أصحاب رسول الله الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم حقا على أؤديه إليكم، إن هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان، والقاعد خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، والساعى خير من الراكب، فأغمدوا سيوفكم حتى تنجلي هذه الفتنة. خطبة عمار بن ياسر فقام عمار بن ياسر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين، ولعمري ما صدق فيما قال، وما رضي الله من عباده بما ذكر. قال عزوجل: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما


(1) صاحب الجمل الاحمر، طلحة. (*)

[ 63 ]

على الاخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا " وقال: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من أن يجلسوا في بيوتهم ويخلوا بين الناس، فيسفك بعضهم دماء بعض، فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين واسمعوا من حججهم، وانظروا من أولى بالنصرة فاتبعوه، فإن أصلح الله أمرهم رجعتم مأجورين وقد قضيتم حق الله، وإن بغى بعضهم على بعض نظرتم إلي الفئة الباغية، فقاتلتموها حتى تفئ إلى أمر الله، كما أمركم الله، وافترض عليكم ثم قعد. فلما انصرفا إلى علي من عند أبي موسى وأخبراه بما قال أبو موسى، بعث إليه الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد، وكتب معهم إلى أهل الكوفة: كتاب علي إلى أهل الكوفة أما بعد، فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سامعه كمن عاينه، إن الناس طعنوا على عثمان، فكنت رجلا من المهاجرين أقل عيبه وأكثر استعتابه (1)، وكان هذان الرجلان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه اللهجة (2) والوجيف، وكان من عائشة فيه قول على غضب، فانتحى له قوم فقتلوه، وبايعني الناس غير مستكرهين، وهما أول من بايعني على ما بويع عليه من كان قبلي، ثم استأذنا إلى العمرة، فأذنت لهما، فنقضا العهد، ونصبا الحرب، وأخرجا أم المؤمنين من بيتها، ليتخذاها فتنة، وقد سارا إلى البصرة، اختيارا لاهلها، ولعمري ما إياي تجيبون، ما تجيبون إلا الله. وقد بعثت ابني الحسن، وابن عمي عبد الله بن عباس، وعمار ابن ياسر، وقيس بن سعد، فكونوا عند ظننا بكم، والله المستعان. فسار الحسن ومن معه، حتى قدموا الكوفة علي أبي موسى، فدعاه إلى نصرة علي، فبايعهم، ثم صعد أبو موسى المنبر، وقام الحسن أسفل منه، فدعاهم إلى نصرة علي، وأخبرهم بقرابته من رسول الله، وسابقته، وبيعة طلحة والزبير إياه، ونكثهما عهده، وأقرأهم كتاب علي، فقام شريح بن هانئ. فقال: خطاب شريح بن هانئ لقد اردنا أن نركب إلى المدينة، حتى نعلم قتل عثمان، فقد أتانا الله به في بيوتنا، فلا


(1) الاستعتاب: إزالة سبب عتبه ومحاولة إرضائه. (2) اللهجة: اللسان، والاغراء والوجيف: الاضطراب، ونوع من سير الخيل والابل، والمراد أهون أمرهما في عثمان الاغراء به والاسراع في النيل منه. (*)

[ 64 ]

تخالفوا عن دعوته، والله لو لم يستنصر بنا لنصرناه سمعا وطاعة، ثم قام الحسن بن علي، فقال: أيها الناس، إنه قد كان من مسير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما قد بلغكم، وقد أتيناكم مستتفرين، لانكم جبهة الانصار، ورؤوس العرب، وقد كان من نقض طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما بعائشة ما بلغكم، وتعلمون أن وهن النساء وضعف رأيهن إلى التلاشى، ومن أجل ذلك جعل الله الرجال قوامين على النساء، وايم الله لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين والانصار كفاية، فانصروا الله ينصركم. ثم قام عمار بن ياسر فقال: يا أهل الكوفة، إن كان غاب عنكم أنباؤنا فقد انتهت إليكم أمورنا، إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس، ولا ينكرون ذلك، وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجيهم، فبه أحيا الله من أحيا، وأمات من أمات. وإن طلحة والزبير كانا أول من طعن، وآخر من أمر، وكانا أول من بايع عليا، فلما أخطأهما ما أملاه نكثا بيعتهما، من غير حدث. وهذا ابن بنت رسول الله الحسن قد عرفتموه. وقد جاء يستنفركم، وقد أظلكم على في المهاجرين والبدريين والانصار الذين تبوءوا الدار والايمان. فانصروا الله ينصركم. ثم قام قيس بن سعد، فقال: أيها الناس، إن الامر لو استقبل به أهل الشورى كان على أحق بها، وكان قتال من أبى ذلك حلالا، فكيف والحجة على طلحة والزبير، وقد بايعاه رغبة، وخالفاه حسدا، وقد جاءكم المهاجرون والانصار. دخول طلحة والزبير وعائشة البصرة قال: وذكروا أنه لما نزل طلحة والزبير وعائشة البصرة، اصطف لها الناس في الطريق، يقولون: يا أم المؤمنين، ما الذي أخرجك من بيتك ؟ فلما أكثروا عليها تكلمت بلسان طلق، وكانت من أبلغ الناس، فحمدت الله، وأثنت عليه، ثم قالت: خطبة عائشة رضى الله عنها أيها الناس، والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحل دمه، ولقد قتل مظلوما، غضبنا لكم من السوط والعصا، ولا نغضب لعثمان من القتل، وإن من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان، فيقتلوا به، ثم يرد هذا الامر شورى، على ما جعله عمر بن الخطاب. فمن قائل يقول: صدقت، وآخر يقول كذبت، فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض، فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة

[ 65 ]

في التأليب على قتل عثمان، فقال لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال: نعم. قال: فما ردك على ما كنت عليه ؟ وكنت أمس تكتب إلينا تؤلبنا على قتل عثمان، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه، وقد زعمتما أن عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله، إذ كنتما أسن منه، فأبيتما إلا أن تقدماه لقرابته وسابقته، فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذى عرض عليكما ؟ قال طلحة: دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا أنه غير فاعل، ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والانصار، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل، فبايعناه كارهين. قال فما بدا لكما في عثمان ؟ قالا: ذكرنا ما كان من طعننا عليه، وخذلاننا إياه، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه. قال: ما تأمرانني به ؟ قالا: بايعنا على قتال علي، ونقض بيعته، قال: أرأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعوان إليه، ما نصنع ؟ قالا: لا تبايعه. قال: ما أنصفتما، أتأمرانني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما، وتنهياني عن بيعة من لا بيعة له عليكما ؟ أما إننا قد بايعنا عليا، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا. قال: ثم تفرق الناس، فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف، وفرقة مع طلحة والزبير ثم جاء جارية بن قدامة، فقال: يا أم المؤمنين، لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون، إنه كانت لك من الله تعالى حرمة وستر فهتكت سترك، وأبحت حرمتك إنه من رأى قتالك فقد رأى قتلك، فإن كنت يا أم المؤمنين أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعتبي الله. قتل أصحاب عثمان بن حنيف عامل علي على البصرة قال: وذكروا أنه لما اختلف القوم اصطلحوا على أن لعثمان بن حنيف دار الامارة ومسجدها وبيت المال، وأن ينزل أصحابه حيث شاءوا من البصرة، وأن ينزل طلحة والزبير وأصحابهما حيث شاءوا حتى يقدم على، فإن اجتمعوا دخلوا فيما دخل فيه الناس، وإن يتفرقوا يلحق كل قوم بأهوائهم، عليهم بذلك عهد الله وميثاقه، وذمة نبيه، وأشهدوا شهودا من الفريقين جميعا. فانصرف عثمان، فدخل دار الامارة، وأمر أصحابه أن يلحقوا بمنازلهم، ويضعوا سلاحهم وافترق الناس، وكتموا ما في أنفسهم، غير بني عبد القيس، فإنهم أظهروا نصرة علي، وكان حكيم بن جبل رئيسهم، فاجتمعوا إليه، فقال لهم: يا معشر عبد القيس. إن عثمان بن حنيف دمه مضمون، وأمانته مؤداه، وايم الله لو لم يكن على أميرا لمنعناه، لمكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف وله الولاية والجوار، فاشخصوا بأنصاركم، وجاهدوا العدو، فإما أن تموتوا كراما وإما أن تعيشوا أحرارا. فمكث عثمان بن حنيف في الدار أياما،

[ 66 ]

ثم إن طلحة والزبير ومروان بن الحكم أتوه نصف الليل في جماعة معهم، في ليلة مظلمة سوداء مطيرة وعثمان نائم، فقتلوا أربعين رجلا من الحرس، فخرج عثمان بن حنيف، فشد عليه مروان فأسره، وقتل أصحابه، فأخذه مروان، فنتف لحيته ورأسه وحاجبيه، فنظر عثمان بن حنيف إلى مروان فقال: أما إنك إن فتني بها في الدنيا، لم تفتني بها في الآخرة. تعبئة الفئتين للقتال وذكروا أنه لما تعبأ القوم للقتال، فكانت الحرب للزبير وعلى الخيل طلحة، وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير، وعلى القلب محمد بن طلحة، وعلى المقدمة مروان، وعلى رجال الميمنة عبد الرحمن بن عبادة، وعلى الميسرة هلال ابن وكيع، فلما فرغ الزبير من التعبئة قال: أيها الناس، وطنوا أنفسكم على الصبر، فإنه يلقاكم غدا رجل لا مثل له في الحرب ولا شبيه، ومعه شجعان الناس. فلما بلغ عليا تعبئة القوم عبأ الناس للقتال، فاستعمل على المقدمة عبد الله بن عباس، وعلى الساقة هند المرادي، وعلى جميع الخيل عمار بن ياسر، وعلى جميع الرجالة محمد بن أبي بكر. ثم كتب إلى طلحة والزبير: أما بعد، فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني، وإنكما لممن أراد وبايع، وإن العامة لم تبايعني لسلطان خاص، فإن كنتما بايعتماني كارهين، فقد جعلتما لي عليكما السبيل، باظهاركما الطاعة، وإسراركما المعصية، وإن كنتما بايعتماني طائعين، فارجعا إلى الله من قريب. إنك يا زبير لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، وإنك يا طلحة لشيخ المهاجرين، وإن دفاعكما هذا الامر قبل أن تدخلا فيه، كان أوسع عليكما من خروجكما منه إقراركما به، وقد زعمتما أني قتلت عثمان فبيني وبينكما فيه بعض من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة، وزعمتما أني آويت قتلة عثمان، فهؤلاء بنو عثمان، فليدخلوا في طاعتي، ثم يخاصموا إلى قتلة أبيهم، وما أنتما وعثمان إن كان قتل ظالما أو مظلوما ؟ وقد بايعتماني وأنتما بين خصلتين قبيحتين نكث بيعتكما، وإخراجكما أمكما. كتاب علي إلى عائشة وكتب إلى عائشة: أما بعد، فإنك خرجت غاضبة لله ولرسوله، تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ما بال النساء والحرب والاصلاح بين الناس ؟ تطالبين بدم عثمان، ولعمري لمن عرضك

[ 67 ]

للبلاء، وحملك على المعصية، أعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان وما غضبت حتى أغضبت، وما هجت حتى هيجت، فاتقى الله، وارجعي إلى بيتك. فأجابه طلحة والزبير: إنك سرت مسيرا له ما بعده، ولست راجعا وفي نفسك منه حاجة، فامض لامرك، أما أنت فلست راضيا دون دخولنا في طاعتك، ولسنا بداخلين فيها أبدا، فاقض ما أنت قاض. وكتبت عائشة: جل الامر عن العتاب، والسلام. قال: ورجعت رسل علي من البصرة. فمنهم من أجابه وأتاه، ومنهم من لحق بعائشة وطلحة والزبير، وبعث الاحنف بن قيس إلى علي: إن شئت أتيتك في مائتي رجل من أهل بيتي، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه علي: بل كف عنى أربعة آلاف سيف، وكفى بذلك ناصرا. فجمع الاحنف بني تميم، فقال. يا معشر بني تميم، إن ظهر أهل البصرة فهم إخوانكم وإن ظهر علي فلن يهيجكم، وكنتم قد سلمتم. فكف بنو تميم، ولم يخرجوا إلى أحد الفريقين. قال: ولما كتب علي إلى طلحة والزبير أتى زمعة بن الاسود إلى طلحة والزبير. فقال لهما: إن عليا قد أكثر إليكما الرسل، كأنه طمع فيكما، وأطمعتماه في أنفسكما، فاتقيا الله إن كنتما بايعتماه طائعين، واتقيا الله علينا وعلى أنفسكما، فإن اللبن في الضرع، ومتى يحلب لا يرجع، وإن كنتما بايعتماه مكرهين فاخرقا هذا الوطب (1)، وادفعا هذا اللبن، فما أغنانا عن هذه الكتب والرسل. قال: فخرج طلحة والزبير وعائشة، وهي على جمل عليه هودج، قد ضرب عليه صفائح الحديد، فبرزوا حتى خرجوا من الدور ومن أفنية البصرة، فلما تواقفوا للقتال، أمر على مناديا ينادى من أصحابه لا يرمين أحد منهما ولا حجرا، ولا يطعن برمح حتى أعذر إلى القوم، فاتخذ عليهم الحجة. قال: فكلم على طلحة والزبير قبل القتال، فقال لهما: استحلفا عائشة بحق الله وبحق رسوله على أربع خصال أن تصدق فيها: هل تعلم رجلا من قريش أولى مني بالله ورسوله، وإسلامي قبل كافة الناس أجمعين وكفايتي رسول الله كفار العرب بسيفي ورمحي، وعلى براءتي من دم عثمان، وعلى أني لم أستكره أحدا على أني لم أكن أحسن قولا في عثمان منكما. فأجابه طلحة جوابا غليظا، ورق له الزبير، ثم رجع على إلى أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين، بم كلمت


(1) الوطب سقاء اللبن، وهو القربة. (*)

[ 68 ]

الرجلين ؟ فقال علي: إن شأنهما لمختلف أما الزبير فقاده اللجاج، ولن يقاتلكم، وأما طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل، ولقيته باليقين، ولقيني بالشك، فو الله ما نفعه حقي، ولا ضرني باطله، وهو مقتول غدا في الرعيل الاول. قال: ثم خرج علي على بغلة رسول الله الشهباء بين الصفين، وهو حاسر، فقال: أين الزبير ؟ فخرج إليه، حتى إذا كانا بين الصفين اعتنق كل واحد منهما صاحبه وبكيا، ثم قال علي: يا عبد الله ما جاء بك ها هنا ؟ قال: جئت أطلب دم عثمان. قال علي: تطلب دم عثمان، قتل الله من قتل عثمان، أنشدك الله يا زبير، هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متكئ على يدك فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضحك إلي، ثم التفت إليك، فقال لك: يا زبير، إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم، قال: اللهم نعم. قال علي: فعلام تقاتلني ؟ قال الزبير: نسيتها والله، ولو ذكرتها ما خرجت إليك، ولا قاتلتك فانصرف علي إلى أصحابه، فقالوا: يا أمير المؤمنين مررت إلى رجل في سلاحه وأنت حاسر، قال علي أتدرون من الرجل ؟ قالوا: لا. قال: ذلك الزبير ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما إنه قد أعطى الله عهدا أنه لا يقاتلكم، إني ذكرت له حديثا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لو ذكرته ما أتيتك. فقالوا: الحمد لله يا أمير المؤمنين، ما كنا نخشى في هذا الحرب غيره. ولا نتقى سواه. إنه لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، ومن عرفت شجاعته وبأسه ومعرفته بالحرب، فإذا قد كفاناه الله فلا نعد من سواه إلا صرعى حول الهودج. رجوع الزبير عن الحرب قال: وذكروا أن الزبير دخل على عائشة، فقال: يا أماه، ما شهدت موطنا قط في الشرك ولا في الاسلام إلا ولى فيه رأى وبصيرة غير هذا الموطن فإنه لا رأى لي فيه، ولا بصيرة، وإني لعلي باطل. قالت عائشة: يا أبا عبد الله، خف سيوف بني عبد المطلب، فقال: أما والله إن سيوف بني عبد المطلب طوال حداد، يحملها فتية أنجاد. ثم قال لابنه عبد الله: عليك بحزبك، أما أنا فراجع إلى بيتي. فقال له ابنه عبد الله: الآن حين التقت حلقتا البطان (1)، واجتمعت الفئتان ؟ والله لا نغسل رؤوسنا منها، فقال الزبير لابنه، لا تعد هذا مني جبنا، فو الله


(1) البطان: حزام البرذعة وإذا التقت حلقتاه فقد استوت البرذعة على ظهر الدابة وأصبحت صالحة لركوبها، والمراد: الآن حين انتهى الامر وأصبح لا مفر من الحرب. (*)

[ 69 ]

ما فارقت أحدا في جاهلية ولا إسلام، قال: فما يردك ؟ قال: يردني ما إن علمته كسرك. فقام بأمر الناس عبد الله بن الزبير. قتل الزبير بن العوام قام: وذكروا أن الزبير لما انصرف راجعا إلى المدينة أتاه ابن جرموز، فنزل به، فقال: يا أبا عبد الله، أحييت حربا ظالما أو مظلوما ثم تنصرف ؟ أتائب أنت أم عاجز ؟ فسكت عنه، ثم عاوده فقال له: يا أبا عبد الله، حدثني عن خصال خمس أسألك عنها. فقال: هات. قال: خذلك عثمان، وبيعتك عليا، وإخراجك أم المؤمنين. وصلاتك خلف ابنك، ورجوعك عن الحرب. فقال الزبير: نعم أخبرك، أما خذلي عثمان فأمر قدر الله فيه الخطيئة وأخر التوبة. وأما بيعتي عليا فو الله ما وجدت من ذلك بدا، حيث بايعه المهاجرون والانصار وخشيت القتل، وأما إخراجنا أمنا عائشة فأردنا أمر وأراد الله غيره، وأما صلاتي خلف ابني فإنما قدمته عائشة أم المؤمنين ولم يكن لي دون صاحبي أمر، وأما رجوعي عن هذا الحرب (1) فظن بي ما شئت غير الجبن. فقال ابن جرموز: والهفاه على ابن صفية، أضرمها نارا ثم أراد أن يلحق بأهله، قتلني الله إن لم أقتله، ثم أتاه فقال له: يا أبا عبد الله كالمستنصح له، إن دون أهلك فيافى، فخذ نجيبي هذا، وخل فرسك ودرعك، فإنهما شاهدتان عليك بما تكره. فقال الزبير: أنظر في ذلك ليلتي، ثم ألح عليه في فرسه ودرعه فلم يزل حتى أخذهما منه، وإنما أراد ابن جرموز أن يلقاه حاسرا، لما علم بأسه، ثم أتى ابن جرموز الاحنف بن قيس، فساره بمكان الزبير عنده وبقوله فقال له الاحنف: اقتله قتله الله مخادعا، وأتى الزبير رجل من كلب، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت لي صهر، وابن جرموز لم يعتزل هذا الحرب مخافة الله، ولكنه كره أن يخالف الاحنف، وقد ندم الاحنف على خذله عليا، ولعله أن يتقرب بك إليه، وقد أخذ منك درعك وفرسك، وهذا تصديق ما قلت لك، فبت عندي الليلة ثم أخرج بعد نومه، فإنك إن فتهم لم يطلبوك. فتهاون بقوله، ثم بدا له فقال له: فما ترى يا أخا كلب ؟ قال: أرى أن ترجع إلى فرسك ودرعك فتأخذهما، فإن أحدا من الناس لا يقدم عليك وأنت فارس أبدا، فأصبح الزبير غاديا، وسار معه ابن جرموز وقد كفر (2) على الدرع فلما انتهى إلى وادي السباع استغفله فطعنه، ثم رجع


(1) الحرب تذكر وتؤنث. (2) الدرع: هو قميص من حلق الحديد يلبس توقيا للسهام والسيوف، والكفر الستر ومعنى كفر على الدرع لبس عليه ثوبا فستره به. (*)

[ 70 ]

برأسه وسلبه إلى قومه، فقال له رجل من قومه: يا بن جرموز، فضحت والله اليمن بأسرها، قتلت الزبير رأس المهاجرين، ورأس رسول الله صلي الله عليه وسلم، وحواريه، وابن عمته، والله لو قتلته في حرب لعز ذلك علينا، ولمسنا عارك، فكيف في جوارك وذمتك ؟ والله ليزيدنك على أن يبشرك بالنار. فغضب ابن جرموز وقال والله ما قتلته إلا له، ووالله ما أخاف ما أخاف فيه قصاصا، ولا أرهب فيه قرشيا، وإن قتله على لهين. مخاطبة علي لطلحة بين الصفين قال: وذكروا أن عليا نادي طلحة بعد انصراف الزبير، فقال له: يا أبا محمد ما جاء بك ؟ قال: أطلب دم عثمان. قال علي: قتل الله من قتله، قال طلحة: فحل بيننا وبين من قتل عثمان، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما يحل دم المؤمن في أربع خصال، زان فيرجم، أو محارب لله، أو مرتد عن الاسلام، أو مؤمن يقتل مؤمنا عمدا. فهل تعلم أن عثمان أتى شيئا من ذلك ؟ فقال علي: لا. قال طلحة: فأنت أمرت بقتله. قال علي: اللهم لا. قال طلحة: فاعتزل هذا الامر، ونجعله شورى بين المسلمين، فإن رضوا بك دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن رضوا غيرك كنت رجلا من المسلمين. قال علي: أو لم تبايعني يا أبا محمد طائعا غير مكره ؟ فما كنت لاترك بيعتي. قال طلحة: بايعتك والسيف على عنقي. قال: ألم تعلم أني ما أكرهت أحدا على البيعة، ولو كنت مكرها أحدا لاكرهت سعدا وابن عمر ومحمد ابن مسلمة، أبوا البيعة، واعتزلوا، فتركتهم. قال طلحة: كنا في الشورى ستة، فمات اثنان وقد كرهناك، ونحن ثلاثة، قال علي: إنما كان لكما ألا ترضيا قبل الرضى وقبل البيعة. وأما الآن فليس لكما غير ما رضيتما به، إلا أن تخرجا مما بويعت عليه بحدث، فإن كنت أحدثت حدثا فسموه لي. وأخرجتم أمكم عائشة، وتركتم نساءكم، فهذا أعظم الحدث منكم أرضى هذا لرسول الله أن تهتكوا سترا ضربه عليها، وتخرجوها منه ؟ فقال طلحة: إنما جاءت للاصلاح. قال علي: هي لعمر الله إلى من يصلح لها أمرها أحوج، أيها الشيخ أقبل النصح وارض بالتوبة مع العار. قبل أن يكون العار والنار. التحام الحرب قال: وذكروا أنه بينما الناس وقوف إذ رمى رجل من أصحاب علي، فجئ به إلى علي، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذا أخونا قد قتل: فقال علي: أعذروا إلى القوم. فقال عبد الرحمن

[ 71 ]

ابن أبي بكر: إلى متى ؟ قد والله أعذرنا وأعذرت إن كنت تريد الاعذار، والله لتأذنن لنا في لقاء القوم أو لننصرفن. إلى متى تستهدف نحورنا للقتال والسلاح، يقتلوننا رجلا رجلا ؟ فقال علي: قد والله أرانا أعذرنا. أين محمد ابني ؟ فقال: هأنذا. فقال: أي بني، خذ الراية، فابتدر الحسن والحسين ليأخذاها، فأخرهما عنها، وكان على يؤخرهما شفقة عليهما، فأخذ محمد الراية، ثم قام علي، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا بدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسها، ثم قال: احزموني، فحزم بعمامة أسفل من سرته، ثم خرج وكان عظيم البطن، فقال لابنه: تقدم وتضعضع (1) الناس حين سمعوا به قد تحرك، فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوتا، فقال علي: ما هذا ؟ فقيل عائشة تلعن قتلة عثمان. فقال علي ورفع بصره إلى السماء: لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل، وقد كان علي عبأ الناس أثلاثا، فجعل مصر قلب العسكر، واليمن ميمنته، وربيعة ميسرته، وعبأ أهل البصرة مثل ذلك، فاقتتل القوم قتالا شديدا، فهزمت يمن البصرة يمن علي، وهزمت ربيعة البصرة ربيعة علي، قال حية بن جهين: نظرت إلى علي وهو يخفق نعاسا فقلت له: تالله ما رأيت كاليوم قط، إن بإزائنا لمائة ألف سيف، وقد هزمت ميمنتك وميسرتك، وأنت تخفق نعاسا، فانتبه ورفع يديه، وقال: اللهم إنك تعلم أني ما كتبت في عثمان سوادا في بياض، وأن الزبير وطلحة ألبا وأجلبا على الناس، اللهم أولانا بدم عثمان فخذه اليوم. ثم تقدم علي فنظر إلى أصحابه يهزمون ويقتلون فلما نظر إلى ذلك صاح بابنه محمد ومعه الراية، أن اقتحم، فأبطأ وثبت، فأتى علي من خلفه، فضربه بين كتفيه، وأخذ الراية من يده، ثم حمل، فدخل عسكرهم وإن الميمنتين والميسرتين تضطربان، في إحداهما عمار، وفي الاخرى عبد الله بن عباس، ومحمد بن أبي بكر، قال: فشق علي في عسكر القوم يطعن ويقتل، ثم خرج وهو يقول: الماء الماء، فأتاه رجل بإداوة فيها عسل فقال له: يا أمير المؤمنين، أما الماء فإنه لا يصلح لك في هذا المقام، ولكن أدوقك هذا العسل فقال: هات، فحسا منه حسوة، ثم قال: إن عسلك لطائفي (2)، قال الرجل: لعجبا منك والله يا أمير المؤمنين، لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم، وقد بلغت القلوب الحناجر فقال له علي: إنه والله يا بن أخي ما ملا صدر عمك شئ قط، ولا هابه شئ ثم أعطى الراية لابنه، وقال: هكذا فاصنع، فتقدم محمد بالراية ومعه الانصار حتى انتهى إلى الجمل والهودج وهزم ما يليه، فاقتتل الناس ذلك اليوم قتالا شديدا حتى كانت الواقعة والضرب على الركب


(1) تضعضع الناس: خضعوا وذلوا. (2) طائفي: نسبة إلى الطائف وهي بلاد ثقيف بالحجاز. (*)

[ 72 ]

وحمل الاشتر النخعي وهو يريد عائشة، فلقيه عبد الله بن الزبير، فضربه، واعتنقه عبد الله فصرعه، وقعد على صدره، ثم نادى عبد الله: اقتلوني ومالكا (1). فلم يدر الناس من مالك فانفلت الاشتر منه، فلما رأى كعب بن سور الهزيمة، أخذ بخطام البعير، ونادى: أيها الناس، الله الله. فقاتل وقاتل الناس معه، وعطفت الازد على الهودج، وأقبل علي وعمار والاشتر والانصار معهم يريدون الجمل فاقتتل القوم حوله، حتى حال بينهم الليل، وكانوا كذلك يروحون ويغدون على القتال سبعة أيام، وإن عليا خرج إليهم بعد سبعة أيام فهزمهم، فلما رأى طلحة ذلك رفع يديه إلى السماء. وقال: اللهم إن كنا قد داهنا في أمر عثمان وظلمناه فخذ له اليوم منا حتى ترضى، قال فما مضى كلامه حتى ضربه مروان ضربة أتى منها على نفسه، فخر وثبتت عائشة، وحماها مروان في عصابة من قيس ومن كنانة وبنى أسد، فأحدق بهم علي بن أبي طالب، ومال الناس إلى علي، وكلما وثب رجل يريد الجمل ضربه مروان بالسيف، وقطع يده، حتى قطع نحو عشرين يدا من أهل المدينة والحجاز والكوفة، حتى إنى مروان من خلفه، فضرب ضربة فوقع، وعرقب الجمل الذي عليه عائشة. وانهزم الناس، وأسرت عائشة، وأسر مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان، وموسى بن طلحة، وعمرو بن سعيد بن العاص، فقال عمار لعلي: يا أمير المؤمنين، اقتل هؤلاء الاسرى. فقال علي: لا أقتل أسير أهل القبلة إذا رجع ونزع. فدعا علي بموسى بن طلحة، فقال الناس: هذا أول قتيل يقتل، فلما أتى به علي قال: تبايع وتدخل فيما دخل فيه الناس ؟ قال: نعم. فبايع وبايع الجميع وخلى سبيلهم، وسأل الناس عليا ما كان عرض عليهم قبل ذلك فأعطاه، ثم أمر المنادي فنادى: لا يقتلن مدبر، ولا يجهز على جريح، ولكم ما في عسكرهم وعلى نسائهم العدة، وما كان لهم من مال في أهليهم فهو ميراث على فرائض الله. فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تحل لنا أموالهم، ولا تحل لنا نساؤهم ولا أبناؤهم ؟ فقال: لا يحل ذلك لكم. فلما أكثروا عليه في ذلك: قال اقترعوا، هاتوا بسهامكم ثم قال: أيكم يأخذ أمكم عائشة في سهمه ؟ فقالوا نستغفر الله. فقال: وأنا استغفر الله. قال: ثم إن عليا مر بالقتلى، فنظر إلى محمد بن طلحة وهو صريع في القتلى، وكان يسمى السجاد، لما بين عينيه من أثر السجود. فقال: رحمك الله يا محمد، لقد كنت في العبادة مجتهدا آناء الليل قواما، وفي الحرور صواما، ثم التفت إلى من حوله فقال: هذا رجل قتله بر أبيه فاختلفوا في طلحة وابنه محمد أيهما قتل قبل ؟ فشهدت عائشة


(1) يريد عبد الله بن الزبير يمالك: الاشتر، وهو بذلك يشير إلى قول الشاعر: اقتلوني ومالكا: واقتلوا مالكا معي. (*)

[ 73 ]

لمحمد أنها رأته بعد قتل أبيه، فورثوا ولده في مال طلحة. قال: وأتى محمد بن أبي بكر، فدخل على أخته عائشة رضى الله عنها، قال لها: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: علي مع الحق، والحق مع علي ؟ ثم خرجت تقاتلينه بدم عثمان، ثم دخل عليهما علي فسلم وقال: يا صاحبة الهودج، قد أمرك الله أن تقعدي في بيتك، ثم خرجت تقاتلين. أترتحلين ؟ قالت أرتحل. فبعث معها علي رضي الله عنه أربعين امرأة، وأمرهن أن يلبسن العمائم، ويتقلدن السيوف، وأن يكن من الذين يلينها، ولا تطلع على أنهن نساء، فجعلت عائشة تقول في الطريق فعل الله في ابن أبي طالب وفعل، بعث معي الرجال، فلما قدمن المدينة وضعن العمائم والسيوف، ودخلن عليها. فقالت: جزى الله ابن أبي طالب الجنة. قال: ودفن طلحة في ساحة البصرة، فأتى عائشة في المنام. فقال: حوليني من مكاني، فإن البرد قد آذاني، فحولته. وقال عبد الله ابن الزبير، أمسيت يوم الجمل وفي بضع وثلاثون بين ضربة وطعنة، وما رأيت مثل يوم الجمل قط، ما ينهزم منا أحد ولا يأخذ أحد منا بخطام الجمل إلا قتل أو قطعت يده، حتى ضاع الخطام من يد بني ضبة، فعقر الجمل. قال: دخل موسى بن طلحة على علي، فقال له علي: إني لارجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله فيهم " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " وأمسى على بالبصرة ذلك اليوم الذي أتاه فيه موسى بن طلحة، فقال ابن الكواء: أمسيت بالبصرة يا أمير المؤمنين ؟ فقال: كان عندي ابن أخي. قال: ومن هو ؟ قال: موسى ابن طلحة. فقال ابن الكواء، لقد شقينا إن كان ابن أخيك. فقال علي: ويحك، إن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ثم قال ابن الكواء: يا أمير المؤمنين، من أخبرك بمسيرك هذا الذي سرت فيه، تضرب الناس بعضهم ببعض، وتستولي بالامر عليهم ؟ أرأى رأيته حين تفرقت الامة، واختلفت الدعوة، فرأيت أنك أحق بهذا الامر منهم لقرابتك ؟ فان كان رأيا رأيته أجبناك فيه، وإن كان عهدا عهده إليك رسول الله فأنت الموثوق به، المأمون على رسول الله فيما حدثت عنه. فقال علي: أنا أول من صدقه فلا أكون أول من كذب عليه. أما أن يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا والله، ولكن لما قتل الناس عثمان نظرت في أمري، فإذا الخيلفتان اللذان أخذاها من رسول الله قد هلكا ولا عهد لهما، وإذا الخليفة الذي أخذها بمشورة المسلمين قد قتل، وخرجت ربقته من عنقي، لانه قتل ولا عهد له، قال ابن الكواء، صدقت وبررت، ولكن ما بال طلحة والزبير ؟ ولم استحللت قتالهما وقد شاركاك في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الشورى مع عمرو بن الخطاب ؟ قال علي: بايعاني بالحجاز، ثم خالفاني بالعراق، فقاتلتهما على خلافهما، ولو فعلا ذلك مع أبي بكر وعمرو لقاتلاهما.

[ 74 ]

مبايعة أهل الشام معاوية بالخلافة قال: وذكروا أن النعمان بن بشير لما قدم على معاوية بكتاب زوجة عثمان، تذكر فيه دخول القوم عليه، وما صنع محمد بن أبي بكر من نتف لحيته، في كتاب قد رققت فيه وأبلغت، حتى إذا سمعه السامع بكى حتى يتصدع قلبه، وبقميص عثمان مخضبا بالدم ممزقا، وعقدت شعر لحيته في زر القميص. قال: فصعد المنبر معاوية بالشام، وجمع الناس، ونشر عليهم القميص، وذكر ما صنعوا بعثمان، فبكى الناس وشهقوا، حتى كادت نفوسهم أن تزهق، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام، فقالوا: هو ابن عمك، وأنت وليه، ونحن الطالبون معك بدمه، فبايعوه أميرا عليهم، وكتب وبعث الرسل إلى كور (1) الشام، وكتب إلى شرحبيل بن السمط الكندي وهو بحمص، يأمره أن يبايع له بحمص كما بايع أهل الشام، فلما قرأ شرحبيل كتاب معاوية دعا أناسا من أشراف أهل حمص، فقال لهم: ليس من قتل عثمان بأعظم جرما ممن يبايع لمعاوية أميرا، وهذه سقطة، ولكنا نبايع له بالخلافة، ولا نطلب بدم عثمان مع غير خليفة. فبايع لمعاوية بالخلافة هو وأهل حمص، ثم كتب إلى معاوية: أما بعد: فإنك أخطأت خطأ عظيما، حين كتبت إلى أن أبايع لك بالامرة، وأنك تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم وأنت غير خليفة، وقد بايعت ومن قبلي لك بالخلافة. فلما قرأ معاوية كتابه سره ذلك، ودعا الناس، وصعد المنبر، وأخبرهم بما قال شرحبيل، ودعاهم إلى بيعته بالخلافة، فأجابوه، ولم يختلف منهم أحد، فلما بايع القوم له بالخلافة، واستقام له الامر، كتب إلى علي: كتاب معاوية إلى علي سلام الله على من اتبع الهدى. أما بعد، فإنا كنا نحن وإياكم يدا جامعة، وألفة أليفة، حتى طمعت يا بن أبي طالب فتغيرت، وأصبحت تعد نفسك قويا على من عاداك. بطعام أهل الحجاز، وأوباش أهل العراق وحمقى الفسطاط (2) وغوغاء السواد وايم الله لينجلين عنك حمقاها، ولينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء. قتلت عثمان بن عفان، ورقيت سلما أطلعك الله عليه مطلع سوء عليك لا لك. وقتلت الزبير وطلحة، وشردت بأمك عائشة، ونزلت بين المصريين (3) فمنيت وتمنيت، وخيل لك أن الدنيا قد سخرت لك بخيلها ورجلها


(1) كور الشام: جمع كورة وهي المدينة والناحية. (2) يريد أهل مصر. (3) البصرة والكوفة. (*)

[ 75 ]

وإنما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الاسلام، فيحيطون بك من ورائك، ثم يقضى الله علمه فيك، والسلام على أولياء الله. رد الامام علي على معاوية فأجابه على: أما بعد، فقدر الامور تقدير من ينظر لنفسه دون جند، ولا يشتغل بالهزل من قوله، فلعمري لئن كانت قوتي بأهل العراق، أوثق عندي من قوتي بالله ومعرفتي به فليس عنده بالله تعالى يقين من كان على هذا، فناج نفسك مناجاة من يستغنى بالجد دون الهزل، فإن في القول سعة، ولن يعذر مثلك فيما طمح إليه الرجال. وأما ما ذكرت من أنا كنا وإياكم يدا جامعة فكنا كما ذكرت، ففرق بيننا وبينكم أن الله بعث رسوله منا، فآمنا به وكفرتم، ثم زعمت أني قتلت طلحة والزبير، فذلك أمر غبت عنه ولم تحضره، ولو حضرته لعلمته، فلا عليك، ولا العذر فيه إليك، وزعمت أنك زائري في المهاجرين، وقد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك، فإن يك فيك عجل فاسترقه (1) وإن أزرك فجدير أن يكون الله بعثني عليك للنقمة منك، والسلام. قدوم عقيل بن أبي طالب على معاوية قال: وذكروا أن عقيل بن أبي طالب قدم على أخيه علي بالكوفة، فقال له علي: مرحبا بك وأهلا. ما أقدمك يا أخي: قال: تأخر العطاء عنا: وغلاء السعر ببلدنا، وركبني دين عظيم، فجئت لتصلني. فقال علي: والله مالي مما ترى شيئا إلا عطائي، فإذا خرج فهو لك. فقال عقيل: وإنما شخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك ؟ وماذا يبلغ مني عطاؤك ؟ وما يدفع من حاجتي ؟ فقال علي: فمه ! هل تعلم لي مالا غيره ؟ أم تريد أن يحرقني الله في نار جهنم في صلتك بأموال المسلمين ؟ فقال عقيل: والله لاخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك: " يريد معاوية "، فقال له علي: راشدا مهديا. فخرج عقيل ! حتى أتى معاوية. فلما قدم عليه، قال له معاوية: مرحبا وأهلا بك يا بن أبي طالب. ما أقدمك علي ؟ فقال: قدمت عليك لدين عظيم ركبني، فخرجت إلى أخي ليصلني، فزعم أنه ليس له مما يلي إلا عطاؤه، فلم يقع ذلك مني موقعا، ولم يسد مني مسدا، فأخبرته أني سأخرج إلى رجل هو أوصل منه لي، فجئتك. فازداد معاوية فيه رغبة، وقال: يا أهل الشام هذا سيد قريش، وابن سيدها، عرف الذي فيه أخوه من الغواية والضلالة، فأثاب إلى أهل الدعاء إلى


(1) العجل: الاستعجال، واسترفه: تأن واسترح. (*)

[ 76 ]

الحق، ولكني أزعم أن جميع ما تحت يدي لي، فما أعطيت فقربة إلى الله، وما أمسكت فلا جناح علي فيه فأغضب كلامه عقيلا لما سمعه ينتقص أخاه، فقال صدقت خرجت من عند أخي علي هذا القول: وقد عرفت من في عسكره، لم أفقد والله رجلا من المهاجرين والانصار، ولا والله ما رأيت في عسكر معاوية رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال معاوية عند ذلك: يا أهل الشام، أعظم الناس من قريش عليكم حقا ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم. وسيد قريش: وها هو ذا تبرأ إلى الله مما عمل به أخوه. قال: وأمر له معاوية بثلاث مئة ألف دينار، قال له: هذه مئة ألف تقضى بها ديونك، ومئة ألف تصل بها رحمك، ومئة ألف توسع بها على نفسك. نعى عثمان بن عفان إلى معاوية قال عبد الله بن مسلم: وذكر ابن عفير، عن عون بن عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري، قال: قدم الحجاج بن خزيمة الشام بكتاب معاوية: بعد قتل عثمان بأيام، فقال له: أتعرفني ؟ قال: نعم. أنت الحجاج بن خزيمة.. فما وراءك ؟ فقال الحجاج: أنا النذير العريان. أنعى إليك أمير المؤمنين عثمان. ثم قال: إني كنت ممن خرج معينا لعثمان مع يزيد بن أسد، فتقدمت إلى الربذة فلقينا بها رجلا حدثنا عن قتل عثمان، وزعم أنه ممن قتله. فقتلناه. وإني أخبرك يا معاوية أنك تقوى على علي بدون ما يقوى به عليك، لان من معك لا يقولون إذا قلت. ولا يسألون إذا أمرت، ولان من مع علي يقولون إذا قال: ويسألون إذا أمر، فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه. واعلم أن عليا لا يرضيه إلا الرضى، وإن رضاه يسخطك، ولست وعلي بالسواء، لا يرضى علي بالعراق دون الشام، ورضاؤك بالشام دون العراق. قال: وذكروا أنه لما فرغ من وقعة الجمل بايع له القوم جميعا، وبايع له أهل العراق، واستقام له الامر بها فكتب إلى معاوية: أما بعد، فإن القضاء السابق، والقدر النافذ، ينزل من السماء كقطر المطر، فتمضى أحكامه عزوجل، وتنفذ مشيئته بغير تحاب المخلوقين، ولا رضا الآدميين، وقد بلغك ما كان من قتل عثمان رحمه الله، وبيعة الناس عامة إياي، ومصارع الناكثين لي فادخل فيما دخل الناس فيه، وإلا فأنا الذي عرفت، وحولي من تعلمه، والسلام. فلما قدم على معاوية كتاب علي مع الحجاج بن عدي الانصاري، ألفاه وهو يخطب الناس بدمشق، فلما قرأه أغتم بذلك، وأسره عن أهل الشام، ثم قام الحجاج بن عدي خطيبا، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: يا أهل الشام، إن أمر عثمان أشكل على من حضره، المخبز عنه كالاعمى،

[ 77 ]

والسميع كالاصم، عابه قوم فقتلوه، وغدره قوم فلم ينصروه، فكذبوا الغائب واتهموا الشاهد وقد بايع الناس عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة عامة، من رغب عنها رد إليها صاغرا داحرا، فانظروا في ثلاث وثلاث، ثم اقضوا على أنفسكم: أين الشام من الحجاز ؟ وأين معاوية من علي ؟ وأين أنتم من المهاجرين والانصار والتابعين لهم بالاحسان ؟ قال: فغضب معاوية لقوله وقال: يا حجاج، أنت صاحب زيد بن ثابت يوم الدار ؟ قال نعم، فإن كان بلغك وإلا أحدثك، قال: هات. قال: أشرف علينا زيد بن ثابت، وكان مع عثمان في الدار، وقال: يا معشر الانصار، انصروا الله (مرتين)، فقلت: يا زيد، إنا نكره أن نلقى الله فنقول كما قال القوم: " ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا -، فقال معاوية: انصرف إلى علي، وأعلمه أن رسولي على إثرك. ثم إن معاوية انتخب رجلا من عبس، وكان له لسان، فكتب معاوية إلى على كتابا عنوانه: " من معاوية إلى علي، وداخله: بسم الله الرحمن الرحيم لا غير ". فلما قدم الرسول دفع الكتاب إلى علي، فعرف علي ما فيه، وأن معاوية محارب له، وأنه لا يجيبه إلى شئ مما يريد، وقام رسول معاوية خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: هل ها هنا أحد من أبناء قيس عيلان، وبني عبس وذبيان ؟ قالوا: نعم، هم حولك، قال: فاسمعوا ما أقول لكم، يا معشر قيس، إني أحلف بالله لقد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ، خاضبين لحاهم من دموع أعينهم تحت قميص عثمان، رافعيه على الرماح مخصوبا بدمائه، قد أعطوا الله عهدا أن لا يغمدوا سيوفهم، ولا يغمضوا جفونهم، حتى يقتلوا قتلة عثمان، يوصى به الميت الحي، ويرثه الحي من الميت، حتى والله نشأ عليه الصبي، وهاجر عليه الاعرابي، وترك القوم تعس الشيطان، وقالوا: تعسا لقتلة عثمان، وأحلف بالله ليأتينكم من خضر (1) الخيل اثنا عشر ألفا، فانظروا كم الشهب (2) وغيرها ؟ فقال له علي: ما يريدون بذلك ؟ قال: يريدون بذلك والله خبط رقبتك. فقال علي: تربت يداك، وكذب فوك، أما والله لو أن رسولا قتل لقتلتك. فقام الصلت بن زفر فقال: بئس وافد أهل الشام أنت ورائد أهل العراق، ونعم العون لعلي، وبئس العون لمعاوية، يا أخا عبس أتخوف المهاجرين والانصار بخضر الخيل، وغضب الرجال ؟ أما والله ما نخاف غضب رجالك، ولا خضر خيلك، فأما بكاء أهل الشام على غميص عثمان، فو الله ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب، ولئن بكوا عليه بالشام، لقد خذلوه بالحجاز، وأما قتالهم عليا، فإن الله


(1) خضر الخيل: الخيل الخضر: خيل في لونها غبرة مع سواد. (2) الشهب: البيض. (*)

[ 78 ]

يصنع في ذلك ما أحب. قال: وإن العبسى أقام بالعراق عند علي، حتى اتهمه معاوية، ولقيه المهاجرون والانصار فأشربوه حب علي، وحدثوه عن فضائله، حتى شك في أمره. قدوم ابن عم عدي بن حاتم الشام قال: وذكروا أن عدي بن حاتم قدم إلى علي بالكوفة، قبل أن يسير إلى البصرة، فقال: يا أمير المؤمنين، لسنا نخاف أحدا إلا معاوية، وعندي رجل من قومي يريد أن يزور ابن عم له بالشام، يقال له حابس بن سعد، فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره ويكسر أهل الشام ؟ فقال له علي: افعل، فأغروه بذلك، فلما قدم على ابن عمه، وكان سيد طيئ بالشام، سأله فأخبره أنه شهد قتل عثمان بالمدينة المنورة، وسار مع علي إلى الكوفة، وكان له لسان وهيبة، فغدا به حابس إلى معاوية، فقال: هذا ابن عمي، قدم من الكوفة، وكان مع علي، وشهد قتل عثمان بالمدينة، وهو ثقة، فقال له معاوية: حدثنا عن أمر عثمان، قال: نعم وليه محمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر، وتجرد في أمره ثلاثة نفر، عدي بن حاتم، والاشتر النخعي، وعمرو بن الحصين. ودب في أمره رجلان: طلحة والزبير. وأبرأ الناس منه علي بن أبي طالب، ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش، حتى ضلت النعل (1)، وسقط الرداء، ووطئ الشيخ. ولم يذكر عثمان، ولم يذكروه، ثم تهيأ للمسير، فخف معه المهاجرون والانصار، وكره القتال معه ثلاثة نفر: عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، فلم يستكره أحدا، واستغنى بمن خف عمن ثقل، ثم سار حتى انتهى إلى جبل طيئ، فأتاه منهم جماعة عظيمة، حتى إذا كان في بعض الطريق أتاه مسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، فسرح رسله إلى الكوفة، فأجابوا دعوته، ثم قدمها، فحملوا إليه الصبي ودبت إليه العجوز، وخرجت إليه العروس، فرحا به وسرورا وشوقا إليه، ثم سار إلى البصرة، فبرز إليه القوم: طلحة والزبير وأصحابهما، فلم يلبثوا إلا يسيرا، حتى صرعهم الله، وأبرزهم إلى مضاجعهم، ثم صارت البصرة وما حولها في كفة، قال: وتركته وليس له هم إلا أنت والشام. فانكسر معاوية لقوله، وقال: والله ما أظنه إلا عينا لعلي، أخرجوه لا يفسد أهل الشام. ثم قال معاوية: وكيف لا يضيع عثمان ويقتل وقد خذله أهل ثقاته، وأجمعوا عليه ؟ أما والله لئن بقينا لهم لندرسنهم (2) درس الجمال هشيم اليبيس.


(1) ضلت النعل: ضاع الحذاء من الزحام. (2) لندرسنهم: لنقتلنهم، وهشيم البيس: يابس النبات الهش. (*)

[ 79 ]

استعمال علي عبد الله بن عباس على البصرة قال: وذكروا أن عليا لما صار من البصرة بعد فراغه من أصحاب الجمل، استعمل عليها عبد الله بن عباس، وقال له: أوصيك بتقوى الله عز وجل، والعدل على من ولاك الله أمره، اتسع للناس بوجهك وعلمك وحكمك، وإياك والاحن (1)، فإنها تميت القلب والحق، واعلم أن ما قربك من الله بعدك من النار، وما قربك من النار بعدك من الله. اذكر الله كثيرا ولا تكن من الغافلين. فلم يلبث على حين قدم الكوفة، وأراد المسير إلى الشام، أن انضم إليه ابن عباس، واستعمل على البصرة زياد بن أبي سفيان. ما أشار به الاحنف بن قيس على علي قال: وذكروا أن الاحنف بن قيس قام إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، إنه إن يك بنو سعد لم ينصروك يوم الجمل، فلن ينصروا عليك غيرك، وقد عجبوا ممن نصرك يومئذ، وعجبوا اليوم ممن خذلك، لانهم شكوا في طلحة والزبير، ولم يشكوا في عمرو ومعاوية، وإن عشيرتنا بالبصرة فلو بعثنا إليهم فقدموا علينا، فقاتلنا بهم العدو، وانتصفنا بهم من الناس، وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس، وهذا جمع قد حشره الله عليك بالتقوى، لم نستكره شاخصا، ولم نشخص فيه مقيما، ومن كان معك نافعك، ورب مقيم خير من شاخص. وإنما نشوب الرجاء بالمخافة، ووالله لوددنا أن أمواتنا رجعوا إلينا، فاستعنا بهم على عدونا، وليس لك ألا من كان معك، ولنا من قومنا عدد، ولا نلقى بهم عدوا أعدى من معاوية، ولا نسد بهم ثغرا أشد من الشام. كتاب الاحنف إلى قومه يدعوهم به إلى نصرة علي قال: وذكروا أن عليا قال للاحنف بن قيس: اكتب إلى قومك. قال: نعم. فكتب الاحنف إلى بنى سعد: أما بعد، فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا وقد شقوا برأي سيدهم غيركم، وعصمكم الله برأيى، حتى نلتم ما رجوتم، وأمنتم مما خفتم، وأصبحتم منقطعين من أهل البلاء، لاحقين بأهل العافية، وإني أخبركم أنا قدمنا على تميم بالكوفة، فأخذوا علينا بفضلهم مرتين:


(1) الاحن: الاحقاد. (*)

[ 80 ]

مسيرهم إلينا مع علي، وتهيئهم للمسير إلى الشام، ثم انحشرنا معهم، فصرنا كأنا لا نعرف إلا بهم، فأقبلوا إلينا، ولا تتكلوا علينا، فإن لهم أعدادنا من رؤسائهم فلا تبطئوا عنا، فإن من تأخير العطاء حرمانا، ومن تأخير النصر خذلانا. فحرمان العطاء القلة، وخذلان النصر الابطاء. ولا تنقضي الحقوق إلا بالرضا وقد يرضى المضطر بدون الامل. فلما انتهى كتاب الاحنف إلى بني سعد، ساروا بجماعتهم، حتى نزلوا الكوفة. كتاب أهل العراق إلى مصقلة (1) قال: وذكروا أنه قام إلى علي بعد انصرافه من البصرة إلى الكوفة، وجوه بكر بن وائل، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن نعيما أخا مصقلة يستحى منك، لما صنع مصقلة، وقد أتانا اليقين أنه لا يمنع مصقلة من الرجوع إليك إلا الحياء، ولم يبسط منذ فارقنا لسانه ولا يده، فلو كتبنا إليه كتابا، وبعثنا من قبلنا رسولا، فإنا نستحيى أن يكون فارقنا مثل مصقلة من أهل العراق إلى معاوية. فقال علي: اكتبوا. فكتبوا: أما بعد، فقد علما أنك لم تلحق بمعاوية رضا بدينه، ولا رغبة في دنياه، ولم يعطفك عن علي طعن فيه، ولا رغبة عنه، ولكن توسطت أمرا فقويت فيه الظن، وأضعفت فيه الرجاء، فكان أولاهما عندك أن قلت: أفوز بالمال، وألحق بمعاوية. ولعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق، ولا السكاسك (2) بربيعة، ولا معاوية بعلى، ولا أصبت دنيا تهنأ بها، ولا حظا تحسد عليه، وإن أقرب ما تكون مع الله، أبعد ما تكون مع معاوية، فارجع إلى مصرك، فقد اغتفر أمير المؤمنين الذنب، واحتمل الثقل، واعلم أن رجعتك اليوم خير منها غدا، وكانت أمس خيرا منها اليوم، وإن كان عليك حياء من أبي الحسن، فما أنت فيه أعظم، فقبح الله أمرا ليس فيه دنيا ولا آخرة. فلما انتهى كتابهم إلى مصقلة، وكان لرسولهم عقل ولسان، قال الرسول: يا مصقلة، انظر فيما خرجت منه، وفيما صرت إليه، وانظر من أخذت، ومن تركت، وانظر من جاورت، ومن زايلت، ثم اقض بعقلك دون هواك. قال: وإن مصقلة مضى إلى معاوية بالكتاب، فأقرأه إياه، فقال معاوية: يا مصقلة إنك عندي غير ظنين، فإذا أتاك شئ فاستره عني، فانصرف مصقلة إلى منزله، فدعا الرسول فقال: يا أخا بكر، إنما هربت بنفسي من علي، ولا والله ما يطول لساني بغيبته، ولا قلت فيه قط حرفا بسوء، اذهب بكتابي هذا إلى قومي.


(1) مصقلة: هو مصقلة بن هبيرة، ترك عليا رضي الله عنه إلى معاوية طمعا في الدنيا. (2) السكاسك: حي من اليمن جدهم سكسك بن أشرس. (*)

[ 81 ]

جواب مصقلة إلى قومه قال: وذكروا أن مصقلة كتب إلى قومه: أما بعد، فقد جاءني كتابكم، وإني أخبركم أنه من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير، وقد علمتم الامر الذي قطعني من علي، وأضافني إلى معاوية، وقد علمت أنى لو رجعت إلى علي وإليكم لكان ذنبي مغفورا، ولكني أذنبت إلى علي، وصحبت معاوية، فلو رجعت إلى علي أحدثت عيبا، وأحييت عارا، وكنت بين لائمين، أولهما خيانة، وآخرهما غدر، ولكني أقيم بالشام، فإن غلب معاوية فداري العراق، وإن غلب علي فداري أرض الروم. فأما الهوى فإليكم طائر، وكانت فرقتي عليا على بعض العذر أحب إلى من فرقتي معاوية ولا عذر لي. ثم قال للرسول: يا بن أخي، استعرض الناس عن قولي في علي. فقال: قد سألت، فقالوا خيرا. قال: فإني والله عليه حتى أموت. فرجع الرسول بالكتاب، فأقرأه عليا، فقال: كفوا عن صاحبكم، فليس براجع حتى يموت. فقال حصين: أما والله ما به إلا الحياء. لحوق عبد الله بن عامر بالشام قال: وذكروا أن عبد الله بن عامر لحق بالشام، ولم يأت معاوية، وخاف يوما كيوم الجمل، فبعث إليه معاوية أن يأتيه، وألح عليه. فكتب ابن عامر: أما بعد، فإني أخبرك أني أقحمت طلحة والزبير إلى البصرة، وأنا أقول إذا رأى الناس أم المؤمنين مالوا إليها، وإن فر الناس لم يفر الزبير، وإن غدر الناس لم يغدر مروان، فغضبت عائشة، ورجع الزبير، وقتل مروان طلحة، وذهب مالي بما فيه، والناس أشباه، واليوم كأمس، فإن أتبعتني هواي، وإلا أرتحل عنك والسلام. فكتب معاوية إليه: أما بعد، فإنك قلدت أمر دينك قتلة عثمان، وأنفقت مالك لعبد الله بن الزبير، وآثرت العراق على الشام، فأخرجك الله من الحرب صفر اليدين، ليس لك حظ الحق، ولا ثأر القتيل. فلما انتهى كتابه إلى ابن عامر أتاه، فغمس يده معه، وبايعه، فلاطفه معاوية، وعرف له قرابته من عثمان. ما أشار به عمار بن ياسر على علي قال: وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما بايعناك ولا نرى أحدا يقاتلك، فقاتلك من بايعك، وأعطاك الله فيهم ما وعد في قوله عزوجل: " ثم بغى عليه لينصرنه الله "، وقوله: " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم "، وقوله: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه "، وقد كانت الكوفة لنا، والبصرة علينا، فأصبحنا على ما تحب، بين ماض مأجور، وراجع معذور، وإن بالشام الداء العضال: رجلا لا يسلمها أبدا إلا مقتولا أو مغلوبا، فعاجله قبل أن يعاجلك، وانبذ إليه قبل الحرب.

[ 82 ]

ما أشار به الاشتر على علي قال: وذكروا أن الاشتر النخعي قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما لنا أن نقول قبل أن تقول، فإذا عزمت فلم نقل، فلو سرت بنا إلى الشام بهذا الحد والجد، لم يلقوك بمثله، فإن القلوب اليوم سليمة، والابصار صحيحة، فبادر بالقلوب القسوة، وبالابصار العمى. كتاب علي إلى جرير بن عبد الله قال: وذكروا أن عليا كتب إلى جرير بن عبد الله، وكان على ثغر همذان، كان استعمله عليه عثمان، فكتب علي إليه مع زفر بن قيس: أما بعد، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال. ثم إني أخبرك عنا وعمن سرنا إليهم، من جمع طلحة والزبير، عند نكثهما ببيعتهما، وما صنعا بعاملي عثمان ابن حنيف: إني هبطت من المدينة بالمهاجرين والانصار، حتى إذا كنت ببعض الطريق، بعثت إلى الكوفة الحسن ابني، وعبد الله بن العباس ابن عمي، وعمار بن ياسر. وقيس بن سعد بن عبادة، فاستنفرتهم بحق الله ورسوله فأجابوا، وسرت بهم. حتى نزلت بظهر البصرة، فأعذرت في الدعاء، وأقلت في العثرة، وناشدتهم عقد بيعتهم، فأبوا إلا قتالي، فاستعنت الله عليهم، فقتل من قتل، وولوا مدبرين إلى مصرهم، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء، فقبلت العافية، ورفعت عنهم السيف، واستعملت عليهم عبد الله بن عباس، وبعثت إليك زفر ابن قيس، فاسأله عنا وعنهم. خطبة زفر بن قيس قال: وذكروا أنه لما قدم زفر على جرير بكتاب علي، وقرأه جرير، قام زفر خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن عليا كتب إليكم بكتاب لا يقول بعده إلا رجيعا من القول، إن الناس بايعوا عليا بالمدينة غير محاباة ببيعتهم، لعلمه بكتاب الله، ويرى الحق فيه، وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث، ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب، وألبا عليه الناس. وأخرجا أم المؤمنين عائشة من حجاب ضربه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عليها، فلقيهما فأعذر في الدعاء، وخشى البغى، وحمل الناس على ما يعرفون، فهذا عيان ما غاب عنكم. وإن سألتم الزيادة زدناكم. خطبة جرير بن عبد الله البجلي قال: وذكروا أن جرير بن عبد الله قام خطيبا. فحمد الله. فقال: أيها الناس. هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وهو المأمون على الدين والدنيا. وكان من أمره وأمر

[ 83 ]

عدوه ما قد سمعتم، فالحمد لله على أقضيته. وقد بايعه السابقون الاولون من المهاجرين والانصار والتابعون بإحسان، ولو جعل الله هذا الامر شورى بين المسلمين لكان علي أحق بها، ألا وإن البقاء في الجماعة، والفناء في الفرقة، وعلي حاملكم على الحق ما استقمتم له، فإن ملتم أقام ميلكم، قال الناس: سمعا وطاعة، ورضانا رضا من بعدنا. كتاب علي إلى الاشعث بن قيس قال: وذكروا أن عليا كتب إلى الاشعث بن قيس مع زياد بن كعب. والاشعث يومئذ باذربيجان عاملا لعثمان، كان استعمله عليها: أما بعد، فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الامر قبل الناس، فلعل أمرا يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله، وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، وكان طلحة والزبير أول من بايعني، ثم نقضا بيعتي على غير حدث، وأخرجا أم المؤمنين إلى البصرة، فسرت إليهما في المهاجرين والانصار، فالتقينا، فدعوتهما إلى أن يرجعا إلى ما خرجا منه، فأبيا. فأبلغت في الدعاء، وأحسنت في البقاء، وإن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه أمانة في عنقك، والمال مال الله، وأنت من خزاني عليه حتى تسلمه إلى إن شاء الله، وعلى أن لا أكون شر ولاتك. خطبة زياد بن كعب قال: وذكروا أن الاشعث بن قيس لما قرأ كتاب علي، قام زياد بن كعب خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، وإن أمر عثمان لم ينفع فيه العيان، ولم يشف منه الخبر، غير أن من سمعه كمن عاينه، وإن المهاجرين والانصار بايعوا عليا راضين به، وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي، على غير حدث، وأخرجا أم المؤمنين على غير رضى، فسار إليهم، ولم ينلهم، فتركهم وما في نفسه منهم حاجة، فأورثه الله الارض، وجعل له عاقبة المتقين. خطبة الاشعث بن قيس قال: فقام الاشعث بن قيس خطيبا، فقال: أيها الناس، إن عثمان رحمه الله ولانى أذربيجان، وهلك وهي في يدي، وقد بايع الناس عليا، وطاعتنا له لازمة، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما قد بلغكم، وهو المأمون على ما غاب عنا وعنكم من ذلك. مشورة الاشعث ثقاته في اللحوق بمعاوية إلى الشام قال: وذكروا أن الاشعث رجع إلى منزله، فدعا أهل ثقته من أصحابه، فقال لهم: إن

[ 84 ]

كتاب علي جاءني، وقد أوحشني، وهو آخذي بمال أذربيجان وأنا لاحق بمعاوية، فقال القوم: الموت خير لك من ذلك، أتدع مصرك وجماعة قومك، وتكون ذنبا لاهل الشام ؟. كتاب جرير إلى الاشعث قال: وذكروا أن جريرا كتب إلى الاشعث: أما بعد. فإنه أتتني بيعة علي فقبلتها. ولم أجد إلى دفعها سبيلا، وإني نظرت فيما غاب عني من أمر عثمان، فلم أجده يلزمني، وقد شهده المهاجرون والانصار، فكان أوثق أمرهم فيه الوقوف، فاقبل بيعته، فإنك لا تلتفت إلى خير منه. واعلم أن بيعة علي خير من مصارع أهل البصرة. وقد تحلب الناقة الضجور (1). ويجلس العود (2) على البعير الدبر. فانظر لنفسك. والسلام. إرسال علي جريرا إلى معاوية قال: وذكروا أن جريرا لما قدم على علي قال له: يا جرير. انطلق إلى معاوية بكتابي هذا، وكن عند ظني فيك، واعلم يا جرير أنك ترى من حولي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والبدريين والعقبيين (3). وإني اخترتك عليهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير ذي يمن جرير، فاذهب إلى معاوية بكتابي هذا ورسالتي، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون، وإلا فانبذ إليه بالحرب، وأعلمه أنى لا أرضى به أميرا، والعامة لا ترضى به واليا، فقال جرير: إني لاكره أن أمنعك معونتي، وما أطمع لك في معاوية، ويصنع الله ما يشاء. كتاب علي إلى معاوية مرة ثانية قال: وذكروا أن عليا كتب إلى معاوية مع جرير: أما بعد، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لانه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج منهم خارج ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وأولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم. وساءت مصيرا. وإن طلحة


(1) الناقة الضجور: التي ترغو عند حلبها. (2) العود: المسن من الابل. (3) العقبيين: نسبة إلى العقبة، والمراد بيعة العقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 85 ]

والزبير بايعاني بالمدينة، ثم نقضا بيعتهما، فكان نقضهما كردتهما، فجاهدتهما بعدما أعذرت إليهما، حتى جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب أمورك إلى العافية، فإن تتعرض للبلاء قاتلتك، واستعنت بالله عليك، وقد أكثرت الكلام في قتلة عثمان، فادخل في الطاعة، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء، الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعقد معهم الامامة، ولا تعرض فيهم الشورى، وقد بعثت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الايمان والهجرة السابقة، فبايع، ولا قوة إلا بالله. قدوم جرير إلى معاوية قال: وذكروا أن جريرا لما قدم على معاوية بكتاب علي، قام جرير بالشام خطيبا، فقال: أيها الناس، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده، فما ظنكم بمن غاب عنه، وإن الناس بايعوا عليا، وإن طلحة والزبير كانا ممن بايع، ثم نقضا بيعته، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل السيف. وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملمة، إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس، وقد بايعت العامة عليا، ولو ملكنا أمرنا لم نختر لها غيره، فمن خالف هذا فقد استعتب (1) فادخل يا معاوية فيما دخل الناس فيه، فإن قلت: إن عثمان ولاني ولم يعزلني، فإن هذا لو كان لم يقم لله دين، وكان لكل امرئ ما هو فيه. إشارة الناس على علي بالمقام بالكوفة قال: وذكروا أن عليا استشار الناس، فأشاروا عليه بالمقام بالكوفة عامه ذلك، غير الاشتر النخعي، وعدي بن حاتم، وشريح بن هانئ، فإنهم قاموا إلى علي، فتكلموا بلسان واحد، فقالوا: إن الذين أشاروا عليك بالمقام، إنما خوفوك بحرب الشام، وليس في حربهم شئ أخوف من الموت ونحن نريده. فقال لهم: إن استعدادي لحرب أهل الشام، وجرير عندهم إغلاق للشام، وصرف لاهله عن خير إن أرادوه، ولكني قد وقت له وقتا لا يقيم بعده إلا أن يكون مخدوعا أو عاصيا، ولا أكره لكم الاعداد، وأبطأ جرير على علي بالشام حتى يئس منه، وإن جريرا لما أبطأ عليه معاوية برأيه، استحثه بالبيعة، فقال معاوية لجرير:


(1) استعتب: استوجب العتاب (*)

[ 86 ]

يا جرير، إن البيعة ليست بخلسة، وإنه أمر له ما بعده. فأبلعني ريقي (1). مشورة معاوية أهل ثقته قال: وذكروا أن معاوية دعا أهل ثقته فاستشارهم، فقال عتبة بن أبي سفيان: استعن على هذا الامر بعمرو بن العاص، فإنه من قد عرف، وقد اعتزل عثمان في حياته، وهو لامرك أشد اعتزالا إلا أن ترضيه. كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين: أما بعد، فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط علينا مروان بن الحكم في رافضة من أهل البصرة، وقدم علي جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك، فاقدم على بركة الله، والسلام. ما سأل معاوية من علي من الاقرار بالشام ومصر قال: وذكروا أن معاوية قال لجرير: إني قد رأيت رأيا. قال جرير: هات. قال: أكتب إلى علي أن يجعل لي الشام ومصر جباية، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لاحد من بعده في عنقي بيعة، وأسلم إليه هذا الامر، وأكتب إليه بالخلافة. قال جرير: اكتب ما شئت. وإنما أراد معاوية في طلبه الشام ومصر ألا يكون لعلي في عنقه بيعة، وأن يخرج نفسه مما دخل فيه الناس، فكتب إلى علي يسأله ذلك، فلما أتى عليا كتاب معاوية عرف أنها خدعة منه. كتاب علي إلى جرير بن عبد الله قال: وذكروا أن عليا كتب إلى جرير: أما بعد، فإن، معاوية إنما أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحب، وقد كان المغيرة بن شعبة أشار على وأنا بالمدينة أن أستعمله على الشام، فأبيت ذلك عليه، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل، وإلا فأقبل.


(1) انتظر على حتى أتروى في الامر. (*)

[ 87 ]

استشارة عمرو بن العاص ابنيه ومواليه قال: وذكروا أنه لما انتهى إلى عمرو بن العاص كتاب معاوية وهو بفلسطين، استشار ابنيه عبد الله ومحمدا، وقال: يا ابني، إنه قد كان مني في أمر عثمان فلتات لم أستقبلها بعد، وقد كان من هروبي بنفسي حين ظننت أنه مقتول ما قد احتمله معاوية عني، وقد قدم على معاوية جرير ببيعة علي، وقد كتب إلي معاوية بالقدوم عليه، فما تريان ؟ فقال عبد الله وهو الاكبر: أرى والله أن نبي الله قبض وهو عنك راض، والخليفتان من بعده كذلك. وقتل عثمان وأنت غائب، فأقم في منزلك، فلست مجعولا خليفة، ولا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة، أوشكتما أن تهلكا فتستويا فيها جميعا. وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش، وصاحب أمرها، فإن ينصرم هذا الامر وأنت فيه غافل، يصغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام، واطلب بدم عثمان، فإنك به تستميل إلى بني أمية. فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني، أما أنت يا محمد فقد أمرتني بما هو خير لي في دنياي. ثم دعا غلاما له يقال له وردان، وكان داهيا، فقال له عمرو: يا وردان احطط، يا وردان ارحل، يا وردان احطط، يا وردان ارحل. فقال وردان: أما إنك إن شئت نبأتك بما في نفسك، فقال عمرو: هات يا وردان، فقال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت مع علي الآخرة بلا دنيا، ومع معاوية الدنيا بغير آخرة، فأنت واقف بينهما. فقال عمرو: أخطأت ما في نفسي، فما ترى يا وردان ؟ فقال: أرى أن تقيم في منزلك، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك، فقال عمرو: الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية ؟ قدوم عمرو إلى معاوية قال: وذكروا أن عمرو بن العاص لما قدم إلى معاوية، وعرف حاجته إليه باعده من نفسه، وكايد كل واحد منهما صاحبه، فقال عمرو لمعاوية: أعطني مصر، فتلكأ معاوية وقال: ألم تعلم أن مصر كالشام ؟ قال: بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق. وقد بعث أهلها بطاعتهم إلى علي. فدخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية، فقال: أما ترضى أن تشترى عمرا بمصر إن هي صفت لك ؟ ليتك لا تغلب على الشام. فلما سمع معاوية قول عتبة بعث إلى عمرو، فأعطاه مصر، ولما كتب معاوية لعمرو بمصر، كتب في أسفل الكتاب: ولا ينقض شرط طاعة. وكتب عمرو، ولا تنقض طاعة

[ 88 ]

شرطا، وكايد كل واحد منهما صاحبه، وكان مع عمرو بن العاص ابن أخ له، جاءه من مصر، فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا به، عجب ابن أخيه من سروره، فقال: يا عمرو ألا تخبرني بأي رأى تعيش في قريش وقد أعطيت دينك غيرك ؟ أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي ؟ أو تراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذك بالجدل الذي قدمه ؟ فقال عمرو: يا بن أخي. إنه لامر الله دون معاوية وعلي. يا بن أخي لو كنت مع علي وسعني بيتي، ولكني مع معاوية. فقال: الفتى إنك لم ترد معاوية، ولكنك تريد دنياه، ويريد دينك. فبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب، فلحق بعلي، وحدث عليا بأمر معاوية وعمرو، وما قاله، فسر على بذلك، وقربه. مشورة معاوية عمرا رضى الله عنهما قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو: يا أبا عبد الله، طرقتني في ليلتي هذه ثلاثة أخبار، ليس لي فيها ورد ولا صدر، منها أن ابن أبي حذيفة كسر سجن مصر، ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام، ومنها أن عليا قد تهيأ للمجئ إلينا، فما عندك ؟ قال عمرو: كل هذا عظيم: أما ابن أبي حذيفة فخرج في أشباهه من الناس، فإن تبعث إليه رجلا يقتله، وإن يقتل فلا يضرك: وأما قيصر فأهد له من وصائف الروم ومن الذهب والفضة، واطلب إليه الموادعة، تجده إليها سريعا: وأما علي فو الله إن له في الحرب لحظا ما هو لاحد من الناس، وإنه لصاحب الامر. قال معاوية: صدقت، ولكني أقاتله على ما بأيدينا، ونلزمه دم عثمان: فقال عمرو: واسوأتاه، إن أحق الناس ألا يذكر عثمان لانا ولانت. قال معاوية: ولم ؟ فقال عمرو: أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام، واستغاثك فأبطأت عليه، وأما أنا فتركته عيانا، وهربت إلى فلسطين. قال معاوية: دعني من هذا، هلم فبايعني. فقال عمرو: لا والله لا أعطيك من دينى حتى آخذ من دنياك، قال معاوية: صدقت، سل تعط، قال عمرو: مصر طعمة. فغضب مروان بن الحكم، وقال: ما بالي لا أشترى، فقال معاوية: اسكت يا بن عم، فإنما يشترى لك الرجال. فكتب معاوية لعمرو: مصر طعمة. كتاب معاوية إلى أهل مكة والمدينة وجوابهما قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو: إني أريد أن أكتب إلى أهل مكة والمدينة كتابا أذكر فيه قتل عثمان، فإما أن ندرك به حاجتنا، أو نكفهم عن المسير. فقال له عمرو: إلى من تكتب ؟ قال: إلى ثلاثة نفر: رجل لعلى لا يريد غيره، ولا يزيده كتابنا فيه إلا بصيرة، أو رجل يهوى عثمان، فلا يزيده على ما هو عليه، أو رجل معتزل لا يريد القتال:

[ 89 ]

قال عمرو: على ذلك ؟ قال: نعم. قال: اكتب، فكتب إلى أهل مكة والمدينة: أما بعد، فإنه مهما غاب عنا فإنه لم يفت علينا أن عليا قتل عثمان، والدليل على ذلك أن قتلته عنده، وإنما نطلب بدمه حتى يدفع إلينا قتله، فنقتلهم بكتاب الله تعالى، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه، وجعلناها شورى بين المسلمين، على ما جعلها عمر بن الخطاب، فأما الخلافة فلسنا نطلبها، فأعينونا يرحمكم الله، وانهضوا من ناحيتكم. جوابهما قال: وذكروا أنه لما قرأ عليهم كتابه اجتمع رأيهم على أن يسندوا أمرهم إلى المسور بن مخرمة، فجاوب عنهم، فكتب إليه: أما بعد، فإنك أخطأت خطأ عظيما، وأخطأت مواضع النصرة، وتناولتها من مكان بعيد، وما أنت والخلافة يا معاوية، وأنت طليق (1)، وأبوك من الاحزاب (2). فكف عنا، فليس لك قبلنا ولي ولا نصير. كتاب معاوية إلى ابن عمر قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى ابن عمر كتابا خاصا، دون كتابه إلى أهل المدينة: أما بعد، فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلى أن يجتمع الناس عليه منك بعد عثمان، فذكرت خذلك إياه، وطعنك على أنصاره، فتغيرت لك، وقد هون ذلك علي خلافك على علي، وطعنك عليه، وردني إليك بعض ما كان منك، فأعنا يرحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم، فإني لست أريد الامارة عليك، ولكني أريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين. جوابه فكتب إليه عبد الله بن عمر: أما بعد، فإن الرأي الذي أطمعك في هذا هو الذي صيرك إلى ما صيرك. تركت عليا في المهاجرين والانصار، وتركت طلحة والزبير وعائشة، وأتبعك فيمن اتبعك ؟ ! (3) وأما قولك إني طعنت على علي فلعمري ما أنا كعلي في الاسلام والهجرة،


(1) طليق: يعنى من الطلقاء الذين قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة اذهبوا فأنتم الطلقاء. (2) وأبوك من الاحزاب: يعنى أن أباه كان من المشركين الذين حاصروا المدينة في غزوة الاحزاب. (3) استفهام إرنكاري يعنى لا أتبعك. (*)

[ 90 ]

ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أحدث أمرا لم يكن إلينا فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، ففزعت إلى الوقوف، وقلت: إن كان هذا فضلا تركته، وإن كان ضلالة فشر منه نجوت، فإغن عني نفسك. كتاب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أما بعد، فإن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى، والذين أثبتوا حقه، واختاروه على غيره، وقد نصره طلحة والزبير، وهما شريكاك في الامر والشورى، ونظيراك في الاسلام، وخفت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهن ما رضوا، ولا تردن ما قبلوا، فإنما نردها شورى بين المسلمين. جواب سعد ابن أبى وقاص لمعاوية قال: وذكروا أن سعدا كتب إليه، أما بعد، فإن أهل الشورى ليس منهم أحق بها من صاحبه، غير أن عليا كان من السابقة، ولم يكن فينا ما فيه، فشاركنا في مخاسننا، ولم نشاركه في محاسنه، وكان أحقنا كلنا بالخلافة، ولكن مقادير الله تعالى التى صرفتها عنه، حيث شاء لعلمه وقدره. وقد علمنا أنه أحق بها منا، ولكن لم يكن بد من الكلام في ذلك والتشاجر، فدع ذا. وأما أمرك يا معاوية، فإنه أمر كرهنا أوله وآخره. وأما طلحة والزيبر فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما. والله تعالى يغفر لعائشة أم المؤمنين. كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة الانصاري وكان فارس الانصاري رضى الله عنهم، وذا النجدة فيهم: أما يعد، فإني لم أكتب إليك وأنا أرجو مبايعتك، ولكني أذكرك النعمة التي خرجت منها، إنك كنت فارس الانصار، وعدة المهاجرين، فادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا لم تستطع فيه الامضاء، فهذا أعنى، وعن قتال أهل الصلاة. فهلا نهيت أهل الصلاة عن قتل بعضهم بعضا ؟ أو ترى أن عثمان وأهل الدار ليسوا بمسلمين ؟ وأما قومك الانصار فقد عصوا الله تعالى، وخذلوا عثمان، وسائلهم وسائلك الله تعالى عن الذي كان يوم القيامة.

[ 91 ]

جوابه قال: وذكروا أن محمد بن مسلمة كتب إليه: أما بعد، فقد اعتزل هذا الامر من ليس في يده من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي في يدي، وقد أخبرت بالذي هو كائن قبل أن يكون، فلما كان كسرت سيفي، ولزمت بيتي، واتهمت الرأي على الدين، إذ لم يصح لي معروف آمر به، ولا منكر أنهى عنه، ولعمري يا معاوية ما طلبت إلا الدنيا، ولا اتبعت إلا الهوى، ولئن كنت نصرت عثمان ميتا، لقد خذلته حيا، ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والانصار أولى بالصواب. قال: فلما أجاب القوم معاوية بما أجابوه، من الخلاف إلى ما دعاهم إليه قال له عمرو: كيف رأيت يا معاوية رأيى ورأيك، أخبرتك بالامر قبل أن يقع، قال معاوية: رجوت ما خفت. كتاب معاوية إلى علي رضى الله عنه قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى علي. أما بعد، فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان، كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الانصار، فأطاعك الجاهل، وقوى بك الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك، حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإذا دفعتهم كانت شورى بين المسلمين، وقد كان أهل الحجاز الحكام على الناس وفي أيديهم الحق، فلما تركوه صار الحق في أيدي أهل الشام، ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، ولا حجتك على طلحة والزبير، لان أهل البصرة بايعوك، ولم يبايعك أحد من أهل الشام، وإن طلحة والزبير بايعاك ولم أبايعك. وأما فضلك الاسلام، وقرابتك من النبي عليه الصلاة والسلام، فلعمري ما أدفعه ولا أنكره. جواب علي إلى معاوية قالوا: فكتب إليه علي: أما بعد، فقد جاءني منك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه، ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده فاستقاده. زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على الضلال، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فليزمني خطيئة عثمان، ولا قتلت فيلزمني قصاص القاتل. أما قولك إن أهل الشام هم الحكام على الناس، فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى، أو تحل له الخلافة، فإن سميت كذبك

[ 92 ]

المهاجرون والانصار، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز. وأما قولك ندفع إليك قتلة عثمان فما أنت وعثمان ؟ إنما أنت رجل من بني أمية، وبنو عثمان أولى بعثمان منك، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك، فادخل في الطاعة، ثم حاكم القوم إلي، وأما تمييزك بين الشام والبصرة وذكرك طلحة والزبير، فلعمري ما الامر إلا واحد، إنها بيعة عامة، لا ينثني عنها البصير، ولا يستأنف فيها الخيار، وأما ولوعك بي في أمر عثمان، فو الله ما قلت ذلك عن حق العيان ولا عن يقين الخبر، وأما فضلي في الاسلام، وقرابتي من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وشرفي في قريش، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته. قدوم عبيد الله بن عمر على معاوية قال: وذكروا أن عبيد الله بن عمر قدم على معاوية الشام، فسر به سرورا شديدا وسر به أهل الشام، وكان أشد قريش سرورا به عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو: ما منع عبد الله أن يكون كعبيد الله ؟ فضحك عمرو، وقال: شبهت غير شبيه، إنما أتاك عبيد الله مخافة أن يقتله علي بقتله الهرمزان، ورأى عبد الله ألا يكون عليك ولا لك، ولو كان معك لنفعك أو عليك لضرك. تعبئة معاوية أهل الشام لقتال علي قال: وذكروا أن معاوية بعث إلى رؤساء أهل الشام، فجمعهم ثم قال: أنتم أهل الفضل، فليقم كل رجل منكم يتكلم، فقام رجل فقال: أما والله لو شهدنا أمر عثمان، فعرفنا قتلته بأعيانهم لا استغنينا عن إخبار الناس، ولكنا نصدقك على ما غاب عنا، وإن أبغض الناس إلينا من يقاتل علي بن أبي طالب لقدمه في الاسلام، وعلمه بالحرب. ثم قام حوشب فقال: والله ما إياك ننصر، ولا لك نغضب، ولا عنك نحامي، ما ننصر إلا الله: ولا نغضب إلا للخليفة، ولا نحامي إلا عن الشام، فلف الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، وقد دعونا قومنا إلى ما دعوتنا إليه أمس، وأمرناهم بما أمرتنا به، فجعلوك بيننا وبين الله، ونحن بينك وبينهم، فمرنا بما تحب، وانهنا عما تكره. قال: فلما عزم معاوية على المسير إلى صفين، عبأ أهل الشام، فجعل على مقدمته أبا الاعور

[ 93 ]

السلمي، وعلى ساقته بسر بن ارطأة، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر، ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى الميمنة يزيد العبسي، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو ابن العاص، ثم قال: يا أهل الشام، إنكم قد سرتم لتمنعوا الشام، وتأخذوا العراق، ولعمري ما للشام رجال العراق وأموالها، ولا لاهل العراق بصر أهل الشام ولا بصائرهم، مع أن القوم بعدهم غيرهم مثلهم، وليس بعدكم غيركم، فإن غلبتموهم فلم تغلبوا إلا من قد أتاكم، وإن غلبوكم عاقبوا من بعدكم، والقوم لاقوكم ببصائر أهل الحجاز، ورقة أهل اليمن، وقسوة أهل مصر، وكيد أهل العراق، وإنما يبصر غدا من أبصر اليوم، فاستعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين. ثم سار معاوية في ثلاثة آلاف وثمانين ألفا، حتى نزل بصفين، وذلك في نصف محرم، وسبق إلى سهولة الارض، وسعة المناخ، وقرب الفرات، وكتب إلى علي يخبره بمسيره. تعبئة أهل العراق للقتال قال: وذكروا أن عليا لما بلغه تأهب معاوية قال: أيها الناس، إنما بايع معاوية أهل الشام، وليس له غيرهم ولي ولا نصير، وإنكم أهل الحجاز، وأهل العراق، وأهل اليمن، وأهل مصر، وقد جعل القوم معاوية بينهم وبين الله، وليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، وقد وادع القوم الروم، فإن غلبتموهم استعانوا بهم، ولحقوا بأرضهم، وإن غلبوكم فالغاية الموت، والمفر إلى الله العزيز الحكيم. وقد زعم معاوية أن أهل الشام أهل صبر ونصر، ولعمري لانتم أولى بذلك منهم، لانكم المهاجرون والانصار والتابعون بإحسان، وإنما الصبر اليوم، والنصر غدا. قال: فجد الناس ونشطوا وتأهبوا، فسار علي بالناس من الكوفة في مئة ألف وتسعين ألفا، فجعل على المقدمة الاشتر النخعي، وعلى ساقته شريح ابن هانئ، وعلى المهاجرين والانصار محمد بن أبي بكر، وعلى أهل البصرة عبد الله بن عباس، وعلى الكوفة عبد الله بن جعفر، وعلى جماعة الخيل عمار بن ياسر، وعلى القلب الحسن بن علي، وسار علي حتى نزل صفين، وقد سبقه معاوية إلى سهولة الارض. وسعة المناخ، وقرب الفرات.

[ 94 ]

منع معاوية الماء من أصحاب علي قال: وذكروا أنه لما نزل معاوية بصفين، بعث أبا الاعور بمن معه، ليحولوا بينهم وبين الفرات، وأن أهل العراق لما نزلوا بعثوا غلمانهم ليستقوا لهم من الفرات، فحالت خيل معاوية بينهم وبين الماء، فانصرفوا، فساروا إلى علي، فأخبروه فقال علي للاشعث: اذهب إلى معاوية، فقل له: إن الذي جئنا له غير الماء، ولو سبقناك إليه لم نحل بينك وبينه، فإن شئت خليت عن الماء، وإن شئت تناجزنا عليه وتركنا ما جئنا له. فانطلق الاشعث إلى معاوية، فقال له إنك تمنعنا الماء وايم الله لنشربنه، فمرهم يكفوا عنه قبل أن نغلب عليه، والله لا نموت عطشا وسيوفنا على رقابنا. فقال معاوية لاصحابه: ما ترون ؟ فقال رجل منهم: نرى أن نقتلهم عطشا، كما قتلوا عثمان ظلما. فقال عمرو بن العاص: لا تظن يا معاوية أن عليا يظمأ وأعنة الخيل بيده، وهو ينظر إلى الفرات، حتى يشرب أو يموت دونه، خل عن القوم يشربوا. فقال معاوية: هذا والله أول الظفر، لا سقاني الله من حوض الرسول إن شربوا منه، حتى يغلبوني عليه. فقال عمرو: وهذا أول الجور، أما تعلم أن فيهم العبد والاجير والضعيف ومن لا ذنب له ؟ لقد شجعت الجبان، وحملت من لا يريد قتالك على قتالك. غلبة أصحاب علي على الماء قال: وذكروا أن معاوية لما غلب على الماء اغتم علي لما فيه الناس من العطش، فخرج ليلا والناس يشكون بعضهم إلى بعض، مخافة أن يغلب أهل الشام على الماء، فقال الاشعث: يا أمير المؤمنين، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا السيوف ؟ خل عنا وعن القوم، فو الله لا أرجع إليك حتى أرده، أو أموت دونه، وأمر الاشتر أن يعلو الفرات في الخيل، حتى آمره بأمري. فقال علي: ذلك لك. فانصرف الاشعث، فنادى في الناس: من كان يريد الماء فميعاده الصبح، فإني ناهض إلى الماء، فأجابه بشر كثير، فتقدم الاشعث في الرجالة، والاشتر في الخيل، حتى وقفا على الفرات، فلم يزل الاشعث في الرجالة يمضى، حتى خالط القوم، ثم حسر عن رأسه، فنادى: أنا الاشعث بن قيس، خلوا عن الماء. فقال أبو الاعور: أما والله قبل أن تأخذنا وإياكم السيوف فلا. فقال الاشعث: أظنها والله قد دنت منا ومنكم. قال: وبعث الاشعث إلى الاشتر أن أقحم الخيل، فأقحمها الاشتر، حتى وضع سنابكها في الفرات، وحمل الاشتر في الرجالة، فأخذت القوم السيوف فانكشف أبو الاعور وأصحابه، وبعث الاشتر إلى علي: هلم يا أمير المؤمنين، قد غلب الله لك على الماء، فلما غلب أهل العراق على

[ 95 ]

الماء، شمت عمرو بن العاص بمعاوية، وقال: يا معاوية، ما ظنك إن منعك على الماء اليوم كما منعته أمس ؟ أتراك ضاربهم كما ضربوك ؟ فقال: دع ما مضى عنك فإن عليا لا يستحل منك ما استحللت منه، وإن الذي جاء له غير الماء. دعاء علي معاوية إلى البراز قال: وذكروا أن الناس مكثوا بصفين أربعين ليلة: يغدون إلى القتال ويروحون، فأما القتال الذي كان فيه الفناء فثلاثة أيام. فلما رأى علي كثرة القتال والقتل في الناس، برز يوما من الايام ومعاوية فوق التل، فنادى بأعلى صوته: يا معاوية فأجابه فقال: ما تشاء يا أبا الحسن ؟ قال علي، علام يقتتل الناس ويذهبون ؟ على ملك إن نلته كان لك دونهم ؟ وإن نلته أنا كان لي دونهم ؟ ابرز إلي ودع الناس، فيكون الامر لمن غلب. قال عمرو بن العاص أنصفك الرجل يا معاوية. فضحك معاوية وقال، طمعت فيها يا عمرو، فقال عمرو، والله ما أراه يجمل بك إلا أن تبارزه. فقال معاوية، ما أراك إلا مازحا، نلقاه بجمعنا. براز عمرو بن العاص لعلي قال: وذكروا أن عمرا قال لمعاوية: أتجبن عن علي، وتتهمني في نصيحتي إليك ؟ والله لابارزن عليا ولو مت ألف موتة في أول لقائه. فبارزه عمرو، فطعنه علي فصرعه، فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي، وولى بوجهه دونه. وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد، حياء وتكرما، وتنزها عما لا يحل ولا يجمل بمثله، كرم الله وجهه. قطع الميرة عن أهل الشام قال: وذكروا أن عليا دعا زحر بن قيس، فقال له: سر في بعض هذه الخيل إلى القطقطانة (1)، فاقطع الميرة عن معاوية، ولا تقتل إلا من يحل لك قتله، وضع السيف موضعه، فبلغ ذلك معاوية، فدعا الضحاك بن قيس، فأمره أن يلقى زحر بن قيس فيقاتله، فسار الضحاك فلقيه زحر فهزمه، وقتل من أصحابه، وقطع الميرة عن أهل الشام، ورجع الضحاك إلى معاوية منهزما، فجمع معاوية الناس، فقال: أتاني خبر من ناحية من نواحي،


(1) القطقطانة: بضم القافين موضع بالكوفة. (*)

[ 96 ]

أمر شديد، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لسنا في شئ مما أتاك، إنما علينا السمع والطاعة، وبلغ عليا قول معاوية وقول أهل الشام، فأراد أن يعلم ما رأى أهل العراق، فجمعهم، فقال: أيها الناس إنه أتاني خبر من ناحية من نواحي. فقال ابن الكواء وأصحابه: إن لنا في كل أمر رأيا، فما أتاك فأطلعنا عليه، حتى نشير عليك. فبكى علي، ثم قال ظفر والله ابن هند باجتماع أهل الشام له، واختلافكم على، والله ليغلبن باطله حقكم، إنما أتاني أن زحر بن قيس ظفر بالضحاك، وقطع الميرة: وأتى معاوية هزيمة صاحبه، فقال: يا أهل الشام، إنه أتاني أمر شديد، فقلدوه أمرهم، واختلفتم على. فقام قيس بن سعد، فقال: أما والله لنحن كنا أولى بالتسليم من أهل الشام. قدوم أبي هريرة وأبي الدرداء على معاوية وعلى قال: وذكروا أن أبا هريرة وأبا الدرداء قدما على معاوية من حمص، وهو بصفين، فوعظاه وقالا له: يا معاوية، علام تقاتل عليا وهو أحق بهذا الامر منك في الفضل والسابقة ؟ لانه رجل من المهاجرين الاولين، السابقين بإحسان، وأنت طليق، وأبوك من الاحزاب. أما والله ما نقول لك أن تكون العراق أحب إلينا من الشام، ولكن البقاء أحب إلينا من الفناء، والصلاح أحب إلينا من الفساد. فقال معاوية: لست أزعم أني أولى بهذا الامر من علي، ولكني أقاتله حتى يدفع إلي قتلة عثمان. فقالا: إذا دفعهم إليك ماذا يكون ؟ قال: أكون رجلا من المسلمين. فأتيا عليا، فإن دفع إليكما قتلة عثمان جعلتها شورى. فقدما على عسكر علي، فأتاهما الاشتر، فقال: يا هذان إنه لم ينزلكما الشام حب معاوية، وقد زعمتما أنه يطلب قتلة عثمان، فعمن أخذتما ذلك فقبلتماه ؟ أعمن قتله فصدقتموهم على الذنب، كما صدقتموهم على القتل ؟ أم عمن نصره، فلا شهادة لمن جر إلى نفسه، أم عمن اعتزلوا، إذ علموا ذنب عثمان وقد علموا ما الحكم في قتله ؟ أم عن معاوية وقد زعم أن عليا قتله ؟ اتقيا الله، فإننا شهدنا وغبتما، ونحن الحكام على من غاب. فانصرفا ذلك اليوم، فلما أصبحا أتيا عليا، فقالا له: إن لك فضلا لا يدفع، وقد سرت مسير فتى إلى سفيه من السفهاء، ومعاوية يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان، فإن فعلت ثم قاتلك كنا معك. قال علي: أتعرفانهم ؟ قالا: نعم. قالا: فخذ اهم، فأتيا محمد بن ؟ بي بكر، وعمار بن ياسر، والاشتر، فقالا: أنتم من قتلة عثمان وقد أمرنا بأخذكم، فخرج إليهما أكثر من عشرة آلاف رجل، فقالوا نحن قتلنا عثمان، فقالا: نرى أمرا شديدا ألبس علينا الرجل. وإن أبا هريرة وأبا الدرداء انصرفا إلى منزلهما بحمص، فلما قدما حمص لقيهما عبد الرحمن بن عثمان، فسألهما عن مسيرهما، فقصا عليه

[ 97 ]

القصة، فقال: العجب منكما أنكما من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما والله لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما، أتأتيان عليا وتطلبان إليه قتلة عثمان وقد علمتما أن المهاجرين والانصار لو حرموا دم عثمان نصروه، وبايعوا عليا على قتلته، فهل فعلوا ؟ وأعجب من ذلك رغبتكما عما صنعوا، وقولكما: لعلي اجعلها شورى، واخلعها من عنقك، وإنكما لتعلمان أن من رضى بعلي خير ممن كرهه، وأن من بايعه خير ممن لم يبايعه، ثم صرتما رسولي رجل من الطلقاء، لا تحل له الخلافة، ففشا قوله وقولهما، فهم معاوية بقتله، ثم راقب فيه عشيرته. وقوع عمرو بن العاص في علي وذكروا أن رجلا من همذان يقال له برد قدم على معاوية، فسمع عمرا يقع في علي، فقال له: يا عمرو، إن أشياخنا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فحق ذلك أم باطل ؟ فقال عمرو: حق، وأنا أزيدك أنه ليس أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب علي، ففزع الفتى، فقال عمرو: إنه أفسدها بأمره في عثمان، فقال برد: هل أمر أو قتل ؟ قال: لا، ولكنه آوى ومنع. قال: فهل بايعه الناس عليها ؟ قال: نعم. قال: فما أخرجك من بيعته ؟ قال: اتهامى إياه في عثمان. قال له: وأنت أيضا قد اتهمت، قال: صدقت فيها خرجت إلى فلسطين، فرجع الفتى إلى قومه فقال: إنا أتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم. على على الحق فاتبعوه. كتاب معاوية إلى أبى أيوب الانصاري قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى أبى أيوب الانصاري، وكان أشد الانصار على معاوية: أما بعد، فإنى ناسيتك ما لا تنسى الشيباء. فلما قرأ كتابه أتى به عليا، فأقرأه إياه. قال على: يعنى بالشيباء المرأة الشمطاء لا تنسى ثكل ابنها، فأنا لا أنسى قتل عثمان. فكتب إليه أبو أيوب: إنه لا تنسى الشيباء ثكل ولدها، وضربتها مثلا لقتل عثمان، فما نحن وقتلة عثمان ؟ إن الذى تربص بعثمان، وثبط أهل الشام عن نصرته لانت، وإن الذين قتلوه غير الانصار، والسلام. ما خاطب به النعمان بن بشير قيس بن سعد قال: وذكروا أن النعمان بن بشير الانصاري وقف بين الصفين، فقال: يا قيس بن سعد، أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضى لنفسه، إنكم يا معشر الانصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلكم أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان

[ 98 ]

خذلتم عليا، كان هذا بهذا، ولكنكم خذلتم حقا، ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس، حتى أشعلتم الحرب، ودعوتم إلى البراز، فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعا إلى برازكم، غير أنكاس عن حربكم، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد والله أخلفتموه، وهان عليكم بأسكم، وما كنتم لتخلوا به أنفسكم، من شدتكم في الحرب، وقدرتكم على عدوكم، وقد أصبحتم إذلاء على أهل أهل الشام، لا يرون حربكم شيئا، وأنتم أكثر منهم عدد ومددا، وقد والله كاثروكم بالقلة، فكيف لو كانوا مثلكم في الكثرة ؟ والله لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدا، إلا أن يكون معكم أهل الشام، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم، ونحن أحسن بقية، وأقرب إلى الظفر، فاتقوا الله في البقية. فضحك قيس وقال: والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام، أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش لنفسه، المبطل فيم انتصح غيره، أما ذكرك عثمان فإن كان الايجاز يكفيك فخذه، قتل عثمان من لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك، وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث، وأما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الانصار، وأما قولك: إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. ولكن انظر يا نعمان: هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا، أو يمانيا مستدرجا ؟ وانظر أين المهاجرون والانصار، والتابعون بإحسان، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه ؟ ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك، ولستما والله بدريين، ولا عقبيين (1)، ولا لكما سابقة في الاسلام، ولا آية في القرآن. كتاب عمرو إلى ابن عباس قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو بن العاص: إن رأس أهل العراق مع على عبد الله ابن عباس، فلو ألقيت إليه كتابا ترفق فيه، فإن قال شيئا لم يخرج منه على، وقد أكلتنا هذه الحرب، ولا أرانا نطيق العراق إلا بهلاك الشام. فقال له عمرو: إن ابن عباس لا يخدع، ولو طمعت فيه طمعت في علي. قال معاوية: على ذلك. فكتب عمرو إلى ابن عباس: أما بعد،


(1) أي لم تبايعا بيعة العقبة. (*)

[ 99 ]

فإن الذي نحن وأنت فيه ليس أول أمر قاده البلاء، وساقته العافية، وإنك رأس هذا الجمع بعد علي، فانظر فيما بقى بغير ما مضى، فو الله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياة ولا صبرا. واعلم أن الشام لا تهلك العراق، وأن العراق لا تهلك إلا بهلاك الشام، فما خيرنا بعد أعدادنا منكم ؟ وما خيركم بعد أعدادكم منا ؟ ولسنا نقول: ليت الحرب عادت، ولكنا نقول: ليتها لم تكن. وإن فينا لمن يكره البقاء كما فيكم، وإنما هما ثلاثة: أمير مطاع، أو مأمور مطيع، أو مشاور مأمون. فأما العاصى السفيه فليس بأهل أن يدعى في ثقات أهل الشورى، ولا خواص أهل النجوى. جواب عبد الله بن عباس إلى عمرو بن العاص قال: وذكروا أنه لما انتهى كتاب عمرو إلى ابن عباس، أتى به إلى على، فأقرأه إياه، فقال علي: قاتل الله ابن العاص، أجبه. فكتب إليه: أما بعد، فإني لا أعلم رجلا أقل حياء منك في العرب، إنك مال بك الهوى إلى معاوية، وبعته دينك بالثمن الاوكس، ثم خبطت الناس في عشواء، طمعا في هذا الملك، فلما ترامينا، أعظمت الحرب والرماء إعظام أهل الدين، وأظهرت فيها كراهية أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب، وكسر أهل الدين، فإن كنت تريد الله فدع مصر، وارجع إلى بيتك، فإن هذه حرب ليس فيها معاوية كعلي، بدأها على بالحق، وانتهى فيها إلى العذر، وبدأها معاوية بالبغي، وانتهى فيها إلى السرف، وليس أهل الشام فيها كأهل العراق، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت فيها سواء، أردت الله، وأنت أردت مصر، وقد عرفت الشئ الذي باعدك مني، ولا أعرف الشئ الذي قربك من معاوية، فإن ترد شرا لا تفتنا به، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه. أمر معاوية مروان بحرب الاشتر قال: وذكروا أن معاوية دعا مروان بن الحكم، فقال: يا مروان، إن الاشتر قد غمني، فاخرج بهذه الخيل، فقاتله بها غدا. فقال مروان: ادع لها عمرا، فإنه شعارك دون دثارك. قال معاوية: وأنت نفسي دون وزيري. قال مروان، لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء، وألحقته بي في الحرمان، ولكنك أعطيته ما في يدك، ومنيتني ما في يدي غيرك، فإن غلبت طاب المقام، وإن غلبت خف عليك المهرب. قال معاوية: يغني الله عنك، قال: أما اليوم فلا. فدعا معاوية عمرا، فأمره بأمره، فقال: أما والله لئن فعلت لقد قدمتني كافيا، وأدخلتني ناصحا، وقد غمك القوم في مصر، فإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها، عليها لعنة الله، أما والله يا أمير

[ 100 ]

المؤمنين إن مروان يباعدك منا ويباعدنا منك، ويأبى الله إلا أن يقربنا إليك. كتاب معاوية إلى ابن عباس قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أما بعد، فإنكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم بالمساءة إلى أنصار عثمان، فإن يك ذلك لسلطان بني أمية، فقد ورثها عدي وتيم، وقد وقع من الامر ما قد ترى، وأدالت هذه الحرب بعضنا من بعض، حتى استوينا فيها، فما أطمعكم فينا، وما أيأسكم منا أيأسنا منكم، وقد رجونا غير الذي كان، وخشينا دون ما وقع، ولستم ملاقينا اليوم بأحد من حدكم أمس، وقد منعنا بما كان منا الشام، وقد منعتم بما كان منكم العراق، فاتقوا الله في قريش، فما بقى من رجالها إلا ستة: رجلان بالشام، ورجلان بالعراق، ورجلان بالحجاز، فأما اللذان بالحجاز: فسعد، وعبد الله بن عمر، وأما اللذان بالشام: فأنا، وعمرو، وأما اللذان بالعراق: فعلي وأنت. ومن الستة رجلان ناصبان لك، وآخران واقفان عليك، وأنت رأس هذا الجمع اليوم وغدا، ولو بايع الناس لك بعد عثمان كنا أسرع إليك منا إلى علي. جوابه قال: وذكروا أنه لما أتى كتاب معاوية إلى ابن عباس ضحك، ثم قال: حتى متى يخطب إلى معاوية عقلي ؟ وحتى متى أجمجم له عما في نفسي ؟ فكتب إليه: أما بعد، فقد جاءني كتابك فأما ما ذكرت من سرعتنا بالمساءة إلى أنصار عثمان لسلطان بني أمية، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك، لقد استنصرك فلم تنصره، حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك، وأخو عثمان الوليد بن عقبه (1)، وأما قولك: إنه لم يبق من رجال قريش غير ستة، فما أكثر رجالها، وأحسن بقيتها، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، ولم يخذلنا إلا من خذلك، وأما إغراؤك إيانا بعدي وتيم، فأبو بكر وعمر كانا خيرا منك ومن عثمان، كما أن عليا خير منك، وأما قولك: إنا لن نلقاك إلا بما لقيناك به، فقد بقى لك منا يوم ينسيك ما قبله، وتخاف له ما بعده، وأما قولك: إنه لو بايعني الناس استقمت فقد بايعوا عليا وهو خير مني، فلم تستقم له، وإن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى، فما أنت والخلافة ؟ وأنت طليق الاسلام، وابن رأس الاحزاب، وابن آكلة الاكباد من قتلى بدر (2)


(1) الوليد بن عقبة أخو عثمان من الرضاع. (2) أكلت أمه كبد حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قتله وحشى. (*)

[ 101 ]

خطبة علي كرم الله وجهه قال: وذكروا أن عليا قام خطيبا فقال: أيها الناس، ألا إن هذا القدر ينزل من السماء كقطر المطر، على كل نفس بما كسبت من زيادة أو نقصان، في أهل أو مال، فمن أصابه نقصان في أهل أو مال فلا يغش نفسه، ألا وإنما المال حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لاقوام، وقد دخل في هذا العسكر طمع من معاوية، فضعوا عنكم هم الدنيا بفراقها، وشدة ما اشتد منها، برجاء ما بعدها، فإن نازعتكم أنفسكم إلى غير ذلك فردوها إلى الصبر، ووطنوها على العزاء، فو الله إن أرجى ما أرجوه الرزق من الله، حيث لا نحتسب، وقد فارقكم مصقلة بن هبيرة، فآثر الدنيا على الآخرة، وفارقكم بشر بن أرطاة فأصبح ثقيل الظهر من الدماء، مفتضح البطن من المال، وفارقكم زيد بن عدي بن حاتم، فأصبح يسأل الرجعة. وايم الله لودت رجال مع معاوية أنهم معي، فباعوا الدنيا بالآخرة، ولودت رجال معي أنهم مع معاوية، فباعوا الآخرة بالدنيا. قدوم ابن أبي محجن على معاوية قال: وذكروا أن عبد الله بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية. فقال: يا أمير المؤمنين، إني أتيتك من عند الغبى الجبان البخيل ابن أبي طالب. فقال معاوية: لله أنت ! أتدرى ما قلت ؟ أما قولك الغبي، فو الله لو أن ألسن الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان علي، وأما قولك إنه جبان، فثكلتك أمك، هل رأيت أحدا قط بارزه إلا قتله ؟ وأما قولك إنه بخيل، فو الله لو كان له بيتان أحدهما من تبر والآخر من تبن، لانفد تبره قبل تبنه. فقال الثقفي: فعلام تقاتله إذا ؟ قال: على دم عثمان، وعلى هذا الخاتم، الذى من جعله في يده جادت طينته، وأطعم عياله، وادخر لاهله. فضحك الثقفي ثم لحق بعلي، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي يدي بجرمي، لا دنيا أصبت ولا آخرة. فضحك علي، ثم قال: أنت منها على رأس أمرك، وإنما يأخذ الله العباد بأحد الامرين. رفع أهل الشام المصاحف قال: وذكروا أن أهل العسكرين باتوا بشدة من الالم، ونادى علي أصحابه، فأصبحوا على راياتهم ومصافهم، فلما رآهم معاوية وقد برزوا للقتال، قال لعمرو بن العاص: يا عمرو، ألم تزعم أنك ما وقعت في أمر قط إلا خرجت منه ؟ قال: بلى، قال: أفلا تخرج مما ترى ؟ قال: والله لادعونهم إن شئت إلى أمر أفرق به جمعهم، ويزداد جمعك إليك اجتماعا، إن أعطوكه اختلفوا، وإن منعوكه اختلفوا. قال معاوية: وما ذلك ؟ قال عمروا: تأمر بالمصاحف فترفع ثم تدعوهم إلى ما فيها، فو الله لئن قبله لتفترقن عنه جماعته، ولئن رده ليكفرنه أصحابه. فدعا معاوية

[ 102 ]

بالمصحف، ثم دعا رجلا من أصحابه يقال له ابن هند، فنشره بين الصفين، ثم نادى: الله الله في دمائنا ودمائكم الباقية، بيننا وبينكم كتاب الله. فلما سمع الناس ذلك ثاروا إلى علي، فقالوا: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك إلى كتاب الله، فاقبل منه. ورفع صاحب معاوية المصحف وهو يقول: بيننا وبينكم هذا المصحف، ثم تلا: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون "، ثم نادى من لفارس من الروم ؟ فقال الاشعث: والله لا نأتي هذه أبدا، ونرضى معك، أو نقاتل معك وتابعه أشراف أهل اليمن، وركنوا إلى الصلح، وكرهوا القتال. ما تكلم به عبد الله بن عمرو وأهل العراق قال: وذكروا أن معاوية دعا عبد الله بن عمرو بن العاص، فأمره أن يكلم أهل العراق، فأقبل عبد الله بن عمرو، حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل العراق، أنا عبد الله ابن عمرو بن العاص، إنه قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا، فإن تك للدين، فقد والله أسرفنا وأسرفتم، وإن تك للدنيا فقد والله أعذرنا وأعذرتم، وقد دعوناكم لامر لو دعوتمونا إليه أجبناكم، فإن يجمعنا وإياكم الرضا، فذلك من الله، وإلا فاغتنموا هذه الفرجة، لعل الله أن ينعش بها الحي، وينسى بها القتيل، فإن بقاء المقلد بعد الهالك قليل. فقال علي لسعد بن قيس: أجب الرجل، وقد كان عبد الله بن عمرو قاتل يوم صفين بسيفين، وكان من حجته أن قال: أمرني رسول الله أن أطيع أبي. فتقدم سعد بن قيس، حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل الشام إنه كانت بيننا وبينكم أمور حامينا فيها على الدين والدنيا، وقد دعوتمونا إلى ما قاتلناكم عليه أمس، ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم، ولا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل منه، فإن يحكم فيه بما أنزل الله فالامر في أيدينا، وإلا فنحن نحن، وأنتم أنتم، وإن الناس ثاروا إلى علي عند كلام عبد الله بن عمرو، فقالوا: أجب القوم إلى ما دعوك إليه، فإنا دعونا عثمان إلى ما دعاك القوم إليه، فأبى فقاتلناه. فبعث علي الاشعث إلى أهل الرايات، يأمرهم أن ينقضوها ويرجعوا إلى رحالهم، حتى يبرموا رأيهم. ما خاطب به عتبة بن أبي سفيان الاشعث بن قيس قال: وذكروا أن معاوية دعا عتبة، فقال له: ألن إلى الاشعث كلاما، فإنه إن رضى بالصلح رضيت به العامة، فخرج عتبة حتى إذا وقف بين الصفين نادى الاشعث، فأتاه. فقال عتبة: أيها الرجل، إن معاوية لو كان لاقيا أحدا غيرك وغير علي لقيك، إنك رأس أهل

[ 103 ]

العراق، وسيد أهل اليمن، ومن قد سلف إليه من عثمان ما قد سلف من الصهر والعمل، ولست كأصحابك. أما الاشتر فقتل عثمان، وأما عدي فخصص، وأما سعد بن قيس فقلد عليا دينه، وأما شريح بن هانئ وزحر بن قيس فلا يعرفان غير الهوى، وأما أنت فحاميت عن أهل العراق تكرما، وحاربت أهل الشام حمية وقد والله بلغنا منك ما أردنا، وبلغت منا ما أردت، وإنا لا ندعوك إلى ما لا يكون منك من تركك عليا، ولا نصرة معاوية ولكنا ندعوك إلى البقية، التي فيها صلاحك وصلاحنا. فتكلم الاشعث فقال: يا عتبة، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليا، فلو لقيني ما زاد ولا عظم في عيني، ولا صغرت عنه، ولئن أحب أن أجمع بينه وبين علي لافعلن، وأما قولك: إني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن، فالرأس الامير، والسيد المطاع، وهاتان لعلي، وأما ما سلف إلي من عثمان فو الله ما زادني صهره شرفا، ولا عمله غنى، وأما عيبك أصحابي، فإن هذا الامر لا يقربك مني، وأما محاماتي عن العراق، فمن نزل بيننا حميناه، وأما البقية فلسنا بأحوج منها إليكم. كتاب معاوية إلى علي رضي الله عنهما قال: وذكروا أن عليا أظهر أنه مصبح معاوية للقتال، فبلغ ذلك معاوية ففزع أهل الشام، فانكسروا لذلك، فقال معاوية لعمرو: إني قد رأيت رأيا، أن أعيد إلى علي كتابا أسأله فيه الشام. فضحك عمرو، ثم قال: أين أنت يا معاوية من خدعة علي ؟ فقال معاوية: ألسنا بني عبد مناف ؟ فقال: بلى ولكن لهم النبوة دونكم، فإن شئت أن تكتب فاكتب. فكتب معاوية إلى علي: أما بعد، فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وإن كنا قد غلبنا على عقولنا، فلنا منها ما نذم به ما مضى، ونصلح ما بقى، وقد كنت سألتك ألا يلزمني لك طاعة ولا بيعة، فأبيت ذلك على، فأعطاني الله ما منعت، وإني أدعوك إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف. وقد والله رقت الاجناد، وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف، ليس لبعضنا على بعض فضل، إلا فضل لا يستذل به عزيز، ولا يسترق به حر. جوابه فلما انتهى كتانه إلى علي، دعا كاتبه عبيد الله بن رافع، فقال: اكتب أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض،

[ 104 ]

وأنا وإياك في غاية لم نبلغها بعد، وأما طلبك إلي الشام، فإني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست أمضى على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك: إنا بنو عبد مناف فكذلك، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل، وفي أيدينا فضل النبوة التي قتلنا بها العزيز، وبعنا بها الحر، والسلام. فلما أتى معاوية الكتاب أقرأه عمرا، فشمت به عمرو، ولم يكن أحد أشد تعظيما لعلي من عمرو بن العاص بعد يوم مبارزته، فقال معاوية لعمرو: قد علمت أن إعظامك لعلي لما فضحك، قال عمرو لم يفتضح امرؤ بارز عليا، وإنما افتضح من دعاه إلى البراز فلم يجبه. اختلاف أهل العراق في الموادعة قال: وذكروا أنه لما عظم الامر، واستحر القتال، قال له رأس من أهل العراق: إن هذه الحرب قد أكلتنا، وأذهبت الرجال، والرأى الموادعة. وقال بعضهم: لا بل نقاتلهم اليوم على ما قاتلناهم عليه أمس، وكانت الجماعة قد رضيت الموادعة، وجنحت إلى الصلح والمسالمة. فقام علي خطيبا فقال: أيها الناس، إني لم أزل من أمري على ما أحب حتى قدحتكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم أنهك. وقد كنت بالامس أميرا، فأصحبت اليوم مأمورا، وكنت ناهيا فأصبحت اليوم منهيا، فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون. ما رد كردوس بن هانئ على علي قال وذكروا أن كردوس بن هانئ قام فقال: أيها الناس، إنه والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه، ولا تبرأنا من علي منذ توليناه، وإن قتيلنا لشهيد، وإن حينا لفائز، وإن عليا على بينة من ربه، وما أجاب القوم الا إنصافا، وكل محق منصف، فمن سلم له نجا، ومن خالفه هوى. ما قال سفيان بن ثور قال: وذكروا أن سفيان بن ثور قال: أيها الناس إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله، فردوه علينا، فقاتلناهم، وإنهم دعونا إلى كتاب الله، فإن رددناه عليهم، حل لهم منا ما حل لنا منهم، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ورسوله، وإن عليا ليس بالراجع الناكص، وهو اليوم على ما كان عليه أمس، وقد أكلتنا هذه الحرب، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة.

[ 105 ]

ما قال حريث بن جابر ثم قام حريث بن جابر، فقال: أيها الناس، إن عليا لو كان خلوا من هذا الامر لكان المرجع إليه، فكيف وهو قائده وسابقه ؟ وإنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا الامر الذي دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم كنتم له أعيب ولا يلحد في هذا الامر إلا راجع على عقبيه، أو مستدرج مغرور، وما بيننا وبين من طعن علينا إلا السيف. ما قال خالد بن معمر ثم قام خالد بن معمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا والله ما أخرنا هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا، ولكن قلنا: أحب الامور إلينا ما كفينا مئونته، فأما إذا استغنينا فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك القوم إليه اليوم، إن رأيت ذلك، وإن لم تره فرأيك أفضل. ما قال الحصين بن المنذر ثم قام الحصين بن المنذر، وكان أحدث القوم سنا، فقال: أيها الناس، إنما بنى هذا الدين على التسليم، فلا تدفعوه بالقياس، ولا تهدموه بالشبهة، وإنا والله لو أنا لا نقبل من الامور إلا ما نعرف، لاصبح الحق في الدنيا قليلا، ولو تركنا وما نهوى لاصبح الباطل في أيدينا كثيرا، وإن لنا راعيا قد حمدنا ورده وصدره (1)، وهو المأمون على ما قال وفعل، فإن قال: لا، قلنا: لا، وإن قال: نعم، قلنا: نعم. ما قال عثمان بن حنيف ثم قام عثمان بن حنيف، وكان من صاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عاملا لعلي على البصرة، وكان له فضل، فقال: أيها الناس، اتهموا رأيكم، فقد والله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية يوم أبى جندل وإنا لنريد القتال، إنكارا للصلح، حتى ردنا عنه رسول الله، وإن أهل الشام دعوا إلى كتاب الله اضطرارا. فأجبناهم إليه إعذارا، فلسنا والقوم سواء إنا والله ما عدلنا الحي بالحي، ولا القتيل بالقتيل، ولا الشامي بالعراقي، ولا معاوية بعلي، وإنه لامر منعه غير نافع، وإعطاؤه غير ضائر، وقد كلت البصائر التي كنا


(1) ما يأتي وما يدع. (*)

[ 106 ]

نقاتل بها، وقد حمل الشك اليقين الذى كنا نئول إليه، وذهب الحياء الذى كنا نمارى به، فاستظلوا في هذا الفئ، واسكنوا في هذه العافية، فإن قلتم: نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس، هيهات هيهات، ذهب والله قياس أمس، وجاء غد. فأعجب عليا قوله، وافتخرت به الانصار، ولم يقل أحد بأحسن من مقاتله. ما قال عدي بن حاتم ثم قام عدي بن حاتم، فقال: أيها الناس، إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان، وفي يديه من الله سبب، وإنه وقف عن عثمان بشبهة، وقاتل أهل الجمل على النكث، وأهل الشام على البغي، فانظروا في أموركم وأمره، فإن كان له عليكم فضل، فليس لكم مثله، فسلموا له، وإلا فنازعوا عليه، والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لاعلم الناس بهما، ولئن كان إلى الاسلام إنه لاخو نبي الله، والرأس في الاسلام، ولئن كان إلى الزهد والعبادة، إنه لاظهر الناس زهدا، وأنهكهم (1) عبادة، ولئن كان إلى العقول والنحائز (2)، إنه لاشد الناس عقلا، وأكرمهم نحيزة، ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لاعظم الناس شرفا ونجدة، ولئن كان إلى الرضا، لقد رضى به المهاجرون والانصار في شورى عمر رضى الله عنهم، وبايعوه بعد عثمان، ونصروه على أصحاب الجمل وأهل الشام، فما الفضل الذي قربكم إلى الهدى، وما النقص الذي قربه إلى الضلال، والله لو اجتمعتم جميعا على أمر واحد لاتاح الله له من يقاتل لامر ماض، وكتاب سابق. فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام، ورجع كل من تشعب على علي رضى الله. ما قال عبد الله بن حجل ثم قام عبد الله بن حجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة، كانت عندنا أمرا واحدا، فقبلناها بالتسليم، وهذه مثل تلك الامور، ونحن أولئك أصحابك، وقد أكثر الناس في هذه القضية، وايم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف، وقد أخذت الحرب بأنفاسنا، فلم يبق إلا رجاء ضعيف، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه،


(1) أنهكهم عبادة: أكثرهم عبادة حتى إن عبادته لتشق فتنهك القوى. (2) النحائز: جمع نحيزة وهي الطبيعة. (*)

[ 107 ]

فأنت أولنا إيمانا، وآخرنا بنبي الله عهدا، وهذه سيوفنا على أعناقنا، وقلوبنا بين جوانحنا، وقد أعطيناك بقيتنا، وشرحت بالطاعة صدورنا، ونفذت في جهاد عدوك بصيرتنا، فأنت الوالى المطاع، ونحن الرعية الاتباع، أنت أعلمنا بربنا وأقربنا بنبينا، وخيرنا في ديننا، وأعظمنا حقا فينا، فسدد رأيك نتبعك، واستخر الله تعالى في أمرك، وأعزم عليه برأيك، فأنت الوالى المطاع، قال: فسر علي كرم الله وجهه بقوله، وأثنى خيرا. ثم قام صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين، إنا سبقنا الناس إليك يوم قدوم طلحة والزبير عليك، فدعانا حكيم إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف فأجبناه، فقاتل عدوك، حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس، عبدوا الله حتى كانت أكفهم مثل أكف الابل (1)، وجباههم مثل ركب المعز (2)، فأسر الحي وسلب القتيل، فكنا أول قتيل وأسير، ثم رأيت بلاءنا بصفين، وقد كلت البصائر، وذهب الصبر، وبقى الحق موفورا، وأنت بالغ بهذا حاجتك، والامر إليك، ما أراك الله فمرنا به. ما قال المنذر بن الجارود ثم قام المنذر بن الجارود، فقال يا أمير المؤمنين، إني أرى أمرا لا يدين له الشام إلا بهلاك العراق، ولا يدين له العراق إلا بهلاك الشام، ولقد كنا نرى أن ما زادنا نقصهم، وما نقصنا أضرهم، فإذا في ذلك أمران، فإن رأيت غيره ففينا والله ما يفل (3) به الحد، ويرد به الكلب (4)، وليس لنا معك إيراد ولا صدر (5). ما قال الاحنف بن قيس ثم قام الاحنف بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس بين ماض وواقف، وقائل وساكت، وكل في موضعه حسن، وإنه لو نكل الآخر عن الاول لم يقل شيئا، إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس، ولكنه حق يقضى، ولم نقاتل القوم لنا ولا لك، إنما قاتلناهم لله، فإن


(1) خشنة مثل أخفاف الابل من كثرة العمل. (2) المراد بمثل ركب المعز: أن بها أثرا ظاهرا من كثرة السجود. (3) يفل: يوقف ويصير غير قاطع. (4) الكلب يرده الزجر والضرب. (5) حل ولا عقد، أي ليس لنا معك رأي بل الرأي هو رأيك. (*)

[ 108 ]

حال أمر الله دوننا ودونك فاقبله، فإنك أولى بالحق، وأحقنا بالتوفيق، ولا أرى إلا القتال. ما قال عمير بن عطارد ثم قام عمير بن عطارد فقال: يا أمير المؤمنين، إن طلحة والزبير وعائشة كانوا أحب الناس إلى معاوية، وكانت البصرة أقرب إلينا من الشام، وكان القوم الذين وثبوا عليك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خيرا من الذين وثبوا عليك من أصحاب معاوية اليوم، فو الله ما منعنا ذلك من قتل المحارب، وعيب الواقف، فقاتل القوم إنا معك. ما قال علي رضي الله عنه بعده ثم قام علي خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه قد بلغ بكم وبعدوكم ما قد رأيتم، ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وإن الامور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، وقد صبر لكم القوم على غير دين، حتى بلغوا منكم ما بلغوا، وأنا غاد عليهم بنفسي بالغداة فأحاكمهم بسيفي هذا إلى الله. نداء أهل الشام واستغاثتهم عليا رضى الله عنه قال: فلما بلغ معاوية قول علي دعا عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو إنما هي الليلة، حتى يغدو علينا علي بنفسه، فما ترى ؟ قال عمرو: إن رجالك لا يقومون لرجاله، ولست مثله، أنت تقاتله على أمر، ويقاتلك على غيره، وأنت تريد البقاء، وعلي يريد الفناء، وليس يخاف أهل الشام من علي ما يخاف منك أهل العراق وإن هلكوا، ولكن ادعهم إلى كتاب الله. فإنك تقضى منه حاجتك، قبل أن ينشب مخلبه فيك، فأمر معاوية أهل الشام أن ينادوهم، فنادوا في سواد الليل نداء معه صراخ واستغاثة، يقولون: يا أبا الحسن من لذرارينا من الروم إن قتلتنا ؟ الله الله، البقيا، كتاب الله بيننا وبينكم. فأصبحوا وقد رفعوا المصاحف على الرماح، وقلدوها أعناق الخيل، والناس على راباتهم قد أصبحوا للقتال. ما أشار به عدي بن حاتم فقام عدي بن حاتم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهل الباطل لا تعوق أهل الحق، وقد جزع القوم حين تأهبت للقتال بنفسك، وليس بعد الجزع إلا ما تحب، ناجز القوم.

[ 109 ]

ما قال الاشتر وأشار به ثم قام الاشتر فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدينا. إن معاوية لا خلف له من رجاله، ولكن بحمد الله الخلف لك، ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا نصرتك، فافرج الحديد بالحديد، واستعن بالله. ما قال عمرو بن الحمق ثم قام عمرو بن الحمق، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدنيا، ولا نصرناك على باطل، ما أجبناك إلا لله تعالى، ولا نصرناك إلا للحق، ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا لكثر فيه اللجاج، وطالت له النجوى، وقد بلغ الحق مقطعه، وليس لنا معك رأي. ما قال الاشعث بن قيس ثم قام الاشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس، ولست أدرى كيف يكون غدا. وما القوم الذين كلموك بأحمد لاهل العراق مني، ولا بأوتر لاهل الشام مني، فأجب القوم إلى كتاب الله، فإنك أحق به منهم، وقد أحب الله البقيا. ما قال عبد الرحمن بن الحارث ثم قام عبد الرحمن بن الحارث، فقال: يا أمير المؤمنين، امض لامر الله، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. أحكم بعد حكم ؟ وأمر بعد أمر ؟ مضت دماؤنا ودماؤهم، ومضى حكم الله علينا وعليهم. ما رآه علي كرم الله وجهه قال: فمال علي إلى قول الاشعث بن قيس وأهل اليمن، فأمر رجلا ينادي: إنا قد أجبنا معاوية إلى ما دعانا إليه، فأرسل معاوية إلى علي: إن كتاب الله لا ينطق، ولكن نبعث رجلا منا ورجلا منكم، فيحكمان بما فيه. فقال علي: قد قبلت ذلك. ما قال عمار بن ياسر فلما أظهر على أنه قد قبل ذلك قام عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين، أما والله لقد أخرجها إليك معاوية بيضاء، من أقر بها هلك، ومن أنكرها ملك، مالك يا أبا الحسن ؟

[ 110 ]

شككتنا في ديننا ! ورددتنا على أعقابنا بعد مئة ألف قتلوا منا ومنهم ؟ أفلا كان هذا قبل السيف ؟ وقبل طلحة والزبير وعائشة، قد دعوك إلى ذلك فأبيت، وزعمت أنك أولى بالحق وأن من خالفنا منهم ضال حلال الدم، وقد حكم الله تعالى في هذا الحال ما قد سمعت، فإن كان القوم كفارا مشركين، فليس لنا أن نرفع السيف عنهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، وإن كانوا أهل فتنة فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، والله ما أسلموا، ولا أدوا الجزية، ولا فاءوا إلى أمر الله، ولا طفئت الفتنة، فقال علي: والله إني لهذا الامر كاره. قتل عمار بن ياسر قال: فلما رد علي على عمار أنه كاره للقضية، وأنه ليس من رأيه، نادى عمار: أيها الناس هل من رائح إلى الجنة، فخرج إليه خمس مئة رجل، منهم أبو الهيثم وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، فاستسقى عمار الماء، فأتاه غلام له بإداوة فيها لبن، فلما رآه كبر وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " آخر زادك من الدنيا لبن "، ثم قال عمار: اليوم ألقى الاحبة: محمدا وحزبه. ثم حمل عمار وأصحابه، فالتقى عليه رجلان فقتلاه، وأقبلا برأسه إلى معاوية يتنازعان فيه، كل يقول أنا قتلته، فقال لهما عمرو بن العاص: والله إن تتنازعان إلا في النار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تقتل عمارا الفئة الباغية " فقال معاوية: قبحك الله من شيخ ! فما تزال تتزلق في قولك، أو نحن قتلناه ؟ إنما قتله الذين جاءوا به، ثم التفت إلى أهل الشام فقال: إنما نحن الفئة الباغية ؟ التي تبغى دم عثمان. فلما قتل عمار اختلط الناس، حتى ترك أهل الرايات مراكزهم، وأقحم أهل الشام، وذلك من آخر النهار، وتفرق الناس عن علي، فقال عدي بن حاتم: والله يا أمير المؤمنين ما أبقت هذه الوقعة لنا ولا لهم عميدا، فقاتل حتى يفتح الله تعالى لك، فإن فينا بقية، فقال علي: يا عدي، قتل عمار بن ياسر ؟ قال: نعم، فبكى علي وقال: رحمك الله يا عمار، استوجب الحياة والرزق الكريم، كم تريدون أن يعيش عمار، وقد نيف على التسعين ؟ هزيمة أهل الشام ثم أقبل الاشتر جريحا، فقال: يا أمير المؤمنين، خيل كخيل، ورجال كرجال، ولنا الفضل إلى ساعتنا هذه، فعد مكانك الذى كنت فيه، فإن الناس إنما يطلبونك حيث تركوك. وإن عليا دعا بفرسه التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا ببغلة رسول الله صلى الله

[ 111 ]

عليه وسلم الشهباء، ثم تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم السوداء، ثم نادى: من يبع نفسه اليوم يربح غدا، يوم له ما بعده، وإن عدوكم قد قدح كما قدحتم. فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى إثنى عشر ألفا واضعى سيوفهم على عواتقهم وتقدموا، فحمل علي والناس حملة واحدة، فلم يبق لاهل الشام صف إلا أهمد، حتى أفضى الامر إلى معاوية، وعلي يضرب بسيفه، ولا يستقبل أحدا إلى ولى عنه. فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه، فلما وضع رجله في الركاب نظر إلى عمرو بن العاص، فقال له: يا بن العاص، اليوم صبر، وغدا فخر، قال: صدقت، فترك الركوب، وصبر وصبر القوم معه إلى الليل، فبات الناس يتحارسون، وكرهوا القتال، وهو اليوم الذي فيه البلاء العظيم، يوم قتل عمار، وكل يظن أن الدائرة عليه، وأسرف الفريقان في القتل، ولم يكن في الاسلام بلاء ولا قتل أعظم منه في تلك الثلاثة الايام، وإن عليا نادى بالرحيل في جوف الليل، فلما سمع معاوية رضى الله عنه رغاء الابل، دعا عمرو بن العاص، فقال: ما ترى ها هنا ؟ قال عمرو: أظن الرجل هاربا، فلما أصبحوا إذا علي وأصحابه إلى جانبهم قد خالطوهم، فقال معاوية: كلا، زعمت يا عمرو أنه هارب، فضحك وقال: من فعلاته والله، فعندها أيقن معاوية بالهلكة، ونادي أهل الشام: كتاب الله بيننا وبينكم، ويومئذ استبان ذل أهل الشام، ورفعوا المصاحف، ثم ارتحلوا فاعتصموا بجبل منيف، وصاحوا: لا ترد كتاب الله يا أبا الحسن فإنك أولى به منا، وأحق من أخذ به. ما قال الاشعث بن قيس قال: فأقبل الاشعث بن قيس في أناس كثير من أهل اليمن، فقالوا لعلي: لا ترد ما دعاك القوم إليه، قد أنصفك القوم، والله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك، ولا نرمى معك بسهم ولا حجر، ولا نقف معك موقفا. ما قال القراء قال: فلما سمع علي قول الاشعث ورأى حال الناس قبل القضية، وأجاب إلى الصلح، وقام إلى علي أناس، وهم القراء منهم عبد الله بن وهب الراسبي في أناس كثير قد اخترطوا سيوفهم، ووضعوها على عواتقهم، فقالوا لعلي: اتق الله، فإنك قد أعطيت العهد وأخذته منا، لنفنين أنفسنا أو لنفنين عدونا، أو يفئ إلى أمر الله، وإنا نراك قد ركبت إلى أمر فيه الفرقة والمعصية لله، والذل في الدنيا، فانهض بنا إلى عدونا، فلنحاكمه إلى الله بسيوفنا. حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وهو خير الحاكمين، لا حكومة الناس.

[ 112 ]

ما قال عثمان بن حنيف ثم قام عثمان بن حنيف، فقال: أيها الناس، اتهموا رأيكم، فانا والله قد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو رأينا قتالا قاتلنا وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، فامض على القضية، واتهم هذا الصلح. ما قال الاشتر وقيس بن سعد قال: فأنكرها الاشتر وقيس بن سعد وكانا أشد الناس على علي فيها قولا، فكان الذين عملوا في الصلح الاشعث بن قيس، وعدي بن حاتم وشريح بن هانئ، وعمرو بن الحمق وزحر بن قيس، ومن أهل الشام زيد بن أسد، ومخارق بن الحارث، وحمزة بن مالك. فلما رأى ذلك أبو الاعور قام إلى معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم لم يجيبوا إلى ما دعوناهم إليه حتى لم يجدوا من ذلك بدا وإنهم إن ينصرفوا العام يعودوا في قابل في سنة يبرأ فيها الجريح، وينسى القتيل، وقد أخذت الحرب منا ومنهم، غير أنهم اختلفوا على علي، ولم يختلف عليك أحد والخلاف أشد من القتل، ناجز القوم، فقال بشر بن أرطاة. والله إن الشام خير من العراق لعلي، وما في يدك لك، وما في يد علي لاصحابه دونه، فإن كنت إنما سألت المدة لاعداد العدة، وانتظار المدد، فنعم، وإن كنت سألتها بغض الحرب، وبقيا على أهل الشام، فلا. ذكر الاتفاق على الصلح وارسال الحكمين قال: وذكروا أن معاوية قال لاصحابه حين استقامت المدة، ولم يسم الحكمان: من ترون عليا يختار ؟ فأما نحن فصاحبنا عمرو بن العاص. قال عتبة بن أبي سفيان: أنت أعلم بعلي منا. فقال معاوية: إن لعلي خمسة رجال من ثقاته، منهم عدي بن حاتم، وعبد الله بن عباس، وقيس بن سعد، وشريح بن هانئ، والاحنف بن قيس، وأنا أصفهم لك: أما ابن عباس فإنه لا يقوى عليه، وأما عدي بن حاتم فيرد عمرا سائلا، ويسأله مجيبا، وأما شريح بن هانئ فلا يدع لعمرو حياضا، وأما الاحنف بن قيس فبديهته كرويته، وأما قيس بن سعد فلو كان من قريش بايعته العرب. ومع هذا إن الناس قد ملوا هذه الحرب، ولم يرضوا إلا رجلا له تقية، وكل هؤلاء لا تقية لهم، ولكن انظروا أين أنتم من رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأمنه أهل الشام، وترضى به أهل العراق، فقال عتبة: ذلك أبو موسى الاشعري.

[ 113 ]

اختلاف أهل العراق في الحكمين قال: وذكروا أن عليا لما استقام رأيه على أن يرسل عبد الله بن عباس مع عمرو بن العاص، قام إليه الاشعث بن قيس، وشريح بن هانئ، وعدي ابن حاتم، وقيس بن سعد، ومعهم أبو موسى الاشعري، فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا أبو موسى الاشعري وافد أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب مغانم أبي بكر، وعامل عمر بن الخطاب، وقد عرضنا على القوم ابن عباس فزعموا أنه قريب القرابة منك، ضنين في أمرك، وايم الله لو لقيت به عمرا لاخذ بصره، وغم صدره. ولكن الناس قد رضوا برجل يثق أهل العراق وأهل الشام بتقيته. فتكلم شبيب بن ربعي، فقال إنا والله وإن خفنا على أبي موسى من عمرو ما لا يخافه أهل الشام على عمرو من أبي موسى، فلعل ما خفناه لا يضرنا، ولعل ما رجوا لا ينفعهم، فإن قلت في أبي موسى ضعف فضعفه وتقاه خير من قوة عمرو وفجوره، فأغلق به البلاء، وافتح به العافية. ثم تكلم ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أجبت الله وأجبناك، ولكنا نقول: الله بيننا وبينك، إن كنت تخشى من أبي موسى عجزا فشر من أرسلت الخائن العاجز، ولست تحتاج من عقله إلا إلى حرف واحد، أن لا يجعل حقك لغيرك، فيدرك حاجته منك. ثم قال لابي موسى: اعلم أن معاوية طليق الاسلام، وأن أباه رأس الاحزاب، وأنه ادعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدقك فقد حل خلعه، وإن كذبك فقد حرم عليك كلامه، وإن ادعى أن عمر وعثمان استعملاه، فلقد صدق، استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض، يحميه ما يشتهى، ويوجره (1) ما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة، واعلم أن لعمرو مع كل شئ يسرك خبرا يسوؤك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وأنها بيعة هدى، وأنه لم يقاتل إلا عاصيا أو ناكثا. فقال أبو موسى: رحمك الله، أما والله ما لي إمام غير علي، وإني لواقف عندما رأى، ولرضاء الله تعالى إلى من رضاء الناس، وما أنا وأنت إلا بالله تعالى. ما قال أهل الشام لاهل العراق قال: وذكروا أن أهل الشام قالوا لاهل العراق: أعطونا رجالا نسميهم لكم، يكونوا شهودا على ما يقوله صاحبنا وصاحبكم، بيننا وبينكم صحيفة، فقال علي: سموا من أحببتم،


(1) يوجره: يسقيه، والمراد هنا يحمله على ما يكره. (*)

[ 114 ]

فسموا ابن عباس، والاشعث بن قيس، وزياد بن كعب، وشريح بن هانئ، وعدي بن حاتم. وحجر بن عدي، وعبد الله بن الطفيل. وسفيان بن ثور، وعروة بن عامر، وعبد الله بن حجر، وخالد بن معمر، وطلب أهل العراق من أهل الشام: عتبة بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ويزيد بن أسيد، وأبا الاعور، والحصين بن نمير، وحمزة بن مالك، وبسر بن أرطاة، والنعمان بن بشير، ومخارق بن الحارث. فلما سمى أهل العراق رجال أهل الشام، وسمى أهل الشام رجال أهل العراق، قال معاوية: أين يكون هذان الرجلان ؟ فرضى الناس أن يكونا بدومة الجندل. ما قال الاحنف بن قيس لعلي قال: فلما لم يبق إلا الكتاب، قال الاحنف بن قيس لعلي: يا أمير المؤمنين إن أبا موسى رجل يماني، وقومه مع معاوية، فابعثني معه، فو الله لا يحل لك عقدة إلا عقدت لك أشد منها، فإن قلت: إني لست من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابعث ابن عباس وابعثني معه. ما قال علي كرم الله وجهه فقال علي: إن الانصار والقراء أتوني بأبي موسى، فقالوا: ابعث هذا، فقد رضيناه، ولا نريد سواه، والله بالغ أمره. الاختلاف في كتابة صحيفة الصلح قال: فوضع الناس السلاح، والتقوا بين العسكرين، فلما جئ بالكتاب قال علي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحمن، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية: علام قاتلناك إذا كنت أمير المؤمنين ؟ اكتب: علي ابن أبي طالب. فقال الاشعث: اطرح هذا الاسم فإنه لا يضرك، فضحك علي، ثم قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، حين صده المشركون عن مكة، فقال: يا علي اكتب: هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله ومشركو قريش، فقال سهيل بن عمرو: لقد ظلمناك إذا يا محمد إن قاتلناك وأنت رسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال صلى الله عليه وسلم: اكتب محمد بن عبد الله، وإني رسول الله. وكنت إذا أمرني بشئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعت، وإذا قال مشركو قريش أبطأت به، وإذا كتبت شيئا قال

[ 115 ]

نبي الله، امحها، فتعاظمني ذلك. فدعا بمقراض فقرضه، وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال أبو الاعور: أو معاوية وعلي، فقال الاشعث: لا لعمر الله، ولكن نبدأ بأولهما إيمانا وهجرة، وأدناهما من الغلبة. فقال معاوية: قدموا أو أخروا، تقاضوا على أن عليا ومن معه من شيعته من أهل العراق، ومعاوية ومن معه من أهل الشام، أنا ننزل عند حكم الله وكتابه، من فاتحته إلى خاتمته، ما أحيا القرآن أحييناه، وما أمات القرآن أمتناه، وما لم يجد عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص في القرآن حكما بما يجدان في السنة العادلة، غير المفرقة، وعلى علي ومعاوية، وتبيعتهما وضع السلاح إلى انقضاء هذه المدة، وهي من رمضان إلى رمضان، وعلى أن عبد الله بن قيس وعمرا آمنان على دمائهما وأموالهما وحريمهما والامة على ذلك أنصار، وعليهما مثل الذي أخذا أن يقضيا بما في كتاب الله تعالى، وما لم يجدا في كتاب الله قضيا بما يجدان في السنة، وعليهما أن لا يؤخرا أمرهما عن هذه المدة، فإن أحبا أن يقولا قبل انقضائها، فلهما أن يقولا عن تراض منهما، على أن يرجع أهل العراق إلى العراق، وأهل الشام إلى الشام، فيكون الاجتماع إلى دومة الجندل، فإن رضيا أن يجتمعا بغيرهما فلهما ذلك، ولهما ألا يحضرهما إلا من أحبا، ولا يشهدا إلا من أرادا، وهؤلاء النفر من أهل العراق وأهل الشام ضامنون بالوفاء إلى هذه المدة، فكتب أهل العراق بهذا كتابا لاهل الشام، وكتب أهل الشام كتابا بهذا لاهل العراق، بخط عمرو بن عبادة كاتب معاوية، وشهد شهود أهل الشام على أهل العراق، وشهد شهود أهل العراق على أهل الشام. فلما كتب الكتابان أقبل رجل من بني يشكر، على فرس له أبلق، حتى وقف بين الصفين على علي، فقال: يا علي، أكفر بعد إسلام، ونقض بعد توكيد، وردة بعد معرفة ؟ أنا من صحيفتيكما برئ، وممن أقر بها برئ، ثم حمل على أصحاب معاوية، فطعن فيهم، حتى إذا عطش أتى عسكر على، فاستسقى فسقى، ثم حمل على عسكر علي، فطعن فيهم، حتى إذا عطش أتى عسكر معاوية، فاستسقى فسقى. ما وصى به شريح بن هانئ أبا موسى قال: وذكروا أن شريح بن هانئ أخذ بيد أبي موسى فقال: يا أبا موسى إنك قد نصبت لامر عظيم لا يجبر صدعه، ولا تستقال فلتته، ومهما تقل من شئ لك أو عليك، يثبت حقه، ويزل باطله، إنه لا بقاء لاهل العراق إن ملكها معاوية، ولا بأس بأهل الشام إن ملكها علي، فانظر في ذلك نظر من يعرف هذا الامر حقا.

[ 116 ]

ما وصى به الاحنف بن قيس أبا موسى قال: ثم جاء الاحنف بن قيس، فأخذ بيده، ثم قال: يا أبا موسى، اعرف خطب هذا الامر، واعلم أن له ما بعده، وإنك إن ضيعت العراق، فلا عراق لك، فاتق الله، فإنك تجمع بذلك دنيا وأخرى، وإذا لقيت عمرا غدا فلا تبادره بالسلام، فليس من أهله، ولا تعطه يدك، فإنها أمانة، وإياك أن يقعدك على صدر الفراش، فإنها خدعة، ولا تلقه إلا وحده، وإياك أن يكلمك في بيت فيه مخدع يخبأ لك فيه رجالا، وإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي، فخيره أن يختار أهل العراق من قريش أهل الشام من شاءوا، فإنهم إن يولوا الخيار يختاروا من يريدون، فإن أبى فلتختر أهل الشام من قريش أهل العراق من شاءوا، فإن فعلوا كان الامر بيننا. ما قال معاوية لعمرو قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو: إن أهل العراق أكرهوا عليا على أبى موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وأرجو في دفع هذه الحرب خصالا: قوة لاهل الشام، وفرقة لاهل العراق، وإمدادا لاهل اليمن، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، وله على ذلك دين وفضل، فدعه يقل، فإذا هو قال فاصمت، واعلم أن حسن الرأي زيادة في العقل، إن خوفك العراق فخوفه بالشام، وإن خوفك مصر فخوفه باليمن، وإن خوفك عليا فخوفه بمعاوية، وإن أتاك بالجميل، فأته بالجميل. قال عمرو: يا أمير المؤمنين، أقلل الاهتمام بما قبلي، وارج الله تعالى فيما وجهتني له، إنك من أمرك على مثل حد السيف، لم تنل في حربك ما رجوت، ولم تأمن ما خفت، ونحن نرجو أن يصنع الله تعالى لك خيرا، وقد ذكرت لابي موسى دينا، وإن الدين منصور، أرأيت إن ذكر عليا وجاءنا بالاسلام والهجرة واجتماع الناس عليه، ما أقول ؟ فقال معاوية: قل ما تريد وترى. قال: فانصرف عمرو إلى منزله، فقال لاصحابه: هل ترون ما أراد معاوية من تصغير أبي موسى ؟ قالوا: لا، قال: عرف أني خادعه غدا. ما قال شرحبيل لعمرو قال: وأتى شرحبيل بن السمط إلى عمرو، فقال: يا عمرو، إنك رجل قريش، وإن معاوية لم يبعثك إلا لثقته بك، واعلم أنك لا تؤتي من عجز، وقد علمت أن وطأة هذا الامر لصاحبك ولك، فكن عند ظننا بك.

[ 117 ]

اجتماع أبي موسى وعمرو قال: وذكروا أن أبا موسى وعمرا لما اجتمعا بدومة الجندل، وحضرهما من يليهما من العرب، ليستمعوا قول الرجلين، فلما التقيا استقبل عمرو أبا موسى، فأعطاه يده وضم عمرو أبا موسى إلى صدره، فقال: يا أخي قبح الله أمرا فرق بيننا، ثم أقعد أبا موسى على صدر الفراش، وأقبل عليه بوجهه، والناس مجتمعون، فلم يزالا حتى تفرقا، ومكثا أياما يلتقيان في أمرهما سرا وجهرا، وأقبل الاشعث بن قيس، وكان من أحرص الناس على إتمام الصلح، والراحة من الحرب، فقال: يا هذان، إنا قد كرهنا هذه الحرب، فلا ترداها إلينا، فإنها مرة الرضاع والفطام، فكفاها بما شئتما. ما قال سعيد بن قيس للحكمين قال: فأقبل سعيد بن قيس، وكان من النصحاء لعلي كرم الله وجهه، فقال: أيها الرجلان، إني أراكما قد أبطأتما بهذا الامر حتى أيس القوم منكما، فإن كنتما اجتمعتما على خير فأظهراه، نسمعه ونشهد عليه، وإن كنتما لم تجتمعا رجعنا إلى الحرب. ما قال عدي بن حاتم لعمرو قال: وذكروا أن عديا قال لعمرو: أما والله يا عمرو إنك لغير مأمون الغناء، وإنك يا أبا موسى لغير مأمون الضعف، وما ننتظر بالقول منكما إلا أن تقولا: والله ما لكما مع كتاب الله إيراد ولا صدر. فقال أبو موسى: كفوا عنا فإنا إنما نقول فيما بقي، ولسنا نقول فيما مضى. ما قال عمرو لابي موسى قال: وذكروا أن عمرا غدا على أبي موسى، فقال: يا أبا موسى، قد عرفت حال معاوية في قريش، وشرفه في بني عبد مناف، وأنه ابن هند، وابن أبي سفيان، فما ترى ؟ فقال أبو موسى: أما معاوية فليس بأشرف في قريش من علي، ولو كان هذا الامر على شرف الجاهلية، كان أخوال ذي أصبح، ولكننى أرى وترى، وباعده أبو موسى، ثم غدا عليه

[ 118 ]

عمرو، فقال: يا أبا موسى إن قال قائل: إن معاوية من الطلقاء، وأبوه رأس الاحزاب، لم يبايعه المهاجرون والانصار فقد صدق، وإذا قال إن عليا آوى قتلة عثمان، وقتل أنصاره يوم الجمل، وبرز على أهل الشام بصفين فقد صدق، وفينا وفيكم بقية، وإن عادت الحرب ذهب ما بقى، فهل لك أن تخلعهما جميعا، وتجعل الامر لعبدالله بن عمر، فقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا، وقد علمت من هو مع فضله وزهده وورعه وعلمه، فقال أبو موسى: جزاك الله بنصيحتك خيرا، وكان أبو موسى لا يعدل بعبد الله بن عمر أحدا، لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكانه من أبيه، لفضل عبد الله في نفسه، وافترقا على هذا الامر، واجتمع رأيهما على ذلك. ثم إن عمرا غدا على أبي موسى بالغد، وجماعة الشهود، فقال: يا أبا موسى، ناشدتك الله تعالى، من أحق بهذا الامر ؟ من أوفى، أو من غدر ؟ قال أبو موسى: من أوفى. قال عمرو: يا أبا موسى: نشدتك الله تعالى: ما تقول في عثمان ؟ قال أبو موسى: قتل مظلوما. قال عمرو: فما الحكم فيمن قتل ؟ قال أبو موسى: يقتل بكتاب الله تعالى. قال: فمن يقتله ؟ قال: أولياء عثمان. قال: فإن الله يقول في كتابه العزيز: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ". قال: فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان ؟ قال: نعم. قال عمرو للقوم. اشهدوا. قال أبو موسى للقوم: اشهدوا على ما يقول عمرو. ثم قال أبو موسى لعمرو: قم يا عمرو، فقل وصرح بما اجتمع عليه رأيى ورأيك، وما اتفقنا عليه، فقال عمرو: سبحان الله ! أقوم قبلك وقد قدمك الله قبلي في الايمان والهجرة، وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله، ووافد رسول الله إليهم، وبك هداهم الله، وعرفهم شرائع دينه، وسنة نبيه، وصاحب مغانم أبى بكر وعمر ! ولكن قم أنت فقل، ثم أقوم فأقول. فقام أبو موسى، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه، وإني لا أهلك ديني بصلاح غيري، إن هذه الفتنة قد أكلت العرب، وإني رأيت وعمرا أن نخلع عليا ومعاوية، ونجعلها لعبد الله بن عمر، فانه لم يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا، ثم قام عمرو فقال: أيها الناس، هذا أبو موسى شيخ المسلمين، وحكم أهل العراق ومن لا يبيع الدين بالدنيا، وقد خلع عليا وأنا أثبت معاوية. فقال أبو موسى: مالك ؟ عليك لعنة الله ! ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث ! فقال عمرو: لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا: واختلط الناس، فقالوا: والله لو اجتمعنا على هذا ما حولتمانا عما نحن عليه، وما صلحكما بلازمنا، وإنا اليوم على ما كنا عليه أمس، ولقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع، وما أمات قولكما حقا، ولا أحيا باطلا. ثم تشاتم أبو موسى وعمرو، ثم انصرف عمرو إلى معاوية، ولحق

[ 119 ]

أبو موسى بمكة، وانصرف القوم إلى علي، فقال عدي: أما والله يا أمير المؤمنين، فقد قدمت القرآن، وأخرت الرجال، وجعلت الحكم لله. فقال علي: أما إني قد أخبرتكم أن هذا يكون بالامس، وجهدت أن تبعثوا غير أبي موسى، فأبيتم علي، ولا سبيل إلى حرب القوم حتى تنقضي المدة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قم يا حسن فتكلم في أمر هذين الرجلين: أبى موسى وعمرو. فقام الحسن، فتكلم، فقال: أيها الناس، قد أكثرتم في أمر أبى موسى وعمرو، وانما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى، فحكما بالهوى دون القرآن، فمن كان هكذا لم يكن حكما، ولكنه محكوم عليه، وقد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها لعبدالله ابن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: خالف (يعنى أبا موسى) أباه عمر، إذ لم يرضه لها (1)، ولم يره أهلا لها، وكان أبوه أعلم به من غيره، ولا أدخله في الشورى إلا على أنه لا شئ له فيها، شرطا مشروطا من عمر على أهل الشورى، فهذه واحدة، وثانية: لم تجمع عليه المهاجرون والانصار، الذين يعقدون الامامة، ويحكمون على الناس، وثالثة: يستأمر الرجل في نفسه، ولا علم ما عنده من رد أو قبول. ثم جلس. ثم قال علي لعبد الله بن عباس: قم فتكلم. فقام عبد الله بن عباس، وقال: أيها الناس، إن للحق أناسا أصابوه بالتوفيق والرضا والناس بين راض به، وراغب عنه، وإنما سار أبو موسى بهدى إلى ضلال، وسار عمرو بضلالة إلى هدى، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه، ومضى عمرو على ضلاله، فو الله لو كانا حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه، ولئن كان حكما بهواهما على القرآن، ولئن مسكا بما سارا به لقد سار أبو موسى وعلي إمامه، وسار عمرو ومعاوية إمامه. ثم جلس فقال علي لعبد الله بن جعفر: قم فتكلم. فقام وقال: أيها الناس هذا أمر كان النظر فيه لعلي، والرضا فيه إلى غيره، جئتم بأبي موسى، فقلتم قد رضينا هذا، فارض به، وايم الله ما أصلحا بما فعلا الشام، ولا أفسد العراق ولا أماتا حق علي، ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق قلة رأي، ولا نفخة شيطان، وإنا لعلي اليوم كما كنا أمس عليه. ثم جلس. كتاب ابن عمر إلى أبي موسى قال: وذكروا أن عبد الله بن عمر لما بلغه ما كان من رأى أبي موسى، كتب إليه: أما بعد يا أبا موسى، فإنك تقربت إلي بأمر لم تعلم هواي فيه، أكنت تظن أني أبسط يدا إلى أمر نهاني عنه عمر ؟ أو كنت تراني أتقدم على علي وهو خير مني ؟ لقد خبت إذا


(1) أي لم يرض عمر رضي الله عنه ابنه عبد الله للخلافة ولم يره أهلا لها. (*)

[ 120 ]

وخسرت، وما أنا من المهتدين، فأغضبت بقولك وفعلك علي عليا ومعاوية، ثم أعظم من ذلك خديعة عمرو إياك، وأنت حامل القرآن، ووافد أهل اليمن إلى نبي الله، وصاحب مغانم أبي بكر وعمر، فقدمك عمرو للقول مخادعا، حتى خلعت عليا قبل أن تخلع معاوية، ولعمري ما يجوز لك على علي ما جاز لعمرو على معاوية، ولا ما جاز لنا عليه، ولقد كرهنا ما رضيت وأردت، إن الحاكم هو من يحكم بما حكم الله بين الناس، ولم تبلغ من خطيئتك عنه ما غير أمرك في خلاف هواه. فلما أتى أبا موسى كتاب ابن عمر كتب إليه: أما بعد، فإني والله ما أردت بتوليتي إياك وبيعتي لك القربة إليك، ما أردت بذلك إلا الله عز وجل، وما تقلدي أمر هذه الامة غير مستكره، فإنهم كانوا على مثل حد السيف، فقلت: إلى سنة محيا وممات، إن يصطلحوا فهو الذي أردت، وإلا لم يرجعوا إلى أعظم مما كانوا عليه، وأما إغضابي عليك عليا ومعاوية، فقد غضبا عليك قبل ذلك، وأما خديعة عمرو إياي، فو الله ما ضر بخديعته عليا، ولا نفع معاوية، وقد كان الشرط ما اجتمعنا عليه، لا ما اختلفنا فيه، وأما نهى أبيك، فو الله لو تم الامر لاكرهت عليه. كتاب معاوية إلى أبي موسى قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى أبي موسى بعد الحكومة وهو بمكة: أما بعد، فاكره من أهل العراق ما كرهوا منك، وأقبل إلى الشام، فإني خير لك من علي، والسلام. جوابه فكتب إليه أبو موسى: أما بعد، فإنه لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت وجه الله، وأراد عمرو بما صنع ما عندك، وقد كان بيني وبينه شروط عن تراض، فلما رجع عمرو رجعت، وأما قولك: إن الحكمين إذا حكما على أمر فليس للمحكوم عليه أن يكون بالخيار، إنما ذاك في الشاة والبعير، وأما في أمر هذه الامة فليست تساق إلى ما تكره، ولن تذهب بين عجز عاجز، ولا كيد كائد، ولا خديعة فاجر، وأما دعاؤك إياي إلى الشام، فليس لي بدل ولا إيثار عن قبر ابن ابراهيم أبي الانبياء.

[ 121 ]

كتاب علي إلى أبي موسى قال: وذكروا أنه لما بلغ عليا كتاب أبي موسى رق له، وأحب أن يضمه إليه، فكتب إليه: أما بعد، فإنك امرؤ ضللك الهوى، واستدرجك الغرور، فاستقل الله يقلك عثرتك، فإنه من استقال الله أقاله، إن الله يغفر ولا يغير، وأحب عباده إليه المتقون، والسلام. فلما انتهى كتاب علي إلى أبي موسى هم أن يرجع، ثم قال لاصحابه إني امرؤ غلب على الحياء، ولا يستطيع هذا الامر رجل فيه حياء. جوابه فكتب أبو موسى إلى علي: أما بعد، فلو لا أني خشيت أن يئول منع الجواب إلى أعظم مما في نفسك لم أجبك، لانه ليس عذر ينفعني، ولا عذر يمنعني منك، وأما التزامي مكة، فإني استنسرت إلى أهل الشام، وانقطعت من أهل العراق، وأصبت أقواما صغروا من ذنبي ما عظمتم، وعظموا من حقي ما صغرتم، فأقمت بين أظهرهم، إذ لم يكن لي منكم ولي ولا نصير. ذكر الخوارج على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: وذكروا أنه لما كان من الحكمين ما كان، لقيت الخوارج بعضها بعضا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا آثر عندهم من الامر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والقول بالحق، وإن ضر ومر (1) فإنه إن يضر ويمر في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله، وخلود الجنة، فاخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدعة والمضلة، والاحكام الجائرة. فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعوكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلوينكم عن طلب الحق، وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، يا قوم إن الرأي ما قد رأيتم، والحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لابد لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون حولها، وترجعون إليها.


(1) مر: أي صار مرا. (*)

[ 122 ]

ثم اجتمعوا في منزل زفر بن حصين الطائي، فقالوا: إن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقول بالحق، والجهاد في تقويم السبيل، وقد قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد " -. " وقال: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " - فاشهدوا على أهل دعوتنا أن قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم القرآن، وجاروا في الحكم والعمل، وأن جهادهم على المؤمنين فرض، وأقسم بالذى تعنو له الوجوه، وتخشع دونه الابصار، ولو لم يكن أحد على تغيير المنكر، وقتال القاسطين مساعدا، لقاتلتهم وحدي فردا، حتى ألقى الله ربي، فيرى أني قد غيرت (1) إرادة رضوانه بلساني، يا إخواننا، اضربوا جباههم ووجوههم بالسيف، حتى يطاع الرحمن عز وجل، فإن يطع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له، الآمرين بأمره، وإن قتلتم فأي شئ أعظم من المسير إلى رضوان الله وجنته. وأعلموا أن هؤلاء القوم خرجوا لاقصاء حكم الضلالة، فاخرجوا بنا إلى بلد نتعد (2) فيه الاجتماع من مكاننا هذا، فإنكم قد أصبحتم بنعمة ربكم، وأنتم أهل الحق بين الخلق، إذ قلتم بالحق، وصممتم لقول الصدق، فاخرجوا بنا إلى المدائن نسكنها فتأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين الطاثي: إن المدائن بها قوم يمنعونكم منها، ويمنعونها منكم، ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة، فأعلموهم بخروجكم، وسيروا أنتم على المدائن، فانزلوا بجسر النهروان (3) قالوا: هذا هو الرأي فاجتمعوا على ذلك، وكتبوا إلى إخوانهم من أهل البصرة: أما بعد، فإن أهل دعوتنا حكموا الرجال في أمر الله، ورضوا بحكم القاسطين على عباده، فخالفناهم ونابذناهم، نريد بذلك الوسيلة إلى الله، وقد قعدنا بجسر النهروان واحببنا إعلامكم لتأخذوا بنصيبكم من الاجر، والسلام. الجواب فكتبوا إليهم: أما بعد، فقد بلغنا كتابكم، وفهمنا ما ذكرتم. وقد وهبنا لكم الرأي الذي جمعكم الله عليه من الطاعة، وإخلاص الحكم لله، وأعمالكم أنفسكم فيما يجمع الله به كلمتكم، وقد أجمعنا على المسير إليكم عاجلا.


(1) يريد قد غيرت المنكر رغبة في رضوانه تعالى وهذا التغيير بلساني لاني لم أقدر على تغييره بيدي. (2) نتعد فيه الاجتماع: نتواعد على الاجتماع فيه. (3) النهروان ثلاث قرى بين واسط وبغداد. (*)

[ 123 ]

وكان بدء خروجهم أنهم اجتمعوا في منزل حرقوص بن زهير ليلة الخميس، فقالوا: متى أنتم خارجون ؟ قالوا: الليلة القابلة من يوم الجمعة، فقال لهم حرقوص: بل أقيموا ليلة الجمعة تتعبدوا لربكم، وأوصوا فيها بوصاياكم، ثم اخرجوا ليلة السبت مثنى ووحدانا لا يشعر بكم. خطبة علي كرم الله وجهه قالوا: فلما خرج جميع الخوارج، وتوافروا إلى النهروان، قام علي بالكوفة على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن معصية العالم الناصح تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين، وفي هذه الحكومة بأمري، فأبيتم إلا ما أردتم، فأحييا ما أمات القرآن، وأماتا ما أحيا القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه، يحكم بغير حجة، ولا سنة ظاهرة، واختلفا في أمرهما وحكمهما، فكلاهما لم يرشد الله، فبرئ الله منهما ورسوله وصالحو المؤمنين، فاستعدوا للجهاد، وتأهبوا للمسير، ثم أصبحوا في معسكركم يوم الاثنين بالنخيلة (1)، وإنما حكمنا من حكمنا، ليحكما بالكتاب، فقد علمتم أنهما حكما بغير الكتاب، وبغير السنة، ووالله لاغزونهم ولو لم يبق أحد غيري لجاهدتهم، وأعطى الناس العطاء وهم بالجهاد. كتاب علي كرم الله وجهه للخوارج قالوا: فأجمع رأي علي والناس على المسير إلى معاوية بصفين، فتجهز معاوية وخرج حتى نزل بصفين، وأصبح على قد تجهز وعسكر، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه قد افترقت منا فرقة، فذهبت، قال: فكتب إليهم علي: أما بعد، فإن هذين الرجلين الخاطئين الحاكمين، اللذين ارتضيتم حكمين، قد خالفا كتاب الله، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله وصالحو المؤمنين، إذا بلغكم كتابنا هذا فأقبلوا إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الامر الذي كنا عليه، والسلام. قال: فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لله، إنما غضبت لنفسك، والله لا يهدي كيد الخائنين. قال: فلما رأي علي كتابهم أيس منهم، ورأى أن يدعهم، ويمضى بالناس إلى معاوية وأهل الشام فيناجزهم فقام علي خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن


(1) النخيلة: موضع بالعراق قاتل فيه الامام علي الخوارج. (*)

[ 124 ]

من ترك الجهاد وداهن في أمر الله كان على شفا هلكة، إلا أن يتداركه الله برحمته، فاتقوا الله عباد الله، قاتلوا من حاد الله، وحاول أن يطفئ نور الله، قاتلوا الخاطئين، القاتلين لاولياء الله، المحرفين لدين الله، الذين ليسوا بقراء الكتاب ولا فقهاء في الدين، ولا علماء بالتأويل، ولا لهذا الامر بأهل في دين، ولا سابقة في الاسلام، ووالله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بعمل كسرى وقيصر. فسيروا وتأهبوا للقتال، وقد بعثت لاخوانكم من أهل البصرة، ليقدموا عليكم فإذا قدموا واجتمعتم شخصنا إن شاء الله. كتاب علي إلى ابن عباس قالوا: وكان علي قد كتب إلى ابن عباس وإلى أهل البصرة: أما بعد، فإنا أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل الشام، فأشخص إلي من قبلك من الناس، وأقم حتى آتيك، والسلام. ما قال ابن عباس إلى أهل البصرة فلما قدم كتاب علي على ابن عباس، قرأه على الناس، ثم أمرهم بالشخوص مع الاحنف ابن قيس، فشخص معه منهم ألف وخمس مئة رجل، فاستقلهم ابن عباس، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل البصرة، قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالمسير إليه مع الاحنف بن قيس، فلم يشخص إليه منكم إلا ألف وخمس مئة، وأنتم في الديوان ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم. ألا فانفروا، ولا يجعل امرؤ على نفسه سبيلا، فإني موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته، عاصيا لامامه، حزنا يعقب ندما، وقد أمرت أبا الاسود بحشدكم، فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه إلا نفسه. ما قال علي كرم الله وجهه لاهل الكوفة قال: فحشد أبو الأسود الناس بالبصرة، فاجتمع عليه ألف وسبع مئة فأقبل هو والاحنف ابن قيس، حتى وافيا عليا بالنخيلة، فلما رأى علي أنه إنما قدم عليه من أهل البصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل، جمع إليه رؤساء الناس وأمراء الاجناد ووجوه القبائل، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، ومجيبي إلى جهاد المحلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو إتمام طاعة المقبل، وقد بعثت إلى أهل البصرة، فاستنفرتهم،

[ 125 ]

فلم يأتني منهم غير ثلاثة آلاف ومئتين، فأعينوني بمناصحة سمحة، خلية من الغش، وإني آمركم أن يكتب إلي رئيس كل قوم منكم ما في عشيرته من المقاتلة، وأبنائهم الذين أدركوا القتال والعبدان والموالي، وارفعوا ذلك إلى ننظر فيه إن شاء الله. فقام سعد بن قيس الهمداني، فقال: يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة، وودا ونصيحة، أنا أول الناس، وأول من أجابك بما سألت وطلبت. ثم قام عدي بن حاتم وحجر بن عدي وأشراف القبائل، فقالوا: نحن كذلك، ثم كتبوا ورفعوا إلى علي، فكان جميع ما رفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفا من الابناء، وثمانية آلاف من عبيدهم ومواليهم، وكانت العرب يومئذ سبعة وخمسين ألفا من أهل الكوفة، ومن مماليكهم ومواليهم ثمانية آلاف، ومن أهل البصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل. فقام علي فيهم خطيبا، فقال: أما بعد، فقد بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت علينا، فبدأنا بهم، إلا أن غير هذه الخارجة أهم على أمير المؤمنين، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الارض جبارين ملوكا، ويتخذهم المؤمنون أربابا، ويتخذون عباد الله خولا (1)، ودعوا ذكر الخوارج. قال: فنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، فنحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاداك، ونشايع من أناب إليك وإلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك، كائنا من كان، فإنك لن تؤتى من قلة ولا ضعف، فإن قلوب شيعتك كقلب رجل واحد في الاجتماع على نصرتك، والجد في جهاد عدوك، فابشر يا أمير المؤمنين بالنصر، واشخص إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك التي ترجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب من الله، تخاف من الله في خذلانك، والتخلف عنك شديد الوبال. ما قال علي كرم الله وجهه في الخثعمي فبايعوه على التسليم والرضا، وشرط عليهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل من خثعم، فقال له الامام علي: بايع على كتاب الله وسنة نبيه، قال: لا، ولكن أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وسنة أبي بكر وعمر. فقال علي: وما يدخل سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة نبيه ؟ إنما كانا عاملين بالحق حيث عملا، فأبى الخثعمي إلا سنة أبي بكر وعمر، وأبى علي أن يبايعه إلا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،


(1) الخول: الخدم. (*)

[ 126 ]

فقال له حيث ألح عليه: تبايع ؟ قال: لا، إلا على ما ذكرت لك، فقال له علي: أما والله لكأني بك قد نفرت في هذه الفتنة، وكأني بحوافر خيلي قد شدخت وجهك، فلحق بالخوارج، فقتل يوم النهروان. قال قبيصة: فرأيته يوم النهروان قتيلا، قد وطأت الخيل وجهه، وشدخت رأسه، ومثلت به، فذكرت قول علي: وقلت لله در أبي الحسن ! ما حرك شفتيه قط بشئ إلا كان كذلك. إجماع على الذهاب إلى صفين فأجمع علي والناس على المسير إلى صفين، وتجهز معاوية حتى نزل صفين، فلما خرج علي بالناس عبر الجسر، ثم مضى حتى نزل دير أبي موسى، على شاطئ الفرات، ثم أخذ على الانبار. وإن الخارجة التي خرجت على علي بينما هم يسيرون، فإذا هم برجل يسوق امرأته على حمار له، فعبروا إليه الفرات، فقالوا له: من أنت ؟ قال: أنا رجل مؤمن، قالوا: فما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال: أقول: إنه أمير المؤمنين، وأول المسلمين إيمانا بالله ورسوله قالوا: فما اسمك ؟ قال: أنا عبد الله بن خباب بن الارت، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أفزعناك ؟ قال: نعم، قالوا: لا روع عليك، حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله، لعل الله أن ينفعنا به، قال: نعم، حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ستكون فتنة بعدي، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسى مؤمنا، ويصبح كافرا: فقالوا: لهذا الحديث سألناك، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا. فأخذوه وكتفوه، ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم (1)، حتى نزلوا تحت نخل، فسقطت رطبة منها، فأخذها بعضهم فقذفها في فيه، فقال له أحدهم بغير حل، أو بغير ثمن أكلتها، فألقاها من فيه، ثم اخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيرا لاهل الذمة، فقتله، قال له بعض أصحابه: إن هذا من الفساد في الارض، فلقى الرجل صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى منهم عبد الله بن خباب ذلك، قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى، ما على منكم بأس، ووالله ما أحدثت حدثا في الاسلام، وإنى لمؤمن، وقد أمنتموني، وقلتم لا روع عليك فجاءوا به وبامرأته، فأضجعوه على شفير النهر، على ذلك الخنزير، فذبحوه فسال دمه في الماء، ثم أقبلوا إلى امرأته، فقالت: إنما أنا امرأة، أما تتقون الله ؟ قال:


(1) متم: أي أتمت أشهرها وقاربت الولادة. (*)

[ 127 ]

فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاثة نسوة، فيهم أم سنان قد صحبت النبي عليه الصلاة والسلام. فبلغ عليا خبرهم، فبعث إليهم الحارث بن مرة، لينظر فيما بلغه من قتل عبد الله بن خباب والنسوة، ويكتب إليه بالامر، فلما انتهى إليهم ليسائلهم، خرجوا إليه فقتلوه، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا، سر بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام. مسير على إلى الخوارج وما قال لهم قال: فسار علي ومن معه حتى نزلوا المدائن، ثم خرج حتى أتى النهروان فبعث إليهم: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا أفارقكم، وأكف عنكم، حتى ألقى أهل الشام، فبعثوا إليه: إنا كلنا قتلناهم، وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم. ثم أتاهم علي، فوقف عليهم، فقال: أيتها العصابة، إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الامة غدا، وأنتم صرعى بإزاء هذا النهر، بغير برهان، ولا سنة، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أن طلب القوم لها مكيدة، وأنبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وإني أعرف بهم منكم، قد عرفتهم أطفالا، وعرفتهم رجالا، فهم شر رجال، وشر أطفال، وهم أهل المكر والغدر، وإنكم إن فارقتموني ورأيى، جانبتم الخير والحزم، فعصيتموني وأكرهتموني، حتى حكمت، فلما أن فعلت شرطت واستوثقت، وأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا، وخالفا حكم الكتاب والسنة، وعملا بالهوى، فنبذا أمرهم، ونحن على أمرنا الاول، فما نبؤكم ومن أين أتيتم ؟ قالوا له: إنا حيث حكمنا الرجلين أخطأنا بذلك، وكنا كافرين، وقد تبنا من ذلك ؟ فإن شهدت على نفسك بالكفر، وتبت كما تبنا وأشهدنا، فنحن معك ومنك، وإلا فاعتزلنا، وإن أبيت فنحن منابذوك على سواء. فقال علي: أبعد إيماني بالله، وهجرتي وجهادي مع رسول الله، أبوء (1) وأشهد على نفسي بالكفر ؟ لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. ويحكم ! بم استحللتم قتالنا، والخروج من جماعتنا ؟ أأن اختار الناس رجلين، فقالوا لهما: انظرا بالحق فيما يصلح العامة ليعزل رجل، ويوضع آخر مكانه. أحل لكم أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم، تضربون بها هامات الناس، وتسفكون دماءهم ؟ ! إن هذا لهو الخسران المبين. قال: فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، تهيئوا للقاء الحرب، الرواح الرواح إلى الجنة.


(1) أبوء: أعود وأرجع. (*)

[ 128 ]

قتل الخوارج قال: فرجع علي، فعبأ أصحابه فجعل على الميمنة حجر بن عدي، وعلى الميسرة شيث بن ربعي، وعلى الخيل أبا أيوب الانصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة، وعلى أهل المدينة وهم ثمان مئة رجل من الصحابة قيس بن سعد بن عبادة، ووقف علي في القلب في مضر. قال: ثم رفع لهم راية أمان مع أبي أيوب الانصاري، فناداهم أبو أيوب: من جاء منكم إلى هذه الراية فهو آمن، ومن دخل المصر فهو آمن، ومن انصرف إلى العراق، وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، فإنه لا حاجة لنا في سفك دمائكم. قال: وقدم الخيل دون الرجالة، وصف الناس صفين وراء الخيل، وصف الرماة صفا أمام صف، وقال لاصحابه: كفوا عنهم حتى يبدءوكم. قال: وأقبلت الخوارج حتى إذا دنوا من الناس نادوا: لا حكم إلا لله، ثم نادوا: الرواح الرواح إلى الجنة. قال: وشدوا على أصحاب علي شدة رجل واحد، والخيل أمام الرجال، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل، فخمدوا. قال الثعلبي: لقد رأيت الخوارج حين استقبلتهم الرماح والنبل كأنهم معز اتقت المطر بقرونها، ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والمبسرة، ونهض علي في القلب بالسيوف والرماح، فلا والله ما لبثوا فواقا (1) حتى صرعهم الله، كأنما قيل لهم موتوا فماتوا. قال: وأخذ على ما كان في عسكرهم من كل شئ، فأما السلاح والدواب فقسمه علي بيننا، وأما المتاع والعبيد والاماء فإنه حين قدم الكوفة رده على أهلها. قال: ولما أراد علي الانصراف من النهروان، قام خطيبا، فحمد الله ثم قال: أما بعد، فإن الله قد أحسن بلاءكم، وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى معاوية وأشياعه القاسطين (2)، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما شروا (3) به أنفسهم لو كانوا يعلمون. فقالوا: يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا،


(1) الفواق: مقدار حلب الناقة، أو البقرة، أو نحوهما. (2) القاسطون: الجائرون الخارجون على الحق. (3) شروا به أنفسهم: باعوا به أنفسهم، وشرى تأتى بمعنى باع وبمعنى اشترى ومن مجيئها بمعنى باع قوله تعالى " ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " ومن مجيئها بمعنى اشترى قول عنترة العبسى: حصاني كان دلال المنايا * فخاض غمارها وشرى وباعا فشرى في البيت بمعنى اشترى (*)

[ 129 ]

وكلت أذرعنا، وتقطعت سيوفنا، ونصلت (1) أسنة رماحنا، فارجع بنا نحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة، فإن ذلك أقوى لنا على عدونا. فأقبل علي بالناس حتى نزل بالنخيلة، فعسكر بها، وأمر الناس أن يلزموا معه عسكرهم، ويوطنوا أنفسهم على الجهاد، وأن يقلوا من زيارة أبنأئهم ونسائهم، حتى يسيروا إلى عدوهم من أهل الشام، فأقاموا معه أياما، ثم رجعوا يتسللون ويدخلون الكوفة، ويتلذذون بنسائهم وأبنائهم ولذاتهم، حتى تركوا عليا وما معه إلا نفر من وجوه الناس يسير، وترك العسكر خاليا. خطبة علي كرم الله وجهه قال: فقام علي على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله، ودرك الوسيلة عنده، فأعدوا له ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله، وكفى به وكيلا، ثم تركهم أياما، ودعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي ثبطهم ؟ فمنهم المعتل، ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط، فقال لهم علي: عباد الله، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا، ورضيتم بالذل والهوان من العز خلفا، كلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم، كأنكم من الموت في سكرة، وكانت قلوبكم قاسية، فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كمه (2)، فأنتم لا تبصرون، لله أنتم، ما أنتم إلا أسود رواعة (3)، وثعالب رواغة عند الناس، تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تحاشون، وأنتم في غفلة ساهون: إن أخا الحرب اليقظان. أما بعد: فإن لي عليكم حقا، ولكم علي حق، أما حقكم علي: فالنصيحة في ذات الله، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم: فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في الاجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب، تنالوا بذلك ما تحبون، وتدركوا ما تأملون.


(1) نصلت أسنة رماحنا. خرجت من الرماح فأصبحت رماحا خشبا بلا أسلحة. (2) كمه: إجمع أكمه، وهو الذي ولد بدون عينين، ومن ذلك قوله تعالى (وتبرئ الاكمه والابرص باذني). (3) رواعة: خوافة جمع رواع وهو شديد الروع وهو الخوف. (*)

[ 130 ]

أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهى الصم (1)، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت وكيت، أعاليل (2) بأضاليل، هيهات، لا يدرك الحق إلا بالجد والصبر، أي دار بعد داركم تمنعون ؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الاخيب (3)، أصبحت لا أطمع في نصرتكم، ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي، وأعقبكم بعدي من هو شر لكم مني، أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا. وسيفا قاتلا. وأثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم سنة. تفرق جماعتكم. وتبكي عيونكم. وتدخل الفقر بيوتكم. تمنون والله عندها أن لو رأيتموني ونصرتموني. وستعرفون ما أقول لكم عما قليل. استنفرتكم فلم تنفروا. ونصحت لكم فلم تقبلوا، وأسمعتكم فلم تعوا، فأنتم شهود كأغياب، وصم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة، وأعظكم بالموعظة النافعة، وأحثكم على جهاد المحلين (4)، الظلمة الباغين، فما آتى على آخر قولي حتى أراكم متفرقين، إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين (5)، تضربون الامثال، وتناشدون الاشعار، تربت أيديكم، وقد نسيتم الحرب واستعدادها، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها، وشغلتموها بالاباطيل والاضاليل، ويحكم ! اغزوا عدوكم قبل أن يغزوكم، فو الله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، وايم الله ما أظنكم تفعلون حتي يفعل بكم ! وايم الله لوددت أني قد رأيتهم فلقيت الله على نيتي وبصيرتي، فاسترحت من مقاساتكم ومداراتكم، ويحكم ! ما أنتم إلا كإبل جامحة ضل عنها رعاؤها (6)، فكلما ضمت من جانب، انتشرت من جانب، والله لكأني أنظر إليكم وقد حمى الوطيس، لقد انفرجتم عن علي انفراج الرأس، وانفراج المرأة عن قبلها. فقام إليه الاشعث بن قيس الكندي، فقال: يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما فعل عثمان ؟


(1) الصم: جمع أصم: والمراد الجبال الصم وهي الشديدة الصلابة، ويوهى يضعف. (2) أعاليل: تعللات، بأضاليل، بأسباب زائفة ضالة. (3) السهم الاخيب. أي السهم الذي لا يصيب مرماه. (4) المحلين: الذين أحلوا أنفسهم من بيعة الامام علي بعد أن وجبب عليهم ولزمتهم. (5) عزين: جمع عزة وهي الجماعة والفرقة، والحلق جمع حلقة وهي الجماعة المستديرة كالحلقة. (6) رعاؤها: جمع راع: أي رعاتها. (*)

[ 131 ]

قال له علي: ويلك وما فعل عثمان، رأيتني عائذا بالله من شر ما تقول، والله إن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له، ولا حجة معه، فكيف وأنا على بينة من ربي، والحق معي، والله إن امرأ أمكن عدوه من نفسه، فنهش عظمه، وسفك دمه، لعظيم عجزه، ضعيف قلبه. أنت يا بن قيس فكن ذلك، فأما أنا فو الله دون أن أعطى ذلك ضرب بالمشرفى (1)، يطير له فراش (2) الرأس، وتطيح منه الاكف والمعاصم، وتجد به الغلاصم (3) ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. والله يا أهل العراق، ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشام إلا ظاهرين عليكم، فقالوا: أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: نعم، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إني أرى أمورهم قد علت، وأرى أموركم قد خبت (4)، وأراهم جادين في باطلهم، وأراكم وانين في حقكم، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرقين، وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين، وأراكم لي عاصين. أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنهم أرباب سوء، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم منكم، وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش (5) الضباب، لا تأخذون لله حقا، ولا تمنعون له حرمة، وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم، ويخيفون علماءكم، وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم، ويدينون الناس دونكم، فلو قد رأيتم الحرمان، ولقيتم الذل والهوان، ووقع السيف ونزل الخوف، لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم، وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية، حين لا ينفعكم التذكار. فقال الناس: قد علمنا يا أمير المؤمنين أن قولك كله وجميع لفظك يكون حقا، أترى معاوية يكون علينا أميرا ؟ فقال: لا تكرهون إمرة معاوية، فإن إمرته سلم وعافية، فلو قد مات رأيتم الرؤوس تندر عن كهولها كأنها الحنظل (6)، وعدا كان مفعولا، فأما إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرها، ما بعدها أدهى وأمر. كلام أبي أيوب الانصاري ثم قام أبو أيوب الانصاري، فقال: إن أمير المؤمنين أكرمه الله قد أسمع من كانت له أذن واعية، وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها، حيث نزل


(1) المشرفي: السيف المنسوب إلى مشارف الشام وهي بلد جيدة السيوف. (2) فراش الرأس أعلى الرأس. (3) الغلاصم: جمع غلصمة وهي عقدة الزور، أي تقطع منه الرقاب، وتجد أي تقطع. (4) خبت: خفتت ونامت. (5) تكشون كشيس الضباب: تتفرقون وتزاحون عن أماكنكم كما ينقشع الضباب عن مكانه في السماء. (6) أي لرأيتم الرؤوس تطير عن أجسامها فتصير كالحنظل وهو نبات مر يشبه الرمان في شكله المستدير. (*)

[ 132 ]

بين أظهركم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخير المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده، يفقهكم في الدين، ويدعوكم إلى جهاد المحلين، فو الله لكأنكم صم لا تسمعون، وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون. عباد الله، أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس، وقد شمل العباد، وشاع في الاسلام، فذو حق محروم، ومشتوم عرضه، ومضروب ظهره، وملطوم وجهه، وموطوء بطنه، وملقى بالعراء، فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق، ونشر بالعدول، وعمل بالكتاب، فاشكروا نعمة الله عليكم، ولا تتولوا مجرمين، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون. اشحذوا السيوف، وجددوا آلة الحرب، واستعدوا للجهاد، فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصاقدين. قال: ثم قام رجال من أصحاب علي فقالوا: يا أمير المؤمنين، اعط هؤلاء هذه الاموال، وفضل هؤلاء الاشراف من العرب وقريش على الموالي، ممن يتخوف خلافه على الناس وفراقه. وإنما قالوا له: هذا الذي كان معاوية يصنعه بمن أتاه، وإنما عامة الناس همهم الدنيا، ولها يسعون، وفيها يكدحون. فأعط هؤلاء الاشراف، فإذا استقام لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من القسم، فقال علي: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من الاسلام ؟ فو الله لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم، والله لو كان لهم مال لسويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالكم. فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن الموت نازل لا بد منه، فإن حل فمن صاحبنا ؟ فقال علي: أحدثك عن خاصة نفسي ؟ أما الحسن فصاحب خوان (1)، وفتى من الفتيان، ولو قد التقت حلقتا البطان (2) لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور (3). وأما ابن أخي عبد الله بن جعفر فصاحب لهو. وأما الحسين ومحمد ابناي فأنا منهما وهما مني، والله لقد أحببت أن يدال هؤلاء القوم عليكم، بإصلاحهم في أرضهم، وفسادكم في أرضكم، وأدائهم الامانة لمعاوية، وخيانتكم، وبطاعتهم له، ومعصيتكم لي، واجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وايم الله لا يدعون بعدي محرما إلا استحلوه، ولا يبقى بيت وبر (4) ولا مدر (5) إلا أدخلوه ظلمهم، حتى يقوم الباكيان منكم، باك لدينه، وباك لدنياه، وحتى


(1) صاحب خوان: رجل كرم وإطعام. (2) حلقتا البطان: سبق بيانها. (3) حثالة عصفور: الحثالة القشر وما يكون في القمح ونحوه من الحب غير مكتمل النضج. (4) بيت الوبر: بيت الشعر والجلد. (5) بيوت المدر: البيوت المبنية من الحجر. (*)

[ 133 ]

تكون نصرة أحدكم كنصرة العبد لسيده: إذا شهد أطاعه، وإذا غاب سبه. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أتظن ذلك كائنا ؟ قال: ما هو بالظن ولكنه اليقين. ما كتب على لاهل العراق قال: فقام حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، وعبد الله بن وهب الراسبي، فدخلوا على علي، فسألوه عن أبي بكر وعمر: ما تقول فيهما ؟ وقالوا: بين لنا قولك فيهما وفي عثمان. قال علي كرم الله وجهه: وقد تفرغتم لهذا ؟ وهذه مصر قد افتتحت، وشيعتي فيها قد قتلت ؟ إني مخرج إليكم كتابا أنبئكم فيه ما سألتموني عنه، فاقرءوه على شيعتي، فأخرج إليهم كتابا فيه: أما بعد، فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم نذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل، وشهيدا على هذه الامة، وأنتم يا معشر العرب على غير دين، وفي شر دار، تسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل، فمن الله عليكم، فبعث محمدا إليكم بلسانكم، فكنتم أنتم المؤمنين، وكان الرسول فيكم ومنكم، تعرفون وجهه ونسبه، فعلمكم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض، وأمركم بصلة الارحام، وحقن الدماء، وإصلاح ذات بينكم، وأن تؤدوا الامانات إلى أهلها، وأن توفوا بالعقود، وأن تعاطفوا وتباروا وتراحموا، ونهاكم عن التظالم والتحاسد والتقاذف والتباغي، وعن شرب الحرام، وعن بخس المكيال والميزان، وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم أن لا تزنوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلما، فكل خير يبعدكم عن النار قد حضكم عليه، وكل شر يبعدكم عن الجنة قد نهاكم عنه، فلما استكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدته من الدنيا توفاه الله وهو مشكور سعيه مرضى عمله، مغفور له ذنبه، شريف عند الله نزله، فيالموته مصيبة خصت الاقربين، وعمت المؤمنين، فلما مضى تنازع المسلمون الامر بعده، فو الله ما كان يلقى في روعي (1)، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الامر عني، فما راعني إلا إقبال الناس على أبي بكر، وإجفالهم (2) عليه، فأمسكت يدي، ورأيت أني أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الامور علي، فلبثت بذلك ما شاء الله، حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الاسلام، يدعون إلى محو دين محمد. وملة إبراهيم عليهما السلام. فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله. أن أرى في الاسلام ثلما وهدما. تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم. التي إنما هي متاع أيام قلائل.


(1) الروع: القلب (2) إجفالهم: إسراعهم. (*)

[ 134 ]

ثم يزول ما كان منها، كما يزول السراب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت معه في تلك الاحداث، حتى زهق الباطل، وكانت كلمة الله هي العليا، وأن يرغم الكافرون، فتولى أبو بكر رضي الله عنه تلك الامور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاه، فسمعنا وأطعنا، وبايعنا وناصحنا، فتولى تلك الامور، فكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة (1) أيام حياته، فلما احتضر قلت في نفسي: ليس يصرف هذا الامر عني. فجعلها عمر شورى وجعلني سادس ستة، فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي، لانهم كانوا يسمعونني وأنا أحاج أبا بكر فأقول: يا معشر قريش، أنا أحق بهذا الامر منكم ما كان منا من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، فخشوا إن وليت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الامر نصيب، فبايعوا إجماع رجل واحد، حتى صرفوا الامر عنى لعثمان، فأخرجوني منها، رجاء أن يتداولوها. حين يئسوا أن ينالوها، ثم قالوا لي: هلم فبايع عثمان، وإلا جاهدناك. فبايعت مستكرها. وصبرت محتسبا، وقال قائلهم: إنك يا ابن أبي طالب على الامر لحريص، قلت لهم: أنتم أحرص. أما أنا إذ طلبت ميراث ابن أبي وحقه، وأنتم إذ دخلتم بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، اللهم إني أستعين بك على قريش، وأنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي وفضلي، واجتمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه، ثم قالوا: اصبر كمدا، وعش متأسفا، فنظرت فإذا ليس معي رفاق ولا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم على الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت رفيق على الشجا (1). وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم طعما، وآلم للقلب من حز الحديد، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني تبايعونني، فأبيت عليكم، وأبيتم علي، فنازعتموني ودافعتموني، ولم أمد يدي، تمنعا عنكم، ثم ازدحتم علي، حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، وأنكم قاتلي، وقلتم: لا نجد غيرك، ولا نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق ولا نختلف، فبايعتكم ودعوتم الناس إلى بيعتي، فمن بايع طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، فأول من بايعني طلحة والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما، كما لم أكره غيرهما، فما لبثا إلا يسيرا حتى قيل لي: قد خرجا متوجهين إلى البصرة في جيش، ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة، وسمح لي بالبيعة، فقاموا على عمالي بالبصرة وخزائن بيوت أموالي، وعلى أهل مصري، وكلهم في طاعتي، وعلى شيعتي، فشتتوا كلمتهم، وأفسدوا علي جماعتهم، ثم وثبوا


(1) النقيبة: العقل والمشورة ونفاذ الرأي. (2) الشجا: العظمة أو الشوكة في الحلق. (*)

[ 135 ]

على شيعتي، فقتلوا طائفة منهم غدرا، وطائفة صبرا، وطائفة عصرا بأسيافهم، فضاربوهم حتى لقوا الله صابرين محتسبين، فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله، لحل لي بذلك قتل الجيش كله، مع أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا عليهم بها، فقد أدال الله منهم، فبعدا للقوم الظالمين. ثم إني نظرت بعد ذلك في أهل الشام، فإذا هم أعراب وأحزاب وأهل طمع، جفاة طغام (1)، تجمعوا من كل أوب، ممن ينبغي أن يؤدب، ويولي عليه، ويؤخذ على يديه، ليسوا من المهاجرين والانصار، ولا من التابعين بإحسان، فسرت إليهم، ودعوتهم إلى الجماعة والطاعة، فأبوا إلا شقاقا ونفاقا، ونهضوا في وجوه المهاجرين والانصار والتابعين بإحسان، ينضحونهم بالنبل، ويشجونهم بالرماح، فهنالك نهضت إليهم فقاتلتهم، فلما عضهم السلاح، ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فنبأتكم أنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وإنما رفعوها إليكم خديعة ومكيدة، فامضوا على قتالهم، فاتهمتوني، وقلتم: اقبل منهم، فإنهم إن أجابوا إلى ما في الكتاب والسنه جامعونا على ما نحن عليه من الحق، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم، فقبلت منهم، وخففت عنهم، وكان صلحا بينكم وبينهم على رجلين حكمين، يحييان ما أحيا القرآن، ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرق حكمهما، ونبذا حكم القرآن، وخالفا ما في الكتاب، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فجنبهما الله السداد وأهوى بهما في غمرة الضلال، وكانا أهل ذلك، فانخذلت عنا فرقة منهم، فتركناهم ما تركونا، حتى إذا عاثوا في الارض مفسدين، وقتلوا المؤمنين، أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم، وشدت علينا خيلهم ورجالهم، فصرعهم الله مصارع القوم الظالمين. ثم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فإنه أفزع لقلوبهم، وأنهك لمكرهم، وأهتك لكيدهم، فقلتم: كلت أذرعنا وسيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت أسنة (1) رماحنا، فأذن لنا، فلنرجع حتى نستعد بأحسن عدتنا، وإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا، ومن قد فارقنا، فإن ذلك قوة منا على عدونا، فأقبلتم حتى إذا أطللتم على الكوفة، أمرتكم أن تلزموا معسكركم وتضموا قواصيكم (3)، وتتوطنوا على الجهاد، ولا تكثروا زيارة أولادكم ونسائكم فإن ذلك يرق قلوبكم ويلويكم، وإن أصحاب الحرب لا يتوجدون (4)، ولا يتوجعون،


(1) الطغام: سفلة الناس. (2) نصلت أسنة رماحنا: خرجت من الرماح وأصبحت رماحنا بلا أسنة. (3) قواصيكم جمع قاصية وهي البعيدة أي تضموا ما بعد منكم. (4) يتوجدون: يشكون الوجد وهو الحب أي لا يشكون وجدهم وحبهم لابنائهم وأهلهم. (*)

[ 136 ]

ولا يسأمون من سهر ليلهم، ولا من ظمأ نهارهم، ولا من خمص بطونهم، حتى يدركوا بثأرهم، وينالوا بغيتهم ومطلبهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة (1)، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية (2) فلا من نزل معي صبر فثبت، ولا من دخل المصر عاد إلي، ولقد نظرت إلى عسكري وما فيه معي منكم إلا خمسون رجلا، فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم، فما قدرتم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا، لله آباؤكم ! فما تنتظرون ؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى مصركم قد افتتح ؟ فما بالكم تؤفكون ! ألا إن القوم قد اجتمعوا وجدوا وتناصحوا، وإنكم تفرقتم واختلفتم وتغاششتم (3)، فأنتم إن اجتمعتم تسعدوا، فأيقظوا رحمكم الله نائمكم، وتحرزوا لحرب عدوكم، إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء، ممن أسلم كرها، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حربا، أعداء السنة والقرآن، وأهل الاحزاب والبدع والاحداث، ومن كانت بوائقة (4) تتقي، وكان عن الدين منحرفا، وأكلة الرشا (5)، وعبيد الدنيا، لقد نمى إلى أن ابن الباغية (6) لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يؤتيه أتاوة هي أعظم ما في يديه من سلطانه (7)، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا ! وتربت يد هذا المشتري نصرة غادر فاسق بأموال الناس ! وإن منهم لمن شرب فيكم الحرام، وجلد حدا في الاسلام، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت ذكر مساويه منهم شر وأضر، وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لاظهروا فيكم الغضب والفخر. والتسلط بالجبروت، والتطاول بالغضب، والفساد في الارض، ولا تبعوا الهوى، وحكموا بالرشا، وأنتم على ما فيكم من تخاذل وتواكل خير منهم وأهدى سبيلا، فيكم الحكماء، والعلماء والفقهاء، وحملة القرآن، والمتهجدون بالاسحار، والعباد، والزهاد في الدنيا، وعمار المساجد، وأهل تلاوة القرآن، أفلا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم، والاراذل والاشرار منكم ! اسمعوا قولي إذا قلت، وأطيعوا أمرى إذا أمرت، واعرفوا نصيحتي إذا نصحت، واعتقدوا جزمي إذا جزمت، والتزموا عزمي إذا عزمت، وانهضوا لنهوضي، وقارعوا من قارعت، ولئن عصيتموني لا ترشدوا ولا تجتمعوا،


(1) معذرة: بضم الميم وكسر الذال: أي قاطعة عذري في لومها وذمها. (2) المصر: المراد به هنا الكوفة. (3) غش بعضكم بعضا ولم يبذل له النصيحة. (4) بوائقه: مصائبه ونوائبه (5) الرشا: جمع رشوة. (6) يريد بابن الباغية: عمرو بن العاص. (7) هي مصر: التي طلبها عمرو بن العاص من معاوية ثمنا لمعاونته ومساعدته. (*)

[ 137 ]

خذوا للحرب أهبتها، وأعدوا لها التهيؤ، فإنها قد وقدت نارها، وعلا سناها (1)، وتجرد لكم فيها الظالمون، كيما يطفئوا نور الله ويقهروكم، عباد الله، ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء، بأولى في الجد في غيهم وضلالهم وباطلهم، من أهل النزاهة والحق والاخبات بالجد في حقهم، وطاعة ربهم، ومناصحة إمامهم، إني والله لو لقيتهم وحيدا منفردا، وهم في أهل الارض إن (2) باليت بهم أو استوحشت منهم، إني في ضلالهم الذي هم فيه، والهدى الذي أنا عليه، لعلى بصيرة ويقين وبينة من ربي، وإني للقاء ربي لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر راج، ولكن أسفا يعتريني، وجزعا يريبني من أن يلي هذه الامة سفهاؤها وفجارها، فيتخذون مال الله دولا، وعباد الله خولا، والصالحين حربا، والقاسطين حزبا (3)، وايم الله لولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وجمعكم، وتحريضكم، ولتركتكم، فو الله إني لعلى الحق، وإني للشهادة لمحب، أنا نافر بكم إن شاء الله، فانفروا خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، إن الله مع الصابرين. مقتل علي عليه السلام قال المدائني: حج ناس من الخوارج سنة تسع وثلاثين، وقد اختلف عامل علي وعامل معاوية، فاصطلح الناس على شبيب بن عثمان، فلما انقضى الموسم أقام النفر من الخوارج مجاورين بمكة، فقالوا: كان هذا البيت معظما في الجاهلية، جليل الشأن في الاسلام، وقد انتهك هؤلاء حرمته، فلو أن قوما شروا (4) أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدا في الارض، واستحلا حرمة هذا البيت، استراحت الامة، واختار الناس لهم إماما. فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله: أنا أكفيكم أمر علي. وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي، وهو البرك: أنا أقتل معاوية. فقال: أذويه مولى بني العنبر، واسمه عمرو بن بكر والله ما عمرو بن العاص بدونهما. فأنا به: فتعاقدوا على ذلك ثم اعتمروا عمرة رجب. واتفقوا على يوم واحد يكون فيه وقوع القتل منهم في علي ومعاوية وعمرو، ثم سار كل منهم في طريقه فقدم ابن ملجم الكوفة وكتم أمره، وتزوج أمرأة يقال لها: قطام بنت علقمة، وكانت خارجية، وكان علي قد قتل أخاها في حرب الخوارج. وتزوجها على أن يقتل عليا. فأقام


(1) سناها: ضوؤها. (2) إن هنا بمعنى ما النافية أي ما باليت بهم. (3) سبق بيان معنى الخول والقاسطين قريبا. (4) باعوا أنفسهم. (*)

[ 138 ]

عندها مدة، فقالت له في بعض الايام وهو مختف: لطالما أحببت المكث عند أهلك، وأضربت عن الامر الذي جئت بسببه، فقال: إن لي وقتا واعدت فيه أصحابي، ولن أجاوزه فلما كان اليوم الذي تواعدوا فيه، خرج عدو الله، فقعد لعلي حين خرج علي لصلاة الصبح، صبيحة نهار الجمعة، ليلة عشر بقيت من رمضان سنة أربعين، فلما خرج للصلاة وثب عليه، وقال: الحكم لله لا لك يا علي، وضربه على قرنه (1) بالسيف، فقال علي: فزت ورب الكعبة، ثم قال: لا يفوتنكم الرجل، فشد الناس عليه، فأخذوه. وكان علي رضي الله عنه شديد الادمة (2) ثقيل العينين، ضخم البطن، أصلع، ذا عضلات، في أذنيه شعر يخرج منهما، وكان إلى القصر أقرب. وكان ابن ملجم يعرض سيفه، فإذا أخبر أن فيه عيبا أصلحه، فلما قتل عليا قال: لقد أحددت سيفي بكذا وكذا، وسممته بكذا وضربت به عليا ضربة لو كانت بأهل المصر لاتت عليهم. وروى عن الحسن أنه قال: أتيت أبي فقال لي: أرقت الليلة، ثم ملكتني عيني (3). فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من من الاود (4) واللدد ؟ فقال: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني، وخرج إلى الصلاة فاعترضه ابن ملجم، وأدخل ابن ملجم على علي بعد ضربه إياه، فقال: أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش فأنا ولي دمي، إما عفوت، وإما اقتصصت، وإن أمت فالحقوه بي، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. قالوا وبكت أم كلثوم، وقالت لابن ملجم: يا عدو الله، قتلت أمير المؤمنين، قال: ما قتلت أمير المؤمنين، ولكني قتلت أباك. قالت: والله إني لارجو ألا يكون عليه بأس، قال: ولم تبكبن إذا ؟ والله لقد أرهفت السيف، ونفيت الخوف، وجبت الاجل، وقطعت الامل وضربت ضربة لو كانت بأهل المشرق لاتت عليهم. ومكث على يوم الجمعة ويوم السبت، وتوفى ليلة الاحد، وغسله الحسن والحسين ومحمد


(1) أي على رأسه. (2) الادمة: السمرة. (3) أي نمت. (4) الاود: العوج، اي بعد عدم استقامتهم واعوجاجهم على، واللدد: شدة الخصومة وعدم الرجوع إلى الحق. (*)

[ 139 ]

ابن الحنفية وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميص، وصلى عليه الحسن ابنه، ودفن في قصر الامارة بالكوفة، وغمى قبره مخافة أن ينبشه الخوارج، وقيل إنه نقل بعد صلح معاوية والحسن إلى المدينة، وأخذ ابن ملجم، فقطعت يداه ورجلاه وأذناه وأنفه، وأتوا يقطعون لسانه، فصرخ، فقيل له: قد قطعت منك أعضاء ولم تنطق، فلما أتوا يقطعون لسانك صرخت ؟ قال: إني أذكر الله به، فلم يسهل علي قطعه، ثم قتلوه بعد هذه المثلة. كانت خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وكان عمره ثلاثا وستين سنة. وأما البرك: فإنه انطلق ليلة ميعادهم، فقعد لمعاوية، فلما خرج لصلاة الصبح شد عليه سيفه، فأدبر معاوية، فضرب رانفة (1) إليته ففلقها، ووقع السيف في لحم كثير، وأخذ، فقال لمعاوية: إن لك عندي لخبرا سارا، قد قتل الليلة علي، وحدثه الحديث، وعولج معاوية فبرئ، وأمر بقتل البرك، وقيل: ضرب البرك معاوية وهو ساجد، فمذ ذاك جعل الحرس على رءوس الخلفاء، واتخذ معاوية المقصورة. وأما الثالث: فقصد عمرو بن العاص ليلة الميعاد، فلم يخرج تلك الليلة، لعلة وجدها في بطنه، وصلى بالناس خارجة بن حذافة العدوي، فشد عليه الخارجي، وهو يظن أنه ابن العاص، فقتله، وأخذ، فأتى به عمرو بن العاص، فلما رآه قال: ومن المقتول ؟ قالوا: خارجة. فقال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، ثم قال لعمرو بن العاص الحديث، وما كان من اتفاقه مع صاحبيه، فأمر بقتله. فلما قتل علي تداعى أهل الشام إلى بيعة معاوية، وقال له عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: نحن المؤمنون، وأنت أميرنا، فبايعوه وهو بإيلياء لخمس ليال خلون من شوال سنة أربعين. فصل روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: " يا علي، أتدري من أشقى الاولين والآخرين ؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أشقى الاولين: عاقر الناقة (2)، وأشقى الآخرين: الذي يطعنك. وأشار إلى حيث طعن ". قال: وخرج علي في ليلة قتله وهو يقول:


(1) رانفة الالية: أسفلها. (2) عاقر الناقة: الذي عقر ناقة صالح عليه السلام التي أخرجها الله لثمود من الحجر معجزة لصالح عليه السلام. (*)

[ 140 ]

اشدد حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديكا وقال الشاعر في قتل ابن ملجم عليا: تضمن للآثام لا در دره * ولاقى عقابا غير ما متصرم (1) فلا مهر أغلى من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب على بالحسام المسمم قال هبيرة بن شريم: سمعت الحسن رضى الله عنه يخطب، فذكر أباه وفضله وسابقته، ثم قال: والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبع مئة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يشترى بها خادما. وجاء رجل من مراد إلي على، فقال له: يا أمير المؤمنين، احترس، فإن هنا قوما يريدون قتلك: فقال: إن لكل إنسان ملكين يحفظانه، فإذا جاء القدر خلياه. قيل: ولما ضرب علي دعا أولاده، وقال لهم: عليكم بتقوى الله وطاعته وألا تأسوا على ما صرف عنكم منها، وانهضوا إلى عبادة ربكم، وشمروا عن ساق الجد، ولا تثاقلوا إلى الارض، وتقروا بالخسف، وتبوءوا بالذل، اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا ولهم من الاولى، والسلام. بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه لمعاوية قال: وذكروا أنه لما قتل علي بن أبي طالب، ثار الناس إلى الحسن بن علي بالبيعة، فلما بايعوه قال لهم: تبايعون لي على السمع والطاعة، وتحاربون من حاربت، وتسالمون من سالمت، فلما سمعوا ذلك ارتابوا وأمسكوا أيديهم وقبض هو يده، فأتوا الحسين، فقالوا له: ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك، وعلى حرب المحلين الضالين أهل الشام، فقال الحسين: معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حيا. قال: فانصرفوا إلى الحسن، فلم يجدوا بدا من بيعته، على ما شرط عليهم، فلما تمت البيعة له، وأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، كاتب معاوية، فأتاه فخلا به، فاصطلح معه على أن لمعاوية الامامة ما كان حيا، فإذا مات فالامر للحسن، فلما تم صلحهما صعد الحسن إلى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس،


(1) أي دائم لا يتصرم ولا ينقطع. (*)

[ 141 ]

إن الله هدى أولكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وكانت لي في رقابكم بيعة، تحاربون من حاربت، وتسالمون من سالمت، وقد سالمت معاوية، وبايعته فبايعوه وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، وأشار إلى معاوية. إنكار سليمان بن صرد قال: وذكروا أنه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق، وانصرف راجعا إلى الشام، أتاه سليمان بن صرد، وكان غائبا عن الكوفة، وكان سيد أهل العراق ورأسهم. فدخل على الحسن، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن: وعليك السلام، اجلس. لله أبوك، قال: فجلس سليمان، فقال: أما بعد، فإن تعجبنا لا ينقضى من بيعتك معاوية ومعك مئة ألف مقاتل من أهل العراق، وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم، سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد، ولا حظا من القضية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق، كنت كتبت عليك بذلك كتابا، وأشهدت عليه شهودا من أهل المشرق والمغرب إن هذا الامر لك من بعده، كان الامر علينا أيسر، ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله، ثم قال: وزعم على رءوس الناس ما قد سمعت، إني كنت شرطت لقوم شروطا، ووعدتهم عدات، ومنيتهم أماني، إرادة إطفاء نار الحرب، ومداراة لهذه الفتنة، إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا، فإن كل ما هنالك نحت قدمي هاتين، ووالله ما عنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه، فأعد للحرب خدعة، واذن لي أشخص إلى الكوفة، فأخرج عامله منها، وأظهر فيها خلعه، وانبذ إليه على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين. ثم سكت. فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقاتله، وكلهم يقول: ابعث سليمان بن صرد، وابعثنا معه، ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله، وأظهرنا خلعه. فتكلم الحسن، فحمد الله، ثم قال: أما بعد، فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا، ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة والاستقامة لنا، وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، وأشد شكيمة، ولكان رأيى غير ما رأيتم، ولكني أشهد الله وإياكم أني لم أرد بما رأيتم الا حقن دمائكم، واصلاح ذات بينكم، فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله، وسلموا لامر الله، والزموا بيوتكم، وكفوا أيديكم، حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، مع أن أبي كان يحدثني أن معاوية سيلى الامر، فو الله لو سرنا إليه بالجبال والشجر، ما شككت أنه سيظهر، إن الله لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وأما قولك: يا مذل

[ 142 ]

المؤمنين، فو الله لان تذلوا وتعافوا أحب إلى من أن تعزوا وتقتلوا، فإن رد الله علينا حقنا في عافية قبلنا، وسألنا الله العون على أمره، وإن صرفه عنا رضينا، وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا، فليكن كل رجل منكم حلسا من (1) أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء، سألنا الله العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. كراهية الحسين رضي الله عنه للبيعة قال: ثم خرج سليمان بن صرد من عنده، فدخل على الحسين، فعرض عليه ما عرض على الحسن، وأخبره بما رد عليه الحسن، فقال الحسين: ليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فإنها بيعة كنت والله لها كارها، فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم، ورأينا ورأيتم. ما أشار به المغيرة بن شعبة على معاوية من البيعة ليزيد قال: وذكروا أنه لما استقامت الامور لمعاوية، استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة، ثم هم أن يعزله ويولى سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة قدم الشام على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، قد علمت ما لقيت هذه الامة من الفتنة والاختلاف، وفي عنقك الموت، وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علما يفزعون إليه، واجعل ذلك يزيد إبنك. قال: فدخل معاوية على امرأته فاخته بنت قرطة بن حبيب بن عبد شمس وكان ابنها منه عبد الله بن معاوية، وقد كان بلغها ما قال المغيرة، وما أشار به عليه من البيعة ليزيد وكان يزيد بن الكلبية ميسون إبنة عبد الرحمن بن بحدل الكلبي. فقالت فاختة، وكانت معادية الكلبية، ما أشار به عليك المغيرة ؟ اراد أن يجعل لك عدوا من نفسك، يتمنى هلاكك كل يوم، فشق ذلك على معاوية، ثم بدا له أن يأخذ بما أشار عليه المغيرة بن شعبة.


(1) الحلس: هو ما يلي الظهر الدابة تحت البرذعة، والمعنى الزموا بيوتكم ولا تبرحوها. (*)

[ 143 ]

ما حاول معاوية في بيعة يزيد قال: فلما اجتمعت عند معاوية وفود الامصار بدمشق، وفيهم الاحنف بن قيس، دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، فقال له إذا جلست على المنبر، وفرغت من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك، فاحمد الله تعالى، واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له عليك، من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي فإني قد رأيت وأجمعت على توليته، فأسأل الله في ذلك، وفي غيره الخيرة وحسن القضاء. ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وثور بن معن السلمى، وعبد الله بن عصام الاشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله، ويدعوه إلى بيعة يزيد. ما تكلم به الضحاك بن قيس قال: فلما جلس معاوية على المنبر، وفرغ من بعض موعظته، وهؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام، قام الضحاك بن قيس، فاستأذن في الكلام، فأذن له، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به، إنا قد بلونا الجماعة والالفة، والاختلاف والفرقة فوجدناها ألم لشعثنا، وأمنة لسبلنا، وحاقنة لدمائنا، وعائدة علينا في عاجل ما نرجو وآجل ما نؤمل. مع ما ترجو به الجماعة من الالفة، ولا خير لنا أن نترك سدى، والايام عوج رواجع، والله يقول: (كل يوم هو في الشأن)، ولسنا ندري ما يختلف به العصران، وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه، نسأل الله تعالى بك المتاع، وقد رأينا من دعة يزيد بن أمير المؤمنين، وحسن مذهبه، وقصد سيرته، ويمن نقيبته (1)، مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين، والشبه بأمير المؤمنين، في عقله وسياسته وشيمته المرضية، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا، والقنوع به في الولاية علينا، فليوله أمير المؤمنين - أكرمه الله - عهده، وليجعله لنا ملجأ ومفزعا بعده، نأوى إليه إن كان كون فإنه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك، عزم الله لك في رشدك، ووفقك في أمورنا. ما قال عبد الرحمن بن عثمان قال: ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله


(1) النقيبة: العقل والمشورة ونفاذ الرأي. (*)

[ 144 ]

أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه، قد احد ودبت علينا سيساؤه (1)، واقطوطبت (2) علينا أدواؤه، وأناخت عليا أبناؤه (3)، ونحن نشير عليك بالرشاد، وندعوك إلى السداد، وأنت - يا أمير المؤمنين - أحسننا نظرا وأثبتنا بصرا، ويزيد بن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته، وبلونا علانيته، ورضينا ولايته، وزادنا بذلك انبساطا، وبه اغتباطا، ما منحه الله من الشبه بأمير المؤمنين والمحبة في المسلمين، فاعزم على ذلك، ولا تضق به ذرعا، فالله تعالي يقيم به الاود (4)، ويردع به الالد (5)، وتأمن به السبل، ويجمع به الشمل، ويعظم به الاجر، ويحسن به الذخر. ثم جلس. ما قال ثور بن معن قال: ثم قام ثور بن معن السلمى، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان صاحبه شاغب، وظله ذاهب مكتوب علينا فيه الشقاء والسعادة، وأنت يا أمير المؤمنين ميت نسأل الله بك المتاع ويزيد ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفا، وأبذلنا عرفا (6) وقد دعانا إلى الرضا به، والقنوع بولايته، والحرص عليه، والاختيار له، ما قد عرفنا من صدق لسانه ووفائه، وحسن بلائه، فاجعله لنا بعدك خلفا، فإنه أوسعنا كنفا، وأقدمنا سلفا، وهو رتق لما فتق، وزمام لما شعب (7)، ونكال لمن فارق ونافق، وسلم لمن واظب، وحافظ للحق، أسأل الله لامير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة، والخيرة فيما أراد، والتوطن في البلاد، وصلاح أمر جميع العباد. ثم جلس. ما تكلم به عبد الله بن عصام قال: ثم قام عبد الله بن عصام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين،


(1) السيساء: الظهر، والمراد أن الزمان غير مستقيم كما يحدودب ظهر الدابة فلا يمكن ركوبها. (2) اقطوطبت: اجتمعت، والادواء جمع داء، أي اجمتمعت علينا علله (3) أناخت علينا: غلبت علينا ورمت بثقلها. (4) الاود: العوج. (5) الالد: شديد الخصومة. (6) العرف: العطاء. (7) شعب: كسر وتفرق. (*)

[ 145 ]

وأمتع به، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية، وأهواء منجذمة (1) نخاف هدها، وننتظر جدها، شديد منحدرها، كثير وعرها، شامخة مراقيها، ثابتة مراتبها، صعبة مراكبها، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد، لا يخلد في الدنيا أحد، ولا يبقى لنا أمد، وأنت يا أمير المؤمنين مسئول عن رعيتك، ومأخوذ بولايتك، وأنت أنظر (2) للجماعة وأعلى عينا بحسن الرأي لاهل الطاعة، وقد هديت ليزيد في أكمل الامور وأفضلها رأيا، وأجمعها رضا، فاقطع بيزيد قالة الكلام، ونخوة المبطل، وشغب المنافق، واكبت به الباذخ (3) المعادي، فإن ذلك ألم للشمل وأسهل للوعث (4)، فاعزم على ذلك، ولا تترامى بك الظنون. ما تكلم به عبد الله بن مسعدة ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به. إن الله قد آثرك بخلافته، واختصك بكرامته، وجعلك عصمة لاوليائه، وذا نكاية لاعدائه، فأصبحت بأنعمه جذلا، ولما حملك محتملا، يكشف الله تعالى بك العمى، ويهدي بك العدى، ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة، وأحقهم بالخلافة بعدك، قد ساس الامور، وأحكمته الدهور، ليس بالصغير الفهيه (5)، ولا بالكبير السفيه، قد احتجن (6) المكارم، وارتجى لحمل العظائم، وأشد الناس في العدو نكاية، وأحسنهم صنعا في الولاية، وأنت أغنى بأمرك، وأحفظ لوصيتك، وأحرز لنفسك. أسأل الله لامير المؤمنين العافية في غير جهد، والنعمة في غير تغيير. ما قال الاحنف بن قيس قال: فقال معاوية: أو كلكم قد أجمع رأيه على ما ذكرنا ؟ فقالوا: كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا. قال: فأين الاحنف ؟ فأجابه، قال: ألا تتكلم ؟ فقام الاحنف فحمد الله وأثنى عليه،


(1) منجذمة: أي منقطعة، كل هوى له وجهة غير وجهة الآخر فلا تجتمع الاهواء على رأي واحد. (2) أنظر: أحسن نظرا في أمر الجماعة واختبار من يتولى أمرها من بعدك. (3) الباذخ: المسنعلى المتكبر. (4) الوعث: الطريق العسر، والمراد أسهل للسير في الطريق الصعب. (5) الفهية: العيى الذي لا يحسن الكلام. (6) احتجن المكارم: جمعها وحواها. (*)

[ 146 ]

ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن الناس قد أمسكوا في منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مؤتنف (1)، ويزيد بن أمير المؤمنين نعم الخلف، وقد حلبت الدهر أشطره (2) يا أمير المؤمنين، فاعرف من تسند إليه الامر من بعدك، ثم اعص أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك، ولا ينظر لك، وأنت أنظر للجماعة، واعلم باستقامة الطاعة، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا. ما رد الضحاك بن قيس عليه قال: فغضب الضحاك بن قيس، فقام الثانية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين. إن أهل النفاق من أهل العراق، مروءتهم في أنفسهم الشقاق، وألفتهم في دينهم الفراق، يرون الحق على أهوائهم، كأنما ينظرون بأقفائهم، اختالوا جهلا وبطرا، لا يرقبون من الله راقبة، ولا يخافون وبال عاقبة، اتخذوا إبليس لهم ربا، واتخذهم إبليس حزبا، فمن يقاربوه لا يسروه، ومن يفارقوه لا يضروه، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم، وكلامهم في صدورهم، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه ؟ هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة (3)، ويحجب غير الذكر العصبة (4)، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لامامكم، وكاتب نبيكم وصهره، يسلم لكم العاجل، وتربحوا من الآجل. ما أجاب به الاحنف بن قيس قال: ثم قام الاحنف بن قيس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنا قد فررنا عنك قريشا (5)، فوجدناك أكرمها زندا، وأشدها عقدا، وأوفاها عهدا، وقد علمت


(1) مستقبل. (2) هذا مثل يضرب للمجرب للامور المحنك، يقال حلب الدهر أشطره. (3) الكلالة: الذي لا ولد له ولا والد. (4) العصبة هم الذكور من الورثة الذين يأخذون كل التركة إذا انفردوا، أو معظم التركة بعد أن يأخذ أصحاب الفروض أنصبتهم، والمراد استبعاد أن يأخذ الحسن رضي الله عنه الخلافة من يزيد، فجعل الضحاك: الحسن مثل غير الذكر وجعل يزيد هو الذكر على التشبيه، وهذا باطل من القول لان الخلافة لا تورث وفيه من سوء الادب على الحسن رضي الله عنه ما كان يجب معه قطع لسان الضحاك. (5) فررنا عنك قريشا: أي بحثنا في قريش وفتشنا فيها. (*)

[ 147 ]

أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قعصا (1)، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت، ليكون له الامر من بعدك، فإن تف فأنت أهل الوفاء، وإن تغدر تعلم والله إن وراء الحسن خيولا جيادا، وأذرعا شدادا، وسيوفا حدادا، إن تدن له شبرا من غدر، تجد وراءه باعا من نصر، وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء، وإن السيوف التي شهروها عليك مع على يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم، وايم الله إن الحسن لاحب إلى أهل العراق من علي. ما قال عبد الرحمن بن عثمان قال: ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن رأى الناس مختلف، وكثير منهم منحرف، لا يدعون أحدا إلى رشاد، ولا يجيبون داعيا إلى سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون لهم في السنة والقضاء، وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية، وأرضاها لحمل الرعية، فإذا خار (2) الله لك، فاعزم، ثم اقطع قالة الكلام، فإن يزيد أعظمنا حلما وعلما، وأوسعنا كنفا، وخيرنا سلفا، قد أحكمته التجارب، وقصدت به سبل المذاهب، فلا يصرفنك عن بيعته صارف، ولا يقفن بك دونها واقف، ممن هو شاسع عاص، ينوص (3) للفتنة كل مناص، لسانه ملتو، وفي صدره داء دوي (4)، إن قال فشر قائل، وإن سكت فذود غائل (5)، قد عرفت من هم أولئك وما هم عليه لك، من المجانبة للتوفيق، والكلف (6) للتفريق، فأجل ببيعته عنا الغمة، واجمع به شمل الامة، فلا تحد عنه إذ هديت له، ولا تنش (7) عنه إذ وقفت له، فإن ذلك الرأي لنا ولك، والحق علينا وعليك، أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك بمنه. ما قال معاوية بن أبي سفيان قال: فقام معاوية فقال: أيها الناس، إن لابليس من الناس إخوانا وخلانا بهم يستعد،


(1) القعص: القتل، والمراد أنه لم يأخذ العراق بالحرب وإنما بايعته طائعة بعد صلح الحسن. (2) خار لك: اختار لك. (3) ينوص للفتنة: يتحرك لها وينهض لها كل منهض. (4) دوى: بليغ في دائيته شديد. (5) ذود غائل: دفع بلاء عنه. (6) الكلف: الحب. (7) لا تنش عنه: لا تبعد عنه ولا تتحرك من ناحيته. (*)

[ 148 ]

وإياهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعا أو جفوا (1)، وإن استغنى عنهم أرجفوا (2) ثم يلحقون الفتن بالفجور، ويشققون لها حطب النفاق، عيابون مرتابون، إن ولوا عروة أمر حنقوا، وإن دعوا إلى غي أسرفوا، وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين، حتى تصيبهم صواعق خزى وبيل، وتحل بهم قوارع أمر جليل، تجتث أصولهم كاجتثات أصول الفقع (3)، فأولى لاولئك ثم أولى، فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقديم شيئا أو نفع النذير. قال: فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة، ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة، ثم قام أبو خنيف فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لا نطيق ألسنة مضر وخطبها، أنت يا أمير المؤمنين، فإن هلكت فيزيد بعدك، فمن أبى فهذا، وسل سيفه، فقال معاوية: أنت أخطب القوم وأكرمهم. ثم قام الاحنف بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، أنت أعلمنا بليله ونهاره، وبسره وعلانيته فإن كنت تعلم أنه خير لك فوله واستخلفه، وإن كنت تعلم أنه شر لك، فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخره، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين، وأنت تعلم من هما، وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير). قدوم معاية المدينة وما خاوض فيه العبادلة قال: قالوا: فاستخار الله معاوية، وأعرض عن ذكر البيعة، حتى قدم المدينة سنة خمسين، فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير، وأمر حاجبه أن لا يأذن لاحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية، فقال: الحمد لله الذي أمرنا بحمده، ووعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيرا، كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإني قد كبر سني، ووهن عظمي، وقرب أجلى، وأوشكت أن أدعى فأجيب، وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد، ورأيته لكم رضا، وأنتم عبادلة قريش وخيارها، وأبناء خيارها، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما علي على حسن رأيى فيهما، وشديد محبتي لهما، فردوا على أمير المؤمنين خيرا رحمكم الله.


(1) أوجفوا: أسرعوا. (2) أرجفوا: أثاروا الشائعات. (3) أصول الفقع: أصول الكمأة الرخوة واستئصالها سهل، يريد أن الذي يعصييهم يجتث أصولهم بسهولة كما تجتث أصول الكمأة الرخوة. (*)

[ 149 ]

ما تكلم به عبد الله بن عباس قال: فتكلم عبد الله بن عباس، فقال: الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده، واستوجب علينا الشكر على آلائه، وحسن بلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وصلى الله على محمد وآل محمد. أما بعد، فإنك قد تكلمت فأنصتنا، وقلت فسمعنا، وإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، اختار محمدا صلى الله عليه وسلم لرسالته، واختاره لوحيه، وشرفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرف به، وأولاهم بالامر أخصهم به، وإتما على الامة التسليم لنبيها، إذ اختاره الله لها، فإنه إنما اختار محمد بعلمه، وهو العليم الخبير، وأستغفر الله لي ولكم. ما تكلم به عبد الله بن جعفر قال: فقام عبد الله بن جعفر، فقال: الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه، نحمده على إلهامنا حمده، ونرغب إليه في تأدية حقه، وأشهد أن لا إله إلا الله واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم: أما بعد، فإن هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن، فأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله، فأولوا رسول الله، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الامر من آل الرسول ؟ وايم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الامر موضعه، لحقه وصدقه، ولاطيع الرحمن، وعصى الشيطان، وما اختلف في الامة سيفان، فاتق الله يا معاوية، فإنك قد صرت راعيا، ونحن رعية، فانظر لرعيتك فإنك مسئول عنها غدا، وأما ما ذكرت من ابني عمي، وتركك أن تحضرهما، فو الله ما أصبت الحق، ولا يجوز لك ذلك إلا بهما، وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم، فقل أو دع. وأستغفر لي الله ولكم. ما تكلم به عبد الله بن الزبير قال: فتكلم عبد الله بن الزبير، فقال: الحمد لله الذي عرفنا دينه، وأكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى وأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فإن هذه الخلافة لقريش خاصة، تتناولها بماثرها السنية، وأفعالها المرضية، مع شرف الآباء، وكرم الابناء، فاتق الله يا معاوية وأنصف من نفسك، فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله، وهذا عبد الله بن جعفر ذو الجناحين ابن عم رسول الله، وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي خلف حسنا وحسينا،

[ 150 ]

وأنت تعلم من هما، وما هما، فاتق الله يا معاوية، وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك، ثم سكت. ما تكلم به عبد الله بن عمر فتكلم عبد الله بن عمر، فقال: الحمد لله الذي أكرمنا بدينه، وشرفنا بنبيه صلى الله عليه وسلم أما بعد: فإن هذه الخلافة ليست (1) بهرقلية، ولا قيصرية ولا كسروية (2) يتوارثها الابناء عن الآباء ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي، فو الله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا، وإنما هي في قريش خاصة، لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لانفسهم، من كان أتقى وأرضى، فإن كنت تريد الفتيان من قريش، فلعمري إن يزيد من فتيانها، واعلم أنه لا يغنى عنك من الله شئيا. ما تكلم به معاوية فتكلم معاوية فقال: قد قلت وقلتم، وإنه ذهبت الآباء، وبقيت الابناء، فابني أحب إلى من أبنائهم، مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالا، وإنما كان هذا الامر لبني عبد مناف، لانهم أهل رسول الله، فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك ولا الخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف، فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة، وقد أخرجك الله يا بن الزبير، وأنت يا بن عمر منها، فأما ابنا عمى هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله. ثم أمر بالرحلة، وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد، ولم يقطع عنهم شئيا من صلاتهم وأعطياتهم: ثم انصرف راجعا إلى الشام، وسكت عن البيعة، فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين. موت الحسن بن علي رضى الله عنهما قال: فلما كانت سنة إحدى وخمسين، مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه، فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية: إن استطعت ألا يمضى يوم يمر بي إلا يأتيني فيه خبره فافعل، فلم يزل يكتب إليه يحاله حتى توفى. فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا، حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس،


(1) ليست بهرقلية: أي ليست ملكية تورث كما يورث الملوك أبناءهم ملكهم، وهرقل كان ملك مصر من قبل الروم. (2) قيصرية نسبة إلى قيصر ملك الروم، وكسروية نسبة إلى كسرى ملك الفرس. (*)

[ 151 ]

وكان بالشام يومئذ، فدخل على معاوية، فلما جلس قال معاوية: يا بن عباس هلك الحسن بن علي، فقال ابن عباس: نعم هلك (إنا لله وإنا إليه راجعون) ترجيعا مكررا، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته. أما والله ما سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك، ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه، جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثم شهق ابن عباس وبكى، وبكى من حضر المجلس، وبكى معاوية، فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم، فقال معاوية: بلغني أنه ترك بنين صغارا. فقال ابن عباس: كلنا كان صغيرا فكبر. قال معاوية: كم أتى له من العمر ؟ فقال ابن عباس: أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده. قال: فسكت معاوية يسيرا، ثم قال: يا بن العباس: أصبحت سيد قومك من بعده، فقال ابن عباس: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا. قال معاوية: لله أبوك يا بن عباس، ما استنبأتك إلا وجدتك معدا. بيعة معاوية ليزيد بالشام وأخذه أهل المدينة قالوا: ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه الله إلا يسيرا حتى بايع ليزيد بالشام، وكتب بيعته إلى الآفاق، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم، فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد، ويأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة، ثم يبايعوا ليزيد. عزل مروان عن المدينة قال: فلما قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك. وأبته قريش. فكتب لمعاوية: إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك، فارأ رأيك. فلما بلغ معاوية كتاب مروان عرف أن ذلك من قبله. فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله، ويخبره أنه قد ولى المدينة سعيد بن العاص، فلما بلغ مروان كتاب معاوية، أقبل مغاضبا في أهل بيته، وناس كثير من قومه، حتى تزل بأخواله بنى كنانة، فشكا إليهم، وأخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية، وفي عزله واستخلافه يزيد ابنه عن غير مشورة مبادرة له، فقالوا نحن نبلك في يدك، وسيفك في قرابك فمن رميته بنا أصبناه، ومن ضربته بنا قطعناه، الرأي رأيك، ونحن طوع يمينك. ثم أقبل مروان في وفد منهم كثير، ممن كان معه من قومه وأهل بيته حتى نزل دمشق، فخرج فيهم حتى أتى سدة معاوية، وقد أذن للناس. فلما نظر الحاجب إلى كثرة من معه من قومه وأهل بيته، منعه من الدخول، فوثبوا إليه، فضربوا وجهه، حتى خلى عن الباب، ثم دخل مروان، ودخلوا معه، حتى إذا كان من معاوية بحيث تناله يده.

[ 152 ]

خطبة مروان بن الحكم بين بدى معاوية قال بعد التسليم عليه بالخلافة: إن الله عظيم خطره، لا يقدر قادر قدره، خلق من خلقه عبادا، جعلهم لدعائم دينه أوتادا، هم رقباؤه على البلاد، وخلفاؤه على العباد، أسفر بهم الظلم، وألف بهم الدين، وشدد بهم اليقين ومنح بهم الظفر، ووضع بهم من استكبر، فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زمامنا، وكنا نكون لهم على الطاعة إخوانا، وعلى من خالف عنها أعوانا، يشد بنا العضد، ويقام بنا الاود، ونستشار في القضية، ونستأمر في أمر الرعية، وقد أصبحنا اليوم في أمور مستحيرة ذات وجوه مستديرة، تفتح بأزمة الضلال، وتجلس بأهواء الرجال، يؤكل جزورها (1)، وتمق أحلابها (2) فما لنا لا نستأمر في رضاعها (3) ونحن فطامها وأولات فطامها ؟ وايم الله لولا عهود مؤكدة، ومواثيق معقدة، لاقمت أود وليها، فأقم الامر يا بن أبي سفيان وأهدئ (4) من تأميرك الصبيان، واعلم أن لك في قومك نظرا، وأن لهم على مناوأتك وزرا (5). فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا، ثم كظم غيظة بحلمه، وأخذ بيد مروان، ثم قال: إن الله قد جعل لكل شئ أصلا، وجعل لكل خير أهلا ثم جعلك في الكرم مني محتدا، والعزيز مني والدا، اخترت من قروم (6) قادة، ثم استللت سيد سادة، فأنت ابن ينابيع الكرم، فمرحبا بك وأهلا من ابن عم ذكرت خلفا مفقودين، شهداء صديقين، كانوا كما نعت، وكنت لهم كما ذكرت، وقد أصبحنا في أمور مستحيرة، ذات وجوه مستديرة، وبك والله يا ابن العم نرجو استقامة أودها، وذلولة صعوبتها، وسفور ظلمتها، حتى يتطأطأ جسيمها (7)، ويركب بك عظيمها، فأنت نظير أمير المؤمنين بعده، وفي كل شدة عضده، وإليك عهد عهده، فقد وليتك قومك، وأعظمنا في الخراج سهمك، وأنا مجيز (8) وفدك، ومحسن رفدك (9)، وعلى أمير المؤمنين غناك، والنزول عند رضاك.


(1) يؤكل جزورها: يؤكل لحمها. (2) وتمق أحلابها: يشرب لبنها جميعه فلا يترك منه شئ والمراد بالجملتين أن معاوية يستأثر بكل شئ في الخلافة ولا يترك لمروان منها شيئا. (3) يريد مالك لا تأخذ رأينا في الخلافة ونحن قادرون على منع درها عنك. (4) أهدئ: أبطئ وترو ولا تتسرع. (5) الوزر الملجأ والمستعان. (6) القروم جمع قرم وهو الشجاع. (7) يتطأطأ جسيمها: حتى يذلل صعبها. (8) مجيز وفدك: معطيهم جوائز. (9) الرفد: العطاء. (*)

[ 153 ]

فكان أول ما رزق ألف دينار في كل هلال، وفرض له في أهل بيته مئة مئة. كراهية أهل المدينة البيعة وردهم لها قال وذكروا أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة، يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة، ويكتب إليه بمن سارع ممن لم يسارع. فلما أتى سعيد بن العاص الكتاب، دعا الناس إلى البيعة ليزيد، وأظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة، وسطا (1) بكل من أبطأ عن ذلك، فأبطأ الناس عنها، إلا اليسير، لا سيما بني هاشم، فإنه لم يجبه منهم أحد، وكان ابن الزبير من أشد الناس إنكارا لذلك، وردا له. فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية: أما بعد، فإنك أمرتنى أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وأن أكتب إليك بمن سارع ممن أبطأ، وإني أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء (2)، لا سيما أهل البيت من بني هاشم، فإنه لم يجبني منهم أحد، وبلغني عنهم ما أكره وأما الذي جاهر بعداوته، وإبائه لهذا الامر، فعبد الله بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال أو تقدم بنفسك، فترى رأيك في ذلك، والسلام. فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس، وإلى عبد الله بن الزبير، وإلى عبد الله بن جعفر، وإلى الحسين بن علي، رضي الله عنهم كتبا، وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم، ويبعث بجواباتها. كتاب معاوية إلى سعيد بن العاص كتب إلى سعيد بن العاص، أما بعد، فقد أتاني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة. ولا سيما بني هاشم، وما ذكر ابن الزبير وقد كتبت إلى رؤسائهم كتبا، فسلمها إليهم، وتنجز جواباتها، وابعث بها إلى، حتى أرى في ذلك رأيى، ولتشتد عزيمتك، ولتصلب شكيمتك، وتحسن نيتك. وعليك بالرفق، وإياك والخرق (3)، فإن الرفق رشد، والخرق نكد، وانظر حسينا خاصة، فلا يناله منك مكروه، فإن له قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا مسلمة، وهو ليث عرين، ولست آمنك إن شاورته أن لا نقوى عليه، فأما من


(1) سطا بهم: نكل بهم وعاقبهم. (2) بطاء بكسر الباء: جمع بطئ. (3) الخزق: الحمق وعدم الروية. (*)

[ 154 ]

يرد مع السباع إذا وردت، ويكنس إذا كنست (1)، فذلك عبد الله بن الزبير، فاحذره أشد الحذر، ولا قوة إلا بالله، وأنا قادم عليك إن شاء الله، والسلام. ما كتب به إلى ابن عباس وكتب إلى ابن عباس: أما بعد، فقد بلغني إبطاؤك عن البيعة ليزيد بن أمير المؤمنين، وإنى لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إلى،، لانك ممن ألب عليه وأجلب، وما معك من أمان فتطمئن به، ولا عهد فتسكن إليه، فإذا أتاك كتابي هذا، فاخرج إلى المسجد، والعن قتلة عثمان، وبايع عاملي، فقد أعذر من أنذر، وأنت بنفسك أبصر، والسلام. ما كتب به إلى عبد الله بن جعفر وكتب إلى عبد الله بن جعفر: أما بعد، فقد عرفت أثرتي إياك على من سواك، وحسن رأيى فيك وفي أهل بيتك، وقد أتاني عنك ما أكره، فإن بايعت تشكر وإن تأب تجبر، والسلام. ما كتب به إلى الحسين وكتب إلى الحسين: أما بعد، فقد انتهت إلي منك أمور، لم أكن أظنك بها رغبة عنها، وإن أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك، في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، واتق الله، ولا تردن هذه الامة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. ما كتبه إلى ابن الزبير وكتب إلى عبد الله بن الزبير: رأيت كرام الناس إن كف عنهم * بحلم رأوا فضلا لمن قد تحلما ولا سيما إن كان عفوا بقدرة * فذلك أحرى أن يجل ويعظما ولست بذي لوم فتعذر بالذي * أتاه من الاخلاق من كان ألوما ولكن غشا لست تعرف غيره * وقد غش قبل اليوم إبليس آدما


(1) يكنس: يأوى إلى كناسه وهو مأواه ومبيته. (*)

[ 155 ]

فما غش إلا نفسه في فعاله * فأصبح ملعونا وقد كان مكرما وإني لاخشى أن أنالك بالذي * أردت فيجزي الله من كان أظلما ما أجابه القوم به رضي الله عنهم فكان أول ما أجابه عبد الله بن عباس، فكتب إليه: أما بعد، فقد جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت، وأن ليس معي منك أمان، وإنه والله ما منك يطلب الامان يا معاوية، وإنما يطلب الامان من الله رب العالمين. وأما قولك في قتلى، فو الله لو فعلت للقيت الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم خصمك، فما إخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله خصمه. وأما ما ذكرت من أني ممن ألب في عثمان وأجلب، فذلك أمر غبت عنه، ولو حضرته ما نسبت إلي شيئا من التأليب عليه، وايم الله ما أرأي أحدا غضب لعثمان غضبي، ولا أعظم أحد قتله إعظامي، ولو شهدته لنصرته، أو أموت دونه، ولقد قلت وتمنيت يوم قتل عثمان: " ليت الذي قتل عثمان لقيني فقتلني معه، ولا أبقى بعده " وأما قولك لي: العن قتلة عثمان، فلعثمان ولد وخاصة وقرابه، هم أحق بلعنهم مني، فإن شاءوا أن يلعنوا فليلعنوا، وإن شاءوا أن يمسكوا فليمسكوا، والسلام. وكتب إليه عبد الله بن جعفر: أما بعد، فقد جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من أثرتك إياي على من سواي، فإن تفعل فبحظك أصبت، وإن تأب فبنفسك قصرت. وأما ما ذكرت من جبرك إياي على البيعة ليزيد، فلعمري لئن أجبرتني عليها لقد أجبرناك وأباك على الاسلام، حتى أدخلناكما كارهين غير طائعين، والسلام. وكتب إليه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: ألا سمع الله الذي أنا عبده * فأخزى إله الناس من كان أظلما وأجرا على الله العظيم بحلمه * وأسرعهم في الموبقات تقحما أغرك أن قالوا حليم بغرة * وليس بذي حلم ولكن تحلما ولو رمت ما إن قد زعمت وجدتني * هزبر عرين يترك القرن أكتما وأقسم لولا بيعة لك لم أكن * لانقضها لم تنج مني مسلما وكتب إليه الحسين رضي الله عنه: أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور، لم تكن تظنني بها، رغبة بي عنها، وإن الحسنات لا يهدي لها، ولا يسدد

[ 156 ]

إليها إلا الله تعالى، وأما ما ذكرت أنه رقى إليك عني، فإنما رقاه الملاقون، المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حربا ولا خلافا، وإني لاخشى لله في ترك ذلك، منك ومن حزبك، القاسطين المحلين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم. ألست قاتل حجر، وأصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلما وعدوانا، من بعدما أعطيتهم المواثيق الغليظة، والعهود المؤكدة، جراءة على الله واستخفافا بعهده، أو لست بقاتل عمرو بن الحمق، الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته من بعدما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم (1) نزلت من شعف (2) الجبال، أو لست المدعى زيادا في الاسلام (3)، فزعمت أنه ابن أبي سفيان، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولد للفراش (4) وللعاهر الحجر (5)، ثم سلطته على أهل الاسلام، يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم على جذوع النخل، سبحان الله يا معاوية ! لكأنك لست من هذه الامة، وليسوا منك. أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زيادة أنه على دين علي كرم الله وجهه، ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وسلم، الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحتلين: رحلة الشتاء والصيف (6)، فوضعها الله عنكم بنا، منة عليكم، وقلت فيما قلت: لا ترد هذه الامة في فتنة، وإني لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها، وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولامة محمد، وإني والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنه قربة إلى ربي، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني، وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى،


(1) العصم جمع أعصم وهي الوعول التي تعصم بأعلى الجبال. (2) شعف الجبال. قننها وأعاليها. (3) زياد. هو زياد بن أبيه، كان أبو سفيان والد معاوية قد أنكر أنه ابنه وادعى أن زوجته أتت يه من سفاح وكان ذلك في الجاهلية فسمى زياد بن أبيه لانه لا يعلم له أب فألحقه معاوية بأبيه وجعله أخاه وسماه زياد بن أبي سفيان واستعان به على المسلمين كما ذكر الحسين رضي الله عنه. (4) أي ينسب لامه لانها هي الفراش. (5) العاهر: الزاني والزانية لهما الرجم بالحجارة، أو المعنى العاهر الزاني له الرجم ولا ينسب له الولد. (6) يريد كان أكبر شرفك أن تتاجر كما كان يتاجر أبوك فتذهب في الشتاء والصيف إلى الشام وإلى اليمن للتجارة. (*)

[ 157 ]

وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك، فلعمري لقديما يكاد الصالحون، وإني لارجو أن لا تضر إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك، فكدني ما بدا لك، واتق الله يا معاوية، واعلم أن لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. واعلم أن الله ليس بناس لك قتلك بالظنة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيا يشرب الشراب (1)، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلا وقد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية والسلام. قدوم معاوية المدينة على هؤلاء القوم وما كان بينهم من المنازعة قال وذكروا أنه لما وجاوب القوم معاوية بما جاوبوه، من الخلاف لامره، والكراهية لبيعته ليزيد، كتب إلى سعيد بن العاص، يأمره أن يأخذ أهل المدينة بالبيعة ليزيد، أخذا بغلظة وشدة، ولا يدع أحدا من المهاجرين والانصار وأبنائهم حتى يبايعوا، وأمره أن لا يحرك هؤلاء النفر، ولا يهيجهم. فلما قدم عليه كتاب معاوية أخذهم بالبيعة أعنف ما يكون من الاخذ وأغلظه، فلم يبايعه أحد منهم. فكتب إلى معاوية: إنه لم يبايعني احد، وإنما الناس تبع لهؤلاء النفر، فلو بايعوك بايعك الناس جميعا، ولم يتخلف عنك احد. فكتب إليه معاوية يأمره أن لا يحركهم إلى أن يقدم، فقدم معاوية المدينة حاجا، فلما أن دنا من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه، ما بين راكب وماش، وخرج النساء والصبيان، فلقيه الناس على حال طاقتهم وما تسارعوا به في الفوت والقرب، فلان لمن كافحه، وفاوض العامة بمحادثته وتألفهم جهده، مقاربة ومصانعة، ليستميلهم إلى ما دخل فيه الناس، حتى قال في بعض ما يجتلبهم به: يا أهل المدينة ما زلت أطوى الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم، حتى انطوى البعيد، ولان الخشن، وحق لجار رسول الله أن يتاق إليه. فرد عليه القوم: بنفسك ودارك ومهاجرك، أما إن لك منهم كإشفاق الحميم البر (2)، والحفى المتعاهد.


(1) يريد بالصبي إبنه يزيد ومعنى يشرب الشراب أنه يعاقر الخمر وكان يعلن بها، ويلعب بالكلاب أي يصطاد بها ويسلط بعضها على بعض فتتهارش. فكان همه الشراب والقنص. (2) الحميم: الصديق، والبر المخلص في صداقته، والحفى: القريب الذي يحترم صاحبه ويحتفل به والمتعاهد: الذي يداوم الحفاوة. (*)

[ 158 ]

قال: حتى إذا كان بالجرف لقيه الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، فقال معاوية: مرحبا بابن بنت رسول الله وابن صنو أبيه، ثم انحرف إلى الناس، فقال: هذان شيخا بني عبد مناف، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه، فرحب وقرب، وجعل يواجه هذا مرة، ويضاحك هذا أخرى، حتى ورد المدينة، فلما خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان، يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل، فانصرفا عنه فمال الحسين إلى منزله، ومضى عبد الله بن عباس إلى المسجد فدخله. وأقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام، حتى أتى عائشة أم المؤمنين فاستأذن عليها فأذنت له وحده، ولم يدخل عليها معه أحد، وعندها مولاها ذكوان. فقالت عائشة: يا معاوية، أكنت تأمن أن أقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر ؟ فقال معاوية: ما كنت لتفعلي ذلك، قالت: لم ؟ قال: لاني في بيت آمن، بيت رسول الله. ثم إن عائشة حمدت الله وأثنت عليه، وذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرت أبا بكر وعمر، وحضته على الاقتداء بهما، والا ابتاع لاثرهما، ثم صمتت. قال: فلم يخطب معاوية، وخاف أن لا يبلغ ما بلغت، فارتجل الحديث ارتجالا، ثم قال: أنت - والله يا أم المؤمنين - العالمة بالله وبرسوله، دللتنا على الحق، وحضضتنا على حظ أنفسنا، وأنت أهل لان يطاع أمرك، ويسمع قولك، وإن أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم، وقد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم، أفترين أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم ؟ فلما سمعت ذلك عائشة علمت أنه سيمضي على أمره، فقالت: أما ما ذكرت من عهود ومواثيق، فاتق الله في هؤلاء الرهط، ولا تعجل فيهم، فلعلهم لا يصنعون إلا ما أحببت، ثم قام معاوية، فلما قام قالت عائشة: يا معاوية، قتلت حجرا وأصحابه العابدين المجتهدين. فقال معاوية. دعى هذا، كيف أنا في الذي بيني وبينك في حوائجك ؟ قالت: صالح، قال: فدعينا وإياهم حتى نلقي ربنا، ثم خرج ومعه ذكوان، فاتكأ على يد ذكوان، وهو يمشي ويقول: تالله إن رأيت كاليوم قط خطيبا أبلغ من عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مضى حتى أتى منزله. فأرسل إلى الحسين بن علي، فخلا به، فقال له: يابن أخي، قد استوثق الناس لهذا الامر، غير خمسة نفر من قريش، أنت تقودهم يابن أخي، فما أر بك إلى الخلاف ؟ قال الحسين: أرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلا منهم، وإلا لم تكن عجلت على بأمر. قال: وتفعل ؟ قال: نعم، قال: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا، فخرج، وقد

[ 159 ]

أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق، فقال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان ؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا. قال: ثم أرسل معاوية بعده إلى ابن الزبير، فخلا به. فقال له: قد استوثق الناس لهذا الامر، غير خسمة نفر من قريش أنت تقودهم، يا بن أخي، فما أر بك إلى الخلاف ؟ قال: فأرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلا منهم، وإلا لم تكن عجلت على بأمر. قال: وتفعل ؟ قال: نعم. فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا. قال: فأرسل بعده إلى ابن عمر، فأتاه وخلا به، فكلمه بكلام هو ألين من صاحبيه وقال: إني كرهت أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها، وقد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر أنت تقودهم، فما أر بك إلى الخلاف ؟ قال ابن عمر: هل لك في أمر تحقن به الدماء وتدرك به حاجتك ؟ فقال معاوية: وددت ذلك، فقال ابن عمر: تبرز سريرك، ثم أجئ فأبايعك، على أني بعدك أدخل فيما أجتمعت عليه الامة، فو الله لو أن الامة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الامة. قال: وتفعل ؟ قال: نعم. ثم خرج وأرسل إلى عبد الرحمن ابن أبي بكر، فخلا به. قال: بأي يد أو رجل تقدم على معصيتي ؟ فقال عبد الرحمن: أرجو أن يكون ذلك خيرا لي، فقال معاوية: والله لقد هممت أن أقتلك، فقال: لو فعلت لاتبعك الله في الدنيا، ولادخلك به في الآخرة النار، قال: ثم خرج عبد الرحمن بن أبي بكر، وبقي معاوية يومه ذلك يعطي الخواص، ويعصى مذمة الناس. فلما كان صبيحة اليوم الثاني، أمر بفراش فوضع له، وسويت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله، ثم خرج وعليه حلة يمانية، وعمامة دكناء، وقد أسبل طرفها بين كتفيه، وقد تغلى (1) وتعطر، فقعد على سريره، وأجلس كتابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لاحد من الناس وإن قرب، ثم أرسل إلى الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، فسبق ابن عباس، فلما دخل وسلم أفعده في الفراش عن يساره، فحادثه مليا، ثم قال يا بن عباس، لقد وفر الله حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف، ودار الرسول عليه الصلاة والسلام. فقال ابن عباس: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، وحظنا من القناعة بالبعض، والتجافي عن الكل أوفر، فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجاوبة، ويعدل إلى ذكر الاعمار على اختلاف الغرائز والطبائع، حتى أقبل الحسين بن علي، فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه، فدخل الحسين وسلم، فأشار إليه، فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم، فأخبره، ثم سكت. قال: ثم ابتدأ معاوية


(1) تغلي: تضمخ بالغالية وهي من أعظم أنواع المسك. (*)

[ 160 ]

فقال: أما بعد، فالحمد لله ولي النعم، ومنزل النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالى عما يقول الملحدون علوا كبيرا، وأن محمدا عبده المختص المبعوث إلى الجن والانس كافة، لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فأدى عن الله، وصدع بأمره، وصبر على الاذى في جنبه، حتى وضح دين الله، وعز أولياؤه، وقمع المشركون، وظهر أمر الله وهم كارهون، فمضى صلوات الله عليه، وقد ترك من الدنيا ما بذل له، واختار منها الترك لما سخر له، زهادة واختيارا لله، وأنفة واقتدارا على الصبر، بغيا لما يدوم ويبقى، فهذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم خلفه رجلان محفوظان، وثالث مشكور، وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعا، وما أعلم منه فوق ما تعلمان، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه، وقد علم الله ما أحاول به في أمر الرعية، من سد الخلل، ولم الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين، وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد، وفيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة، ما أعياني مثله عندكما، وعند غيركما، مع علمه بالسنة، وقراءة القرآن، والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب، وقد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة، قدم على الصديق والفاروق، ومن دونهما من أكابر الصحابة، وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل، من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة. ولا سنة مذكورة، فقادهم الرجل بأمره، وجمع بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئهم، وقال فلم يقل معه، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فمهلا بني عبد المطلب، فأنا وأنتم شعبا نفع وجد، وما زلت أرجو الانصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلا بفضل قولكما، فردا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما، وأستغفر الله لي ولكما. قال: فتيسر ابن عباس للكلام، ونصب يده للمخاطبة، فأشار إليه الحسين وقال: على رسلك، فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر، فأمسك ابن عباس، فقام الحسين، فحمد الله، وصلى على الرسول ثم قال: أما بعد يا معاوية، فلن يؤدي القائل، وإن أطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع جزءا، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية: فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفطرت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى محلت، وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حق من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الاوفر، ونصيبه الاكمل، وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله، وسياسته لامة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبا، أو تنعت

[ 161 ]

غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لاترابهن، والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده باصرا، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فو الله ما برحت تقدح باطلا في جور، وحنقا في ظلم حتى ملات الاسقية (1) وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ، في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الامر، ومنعتنا عن آبائنا تراثا، ولقد - لعمر الله - أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت لنا بها، أما حججتم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجة بذلك، ورده الايمان إلى النصف، فركبتم الاعاليل، وفعلتم الافاعيل، وقلتم كان ويكون، حتى أتاك الامر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولى الابصار، وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأميره له، وقد كان ذلك، ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، وبيعته له، وما صار - لعمر الله - يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال صلى الله عليه وسلم: لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري. فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول، في أوكد الاحكام، وأولاها بالمجمع عليه من الصواب ؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا، وحولك من لا يؤمن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك. إن هذا لهو الخسران المبين. وأستغفر الله لى ولكم. قال ؟ فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال: ما هذا يا بن عباس ؟ ولما عندك أدهى وأمر. فقال ابن عباس: لعمر الله إنها لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، وفي البيت المطهر، فاله عما تريد، فإن لك في الناس مقنعا، حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين. فقال معاوية: أعود الحلم التحلم، قال: وخيره التحلم عن الاهل. انصرفا في حفظ الله، ثم أرسل معاوية إلى عبد الرحمن ابن أبي بكر، وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير، فجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه معاوية ثم قال: يا عبد الله بن عمر قد كنت تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة وأن لك الدنيا وما فيها، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملئهم، وأن تسفك دماءهم، وإن أمر يزيد قد كان قضاء من


(1) الاسقية جمع سقاء وهو القربة، والمراد أنك تكلمت كثيرا حتى ملات الاوعية من كثرة كلامك. (*)

[ 162 ]

القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم، وقد وكد الناس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم، ثم سكت. فتكلم عبد الله بن عمر، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد يا معاوية، لقد كانت قبلك خلفاء، وكان لهم بنون، ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك. فلم يحابوا في هذا الامر أحدا، ولكن اختاروا لهذه الامة حيث علموهم، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، وأفرق ملاهم. وأسفك دماءهم، ولم أكن لافعل ذلك إن شاء الله، ولكن إن استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد. فقال معاوية: يرحمك الله ليس عندك خلاف. ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر. فقال له عبد الرحمن: إنك والله لوددت أنا نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد، والذي نفسي بيده لنجعلنها شورى، أو لاعيدنها جذعة، ثم قام ليخرج، فتعلق معاوية بطرف ردائه. ثم قال: على رسلك، اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال له: لا تظهرن لاهل الشام، فإني أخشى عليك منهم. ثم قال لابن الزبير، نحو ما قاله لابن عمر. ثم قال له: أنت ثعلب رواغ، كلما خرجت من جحر انجحرت في آخر، أنت ألبت هذين الرجلين، وأخرجتهما إلى ما خرجا إليه. فقال ابن الزبير. أتريد أن تبايع ليزيد ؟ أرأيت إن بايعناه أيكما نطيع، أنطيعك أم نطيعه ؟ إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها وبايع ليزيد، فنحن نبايعه، فكثر كلامه وكلام ابن الزبير، حتى قال له معاوية في بعض كلامه: والله ما أراك إلا قاتلا نفسك، ولكأني بك قد تخبطت في الحبالة. ثم أمرهم بالانصراف، واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج. ثم خرج، فأمر المنادي أن ينادي في الناس، أن يجتمعوا لامر جامع فاجتمع الناس في المسجد، وقعد هؤلاء حول المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه. ثم ذكر يزيد وفضله، وقراءته القرآن، ثم قال: يا أهل المدينة، لقد هممت ببيعة يزيد، وما تركت قرية ولا مدرة إلا بعثت إليها في بيعته، فبايع الناس جميعا، وسلموا، وأخرت المدينة بيعته، وقلت بيضته وأصله، ومن لا أخافهم عليه، وكان الذين أبوا البيعة منهم من كانوا أجدر أن يصله، ووالله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له، فقام الحسين فقال: والله لقد تركت من هو خير منه أبا وأما ونفسا، فقال معاوية: كأنك تريد نفسك ؟ فقال الحسين: نعم، أصلحك الله. فقال معاوية: إذا أخبرك، أما قولك: خير منه أما، فلعمري: أمك خير من أمه، ولو لم تكن إلا أنها امرأة من قريش لكان لنساء قريش فضلهن، فكيف وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ثم فاطمة في دينها وسابقتها، فأمك لعمر الله خير من أمه، وأما أبوك فقد حاكم أباه

[ 163 ]

إلى الله، فقضى لابيه على أبيك. فقال الحسين: حسبك جهلك، آثرت العاجل على الآجل. فقال معاوية: وأما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفسا، فيزيد والله خير لامة محمد منك. فقال الحسين: هذا هو الافك والزور، يزيد شارب الخمر، ومشتري اللهو خير مني ؟ فقال معاوية: مهلا عن شتم ابن عمك، فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك. ثم التفت معاوية إلى الناس وقال: أيها الناس، قد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض، ولم يستخلف أحدا، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، وكانت بيعته بيعة هدى، فعمل بكتاب الله وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة، رأى أن يستخلف عمر، فعمل عمر بكتاب الله، وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفر، اختارهم من المسلمين، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله، وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظرا للمسلمين، فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف، ونظرا لهم بعين الانصاف. ما قال عبد الله بن الزبير لمعاوية قال: وذكروا أن عبد الله بن الزبير قام إلى معاوية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض، فترك الناس إلى كتاب الله، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، ثم رأى أبو بكر أن يستخلف عمر، وهو أقصى قريش منه نسبا، ورأى عمر أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين، وفي المسلمين ابنه عبد الله، وهو خير من ابنك، فإن شئت أن تدع الناس على ما تركهم رسول الله، فيختارون لانفسهم، وإن شئت أن تستخلف من قريش كما استخلف أبو بكر خير من يعلم، وإن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر، تختار رهطا من المسلمين، وتزويها عن ابنك، فافعل. فنزل معاوية عن المنبر، وانصرف ذاهبا إلى منزله، وأمر من حرسه وشرطته قوما أن يحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة، وهم الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، عبد الرحمن بن أبي بكر، وأوصاهم معاوية فقال: إني خارج العشية إلى أهل الشام، فأخبرهم أن هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا، فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذبني فيه، فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه، فحذر القوم ذلك، فلما كان العشي، خرج معاوية، وخرج معه هؤلاء النفر، وهو يضاحكهم، ويحدثهم، وقد ألبسهم الحلل، فألبس ابن عمر حلة حمراء، وألبس الحسين حلة صفراء، وألبس عبد الله بن عباس حلة خضراء، وألبس ابن الزبير حلة يمانية. ثم خرج بينهم، وأظهر لاهل الشام الرضا عنهم: أي القوم، وأنهم بايعوا، فقال:

[ 164 ]

يأهل الشام إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين، فوجدهم واصلين مطيعين، وقد بايعوا وسلموا قال ذلك: والقوم سكوت ولم يتكلموا شيئا حذر القتل، فوثب أناس من أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين إن كان رابك منهم ريب، فخل بيننا وبينهم، حتى نضرب أعناقهم. فقال معاوية: سبحان الله ! ما أحل دماء قريش عندكم يا أهل الشام. لا أسمع لهم ذاكرا بسوء، فإنهم قد بايعوا وسلموا، وارتضوني فرضيت عنهم، رضي الله عنهم. ثم ارتحل معاوية راجعا إلى مكة، وقد أعطى الناس أعطياتهم، وأجزل العطاء، وأخرج إلى كل قبيلة جوائزها وأعطياتها، ولم يخرج لبني هاشم جائزة ولا عطاء. فخرج عبد الله ابن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء، فجلس ببابه، فجعل معاوية يقول: من بالباب ؟ فيقال: عبد الله بن عباس ؟ فلم يأذن لاحد. فلما استيقظ قال: من بالباب ؟ فقيل: عبد الله بن عباس، فدعا بدابته، فأدخلت إليه، ثم خرج راكبا، فوثب إليه عبد الله بن عباس، فأخذ بلجام البغلة، ثم قال: أين تذهب ؟ قال: إلى مكة، قال: فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا، فأومأ إليه معاوية، فقال: والله مالكم عندي جائزة ولا عطاء حتى يبايع صاحبكم. قال ابن عباس: فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد، وأبى عبد الله بن عمر، فأخرجت جائزة بني عدي، فمالنا إن أبى صاحبنا، وقد أبى صاحب غيرنا ؟ فقال معاوية: لستم كغيركم، لا والله لا أعطيكم درهما حتى يبايع صاحبكم. فقال ابن عباس: أما والله لئن لم تفعل لالحقن بساحل من سواحل الشام، ثم لاقولن ما تعلم، والله لا تركنهم عليك خوارج. فقال معاوية. لا، بل أعطيكم جوائزكم، فبعث بها من الروحاء ومضى راجعا إلى الشام، فلم يلبث إلا قليلا، حتى توفى عبد الرحمن بن أبي بكر في نومة نامها رحمه الله. ما قال سعيد بن عثمان بن عفان لمعاوية قال: فلما قدم معاوية الشام، أتاه سعيد بن عثمان بن عفان، وكان شيطان قريش ولسانها. قال: يا أمير المؤمنين علام تبايع ليزيد وتتركني ؟ فو الله لتعلم أن أبى خير من أبيه، وأمي خير من أمه، وأنا خير منه، وأنك إنما نلت ما أنت فيه بأبى، فضحك معاوية وقال: يا بن أخي أما قولك: إن أباك خير من أبيه، فيوم من عثمان خير من معاوية، وأما قولك: إن أمك خير من أمه، ففضل قريشة على كلبية فضل بين، وأما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك، فإنما هو الملك يؤتيه الله من يشاء، قتل أبوك رحمه الله، فتواكلته بنو العاصى (1)، وقامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منة عليك، وأما أن تكون خيرا من يزيد، فو الله ما أحب أن داري مملوءة رجالا مثلك بيزيد، ولكن دعني من هذا القول، وسلني أعطك. فقال


(1) تواكلته بنو العاص: تركت القصاص من قتله. (*)

[ 165 ]

سعيد بن عثمان: يا أمير المؤمنين، لا يعدم يزيد مركبا ما دمت له، وما كنت لارضى ببعض حقي دون بعض، فإذا أبيت فأعطني مما أعطاك الله. فقال معاوية: لك خراسان. قال سعيد: وما خراسان ؟ قال: إنها لك طعمة وصلة رحم، فخرج راضيا، وهو يقول: ذكرت أمير المؤمنين وفضله * فقلت جزاه الله خيرا بما وصل وقد سبقت مني إليه بوادر * من القول فيه آفة العقل والزلل فعاد أمير المؤمنين بفضله * وقد كان فيه قبل عودته ميل وقال خراسان لك اليوم طعمة * فجوزي أمير المؤمنين بما فعل فلو كان عثمان الغداة مكانه * لما نالني من ملكه فوق ما بذل فلما انتهى قوله إلى معاوية، أمر يزيد أن يزوده، وأمر إليه بخلعة، وشيعه فرسخا. قدوم أبي الطفيل على معاوية قال: وذكروا أنه لم يكن أحد أحب إلى معاوية أن يلقاه من أبي الطفيل الكناني، وهو عامر بن واثلة، وكان فارس أهل صفين، وشاعرهم، وكان من أخص الناس بعلي كرم الله وجهه، فقدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية، فأخبر معاوية بقدومه، فأرسل إليه، فأتاه وهو شيخ كبير، فلما دخل عليه، قال له معاوية: أنت أبو الطفيل عامر ابن واثلة ؟ قال: نعم. قال معاوية: أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين، قال: لا، ولكن ممن شهده فلم ينصره، قال: ولم ؟ قال: لم ينصره المهاجرون والانصار، فقال معاوية: أما والله إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجبا، وفرضا لازما، فإذ ضيعتموه فقد فعل الله بكم ما أنتم أهله، وأصاركم إلى ما رأيتم، فقال أبو الطفيل: فما منعك باأمير المؤمنين، إذ تربصت به ريب المنون أن تنصره ومعك أهل الشام ؟ قال معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه، فضحك أبو الطفيل وقال: بلى، ولكني وإياك كما قال عبيد بن الابرص: لا أعرفنك بعد الموت تندبنى * وفي حياتي ما زودتني زادي فدخل مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم، فلما جلسوا نظر إليهم معاوية، ثم قال: أتعرفون هذا الشيخ ؟ قالوا: لا، فقال معاوية: هذا خليل على بن أبي طالب وفارس صفين، وشاعر أهل العراق، هذا أبو الطفيل. قال سعيد بن العاص: قد


(1) الميل: بفتح الميم والياء: الاعوجاج وعدم الاستقامة. (*)

[ 166 ]

عرفناه يا أمير المؤمنين، فما يمنعك منه ؟ وشتمه القوم، فزجرهم معاوية وقال: مهلا، فرب يوم ارتفع عن الاسباب قد ضقتم به ذرعا، ثم قال: أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل ؟ قال: ما أنسكرهم من سوء، ولا أعرفهم بخير، وأنشد: فإن تكن العداوة قد أكنت * فشر عداوة المرء السباب فقال معاوية: يا أبا الطفيل، ما أبقى لك الدهر من حب علي ؟ قال: حب أم موسى، وأشكو إلى الله التقصير، فضحك معاوية، قال: ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سئلوا عني ما قالوا هذا. فقال مروان: أجل، والله لا نقول الباطل. قال: ثم جهزه معاوية، وألحقه بالكوفة. ما حاول معاوية من تزويج يزيد قال: وذكروا أن يزيد بن معاوية سهر ليلة من الليالي، وعنده وصيف لمعاوية يقال له رفيق، فقال يزيد: أستديم الله بقاء أمير المؤمنين، وعافيته إياه، وأرغب إليه في تولية أمره وكفاية همه، فقد كنت أعرف من جميل رأى أمير المؤمنين في، وحسن نظره في جميع الاشياء ما يؤكد الثقة في ذلك والتوكل عليه ؟ منعني من البوح بما جمجمت في صدري له، وتطلابه إليه، فأضاع من أمري وترك من النظر في شأني، وقد كان في حلمه، وعلمه، ورضائه، ومعرفته، بما يحق لمثله النظر فيه، غير غافل عنه، ولا تارك له، مع ما يعلم من هيبتي له وخشيتي منه، فالله يجزيه عني بإحسانه، ويغفر له ما اجترح من عهده ونسيانه، فقال الوصيف: وما ذلك جعلت فداك ؟ لا تلم على تضييعه إياك، فإنك تعرف تفضيله لك، وحرصه عليك، وما يخامره من حبك، وأن ليس شئ أحب إليه، ولا آثر عنده منك لدينه، فاذكر بلاءه، واشكر حباءه فإنك لا تبلغ من شكره إلا بعون من الله. قال: فأطرق يزيد إطراقا عرف الوصيف منه ندامته على ما بدا منه، وباح به، فلما آب من عنده توجه نحو سدة معاوية ليلا وكان غير محجوب عنه، ولا محبوس دونه، فعلم معاوية أنه ما جاء به إلا خبر أراد إعلامه به. فقال له معاوية: ما وراءك ؟ وما جاء بك ؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، كنت عند يزيد ابنك: فقال فيما استجر من الكلام كذا وكذا، فوثب معاوية وقال: ويحك ما أضعنا منه ؟ رحمة له، وكراهية لما شجاه وخالف هواه ؟ وكان معاوية لا يعدل بما يرضيه شيئا. فقال علي به، وكان معاوية إذا أتت الامور المشكلة المعضلة، بعث إلى يزيد يستعين به على استيضاح شبهاتها واستسهال معضلاتها،

[ 167 ]

فلما جاءه الرسول قال: أجب أمير المؤمنين، فحسب يزيد أنما دعاه إلى تلك الامور التي يفزع إليه منها، ويستعين برأيه عليها، فأقبل حتى دخل عليه، فسلم ثم جلس. فقال معاوية: يا يزيد ما الذي أضعنا من أمرك، وتركنا من الحيطة عليك، وحسن النظر لك، حيث قلت ما قلت، ؟ وقد تعرف رحمتي بك، ونظري في الاشياء التي تصلحك، قبل أن تخطر على وهمك، فكنت أظنك على تلك النعماء شاكرا، فأصبحت بها كافرا، إذ فرط من قولك ما ألزمتني فيه إضاعتي إياك، وأوجبت علي منه التقصير، لم يزجرك عن ذلك تخوف سخطي، ولم يحجزك دون ذكره سالف نعمتي، ولم يردعك عنه حق أبوتي، فأي ولد أعق منك وأكيد، وقد علمت أني تخطأت الناس كلهم في تقديمك، ونزلتهم لتوليتي إياك، ونصبتك إماما على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم من عرفت، وحاولت منهم ما علمت ؟ قال: فتكلم يزيد، وقد خنقه من شدة الحياء الشرق، وأخضله (1) من أليم الوجد العرق. قال: لا تلزمني كفر نعمتك، ولا تنزل بي عقابك، وقد عرفت نعمة مواصلتك ببرك، وخطوى إلى كل ما يسرك، في سرى وجهرى فليسكن سخطك، فإن الذي أرثى له من أعباء حمله وثقله، أكثر مما أرثى لنفسي، من أليم ما بها وشدته، وسوف أنبئك وأعلمك أمري. كنت قد عرفت من أمير المؤمنين استكمل الله بقاءه، نظرا في خيار الامور لي، وحرصا على سياقها إلى، وأفضل ما عسيت أستعدله بعد إسلامي المرأة الصالحة، وقد كان ما تحدث به من فضل جمال أرينب بنت إسحاق وكمال أدبها ما قد سطع وشاع في الناس، فوقع مني بموقع الهوى فيها، والرغبة في نكاحها، فرجوت ألا تدع حسن النظر لي في أمرها، فتركت ذلك حتى استنكحها بعلها، فلم يزل ما وقع في خلدي ينمو ويعظم في صدري، حتى عيل صبري، فبحت بسرى، فكان مما ذكرت تقصيرك في أمري، فالله يجزيك أفضل من سؤالي وذكري. فقال له معاوية: مهلا يا يزيد، فقال: علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الامل ؟ فقال له معاوية: فأين حجاك ومروءتك وتقاك ؟ فقال يزيد: قد يغلب الهوى على الصبر والحجا، ولو كان أحد ينتفع فيما يبتلى به من الهوى يتقاه، أو يدفع ما أقصده (2) بحجاه، لكان أولى الناس بالصبر داود عليه السلام، وقد خبرك القرآن بأمره. فقال معاوية: فما منعك قبل الفوت من ذكره ؟ قال ما كنت أعرفه، وأثق به من جميل نظرك، قال: صدقت، ولكن اكتم يا بني أمرك بحملك. واستعن بالله على غلبة هواك بصبرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمره، ولابد مما هو كائن.


(1) أخضله: بلله. (2) أقصده: ضره. (*)

[ 168 ]

وكانت أرينب بنت إسحاق مثلا في أهل زماتها في جمالها، وتمام كمالها وشرفها، وكثرة مالها، فتزوجها رجل من بني عمها يقال له عبد الله بن سلام من قريش، وكان من معاوية بالمنزلة الرفيعة في الفضل. ووقع أمر يزيد من معاوية موقعا ملاه هما، وأوسعه غما، فأخذ في الحيلة والنظر أن يصل إليها، وكيف يجمع بينه وبينها حتى يبلغ رضا يزيد فيها. فكتب معاوية إلى عبد الله بن سلام: وكان قد استعمله على العراق، أن أقبل حين تنظر في كتابي هذا لامر حظك فيه كامل، ولا تتأخر عنه، فأعد المصير والاقبال. وكان عند معاوية بالشام أبو هريرة وأبو الدرداء، صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فلما قدم عبد الله بن سلام الشام، أمر معاوية أن ينزل منزلا قد هيئ له، وأعد له فيه نزله، ثم قال لابي هريرة وصاحبه: إن الله قسم بين عباده قسما، ووهبهم نعما أوجب عليهم شكرها، وحتم عليهم حفظها، وأمرهم برعايه حقها، وسلطان طريقها، بجميل النظر، وحسن التفقد لمن طوقهم الله أمره، كما فوضه إليهم، حتى يؤدوا إلى الله الحق فيهم كما أوجبه عليهم، فحياني منها عز وجل بأعز الشرف، وسمو السلف، وأفضل الذكر، وأغدق اليسر، وأوسع على في رزقه، وجعلني راعي خلقه، وأمنيه في بلاده، والحاكم في أمر عباده، ليبلوني أأشكر آلاءه أم أكفرها، فإياه أسأله أداء شكره، وبلوغ ما أرجو بلوغه، من عظيم أجره، وأول ما ينبغي للمرء أن يتفقده وينظر فيه، فيمن استرعاه الله أمره من أهله ومن لا غنى به عنه. وقد بلغت لي ابنة أردت إنكاحها، والنظر فيمن يريد أن يباعلها (1). لعل من يكون بعدي يهتدي منه بهديى، ويتبع فيه أثرى، فإني قد تخوفت أن يدعو من يلى هذا الامر من بعدي زهوة السلطان وسرفه إلى عضل نسائهم، ولا يرون لهن فيمن ملكوا أمره كفئوا ولا نظيرا، وقد رضيت لها عبد الله ابن سلام لدينه وفضله ومروءنة وأدبه. فقال أبو هريرة وأبو الدرداء: إن أولى الناس برعاية أنعم الله وشكرها، وطلب مرضاته فيها فيما خصه به منها، أنت صاحب رسول الله وكاتبه. فقال معاوية: اذكروا له ذلك عني، وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى، غير أني أرجو أنها لا تخرج من رأيى إن شاء الله، فلما خرجا من عنده متوجهين إلى منزل عبد الله ابن سلام بالذي قال لهما، قال: ودخل معاوية إلى ابنته، فقال لها: إذا دخل عليك أبو هريرة وأبو الدرداء، فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلام، وإنكاحي إياك منه، ودعواك إلى مباعلته، وحضاك على ملاءمة رأيى، والمسارعة إلى هواى. فقولي لهما: عبد الله بن سلام كفؤ كريم، وقريب حميم، غير أنه تحته أرينب بنت إسحاق، وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء،


(1) يباعلها: يصير بعلالها أي زوجا. (*)

[ 169 ]

فأتولى منه ما أسخط الله فيه، فيعذبني عليه، فأفارق الرجاء، وأستشعر الاذى، ولست بفاعلة حتى يفارقها، فذكر ذلك أبو هريرة وأبو الدرداء لعبد الله بن سلام، وأعلماه بالذي أمرهما معاوية، فلما أخبراه سر به وفرح، وحمد الله عليه، ثم قال: نستمتع الله بأمير المؤمنين، لقد والى علي من نعمه، وأسدى إلى من مننه، فأطول ما أقوله فيه قصير، وأعظم الوصف لها يسير. ثم أراد إخلاطى بنفسه، وإلحاقي بأهله، إتماما لنعمته، وإكمالا لاحسانه، فالله أستعين على شكره، وبه أعوذ من كيده ومكره. ثم بعثهما إليه خاطبين عليه، فلما قدما، قال لهما معاوية: قد تعلمان رضائي به وتنخلى (1) إياه، وحرصي عليه، وقد كنت أعلنتكما بالذي جعلت لها في نفسها من الشورى، فادخلا إليها، واعرضا عليها الذي رأيت لها، فدخلا عليها وأعلماها بالذي ارتضاه لها أبوها، لما رجا من ثواب الله عليه. فقالت لهما كالذي قال لها أبوها، فأعلماه بذلك، فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا أمرها، فارق زوجته، وأشهدهما على طلاقها، وبعثهما خاطبين إليه أيضا، فخطبا، وأعلما معاوية بالذي كان من فراق عبد الله بن سلام امرأته، طلابا لما يرضيها، وخروجا عما يشجيها، فأظهر معاوية كراهية لفعله، وقال: ما أستحسن له طلاق امرأته، ولا أحببته، ولو صبر ولم يعجل لكان أمره إلى مصيره، فإن كون ما هو كائن لا بد منه، ولا محيص عنه، ولا خيرة فيه للعباد، والاقدار غالبة، وما سبق في علم الله لا بد جار فيه، فانصرفا في عافية، ثم تعودان إلينا فيه، وتأخذان إن شاء الله رضانا. ثم كتب إلى يزيد ابنه يعلمه بما كان من طلاق أرينب بنت إسحاق عبد الله بن سلام، فلما عاد أبو هريرة وأبو الدرداء إلى معاوية أمرهما بالدخول عليها، وسؤاها عن رضاها تبريا من الامر، ونظرا في القول والعذر، فيقول: لم يكن لي أن أكرهها، وقد جعلت لها الشورى في نفسها، فدخلا عليها، وأعلماها بالذي رضيه إن رضيت هي، وبطلاق عبد الله بن سلام امرأته أرينب، طلابا لمسرتها، وذكرا من فضله، وكمال مروءته، وكريم محتده، ما القول يقصر عن ذكره. فقالت لهما: جف القلم بما هو كائن، وإنه في قريش لرفيع، غير أن الله عز وجل يتولى تدبير الامور في خلقه، وتقسيمها بين عباده، حتى ينزلها منازلها فيهم، ويضعها على ما سبق في أقدارها. وليست تجرى لاحد على ما يهوى، ولو كان لبلغ منها غاية ما شاء. وقد تعرفان أن التزويج هزله جد، وجده ندم، الندم عليه يدوم، والمعثور فيه لا يكاد يقوم،


(1) تنخلي إياه: اصطفائي له من بين الناس، وأصل اللفظ معناه أن ينخل الشخص الدقيق حتى يستخرج صافيه ويجتنب رديئه. (*)

[ 170 ]

والاناة في الامور أوفق لما يخاف فيها من المحذور، فإن الامور إذا جاءت خلاف الهوى بعد التأني فيها، وكان المرء بحسن العزاء خليقا، وبالصبر عليها حقيقا، وعلمت أن الله ولي التدابير. فلم تلم النفس على التقصير، وإني بالله أستعين، سائلة عنه، حتى أعرف دخيلة خبره، ويصح لي الذي أريد علمه من أمره ومستخيرة، وإن كنت أعلم أنه لا خيرة لاحد فيما هو كائن، ومعلمتكما بالذي يرينيه الله في أمره، ولا قوة إلا بالله. فقالا: وفقك الله وخار لك. ثم انصرفا عنها، فلما أعلماه بقولها تمثل وقال: فإن يك صدر هذا اليوم ولي * فإن غدا لناظره قريب وتحدث الناس بالذي كان من طلاق عبد الله امرأته قبل أن يفرغ من طلبته، وقبل أن يوجب له الذي كان من بغيته، ولم يشكوا في غدر معاوية إياه. فاستحث عبد الله بن سلام أبا هريرة وأبا الدرداء، وسألهما الفراغ من أمره، فأتياها. فقالا لها: قد أتيناك لما أنت صانعه في أمرك، وإن تستخيري الله يخر لك فيما تختارين، فإنه يهدي من استهداه، ويعطي من اجتداه، وهو أقدر القادرين. قالت: الحمد لله أرجو أن يكون الله قد خار لي، فإنه لا يكل إلى غيره من توكل عليه، وقد استبرأت أمره، وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي، مع اختلاف من استشرته فيه، فمنهم الناهي عنه، ومنهم الآمر به، واختلافهم أول ما كرهت من الله. فعلم عبد الله أنه خدع، فهلع ساعة واشتد عليه الهم. ثم انتبه فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال متعزيا: ليس لامر الله راد، ولا لما لا بد أن يكون منه صاد، أمور في علم الله سبقت، فجرت بها أسبابها، حتى امتلات منها أقرابها، وإن يكون امرؤ انثال له حلمه واجتمع له عقله، واستذ له رأيه، ليس بدافع عن نفسه قدرا ولا كيدا، ولا انحرافا عنه ولا حيدا، ولآل ما سروا به واستجذلوا له لا يدوم لهم سروره، ولا يصرف عنهم محذوره. قال: وذاع أمره في الناس وشاع، ونقلوه إلى الامصار، وتحدثوا به في الاسمار، وفي الليل والنهار، وشاع في ذلك قولهم، وعظم لمعاوية عليه لومهم، وقالوا: خدعه معاوية حتى طلق امرأته، وإنما أرادها لابنه، فبئس من استرعاه الله أمر عباده، ومكنه في بلاده، وأشركه في سلطانه، يطلب أمرا بخدعة من جعل الله إليه أمره، ويحيره ويصرعه جرأة على الله. فلما بلغ معاوية ذلك من قول الناس. قال: لعمري ما خدعته. قال: فلما انقضت أقراؤها، وجه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطبا لها على ابنه يزيد، فخرج حتى قدمها، وبها يومئذ الحسين بن علي وهو سيد أهل العراق فقها ومالا وجودا وبذلا. فقال أبو الدرداء إذ قدم العراق: مما ينبغي لذي الحجا والمعرفة والتقى أن يبدأ به ويؤثره على مهم أمره، لما

[ 171 ]

يلزمه حقه، ويجب عليه حفظه، وهذا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، فلست بناظر في شئ قبل الالمام به والدخول عليه، والنظر إلى وجهه الكريم وأداء حقه، والتسليم عليه، ثم أستقبل بعد إن شاء الله ما جئت له، وبعثت إليه، فقصد حتى أتى الحسين، فلما رآه الحسين قام إليه فصافحه إجلالا له، ومعرفته لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضعه من الاسلام. ثم قال الحسين: مرحبا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجليسه، يا أبا الدرداء، أحدثت لي رؤيتك شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقدت مطلقات أحزاني عليه، فإني لم أر منذ فارقته أحدا كان له جليسا، وإليه حبيبا، إلا هملت عيناي، وأحرقت كبدي أسى عليه، وصبابة إليه. ففاضت عينا أبي الدرداء لذكر رسول الله، وقال: جزى الله لبانة (1) أقدمتنا عليك، وجمعتنا بك خيرا. فقال الحسين: والله إني لذو حرص عليك، ولقد كنت بالاشتياق إليك. فقال أبو الدرداء: وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد أرينب بنت إسحاق، فرأيت أن لا أبدأ بشئ قبل إحداث العهد بك، والتسليم عليك. فشكر له الحسين ذلك، وأثنى عليه وقال: لقد كنت ذكرت نكاحها، وأردت الارسال إليها بعد انقضاء أقرائها، فلم يمنعني من ذلك إلا تخيير مثلك، فقد أتى الله بك، فاخطب رحمك الله علي وعليه، فلتختر من اختاره الله لها وإنها أمانة في عنقك حتى تؤديها إليها، وأعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه. فقال أبو الدرداء: أفعل إن شاء الله، فلما دخل عليها قال لها: أيتها المرأة إن الله خلق الامور بقدرته، وكونها بعزته، فجعل لكل أمر قدرا، ولكل قدر سببا، فليس لاحد عن قدر الله مستحاص، ولا عن الخروج عن علمه مستناص، فكان مما سبق لك وقدر عليك، الذي كان من فراق عبد الله بن سلام إياك، ولعل ذلك لا يضرك، وأن يجعل الله لك فيه خيرا كثيرا. وقد خطبك أمير هذه الامة، وابن الملك، وولي عهده، والخليفة من بعده، يزيد بن معاوية. وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أول من آمن به من أمته، وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، وقد بلغك سناهما وفضلهما، وجئتك خاطبا عليهما، فاختارى أيهما شئت ؟ فسكتت طويلا. ثم قالت: يا أبا الدرداء لو أن هذا الامر جاءني وأنت غائب عني أشخصت فيه الرسل إليك، واتبعت فيه رأيك، ولم أقطعه دونك على بعد مكانك، ونأى دارك، فأما إذ كنت المرسل فيه فقد فوضت أمرى بعد الله إليك، وبرئت منه إليك، وجعلته في يديك، فاختر لى أرضاهما لديك، والله شهيد عليك، واقض فيه قضاء ذي التحري المتقي، ولا يصدنك عن


(1) اللبانة: الحاجة والغرض. (*)

[ 172 ]

ذلك اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيا وما أنت عما طوقتك عميا. قال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك وعليك الاختيار لنفسك. قالت عفا الله عنك، إنما أنا بنت أخيك، ومن لا غنى بها عنك فلا يمنعك رهبة أحد من قول الحق فيما طوقتك، فقد وجب عليك أداء الامانة فيما حملتك، والله خير من روعى وخيف، إنه بنا خبير لطيف. فلما لم يجد بدا من القول والاشارة عليها. قال: بنية، ابن بنت رسول الله أحب إلي وأرضاهما عندي، والله أعلم بخيرهما لك، وقد كنت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا شفتيه على شفتي الحسين قضعى شفتيك حيث وضعهما رسول الله، قالت: قد اخترته ورضيته، فاستنكحها الحسين بن علي، وساق إليها مهرا عظيما، وقال الناس وبلغ معاوية الذي كان من فعل أبي الدرداء في ذكره حاجة أحد مع حاجته، وما بعثه هو له، ونكاح الحسين إياها، فتعاظمه ذلك جدا، ولامه لوما شديدا، وقال: من يرسل ذا بلاهة وعمى، يركب في أمره خلاف ما يهوى، ورأيى كان من رأيه أسوأ، ولقد كنا بالملامة منه أولى حين بعثناه، ولحاجتنا انتخلناه، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها بدرات (1) مملوءة درا، كان ذلك الدر أعظم ماله وأحبه إليه، وكان معاوية قد أطرحه، وقطع جميع روافده عنه، لسوء قوله فيه، وتهمته إياه على الخديعة، فلم يزل يجفوه ويغضبه، ويكدى (2) عنه، ما كان يجديه، حتى عيل صبره، وطال أمره، وقل ما في يديه، ولام نفسه على المقام لديه، فخرج من عنده راجعا إلى العراق، وهو يذكر ماله الذي كان استودعها، ولا يدري كيف يصنع فيه، وأنى يصل إليه، ويتوقع جحودها عليه، لسوء فعله بها، وطلاقه إياها على غير شئ أنكره منها، ولا نقمة عليها. فلما قدم العراق لقي الحسين، فسلم عليه. ثم قال: قد علمت جعلت فداك الذي كان من قضاء الله في طلاق أرينب بنت إسحاق، وكنت قبل فراقي إياها قد استودعتها مالا عظيما درا وكان الذي كان ولم أقبضه، ووالله ما أنكرت منها في طول ما صحبتها فتيلا، ولا أظن بها إلا جميلا، فذكرها أمري، واحضضها على الرد على، فإن الله يحسن عليك ذكرك، ويجزل به أجرك. فسكت عنه. فلما انصرف الحسين إلى أهله، قال لها: قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن الثناء عليك، ويحمل النشر عنك، في حسن صحبتك، وما أنسه قديما من أمانتك فسرني ذلك وأعجبني، وذكر أنه كان استودعك مالا قبل فراقه إياك، فأدى إليه أمانته، وردى عليه ماله، فإنه لم يقل إلا صدقا، ولم يطلب إلا حقا. قالت: صدق، قد والله استودعني مالا


(1) بدرات: جمع بدرة وهي الصرة المملوءة نقودا أو جواهر. (2) يكدى عنه ما كان يجديه: يمنع عنه ما كان يعطيه. (*)

[ 173 ]

لا أدرى ما هو، وإنه لمطبوع عليه بطابعه ما أخذ منه شئ إلى يومه هذا، فأثنى عليها الحسين خيرا، وقال: بل أدخله عليك حتى تبرئى إليه منه كما دفعه إليك. ثم لقى عبد الله بن سلام، فقال له: ما أنكرت مالك، وزعمت أنه لكما دفعته إليها بطابعك، فادخل يا هذا عليها، وتوف مالك منها. فقال عبد الله بن سلام: أو تأمر بدفعه إلي جعلت فداك. قال: لا، حتى تقبضه منها كما دفعته إليها، وتبرئها منه إذا أدته. فلما دخلا عليها قال لها الحسين: هذا عبد الله بن سلام، قد جاء يطلب وديعته، فأديها إليه كما قبضتها منه، فأخرجت البدرات فوضعتها بين يديه، وقالت له: هذا مالك، فشكر لها، وأثنى عليها، وخرج الحسين، ففض عبد الله خاتم بدره، فحثا لها من ذلك الدر حثوات، وقال: خذي، فهذا قليل مني لك، واستعبرا جميعا، حتى تعالت أصواتهما بالبكاء، أسفا على ما ابتليا به، فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما، للذي سمع منهما. فقال: أشهد الله أنها طالق ثلاثا، اللهم إنك تعلم أني لم أستنكحها (1) رغبة في مالها ولا جمالها، ولكني أردت إحلالها لبعلها، وثوابك على ما عالجته في أمرها، فأوجب لي بذلك الاجر، وأجزل لي عليه الذخر إنك على كل شئ قدير، ولم يأخذ مما ساق إليها في مهرها قليلا ولا كثيرا. وقد كان عبد الله ابن سلام سأل ذلك أرينب، أي التعويض على الحسين، فأجابته إلى رد ماله عليه شكرا لما صنعه بهما، فلم يقبله، وقال: الذي أرجو عليه من الثواب خير لي منه فتزوجها عبد الله بن سلام، وعاشا متحابين متصافيين حتى قبضهما الله، وحرمها الله على يزيد. والحمد لله رب العالمين. وفاة معاوية رحمه الله قال: وذكروا أن عتبة بن مسعود قال: مر بنا نعى معاوية بن أبى سفيان ونحن بالمسجد الحرام. قال: فقمنا فأتينا ابن عباس، فوجدناه جالسا قد وضع له الخوان، وعنده نفر. فقلنا: أما علمت بهذا الخبر يا بن عباس ؟ قال: وما هو ؟ قلنا: هلك معاوية. فقال: ارفع الخوان يا غلام، وسكت ساعة، ثم قال: جبل تزعزع ثم مال بكلكلة (2)، أما والله ما كان كمن كان قبله، ولما يكن بعده مثله. اللهم أنت أوسع لمعاوية فينا وفي بني عمنا هؤلاء لذي لب معتبر، اشتجرنا بيننا، فقتل صاحبهم غيرنا، وقتل صاحبنا غيرهم، وما أغراهم بنا إلا أنهم


(1) أستنكحها: أطلب نكاحها أي زواجها. (2) الكلكل: الصدر. (*)

[ 174 ]

لا يجدون مثلنا، وما أغرانا بهم إلا أنا لا نجد مثلهم، كما قال القائل: مالك تظلمني ؟ قال: لا أجد من أظلم غيرك. ووالله إن ابنه لخير أهله، أعد طعامك يا غلام. قال: فما رفع الخوان حتى جاء رسول خالد بن الحكم إلى ابن عباس، أن انطلق فبايع. فقال للرسول: أقرئ الامير السلام، وقل له: والله ما بقي في ما تخافون، فاقض من أمرك ما أنت قاض، فإذا سهل الممشى وذهبت حطمة الناس، جئتك ففعلت ما أحببت. قال: ثم أقبل علينا فقال: مهلا معشر قريش، أن تقولوا عند موت معاوية: ذهب جد بني معاوية، وانقطع ملكهم، ذهب لعمر الله جدهم، وبقى ملكهم وشرها بقية هي أطول مما مضى، إلزموا مجالسكم وأعطوا بيعتكم. قال: فما برحنا حتى جاء رسول خالد فقال: يقول لك الامير: لابد لك أن تأتينيا. قال: فإن كان لا بد، فلا بد مما لا بد منه، يا نوار هلمي ثيابي، ثم قال: وما ينفعكم إتيان رجل إن جلس لم يضركم ؟ قال: فقلت له: أتبايع ليزيد، وهو يشرب الخمر، ويلهو بالقيان، ويستهتر بالفواحش ؟ قال: مه، فأين ما قلت لكم ؟ وكم بعده من آت ممن يشرب الخمر، أو هو شر من شاربها، أنتم إلى بيعته سراع ؟ أما والله إني لانهاكم، وأنا أعلم أنكم فاعلون ما أنتم فاعلون، حتى يصلب مصلوب قريش بمكة، يعنى عبد الله بن الزبير. كتاب يزيد بالبيعة إلى أهل المدينة قال: وذكروا أن نافع بن جبير قال: إني بالشام يوم موت معاوية، وكان يزيد غائبا، واستخلف معاوية الضحاك بن قيس بعده، حتى يقدم يزيد، فلما مات معاوية خرج الضحاك على الناس، فقال: لا يحملن اليوم نعش أمير المؤمنين إلا قرشي: قال: فحملته قريش ساعة. ثم قال أهل الشام: أصلح الله الامير. اجعل لنا من أمير المؤمنين نصيبا في موته، كما كان لنا في حياته. قال: فاحملوه، فحملوه، وازدحموا عليه، حتى شقوا البرد الذي كان عليه صدعين (1). قال: فلما قدم يزيد دمشق بعد موت أبيه إلى عشرة أيام، كتب إلى خالد بن الحكم، وهو عامل المدينة: أما بعد، فإن معاوية بن أبى سفيان، كان عبدا استخلفه الله على العباد، ومكن له في البلاد وكان من حادث قضاء الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه فيه، ما سبق في الاولين والآخرين لم يدفع عنه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فعاش حميدا، ومات سعيدا، وقد قلدنا الله عزوجل ما كان إليه، فيا لها مصيبة ما أجلها، ونعمة ما أعظمها، نقل الخلافة، وفقد الخليفة، فنستوزعه (2) الشكر، ونستلهمه الحمد، ونسأله الخيرة في الدارين معا،


(1) صدعين: نصفين. (2) نستوزعه: نطلب منه إلهام الشكر، ومن ذلك قوله تعالى (رب أوزعني أن أشكر نعمتك). (*)

[ 175 ]

ومحمود العقبى في الآخرة والاولى، إنه ولي ذلك، وكل شئ بيده لا شريك له. وإن أهل المدينة قومنا ورجالنا، ومن نزل على حسن الرأي فيهم، والاستعداد بهم، واتباع أثر الخليفة فيهم، والاحتذاء على مثاله لديهم، من الاقبال عليهم، والتقبل من محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم، فبايع لنا قومنا، ومن قبلك من رجالنا، بيعة منشرحة بها صدوركم، طيبة عليها أنفسكم، وليكن أول من يبايعك من قومنا وأهلنا: الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر، ويحلفون على ذلك بجميع الايمان اللازمة، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها، وجزية رقيقهم، وطلاق نسائهم، بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم، ولا قوة إلا بالله، والسلام. إباية القوم الممتنعين عن البيعة قال: وذكروا أن خالد بن الحكم، لما أتاه الكتاب من يزيد فظع به، فدعا مروان ابن الحكم، وكان على المدينة قبله، فلما دخل عليه مروان، وذلك في أول الليل. قال له خالد: احتسب صاحبك يا مروان، فقال له مروان: اكتم ما بلغك، إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم اقرأه الكتاب، وقال له: ما الرأي ؟ فقال: أرسل الساعة إلى هؤلاء النفر، فخذ بيعتهم، فإنهم إن بايعوا لم يختلف على يزيد أحد من أهل الاسلام، فعجل عليهم قبل أن يفشى الخبر فيمتنعوا، فأرسل إلى الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله ابن عمر، فلما أتاهم الرسول قال عبد الله بن الزبير للحسين: ظن يا أبا عبد الله فيما أرسل إلينا ؟ فقال الحسين: لم يرسل إلينا إلا للبيعة، فما ترى ؟ قال: آتيه، فإن أراد تلك امتنعت عليه، فدعا الحسين مواليه وأهل بيته، واقعدهم على الباب، وقال لهم: إن ارتفع صوتي فاقتحموا الدار علي، وإلا فمكانكم حتى أخرج إليكم. ثم دخل على خالد، فأقرأه الكتاب، فقال الحسين: رحم الله معاوية. فقالا له: بايع، فقال الحسين: لا خير في بيعة سر، والظاهرة خير، فإذا حضر الناس كان أمرا واحدا، ثم وثب أهله، فقال مروان لخالذ: أشدد يدك بالرجل، فلا يخرج حتى يبايعك، فإن أبى فاضرب عنقه: فقال له ابن الزبير: قد علمت أنا كنا أبينا البيعة إذ دعانا إليها معاوية، وفي نفسه علينا من ذلك ما لا تجهله، ومتى ما نبايعك ليلا علي هذه الحال، ترأنك أغضبتنا على أنفسنا، دعنا حتى نصبح، وتدعو الناس إلى البيعة، فنأتيك فنبايعك بيعة سليمة صحيحة، فلم يزالا به حتى خلى عنهما وخرجا. فقال مروان لخالد: تركتهما، والله لا تظفر بمثلها منهما أبدا، فقال خالد: ويحك أتشير علي أن أقتل

[ 176 ]

الحسين، فو الله ما يسرني أن لي الدنيا وما فيها، وما أحسب أن قاتله يلقى الله بدمه إلا خفيف الميزان يوم القيامة. فقال له مروان مستهزئا: إن كنت إنما تركت ذلك لذلك فقد أصبت. خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية قال: وذكروا أن يزيد بن معاوية عزل خالد بن الحكم عن المدينة، وولاها عثمان ابن محمد بن أبى سفيان الثقفي، وخرج الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير إلى مكة وأقبل عثمان بن محمد من الشام واليا على المدينة ومكة وعلى الموسم في رمضان، فلما استوى على المنبر بمكة رعف، فقال رجل مستقبله: جئت والله بالدم، فتلقاه رجل آخر بعمامته. فقال: مه، والله عم الناس. ثم قام يخطب، فتناول عصا لها شعبتان، فقال: مه: شعب والله أمر الناس، ثم نزل. فقال الناس للحسين: يا أبا عبد الله، لو تقدمت فصليت بالناس ؟ فإنه ليهم بذلك إذ جاء المؤذن، فأقام الصلاة، فتقدم عثمان فكبر، فقال للحسين: يا أبا عبد الله، إذا أبيت أن تتقدم فاخرج. فقال: الصلاة في الجماعة أفضل. قال: فصلى، ثم خرج، فلما انصرف عثمان ابن محمد من الصلاة، بلغه أن الحسين خرج. قال: اركبوا كل بعير بين السماء والارض فاطلبوه، فطلب، فلم يدرك. قال: ثم قدم المدينة، فأقبل بن ميثاء بسراح (1) له من الحرة (2)، يريد الاموال التي كانت لمعاوية، فمنع منها، وأزاحه أهل المدينة عنها، وكانت أموالا اكتسبها معاوية، ونخيلا يجد (3) منها مئة ألف وسق (4) وستين ألفا، ودخل نفر من قريش والانصار على عثمان، فكلموه فيها فقالوا: قد علمت أن هذه الاموال كلها لنا، وأن معاوية آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا قط درهما فما فوقه، حتى مضنا الزمان، ونالتنا المجاعة، فاشتراها منا بجزء من مئة من ثمنها، فأغلظ لهم عثمان في القول، واغلظوا له. فقال لهم: لاكتبن إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم، وما أنتم عليه من كمون (5) الاضغان القديمة، والاحقاد التى لم تزل في صدوركم، فافترقوا على موجدة، ثم اجتمع رأيهم على منع ابن ميثاء القيم عليها، فكف عثمان بن محمد عنهم، وكتب بأمرهم إلى يزيد بن معاوية.


(1) سراح: جمع سرح وهي جماعة الابل التى تسرح للرعى. (2) الحرة: الارض المرتفعة. (3) يجد: يقطع. (4) الوسق: ماية وعشرون قدحا مصريا. (5) كمون الاضغان: استتارها واختفاؤها. (*)

[ 177 ]

قال عبد الله بن جعفر: جاء كتاب عثمان بن محمد بعد هدأة من الليل، وقد كنت انصرفت من عند يزيد، فلم ألبث أن جاءني رسوله، فدخلت عليه، والشمعة بين يديه، وهو مغضب قد حسر عن ذراعيه، والكتاب بين يديه، فقال: دونك يا أبا جعفر هذا الكتاب، فاقرأه، فرأيت كتابا قبيحا، فيه تعريض بأهل المدينة وتحريش. ثم قال: والله لاطأنهم وطأة آتى منها على أنفسهم. قال ابن جعفر: فقلت له إن الله لم يزل يعرف أباك في الرفق خيرا، فإن رأيت أن ترفق بهم وتتجاوز عنهم فعلت، فإنما هم أهلك وعشيرتك، وإنما تقتل بهم نفسك إذا قتلتهم. قال: أقتل وأشفى نفسي، فلم أزل ألح عليه فيهم، وأرفقه عليهم، وكان لي سامعا ومطيعا، فقال لي: إن ابن الزبير حيث علمت من مكة، وهو زعم أنه قد نصب الحرب، فأنا أبعث إليه الجيوش، وآمر صاحب أول جيش أبعثه أن يتخذ المدينة طريقا، وأن لا يقاتل، فإن أقروا بالطاعة، ونزعوا عن غيهم وضلالهم، فلهم علي عهد الله وميثاقه، أن لهم عطاءين في كل عام، ما لا أفعله بأحد من الناس طول حياتي، عطاء في الشتاء، وعطاء في الصيف، ولهم علي عهد أن أجعل الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا، والحنطة عندهم سبعة آصع (1) بدرهم، والعطاء الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو علي أن أخرجه لهم وافرا كاملا، فإن أنابوا وقبلوا ذلك، جاوز إلى ابن الزبير، وإن أبوا قاتلهم، ثم إن ظفر بها أنهبها ثلاثا، هذا عهدي إلى صاحب جيشي لمكانك ولطلبتك فيهم، ولما زعمت أنهم قومي وعشيرتي. قال عبد الله بن جعفر. فرأيت هذا لهم فرجا، فرجعت إلى منزلي فكتبت إليهم من ليلتي كتابا إلى أهل المدينة، أعلمهم فيه قول يزيد، وأحضهم على الطاعة والتسليم، والرضا والقبول لما بذل لهم، وأنهاهم أن يتعرضوا لجيوشه، وقلت لرسولي: اجهد السير، فدخلها في عشر، فو الله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه، وقالوا: والله لا يدخلها عنوة أبدا. كتاب يزيد إلى أهل المدينة قال: وكتب يزيد إلى أهل المدينة كتابا، وأمر عثمان بن محمد يقرؤه عليهم، فقدم الكتاب المدينة، وعثمان خائف، فقرأه عليهم، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإني قد نفستكم حتى أخلفتكم، ورفعتكم حتى أخرقتكم (2)، ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم، وايم الله لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لاطأنكم وطأة أقل منها عددكم وأترككم أحاديث تتناسخ (3) كأحاديث عاد وثمود، وايم الله لا يأتيكم منى أولى من عقوبتي، فلا أفلح من ندم.


(1) سبعة آصع: 14 قدحا مصريا، الآصع جمع صاع وهو قدحان مصريان. (2) أخرقتكم: وجدتكم خرقى أي حمقى. (3) تتناسخ: أي تكتب وتنسخ في الكتب. (*)

[ 178 ]

ما أجمع عليه أهل المدينة ورأوه من إخراج بنى أمية قال: وذكروا أنه لما قرئ الكتاب، تكلم عبد الله بن مطيع ورجال معه كلاما قبيحا، فلما استبان لهم أن يزيد باعث الجيوش إليهم، أجمعوا على خلافهم، واختلفوا في الرياسة أيهم يقوم بهذا الامر. فقال قائل: ابن مطيع، وقال قائل: إبراهيم بن نعيم، ثم اجتمع رأيهم أن يقوم بأمرهم ابن حنظلة، وهرب عثمان بن محمد منهم ليلا فلحق بالشام، ثم أخذوا مروان ابن الحكم وكبراء بني أمية، فأخرجوهم عن المدينة، فقالوا: الشقة بعيدة، ولا بد لنا مما يصلحنا، ولنا عيال وصبية، ونحن نريد الشام. قال: فاستنظروا عشرة أيام، فانظروا. ثم اجتمع رأي أهل المدينة أن يحلفوا كبراء بني أمية عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لقوا جيش يزيد ليردونهم عنهم إن استطاعوا، فإن لم يستطيعوا مضوا إلى الشام ولم يرجعوا معهم، فحلفوا لهم على ذلك، وشرطوا عليهم أن يقيموا بذى خشب (1) عشرة أيام، فخرجوا من المدينة، وتبعهم الصبيان، وسفهاء الناس يرمونهم بالحجارة، حتى انتهوا إلى ذي خشب، ولم يتحرك أحد من آل عثمان بن محمد، ولم يخرج من المدينة، فلما رأت بنو أمية ما صنع بهم أهل المدينة من إخراجهم منها، اجتمعوا إلى مروان، فقالوا: يا أبا عبد الملك ما الرأي ؟ قال: من قدر منكم أن يغيب حريمه فليفعل، فإنما الخوف على الحرمة، فغيبوا حرمهم، فأتى مروان عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة، وتغيب عن هذا الامر، فأحب أن أوجه عيالي معك. فقال ابن عمر: إني لا أقدر على مصاحبة النساء. قال: فتجعلهم في منزلك مع حرمك قال لا آمن أن يدخل على حريمي من أجل مكانكم. فكلم مروان علي بن الحسين، فقال: نعم، فضمهم علي إليه، وبعث بهم مع عياله. قال: ثم ارتحل القوم من ذي خشب على أقبح إخراج يكون، وإسراع خوفا منهم أن يبدو للقوم في حبسهم، وجعل مروان يقول لابنه عبد الملك: يا بني إن هؤلاء القوم لم يدروا ولم يستشيروا، فقال ابنه: وكيف ذلك ؟ قال: إذ لم يقتلونا أو يحبسونا، فإن بعثوا إلينا بعثاكنا في أيديهم: وما أخوفني أن يفطنوا لهذا الامر فيبعثوا في طلبنا فالوحي الوحى (2) والنجاء النجاء.


(1) ذو خشب بضم الخاء والشين: واد بالمدينة. (2) الوحى الوحى: الاسراع والعجلة. (*)

[ 179 ]

إرسال يزيد الجيوش إليهم قال: فلما أجمع رأى يزيد على إرسال الجيوش، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا أهل الشام، فإن أهل المدينة أخرجوا قومنا منها، والله لان تقع الخضراء على الغبراء (1) أحب إلى من ذلك. وكان معاوية قد أوصى يزيد فقال له: إن رابك منهم ريب، أو انتقض عليك منهم أحد، فعليك بأعور بنى مرة مسلم بن عقبة، فدعا به فقال: سر إلى هذه المدينة بهذه الجيوش، وإن شئت أعفيتك، فإني أراك مدنفا منهوكا. فقال: نشدتك الله، أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي، أو تبعث غيري، فإني رأيت في النوم شجرة غرقد (2) تصيح أغصانها: يا ثارات عثمان، فأقبلت إليها، وجعلت الشجرة تقول: إلي يا مسلم بن عقبة، فأتيت فأخذتها، فعبرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان، ووالله ما صنعوا الذي صنعوا إلا أن الله أراد بهم الهلاك. فقال يزيد: فسر على بركة الله، فأنت صاحبهم، فخرج مسلم فعسكر وعرض الاجناد، فلم يخرج معه أصغر من ابن عشرين، ولا أكبر من ابن خمسين على خيل عراب، وسلاح شاك، وأداة كاملة، ووجه معه عشرة آلاف بعير تحمل الزاد حتى خرج، فخرج معه يزيد فودعه. قال له: إن حدث بك حدث فأمر الجيوش إلى حصين بن نمير، فانهض بسم الله إلى ابن الزبير، واتخذ المدينة طريقا إليه، فإن صدوك أو قاتلوك فاقتل من ظفرت به منهم، وأنهبها (3) ثلاثا، فقال مسلم بن عقبة: أصلح الله الامير، لست بآخذ من كل ما عهدت به إلا بحرفين. قال يزيد: وما هما ؟ ويحك. قال: أقبل من المقبل الطائع، وأقتل المدبر العاصى. فقال يزيد: حسبك، ولكن البيان لا يضرك، والتأكيد ينفعك، فإذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها، أو نصب لك الحرب، فالسيف السيف، أجهز على جريحهم، وأقبل على مدبرهم، وإياك أن تبقى عليهم، وإن لم يتعرضوا لك، فامض إلى ابن الزبير. فمضت الجيوش، فلما نزلوا بوادي القرى، لقيتهم بنو أمية خارجين من المدينة، فرجعوا معهم، واستخبرهم مسلم بن عقبة عما خلفهم، وعما لقوا، وعن عددهم. فقال مروان: عددهم كثير، أكثر مما جئت به من الجيوش، ولكن عامتهم ليس لهم نيات ولا بصائر، وفيهم قوم قليل لهم نية وبصيرة، ولكن لا بقاء لهم مع السيف، وليس لهم كراع ولا سلاح، وقد خندقوا عليهم وحصنوا. قال مسلم: هذه أشدها علينا، ولكنا نقطع عنهم مشربهم، ونردم عليهم


(1) الخضراء: السماء، والغبراء: الارض. (2) الغرقد: شجر عظيم كبير الحجم، وسميت مقبرة المدينة بقيع الغرقد لان هذا الشجر ينبت فيها. (3) أنهبها: اجعلها نهبا أي مباحة ثلاثة أيام لعسكرك يفعلون فيها ما يشاءون. (*)

[ 180 ]

خندقهم. فقال مروان: عليه رجال لا يسلمونه، ولكن عندي فيه وجه سأخبرك به. قال: هاته. فقال: اطوه ودعه حتى يحضر ذلك. قال: فدعه إذا. ثم قال لهم مسلم: تريدون أن تسيروا إلى أمير المؤمنين، أو تقيموا موضعكم هذا، أو تسيروا معنا ؟ فقال بعضهم: نسير إلى أمير المؤمنين، ونحدث به عهدا، فقال مروان: أما أنا فراجع. فقال بعضهم لبعض: قد حلفنا لهم عند المنبر لئن استطعنا أن نرد الجيش عنهم لنردنه فكيف بالرجوع إليهم. فقال مروان: أما أنا فراجع إليه. فقال له قوم: ما نرى أن تفعل، تقتلون بهؤلاء أنفسكم، والله لا أكثرنا عليهم لمسلم جمعا أبدا. فقال مروان: أنا والله ماض مع مسلم إلى المدينة، فمدرك ثأري من عدوى، وممن أخرجني من بيتي، وفرق بيني وبين أهلي، وإن قتلت بهم نفسي، فلم يرجع مع مسلم من بني أمية غير مروان وابنه عبد الملك، وكان مجدورا فجعله بذى خشب. فلما أيقن أهل المدينة بقدوم الجيوش إليهم تشاوروا في الخندق وقالوا قد خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخندقوا المدينة من كل نواحيها. ثم جمع عبد الله بن حنظلة أهل المدينة عند المنبر، فقال: تبايعوني على الموت وإلا فلا حاجة في بيعتكم. فبايعوه على الموت، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما خرجتم غضبا لدينكم، فأبلوا إلى الله بلاء حسنا ليوجب لكم به الجنة ومغفرته، ويحل بكم رضوانه، واستعدوا بأحسن عدتكم، وتأهبوا بأكمل أهبتكم، فقد أخبرت أن القوم قد نزلوا بذى خشب، ومعهم مروان بن الحكم، والله إن شاء مهلكه بنقضه العهد والميثاق عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصايح الناس، وجعلوا ينالون منه ويسبونه. فقال لهم: إن الشتم ليس بشئ، ولكن نصدقهم اللقاء، والله ما صدق قوم قط إلا نصروا، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنا بك واثقون، وعليك متوكلون، وإليك ألجأنا ظهورنا ثم نزل. وكان عبد الله بن حنظلة لا يبيت إلا في المسجد الشريف، وكان لا يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد. قدوم الجيوش إلى المدينة قال: وذكروا أن أهل الشام لما انتهوا إلى المدينة عسكروا بالجرف (1)، ومشوا رجالا من رجالهم، فأحدقوا بالمدينة من كل ناحية لا يجدون مدخلا، لانهم قد خندقوها عليهم، والناس متلبسون السلاح، قد قاموا على أفواه الخنادق، وقد حرصوا أن لا يتكلم منهم متكلم، وجعل


(1) الجرف: مواضع: أحدها قرب مكة والآخر قرب المدينة والثالث باليمن، والرابع باليمامة، والمراد هنا الذي بقرب المدينة. (*)

[ 181 ]

أهل الشام يطوفون بها الناس يرمونهم بالحجارة والنبل من فوق الآكام والبيوت، حتى خرجوا فيهم وفي خيلهم، فقال مسلم لمروان: أين ما قلت لي بوادي القرى ؟ فخرج مروان حتى جاء بني حارثه، فكلم رجلا منهم، ورغبه في الضيعة، وقال: افتح لنا طريقا، فأنا أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، ومتضمن لك عنه شطر ما كان بذل لاهل المدينة من العطاء وتضعيفه، ففتح له طريقا، ورغب فيما بذل له، وتقبل ما تضمن له عن يزيد، فاقتحمت الخيل، فجاء الخبر إلى عبد الله بن حنظلة، فأقبل، وكان من ناحية الطورين، وأقبل عبد الله بن مقطع، وكان من ناحية ذناب، وأقبل ابن أبي ربيعة، فاجتمعوا جميعا بمن معهم، بحيث اقتحم عليهم أهل الشام، فاقتتلوا حتى عاينوا الموت، ثم تفرقوا. غلبة أهل الشام على أهل المدينة قال: وذكروا أن عبد الله بن أبي سفيان قال: وقعت مع قوم عند مسجد بني عبد الاشهل، منهم عبد الله بن زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتل مسيلمة الكذاب، ومعه عبد الله بن حنظلة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وإبراهيم بن فارط، وإبراهيم بن نعيم ابن النجار، فهم يقاتلون ويقولون للناس: أين الفرار ؟ والله لان يقتل الرجل مقبلا خير له من أن يقتل مدبرا. قال: فاقتتلوا ساعة، والنساء والصبيان يصيحون ويبكون على قتلاهم، حتى جاءهم ما لا طاقة لهم به، وجعل مسلم يقول. من جاء برأس رجل فله كذا وكذا، وجعل يغرى قوما لا دين لهم، فقتلوا وظهروا على أكثر المدينة. قال: وكان على بشر ابن حنظلة يومئذ درعان، فلما هزم القوم طرحهما. ثم جعل يقاتلهم وهو حاسر حتى قتلوه، ضربه رجل من أهل الشام ضربة بالسيف قطع منكبه، فوقع ميتا. فلما مات ابن حنظلة صار أهل المدينة كالنعم بلا راع، شرود يقتلهم أهل الشام من كل وجه، فاقبل محمد بن عمرو بن حزم الانصاري، وإن جراحه لتنفث دما، وهو يقاتل ويحمل على الكردوس منهم فيفض جماعتهم، وكان فارسا، فحمل عليه أهل الشام حملة واحدة حتى نظموه بالرماح، فمال ميتا. فلما قتل انهزم من بقى من الناس في كل وجه، ودخل القوم المدينة، فجالت خيولهم فيها يقتلون وينهبون. قال: وخرج يومئذ عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخيل تسرع في كل وجه قتلا ونهبا: فقيل له: لو علم القوم باسمك وصحبتك لم يهيجوك،

[ 182 ]

فلو أعلمتهم بمكانك ؟ فقال: والله لا أقبل لهم أمانا، ولا أبرح حتى أقتل، لا أفلح من ندم، وكان رجلا أبيض طويلا أصلع، فأقبل عليه رجل من أهل الشام وهو يقوم: والله لا أبرح حتى أضرب صلعته وهو حاسر. فقال عبد الله: شر لك خير لي، فضربه بفأس في يده، فرأيت نورا ساطعا في السماء، فسقط ميتا. وكان يومه ذلك صائما، رحمه الله. قال: فجعل مسلم يطوف على فرس له ومعه مروان بن الحكم على القتلى. فمر على عبد الله ابن حنظلة، وهو ماد أصبعه السبابة. فقال مروان: أما والله لئن نصبتها ميتا فطالما نصبتها حيا، داعيا إلى الله. ومر على إبراهيم بن نعيم، ويده على فرجه، فقال: أما والله لئن حفظته في الممات لقد حفظته في الحياة. ومر علي محمد بن عمرو بن حزم وهو على وجهه واضعا جبهته بالارض، فقال: أما والله لئن كنت على وجهك في الممات لطالما افترشته حيا ساجدا لله. فقال مسلم: والله ما أرى هؤلاء إلا من أهل الجنة. ومر على عبد الله بن زيد وبين عينيه أثر السجود، فلما نظر إليه مروان عرفه، وكره أن يعرفه لمسلم فيحز رأسه. فقال له مسلم: من هذا ؟ فقال بعض هذه الموالي وجاوزه، فقال له مسلم: كلا، وبيت الله لقد نكبت عنه لشئ. فقال له مروان هذا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن زيد. فقال: ذاك أخزى ناكث بيعته حزوا رأسه. وكان قصر بني حارثة أمانا لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه، وكان بنو حارثة آمنين ما قتل منهم أحد، وكان كل من نادى باسم الامان إلى أحد من قبيلة بني حارثة أمنوه رجلا كان أو امرأة ثم ذبوا عنه حتى يبلغوه قصر بني حارثة، فأجير يومئذ رجال كثير ونساء كثيرة، فلم يزالوا في قصر بني حارثة حتى انقضت الثلاث. قال: وأول دور انتهبت والحرب قائمة دور بني عبد الاشهل، فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي ولا فراش إلا نقض صوفه، حتى الحمام والدجاج كانوا يذبحونها، فدخلوا دار محمد بن مسلمة، فصاح النساء، فأقبل زيد بن محمد بن مسلمة إلى الصوت، فوجد عشرة ينهبون، فقاتلهم ومعه رجلان من أهله حتى قتل الشاميون جميعا، وخلصوا منهم ما أخذوه، فألقوا متاعهم في بئر لا ماء فيها، وأبقي عليها التراب، ثم أقبل نفر من أهل الشام، فقاتلوهم أيضا، حتى قتل زيد بن محمد أربعة عشر رجلا، فضربه بالسيف منه أربعة في وجهه. ولزم أبو سعيد الخدري بيته، فدخل عليه نفر من أهل الشام، فقالوا: أيها الشيخ، من أنت ؟ فقال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما زلنا

[ 183 ]

نسمع عنك، فبحظك أخذت في تركك قتالنا، وكفك عنا، ولزوم بيتك، ولكن أخرج إلينا ما عندك. قال: والله ما عندي مال، فنتفوا لحيته، وضربوه ضربات، ثم أخذوا كل ما وجدوه في بيته حتى الصواع (1)، وحتى زوج حمام كان له. وكان جابر بن عبد الله يومئذ قد ذهب بصره، فجعل يمشي في بعض أزقة المدينة، وهو يقول: تعس من أخاف الله ورسوله. فقال له رجل: ومن أخاف الله ورسوله ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبي، فحمل عليه رجل بالسيف ليقتله، فترامى عليه مروان فأجاره، وأمر أن يدخله منزله، ويغلق عليه بابه، وكان سعيد بن المسيب رحمه الله لم يبرح من المسجد، ولم يكن يخرج إلا من الليل إلى الليل، وكان يسمع إذا جاء وقت الاذان أذانا يخرج من قبل القبر الشريف، حتى آمن الناس، فكان سعيد يقول: ما رأيت خيرا من الجماعة، ثم أمر مسلم بالاسارى، فغلوا بالحديد، ثم دعا إلى بيعة يزيد، فكان أول من بايع مروان بن الحكم، ثم أكابر بني أمية، حتى أتى على آخرهم. ثم دعا بني أسد، وكان عليهم حنقا، فقال: أتبايعون لعبدالله يزيد بن أمير المؤمنين ولمن استخلف عليكم بعده، على أن أموالكم ودماءكم وأنفسكم خول له، يقضى فيها ما شاء ؟ قال يزيد بن عبد الله بن زمعة: إنما نحن نفر من المسلمين لنا ما لهم وعلينا ما عليهم. فقال مسلم: والله لا أقيلك، ولا تشرب البارد بعدها أبدا، فأمر به، فضربت عنقه. ثم أتى بمعقل بن سنان، وكان معقل حاملا لواء قومه يوم الفتح مع رسول الله، فلما دخل عليه قال له: أعطشت يا معقل ؟ قال: نعم أصلح الله الامير، قال: حيسوا له شربة من سويق اللوز الذي زودنا به أمير المؤمنين، فلما شربها قال له: رويت ؟ قال: نعم. فقال مسلم: أما والله لا تبولها من مثانتك أبدا، فقدم، فضربت عنقه، ثم قال: ما كنت لادعك بعد كلام سمعته منك تطعن به على إمامك، وكان معقل قد طعن بعض الطعن على يزيد قبل ذلك، فيما بينه وبين مسلم، على الاستراحة بذلك، ثم أمر بمحمد بن أبي الجهم وجماعة من وجوه قريش والانصار، وخيار الناس والصحابة والتابعين، ثم أتى بعبد الله بن الحارث مغلولا. فقال مسلم: أنت القائل: اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية، لا تروا شرا أبدا ؟ قال: قد قلتها، ولكن لا يسمع من أسير أمير، أرسل يدي، وقد برئت مني الذمة، إنما نزلت بعهد الله وميثاقه، وايم الله لو أطاعوني وقبلوا مني ما أشرت به عليهم ما تحكمت فتهم أنت أبدا. فقال له مسلم: والله لاقدمنك إلى نار تلظى، ثم أمر به فضربت عنقه، فقال


(1) الصواع: الكوز الذي يشرب به. (*)

[ 184 ]

مروان: قد والله سقيتني من دماء هؤلاء القوم، إلا ما كان من قريش، فإنك أثخنتها وأفنيتها. فقال مسلم: والله لا أعلم عند أحدا غشا لامير المؤمنين إلا سألت الله أن يسقيني دمه. فقال: إن عند أمير المؤمنين عفوا لهم، وحلما عنهم ليس عندك. وجعل مروان يعتذر إلى قريش، ويقول: والله لقد ساءني قتل من قتل منكم. فقالت له قريش: أنت والله الذي قتلتنا، ما عذرك الله ولا الناس، لقد خرجت من عندنا، وحلفت لنا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتردنهم عنا، فإن لم تستطع لتمضين ولا ترجع معهم، فرجعت، ودللت على العورة، وأعنت على الهلكة، فالله لك بالجزاء. قال: فبلغ عدة قتلى الحرة يومئذ من قريش والانصار والمهاجرين ووجوه الناس، ألفا وسبع مئة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان. قال أبو معشر: دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الانصار ومعها صبي لها، فقال لها. هل من مال ؟ قالت: لا والله ما تركوا لي شيئا. فقال: والله لتخرجن إلي شيئا أو لاقتلنك وصبيك هذا. فقالت له: ويحك إنه ولد ابن أبي كبشة الانصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معه يوم بيعة الشجرة، على أن لا أزني، ولا أسرق، ولا أقتل ولدي، ولا آتي ببهتان أفتريه، فما أتيت شيئا، فاتق الله. ثم قالت لابنها: يا بني، والله لو كان عندي شئ لافتديتك به. قال: فأخذ برجل الصبي، والثدى في فمه، فجذبه من حجرها، فضرب به الحائط فانتثر دماغه في الارض، قال: فلم يخرج من البيت حتى اسود نصف وجهه، وصار مثلا. قال أبو معشر: قال لي رجل: بينا أنا في بعض أسواق الشام، إذا برجل ضخم، فقال لي: ممن أنت ؟ قلت: رجل من أهل المدينة، قال: من أهل الخبيثة ؟ قال: فقلت له سبحان الله، رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها طيبة وسميتها خبيثة ! قال: فبكى، فقلت له: ما يبكيك، قال: العجب والله، كنت أغزو الصائفة كل عام زمن معاوية، فأتيت في المنام فقيل لي: إنك تغزو المدينة، وتقتل فيها رجلا يقال له: محمد بن عمرو بن حزم، وتكون بقتله من أهل النار. قال: فقلت: ما هذا من شأن المدينة، ولا يقع في نفس مدينة الرسول. قال: فقلت: لعلها بعض مدائن الروم، فكنت أغزو ولا أسل فيها سيفا، حتى مات معاوية، وولى يزيد، فضرب قرعة بعث المدينة، فأصابتني القرعة. قال: فقلت: هي هذه والله، فأردت أن يأخذوا مني بديلا، فأبوا، فقلت في نفسي: أما إذا أبوا، فإني لا أسل فيها سيفا. قال: فحضرت الحرة، فخرج أصحابي يقاتلون، وجلست في فسطاطي، فلما فرغوا من القتال، جاءنا أصحابنا،

[ 185 ]

فقالوا: دخلنا وفرغنا من الناس، فقال بعض أصحابي لبعض: تعالوا حتى ننظر إلى القتلى، فتقلدت سيفي وخرجت، فجعلنا ننظر إلى القتلى ونقول: هذا فلان، وهذا فلان، فإذا رجل في بعض تلك الدارات في يده سيف، وقد أزبد شدقاه، وحوله صرعى من أهل الشام، فلما أبصرني قال: يا كلب احقن عني دمك. قال فنسيت والله كل شئ، فحملت عليه، فقاتلته فقتلته، فسطع نور بين عينيه وسقط في يدي، قلت: من هذا ؟ فقيل لي: هذا محمد بن عمرو بن حزم، فجعلت أدور مع أصحابي، فيقولون: هذا فلان، وهذا فلان. فمر إنسان لا يعرف، فقال: من قتل هذا، ويحكم، يريد محمد بن عمرو بن حزم ! قتله الله، والله لا يرى الجنة بعينه أبدا. عدة من قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم قال: وذكروا أنه قتل يوم الحرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بدري بعد ذلك، ومن قريش والانصار سبع مئة، ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف، وكانت الوقعة في ذي الحجة لثلاث بقين منها سنة ثلاث وستين. قالوا: وكان الناس يعجبون من ذلك أن ابن الزبير لم يصلوا إليه إلا بعد ستة أشهر، ولم يكن مع ابن الزبير إلا نفر قليل، وكان بالمدينة أكثر من عشرة آلاف رجل، والله ما استطاعوا أن يناهضوهم يوما إلى الليل. كتاب مسلم بن عقبة إلى يزيد قال: وذكروا أن مسلما لما فرغ من قتال أهل المدينة ونهبها، كتب إلى يزيد بن معاوية بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين من مسلم بن عقبة، سلام عليك يامير المؤمنين ورحمة الله، فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله إلا هو، أما بعد: تولى الله حفظ أمير المؤمنين والكفاية له، فإني أخبر أمير المؤمنين أبقاه الله، أنى خرجت من دمشق ونحن على التعبئة التي رأى أمير المؤمنين يوم فارقنا بالعافية، فلقينا أهل بيت أمير المؤمنين بوادي القرى، فرجع معنا مروان بن الحكم، وكان لنا عونا على عدونا، وإنا انتهينا إلى المدينة فإذا أهلها قد خندقوا عليها الخنادق، وأقاموا على أنقابها الرجال بالسلاح وأدخلوا ماشيتهم، وما يحتاجون لحصارهم سنة فيما كانوا يقولون، وإنا أعذرنا إليهم، وأخبرناهم بعهد أمير المؤمنين، وما بذل لهم، فأبوا، ففرقت أصحابي على أفواه الخنادق، فوليت الحصين بن نمير، ناحية ذناب وما والاها، وعلى الموالي وجهت حبيش بن دجلة إلى ناحية بنى سلمة،

[ 186 ]

ووجهت عبد الله بن مسعدة إلى ناحية بقيع الغرقد (1)، وكنت ومن معي من قواد أمير المؤمنين ورجاله في وجوه بني حارثة، فأدخلنا الخيل عليهم حين ارتفع النهار، من ناحية عبد الاشهل بطريق فتحه لنا رجل منهم بما دعاه إليه مروان بن الحكم إلى صنيع أمير المؤمنين، وما تضمن له عنه من قرب المكان، وجزيل العطاء، وإيجاب الحق، وقضاء الذمام، وقد بعثت به إلى أمير المؤمنين، وأرجو من الله عز وجل، أن يلهم خليفته وعبده عرفان ما أولى من الصنع وأسدى من الفضل، وكان أكرم الله أمير المؤمنين من محمود مقام مروان بن الحكم، وجميل مشهده، وسديد بأسه، وعظيم نكايته لعدو أمير المؤمنين، ما لا إخال ذلك ضائعا عند إمام المسلمين وخليفة رب العالمين إن شاء الله، وسلم الله رجال أمير المؤمنين، فلم يصب منهم أحد بمكروه، ولم يقم لهم عدوهم من ساعات نهارهم أربع ساعات، فما صليت الظهر أصلح الله أمير المؤمنين إلا في مسجدهم، بعد القتل الذريع، والانتهاب العظيم، وأوقعنا بهم السيوف وقتلنا من أشرف لنا منهم، وأتبعنا مدبرهم وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناهم ثلاثا كما قال أمير المؤمنين، أعز الله نصره، وجعلت دور بني الشهيد المظلوم عثمان بن عفان، في حرز وأمان، فالحمد لله الذي شفى صدري من قتل أهل الخلاف القديم، والنفاق العظيم، فطالما عتوا، وقديما ما طغوا. وكتبت إلى أمير المؤمنين، وأنا في منزل سعيد بن العاص مدنفا مريضا، وما أراني إلا لما بي، فما كنت أبالي، متى مت بعد يومي هذا، وكتب لهلال المحرم سنة ثلاث وستين. فلما جاءه الكتاب، أرسل إلى عبد الله بن جعفر وإلى ابنه معاوية بن يزيد، فأقرأهما الكتاب، فاسترجع عبد الله بن جعفر وأكثر، وبكى معاوية ين يزيد، حتى كادت نفسه تخرج، وطال بكاؤه، فقال يزيد لعبد الله بن جعفر: ألم أجبك إلى ما طلبت، وأسعفتك فيما سألت، فبذلت لهم العطاء وأجزلت لهم الاحسان، وأعطيت العهود والمواثيق على ذلك ؟ فقال عبد الله بن جعفر: فمن هنالك استرجعت، وتأسفت عليهم، إذ اختاروا البلاء على العافية، والفاقة على النعمة، ورضوا بالحرمان دون العطاء، ثم قال يزيد لابنه معاوية: فما بكاؤك أنت يا بني ؟ قال: أبكى على قتل من قتل من قريش، وإنما قتلنا بهم أنفسنا. فقال يزيد: هو ذاك، قتلت بهم نفسي وشفيتها قال: وسأل مسلم بن عقبة قبل أن يرتحل عن المدينة عن علي بن الحسين، أحاضر هو ؟ فقيل له: نعم. فأتاه علي بن الحسين، ومعه ابناه، فرحب بهما، وسهل وقربهم، وقال:


(1) بقيع الغرقد: مقبرة المدينة. (*)

[ 187 ]

إن أمير المؤمنين أوصاني بك. فقال علي بن الحسين: وصل الله أمير المؤمنين وأحسن جزاءه ثم انصرف عنه. ولم يكن أحد نصب للحرب من بني هاشم، ولزموا بيوتهم، فسلموا، إلا ثلاثة منهم تعرضوا للقتال، فأصيبوا. موت مسلم بن عقبة ونبشه قال: وذكروا أن مسلم بن عقبة ارتحل عن المدينة، وهو يجود بنفسه، يريد ابن الزبير بمكة، فنزل في بعض الطريق، فدعا الحصين بن نمير. فقال لة: يا برذعة الحمار، إنه كان من عهد أمير المؤمنين إن حدث بي حدث الموت أن أعهد إليك، فاسمع، فإني بك عالم، لا تمكن قريشا من أذنك إذا قدمت مكة فتبول (أي قريش فيها)، فإنما هو الوفاق، ثم النفاق ثم الانصراف ثم مات فدفن في ثنية المشلل (1)، فلما تفرق القوم عنه، أتته أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة، وكانت من وراء العسكر تترقب موته، فنبشت عنه، فلما انتهت إلى لحده، وجدت أسود من الاساود منطويا في رقبته، فاتحا فاه، فتهيبته. ثم لم تزل به حتى تنحى لها عنه فصلبته على المشلل. قال الضحاك: فحدثني من رآه مصلوبا يرمى كما يرمي قبر أبى رغال. (2) فضائل قتلى أهل الحرة رحمهم الله تعالى قال: وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في سفر من أسفاره فلما مر بحرة بني زهرة، وقف فاسترجع.. فقالوا: ما هو يا رسول الله ؟ قال: يقتل في هذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي. قال: وذكروا أن عبد الله بن سلام وقف بالحرة زمان معاوية بن أبي سفيان. فقال: أجد في كتاب يهود الذي لم يبدل ولم يغير، أنه يكون ها هنا مقتلة قوم يحشرون يوم القيامة واضعي سيوفهم على رقابهم، حتى يأتوا الرحمن تبارك وتعالى، فيقفون بين يديه، فيقولون: قتلنا فيك. قال: وذكروا عن داود بن الحصين قال: عندنا قبور قوم من قتلى الحرة، فقل ما حركت إلا فاح منها ريح المسك. وقال بعضهم: عن عبد الله بن أبي سفيان


(1) ثنية المشلل: الثنية العقبة أي الارض المرتفعة. والمشلل: بضم الميم وفتح اللام المشددة جبل بالمدينة. (2) أبو رغال: بكسر الراء قيل هو رجل من ثمود كان يقيم بالحرم يدافع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة، وقيل كان دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكة، وقيل كان عشارا جائرا، ورجم قبره لكراهة الناس له. (*)

[ 188 ]

عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني


(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*) عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن خنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت ؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم ؟ قال: هم معي، وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد استشهدت ؟ قال: ليس في الاسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال الاعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والانصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، وسائر الناس عشرة آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبدالله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. تم الجزء الاول من كتاب الامامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

(1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (*)