الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الامامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الشيري ج 2ي

الامامة والسياسة

ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الشيري ج 2


[ 1 ]

الامامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء

[ 3 ]

الامامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء الامام الفقيه ابى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى " المولود سنة 213 ه‍ والمتوفى سنة 276 ه‍ رحمه الله " تحقيق الاستاذ علي شيري ماجستير في التاريخ الاسلامي الجزء الثاني

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

ذكر اختلاف الرواة في وقعة الحرة وخبر يزيد قال: وذكروا أنه لما بويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة (1)، فأقام هو وابن الزبير (2). قال: وقدم عمرو بن سعيد بن العاص (3) في رمضان أميرا


(1) مر في الجزء الاول (راجع ص 226 - 227) أن يزيد بن معاوية بعد بيعته بالشام بالخلافة أرسل إلى واليه بالمدينة أن يأخذ بيعة الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهم. وأن والي المدينة الوليد بن عتبة (كما في الطبري) دعاهم لاتمام البيعة فاستمهلوه ثم إن ابن الزبير لحق بمكة من ليلته. وأن الحسين بن علي خرج بعده بليلة ببنيه وأخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية (انظر الاخبار الطوال ص 228). وبعض المؤرخين (ابن الاعثم 5 / 33) يقول إن الحسين بن علي تأخر في رحيله عن المدينة. وأنه جاهر مروان بن الحكم برفض البيعة ليزيد. عند ذلك كتب الوليد بن عتبة إلى يزيد بن معاوية (رواية المقتل 2 / ألف): بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الله يزيد أمير المؤمنين.. أما بعد فإن الحسين بن علي ليس يرى لك خلافة ولا بيعة، فرأيك في أمره والسلام. فعندما ورد كتابه على يزيد غضب غضبا شديدا وكتب إلى الوليد بن عتبة: من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانية على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبد الله بن الزبير فإنه لن يفوتنا ولن ينجو منا أبدا ما دام حيا، وليكن مع جوابك إلي رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظ الاوفر والنعمة واحدة والسلام (ابن الاعثم 5 / 36). ثم أن الحسين عزم على الخروج إلى مكة، حتى إذا صار فيها استخار الله في أمره بعد ذلك. (2) بقدوم الحسين بن علي إلى مكة اشتد الامر على عبد الله بن الزبير لانه كان قد طمع أن يبايعه أهل مكة، وجعل أهل مكة يختلفون إلى الحسين بكرة وعشية، فشق ذلك على ابن الزبير وسقط بيده وعلم أن أحدا من أهل مكة لن يبايعه ما دام الحسين بها. (3) كان عمرو بن سعيد أميرا على مكة، وقد مر سبب عزل الوليد بن عتبة عن المدينة، وهو فشله = (*)

[ 6 ]

على المدينة وعلى الموسم، وعزل الوليد بن عقبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي مستقبله: مه مه ! جاءنا والله بالدم فتلقاه رجل بعمامته، فقال مه ! عم والله الناس، ثم قام يخطب، فناوله آخر عصا لها شعبتان. فقال: مه ! شعب والله الناس. ثم خرج إلى مكة، فقدمها يوم التروية، فصلى الحسين ثم خرج. فلما انصرف عمرو بلغه أن الحسين خرج، فقال: اركبوا كل بعير بين السماء والارض فاطلبوه. قال: فكان الناس يعجبون من قوله هذا. قال: فطلبوه فلم يدركوه، فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين. فأبى أن يرجع، وخرج الحسين بابني عبد الله بن جعفر معه (1)، ورجع عمرو بن سعيد بن العاص إلى المدينة، فأرسل إلى ابن الزبير، فأبى أن يأتيه، وامتنع برجال معه من قريش وغيرهم. قال: فبعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن الزبير. قال: فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة، وهم كارهون للخروج. فقال لهم: اما أن تأتوا ببدل، وإما أن تخرجوا. قال: فجاء الحارث بن مالك بن البرصاء برجل استأجره بخمس مئة درهم إلى عمرو بن سعيد. فقال: قد جئت برجل بدلي. فقال الحارث للرجل الذي استأجره هل لك أن أزيدك خمس مئة اخرى، وتنكح أمك ؟ فقال له: أما تستحي ؟ فقال: إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد، وحرمت عليك الكعبة في كذا وكذا مكان من القرآن. قال فجاء به إلى عمرو بن سعيد، قال: قد جئتك برجل لو أمرته أن ينكح أمه لنكحها. فقال له عمرو: لعنك الله من شيخ قال: فبعثهم إلى مكة يقاتلون ابن الزبير، فهزم عمرو ابن الزبير (2)، وبعث يزيد بن معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري، يخطب الناس


= في أخذ البيعة من كبار القوم، وسلم الامر في مكة والمدينة إلى عمرو بن سعيد وذلك في رمضان عام (60) وكلف معالجة أمر البيعة ليزيد. (1) خرج الحسين من مكة يوم الثلاثاء يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجة ومعه اثنان وثمانون رجلا من شيعته وأهل بيته. (انظر الطبري 5 / 349) ابن الاثير 2 / 547 وابن الاعثم 5 / 120). (2) كان عمرو بن الزبير - أخو عبد الله - على شرطة المدينة لعمرو بن سعيد، وقد جاء استعماله على الجيش المتوجه لقتال عبد الله بن الزبير بأمر مباشر من الخليفة يزيد (انظر الطبري 5 / 345) وكان اختيار عمرو لان بني أمية كانوا يكرمونه لان أمه بنت خالد بن سعيد بن العاص، فكان ابن أختهم وعلى علاقات وطيدة معهم وكان من أشد الناس عداوة لاخيه = (*)

[ 7 ]

بالمدينة. فقال في خطبته: أهل الشام جند الله الاعظم، وأهل الشام خير الخلق. فقال الحارث بن مالك: ائذن لي أن أتكلم. فقال: اجلس لا أجلسك الله من شيخ. قال: فتشهد الحارث وقال: لعمر الله لنحن خير من أهل الشام، ما نقمت من أهل المدينة الا أنهم قتلوا أباك وهو يسرق لقاح النبي صلى الله عليه وسلم (1). أنسيت طعنة أبي قتادة إست أبيك بالرمح، فخرج منه جمعوص مثل هذا، وأشار إلى ساعده، ثم جلس. ولاية الوليد المدينة وخروج الحسين بن علي قال: وذكروا أن يزيد بن معاوية، عزل عمرو بن سعيد، وأمر الوليد بن عتبة (2) وخرج الحسين بن علي إلى مكة، فمال الناس إليه، وكثروا عنده واختلفوا إليه، وكان عبد الله بن الزبير فيمن يأتيه (3). قال: فأتاه كتاب أهل الكوفة فيه (4): بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، من سليمان بن صرد، والمسيب [ بن نجبة ]، ورفاعة بن شداد، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد، الذي اعتدى على هذه الامة، فانتزعها حقوقها، واغتصبها أمورها، وغلبها على فيئها، وتأمر عليها على غير رضا منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام، فاقدم علينا، لعل الله أن يجمعنا بك على


= عبد الله. وبعدما هزم عمرو وأسر قال له عبد الله: قبحك الله من أخ وذي رحم فإنك لم تذكر ما كان من البلاء عندك وقيامي بحقك وأخذي بيدك. انظر تفاصيل حرب ابن الزبير مع أخيه عمرو الطبري 5 / 344. (1) في جمهرة النسب للكلبي ص 433 أن الذي أغار على سرح المدينة هو عبد الله بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري. (2) بالاصل " عقبة " تحريف. قال خليفة في تاريخه ص 229: " ثم نزع في مستهل ذي الحجة وأمر الوليد بن عتبة " وكان عمرو بن سعيد قدم المدينة في شهر رمضان وأقام الحاج بالناس سنة 60 ه‍. (3) تقدمت الاشارة إلى تخوف ابن الزبير من قدوم الحسين بن علي إلى مكة، حيث كان ابن الزبير يطمع في بيعة أهل مكة له. (4) قارن مع نسخة الكتاب في الطبري 5 / 352 الكامل لابن الاثير 2 / 533 الفتوح لابن الاعثم 5 / 47 - 48 تاريخ اليعقوبي 2 / 242 الاخبار الطوال ص 229. (*)

[ 8 ]

الهدى، فإن النعمان بن بشير في قصر الامارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة، وألحقناه بالشام والسلام. قال (1): فبعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له، وكان على الكوفة النعمان بن بشير. فقال النعمان: لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من ابن بحدل. قال: فبلغ ذلك يزيد، فأراد أن يعزله. فقال لاهل الشام: أشيروا علي، من أستعمل على الكوفة ؟ فقالوا: أترضى برأي معاوية ؟ قال: نعم، قالوا: فإن الصك بإمرة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتبه في الديوان (2). قال: فاستعمله على الكوفة، فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، وبايع له مسلم بن عقيل وأكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة، فنهضوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما أشرفوا على زقاق، انسل عنه منهم ناس، حتى بقي مسلم في شرذمة قليلة. قال: فجعل أناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانئ بن عروة المرادي، وكان له فيهم رأي. فقال لها هانئ بن عروة: إن لي من ابن زياد مكانا، وسوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني، فاضرب عنقه، قال: فقيل لابن


(1) ثمة إجماع في المصادر على أن الرسائل والرسل تتابعت على الحسين من رؤساء أهل الكوفة حتى وصله من الكتب منهم ما ملا منه خرجين. وكان آخر من وصل إليه منهم هانئ بن هانئ وسعيد بن عبد الله الحنفي. فأرسل الحسين معهما إليهم جميعا كتابا واحدا نسخته: (عن الطبري): بسم الله الرحمن الرحيم. من حسين بن علي إلى الملا من المؤمنين والمسلمين، أما بعد، فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي. وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منهم على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله، فلعمري ما الامام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله. والسلام. (2) في الطبري 5 / 356 أن يزيد لما بلغه خبر وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة ومبايعة أهلها للحسين، واستضعاف أهلها للنعمان بن بشير استشار سرجون مولى معاوية فأشار عليه بعبيد الله بن زياد، وكان معاوية قد عهد له بالعراقين (البصرة والكوفة) لكنه مات قبل إنفاد العهد إليه. (*)

[ 9 ]

زياد: إن هانئ بن عروة شاك يقئ الدم. قال: وشرب المغرة (1)، فجعل يقيئها. قال: فجاء ابن زياد يعوده، وقال لهم هانئ: إذا قلت لكم اسقوني، فاخرج إليه فاضرب عنقه، فقال: اسقوني، فأبطأوا عليه، فقال (2): ويحكم اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي قال: فخرج عبيد الله بن زياد ولم يصنع الآخر شيئا، وكان من أشجع الناس، ولكنه أخذته كبوة (3)، فقيل لابن زياد: والله إن في البيت رجلا متسلحا. قال: فأرسل ابن زياد إلى هانئ فدعاه. فقال: إني شاك لا أستطيع النهوض. فقال: ائتوني به وإن كان شاكيا (4)، قال: فأخرج له دابة، فركب ومعه عصاه وكان أعرج، فجعل يسير قليلا ويقف، ويقول: ما لي أذهب إلى ابن زياد ؟ فما زال ذلك دأبه حتى دخل عليه. فقال له عبيد الله بن زياد: يا هانئ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء ؟ قال: بلى، قال: ويدي ؟ قال: بلى، فقال يا هانئ، قد كانت لكم عندي يد بيضاء، وقد أمنتك على نفسك ومالك، فتناول العصا التي كانت بيد هانئ، فضرب بها وجهه حتى كسرها، ثم قدمه فضرب عنقه (5). قال: وأرسل جماعة إلى مسلم بن عقيل (6)، فخرج عليهم


(1) المغرة: الطين الاحمر يصبغ به. والمغرة: مسحوق أكسيد الحديد، ويوجد في الطبيعة مختلطا بالطفال، وقد يكون أصفر أو أحمر بنيا. (2) في الطبري وابن الاثير: ما تنظرون بسلمى لا تحيوها * اسقونيها وإن كانت بها نفسي وفي الاخبار الطوال: ما تنظرون بسلمى عند فرصتها * فقد وفى ودها واستوسق الصرم (3) في المصادر: الطبري وابن الاثير والاخبار الطوال وابن الاعثم على أن القائل هو شريك بن الاعور وقد مرض في بيت هانئ بن عروة وقد اتفق مع مسلم، إن أتاه عبيد الله بن زياد يعوده، أن يخرج مسلم ويقتله لكن هانئ بن عروة قال: لا أحب أن يقتل في داري، وبينما شريك وهانئ يناقشان الامر إذ دخل عبيد الله... وبعدما خرج عبيد الله من المنزل سأل شريك مسلما ما الذي منعك منه إلا الجبن والفشل ؟ فقال مسلم: منعني منه خصلتان: أما إحداهما فكراهة هانئ أن يقتل في داره، وأما الاخرى فحديث حدثه الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الايمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن. (4) في الطبري. أن ابن زياد سأل عن هانئ بن عروة فقيل له إنه شاك فقال: بلغني أنه قد برأ، وهو يجلس على باب داره، فالقوه، فمروه ألا يدع ما عليه في ذلك من الحق، فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب. (5) انظر في مقابلة عبيد الله لهانئ بن عروة وكيفية مقتله في الطبري 5 / 365 - 367. (6) الخبر في الطبري وابن الاثير وابن الاعثم والاخبار الطوال باختلاف عما هنا وفيه أنه لما بلغ خبر هانئ بن عروة إلى مسلم بن عقيل خرج بأصحابه ومن بايعه - وقد بلغوا حسب رواية = (*)

[ 10 ]

بسيفه، فما زال يقاتلهم حتى أخرج وأسر، فلما أسر بعث الرجال، فقال: اسقوني ماء. قال: ومعه رجل من بني أبي معيط (1)، ورجل من بني سليم يقال له: شهر بن حوشب. فقال له شهر بن حوشب: لا أسقيك إلا من البئر. فقال المعيطي: والله لا نسقيه إلا من الفرات، قال: فأمر غلاما له، فأتاه بإبريق من ماء، وقدح قوارير ومنديل. قال: فسقاه فتمضمض مسلم، فخرج الدم، فما زال يمسح الدم، ولا يسيغ شيئا منه حتى قال: أخروه عني. قال: فلما أصبح دعا به عبيد الله بن زياد وهو قصير، فقدمه لتضرب عنقه، فقال: دعني حتى أوصي، فقال: أوص. فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد (2): ما أرى هاهنا من قريش غيرك، فادن مني حتى أكلمك، فدنا منه، فقال له: هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش ؟ إن الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم، واكتب إليهم بما أصابني (3). قال: فضرب عنقه وألقاه عمرو لعبيد الله وقال: أتدري ما قال ؟ فقال عبيد الله: اكتم على ابن عمك. فقال عمرو: هو أعظم من ذلك، فقال ابن زياد: فأي شئ هو ؟ قال: أخبرني أن الحسين ومن معه قد أقبل. وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة. فقال: أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك. قتال عمرو بن سعيد (2) الحسين وقتله قال: وذكروا أن عبيد الله بن زياد، بعث جيشا أمر عليهم عمرو بن سعيد (2)،


= الطبري 18 ألفا - وأقبلوا نحو القصر. تتمة الخبر في المصادر المذكورة إلى أن أخرج مسلم وأسر. (1) هو عمارة بن عقبة بن أبي معيط. (2) كذا بالاصل، وهو عمر بن سعد بن أبي وقاص. (3) في الطبري 5 / 376 أن مسلم بن عقيل أوصى عمر بن سعد قال له: إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة 700 درهم (في الاخبار الطوال: 1000 درهم) فاقضها عني. وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد، فوارها، وابعث إلى حسين من يرده، فإني قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه. وفي رواية أخرى عند الطبري 5 / 374 أن مسلم لما أسره محمد بن الاشعث أخبر مقدم الحسين وأن ابن الاشعث بعث إياس بن العثل الطائي من بني مالك بن عمرو بن ثمامة بخبر أسر مسلم وما آل إليه أمره ويدعوه إلى العودة من حيث أتى. (وانظر الاخبار الطوال ص 247). (*)

[ 11 ]

وقد جاء الحسين الخبر (1)، فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له: أترجع وقد قتل أخونا، وقد جاءك من الكتب ما نثق به ؟ فقال لبعض أصحابه: والله مالي عن هؤلاء من صبر، يعني بني عقيل. قال: فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع، فلقوهم وليس معهم ماء. فقالوا: يابن بنت رسول الله اسقنا. قال: فأخرج لكل فارس صحفة من ماء، فسقاهم بقدر ما يمسك برمقهم. ثم قالوا: سر يابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زالوا يرجونه، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربلاء، فقال الحسين: أي أرض هذه ؟ قالوا: كربلاء، قال: هذا كرب وبلاء. قال: فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة، فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم وبينه. فقال له شهر بن حوشب: لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم، فقال عباس بن علي: يا أبا عبد الله، نحن على الحق فنقاتل ؟ قال: نعم. فركب فرسه، وحمل بعض أصحابه على الخيول، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا. ثم بعث عبيد الله بن زياد عمرو (2) بن سعيد يقاتلهم. قال الحسين: يا عمرو (2)، اختر مني ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فأخرى، سيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده، فيحكم في بما يريد (3). فأرسل عمرو (2) إلى ابن زياد بذلك فهم أن يسيره إلى يزيد. فقال له شهر (4) بن حوشب: قد أمكنك الله من عدوك وتسيره إلى يزيد، والله لئن سار إلى يزيد لا رأى مكروها، وليكونن من يزيد بالمكان الذي لا تناله أنت منه، ولا غيرك من أهل الارض، لا تسيره ولا تبلعه ريقه حتى ينزل على حكمك. قال: فأرسل إليه يقول: لا، إلا أن تنزل على حكمي. فقال الحسين: أنزل على حكم ابن زانية ؟ لا والله لا أفعل، الموت دون ذلك وأحلى. قال: وأبطأ عمرو بن سعيد (2) عن قتاله. فأرسل عبيد الله بن زياد إلى شهر بن حوشب (4) إن تقدم


(1) تلقاه رجل من بني أسد، بعد رحيله من زرود (الاخبار الطوال 247). (2) كذا بالاصل عمرو بن سعيد خطأ، وهو عمر بن سعد وقد تقدم. وكان من أمر عمر بن سعد أن عبيد الله بن زياد ولاه الري وثغر دستبى والديلم وكتب له عهدا عليها ثم حدث أمر الحسين، فأمره ابن زياد أن يسير لمقاتلته، فتلكأ عمر وكره محاربة الحسين، فهدده ابن زياد برد عهد ولايته وتغريمه ونهب أمواله وأملاكه فرضخ لامره، وسار بعسكره أربعة آلاف فارس لمحاربة الحسين (الطبري - الاخبار الطوال) (3) في الطبري: فيرى فيما بيني وبينه رأيه. (4) في الطبري: شمر بن ذي الجوشن. (*)

[ 12 ]

عمرو يقاتل، وإلا فاقتله، وكن أنت مكانه. قال: وكان مع عمرو بن سعيد (1) من قريش ثلاثون رجلا من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال لا تقبلون واحدة منها ؟ فتحولوا مع الحسين، فقاتلوا. قال: فرأى رجل من أهل الكوفة عبد الله بن الحسين بن علي على فرس، وكان من أجمل الناس. قال: لاقتلن هذا الفتى، فقيل له: ويحك، ما تصنع بقتله، دعه، قال: فحمل عليه فضربه، فقطع يده، ثم ضربه ضربة أخرى فقتله، ثم قتلوا جميعا. فقتل يومئذ الحسين بن علي، وعباس بن علي، وعثمان بن علي، وأبو بكر بن علي (2)، وجعفر بن علي، وأمهم أم البنين بنت حرام الكلابية، وإبراهيم بن علي، وأمه أم ولد، وعبد الله بن علي، وخمسة من بني عقيل (3)، وابنان لعبد الله بن جعفر: عون، ومحمد، وثلاثة من بني هاشم، ونساء من نسائهم، وفيهم فاطمة بنت الحسين بن علي، وفيهم محمد بن علي، وابنا جعفر، ومحمد بن الحسين بن علي (4). قدوم من أسر من آل علي على يزيد قال وذكروا أن أبا معشر قال: حدثني محمد بن الحسين بن علي، قال: دخلنا على يزيد، ونحن اثنا عشر غلاما مغللين في الحديد وعلينا قمص. فقال يزيد (5): أخلصتم أنفسكم بعبيد أهل العراق ؟ وما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج، ولا بقتله حين قتل. قال: فقال علي بن الحسين: (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور) [ الحديد: 22 - 23 ]. قال: فغضب يزيد، وجعل يعبث بلحيته،


(1) هو عمر بن سعد وقد تقدم. (2) أبو بكر بن علي أمه ليلى بنت مسعود الدارمية (ابن الاثير -) قال ابن الاثير وقد شك في قتله. ولم يذكره المسعودي في مروج الذهب. (3) وهم: عبد الرحمن بن مسلم بن عقيل، وعبد الله بن مسلم بن عقيل - ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل (تاريخ خليفة) وجعفر بن عقيل بن أبي طالب. (4) قال خليفة في تاريخه ص 235: أصيب مع الحسين ستة عشر رجلا من أهل بيته. وفي رواية: 17 رجلا. وقال المسعودي في مروج الذهب 3 / 7: جميع من قتل مع الحسين سبعة وثمانين. (5) انظر ما قاله يزيد لعلي بن الحسين في الطبري 5 / 461 وابن الاثير 2 / 578. (*)

[ 13 ]

وقال: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير) [ الشورى: 30 ] يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء ؟ فقال رجل من أهل الشام لا تتخذن من كلب سوء جروا. فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين ! اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم بهذه الحال. فقالت فاطمة بنت الحسين (1): يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فبكى يزيد حتى كادت نفسه تفيض، وبكى أهل الشام حتى علت أصواتهم. ثم قال: خلوا عنهم، واذهبوا بهم إلى الحمام، واغسلوهم، واضربوا عليهم القباب، ففعلوا، وأمال عليهم المطبخ وكساهم، وأخرج لهم الجوائز الكثيرة من الاموال والكسوة ثم قال: لو كان بينهم وبين عاض بظر أمه (2) نسب ما قتلهم، ارجعوا إلى المدينة. قال: فبعث بهم من صار بهم إلى المدينة. إخراج بني أمية عن المدينة، وذكر قتال أهل الحرة قال: وذكروا في قصة إخراج بني أمية عن المدينة، قالوا: بعث عثمان بن محمد أمير المدينة إلى يزيد بقميصه مشقوقا وكتب إليه: واغوثاه ! إن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة (3). قال أبو معشر: فخرج يزيد بعد العتمة، ومعه شمعتان شمعة عن يمينه، وشمعة عن يساره، وعليه معصفرتان، وقد نقش جبهته كأنها ترس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، يا أهل الشام، فإنه كتب إلي عثمان بن محمد أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة، ووالله لان تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا الخبر. قال: وكان معاوية أوصى يزيد فقال له: إن رابك من قومك ريب، أو تنقص عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرة، فاستشره، يعني مسلم بن عقبة، فلما كانت تلك الليلة قال يزيد: أين مسلم ابن عقبة ؟ فقام فقال: ها أناذا. قال: عبئ ثلاثين ألفا من الخيل. قال: وكان معقل بن سنان الاشجعي نازلا على مسلم بن عقبة. فقال له مسلم بن عقبة: إن


(1) في الطبري وابن الاثير: فاطمة بنت علي. (2) يريد عبيد الله بن زياد. وفي الطبري: قبح الله ابن مرجانة، لو كانت بينه، وبينكم رحم أو قرابة ما فعل هذا بكم، ولا بعث بكم هكذا. (3) مر في الجزء الاول (ص 231 حاشية رقم 1) أن مروان بن الحكم هو الذي أرسل الكتاب إلى يزيد، راجع نص الكتاب هناك. (*)

[ 14 ]

أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى المدينة في ثلاثين ألفا. فقال له: استعفه. قال: لا. قال: فاركب فيلا أو فيلة، وتكون أبا يكسوم (1)، فمرض مسلم قبل خروجه من الشام، فأدنف فدخل عليه يزيد بن معاوية يعوده، قال له: قد كنت وجهتك لهذا البعث، وكان أمير المؤمنين معاوية قد أوصاني بك، وأراك مدنفا ليس فيك سفر. فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله، أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي، إنما أنا امرؤ وليس بي بأس. قال: فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة، فوضع على سرير، وحمله الرجال على أعناقهم، حتى جاءوا مكانا يقال له البتراء، فأرادوا النزول به. فقال لهم: ما اسم هذا المكان ؟ فقيل له البتراء. فقال: لا تنزلوا به، ثم سار حتى حاجزة، فنزل به، فأرسل إلى أهل المدينة: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: أنتم الاصل والعشيرة والاهل، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، فإن لكم عندي في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة، عطاء في الصيف، وعطاء في الشتاء، ولكم عندي عهد الله وميثاقه، أن أجعل سعر الحنطة عندكم كسعر الحنطة عندنا، والحنطة يومئذ سبعة آصع بدرهم، وأما العطاء الذي ذهب به عنكم عمرو بن سعيد، فعلي أن أخرجه لكم، وكان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم، فاشترى بهم عبيدا لنفسه. فقالوا لمسلم: نخلعه كما نخلع عمائمنا، يعنون يزيد، وكما نخلع نعالنا. قال: فقاتلهم، فهزم الناس أهل المدينة. قال أبو معشر: حدثنا محمد بن عمرو بن حزم، قال: قتل بضعة وسبعون رجلا من قريش، وبضعة وسبعون رجلا من الانصار، وقتل من الناس نحو من أربعة آلاف (2)، وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر، وقتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ثابت لصلبه (3). فقال مسلم بن عقبة لاهل الشام: كفوا أيديكم، فخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص، يريد القتال، فقاتلهم بعد الكف. فقال مسلم بن


(1) أبو يكسوم، كنية أبرهة الحبشي الذي قدم مكة على الفيل لهدم البيت فأرسل الله عليه وعلى جيشه طيرا من البحر أمثال الخطاطيف يحمل كل منها ثلاثة أحجار، فكانت لا تصيب أحدا منهم إلا أهلكته فانهزموا أي هزيمة (انظر سيرة ابن هشام 1 / 54 - 55). (2) تقدمت الاشارة إلى عدة من قتل يوم الحرة في الجزء الاول. (3) وهم: سعيد وسليمان وزيد ويحيى وعبيد الله بنو زيد بن ثابت (تاريخ خليفة بن خياط ص 247). (*)

[ 15 ]

عقبة: انهبها ثلاثا. قال: فقتل الناس، وفضحت النساء (1)، ونهبت الاموال. فلما فرغ مسلم بن عقبة من القتال، انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني عامر بدومة، فدعا أهل المدينة من بقي منهم للبيعة. قال: فجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو قال لام سلمة: أرسلي معي ابن بنتك، فجاء به إلى مسلم، فلما تقدم يزيد قال له مسلم: تبايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خول له، مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين، إن شاء وهب، وإن شاء أعتق، وإن شاء استرق، فقال يزيد: لانا أقرب إلى أمير المؤمنين منك. قال: والله لا تستقبلها أبدا. فقال عمرو بن عثمان: أنشدك الله، فإني أخذته من أم سلمة، بعهده وميثاقه، أن أرده إليها. قال: فركضه برجله، فرماه من فوق السرير، فقتل يزيد بن عبد الله، ثم أتي محمد بن أبي جهم [ بن حذيفة العدوي ] (2) مغلولا. فقال له مسلم: أنت القائل، اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا. قال: قد قلتها ولكن لا يسمع لقصير أمر، فأرسل يدي، وقد برئت مني الذمة، إنما نزلت بعهد الله وميثاقه. قال: لا، والله حتى أقدمك إلى النار. قال: فضرب عنقه. ثم جاء معقل بن سنان الاشجعي، وكان جالسا في بيته، فأتاه مئة رجل من قومه، فقالوا له: اذهب بنا إلى الامير حتى نبايعه. فقال لهم: إني قد قلت له قولا، وأنا أتخوف، فقالوا: لا، والله لا يصل إليك أبدا، فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا، وحبسوا الآخرين، واغلقوا الباب، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قال: إني أرى شيخا قد تعب وعطش، أسقوه من البلح (3) الذي زودني به أمير المؤمنين، قال: فخاضوا له بلحا بعسل فشربه. قال له: أشربت ؟ قال: نعم، قال: والله لا تبولها من مثانتك أبدا، أنت القائل: اركب فيلا أو فيلة وتكون أبا يكسوم (4). فقال معقل: أما والله لقد تخوفت ذلك منك، وإنما غلبتني عشيرني. قال: فجعل يفري جبة كانت عليه، وقال: أكره أن يلبسوها، فضرب عنقه.


(1) قال يا قوت في معجم البلدان (حرة): واستباحوا الفروج، وحملت منهم ثمانمئة حرة وولدن، وكان يقال لاولئك الاولاد أولاد الحرة. (2) زيادة عن الطبري. (3) في الطبري: العسل. وفي فتوح ابن الاعثم: سويق الكوز. (4) خبر مقتل معقل بن سنان في الطبري 5 / 492 والاخبار الطوال ص 266 وابن الاعثم 5 / 297 وابن الاثير 2 / 598 باختلاف. (*)

[ 16 ]

ثم سار إلى مكة، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف (1)، فدعا الحصين بن نمير. فقال له: يا بن برذعة الحمار، والله ما خلق الله أحدا أبغض إلي منك، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك، أتسمع ؟ قال: نعم، قال: لا تكونن إلا على الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف (2)، ولا تمكن قريشا من أذنك. ثم مات مسلم بن عقبة، فدفن بقفا المشلل، وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة بأستار، فخرجت إليه فنبشته من قبره، ثم أحرقت عليه بالنار، وأخذت أكفانه فشقتها، وعلقتها بالشجرة، فكل من مر عليه يرميه بالحجارة، وسار الحصين حتى جاء مكة، فدعاهم إلى الطاعة، وعبد الله بن الزبير يومئذ بمكة، فلم يجبه، فقاتله، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، ورجلان من إخوته، ومصعب بن عبد الرحمن، والمسور بن مخزمة (3). حرب ابن الزبير رضي الله عنهما قال: وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرة، مضى إلى مكة المشرفة، يريد ابن الزبير، حتى إذا كان بقديد، حضرته الوفاة، فدعا الحصين بن نمير. فقال له: إن أمير المؤمنين عصاني فيك، فأبى إلا استخلافك بعدي، فلا ترسلن بينك وبين قريش رسولا تمكنه من أذنيك، إنما هو الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف. وهلك مسلم بن عقبة، فدفن بالثنية. قال: وسمع بهم عبد الله بن الزبير، فأحكم مراصد مكة، فجعل عليها المقاتلة، وجاءه جند أهل المدينة، وأقبل ابن نمير حتى نزل على مكة، وأرسل خيلا فأخذت أسفلها، ونصب عليها العرادات والمجانيق، وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة، في كل يوم يرمونها بها. فقال الناس: انظروه لئلا يصيبه ما أصاب أصحاب الفيل. قال عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان بمكة معتمرا، قدم من الطائف: لا تظن ذلك، لو كان كافرا بها لعوقب دونها، فأما إذا كان مؤمنا بها فسيبتلى فيها، فكان كما قال، وحاصروهم لعشر ليال بقين من المحرم، سنة أربع وستين، فاصروهم بقية المحرم، وصفر، وشهري ربيع، يغدون على


(1) أدنف: أي اشتد مرضه واشفى على الموت (معجم وسيط). (2) مر الشرح سابقا. وفي الكامل لابن الاثير 2 / 601 خذ عني أربعا: أسرع السير، وعجل المناجزة، وعم الاخبار، ولا تمكن قريشا من أذنك، وانظر الطبري 7 / 14 طبعة بولاق. (3): هذا هو الحصر الاول من عسكر الشام لابن الزبير. (*)

[ 17 ]

القتال ويروحون، حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية (1)، فأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير، أن ائذن لنا نطوف بالبيت، وننصرف عنكم، فقد مات صاحبنا. فقال ابن الزبير: وهل تركتم من البيت إلا مدرة ؟ وكانت المجانيق قد أصابت ناحية من البيت الشريف فهدمته، مع الحريق الذي أصابه (2)، قال: فمنعهم أن يطوفوا بالبيت. فارتحل الحصين، حتى إذا كان بعسفان تفرقوا، وتبعهم الناس يأخذونهم، حتى إن كانت الراعية في غنمها لتأتي بالرجل منهم مربوطا، فيبعث بهم إلى المدينة، وأصاب منهم أهل المدينة حين مروا بهم ناسا كثيرا، فحبسوا بالمدينة، حتى قدم مصعب بن الزبير عليهم من عند عبد الله بن الزبير، فأخرجهم إلى الحرة، فضرب أعناقهم، وكانوا أربع مئة وأكثر، قال: وانصرف ذلك الجيش إلى الشام مفلولا، وبايع أهل المدينة لابن الزبير بالخلافة، وكان ابن عباس بمكة يومئذ، فخرج إلى الطائف، فهلك بها سنة سبعين (3)، وهو يومئذ ابن أربعة وسبعين سنة رضي الله عنه. خلافة معاوية بن يزيد قال: فلما مات يزيد بن معاوية، استخلف ابنه معاوية بن يزيد، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، فلبث واليا شهرين وليالي محجوبا لا يرى، ثم خرج بعد ذلك، قال: فجمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم، وقلدته من ولايتكم، فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي، أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني، وأحقهم بذلك، وأقوى على ما قلدته، فاختاروا مني إحدى خصلتين: إما أن أخرج منها، وأستخلف عليكم من أراه لكم رضا ومقنعا، ولكم الله علي ألا آلوكم نصحا في الدين والدنيا، وإما أن تختاروا لانفسكم وتخرجوني منها (4). قال: فأنف الناس


(1) قال الواقدي: قدم مكة لاربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعا وستين يوما حتى جاءهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر (الطبري 5 / 498). (2) انظر في خبر حرق الكعبة ما رواه الطبري 5 / 498 ومروج الذهب 3 / 86 وابن الاثير 2 / 602. (3) في البداية والنهاية ذكر وفاته سنة 68 ه‍. قال الواقدي: سنة 68 عن 65 سنة. وذكر خليفة وفاته سنة 68 بالطائف. (4) وردت خطبته باختلاف في الطبري 5 / 530 - 531 ابن الاثير 2 / 605 الفخري ص 118 تاريخ ابن العبري ص 111 مروج الذهب 3 / 88. تاريخ اليعقوبي 2 / 254. (*)

[ 18 ]

من قوله، وأبوا من ذلك (1)، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم، فقالوا: ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين ونستخير الله فأمهلنا. قال: لكم ذلك، وعجلوا علي. قال: فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى طعن (2)، فدخلوا عليه، فقالوا له: استخلف على الناس من تراه لهم رضا. فقال لهم (3): عند الموت تريدون ذلك ؟ لا والله لا أتزودها، ما سعدت بحلاوتها، فكيف أشقى بمرارتها، ثم هلك رحمه الله ولم يستخلف أحدا. فقالوا لعثمان بن عنبسة: تقدم فصل بالناس، فأبى. وقال: لا. أما أنا فلاحق بخالي عبد الله بن الزبير، فقال له ابن زياد: إن هذا ليس بزمان خالك ولا عمك. فلما دفن معاوية بن يزيد، وسوي عليه التراب، وبنو أمية حول قبره، قال مروان: أما والله يا بني أمية إنه لابو ليلى، ثم قال: الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا (4). وماج أمر بني أمية واختلفوا.


(1) موقف الخليفة معاوية بن يزيد المفاجئ وبعد قليل من توليه مقاليد الخلافة، حيث بقي محجوبا لا يرى حاول بعض المؤرخين تعقبه فقال ابن العبري إنه كان قدريا، حيث قال: لا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم وتخلى للعبادة حتى مات. ورأى الفخري: إنه كان صبيا ضعيفا وقد عرف بأبي ليلى لضعفه كما قال المسعودي في مروجه: هذه الكنية للمستضعف من العرب. ونرى أن اعتكافه وعزلته في منزلته، واحتجابه عن الناس يعود لاسباب كثيرة أقلها ثلاثة: 1 - عدم اقتناعه - من حيث المبدأ - بأحقيته بالولاية (العبري). 2 - اشتداد الصراع بين أطراف القيادة الاموية، بين القيسية (الضحاك) واليمنية. 3 - ظهور عبد الله بن الزبير الرجل القوي، بعد موت يزيد، ودعوته الناس لمبايعته وادعائه الخلافة وظفره بالحجاز، والعراق وخراسان ومصر واليمن والشام إلا الاردن. (2) لم يرد في الطبري ولا في ابن الاثير ولا عند المسعودي أنه كان مريضا قال المسعودي في مروج الذهب: وقد تنوزع في سبب وفاته فمنهم من رأى أنه سقي شربة ومنهم من رأى أنه مات حتف أنفه ومنهم من رأى أنه طعن 3 / 89. وفيه أن أيامه كانت أربعين يوما وقيل شهرين (وانظر البداية والنهاية 8 / 260. وابن الاثير 2 / 605). (3) قارن مع ما ذكره المسعودي في المروج 3 / 88. (4) البيت لارثم الفزاري وتمامه: إني أرى فتنة تغلي مراجلها * والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا (البداية والنهاية 8 / 261 مروج الذهب 3 / 88، المعارف ص 154). (*)

[ 19 ]

غلبة ابن الزبير رضي الله عنهما وظهوره قال: وذكروا أن أبا معشر قال: حدثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير، قال: لما نزل الحصين بمكة، وغلب عليها كلها إلا المسجد الحرام، قال: فإني لجالس مع ابن الزبير، ومعه من القرشيين عبد الله بن مطيع، والمختار بن أبي عبيد، والمسور بن مخرمة، والمنذر بن الزبير، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف في نفر من قريش. قال: فقال المختار بن عبيد: وهبت رويحة: والله إني لاجد النصر في هذه الرويحة، فاحملوا عليهم، قال: فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة، وقتل المختار رجلا، وقتل ابن مطيع رجلا. قال: فجاءه رجل من أهل الشام، في طرف سنان رمحه نار. قال: وكان بين موت يزيد بن معاوية وبين حريق الكعبة إحدى عشرة ليلة (1) ثم التحمت الحرب عند باب بني شيبة، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، ورجلان من إخوته، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف والمسور بن مخرمة، وكان الحصين قد نصب المجانيق على جبل أبي قبيس، وعلى قعيقعان، فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت، وأسند ابن الزبير ألواحا من الساج إلى البيت، وألقى عليها القطائف والفرش، فكان إذا وقع عليها الحجر، نبا عن البيت، فكانوا يطوفون تحت تلك الالواح، فإذا سمعوا صوت الحجر حين يقع على الفرش والقطائف كبروا، وكان طول الكعبة في السماء ثمانية عشر ذراعا، وكان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا في ناحية من المسجد، فكلما جرح أحد من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط. حريق الكعبة قال: فجاء رجل في طرف سنان رمحه نار، فأشعلها في الفسطاط، فوقعت النار على الكعبة، فاحترق الخشب، وانصدع الركن، واحترقت الاستار، وتساقطت إلى الارض (2). قال: ثم قاتل أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة، واحترقت في ربيع الاول سنة أربع وستين. قال: فلما احترقت جلس أهل مكة


(1) مات يزيد بن معاوية لاربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاول وكان حريق الكعبة يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الاول. (انظر الطبري 5 / 498 مروج الذهب 3 / 87). (2) وقيل في احتراقها غير ذلك. قارن مع الطبري 5 / 498 مروج الذهب 3 / 86 تاريخ خليفة ص 255 البداية والنهاية 8 / 247. (*)

[ 20 ]

في ناحية الحجر، ومعهم ابن الزبير، وأهل الشام يرمونهم بالنبل. قال: فوقعت بين يديه نبلة. قال: في هذه خبر، فأخذوها فوجدوا بها مكتوبا: مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لاربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاول. فلما قرأ ذلك ابن الزبير قال: يا أهل الشام، يا محرقي بيت الله، يا مستحلى حرم الله، علام تقاتلون ؟ وقد مات طاغيتكم يزيد بن معاوية، فأتاه الحصين بن نمير فقال له: موعدك البطحاء الليلة يا أبا بكر. فلما كان الليل خرج ابن الزبير بأصحابه، وخرج الحصين بأصحابه إلى البطحاء، فتنحى كل واحد منهما من أصحابه وانفردا، فقال الحصين: يا أبا بكر، قد علمت أني سيد أهل الشام، لا أدافع عن ذلك، وأن أعنة خيلهم بيدي، وأرى أهل الحجاز قد رضوا بك، فأبايعك الساعة، على أن تهدر كل شئ أصبناه يوم الحرة، وتخرج معي إلى الشام، فإني لا أحب أن يكون الملك في الحجاز. قال: لا والله لا أفعل لا أؤمن من أخاف الناس، وأحرق بيت الله، وانتهك حرمته. فقال الحصين: بلى، فافعل، فعلي إلا يختلف عليك اثنان. فأبى ابن الزبير. فقال له الحصين: لعنك الله، ولعن من زعم أنك سيد، والله لا تفلح أبدا، اركبوا يا أهل الشام. فركبوا وانصرفوا قال: فحدثني من شهد انصرافهم، قال: والله إن كانت الوليدة لتخرج فتأخذ الفارس ما يمتنع. قال أبو معشر: وذلك أن المنهزم لا فؤاد له. قال: فبايع أهل الشام كلهم ابن الزبير، إلا أهل الاردن (1)، وبايع أهل مصر ابن الزبير، وغلب على أهل العراق والحجاز واليمن، وغلظ أمره، وعظم شأنه، واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس على أهل الشام. اختلاف أهل الشام على ابن الزبير قال: وذكروا أن ابن الزبير لما استخلف الضحاك على أهل الشام، قام أناس من أهل الشام من رؤس قريش بني أمية وأشرافهم وفيهم روح بن زنباع الجذامي، فقال بعضهم: إن الملك كان فينا أهل الشام، أفينتقل ذلك إلى أهل الحجاز ؟ لا نرضى بذلك (2)، هل لكم أن تأخذوا رجلا منا فينظر في هذا الامر ؟


(1) وكان على الاردن حسان بن مالك بن بحدل، وقد أبى أن يبايع لابن الزبير وأرادها لخالد بن يزيد بن معاوية. (2) كان موت يزيد بن معاوية وارتباك الاسرة الاموية في معالجة النتائج السلبية التي انعكست = (*)

[ 21 ]

قالوا: نعم. فجاؤوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية، وهو غلام حدث السن، فقيل له: ارفع رأسك لهذا الامر، فقال: أستخير الله وأنظر، فرأى القوم أنه ذو ورع عن القيام في ذلك، فخرجوا فأتوا عمرو بن سعيد، فقالوا له: يا أبا أمية، ارفع رأسك لهذا الامر، فجعل يشير يقول: والله لافعلن لافعلن، فلما خرجوا من عنده قالوا: هذا حديث علج. فأتوا مروان بن الحكم، فإذا عنده مصباح، وإذا هم يسمعون صوته بالقرآن، فاستأذنوا ودخلوا عليه، فقالوا له: يا أبا عبد الملك، ارفع رأسك لهذا الامر، فقال: استخيروا الله واسألوه أن يختار لامة محمد خيرها وأعدلها ما شاء الله. بيعة أهل الشام مروان بن الحكم قال: وذكروا أن روح بن زنباع قال لمروان بن الحكم: إن معى أربع مائة


= عليها، عاملا دعم موقف وسياسة ابن الزبير الذي خرج منتصرا من هزيمة عسكرية محققة وامتد نفوذه وانتشر. وجاء الاختفاء الغامض لمعاوية بن يزيد أزمة الاسرة الاموية خطورة ويفتح الصراعات بين الاجنحة الممثلة للسلطة الاموية على مختلف الاتجاهات ويضع الجميع على مفترق مصيري، حيث الفراغ في السلطة المركزية يقابله تمدد لنفوذ وسلطة ابن الزبير. فبرز اتجاهان تجاذبا الصراع على نفوذ بعدما تمزقت الجبهة الاموية نتيجة الصراعات القديمة الجديدة بين الاجنحة القبلية التي كانت تقوم عليها السلطة المركزية الاموية السفيانية، وتجلى هذا الصراع بين أجنحة ثلاثة كل منها يعمل لايصال مرشحه للخلافة: - جناح خالد بن يزيد بن معاوية ممثل الشرعية السفيانية. - جناح مروان بن الحكم، شيخ بني العاص، والذي طرح مرشحه كمرشح تسوية أو إجماع. - جناح عمرو بن سعيد الاشدق وكان الاضعف في مواجهة التيارين الآخرين. كان هذا الصراع بين أجنحة الاتجاه اليمني - الكلبي. وأما الاتجاه القيسي وبعد أن رأى تماسك الاتجاه الاول وحرصه على المحافظة على المعادلة التقليدية في الشام، تطلع إلى ابن الزبير وتحالف معه. وفي الاجتماع اليمني الذي عقد في الجابية جرت التسويه بين أجنحة هذا الاتجاه الثلاثة فطرح مروان كمرشح تسوية على أن يكون خالد بن يزيد وليا للعهد فضلا عن تعيينه أميرا على حمص، وأعطيت للقطب الثالث عمرو بن سعيد ولاية عهد خالد وأمارة دمشق (انظر تفاصيل وافية أوردها د. ابراهيم بيضون في كتابه تكون الاتجاهات السياسية في الاسلام الاول ص 211 وما بعدما، ومروج الذهب 3 / 103). واشترط حسان بن بحدل - وكان رئيس قحطان وسيدها بالشام - ما كان لهم من الشروط على معاوية وابنه يزيد وابنه معاوية منها: أن يفرض لهم لالفي رجل ألفين ألفين، وإن مات قام ابنه أو ابن عمه مكانه وعلى أن يكون لهم الامر والنهي، وصدر المجلس، وكل ما كان من حل وعقد فعن رأي منهم ومشورة. فأجابه مروان إلى ما سأل. (مروج الذهب 3 / 104). (*)

[ 22 ]

رجل من جذام، وسامرهم أن يبتدروا في المسجد غدا، فمر ابنك عبد العزيز أن يخطب، ويدعوهم إليك، وأنا آمرهم أن يقولوا صدقت، فيظن الناس أن أمرهم واحد، قال: فلما أصبح عبد العزيز خرج على الناس وهم مجتمعون، فقام: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما أحد أولى بهذا الامر من مروان بن الحكم، إنه لكبير قريش وشيخها، وأفرطها عقلا وكمالا، دينا وفضلا، والذي نفسي بيده، لقد شاب شعر ذراعيه من الكبر. فقال الجذاميون: صدقت. فقال خالد بن يزيد: أمر قضي بليل. فبايعوا مروان بن الحكم. فقال عمرو بن سعيد للضحاك بن قيس: أرضيت أن تكون بريدا لابن الزبير، وأنت أكبر قريش وسيدها، تعالى نبايعك، فخرج به ألى مرج راهط، فلما دعاه إلى البيعة اقتتلوا، فقتل الضحاك بن قيس، فقال عمرو بن سعيد لاهل الشام، ما صارت أيديكم إلا مناديل، من جاءكم مسح يده بها، إن مروان سيد قريش، وأكبرهم سنا، فبايعوا مروان بن الحكم، وقتل الضحاك بن قيس، هزم أصحابه، وكانت قيش مع الضحاك، وكان اليمن مع عمرو بن سعيد (1)، فمكث مروان ما شاء الله أن يمكث، ثم قال له أصحابه: والله ما نتخوف إلا خالد بن يزيد بن معاويه، وإنك إن تزوجت أمه كسرته، وأمه ابنة (2) هاشم بن عتبة بن ربيعة، فخطبها مروان بن الحكم، فتزوجها، وأقام بالشام، ثم أراد أن يخرج إلى مصر. فقال لخالد: أعرني سلاحا إن كان عندك. قال: فأعاره سلاحا، وخرج إلى مصر، فقاتل أهل مصر، وسبى ناسا كثيرا، فافتدوا منه، ثم قدم الشام.


(1) أشرنا إلى أن الصراع قد فتح على مصراعيه بين الاجنحة القبلية الداعمة للامويين وحدث من ذلك تحرك العصبية فكانت مرج راهط بين العصبيتين القيسية الممثلة بالتحالف بين الضحاك والزبير والقبائل المنضوية تحت لواء الضحاك، واليمنية التي تمثلت في الاجنحة المتحالفة بزعامة مروان بن الحكم. وكان أبرز نتائج هذه المعركة: - انهزام الخط الزبيري الذي أخفق في الاستقطاب القبلي. - استمرارية النظام الاموي، عبر مرحلة انتقالية تمثلها خلافة مروان على أن تعود الخلافة للبيت السفياني ممثلا بخالد بن يزيد (حسب الاتفاق الذي جرى بين أجنحة النظام الاموي - انظر ما لاحظناه قريبا). لكن مروان عمد إلى خرق هذا الاتفاق، من خلال تزوجه بأم خالد بن يزيد ليحط من قدره ويضعفه ثم مبادرته بعد ذلك إلى تعيين ولديه لولاية العهد مطوقا أية محاولة في المستقبل لانتزاع السلطة من بيت بني العاص أو بني مروان. (2) هي فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة (ابن الاثير - مروج الذهب). (*)

[ 23 ]

موت مروان بن الحكم قال: وذكروا أن مروان بن الحكم لما قدم الشام من مصر، قال له خالد بن يزيد بن معاوية: اردد إلي سلاحي، فأبى عليه مروان، فألح عليه، وكان مروان فاحشا سبابا، وقال له يابن الربوخ (1)، يا أهل الشام، إن أم هذا ربوخ، يا ابن الرطبة، قال: فجاء ابنها إليها قال: هذا ما صنعت بي، سبني مروان على رؤس أهل الشام وقال: هذا ابن الربوخ. قال: وكان مروان استخلف حين خرج إلى مصر ابنه عبد الملك وعبد العزيز أنهما يكونان بعده، وبايع لهما أهل الشام، فلبث مروان بعد ذلك ليالي، بعد ما قال لخالد بن يزيد ما قال، ثم جاء إلى أم خالد فرقد عندها، فأمرت جواريها فطوين عليه الشوادك (2)، ثم غطته حتى قتلته (3)، ثم خرجن يصحن ويشققن جيوبهن، يا أمير المؤمنين. قال: فقام عبد الملك، فبايع لنفسه، ووعد عمرو بن سعيد أن يستخلفه، فبايعه وأقاموا بالشام. بيعة عبد الملك بن مروان وولايته قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان بايع لنفسه بالشام، ووعد الناس خيرا، ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة، وإقامة العدل والحق، وكان معروفا بالصدق، مشهورا بالفضل والعلم، لا يختلف في دينه، ولا ينازع في ورعه، فقبلوا ذلك منه، ولم يختلف عليه من قريش أحد، ولا من أهل الشام. فلما تمت بيعته خالفه عمرو بن سعيد الاشدق (4)، فوعده عبد الملك أن سيتخلفه بعده، فبايعه على ذلك، وشرط عليه أن لا يقطع شيئا دونه، ولا ينفذ أمرا إلا


(1) الربوخ: المرأة يغشى عليها عند الجماع. (2) الشوادك جمع شودكان وهو الشبكة وأداة السلاح. (3) وقيل في قتله غير ذلك: في الاخبار الطوال ص 285: سقته السم، فلما أحس بالموت جمع بني أمية وأشراف أهل الشام فبايع لابنه عبد الملك. وفي ابن الاثير 2 / 647 غطته بوسادة حتى قتلته. وفي مروج الذهب 3 / 107 وضعت على نفسه وسادة وقعدت فوقها مع جواريها حتى مات، وقيل: أعدت له لبنا مسموما، وانظر تاريخ اليعقوبي 2 / 257 والبداية والنهاية 8 / 282. (4) قال الطبري إن خلاف عمرو بن سعيد على عبد الملك كان سنة 68 وقيل في رواية أخرى عنده في سنة 70. وانظر خبر خلافه على عبد الملك في الاخبار الطوال ص 286 وشروط الصلح بينهما، وانظر تاريخ اليعقوبي 2 / 270. (*)

[ 24 ]

بمحضره، فأعطاه ذلك. ثم إن عبد الملك بعث حبيش بن دلجة القيسي إلى المدينة، في سبعة آلاف رجل، فدخل المدينة، وجلس على المنبر الشريف، فدعا بخبز ولحم، فأكل على المنبر، ثم أتي بماء فتوضأ على المنبر. قال أبو معشر: فحدثني رجل من أهل المدينة يقال له أبو سلمة، قال: شهدت حبيش بن دلجة يومئذ، وقد أرسل إلى جابر بن عبد الله الانصاري، فدعاه فقال: تبايع لعبد الملك أمير المؤمنين بالخلافة، عليك بذلك عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، فإن خالفت فأهرق الله دمك على الضلالة. فقال له جابر بن عبد الله: إنك أطوق لذلك مني، ولكني أبايعه على ما بايعت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، على السمع والطاعة. قال: ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر، فقال له: تبايع لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على السمع والطاعة ؟ فقال ابن عمر: إذا اجتمع الناس عليه بايعت له إن شاء الله. ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك نحو الربذة (1)، وقام في أثره رجلان: أحدهما على أثر الآخر، مع كل واحد منهما جيش، وكل واحد منهما يصعد المنبر ويخطب، ثم خرجوا جميعا إلى الربذة، وذلك في رمضان، سنة خمس وستين، فاجتمعوا بها، وأميرهم ابن دلجة. وكتب ابن الزبير إلى عباس بن سهل الساعدي بالمدينة: أن سر إلى حبيش ابن دلجة وأصحابه في ناس، فسار حتى لقيهم بالربذة في شهر رمضان، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة من البصرة (2)، مددا إلى عباس بن سهل حنيف بن السجف في تسع مئة رجل، فساروا حتى انتهوا إلى الربذة، فبات أهل البصرة وأهل المدينة يقرأون القرآن، ويصلون ليلتهم حتى أصبحوا، وبات الآخرون في المعازف والخمور، فلما أصبحوا قال لهم حبيش بن دلجة: أهريقوا ماءكم حتى تشربوا من سويقكم المعتد (3) فأهرقوا الماء، وغدوا إلى القتال، فقتل حبيش، ومن معه من أهل الشام، وتحصن من أهل الشام خمس مئة رجل على عمود الربذة، وهو الجبل الذي عليها. قال: وكان يوسف أبو الحجاج مع


(1) الربذة: بفتح الراء والباء والذال، موضع قرب المدينة. (2) وكان واليا على البصرة لابن الزبير. (3) في الطبري: من مقندهم يعني السويق الذي فيه القند. (*)

[ 25 ]

ابن دلجة، قال: وأحاط بهم عباس بن سهل، فقال: انزلوا على حكمي، فنزلوا على حكمه، فضرب أعناقهم أجمعين (1). غلبة ابن الزبير على العراقيين وبيعتهم قال: وذكروا أن عباس بن سهل، لما فرغ من قتال أهل الشام، رجع المدينة فجدد البيعة لابن الزبير، فسارعوا إليها، ولم يتثبطوا، وقدم أهل البصرة على ابن الزبير بمكة فكانوا معه، وكان عبد الله بن الزبير استعمل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، فلما قدمها قيل له: إن الناس يقطعون الدراهم يجعلونها حتى كأنها أصفار. فقال لهم: هلم بسبعة ثقالا، فأتوه بسبعة ثقال. فقال: هذه بعشرة، فزنوا كيف شئتم. قال: وأتوا بالمكيال الذي يكيلون به، فقال: هذا قريب صالح. ثم قيل له: إن أهل البصرة لا يصلحهم إلا القتل. فقال لان تفسد البصرة أحب إلي من أن يفسد الحرث والنسل. قال: فبعث ابن الزبير حمزة بن عبد الله بن الزبير إلى البصرة عاملا، فاستحقره أهل البصرة (2)، فبعث مصعب بن الزبير، فقدم عليهم، فقال أهل البصرة: لا يقدم عليكم أحد إلا لقبتموه، وأنا ألقب لكم نفسي، أنا القصاب (3). ثم سار إلى المختار فقتله. بيعة أهل الكوفة لابن الزبير وخروج ابن زياد عنها قال: وذكروا عن بعض المشيخة من أهل العلم بذلك، قالوا: كان ابن زياد أول من ضم إليه الكوفة والبصرة، وكان أبوه زياد كذلك قبله، فلم يزل عبيد الله يتبع الخوارج ويقتلهم، ويأخذ على ذلك الناس بالظن، ويقتلهم بالشبهة، واستعمد إلى عامتهم، وكان بعضهم له على ما يحب. قال: فلما اختلف أمر الناس، ومات يزيد، وامتد سلطان ابن الزبير، وغلظ شأنه وعظم أمره، وخلع أهل البصرة طاعة بني أمية، وبايعوا ابن الزبير، خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، إن


(1) زيد في الطبري: ورجع فل حبيش إلى الشام. (2) لقبه أهل البصرة بقعيقعان (انظر سبب هذه التسمية في معجم البلدان) واستضعفوه ولم يرتضوا به أميرا عليهم، فكتب إلى أبيه يستعفيه من الولاية فعزله وأرسل مكانه مصعب. (3) في الطبري: الجزار. (*)

[ 26 ]

الذي كنا نقاتل على طاعته قد مات، واختلف أمر الناس، وتشتتت كلكمتهم، وانشقت عصاهم، فإن أمرتموني عليكم حببت فيكم، وقاتلت بكم عدوكم، وحكمت بينكم، وأنصفت مظلومكم، وأخذت على يد ظالمكم حتى يجتمع الناس على خليفة (1). فقام (2) يزيد بن الحارث بن رويم اليشكري وقال: الحمد لله الذي أراحنا من بني أمية وأخزى ابن سمية، لا والله ولا كرامة، فأمر به عبيد الله (3) فلبب، ثم انطلق به إلى السجن، فقامت بكر بن وائل، فحالت بينه وبين ذلك. ثم خرج الثانية عبيد الله بن زياد إلى المنبر، فخطب الناس، فحصبه الناس ورموه بالحجازة وسبوه، وقام قوم فدنوا منه، فنزل فاجتمع الناس في المسجد. فقالوا: نؤمر رجلا حتى تجتمع الناس على خليفة، فاجتمع رأيهم على أن يؤمروا عمرو (4) بن سعد بن أبي وقاص وكان الذين قاموا بأمره هذا الحي الذي من كندة، فبينما هم على ذلك إذ أقبل النساء يبكين وينعين الحسين، وأقبلت همدان حتى ملاوا المسجد، فأطافوا بالمنبر متقلدين السيوف، وأجمع رأي أهل البصرة والكوفة على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف، فأمروه عليهم حتى يجتمع الناس، وكتبوا إلى عبد الله بن الزبير يبايعونه بالخلافة، فأقره عبد الله بن الزبير عاملا عليهم نحوا من سنة (5) واستعمل العمال في الامصار،


(1) في الطبري وابن الاثير والمسعودي: ذكروا أنه بعد موت يزيد وخطبة ابن زياد في الناس أجمع أهل البصرة على مبايعته وقالوا (رواية المسعودي): ما نعلم ذلك الرجل غيرك أيها الامير وأنت أحق من قام على أمرنا حتى يجتمع الناس على خليفة. (2) بعد انقياد أهل البصرة لابن زياد أرسل إلى الكوفة إلى عمرو بن حريث يعلمه خبر موت يزيد ويدعوهم إلى البيعة كما صنع أهل البصرة فقام عمرو ورسولا ابن زياد يعلمون الناس بالامر ويدعوهم إلى ما دخل فيه أهل البصرة فقام (في الكوفة) عندئذ يزيد بن الحارث بن يزيد الشيباني وهو ابن رويم وقال قوله (الطبري 5 / 524 ابن الاثير 2 / 607 مروج الذهب 3 / 101 - 102). (3) كذا بالاصل ومروج الذهب، وهو " عمر " على الصواب. وهو الذي قاد عسكر ابن زياد وقاتل الحسين بن علي. (4) في الطبري: " عمرو " وهو عمرو بن حريث خليفة عبيد الله على الكوفة. (5) قال الطبري 5 / 527 اجتمعوا على عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهرا، ثم جعلوا ببة - عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب - شهرين، ثم قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر من قبل ابن الزبير فمكث شهرا، ثم قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وهو القباع. وذلك على مدينة البصرة. أما على الكوفة فقد مكث فيهم عامر بن مسعود ثلاثة أشهر ثم قدم عليهم عبد الله بن يزيد الانصاري الخطمي على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج. (*)

[ 27 ]

فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة، فاجتمعوا وأخرجوا الرايات، فلم يبق أحد إلا خرج، وذلك لسوء آثار عبيد الله بن زياد فيهم، يطلبون قتله. ثم قام ابن أبي ذؤيب فقال: يا هؤلاء من ينصر الله ينصر الكعبة، من يغار على ابن سمية، سارعوا أيها الناس إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض، واجتنبوا هذه الدعوة، وأقيموا أود هذه البيعة، فإنها بيعة هدى، فإنه من قد علمتهم عبد الله بن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق، أما والله لو أن أبا بكر علم أنه بقي على الارض من هو خير منه وأولى بهذه البيعة، ما مد يده، ولا نازعته إليها نفسه، أما والله لقد علمتم ما أحد على وجه الارض خير ولا أحق بها إلا هذا الشيخ عبد الله بن عمر، المتبرئ من الدنيا، المعتزل عن الناس الكاره لهذا الامر، ثم خرجت الخوارج من سجون عبيد الله بن زياد، واجتمعوا على حدة، والقبائل كل قبيلة في المسجد معتزلة على حدة، وعبيد الله بن زياد في القصر، وقد أخذ بأبوابه وقد تمنع أن يدخل القصر أحد، وقد أخذت العرب بأفواه السكك والدروب، وكان عبيد الله أول من جفا العرب، وأخذ منهم المحاربة اثني عشر ألفا ليعتز بهم، فوالله ما زادوه إلا ذلا، فلما رأى ذلك عبيد الله بن زياد لم يدر كيف يصنع، وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم ولم يأمن غدرهم، فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمي (1) من الازد، فدخل عليه الحارث، فقال: يا حارث، قد أكرمتم زيادا، وحفظتم منه ما كنتم أهله، وقد استجرت بكم، فأنشدكم الله في. قال الحارث: أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا، لما أرى من سوء رأي العامة فيك من سوء آثارك في الازد. قال: فتهيأ عبيد الله، فلبس لبس امرأة في خمرتها وعقيصتها، فأردفه الحارث خلفه، فخرج به على الناس فقالوا: يا حارث ما هذه ؟ قال: تنحوا رحمكم الله، هذه امرأة من أهلي، كانت زائرة لاهل ابن زياد، أتيت أذهب بها. فقال عبيد الله للحارث: أين نحن ؟ قال: في بني سليم، فقال: سلمنا الله. قال: ثم سار قليلا، ثم قال: أين نحن ؟ قال: في بني ناجية من الازد، قال: نجونا إن شاء الله (2). قال: فأتى به مسعود بن


(1) هو الحارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم. (2) زيد في الاخبار الطوال ص 282 ثم سارا حتى انتهيا إلى الازد وانظر الطبري 5 / 510 وابن الاثير 2 / 608. (*)

[ 28 ]

عمرو وهو يومئذ سيد الازد، فقال: يا أبا قيس ؟ قد جئتك بعبيد الله مستجيرا. قال: ولم جئتني بالعبد ؟ قال: نشدتك الله، فقد اختارك على غيرك، فلما رآهم عبيد الله يتراضون ويتناشدون، قال: قد بلغني الجهد والجوع، فقال مسعود: يا غلام: ائت البقال، فأتنا من خبزه وتمره. قال: فجاء به الغلام فوضع. قال: فأكل، وإنما أراد ابن زياد أن يتحرم بطعامه. ثم قال: أدخل فدخل، ومنارات الناس يومئذ من القصب، وكان منزل مسعود يومئذ قاصيا. قال: فكأن عبيد الله خاف. فقال: يا غلام، اصعد إلى السطح بحزمة من قصب، فأشعل أعلاه نارا، ففعل ذلك في جوف الليل، فأقبلت الازد على الخيل وعلى أرجلها حتى شحنوا السكك وملؤوها. فقالوا: ما لسيدنا ؟ قال: شئ حدث في الدار. قال: فعرف عبيد الله عزته ورفعته، وما هو عليه. قال: هذا والله العز والشرف، فأقام عنده أياما، وعنده امرأتان امرأة من الازد، وامرأة من عبد قيس، فكانت العبدية تقول: أخرجوا العبد وكانت الازدية تقول: استجار بك على بغضه إياك، وجفوته لك، وتحدث الناس أنه لجأ إلى مسعود بن عمرو، فاجتمعت القبائل في المسجد والخوارج، وهم في أربعة آلاف، فقال مسعود: ما أظنني إلا خارجا إلى البصرة معتذرا إليهم من أمر عبيد الله. ثم قال: وكيف آمن عليه وهو في منزلي، ولكني أبلغه مأمنه، ثم أعتذر إليهم. قال: وكان مسعود قد أجار عنده ابن زياد أربعين ليلة. قال: فأقبل مسعود يوما على برذون له، وحوله عدة من الازد عليهم السيوف، وقد عصب رأسه بسير أحمر، قال الهيثم: فقلت لابن عباس: لم عصب رأسه بسير أحمر ؟ قال: قد سألت عن ذلك قبلك. فقال شيخ من الازد، كان ضخم الهامة، وكانت له ضفيرتان، فعصب لذلك بالسير. قال ابن عباس: فذكرت ذلك لعمرو بن هرم، وكان معنا بواسط. فقال: حدثك من لا يعرف هذا شئ كانت العرب تصنعه إذا أراد الرجل الاعتذار من الذنب، عصب السير ليعلموا أنه معتذر. قال: فأقبل مسعود حتى انتهى إلى باب المسجد، ومعه أصحابه رجالة، بين يديه وخلفه وكان كبيرا فلم يستطع النزول والقبائل في المسجد بأجمعها، فدخل المسجد بدابته، فبصرت به الخوارج، فظنوا أنه عبيد الله، فأقبلوا نحوه متقلدين السيوف، وجال الناس جولة، فضربوه بأسيافهم حتى مات. قتله نفر من بني حنيفة من الخوارج، وجال الناس ونهضوا من مجالسهم، وبلغ ذلك الازد، فأقبلوا على كل صعب وذلول، وأقبل عباد بن الحصين لينظر إلى عبيد الله فإذا هو بمسعود. فقال: مسعود ورب الكعبة، إنا لله

[ 29 ]

وإنا إليه راجعون، أبا قيس قد وفيت، ما كان أغنى أهل مصرك بما صعنت من ذلك، فجعتهم بنفسك. ثم ألقي عليه كساه ء، ثم أقبلت الازد، فكان بينهما وبين مضر ما وقع ذكره في غير هذا الكتاب حتى اصطلحوا، وتراضوا على بيعة ابن الزبير. قال الهيثم: قال ابن عباس: حدثني عوكل اليشكري (1) قال: إنا مع عبيد الله بن زياد في ليلة مظلمة، فإذا نحن بنار من بعد. فقال عبيد الله: يا عوكل كيف الطريق ؟ قال: اجعل النار على حاجبك، فقال: بل على حاجبك. قال عوكل: فوالله إنا لنسير بالسمارة (2)، إذ قال عبيد الله: قد كرهت البعير، فابغوا لي ذا حافر. قال (3): فإذا نحن بأعرابي من كلب معه حمار أقمر ضخم. فقلت: تبيعه بكم ؟ فقال: بأربع مئة درهم، لا أنقصكم درهما، فأشار إلينا عبيد الله أن خذوه. قال: فجعلنا ننقده الدراهم. قال: لست أدري ما هذه ؟ ولكن بيني وبينكم هذا المولى، يعني عبيد الله بن زياد، وكان عبيد الله أحمر أقمر، شبيها بالموالي. قال: فأخذناه منه فقال عبد الله: ارحلوا لي عليه، فرحلنا له عليه، فلما قدم ليركب، قال الاعرابي: أنا أقسم بالله إن لكم لشأنا، وما أظن صاحبكم إلا والي العراق، فاستقفاه عبيد الله بالعصا، فضربه بها، فوقع، ثم شدوه وثاقا. قال: وجعلوا يتجنبون المياه. قال عوكل: ثم إن عبيد الله بينا هو على راحلته، إذ هجعت عينه. فقلت له: أراك نائما. فقال: ما كنت بنائم. فقلت له: ما أعلمني بما كنت تحدث به نفسك قال: وبأي شئ كنت أحدث نفسي ؟ قال: قلت: ليتني لم أبن البيضاء (4)، ولم أستعمل الدهاقين (5)، وليتني لم أتخذ المحاربة، قال: ما خطر لي هذا على بال: أما قولك: ليتني لم أبن البيضاء، فما كان علي منها إثم، بناها اليزيد من ماله (6)، وأما استعمال الدهاقين، فقد استعملهم أبي


(1) في الطبري: يساف بن شريح اليشكري، وفي ابن الاثير: مسافر بن شريح اليشكري. (2) السمارة: كذا بالاصل تحريف. والصواب: السماوة بادية بين الكوفة والشام (معجم البلدان). (3) في الطبري وابن الاثير: فجعلوا له قطيفة على حمار، فركبه. زيد في الطبري: وإن رجليه لتكادان تخدان في الارض. (4) البيضاء (القصر الابيض) دار كانت لعبيد الله بن زياد بالبصرة. (5) الدهاقين جمع دهقان وهو رئيس التجار. (6) في الطبري وابن الاثير: اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي وأرسل إلي يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها. فإن بقيت فلاهلي، وإن هلكت لم آس عليها مما لم أعنف فيه. (*)

[ 30 ]

ومن كان قبله (1)، وأما المحاربة: فوالله ما اتخذتهم إلا وقاية، لاني كنت أقتل بهم أهل المعصية، فلو أمرت عشائرهم بهم لم يقتلوهم ولشق ذلك عليهم، فجعلت ذلك بيني وبينهم، من لا آل بينه وبينهم، ولكني كنت أحدث نفسي أني ندمت على تركي أربعة آلاف في السجن من الخوارج، فوددت أني كنت أضرمت البيضاء عليهم، حتى أتي على آخرهم ووددت أني جمعت آل بيتي وموالي، ونابذت أهل المصر على سواء، حتى يموت الاعجل (2)، ووددت أني قدمت الشام ولم يبايع أهلها بعد (3). قتل المختار عمرو (4) بن سعد قال: وذكروا أن المختار بن أبي عبيد كتب إلى عبد الله بن الزبير من الكوفة (5)، وقال لرسوله: إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى عبد الله بن الزبير، فأت المهدي محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، فاقرأ عليه مني السلام، وقل له: يقول لك أخوك أبو إسحاق: إني أحبك، وأحب أهل بيتك، قال: فأتاه الرسول فقال له ذلك. قال: كذبت، وكذب أبو إسحاق معك، كيف يحبني ويحب أهل بيتي، وهو يجلس عمرو (4) بن سعد بن أبي وقاص على وسائده (6)، وقد قتل الحسين بن علي أخي. قال: فلما قدم عليه رسوله أخبره بما قال محمد بن


(1) في الطبري وابن الاثير: وأما استعمال الدهاقين: فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة وزاذان فروخ وقعا في عند معاوية فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية بين الضمان والعزل، فكرهت العزل، فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج، فتقدمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، وإن تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالامانة وأهون في المطالبة. (2) زيد في الطبري: ولقد حرصت على ذلك ولكن بني زياد أتوني فقالوا: إنك إذا قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحد. (3) الخبر في الطبري 5 / 522 - 523 ابن الاثير 2 / 612 الاخبار الطوال ص 284 ابن الاعثم 5 / 308 وزيد في المصادر: (رواية الطبري): فقدم الشام ولم يبرموا أمرا، وقال بعضهم: قدم الشام وقد أبرموا، فنقض ما أبرموا إلى رأيه. (4) كذا بالاصل " عمرو " خطأ، والصواب " عمر ". (5) كان المختار قد أقام مع ابن الزبير حتى هلك يزيد بن معاوية، وانقضى الحصار، وكانت إقامته معه خمسة أشهر وأياما بعد مهلك يزيد. ولما رآه لا يستعمله وثب قاصدا الكوفة، وبعدما قدمها أخرج منها عامل ابن الزبير عبد الله بن مطيع. (6) وكان المختار قد كتب لعمر بن سعد كتابا أمنه فيه. انظر نسخة الكتاب في الطبري 6 / 60 والفتوح لابن الاعثم 6 / 122. (*)

[ 31 ]

علي. فقال المختار لابي عمرو صاحب حرسه: استأجر لي نوائح يبكين الحسين على باب عمرو (1) بن سعد بن أبي وقاص. قال: ففعل: فلما جئن يبكين الحسين، قال عمرو (1) لابنه حفص: يا بني ائت الامير، فقل له: ما شأن النوائح يبكين الحسين على بابي ؟ قال: فأتاه فقال له ذلك، فقال له: إنه أهل أن يبكى عليه، فقال: أصلحك الله، انههن عن ذلك. قال: نعم. ثم دعا أبا عمرو (2)، فقال: اذهب إلى عمرو (1) بن سعد فأتني برأسه، قال فأتاه، فقال: قم إلي أبا حفص، فقام إليه وهو ملتحف، فجلله بالسيف، ثم جاء برأسه إلى المختار، وحفص جالس عنده على الكرسي، فقال: هل تعرف هذا الرأس ؟ قال: نعم، رحمة الله عليه، قال: أتحب أن الحقك به ؟ قال: وما خير الحياة بعده (3). قال: فضرب رأسه فقتله. قال: ثم أرسل عبد الله بن الزبير يزيد بن زياد على العراق، فكان بالكوفة حتى مات يزيد، وأحرقت الكعبة، ورجع الحسين هاربا إلى الشام. قال: ثم أرسل عبد الله بن مطيع إلى الكوفة، ثم بعث المختار بن أبي عبيد على الكوفة، وعزل عبد الله بن مطيع، وسيره إلى المدينة، وسار عبيد الله بن زياد بعد ذلك إلى المختار، وجهه عبد الملك بن مروان أميرا على العراق، وندب معه جيشا عظيم من أهل الشام، فأقبل إلى الكوفة يريد المختار، فالتقوا بجازر (4)، فاقتتلوا، فقتل المختار عبيد الله بن زياد ومن معه، وكان معه الحصين بن نمير، وذو الكلاع (5)، وغلبة من كان معه ممن شهد وقعة الحرة من رؤسهم. قتل مصعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد الله قال: وذكروا أن أبا معشر، قال: لما قتل عبيد الله بن زياد ومن معه،


(1) الصواب (عمر) وقد تقدم. (2) في الطبري: أبا عمرة، وكان صاحب شرطته. واسمه كيسان (الاخبار الطوال). (3) في الطبري: ولا خير في العيش بعده. (4) في الطبري وابن الاثير: الخازر. وجازر: قرية من نواحي النهروان. من أعمال بغداد قرب المدائن. والخازر: نهر بين اربل والموصل. قال ياقوت في معجم البلدان: وهو موضع كانت عنده موقعة بين عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن مالك الاشتر النخعي في أيام المختار، ويومئذ قتل ابن زياد الفاسق وذلك في سنة 66 للهجرة. (5) هو شرحبيل بن ذي الكلاع. (*)

[ 32 ]

ارتضى أهل البصرة عبد الله بن الحارث بن نوفل، فأمروه على أنفسهم، ثم أتى عبد الله بن الزبير، وأم عبد الله بن الحارث هند بنت أبي سفيان، وكانت أمه تنبزه وهو صغير بببه، فلقب بببه، ثم بعث عبد الله بن الزبير الحارث بن عبيد الله بن أبي ربيعة عاملا على البصرة، ثم بعث حمزة بن الزبير بعده، ثم بعث مصعب بن الزبير أخاه، وضم إليه العراقين جميعا الكوفة والبصرة، فلما ضم إليه الكوفة، وعزل المختار عنها خلع المختار عبد الله بن الزبير بالكوفة (1)، ودعا إلى آل الرسول، وأراد أن يعقد البيعة لمحمد بن الحنفية، ويخلع عبد الله بن الزبير. فكتب عبد الله إلى أخيه مصعب، أن سر إلى المختار بمن معك، ثم لا تبلعه ريقه، ولا تمهله حتى يموت الاعجل منكما، فأتاه مصعب بمن معه فقاتله ثلاثة أيام حتى هزمه وقتله، وبعث مصعب برأس المختار إلى أخيه. وقتل مصعب أصحاب المختار، قتل منهم ثمانية آلاف صبرا (2) ثم قدم حاجا في سنة إحدى وسبعين، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير، ومعه رؤساء العراق ووجوههم وأشرافهم. فقال: يا أمير المؤمنين قد جئتك برؤوساء أهل العراق وأشرافهم، كل مطاع في قومه، وهم الذين سارعوا إلى بيعتك، وقاموا بإحياء دعوتك، ونابذوا أهل معصيتك، وسعوا في قطع عدوك، فأعطهم من هذا المال، فقال له عبد الله بن الزبير: جئتني بعبيد أهل العراق وتأمرني أن أعطيهم مال الله ! لا أفعل، وايم الله لوددت أني أصرفهم كما تصرف الدنانير بالدراهم: عشرة من هؤلاء برجل من أهل الشام. قال: فقال رجل منهم (3): علقناك (4) وعلقت أهل


(1) لم يرد في رواية الطبري أو ابن الاثير أن ابن الزبير عزل المختار عن الكوفة مع الاشارة إلى أنه قد اشتد عليه ما آل إليه أمر المختار وضاقت عليه الارض بما رحبت وهو يرى غلبة المختار على البلاد. ويستفاد من رواية الطبري وابن الاثير أنه هرب ألوف من الكوفيين بعد معركة جبانة السبيع إلى مصعب بن الزبير وسألوه المسير إلى المختار. وثمة رواية أخرى عندهما أن المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة وتخوفه منه. (2) في الطبري وابن الاثير: ستة آلاف رجل. وفي الاخبار الطوال: ستة آلاف: ألفان من العرب، وأربعة آلاف من العجم، وفي مروج الذهب: سبعة آلاف. وفي العقد الفريد: ثلاثة آلاف. وكان قتل المختار لاربع عشرة خلت من رمضان سنة 67. (3) هو عبيد الله بن ظبيان. وزيد في العقد الفريد: قال: فإن مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام كما قال أعشى بكر بن وائل: علقتها عرضا وعلقت رجلا * غيري وعلق أخرى غيرها الرجل (*)

[ 33 ]

الشام، ثم انصرفوا عنه وقد يئسوا مما عنده، لا يرجون رفده، ولا يطمعون فيما عنده، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على خلعه، فكتبوا إلى عبد الملك بن مروان أن أقبل إلينا (1). خلع ابن الزبير قال: وذكروا أن أبا معشر قال: لما أجمع القوم على خلع ابن الزبير، وكتبوا إلى عبد الملك بن مروان، أن سر إلينا، فلما أراد عبد الملك أن يسير إليهم، وخرج من دمشق (2)، فأغلق عمرو بن سعيد باب دمشق [ وخالف عليه ]، فقيل لعبد الملك ما تصنع ؟ أتذهب إلى أهل العراق، وتدع دمشق ؟ أهل الشام أشد عليك من أهل العراق. فأقام مكانه، فحاصر أهل دمشق أشهرا، حتى صالح عمرو بن سعيد، على أنه الخليفة بعده، ففتح دمشق (3)، ثم أرسل عبد الملك إلى عمرو، وكان بيت المال في يد عمرو، أن أخرج للحرس أرزاقهم. فقال عمرو: إن كان لك حرس فإن لنا حرسا، فقال عبد الملك: أخرج لحرسك أرزاقهم أيضا. قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال: وذكروا أن أبا معشر قال: لما اصطلح عبد الملك وعمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار (4) أن ائتني أبا أمية. قال: فخرج ليأتيه، فقالت له امرأته: لا تذهب إليه فإني أتخوفه عليك، وإني لاجد ريح دم مسفوح. قال: فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه، فشجها، فتركته، فأخرج معه أربعة آلاف (5) رجل من أهل دولته، لا يقدر على


= أي أحببناك نحن وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك. (4) علقناك: أي أحببناك وبايعناك، وعلقت أهل الشام: أي أحببتهم وفضلتهم علينا. (1) الخبر في روايتين في العقد الفريد 2 / 98 و 4 / 406 باختلاف. (2) في العقد الفريد 4 / 408 فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل. (3) تقدمت الاشارة إلى الاتفاق بين عبد الملك وعمرو بن سعيد. وانظر الطبري 6 / 140 وابن الاثير 3 / 32 والعقد الفريد 4 / 408. (4) في الطبري وابن الاثير: بعد دخول عبد الملك دمشق بأربعة أيام. وفي العقد الفريد: فلما كان يوم من الايام. (5) في الطبري وابن الاثير: في مائة من مواليه. (*)

[ 34 ]

مثلهم، متسلحين، فأحدقوا بخضراء دمشق، وفيها عبد الملك بن مروان. فقالوا لعمروا: إن دخلت على عبد الملك يا أبا أمية ورابك منه شئ فأسمعنا صوتك، فقال لهم: إن خفي عليكم صوتي ولم تسمعوه، فالزوال بيني وبينكم ميعاد، إن زالت الشمس ولم أخرج إليكم، فاعلموا أني مقتول أو مغلوب، فضعوا أسيافكم ورماحكم حيث شئتم، ولا تغمدوا سيفا حتى تأخذوا بثأري من عدوي. قال: فدخل، وجعلوا يصيحون: يا أبا أمية، أسمعنا صوتك. وكان معه غلام أسحم شجاع. فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم: ليس عليه بأس، ليسمع عبد الملك أن وراءه ناسا، فقال له عبد الملك: أتمكر يا أبا أمية عند الموت ! خذوه، فأخذوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أقسم ليجعلن في عنقك جامعة منه، ثم نتر إلى الارض نترة، فكسرت ثنيته. قال: فجعل عبد الملك ينظر إليه. فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين، عظم انكسر (1). فقال عبد الملك لاخيه عبد العزيز: اقتله حتى أرجع إليك. قال: فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه، قال له عمرو: تمسك بالرحم يا عبد العزيز أنت تقتلني من بينهم فتركه، فجاء عبد الملك فرآه جالسا، فقال له: لم لا تقتله ؟ لعنه الله ولعن أما ولدته ! قال: فإنه قال: تمسك بالرحم فتركته. قال: فأمر رجلا عنده يقال له ابن الزويرع (2)، فضرب عنقه، ثم أدرجه في بساط، ثم أدخله تحت السرير. قال: فدخل عليه قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وكان أحد الفقهاء، وكان رضيع عبد الملك بن مروان، وصاحب خاتمه ومشورته، فقال له عبد الملك: كيف رأيك في عمرو بن سعيد ؟ فأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب عنقه يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: جزاك الله خيرا، فما علمتك إلا ناصحا أمينا موافقا، قال له: فما ترى في هؤلاء الذين أحدقوا بنا، وأحاطوا بقصرنا ؟ قال قبيصة: اطرح رأسه إليهم يا أمير المؤمنين، ثم اطرح عليهم الدنانير والدراهم


(1) زيد في الطبري وابن الاثير: فلا تركب ما هو أعظم من ذلك. فقال له عبد الملك: والله لو أعلم أنك تبقي علي إن أنا أبقيت عليك وتصلح قريش لاطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان في بلدة قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما الآخر. (2) في مروج الذهب 3 / 123 أبو الزعيزعة. وفى ابن الاثير: أبو الزعيرية. وفي رواية في الطبري وابن الاثير والعقد الفريد أن عبد الملك هو الذي ضربه فقتله ثم جلس على صدره فذبحه وهو يقول: يا عمرو ان لا تدع شتمي ومنقصتي * أضربك حيث تقول الهامة اسقوني (*)

[ 35 ]

يتشاغلون بها. قال: فأمر عبد الملك برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى القصر، فطرح إليهم، وطرحت الدنانير، ونثرت الدراهم، ثم هتف عليهم الهاتف ينادي: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم، بما كان من القضاء السابق، والامر النافذ، ولكم على أمير المؤمنين عهد الله وميثاقه، أن يحمل راجلكم، ويكسو عاريكم، ويغني فقيركم، ويبلغكم إلى أكمل ما يكون من العطاء والرزق، ويبلغكم إلى المئتين في الديوان، فاعترضوا على ديوانكم، واقبلوا أمره، واسكنوا إلى عهده، يسلم لكم دينكم ودنياكم. قال: فصاحوا نعم نعم نعم، سمعا وطاعة لامير المؤمنين. قال: فلما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان بالشام، أراد أن يخرج إلى مصعب، فجعل يستفز أهل الشام، فيبطئون عليه. فقال له الحجاج بن يوسف، وكان يومئذ في حرس أبان بن مروان: يا أمير المؤمنين، سلطني عليهم، فأعطاه ذلك فقال له عبد الملك: اذهب قد سلطتك عليهم. قال: فكان لا يمر على بيت رجل من أهل الشام تخلف إلا أحرق عليه بيته، فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا، قال: فأصابهم من ذلك غلاء في الاسعار، وشدة من الحال، وصعوبة من الزمان، قال: وكانوا يصنعون لعبد الملك بن مروان الارز. فسار بأهل الشام إلى العراق ومعه الحجاج بن يوسف. مسير عبد الملك إلى العراق قال: وذكروا أن عبد الملك لما سار بأهل الشام ومعه الحجاج بن يوسف إلى العراق: خرج مصعب بن الزبير بأهل البصرة والكوفة، فالتقيا بين الشام والعراق، وكان عبد الملك ومصعب قبل ذلك متصافيين، وصديقين متحابين، لا يعلم بين اثنين من الناس ما بينهما من الاخاء والصداقة، فبعث إليه عبد الملك أن ادن مني أكلمك. قال: فدنا كل واحد من صاحبه، وتنحى الناس عنهما، فسلم عبد الملك عليه، وقال له: يا مصعب، قد علمت ما أجرى الله بيني وبينك منذ ثلاثين سنة، وما اعتقدته من إخائي وصحبتي، والله أنا خير لك من عبد الله، وأنفع منه لدينك ودنياك، فثق بذلك مني، وانصرف إلى وجوه هؤلاء القوم، وخذ لي بيعة هذين المصرين، والامر أمرك، لا تعصى ولا تخالف، وإن شئت اتخذتك صاحبا لا تخفى، ووزيرا لا تعصى. فقال له مصعب: أما ما ذكرت في

[ 36 ]

من ثقتي بك، ومودتي وإخائي، فذلك كما ذكرته ولكنه بعد قتلك عمرو بن سعيد لا يطمأن إليك، وهو أقرب رحما مني إليك، وأولى بما عندك، فقتلته غدرا، ووالله لو قتلته في ضرب ومحاربة لمسك عاره، ولما سلمت من إثمه. وأما ما ذكرت من أنك خير لي من أخي، فدع عنك أبا بكر، وإياك وأياه، لا تتعرض له واتركه ما تركك، واربح عاجل عافيته وارج الله في السلامة من عاقبته فقال له عبد الملك: لا تخوفني به، فوالله إني لاعلم منه مثل ما تعلم، إن فيه لثلاث خصال لا يسود بها أبدا: عجب قد ملاه، واستغناء برأيه، وبخل التزمه، فلا يسود بها أبدا. قتل مصعب بن الزبير قال: وذكروا أن عبد الملك لما أيس من مصعب، كتب إلى أناس من رؤساء أهل العراق يدعوهم إلى نفسه، ويجعل لهم أموالا عامة، وشروطا وعهودا، و موثيق وعقودا، وكتب إلى إبراهيم بن الاشتر يجعل له وحده مثل جميع ما جعل لاصحابه، على أن يخلعوا عبد الله بن الزبير إذا التقوا. فقال إبراهيم بن الاشتر لمصعب: إن عبد الملك قد كتب إلي هذا الكتاب (1)، وكتب لاصحابي كلهم فلان وفلان بذلك، فادع بهم في هذه الساعة، فاضرب أعناقهم واضرب عنقي معهم. فقال مصعب ما كنت لافعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم. قال إبراهيم: فأخرى، قال: وما هي ؟ قال: أحبسهم في السجن حتى يتبين ذلك، فأبى، فقال له إبراهيم بن الاشتر: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، ولا تراني والله بعد في مجلسك هذا أبدا. وقد كان قال له قبل ذلك: دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبدا، وهي ما شرطه الله. فقال له مصعب: لا والله لا أفعل، لا أكون قتلتهم بالامس، وأستنصر بهم اليوم (2)، قال: فما هو إلا أن التقوا فحولوا رؤوسهم ومالوا إلى عبد الملك بن مروان. قال: فبقي مصعب في شرذمة (3) قليلة. قال: فجاءه عبيد الله [ بن زياد ] بن ظبيان، فقال: أين الناس أيها


(1) نسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى إبراهيم بن الاشتر، أما بعد، فإني أعلم أن تركك الدخول في طاعتي ليس إلا عن معتبة، فلك الفرات وما سقى، فأنجز إلي فيمن أطاعك من قومك، والسلام. (الاخبار الطوال ص 312). (2) إشارة إلى حروبه مع المختار بن أبي عبيد بالكوفة وتتبع مصعب أصحابه بالقتل حتى قتل ما يزيد على الستة آلاف. (3) في مروج الذهب: في سبعة نفر. بعدما تخلى عنه مضر وربيعة وقتل إبراهيم بن الاشتر. (*)

[ 37 ]

الامير ؟ فقال: غدرتم يا أهل العراق. قال: فرفع عبيد الله سيفه ليضربه (1)، فبدره مصعب بالسيف على البيضة، فنشب فيها، فجعل يقلب السيف ولا ينتزع من البيضة. قال: فجاء غلام لعبيد الله [ بن زياد ] بن ظبيان، فضرب مصعبا بالسيف فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك، يدعي أنه قتله، فطرح رأسه وقال: نطيع ملوك الارض ما أقسطوا لنا (2) * وليس علينا قتلهم بمحرم قال: فوقع عبد الملك ساجدا، فتحامل عبيد الله على ركابه ليضرب عبد الملك بالسيف (3). فرفع عبد الملك رأسه وقال: والله يا عبيد الله لولا منتك لالحقتك سريعا به. قال: فبايعه الناس، ودخل الكوفة فبايعه أهلها. ذكر حرب ابن الزبير وقتله قال: وذكروا أنه لما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان من أهل العراق، وأتاه الحجاج بن يوسف فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت في المنام كأني أسلخ عبد الله بن الزبير، فقال له عبد الملك: أنت له فاخرج إليه (4)، فخرج إليه الحجاج في ألف وخمس مئة رجل (5) من رجال أهل الشام حتى نزل الطائف،


(1) وكان عبيد الله بن زياد بن ظبيان سيد ربيعة وبكر بن وائل، وكان له أخ اسمه النابئ بن زياد قتله مصعب. وكان عبيد الله مع مصعب، وكان يتحين الفرص للانحياز إلى عبد الملك، ولما رأى الفرصة المناسبة انحاز بقومه إلى عبد الملك وقاتلوا معه. (2) في مروج الذهب 3 / 129: نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا. (3) وكان عبيد الله يقول بعد ذلك: ما ندمت على شئ قط ندمي على عبد الملك بن مروان إذ أتيته برأس مصعب فخر ساجدا أن لا أكون ضربت عنقه فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد. (4) في تولية الحجاج حرب عبد الله بن الزبير قرار اتخذه عبد الملك لم يكن كما ذكر بسبب منام رآه الحجاج فإننا نرى أن الامر يتجاوز ذلك وأن هناك أسبابا جوهرية حتمت على عبد الملك اتخاذ هذا القرار منها: - أن عبد الملك انتدب الناس لقتال ابن الزبير - بعد مقتل مصعب - فأقصر الناس عن ذلك ولم يجبه أحد. ولعل فيما أورده الدينوري ما يجيب على ذلك: فإنه انتدب قدامة بن مظعون ثم عزله فورا، وانتدب الحجاج وهذا يدل على عدم ثقته بالعساكر المنتدبة وبابن مظعون نفسه. - المهارة التي أظهرها الحجاج في قيادة مؤخرة الجيش في معارك العراق. - تلهف الحجاج لقتال ابن الزبير ربما للثأر لمقتل والده، وقد قيل إنه قتل في الربذة في معركة بين جنود ابن الزبير والحملة التي أرسلها عبد الملك سنة 65. حتى أنه أقسم ألا يقرب الطيب ولا النساء إلا إذا قتل ابن الزبير. (5) في اليعقوبي: 20 ألفا، وقيل في ستة آلاف، وفي ابن الاثير: ألفين، وقيل ثلاثة آلاف. (*)

[ 38 ]

وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا (1)، حتى توافي الناس عنده قدر ما يظن أنه يقدر على قتال عبد الله بن الزبير، وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين فسار الحجاج من الطائف، حتى نزل منى، فحج بالناس وعبد الله بن الزبير محصور بمكة، ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس (2)، ونواحي مكة كلها، فرمى أهل مكة بالحجارة، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها، جمع عبد الله بن الزبير القرشيين، فقال لهم: ما ترون ؟ فقال رجل منهم من بني مخزوم: والله لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا، لئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت معك، وإنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الامان لانفسنا ولك، وإما أن تأذن لنا فنخرج. فقال عبد الله قد كنت عاهدت الله أن لا يبايعني أحد، فأقيله بيعته إلا ابن صفوان. قال ابن صفوان: والله إنا لنقاتل معك، وما وفيت لنا بما قلت، ولكن خذني لحفيظة أن لا أدعك عند مثل هذه حتى يموت معك. فقال رجل آخر: اكتب إلى عبد الملك. فقال له عبد الله: وكيف ؟ أأكتب إليه: من عبد الله أبي بكر أمير المؤمنين، فوالله لا يقبل هذا مني أبدا، أم أكتب إليه: لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير، فوالله لان تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك. قال عروة أخوه وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك أسوة. فقال عبد الله: من هو أسوتي ؟ قال: الحسن بن علي بن أبي طالب، خلع نفسه وبايع معاوية. فرفع عبد الله رجله وضرب عروة حتى ألقاه ثم قال: يا عروة، قلبي إذن مثل قلبك، والله لو قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا، وقد أخذت الدنية، وما ضربة بسيف إلا مثل ضربة بسوط (3)، لا أقبل شيئا مما تقولون. قال: فلما أصبح دخل على بعض نسائه فقال: اصنعي لي طعاما، فصنعت له كبدا وسناما. قال: فأخذ منها لقمة فلاكها ساعة، فلم يسغها فرماها، وقال: اسقوني لبنا، فأتي بلبن فشرب، ثم قال هيئوا لي غسلا، قال: فاغتسل، ثم تحنط وتطيب، ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول: ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى يلين لضرب الماضغ الحجر


(1) أي قطعة بعد قطعة، أو جماعة بعد جماعة. يريد أنه تتالى إرسال الجيوش إليه، ربما حتى بلغت 20 ألفا كما ورد عند اليعقوبي. (2) أبو قبيس: جبل بمكة، سمي باسم رجل من مذحج حداد، لانه أول من بنى فيه. (3) في العقد الفريد: وإن ضربة بسيف في عز خير من لطمة في ذل. (*)

[ 39 ]

ثم دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي عمياء من الكبر، قد بلغت من السن مئة سنة. فقال لها: يا أماه، ما ترين ؟ قد خذلني الناس وخذلني أهل بيتي (1). فقالت: يا بني لا يلعبن بك صبيان بني أمية، عش كريما، ومت كريما. فخرج وأسند ظهره إلى الكعبة، ومعه نفر يسير فجعل يقاتل بهم أهل الشام، فيهزمهم، وهو يقول: ويل امه فتحا لو كان له رجال ! قال: فجعل الحجاج يناديه: قد كان لك رجال، ولكنك ضيعتهم. قال: فجاءه حجر من حجارة المنجنيق وهو يمشي، فأصاب قفاه، فسقط، فما درى أهل الشام أنه هو حتى سمعوا جارية تبكي وتقول: وا أمير المؤمنين، فاحتزوا رأسه، فجاؤوا به إلى الحجاج، وقتل معه عبد الله بن صفوان بن أمية، وعمارة بن عمرو بن حزم (2)، ثم بعث برؤوسهم إلى عبد الملك، وقتل لسبع عشرة ليلة مضين من جمادى الاولى (3)، سنة ثلاث وسبعين (4). قال أبو معشر: ثم أقام الحجاج بالمدينة عاملا عليها وعلى مكة والطائف ثلاث سنين، يسير بسيرته فيما يقولون، قال: فلما مات بشر بن مروان، وكان على الكوفة والبصرة، كتب إليه عبد الملك: أن سر إلى العراقيين، واحتل لقتلهم، فإنه قد بلغني عنهم ما أكره. واستعمل عبد الملك على المدينة يحيى بن حكيم بن أبي العاص. ولاية الحجاج على العراقيين قال: وذكروا أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين ويحتال لقتلهم، توجه ومعه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام وحماتهم، وأربعة آلاف من أخلاط الناس وتقدم بألفي رجل، وتحرى دخول البصرة يوم الجمعة في حين أوان الصلاة، فلما دنا من البصرة، أمرهم أن يتفرقوا على أبواب المسجد،


(1) وكان ابناه حمزة وخبيب فارقاه وأخذا لانفسهما أمانا. (2) زيد في العقد الفريد: وعبد الله بن مطيع. (3) في ابن الاثير 3 / 73 يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة وفي مروج الذهب: يوم الثلاثاء ل‍ 14 ليلة خلت من ربيع الاول. وفي الاخبار الطوال ص 315 وتاريخ خليفة ص 269 وتاريخ الاسلام للذهبي 3 / 175 لثلاث عشرة خلت من جمادى الاولى. (4) في تاريخ الاسلام للذهبي: وله نيف وسبعون سنة، وعند خليفة: ولد عام الهجرة. وفي تاريخ اليعقوبي ومروج الذهب: له إحدى وسبعون سنة. (*)

[ 40 ]

على كل باب مئة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم، وعهد إليهم أن إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد، والواقعة فيهم، فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الارض، وكان المسجد له ثمانية عشر بابا، يدخل منها إليه. فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الابواب، فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون الصلاة، ودخل الحجاج وبين يديه مئة رجل، وخلفه مئة كل رجل منهم مرتد بردائه، وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره. فقال لهم: إني إذا دخلت فسأكلم القوم في خطبتي، وسيحصبونني، فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي، فضعوا أسيافكم، واستعينوا بالله، واصبروا إن الله مع الصابرين، فلما دخل المسجد، وقد حانت الصلاة، صعد المنبر فحمد الله ثم قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده، وارتضاه إماما على عباده، وقد ولاني مصركم، وقسمة فيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإمضاء الحكم على ظالمكم، وصرف الثواب إلى المحسن البرئ، والعقاب إلى العاصي المسئ، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ عليكم عهده، وأرجو بذلك من الله عز وجل المجازاة، ومن خليفته المكافأة وأخبركم أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم: سيف رحمة، وسيف عذاب ونقمة، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، وأما سيف النقمة فهو هذا. فحصبه الناس. فلما أكثروا عليه خلع عمامته، فوضعها على ركبته، فجعلت السيوف تبري الرقاب، فلما سمع الخارجون الكائنون على الابواب وقيعة الداخلين، ورأوا تسارع الناس إلى الخروج، تلقوهم بالسيوف، فردعوا الناس إلى جوف المسجد، ولم يتركوا خارجا يخرج، فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا، حتى سالت الدماء إلى باب المسجد، وإلى السكك (1). قال أبو معشر: لما قدم الحجاج البصرة، صعد المنبر، وهو معتجر بعمامته متقلد سيفه وقوسه. قال: فنعس على المنبر، وكان قد أحيا الليل، ثم تكلم بكلام فحصبوه، فرفع رأسه ثم قال: إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها (2). فهابوه وكفوا، ثم كلمهم فحصبوه وأكثروا، فأمر بهم جندا من أهل


(1) كذا بالاصل، ولم أقف على خطبته هذه فيما لدي من مراجع. والواضح أن في الخبر مبالغة ظاهرة إذ أن حدثا بهذا القدر - يقتل بضعة وسبعين ألفا - لا يمكن إغفاله. (2) من خطبة طويلة. انظر ابن الاثير 3 / 85 الكامل للمبرد 1 / 224 البيان والتبيين 2 / 224 العقد = (*)

[ 41 ]

الشام، وكانوا قد أحاطوا به من حوله ومن حول أبواب المسجد. قال: فلما فرغ منهم وأحكم شأنه فيهم، بعث عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث إلى سجستان، عاملا ومعه جيش. فكتب إليه الحجاج أن يقاتل حصن كذا وكذا، فكتب إلى الحجاج: إني لا أرى ذلك صوابا، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فكتب إليه الحجاج: أنا الشاهد، وأنت الغائب، فانظر ما كتبت به إليك، فامض له، والسلام. خروج ابن الاشعث على الحجاج قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث لما خرج على الحجاج جمع أصحابه، وفيهم عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن نوفل، وبنو عون بن عبد الله، وعمر بن موسى بن معمر بن عثمان بن عمرة، وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص. فقال لهم: ما ترون ؟ فقالوا: نحن معك، فاخلع عدو الله وعدو رسوله، فإن خلعه من أفضل أعمال البر، فخلعه وأظهر خلعه (1). فلما أظهر ذلك قدم عليهم سعيد بن جبير، فقالوا له: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، فما الرأي ؟ قال: الرأي أن تكفوا عما تريدون، فإن الخلع فيه الفتنة، والفتنة فيها سفك الدماء، واستباحة الحرم، وذهاب الدين والدنيا. فقالوا: إنه الحجاج وقد فعل ما فعل، فذكروا أشياء، ولم يزالوا به حتى سار معهم وهو كاره. قال: وانتهى الخبر إلى الحجاج، فقيل له: إن عبد الرحمن قد خلعك ومن معه فقال: إن معه سعيد بن جبير، وأنا أعلم أن سعيدا لا يخرج، وإن أرادوا ذلك فسيكفهم عنه. فقيل له: إنه رام ذلك، ثم لم يزالوا به حتى فتنوه، وسار معهم. فبعث الحجاج الغضبان الشيباني (2) ليأتيه بخبر عبد الرحمن بن الاشعث من كرمان، وتقدم إليه أن لا يكتمه من أمره شيئا، فتوجه الغضبان إلى عبد الرحمن. فقال له عبد الرحمن:


= الفريد 4 / 120 مروج الذهب 3 / 155، فتوح ابن الاعثم 7 / 5 - 9 البداية والنهاية 9 / 11 الطبري 7 / 210. (1) أهم الاسباب التي دفعت بالاشعث وأصحابه للثورة على الحجاج هي: - قوانين الحجاج الصارمة وممارساته القمعية ضدهم. - الحقد على الحجاج لظلمه أهل العراق بني جلدته وإهانتهم، وسوء معاملته قواده وجنده حتى أنهم سموه فرعون. - عصبية الحجاج المتطرفة ضد الموالي وشدة تمسكه بانتمائه القيسي. (2) في المروج الذهب 3 / 179 الغضبان بن القبعثري. (*)

[ 42 ]

ما وراءك يا غضبان ؟ قال: شر طويل، تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك. ثم انصرف من عنده (1)، فنزل رملة كرمان، وهي أرض شديدة الحر، فضرب بها قبة وجلس فيها، فبينا هو كذلك إذ ورد أعرابي من بكر بن وائل على قعود، فوقف عليه وقال: السلام عليك. فقال له الغضبان: السلام كثير، وهي كلمة مقولة. قال الاعرابي: من أين أقبلت ؟ قال: من الارض الذلول. قال: وأين تريد ؟ قال: أمشي في مناكبها، وآكل من رزق الله الذي أخرج لعباده منها. قال الاعرابي: فمن غلب اليوم ؟ قال الغضبان: المتقون. قال: فمن سبق ؟ قال: حزب الله الفائزون. قال الاعرابي: ومن حزب الله ؟ قال: هم الغالبون. فعجب الاعرابي من منطقه، وحضور جوابه. ثم قال: أتقرض ؟ قال الغضبان: إنما تقرض الفأرة. قال: أفتنشد ؟ قال: إنما تنشد الضالة. قال: أفتسجع ؟ قال: إنما تسجع الحمامة. قال: أفتنطق ؟ قال: إنما ينطق كتاب الله. قال: أفتقول ؟ قال: إنما يقول الامير. قال الاعرابي: تالله ما رأيت مثلك قط. قال الغضبان: بل رأيت ولكنك نسيت، قال الاعرابي: فكيف أقول ؟ قال: أخذتك الغول، في العاقول (2)، وأنت قائم تبول. قال الاعرابي: أتأذن لي أن أدخل (3) عليك ؟ قال الغضبان: وراؤك أوسع لك، قال الاعرابي: قد أحرقتني الشمس. قال الغضبان: الآن يفئ عليك الفئ إذا غربت. قال الاعرابي: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي. قال الغضبان: بل عليها تبرد. قال الاعرابي: إن الوهج شديد. قال الغضبان: مالي عليه سلطان. قال الاعرابي: إني والله ما أريد طعامك ولا شرابك. قال الغضبان: لا تعرض بهما، فوالله لا تذوقهما. قال الاعرابي: وما عليك لو ذقتهما ؟ قال الغضبان: نأكل ونشبع. فإن فضل شئ من الاكرياء والغلمان، فالكلب أحق به منك. قال الاعرابي: سبحان الله ! قال الغضبان: نعم، من قبل أن يطلع رأسك وأضراسك إلى الدنيا، قال الاعرابي: ما عندك إلا ما أرى ؟ قال الغضبان: بل عندي هراوتان أضرب بهما رأسك حتى ينتثر دماغك. قال الاعرابي: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الغضبان: أظلمك أحد ؟ قال الاعرابي: ما أرى. ثم قال الاعرابي: يا آل حارث بن كعب، فقال الغضبان: بئس الشيخ ذكرت. قال الاعرابي: ولم ذلك ؟ قال الغضبان: لان إبليس يسمى حارثا. قال


(1) في مروج الذهب 3 / 180 دخل مع ابن الاشعث في أمره. (2) العاقول: نبات تأكله الابل. (3) في مروج الذهب: أدنو إليك. (*)

[ 43 ]

الاعرابي: إني لاحسبك مجنونا. قال الغضبان: اللهم اجعلني من خيار الجن. قال الاعرابي: إني لاظنك حروريا. قال الغضبان: اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير. قال الاعرابي: إني لاراك منكرا. قال الغضبان. إني لمعروف فيما أوتي. فولى عنه وهو يقول: إنك لبذخ أحمق، وما أنطق الله لسانك إلا بما أنت لاق وعما قليل تلتف ساقك بالساق. فلما قدم (1) الغضبان على الحجاج قال له: أنت شاعر ؟ قال: لست بشاعر، ولكني خابر. قال: أفعراف أنت ؟ قال: بل وصاف. قال: كيف وجدت أرض كرمان ؟ قال الغضبان: أرض ماؤها وشل (2)، وسهلها جبل، وثمرها دقل (3)، ولصها بطل [ والخيل بها ضعاف ] (4)، إن كثر الجيش بها جاعوا، وإن قل بها ضاعوا. قال: صدقت، أعلمت من كان الاعرابي ؟ قال: لا، قال: كان ملكا خاصمك، فلم تفقه عنه لبذخك، اذهبوا به إلى السجن فإنه صاحب المقالة: تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك ؟ وأنت يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك، فما الذي به دهاك ؟ قال الغضبان: جعلني الله فداك أيها الامير، أما إنها لا تنفع (5) من قيلت له، ولا تضر من قيلت فيه. فقال الحجاج: أجل ولكن أتراك تنجو مني بهذا ؟ والله لاقطعن يديك ورجليك، ولاضربن بلسانك عينيك. قال الغضبان: أصلح الله الامير، قد آذاني الحديد وأهون ساقي القيود، فما يخاف من عدلك البرئ، ولا يقطع من رجائك المسئ. قال الحجاج: إنك لسمين. قال الغضبان: القيد والرتعة (6)، ومن يك ضيف الامير يسمن. قال: إنا حاملوك على الادهم (7) قال الغضبان: مثل الامير أصلحه الله يحمل على الادهم (8) والاشقر. قال الحجاج: إنه لحديد. قال الغضبان: لان يكون حديدا (9) خير من أن يكون بليدا. قال الحجاج: اذهبوا به إلى السجن، قال الغضبان: (فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون)


(1) في مروج الذهب: أخذ الغضبان فيمن أسر، ثم أدخل على الحجاج. (2) وشل: قليل. (3) دقل: من التمر أردؤه. (4) زيادة عن مروج الذهب. (5) في مروج الذهب: ما نفعت. (6) الرتعة: الدعة والراحة. (7) يريد بالادهم هنا الحديد، شبه بالادهم لسواده. (8) يريد بالادهم هنا الفرس الادهم، والاشقر: الفرس الابيض. (9) حديدا: سريعا. (*)

[ 44 ]

[ يس: 50 ] فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط فقال لجلسائه: كيف ترون هذه القبة ؟ قالوا: ما رأينا مثلها قط. قال الحجاج: أما إن لها عيبا فما هو ؟ قالوا: ما نرى بها عيبا. قال: سأبعث إلى من يخبرني به، فبعث، فأقبل بالغضبان وهو يرسف في قيوده، فلما مثل بين يديه. قال له يا غضبان كيف قبتي هذه ؟ قال: أصلح الله الامير نعمت القبة ! حسنة مستوية ! قال: أخبرني بعيبها ؟ قال (1): بنيتها في غير بلدك، لا يسكنها ولدك، ومع ذلك فإنه لا يبقى بناؤها، ولا يدوم عمرانها، وما لا يبقى ولا يدوم، فكأنه لم يكن. قال الحجاج: صدق، ردوه إلى السجن. فقال الغضبان: أصلح الله الامير، قد أكلني الحديد، وأوهن ساقي القيود، وما أطيق المشي. قال: احملوه. فلما حمل على الايدي قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) [ الزخرف: 13 ] قال: أنزلوه، فلما أنزلوه. قال: (رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) [ المؤمنون: 29 ] قال الحجاج: جروه. قال الغضبان وهو يجر: (بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) [ هود: 41 ]. قال الحجاج: اضربوا به الارض، فقال: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) [ طه: 55 ] فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال: ويحكم، قد غلبني والله هذا الخبيث، اطلقوه إلى صفحي عنه. قال الغضبان: (فاصفح عنهم وقل سلام) [ الزخرف: 89 ]. فنجا من شره بإذن الله، وكانت براءته فيما انطلق على لسانه (2). حرب الحجاج مع ابن الاشعث وقتله قال: وذكروا أن الحجاج لما قدم العراق أميرا، زوج ابنه محمدا ميمونة بنت محمد بن الاشعث بن قيس الكندي، رغبة في شرفها، مع ما كانت عليه من جمالها، وفضلها في جميع حالاتها، وأراد من ذلك، استمالة جميع أهلها وقومها إلى مصافاته، ليكونوا له يدا على من ناوأه، وكان لها أخ يقال له عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث الكندي، له أبهة في نفسه. وكان جميلا بهيا منطقيا، مع ما


(1) العبارة في مروج الذهب: بنيت في غير بلدك، لغير ولدك، لا تتمتع به ولا تنعم، فما لما لا يتمتع فيه من طيب ولا لذة. (2) الخبر باختلاف: زيادة ونقصان في العبارات في مروج الذهب (3 / 179 - 182). (*)

[ 45 ]

كان له من التقدم والشرف، فازدهاه ذلك وملاه كبرا وفخرا وتطاولا، فألزمه ننفسه، وألحقه بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره، وأجرى عليه العطايا الواسعة، صلة لصهره، وحبا لاتمام الصنيعة إليه، وإلى جميع أهله. فأقام عبد الرحمن كذلك حينا مع الحجاج، لا يزيده الحجاج إلا إكراما، ولا يظهر له إلا قبولا، وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها، لتشمخه زاهيا بأنفه حتى إنه كان ليقول إذا رآه مقبلا: أما والله يا عبد الرحمن، إنك لتقبل علي بوجه فاجر، وتدبر عني بقفاء غادر، وايم الله لتبتلين حقيقة أمرك على ذلك. فمكث بهذا القول منه دهرا، حتى إذا عيل صبر الحجاج على ما يتطلع من عبد الرحمن، أراد أن يبتلي حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور، وأن يبدي منه ما يكتم من غائلته، فكتب إليه عهده على سجستان. فلما بلغ ذلك أهل بيت عبد الرحمن، فزعوا من ذلك فزعا شديدا، فأتوا الحجاج، فقالوا له: أصلح الله الامير، إنا أعلم به منك، فإنك به غير عالم، ولقد أدبته بكل أدب، فأبى أن ينتهي عن عجبه بنفسه، ونحن نتخوف أن يفتق فتقا، أو يحدث حدثا، يصيبنا فيه منك ما يسؤونا (1). فقال الحجاج: القول كما قلتم، والرأي كالذي رأيتم، ولقد استعملته على بصيرة، فإن يستقم فلنفسه نظر، وإن يفترج سبيله عن بصائر الحق يهد إليها إن شاء الله. فلما توجه عبد الرحمن إلى عمله، توجه وهو مصر لخلعان طاعة الحجاج، وصار بذلك مسيره أجمع حتى نزل مدينة سجستان، ثم مر على خلعانه عام كامل، فلما أجمع عبد الرحمن على إظهار خلعان الحجاج، كتب إلى أيوب بن القرية التميمي، وهو مع الحجاج في عسكره، خاص المنزلة منه (2)، وكان مفوها كليما يسأله أن يصدر إليه رسالة الحجاج، يخلع فيها طاعة


(1) انظر الخبر في الطبري وابن الاثير حوادث سنة 80 والبداية والنهاية 9 / 40 وابن الاعثم في الفتوح 7 / 115 والعبارة فيه: وجاءت أخوة عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث منهم قيس وإسحاق والمنذر والصباح حتى دخلوا على الحجاج فقالوا: أيها الامير ! لا توجه عبد الرحمن في هذا الجيش، فإننا نتخوف أن يخرج عليك ! قال: فتبسم الحجاج ثم قال: ليس هذا أول حسد الاخوة، وإنما أنتم حسدتموه لانه ليس من أمكم. فقالوا. أيها الامير ! أما نحن فقضينا ما علينا ونحن خارجون معه. (2) في الاخبار الطوال ص 318 أن الحجاج بعث ابن القرية إلى عبد الرحمن يدفعه إلى الطاعة وله الامان على ما سلف من ذنبه. ولم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه وأقام مع عبد الرحمن. (*)

[ 46 ]

الحجاج، فكتب له ابن القرية رسالة فيها (1): بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث، إلى الحجاج بن يوسف: سلام على أهل طاعة الله، أوليائه الذين يحكمون بعدله، ويوفون بعهده، ويجاهدون في سبيله، ويتورعون لذكره، ولا يسفكون دما حراما، ولا يعطلون للرب أحكاما، ولا يدرسون له أعلاما، ولا يتنكبون النهج، ولا يبرمون السي، ولا يسارعون في الغي، ولا يدللون الفجرة، ولا يترضون الجورة، بل يتمكنون عند الاشتباه، ويتراجعون عند الاساءة. أما بعد: فإني أحمد إليك الله حمدا بالغا في رضاه، منتهيا إلى الحق في الامور الحقيقية لله علينا ؟ وبعد: فإن الله أنهضني لمصاولتك، وبعثني لمناضلتك، حين تحيرت أمورك، وتهتكت ستورك، فأصبحت عريان حيران، مبهتا لا توافق وفقا، ولا ترافق رفقا. ولا تلازم صدقا، أؤمل من الله الذي ألهمني ذلك، أن يصيرك في حبالك، أو أن يجئ بك في القرن (2)، ويسحبك للذقن وينصف منك من لم تنصفه من نفسك، ويكون هلاكك بيدي من اتهمته وعاديته. فلعمري لقد طال ما تطاولت، وتمكنت وأخطيت، وخلت أن لن تبور، وأنت في فلك الملك تدور، وأظن مصداق ما أقول ستخبره عن قريب فسر لامرك، ولاق عصابة خلعتك من حبالها خلعها نعالها. وتدرعت جلالها، تجرعها مطالها، لا يحذرون منك جهدا، ولا يرهبون منك وعيدا، يتأملون خزايتك، ويتجرعون إمارتك، عطاشا إلى دمك، يستطعمون الله لحمك، وايم الله لينافقنك منهم الابطال، الذين بيتهم فيما يحاولونك به على طاعة الله، شروا أنفسهم تقربا إلى الله، فأغض عن ذلك بابن أم الحجاج. فسنحمل عليك إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام على أهل طاعة الله (3). فلما قدم الكتاب على الحجاج، خرج موائلا قد أخذ بطرف ردائه، وألقى الطرف الآخر يجره من خلفه حتى صعد المنبر ونودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ثم قال:


(1) في الاخبار الطوال: فأملى عليه (أي ابن القرية) فكتب. (2) القرن: بفتح القاف والراء: الحبل. (3) نسخة الكتاب في الاخبار الطوال ص 318 - 319. باختلاف (*)

[ 47 ]

نقاتلهم ولم نشتم عدوا * وشر عداوة المرء السباب امرؤ وعظ نفسه بنفسه، امرؤ تعاهد غفلة نفسه وتفقدها جهده، امرؤ وعظ بغيره فاتعظ، قد تبين لكم ما تأتون وما تبغون، العجب العجب، وما هو أعجب من العير الابتر، إني وجهته ومن معه من المنافقين لسبع مئة وزن سبعة سواء، فانطلقوا في نحور العدو، ثم أقبلوا على راياتهم لقتال أهل الاسلام، من أجل عير أبتر، ومن كيده ما هو أعجب العجب، على حين أننا قد أمنا الخوارج، وأطفأنا الفتن، فكان من شكركم يا أهل العراق ليد الله فيكم، ونعمته عليكم، وإحسانه إليكم جرأتكم على الله، وانتهاككم حرمته، واغتراركم بنعمة الله، ألم يأتكم شبيب مهزوما ذليلا، فهلا توجهت إليه منكم خمسة وعشرون أمير جيش، ليس منهم من أمير جيش إلا وهو في جنده بمنزلة العروس التي يزف بها إلى خدرها، فيقتل أميرهم وهم وقوف ينظرون إليه، لا يرون له حرمة في صحبة، ولا ذماما في طاعة، فقبحت تلك الوجوه ! فما هذا الذي يتخوف منكم يا أهل العراق، أما هذا الذي نتقي ؟ والله لقد أكرمنا الله بهوانكم وأهانكم بكرامتنا، في مواطن شتى تعرفونها، وتعرفون أشياء حرمكم الله اتخاذها، وما الله بظلام للعبيد. ثم خذلانكم لهذه المعلوجاء (1) المقصصة انحرافا، أولى لهذه المعلوجاء وأخلاطها من أهل العراق ! لقد هممت أن أترك بكل سكك منها جيفا منتفخين شائلة أرجلهم، تنهشهم الطير من كل جانب. يا أهل الشام: أحدوا قلوبكم، وأحدوا سيوفكم، ثم قال: قد جد أشياعكم فجدوا * والقوس فيها وتر عرد (2) مثل ذراع البكر أو أشد (3) هيهات: ترك الخداع من أجرى من المئة، ومن لم يذد عن حوضه يهدم، وأرى الحزام قد بلغ الطبيين (4)، والتقت حلقتا البطان، ليس سلامان كعهدين، أنا ابن العرقية. وابن الشيخ الاعز، كذبتم ورب الكعبة، ما الرأي كما رأيتم،


(1) المعلوجاء جمع علج. المقصصة: التي تركت حتى كادت تموت. (2) قوله والقوس فيها وتر عرد: قال المبرد: فهو الشديد، ويقال عرند في هذا المعنى. (3) الارجاز لحنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي: الكامل للمبرد 2 / 494 والنقائض ص 642 والطبري 2 / 209. (4) مثل. تقدم شرحه. (*)

[ 48 ]

ولا الحديث كما حدثتم، فافطنوا لعيوبكم وإياكم أن أكون أنا وأنتم كما قال القائل (1): إنك إن كلفتني ما لم أطق * ساءك ما سرك مني من خلق والمخبر بالعمل ليس كالراجم بالظنون، فالتقدم قبل التندم، وأخو المرء نصيحته ثم قال: لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما (2) ثم قال: احمدوا ربكم، وصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم نزل وقال: اكتب يا نافع، وكان نافع مولاه وكاتبا يكتب بين يديه: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الاشعث، سلام على أهل النزوع (3) من التزييغ وأسباب الرداء، لا إلى معادن السي، والتقحم في الغي، فإني أحمد الله الذي خلاك في حيرتك، إذ بهتك في السيرة، ووهلك للضرورة حق أقحمك أمورا أخرجت بها عن طاعته، وجانبت ولايته، وعسكرت بها في الكفر، وذهلت بها عن الشكر، فلا تشكر في السراء، ولا تصبر في الضراء أقبلت مستنا بحريم الحرة، وتستوقد الفتنة لتصلى بحرها، وجلبت لغيرك ضرها، وقلت وثاق الاحتجاج، ومبارزة الحجاج، ألا بل لامك الهبل، وعزة ربك لتكبن لنحرك. ولتقلبن لظهرك، ولتتخبطن فريصتك (4)، ولتدحضن حجتك ولتذمن مقامك، ولتشتغلن سهامك، كأني بك تصير إلى غير مقبول منك. إلا السيف هوجا هوجا، عند كشوف الحرب عن ساقها، ومبارزة أبطالها، والسلام على من أناب إلى الله وسمع وأجاب (5). ثم قال: من هاهنا من فتية بني الاشعث بن قيس ؟ قيل: سعيد بن جبير.


(1) الرجز لعامر بن خالد بن جعفر قاله ليزيد بن الصعق. عيون الاخبار 3 / 121. (2) قيل هذا البيت لعمرو بن مالك بن ضبيعة. وله قصة رواها في عيون الاخبار 2 / 205 والاغاني (21 / 205 ليدن) ومجمع الامثال للميداني (1 / 32 بولاق). (3) في الاخبار الطوال ص 319: أهل التورع لا التبدع. (4) الفريصة: داخل الفخذ، أي جزءه غير الظاهر، ويريد لتضطربن فريصتك وترتجفن وذلك يحدث عند الخوف والرعب. (5) الكتاب في الاخبار الطوال ص 319 وفيه اختلاف. (*)

[ 49 ]

قال: فأتي به. قال له: انطلق بهذا الكتاب إلى هذا الطاغية، الذي قد فتن وفتن، فاردعه عن قبيح ما دخل فيه، وعظيم ما أصر عليه من حق الله، وحرمة ما انتهك عدو الله، إلى ما في ذلك من سفك الدماء، وإباحة الحريم، وإنفاق الاموال، فإني لولا معرفتي بأنك قد حويت علما، وأصبت فقها، أخاف أن يكون عليك لا لك، لعهدت لك به عهدا تقفل به، ولكن انطلق مرتك هذه قبل الكتاب إليه، واحمله على البريد. فخرج سعيد به متوجها، حتى انتهى إليه. فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب، تبينت رعشته جزعا منه، وهيبة له، وسمع بذلك من كان يتابعه، وهوى كل ذي هوى، وضم سعيد بن جبير فلم يظهره للناس، وكتم الكتاب وجعل يستخلي بابن جبير في الليل فيسمر معه، ويسأله عبد الرحمن الدخول معه فيما رأى هو من خلع الحجاج، فأبى سعيد ذلك عليه، فمكث بذلك شهرا كريتا (1). فأسعفه سعيد بن جبير بطلبته، وسارع معه في رغبته، وخلعان طاعة الحجاج، ثم إن عبد الرحمن، تجهز من سجستان مقبلا، يقود من يقوده من أهل هواه وأهل رأيه، وخرج الحجاج إليه بمن معه من أجناده من أهل الشام، وبمن معه يومئذ من أهل الطاعة من أهل العراق، حتى لقيه بدير من أديار الاهواز، يسمى بنيسابور، فناصبه للقتال ستة أشهر كريتة (2)، لا له ولا عليه، حتى إذا كان في جوف ليلة من الليالي، خلا الحجاج بعنبسة بن سعيد بن العاص ويزيد بن أبي مسلم، وعلي بن منقذ مولاه، وبعبد الرحمن بن زياد مولاه، وكان يزيد بن أبي مسلم حاجبه على ما وراء بابه وأما يحيى فوكله بالقيام خلف ظهره، إذا هو نسي أو غفل نخسه بمنخسه، ثم قال: اذكر الله يا حجاج، فيذكر ما بدا له أن يذكر. وأما عبد الرحمن بن زياد، فكان ذا رأي ومشورة وأدب وفقه ونصيحة. أما عنبسة، فكان بعيد الهمة، طويل اللسان، بديه الجواب، فاصل الخطاب، موفق الرأي، فاستشارهم لما طال به وبعبد الرحمن القتال، لا يظفر واحد منهما بصاحبه - ومع عبد الرحمن سعيد بن جبير والشعبي (3)، فكان هذا فقيه أهل الكوفة، وهذا فقيه أهل البصرة - في أن يبيته، فكره ذلك مواليه،


(1) أي كاملا. (2) أي كاملة. (3) هو عامر بن شراحيل الشعبي، سمع من 48 من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. متفق على توثيقه حديثه في الكتب الستة. ترجمته في التهذيب 5 / 65. (*)

[ 50 ]

وأشار عنبسة أن يبيته، فقال الحجاج: أصبت، أصاب الله بك الخير، وما الامر إلا النصيحة، والرأي شعوب، فمخطئ منها أو مصيب، غدا الاثنان، فصوموا ونصوم، واستعينوا الله بالخيرة، ونبيتهم الليلة المقبلة، ليلة الثلاثاء، فسوف أترجل، ويترجل أهل مودتي ونصيحتي، من ولدي وغيرهم. ففعل: وأصبح صائما، وبيتهم ليلة الثلاثاء وهو يقول: اللهم إن كان الحق لهم فلا تمتنا على الضلالة، وإن كان الحق لنا فانصرنا عليهم، فحمل عليهم والنيران توقد، فاصاب منهم، وأصيب منه، وانهزم ابن الاشعث في سواد الليل، وأصاب الحجاج عسكره، وأسر سعيد بن جبير، وأفلت عامر بن سعيد الشعبي مع ابن الاشعث، فلما أتي الحجاج بسعيد بن جبير. قال له: ويحك يا سعيد ! أما تستحيي مني ؟ ومدك الشيطان في طغيانك، ألا استحيت من المراقب لي ولك والحافظ علي وعليك ؟ فقال: أصلح الله الامير، وأمتع به ! هي بلية وقعت، وعذاب نزل، والقول كما قال الامير، وكما نسبه به وأضافه إليه، إلا أني أتيت رجلا قد أزهى وطغى، ولبسته الفتنة، وركب الشيطان كتفيه، ونفث في صدره، وأملى علي لسانه فخفته واتقيته بالذي فعلت ؟ فإن تعاقب فبذنب، وإن تعف فسجية منك. فقال له الحجاج: فإنا قد عفونا عنك، وسنردك إليه تارة أخرى ثم كتب كتابا، ووجهه مع سعيد بن جبير إلى عبد الرحمن، فلما كان سعيد ببعض الطريق، خرق الكتاب. وقدم عبد الرحمن فأخبره، فنفر عبد الرحمن، وخرج موائلا إلى أهل البصرة، وقد قدمت عليه كتبهم، بستبطئونه ويستعجلونه حتى قدم عليهم، وبلغ ذلك الحجاج فسبقه إلى البصرة فدخل الحجاج المسجد متنكبا قوسا، فصعد المبنر، فحمد الله وأثنى عليه، وحرض الناس على قتال ابن الاشعث، وحضهم على طاعة عبد الملك، وتكلم رجل من أهل البصرة، يقال له سلمة المنقري من بني تميم، وكان رجلا منطقيا، وله هوى في الخوارج، وكان الحجاج به خابرا. فلما رآه عرف أنه يريد الكلام. فقال له: ادن يا سلمة، فدنا. فقال له: قل: رضينا بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالاسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبأمير المؤمنين خليفة، وبالحجاج بن يوسف واليا. قال: والله لو كنا زمعا (1) وبني زمع ما رضينا أن نكون تبعا لهذا الحائك، أمير المؤمنين أعزه الله،


(1) زمع: رذال الناس وأتباعهم، الجمع أزماع، يقال هو من زمعهم أي من مآخيرهم (اللسان). (*)

[ 51 ]

وأعز أمره، أقرب قرابة وأوجب حقا، ونحن ألزم لطاعة الامير أكرمه الله، من أن نسارع له في معصية أو نبطئ عنه في طاعة، فأجابه الحجاج فقال: يا سلمة، هذا قول حسن، لا أدخله صدري، ولاردنه في نحرك، حتى نبتلي حقيقته إن شاء الله، وكان قوله هذا على المنبر، وقد عسكر بأجناده بالزاوية (1) والزاوية في طرف من ناحية البصرة في طرف بني تميم. ثم إنه خرج من المسجد، وحشد الناس من كان في الطاعة يومئذ من أهل العراق، وقد كان انهزم لابن الاشعث غير ما مرة، وقتل له ابن الاشعث خلقا لا تحصى كثرة، قبل هذه المرة، حتى يئس من نفسه وقال: أترون العجوز، ابنة الرجل الصالح كذبتني ؟ يعني أسماء بنت أبي بكر الصديق، لئن صدقت أسماء لا أقتل اليوم. وكان الحجاج لما فرغ من قتال عبد الله بن الزبير، بعث إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق أن تأتيه، فأبت أن تأتيه. فقال: والله لئن لم تأتني لابعثن إليها من يجر بقرون رأسها، ويسحبها حتى تصل إلي، فقيل ذلك لها. فقالت: والله لا أسير إليه حتى يبعث إلي من يجر بقرون رأسي. فأقبل الحجاج حتى وقف عليها، فقال لها: كيف رأيت ما فعل الله تعالى بابنك، عدو الله ؟ الشاق لعصا المسلمين، المفني لعباده والمشتت لكلمة أمة نبيه ؟ فقالت: رأيته اختار قتالك، فاختار الله ما عنده، إذ كان إكرامه خيرا من إكرامك. ولكن يا حجاج بلغني أنك تنتقصني بنطاقي هذين، أو تدري ما نطاقاي ؟ أما النطاق هذا فشددت به سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة بدر، وأما النطاق الآخر، فأوثقت به خطام بعيره. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن لك به نطاقين في الجنة، فانتقص علي بعد هذا أو دع، ولكن لا إخالك يا حجاج، أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: منافق ثقيف يملا به زاوية من زوايا جهنم، يبيد الخلق، ويقذف الكعبة بأحجارها، ألا لعنة الله عليه ! فأفحم الحجاج ولم يحر جوابا. قال: وسار ابن الاشعث بعدما هزم الحجاج مرارا إلى الكوفة حتى نزل دير الجماجم (2)، فقتل للحجاج فيه خلق كثير، وكتب إلى


(1) الزاوية: موضع قرب البصرة كانت به الوقعة المشهورة بين الحجاج وابن الاشعث قتل فيها خلق كثير من الفريقين (معجم البلدان). (2) دير الجماجم: موضع بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البر السالك إلى البصرة (معجم البلدان). (*)

[ 52 ]

عبد الملك بن مروان أن أمدني بالرجال، قال: فأمده بمحمد بن مروان في أناس من بني أمية كثير (1)، وجعل الحجاج أميرا عليهم، فسار الحجاج إلى ابن الاشعث، فاقتتلوا أياما بدير الجماجم، حتى كثر القتل في الفريقين جميعا، ثم إن ابن الاشعث لما حشد العسكر والحجاج بالبصرة. عسكر على مسير ثلاثة أميال من البصرة على نهر يقال له نهر ابن عمر، فكتب ابن الاشعث يسأله أن يتنحى عنهم لما كرهوا ولايته، حتى يستعمل عليهم أمير المؤمنين غيره، من هو أحب إليهم منه. فلما انتهى إليه رسوله قال الحجاج: أدخلوه، فلما دخل سلم عليه بالامارة، قال: من أنت ؟ قال: رجل من خزاعة. قال: من أهل البصرة أنت، أم من أهل الكوفة ؟ قال: لا، بل من أهل سجستان. قال: هل تأخذ لامير المؤمنين ديوانا ؟ قال: لا، قال: أفمن وزراء ابن الاشعث أنت علينا في هذه الفتنة يا أخا خزاعة ؟ قال: والله ما هويتها، ولقد جلبني إليك مكرها، قال: فكيف تسليمك على صاحبك إذا انصرفت إليه ؟ قال: بالامرة، قال: فهل ترى في ذلك أنك صادق ؟ قال: الله أعلم بأي الامرين هو في نفسك أعلى الصواب أم على الخطأ ؟ قال: الله أعلم أي الامرين في نفسي. قال: أما إنك يا أخا خزاعة قد رددت الامر إليه وهو تعالى أعلم، انطلق إلى صاحبك بكتابك كما جئت به، وأعلمه بالذي كان من ردنا عليك، فإنه جوابه عندنا، ونحن مناجزوه القتال، ومحاكموه إلى الله من يوم الاربعاء إن شاء الله، فليعد وليستعد لذلك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وذلك يوم الاحد. قال: فلما انصرف رسوله إليه ناوله الكتاب، فلما رآه بخاتمه، أي مثل ما بعثه كف، فلم يسأله أمام من حضر، حتى ارتفع الناس، ثم دعاه فأخبره الخبر. قال: وما وراء ظهرك إلا هذا ؟ قال له: في دون ما جئتك به ما يكفيك، فقد رأيت أمرا صعبا ليس وراءه إلا المناجزة. ثم إن الحجاج هتف هتفة أن اجتمعوا للعطية، ففرق العطية في ثلاث مواضع، وكان قواده يومئذ ثلاثة: سفيان بن الابرد الكلبي على ميمنته،


(1) قال الطبري وابن الاثير: أن عبد الملك بعث عرضا مع ابنه لاهل العراق يتضمن: - نزع الحجاج عن العراق. - أن يجري عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشام. - أن ينزل ابن الاشعث أي بلد شاء على أن يكون واليا عليه ما دام حيا لكنهم رفضوه وقالوا: والله لا نقبل. فأعادوا خلعه ثانية. (*)

[ 53 ]

وسعيد بن عمرو الجرشي على القلب، وعبد الرحمن بن عبد الله العكي (1) على ميسرته، فأعطى الناس على هذا وأقام في معسكره متربصا ومنتظرا ليوم الاربعاء. فلما رأى ابن الاشعث أنه لا يتقدم لقتاله، وأنه متربص ليوم الاربعاء، بعث رجلا من معسكره، حتى دنا من معسكر الحجاج، فنزل قريبا منه، على مقدار حضر (2) الفرس، رجاء أن يتحرش له أحد من معسكر الحجاج، فينشب القتل قبل يوم الاربعاء، فرارا منه، وتطيرا به. فلما رأى الحجاج ذلك علم ما أراده والذي توقع، فتقدم إلى أمراء أجناده وقواده، وإلى أهل عسكره عامة، ألا يكلم أحد منهم أحدا من عسكر ابن الاشعث، ولا يعرضه على نفسه، وإن أمكنته الفرصة منه إلا يوم الاربعاء، فلما كانت صبيحة يوم الاربعاء، وهو يوم يتطير به أهل العراق، فلا يتناكحون، ولا يسافرون فيه، ولا يدخلون من سفر، ولا يبايعون فيه بشئ، ولا بالبغل الاغر الاشقر. قال: فدعا الحجاج ببغلة شقراء محجلة، فركبها خلافا لرأيهم، واستشعارا بطيرتهم، وتوكلا على الله، ونادى مناديه في عسكره: أن انهضوا إلى قتال ابن الاشعث، وأمر خاصته فركبوا معه، وقدم رجالته، وأخر خلفه مقاتلته، حتى إذا كانوا من عسكر ابن الاشعث على مثال الاسهم وقف فصف أصحابه وعبأهم للقتال، وفعل مثل ذلك ابن الاشعث، وترجل الحجاج وخاصته، ووضع له منبرا من حديد، فجلس عليه وترامى الناس، حتى إذا كاد القتال ينشب، خرج رجل من أصحاب ابن الاشعث وهو ينادي: ألا هل من مبارز ؟ فقام إليه عنبسة بن سعيد القرشي وهو يمشي مشية قد لامه الحجاج عليها، وكرهها له. فلما رآه الحجاج وهو يمشي تلك المشية، قال الحجاج: ظلمتك يا عنبسة، لو كنت تاركها يوما من دهرك لتركتها يومك هذا. فلما دنا من الرجل، قال له عنبسة: فمن أنت يا منتخي ؟ فقال: رجل من بني تميم، ثم من بني دارم، فحمل عليه عنبسة، فبدره بالضربة فقتله، ثم انصرف إلى مجلسه فجلس، وقد تبين للناس حسن صنعه، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، واشتد قتالهم، وانتحى سفيان على مركزه لم يرم، والجرشي على مركزه لم يرم، وكانت ميلتهم على الميسرة، فنحوا عبد الرحمن العكي. فلما رآه


(1) انظر في تعبئة الحجاج لجيشه وتوزيع قواده وأسمائهم الطبري 6 / 83 وابن الاثير 3 / 150 البداية والنهاية 9 / 51. (2) حضر الفرس: جريه السريع، أي على مسافة يقطعها الفرس سريعا بحيث يراه من خلفه. (*)

[ 54 ]

الحجاج قد انكسرت ناحيته، وزال عنها، بعث إليه ابن عمه الحكم بن أيوب في خيل. فقال: انطلق إلى عدو الله فاضرب وجهه بالسيف حتى ترده إلى مقامه، ففعل، وبعث إلى سفيان بن الابرد يأمره بقتال القوم ومحاربتهم، فحمل عليهم سفيان وهم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها، وكان بإذن الله الفتح والغلبة من ناحية سفيان، وقد بعث إليه الجرشي يستأذنه للقتال، فمنعه الحجاج وقال له: لا، إلا أن ترى أمرا مقبلا، وتمكنا من فرصة، فاجتمع الامر، وثاب العكي، وانهزم ابن الاشعث، واستحقت هزيمته (1)، فدعا الحجاج بدابته فركبها، وركب من كان مترجلا معه، بعد سجود ودعاء، وشكر كان منه، على ما صنع الله به ومن كان معه، وحمدوا الله تعالى كثيرا، وكبروا تكبيرا عاليا، ثم انتهى إلى ربوة فأومأ إليها، ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم، وحسر بيضته (2) عن رأسه، فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده، وهو يتمثل بهذه الابيات، وهي من قول عبيد بن الابرص، أو من قول اليشكري: كيف يرجون سقاطي بعد ما * جلل الرأس بياض وصلع ساء ما ظنوا وقد أوريتهم * عند غايات الوغى كيف أقع رب من انضجت غيظا قلبه * قد تمنى لي موتا لم يطع ويراني كالشجي في حلقه * عسرا مخرجه ما ينتزع مربد يهدر ما لم يرني * فإذا أسمعته صوتي انقمع ويحييني إذا لاقيته * وإذا يخلو له الحمى رتع ورث البغضاء عن والده * حافظا منه الذي كان استمع ولساني صيرفي صارم * كذباب السيف ما مس قطع قال: فلما فرغ الحجاج من هذه الابيات كبر، ثم حمد الله بما هو أهله، للذي كان من صنعه به وبجماعته، فبينا هو كذلك، إذ أتاه من يخبره أن ابن الاشعث قد انخزل من أصحابه في نفر يسير، متوجها إلى ناحية خراسان (3)،


(1) قال خليفة في تاريخه ص 282: كانت بينهم بالجماجم إحدى وثمانين وقيعة كلها على الحجاج إلا آخر وقعة كانت على ابن الاشعث فانهزم. (2) البيضة: الخوذة من الحديد يغطي بها الفارس رأسه. (3) في الطبري 6 / 366 ومضى عبد الرحمن والفل من المنهزمين معه نحو سجستان.. وفي ابن الاثير 4 / 481 فنزل هو ومن معه لا يلوون على شئ. (*)

[ 55 ]

فدعا الحجاج ابن عم له (1)، كان يعرفه بالنصيحة والهوى، فقطع معه ليلا، وأرسله في طلب ابن الاشعث إلى مواضع شتى، وعهد إليهم أن لا يدركوا أحدا إلا أتوا به أو برأسه أو يموت، فوقف الحجاج طويلا في مكانه ذلك المرتفع ينظر إلى معسكر ابن الاشعث، وأصحابه ينتهبونه، ثم رجع إلى معسكره فنزل، ودخل فسطاطه فجلس، وأذن لاصحابه فدخلوا عليه، فقام كل واحد منهم يهنئه بالفتح، وجعل ابن جبلة يأتيه بالاسرى، فكلما أتي بأسير أمر به فضربت عنقه، فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل، فلما أصبح وتراجع إليه أكثر خيله، أمر مناديه ينادي بالقفل، فقفل وقفلت معه أجناده، وجميع أصحابه إلى مدينة واسط، فكان فيها وهو الذي كان بناها، قال: وضرب ابن الاشعث ظهرا لبطن، ليلا ونهارا حتى لحق بخراسان، ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج، والحذر لنفسه، ولم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع، حتى استغاث بقصر منيف، فحصره ابن عم الحجاج فيه، وأحاطت به الخيل من كل جانب، حتى ضيق عليه، ودعا بالنار ليحرقه في القصر، فلما رأى ابن الاشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ، وخاف النار، رمى بنفسه من بعض علالي القصر (2)، وطمع أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار النار، فيخفى أمره، ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه، وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه، قال: فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه، وقد أفاق


= وفي مروج الذهب 3 / 160 فمضى حتى انتهى إلى ملوك الهند. وفي البداية والنهاية 9 / 59 دخل هو ومن معه من الفل إلى بلاد رتبيل ملك الترك. (1) في الطبري: أتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمي ومعه ابنه محمد بن الحجاج. (2) في مقتل ابن الاشعث عدة روايات ذكرها الطبري 6 / 390 - 394 وابن الاثير 4 / 501 ومنها ما ذكر بالاصل. وفي رواية أخرى: أنه كان عند رتبيل رجل من بني تميم يقال له عبيد بن أبي سبيع - وهو من خواص ابن الاشعث ورسوله إلى رتبيل فخص به رتبيل وخف عليه فحاول عبد الرحمن قتله فعمل عبيد على تخويف رتبيل من الحجاج ودعاه إلى الغدر به - (وكان ابن الاشعث قد التجأ إلى رتبيل) وقال له: أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه ابن الاشعث فأجابه إلى ذلك. وانظر ابن الاعثم 7 / 156. وعلى كل الاحوال لم يصل ابن الاشعث حيا إلى الحجاج، وإنما أرسل إليه رأسه بعدما قتل (في رواية سقط عن علالي القصر - وفي رواية أن رتبيل قتله - وفي رواية ثالثة أنه مرض بالسل ومات فحز رأسه رتبيل قبل أن يدفن. الطبري 6 / 390 ابن الاثير 4 / 502). وذكروا مقتله سنة 85. بينما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 83 (ج 9 / 65 - 66). (*)

[ 56 ]

بعض الافاقة، ولا يقدر على النهوض فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته، وانطلق برأسه إلى الحجاج، فلما قدم عليه أحدث لله شكرا وحمدا فيما كان من تمام الصنع، وما هيأ له من التأييد والظفر، وأقام كذلك لا يمر عليه يوم إلا وهو يؤتى فيه بأسرى، فلما رأى كثرتهم ازداد حنقا وغيظا لمسارعتهم في اتباع ابن الاشعث، ومخالفتهم عن الحجاج، فيأمر بقتلهم حردا على الخوارج، ورجاء أن يستأصلهم، فلا يخرج عليه خارجي بعدها، فلما رأى كثرة من يؤتى به من الاسرى تحرى، فجعل إذا أتي بأسير يقول له: أمؤمن أنت أم كافر ؟ ليعرف بذلك الخوارج من غيرهم، فمن بدأ على نفسه بالكفر والنفاق عفا عنه ومن قال أنا مؤمن ضرب عنقه. [ الحجاج والشعبي ] (1) وأسر عامر بن سعيد (2) الشعبي فيمن أسر، وكان مع ابن الاشعث في جميع حروبه، وكان خاص المنزلة منه، ليس لاحد منه مثلها للذي كان عليه من حاله، إلا سعيد بن جبير، وأفلت سعيد بن جبير فلحق بمكة، وأتى الشعبي إلى الحجاج في سورة غضبه (3)، وهو يقتل الاسرى الاول فالاول، إلا من باء على نفسه بالكفر والنفاق، فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له يزيد بن أبي مسلم وكان مولاه وحاجبه، فقال: يا شعبي، لهفي بالعلم الذي بين دفتيك، وليس هذا بيوم شفاعة إذا دخلت على الامير، فبؤ له بالكفر (4) والنفاق عسى أن تنجو (5)، فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعا رأسه لم يشعر، فلما رفع رأسه رآه قال له: وأنت أيضا يا شعبي فيمن أعان علينا وألب ! قال: أصلح الله الامير إني أمرت بأشياء أقولها لك، أرضيك بها وأسخط الرب، ولست أفعل، ولكني أقول: أصلح الله الامير


(1) عنوان استدركناه للايضاح. (2) هو عامر بن شراحيل الشعبي، تقدمت الاشارة إليه. (3) سورة غضبه: في شدة غضبه. (4) في مروج الذهب 3 / 176 والعقد الفريد 5 / 32: بالشرك. (5) زيد في مروج الذهب: فلما دخلت عليه (في العقد: ثم لقيني) استقبلني محمد بن الحجاج فقال لي مثل مقالة يزيد. (*)

[ 57 ]

وأصدقك القول، فإن كان شئ ينفع لديك فهو في الصدق إن شاء الله أحزن بنا المنزل (1)، وأجدب الجناب، واكتحلنا السهر، واستحلسنا (2) الخوف، وضاق بنا البلد العريض، فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فقال له الحجاج: كذلك. قال: نعم، أصلح الله الامير، وأمتع به، قال: فنظر الحجاج إلى أهل الشام فقال: صدق والله يا أهل الشام ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا، ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا، ثم قال: انطلق يا شعبي فقد عفونا عنك، فأنت أحق بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم يقول: كان وكان، قال: وكان قد أحضر بالباب رجلان، وأحدهما من بكر بن وائل، والآخر من تميم، وكانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب أن يقوله، فلما أدخلا. قال الحجاج للبكري: أمنافق أنت ؟ قال: نعم، أصلح الله الامير، لكن أخو بني تميم لا يبوء (3) على نفسه بالنفاق. قال التميمي: أنا على دمي أخدع ؟، بل أنا - أصلح الله الامير - منافق مشرك فتبسم الحجاج وأمر بتخلية سبيلهما. قال الشعبي: فوالله ما أتى لذلك الامر إلا نحو من شهرين، حتى رفعت إليه فريضة أشكلت عليه، وهي أم، وجد، وأخت. فقال: من هاهنا نسأله عنها ؟ قال: فدل علي، فأرسل إلي، وقال يا شعبي ما عندك في هذه الفريضة، أم، وأخت وجد ؟ فقلت: أصلح الله الامير. قال فيها خمسة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال: من قال فيها ؟ قلت: قال فيها علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت. قال: هات ما قال فيها علي. فأخبرته. قال: فما قال فيها ابن مسعود ؟ فأخبرته، قال: فما قال فيها ابن عباس ؟ فوالله لقد كان متفقها (4) فأخبرته. قال: فما قال فيها أمير المؤمين عثمان ؟ فأخبرته. قال: فما قال زيد بن ثابت ؟ قلت: أخذها من تسعة أسهم، فأعطى الام ثلاثة أسهم، وأعطى الجد أربعة أسهم، وأعطى الاخت سهمين. فلما سمع ما كان من قول كل واحد


(1) في العقد: نبا بنا المنزل وفي المروج: أحزن بنا المبرك. (2) استحلسنا الخوف: أي لم يفارقنا. (3) لا يبؤ: لا يعترف. (4) في مروج الذهب: " متقيا " وفي العقد: " منقبا ". (*)

[ 58 ]

منهم، وعرف رأيهم فيها (1). قال يا غلام: قل للقاضي يمضيها على ما قال أمير المؤمنين عثمان (2). قال الشعبي: ودخلت عليه الترك، قد شدوا أوساطهم بعمائمهم، وانتزعت السيوف من أعناقهم وأخذوا الطوامير (3) بأيمانهم، فدخل عليه رجل (4) من قبل أمير المؤمنين عبد الملك. فقال له الحجاج: كيف تركت أمير المؤمنين وأهله وولده وحشمه ؟ فأنباه عنه وعنهم بصلاح. فقال: ما كان وراءك من غيث ؟ قال: نعم، أصلح الله الامير، أصابتني سحابة في موضع كذا، فواد سائل، وواد تارع (5)، فأرض مدبرة، وأرض مقبلة، حتى صدعت عن الكمأه أماكنها، فما أتيتك إلا في مثل مجرى الضب (6). فقال للحاجب: ائذن للناس فدخل عليه رجلا أتاه من قبل نجد (7). فقال له: ما كان وراءك من غيث ؟ فقال: كثير الاعصار، واغبر البلاد، وأكل ما أشرف من الحشيشة، فاستيقنا أنه عام سنة. فقال: بئس المخبر أنت. قال: أخبرتك بالذي كان. فقال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل أتاه من قبل اليمامة. فقال: هل كان وراءك من غيث ؟ قال: نعم. وسمعت الرواد يدعون إلى ريادها، وسمعت رائدا يقول: هلموا (8) أطعمكم محلة تطفوا فيها النيران، وتشتكي فيها النساء، وتنافس فيها المعز. فقال له: ويحك، إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم. فقال: أصلح الله الامير، أما تطفوا النيران، فيستكثر فيها الزبد واللبن والتمر، فلا توقد نار [ يختبز بها ]، وأما أن يشتكي النساء: فإنه من جذبها على إبريق لبنها فتظل تمخض لبنها فتبيت ولها أنين من عضديها، وأما تنافس المعز: فإنها ترأم من نوار النبات وألوان الثمر ما يشبع بطونها، ولا يشبع عيونها، فتبينت، وقد امتلات أكراشها، لها من الكظة


(1) انظر ما جاء في أقوالهم مروج الذهب 3 / 176 العقد الفريد 5 / 33. (2) وكان رأي عثمان بن عفان: أن جعلها أثلاثا. (3) في العقد: " وكتبهم " والطوامير جمع طومار وهو الصحيفة. (4) في العقد: من بني سليم واسمه شبابة بن عاصم. (5) في العقد 5 / 34: نازح. (6) في العقد: وجئتك في مثل وجار الضبع (انظر اللسان: وجر). (7) في العقد: من بني أسد. (8) في العقد: هلموا ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران. (*)

[ 59 ]

شرة تنزل به الدرة (1). ثم قال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل من الموالي، كان أشجع الناس في زمانه، يقال له عمرو بن الصلت. فقال له الحجاج: هل كان وراءك من غيث ؟ قال: نعم أصلح الله الامير، أصابتني سحابة بموضع (2) كذا وكذا، فلم أزل أطأ في أثرها، حتى دخلت على الامير. فقال له الحجاج: أما والله لئن كنت في المطر أقصرهم خطبة، إنك بالسيف لاطولهم باعا وخطوة. ولما انهزم ابن الاشعث، قام بعده عبد الرحمن بن عياش (2) بن ربيعة، فقاتل الحجاج ثلاثة أيام، ثم انهزم، فوقع بأرض فارس، ثم صار إلى السند، فمات هناك. وتحصن ناس من أصحاب ابن الاشعث في قلعة بأرض فارس، منهم عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل، والفضل بن عياش، وعمرو بن موسى التميمي، ومحمد بن سعد بن ابي وقاص، وعبيد الله، ومحمد، وإسحاق، وعون، بنو عبد الله بن الحارث في ناس من قريش، ولحق سعيد بن جبير بمكة، فأشعر به الحجاج، فغفل عنه ولم يهيجه، فبعث الحجاج يزيد بن المهلب، فحاصرهم بفارس. قال أبو معشر: حدثني عون قال: كتب إلينا يزيد بن المهلب، أن أخبروني بآية بيني وبينكم حتى أخرجكم. قال: فكتب إليه عبد الله بن الحارث: كنت يوم كذا وكذا في دارنا. قال: فأخرجه وبنيه، فسكنا عمان. وأسر من بقي، وأسروا اثني عشر رجلا من وجوه الناس عامتهم من قريش، منهم عمرو بن موسى التميمي (4) ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، فبعث بهم إلى الحجاج فحبسهم عنده، وكتب إلى عبد الملك يخبره بأمرهم، وجعل يذكر في كتابه أن سعيدا قد أنكر الخروج مع هؤلاء القوم، فكتب إليه عبد الملك يأمره بضرب أعناقهم ويقول في كتابه: لم أبعثك مشفعا وإنما بعثتك منفذا مناجزا لاهل الخلاف والمعصية. فأبرزهم الحجاج، فقال لعمرو بن موسى: يا عاتق قريش وكان شابا جميلا،


(1) في العقد: ولها في الكظة جرة، فتبقى الجرة حتى تستنزل الدرة. (2) في العقد: بحلوان. (3) كذا بالاصل، والصواب " عباس " كما في الطبري. (4) هو عمرو بن موسى بن عبيد الله بن معمر. وانظر في الطبري 6 / 374 بقية أسماء الاسرى. وفيه أن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال ليزيد: " أسألك بدعوة أبي لابيك " فخلى سبيله. (*)

[ 60 ]

مالك أنت وللخروج، إنما أنت عاتق صاحب ثياب ولعب ؟ فقال له عمرو: أيها الرجل، امض لما تريد، فإنما نزلت بعهد الله وميثاقه، فإن شئت فأرسل يدي، وبرئت مني الذمة. فقال له الحجاج: كلا، حتى أقدمك إلى النار، فضربت رقبته، ثم جئ بمحمد بن سعد، فقال له: يا ظل الشيطان، وكان رجلا طويلا، ألست بصاحب كل موطن ؟ أنت صاحب الحرة، وصاحب يوم الزاوية، وصاحب الجماجم. فقال له: إنما نزلت بعهد الله وميثاقه، أرسل يدي وبرئت مني الذمة، قال: لا، حتى أقدمك إلى النار، ثم قال لرجل من أهل الشام: اضرب لي مفرق رأسه، فضرب، فمال نصفه هاهنا، ونصفه هاهنا، ثم قتل الباقين. ذكر قتل سعيد بن جبير قال: وذكروا أن مسلمة بن عبد الملك، كان واليا على أهل مكة، فبينما هو يخطب على المنبر، إذ أقبل خالد بن عبد الله القسري من الشام واليا عليها، فدخل المسجد، فلما قضى مسلمة خطبته، صعد خالد المنبر، فلما ارتقى في الدرجة الثالثة، تحت مسلمة، أخرج طومارا مختوما، ففضه ثم قرأه على الناس، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك (1) بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة، أما بعد: فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلا، فإنما هو القتل لا غير، وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير (2)، والسلام. ثم التفت إليهم خالد وقال: والذي نحلف به، ونحج إليه، لا أجده في دار أحد إلا قتلته، وهدمت داره، ودار كل من جاوره، واستبحت حرمته. وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام، ثم نزل، ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام، فأتى رجل إلى خالد فقال له: إن سعيد بن جبير بواد من أودية مكة، مختفيا بمكان كذا، فأرسل في طلبه، فأتاه


(1) كذا بالاصل. وهو خطأ فعبد الملك كان قد مات، والخليفة الوليد بن عبد الملك وهو صاحب الكتاب وهذا ما أشار إليه الطبري في حوادث سنة 94. (2) وكان سعيد بن جبير بعد هزيمة ابن الاشعث قد هرب إلى اصبهان ثم هرب منها وكان يعتمر في كل سنة ويحج ثم انه لجأ إلى مكة فأقام بها، وكان الحجاج قد بعث نفرا وأمرهم بطلب سعيد بن جبير فخرج القوم في طلبه يسألون عنه وعن موضعه. (انظر الطبري 8 / 95 ابن الاثير 4 / 580 حلية الاولياء 4 / 291 وفيات الاعيان 2 / 372 تاريخ أصبهان 1 / 324). (*)

[ 61 ]

الرسول، فلما نظر إليه الرسول قال: إنما أمرت بأخذك، وأتيت لاذهب بك إليه، وأعوذ بالله من ذلك، فالحق بأي بلد شئت، وأنا معك. قال له سعيد بن جبير: ألك هاهنا أهل وولد ؟ قال: نعم. قال: إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني. قال الرسول: فإني أكلهم إلى الله. فقال سعيد: لا يكون هذا. فأتى به إلى خالد فشده وثاقا، وبعث به إلى الحجاج. فقال له رجل من أهل الشام: إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك، فما عرض له، فلو جعلته فيما بينك وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله. فقال خالد، وقد كان ظهره إلى الكعبة قد استند إليها: والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا ينقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته. فلما قدم سعيد على الحجاج قال له: ما اسمك ؟ قال: سعيد. قال: ابن من ؟ قال: ابن جبير. قال: بل أنت شقي بن كسير ؟ قال سعيد: أمي (1) أعلم باسمي واسم أبي. قال الحجاج: شقيت وشقيت أمك. قال سعيد: الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج: لاوردنك حياض الموت، قال سعيد: أصابت إذا أمي اسمى. فقال الحجاج: لابدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال سعيد: لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. قال الحجاج: فما قولك في محمد ؟ قال سعيد: نبي الرحمة، ورسول رب العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة. فقال الحجاج: فما قولك في الخلفاء ؟ قال سعيد: لست عليهم بوكيل، كل امرئ بما كسب رهين. قال الحجاج: أشتمهم أم أمدحهم ؟ قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم، إنما استحفظت أمر نفسي. وقال الحجاج: أيهم أعجب إليك ؟ قال: حالاتهم يفضل بعضهم على بعض. قال الحجاج: صف لي قولك في علي. أفي الجنة هو، أم في النار ؟ قال سعيد: لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت، ولو رأيت من في النار علمت، فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب ؟ قال الحجاج: فأي رجل أنا يوم القيامة ؟ فقال سعيد: أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب. قال الحجاج: أبيت أن تصدقني ؟ قال سعيد (2): بل لم أرد أن أكذبك. فقال الحجاج فدع عنك هذا كله، أخبرني ما لك لم تضحك قط ؟ قال: لم أر شيئا يضحكني، وكيف يضحك مخلوق من طين، والطين تأكله النار، ومنقلبه إلى الجزاء، واليوم


(1) في مروج الذهب: أبي كان أعلم باسمي منك. قال: شقيت وشقي أبوك. (2) في حلية الاولياء 4 / 291: لا أحب أن أكذب (أنظر فتوح ابن الاعثم 7 / 162). (*)

[ 62 ]

يصبح ويمسي في الابتلاء. قال الحجاج: فأنا أضحك. فقال سعيد: كذلك خلقنا الله أطوارا. قال الحجاج: هل رأيت شيئا من اللهو ؟ قال: لا أعلمه. فدعا الحجاج بالعود والناي. قال: فلما ضرب العود، ونفخ في الناي بكى سعيد. قال الحجاج: ما يبكيك ؟ قال: يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما، والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت، ولا زلت حزينا لما رأيت. قال الحجاج: وما كنت رأيت هذا اللهو ؟ فقال سعيد: بل هذا والله الحزن يا حجاج، أما هذه النفخة، فذكرتني يوم النفخ في الصور (1)، وأما هذا المصران (2) فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب، وأما هذا العود فنبت بحق، وقطع لغير حق. فقال الحجاج: أنا قاتلك. قال سعيد: قد فرغ من تسبب في موتي. قال الحجاج: أنا أحب إلى الله منك ؟ قال سعيد: لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه، والله بالغيب أعلم. قال الحجاج: كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا، وأنا مع إمام الجماعة، وأنت مع إمام الفرقة والفتنة ؟ قال سعيد: ما أنا بخارج عن الجماعة، ولا أنا براض عن الفتنة، ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له. قال الحجاج: كيف ترى ما نجمع لامير المؤمنين ؟ قال سعيد: لم أر، فدعا الحجاج بالذهب والفضة، والكسوة والجوهر، فوضع بين يديه. قال سعيد: هذا حسن إن قمت بشرطه. قال الحجاج: وما شرطه ؟ قال: أن تشتري له بما تجمع الامن من الفزع الاكبر يوم القيامة، وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت (3)، ويضع كل ذي حمل حمله، ولا ينفعه إلا ما طاب منه. قال الحجاج: فترى طيبا ؟ قال: برأيك جمعته، وأنت أعلم بطيبه. قال الحجاج: أتحب أن لك شيئا منه ؟ قال: لا أحب ما لا يحب الله. قال الحجاج: ويلك. قال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه. قال: إني أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أستحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك. فلما أدبر ضحك. قال الحجاج (4): ما يضحكك يا سعيد ؟


(1) إشارة إلى الآية الكريمة: (ويوم ينفخ في الصور... وكل أتوه داخرين) من سورة النمل آية 87. (2) يريد: أوتار العود. وهي تتخذ من مصارين الحيوان. (3) إشارة إلى قوله تعالى: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) الحج: 2. (4) في ابن الاعثم 8 / 163: ردوه ! وهو يضحك (مروج الذهب 3 / 201). (*)

[ 63 ]

قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك (1) قال الحجاج: إنما أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها، اضربوا عنقه. قال سعيد: حتى أصلي ركعتين، فاستقبل القبلة وهو يقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين (2). قال الحجاج: اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى، الذين تفرقوا واختلفوا بغيا بينهم، فإنه من حزبهم، فصرف عن القبلة. قال سعيد: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (3) الكافي بالسرائر.. قال الحجاج: لم نوكل بالسرائر، وإنما وكلنا بالظواهر. قال سعيد: اللهم لا تترك له ظلمي، واطلبه بدمي، واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد فضربت عنقه، ثم قال الحجاج: هاتوا من بقي من الخوارج، فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم، وقال: ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين، فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين، وقائد سبيل المتوسمين. وقال قائل: إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله، وجعل يصيح قيودنا، يعني القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير (1)، ويقول: متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها ؟ وهذا يمكن القول فيه لاهل الاهواء في الفتح والاغلاق. ذكر بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك قال: وذكروا أنه لما فرغ الحجاج من قتل الخوارج، وتم له أمر العراق، فاستقر ملك عبد الملك، كتب إليه الحجاج ان يبايع للوليد ابنه (5)، ويكتب له عهده للناس ؟ فأبى ذلك عبد الملك، لان أخاه عبد العزيز كان حيا، وكان قد استعمله عبد الملك على مصر، وكتب إلى الحجاج يوبخه، ويقول له ما لك أنت


(1) في مروج الذهب: عنك. (2) الآية 79 من سورة الانعام، وليس فيها " مسلما ". (3) سورة البقرة آية 115. (4) في البداية والنهاية 9 / 115 فظنوا ذلك، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود. (5) زيد في الطبري 6 / 85 وأوفد وفدا في ذلك سألوا عبد الملك إتمام الامر وقام عمران بن عصام العنزي وأنشد: ومما قاله: فلو أن الوليد أطاع فيه * جعلت له الخلافة والذماما شبيهك حول قبته قريش * به يستمطر الناس الغماما (*)

[ 64 ]

والتكلم بهذه ؟ وكانت البيعة بالشام لهما جميعا، إذ مات مروان، وكان عبد العزيز نظير عبد الملك في الحزم والرأي والعقل والذكاء، وكان عبد الملك لا يفضل عبد العزيز في شئ إلا باسم الخلافة، حتى لربما كان عبد الملك يأمر بالشئ، فيريد عبد العزيز غيره، ويرى خلافه، فيرده إلى رأيه ولا يمضيه، وكان لا ينكر ذلك عبد الملك. فلما كانت سنة إحدى وثمانين عقد عبد الملك لموسى بن نصير على إفريقية وما حولها، ووجهه إلى من بها من البربر يقاتلهم، وضم إليه برقة، فلما قدم موسى بن نصير متوجها، انتهى ذلك إلى عبد العزيز، فرده من مصر إلى الشام، وبعث قرة بن حسان الثعلبي، فانصرف موسى بن نصير إلى الشام لعبد الملك، وذكر امتهانا ناله من عبد العزيز وما استقبله به (1) إلى كلام كثير، فقال له عبد الملك: إن عبد العزيز صنو أمير المؤمنين، وقد امضينا فعله، فتوجه قرة بن حسان إلى أفريقية، فهزم بها، وقتل غالب أصحابه. فلما كانت سنة أربع وثمانين (2)، توفي عبد العزيز بن مروان بمصر، ثم ولي (3) محمد بن مروان إلى سنة ست وثمانين، فلما توفي عبد العزيز، أجمع عبد الملك على بيعة الوليد، ثم من


(1) كذا ورد هذا الخبر بالاصل.. نرى في هذا الخبر ثغرات أهمها: - لم يرد اسم قرة بن حسان الثعلبي، فيمن ولي المغرب أو أفريقيا. - العلاقة الوطيدة بين عبد العزيز وموسى بن نصير، وقد وردت روايات في تولية موسى بن نصير أفريقيا من قبل عبد العزيز بن مروان. قال الكندي في ولاة مصر ص 74 " وقدم حسان بن النعماني الغساني من الشام إلى مصر، بعهد إلى المغرب في سنة 78 فسأله عبد العزيز أن لا يعرض لاطرابلس فأبى حسان ذلك فعزله عبد العزيز وولى موسى بن نصير مولى لخم أمر المغرب كله " (انظر الحلة السيراء 2 / 322 والبيان المغرب 1 / 39). - يفهم من المصادر أن الذي رده عبد العزيز بن مروان هو حسان بن النعمان وليس العكس، وهو الذي ولى موسى بن نصير دون رأي عبد الملك ودونه مشورته، وقد أقر عبد الملك عمل عبد العزيز. - الذي قدم على عبد الملك هو حسان بن النعمان وقد شكى له أخاه عبد العزيز وما أساء إليه به (الحلة السيراء 2 / 332). (2) في الطبري وابن الاثير والبداية والنهاية ذكرت وفاته سنة 85. وعند الكندي في ولاة مصر: سنة 86. قال الطبري: أن عبد الملك أراد خلع أخيه عبد العزيز (وذلك سنة 84) فنهاه قبيصه بن ذؤيب وقال: لا تفعل هذا، فإنك باعث على نفسك صوت نعار، ولعل الموت يأتيه، فتستريح منه. قال الطبري وكان موته بمصر في جمادى الاولى. (انظر ابن سعد). (3) في الطبري ضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وولاه مصر. (*)

[ 65 ]

بعد الوليد سليمان، فكتب إلى الحجاج ببيعة الوليد وسليمان، فبايع الحجاج لهما بالعراق، فلم يختلف عليه أحد، وبويع لهما بالشام ومصر واليمن، وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل، وهو عامله على المدينة، أن يأخذ بيعة أهل المدينة، فلما أتت البيعة لهما، كره ذلك سعيد بن المسيب، وقال: لم أكن لابايع بيعتين في الاسلام بعد حديث سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا كانت بيعتان في الاسلام فاقتلوا الا حدث منهما " فأتاه عبد الرحمن بن عبد القاري، فقال: إني مشير عليك بثلاث خصال، اختر أيها شئت. قال: وما هي ؟ قال له: إنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل، فلو غيرت مقامك ؟ قال: ما كنت لاغير مقاما قمته منذ أربعين سنة لهشام بن إسماعيل. قال: فثانية. قال: وما هي ؟ قال: أخرج معتمرا، قال سعيد: ما كنت لاجهد نفسي، وأنفق مالي في شئ ليس لي فيه نية. قال له: فثالثة، قال: وما هي ؟ قال: تبايع للوليد، ثم لسليمان، قال سعيد: أرأيت إن كان الله قد أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي ؟ قال: وكان عبد الرحمن هذا أعمى. قال: فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة، وكان ابن عم سعيد بن المسيب، فلما علم بذلك القرشيون، أتوا هشاما فقالوا له: لا تعجل على ابن عمك حتى نكلمه ونخوفه القتل، فعسى به أن يبايع ويجيب. قال: فاجتمع القرشيون، فأرسلوا إلى سعيد مولى له كان في الحرس. فقالوا له: اذهب إليه، فخوفه القتل، وأخبره أنه مقتول، فلعله يدخل فيما دخل فيه الناس. فجاءه مولاه، فوجده قائما يصلي في مسجده، فبكى مولاه بكاء شديدا، قال له سعيد: ما يبكيك ويحك ! قال: أبكي مما يراد بك. قال له سعيد: وما يراد بي، ويحك. قال: جاء كتبا من عبد الملك بن مروان، إلى هشام بن إسماعيل، إن لم تبايع وإلا قتلت، فجئتك لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة وتفرغ من عهدك إن كنت لا تريد أن تبايع. فقال له سعيد: لا أم لك قد وجدتني أصلي في مسجدي، أفتراني كنت أصلي ولست بطاهر، وثيابي غير طاهرة ! وأما ما ذكرت من أن أفرغ من عهدي، فما كنت لاوخر عهدي بعد ما حدثني به عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين له شئ يوصي به إلا ووصيته مكتوبة " (1)، فإذا شاؤوا فليفعلوا، فإني لم أكن لابايع بيعتين في الاسلام. قال:


(1) الحديث رواه البخاري في الوصايا (1) ومسلم في الوصية (1) وأبو داود في الوصايا (1) = (*)

[ 66 ]

فرجع إليهم المولى فأخبرهم بما ذكر، فكتب صاحب المدينة هشام بن إسماعيل إلى عبد الملك يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما (للوليد وسليمان) فكتب عبد الملك إليه: مالك ولسعيد، وما كان علينا منه أمر نكرهه، وما كان حاجتك أن تكشف عن سعيد، أو تأخذه ببيعة، ما كنا نخاف من سعيد ؟ فأما إذ قد ظهر ذلك وانتشر أمره في الناس، فادعه إلى البيعة، فإن أبى فاجلده مئة سوط، أو أحلق رأسه ولحيته وألبسه ثيابا من شعر وأوقفه في السوق على الناس لكيما لا يجترئ علينا أحد غيره. قال: فلما وصل الكتاب أرسل إليه هشام، فانطلق سعيد إليه، فلما أتاه دعاه إلى البيعة، فأبى أن يجيبه، فألبسه ثيابا من شعر (1)، وجرده وجلده مئة سوط (2)، وحلق رأسه ولحيته، وأوقفه في السوق، وقال: لو أعلم أنه ليس إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا ولا أجبت إلى ذلك قال بعض الايليين (3) الذين كانوا في الشرطة بالمدينة: لما علمنا أنه لا يلبس الثياب طائعا قلنا له: يا أبا محمد إنه القتل فاستر بها عورتك، قال: فلبس فلما تبين له أنا خدعناه قال: يا معلجة أهل أيلة، لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته. قال: فكان هشام بن إسماعيل بعد ذلك إذا خطب الناس يوم الجمعة تحول إليه سعيد بن المسيب، أي يقبل عليه بوجهه ما دام يذكر الله، حتى إذا وقع في مدح عبد الملك وغيره أعرض سعيد عنه بوجهه فلما فطن هشام لذلك، أمر حرسيا يحصب وجه سعيد إذا تحول عنه ففعل ذلك به، فقال سعيد: إنما هي ثلاث، وأشار بيده. قال: فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام. موت عبد الملك وبيعة الوليد قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة، جمع بنيه وقال لهم: اتقوا الله ربكم، وأصلحوا ذات بينكم، وليجل صغيركم كبيركم، وكبيركم صغيركم، انظروا أخاكم مسلمة، فاستوصوا به خيرا، فإنه شيخكم ومجنكم


= والترمذي في الجنائز (5) والوصايا (3) والنسائي في الوصايا (1) وابن ماجه في الوصايا (2) وأحمد في المسند 2 / 4، 10، 50، 57، 80. (1) في الطبري: طاف به في تبان (سراويل صغير يستر العورة) وفي العقد الفريد 4 / 421 ألبسه المسوح. وانظر حلية الاولياء 2 / 171 - 172. (2) في الطبري وابن الاثير: ستين سوطا. (3) نسبة إلى أيلة بلد بين ينبع ومصر. (*)

[ 67 ]

الذي به تستجنون، وسيفكم (1) الذي به تضربون، أوصيكم به خيرا، وانظروا ابن عمكم عمر بن عبد العزيز، فاصدروا عن رأيه، ولا تخلوا عن مشورته اتخذوه صاحبا لا تجفوه، ووزيرا لا تعصوه، فإنه من علمتم فضله ودينه، وذكاء عقله، فاستعينوا به على كل مهم، وشاوروه في كل حادث (2). قال: ثم دخل عليه خالد وعبد الرحمن ابنا يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فقال لهما: أتحبان أن أسألكما بيعة الوليد وسليمان ؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، معاذ الله من ذلك. قال: فأومأ بيده إلى مصلى كان مضطجعا عليه، فأخرج من تحته سيفا مصلتا. فقال لهما: والله لو قلتما غير ذلك لضربت أعناقكما بهذا السيف، ثم خرجا من عنده ودخل عليه عمر بن عبد العزيز. فقال عبد الملك: يا أبا حفص استوص خيرا بأخويك الوليد وسليمان، إن زلا فشلهما وإن مالا فأقمهما، وإن غفلا فذكرهما، وإن ناما فأيقظهما، وقد أوصيتهما بك، وعهدت إليهما أن لا يقطعا شيئا دونك. فقال عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أوصيتهما بكتاب الله فليقيماه في عباده وبلاده، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليحيياها، ويحملا الناس عليها ؟ فقال عبد الملك: قد فعلت ووليي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. ثم قال: وقد علمت يا عمر مكان فاطمة مني، ومحلها من قلبي، وإني آثرتك بها على جميع آل مروان، لفضلك وورعك، فكن عند ظني بك، ورجائي فيك، وقد علمت أنك غير مقصر، ولا مضيع حقها (3)، ولكن الله قد قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين، قوموا عصمكم الله وكفاكم. ثم خرجوا من عنده. قال: ثم دعا عبد الملك بالوليد وسليمان، فدخلا عليه. فقال للوليد: اسمع يا وليد، قد حضر الوداع، وذهب الخداع، وحل القضاء. قال: فبكى الوليد. فقال له عبد الملك: لا تعصر عينيك علي كما


(1) في ابن الاثير: ونابكم الذي عنه تفترون. (2) انظر وصيته إلى أولاده: ابن الاثير 3 / 181، مروج الذهب 3 / 197، ابن الاعثم 7 / 201 - 202 الاخبار الطوال ص 325. البداية والنهاية 9 / 81. قال ابن الاعثم إن الوليد بن عبد الملك أجاب أباه بعدما أوصاه: إني لما أوصيتنيه لحافظ * أرعاه غير مقصر في المحتد وأكون للاعداء سما ناقعا * ولذي القرابة كالحميد الآبد ولكل أخواني وجل عشيرتي * أرعى المغيب في حفظهم في المشهد وأقوم بعدك في الرعية بالذي * أوصيتني بهم بحسن تودد (3) تزوجها عمر بن عبد العزيز، وهو ابن عمها (*)

[ 68 ]

تعصر الامة الوكساء (1)، إذا أنا مت فاغسلني، وكفني، وصل علي وأسلمني إلى عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي، وأخرج أنت إلى الناس، والبس لهم جلد نمر، واقعد على المنبر، وادع الناس إلى بيعتك، فمن مال بوجهه عنك كذا، فقل له بالسيف كذا (2)، تنكر للصديق والقريب، واسمع للبعيد، وأوصيك بالحجاج خيرا، فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر، وكفاكم تقحم تلك الجرائم. قال: فلما توفي عبد الملك، ومات من يومه ذلك، خرج الوليد إلى الناس، وقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: نعمة ما أجلها، ومصيبة ما أعظمها، وإنا لله وإنا إليه راجعون. نقل الخلافة، وفقد الخليفة (3)، ثم دعا الناس إلى البيعة، فلم يختلف عليه أحد، ثم كان أول ما ظهر من أمره، وتبين من حكمه، أن أمر بهدم كل دار ومنزل، من دار عبد الملك إلى قبره، فهدمت من ساعتها، وسويت بالارض، لئلا يعرج بسرير عبد الملك يمينا وشمالا، وليكون النهوض به إلى حفرته تلقاء منزله، ثم كتب ببيعته إلى الآفاق والامصار، وإلى الحجاج بالعراق فبايع له الناس ولم يختلف عليه أحد. فدخل عليه سليمان بن عبد الملك. فقال له: يا أمير المؤمنين، اعزل الحجاج بن يوسف عن العراقين فإن الذي أفسد الله به أكثر مما أصلح. فقال له الوليد: إن عبد الملك قد أوصاني به خيرا. فقال سليمان: عزل الحجاج والانتقام منه من طاعة الله، وتركه من معصية الله. فقال الوليد: سنرى في هذا الامر، وترون إن شاء الله، ثم كتب الحجاج إلى الوليد: أما بعد، فإن الله تعالى استقبلك يا أمير المؤمنين في حداثة سنك بما لا أعلمه استقبل به خليفة قبلك من التمكين في البلاد، والملك للعباد، والنصر على الاعداء، فعليك بالاسلام، فقوم أوده، وشرائعه وحدوده، ودع عنك محبة الناس وبغضهم وسخطهم، فإنه قل ما يؤتى الناس من خير أو شر، إلا أفشوه في ثلاثة أيام، والسلام.


(1) في الاخبار الطوال ص 325: الامة الورهاء (يعني الجارية الحمقاء) وفي البداية والنهاية 9 / 81: اتحن حنين الجارية والامة. والوكساء: الخسيسة. (2) في مروج الذهب: وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسك لك فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه. (3) قارن مع الطبري 6 / 423 وابن الاثير 3 / 183 البداية والنهاية 9 / 84. مروج الذهب 3 / 197. وفي هذه المصادر ذكرت له على المنبر خطبة أخرى وذلك بعد عودته من دفن والده عبد الملك. (*)

[ 69 ]

تولية موسى بن نصير (1) البصرة قال: وحدثنا يزيد بن سعيد مولى مسلم، أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يولي أخاه بشر بن مروان على العراق، كتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو بمصر، وبشر معه يقود الجنود، وكان يومئذ حديث السن: إني قد وليت أخاك بشرا البصرة، فاشخص معه موسى بن نصير، وزيرا ومشيرا، وقد بعثت إليك بديوان العراق، فادفعه إلى موسى، وأعلمه أنه المأخوذ بكل خلل وتقصير، فشخص بشر من مصر إلى العراق، ومعه موسى بن نصير، حتى نزل البصرة، فلما نزلها دفع إلى موسى بن نصير خاتمه، وتخلى عن جميع العمل، فلبث موسى مع بشر ما لبث، ثم إن رجلا من أهل العراق دخل على بشر بن مروان فقال له: هل لك أن أسقيك شرابا لا تشيب معه أبدا، بعد أن أشترط عليك شروطا ؟ قال بشر: وما هي ؟ قال: لا تغضب ولا تركب، ولا تجامع امرأة في أربعين ليلة، ولا تدخل حماما، فقبل ذلك بشر وأجابه، وشرب ما أسقاه، واحتجب عن قريب الناس وبعيدهم، وخلا مع جواريه وخدامه، فكان كذلك حتى أتته ولاية الكوفة وقد ضمت إليه مع البصرة، فأتاه من ذلك ما لم يحمل فرحه، ولا السرور به، فدعا بركاب ليركبها، فأتاه الرجل، فناشده لا يخرج ولا يركب، وأن لا يتحرك بحركة من مكانه، فلم يلتفت بشر إلى كلامه، ولم يقبل ما أمره به، فلما رأى الرجل عزمه قال له: فاشهد لي على نفسك بأنك قد عصيتني ففعل بشر ذلك، وأشهد أنه قد أبرأه، فركب وهو يريد الكوفة، فلم يسر إلا أميالا، حتى وضع يده على لحيته، فإذا هي في كفه قد سقطت من وجهه، فلما رأى ذلك انصرف إلى البصرة، فلم يلبث إلا قليلا حتى هلك (2)، فلما بلغ عبد الملك موته، وجه الحجاج بن يوسف واليا عليها. فقال موسى بن نصير: ما فاتك فلا يفوتك، وكان عبد الملك قد أراده لامر عتب عليه منه (3). فكتب


(1) هو أبو عبد الرحمن موسى بن نصير، اللخمي بالولاء، كان من التابعين كان والده نصير على حرس معاوية. وقال ابن بشكوال في الصلة: أنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد. (2) ذكر ابن كثير وفاته سنة 74 بالبصرة. وقال ابن الاعثم في الفتوح 4 / 319 أنه اعتل علة شديدة واستسقى بطنه فمات. (3) ذكر ابن عذاري في البيان المغرب 1 / 39 أن موسى كان على خراج البصرة فاحتجن الاموال لنفسه، فأوصى (عبد الملك) الحجاج به ألا يفوته. فلعل هذا الامر هو ما عتب به عليه فيه خاصة بعد أن قدمه وولاه. (*)

[ 70 ]

خالد بن أبان، من الشام إلى موسى بن نصير: إنك معزول، وقد وجه إليك الحجاج بن يوسف، وقد أمر فيك بأغلظ أمر، فالنجاة، والوحى الوحى (1)، فإما إن تلحق بالفرس فتأمن وإما أن تلحق بعبد العزيز بن مروان مستجيرا به، ولا تمكن ملعون ثقيف من نفسك فيحكم فيك. فلما أتاه الكتاب: ركب النجائب ولحق بالشام، وبها يومئذ عبد العزيز بن مروان قد وفد بأموال مصر. فكتب الحجاج من العراق: يا أمير المؤمنين، إنه لا قدر لما اقتطعه موسى بن نصير من أموال العراق، وليس بالعراق، فابعث به إلي. دخول موسى بن نصير على عبد الملك بن مروان قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن سالم حدثهم عن أبيه، أنه حضر يومئذ شأن موسى، ودخوله على عبد الملك. قال: وكانت لموسى يد عظيمة عند عبد العزيز بن مروان يطول ذكرها قال سالم، قال لي موسى: لما قدمت الشام لقيت بها عبد العزيز، وكان ذلك من صنع الله، فأدخلني على عبد الملك (2)، فلما رآني عبد الملك قلت: موسى. قال: ما تزال تعرض لحيتك علينا ؟ قال: قلت: لم يا أمير المؤمنين ؟ قال: لجرأتك علي واقتطاعك الفئ. قال: فقلت: ما فعلت يا أمير المؤمنين، وما ألوتك نصحا واجتهادا وإصلاحا، قال: أقسم لتؤدين دينك خمسين مرة. قال: قلت لم يا أمير المؤمنين ؟ قال: فما تركني أتمها حتى قال: قم لتؤدينها مئة مرة، فذهبت لاتكلم، فأشار علي عبد العزيز أن قل نعم. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم خرجت فأعانني عبد العزيز بخمسين ألفا، وأديت خمسين ألفا في ثلاثة أشهر نجمها علي. تولية موسى بن نصير على إفريقية قال: وذكروا أن عبد العزيز لما رجع إلى مصر، سار موسى معه. فكان من أشرف الناس عنده، فأقام بها ما أقام حتى قدم حسان بن النعمان (3) من إفريقية


(1) الوحى الوحى: يعني النجاة النجاة. (2) في البيان المغرب 1 / 40 أنه ذهب إلى عبد العزيز في مصر ثم وفد معه إلى الشام. (3) وهو حسان بن النعمان بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو بن مزيقيا بن عامر بن الازد وكان عبد الملك قد ولاه أفريقيا سنة 74 بعد زهير بن قيس، وكان قد قتل سنة 69 وقد شغل = (*)

[ 71 ]

يريد الشام إلى عبد الملك وقد فتح له بها فتحا، وقتل الكاهنة (1)، فأجازه عبد الملك (2) وزاده برقة، ورده إليها، أي إلى إفريقية واليا، فأقبل حتى نزل مصر، وبعث معه بعثا من هناك، فأخذوا أعطياتهم منه، ثم ساروا حتى نزلوا ذات الجماجم. قال: فبلغ ذلك عبد العزيز وأن حسان بن النعمان يطلب برقة من عند عبد الملك، وأنه قد ولاه أياما، فبعث إليه فقال له: أولاك أمير المؤمنين برقة ؟ قال: نعم. فقال له عبد العزيز: لا تعرض، وكان عليها مولى لعبد العزيز. فقال حسان: ما أنا فاعل. فغضب عبد العزيز وقال له: ائت بعهدك عليها إن كنت صادقا. قال: فأتى به حسان، فلما أقرأه عبد العزيز وجدها فيه، فالتفت إلى حسان فقال: ما أنت بتاركها ؟ قال: والله لا أنعزل عما ولانيه أمير المؤمنين. قال: فاقعد في بيتك، فسيولى هذا الامر من هو خير منك وأولى به منك، في تجربته وسياسته، ويغني الله أمير المؤمنين عنك. ثم أخذ عبد العزيز عهده ومزقه، ودعا بموسى بن نصير فعقد له على أفريقية يوم الخميس في صفر سنة تسع وسبعين (3)، فتجهز موسى بن نصير، وحمل الاموال إلى ذات الجماجم، وبها الجيوش ينتظرون واليهم فقدم عليهم موسى بن نصير، فلما صار على الجيش الاول أتى عصفور حتى وقع على صدره، فأخذه موسى، فدعا بسكين، فذبحه موسى، ولطخ بدمه صدره من فوق الثياب، ونتف ريشه وطرحه على صدره وعلى نفسه، ثم قال: الفتح ورب الكعبة، والظفر إن شاء الله.


= عبد الملك عن أفريقيا ما كان بينه وبين عمرو بن سعيد وابن الزبير. (ابن الاثير 3 / 81 - 82). (1) الكاهنة كانت بجبل أوراس وقد اجتمع إليها البربر فخافها الروم وجميع أفريقيا. فالتقى معها بوادي مسكيانه فهزم ثم عبأ جنده وتتالت الامداد له فهزمها وقتلها (تفاصيل انظرها في ابن الاثير 3 / 82 - 83 والبيان المغرب 1 / 37 - 38). (2) في البيان المغرب وابن الاثير: الوليد بن عبد الملك وفيهما ثمة ذكر لعبد العزيز، والمعروف أن عبد العزيز مات قبل عبد الملك وقبل ولاية الوليد وقد مر ذلك. (3) في ولاة مصر للكندي ص 74: سنة 78. وقال ابن الاثير 3 / 83 أن الوليد ولى أفريقيا عمه عبد الله بن مروان فعزل عنها حسانا واستعمل موسى بن نصير سنة 89. وأن حسان أقام في القيروان لا ينازعه أحد إلى أن توفي عبد الملك. في حين يؤكد ابن عذاري أن الذي عزل حسان هو عبد العزيز بن مروان. وقال ابن القطان: أن عزل حسان وولاية موسى بن نصير كان من قبل عبد العزيز بن مروان دون أمر أخيه عبد الملك ومشورته وذلك لان أمر والي أفريقيا كان منوطا بالوالي على مصر ويعني ذلك من تدبير عبد العزيز.. ولما حاول الوليد بعد ذلك إعادته إلى عمله رفض حسان وحلف: لا أولى لبني أمية أبدا. وانظر الحلة السيراء 2 / 332. (*)

[ 72 ]

خطبة موسى بن نصير رحمه الله قال: وذكروا أن موسى لما قدم ذات الجماجم، وقد توافت الجيوش بها، جمع الناس فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين أصلحه الله رأى رأيا في حسان بن النعمان، فولاه ثغركم، ووجهه أميرا عليكم، وإنما الرجل في الناس بما أظهر، والرأي فيما أقبل، وليس فيما أدبر، فلما قدم حسان بن النعمان على عبد العزيز أكرمه الله كفر النعمة، وضيع الشكر، ونازع الامر أهله، فغير الله ما به، وإنما الامير (1) أصلحه الله صنو أمير المؤمنين وشريكه، ومن لا يتهم في عزمه ورأيه، وقد عزل حسان عنكم، وولاني مكانه عليكم، ولم يأل أن أجهد نفسه في الاختبار لكم، وإنما أنا رجل كأحدكم، فمن رأى مني حسنة، فليحمد الله، وليحض على مثلها، ومن رأى مني سيئة فلينكرها، فإني أخطئ كما تخطئون، وأصيب كما تصيبون، وقد أمر الامير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها أثلاثا، فخذوها هنيئا مريئا، ومن كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها على ما عز وهان، مع المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. دخول موسى بن نصير أفريقية قال: وذكروا أن موسى لما سار متوجها إلى المغرب، بقية صفر، ثم ربيع وربيع، ودخل في جمادى الاولى، يوم الاثنين، لخمس خلون منه، سنة تسع وسبعين، فأخذ سفيان بن مالك الفهري وأبا صالح الفهري، فغرم كل واحد منهما عشرة آلاف دينار، ووجههما إلى عبد الملك في الحديد. قال: وكان قدوم موسى أفريقية وما حولها مخوفا، بحيث لا يقدر المسلمون أن يبرزوا في العيدين، لقرب العدو منهم، وإن عامة بيوتها الخصوص (2) وأفضلها القباب، وبناء المسجد يومئذ شبيه بالحظير، غير أنه قد سقف ببعض الخشب، وقد كان ابن النعمان بنى القبلة وما يليها بالمدر، بنيانا ضعيفا، وكانت جبالها كلها محاربة لا ترام، وعامة السهل.


(2) يشير إلى عبد العزيز بن مروان. (1 (الخصوص جمع خص، وهو البيت من البوص ونحوه. (*)

[ 73 ]

خطبة موسى بأفريقية قال: وذكروا أن موسى لما قدم أفريقية، ونظر إلى جبالها، وإلى ما حولها، جمع الناس ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما كان قبلي على أفريقية أحد رجلين: مسالم يحب العافية، ويرضى بالدون من العطية، ويكره أن يكلم (1)، ويحب أن يسلم، أو رجل ضعيف العقيدة، قليل المعرفة، راض بالهوينى، وليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر، وأحسن النظر، وخاض الغمر، وسمت به همته، ولم يرض بالدون من المغنم لينجو، ويسلم دون أن يكلم أو يكلم، ويبلغ النفس عذرها في غير خرق يريده، ولا عنف يقاسيه، متوكلا في حزمه، جازما في عزمه، مستزيدا في علمه، مستشيرا لاهل الرأي في إحكام رأيه، متحنكا بتجاربه، ليس بالمتجابن إقحاما، ولا بالمتخاذل إحجاما، إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا، وإن نكب أظهر جلادة وصبرا، راجيا من الله حسن العاقبة، فذكر بها المؤمنين، ورجاهم إياها لقول الله تعالى: (إن العاقبة للمتقين) [ هود: 49 ] أي الحذرين. وبعد: فإن كل من كان قبلي كان يعمد إلى العدو الاقصى، ويترك عدوا منه أدنى، ينتهز منه الفرصة، ويدل منه على العورة، ويكون عونا عليه عند النكبة، وايم الله لا أريم (2) هذه القلاع والجبال الممتنعة حتى يضع الله أرفعها، ويذل أمنعها، ويفتحها على المسلمين بعضها أو جمعها، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. فتح زعوان (3) قال: وذكروا أنه كان بزعوان (3) قوم من البربر، يقال لهم عبدوه، عليهم عظيم من عظمائهم يقال له: ورقطان، فكانوا يغيرون على سرح المسلمين، ويرصدون غرتهم، والذي بين زعوان (3) وبين القيروان يوم إلى الليل، فوجه إليهم موسى خمس مئة فارس، عليهم رجل من خشين يقال له: عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله، وقتل صاحبهم ورقطان، وفتحها الله على يد موسى، فبلغ سبيهم


(1) يكلم: يجرح. (2) أي لن أتركها وأغادرها. (3) في البيان المغرب 1 / 40 زغوان. (*)

[ 74 ]

يومئذ عشرة آلاف رأس، وأنه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى، ثم وجه ابنا له يقال له عبد الرحمن (1) بن موسى، إلى بعض نواحيها فأتاه بمئة الف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان (2)، فأتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين الف رأس. قدوم كتاب الفتح على عبد العزيز بن مروان قال: وذكروا أن موسى بن نصير كتب إلى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه، وأمكن له، ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا، وكان ذلك وهما من الكاتب. فلما قرأ عبد العزيز الكتاب، دعا الكاتب وقال له: ويحك ! اقرأ هذا الكتاب. فلما قرأه قال: هذا وهم من الكاتب فراجعه. فكتب إليه عبد العزيز: إنه بلغني كتابك، وتذكر فيه أنه قد بلغ خمس ما أفاء الله عليك ثلاثين ألف رأس، فاستكثرت ذلك، وظننت أن ذلك وهم من الكاتب (3)، فاكتب إلي بعد ذلك على حقيقة، واحذر الوهم. فلما قدم الكتاب على موسى كتب إليه: بلغني أن الامير أبقاه الله، يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة، التي أفاء الله علي، وأنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب، فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الامير، والخمس أيها الامير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم. قال: فلما أتى الكتاب إلى عبد العزيز وقرأه ملاه سرورا. إنكار عبد الملك تولية موسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد العزيز لما ولى موسى وعزل حسان كما تقدم، وفتح الله لموسى بلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فكره ذلك وأنكره، ثم كره رد رأي عبد العزيز، ثم هم بعزل موسى لسوء رأيه فيه، ثم رأى أن لا يرد ما صنع عبد العزيز. فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان، وتوليتك موسى مكانه، وعلم الامر الذي له عزلته، وقد كنت أنتظر منك مثلها في موسى، وقد أمضى لك أمير المؤمنين من


(1) في البيان المغرب: عبد الله. (انظر ابن الاثير 3 / 194 وجذوة المقتبس للحميدي ص 317). (2) في ابن الاثير 3 / 194: هارون. (3) قارن مع البيان المغرب 1 / 40 كتاب العزيز إلى موسى بن نصير، وجواب موسى عليه. (*)

[ 75 ]

رأيك ما أمضيت، وولايتك من وليت، فاستوص بحسان خيرا فإنه ميمون الطائر، والسلام. جوابه فلما قدم الكتاب على العزيز كتب إلى أخيه عبد الملك: أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في عزل حسان، وتوليتي موسى بن نصير، وقد كان لمثلها مني منتظرا في موسى، ويعلمني أنه قد أمضى لي من رأيي فيما أمضيت، وولايتي من وليت، وقد علمت أن أمير المؤمنين يتفاءل بحسان للذي فتح الله على يديه، ولم أعد مع نظري لامير المؤمنين، بأن عزلت حسان، ووليت موسى في يمن طائره، وحسن أثره. فأما قول أمير المؤمنين: قد كنت أنتظرها منك في موسى، فلعمري لقد كنت لها فيه مرصدا، ولامير المؤمنين أن يسبق بها إليه منتظرا، حتى حضر أمر جهدت فيه نفسي لامير المؤمنين. ولنفسي الرأي والنصيحة، والسلام كتاب عبد العزيز بالفتح إلى عبد الملك قال: وذكروا أن عبد العزيز كتب إلى عبد الملك، أما بعد: فإني كنت وأنت يا أمير المؤمنين في موسى وحسان كالمتراهنين، أرسلا فرسيهما إلى غايتهما فأتيا معا، وقد مدت الغاية (1) لاحدهما، ولك عنده مزيد إن شاء الله (2)، وقد جاءني يا أمير المؤمنين كتاب من موسى، وقد وجهته إليك لتقرأه، وتحمد الله عليه، والسلام. (3) جوابه فكتب إليه عبد الملك: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم المثل الذي مثلته في حسان وموسى، ويقول لك عند أحدهما مزيد، وكل قد


(1) الغاية: هي النهاية أي المكان الذي ينتهي عنده السباق. (2) يشير إلى نشاط موسى بن نصير في الغزو والفتوحات وما يأمل عبد العزيز منه من نجاح. (3) وكان عبد العزيز قد أرفق كتابه إلى عبد الملك يعلمه فيه بالفتح بكتاب موسى (البيان المغرب 1 / 40). (*)

[ 76 ]

عرف الله على يده خيرا ونصرا (1)، وقد أجريت وحدك، وكل مجر بالخلاء مسرور (2)، والسلام. ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى، وعلى ما كتب به. فلما قدم الرسول على موسى: دفع عليه ما ذكر، وزاده ألفا للوفاء. فتح هوارة (3)، وزناتة، وكتامة (4) قال: وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى هوارة وزناتة في ألف فارس، فأغار عليهم وقتلهم وسباهم، فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس، وكان عليهم رجل منهم يقال له كمامون (5)، فبعث به موسى إلى عبد العزيز في وجوه الاسرى، فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة، فسميت بركة كمامون (5)، فلما أوجع عياش فيهم دعوا إلى الصلح، فقدم على موسى بوجوههم، فصالحوهم وأخرجوهم، وكانت كتامة قد قدمت على موسى فصالحته، وولى عليهم رجلا منهم، وأخذ منهم رهونهم (6)، وكتب أحدهم إلى موسى، إنما نحن عبدانك، قتل أحدنا صاحبه، وأنا خير لك منه، فلم يشك موسى أن ذلك إنما كان عن ممالاة من كتامة، وقد كانت رهون كتامة استأذنوا موسى قبل ذلك بيوم ليتصيدوا، فأذن لهم، فلما أتاه ما أتاه تحقق ظنه فيهم، وأنهم إنما هربوا، فوجه الخيول في طلبهم، فأتي بهم، فأراد صلبهم. فقالوا: لا تعجل أيها الامير بقتلنا حتى يتبين أمرنا، فإن آباءنا وقومنا لم يكونوا ليدخلوا في خلاف أبدا، ونحن في يدك وأنت


(1) يشر إلى ما كان من حسان بن النعمان وفتوحاته وانتصاراته في أفريقيا والمغرب. (2) أي أنه من يجري فرسه لوحده دون منافس ينافسه السباق، يسر من جريه وسرعته لان وحده لا يستطيع المفاضلة بينه وبين غيره وهذا ما ينطبق على موسى إذ أنك أرسلته وحده وأنت تترقب ما يأتي به، ولا تستطيع مفاضلته لانه وحده. (3) هوارة هؤلاء من بطون البرانس باتفاق من نسابة العرب والبربر ولد هوارة بن أوريغ بن برنس إلا ما يزعم بعضهم أنهم من عرب اليمن وبعضهم يقولون من عاملة وبعضهم يقول من حمير. (العبر 6 / 139). (4) كتامة يقال انهم من حمير، ونسابة البربر يقولون أنهم من ولد كتام بن برنس وهم أشد قبائل البربر بأسا وقوة وأطولهم باعا في الملك (العبر 6 / 148). (5) في البيان المغرب 1 / 41 طامون. (6) في البيان المغرب: أخذ منهم رهائن من خيارهم. (*)

[ 77 ]

على البيان أقدر منك على استحيائنا بعد القتل، فأوقرهم حديدا، وأخرجهم معه إلى كتامة، وخرج هو بنفسه. فلما بلغهم خروج موسى، تلقاه وجوه كتامة معتذرين، فقبل منهم، وتبينت له برأتهم، واستحيا رهونهم. فتح صنهاجة (1) قال: وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى حتى غشي صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس، ومن الابل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الاجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا. فتح سجوما قال: وذكروا أنه لما كان سنة ثلاث وثمانين، قدم على موسى نجدة عبد الله بن موسى في طالعة أهل مصر. فلما قدم عليه، أمر الناس بالجهاد والتأهب، ثم غزا يريد سجوما وما حولها، واستخلف عبد الله بن موسى على القيروان، ثم خرج وهو في عشر آلاف من المسلمين، وعلى مقدمته عياض بن عقبة، وعلى ميمنته زرعة بن أبي مدرك، وعلى ميسرته المغيرة بن أبي بردة القرشي، وعلى ساقته نجدة بن مقسم، فأعطى اللواء ابنه مروان، فسار حتى إذا


(1) صنهاجة هذا القبيل من أوفر قبائل البربر، يرجعون إلى صنهاج وهو عند نسابة البربر من بطون البرانس من ولد برانس بن بر، وذكر ابن الكلبي والطبري أنهم وكتامة جميعا من حمير (العبر 6 / 152). (*)

[ 78 ]

كان بمكان يقال له سجن الملوك، خلف به الاثقال، وتجرد في الخيول، وخلف على الاثقال عمرو بن أوس في ألف، وسار بمن معه حتى انتهى إلى نهر يقال له ملوية، فوجده خاملا، فكره طول المقام عليه، خوفا من نفاد الزاد، وأن يبلغ العدو مخرجه ومكانه، فأحدث مخاضة غير مخاضة عقبة بن نافع، وكره أن يجوز عليها. فلما أجاز وانتهى إليهم، وجدهم قد أنذروا به وتأهبوا، وأعدوا للحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا في جبل منيع، لا يوصل إليهم إلا من أبواب معلومة، فاقتتلوا يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى العصر، فخرج إليهم رجل من ملوكهم، فوقف والناس مصطفون، فنادى بالمبارزة، فلم يجبه أحد، فالتفت موسى إلى مروان ابنه، فقال له: اخرج إليه أي بني، فخرج إليه مروان، ودفع اللواء إلى أخيه عبد العزيز بن موسى. فلما رآه البربري ضحك، ثم قال له: ارجع، فإني أكره أن أعدم منك أباك. وكان حديث السن. قال: فحمل عليه مروان فرده، حتى ألجأه إلى جبله، ثم إنه زرق مروان بالمزراق، فتلقاه مروان بيده وأخذه، ثم حمل مروان عليه وزرقه به زرقة وقعت في جنبه، ثم لحقت حتى وصلت إلى جوف برذونه، فمال فوقع به البرذون ثم التقى الناس عليه فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما كان قبله، ثم إن الله هزمهم، وفتح للمسلمين عليهم، وقتل ملكهم كسيلة بن لمزم (1) وبلغ سبيهم مئتي ألف رأس، فيهم بنات كسيلة، وبنات ملوكهم، وما لا يحصى من النساء السلسات، اللاتي ليس لهن ثمن ولا قيمة. قال: فلما وقفت بنات الملوك بين يدي موسى، قال: علي بمروان ابني. قال: فأتي به قال له: أي بني اختر. قال: فاختار ابنة كسيلة فاستسرها (2)، فهي أم عبد الملك بن مروان هذا. قال: قاتل يومئذ زرعة بن أبي مدرك قتالا شديدا أبلى فيه حتى اندقت ساقه قال: فآلى موسى أن لا يحمل إلا على رقاب الرجال، حتى يدخل القيروان، وأن يحمله خمسون رجلا، كل يوم يتعاقبون بينهم، ثم انصرف موسى وقد دانت له البلاد كلها، وجعل يكتب إلى عبد العزيز بفتح بعد فتح، وملات سباياه الاجناد، وتمايل الناس إليه، ورغبوا فيما هنالك


(1) في البيان المغرب 1 / 32 أن كسيلة بن لمزم قتله زهير بن قيس البلوي سنة 69 في نواحي نهر ملوية بعد معركة التحم فيها الفريقان. وقيل سنة 64 (الحلة السيراء 2 / 330 وفيه: كسيل). (2) استسرها أي اتخذها سرية، أي مملوكة تزوج بها فولدت له. (*)

[ 79 ]

لديه، فكان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يقول إذا جاءه فتوح موسى: لتهنئك الغلبة أبا الاصبع. ثم يقول: عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. قال: وبعث موسى إلى عياض وعثمان وإلى عبيدة (1) بني عقبة، فقال: اشتفوا، وضعوا أسيافكم في قتلة أبيكم عقبة. قال: فقتل منهم عياض ست مئة رجل صبرا من خيارهم وكبارهم، فأرسل إليه موسى أن أمسك. فقال: أما والله لو تركني ما أمسكت عنهم، ومنهم عين تطرف. قدوم الفتح على عبد الملك بن مروان قال: وذكروا أن موسى لما قدم، وجه بذلك الفتح إلى عبد العزيز بن مروان، مع علي بن رباح، فسار حتى قدم على عبد العزيز بمصر، فأجازه ووصله، ووجهه إلى عبد الملك بن مروان أخيه، فلما قدم عليه أجازه أيضا، وزاد في عطائه عشرين. فلما انصرف، قال له عبد العزيز: كم زادك أمير المؤمنين ؟ قال: عشرين. قال: لولا كره أن أفعل مثل ما فعل لزدتك مثلها، ولكن تعدلها زيادة عشرة. وكتب عبد الملك إلى موسى يعلمه أنه قد فرض لجميع ولده فئ مئة (2). وبلغ به هو إلى المئتين، وفرض في مواليه، وأهل الجزاء والبلاء ممن معه خمس مئة رجلا ثلاثين ثلاثين، وكتب إليه إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمئة ألف التي أغرمها لك (3)، فخذها من قبلك من الاخماس. قال: فلما قدم على موسى كتاب عبد الملك بن مروان، يأمره بأخذ المئة الالف مما قبله. قال: فإني أشهدكم أنه رد على المسلمين، ومعونة لهم، وفي الرقاب (4). وكان موسى إذا أفاء الله عليه شيئا، اشترى من ظن منهم أنه يقبل الاسلام وينجب فيعرض عليه الاسلام، فإن رضي قبله من بعد أن يمحص عقله، ويجرب فطنة فهمه، فإن وجده ماهرا أمضى عتقه وتولاه، وإن لم يجد فيه مهارة رده في الخمس


(1) في البيان المغرب 1 / 41 " أبا عبدة ". (2) الفئ: قال المبرد: يقال فاء يفئ إذا رجع. وأفاء الله: إذا رده. قال الازهري: الفئ ما رده الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال. والغنيمة هي ما يحصل بعد تعب النفس في تحصيلها بخلاف الفئ الذي لا يتحمل في تحصيله تعبا. (التفسير الكبير للرازي تفسير سورة الحشر). (3) تقدم أن عبد الملك كان قد أغرم موسى بن نصير، بعد فراره بخراج العراق، بمئة ألف. (4) أي في عتق الرقاب، يريد إعطاء العبيد المملوكين لكي يعطوا أصحابكم لكي يعتقوهم. (*)

[ 80 ]

والسهام. قال وكتب موسى إلى عبد العزيز ببلاء زرعة بن أبي مدرك وما أوصله، وأنه لولا ذلك أوفده إلى أمير المؤمنين، ففرض له عبد العزيز في مئة، وفرض لثلاثين رجلا من قومه، وانصرف موسى قافلا، وذلك في سنة أربع وثمانين. غزوة موسى في البحر قال: وذكروا أن موسى أقام بالقيروان بعد قفله شهر رمضان وشوال، فأمر بدار صناعة بتونس (1) وجر البحر إليها، فعظم عليه الناس ذلك، وقالوا له: هذا أمر لا نطيقه، فقام إلى موسى رجل من مسالمة البربر، ممن حسن إسلامه، فقال له: أيها الامير، قد مر علي مئة وعشرون سنة، وإن أبي حدثني أن صاحب قرطاجنة لما أراد بناء قناتها، أتاه الناس يعظمون عليه ذلك فقام إليه رجل فقال له: أيها الملك، إنك إن وضعت يدك بلغت منها حاجتك، فإن الملوك لا يعجزها شئ بقوتها وقدرتها، فضع يدك أيها الامير، فإن الله تعالى سيعينك على ما نويت، ويأجرك فيما توليت. فسر بذلك موسى، وأعجبه قول هذا الشيخ. فوضع يده، فبنى دار صناعة بتونس، وجر البحر إليها مسيرة اثني عشرة ميلا، حتى أقحمه دار الصناعة، فصارت مشتى للمراكب إذا هبت الانواء والارياح. ثم أمر بصناعة مئة مركب، فأقام بذلك بقية سنة أربع وثمانين، وقدم عطاء بن أبي نافع الهذلي في مراكب أهل مصر، وكان قد بعثه عبد العزيز يريد سردانية، فأرسى بسوسة، فأخرج إليه موسى الاسواق، وكتب إليه أن ركوب البحر قد فات في هذا الوقت وفي هذا العام، فأقم لا تغرر بنفسك، فإنك في تشرين الآخر، فأقم بمكانك حتى يطيب ركوب البحر قال: فلم يرفع عطاء لكتاب موسى


(1) دار الصناعة: يعني ترسانة بناء السفن وميناء تأوي إليه. قال العريني: أدرك عبد الملك أهمية القوة البحرية في فتح أفريقيا، فطلب إلى والي أفريقيا موسى بن نصير بأن يقيم بها قاعدة بحرية وبعث إليه من مصر ألفا من صناع السفن، بأسراتهم ليسهموا في عمارة البحرية.. على أن موسى لم يشيد دار الصناعة والقاعدة البحرية في قرطاجنة بل اتخذ لذلك موضعا يقع إلى الداخل، على بحيرة وأمر بحفر قناة تتصل بين البحيرة والخليج، وبذلك أهمل قرطاجنة ونهضت مدينة تونس، وأصبحت تونس مرفأ مأمونا للسفن الاسلامية، بفضل موقعها في الداخل، وبعدها عن خطر الغارة البحرية المفاجئة. وبادر موسى إلى تشييد سفنه في دار الصناعة التي أنشاها حديثا (الدولة البيزنطية ص 169). (*)

[ 81 ]

رأسا (1)، وشحن مراكبه، ثم رفع فسار حتى أتى جزيرة يقال لها سلسلة، وافتتحها، وأصاب فيها مغانم كثيرة، وأشياء عظيمة من الذهب والفضة والجواهر، ثم انصرف قافلا، فأصابته ريح عاصف، فغرق عطاء وأصحابه، وأصيب الناس، ووقعوا بسواحل أفريقية. فلما بلغ ذلك موسى، وجه يزيد بن مسروق في خيل إلى سواحل البحر، يفتش على ما يلقي البحر من سفن عطاء وأصحابه فأصاب تابوتا منحوتا قال: فمنه كان أصل غناء يزيد بن مسروق. قال: ولقد لقيت شيخا متوكئا على قصبة، فذهبت لافتشه فنازعني، فأخذت القصبة من يده فضربت بها عنقه فانكسرت، فتناثر منها اللؤلؤ والجوهر والدنانير، ثم إن موسى أمر بتلك المراكب ومن نجا من النواتية، فأدخلهم دار الصناعة بتونس، ثم لما كانت سنة خمس وثمانين أمر الناس بالتأهب لركوب البحر، وأعلمهم أنه راكب فيه بنفسه، فرغب الناس وتسارعوا، ثم شحن فلم يبق شريف ممن كان معه إلا وقد ركب حتى إذا ركبوا في الفلك، ولم يبق إلا أن يرفع هو، دعا برمح فعقده لعبد الله بن موسى بن نصير، وولاه عليهم وأمره، ثم أمره أن يرفع من ساعته، وإنما أراد موسى بما أشار من مسيره، أن يركب أهل الجلد والنكاية والشرف، فسميت غزوة الاشراف، ثم سار عبد الله بن موسى في مراكبه، وكانت تلك أول غزوة غزيت في بحر أفريقية (2). قال: فأصاب في غزوته تلك صقلية، فافتتح مدينة فيها، فأصاب ما لا يدري، فبلغ سهم الرجل مئة دينار ذهبا، وكان المسلمون ما بين الالف إلى التسع مئة، ثم انصرف قافلا سالما. فأتت موسى وفاة عبد العزيز بن مروان (3)، واستخلاف الوليد بن عبد الملك سنة ست وثمانين، فبعث إليه بالبيعة، وبفتح عبد الله بن موسى، وما أفاء الله على يده، ثم إن موسى بعث زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البربر، فلم يلق حربا منهم ورغبوا في


(1) يريد أنه لم يعره اهتماما، ولم يصغ لنصيحة موسى. (2) بعد بناء القاعدة البحرية في تونس، يقول العريني معبرا عن أهميتها: وأصبحت القوى البحرية الاسلامية موزعة بين ثلاثة مراكز: شمال أفريقيا، ومصر والشام (الدولة البيزنطية ص 169). (3) كانت وفاة عبد العزيز بن مروان سنة 85 وقد مرت الاشارة إلى ذلك. وولى عبد الملك فيما قيل ابنه عبد الله، وقيل عبد الله بن مروان أخي عبد الملك (الطبري - ابن الاثير - ولاة مصر للكندي). أما وفاة عبد الملك فكانت سنة 86، فخلفه أخوه الوليد. (*)

[ 82 ]

الصلح، فوجه رؤسهم إلى موسى، فأعطاهم الامان، وقبض رهونهم، وعقد لعياش بن أخيل على مراكب أهل أفريقية، فشتا في البحر (1)، وأصاب مدينة يقال لها سرقوسة (2)، ثم قفل في سنة ست وثمانين، ثم إن عبد الله بن مرة قام بطالعة أهل مصر على موسى في سنة تسع وثمانين فعقد له موسى على بحر أفريقية، فأصاب سردانية، وافتتح مدائنها، فبلغ سبيها ثلاثة آلاف رأس، سوى الذهب والفضة والحرث وغيره (3) غزوة السوس الاقصى قال: وذكروا أن موسى وجه مروان ابنه إلى السوس الاقصى، وملك السوس يومئذ مزدانة الاسواري، فسار في خمسة آلاف من أهل الديوان (4) فلما اجتمعوا، ورأى مروان أن الناس قد تعجعلوا إلى قتال العدو، وأن في يده اليمنى القناة، وفي يده اليسرى الترس، وإنه ليشير بيده إلى الناس أن كما أنتم. فلما التقى مروان ومزدانة، اقتتل الناس إذ ذاك قتالا شديدا، ثم انهزم مزدانة ومنح الله مروان أكتافهم، فقتلوا قتلة الفناء، فكانت تلك الغزوة استئصال أهل السوس (5) على أيدي مروان، فبلغ السبي أربعين ألفا، وعقد موسى على بحر أفريقية حتى نزل بميورقة فافتتحها.


(1) في البيان المغرب 1 / 42 فمشى في البحر إلى صقلية. (2) زيد في البيان المغرب: فغنمها وجميع ما بها، وقفل سالما غانما. (3) هذه الغارات التي شنها موسى بن نصير لم يكن هدفها استعراض قوة بل جرت - كما يقول العريني: - " وفقا لخطة موضوعة، وذلك أن موسى بن نصير كان منصرفا إلى فتح شمال أفريقيا إلى المحيط الاطلنطي " واستخدام القوة البحرية يعود لثلاثة أسباب: - حماية مؤخرة الجيش الاسلامي من أي تهديد بيزنطي ينطلق من قواعد البحرية البيزنطية في صقلية وسردينية وجزائر البليار. - إخضاع الشاطئ الافريقي من تونس إلى سبتة. - حماية مواصلات الجيش، وملاحظة ومراقبة تحركات الجيوش البيزنطية. (4) يريد: الجنود النظاميون المقيدون في ديوان الدولة، أصحاب الاعطيات. (5) السوس: بلد بالمغرب كانت الروم تسميها قمونية. والسوس الاقصى: كورة أخرى مدينتها طرقلة. وبين السوس الادنى إلى السوس الاقصى مسيرة شهرين وبعده بحر الرمل وليس وراء ذلك شئ يعرف. ومن السوس الاقصى إلى القيروان ثلاثة آلاف فرسخ (معجم البلدان). وكان موسى على ما ذكره ابن الاثير 4 / 195 قد خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقي من البربر، وقد هربوا منه، فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا حتى بلغ السوس الادنى لا يدافعه أحد. (وانظر البيان المغرب 1 / 42 والحلة السيراء 2 / 333). (*)

[ 83 ]

قدوم الفتوحات على الوليد بن عبد الملك قال: وذكروا أن خادما للوليد بن عبد الملك بن مروان أخبرهم قال: إني لقريب من الوليد بن عبد الملك، وبين يديه طشت من ذهب، وهو يتوضأ منه، إذ أتى رسول من قبل قتيبة بن مسلم من خراسان بفتح من فتوحاتها، فأعلمته قال: خذ الكتاب منه، فأخذه فقرأه، فما أتى على آخره، حتى أتى رسول آخر من قبل موسى بن نصير (1)، بفتح السوس من قبل مروان بن موسى، فأعلمته. قال: هاته، فقرأه، فحمد الله، وخر ساجدا لله حامدا، ثم التفت إلي قال: أمسك الباب لا يدخل أحد. قال: وكان عنده ابن له يحبو بين يديه، فلما خر الوليد ساجدا لله شاكرا، جاء الصبي إلى الطشت فاضطرب فيه وصاح، فما التفت إليه، قال: وصرت لا أستطيع أن أغيثه لما أمرني به من إمساك الباب،


(1) كان الوليد، بعد وفاة عبد الملك قد كتب بولاية موسى بن نصير إفريقيا والمغرب، وقطعها عن عمه عبد الله بن مروان (على قول من قال بولاية عبد الله بن مروان على مصر: البيان المغرب 1 / 41 وقد ذكرنا أنه بعد وفاة عبد العزيز بن مروان ولى عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك). وكان موسى بن نصير وبعد وفاة عبد العزيز بن مروان، قد بدأ بمراسلة عبد الملك مباشرة دون الرجوع إلى والي مصر - عبد الله ابنه مما أسخطه عليه فكتب له: أما بعد: فإنك كنت من عبد العزيز وبشر بين مهادين، تعلو عن الحضيض مهودهما، ويدفئك دثارهما حتى عفا مخبرك وسمت بك نفسي فلا تحسبني كمن كنت تخلبه وأعداء بيته، ونقول: أكفياني أكفكما، ولا كأصبغ كنت تمنيه بكهانتك، وأيم الله لاضعن منك ما رفعا، ولاقلن منك ما كثرا. فضح رويدا، فكأن قد أصبحت سادما، تعض أناملك نادما. والسلام. فكتب إليه موسى بن نصير: أما بعد. لقد قرأت كتابك، وفهمت ما وصفت فيه من إركاني إلى أبويك وعمك ولعمري إن كنت لذلك أهلا، ولو خبرت مني ما خبرا، لما صغرت مني ما عظما، ولا جهلت من أمرنا ما علما، فكيف أتاه الله لك ؟ وأما انتقاصك لهما، فهما لك وأنت منهما، ولهما منك ناصر لو قال وجد عليك مقالا، وكفاك جزاء العاق. فأما ما نلت من عرضي، فذلك موهوب لحق أمير المؤمنين لا لك. وأما تهددك إياي بأنك واضع مني ما رفعا، فليس ذلك بيدي ولا إليك، فارعد وابرق لغيري وأما ما ذكرت مما كنت آتي به عمك عبد العزيز، فلعمري إني مما نسبتني إليه من الكهانة لبعيد، وإني من غيرها من العلم لقريب. فعلى رسلك، فكأنك قد أظلك البدر الطالع، والسيف القاطع والشهاب الساطع، فقد تم لها، وتمت له، ثم بعث إليك الاعرابي الجلف الجافي، فلم تشعر به حتى يحل بعقوتك فيسلبك سلطانك، فلا يعود إليك ولا تعود إليه، فيومئذ تعلم أكاهن أم عالم وتوقن أينا النادم، والسلام. قرأ عبد الله الكتاب ثم أرسله إلى عبد الملك، فوصل وعبد الملك قد قبض (ولاة مصر للكندي ص 81 - 82). (*)

[ 84 ]

وأطال السجود حتى خفي صوت الصبي، ثم رفع رأسه فصاح بي، فدخلت وأخذت الصبي، وإنه لما به روح. فتح قلعة أرساف قال: ثم إن صاحب قلعة أرساف، أغار على بعض سواحل أفريقية، فنال منهم، وبلغ موسى خبره، فخرج إليه بنفسه فلم يدركه، فاشتد ذلك على موسى. قال: قتلني الله إن لم أقتله وأنا مقيم هنا. قال: فأقام موسى ما أقام، ثم إنه دعا رجلا من أصحابه، فقال له: إني موجهك في أمر وليس عليك فيه بأس ولك عندي فيه حسن الثواب، خذ هذين الاذنين فسر فيهما بمن معك، حتى تأتي موضع كذا وكذا، في مكان كذا، فإنك تجد كنيسة، وتجد الروم قد جعلوها لعيدهم، فإذا كان الليل فادن من ساحلها، ودع إحدى هذين الاذنين (1) بما فيها ثم انصرف إلي بالاذن الاخرى، وبعث معه موسى قبة من الخز والوشي، ومن طرائف أرض العرب شيئا مليحا، وكتب كتابا بالرومية جوابا لكتاب، كأنه كان كتب به إلى موسى يسأله الامان، على أن يدله على عورة الروم، وكتاب فيه أمان من موسى مطبوع، فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي وصف له موسى، فترك الاذن بما فيها، وانصرف راجعا في الاذن الاخرى حتى قدم على موسى، وأن الروم لما عثروا على أذن موسى استنكروها، فارتفع أمرها إلى بطريق تلك الناحية، فأخذ ما فيها. فلما رأى ما فيها من الكتب والهدية هاب ذلك، فبعث بها كما هي إلى الملك الاعظم. فلما أفضت إليه، وقرأ الكتب تحقق ذلك عنده، فبعث إلى أرساف رجلا وملكه عليها، وأمر أن يضرب عنق صاحبها الذي أغار على سواحل أفريقية، ففعل، فقتله الله بحيلة موسى.


(1) الاذنان: تثنية أذن، وهي العروة التي يمسك منها الخرج ونحوه. ويريد الاذنين هنا: الخرج نفسه، وفي كل من الخرجين هدايا وغيرها. (*)

[ 85 ]

فتح الاندلس (1) قال: وذكروا أن موسى (2) وجه طارقا (3) مولاه إلى طنجة وما هنالك، فافتتح مدائن البربر وقلاعها، ثم كتب إلى موسى: إني قد أصبت ست سفن، فكتب إليه موسى. أتممها سبعا، ثم سر بها إلى شاطئ البحر، واستعد لشحنها، واطلب قبلك رجلا يعرف شهور السريانيين، فإذا كان يوم أحد وعشرين من شهر آذار بالسرياني، فاشحن على بركة الله ونصره في ذلك اليوم، فإن لم يكن عندك من يعرف شهور السريان، فشهور العجم، فإنها موافقة لشهور السريان، وهو شهر يقال له بالاعجمية مارس، فإذا كان يوم أحد وعشرين منه، فاشحن على بركة الله كما أمرتك إن شاء الله، فإذا أجريت فسر حتى يلقاك جبل أحمر، وتخرج منه عين شرقية، إلى جانبها صنم فيه تمثال ثور، فاكسر ذلك التمثال، وانظر فيمن معك إلى رجل طويل أشعر، بعينيه قبل (4)، وبيده شلل، فاعقد له على مقدمتك، ثم أقم مكانك حتى يغشاك إن شاء الله. فلما انتهى الكتاب إلى طارق كتب إلى موسى: إني منته إلى ما أمر الامير ووصف، غير أني لم أجد صفة الرجل الذي أمرتني به إلا في نفسي، فسار طارق في ألف رجل وسبع مئة، وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وتسعين (5)، وقد كان


(1) الاندلس: كانت قديما تعرف باسم إبارية ولعله على اسم شعب قوقازي كان يسكنها وعرفها النصارى باسم اشبانيا باسم رجل يقال له اشبانس، ويقول ابن الاثير باسم أحد ملوكها اشبان (3 / 205). وقيل باسم قوم سكنها يعرفون بالاندلش، وهم الوندال الذين غزوها في أوائل القرن الخامس الميلادي، ومنذ ذلك الوقت أطلق عليها اسم فاندلوسيا (معجم البلدان - ابن الاثير). (2) كذا بالاصل وابن الاثير والبيان المغرب وفيهما أنه استعمل طارق على طنجة وما والاها (إشارة إلى أن موسى قد وصل إليها) ومعه جيشا 17 ألف من العرب واثني عشر ألفا من البربر، وأن موسى قفل إلى أفريقيا. وفي الحلة السيراء 2 / 333 أن مروان بن موسى قد توجه إلى طنجة، ثم انصرف وخلف على جيشه طارق بن زياد. (وانظر تاريخ خليفة ص 304 وفتوح البلدان للبلاذري ص 232). (3) هو طارق بن زياد، اختلفوا في نسبه. قال ابن بشكوال: هو طارق بن عمرو. وقال ابن عذاري: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو بن ورفجوم بن نبرغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو. فهو نفزي. ذكر أنه من سبي البربر. (4) القبل: له معان كثيرة، المعنى الاقرب هنا لعله: شبه الحول في العين. (5) في البيان المغرب وابن الاثير: رجب سنة 92. لم يكن حدث عبور طارق بن زياد إلى الاندلس حدثا عاديا أو وليد صدفة أو قرارا مفاجئا = (*)

[ 86 ]

لذريق (1) ملك الاندلس، قد غزا عدوا يقال له البشكنس، واستخلف ملكا من ملوكهم


= ارتجاليا من موسى بن نصير بل يعتبر تصميما من العرب المسلمين على فتح بلاد الاندلس وفق خطة أعدها الوليد بن عبد الملك ونفذها موسى بن نصير وقد جاء فتح الاندلس بعد سلسلة من الاجراءات الناجحة والاختبارات التي قام بها موسى بن نصير منها: - تعزيز القوة البحرية الاسلامية في غرب البحر المتوسط ثم إنشاء دار الصناعة في تونس. - احتلال شواطئ المغرب الطويلة المقابلة للاندلس. - احتلال جزيرتي منيورقة وميورقة قبالة الساحل الاندلسي الشرقي. - قيام الاسطول العربي بعمليات رصد ومراقبة شبه دائمة. - سنة 90 يبعث موسى طريف بن مالك أحد مواليه في 400 رجل وغزا مدينة في جنوب الاندلس فسميت باسمه جزيرة طريف. - سنة 91 أغار على الجزيرة الخضراء وأصاب غنائم كثيرة. - سنة 92 استولى موسى على جزيرة سردانية. وفي أسباب غزو العرب للاندلس: ذكر ابن الاثير أن يوليان صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة كان عنده ابنة استحسنها روذريق فافتضها فكتبت إلى أبيها فأغضبه ذلك فكتب إلى موسى بن نصير بالطاعة ودعاه إليه وحسن له غزو الاندلس. (الكامل 3 / 208 - أخبار مجموعة ص 5 - 6). هذا ما تقدمه النصوص وتجعله السبب المباشر لغزو الاندلس. ولا يمكن القبول به ونعده سببا مباشرا للغزو لتناقض الروايات بشأن يوليان وابنته. فابن القوطية يروي أن يوليان تاجر من الروم كان يدخل قصر الملك لتاجر (تاريخ افتتاح الاندلس ص 7 - 8) وفولتير مثلا يشك في أن الملك انتهك عرض ابنة يوليان. ونرى أن الاسباب الحقيقية لغزو العرب بلاد الاندلس ربما عادت إلى وضع الاندلس من جهة: وتردي الحالة السياسية والفوضى الداخلية - ومنها طبعا الخلاف الناشب بين يوليان وروذريق بغض النظر عن مسبباته - وتردي الاوضاع الاجتماعية - المجاعة والطاعون والامراض - تلك الاوضاع التي أفقدت البلاد أكثر من نصف سكانها من جهة، وأفقدتهم المناعة على القتال. ومن جهة أخرى - وهي ظروف مساعدة للعرب - شعور العرب بضعفها، وتوثبهم لمزيد من الفتح والاندفاع خاصة بعد وصولهم إلى أقاصي غرب أفريقيا، فالبحر يمنع اندفاعهم غربا والصحراء تمنع اندفاعهم جنوبا فكان الشمال - طبعا - المتنفس الطبيعي لهم. يضاف إلى ذلك أمران هامان: العلاقة المتوترة التي كانت تسود بين العرب والقوط. والامر الثاني: محاولة العرب إشغال البربر - المسلمون الجدد - بتوجيههم لحرب القوط ونحو الفتوح. (1) اختلفت الروايات بشأن اسمه: قيل لذريق (الحلة السيراء - نفح الطيب) وقيل الادريق (تاريخ اليعقوبي)، وقيل: ادرينوق (الطبري). وروذريق هذا لم يكن من أسرة الملك، بل كان من النبلاء وقد جاء تعيينه ملكا بعد موت الملك غيطشة الذي حاول قبل موته أن يجعل الحكم وراثيا وقد حاول جاهدا إقناع الكنيسة بتأييده على إقامة دولة وراثية، لان مبدأ الحكم كان عن طريق الانتخاب من قبل النبلاء والاشراف الذين عارضوا غيطشة وأصروا على إبقاء مبدأ الانتخاب. (انظر صفة الاندلس = (*)

[ 87 ]

يقال له تدمير. فلما بلغ تدمير مكان طارق، ومن معه من المسلمين. كتب إلى لذريق: إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء نزلوا أم من الارض نبعوا. فلما بلغ لذريق ذلك أقبل راجعا إلى طارق في سبعين ألف عنان (1)، ومعه العجل تحمل الاموال والزخرف، وهو على سرير بين دابتين، وعليه قبة مكللة باللؤلؤ وبالياقوت والزبرجد، ومعه الحبال، ولا يشك في أسرهم. فلما بلغ طارقا دنوه منهم. قام في أصحابه، فحمد الله، ثم حض الناس على الجهاد، ورغبهم في الشهادة، وبسط لهم في آمالهم. ثم قال: أيها الناس، أين المفر، البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، فليس ثم والله إلا الصدق والصبر، فإنهما لا يغلبان، وهما جندان منصوران، ولا تضر معهما قلة، ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل والاختلاف والعجب كثرة. أيها الناس، ما فعلت من شئ فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، ألا وإني عامد إلى طاغيتهم، بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه أو أقتل دونه، فإن قتلت فلا تهنوا ولا تحزنوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم، وتولوا الدبر لعدوكم، فتبددوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة، والراحة من المهانة والذلة، وما قد أجل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا، والله معكم ومعيذكم، تبوؤوا بالخسران المبين، وسوء الحديث غدا بين من عرفكم من المسلمين (2). وها أنا ذا حامل حتى أغشاه، فاحملوا بحملتي، فحمل وحملوا. فلما غشيهم اقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الطاغية قتل، وانهزم جميع العدو (3)، فاحتز طارق رأس لذريق (4)،


= ص 10 واسبانيا الاسلامية لبروفنسان ص 7 وفجر الاندلس للدكتور حسين مؤنس ص 12 - 13). (1) في ابن الاثير 3 / 210 يقال مئة ألف. (2) قارن مع نفح الطيب 1 / 241 - 242 وفيات الاعيان 5 / 321 - 322. (3) انظر في أخبار فتح طارق وانتصاره على لذريق روايات ذكرها المقري في نفح الطيب 1 / 242 وما بعدها. وابن عبد الحكم ص 92 وأخبار مجموعة ص 7. وفي الحلة السيراء 2 / 333 أن لذريق زحف إلى طارق من طليطلة فالتقوا على نهر لكة من كورة شذونه يوم الاحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة 92 واتصلت الحرب بينهم إلى يوم الخميس لخمس خلون من شوال - تتمة ثمانية أيام، ثم هزم الله المشركين، فقتل منهم خلق عظيم وخفي أثر لذريق... وغاب شخصه فما وجد حيا ولا ميتا. (انظر البيان المغرب 2 / 12 ابن الاثير 3 / 210 غرق روذيق في النهر). (4) انظر الحاشية السابقة. (*)

[ 88 ]

وبعث به إلى موسى بن نصير، وبعث به موسى مع ابنه، وجهز معه رجالا من أهل أفريقية، فقدم به على الوليد بن عبد الملك، ففرض له في الشرف، وأجاز كل من كان معه، ورده إلى أبيه موسى، وأن المسلمين قد أصابوا مما كان مع لذريق ما لا يدرى ما هو ولا ما قيمته. قال: وكتب طارق إلى مولاه موسى (1): إن الامم قد تداعت علينا من كل ناحية، فالغوث الغوث، فلما أتاه الكتاب نادى في الناس وعسكر، وذلك في صفر سنة ثلاث وتسعين، وكان أحب الخروج إليه يوم الخميس أول النهار، فاستخلف عبد الله بن موسى على أفريقية وطنجة والسوس، وكتب ساعة قدم عليه كتاب طارق إلى مروان، يأمره بالمسير، فسار مروان بمن معه، حتى أجاز إلى طارق، قبل دخول أبيه موسى، وخرج موسى بن نصير والناس معه حتى أتى المجاز، فأجاز بمن زحف معه في جموعه، وعلى مقدمته طارق مولاه، فوجد الجموع قد شردت إليه من كل مكان، فسار حتى افتتح قرطبة وما يليها، من حصونها وقلاعها ومدائنها، فغل الناس يومئذ غلولا لم يسمع بمثله (2)، ولم يسلم من الغلول يومئذ إلا أبو عبد الرحمن الجبلي (3). ثم إن موسى سار لا يرفع له شئ إلا هده، يفتتح له المدائن يمينا وشمالا، حتى انتهى إلى مدينة الملوك، وهي طليطلة، فوجد فيها بيتا يقال له بيت الملوك، وجد فيه أربعة وعشرين تاجا، تاج كل ملك ولي الاندلس، كان كلما هلك ملك جعل تاجه في ذلك البيت، وكتب على التاج اسم صاحبه، وابن كم هو، ويوم مات، ويوم ولي، ووجد في ذلك البيت أيضا مائدة عليها اسم سليمان بن داود عليه السلام، ومائدة من جزع، فعمد موسى إلى التيجان والآنية والموائد، فقطع عليها الاغشية،


(1) يمكن أن تكون رسالة طارق إلى موسى فور لقائه مع لذريق. والارجح أنها كانت بعد معركته مع لذريق خاصة أن طارق قوبل بمقاومة عنيفة خلال تعقبه القوط إلى طليطلة وتدمير وأستجة. ثم تمادى طارق في افتتاح البلاد دون خطة ثابتة مرسومة مما أدى به إلى ابتعاده عن قواعده مما هدد المسلمين بكارثة لانه ترك في مؤخرته بلادا كثيرة لم يتم فتحها فكتب إلى موسى يعلمه بفتوحاته ويطلب منه يستمده. (أخبار مجموعة ص 15 - ماجد الدولة العربية 2 / 205) فكتب إليه موسى ألا يجاوز قرطبة حتى يقدم عليه (الحلة السيراء 2 / 334). (2) الغلول: هو ما احتجزه المحارب لنفسه من الغنيمة، دون وضعه في غنائم المحاربين. (3) كذا بالاصل خطأ: والصواب: الحبلي وهو عبد الله بن يزيد (نفح الطيب). (*)

[ 89 ]

وجعل عليها الامناء ليس منها شئ يدرى ما قيمته. فأما الذهب والفضة والمتاع، فلم يكن يحصيه أحد (1). اتهام الوليد موسى بالخلع قال: وذكروا أن الوليد بن عبد الملك بن مروان لما بلغه مسير موسى بن نصير إلى الاندلس ووصفت له، ظن أنه يريد أن يخلع، ويقيم فيها، ويمتنع بها، وقيل ذلك له، وأبطأت كتب موسى عليه، لاشتغاله بما هنالك من العدو، وتوطيئه لفتح البلاد. فأمر الوليد القاضي أن يدعو على موسى إذا قضى صلاته، وأن موسى لما دخل طليطلة، بعث علي بن رباح (2) بفتحها، وأوفد معه وفدا، فسار حتى قدم دمشق صلاة العصر، فدخل المسجد فألفى القاضي يدعو على موسى. فقال: أيها الناس، الله الله في موسى، والدعاء عليه، والله ما نزع يدا من طاعة، ولا فارق جماعة، وإنه لفي طاعة أمير المؤمنين، والذب عن حرمات المسلمين، والجهاد للمشركين، وإني لاحدثكم عهدا به، وما قدمت الآن إلا من عنده، وإن عندي خبره، وما أفاء الله على يده لامير المؤمنين، وما أمد به المسلمين، ما تقر به أعينكم، ويسر به خليفتكم (3). دخول وفد موسى على الوليد بن عبد الملك قال: وذكروا أن الوليد لما بلغه خبر هذا المتكلم الوافد من عند موسى، أرسل إليه، فأدخل عليه، ثم قال له: ما وراءك ؟ فقال: كل ما تحب يا أمير المؤمنين، تركت موسى بن نصير في الاندلس، وقد أظهره الله ونصره، وفتح على يديه ما لم يفتح على يد أحد، وقد أوفدني إلى أمير المؤمنين في نفر من وجوه من معه، بفتح من فتوحه، فدفع إليه الكتاب من عند موسى، فقرأه الوليد. فلما أتى على آخره خر ساجدا، فلما رفع رأسه أتاه فتح آخر، فخر أيضا


(1) انظر نفح الطيب 1 / 265 و 271 و 272 و 280 وابن الاثير 3 / 211 فتوح البلدان للبلاذري ص 232. تاريخ اليعقوبي 2 / 285. (2) علي بن رباح، بصري تابعي، يكنى أبا عبد الله، لخمي، ولد عام اليرموك سنة 15، كانت له مكانة عند عبد العزيز بن مروان (نفح الطيب 1 / 278). (3) وكان موسى بن نصير قد أرسل إلى الوليد بعد فتح الاندلس: " إنها ليست بالفتوح، ولكنه الحشر " وفي رواية: ولكنها الجنة (الحلة السيراء 2 / 334 وفيات الاعيان 5 / 329). (*)

[ 90 ]

ساجدا، ثم رفع رأسه، فأتاه آخر بفتح آخر، وخر ساجدا، حتى ظننت أنه لا يرفع رأسه (1). ذكر ما وجد موسى في البيت الذي وجد فيه المائدة مع صور العرب قال: وذكروا أن هرم بن عياض حدثهم عن رجل من أهل العلم، أنه كان مع موسى بالاندلس حين فتح البيت الذي كانت فيه المائدة، التي ذكروا أنها كانت لسليمان بن داود عليه السلام. فقال: كان بيتا عليه أربعة (2) وعشرون قفلا، كان كلما تولى ملك، جعل عليه قفلا اقتداء منه بفعل من كان قبله، حتى إذا كانت ولاية لذريق القرطبي، الذي افتتحت الاندلس على يديه وفي ملكه قال: والله لا أموت بغم هذا البيت، ولافتحنه حتى أعلم ما فيه، فاجتمعت إليه النصرانية والاساقفة والشمامسة، وكل منهم معظم له. فقالوا له: ما تريد بفتح هذا البيت ؟ فقال: والله لا أموت بغمه، ولاعلمن ما فيه. فقالوا: أصلحك الله، إنه لا خير في مخالفة السلف الصالح، وترك الاقتداء بالاولية، فاقتد بمن كان قبلك، وضع عليه قفلا كما صنع غيرك، ولا يحملك الحرص على ما لم يحملهم عليه، فإنهم أولى بالصواب منا ومنك، فأبى إلا فتحه. فقالوا له: انظر ما ظننت أن فيه من المال والجواهر، وما خطر على قلبك، فإنا ندفعه إليك، ولا تحدث علينا حدثا لم يحدثه فيه من كان قبلك من ملوكنا، فإنهم كانوا أهل معرفة وعلم. فأبى إلا فتحه، ففتحه، فوجد فيه تصاوير العرب، ووجد كتابا فيه: إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء الذين هيئاتهم هكذا، هذه البلاد فملكوها. فكان دخول المسلمين من العرب إليه في ذلك العام (3).


(1) ذكر ابن الاثير أن الوليد أرسل رسولا إلى موسى يأمره بالخروج من الاندلس والقفول إليه، فساءه ذلك ومطل الرسول... فقدم عليه رسول آخر للوليد يستحثه... 3 / 212 أخبار مجموعة ص 19 وفي الحلة السيراء 2 / 335 فلما قدم افريقيا كتب إليه الوليد بالخروج إليه. فالوليد وبعد أخبار الفتح الهائلة كان ينتظر موسى بفروغ صبر ليلطع منه شخصيا على نتائج عملية الغزو الناجحة، ولعله أرسل إليه الدراسة الخطوات اللاحقة بعد دراسة الظروف المستجدة. (2) في وفيات الاعيان: ستة. (وانظر نفح الطيب 1 / 247). (3) انظر ما ذكره المقري 1 / 247 وما بعدها وابن خلكان 5 / 327 من تفاصيل حول هذا الخبر. ومختصر كتاب البلدان لابن الفقيه ص 79 - 80. (*)

[ 91 ]

ذكر ما أفاء الله عليهم قال: وذكروا عن الليث عن سعد (1) أن موسى لما دخل الاندلس، ضربوا الاوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنائسها، فتلفت الاوتاد فلم تلج (2) فنظروا فإذا بصفائح الذهب والفضة خلف بلاط الرخام. قال: وذكروا أن رجلا كان مع موسى ببعض غزواته بالاندلس، وأنه رأى رجلين يحملان طنفسة منسوجة بالذهب والفضة والجوهر والياقوت، فلما أثقلتهما أنزلاها، ثم حملا عليها الفأس فقطعاها نصفين، فأخذا نصفا وتركا الآخر. قال: فقلد رأيت الناس يمرون يمينا وشمالا، ما يلتفتون إليها استغناء عنها بما هو أنفس منها وأرفع. قال: وأقبل رجل إلى موسى فقال: ابعث معي أدلكم على كنز، فبعث معه موسى رجالا. فقال الذي دلهم: انزعوا هاهنا، فنزعوا، فسال عليهم من الزبرجد والياقوت ما لم يروا مثله قط، فلما رأوه بهتوا وقالوا: لا يصدقنا موسى، أرسلوا إليه. فأرسلوا حتى جاء ونظر. قال: وكانت الطنفسة قد نظمت بقضبان الذهب والفضة المسلسلة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد. قال: وكان البربريان ربما وجداها فلا يستطيعان حملها حتى يأتيا بالفأس فيضربا وسطها، ويأخذا منها ما أمكنهما، اشتغالا بغير ذلك مما هو أنفس منه. قال الليث: وبلغني أن رجلا غل في غزوة عطاء بن نافع فحمل ما غل حتى جعله في مزفت (3) بين كتفيه وصدره، فحضره الموت، فجعل يصيح: المزفت المزفت. وحدثنا ابن أبي ليلى التجيبي، عن حميد، عن أبيه أنه قال: لقد كانت الدابة تطلع في بعض غزوات موسى، فينظر في حافرها فيوجد فيه مسامير الذهب والفضة. قال: وكتب موسى حين افتتح الاندلس إلى أمير المؤمنين: إنها ليست كالفتوح يا أمير المؤمنين، ولكنه الحشر (4). وأخبرني عن عبد الحميد بن


(1) انظر ابن عبد الحكم ص 281. (2) أي لم تدخل في الارض. (3) المزفت: حق أو نحوه، مغلف بالزفت ومنظره لا يوحي بأهميته، وقد حمله حتى لا ينظر إليه أحد. (4) في وفيات الاعيان: انها الجنة. (*)

[ 92 ]

حميد، عن أبيه أنه قال: قدمت الاندلس امرأه عطارة فخرجت بخمس مئة رأس، فأما الذهب والفضة والآنية والجوهر فذلك لا يحاط بعلمه. قال: وحدثني ياسين بن رجاء، أنه قدم عليه رجل من أهل المدينة شيخ، فجعل يحدثنا عن الاندلس، وعن دخول موسى إياها، فقلنا له: فكيف علمت هذا ؟ قال: إني والله من سبيه، ولاخبركم بعجيب، والله ما اشتراني الذي اشتراني إلا بقبضة من فلفل لمطبخ موسى بن نصير. فقلنا له: ما أقدمك ؟ فقال: أبي كان من وجوه الاندلس. فلما سمع بموسى بن نصير عمد إلى عين ما له من الذهب والفضة والجوهر، وغير ذلك، فدفنه في موضع قد عرفته، فتقدمت أنا للخروج إلى ذلك الموضع لا ستخراجه. قلنا له: وكم لك منذ فارقته ؟ قال: سبعون سنة. قلنا له أفنسيته ؟ قال: نعم، فلم ندر بعد ما فعل. غزوة موسى بن نصير البشكنس والافرنج قال: وذكروا أن موسى خرج من طليطلة بالجموع غازيا يفتح المدائن جميعا، حتى دانت له الاندلس، وجاءه وجوه جليقية، فطلبوا الصلح فصالحهم (1)، وغزا البشكنس فدخل في بلادهم حتى أتى قوما كالبهائم، ثم مال إلى أفرنجة، حتى انتهى إلى سرقسطة فافتتحها، وافتتح ما دونها من البلاد إلى الاندلس. قال: فأصاب فيها ما لا يدري ما هو، ثم سار حتى جاوزها بعشرين ليلة، وبين سرقسطة وقرطبة شهر أو أربعون يوما. قال: وذكروا أن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، قال: كنت ممن غزا مع


(1) افتتح موسى مدينة ابن السليم، ثم قرمونة، ثم اشبيلية، ثم ماردة، ثم لبلة وباجة ثم سرقسطة (ابن الاثير 3 / 211 - 212، نفح الطيب 2 / 156) ووصل مع طارق إلى أطراف بلاد الاندلس الشمالية وكانت حركتهما دون مقاومة تذكر لان لسقوط دولة القوط في الجنوب أثره البالغ في جعل مدن الشمال تسقط الواحدة تلو الاخرى. أما بالنسبة إلى جليقية فقد صالح أهلها، ولم يتوغل المسلمون بعد صلح أهلها في نواحيها الجبلية الصخرية - أقصى شمال الاندلس من جهة الغرب - حيث بقيت هذه المنطقة بيد القوط والهاربين من المدن الاخرى التي سقطت بيد المسلمين. وقد بقيت مدخرا للقومية الاسبانية فخرجت منها فيما بعد الحركة المعروفة بالانتقام من المسلمين، لتطرد المسلمين من الاندلس بعد بقائهم فيها حوالى ثمانية قرون (ابن عذاري 2 / 62 التاريخ السياسي للدولة العربية د. ماجد 2 / 207). (*)

[ 93 ]

موسى الاندلس حتى بلغنا سرقسطة، وكانت من أقصى ما بلغنا مع موسى إلا يسيرا من ورائها (1) فأتينا مدينة على بحر، ولها أربعة أبواب. قال: فبينما نحن محاصروها إذ أقبل عياش بن أخيل، صاحب شرطة موسى، فقال: أيها الامير، إنا قد فرقنا الجيش أرباعا على نواحي المدينة، وقد بقي الباب الاقصى، وعليه رتبة. قال له موسى بن نصير: دع ذلك الباب فإنا سننظر فيه. قال: ثم إن موسى التفت إلي فقال لي: كم معك من الزاد ؟ قلت: ما بقي معي غير تليس (2)، قال: فأنت لم يبق معك غير تليس، وأنت من أمراء الجيش، فكيف غيرك ! اللهم أخرجهم من ذلك الباب. قال المغيرة: فأصبحنا من تلك الليلة وقد خرجوا من ذلك الباب، فدخلها موسى منه، ووجه ابنه مروان في طلبهم فأدركهم، فأسرع القتل فيهم، وأصابوا مما كان معهم، ومما في المدينة شيئا عظيما. قال: وذكروا أن جعفر بن الاشتر، قال: كنت فيمن غزا الاندلس مع موسى، فحاصرنا حصنا من حصونها عظيما، بضعا وعشرين ليلة، ثم لم نقدر عليه. فلما طال ذلك عليه نادى فينا، أن أصبحوا على تعبئة، وظننا أنه قد بلغه مادة من العدو، وقد دنت منا، وأنه يريد التحول عنهم، فأصبحنا على تعبئة، فقام فحمد الله، ثم قال: أيها الناس، إني متقدم أمام الصفوف، فإذا رأيتموني قد كبرت وحملت، فكبروا واحملوا. فقال الناس: سبحان الله، أترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه، يأمرنا نحمل على الحجارة وما لا سبيل إليه ! قال: فتقدم بين يدي الصفوف حيث يراه الناس، ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والرغبة، فأطال ونحن ركوب منتظرون تكبيره، فاستعددنا، ثم إن موسى كبر، وكبر الناس، وحمل وحمل الناس، فانهدت ناحية الحصن التي تلينا، فدخل الناس منها، وما راعني إلا خيل المسلمين تمزع فيها، وفتحها الله علينا، فأصبنا من السبي والجواهر ما لا يحصى. قال: وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى، وكانت من أهل الصدق والصلاح، أن موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله، وكان تلقاءه حصن آخر. قالت: فأقام لنا محاصرا حينا، ومعه أهله وولده، وكان لا يغزو إلا بهم لما


(1) انظر الحاشية السابقة (2) التليس: بتشديد اللام، الكيس الكبير. (*)

[ 94 ]

يرجو في ذلك من الثواب. قالت: ثم إن أهل الحصن خرجوا إلى موسى فقاتلوه قتالا شديدا، ففتح الله عليه. قالت: فلما رأى ذلك أهل الحصن الآخر، نزلوا على حكمه، ففتحهما موسى في يوم واحد، فلما كان في اليوم الثاني، أتى حصنا ثالثا، فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا، حتى جال المسلمون جولة واحدة. قال: فأمر موسى بسرادقه فكشط (1) عن نسائه وبناته حتى برزن. قال: فلقد كسرت بين يديه من أغماد السيوف ما لا يحصى، وحمي المسلمون، واحتدم القتال، ثم إن الله فتح عليه ونصره، وجعل العاقبة له. وقال عبد الرحمن بن سلام: كنت فيمن غزا مع موسى في غزواته كلها. فلم ترد له راية قط، ولا هزم له جمع قط، حتى مات. وقال ابن صخر: لما قدم موسى الاندلس قال أسقف من أساقفتها: إنا لنجدك في كتب الحدثان، عن دانيال. بصفتك صيادا تصيد بشبكتين، رجل لك في البر، ورجل في البحر، تضرب بهما هاهنا وهاهنا فتصيد. قال: فسر بذلك موسى وأعجبه. وقال عبد الحميد بن حميد، عن أبيه: إن موسى لما وغل وجاوز سرقسطة، اشتد ذلك على الناس وقالوا: أين تذهب بنا ؟ حسبنا ما في أيدينا، وكان موسى قال حين دخل أفريقية، وذكر عقبة بن نافع: لقد كان غرر بنفسه حين وغل في بلاد العدو، والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه، أما كان معه رجل رشيد ؟ فسمعه حبيش الشيباني (2) قال: فلما بلغ موسى ذلك المبلغ، قام حبيش فأخذ بعنانه. ثم قال أيها الامير ! إني سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول: لقد غرر بنفسه وبمن معه، أما كان معه رجل رشيد ؟ وأنا رشيدك اليوم، أين تذهب ؟ تريد أن تخرج من الدنيا، أو تلتمس أكثر وأعظم مما آتاك الله عزوجل، وأعرض مما فتح الله عليك، ودوخ لك، إني سمعت من الناس ما لم تسمع، وقد ملاوا أيديهم، وأحبوا الدعة. قال:، فضحك موسى ثم قال: أرشدك الله، وكثر في المسلمين مثلك. ثم انصرف قافلا إلى الاندلس فقال موسى يومئذ: أما


(1) السرادق: القباء. وكشط: أزاح. (2) كذا بالاصل، ولعله حنش الصنعاني من صنعاء الشام، أحد التابعين الاجلاء، وكان مع موسى بن نصير في غزوته للاندلس (نفح الطيب 1 / 278). (*)

[ 95 ]

والله لو انقادوا إلي لقدتهم إلى رومية، ثم يفتحها الله على يدي إن شاء الله. خروج موسى بن نصير من الاندلس قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم، وكان مع موسى بن نصير بالاندلس قال: أقام موسى بقية سنته تلك، وأشهرا من سنة أربع وتسعين، ثم خرج (1) وافدا إلى الوليد بن عبد الملك، وكان ما أقام بها موسى عشرين شهرا، واستخلف عبد العزيز بن موسى، فجاز موسى البحر على الاندلس، فغزا بالناس حتى بلغوا أربونة، ومعه أبناء الملوك من الافرنج، وبالتيجان والمائدة والانية والذهب والفضة، والوصفاء والوصائف، وما لا يحصى من الجواهر والطرائف، وخرج معه بوجوه الناس. قال: وذكروا عن صفة المائدة عن عبد الحميد أنه قال: كانت مائدة خوان، ليست لها أرجل، قاعدتها منها، وكانت من ذهب وفضة خليطين، فهي تتلون صفرة وبياضا، مطوقة بثلاثة أطواق، طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، وطوق من زمرد، قال: قلت: فما عظمها ؟ قال: كنا بموضع والناس معسكرون، إذ فلت بغل لرجل من موالي موسى يقال له صالح أبو ريشة، على رمكة (2)، فكردها في العسكر، فقام الناس إليه بأعمدة الاخبية، وجال في العسكر جولة، فتطلع موسى قال: ما هذا ؟ وتطلع الحواري فإذا هو بالبغل يكرد الرمكة، وقد أدلى (3)، فغار موسى وقال: احملوا عليه المائدة، فلم يبلغ بها إلا منقلة (4) حتى تفتخت قوائمه لكثرة ثقلها على هذا البغل القوي. قدوم موسى أفريقية قال: وذكروا أن يزيد بن مسلم مولى موسى، أخبرهم أنه لما جاز موسى الحصن أمرهم بصناعة العجل، فعملت له ثلاثون ومئة عجلة (5)، ثم حمل عليها


(1) في البيان المغرب 1 / 43: سنة 95. وفي نفح الطيب 1 / 277 ركب موسى البحر إلى المشرق بذي حجة سنة 95 وطارق معه. وفي رواية أخرى ص 271 قفل عن الاندلس سنة 94 فأتى أفريقيا، وسار عنها إلى الشام سنة 95. (2) الرمكة: الفرس أو البغلة تتخذ للنسل وكرد: طارد، يعني أنه جرى وراءها يريد أن يقع عليها. (3) أي انتشر ذكره وتدلى. (4) أي انتقل بها خطوة. تفتخت قوائمه: أي استرخت أعصابه وهانت وضعفت. (5) في البيان المغرب 1 / 43 مائة عجلة وأربع عشرة عجلة. (*)

[ 96 ]

الذهب والفضة والجواهر، وأصناف الوشي الاندلسي، حتى أتى أفريقية. فلما قدمها بقي بها سنة أربع وتسعين (1)، ثم قفل، واستخلف ابنه عبد الله على أفريقية وطنجة (2) والسوس، وخرج معه ولده مروان بن موسى، و عبد الاعلى بن موسى وعبد الملك بن موسى، وخرج معه مئة رجل من أشراف الناس، من قريش والانصار وسائر العرب ومواليها، منهم عياض بن عقبة، و عبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والمغيرة بن أبي بردة، وزرعة بن أبي مدرك، وسليمان بن نجدة ووجوه من وجوه الناس وأخرج معه من وجوه البربر مئة رجل فيهم بنو كسيلة، وبنو قصدر (3)، وبنو ملوك البربر، وملك السوس مزدانة ملك قلعة أرساف وملك ميورقه، وخرج بعشرين ملكا من ملوك جزائر الروم (4)، وخرج معه مئة من ملوك الاندلس، ومن الافرنجيين، ومن القرطبيين، وغيرهم، وخرج معه أيضا بأصناف ما في كل بلد من بزها ودوابها ورقيقها وطرائفها وما لا يحصى، فأقبل يجر الدنيا وراءه جرا لم يسمع بمثله، ولا بمثل ما قدم به. قدوم موسى إلى مصر قال: وذكروا أن يزيد بن سعيد بن مسلم أخبرهم قال: لما أتى موسى مصر، وانتهى ذلك إلى الوليد بن عبد الملك، كتب إلى قرة بن شريك، أن أدفع إلى موسى من بيت مال مصر ما أراد، فأقبل موسى حتى إذا كان في بعض الطريق، لقيه خبر موت قرة بن شريك (5)، ثم قدم مصر سنة خمس وتسعين، فدخل المسجد فصلى عند باب الصوال، وكان قرة قد استخلف ابن رفاعة (6) على الجند حتى توفي، فلما سمع بموسى خرج مبادرا حتى لحقه حين استوى على دابته فلقيه فسلم عليه، فقال له موسى: من أنت يابن أخي ؟ فانتسب له. فقال: مرحبا وأهلا، فسار معه حتى نزل منية عمرو بن مروان، فعسكر بها موسى،


(1) انظر الحاشية رقم 1 ص 95. (2) على طنجة وسبتة ولى ابنه عبد الملك (البيان المغرب - ابن الاثير) ولم يخرج معه إلى الشام. (3) في البيان المغرب: بنو يسور. (4) في البيان المغرب: وعشرون ملكا من ملوك المدائن التي افتتحها بأفريقيا. (5) توفي قرة بن شريك لست بقين من شهر ربيع الاول سنة 96 (ولاة مصر: ص 86). (6) هو عبد الملك بن رفاعة بن خالد الفهمي. (*)

[ 97 ]

فكلمه حينئذ رفاعة في المال الذي كان استخرجه من سفيان بن مالك الفهري، وذلك بعد مهلك سفيان. فقال: هو لك. قال: فأمر بدفع عشرة آلاف دينار إلى ولد سفيان بن مالك. قال: فأقام موسى ثلاثة أيام، تأتيه أهل مصر في كل يوم، فلم يبق شريف إلا وقد أوصل إليه موسى صلة ومعروفا كثيرا، وأهدى لولد عبد العزيز بن مروان فأكثر لهم، وجاءهم بنفسه فسلم عليهم، ثم سار متوجها حتى أتى فلسطين، فتلقاه آل روح بن زنباع، فنزل بهم، فبلغني أنهم نحروا له خمسين جزورا، وأقام عندهم يومين، وخلف بعض أهله وصغار ولده عندهم، وأجاز آل مروان وآل روح بن زنباع بجوائز من الوصائف، وغير ذلك من الطرف. قدوم موسى على الوليد رحمهما الله تعالى قال: وذكروا أن محمد بن سليمان وغيره من مشايخ أهل مصر، أخبروهم أن موسى لما قدم على الوليد، وكان قدومه عليه وهو في آخر شكايته التي توفي فيها (1)، وقد كان سليمان بن عبد الملك بعث إلى موسى من لقيه في الطريق قبل قدومه على الوليد، يأمره بالتثبط في مسيره، وألا يعجل، فإن الوليد بآخر رمقه (2). فلما أتى موسى بالكتاب من سليمان وقرأه، قال: خنت والله وغدرت وما وفيت، والله لا تربصت، ولا تأخرت، ولا تعجلت، ولكني أسير بمسيري، فإن واقيته حيا لم أتخلف عنه، وإن عجلت منيته فأمره إلى الله. فرجع الرسول إلى سليمان فأعلمه فآلى سليمان لئن ظفر بموسى ليصلبنه، أو ليأتين على نفسه. قال: فلما قدم موسى على الوليد وكان الوليد لما بلغه قدوم موسى واقترابه منه، وجه إليه كتابا يأمره بالعجلة في مسيره، خوفا أن تعجل به منيته قبل قدوم موسى عليه، وأنه أراد أن يراه وأن يحرم سليمان ما جاء به من الجواهر والطرائف التي لا قيمة لها، فلم يكن لموسى شئ يثبطه حين أتاه كتاب الوليد، فأقبل حتى دخل عليه (3)، وقدم تلك الطرائف من الدر والياقوت والزبرجد، والوصفاء والوصائف


(1) وكان الوليد يكتب إليه يستحثه ويستعجله (الحلة السيراء 2 / 334) قال ابن الاثير 3 / 212 فورد الشام وقد مات الوليد. وقيل إنه قدم الشام وهو حي. (انظر فتوح البلدان ص 232 نفح الطيب 1 / 280). (2) الحلة السيراء 2 / 334 ابن عذاري 1 / 45. (3) وصل إلى دمشق قبل موت الوليد بثلاثة (البيان المغرب 1 / 45). (*)

[ 98 ]

والوشي، ومائدة سليمان بن داود عليه السلام، ومائدة ثانية من جزع ملون والتيجان. قال: فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت، وعمد إلى أفخر ما فيها، والتيجان والجزع، فجعله في بيت الله الحرام، وفرق غير ذلك، ولم يلبث الوليد أن مات رحمه الله. خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه، بعث إلى موسى، فأتي به، فعنفه بلسانه، وكان فيما قال له يومئذ: أعلي اجترأت، وأمري خالفت، والله لاقللن عددك، ولافرقن جمعك، ولابددن مالك، ولاضعن منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور، وتخدعه من آل أبي سفيان، وآل مروان، فقال له موسى: والله يا أمير المؤمنين ما تعتل علي بذنب، سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك، وحافظت على من ولي النعمة عندي فيه، فأما ما ذكر أمير المؤمنين: من أنه يقل عددي، ويفرق جمعي ويبدد مالي، ويخفض حالي، فذلك بيد الله، وإلى الله، وهو الذي يتولى النعمة على الاحسان إلي، وبه أستعين، ويعيذ الله عز وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجري على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه، ولم يبلغه ذنب اجترمته. فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه. قال: وكانت بموسى نسمة (1)، فلما أصابه حر الشمس، وأتعبه الوقوف، هاجت عليه. قال: وجعلت قرب العرق تنصب منه، فما زال كذلك حتى سقط، وعمر بن عبد العزيز حاضر، إلى أن نظر سليمان إلى موسى، وقد وقع مغشيا عليه، قال عمر بن عبد العزيز: ما مر بي يوم كان أعظم عندي، ولا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم، لما رأيت من الشيخ موسى، وما كان عليه من بعد أثره في سبيل الله، وما فتح الله على يديه وهذا يفعل به. قال: فالتفت إلي سليمان فقال: يا أبا حفص، ما أظن إلا أني قد خرجت من يميني. قال عمر: فاغتنمت ذلك من فقلت يا أمير المؤمنين شيخ كبير بادن (2)، وبه نسمة قد أهلكته، وقد أتت على ما فيه من السلامة لك من يمينك، وهو موسى البعيد الاثر في سبيل الله، العظيم الغناء


(1) نسمة: الربو، وهو انتصاب النفس، من أمراض الصدر. (2) البادن: الضخم الجسم، السمين. (*)

[ 99 ]

عن المسلمين قال عمر: والذي منعني من الكلام فيه ما كنت أعلم من يمينه وحقده عليه (1)، فخشيت إن ابتدأته أن يلح عليه، وهو لحوح. قال: فلما قال لي ما قال آخرا، حمدت الله على ذلك، وعلمت أن الله قد أحسن إليه، وأن سليمان قد ندم فيه. فقال سليمان: من يضمه ؟ فقال يريد بن المهلب: أنا أمضه يا أمير المؤمنين. قال: وكانت الحال بين يزيد وموسى لطيفة خاصة. قال سليمان: فضمه إليك يا يزيد، ولا تضيق عليه. قال: فانصرف به يزيد، وقد قدم إليه دابة ابنه مخلد، فركبها موسى، فأقام أياما. قال: ثم إنه تقارب ما بين موسى وسليمان في الصلح، حتى افتدى منه موسى بثلاثة آلاف ألف دينار. عدة موالي موسى بن نصير قال: وذكروا عن بعض البصريين، أن رجلا منهم أخبرهم أن يزيد قال لموسى ذات ليلة وقد سهر سهرا طويلا: يا أبا عبد الرحمن، كم تعد مواليك وأهل بيتك ؟ فقال: كثير. قال: يكونون ألفا ؟ قال له موسى: نعم وألفا وألفا حتى ينقطع النفس، لقد خلفت من الموالي ما أظن أن أحدا لا يخلف مثلهم. قال له يزيد (2): إنك لعلى مثل ما وصفت، وتعطي بيدك ؟ ألا أقمت بدار عزك، وموضع سلطانك، وبعثت بما قدمت به، فإن أعطيت الرضا أعطيت الطاعة، وإلا كنت على التخيير من أمرك ؟ فقال موسى: والله لو أردت ذلك ما تناولوا (3) طرفا من أطرافي إلي أن تقوم الساعة، ولكن آثرت حق الله، ولم أر الخروج من الطاعة والجماعة. قال: ثم خرج يزيد من عنده، فنظر إليه موسى، قال لمن عنده: والله إن في رأس أبي خالد لنفرة وليأتين عليها. ذكر ما رآه موسى بالمغرب من العجائب قال: وذكروا عن محمد بن سليمان، عن مشايخ أهل مصر، قال: لما بعث موسى رحمه الله بالخمس الذي أفاء الله عليه، وكان مئة ألف رأس، فنزلوا الاسكندرية، ونزل بعضهم كنيسة فيها، فسميت كنيسة الرقيق إلى اليوم، نزلوا


(1) كان سليمان قد حلف أنه أن ظفر به ليصلبنه. (2) في البيان المغرب 1 / 46: فلم ألقيت بنفسك إلى التهلكة. (3) في البيان المغرب: ما نالوا. (*)

[ 100 ]

موضعا بالفسطاط فتسوقوا فيه، فسمي سوق البربر إلى اليوم، قال محمد بن سليمان، ومحمد بن عبد الملك: إن موسى اتخذ لنفسه دارا وسكنا حتى كان من أمر سليمان ما قد ذكر، وهو الذي أخرجه وأهله من المغرب. قال: وحدثنا بعض أهل أفريقية أن موسى ركب يوما حتى خرج من القيروان، فوقف قريبا من أفريقية على رأس أميال، فأخذ بيده ترابا فشمه من ثم، ثم أمر بحفر بئر وابتنى دارا ومنية (1) واتخذ فيها خيلا فسميت بئر منية الخيل، فليس يعلم بالمغرب بئر أعذب منها. وحدثنا الكرير أبو بكر عبد الوهاب بن عبد الغفار شيخ من مشايخ تونس قال: إن موسى انتهى إلى صنم يشير بأصبعه إلى خلفه ثم تقدم إلى صنم أمام الصنم الاول، فإذا هو يشير بأصبعه إلى السماء، ثم تقدم فإذا بصنم على نهر ماء جار، يشير بأصبعه تحت قدميه، فلما انتهى موسى إلى الصنم الثالث. قال موسى: احفروا، فإذا بمحدث (2) مختوم الرأس، قد أخرج، فأمر به موسى فكسر، فخرجت ريح شديدة، فقال موسى للجيش: أتدرون ما هذا ؟ قالوا: لا والله أيها الامير ما ندري، قال: ذلك شيطان من الشياطين التي سجنها نبي الله سليمان بن داود. قال: وحدثنا بعض مشايخ أهل المغرب أن موسى أرسل ناسا في مراكب فأمرهم أن يسيروا حتى ينتهوا إلى صنم يشير بأصبعه أمامه في جزيرة في البحر، ثم يسيروا حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة يشير بأصبعه أمامه ثم يسير الليالي والايام ويجد في السير حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة في البحر، فيها أناس لا يعرف كلامهم. قال: فإذا بلغتم ذلك، فارجعوا، وذلك في أقصى المغرب ليس وراءه أحد من الناس إلا البحر المحيط، وهو أقصى المغرب في البر والبحر. قال: وحدثنا بعض المشايخ من أهل المغرب أن موسى بلغ نهرا من اقصى المغرب، فإذا عليه في الشق الايمن أصنام ذكور، وفي الايسر أصنام إناث، وأن موسى لما انتهى إلى ذلك الموضع خاف الناس فيه، فلما رأى ذلك


(1) المنية: الضاحية أو القرية الصغيرة. (2) محدث: شئ كالابريق قد أغلقت فوهته وختمت. (*)

[ 101 ]

منهم رجع بالناس، ثم مضى في وجهه ذلك حتى انتهى إلى أرض تميد بأهلها، ففزع الناس وخافوا فرجع بهم. قالوا: وحدثنا عبد الله بن قيس، قال: بلغني أن موسى لما جاوز الاندلس أتى موضعا، فإذا فيه قباب من نحاس، فأمر بقبة منها فكسرت، فخرج منها شيطان نفخ ومضى، فعرف موسى أنه شيطان من الشياطين التي سجنها سليمان بن داود، فأمر موسى بالقباب فتركت على حالها، وسار بالناس قدما. قال: وحدثنا عمارة بن راشد، قال: بلغنا أن موسى كان يسير في بعض غزواته وهو بأقصى المغرب، إذ غشى الناس ظلمة شديدة، فعجب الناس منها وخافوا، وسار بهم موسى في ذلك، إذ هجم على مدينة عليها حصن من نحاس، فلما أتاها أقام عليها، وطاف بها، فلم يقدر على دخولها، فأمر بنبل ورماح، وندب الناس فجعل يقول: من يصعد هذه، وله خمس مئة دينار ؟ فصعد رجل، فلما استوى على سورها تردى فيها، ثم ندب الناس موسى ثانية، وقال: من يصعد وله ألف دينار ؟ فصعد آخر، ففعل به مثل ذلك، ثم ندب الناس ثالثة: قال: من يصعد وله ألف وخمس مئة دينار، فصعد رجل ثالث، فأصابه ما أصاب صاحبيه، فكلم الناس موسى فقالوا: هذا أمر عظيم، أصيب إخواننا، وغررت بهم حتى هلكوا. فقال لهم: على رسلكم يأتيكم الامر على ما تحبون إن شاء الله، ثم أمر موسى بالمنجنيق، فوضعت على حصن المدينة، ثم أمر أن يرمى الحصن، فلما علم من في الحصن ما عمل موسى، ضجوا وصاحوا، وقالوا: يا أيها الملك، لسنا بغيتك، ولا نحن ممن تريد، نحن قوم من الجن، فانصرف عنا، فقال لهم موسى: أين أصحابي، وما فعلوا ؟ قالوا: هم عندنا على حالهم. فقال: أخرجوهم إلينا. قالوا: نعم. فأخرج الثلاثة النفر، فسألهم موسى عن أمرهم وما صنع بهم. فقالوا: ما درينا ما كنا فيه، وما أصابتنا شوكة حتى أخرجنا إليك. فقال موسى: الحمد لله كثيرا، ثم تقدم بالناس سائرا يفتح كل ما مر به. ثم نرجع إلى حديث سليمان بن عبد الملك.

[ 102 ]

تولية سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة وما أشار به موسى عليه قال: وذكروا أن سعيد بن عبد الله أخبرهم، قال: إن سليمان بن عبد الملك بعث أخاه مسلمة إلى أرض الروم (1)، ووجه معه خمس مئة وثلاثين ألف رجل، وخمس مئة رجل ممن قد ضمه الديوان واكتتب في العطاء وتقلب في الارزاق، ثم دعا سليمان بموسى، بعد أن رضي عنه على يد عمر بن عبد العزيز فقال سليمان له: أشر علي يا موسى: فلم تزل مبارك الغزوة في سبيل الله، بعيد الاثر، طويل الجهاد. فقال له موسى: أرى يا أمير المؤمنين أن توجهه بمن معه، فلا يمر بحصن إلا صير عليه عشرة آلاف رجل حتى يفرق نصف جيشه، ثم يمضي بالباقي من جيشه، حتى يأتي القسطنطينية، فإنه يظفر بما يريد يا أمير المؤمنين. قال: فدعا سلميان مسلمة فأمره بذلك من مشورة موسى وأوعز إليه. فلما علم مسلمة بالمشورة فكأنه كره ذلك، وكان في مسلمة بعض الا باية، ثم رجع إلى قول موسى فيما صنع بأرض الروم، حين ظفر ببطريق ليس فوقه إلا ملك الروم (2): فقال البطريق لمسلمة: آمني على نفسي وأهلي ومالي وولدي، وأنا آتيك بالملك، فأمنه، ومضى البطريق إلى الملك الاعظم، فأعلمه بما فعل مسلمة، وما ظفر به منه، ومن حصون الروم، فلما رأى ذلك ملك الروم، أعظم ذلك وسقط في يديه. فقال البطريق له عند ذلك: ما لي عليك إن صرفت مسلمة عنك وجميع من معه ؟ فقال الملك: أجعل تاجي على رأسك، وأقعدك مكاني. فقال البطريق: أنا أكفيك ذلك. فرجع البطريق إلى مسلمة، فقال: أخرني ثلاثا حتى آتيك بالملك، فبعث البطريق إلى جميع الحصون، فأمرهم بالتقلع إلى الجبال، وحمل ما قدروا عليه من الطعام، وأمر بإحراق الزرع، وغير ذلك مما يؤكل وينتفع به، مما كان خلفه مسلمة وجنده (3)، وما بين المسلمين وملك


(1) الخبر في الطبري 6 / 530 - 531 وابن الاثير 3 / 244 - 245 باختلاف (2) هو إليون صاحب أرمينيا. قال المؤرخ الارمني دينيس: هو إليون المرعشي حاكم عمورية، ويبدو أنه من أصل سوري من عناصر الجراجمة الساكنة على حدود الشام. جاء إلى سليمان يطلب مساعدته للوصول إلى عرش الروم على أن يحكم باسمه - وكان ملك الروم قد مات. يقول دينيس: إن قصده في الحقيقة كان خداع العرب وإيقاف سفك دماء بني وطنه، وهذا بالفعل ما وقع منه. (3) في ابن الاثير: أتى اليون مسلمة فقال له: إن الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال، وإنك = (*)

[ 103 ]

الروم، فلما فعلوا ما أمروا به، وعلم البطريق أنه أحكم أمره، بعث إلى مسلمة فقال له: لو كنت امرأة لفعلت بك كما يفعل الرجل بامرأته. قال: فتغيظ مسلمة وآلى ألا يبرح حتى يظفر بملك الروم (1) و (2). سؤال سليمان موسى عن المغرب قال: وذكروا أن محمد بن سليمان، أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك قال لموسى: من خلفت على الاندلس ؟ قال له: عبد العزيز بن موسى. قال: ومن خلفت على أفريقية وطنجة والسوس ؟ (6) قال: عبد الله ابني. فقال له سليمان: لقد أنجبت يا موسى، فقال موسى: ومن أنجب مني يا أمير المؤمنين، إن ابني مروان أتى بملك الاندلس، وابني عبد الله أتى بملك ميورقة وصقلية وسردانية، وإن ابني مروان أتى بملك السوس الاقصى فهم متفرقون في الامصار، وغيرهم


= تطاولهم ما دام الطعام عندك، فلو أحرقته أعطوا الطاعة بأيديهم، فأمر به فأحرق (وكان أمثال الجبال لان مسلمة كان قد أمر أن يذخره، وأمر المسلمين بالاغارة على أراضي الروم وأن يزرعوا ويتركوا ما جاؤوا به) فقوي الروم. (1) كان سليمان مقيما بدابق، وتولى الشتاء فلم يقدر ان يمدهم حتى مات، ولقي الجند ما لم يلقه جيش آخر حتى أنهم أكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق وكل شئ غير التراب (ابن الاثير)، قال ابن كثير في البداية 9 / 174 فكروا راجعين إلى الشام (بعد تولية عمر بن عبد العزيز) وقد جهدوا جهدا شديدا لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى بالقسطنطينية مسجدا شديد البناء محكما رحب الفناء شاهقا في السماء (وانظر الخبر في فتوح ابن الاعثم 7 / 298). (2) يرى الدكتور العريني في كتابه الدولة البيزنطية ص 188 وهو يبحث في اضطرار المسلمين إلى رفع الحصار عن القسطنطينية أن أسباب ذلك تعود إلى: - ظهور مواهب ليو الحربية فيما قام به من الدفاع عن المدينة إذ أغلق مدخل البوسفور بسلسلة ضخمة من الحديد. شحن أسوار العاصمة بالعساكر الذين بذلوا كل الجهود لمنع المسلمين من اقتحام الاسوار. - طيلة الحصار، وبرد الشتاء وقسوته ما عانى منه المسلمون كثيرا. - هجوم البلغار على المسلمين. - ما سببته النيران الاغريقية بالاسطول الاسلامي. - تواطؤ البحارة المسيحيين في الاسطول الاسلامي مع البيزنطيين. - نفاذ الاقوات وطول أمد الحصار. - طول خط الامدادات. - تدابير ليو الحربية والبحرية. (3) مر أنه ولى طنجة وسبتة ابنه عبد الملك، وعبد الله على أفريقيا. (*)

[ 104 ]

يغيرون فيأتون من السبي بما لا يحصى، فمن أنجب مني يا أمير المؤمنين ؟ قال: فغضب سلميان، فقال: ولا أمير المؤمنين ليس بأنجب منك ؟ فقال موسى: شأن أمير المؤمنين شأن ليس فوقه شأن، وكل شأن وإن عظم دونه، لانه به ومنه، وعلى يديه وأمره. قالوا: وحدثنا عبد الله بن شريح، قال: بلغني أن موسى لما نزل الحيرة عند قدومه من المغرب أتاه رجل من بني أمية، فقال له: يا موسى، أنت ملك المغرب، وأعلم الناس تخرج إلى الوليد، وتعلم من سليمان ؟ فقال له موسى: يا بن أخي، حسبك من قريش، ثم من بني أمية ما تعلم، ألا ترى يا بن أخي أن الصبي يأخذ العظم فيعقفه (1) بحبل،، ثم ينصبه ويهيئ طريقا، ويضع فيه حبة بر أو ذرة، فينصب للهدهد العالم بما تحت الارض، فيستنفر (2) ثم تدفعه المقادير إلى الوقوع فيه، فاحذر يا بن أخي أن تراك الشام أو تراها. فخرج موسى إلى الوليد بدمشق، فمات الوليد، واستخلف سليمان أخاه، فلقي منه موسى ما ذكرنا، وخرج القرشي إلى الشام، فضربت عنقه. ذكر قدوم موسى على الوليد قال: وذكروا أن موسى لما قدم على الوليد، وذلك يوم الجمعة، في حين جلوس الوليد بن عبد الملك على المنبر، وكان موسى قال لبعض من وفد معه، بأن يلبس كل رجل من الاسرى تاجا، وثياب ملك ذلك التاج، ثم يدخلوا معه، المسجد. قال: فألبس ثلاثين رجلا ثلاثين تاجا وهيأهم هيئة الملوك، وأمر بأبناء ملوك البربر فهيئوا وأمر بأبناء ملوك الجزائر والروم فهيئوا كذلك، ولبسوا التيجان، وأمر بأبناء ملوك الاشبان (3)، فهيئوا بمثل ذلك وأمر بالاموال والجوهر واللؤلؤ والياقوت والزبرجد والجزع والوطاء والكساء المنسوج بالذهب والفضة، المحرش (4) باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، فوقف الجميع بباب الوليد، وأبناء ملوك أفرنجة وأقبل موسى بالذين ألبسهم التيجان، حتى دخل مسجد دمشق، والوليد


(1) يعقفه: يثنيه ويلويه. (2) يعني يحذر منه فيهرب. (3) في البداية والنهاية 9 / 196 الاسبان. (4) المحرش باللؤلؤ: أي وضع اللؤلؤ على الكساء بشكل بارز. (*)

[ 105 ]

على المنبر، يحمد الله وهو موهون، قد أثرت فيه العلة، وأنهكه المرض وإنما كان متحملا لاجل قدوم موسى ومن معه. فلما رآهم بهت إليهم، وقال الناس: موسى ؟ موسى، ثم أقبل حتى سلم على الوليد، ووقف الثلاثون بالتيجان، عن يمين المنبر وشماله ثم إن الوليد أخذ في حمد الله تعالى والثناء عليه، والشكر لما أيده الله ونصره (1)، فتكلم بكلام لم يسمع بمثله، وأطال حتى فات وقت الجمعة، ثم صلى بالناس فلما فرغ جلس، ثم دعا بموسى، فصب عليه الوليد الخلع ثلاث مرات، وأجازه بخمسين ألف دينار، وفرض لولده جميعا في الشرف، وفرض لخمس مئة من مواليه، ثم أدخل عليه موسى ملوك البربر، وملوك الروم، وملوك الاشبان، وملوك أفرنجة، ثم أدخل عليه رؤس أهل البلاد ممن كان معه من قريش والعرب، فأحسن جوائزهم، وفرض لهم في الشرف، ثم أقام موسى عند الوليد أربعين يوما (2)، ثم إن الوليد هلك. ذكر اختلاف الناقلين في صنع سليمان بموسى قالوا: لما استخلف سليمان بعد أخيه الوليد، فكان أحنق الناس على الحجاج (3) وموسى بن نصير، وكان يحلف لئن ظفر بهما ليصلبنهما، وكان حنقه عليهما لامر يطول ذكره. قال: فأرسل سليمان إلى عمر بن عبد العزيز فأتاه، فقال: إني صالب غدا موسى بن نصير، فبعث عمر إلى موسى فأتاه. فقال له: يا بن نصير، إني أحبك لاربع. الواحدة: بعد أثرك في سبيل الله، وجهادك لعدو الله. والثانية: حبك لآل محمد صلى الله عليه وسلم. والثالثة: حبك عياض بن عقبة لما تعلم من حسن رأيي فيه، وكان عياض من عباد الله الصالحين، والرابعة: أن لابي عندك يدا وصنيعة، وأنا أحب أن تتم يده وصنيعته


(1) زيد في البداية والنهاية: ووسع ملكه. (2) مر قريبا أن موسى بن نصير قدم على الوليد قبل موته بثلاثة أيام. (3) يعود حنق سليمان بن عبد الملك على الحجاج إلى: - أن الحجاج كان قد أجاب الوليد عندما أراد أن يخلع أخاه سليمان ويبايع لولده عبد العزيز - كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كتبا فلا ينظر له فيها فكتب إليه سليمان كتابا يتهدده فيه، ورد عليه الحجاج بكتاب سخر فيه منه ومما جاء فيه: إنك لصبي حديث السن، تعذر بقلة عقلك وحداثة سنك.. (نص كتاب سليمان وجواب الحجاج عليه في العقد الفريد 5 / 41 / 42). وقد مات الحجاج سنة 95 في حياة الوليد وقبل أن يلي سليمان الخلافة. (*)

[ 106 ]

حيث كانت، وقد سمعت أمير المؤمين يذكر أنه صالبك غدا، فأحدث عهدك (1)، وانظر فيما أنت فيه ناظر من أمرك. فقال له موسى: قد فعلت، وأسندت ذلك إليك. فقال له عمر: لو قبلت ذلك من أحد قبلت منك، ولكن أسند إلى من أحببت. فانصرف، فلما أصبح اغتسل وتحنط وراح، ولم يشك في الصلب. فلما انتصف النهار، واشتد الحر، وذلك في حمارة الصيف، دعا سليمان موسى، فأدخل عليه متعبا، وكان بادنا جسيما، به نسمة لا تزال تعرض له. فلما وقف بين يديه، شتمه وخوفه وتوعده، فقال له موسى: أما والله يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي، ولا قدر جزائي، إني لبعيد الاثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين، مع قدمه (2) آبائي مع آبائك، ونصيحتي لهم. قال: فيقول له سليمان: كذبت، قتلني الله إن لم أقتلك. فلما أكثر على موسى قال له: أما والله لمن في بطن الارض أحب إلي ممن على ظهرها. فقال سليمان: ومن أولئك واستطير. فقال له موسى: مروان، وعبد الملك والوليد أخوك، وعبد العزيز عمك. قال: فكاد سليمان ينكسر. ثم يقول: قتلني الله إن لم أقتلك. فيقول له موسى: ما أنت بفاعل يا أمير المؤمنين ؟ فيقول: ولم ؟ لا أم لك. فيقول له موسى: إني لارجو ألا يكرم موسى بهوان أمير المؤمنين وموسى حينئذ قائم في الشمس، قد ارتفع نفسه (3)، وعظم بهره (4)، ثم التفت سليمان إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: ما أرى يميني إلا قد برئت يا عمر. قال عمر: فاغتنمتها منه، ولم أبال أن يحنث بإحياء رجل من المسلمين. فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، امرؤ كبرت سنه، وكثر لحمه، وبه نسمة وبهر وسقم. فما أراه إلا ميتا. قال: ثم التفت سليمان إلى جلسائه فقال: من يأخذ هذا الشيخ، فيستخرج منه هذه الاموال ؟ فقال


(1) أي اكتب وصيتك. (2) يشير إلى خدمات أبيه نصير، فكان على حرس معاوية. أما موسى الذي ولد سنة 19 ه‍، فقد ولي غزو البحر لمعاوية، وغزا قبرص وبنى هناك حصونا كالماغوصة وحصن بانس، وكان نائب معاوية عليها بعد ذلك، وشهد مرج راهط مع الضحاك ثم التجأ إلى عبد العزيز بن مروان، ولما عين بشر بن مروان على العراق جعله عبد الملك وزيرا لبشر (ولي خراج العراق) وقيل إن بشر قلده أموره. (البداية والنهاية 9 / 194 والنجوم الزاهرة 2 / 235 وفيات الاعيان 5 / 318). (3) يشير إلى نوبة ربو أصابته، وكان مصابا بانقصاب النفس. (4) عظم بهره: انقطع نفسه من الاعياء والتعب، ومرضى الربو ينتصب نفسهم ويعظم في حالة الارهاق والتعب. (*)

[ 107 ]

يزيد بن المهلب: أنا يا أمير المؤمنين قال: فخذه ولا تمسه، وضع العذاب على ابنيه مروان، وعبد الاعلى (1)، فخرج به يزيد فحمله على دابة ابنه، ثم انصرف به إلى منزله، فأكرمه وبره. وقال له: أطع أمري، وأجب أمير المؤمنين إلى مقاضاته عن نفسك وعن ابنيك، وحملني كل ما قاضيته عليه. فقال له موسى: أما إذا كنت أنت صاحب هذا الشأن، فأنا غير مخبرك فيما ضمنت لامير المؤمنين، وأيم الله لو أمر سواك بي، وأمره بالبسط علي، لكان أحب إلي أن ألقى الله عزوجل، وأقرب إلي من أن يأخذوا مني دينارا واحدا، ولكن أديا يا ابني عن أنفسكما وعن أبيكما، فقالا: نعم، فغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان، فأعلمه بذلك، وبرضا موسى بمقاضاته، فأدخله سليمان عليه. فقال موسى: أرأيت لو لم أقاضك ما كنت فاعلا ؟ فقال سليمان: أضع العذاب عليك وعلى ابنيك حيى أبلغ ما أريد، أو آتي على أنفسكم. فقال موسى: الآن طابت نفسك يا أمير المؤمنين فأعطني أربع خصال، ولك ما دعوتني إليه من هذا المال. فقال: وما هن ؟ قال: لا تعزل عبد الله بن موسى عن أفريقية وجميع عمله سنتين، وأن كل ما جباه عبد الله بأفريقية، وعبد العزيز بالاندلس، فهو لي فيما قاضيت عليه أمير المؤمنين، وأن تدفع إلي طارقا مولاي، وأكون أملا به عينا وبماله. فقال له سليمان: أما ما سألت من إقرار عبد العزيز وعبد الله على مكانهما فذلك لك. وأما ما سألت من دفع طارق إليك فتكون أملا عينا به وبماله، فليس هذا جزاء أهل النصيحة لامير المؤمنين، فلست بفاعل، ولا مخل بينك وبين عقوبته، ولا أخذ ماله، فقاضاه موسى على مال، فأجله في ذلك، وخلى سبيله. نسخة القضية هذا ما قاضى عليه عبد الله سلميان أمير المؤمنين موسى بن نصير، قاضاه على أربعة آلاف ألف دينار، وثلاثين ألف دينار، وخمسين دينارا ذهبا طيبة وازنة يؤديها إلى أمير المؤمنين، وقد قبض منها أمير المؤمنين مئة ألف، وبقي على موسى سائر ذلك، أجله أمير المؤمنين إلى سير رسول أمير المؤمنين إلى ابني موسى الذي بالاندلس، والذي فإفريقية، يمكث شهرا بالاندلس، وليس له أن يمكث وراء ذلك يوما واحدا، حتى يقفل راجعا بالمال، إلى ما كان من أفريقية


(1) وكانا قد أخرجا معه إلى الشام. (*)

[ 108 ]

وما دونها، وليس لموسى أن يتكثر بشئ مما كان عليه من العمل، منذ استخلف الله أمير المؤمنين من ذمة أو فئ أو أمانة، فهو لامير المؤمنين يأخذه ويقتضيه، ولا يحسبه موسى من غرامته، فإن أدى موسى الذي سمى أمير المؤمنين في كتابه هذا من المال، إلى ما قد سمى أمير المؤمنين من الاجل، فقد برئ موسى وبنوه وأهله ومواليه، وليست عليهم تبعة ولا طلبة في المال ولا في العمل، يقرون حيث شاؤوا، وما كان قبض موسى أو بنوه من عمال موسى إلى قدوم رسول أمير المؤمنين أفريقية، فهو من الذي على موسى من المال، يحسب له من الذي عليه، ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير المؤمنين، فليس منه في شئ، وقد خلى أمير المؤمنين بين موسى وبين أهله ومواليه، ليس له ظلم أحد منهم، غير أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه طارقا مولاه، ولا شيئا من الذي قد أباه عليه أول يوم. شهد أيوب ابن أمير المؤمنين، وداود ابن أمير المؤمنين، وعمر بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن الوليد، وسعيد بن خالد، ويعيش بن سلامة، وخالد بن الريان، وعمر بن عبد الله، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن سعيد، وكتبه جعفر بن عثمان في جمادى سنة تسع وتسعين (1).


(1) يتبين من مراجعة هذه النسخة عدة ملاحظات: أ - أنها كتبت سنة 99 في جمادى بين سليمان بن عبد الملك وموسى بن نصير. تقول: إن سليمان بن عبد الملك مات لعشر بقين من صفر سنة 99 (ابن الاثير) في حين أن موسى ابن نصير مات قبله، سنة 97 (ابن عذاري - الحلة السيراء - ابن الاثير). ب - عبد العزيز بن موسى - والي الاندلس - قتل سنة 97 وقيل سنة 98، وأبوه حي، (ابن الاثير - الحلة السيراء - النجوم الزاهرة). ج - عبد الله بن موسى كان على أفريقيا، عزل عن أفريقيا سنة 97 واستعمل سليمان عليها محمد بن يزيد القرشي. د - أيوب ابن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، مات سنة 98 وكان وليا لعهد أبيه. ه‍ - أمر سليمان بن عبد الملك واليه محمد بن يزيد أن يأخذ عبد الله بن موسى ويعذبه ويستأصل منه أموال بني موسى، فأخذه محمد ثم قتله بعد ذلك وتولى قتله خالد بن أبي حبيب القرشي. و - لم يرد في كتابه أو حجابه جعفر بن عثمان، ورد في تاريخ خليفة: أن ليث بن أبي رقية مولى أم الحكم بنت أبي سفيان كان كاتب الرسائل، وحاجبه أبو عبيد (وقيل أبو عبيدة: عن اليعقوبي): ز - في الغرامة الموضوعة على موسى، اختلف في قيمتها: ذكر ابن عذاري 1 / 46 " ثلاثمئة ألف دينار، وقيل ألف ألف دينار " وفي الحلة السيراء 2 / 334 مائة ألف دينار. (*)

[ 109 ]

فلما تقاضيا أمر سليمان يزيد بن مهلب بتخلية موسى وابنيه، والكف عنه، فأعانه يزيد بن المهلب بمئة ألف دينار، فأهدى إليه موسى حقا فيه ثلاث خرزات، فبعث بهن إلى ابن المهلب فقومهن، فقوبلن بثلاث مئة ألف دينار. فقال ابن المهلب لموسى: أتدري لم قلت لامير المؤمنين أنا أضمنه ؟ قال: لا، قال: خفت أن يجيبه قبلي من لا يرى فيك ما أنا عليه لك، وكانت لك يد عند المهلب رحمه الله (1). فأحببت أن أجزيك بها عنه، وبالله لو لم تفعل وأبيت عن المقاضاة ما شاكتك عندي شوكة حتى لا يبقى لآل المهلب مال ولا ثوب. قال: فجزاه موسى خيرا. ذكر يد موسى إلى المهلب قال: وذكروا أن مخبرا أخبرهم من شيوخ الشام ممن أدرك القوم وصحبتهم قال: كانت اليد التي أسداها موسى إلى المهلب، أن عبد الملك بن مروان لما ولى العراق بشرا أخاه، جعل منه موسى بن نصير وزيرا ومديرا لامره، وقد كانت الازارقة أفسدت ما هنالك، فأمر عبد الملك بشر بن مروان أن يولي المهلب قتالهم (2)، وكان بشر للمهلب مسيئا، فلما قدم بشر العراق، وعلم المهلب برأيه، اعتزل بشرا، فلم يأته، فولى بشر بن مروان قتال الازارقة، الوليد بن خالد، فانهزم وافتضح، ثم ولى بشر رجلا آخر، فلم يصنع شيئا، فكتب عبد الملك إلى بشر أخيه، يفند رأيه فيما صنع، ويوبخه لما خالف أمره، فصمم بشر على رأيه، فلما استغلظ أمر الازارقة، استشار بشر بن مروان أسماء بن خارجة، وعكرمة بن ربعي، وموسى بن نصير في أمر المهلب. فأما


(1) كان بشر بن مروان قد هم بالمهلب، فكتب إليه موسى بن نصير يحذره فتمارض المهلب ولم يأته حين أرسل إليه. (العقد الفريد 4 / 428). وكان عبد الملك قد أمر بشر أن يولي المهلب حرب الازارقة، وكان بشر كره ذلك فقال: والله لاقتلنه: فقال له موسى بن نصير: أيها الامير إن للمهلب حفاظا وبلاء ووفاء... (انظر تفاصيل الخبر في الكامل للمبرد 3 / 1297 وما بعدها). (2) نص كتاب عبد الملك إلى أخيه بشر بشأن تولية المهلب حرب الازارقة في الطبري 7 / 207 (حوادث سنة 74) وفي الكامل للمبرد 3 / 1297 نص آخر للكتاب. قال المبرد: وكتب بشر إلى أخيه عبد الملك يعلمه أن المهلب عليل وأن بالبصرة من يغني غناءه، وذلك لان بشر شق عليه ما أمره به عبد الملك بشأن عبد الملك. والخبر فيهما مختلف عما هنا بالاصل، قارن النصوص الثلاثة. (*)

[ 110 ]

عكرمة وأسماء فوافقا هواه فيه، وأما موسى فقال له: إن أمير المؤمنين لا يحتملك على المعصية، وليس مثل المهلب في فضله وشرفه، وقدره في قومه ومعرفته، أقصيت أو جفوت، فإن كان بلغك أمر يقال إنه أتاه، فاكشفه عنه، حتى تعلم عذره فيه أو ذنبه، فلم يزل موسى يردد أمر المهلب على بشر، ويعطفه عليه، بعد أن كان هم بقتله، إن ظفر به، حتى أرسل إليه بشر فجاءه المهلب فتنصل إليه المهلب، فقبل منه بشر، وولاه ما كان يلي، فبعث إليه موسى بخمسين فرسا وبمئة بعير. وقال له: استعن بها على حربك، ثم لم يزل موسى قائما بأمره عند بشر، حتى هلك بشر. قالوا: وأخبرنا محمد بن عبد الملك أن المهلب في الايام التى كان يخاف فيها بشر بن مروان على نفسه، خرج إلى مال له، فكان فيه وحده، فأتى رجل إلى بشر وعنده موسى، فقال له: إن كان لك أيها الامير بالمهلب حاجة فابعث خيلا إلى موضع كذا وكذا، فإنه فيه في غار وحده، وليس معه فيه رجل من قومه. فبعث بشر خيلا. قال: فنهض من مجلسه موسى، فوجه إليه غلاما له، ثم قال له: أنت حر لوجه الله، إن أنت سبقت هذه الخيل حتى تنتهي إلى موضع كذا وكذا، فتأتي المهلب فتقول: إن موسى يقول لك: النجاة بنفسك، فخرج غلام موسى حتى انتهى إلى المهلب فأعلمه، فاستوى على فرسه فذهب، وأتت الخيل فلم تجد أحدا هناك، فانصرفوا راجعين إلى بشر فأعلموه بذلك. ذكر قتل عبد العزيز بن موسى بالاندلس قال: وذكروا أن محمد بن عبد الملك أخبرهم قال: أقام موسى بن نصير مع سليمان بن عبد الملك يطلب رضاه، حتى رضي عنه، وابنه عبد الله بن موسى على أفريقية وطنجة والسوس، وابنه عبد العزيز على الاندلس كما هو، فلما بلغ عبد العزيز الذي فعل سليمان بأبيه موسى تكلم بكلام خفيف حملته عليه حمية لما صنع بأبيه على حسن بلائه، فنميت إلى سليمان، فخاف سليمان أن يخلع (1)، فكتب إلى حبيب بن أبي عبيدة (2)، وابن وعلة التميمي، وسعد بن


(1) في النجوم الزاهرة 2 / 235 قتلوه في سنة 99 لكونه خلع طاعة سليمان. (البيان المغرب 1 / 47). (2) في البيان المغرب 1 / 47: " ابن أبي عبد " وفى النجوم الزاهرة والطبري: " ابن أبي عبيد ". (*)

[ 111 ]

عثمان بن ياسر، وعمرو بن زياد اليحصبي، وعمر بن كثير، وعمرو بن شرحبيل، كتب إلى كل رجل منهم كتابا يعلمه بالذي بلغه عن عبد العزيز بن موسى، وما هم به من الخلع، وأنه قد كتب إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إلى عبد العزيز، وأعلمه إنما دعاه إلى ذلك الذي أحب من مكانفتكم، لانه بإزاء العدو، وأعطاهم العهود، أن من قتله منهم فهو أمير مكانه. وكتب إلى عبد الله بن موسى: إني نظرت فإذا عبد العزيز بإزاء عدو يحتاج فيه إلى الغناء والبلاء. فسأل أمير المؤمنين فأخبر أن معك رجالا، منهم فلان وفلان، فأشخصهم إلى عبد العزيز بن موسى، وكتب سليمان إلى عبد العزيز: أما بعد، فإن أمير المؤمنين علم ما أنت بسبيله من العدو، وحاجتك إلى الرجال أهل النكاية والغناء، فذكر له أن بأفريقية رجالا منهم، فكتب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إليك، فولهم أطرافك وثغورك، واجعلهم أهل خاصتك. وكتب إليهم سليمان: إني قد بعثت لكم بكتاب إلى أهل الاندلس بالسمع والطاعة لكم، والغدر في قتله، فإذا ولاكم أطرافه فأقروا عهدي على من قبلكم من المسلمين، ثم ارجعوا إليه حتى تقتلوه. فلما قدم الكتاب على عبد الله بن موسى بأفريقية، أشخص القوم، فخرجوا حتى قدموا على عبد العزيز بالاندلس بكتاب سليمان في إلطافهم وإكرامهم، فقربهم عبد العزيز وأكرمهم وحياهم، وقال لهم: اختاروا أي نواحي وثغوري شئتم، فضربوا الرأي فقالوا: إنكم إن فعلتم ما أنتم فاعلون، ثم رجعتم إليه من أطرافه، لم نأمن أن يميل معه عظيم الناس، فإن في يديه الاموال والقوة، من مواليه وغيرهم ولكن اعملوا رأيكم في الفتك به. قالوا: فإن هاهنا رجلا إن دخل معنا استقام لنا الامر، ووصلنا إلى ما أردنا، وهو أيوب بن حبيب ابن أخت موسى. قال: فلقوه ودعوه إلى أنه إن قتله فهو مكانه، فقبل وبايعوه على ذلك، ثم إنهم أتوا عبد الله بن عبد الرحمن الغافقي، وكان سيد أهل الاندلس صلاحا وفضلا فأعلموه، ثم أقرأوه كتاب سليمان. فقال لهم: قد علمتم يد موسى عند جميعكم، صغيركم وكبيركم، وإنما بلغ أمير المؤمنين أمر كذب عليه فيه، والرجل لم ينزع يدا من الطاعة، ولم يخالف فيستوجب القتل وأنتم ترون وأمير المؤمنين لا يرى، فأطيعوني ودعوا هذا الامر، فأبوا، ومضوا على رأيهم، فأجمعوا على قتله، فوقفوا له. فلما خرج لصلاة الصبح، ودخل القبلة وأحرم، وقرأ بأم القرآن الكريم، واستفتح (إذا وقعت الواقعة) ضربه حبيب بن أبي عبيدة ضربة، فدهش ولم يصنع شيئا، فقطع عبد العزيز الصلاة

[ 112 ]

وخرج، وتبعوه فقتله ابن وعلة التميمي (1)، وأصبح الناس، فأعظموا ذلك، فأخرجوا كتاب سليمان بذلك، فلم يقبله أهل الاندلس، وولوا عليهم عبد الله بن عبد الرحمن الغافقي (2)، ووفد حبيب بن أبي عبيدة (3) برأس عبد العزيز بن موسى رحمهما الله (4). قدم رأس عبد العزيز بن موسى على سليمان قال: وذكروا أن سليمان لما ظن أن القوم قد دخلوا الاندلس، وفعلوا ما كتب به إليهم، عزل عبد الله بن موسى عن أفريقية وطنجة والسوس، في آخر سنة ثمان وتسعين (5) في ذي الحجة، وأقبل هؤلاء حتى قدموا على سليمان، وموسى بن نصير لا يشعر بقتل عبد العزيز ابنه. فلما دخلوا على سليمان، ووضع الرأس بين يديه، بعث إلى موسى، فأتاه، فلما جلس وراء القوم قال له سليمان: أتعرف هذا الرأس يا موسى ؟ فقال: نعم هذا رأس عبد العزيز بن موسى، فقام الوفد فتكلموا به. ثم إن موسى قام فحمد الله، ثم قال: وهذا رأس عبد العزيز بين يديك يا أمير المؤمنين، فرحمة الله تعالى عليه، فلعمر الله ما علمته نهاره إلا صواما، وليله إلا قواما، شديد الحب لله ولرسوله، بعيد الاثر في سبيله، حسن الطاعة لامير المؤمنين، شديد الرأفة بمن وليه من المسلمين، فإن يك عبد العزيز قضى نحبه، فغفر الله له ذنبه، فوالله ما كان بالحياة شحيحا، ولا من الموت هائبا، وليعز على عبد الملك وعبد العزيز والوليد أن يصرعوه هذا المصرع، ويفعلوا به ما أراك تفعل، ولهو كان أعظم رغبة فيه، وأعلم بنصيحة أبيه، أن يسمعوا فيه كاذبات الاقاويل، ويفعلوا به هذه الافاعيل.


(1) في النجوم الزاهرة: قتله وهو في صلاة الفجر حبيب بن أبي عبيد بن عقبة بن نافع الفهري. وفي ابن الاثير 3 / 241: فدخلوا عليه... فضربوه بالسيوف ضربة واحدة وانظر البيان المغرب 1 / 47. (2) في الحلة السيراء 2 / 334 أيوب ابن أخت موسى بن نصير. وفي البيان المغرب: الحر بن عبد الرحمن الثقفي. (3) انظر ما تقدم قريبا بشأن اسمه. (4) قيل في أسباب قتله غير ذلك: انظر ابن الاثير 3 / 241 نفح الطيب 1 / 281. وإن كان ما تقدم أولا هو المعتمد، قال ابن الاثير: وكانوا يعدونها من زلات سليمان. وقال ابن عذاري: من هفوات سليمان التي لم تزل تنقم عليه. (5) في ابن الاثير وابن عذاري والنجوم الزاهرة: سنة 97. (*)

[ 113 ]

فرد سليمان عليه قال: بل ابنك المارق من الدين، والشاق عصا المسلمين، المنابذ لامير المؤمنين، فمهلا أيها الشيخ الخرف. فقال موسى: والله ما بي من خرف، ولا أنا من الحق بذي جنف (1) ولن ترد محاورة الكلام مواضع الحمام، وأنا أقول كما قال العبد الصالح (2). (فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون) [ يوسف: 18 ] قال: ثم قال موسى: أفتأذن في رأسه يا أمير المؤمنين ؟ وأغرورقت عيناه، فقال له سليمان: نعم، فخذه، فقام موسى فأخذه، وجعله في طرف قميصه الذي كان عليه، ثم أدير في السماطين، فوقع الطرف الآخر عن منكبيه، وهو يجره لا يحفل به ولا يرفعه. فقال له خالد بن الريان: ارفع ثوبك يا بن نصير، فالتفت موسى وقال: ما أنت وذاك يا خالد. قال سليمان: دعه، حسبه ما فعلنا به. فلما توارى موسى قال سليمان: دعه إن في الشيخ لبقية بعد. ثم إن موسى التفت إلى حبيب بن أبي عبيدة (3) فكلمه بكلام غليظ حتى ذكر أمرا خفيا من نسبه (4) فأفحمه ثم إن سليمان كشف عن أمر عبد العزيز، فألفى ذلك باطلا، وأن عبد العزيز لم يزل صحيح الطاعة، مستقيم الطريقة، فلما تحقق عند سليمان باطل ما رفع إليه عن عبد العزيز ندم، وأمر بالوفد فأخرجوا، ولم ينظر في شئ من حوائجهم، وأهدر عن موسى بقية القضية، التي كان سليمان قاضاه عليها، وكان سليمان قد آلى قبل خلافته، لئن ظفر بالحجاج بن يوسف وموسى بن نصير ليعزلنهما، ثم لا يليان معه من أمور الناس شيئا. فلما رضي عن موسى جعل يقول: ما ندمت على شئ ندامتي، أن لا كنت خلوا من اليمين على موسى في أن لا أوليه شيئا، ما مثل موسى أستغني عنه. قال: وإن موسى دخل على سليمان في آخر يوم من شعبان عند المغرب، وهو مستشرف على سطح وعنده الناس. فلما رآه سليمان قال: عندكم والله من إن سألتموه عن الهلال ليخبرنكم أنه قد رآه وقد غم الهلال يومئذ على سليمان


(1) جنف: بعد. (2) إشارة إلى يعقوب عليه السلام، أبو يوسف لما أخبره بنوه، أخوة يوسف، ما حصل ليوسف. (3) ابن أبي عبيدة، وتقدمت إليه الاشارة. وانظر جمهرة الانساب لابن حزم ص 178 وفيه: فولد أبي عبيدة: حبيب قاتل عبد العزيز بن موسى بن نصير. (4) لعله يشير إلى نافع بن عبد بن قيس جد أبيه أبي عبيدة الذي نخس بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - مع هبار بن الاسود - إذ حملت من مكة إلى المدينة فأسقطت جنينا. (جمهرة الانساب لابن حزم ص 119 و 177). (*)

[ 114 ]

والناس. فلما دنا موسى وسلم قال له سليمان: أرأيت الهلال بعد يا موسى ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ها هو ذاك، وأشار بأصبعه إلى ناحية، وهو مقبل على سليمان بوجهه، فرمى الناس بأبصارهم حيث أشار موسى، فأبصروا الهلال فلما جلس موسى قال: إني والله لست بأحدكم بصرا، ولكني أعلمكم بمطالعه ومناسقه (1). وقال: فخرج فلقيه يزيد بن المهلب، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، بينا أنت أدهى الناس وأعلمهم، أقبلت تسوق نفسك حتى تضعها في يد سليمان. فقال له موسى: أما علمت يا أبا خالد، أن الهدهد يهتدي إلى الماء ويعرفه من الارض الفضاء ومن الحزونة والسهل، ويبصر القريب منه والبعيد، ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة وما أشبهها، فلا يبصر ذلك حتى يقع فيه فيؤخذ ؟ وذلك أنه لا حذر ينجي من قدر، ولا رأي ولا بصر، وكذلك كنت وسليمان بن عبد الملك. قال: وذكروا أن سليمان خرج يوما إلى بعض أمواله متنزها فخرج معه موسى بن نصير، فعرضت عليهم غنم حلب، نحو من ألف رأس، فأعجب سليمان ما رأى منها، والتفت إلى موسى، فقال له: هل رأيت مثلها قط ؟ قال: نعم، إن لادنى موالي لاصنافا كثيرة، فالتفت إليه سليمان، وقال له: أدنى مواليك ؟ قال: نعم فرددها سليمان كالمغضب عليه. قال موسى: نعم يا أمير المؤمنين، وما هذا فيما أفاء الله عز وجل على يدي، لقد كان الالف تباع بعشرة دراهم أو دونها، ولقد كانت في بعض المواطن وما لها قيمة، ولا يلتفت إليها أحد يا أمير المؤمنين، ولغير ذلك مما أفاء الله عليهم، ولقد رأيت العلج العتل (2)، والوصيف الفاره (3)، والجارية الحسناء، وإن أكثر ما تبلغ خمسين درهما، لكثرة ذلك من صنوفه كلها. ولقد رأيت الذود (4) من الابل، لا تبلغ قيمته عشرين درهما، أكثر يا أمير المؤمنين ما أعلمتك فيما تسمع ؟ قال سليمان: لا، وحمد الله. قال: وذكروا أن موسى دخل على سليمان يوما وعنده الناس، فلما رآه سليمان قال: ذهب سلطان الشيخ، وأبصره موسى حين تكلم، فلم يفهم ما قال


(1) أي طرقه ومساراته. (2) العتل: الجافي الغليظ. (3) الفاره: الماهر القوي. (4) الذود من الابل: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل إلى الثلاثين من الجمال. (*)

[ 115 ]

فلما سلم قال: يا أمير المؤمنين رأيتك لما نظرتني داخلا تكلمت بكلام ظننتك عنيتني به. قال: نعم. قلت: ذهب سلطان الشيخ. قال له موسى: أما والله لئن ذهب سلطان الشيخ لقد أثر الله به في دينه أثرا حسنا، ولقد كنت طويل الجهاد في الله حريصا على إظهار دين الله، حتى أظهره الله، وكنت ممن أتم الله به موعده لنبيه، ولئن أدبر معك، لقد كان مع آبائك ناضر الغصن، ميمون الطائر (1)، فقال سليمان: هو ذاك. فقال موسى: وهو ذاك، فلم يزل يرددها سليمان، ويرددها موسى حتى سكت سليمان. سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله قال: وذكروا أن سليمان قال لموسى: ما الذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوك ؟ قال: التوكل، والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين. قال له سليمان: هل كنت تمتنع في الحصون والخنادق، أو كنت تخندق حولك ؟ قال: كل هذا لم أفعله. قال: فما كنت تفعل ؟ قال: كنت أنزل السهل، وأستشعر الخوف والصبر، وأتحصن بالسيف والمغفر، وأستعين بالله، وأرغب إليه في النصر. قال له سليمان: فمن كان من العرب فرسانك ؟ قال حمير. قال: فأي الخيل رأيت في تلك البلاد أصبر ؟ قال: شقرها. قال: فأي الامم كانوا أشد قتالا ؟ قال: إنهم يا أمير المؤمنين أكثر مما أصفهم. قال له: أخبرني عن الروم. قال: أسود في حصونهم، عقبان على خيولهم (2)، نساء في مواكبهم (3)، إن رأوا فرصة افترصوها، وإن خافوا غلبة فأوعال (4)، ترقل في أجبال، لا يرون عارا في هزيمة تكون لهم منجاة. قال: فأخبروني عن البربر. قال: هم يا أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب، لقاء ونجدة، وصبرا وفروسية، وسماحة وبادية، غير أنهم يا أمير المؤمنين غدر. قال: فأخبرني عن الاشبان، قال: ملوك مترفون، وفرسان لا يجبنون. قال: فأخبرني عن الافرنج. قال: هناك يا أمير المؤمنين العدد والعدة، والجلد والشدة وبين ذلك أمم كثيرة، ومنهم العزيز، ومنهم الذليل، وكلا قد


(1) يشير موسى إلى حسن علاقاته بعبد العزيز وعبد الملك والوليد ابنه، واحترامهم له وتقديمهم إياه. (2) أي سريعو الجريان على خيولهم، شبههم بالعقاب لسرعة طيرانه. (3) يعني يتجملون في مواكبهم كالنساء. (4) الاوعال جمع وعل. وترقل: تسرع. (*)

[ 116 ]

لقيت بشكله، فمنهم المصالح، ومنهم المحارب المقهور، والعزيز البذوخ (1). قال: فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم، أكانت عقبا ؟ (2) قال: لا يا أمير المؤمنين، ما هزمت لي راية قط، ولا فض لي جمع، ولا نكب المسلمون معي نكبة، منذ اقتحمت الاربعين، إلى أن شارفت الثمانين. قال: فضحك سليمان وقال: فأين الراية التي حملتها يوم مرج راهط (3) مع الضحاك ؟ قال: تلك يا أمير المؤمنين زبيرية، وإنما عنيت المروانية. فقال: صدقت، وأعجبه قوله. وذكروا أن محمد بن عبد الملك حدثهم عن ريان بن عبد العزيز بن مروان قال: إنا الجلوس عند سليمان وهو على سطح فسيح، والناس يدخلون حتى دخل موسى من الباب، فتحرك بنا سقف السطح من شدة وطئه، فسلم ثم جلس، فذكر سليمان بيت الذهب الذي فتحه قتبية بن مسلم، فجعل يردد فيه. فقال له موسى: وما هذا يا أمير المؤمنين ؟ بيت لا يكون فيه عشرة آلاف دينار، والله لقد بعثت إلى أخيك الوليد بثور من زمرد أخضر، يصب فيه اللبن فيخضر وإنه لمن ادنى ما بعثت به إليه. ولقد أصبت كذا وكذا، وأصاب المسلمون كذا وكذا، وجعل يحدث سليمان بالعجائب. قال ريان: حتى والله أبهته. ولم يزل موسى بباب سليمان عظيم المنزلة عنده (4). فلما كانت سنة ثمان (5) وتسعين تجهز سليمان للحج، وأمر موسى بالشخوص والحج معه، فذكر له أنه ضعيف، فأمر له سليمان بثلاثين نجيبا موقورة جهازا، وبحجرة من حجره وجائزة، فحج سليمان، وحج معه موسى، فبينما هو يسير يوما إذ دعا بموسى، فناداه خالد ابن الريان، وكان موسى يساير رجلا، فلم يلتفت موسى إلى ندائه، ثم دعا به، فناداه خالد أيضا، فلم يلتفت إليه. فقال له الرجل: غفر الله لك، ألم تسمع دعاء أمير


(1) البذوخ: المتكبر. (2) يريد هل كانت معاقبة، أي تنتصر مرة وتهزم أخرى ثم تنتصر. (3) معركة مرج راهط جرت بين الجناح الاموي اليمني المتمثل بمروان بن الحكم، والجناح الاموي القيسي المتحالف مع ابن الزبير، وحمل لواؤه الضحاك بن قيس، وقد تقدمت الاشارة إلى أن موسى بن نصير كان يحارب تحت راية الضحاك. وبعد المعركة وهزيمة الضحاك التجأ إلى عبد العزيز بن مروان. (4) ما نكب به موسى بن نصير، من تغريمه أموالا عظيمة، وقتل ابنيه واستئصال أموالهم وبنيهم لا يشير إلى عظيم منزلة. (5) في ابن الاثير سنة 97، وذكر أنه حج بالناس سنة 98 عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو أمير مكة. (انظر الطبري حوادث سنة 97 و 98 ومروج الذهب 4 / 450 والحلة السيراء 2 / 334). (*)

[ 117 ]

المؤمنين ؟ إني أخافه وأخاف أن يغضب. فقال موسى: ذاك لو كان عبد الملك أو الوليد. فأما هذا فإنه يرضيه ما يرضي الصبي، ويسخطه ما يسخطه، وستري ذلك. ثم تقدم موسى حتى لحق ولصق بسليمان. فقال له: أين كنت يا بن نصير ؟ فقال له: يا أمير المؤمنين أين دوابنا من دوابك ؟ إني لمنذ دعاني أمير المؤمنين لفي كد، حتى لحقت أمير المؤمنين، فضحك سليمان وأمر له بدواب من مراكبه، فسايره وحادثه، ثم انصرف عنه، فلحق الرجل به. فقال له موسى: كيف رأيت ؟ قال: أنت كنت به أعلم، فسار سليمان حتى نزل المدينة في دار يزيد بن رومان. قال: فحدثني بعض أهل المدينة، أن موسى قال يوما لبعض من يثق به: ليموتن إلى يومين رجل قد بلغ ذكره المشرق والمغرب، فلم نظن إلا أنه يعني الخليفة، فلما كان اليوم الثاني، لم أشعر وأنا في مسجد الرسول، حتى سمعت الناس يقولون: مات موسى بن نصير، فإذا هو، وصلى سليمان عليه، ودفن رحمه الله (1). وذكروا أن عبد الله بن صخر أخبرهم قال: بينما موسى يسير يوما على دابة له، وكان طويلا جسيما، فمر به رجلان من قريش، وقد تدلت رجلاه وانحنتا، وهما لا يعرفانه. فقالا: أدبر والله الشيخ، فسمعهما موسى، فقال لهما: من أنتما ؟ فانتسبا له. فقال: أما والله إن أميكما لمما أفاء الله على يدي هذا الشيخ، فأهداهما إلى أبويكما. فقالا له: ومن أنت يرحمك الله ؟ قال: موسى بن نصير، فقالا: فمرحبا وأهلا، صدقت وبررت، والله ما عرفناك: فقال: لا عليكما، قد والله أدبر عني وبقي مني. وذكروا أن إبراهيم بن سليمان أخبرهم عمن حدثه عن موسى، أن الناس قحطوا بأفريقية (2) عاما، فخرج موسى بالناس فاستسقى، فأمر رجلا فقص على الناس ورققهم، فجعل يذكر، ثم إنه انتحى في الدعاء للوليد بن عبد الملك


(1) في مكان موته أقوال: في الحلة السيراء 2 / 334 فتوفي في طريقه (إلى الحج). وفي ابن الاثير 3 / 244 والنجوم الزاهرة 2 / 235 موته بطريق مكة. وفي نفح الطيب 1 / 286. آل أمره إلى أن وجهه إلى قومه بوادي القرى. فمات بها. قال: وقد نص ابن بشكوال على أنه مات بوادي القرى. (2) الخبر في ابن الاثير 3 / 195 والبداية والنهاية 9 / 196 باختلاف واختصار. (*)

[ 118 ]

فأكثر. فأرسل إليه موسى: إنا لم نأت هاهنا للدعاء للوليد، فأقبل على ما له جئنا فعدنا، فلم يلتفت، ورجا أن يبلغ الوليد، فأمر به فسحب، حتى خرج من الناس، ثم قام موسى ودعا بالناس، فما برحنا حتى انصبت السماء بمثل القرب، فأتى موسى بدابة من دوابه. فقال: والله لا ركبت، ولكن أخوض الطين، وانصرف ماشيا، ومشى النالس، فسمعته يومئذ يردد في دعائه: اللهم الشهادة في سبيلك، أو موتا في مدينة رسولك. قال: فذكروا أن عرفة بن عكرمة حدثهم عن مشايخ من مراد عن رجل منهم كان مع موسى بالاندلس قال: كنت أبصر من مجاري الشمس والقمر شيئا، فوقع في عند موسى، وقيل له عنده علم، فوالله ما شعرت حتى أتيت فأخذت، فأدخلت عليه، فإذا بين يديه عصفور مذبوح، مشقوق البطن قال لي: أدخل يدك فانظر. قلت: أصلح الله الامير، طلقت امرأته البتة إن كان يعلم قليلا أو كثيرا، إلا ما يعلم الناس من مجاري الشمس والقمر. قال: فأمر بي فنحيت، ثم دعا برجل من الاعاجم، قال: أدخل يدك، فانظر ماذا ترى، وكان من الاسارى، فأدخل يده في جوف العصفور، فحركه طويلا، ثم قلبه، ثم قال للترجمان بلسانه: إنه ليس يموت هاهنا، ولكنه يموت بالمشرق في بلاد العرب، فنظر إليه موسى، ثم قال له: قاتلك الله ما أعلمك، قال: ثم أمر به فقتل، ثم دعاني، فأخذ علي الايمان أن لا أتكلم به ما بقي، ففعلت. وكان دخول موسى المغرب سنة تسع وسبعين، في جمادى الاولى، وكان يومئذ ابن ستين سنة، فأقام بأفريقية ست عشرة سنة، وقفل منها سنة خمس وتسعين، ومات سنة ثمان وتسعين، وولى عبد الله بن موسى بأفريقية وطنجة والسوس، بعد موسى أبيه سنتين، وكان عزله عنها في ذي الحجة، سنة سبع وتسعين، وقيل سنة تسع وتسعين (1). ذكر ولاة الاندلس بعد موسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد العزيز بن موسى ولي الاندلس بعد أبيه سنة، ثم قتل، وولي بعده أيوب بن حبيب ستة أشهر، ثم الحارث (2) بن عبد الرحمن ثلاث سنين


(1) انظر ما سبق. (2) في البيان المغرب ونفح الطيب: الحر. وولي بعده السمح بن مالك الخولاني (نفح الطيب والبيان المغرب) وقد استخلفه على = (*)

[ 119 ]

ونصفا، ثم عنبسة (1) سنتين وتسعة أشهر، ثم يحيى بن سلمة سنة وثلاثة أشهر (2)، ثم الهيثم بن عبيد (3) سنة وشهرين، ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أربع سنين، ثم عبد الملك بن قطن الفهري (4) أيضا سنة، ثم بلج (5) بن بشر القشيري ستة أشهر، ثم ثعلبة بن سلامة الجذامي خمسة أشهر، ثم أبو الخطار [ حسام ] بن ضرار الكلبي ثلاث سنين، ثم ثوابة بن مسلمة (6) سنة وشهرا. فلما وهن سلطان بني أمية بالمشرق، ولوا على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن القرشي الفهري، من غير عهد من الخليفة، فملك الاندلس عشر سنين، إلى أن دخل عليه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان. ذكر حج سليمان مع عمر بن عبد العزيز وذكروا أن عبيد الله بن عبد المؤمن أخبرهم عن رجاء بن حيوة: أنه لما حج سليمان بن عبد الملك، ومعه عمر بن عبد العزيز، وذلك في سنة ثمان وتسعين (7)


= الاندلس إسماعيل بن أبي المهاجر أمير أفريقيا. قال ابن عذاري: وكانت الاندلس إذ ذاك إلى والي أفريقيا، وكان حلوله في رمضان سنة 100. وقد ملكها كما في صبح الاعشى 5 / 243 سنتين وتسعة أشهر. (1) هو عنبسة بن سحيم الكلبي. (نفح الطيب - ابن عذاري - صبح الاعشى) قال في الصبح: وليها أربع سنين وخمسة أشهر. (2) وليها كما في البيان المغرب سنة 107 وقدمها في شوال. وفي الصبح قال: وليها سنتين وستة أشهر. في النفح: ولي قبله عذرة بن عبد الله الفهري. وذكر بعده عثمان بن أبي نسعة الخثعمي ولي سنة 110 وقدمها في شعبان (نفح - ابن عذاري) وذكر قبل عثمان في صبح الاعشى حذيفة بن الاحوص القيسي. (3) في نسخة من نفح الطيب: عدي، وأشار في الهامش: عبيد. ولايته سنتان وأياما عند ابن عذاري، وخمسة أشهر في صبح الاعشى. وذكر بعده في النفح محمد بن عبد الله الاشجعي. (4) في البيان المغرب قبل عبد الملك بن قطن عقبة بن الحجاج وقد وليها خمس سنين، وأشار في الصبح إلى ولاية عبد الملك أربع سنين. (5) في صبح الاعشى: مفلح. (6) في نفح الطيب والبيان المغرب: سلامة. وبعد موته قال ابن عذاري: بقيت الاندلس دون أمير أربعة أشهر فاجتمع الناس على الصميل بن حاتم، فوقع نظره ونظرهم على يوسف بن عبد الرحمن الفهري. (7) تقدم أنه لم يحج سنة 98 (انظر صفحة 116 حاشية رقم 5). (*)

[ 120 ]

فلما انتهى إلى عقبة عسفان، نظر سليمان إلى السرادقات، قد ضربت له ما بين أحمر وأخضر وأصفر، وكان يوسف بن عمر قد عمل له باليمن ثلاثة سرادقات، فكانت تضرب له، وكان الذي منها للناس من خز أخضر، والذي يليه من خز أصفر، ثم الذي يكون هو فيه من وشي أحمر، محبر من حبرات (1) اليمن، مزرر بالذهب والفضة، وفي داخله فسطاط، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر، مرافقها من وشي أصفر، وضربت حجب نسائه من وراء فسطاطه، وحجر بنيه وكتابه وحشمه قرب ذلك. فلما استوى سليمان في قبة العقبة، ونظر إلى ما نصب له. قال: يا عمر، كيف ترى هاهنا ؟ قال: أرى دنيا عريضة، يأكل بعضها بعضا، أنت المسؤول عنها، والمأخوذ بها (2)، فبينما هما كذلك، إذ طار غراب من سرادق سليمان، في منقاره كسرة، فصاح الغراب. فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب يا عمر ؟ قال عمر: ما أدري، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم. قال سليمان: أخبرني. فقال عمر: هذا غراب طار من سرادقك بكسرة، هو يأكلها، وأنت المأخوذ بها، والمسؤول عنها من أين دخلت، وأين خرجت ؟ قال سليمان: إنك لتجئ بالعجائب يا أبا حفص. فقال عمر: أفلا أخبرك بأعجب من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: أخبرني. قال: من عرف الله تعالى كيف يعصاه، ومن عرف الشيطان كيف يطيعه، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش ويسوغ له الطعام، ومن أيقن بالنار كيف يضحك ! فقال سليمان: نغصت علينا ما نحن فيه يا أبا حفص، ومن يطيق ما تطيق أنت يا عمر ؟ أنت والله الموفق المطيع (3). ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة قالوا: إن إبراهيم بن مسلم أخبرهم عن رجاء بن حيوة، أنه نظر إلى طاووس اليماني يصلي في المسجد الحرام، فانصرف رجاء إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ بمكة قد حج ذلك العام. فقال: إني رأيت طاووس في المسجد، فهل لك أن ترسل إليه ؟ قال: فأرسل إليه سليمان. فلما أتاه قال رجاء لسليمان: يا أمير المؤمنين، لا تسأله عن شئ حتى يكون هو الذي يتكلم. فلما


(1) حبرات اليمن: من برود اليمن. (2) في حيلة الاولياء 5 / 272 بما فيها. (3) الخبر في حلية الاولياء 5 / 272. (*)

[ 121 ]

قعد طاووس سكت طويلا. ثم قال: ما أول شئ خلق ! فقلنا: لا ندري. فقال أول شئ خلق: القلم. ثم قال: أتدرون ما أول شئ كتب ؟ قلنا: لا، قال: فإن أول ما كتب بسم الله الرحمن الرحيم، ثم كتب القدر خيره وشره إلى يوم القيامة. ثم قال: أتعلمون من أبغض الخلق إلى الله ؟ قلنا: لا، فقال: إن أبغض الخلق إلى الله تعالى عبد أشركه الله في سلطانه، فعمل فيه بمعاصيه، ثم نهض. قال رجاء: فأظلم علي البيت، فما زلت خائفا عليه حتى توارى، فرأيت سليمان يحك رأسه بيده، حتى خشيت أن تجرح أظفاره لحم رأسه. ما قال أبو حازم (1) لسليمان قالوا: وإن يحيى بن المغيرة أخبرهم عن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال لما حج سليمان، ودخل المدينة زائرا لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ابن شهاب الزهري ورجاء بن حيوة، فأقام بها ثلاثة أيام، فقال: أما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل له: بلى هاهنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه، فجاءه، وهو أقور (2) أعرج، فدخل عليه، فوقف منتظرا للاذن. فلما طال عليه الاذن: وضع عصيته ثم جلس. فلما نظر إليه سليمان: ازدرته عينه. فقال له: يا أبا حازم. ما هذا الجفاء الذي ظهر منك، وأنت توصف برؤية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع فضل ودين تذكر به ؟ فقال أبو حازم: وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين ؟ فقال سليمان: إنه أتاني وجوه أهل المدينة وعلماؤها وخيارها، وأنت معدود فيهم ولم تأتني. فقال أبو حازم: أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها. قال سليمان: صدق الشيخ، فقال: يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت ؟ فقال أبو حازم: لانكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال سليمان: صرقت يا أبا حازم. فكيف القدوم على الآخرة ؟ (3) قال: نعم، أما المحسن (4) فإنه يقدم


(1) هو سلمة بن دينار المخزومي، أبو حازم الاعرج عالم المدينة وقاضيها، كان عابدا زاهدا. (2) أقور: أي أعور. (3) في مروج الذهب 3 / 217: على الله. (4) العبارة في مروج الذهب: فكالغائب يأتي أهله مسرورا. (*)

[ 122 ]

على الآخرة كالغائب يقدم على أهله من سفر بعيد. وأما قدوم المسئ فكالعبد الآبق (1)، يؤخذ فيشد كتافه، فيؤتى به إلى سيد فظ غليظ، فإن شاء عفا، وإن شاء عذب. فبكى سليمان بكاء شديدا، وبكى من حوله. ثم قال: ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم ؟ فقال: اعرض نفسك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند الله. قال سليمان: يا أبا حازم، وأين أصيب تلك المعرفة في كتاب الله، قال عند قوله تعالى: (إن الابرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم) [ الانفطار: 14 ]. قال سليمان: يا أبا حازم، فأين رحمة الله ؟ قال: رحمة الله قريب من المحسنين، قال سليمان: يا أبا حازم من أعقل الناس ؟ قال أبو حازم: أعقل الناس من تعلم العلم والحكمة وعلمهما الناس. قال سليمان: فمن أحمق الناس ؟ فقال: من حط في هوى رجل وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره. قال سليمان: فما سمع الدعاء ؟ قال أبو حازم: دعاء المخبتين (2) الخائفين. فقال سليمان: فما أزكى الصدقة عند الله ؟ قال: جهد المقل (3). قال: فما تقول فيما ابتلينا به ؟ قال: أعفنا عن هذا وعن الكلام فيه أصلحك الله، قال سليمان: نصيحة تلقيها [ إلي ]. فقال: ما أقول (4) في سلطان استولى عنوة بلا مشورة من المؤمنين، ولا اجتماع من المسلمين ؟ فسفكت فيه الدماء الحرام، وقطعت به الارحام، وعطلت به الحدود، ونكثت به العهود، وكل ذلك على تنفيذ الطينة (5)، والجمع لمتاع الدنيا المشينة، ثم لم يلبثوا أن ارتحلوا عنها، فيا ليت شعري ما تقولون ؟ وماذا يقال لكم ؟ فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا أقور، أمير المؤمنين يستقبل بهذا ؟ فقال أبو حازم: اسكت يا كاذب، فإنما أهلك فرعون هامان، وهامان فرعون، إن الله قد أخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، إي لا ينبذونه وراء ظهورهم. قال سليمان: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح ما فسد منا ؟ فقال: المأخذ في ذلك قريب يسير يا أمير المؤمنين، فاستوى سليمان جالسا من اتكائه. فقال: كيف ذلك ؟ فقال: تأخذ المال من حله، وتضعه في أهله، وتكف الاكف عما نهيت، وتمضيها فيما أمرت به. قال سليمان: ومن


(1) الآبق: الهارب من سيده. (2) في حيلة الاولياء 3 / 235: قال: دعاء المحسن للمحسنين. (3) زيد في حلية الاولياء: جهد المقل إلى يد البائس الفقير لا يتبعها من ولا أذى. (4) في حلية الاولياء: قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الامر فأخذوه عنوة.. (5) يريد: الطبيعة الانسانية التي جبلت بالانانية وحب السيطرة والسلطة. (*)

[ 123 ]

يطيق ذلك ؟ فقال أبو حازم: من هرب من النار إلى الجنة، ونبذ سوء العادة إلى خير العبادة. فقال سليمان: أصحبنا يا أبا حازم، وتوجه معنا تصب منا ونصب منك. قال أبو حازم: أعوذ بالله من ذلك، قال سليمان: ولم يا أبا حازم ؟ قال: أخاف أن أركن إلى الذين ظلموا، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف المماة (1). فقال سليمان: فتزورنا. قال أبو حازم: إنا عهدنا الملوك يأتون العلماء ولم يكن العلماء يأتون الملوك، فصار في ذلك صلاح الفريقين، ثم صرنا الآن في زمان صار العلماء يأتون الملوك، والملوك تقعد عن العلماء فصار في ذلك فساد الفريقين جميعا. قال سليمان: فأوصنا يا أبا حازم وأوجز. قال: اتق الله ألا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك. قال سليمان: ادع لنا بخير. فقال أبو حازم: اللهم إن كان سليمان وليك فبشره بخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ (2) إلى الخير بناصيته. قال سليمان: زدني. قال: قد أوجزت، فإن كنت وليه فاغتبط، وإن كنت عدوه فاتعظ، فإن رحمته في الدنيا مباحة، ولا يكتبها في الآخرة إلا لمن اتقى في الدنيا، فلا نفع في قوس ترمى بلا وتر. فقال سليمان: هات يا غلام ألف دينار، فأتاه بها، فقال: خذها يا أبا حازم. فقال (3): لا حاجة لي بها، لاني وغيري في هذا المال سواء، فإن سويت بيننا وعدلت أخذت، وإلا فلا، لاني أخاف أن يكون ثمنا لما سمعت من كلامي. وإن موسى بن عمران عليه السلام لما هرب من فرعون ورد ماء مدين، ووجد عليه الجاريتين تذودان (4). فقال: ما لكما معين ؟ قالتا: لا، فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل. فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، ولم يسأل الله أجرا. فلما أعجل الجاريتان الانصراف (5)، أنكر ذلك أبوهما. فقال لهما: ما أعجلكما اليوم ؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا قويا سقى لنا. قال: ما سمعتماه يقول ؟ قالتا: تولى إلى الظل وهو يقول: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير). فقال ينبغي لهذا أن


(1) زيد في الحلية: ثم لا يكون لي منه نصيرا. (2) في الحلية: فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى. (3) العبارة في الحلية: فقال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي ؟ إني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا، وردي عليك بذلا. (4) إشارة إلى قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان)، تذودان: أي أن الجاريتين كانتا تمنعان غنمهما من الورود إلى الماء. (5) أي أنهما سقيا غنمهما بسرعة على غير عادتهما. (*)

[ 124 ]

يكون جائعا. تنطلق إحداكما له، فتقول له: (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا)، فأتته إحداهما تمشي على استحياء، أي على إجلال له، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فجزع موسى من ذلك، وكان طريدا في الفيافي والصحاري. فقال لها: قولي لابيك إن الذي سقى يقول: لا أقبل أجرا على معروف اصطنعته، فانصرفت إلى أبيها فأخبرته. فقال: اذهبي فقولي له: أنت بالخيار بين قبول ما يعرض عليك أبي وبين تركه، فأقبل: فإنه يحب أن يراك، ويسمع منك، فأقبل والجارية بين يديه، فهبت الريح فوصفتها له (1)، وكانت ذات خلق كامل. فقال لها: كوني ورائي، وأريني سمت الطريق. فلما بلغ الباب قال: استأذني لنا، فدخلت على أبيها، فقالت: إنه مع قوته لامين. فقال شعيب: وبم علمت ذلك ؟ فأخبرته ما كان من قوله عند هبوب الريح عليها. فقال: أدخليه فدخل، فإذا شعيب قد وضع الطعام، فلما سلم رحب به وقال: أصب من طعامنا يا فتى. فقال موسى: أعوذ بالله. قال شعيب: لم ؟ قال: لاني من بيت قوم لا نبيع ديننا بمل ء الارض ذهبا. قال شعيب: لا والله ما طعامي لما تظن، ولكنه عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم، فجلس موسى فأكل. وهذه الدنانير يا أمير المؤمنين إن كانت ثمنا لما سمعت من كلامي، فإن أكل الميتة والدم في حال الضرورة، أحب إلي من أن آخذها. فأعجب سليمان بأمره إعجابا شديدا. فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، إن الناس كلهم مثله. قال: لا. قال الزهري: إنه لجاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته قط، فقال أبو حازم: صدقت، لانك نسيت الله ونسيتني، ولو ذكرت الله لذكرتني. قال الزهري: أتشتمني ؟ قال له سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أو ما علمت أن للجار على الجار حقا. قال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الامراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الامراء، فلما رئي قوم من أراذل الناس تعلموا العلم، وأتوا به الامراء، استغنت الامراء عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية، فسقطوا وهلكوا، ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم، لكانت الامراء تهابهم، وتعظمهم. فقال


(1) العبارة في حلية الاولياء: وكانت امرأة ذات عجز فكانت الرياح تصرف ثوبها فتصف لموسى عليه السلام عجزها فيغفى مرة ويعرض أخرى. (*)

[ 125 ]

الزهري: كأنك إياي تريد، وبي تعرض ؟ قال (1): هو ما تسمع. قال سليمان: يا أبا حازم عظني وأوجز. قال: حلال الدنيا حساب، وحرامها عذاب، وإلى الله المآب فاتق عذابك أو دع. قال: لقد أوجزت، فأخبرني ما مالك ؟ قال: الثقة بعدله، والتوكل على كرمه، وحسن الظن به، والصبر إلى أجله، واليأس مما في ايدي الناس. قال يا أبا حازم: ارفع إلينا حوائجك ؟ قال: رفعتها إلى من لا تخذل دونه (2)، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني رضيت، مع أني قد نظرت فوجدت أمر الدنيا يؤول إلى شيئين: أحدهما لي، والآخر لغيري. فأما ما كان لي، فلو احتلت عليه بكل حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه وحينه الذي قد قدر لي. وأما الذي لغيري: فذلك لا أطمع فيه، فكما منعني رزق غيري، كذلك منع غيري رزقي، فعلام أقتل نفسي في الاقبال والادبار ؟ قال سليمان: لا بد أن ترفع إلينا حاجة نأمر بقضائها. قال: فتقضيها ؟ قال: نعم، قال فلا تعطني شيئا حتى أسألكه، ولا ترسل إلي حتى آتيك، وإن مرضت فلا تعدني، وإن مت فلا تشهدني. قال سليمان: أبيت يا أبا حازم أبيت، قال: أتأذن لي أصلحك الله في القيام، فإني شيخ قد زمنت (2). قال سليمان: يا أبا حازم، مسألة ما تقول فيها ؟ قال: إن كان عندي علم أخبرتك به، وإلا فهذا الذي عن يسارك، يزعم أنه ليس شئ يسأل عنه إلا وعنده له علم، يريد محمدا الزهري، فقال له الزهري: عائذ بالله من شرك أيها المرء. قال: أما من شري فستعفي، وأما من لساني فلا. قال سليمان: ما تقول في سلام الائمة من صلاتهم: أواحدة أم اثنتان، فإن العلماء لدينا قد اختلفوا علينا في ذلك أشد الاختلاف ؟ قال: على الخبير سقطت، أرميك في هذا بخبر شاف: حدثني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد، أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم في الصلاة عن يمينه، حتى يرى بياض خده الايمن، ثم يسلم عن يساره، حتى يرى بياض خده الايسر، سلاما يجهر به. قال عامر: وكان أبي يفعل ذلك. وأخبرني سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى عمر بن الخطاب وابن عمر


(1) في حلية الاولياء: قال: ما إياك اعتمدت، ولكن هو ما تسمع. (2) أي شخت وعجزت. (3) في الحلية: رفعت حوائجي إلى من لا يختزن الحوائج. (*)

[ 126 ]

يسلمان من الصلاة كذلك. فقال الزهري: اعلم ما تحدث به أيها الرجل، فإن الحديث عن رسول الله صعب شديد إلا بالتثبت واليقين. قال أبو حازم: قد علمته ورويته قبل أن تطلع أضراسك في رأسك. فالتفت الزهري إلى سليمان قال: أصلحك الله. إن هذا الحديث ما سمعت به من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، فضحك أبو حازم، ثم قال: يا زهري، أحطت بحديث رسول الله كله ؟ قال: لا. قال: فثلاثة أرباعه ؟ قال: لا، قال: فثلثه ؟ فقال: أراني ذلك قد رويت وبلغني. فقال أبو حازم: فهذا من الثلث الذي لم يبلغك، وبقي عليك سماعه. فقال سليمان: ما ظلمك من حاجك، ثم قام مأذونا له. فأتبعه سليمان بصره، ينظر إليه، ويعجب به. ثم التفت إلى جلسائه فقال: ما كنت أظن بقي في الدنيا مثل هذا. قال: ثم انصرف سليمان من الحج قافلا إلى الشام. وذكروا (1) أن غلمانا لسليمان نازعوا غلمانا لعمر بن عبد العزيز، فتعدى غلمان عمر على غلمان سليمان، فرفع ذلك إلى سليمان، وأغرى بعمر. فقال له سليمان: إلا تنصف غلماني، وهو كالمغضب مما فعل بهم ؟ فقال عمر: ما علمت هذا قبل هذا الوقت، وما سمعت هذا إلا في مقامي هذا. فقال سليمان: كذبت لقد علمته. فقال عمر: كذبت والله ما كذبت ولا تعمدت كذبا منذ شددت مئزري على نفسي، وإن في الارض عن مجلسك لسعة ثم خرج عمر، فتجهز وهو يريد مصر ليسكنها، فبلغ ذلك سليمان، فندم على ما كان من قوله، وأرسل إليه أن لا يبرح (2)، وأمر رجلا يقول له: لا تعاقب أمير المؤمنين على قوله، ولا تذكر له هذا، فترك عمر الخروج وجلس، وأقل الاختلاف إلى سليمان. ذكر وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن خالد بن أبي عمران أخبرهم، وكان قد أدرك القوم، قال: مرض سليمان مرضه الذي مات فيه، وذلك في شهر صفر سنة تسع وتسعين،


(1) الخبر في العقد الفريد 4 / 430 باختلاف واختصار. (2) العبارة في العقد: فدخل (عمر) عليه، فقال له: يا بن عمي، إن المعاتبة تشق علي، ولكن والله ما أهمني أمر قط من ديني ودنياي إلا كنت أول من أذكره لك. (وانظر سيرة عمر لابن عبد الحكم ص 28). (*)

[ 127 ]

فدخل عليه عمر بن عبد العزيز عائدا، فدعا سليمان بنين له صغارا، فقلدهم السيوف، فوقعوا في الارض. فقال سليمان: قد أفلح من كان له بنون كبار (1). فقال عمر: ليس هكذا قال الله. فقال سليمان: وكيف قال الله ؟ فقال عمر: قال الله تعالى: (قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى) [ الاعلى: 24 - 25 ]، فقال سليمان: إني أريد أن أعهد إليك، وأوليك أمور الناس بعدي. فقال عمر: لا حاجة لي بذلك. فقال سليمان: ولم ذلك ؟ فقال: لاني لا أريد أخذ أموالهم، فإذا لم أرد أخذ أموالهم، فما الذي يدعوني إلى ضرب ظهورهم ؟ فقال سليمان: لا بد من هذا. فقال عمر: ولم ذلك ؟ ولك في ولد عبد الملك سعة، فأعفني من هذا يعف الله عنك. فقال له سليمان: والله لا أوليها غيرك بعدي. فقال عمر: وما الذي يدعوك إلى هذا ؟ فقال سليمان: إني رأيت في منامي قائلا يقول لي: إن عمر بن عبد العزيز لك جنة ووقاية وجسر تتخطاه. فأولت ذلك - إن شاء الله - أن أوليك الامر من بعدي، لتكون توليتي لك جنة من النار، وجسرا أركبه، لانجو عليه من عذاب يوم القيامة ثم ليزيد بعدك (2)، فإنه أرشد ولد عبد الملك. فقال عمر: إن هذا الامر لا يسعني بيني وبين الله عزوجل، أن أتقدم على أمة محمد، وفيهم خير مني. فقال سليمان: أما في آل أمية وعبد شمس فلا أعلم خيرا منك. فقال عمر: إن لم يكن في آل أمية وعبد شمس خير مني بقولك، ففي آله عبد مناف وآل هاشم من هو خير مني. فقال سليمان: لا، فقال عمر: ففي آل تيم وعدي خير مني، ومل ء الارض مثلي. فقال سليمان: إنما تريد القاسم وسالما ؟ (3) قال: نعم، إياهما أردت. فقال سليمان: رجلان صالحان ذكرت، ولكنهما ليسا للملك، ولا الملك لهما، ولا من معدن الملك هما، مع أنه ليس بزمان خلافة، ولا أيام يملك فيها مثل القاسم وسالم، إنما هو زمان ملك وسيف وإنما هي ذئاب تعدو ليست على غنم تؤمن. فقال عمر: الله المعين، المصلح


(1) العبارة في العقد الفريد 4 / 430 (قال رجزا): إن بني صبية صغار * أفلح من كان له كبار (2) ذكر رجاء بن حيوة أن سليمان بن عبد الملك استشاره إلى من يعهد، قال رجاء: فقلت: إلى عمر بن عبد العزيز، قال: كيف نصنع بوصية أمير المؤمنين بابني عاتكة، من كان منهما حيا ؟ قلت: تجعل الامر بعده ليزيد. قال: صدقت. (العقد الفريد 4 / 430 وانظر الطبري 6 / 550). (3) يريد القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر. (*)

[ 128 ]

لمن أراده. فسكت سليمان، وظن أن عمر رضي بما قال له، ثم دعا سليمان بصحيفة ثم كتب ويده ترتعش من شدة العلة، لا يعلم أحد بما يخط، فكتب عهد عمر، ثم من بعد عمر ليزيد، ثم ختم عليه بيده، متحاملا لذلك، وعمر لا يشك أن الامر فيه قد صار لغيره، ثم دعا سليمان برجاء بن حيوة، فقال له: خذ هذا الكتاب فإنه عهدي، فاجمع إليه قريشا، وأمراء الاجناد، وأعلمهم أنه عهدي، وأن من كان اسمه في كتابي هذا فهو الخليفة بعدي، فمن نزع عن ذلك وأباه، فالسيف السيف، والقتل القتل، ثم رفع سليمان يديه إلى السماء فقال: اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلت، وهي صغيرة يسيرة في جنب عفوك، فاعف عني يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اعف عني ما بيني وبينك من الذنوب، واحمل عني ما بيني وبين خلقك، وأرضهم بما شئت، يا أرحم الراحمين. اللهم إن كنت تعلم مني وتطلع من ضميري، أني إنما أردت بعهدي هذا وتوليتي من وليت فيه وجهك ورضاك فاغفر لي وارحمني. ثم تخلخل لسانه، فلم يقو على الكلام من ثقل العلة، ثم سكت وأغمي عليه. قال رجاء: فخرجت وعمر معي. فقلت له: ما أراك إلا صاحب الامر، فقال عمر: ما أحسب ذلك. فقلت، ومن عسى أن يكون في آل مروان من يريد سليمان توليته غيرك ؟ فقال عمر: ما أراه عهد إلا لاحد الرجلين: القاسم أو سالم. قال رجاء: فقلت له: أسمعت ذلك منه ؟ فقال عمر ما سمعته، ولكن دار بيني وبينه كلام آنفا قبل دخلتك، لا أشك أنه أراد أحدهما. قال رجاء: فقلت: والله هذا الاختلاف في أمة محمد، والفتن الظاهرة القاصمة للظهور، المفنية للانفس. فقال عمر: ولم ذلك ؟ فقال رجاء: لان قريشا ونحوها لا ترضى بهذا، ولا تصير إليه، ولا آل أمية وعبد شمس حيث كانت من الارض. فقال عمر: إن الامر لله من قبل ومن بعد، يؤتي الملك من يشاء، فقال رجاء: فخرجت إلى الناس وأعلمتهم بعهد أمير المؤمنين. فقالوا: سمعا وطاعة (1)، ثم أعلمتهم بابتهاله ورغبته إلى الله، وما قال، فلم يشك الناس أن عمر بن عبد العزيز صاحبهم، فأرادوا أن يسلموا عليه


(1) في الطبري وابن الاثير: أن سليمان أمر كعب بن حامد العبسي صاحب شرطته أن يدعو أهل بيته، ثم أمر رجاء بعد اجتماعهم أن يخبرهم ويأمرهم بالمبايعة بعد سليمان لمن ذكره وعهد إليه في كتابه. ثم دخلوا على سليمان فطلب إليهم أن يبايعوا لمن سمي في الكتاب فبايعوه رجلا رجلا. (وانظر البداية والنهاية 9 / 206). (*)

[ 129 ]

بالخلافة، وذلك لما أيقنوا بهلاك سليمان. فقلت لهم: لا تعجلوا فإن عمر قال لي: أرى سليمان ما أراد إلا القاسم أو سالما، وهذا أفطن مني بهذا الامر لانه كان حاضرا، وسليمان يكتب العهد بيده، فضج الناس من ذلك واختلفوا. فقالت فرقة: سمعنا وأطعنا، لمن استخلف علينا، كان من كان. وقالت فرقة: لا، والله لا نقر بهذا، ولا نطيعه ولا يستخلف علينا إلا مرواني، ولا تبقى منا عين تطرف في الدنيا. فقال رجاء لعمر: كيف ترى قولي، والله لئن كان هذا إنه لهو البلاء المبين، وإنها الفتنة قد فتح بابها. فقال عمر: أرجو الله أن يغلقه إن شاء الله. قال رجاء: فقلت لعمر: ما نحن صانعون إن كان هذا ؟ فقال عمر: لا أدري ما أقول في موقفي هذا. قال رجاء: ولم ؟ فقال عمر: لاني والله ما وقفت موقفا قط، لا رأي لي فيه ولا بصيرة، إلا موقفي هذا، فإني قد أجدني قد ذهب روعي (1)، وفقدت رأيي، ولا أدري ما أستقبل من أمري، ولا ما أستدير، ولو استطعت الفرار لفررت من موضعي هذا، حيث لا أدرك ولا أرى. قال رجاء: فلما قاولني بهذا علمت أنه للذي قال من فقده لرأيه وبصيرته. قال رجاء: فقلت له: يا أبا حفص، فأين نحن من المفزع إلى الله، والرغبة في الصلاح علينا وعلى المسلمين، ويعزم لنا على ما فيه الخير والخيرة ؟ فقال عمر: بلى والله هذا الملجأ وهذا الحصن الحصين والمعقل الشديد. قال رجاء: فبتنا ليلتنا لا نألوا على أنفسنا في الدعاء، والاستخارة لله، فلما أصبحنا قلت لعمر: ما ترى يا أبا حفص ؟ فقال: أرى أن أسمع وأطيع لمن في هذا الكتاب فإن كان أحد الرجلين قدم سمعت له وأطعت، ورددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى أموت. قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول: قد قضى أمير المؤمنين نحبه، فخرجا، فإذا بالعويل والنوح، فرجعا إلى المسجد ترعد فرائصهما، والناس يسلمون على عمر بالخلافة وهو يقول: لست به، حتى دخل المسجد، وقد اجتمع الناس، وهو مستعدون للفتنة والقتال، إن خالف العهد ما يريدون. فقام رجاء إلى جانب المنبر: فحمد الله، وحض الناس على الطاعة، ولزوم الجماعة، وأعلمهم بما في الفرقة والاختلاف، من ذهاب الدين والدنيا، ثم أخرج العهد، ففضه بمحضر منهم، ثم قرأه عليهم. فإذا فيه (2): بسم الله


(1) الروع: بضم الراء، القلب، أي ذهب عقلي. (2) نسخة كتاب العهد باختصار في الطبري 6 / 551 ابن الاثير 3 / 252 البداية والنهاية 9 / 206 = (*)

[ 130 ]

الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عهد أنه يشهد لله بالربوبية والوحدانية، وأن محمدا عبده ورسوله، بعثه إلى محسني عباده بشيرا، وإلى مذنبيهم نذيرا، وأن الجنة حق، وأن النار حق مخلوقتان، خلق الجنة رحمة (1) لمن أطاعه، والنار عذابا لمن عصاه (2)، وأوجب العفو لمن عفا عنه، وأن إبليس في النار، وأن سليمان مقر على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه [ وبما تعلمه نفسه من معصية ربه ]، موجب على نفسه استحقاق ما خلق من النقمة راج لما وعد من الرحمة [ ووعد من العفو ] والمغفرة، وأن المقادير كلها خيرها وشرها من الله (3)، وأنه هو الهادي وهو الفاتن، لم يستطع أحد لمن خلق الله لرحمته غواية، ولا لمن خلق لعذابه هداية، وأن الفتنة في القبور بالسؤال عن دينه ونبيه الذي أرسل إلى أمته حق يقين، لا منجي لمن خرج من الدنيا إلى الآخر من هذه المسألة [ إلا لمن استثناه عز وجل في علمه ]. وسليمان يسأل الله بواسع فضله وعظيم منه، الثبات على الحق عند تلك المسألة، والنجاة من أهوال تلك الفتنة، وأن الميزان حق يقين، يضع الموازين القسط ليوم القيامة، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه [ يومئذ ] فأولئك هم الخاسرون، وأن حوض محمد صلى الله عليه وسلم يوم الحشر والموقف حق، عدد آنيته كنجوم السماء، من شرب منه لم يظما أبدا. وسليمان يسأل الله برحمته أن لا يرده عنه عطشان وأن أبا بكر وعمر خير هذه الامة، بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، والله يعلم بعدهما حيث الخير، وفيمن الخير من هذه الامة، وأن هذه الشهادة المذكورة في عهده هذا، يعلمها [ الله ] من سره وإعلانه، وعقد ضميره، وأن بها عبد ربه قي سالف أيامه، وماضي عمره، وعليها أتاه يقين ربه، وتوفاه أجله، وعليها يبعث بعد الموت إن شاء الله، وأن سليمان كانت له بين هذه الشهادة بلايا وسيئات، لم يكن له عنها محيص (4)، ولا دونها مقصر بالقدر السابق والعلم النافذ في محكم الوحي، فإن يعف ويصفح، فذلك ما عرف منه قديما، ونسب إليه حديثا، وتلك


= وفي صبح الاعشى نسخة كتاب العهد نقلا عن المؤلف 9 / 360. (1) في صبح الاعشى: رحمة وجزاء. (2) في الصبح: والنار نقمة وجزاء لمن عصاه. (3) راجع العبارة في الصبح. (4) في الصبح: محيد. (*)

[ 131 ]

الصفة التي وصف بها نفسه في كتابه الصادق، وكلامه الناطق، وإن يعاقب وينتقم فيما قدمت يداه، وما الله بظلام للعبيد، وإني أحرج على من قرأ عهدي، وسمع ما فيه من حكمه، أن ينتهي إليه في أمره ونهيه، بالله العظيم وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن يدع الاحن (1)، ويأخذ بالمكارم، ويرفع يديه إلى السماء بالابتهال الصحيح (2)، والدعاء [ الصحيح، والصفح ] الصريح، يسأله العفو عني، والمغفرة لي، والنجاة من فزعي، والمسألة في قبري، لعل الودود، أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما [ من الله ] علي من صفحه يعود إن شاء الله. وإن ولي عهد ي فيكم، وصاحب أمري بعد موتي [ في جنده ورعيته وخاصته وعامته ] (3)، في كل من استخلفني الله عليه، الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ابن عمي لما بلوت من باطن أمره وظاهره، ورجوت الله بذلك وأردت رضاه ورحمته إن شاء الله، ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده، فإني ما رأيت منه إلا خيرا، ولا اطلعت منه على مكروه، وصغار ولدي وكبارهم إلى عمر، إذ رجوت ألا يألوهم رشدا وصلاحا، والله خليفتي عليهم [ وعلى جماعة المؤمنين والمسلمين ]، وهو أرحم الراحمين، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. ومن أبى عهدي هذا وخالف أمري فالسيف، ورجوت أن لا يخالفه أحد ومن خالفه فهو ضال مضل يستعتب (4) فإن أعتب، وإلا فالسيف، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله القديم الاحسان (5). أيام عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن خالد بن أبي عمران أنه قال: إني لحاضر يوم قرئ عهد سليمان في المسجد بدمشق (6) على الناس، فما رأيت يوما أكثر باكيا ولا داعيا له


(1) الاحن: الضغائن والاحقاد. (2) في الصبح: بالضمير النضوح. (3) زيادة عن الصبح، وهذه الفقرة في الصبح استعمل فيها ضمير الغائب بدل المتكلم كما هو في الاصل. (4) يستعتب أي يراجع ويعاتب حتى يرجع عما هو فيه. (5) ما ورد بين معكوفتين في الكتاب زيادة عن نسخته في صبح الاعشى. (6) في مصادر ترجمته أنه مات ودفن بدابق من أرض قنسرين (الطبري - ابن الاثيرر - البداية والنهاية - مروج الذهب). (*)

[ 132 ]

بالرحمة من ذلك اليوم، فلم يبق محب ولا مبغض ولا خارجي ولا حروري (1) إلا أخذ الله له بقلوبهم، وابتهلوا بالدعاء وأخلصوا له بالسؤال بالعفو من الله، ورضي الناس أجمعون فعله، قال خالد: ثم بايع الناس لعمر في المسجد بيعة تامة جامعة طيبة بها النفوس، لا يشوبها غش، ولا يخالطها دنس، قال خالد: وسمعت رجاء يقول لما تمت البيعة: إني مهما شككت في شئ فإني لم أشك يوم البيعة لعمر بالنجاة، والرحمة لسليمان إن شاء الله، واستفتح عمر ولايته ببيع أموال سليمان، ورباعه (2) وكسوته، وجميع ما كان يملكه، فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف دينار، فجمع ذلك كله، وجعله في بيت المال، ثم دخل على زوجته فاطمة ابنة عبد الملك، قال لها: يا فاطمة، فقالت: لبيك يا أمير المؤمنين، فجعل يبكي، وكان لها محبا، وبها كلفا، ثم استفاق من بكائه، فقال لها: اختاريني، أو اختاري الثوب الذي عمل لك أبوك، وكان قد عمل لها أبوها عبد الملك ثوبا منسوجا بالذهب، منظوما بالدر والياقوت، أنفق عليه مائة ألف دينار. فقال لها: إن اخترتني فإني آخذ الثوب فأجلعه في بيت المال، وإن اخترت الثوب، فلست لك بصاحب. فقال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين من فراقك، لا حاجة لي بالثوب. فقال عمر: وأنا أفعل بكل خصلة، أجعل الثوب في آخر بيت المال، وأنفق ما دونه، فإن وصلت إليه أنفقته في مصالح المسلمين، وإنما هو من أموال المسلمين أنفقت فيه، وإن بقي الثوب ولم أحتج إليه، فلعل أن يأتي بعدي من يرده إليك. قالت: افعل يا أمير المؤمنين ما بدا لك. ثم دخل عليه ابنه، وعليه قميص تذعذع. فقال له عمر: ارفع قميصك يا بني، فو الله ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم. ذكر قدوم جرير بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن عبد الاعلى بن أبي المشاور، أنه أخبرهم قال: قدم جرير شاعر أهل العراق وأهل الحجاز على عمر، أول ما استخلف، فأطال المقام ببابه، لا يصل إليه حتى قدم عليه عون بن عبد الله الهذلي (3)، وكان من عباد


(1) نسبة إلى خوارج حروراء. (بلد): (2) الرباع جمع ربع، الفصيل الذي ينتج في الربيع. (3) يريد عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. (*)

[ 133 ]

الناس وخيارهم، وعليه جبة صوف وعمامة صوف قد أسدلها خلفه، فجعل يتخطى رقاب الناس من قريش، وبني أميه وغيرهم، لا يمنع ولا يحجب هو ومثله من أكابر الناس وخيارهم، وفضلاء العباد، وقريش لا يصلون ولا يدخلون فلما خرج عون بن عبد الله، اتبعه جرير بن الخطفي وهو يقول: يا أيها الرجل (1) المرخي عمامته * هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه * أني لدى الباب كالمصفود في قرن فاحلل صفادي (2) فقد طال المقام به * وشطت (3) الدار عن أهلي وعن وطني قال: فضمن له عون ابن عبد الاعلى أن يدخله عليه. فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين، هذا جرير بن الخطفي بالباب، يريد الاذن. فقال عمر: ما كنت أرى أحدا يحجب عني. قال: إنه يريد إذنا خاصا. قال له عمر: أله عن ذكره، ثم حدثه طويلا، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن جريرا بالباب: فقال: أله عن ذكره. قال: إذا لا أسلم من لسانه. فقال عمر: أما إذ قد بلغ منك خوف لسانه ما أرى فأذن له. فدخل جرير. فلما كان قيد رمح أو رمحين وعمر منكس رأسه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، ثم قال: إن الخلفاء كانت تتعاهدني فيما مضى بجوائز وصلات، وقد أصبحت إلى ذلك منك محتاجا. ثم أنشأ يقول: قد طال قولي إذا ما قمت مبتهلا * يا رب أصلح قوام الدين والبشر إنا لنرجو إذ ما الغيث أخلفنا * من الخليفة ما نرجو من المطر أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت * أم قد كفاني ما بلغت من خبر (4) ما زلت بعدك في (5) هم يؤرقني * قد طال في الحي إصعادي ومنحدري لا ينفع الحاضر المجهود بادية * ولا يعود (6) لنا باد على حضر كم باليمامة (7) من شعثاء أرملة * ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر


(1) في الاغاني 8 / 47: يا أيها القاري. (2) صفادي: تقييدي. (3) شطت الدار: بعدت. (4) في الاغاني: أم نكتفي بالذي بلغت من خبري. (5) في الاغاني: في دار تعرقني قد طال بعدك.. (6) في الاغاني: ولا يجود.. (7) في الاغاني: كم بالمواسم. (*)

[ 134 ]

يدعوك دعوة ملهوف كأن به * مسا من الجن أو مسا من البشر (1) فإن تدعهم فمن يرجون بعدكم * أو تنج منها فقد أنجيت من ضرر هذي الارامل قد قضيت حاجتها * فمن لحاجة هذا الارمل الذكر خليفة الله ماذا تأمرون بنا * لسنا إليكم ولا في دار منتظر أنت المبارك والمهدي سيرته * تعصى الهوى وتقوم الليل بالسور قال: فبكى عمر، وهملت عيناه، وقال: ارفع حاجتك إلينا يا جرير. قال جرير: ما عودتني الخلفاء قبلك. قال: وما ذلك ؟ قال: أربعة آلاف دينار (6)، وتوابعها من الحملان والكسوة. قال عمر: أمن أبناء المهاجرين أنت ؟ قال: لا. قال: أفمن أبناء الانصار أنت ؟ قال: لا. قال: أفقير أنت من فقراء المسلمين ؟ قال: نعم. قال: فأكتب لك إلى عامل بلدك، أن يجري عليك ما يجري على فقير من فقرائهم. قال جرير: أنا أرفع من هذه الطبقة يا أمير المؤمنين. قال: فانصرف جرير. فقال عمر: ردوه علي. فلما رجع قال له عمر: قد بقيت خصلة أخرى، مني هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر: إنها والله لمن خالص مالي، ولقد أجهدت لك نفسي. فقال جرير: والله يا أمير المؤمنين إنها لاحب مال كسبته. ثم خرج، فلقيه الناس فقالوا له: ما وراءك ؟ قال: جئتكم من عند خليفة يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء وإني عنه لراض (3). دخول الخوارج على عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن ابن حنظلة (4) أخبرهم قال: بعثني وعون بن عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت عليه بالحيرة، رأسهم رجل من بني شيبان يقال له شوذب، وكتب معنا كتابا إليهم، فقدمنا عليهم، فبعثوا معنا إليه رجلين


(1) في ديوانه والاغاني: " من النشر " والنشر جمع نشرة وهي رقية يعالج بها المجنون أو المريض. (2) في الاغاني: درهم. (3) الخبر في الاغاني باختلاف وزيادة وحلية الاولياء 5 / 327 - 328. (4) هو محمد بن الزبير الحنظلي. والخبر في مروج الذهب 3 / 233 ابن الاثير 3 / 257 سيرة ابن عبد الحكم ص 112 العقد الفريد 2 / 401. والطبري 8 / 132. (*)

[ 135 ]

أحدهما من العرب (1)، فأتينا بهما عمر، فدخلنا عليه وتركناهما بالباب. فقلنا له: إنا قد بلغنا عنك، وقد بعثوا معنا رجلين هما بالباب. قال: فتشوهما لا يكون معهما حديد أو شئ، ففعلنا، ثم إننا أدخلناهما عليه. فلما دخلا قالا: السلام عليكم. قال: وعليكم السلام، اجلسا. فلما جلسا قال لهما عمر: ما الذي أخرجكم علينا ؟ فقال العربي، وكان أشدهما كلاما، وأتمهما عقلا، أما إنا لم ننكر عليك عدلك ولا سيرتك، ولكن بيننا وبينك أمر، هو الذي يجمع ويفرق بيننا، فإن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن لم تعطنا فلسنا منك ولست منا. فقال عمر: فما هو ؟ فقال: خالفت أهل بيتك، وسميتهم الظلمة، وسميت أعمالهم المظالم، فإن زعمت أنك على الحق وأنهم على الباطل، فالعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إنكم لم تتركوا الاهل والعشائر وتعرضتم للقتال إلا وأنتم في أنفسكم مصيبون، ولكنكم أخطأتم وضللتم، وتركتم الحق. أخبراني عن الدين، أواحد أو اثنان ؟ قالا: لا بل واحد. قال: أفيسعكم في دينكم شئ يعجز عني ؟ قالا: لا. قال: فأخبراني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم ؟ قالا: أفضل الناس أبو بكر وعمر. قال: ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت العرب، فقاتلهم أبو بكر، فقتل الرجال، وسبى النساء والذرية ؟ قالا: بلى. قال عمر: فلما توفي أبو بكر وقام عمر، ورد تلك النساء والذراري إلى عشائرهما، فهل تبرأ عمر من أبي بكر، ولعنه بخلافه إياه ؟ قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فما تقولان في بلال بن مرداس ؟ (2) قالا: من خير أسلافنا. قال: أفليس قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والاموال وقد لطخ أصحابه أيديهم فيها، فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الاخرى، أو لعنت إحداهما الاخرى ؟ قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فأخبراني عن عبد الله بن وهب حين خرج بأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم، فمروا بعبد الله بن خباب فقتلوه، وبقروا بطن جاريته، ثم عدوا على قوم من بني قطيفة، فقتلوا


(1) في مروج الذهب: " أحدهما من بني شيبان والآخر فيه حبشية " وفي الطبري وابن الاثير: مولى لبني شيبان حبشيا اسمه عاصم، ورجلا من بني يشكر و (في الطبري: من صليبة بني يشكر). (2) في المصادر المذكورة: أهل النهروان بدل بلال بن مرداس. (*)

[ 136 ]

الرجال، وأخذوا الاموال وغلوا الاطفال في المراجل، ثم قدموا على أصحابهم من الكوفة وهم كافون عن الدماء والفروج والاموال، هل تبرأت إحدى الطائفتين من الاخرى، أو لعنت إحداهما الاخرى، قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. فقال عمر: فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والاحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض، ولا لعن بعضهم بعضا، وأنتم تتولونهم على خلاف سيرتهم فهل وسعكم في دينكم ذلك، ولا يسعني حين خالفت أهل بيتي في الاحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم ؟ أخبراني عن اللعن: فرض على العبادة ؟ قالا: نعم. فقال عمر: متى عهدك بلعن فرعون ؟ قال: ما لي به من عهد منذ زمان. قال عمر: هذا رأس من رؤوس الكفار ليس لك عهد بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعني أن ألعن من خالفتهم من أهل بيتي، ألستم أنتم الذين تؤمنون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيفه، وتخيفون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنه ؟ فقالا: نبرأ إلى الله تعالى من هذه الصفة. فقال: بلى فسأخبركما عن ذلك، ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج والناس أهل كفر، فدعاهم أن يقروا بالله ورسوله، فمن أبى قاتله وخوفه، ومن أقر بهما أمنه وكف عنه، وأنتم اليوم من مر بكم يقر بهما قتلتموه، ومن لم يقر بهما أمنتموه وخليتم سبيله، فقال العربي (1): تالله ما رأيت حجيجا (2) أقرب مأخذا، ولا أوضح منهاجا منك، أشهد أنك على الحق، وأنا على الباطل. وقال الآخر: لقد قلت قولا حسنا، وما كنت لافتات على أصحابي حتى ألقاهم (3) فلحق بأصحابه، وأقام الآخر عند عمر، فأجرى عليه العطاء والرزق حتى مات عنده (4).


(1) يريد مولى بني شيبان واسمه عاصم (أو الذي فيه حبشية). (2) أي قوي الحجة. (3) زيد في مروج الذهب: حتى أعرض قولك عليهم فانظر ما حجتهم (4) قيل انه بقي خمسة عشر يوما ثم مات. أما الآخر فقد لحق بأصحابه وقتل معهم بعد موت عمر. قارن الخبر مع المصادر المذكورة، ففيه اختلاف وزيادة ونقصان فيما بينها، وبينها وبين الاصل. أعرضنا عن ملاحظة الفروقات بين النصوص للاختصار فارجع إليها. (*)

[ 137 ]

وفاة عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن يزيد أخبرهم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن أبي زكريا (1)، أما بعد: فإذا نظرت في كتابي فأقدم: فقدم عليه فقال: مرحبا بابن أبي زكريا. قال: وبك يا أمير المؤمنين. قال: حاجة لي قبلك. قال: بين الانف والعين حاجتك يا أمير المؤمنين، إن قدرت عليها. قال: لست أكلفك إلا ما تقدر عليه. قال: نعم، قال: أحب أن تثني على الله بمبلغ علمك، حتى إذا فرغت سألت الله أن يقبض عمر. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، بئس وافد أمة محمد أنا، هذا لا يحل لي. قال: فإني أعزم عليك بحق الله وبحق رسوله، وبحقي إن كان لي عليك حق إلا ما فعلته، فبكى ثم استرجع، ثم أقبل يثني على الله، وإنه ليبكي حتى إذا فراغ قال: اللهم إن عمر سألني بحقك وبحق رسولك وبحقه علي أن أدعو في قبضه إليك، فاقبض عمر إليك كما سأل ولا تبقني بعده، وجاء حينئذ بني لعمر فسقط في حجره، فقال: وهذا أي ربي معنا فإني أحبه. قال: فما كانوا إلا كخرزات في خط فانقطع الخيط، فأتبع بعضها بالسقوط بعضا. ذكر رؤيا عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن مزاحم مولى عمر قال: أخبرتني فاطمة ابنة عبد الملك امرأة عمر قالت: كان لعمر بن عبد العزيز مكان يخلو فيه، فأبطأ علي ذات ليلة، فقلت لآتينه، فوجدته نائما، فهبته أن أوقظه، فما لبث إلا قليلا حتى رفع رأسه فقال: من هذا ؟ فقلت: أنا فاطمة. فقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها. فقلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال: رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أحسن منها،: ورأيت في تلك الارض قصرا من زبرجد، ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي. فقال: أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ؟ فقام النبي عليه الصلاة والسلام فدخل القصر، فقلت: سبحان الله، أنا في جمع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسلم عليه، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين أبو


(1) قارن مع سيرة ابن عبد الحكم ص 99 وفيه اختلاف. (*)

[ 138 ]

بكر بن أبي قحافة ؟ فقام أبو بكر فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن الخطاب، أين الفاروق ؟ فقام عمر فدخل، فقلت: سبحان الله، أنا في ملا فيهم جدي لم أسلم عليه، فما لبثت إلا يسيرا حتى خرج المنادي فقال: أين عثمان بن عفان ؟ فقام عثمان فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين علي بن أبي طالب ؟ فقام فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن عبد العزيز. قال: فقمت فدخلت، فلما صرت في القصر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعثمان وعليا أمامه. فقلت: أين أقعد ؟ لا أقعد إلا إلى جنب عمر. قال: فرأيت فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر شابا حسن الوجه حسن الهيئة. فقلت لعمر: من هذا ؟ قال: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج عثمان بن عفان وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني ربي، ثم خرج علي وهو يقول: الحمد لله الذي غفر لي ربي، ثم نودي لي: أين عمر بن عبد العزيز، فقمت فصرت بين يدي ربي فحاسبني، فلقد سألني عن النقير والفتيل والقطمير، حتى خفت أن لا أنجو، ثم قمت فخرجت فقيل لي: أثبت وتمسك على ما أنت عليه، فبينما أنا سائر، فإذا بجيفة قد علا نتنها الخلائق، فضربتها برجلي، وقلت لمن معي: لمن هذه الجيفة ؟ فقيل لي: هذا الحجاج بن يوسف، فضربته برجلي، فقلت له: ما فعل الله بك يا حجاج ؟ قال: يا أمير المؤمنين والله لقد قتلت بكل قتيل قتلته بسيف من نار، ولقد قتلت بسعيد بن جبير اثنين وسبعين قتلة. فقلت: فآخر أمرك ما هو ؟ قال: أنا هاهنا أنتظر ما ينتظر من وحد الله، وآمن برسوله (1). قالت فاطمة: فلم يبق عمر بعد هذه الرؤيا إلا يسيرا، حتى مرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك لتترك ولدك عالة على الناس، فأوص بهم إلي، أكفك أمرهم، فإنك لم تمولهم شيئا، ولم تعطهم. فقال عمر: يا أبا سعيد، إن ولدي لهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، ثم دعاهم عمر وهم أربعة عشر غلاما، فنظر إليهم عمر، وقد لبسوا الخشن من قباطي مصر (2) فاغرورقت عيناه بالدموع. قال


(1) الخبر مختصر في حلية الاولياء 5 / 337 والبداية والنهاية 9 / 332. (2) قباطي: ثياب تصنع في مصر، نسبة إلى أقباط مصر يصنعونها، ومنها الناعم الممتاز والخشن = (*)

[ 139 ]

لهم: أوصيكم بتقوى الله العظيم، وليجل صغيركم كبيركم، وليرحم كبيركم صغيركم. ثم قال لمسلمة: يا أبا سعيد، إنما ولدي على أحد أمرين: إما عامل بطاعة الله فلن يضيعه الله، وإما عامل بمعصيته فلا أحب أن يعينه بالمال، قوموا عصمكم الله ووفقكم (1). ثم دعا رجاء بن حيوة فخلا به. فقال: يا رجاء، إن الموت قد نزل، وأنا أعهد إليك عهدا لا أعهده إلى غيرك، إذا أنا مت فكن ممن يقبرني، فإذا سويت علي اللبن، فارفع لبنة، ثم اكشف عن وجهي وانظر إليه، فإني قبرت ثلاثة رجال بيدي، وكشفت عن وجوههم، فنظرت وجوههم قد اسودت، وعيونهم قد برزت من وجوههم، فاكشف عن وجهي يا رجاء وانظر إليه، فإن رأيت شيئا من هذا، فاستر علي، ولا تعلم به أحدا، وإن رأيت غير ذلك، فاحمد الله عليه. قال رجاء: ففعلت ذلك، فلما سوينا عليه اللبن، رفعت لبنة وكشفت وجهه، فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر، وإذا على صدره صك فيه خط ليس من كتابة الادميين: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب بالقلم الجليل، من الله العزيز العليم، براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الاليم (2). ما علم به موت عمر رحمه الله في الامصار قال: وذكروا أن رجلا من أهل المدينة قال: وفد قوم من أهل المدينة إلى الشام، فنزلوا برجل في أوائل الشام موسع عليه، تروح عليه إبل كثيرة، وأبقار وأغنام، فنظروا إلى شئ لا يعلمونه، غير ما يعرفون من غضارة العيش، إذ أقبل بعض رعاته فقال: إن السبع عدا اليوم على غنمي، فذهب منها بشاة. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم جعل يأسف أسفا شديدا فقلنا بعضنا لبعض: ما عند هذا خير، يتأسف ويتوجع من شاة أكلها السبع !، فكلمه بعض القوم. قال له: إن الله تعالى قد وسع عليك، فما هذا التوجع والتأسف ؟ قال: إنه ليس مما ترون، ولكن أخشى أن يكون عمر بن عبد العزيز قد توفي الليلة، والله ما تعدى السبع على الشاة إلا لموته، فأثبتوا ذلك اليوم، فإذا عمر قد توفي في ذلك اليوم.


= وهو ما كان أولاده يلبسونه. (1) الخبر في العقد الفريد 4 / 439 - 443 وحيلة الاولياء 5 / 333 - 334. (2) انظر حلية الاولياء 5 / 326 البداية والنهاية 9 / 236. (*)

[ 140 ]

وذكروا أنهم سمعوا رجلا يحدث ويقول: بينا رجل باليمن نائم على سطح له ذات ليلة، إذ تسور عليه كلب، فسمعه وهو يقول لهرة له: أي جنة، هل من شئ أصيبه، فإني والله أكال ؟ فقال له الهرة: ما ثم شئ لقد غطوا الاناء، وأكفئوا الصحفة فقال لها: هل تدنيني من يد صبي، أو قدر لم تغسل، أشمها لترتد لي روحي ؟ قالت الهرة: ما كنت لاخونهم أمانتي، فمن أين أقبلت تشكو الكلل والجوع ؟ قال: من الشام، شهدت وفاة عمر بن عبد العزيز، وحضرت جنازته. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون. نور كان في الدنيا فطمس، ثم زالت عنه، وتنحت وفرت منه، وهابته خوفا من أن يعدو عليها، ثم انسل الكلب ذاهبا، فلما أصبح الرجل جعل يقول للهرة: أي جنة، جزاك الله عنا خيرا قال: فاستوبرت (1) الهرة، وذهبت فلم ترد بعد، فكتب ذلك اليوم فجاءهم موت عمر في ذلك اليوم. وذكروا أن زياد بن عبد الله أخبرهم قال: كان رجل في بعض كور الشام يعالج أندرا (2) له مع زوجته، وكان قد استشهد ابن لهما منذ زمان طويل، فنظر الرجل إلى فارس مقبل نحوهما. فقال الرجل لزوجته: يا فلانة، هذا والله ابني وابنك مقبلا، فنظرت المرأة فقالت: أخدعك الشيطان ؟ إنك مفتون بابنك، وانك تشبه به الناس كلهم، كيف يكون ابنك، وابنك استشهد منذ حين، فاستعاذ الرجل بالله من الشيطان الرجيم، ثم أقبل على أندره يعالجه، ودنا منهما الفارس، ثم نظر ثانية، قال: يا فلانة، ابني والله وابنك، فنظرت ودنا منهما الفارس، فلما وقف عليهما فإذا هو ابنهما. قال: فسلم عليهما وسلما عليه. فقالا له: يا بني أما كنت استشهدت منذ حين ؟ قال: نعم. إلا أن عمر بن عبد العزيز توفي الليلة، فاستأذن الشهداء ربهم عز وجل في شهود جنازته، فأذن لهم، وكنت فيهم، فاستأذنت ربي في زيارتكما والنظر، فأذن لي، ثم ودعاه، وسلما عليه، ودعا لهما، ثم ذهب.


(1) استوبرت: توحشت، وخرجت عن الدار بعيدا إلى البرية. (2) الاندر: البيدر، والجرن الذي يدرس فيه القمح ونحوه. (*)

[ 141 ]

ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان قال: وذكروا أن الامر صار بعد عمر بن عبد العزيز (1)، إلى يزيد بن عبد الملك، بعد سليمان أخيه إليه بذلك، وإلى عمر، وكان يزيد قبل ولايته محبوبا في قريش بجميل مأخذه في نفسه، وهديه وتواضعه وقصده، وكان الناس لا يشكون إذا صار إليه الامر، أن يسير بسيرة عمر لما ظهر منه. فلما صارت إليه الخلافة حال عما كان يظن به، وسار بسيرة الوليد أخيه، واحتذى على مثاله، وأخذ مأخذه (2)، حتى كأن الوليد لم يمت، فعظم ذلك على الناس، وصاروا من ذلك إلى أحوال يطول ذكرها، حتى هموا بخلعه، وجاءهم بذلك قوم من أشراف قريش، وخيار بني أمية، وكانت قلوبهم قد سكنت إلى هدي عمر، واطمأنت إلى عدله بعد النفار، والانكار لسيرته، وعاد ذلك من قلوبهم إلى الرضا بأمره،


(1) في موت عمر بن عبد العزيز أقوال: في الطبري 8 / 137 وابن الاثير 5 / 58 كالاصل هنا: أن مرضا ألم به وكانت شكواه عشرين يوما. ولم يذكرا شيئا عن سبب مرضه. وفي البداية والنهاية: سبب وفاته السل. وفي العقد الفريد 2 / 280 قال: ان يزيد بن عبد الملك دس إليه السم مع خادم له. وفي فوات الوفيات: سقاه بنو أمية السم لما شدد عليهم. وفي ابن سعد 5 / 253 إشارة إلى أن عمر بن عبد العزيز لما أزعجه بنو مروان هددهم بالانسحاب إلى المدينة وجعلها شورى، فقد يكون هذا ما عجل باتخاذهم قرارا بإبعاده عن مسرح السياسة الاموية فقتلوه. (2) استسلم الخليفة يزيد بن عبد الملك إلى غرائزه وشهواته ورغباته واتسمت ولايته بعناوين أبرزها: - تشاغله عن مصالح الامة وانغماسه باللهو والغناء والشراب والعبث وترك الدولة بكل مؤسساتها إلى الولاة والجواري بحيث أن حبابة جاريته كانت تعزل وتولي دون الرجوع إليه. - عمد إلى كل الاجراءات والتنظيمات التي وضعها عمر بن عبد العزيز مما لا يوافق هواه فرده. ومثال ذلك أنه كتب إلى عمال عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن عمر كان مغرورا، غررتموه أنتم وأصحابكم، وقد رأيت كتبكم إليه في انسكار الخراج والضريبة. فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الاولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا والسلام. (العقد 4 / 442). - بعث روح العصبية بين اليمانية والمضرية، مما جعلها تنخر في عظام الخلافة الاموية إلى أن قضت عليها. فانحاز إلى الجناح المضري (أحد جناحي النظام الاموي) وهدد مصالح الجناح اليمني. - لسوء سياسته عاد الخوارج إلى التحرك. - تعيين ولاة في الولايات اعتمدوا في سياستهم الاساءة إلى الموالي مما أدى إلى انتقاض الامن، وخروج الاطراف على الدولة، والكثير ارتدوا عن الاسلام. - اهماله الجهاد وترك الغزو ومناضلة الاعداء. (*)

[ 142 ]

والقنوع بقصده عليهم، وتقصيره في إدراك المطامع، والعطايا عليهم، واتهم منهم نفر بالخلع والخروج، فأخذهم عمه محمد بن مروان بن الحكم، فأسكنهم السجن عشرين شهرا، ثم دس لهم السم، فماتوا جميعا، وأقصى من سائر قريش ثلاثين رجلا، بعد أن أغرمهم مئة ألف ألف وباع عقر أموالهم ورباعهم، وحمل العذاب عليهم والنكال، حتى أصارهم عالة يتكففون الناس، متفرقين في كور الشام، وآفاق البلاد، وصلب من الناس جملة ممن ألف هؤلاء القوم، واتهم بمصانعتهم ومصاحبتهم، وكانت ولايته في ربيع الاول سنة إحدى ومئة، ومات سنة ست ومئة (1). ولاية هشام بن عبد الملك قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يوما في بعض بوادي الشام يتطوف، إذ نظر إلى ساع يسعى إليه، فوقف منتظرا له، فلما قاربه قال له: ما وراءك ؟ فقال: ولدت المخزومية (2) غلاما، قال: فما سمته ؟ قال: هشاما. قال: هشم الله رأسها. فقال له قبيصة بن ذؤيب: ولم يا أمير المؤمنين ؟ قال: أخبرني أبي مروان، أنه سمع بشرة بنت صفوان تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: راحة أصحابي معاوية، ولا راحة لهم بعد معاوية وراحة العرب هشام، ولا راحة لهم بعد هشام. وذكروا أن هشاما صارت إليه الخلافة في سنة ست ومئة (3)، فكان محمود السيرة، ميمون النقيبة، وكان الناس معه في دعة وسكون وراحة، لم يخرج عليه خارج، ولم يقم عليه قائم، إلا ما كان من قيام زيد بن علي بن الحسين، في بعض نواحي الكوفة، فبعث إليه ابن هبيرة، وكان عامل الكوفة (4)، فأخذ زيد، فأتى به ابن هبيرة، فأمر بقتله دون رأي هشام، فلما بلغ ذلك هشاما، عظم عليه


(1) في الطبري وابن الاثير والاخبار الطوال ومروج الذهب وتاريخ والعقد الفريد: ذكر موته سنة 105. (2) وهي بنت هشام بن إسماعيل بن هشام المخزومي (تاريخ خليفة، العقد - ابن الاثير). (3) في الطبري: استخلف لليال بقين من شعبان (سنة 105) وانظر مروج الذهب وابن الاثير وخليفة بن خياط. (4) في الطبري وابن الاثير ومروج الذهب وخليفة واليعقوبي: كان يوسف بن عمر الثقفي. (*)

[ 143 ]

قتله، وأعظم فعل ابن هبيرة، واجترائه على قتل قرشي دون مشورة حتى جعل يقول: مثل زيد بن علي في شرفه وفضله يقتله ابن هبيرة، وما كان عليه من قيامه، إن هذا لهو البلاء المبين، وما يزال ابن هبيرة مبغضا لاهل هذا البيت من آل هاشم وآل عبد المطلب، ووالله لا زلت لهم محبا حتى أموت، ثم عزل ابن هبيرة عن الكوفة، وأغرمه ألف ألف، ولم يل له شيئا حتى مات، وكانت أيام هشام عشرين سنة، ولي سنة ست ومئة (1)، وتوفي سنة ست وعشرين ومئة (2)، بعد أن حج إحدى عشرة حجة (3)، وهو خليفة. قدوم خالد بن صفوان بن الاهتم على هشام قال: وذكروا أن شبيب بن شبة، أخبرهم عن خالد بن صفوان بن الاهتم، قال: أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام في وفد العراق، فقدمت عليه، وقد خرج منتدبا (4) في قرابته وأهله وحشمه، وحاشيته، من أهله إلى بعض بوادي الرصافة (5)، فنزل في قاع صحصح (6) أفيح، في عام قد بكر وسميه (7) وقد ألبست الارض أنواع زهرتها، وأخرجت ألوان زينتها، من نور ربيعها فهي في أحسن منظر وأجمل مخبر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، فلو أن قطعة دينار ألقيت فيه لم تترب، وقد ضرب له سرادقات من حبرات اليمن مزرورة بالفضة والذهب، وضرب له فسطاطه في وسطه، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر، مثلها مرافقها، وعليه دراعة (8) خز أحمر وعمامة مثلها، وضربت حجر نسائه من وراء سرادقه، وعنده أشراف قريش، وقد ضربت حجر بنيه وكتابه وحشمه بقرب فسطاطه، ثم


(1) راجع الحاشية رقم 3 من الصفحة السابقة. (2) في مصادر ترجمته سنة 125 ه‍. وفي مروج الذهب: توفي بقنسرين في (الرصافة) يوم الاربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر. (3) في مروج الذهب لم يحج هشام إلا مرة واحدة سنة 106 وهو خليفة 4 / 451. والطبري فيمن حج بين سنة 106 و 125. وتاريخ خليفة ص 360. وتاريخ اليعقوبي 2 / 328. (4) منتدبا من انتدب، (ندب) أي استجاب لطلب انتدبه لشئ ما. يريد: أنه دعي لزيارة بعض بوادي الرصافة. (5) الرصافة: بلد بالشام. (6) الصحصح: المستوي من الارض، والافيح: الواسع. (7) الوسمي: المطر أول الربيع. سمي بذلك لانه ينسم الارض بالنبات. (8) الدراعة: الثوب. (*)

[ 144 ]

أمر الربيع (1) حاجبه، فأذن للناس إذنا عاما، فدخلوا عليه، وأخذ الناس مجالسهم، قال خالد: فأدخلت رأسي من ناحية السماط فأطرق، ثم رفع رأسه ونظر إلي شبه المستنكر، وكنت قد حليت عنده ببلاغة، وفهم وحكمة. فقلت: أقر الله نعمته عليك يا أمير المؤمنين وكرامته، وسوغك شكره يا أمير المؤمنين ومد لك في المزيد فيها بفضله، ثم وصلها بعد بطول العمر، وتتابع الكرامة الباقية التي لا انقطاع لها، ولا نفاد لشئ منها، حتى يكون آجل ذلك خيرا من عاجله، وآخره أفضل من أوله، وعاقبته خيرا من ابتدائه، وجعل ما قلدك من هذا الامر رشدا، وعاقبته تؤول إلى أحمد ودرك الرضا، وأخلص لك ذلك بالتقوى، وكثره لك بالنماء، ولا كدر عليك منك ما صفا، ولا خالط سروره أذى، فقد أصبحت للمسلمين ثقة وسترا، يفزعون إليك في أمورهم ويقصدونك في حوائجهم، وما أجد يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك شيئا، أبلغ في حقك وتوقير مجلسك، إذ من الله علي بمجالستك، والنظر إلى وجهك مني، وما أجد فيما أظهر ذلك إلا في مذاكرتك نعم الله التي أنعم بها عليك، وأحسن فيها إليك، وأنبهك إلى شكرها (2)، ثم إني لا أجد شيئا هو أبلغ في ذلك، ولا أجمع من ذكر حديث لملك خلا من الملوك، كان في سالف الامم، فإن أذن أمير المؤمنين أكرمه الله حدثته. قال: وكان هشام متكئا، فاستوى جالسا وقال: هات يابن الاهتم، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إن ملكا كان فيما خلا من الملوك، مجتمعا له فيها فتاء السن واعتدال الطبائع، وتمام الجمال، وكثرة المال، وتمكين الملك، وكان له ذلك إلى البطر والمرح داعيا، وعلى الغفلة والذهول معينا، فخرج متنزها إلى بعض منازله. فصعد جوسقا (3) له، فأشرف على أرض، قد أخضلها ربيع عامه، كان شبيها بعامك هذا يا أمير المؤمنين، في خصبه وعشبه، وكثرة زهره، وحسن منظره، فنظر فرجع إليه بصره كليلا عن بلوغ أقصى أمواله من الضياع والابل والخيل والنعم. فقال لنفر من ناديه: لمن هذا ؟ قيل له: لك، فأعجبته نفسه،


(1) هو الربيع بن زياد بن سابور (شابور) وكان على حرسه (اليعقوبي) وفي تاريخ خليفة كان الربيع بن شابور مولى بني الحريش على خاتمه. قال اليعقوبي: وحاجبه الحريش. وعند خليفة: حاجبه غالب بن مسعود مولاه. (2) العبارة في عيون الاخبار 2 / 341 ولا أرى لمقامي هذا شيئا هو أفضل من أن أنبه أمير المؤمنين لفضل نعمة الله عليه ليحمد الله على ما أعطاه. (3) الجوسق: القصر. (*)

[ 145 ]

وما بسط له من ذلك، حتى أظهر فرحه وزهوه، ثم قال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه، أم هل أوتي أحد مثل ما أوتيت ؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والعلم، والمضي على أدب الحق ومنهاج الصدق في الضمير والمقالة، وقد قيل: إن الله الجليل، لم يخل الارض منذ هبط آدم، من قائم يقوم بحجة الله فيها، وكان ذلك الرجل ممن يسامره. قال: أيها الملك، قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب فيه ؟ قال: نعم. قال: أرأيتك هذا الذي أعجبك مما عليه اطلع نظرك، واستطال ملكك وسلطانك، أشئ لم يزل لك ولم يزل عنك، أم شئ كان لغيرك، فزال عنه إليك، ثم هو صائر إلى غيرك كما صار إليك ؟ قال الملك: بل كما ظننت ومثلت. قال: فإني أراك أعجبت بما يفنى، وزهدت فيما يبقى، وسررت بقليل، وحسابه غدا طويل. قال: ويحك فكيف المطلب، وأين المهرب، وما الحيلة في المخرج ؟ قال: إحدى خصلتين، إما أن تقيم في ملكك، فتعمل فيه بطاعة ربك على ما سرك وساءك وأمضك، وإما أن تصنع تاجك ونجادك، وتذكر ذنوبك، وتلحق في الخلاء بمن يغفر لك، فتعبد فيه ربك، حتى يوافيك أجلك، وتنقضي مدتك، وأنت عامل لربك فيما يعطيك. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي ؟ فقال: ملك خالد لا يفنى، ونعيم، لا ينقضي، ومزيد وكرامة، وصحة لا تستقيم (1) أبدا، وسرور لا ينصرم، وشباب لا يشوبه هرم، وقرار لا يخالطه هم. قال الملك: سأنظر إلى نفسي في الاختيار لها مما ذكرت لي، فإذا كان وقت السحر، فاقرع علي بابي لتعرف رأيي، فإني مختار إحدى المنزلتين، فإن أقمت في ملكي، واخترت ما أنا فيه، كنت وزيرا لا تعصى، وإن خلوت كنت رفيقا لا تجفى. فلما كان السحر، قرع عليه بابه، فإذا هو قد وضع تاجه، ولبس أطماره (2)، فلحقا بالجبل، فلم يزالا يعبدان الله فيه، حتى بلغ أجلهما، وانقضى عمرهما (3). فبكى هشام حتى بل لحيته، ثم نكس رأسه طويلا، ثم أمر بنزع أبنيته وانتقاله، وأقبلت العامة من الموالي على ابن الاهتم، فقالوا له: ما أردت لامير المؤمنين، أفسدت عليه لذته، ونغصت عليه


(1) في عيون الاخبار: لا تسقم. (2) الاطمار: الثياب البالية. وفي عيون الاخبار: أمساح، وهو الكساء من شعر كثوب الرهبان. وفي معجم البلدان: لبس المسوح. (3) الخبر في عيون الاخبار 2 / 431 - 432 باختلاف. وفي معجم البلدان (مادة: خورنق) وفيه أن هذا الملك هو النعمان. (*)

[ 146 ]

شهوته، وقد حرمتنا ما أملنا فيه. قال: إليكم عني، فإني عاهدت الله ربي، أني لا أخلو بملك إلا ذكرته الله، ونبهته ورشدته. ثم رجع خالد إلى فسطاطه، كئيبا حزينا، متخوفا يظن أنه قد هلك، وكان للربيع صديقا. فبينما هو كذلك، إذ أتاه رسول الربيع، فقال: يا صفوان، يقول لك أخوك الربيع: من كان في حاجة الله، كان الله في حاجته. إنك لما وليت من عند أمير المؤمنين جعل يقول: لله در ابن الاهتم، أي رجل دنيا وأخرى، مره يا ربيع، فليرجع حوائجه، وليغد إلينا بها نقضها له. فقال الربيع: فاغد علينا بحوائجك رحمك الله، واحمده على ما صنع، وأذهب من مخافتك. فغدا عليه بحوائجه فقضيت. وذكروا أنه لم يكن في بني أمية ملك أعظم من هشام، ولا أعظم قدرا، ولا أعلى صوتا منه، دانت له البلاد، وملك جميع العباد، وأديت له الجزية من جميع الجهات، من الروم والفرس والترك والافرنج والزنج والسند والهند، وكان قريبا من الضعفاء، مهتما بإصلاح الادواء، لم يجترئ أحد معه على ظلامة، ولم يسلك أحد معه إلا سبيل الاستقامة، وكان له موضع بالرصافة أفيح من الارض، يبرز فيه، فتضرب له به السرادقات، فيكون فيه ستين ليلة، بارزا للناس، مباحا للخلق، لا يفني أيامه تلك إلا برد المظالم، والاخذ على يد الظالم من جميع الناس، وأطراف البلاد، ويصل إلى مخاطبته بذلك الموضع، راعي السوام (1)، والامة السوداء، فمن دونهما، قد وكل رجالا أدباء عقلاء، بإدناء الضعفاء والنساء اليتامى منه، وأمرهم بإقصاء أهل القوة والكفاية عنه، حتى يأتي على آخر ما يكون من أمره، فيما يرفع إليه، لا ينضم إليه رجل يريد الوصول إليه، فينظروا أوضع منه إلا أدنوا الأوضع وأبعدوا الا رفع، حتى ينظر في شأنه، ويعرف أمره، وينفذ فيه ما أمر، ولا يرفع إليه ضعيف، ولا امرأة أمرا، وظلامة على غطريف من الناس مرتفع القدر، ولا مستخدم به إلا أمر باقتضاء يمينه، وأغداه بمطلبه، لا يقبل لهم حجة، ولا يسمع لهم بينة، حتى لربما تمر به المرأة والرجل أو عابر سبيل، لا حاجة له فيما مر به. فيقال له: ما حاجتك، وما قصتك، وما ظلامتك ؟ فيقول: إنما سلكت أريد موضع كذا، أروم بلد كذا، فيقول له: لعلك ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره، وتتوقع سطوته، فذلك


(1) السوام: الابل الراعية. (*)

[ 147 ]

الذي منعك عن رفع ظلامتك إلى أمير المؤمنين، فيقول: لا، والله لا أبغي إلا ما قلت. فيقال له: اذهب بسلام، حتى لربما أتت عليه تارات من الليل، وساعات من النهار لا ينظر في شئ، ولا يأتيه أحد في خصومة لاستغناء الناس عن المطالب، وتعففا من المظالم، ووقاية من سطواته، وتخوفا من عقوبته، وقد وسع العباد أمنه، وأشعرهم عدله، وصارت البلاد المتنائية الشاسعة، كدار واحدة، ترجع إلى حاكم قاض، يرقبه الناس في المواضع النائية عنه كما يرقبه من معه، وقد وضع العيون والجواسيس من خيار الناس، وفضلاء العباد، في سائر الامصار والبلدان، يحصون أقوال الولاة والعمال، ويحفظون أعمال الاخيار والاشرار، قد صار هؤلاء أعقابا يتعاقبون، ينهض قوم بأخبار ما بلوا في المصر الذي كانوا فيه، ويقبل آخرون يدخلون مسترقين، ويخرجون متفرقين، لا يعلم منهم واحد، ولا يرى لهم عابر، فلا خبر يكون، ولا قصة تحدث، من مشرق الارض ولا مغربها إلا وهو يتحدث به في الشام، وينظر فيه هشام، قد قصر نفسه على هذه الحال، وحببت إليه هذه الافعال، فكانت أيامه عند الناس أحمد أيام مرت بهم، وأعفاها وأرجاها، قد لبس جلباب الهيبة على أهل العنود والكيود، وارتدى برداء التواضع إلى أهل الخشوع والسكون، وكان قد حبب إليه التكاثر من الدنيا، والاستمتاع بالكساء، لم يلبس ثوبا قط يوما، فعاد إليه، حتى لقد كان كساء ظهره، وثياب مهنته، لا يستقل بها، ولا يحملها إلا سبعة مئة بعير، من أجلد ما يكون من الابل، وأعظم ما يحمل عليه من الجمال، وكان مع ذلك يتقللها، وطالت أيامه، واستبطأ صاحب العهد بموته، فناوأه وعاداه، وانتقل عن الموضع الذي كان به هو والوليد بن يزيد بن عبد الملك، فمات هشام والوليد غائب، فأتاه موته، فأمر بقفل الخزائن، فلم يجدوا لهشام ما يكفنونه به، واستؤذن الوليد في إقباله، فلم يدفن هشام حتى قدم الوليد، وذلك في ثلاثة أيام (1).


(1) لحسن حظ الخلافة الاموية التي اصيبت مع يزيد بن عبد الملك بنكسة خطيرة شملت معظم جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية تحول هشام فور توليه إلى الاهتمام بشؤون الدولة وتمكن بعد فترة من استيعاب ثم القضاء على النتائج السيئة لسياسة سلفه يزيد في شتى شؤون الحياة العامة. حاول أن يصلح ما فسد، وانقاذ ما يمكن انقاذه وإن لم يصل في سياسته إلى مثالية عمر بن = (*)

[ 148 ]

بدء الفتن والدولة العباسية قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم، قال: اختلفت روايات القوم الذين عنهم حملنا وروينا ذكر الدولة، فحملنا عنهم ما اختلفوا فيه وألفناه، فكان أول ما اختلفت فيه الرواية، ولم تلائمه الحكاية، أشياء سنذكرها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله، واقتصرنا على معانيها، وقيدنا بعض ألفاظها لطول أخبارها، واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ، ورددنا هزيله لنزر فائدته، وقلة عائدته، وقد اختصرنا وأشعبنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا، والله الموفق للصواب. فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة، وما أخبرنا عن الهيثم بن عدي، عن الرجال الذين حدثوه. قالوا: لما سلم الحسن بن علي الامر إلى معاوية بن أبي سفيان، قامت الشيعة من أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الكوفة، واليمن، وأهل البصرة، وأرض خراسان، في ستر وكتمان، فاجتمعوا إلى محمد بن علي، وهو محمد بن الحنفية (1)، فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك، وعرضوا عليه قبض زكاتهم، لينفقوها يوم الوثوب على فرصته، فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته، فقبلها، وولى على شيعة كل بلد رجلا منهم، وأمره باستدعاء من قبله منهم، في سر وتوصية إليهم، ألا يبوحوا بمكتومهم، إلا لمن يوثق به، حتى يرى


= عبد العزيز، ولمجهوده في هذا الصدد، وصفه الخليفة المنصور بأنه بحق: رجل بني أمية. وقيل أيضا: إن السواس من بني أمية ثلاثة: معاوية و عبد الملك وهشام. ويقول حسن ابراهيم حسن في تاريخ الاسلام 1 / 333: " ومن إصلاحات هشام اهتمامه بتعمير الارض وتقوية الثغور وحفر القنوات والبرك في طريق مكة وغير ذلك من الآثار، وفي أيامه ظهرت صناعة الخز والقطيفة. وكان هشام كلفا بالخير. ومما يؤخذ على هشام إمعانه في الانتقام من العلويين والتنكيل بهم ". (1) كان ذلك بعد مقتل الحسين بن علي رض سنة 60 ه‍. حيث أثار مقتله حماسة المسلمين، فتوحدت صفوف الشيعة وزادت الدعوة لآل علي (رض) قوة، واشتد العداء بين الامويين والعلويين الذين ثاروا في الولايات الاسلامية. وقد كانت كربلاء ونتائجها عاملا في إذكاء روح التشيع، وأصبحت عقيدة راسخة في نفوس المسلمين، وقد وجد ابن الزبير فرصته التاريخية - بعد كربلاء - لتحقيق أغراضه السياسية تحت ستار الاخذ بثأر الحسين، وتهيأت الفرصة أيضا للمختار بن أبي عبيد الذي ادعى إمامة محمد بن الحنفية (ابن علي بن أبي طالب) وانضمت إليه حركة التوابين الذين ندموا على عدم إغاثتهم الحسين وقاموا ليبذلوا نفوسهم في الاخذ بثأره. (*)

[ 149 ]

للقيام موضعا. فأقام محمد بن الحنفية: إمام الشيعة قابضا لزكاتهم، حتى مات. فلما حضرته الوفاة، ولى عبد الله ابنه من بعده، وأمره بطلب الخلافة إن وجد إلى ذلك سبيلا، وأعلم الشيعة بتوليته إياه، فأقام عبد الله بن محمد بن علي، وهو أمير الشيعة، فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك، في أول خلافته، أن الشيعة قد بايعت عبد الله بن محمد بن علي، بعد أبيه، فبعث إليه، وقد أعد له في أفواه الطرق رجالا، معهم أشربة مسمومة، وأمرهم إذا خرج من عنده أن يعرضوا عليه الشراب. فلما دخل على سليمان، أجلسله إلى جانبه. ثم قال له: بلغني أن الشيعة بايعتك على هذا الامر، فجحده عبد الله وقال: بلغك الباطل، وما زال لنا أعداء يبلغون الائمة قبلك عنا مثل ما بلغك، ليغروهم بنا، فيدفع الله عنا كيد من ناوأنا، وأنا بما يلزمني من مؤنتي أشغل مني بطلب هذا الامر، ثم خرج من عنده في وقت شديد الحر، فكان لا يمر بموضع إلا قام إليه الرجل بعد الرجل، يقول له: هل لك في شربة سويق اللوز، وسويق كذا وكذا يابن بنت رسول الله، ونفسه موجسة منهم، فيقول: بارك الله لكم، حتى إذا خرج إلى آخر الطريق، خرج إليه رجل من خبائه، وبيده عس (1)، فقال له: هل لك في شربة من لبن يابن بنت رسول الله ؟ فوقع في نفسه أن اللبن مما لا يسم، فشرب منه ثم مضى، فلم ينشب أن وجد للسم حسا (2)، فاستدل على الطريق إلى الحميمة (3)، وبها جماعة آل عباس، وقال لمن معه: إن مت ففي أهلي، ثم توجه فنزل على محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فأخبره الخبر، وقال له: إليك الامر، والطلب للخلافة بعدي، فولاه (4)، وأشهد له من الشيعة رجالا، ثم مات. فأقام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (5)، ودعوة الشيعة له حتى مات، فلما حضرته


(1) العس: بضم العين، القدح العظيم، مثل الكوز الكبير. (2) يريد أنه أحس بالسم يسري في جسده. (3) الحميمة: بضم الحاء وفتح الميم بلدة صغيرة بالبلقاء بالشام. (4) ذكر أن أبا عبد الله قال لمحمد بن علي: يا بن عمي، إني ميت، وقد صرت إليك، وأنت صاحب هذا الامر، وولدك القائم به، ثم أخوه من بعده، والله ليتمن الله هذا الامر... " في كلام طويل أثبته صاحب العقد الفريد 4 / 476. (5) قال الطبري ج 6 / 562 أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وجه ميسرة إلى العراق، ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج، وهو أبو محمد الصادق، وحيان العطار، إلى خراسان، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته.. ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن علي فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها إلى محمد بن علي. = (*)

[ 150 ]

الوفاة، ولى محمد بن إبراهيم الامر، فأقام وهو أمير الشيعة، وصاحب الدعوة بعد أبيه. دخول محمد بن علي على هشام قال: وذكروا أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس دخل، وهو شيخ كبير قد غشي بصره على هشام بن عبد الملك، متوكئا على ولديه أبي العباس وأبي جعفر، فسلم. ثم قال له هشام: ما حاجتك ؟ ولم يأذن له في الجلوس، فذكر قرابته وحاجة به، ثم استجداه. فقال هشام: ما هذا الذي بلغني عنكم يا بني العباس، ثم يأتي أحدكم وهو يرى أنه أحق بما في أيدينا منا، والله لا أعطيتك شيئا. فخرج محمد بن علي، فقال هشام كالمستهزئ: إن هذا الشيخ ليرى أن الامر سيكون لولديه هذين، أو لاحدهما، فرجع محمد نحوه فقال: أما والله إني أرى ذلك على رغم من رغم. فضحك هشام وقال: أغضبنا الشيخ، ثم مضى محمد بن علي. ولاية الوليد بن يزيد وفتن الدولة قال: وذكروا أن الوليد بن يزيد لما تولى الامر بعد هشام، أساء السيرة، وانتحى على أهله وجماعة قريش، وأحدث الاحداث العظيمة، وسفك الدماء وأباح الحريم، وكانت ولايته في سنة ست وعشرين ومئة (1). فلما استولى على


= واختار أبو محمد الصادق اثنى عشر رجلا، نقباء (أسماؤهم في الطبري)، واختار سبعين رجلا، فكتب إليهم محمد بن علي كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة فيسيرون بها. (انظر ابن الاثير 3 / 263. وانظر تفاصيل هامة ذكرها في الاخبار الطوال ص 332 - 333 عن نشاط محمد بن علي وأصحابه المبعوثين إلى الامصار...) ومات محمد بن علي سنة 125 ه‍ بعد أن قطعت الدعوة العباسية شوطا بعيدا. قال د. حسن ابراهيم حسن في التاريخ السياسي: 2 / 13 " ويمكن تقسيم الدعوة العباسية قسمين: - الاول يبدأ في مستهل القرن الاول للهجرة، وينتهي بانضمام أبي مسلم الخراساني، وكانت الدعوة في هذا الدور خالية من أساليب العنف والشدة. إذ كان الدعاة يجوبون البلاد الاسلامية متظاهرين بالتجارة أو أداء فريضة الحج. - الدور الثاني يبدأ بانضمام أبي مسلم إلى الدعوة العباسية. وهنا يدخل النزاع بين الامويين والعباسيين في دور العمل، وهو دور الحروب التي انتهت بزوال الدولة الاموية. (1) كذا بالاصل. وفي تاريخ خليفة ومروج الذهب والطبري وابن الاثير والعقد الفريد، وتاريخ اليعقوبي والبداية والنهاية: سنة 125. قال الطبري 7 / 208: استخلف يوم الاربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر من سنة 125. قال: وكان نازلا بالازرق بين أرض بلقين وفزارة. (*)

[ 151 ]

الامر بعث إلى أشراف الاجناد (1)، فقدموا عليه وقدم خالد فيمن قدم، فلم يأذن لواحد منهم، وكان مشتغلا بلهوه ولعبه، ومرض خالد، فاستؤذن له في الانصراف فأذن له، فانصرف إلى دمشق، فأقام بها شهرا. ثم كتب إليه الوليد: إن أمير المؤمنين قد علم الخمسين ألف ألف التي تعلم (2)، فأقدم بها على أمير المؤمنين مع رسوله، فقد أمره أن لا يعجلك عن جهازك، فبعث خالد إلى عدة من ثقاته، فيهم عمارة بن أبي كلثوم، فأقرأهم كتاب الوليد وقال: أشيروا علي برأيكم. فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون، فالرأي أن تدخل مدينة دمشق، فتأخذ بيوت الاموال، وتدعو إلى من أحببت، والناس قومك، ولم يختلف منا عليك اثنان. فقال لهم: وماذا ؟ قالوا: تأخذ بيوت الاموال، وتجمع إليك قومك حتى تتوثق لنفسك. قال: وماذا ؟ قالوا: نتوارى. فقال: أما قولكم أن أدعو إلي من أحببت، فإني أكره أن تكون الفرقة على يدي، وأما قولكم أن آخذ بيوت الاموال حتى أتوثق لنفسي، فأنتم لا تأمنونني عليها ولا ذنب لي، فكيف لي ترجون وفاء بما يعطيني. وقد فعلت ما فعلت، وأما قولكم في التواري، فوالله ما قنعت رأسي خوفا من أحد قط، فالآن وقد بلغت من السن ما بلغت ؟، ولكني أمضي، وأستعين بالله تعالى. قتل خالد بن عبد الله القسري قال: وذكروا أن خالد بن عبد الله القسري، شخص إلى الوليد بن يزيد حتى قدم على معسكره، فلم يدع به الوليد ولم يكلمه، وهو يختلف إليه غدوة وعشية، حتى قدم برأس يحيى بن زيد بن علي بن الحسين من خراسان، فجمع الناس الاذن، فحضر الاشراف، وجلس الوليد، وجاء خالد إلى الحاجب فقال: إن حالي كما ترى، لا أقدر على المشي، وإنما أحمل في الكرسي. قال الحاجب: ما يدخل أحد على أمير المؤمنين على هذه الحال، ثم أذن له فحمله على كرسيه، ثم دخل على الوليد وهو جالس في سريره، والمائدة موضوعة.


(1) يفهم من اليعقوبي 2 / 331 أن الوليد عزل عمال هشام وعذبهم أنواع العذاب خلا يوسف بن عمر الثقفي عامل العراق، وذلك أنه وجد في ديوان هشام كتبا من العمال يقومون عزمه في خلع الوليد (وكان هشام قد هم بعزل الوليد) إلا يوسف فإنه أشار عليه ألا يفعل، فأقره على عمله. (2) وهي من بقايا خراج العراقين (الاخبار الطوال ص 347). (*)

[ 152 ]

فلما دخل عليه قال له الوليد: أين ولدك يزيد بن خالد ؟ فقال: قد أصابه من هشام ظفر، فخلى سبيله، ثم طلب فهرب، فكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله. فقال له الوليد: لكنك خلفته طلبا للفتنة. فقال خالد: قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بيت طاعة أنا وأبي وجدي. فقال له الوليد: لتأتيني بابنك أو لازهقن نفسك، فقال له خالد: هذا الذي تدور عليه، وهو الذي تريد ؟ والله لو ان ابني تحت قدمي ما رفعتهما لك، فاصنع ما بدا لك (1). فأمر الوليد غيلان (2) صاحب حرسه بالبسط (3) عليه والاخذ له، وقال له: أسمعني صوته، فذهب به غيلان إلى رحله، فعذبه بالسلاسل والحديد، فلم يتكلم بكلمة، فرجع غيلان إلى الوليد فقال له: والله لا أعذب إنسانا لا يتكلم. فقال له: كف عنه واحتبسه، ففعل، فقام يوسف بن عمر فقال: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد أن يوسف بن عمر قد سأل أن يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن ضمنتها لامير لمؤمنين، وإلا دفعتك إليه. قال خالد: ما عهدنا العرب تباع، فدفعه إلى يوسف بن عمر، فنزع ثيابه، وألبسه عباءة وألحفه أخرى، وحمله على محمل ليس تحته وطاء، فبسط عليه وعذبه، وخالد لا يكلمه بكلمة، ثم ارتحل، حتى إذا كان ببعض الطريق عذبه يوما، ثم وضع المضرسة (4) على صدره، فقتله


(1) في موقف الوليد من خالد بن عبد الله ثمة أسباب منها: - استرداد أموال كان خالد - فيما يظن الوليد - استصفاها لنفسه من خراج العراق. - الدسائس التي حيكت ضد خالد من المقربين من الوليد والتي اتجهت إلى: - استعداد خالد لخلع الوليد وتعاونه مع مناوئين للوليد في هذا الامر. - استعمال خالد للاموال التي أحرزها في دعم العلويين وبني هاشم وحركة بني العباس. - اتهام خالد في أنه وراء خروج زيد بن علي ثم في خروج ابنه يحيى. وكان على رأس المحرضين ضد خالد يوسف بن عمر الثقفي. - وذكر - من جملة الاسباب - أن الوليد كان قد عزم على الحج ومن نيته أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، فلما بلغ ذلك جماعة من الامراء اجتمعوا على قتله وتولية غيره من الجماعة، فحذر خالد الوليد منهم، فسأله أن يسميهم فأبى عليه فعاقبه عقابا شديدا. - وفيما ذكر - أنه كان متهما في دينه وقد بنى لامه كنيسة في داره (قاله ابن خلكان، وانظر ابن الاثير 3 / 404). - وثمة من يقول أنه غضب عليه وأساء معاملته إرضاء ليوسف بن عمر واليه عليه العراق. (2) في الاخبار الطوال ص 347 سعيد بن غيلان. (3) البسط عليه: التسلط عليه والاضرار به وإليه. (4) المضرسة: حجر غليظ جدا خشن الوطئ. وفي البداية والنهاية 10 / 20 أنه " كسر قدميه ثم ساقيه ثم فخذيه ثم صدره فمات " وانظر ابن الاثير 3 / 403 والاخبار الطوال ص 347. (*)

[ 153 ]

في الليل، فدفن في الحيرة (1)، وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين ومئة (2). وثوب أهل دمشق على الوليد بن يزيد وقتله قال: وذكروا أن يزيد (3) بن خالد دب في أهله، وتحمل في عشائره، فاجتمع أمرهم على الوليد بن يزيد، فبينما هم يدبرون أمرهم، إذ انطلق ساع إلى الوليد قاله له: أدلك على يزيد بن خالد ؟ قال: نعم. فبعث الوليد مولى له، وأمره أن يكمن النهار، ويسير الليل، حتى أتى دمشق ليلا، ويزيد مختف بدمشق، في منزل رجل عند باب السوق، فاقتحم عليه المنزل فأخذه، وشخص به من ساعته حتى قدم على الوليد، فأمر بالبعث به إلى يوسف بن عمر بالعراق، قال له يزيد: يا أمير المؤمنين، أنا أدفع لك الخمسين ألف ألف التي طلبت من خالد في ثلاث سنين، على أن تكتب إلى الآفاق، بأمان من كانت لي عنده وديعة، وأمان فيه ذمتي وموالي، فقبل منه الوليد ذلك، فأمر بالكتب إلى العراق والحجاز وكور الشام في ذلك، واحتبس يزيد عنده، وجعل عليه القيود والحرس، ثم ارتحل الوليد ومعه خدمته وشرطته، وتواعد أهل اليمن أن يثوروا إذا صلوا العتمة (4) في المسجد (5)، وكانت العلامة بينهم أن يلتمس أحدهم صاحبه، فلما تفرق أهل المسجد، خرجوا، فاستخرجوا يزيد بن الوليد من


(1) في الاخبار الطوال: في واسط. (2) في ابن الاثير: المحرم سنة 126. (3) في الاخبار الطوال: محمد بن خالد. (في شتى مواضع الخبر). (4) العتمة بفتح العين والتاء: العشاء. (5) تعتبر حركة اليمانية، وهم الجناح الاساس في السلطة الاموية، أول حركة تمرد ضد خليفة أموي، وتعود ظروف هذا التحرك إلى: - انحرف الخلفاء الامويين عن اليمانية منذ يزيد وتقريبهم للقيسية. - قتل الوليد لخالد بن عبد الله، زعيمهم، والاكثر طاعة وولاء للامويين. وفي قتله قال الوليد شعرا يحرض على اليمانية (وقيل لغيره) ومما قاله: (ابن الاثير 3 / 406 الاخبار الطوال ص 348):.. وطئنا الاشعرين بعز قيس * فيالك وطأة لن تستقالا وهذا خالد فينا أسير * ألا منعوه إن كانوا رجالا عظيمهم وسيدهم قديما * جعلنا المخزيات له ظلالا فلو كانت قبائل ذات عز * لما ذهبت صنائعه ضلالا فبعد سماعهم ذلك عظم عليهم وازدادوا حنقا عليه. (*)

[ 154 ]

منزله، ثم أتوا به القصر، وعلى دمشق يومئذ رجل من بنى الحجاج، وكان قد خرج من الطاعون، واستخلف رجلا من قيس، فدخلوا عليه، فأوثقوه كتافا، وأوثقوا كل من خافوا خلافه، فتسلل رجل حتى أتى الوليد بن يزيد، فأخبره الخبر، فلما أصبحوا غدوا إلى الوليد، فبعث الوليد في طلب يزيد بن خالد، وهو عنده في الحديد. فقال له: إن قومك قد خرجوا بين يدي الوليد، فارددهم عن أمير المؤمنين، ولك الله أن أوليك العراق، وأدفع إليك يوسف تقتله بأبيك، فقال له يزيد بن خالد: وتوثقني يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم، فتوثق له وحلف، قال: فأرسلني إليهم حتى أدرهم عنك. فقال له الوليد: بل اكتب إليهم. قال: إن كتابي لا يغني شيئا، وقد علموا أني في يديك، وأني سأكتب بما تريد، فأمر بإطلاقه من الحديد، ورده إلى حبسه، وأمر الحرس يتحفظون به، ثم ارتحل الوليد بيزيد بن خالد معه، فلما كان الفجر، صبحته أوائل الخيل، خيل أهل اليمن، فأرسل الوليد إلى يزيد بن خالد، فقال له يزيد: خل عني حتى أردهم عنك، فبينما هم على ذلك، إذ التقى القوم، فشدت الميمنة، وقد طلعت الشمس، واختلط الناس وكثر القتل، وتخلص يزيد بن خالد من الحرس، فأتوه ببرذون من براذين الوليد، وأتى بسيف فتقلده، ثم نادى مناديه: من جاء برأس الوليد، فله مئة ألف دينار، ونودي في العسكر: من دخل رحله فهو آمن. فنادى الوليد: يا أهل الشام، ألم أحسن إليكم، ألم أفعل كذا، فعدد إحسانه، فقال عبد السلام (1): بلى قد فعلت، ولكنك عمدت إلى شيخنا وسيدنا خالد بن عبد الله قد عزله الخليفة قبلك، وأخذ أمواله، ثم خلى عنه، فدفعه إلى يوسف بن عمر بالبيع فأدرعه (2)، ثم حمله على محمل بلا وطاء، ثم انطلق به فعذبه، حتى قتل شر قتل يكون. فقال لهم الوليد: فاخلعوني في قميصي هذا، وولوا من شئتم، فانصرفوا إلى قومهم، فأعلموهم بما رضي من الخلع. فقالوا: لا إلا رأسه، فتدلى القوم إلى القصر (3)، وانتهى يزيد بن خالد إلى الباب، وعليه سلسلة، فأمر بها فكسرت، وكسر الباب، وخرج الوليد يسعى، حتى دخل بيتا من بيوت القصر، ودخل عليه


(1) في البداية والنهاية: يزيد بن عنبسة السكسكي (انظر ابن الاثير 4 / 410). (2) أي ألبسه الدراعة، يعني القميص فقط. (3) وكانوا عشرة - على ما ذكره ابن الاثير 3 / 410 ومنهم: منصور بن جمهور، عبد السلام اللخمي، السندي (السري) بن زياد بن أبي كبشة. (*)

[ 155 ]

نحو من ثلاثين رجلا، وهو قائم بيده السيف، منكسا رأسه لا ينظر إليهم، وهو يذب عن نفسه، فضربه رجل (1)، ضربة، ثم صرعه، ثم أكب عليه فاحتز رأسه، فخرج به وانصرف الناس إلى دمشق فبايع الناس ليزيد بن الوليد بن عبد الملك. وذلك في ذي الحجة من سبع وعشرين ومئة (2)، فكان خليفة ستة أشهر، ثم مات في جمادى الاولى، ثم ولى إبراهيم بن الوليد فبويع له في جمادى الاولى، فمكث ثلاثة أشهر (3)، ثم خلع وهرب. ولاية مروان بن محمد بن مروان بن الحكم قال: وذكروا أنه لما خلع إبراهيم بن الوليد، خرج مروان بن محمد في صفر، سنة سبع وعشرين ومئة، ومعه أهل الجزيرة، وأهل حمص (4)، فدعا إلى نفسه بالبيعة، ووعد الناس خيرا فرضي به أكثر الناس لشجاعة كانت فيه، وسخاء يوصف به، فملك الشام، واستقل له الامر، وغلظ شأنه، واستعلى سلطانه، وبايع له أهل العراق والحجاز، وهابه الناس وخافوه، واستعمل العمال في الآفاق والامصار، وكانت الشيعة تتكاتب على الكتمان لذلك، وتتلاقى على السر. قال: فلما كانت سنة ثمان وعشرين ومائة اجتمعت الشيعة.


(1) في ابن الاثير: ضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السندي في وجهه، ثم احتزوا رأسه. وينفرد صاحب الاخبار الطوال في أنهم لم يقتلوه بل خلعوه فلبث مخلوعا أياما كثيرة، وهو خليع بني أمية (ص 349). (2) قتل الوليد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة 126 وبويع يزيد، وتوفي لعشر بقين من ذي الحجة وكانت خلافته ستة أشهر وليلتين. وقيل غير ذلك. انظر في ذلك ثبت بمصادر ترجمته (ابن الاثير 3 / 424 من تحقيقنا دار إحياء التراث العربي - لبنان). (3) في مروج الذهب 3 / 268 أربعة أشهر، وقيل: شهرين. وفي ابن الاثير 3 / 425: وقيل سبعين يوما. (4) قام مروان بن محمد بحجة الثأر لمقتل الوليد بن يزيد (الخليفة المظلوم كما سماه) إنما حقيقة حركته هي اشتداد الصراع الدموي بين اليمانية والقيسية (جناحا السلطة الاموية) وقد غلبت القيسية المضرية وتلاوموا فيما بينهم لغلبة اليمانية عليهم وتكاتبوا وتداعوا وبايعوا مروان بن محمد وكان يومئذ شيخ بني أمية ورجلهم الكبير. وكانت معركة مروان، عملية تصفية حسابات خطيرة بين اليمانية والقيسية حيث جرت بينهما تصفيات وعمليات قتل من الطرفين وبينهما وانتقل الصراع وامتد إلى خراسان ثم إلى مناطق تواجدهما في جميع مناطق الدولة الاسلامية (الطبري - ابن الاثير - الاخبار الطوال). (*)

[ 156 ]

خروج أبي مسلم الخراساني قال: وذكروا أن الشيعة لما اجتمعت، وغلظ أمرهم بخراسان، قدم منهم سليمان بن كثير، وقحطبة بن شبيب، فلقوا إبراهيم بمكة (1). فقالوا: قد قدمنا بمال. قال: وكم هو ؟ قالوا عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وبمسك ومتاع قال: ادفعوه إلى عروة مولى محمد بن علي، ففعلوا، فكان يحيى بن محمد يتبعهم ويسألهم، فيقول: ما قصتكم وفي أي شئ جئتم ؟ فلا يخبرونه، فذكروا ذلك لابراهيم. فقال: احذروه، فإنه قليل العقل، ضعيف الرأي. فجاء إلى إبراهيم فقال له: إن علي دينا، والله لئن لم تعطني قضاء ديني، لارفعن أمرك إلى عبد العزيز بن عمر، وهم يومئذ على الموسم، فأعطاه خمسة آلاف درهم، وقدموا بأبي مسلم معهم، وقد خرج أصحابه من السجن، فأعلموا إبراهيم أنه مولاه. فقال لسليمان: قد ربا (2) أمركم، فأنت على الناس، فاخرج إلى خراسان، وقد كان أبو مسلم قدم على إبراهيم قبل أن ينصرف أصحابه، فرأى عقله وظرفه. فكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته على خراسان، وما غلب عليها، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، فالتقوا بمكة، فأعلمهم أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه. قال إبراهيم: إنه قد يجمع رأيه على هذا، فاسمعوا له وأطيعوا. ثم قال لابي مسلم: يا أبا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت، فاحفظ (3) وصيتي، انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم (4)، فإن الله لا يتم هذا الامر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة، فإنهم معهم (5)، وانظر هذا الحي من مضر، فإنهم العدو القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره، ومن وقع في نفسك منه تهمة. فقال: أيها الامام، فإن وقع في أنفسنا من رجل هو على غير ذلك، أحبسه حتى تستبينه ؟ قال: لا، السيف السيف، لا تتقي العدو بطرف. ثم قال للشيعة: من أطاعني فليطع هذا، يعني أبا مسلم ؟ ومن عصاه فقد عصاني. ثم قال له: إن استطعت أن لا تدع بخراسان (6) أرضا فيها عربي فافعل، وأيما غلام


(1) وكان محمد بن علي قد مات سنة 125 واستخلف ابنه ابراهيم الامام ودعا دعاته إلى تأييده. (2) أي زاد وارتفع شأنكم. (3) في الطبري 7 / 344 " فاحتفظ ". (4) في ابن الاثير 3 / 448 فالزمهم واسكن بين أظهرهم. (وحل: في الطبري). (5) في الطبري: فأتهمهم في أمرهم. (6) في الطبري: لسانا عربيا فافعل. وفي ابن الاثير: من يتكلم بالعربية فافعل. (*)

[ 157 ]

بلغ خمسة أشبار، فاتهمته فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ، يعني سليمان بن كثير، ولا تعصه، فشخصوا إلى خراسان. ووقعت العصبية بخراسان، بين نصر بن سيار، وكان عامل مروان عليها، وبين الكرماني (1). فدخل على نصر بن سيار رجل فقال له: إن مروان بن محمد قد خالف ما ظن به الناس، وقد كان رجي وأمل، وما أرى أمره إلا وقد انتقض، واجترأت عليه الخوارج، وانتقضت عليه البلاد، وخرج عليه ثابت بن نعيم، ورأى الاشتغال بلذاته أهم عليه، فلو اجتمعت كلمتك مع الكرماني فإني خائف أن يوقعك هذا الخلاف فيما نكره وأنت شيخ العرب وسيدها، وأرى والله في هذه الكور شيئا، وأسمع أمورا أخاف أن تذهب، أو تذهل منها العقول. فقال نصر بن سيار: والله ما أتهم عقلك ولا نصيحتك، ولكن اكفف عن هذا القول، فلا يسمعن منك، فالتحم ما بين الرجلين (2)، وهاجت الحرب وتقاتلوا، وجعلت رجال الشيعة تجتمع في الكور الالف والالفان، فيجتمعون في المساجد، ويتعلمون: أي يتعارفون بينهم، فبلغ ذلك نصرا، واغتم لذلك، وخاف إن وجه إليهم من يقاتلهم أن يتجاوزوا إلى الكرماني، فلما استفحل أمر القوم، وقام بأمرهم أبو مسلم الخراساني، ثم اجتمعوا وأظهروا أمرهم. كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد: أرى خلل (3) الرماد وميض نار (4) * ويوشك (5) أن تكون له ضرام فإن النار بالعودين تذكى * وإن الحرب أولها الكلام (6) أقول من التعجب: ليت شعري * أأيقاظ أمية أم نيام فإن كانوا لحينهم نياما (7) * فقل قوموا فقد حان القيام


(1) هو جديع بن علي المعروف بالكرماني، كان سيد من بأرض خراسان من اليمانية. (2) أي بين نصر بن سيار والكرماني (تفاصيل ذلك انظرها في الطبري 7 / 330) وما بعدها وابن الاثير 3 / 444 وما بعدها، والاخبار الطوال ص 351 وما بعدها. (3) في الطبري 7 / 369: بين، وفي الاخبار الطوال: تحت. (4) في الطبري والاخبار الطوال: جمر. (5) في ابن الاثير: " وأخشى " وفي الطبري: فأحج بأن.. وفي الاغاني 6 / 12 بولاق: وأحر أن. (6) في الاخبار الطوال: وأن الشر مبدأه كلام. (7) في مروج الذهب 3 / 291 فإن يك قومنا أضحوا نياما. وفي الاخبار الطوال: فإن بك أصبحوا وثووا نياما. (*)

[ 158 ]

ففري عن رحالك ثم قولي * على الاسلام والعرب السلام فكتب إليه مروان (1): إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فقال نصر لما قرأ الكتاب: أما صاحبكم فقد أعملكم أن لا نصر عنده، وجعل أبو مسلم يكتب الكتب، ثم يقول للرسل: مروا بها على اليمانية، فإنهم يتعرضون لكم، ويأخذون كتبكم، فإذا رأوا فيها أني رأيت المضرية لا وفاء لهم، ولا خير فيهم، فلا تثق بهم، ولا تطمئن إليهم، فإني أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب، ويرسل رسولا آخر بمثل ذلك على اليمانية. فيقول: مر على المضرية، فكان الفريقان جميعا معه، وجعل يكتب إلى نصر بن سيار، وإلى الكرماني: أن الامام قد أوصاني بكم، ولست أعدو رأيه فيكم، فجعل نصر يقول: يا عباد الله، هذه والله الذلة، رجل بين أظهرنا يكتب إلينا بمثل هذا، لا نقدر له على ضر ولا نفع، فلما تبين القوم أن لا نصير لهم كتب أبو مسلم إلى أصحابه في الكور، أن أظهروا أمركم، فكان أول الناس من سود (2) أسيد (3) بن عبد الله، فنادى: يا محمد، يا منصور، فسود معه العكي، ومقاتل بن حكم (4)، وعمر بن غزوان، وأقبل أبو مسلم حتى نزل الخندقين فهابه الفريقان جميعا. فقال: لست أعرض لواحد منكم، إنما ندعو إلى آل محمد، فمن تبعنا فهو منا، ومن عصانا فالله حسيبه. فلما جعل أصحابه يكثرون عنده. وهو يطمع الفريقين جميعا في نفسه. كتب نصر بن سيار: إلى مروان بن محمد، يذكر استعلاء أمر أبي مسلم، ويعلمه بحاله وخروجه، وكثرة شيعته، وأنه قد خاف أن يستولي على خراسان، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، فأتى مروان الكتاب، وقد أتاه رسول أبي مسلم بجواب إبراهيم (5)، فأخذ جواب إبراهيم، وفيه لعن إبراهيم لابي مسلم، حين


(1) في العقد 4 / 478 هذه الابيات كتبها نصر إلى هشام بن عبد الملك، وفي الاغاني 6 / 128 ذكر أنه أرسلها إلى الوليد بن يزيد وفي بقية المصادر فكالاصل. (2) أي رفع شعار السواد، شعار العباسيين. (3) في ابن الاثير: أسد. (4) في الطبري وابن الاثير: حكيم. (5) كان أبو مسلم قد أرسل إلى ابراهيم الامام كتابا يخبره فيه خبره، وما آل إليه أمره. وكان مروان بن محمد قد وكل بالطرق أشخاصا يراقبون رسل أبي مسلم، فجئ برسول أبي مسلم إلى مروان وبعد أن قرأ كتابه رشا الرسول على أن يذهب إلى إبراهيم ويأخذ جواب كتاب أبي مسلم ويأتيه به ففعل. (مروج الذهب 3 / 295 الطبري 7 / 370 ابن الاثير 3 / 462 الاخبار الطوال ص 357). (*)

[ 159 ]

ظفر بالرجلين، ألا يدع بخراسان عربيا إلا قتله، فانطلق الرسول بالكتاب إلى مروان، فوضعه في يده. فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية (1)، وهو على دمشق: أن أكتب إلى عاملك بالبلقاء (2)، فليأخذ إبراهيم بن محمد فليشده وثاقا، ثم يبعث به إليك، ثم وجه به إلي، فأتى إليه وهو جالس في مسجد القربة، فأخذ إلى دمشق، ودخل على مروان، فأنبه وشتمه، فاشتد لسان إبراهيم عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما أظن ما يروي الناس عنك إلا حقا في بعض بني هاشم. فقال: أدركك الله بأعمالك، اذهب به، فإن الله لا يأخذ عبدا عند أول ذنب، اذهب به إلى السجن. فقال أبو عبيدة: فكنت آتيه في السجن، ومعه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فوالله إني ذات ليلة في سقيفة السجن، بين النائم واليقظان، إذ مولى لمروان قد استفتح، ومعه عشرون رجلا من موالي مروان، من الاعاجم، ومعه صاحب السجن، ففتح لهم فدخلوا، وأصبحنا فإذا عبد الله بن عمر، وإبراهيم بن محمد ميتان (3)، فانكسر لذلك مسلم بخراسان، إذا بلغه موت إبراهيم، وانكسرت الشيعة، واستعلى أمر الكرماني، فلما رأى أبو مسلم ذلك قال له: إنا معك، ثم دارت الاحوال بين نصر والكرماني، حتى غدر نصر بالكرماني فقتله وصلبه (4)، فخاف نصر على نفسه من أبي مسلم. ذكر ما أمال أصحاب الكرماني إلى أبي مسلم قال: وذكروا أن أبا مسلم كتب إلى نصر: إنه قد جاءنا من الامام كتاب فهلم نعرضه عليك، فإن فيه بعض ما تحب. فدخل عليه رجل (5) فقال: (إن الملاء بأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين) [ القصص: 20 ]. فقال نصر: ادخل فالبس ثيابي، فدخل بستانا له، وقد تقدم إلى صاحب دوابه،


(1) كذا بالاصل والطبري، وفي الاخبار الطوال ص 357: معاوية بن الوليد بن عبد الملك. (2) البلقاء: بلد من أعمال عمان في أطراف الشام. (3) زيد في الاخبار الطوال عن أبي عبيدة: فظننت أنهما خنقا. وفي مروج الذهب 3 / 296 أما العباس (هو العباس بن الوليد بن عبد الملك) و عبد الله فجعل على وجوههما مخاد وقعد فوقهما فاضطربا حتى بردا، وأما إبراهيم فإنهم جعلوا رأسه في جراب كان معهم فيه نورة مسحوقة فاضطرب ساعة ثم خمد. (4) انظر في ذلك الطبري 7 / 370 ابن الاثير 3 / 459. (5) هو لاهز بن قريظ (ابن الاثير 3 / 469 الطبري 7 / 381). (*)

[ 160 ]

فأتاه بدواب، فركب وهرب، معه داود بن أبي داود (1)، وهرب معه بنوه، وتفرق أصحابه، وجاء القوم إلى أبي مسلم فأعلموه أنه قد خرج، ولا يدرون أين توجه، فاستولى أبو مسلم على خراسان، فاستعمل عليها عماله، ثم وجه أبا عون (2) في ثلاثين ألفا إلى مروان، فلما بلغ مروان الخبر خرج حتى أتى حران، فتخمل بعياله وبناته وأهله، وقد كان يتعصب قبل، فجفا أهل اليمن وأهل الشام وغيرهم، وقتل ثابت بن نعيم، والسمط بن ثابت، وهدم مدائن الشام، وتحول إلى الجزيرة. قال اسماعيل بن عبد الله القسري: دعاني مروان فقال: يا أبا هاشم وما كان يكنيني قبلها، قد ترى ما حل من الامر وأنت الموثوق به، ولا مخبا بعد بؤس (3)، ما الرأي ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين على ما أجمعت ؟ قال: على أن أرتحل بموالي وعيالي وأموالي، ومن تبعني من الناس حتى أقطع الدرب، ثم أميل إلى مدينة من مدائن الروم، فأنزلها، وأكاتب صاحب الروم، وأستوثق منه (4)، فما يزال يأتيني الخائف والهارب حتى يلتف أمري. قال إسماعيل: وذلك والله الرأي. فلما رأيت ما أجمع عليه، ورأيت سوء آثاره في قومي [ من قحطان ]، وبلائه القبيح عندهم، قلت له: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأي، أن تحكم فيك أهل الشرك، وفي بناتك وحرمك، وهم الروم لا وفاء لهم، ولا تدري ما تأتي به الايام، فإنه أنت حدث عليك حادث بالروم، ولا يحدث إلا خير، ضاع أهلك من بعدك، ولكن اقطع الفرات، ثم استدع (5) الشام جندا جندا، فإنك في كنف وجماعة وعزة، ولك في كل جند صارم (6) يسيرون معك، حتى تأتي مصر، فإنها أكثر أرض الله مالا [ وخيلا ] ورجالا، ثم الشام أمامك، وأفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن كانت الاخرى مضيت إلى أفريقية. قال: صدقت، ثم استخار الله وقطع الفرات، فمر بكور من كور الشام،


(1) في ابن الاثير ومعه: ابنه تميم والحكم بن تميلة النميري وامرأته المرزبانة. (2) هو عبد الملك بن يزيد الخراساني، أبو عون. (3) في مروج الذهب 3 / 301: ولا مخبأ لعطر بعد عروس. (4) زيد في مروج الذهب: فقد فعل ذلك جماعة من الاعاجم، وليس هذا عارا بالملوك. (5) مروج الذهب: استنفر. (6) مروج الذهب: صنائع. (*)

[ 161 ]

فوثبوا عليه، فأخذوا مؤخر عسكره فانتهبوه ثم مر بحمص فصنعوا له مثل ذلك، ثم مر بأهل دمشق فوثبوا عليه، ووثب به الوليد بن معاوية (1)، وكان عامل مروان على دمشق، ثم مضى إلى الاردن، فوثب بن هاشم بن عمر (2)، ثم مر بفلسطين فوثب به الحكم (3)، ثم مضى إلى مصر فاتبعه الحجاج بن زمل السكسكي. فقيل له: أتتبعه وقد عرفت بغضه لقومك ؟ فقال: ويحكم إنه أكرمني لمثل هذا اليوم لآخذ له، وتبعه أيضا أبو سلمة الخلال وثعلبه بن سلامة، وكان عامله على الاردن، وتبعه أيضا الرحس فقال: إني لاسير مع مروان حيث جزنا فلسطين. فقال: يا رماحس انفرجت عني قيس انفراج الرأس ما تبعني منهم أحد (4)، وذلك أنا وضعنا الامر في غير موضعه، وأخرجناه من قوم أيدنا بهم، وخصصنا به قوما، والله ما رأينا لهم وفاء ولا شكرا. تولية أبي مسلم قحطبة بن شبيب قتال مروان قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم عن رجال أدركوا الدولة وصحبوا أهلها. قالوا: لما استولى أبو مسلم على خراسان، وولى قحطبة الطائي قتال مروان بن محمد، وبعث معه ثلاثين ألفا من رجال اليمن وأهل الشيعة، وفرسان خراسان، وخرج مروان وهو يريد أبا مسلم بخراسان، ومعه مئة ألف فارس سوى أصحاب الحمولة، فهرب من بين يديه أبو العباس، وأبو جعفر، وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، فلحقوا بالكوفة، فبعث أبو العباس إلى أبي سلمة الخلال، واسمه حفص بن سليمان، وكان واليا لابراهيم بن محمد على الشيعة بالكوفة فأمره إن بلغه أمر فيه قوة لابي مسلم بخراسان أن يظهر أمره بالكوفة، ويدعو إليه، ويناهض صاحب الكوفة، ففعل ذلك أبو سلمة، فلما غلظ أمر أبي مسلم بخراسان، واستولى عليها، وبعث الجيوش إلى مروان أظهر أمره بالكوفة، وطرد عامل الكوفة، فخرج هاربا.


(1) في مروج الذهب: فوثب به الحارث به عبد الرحمن الجرشي. (2) في مروج الذهب: هاشم بن عمرو القيسي والمذحجيون جميعا. (3) الحكم بن صنعان بن روح بن زنباع (مروج الذهب). (4) قال المسعودي: معه من قيس رجلان ابن حمزة السلمي وكان أخاه من الرضاعة، والكوثر بن الاسود الغنوي. (*)

[ 162 ]

ذكر البيعة لابي العباس بالكوفة قال: وذكروا أن أبا مسلم لما بلغه أن أبا سلمة قد أظهر أمره بالكوفة، ودعا إلى محمد، وجه رجلا من قواده إلى الكوفة في ألفي فارس، وأمره أن يسرع السير حتى يأتيها، فأقبل ذلك القائد حتى دخل الكوفة، فلقي غلاما أسود لابي العباس، فقال له: أين مولاك ؟ قال: هو في دار هاهنا. قال: دلني عليه، فدله على الدار، فاستفتح الباب، ثم دخل عليه، فسلم عليه بالخلافة، وكان أبو سلمة يريد صرف الخلافة إلى ولد علي بن أبي طالب، وكان ينهى أبا العباس عن الخروج، ويقول له: إن الامر لم يتم، وإن موالي بني أمية قائمون بالحرب، والامر أشد مما كان. فقال أبو العباس: إن أبا سلمة منعني عن الخروج حتى يولي العمال، ويعمل الخراج. فقال القائد: لعن الله أبا سلمة، والله لا أجلس حتى تخرج إلى الناس فخرج له مع رجاله إلى المسجد، ونودي الصلاة جامعة، فصعد أبو العباس المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم ذكر بني أمية وسوء آثارهم، وذكر العدل فحض عليه، ووعد الناس خيرا، ورجالهم الاصلاح وقسمة الفئ على وجهه، ثم دخل الامارة، وجلس الناس، فلما بلغ أبا سلمة خروجه أتاه يعتذر إليه، فقبل ذلك منه، وأراه المكانة منه، والخاصة به، وقد كان علم أبو العباس الذي أراد أبو سلمة من صرف الخلافة إلى ولد علي بن أبي طالب. حرب مروان بن محمد وقتله قال: وذكروا أن قحطبة بن شبيب، لما انتهى إلى بعض كور الشام، التقى بمروان فقاتله، فانهزم مروان، فأقحم قحطبة في طلب مروان (1) فرسه في الفرات، فحمله الماء، فمات فيه (2)، وقد أصاب أهل عسكر قحطبة من أموال


(1) كذا بالاصل وفي الطبري وابن الاثير أن قحطبة أمر بالتوجه إلى العراق وفيه ابن هبيرة من قبل مروان. وان القتال دار بينهما، وقد قطع قحطبة الفرات حتى صار إلى غربيه، ومروان يمد ابن هبيرة حيث التقيا على الفرات - في أرض الفلوجة العليا - على رأس 23 فرسخا من الكوفة. (2) وجد في جدول هو وسلم (سالم) بن أحوز قتيلين. وقيل في موته أن رجلا ممن كان معه قتله آخذ بثأر بني نصر بن سيار (البداية والنهاية 10 / 38). وفي الاخبار الطوال ص 369 فقد قحطبة ولم يدر أين ذهب. وانظر تاريخ اليعقوبي 2 / 344. (*)

[ 163 ]

مروان، وأمتعة عسكره ما لا يحصى كثرة، فتناول اللواء حميد بن قحطبة (1)، وعبر الفرات حتى أتى الشام، فقيل له: إن مروان ترك الطريق إلى دمشق وذهب صالح بن علي بن عبد الله بن عباس (2)، وكان بناحية من الشام، وقد اجتمع إليه الناس لما علموا من قرابته لامير المؤمنين، فلما اجتمع مع حميد بن قحطبة سلم إليه الامر، وقال الناس: إنه خرج بإظهار الدعوة لابي العباس من غير أمره، فما سلم الامر إلى صالح بن علي، أتاه كتاب أبي مسلم، أن يرجع ابن قحطبة ببعض عساكره إلى العراق، فيكون فيها حتى يأتيه أمره، فأتى صالح بن علي كتابه بأنه قد صير إليه الشام، وما وراءها إلى المغرب، ويأمره فيه ببعثه الجيوش في طلب مروان، فولى صالح بن علي رجلا من الازد، يقال له أبو عون على مصر، وأمره بطلب مروان في أرض المغرب، وبعثه في عشرين ألفا، وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد نافر مروان بن محمد (3)، وقاتله مرارا قبل أن يشتد أمر أبي مسلم، فسار إليه في أربعة آلاف، وذلك بعد خروج قحطبة من عند أبي مسلم، فنزل به سليمان، وكانت بينه وبين أبي العباس مودة قديمة، فبايع أبا مسلم على طاعة أبي العباس، فسر به أبو مسلم وشيعته، ثم سيره في طلب قحطبة ممدا له، وقد قاتل مروان قحطبة قبل قدوم سليمان بيومين، فلما نظر مروان إلى دخول سليمان بن هشام في عسكر قحطبة، وكثرة من جاء معه انهزم، فمضى سليمان مع حميد بن قحطبة في طلبه، ولم يكن مروان انهزم عنه غلبة، ولكنه كان نظر في كتب الحدثان، فوجد فيها أن طاعة المسودة لا تجاوز الزاب (4)، فقال ذلك لوزرائه. فقيل له: إن بمصر زابا آخر. قال: فإليها نذهب


(1) في الطبري وابن الاثير: بويع حميد بن قحطبة لاخيه الحسن. وكان قحطبة قد أرسله في سرية فأرسلوا فأحضروه وسلموا إليه الامر. (2) كذا، وفي الطبري وابن الاثير ومروج الذهب: صالح بن علي، وسيرد بعد صحيحا. (3) كان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد خلع مروان سنة 127 وعسكر مع أصحابه بقنسرين واجتمع إليه هناك سبعون ألفا من أهل الشام والذكوانية وغيرهم، والتقى مع مروان في خساف من أرض قنسرين فانهزم سليمان وهرب إلى العراق (ابن الاثير 3 / 438). ثم التحق بالضحاك، ثم بشيبان الحروري، وبعد هزيمة شيبان هرب سليمان إلى السند. ولم يرد في أي من المصادر اشتراكه في هذه المعركة. والخبر هنا فيه اضطراب كبير مع ما ذكر في الطبري وابن الاثير اللذين يذكران أن مطاردة مروان كانت من قبل عبد الله بن علي على الزاب وأن صالح بن علي تولى مطاردة مروان بعد اجتيازه نهر أبي فطرس بفلسطين إلى مقتله قرب ذات الساحل (ذات السلاسل). (4) الزاب: نهر بالموصل، والزاب أيضا عدة مواضع (معجم البلدان). (*)

[ 164 ]

إذا، والزاب الذي أراد علمه هو بأرض المغرب، فأقبل مروان وهو يريد مصر، فالتقت الخيل، فانهزمت خيل أبي عون، وأسر جماعتهم وصاحب أمرهم (1)، فأتى مروان بالاسارى، فقال مروان لجماعته: شدوا أيديكم بالاسرى، فقد أجننا الليل، وبات مسرورا. فلما أصبح جعل يهنئ أصحابه للقاء القوم، فأقبل سليمان بن هشام، وأبو عون وكان مروان قد أرخى حبال الجسر، وتوسط أصحابه فيما هنالك وهم آمنون فقال أبو عون للقبط: هل لهذا النهر من مخاضة، فقالوا له: ما علمنا ذلك، ولا بلغنا أن أحدا خاضه قط، فقطع عما قصد وأراد. فكتب إلى صالح بن علي بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بمراكب ساحل البحر عاجلا، فبينما هو في ذلك، إذ أتاه رجل من القبط فقال له: إن أبي كان يقرأ الكتاب، وكان يحدثنا بأمور تكون بعده، ويصف لنا موضعا يجعله الله لكم تخوض فيه الخيل عند تلك الامور، وقد اختبرت ذلك الليلة، فسر بذلك أبو عون، ثم بعث معه الخيل إلى ذلك الموضع، بعد أن وصله ووعده خيرا وكان مروان نظر إلى الرايات السود بناحية مصر، ونظر إلى الخيل تعدو النهر، ولا يشكك أنهم لا يجدون سبيلا إلى عبوره، فلم ينشب أهل عسكر مروان أن نظروا إلى خيل أبي عون قد جاوزت النيل، فعبأ مروان أصحابه وأهل بيته، ثم خطبهم وحضهم على الصبر. وقال لهم: إن الجزع لا يزيد في الاجل، وإن الصبر لا ينقص الاجل وأقبل القوم فاقتتلوا من وقت صلاة الصبح إلى أن مالت الشمس، فأصيب عبد الله ومحمد ابنا مروان وبنو أبيه أكثرهم، وولد عبد العزيز، وصابر القوم، فلما لم يبق حوله إلا قدر الثلاثين، حمل على القوم فأكردهم (2) ورجع، فجعل أصحابه يفترقون عنه. فلما رأى ذلك نزل عن فرسه وأنشأ يقول متمثلا (3): ذل الحياة وهول (3) الممات * وكلا أراه وخيما وبيلا فإن كان لا بد من ميتة (5) * فسيري إلى الموت سيرا جميلا


(1) واسمه المخارق. (2) أكردهم: طردهم وجعلوا يجرون أمامه. (3) في ابن الاثير 3 / 496 القائل هو مسلمة بن عبد الملك. (4) في ابن الاثير: وكره. (5) في ابن الاثير: فإن لم يكن غير إحداهما. (*)

[ 165 ]

فوثب رجل إلى فرسه فأخذه. فقال له مروان: أكرمه فإنه أشقر مروان. ثم كسر غمد سيفه، وقاتل قتالا شديدا، ثم أصيب (1)، فنزل أبو عون، فأمر بضرب قبابه، وأمر سليمان بن هشام بطلب المنهزمين، حتى أصيب عامتهم واستأسر منهم من استأسر، وكان فيمن أسر منهم عبد الحميد كاتبه، وحكم المكي مؤدنه، فاستبقاهما أبو عون، وبعث بهما إلى صالح بن علي، ثم أمر أبو عون بطلب جثة مروان على شاطئ النيل. فلما كان من الغد، ركب أبو عون وسليمان بن هشام لينظرا مروان، فنظرا إليه، ثم تحول أبو عونه إلى سليمان. فقال: الحمد لله الذي شفى صدرك قبل الموت من مروان، فهل لك يا أبا أيوب أن تذهب إلى أمير المؤمنين بكتابي وبما هيأ الله على يديك وشفا به صدرك، فيفعل بك خيرا، ويعرف من قرابتك ونصحك ما أنت أهله ؟ فرضي بذلك سليمان، فكتب وسار. فلما قدم سليمان بن هشام على أبي العباس أمير المؤمنين، رحب به وقربه واستلطفه، وأنزله بعض دور الكوفة، وفعل به ما لم يفعل بأحد سواه، من البر والاكرام، وكان سليمان يختلف إلى مائدة أبي العباس في كل يوم، فيتغدى معه، ويتعشى، وكان كأحد وزرائه وفوقهم، وكان يجلس أبا جعفر عن يمينه، وسليمان عن يساره. قتل أبي سلمة الخلال قال: وذكروا أن أبا العباس لما تمت له الامور واستوثقت، استشار وزراءه في قتل أبي سلمة، فأدار القوم الرأي فيه، وكان أبو سلمة يظهر الا دلال والقدرة على أمير المؤمنين، وكان يقيم عنده في كل ليلة إلى حين من الليل، فإذا أراد الخروج والرجوع إلى منزله، قربت إليه دابته إلى المجلس، فيركب منه دون غيره، ثم يخرج إلى داره. فقالوا له: إنك إن قتلته ارتاب أبو مسلم، ولم تأمن أن يحدث لذلك حدثا، ولكن الرأي أن تكتب إليه بالذي رابك منه، والذي يريده من فسخ ما أنت فيه، فكتب إلى أبي مسلم بذلك (2)، وكان أبو العباس وأبو


(1) الذي قتله محمد بن شهاب المازني، وفي الطبري اسمه المغود، وفي الاخبار الطوال ومروج الذهب: عامر بن إسماعيل. وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 32. (2) في مروج الذهب 3 / 328 أن أبا مسلم هو الذي كتب إلى السفاح يشير عليه بقتله. ثم كتب إلى المنصور وداود بن على يسألهما أن يشيرا على السفاح بقتله لانه نكث وبدل وغير. (وانظر = (*)

[ 166 ]

جعفر لا يسميان عبد الرحمن (يعني أبا مسلم إلا عما). فلما قدم الكتاب إلى أبي مسلم، كتب إلى أبي العباس: إن كان رابك منه ريب فاضرب عنقه. فلما أتاه الكتاب قال له وزراؤه: إنك لا تأمن من أن يكون ذلك غدرا من أبي مسلم، وأن يكون إنما يريد أن يجد السبيل إلى ما تتخوف منه، ولكن اكتب إليه أن يبعث إليك برجل من قواده يضرب عنقه. فكتب إليه بذلك، وذكر في كتابه: إني لا أقدم ولا أؤخر إلا برأيك. فبعث إليه برجل يقال له مرار الضبي (1). فلما قدم على أبي العباس أمر ذلك الضبي أن يقعد له في الظلمة، في داخل الامارة بالكوفة، فإذا خرج ضربه بالسيف برأسه، فقتله، ثم أمر بصلبه، فلما أصبح الناس إذا هم بأبي سلمة مصلوبا على دار الامارة. قتل رجال بني أمية بالشام قال: وذكروا أن أبا العباس ولى عمه عبد الله بن علي، الذي يقال له السفاح (2): الشام، وأمره أن يسكن فلسطين، وأن يجد السير نحوها، وهنأه بما


= اليعقوبي 2 / 352). وأشار في الاخبار الطوال إلى أنه بمجرد بلوغه خبر أن أبا العباس أسند أموره إلى أبي سلمة أرسل مروان الضبي فقتله ص 370. (1) في الاخبار الطوال: " مروان " ابن الاثير والطبري: مرار بن أنس الضبي. وفي تاريخ اليعقوبي: مراد بن أنس الضبي. (2) ثمة أقوال فيمن لقب " بالسفاح " عبد الله بن علي أم أخوه أبو العباس الخليفة الاول. ناقش الاستاذ نيكلسون في كتابه (253. the preaching of Islam) p. Note I لفظ السفاح فقال: لقد ذهب بعض المؤرخين إلى القول بأن السفاح معناه الرجل الكثير العطايا أو المناح. ومع كل فإنه مما يهمنا ملاحظته أن هذا الاسم قد أطلق على بعص شيوخ القبائل في الجاهلية. ويقال إن سلمة بن خالد الذي قاد بني تغلب في معركة يوم الكلاب الاول سمي السفاح، لانه أفرغ مزاد جيشه قبل الوقعة. وفي اللسان: " رجل سفاح للدماء: سفاك. ورجل سفاح: معطاء، من ذلك، وهو أيضا الفصيح.. والسفاح لقب عبد الله بن محمد أول خليفة من بني العباس ". والذين أيدوا أن الخليفة أبي العباس هو من لقب استندوا إلى أول خطبة له والذي يقول فيها: " أنا السفاح المبيح والثائر المبير ". أما الذين اعتمدوا لقب السفاح إلى عبد الله بن علي فاستندوا إلى: - غلظته وانتقامه من بني أمية، ويظهر من سيرته الجور. - أن المؤرخين المتقدمين أمثال الطبري وخليفة واليعقوبي والدينوري لم يأتوا على تلقيبه بالسفاح، إنما جاء اللقب من المؤرخين المتأخرين. (*)

[ 167 ]

أصاب من أموال بني أمية، وكتب إلى صالح بن علي أن يلحق بمصر واليا عليها (1). فقدم السفاح فلسطين، وتقدم صالح إلى مصر، فأتاها بعد قتل مروان بيومين، وأن السفاح بعث إلى بني أمية، وأظهر للناس أن أمير المؤمنين وصاه بهم، وأمره بصلتهم، وإلحاقهم في ديوانه، ورد أموالهم عليهم، فقدم عليه من أكابر بني أمية وخيارهم، ثلاثة وثمانون رجلا، وكان فيهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وأبان بن معاوية بن هشام، وعبد الرحمن بن معاوية، وغيرهم من صناديد بني أمية. فأما عبد الرحمن بن معاوية، فلقيه رجل كان صنع به برا، وأسداه خيرا، وأولاه جميلا. فقال له: أطعني اليوم في كلمة، ثم اعصني إلى يوم القيامة. فقال له عبد الرحمن: وما أطيعك فيه اليوم ؟ فقال له الرجل: أدرك موضع سلطانك، وقاعدتك المغرب، النجاء النجاء، فإن هذا غدر من السفاح، ويريد قتل من بقي من بني أمية. فقال له عبد الرحمن: ويحك إنه كتاب أبي العباس، قدم عليه، يأمره فيه بصلتنا، ورد أموالنا إلينا، وإلحاقنا بالعطاء الكامل، والرزق الوافر. فقال له الرجل: ويحك أتغفل ؟ والله لا يستقر ملك بني العباس، ولا يستولون على سلطان، ومنكم عين تطرف. فقال له عبد الرحمن: ما أنا بالذي يطيعك في هذا. فقال الرجل: فأتأذن لي أن أنضر إلى ما تحت ظهرك مكشوفا ؟ فقال له: وما تريد بهذا ؟ فقال له: أنت والله صاحب الامر بالاندلس، فاكشف لي، فكشف عبد الرحمن عن ظهره، فنظر الرجل فإذا العلامة التي كانت في ظهره قد وجدت في كتب الحدثان (2)، وكانت العلامة خالا أسود عظيما مرتفعا على الظهر هابطا، فلما نظر إليه الرجل قال له: النجاء النجاء، والهرب الهرب، فإنك والله صاحب الامر، فاخرج فإنا معك، ومالي لك، ولي عشرون ألف دينار مصرورة، كنت أعددتها لهذا الوقت. فقال له عبد الرحمن: وعمن أخذت هذا العلم ؟ فقال الرجل: من عمك مسلمة بن


= - إن سيرته لم تتسم بالجور والظلم، إذا استثنينا بعض الحوادث التي اعتبرها ضرورية - بل وقائية - لتدعيم سلطته وإبعاد الخطر عنه (انظر سيرته في الاغاني 4 / 92 النزاع والتخاصم ص 55) (انظر تاريخ الاسلام السياسي 2 / 22 حاشية 1، ومقالة للعبادي: صور وبحوث من التاريخ الاسلامي عصر الدولة العباسية ص 1 - 5). (1) في الطبري وابن الاثير: عبد الملك بن يزيد، أبو عون. وأقره على مصر سنة 133. وعلى أجناد الشام عبد الله بن علي وصالح بن علي. (2) كتب الحدثان: أي كتب التنجيم والاخبار بالمستقبل. (*)

[ 168 ]

عبد الملك. فقال له عبد الرحمن: ذكرت والله عالما بهذا الامر، أما لئن قلت ذلك لقد وقفت بين يديه وأنا غلام، يوم توفي أبي معاوية، وهشام يومئذ خليفة، فكشفت عن ظهري، فنظر إلى ما نظرت إليه. فقال لهشام جدي وهو يبكي: هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك المغرب. فقال له هشام: وما الذي أبكاك يا أبا سعيد ؟ ألهذا تبكي ؟ فقال: أبكي والله على نساء بني أمية وصبيانهم، كأني بهم والله قد أبدلوا بعد أساورة الذهب والفضة الاغلال والحديد، وبعد الطيب والدهن البقل والعقار، وبعد العز الذل والصغار. فقال هشام: أحان زوال ملك بني أمية يا أبا سعيد ؟ فقال مسلمة: إي والله حان، وإن هذا الغلام يعمر منهم، ثم يصير إلى المغرب فيملكها. فقال له الرجل: فاقبض مني هذا المال، واخرج بمن تثق به من غلمانك. فقال عبد الرحمن: والله إن هذا الوقت ما يوثق فيه بأحد، فولى ذاهبا، وخرج لا يدري متى خرج، فلحق بالمغرب، وأقبل القوم من بني أمية، وقد أعد لهم السفاح مجلسا فيه أضعافهم من الرجال، ومعهم السيوف والاجرزة (1)، فأخرجهم عليهم، فقتلهم وأخذ أموالهم (2)، واستعفى (3) عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان عبد الواحد قد بذ العابدين في زمانه، وسبق المجتهدين في عصره، فركب السفاح إلى أموال عبد الواحد، وكان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة، تطرد فيها المياه والعيون، فأمره السفاح أن يصيرها إليه، فأبى عليه، واختفى منه، فأخذ رجالا من أهله، فتواعدهم السفاح، وأمر بحبسهم حتى دلوه عليه. فلما قبضه أمر بقتله، ثم استقصى ماله، فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين، وكان أبو العباس يعرفه قبل ذلك، وكان عبد الواحد أفضل قرشي كان في زمانه عبادة وفضلا. فقال أبو العباس: رحم الله عبد الواحد، ما كان والله ممن يقتل لغائلة (4)، ولا ممن يشار إليه بفاحشة، وما قتلته إلا أمواله، ولولا أن السفاح عمي، وذمامه ورعاية حقه علي واجب، لاقدت منه (5)، ولكن الله طالبه، وقد كنت أعرف عبد الواحد برا


(1) الاجرزة جمع جرز، وهو عمود حديد. (2) وكانوا ثلاثة وسبعين (الطبري)، بضعة وثمانين (مروج الذهب) اثنين وثمانين (العقد). نحو تسعين رجلا (ابن الاثير)، ثمانون (تاريخ اليعقوبي). (3) استعفى: أي تركه ولم يقتله. (4) يريد أنه قتل غدرا. (5) أي اقتصصت منه، وقتلته قودا بعبد الواحد. (*)

[ 169 ]

تقيا، صواما قواما. ثم كتب إلى عمه السفاح ألا يقتل أحدا من بني أميه، حتى يعلم به أمير المؤمنين، فكان هذا أول ما نقم أبو العباس على عمه السفاح. ذكر قتل سليمان بن هشام قال: وذكروا أن عيسى بن عبد البر أخبرهم قال: كان سليمان بن هشام أكرم الناس على أبي العباس أمير المؤمنين (1)، لحسن بلائه مع قحطبة، وقيامه معه على مروان ابن عمه، وكان هو الذي تولى كبره، وقتل على يديه، فكان لذلك أخص الناس بأبي العباس، فبينما هما يوما وقد تضاحكا وتداعبا، إذ أتى رجل من موالي أبي العباس يقال له سديف (2)، فناول أبا العباس كتابا فيه (3): أصبح الملك ثابت الاساس * بالبهاليل (4) من بني العباس طلبوا وتر هاشم فشفوها * بعد ميل من الزمان وياس لا تقيلن عبد شمس عثارا * واقطعن كل نخلة وغراس ذلها أظهر التودد منها * وبها منكم كحز المواسي - ولقد غاظني وغاظ سوائي (5) * قربهم من منابر وكراسي واذكرن مقتل الحسين وزيدا * وقتيلا بجانب المهراس (6)


(1) مر أن سليمان بن هشام قد فر بعد هزيمته أمام مروان بن محمد أيام شيبان - ولم تأت على ذكره المصادر - إلى أن جاء واستأمن مع ابنين له أبا العباس فأكرمه أبو العباس وأبره (تاريخ اليعقوبي 2 / 358). (2) يفهم من رواية العقد 4 / 486 أن شبل بن عبد الله مولى بني هاشم هو الذي دخل على أبي العباس، (ابن الاثير: دخل على عبد الله بن علي) وكان عنده جماعة من بني أمية فيهم الغمر بن يزيد بن عبد الملك. (انظر الكامل للمبرد 3 / 1367). (3) الابيات في الاغاني 4 / 93 بولاق، والكامل للمبرد 3 / 1367 والعقد الفريد 4 / 486 وابن الاثير 3 / 502 وتاريخ اليعقوبي 2 / 359 وعيون الاخبار 1 / 102 وأنساب الاشراف 3 / 161 طبقات الشعراء لابن المعتز ص 38 - 39. باختلاف بعض الكلمات والشطور، قارن الاصل مع هذه المصادر. (4) البهاليل جمع بهلول، قال المبرد: والبهلول: الضحاك. (5) السواء: قال المبرد: الوسط. والسواء: العدل والاستواء، والسواء: التمام. (6) يعني بزيد، زيد بن علي بن الحسين بن علي (رض) وكان قد خرج على هشام بن عبد الملك فقتله وصلبه. وقتيلا بجانب المهراس: يريد حمزة بن عبد المطلب (رض) والمهراس: ماء بأحد. وإنما نسب الشاعر قتل حمزة إلى بني أمية، لان أبا سفيان كان قائد الناس يوم أحد (قاله المبرد في الكامل). (*)

[ 170 ]

فقرأها أبو العباس، ثم قال له: نعم، ونعما عين وكرامة، سننظر في حاجتك، ثم ناول الكتاب أبا جعفر، ثم سلم سليمان بن هشام، ثم قام وخرج، فتطلع رجل من موالي بني أمية. كانت له خاصة خدمة في بني العباس، فعرف بعض ما في الكتاب، فلما خرج من عند أمير المؤمنين مر بسليمان بن هشام في غرفة له بالكوفة فسلم، ثم قال لسليمان: من عندك يا أبا أيوب، فقال له: ما عندي غير ولدي. فقال له: إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين. فخرج سليمان من ليلته هاربا، فلحق ببعض نواحي الجزيرة وكتب إلى مواليه وصنائعه، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فبعث إليه أبو العباس بعثا يقاتله، فانهزم ذلك البعث، ثم بعث إليه بعثا آخر، فهزمه أيضا. قال: فتنقل سليمان عن ذلك الموضع إلى غيره، ثم بعث إليه بعثا آخر، فأسر سليمان وولده، فأتى بهما أسيرين إلى أبي العباس، فأمر، فقطعت لهما خشبتان، رقمتا إليهما، فأمر بضرب رقابهما، وصلبهما، فقال سليمان لولده: لمقدم يا بني على مصيبتي بك، فتقهقر الغلام، ثم تقدم فقتل، ثم قتل سليمان، وصلبا على باب دار الامارة بالكوفة (1). خروج السفاح على أبي العباس وخلعه (2). قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم قال: لما ولي السفاح الشام، واستصفى أموال بني أمية لنفسه، أعجبته نفسه، وحسد ابن أخيه على الخلافة فأظهر الطعن على أبي العباس، والتنقص له. فلما بلغ ذلك أبا العباس، كتب إليه يعاتبه على ما كان منه، فزاده ذلك عجبا وحسدا بما فيه، فحبس الخراج، ودعا إلى نفسه، وخلع طاعته، ثم قرب موالي بني أمية وأطمعهم، وسد ثغورهم (3)، وأبدى العزم، وأظهره على محاربة أبي العباس، فلما انتهت أخباره


(1) في تاريخ اليعقوبي 2 / 359 - 360 أخرجهم أبو الجهم، بعد الانتهاء من الابيات، فضرب أعناقهم وأتي برؤوسهم. (سليمان وابنين له) وانظر الفتوح لابن الاعثم 8 / 196 و 201. (2) كذا بالاصل. وثمة اتفاق أن عبد الله بن علي خرج على ابن أخيه أبي جعفر المنصور سنة 136 وذلك فور تبلغه موت أبي العباس السفاح، زاعما أن السفاح جعل الخلافة من بعده لمن انتدب لقتل مروان بن محمد. (انظر خليفة ص 415). الطبري ج 7 / 474 مروج الذهب 3 / 354 تاريخ اليعقوبي 2 / 364 ابن الاثير 3 / 523 الاخبار الطوال ص 378. وقد ورد في الخبر اسم أبي العباس بدل أبي جعفر، وهو خطأ على ما قرر. (3) سد ثغورهم: دافع عنهم ولم يترك أبوابا مفتوحة لاخراجهم. (*)

[ 171 ]

إلى أبي العباس، كتب إلى أبي مسلم يستغيثه، ويذكر عظيم يده عنده، ويسأله القدوم عليه لامر السفاح، فقدم أبو مسلم، فأقام عنده أياما، ثم خرج إلى السفاح ومعه أجناده وقواده، فلقي السفاح على الفرات فهزمه (1)، واستباح عسكره، وأخذ أسيرا (2)، فقدم به على أبي العباس. فلما قدم إليه، وأدخل عليه قال: يا عمي أحسنا وواسينا فحسدت وبغيت، وقد رأيت تعطفا عليك، وصلة لرحمك، أن أحبسك حبسا رفيقا، حتى تؤدب نفسك، ويبدو ندمك ثم أمر فبنى له بيت. جعل أساسه قطع الملح، فحبسه فيه. فلما كان بعد أيام أرسل الماء حول البيت، فذاب الملح، وسقط البيت عليه، فمات فيه (3)، ورد أبا مسلم إلى عمله بخراسان، فأقام فيها بقية عامه، ثم أخرج أبو العباس أبا جعفر واليا على الموسم، وخرج أبو مسلم أيضا حاجا من خراسان. اختلاف أبي مسلم على أبي العباس قال: وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر في ثلاثين رجلا إلى أبي مسلم، وكان فيهم الحجاج بن أرطأة الفقيه، والحسن بن الفضل الهاشمي (4)، وعبد الله بن الحسين (5)، فلما توجه أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان، وقدم عليه، استخف به بعض الاستخفاف، ولم يزد الاجلال له، وجعل يعظم في كلامه وفعله الخليفة، ولم يزل أبو مسلم يتخوف أن يصنع به مثل ما صنع بأبي سلمة الخلال، وكان لا يظهر ذلك لاحد. فلما قدم أبو جعفر عليه، ومعه الثلاثون رجلا، وفيهم عبد الله (6) بن الحسين، قام إليه سليمان بن كثير، فقال: يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعوا إلى ما تريدون. فظن أنه


(1) في مروج الذهب: ببلاد نصيبين في الموضع المعروف بدير الاعور. (2) في مروج الذهب: انسحب عبد الله بن علي في نفر من خواصه إلى البصرة وعليها أخوه سليمان بن علي عم المنصور. وفي الاخبار الطوال: عفا عنه أبو مسلم ولم يؤاخذه بما كان منه. وقد بقي عبد الله عند سليمان بن علي مدة ثم أتي به إلى المنصور فحبسه عنده إلى سنة 147 (كما في الطبري وابن الاثير) وقيل إلى سنة 149 كما في مروج الذهب حيث قتله. (3) في مروج الذهب 3 / 373 خنقه حتى مات ثم مده على الفراش. ثم أمر بالبيت فهدم عليهما (مع جارية خنقها معه). (4) في الطبري 7 / 450 اسحاق بن الفضل الهاشمي. (5) في الطبري: عبيد الله بن الحسين الاعرج، في ابن الاثير: عبيد الله بن الحسن الاعرج. (6) انظر الحاشية السابقة. (*)

[ 172 ]

دسيس من أبي مسلم، فخاف ذلك، فبلغ أبا مسلم أن سليمان بن كثير سامر عبد الله بن الحسين بن علي. فقال لسليمان: بلغني أنك سامرت هذا الفتى. قال: أجل، له قرابة وحق علينا وحرمة، فسكت. فأتى عبد الله بن الحسين أبا مسلم فذكر له ذلك، وظن أنه إن لم يفعل اغتاله أبو مسلم. فبعث أبو. مسلم إلى سليمان بن كثير، فقال له: أتحفظ قول الامام: من اتهمته فاقتله ؟ قال نعم. قال الامام: قد اتهمتك فقال: ناشدتك الله، قال: لا تناشدني وأنت منطو على غش فأمر فضربت عنقه، وكتب أبو مسلم إلى محمد بن الاشعث، أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم. واستعمل أبو العباس عيسى بن علي على فارس، فأخذه محمد [ بن الاشعث ] فهم بقتله. فقيل لمحمد: إن هذا لا يسوغ لك. قال: أمرني أبو مسلم أن لا يقدم علي أحد (1) إلا ضربت عنقه. فقال: ما كان أبو مسلم ليفعل شيئا إلا بأمر الامام (2). فلما قدم أبو جعفر من عند أبي مسلم قال لابي العباس: لست بخليفة، ولا أمرك بشئ، إن لم تقتل أبا مسلم. فقال أبو العباس: وكيف ذلك ؟ قال: لا والله ما يعبأ بنا، ولا يصنع إلا ما يريد. فقال له أبو العباس: اسكت واكتمها. قتال ابن هبيرة وأخذه قال: وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر إلى مدينة واسط، فقدم على الحسين بن قحطبة وهو على الناس، وكتب أبو العباس إلى الحسين (3) بن قحطبة: إن العسكر عسكرك، والقواد قوادك، فإن أحببت أن يكون أخي حاضرا، فأحسن موازرته ومكانفته وكتب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك، وذكروا أن ابن هبيرة كان قد نصب الجسور بين المدينتين، فقالت اليمانية الذين مع ابن هبيرة: لا والله لا نقاتل على دعوة بني أمية أبدا، لسوء رأيهم فينا، وبغضهم لنا، وقالت القيسية: لا والله لا نقاتل حتى يقاتل اليمانية، فلما يكن


(1) زيد في الطبري: يدعي الولاية من غيره. (2) زيد في الطبري: ثم ارتدع عن ذلك لما تخوف من عاقبته. (3) في الطبري 7 / 450 وابن الاثير 3 / 507 وتاريخ اليعقوبي 2 / 353: الحسن بن قحطبة. (*)

[ 173 ]

يقاتل مع ابن هبيرة إلا صعاليك الناس، وأهل العطاء. وكان كثيرا ما يتمثل ويقول: الثوب إن أنهج فيه البلى * أعيا على ذي الحيلة الصانع كنا نرقعها إذا مزقت (1) * فانسع الخرق على الراقع (2) وكان من رأي ابن هبيرة أن لا يعطى طاعة لبني العباس، وكان رأيه أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسين (3)، فاطلع على ذلك أبو العباس، وخاف أن يثور اليمانية مع ابن هبيرة في ذلك. فكاتبهم أبو جعفر، وقال في كتابه لهم: السلطان سلطانكم، والدولة دولتكم، وكتب إلى زياد بن صالح الحارثي بذلك وكان عامل ابن هبيرة في المدينة، مكان عامله قبل ذلك على الكوفة، فأجاب زياد بن صالح، وذلك لما خاف أن يدخل المدينة فيقتل بها. فلما كان مغيب الشمس قاموا إليه. فلما صلى المغرب، ركب فطاف في مسالحه (4) وأبوابه، فرجع عتمة، فتعشى، ثم صلى. فأقبل علي بن الهيثم فقال: والله ما أخلف غصة أعظم ولا أهم إلي منك، لانك مع هؤلاء، ولست أدري ما يكون بعد اليوم، وأرى الامر قد استتب لهؤلاء القوم في المشرق والمغرب، ولكن إن لقيت أبا العباس أعلمته من أمرك مثل الذي أعلمته من أمري. قال: ما أخاف تقصيرك، ثم قال: لست أثق بولد ولا بغيره، ثقتي بك فيما أريد أن أوطده، تأخذ مفاتيح هذه المدينة، حتى تصبح فتأتي بها ابن هبيرة. فقلت: انظر ما تصنع في خروجك، أتثق بالقوم ؟ قال: نعم، قد جرى بيني وبينهم ما أثق به، وأتاني كتاب أبي العباس بكل ما أحب (5)، وكتاب أبي جعفر. فقلت: يا أبا الربيع، أخاف أن لا يوفى لك. فلما أدهم الليل وانتصف قام فصلى ركعات، ثم أمر غلمانه فحملوا متاعه على أربعة بغال، ثم أخرج أربعة غلمان له، وابنه ثابت على برذون له، ثم خرج وأغلق الباب. فلما انتهى الخبر إلى ابن هبيرة


(1) في الكامل للمبرد 2 / 978: كنا نداريها وقد مزقت. (2) قال محقق الكامل (ص 977 ح رقم 5) شعر أورده الآمدي في المؤتلف والمختلف لابن حمام الازدي الجاهلي... إنما هما لابن حارثة السلمي: (انظر تفاصيل أوردها هناك). (3) في الطبري: محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن. (4) المسالح جمع مسلحة، يعني أطراف معسكره خوفا من تسلل العدو إليها. (5) في الاخبار الطوال ص 371 وأعلم في كتابه أنه راع للخؤولة - وكانت أم أبي العباس حارثية. (*)

[ 174 ]

بكى وقال: ما يوثق بأحد بعد زياد بن صالح، بعد إيثاري إياه، وإكرامي وتفضيلي له، وما صنعت به. قلت: هو هنالك، والله خير لك منه هاهنا. قال: وترى ذلك ؟ قلت: نعم. قال: ثم مشت الكتب والرسل بينهم إي بين أبي جعفر وابن هبيرة حتى صار أمرهم إلى أن يلقاه، وتهض ابن هبيرة إليهم، وتخلى مما بيده لهم. كتاب الامان قال: وذكروا أن رجلا من قيس يقال له أبو بكر بن مصعب العقيلي، سعى في كتاب الصلح والامان عند أبي جعفر، حتى تم له، فأتى ابن هبيرة، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله بن محمد بن علي أبي جعفر، ولي أمر المسلمين، ليزيد بن هبيرة ومن معه من أهل الشام والعراق، غيرهم في مدينة واسط وأرضها، من المسلمين والمعاهدين، ومن معهم من وزرائهم: إني أمنتكم بأمان الله الذي لا إله إلا هو، الذي يعلم سرائر العباد وضمائر قلوبهم، ويعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور، وإليه الامر كله، أمانا صادقا لا يشوبه غش، ولا يخالطه باطل، على أنفسكم وذراريكم وأموالكم، وأعطيت يزيد بن عمر بن هبيرة، ومن أمنته في أعلى كتابي هذا بالوفاء، بما جعلت لهم من عهد الله وميثاقه، الذي واثق به الامم الماضية من خلقه، وأخذ عليهم به أمره عهدا خالصا مؤكدا، وذمة الله، وذمة محمد ومن مضى من خلفائه الصالحين، وأسلافه الطيبين التي لا يسع العباد تقضها، ولا تعطيل شئ منها، ولا الاحتقار بها، وبها قامت السموات والارض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، تعظيما لها، بها حقنت الدماء، وذمة روح الله وكلمته عيسى ابن مريم، وذمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط، وذمة جبريل وميكائيل وإسرافيل، وأعطيتك ما جعلت له من هذه العهود والمواثيق، ولمن معك من المسلمين، وأهل الذمة بعد استثماري فيما جعلت لك منه عبد الله بن محمد أمير المؤمنين أعز الله نصره، وأمر بإنفاذه لكم، ورضي به، وجعله لكم وعلى نفسه، وتسليم ذلك من قبله من وزرائه وقواده، وأنصار الحق من شيعته، من أهل خراسان، فأنت وهم آمنون بأمان الله، ليس عليك حد، ولا تؤاخذ بذنب أتيته، وكنت عليه في خلاف أو مناوأة، أو قتل أو زلة، أو جرم أو جناية،

[ 175 ]

أو سفك دماء خطأ أو عمدا، أو أمر سلف منك أو منهم، صغيرا أو كبيرا في سر أو علانية، ولا ناقض عليك ما جعلت لك من أماني هذا، ولم أخنك فيه، ولا ناكث عنه، وأدنت لك في المقام في المدينة الشرقية إلى الاجل الذي سألت، ثم أسلك حيث بدا لك من الارض آمنا مطمئنا، مكلوءا أنت ومن سألته أن يؤذن له في المسير معك. ومن تبعك، وأهل بيتك. والخمس مئة رجل على ما سألت من دوابهم وسلاحهم، ولباس البياض لا يخافون غدرا، ولا إخفارا بك حيث أحببت، من بر أو بحر، وأنزل حيث شئت من الارض إلى أن تنتهي إلى منزلك من أرض الشام، فأنت آمن بأمان الله، ممن مررت بهم من عمالنا ومسالحنا ومراصدنا، ليس عليك شئ تكرهه في سر ولا علانية، ولك الله الذي لا إله إلا هو، لا ينالك من أمر تكرهه في ساعة من ساعات الليل والنهار، ولا أدخل لك في أماني الذي ذكرت لك غشا ولا خديعة ولا مكرا. ولا يكون مني في ذلك دسيس بشئ مما تخافه على نفسك ؟ ولا خديعة في مشرب، ولا مطعم ولا لباس، ولا أضمر لك عليه نفسي إلى ارتحالك من مدينة واسط إلى دخولك على عسكري، والغدو والرواح إذا بدا لك، والدخول أي ساعات من ساعات الليل والنهار أحببت، فاطمئن إلى ما جعلت لك من الامان، والعهود والمواثيق، وثق بالله وبأمير المؤمنين فيما سلم منه، ورضي به، وجعلته لك ولمن معك على نفسي، ولك علي الوفاء بهذه العهود والمواثيق والذمم، أشد ما أخذه الله وحرمه. وما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه جعله كتابا مبينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونورا وحجة على العباد، حتى ألقى الله وأنا عليه، وأنا أشهد الله وملائكته ورسله، ومنه قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين والمعاهدين بقبول هذه العهود والمواثيق، وإقراري بها على نفسي وتوكيدي فيها، وعلى تسليمي لك ما سألت ولا يغادر منها شئ، ولا ينكث عليك فيها، وأدخلت في أمانك هذا جميع من قبلي من شيعة أمير المؤمنين من أهل خراسان، ومن لامير المؤمنين عليه طاعة من أهل الشام والحرب وأهل الذمة، وجعلت لك أن لا ترى مني انقباضا ولا مجانبة ولا ازورارا، ولا شيئا تكرهه في دخولك علي إلى مفارقتك إياي، ولا ينال أحدا معك أمر يكرهه، وأذنت لك ولهم في المسير والمقام، وجعلت لهم أمانا صحيحا، وعهدا وثيقا، وإن عبد الله بن محمد إن نقض ما جعل لكم في أمانكم

[ 176 ]

هذا، فنكث أو غدر بكم أو خالف إلى أمر تكرهه، أو تابع على خلافه أحدا من المخلوقين في سر أو علانية، أو أضمر لك في نفسه غير ما أظهر لك، أو أدخل عليك شيئا في أمانه، وما ذكر لك من تسليم أمير المؤمنين أو التماس الخديعة والمكر بك، وإدخال المكروه عليك، أو نوى غير ما جعل لك من الوفاء لك به، فلا قبل الله منه صرفا ولا عدلا، وهو برئ من محمد بن علي وهو يخلع أمير المؤمنين، ويتبرأ من طاعته، وعليه ثلاثون حجة يمشيها من موضعه الذي هو به من مدينة واسط إلى بيت الله الحرام الذي بمكة حافيا راجلا وكل مملوك يملكه من اليوم إلى ثلاثين حجة بشراء أو هبة أحرار لوجه الله، وكل امرأة له طالق ثلاثا، وكل ما يملكه من ذهب أو فضة أو متاع أو دابة أو غير ذلك، فهو صدقة على المساكين، وهو يكفر بالله وبكتابه المنزل على نبيه، والله عليه بما وكد، وجعل على نفسه في هذه الايمان راع وكفيل، وكفى بالله شهيدا. قالوا: وكان من رأي أبي جعفر الوفاء لابن هبيرة وأصحابه. قدوم ابن هبيرة على أبي العباس قال: وذكروا أن ابن هبيرة وأصحابه لما جاءهم الكتاب بالامان، ترددوا فيه أربعين يوما يتدبرونه، ويستخيرون الله في الخروج إليهم، ثم عزم الله له في القدوم على أبي العباس وأبي جعفر، وكان أبو مسلم كثيرا ما كتب لابي العباس أنه قل طريق سهل يلقى فيه حجارة إلا أضر ذلك بأهله، ولا والله يصلح طريق في ابن هبيرة وأصحابه، وكان أبو الجهم بن عطية عين أبي مسلم على أبي العباس فكان يكتب إليه بالاخبار، وكان أبو العباس لا يقطع أمرا دون رأي أبي مسلم، وقد كان ابن هبيرة في تلك الاربعين ليلة يجمع لذلك الكتاب ممن يعبر الكلام والفقه طرفي النهار، فيترددون فيه، حتى بلغوا فيه الغاية التي يريدون، ثم خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاث مئة. فلما قدم أراد أن يدخل دار الامارة على دابته. فقام الاذن (1) فقال: مرحبا بك أبا خالد، أنزل راشدا، وقد طاف بالدار (2) يومئذ نحو من عشرة آلاف رجل من أهل خراسان، مستلئمين


(1) هو الحاجب سلام بن سليم (الطبري 7 / 454). (2) في الطبري: بالحجرة. وفي الاخبار الطوال ص 373: وحول السرادق. (*)

[ 177 ]

في السلاح، أعينهم تزهو من تحت المغافر (1)، على عواتقهم السيوف مشهورة، وعمد الحديد بأيديهم. فأتى ابن هبيرة بوسادة، فطرحت له، فجلس عليها، ثم دعا الحاجب بالقواد، فدخلوا على أبي جعفر، ثم خرج سلام بن سلام فقال: ادخل يا أبا خالد. قال: ومن معي ؟ قال: إنما استأدنت لك، فدخل، فوضعت له وسادة فجلس، فحدثه أبو جعفر طويلا (2) ثم نهض فركب، فأتبعه أبو جعفر بصره حتى انصرف. قتل ابن هبيرة قال: وذكروا أن أبا العباس كتب إلى أبي جعفر: أن اقتل ابن هبيرة، فراده أبو جعفر بالكتاب. فكتب إليه أبو العباس: والله لتقتلنه أو لابعثن إليك من يخرجه من عندك (3)، ويتولى ذلك عليك. وكان ابن هبيرة إذا ركب إلى أبي جعفر، ركب في ثلاث مئة فارس، وخمس مئة راجل، فقدم يزيد بن حاتم على أبي جعفر، فقال: أصلح الله الامير، ما ذهب من سلطان ابن هبيرة شئ، يأتينا فيتضعضع (4) به العسكر. فقال أبو جعفر: يا سلام قل لابن هبيرة لا يركب في مثل تلك الجماعة، وليأتينا في حاشيته. قال عدي: فأصبحنا، فخرج ابن هبيرة أيضا في مثل تلك الجماعة الذين كانوا يركبون معه، فخرج إليه سلام فقال: يقول لك الامير ما هذه الجماعة ؟ لا تسيرن إلا في حاشيتك، فتغير وجه ابن هبيرة. فلما أصبح أتى في نحو من ثلاثين رجلا قال له سلام: كأنك إنما تأتينا مباهيا. فقال ابن هبيرة: إن أحببتم أن نمشي إليكم فعلنا. فقال سلام: ما نريد بذلك استخفافا بك، ولكن أهل العسكر إذا رأوا جماعة من معك غمهم ذلك، فكان هذا من الامير نظرا لك (5)، فمكث طويلا جالسا في الرواق. فقيل له: إن الامير يحتجم، فانصرف راشدا، فلم يزل يركب يوما ويقيم آخر، لا يجئ إلا في رجلين أو غلامه، وقد ختموا على الخزائن وبيوت الاموال، وجعل القواد


(1) المغافر: جمع مغفر بكسر الميم وسكون الغين، زرد من حديد منسوج على هيئة حلقات يلبسه المحارب تحت القلنسوة على رأسه ووجهه. (2) في الطبري: ساعة. وفي الاخبار الطوال: فجلس عليها قليلا، ثم نهض. (3) في الطبري: من حجرتك. (4) يتضعضع العسكر: أي يضعف، ويفقد ثقته بقدرته. (5) زيد في الطبري: فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة. (*)

[ 178 ]

يدخلون على أبي جعفر فيقولون: ما تنتظر به ؟ فيقول: ما أريد إلا الوفاء له حتى إذا اجتمع أمرهم على قتله، بعث إلى الحسين (1) بن قحطبة فأتاه. فقال: لو سرت إلى هذا الرجل فأرحتنا منه. فقال: لا نريد ذلك (2)، ولكن ابعث إليه رجلا من قومه من مضر حتى يقتله، فتتفرق كلمتهم عند ذلك، فدعا خازم (3) بن خزيمة، والهيثم بن شعبة. قال لهم أبو جعفر: ائتوا إلى ابن هبيرة فجددوا على بيوت المال الختم، وعلى الخزائن، وبعث معهما من المضرية والقيسية أن يحضروا الاذن، وأريحونا من الرجل، ففعلوا، ثم دخلوا رحبة القصر في مئة رجل، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد حمل ما بقي في الخزائن. فقال: ادخلوا، فدخلوا الخزائن فطافوا بها ساعة، وجعلوا يخلفون عند كل باب عدة حتى دخلوا عليه. فقالوا: أرسل معنا من يدلنا على المواضع وبيوت الاموال. فقال: يا عثمان أرسل معهم من يريدون، فطاف خازم وأصحابه في القصر ساعة، وابن هبيرة عليه قميص له مصري، وملاءة موردة، وهو مسند ظهره إلى حائط المسجد في رحبة القصر، ومعه ابنه داود، وحاجبه، وكاتبه عمر (4) بن أيوب، وعدة من مواليه وبنيه، وفي حجر ابن هبيرة ولد صغير. فلما توثقوا من كل شئ أقبلوا نحوه، فلما رآهم قد أقبلوا إليه قال: والله إن في وجوه القوم لشرا. فلما دنوا منه قام أبو عثمان فقال: ما وراءكم ؟ فنضحه (5) الهيثم بالسيف، فأصاب حبل عاتقه، فصرعه، وقام ابنه داود فقاتل، فتفرقوا عليه فقتلوه ومواليه، ثم مضوا نحو ابن هبيره فخر ساجدا، وقال: يحكم ! نحوا عني هذا الصبي لا يرى مصرعي. قال: فضرب حتى مات ساجدا، ثم أخذوا رؤوسهم فأتوا بها أبا جعفر، ونادى المنادي بواسط: أمن الامير خلق الله جميعا إلا الحكم بن بشر (6)،


(1) " الحسن " وقد مر. (2) قال اليعقوبي في تاريخه 2 / 354 أن الحسن بن قحطبة قال للمنصور: إن قتلته كانت العصبية بين قومي وقومه، والعداوة، واضطرب عليك من بعسكرك من هؤلاء وهؤلاء. (3) بالاصل " حازم " وما أثبتناه يوافق الطبري واليعقوبي والاخبار الطوال وقد صحح في شتى مواضع الخبر. (4) في الطبري والاخبار الطوال: " عمرو ". (5) في الطبري: " فضربه ". (6) في الطبري 7 / 456 الحكم بن عبد الملك بن بشر، وفي البداية والنهاية: 10 / 55 عبد الملك بن بشر. وفي تاريخ خليفة ص 402: بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان. (*)

[ 179 ]

وعمرو (1) بن ذر (2). قال: فضاقت علي والله الارض بما رحبت حتى خرجت، على دابتي ما لي هجير إلا آية الكرسي أتلوها، والله ما عرض لي أحد حتى تواريت، فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد الله ابن العباس فأمنه، وهرب الحكم بن عبد الله بن بشر إلى عسكره (3)، وضاقت بخالد بن سلمة (4) الارض حتى أتى أبا جعفر، فاستأذن عليه فأمنه. وبلغ ذلك أبا العباس. فكتب إلى أبي جعفر: والله لو كانت له ألف نفس لاتيت عليها، اضرب عنقه، فهرب أبو علافة الفزاري، وهشام بن هبيرة، وصفوان بن يزيد، فلحقهم سعد بن شعيب فقتلهم، وقبض على أصحاب ابن هبيرة، فقتل من وجوههم نحوا من خمسين، ثم أمن الناس جميعا، ونادى منادي أبي جعفر: من أراد أن يقيم فليقم بالجابية، ومن أحب أن يشخص فليشخص، وهرب القعقاع بن ضرار وحميد وعدة، حتى أتوا زياد بن عبد الله، فاستأمن لهم، فأمنوا جميعا، وقوي ملك بني العباس، واستقرت قواعده. فلما قتل ابن هبيرة، نودي في أهل الشام: الحقوا شامكم، فلا حاجة لنا بكم، فسار أهل الشام حتى قدموا الكوفة، منهم من قدم، ومنهم من أخذ على عين التمر (5)، ومنهم من أخذ على طريق المدائن (6)، ثم لحقوا بالشام على طريق الفرات. واستعمل أبو جعفر على واسط ومن فيها الهيثم بن زياد وخلف معه خيلا، ثم انصرف أبو جعفر إلى أبي العباس، وهو يؤمئذ بالحيرة (7)، ثم وجه داود بن علي إلى الحجاز، فقتل مكن ظفر به من بني أمية وغيرهم، فتوجه إلى المثنى بن زياد بن عمر بن هبيرة باليمامة (8)، فقتله وأصحابه، ثم تبعهم محمد بن عمارة، وكان على الطائف فقتلهم، وتحول أبو العباس من الحيرة إلى الانبار، فأمر أبو العباس برأس ابن هبيرة فوضع بالحيرة على خشبة، ومعه غيره من عمال مروان، وبها رفع رأس مروان بن محمد، وعن


(1) في الاخبار الطوال ص 375: محمد بن ذر. (2) زيد في الطبري والاخبار الطوال: وخالد بن سلمة المخزومي. (3) في الاخبار الطوال: كسكر. (4) بالاصل: " مسلمة " تحريف. (انظر حاشية رقم 2). (5) عين التمر: موضع قرب الكوفة. (6) المدائن: بلد قرب بغداد. (7) الحيرة بلد قرب الكوفة. (8) في الطبري (حوادث سنة 133) وجه زياد بن عبيد الله (وكان ولي مكة والمدينة والطائف بعد موت داود بن علي) ابراهيم بن حسان السلمي إلى المثنى باليمامة فقتله وقتل أصحابه. (*)

[ 180 ]

يمينه رأسي ثعلبة بن سلامة، ورأس عثمان بن أبي شعيب عن يساره، وانقطعت شيعة بني أمية، وطلبوا تحت كل حجر ومدر. اختلاف أبي مسلم على أبي العباس قال: وذكروا أن أبا مسلم كتب (1) إلى أبي العباس بستأذنه في القدوم عليه فقدم عليه، فتلقاه الناس جميعا، ومعه القواد والجماعة، والخيل والنجائب، ثم استأذن أبا العباس في الحج، فقال: لو لا أن أبا جعفر يحج لاستعملتك على الموسم. واستعمل أبا جعفر على الموسم، فقال أبو جعفر لابي العباس (2): أطعني واقتل أبا مسلم، فوالله إن في رأسه لغدرة. فقال له: أي أخي، قد عرفت بلاءه. وما كان منه. فقال أبو جعفر: هو أخطأ بذلك، والله لو بعثت سنورا مكانه لبلغ ما بلغ في ميل الدولة. قال أبو العباس: كيف تقتله ؟ قال: إذا دخل عليك فحادثه، فإذا أقبل عليك دخلت فأتيت من خلفه، فضربته ضربة آتي منها على نفسه. فقال أبو العباس: أي أخي، فكيف تصنع بأصحابه الذي يؤثرونه على أنفسهم ودينهم ؟ (3) قال: يؤول ذلك إلى خير، وإلى ما تريد. قال: يا أخي، إني أريد أن تكف عن هذا. فقال أبو جعفر: أخاف إن لم تتغده يتعشاك. فقال أبو العباس: فدونكه يا أخي. قال: وكان مع أبي مسلم من أهل خراسان عشرة آلاف، قد قدم بهم، يأخذون العطاء عند غرة كل شهر، أوفر ما يكون من الارزاق سوى الاعاجم. فلما دخل أبو مسلم على أبي العباس، دعا أبو العباس خصيا له. فقال: إذهب فاعرف ما يصنع أبو جعفر، فأتاه فوجده محتفيا (4) بسيفه. فقال أبو جعفر: أجالس أمير المؤمنين، فقال الوصيف: قد تهيأ للجلوس، ثم رجع الوصيف فذكر ذلك لابي العباس، فرده أيضا إلى أبي جعفر، وقال: قل له: عزمت عليك أن لا تنفذ


(1) وذلك في سنة 136 ه‍ (الطبري). (2) وكان قول أبي جعفر لابي العباس لما كان بينهما من جفاء يعود إلى زمن قدوم أبي جعفر عليه بخراسان واستخفافه به، ولم يبالغ في بره وإكرامه ولم يظهر السرور التام بقدومه. (الطبري 7 / 468 - الاخبار الطوال ص 376). (3) في الطبري: يؤثرونه على دينهم ودنياهم، وفي الاخبار الطوال: وقد أشربت قلوبهم حبه، واتباع أمره، وإيثار طاعته. (4) في الطبري: محتبيا. (*)

[ 181 ]

الامر الذي عزمت عليه، فكف عن ذلك. فسار إلى مكة حاجا وللموسم. وخرج أبو مسلم، فكان إذا كتب إلى أبي جعفر يبدأ بنفسه، ثم يكتب إليه: لا يهولنك ما في صدر الكتاب، فإني لك بحيث تحب، ولكني أحب أن يعلم أهل خراسان أن لي منزلة عند أمير المؤمنين. كتاب أبي مسلم إلى أبي جعفر وقد هم أن يخلع ويخالف قال: وذكروا أن أبا مسلم لما رجع من عند أبي العباس، وقد قيل له بالعراق إن القوم أرادوك، لولا توقعوا ممن معك من أهل خراسان، فلما كان في بعض الطريق كتب إلى أبي جعفر: أما بعد، فإني كنت اتخذت أخاك (1) إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه، وكان في محله من العلم، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله بحيث كان، فقمعني بالفتنة، واستجهلني بالقراآن، فحرفه عن مواضعه، طمعا في قليل قد نعاه (2) الله إلى خلقه، فمثل لي الضلالة في صورة الهدى، فكان كالذي دلي بغرور، حتى وترت (3) أهل الدين والدنيا في دينهم، واستحللت بما كان من ذلك من الله النقمة، وركبت المعصية في طاعتكم، وتوطئة سلطانكم، حتى عرفكم من كان يجهلكم، وأوطأت غيركم العشواء (4) بالظلم والعدوان، حتى بلغت في مشيئة الله ما أحب. ثم إن الله بمنه وكرمه أتاح لي الحسنة، وتداركني بالرحمة، واستنقذني بالتوبة، فإن يغفر فقديما عرف بذلك، وإن يعاقب فيما قدمت يداي، وما الله بظلام للعبيد (5). فكتب إليه أبو جعفر: يا عم (6)، أروم ما رمت، وأزول حيث زلت، ليس لي دونك مرمى، ولا عنك مقصر، الرأي ما رأيت، إن كنت أنكرت من سيرته شيئا، فأنت الموفق للصواب، والعالم بالرشاد، أنا من لا يعرف غير يدك، ولم يتقلب إلا في فضلك، فأنا غير كافر بنعمتك، ولا منكر لاحسانك لا تحمل علي إصر


(1) يعني " ابراهيم الامام " وفي الطبري 7 / 483: رجلا. (2) في الطبري: تعافاه. (3) أي أصبت منهم شيئا يطلبونني به. (4) العشواء: الظلمة. أي جعلت غيركم في ظلام لا يدرون كيفية المخرج منه. (5) الكتاب في الطبري باختلاف وزيادة. (6) كان أبو العباس وأبو جعفر يناديان أبا مسلم: " يا عم ". (*)

[ 182 ]

غيري، ولا تلحق ما جناه سواي بي، إن أمرتني أشخص إليك، وألحق بخراسان فعلت. الامر أمرك. والسلطان سلطانك، والسلام. موت أبي العباس واستخلاف أبي جعفر قال: وذكروا أن أبا جعفر لما انقضى الموسم، وانصرف راجعا، جاءه موت أبي العباس وكان بينه وبين أبي مسلم مرحلة. فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث حدث ليس مثلك غائب عنه، فالعجل العجل. قال إسحاق بن مسلم: فقلت لابي جعفر وأنا أسايره، ونحن مقبلون من مكة: أيها الرجل، لا ملك لك، ولا سلطان مع هذا العبد. فقال أبو جعفر: ظهر غشك، وبدا منك ما كنت تكتم، بأبي مسلم يفعل هذا ؟ قلت: نعم، فإني أخاف عليك منه يوم سوء فقال: كذبت. قال إسحاق: فسكت ثم لقيته بعد ذلك من الغد، ولا والله ما عرفتها فيه، وعاودني بمثل كلامه الاول، فقلت له: أكثر أو أقل، إن لم تقتله والله يقتلك. قال: فهل شاورت في هذا أحدا ؟ قلت: لا، قال: اسكت، فسكت. فقدم الكوفة، فإذا عيسى بن موسى قد سبقه إلى الانبار، وغلب على المدينة والخزائن، وبيت الاموال والدواوين، وخلع عبد الله، وتوثب على أبي جعفر، ودعا أهل خراسان فألحقهم باليمن، وجعل لهم الجعائل (1) الجليلة، والعطايا الجزيلة، فلما قدم أبو جعفر، سلم الامر لعيسى بن موسى (2)، وتوثب عبد الله بن علي على أهل خراسان بالشام (3)، فقتلهم ودعا إلى نفسه، وأتاه أبو غانم عبد الحميد بن ربعي فقال: إن أردت أن يصفو لك الامر فاقتل أهل خراسان، وابدأ بي. فلما قدم أبو جعفر من مكة قال لابي مسلم: إنما هو أنا وأنت، والامر أمرك، فامض إلى عبد الله بن علي وأهل الشام. فلما سار إليه أبو مسلم، سار معه القواد وغيرهم، فلقي عبد الله بن علي وأهل الشام فهزمهم، وأسر عبد الله بن


(1) الجعائل جمع جعيلة، وهي العطايا والارزاق. (2) كذا بالاصل. وفي الطبري: سلم عيسى بن موسى إلى أبي جعفر الامر. وفي الاخبار الطوال أن عيسى بن موسى دعا الناس إلى بيعته وخلع ولاية العهد عن أبي جعفر.. فلما وافى أبو جعفر اعتذر إليه عيسى، وأعلمه أنه إنما أراد بذلك ضبط العسكر. فقبل منه أبو جعفر ذلك، ولم يؤاخده بما كان منه. (3) ذكر المؤلف - خطأ - خروج عبد الله بن علي على أبي العباس قريبا، ثم يذكر هنا خبر خروجه على أبي جعفر وهذه هي الرواية الصحيحة عن خروجه وقد أشرنا إلى ذلك هناك. (*)

[ 183 ]

علي (1)، وبعث به إلى أبي جعفر، فاستنكر أبو جعفر قعود أبي مسلم عنه، فبعث إليه يقطين بن موسى (2) ورجلا معه على القبض. فقال أبو مسلم: لا يوثق بي بهذا ونحوه فوثب وشتم، وقال قولا قبيحا. فقال له يقطين بن موسى: جعلت فداك، لا تدخل الغم على نفسك، إن أحببت رجعت إلى أمير المؤمنين، فإنه إن علم أن هذا يشق عليك لم يدخل عليك مكروها. ثم قدم أبو جعفر من الانبار حتى قدم المدائن، وخرج أبو مسلم فأخذ طريق خراسان مخالفا لابي جعفر. فكتب إليه أبو جعفر: قد أردت مذاكرتك في أشياء لم تحملها الكتب، فأقبل فإن مقامك عندنا قليل. فلم يلتفت أبو مسلم إلى كتابه. فبعث إليه أبو جعفر، جرير (3) بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي، وكان أبو مسلم يعرفه. فقال له: أيها الامير، ضربت الناس عن عرض لاهل هذا البيت، ثم تنصرف على مثل هذه الحال، إن الامر عند أمير المؤمنين لم يبلغ ما تكره، ولا أرى أن تنصرف على هذه الحال، فيقول أبو مسلم: ويحك إني دليت بغرور (4)، وأخاف عدوه (5). قتل أبي مسلم قال: وذكروا أن جريرا لم يزل بأبي مسلم حتى أقبل به، وكان أبو مسلم يقول: والله لاقتلن في الروم، فأقبل منصرفا، فلما قدم على أبي جعفر وهو يومئذ بالرومية من المدائن، أمر الناس يتلقونه، وأذن له فدخل على دابته، ورحب به وعانقه، وأجلسه معه على السرير، وقال له: كدت أن تخرج ولم أفض إليك بما


(1) تقدم، أن عبد الله بن علي خلص في نفر من خواصه إلى البصرة واختفى عند سليمان بن علي وكان واليا عليها. (انظر الطبري - مروج الذهب - الاخبار الطوال). (2) كذا بالاصل والاخبار الطوال ومروج الذهب، وفي الطبري وابن الاثير: " أبا الخصيب " مولى أبي جعفر. وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 366: بعث أبو جعفر برسل منهم: إسحاق بن مسلم العقيلي ويقطين بن موسى، ومحمد بن عمرو النصيبي التغلبي. (3) في الاخبار الطوال: " جرير بن يزيد بن عبد الله " وفي تاريخ اليعقوبي: " جرير بن عبد الله "، وفي تاريخ خليفة: سلمة بن سعيد بن جابر وكان صهر أبي مسلم، كانت خالته تحت مسلم. ويقال: جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله. (وهو ما قاله في مروج الذهب). (4) أي خدعت في الامر. (5) انظر مقابلة جرير لابي مسلم في مروج الذهب 3 / 355. والطبري 7 / 483. (*)

[ 184 ]

تريد. فقال: قد أتيت يا أمير المؤمنين، فليأمرني بأمره. قال: انصرف إلى منزلك، وضع ثيابك وادخل الحمام، ليذهب عنك كلال السفر، وجعل أبو جعفر ينتظر به الفرصة، فأقام أياما يأتي أبا جعفر كل يوم، فيريه من الاكرام ما لم يره قبل ذلك، حتى إذا مضت له أيام أقبل على التجني. فأتى أبو مسلم إلى عيسى بن موسى، فقال: اركب إلى أمير المؤمنين، فإني قد أردت عتابه بمحضرك. فقال عيسى: أنت في ذمتي، فأقبل أبو مسلم، فقيل له: ادخل. فلما صار إلى الزقاق الداخلي، قيل له إن أمير المؤمنين يتوضأ، فلو جلست ؟ فجلس، وأبطأ عيسى بن موسى عليه، وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك، وهو على حرسه في عدة، فيهم شبيب بن رياح (1)، وأبو حنيفة حرب بن قيس، فتقدم أبو جعفر إلى عثمان فقال له: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا. وجعل عثمان وأصحابه في ستر خلف أبي مسلم في قطعة من الحجرة، وقد قال أبو جعفر لعثمان بن نهيك: إذا صفقت بيدي فدونك يا عثمان. فقيل لابي مسلم: أن قد جلس أمير المؤمنين، فقام ليدخل، فقيل له: انزع سيفك فقال: ما كان يصنع بي هذا. فقيل: وما عليك ؟ فنزع سيفه، وعليه قباء أسود وتحته جبة خز، فدخل فسلم، وجلس على وسادة ليس في المجلس غيرها، وخلف ظهره القوم خلف ستر. فقال أبو مسلم: صنع بي يا أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد، نزع سيفي من عنقي. قال: ومن فعل ذلك قبحه الله ؟ ثم أقبل يعاتبه، فعلت وفعلت، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يقال مثل هذا لي على حسن بلائي، وما كان مني ؟ فقال له أبو جعفر: يا بن الخبيثة، والله لو كانت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت في دولتنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا. ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، والكاتب إلي تخطب آمنة (2) ابنة علي ابن عمي، وتزعم أنك أبو مسلم بن سليط بن عبد الله بن العباس (3)، لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقى صعبا. قال: وأبو جعفر ترعد يده، فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: يا أمير


(1) في الطبري: شبيب بن واج المروروذي. وفي مروج الذهب: شبيب بن رواح المروروذي. وفي الاخبار الطوال: شبث بن روح. (2) في الطبري أمينة، وفي مروج الذهب 3 / 357 وابن خلكان 3 / 154 آسية وفي الاخبار الطوال: عمتي آمنة بنت علي بن عبد الله وانظر تاريخ اليعقوبي 2 / 367. (3) زيد في الطبري 7 / 491 ما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا وهو أحد نقبائنا. (انظر مروج الذهب 3 / 357). (*)

[ 185 ]

المؤمنين، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي، فإن قدري أصغر مما بلغ منك هذا. فصفق أبو جعفر بيده فخرج عثمان بن نهيك، فضربه ضربة خفيفة، فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، استبقني لاعدائك، فدفعه برجله وضربه شبيب على حبل العاتق (1) فأسرعت فيه، فقال أبو مسلم: وانفساه: ألا قوة ؟ ألا مغيث ؟ وصاح أبو جعفر: أضرب لا أم لك، فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه، فأمر به أبو جعفر، فكفن بمسح (2)، ثم وضع في ناحية، ثم قيل: إن عيسى بن موسى بالباب، فقال: أدخلوه. فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين، فأين أبو مسلم ؟ قال: كان هاهنا آنفا فخرج. فقال عيسى: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته، ورأى إبراهيم الامام فيه. قال له أبو جعفر: يا أنوك (3) والله ما أعرف عدوا أعدى لك منه، ها هوذا في البساط. فقال عيسى: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأقبل إسحاق صاحب شرطته قال: إنما كان أبو مسلم عبد أمير المؤمنين وأمير المؤمنين أعلم بما صنع. فأمر أبو جعفر برأسه، فطرح إلى من بالباب من قواد أبي مسلم، فجالوا جولة، وهموا أن يبسطوا سيوفهم على الناس، ثم ردهم على ذلك انقطاعهم من بلادهم وتغربهم وإحاطة العدو بهم، فبعضهم اتكأ على سيفه فمات، وبعضهم ناصب وأراد القتال، فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك، أمر بالعطاء لاصحاب أبي مسلم، وأجزل الصلات للقواد والرؤساء منهم، ثم عهد إليهم أن من أحب منكم أن يكون معنا هاهنا، نأمر بإلحاقه في الديوان، في ألف من العطاء، ومن أحب أن يلحق بخراسان كتبناه في خمس مئة ترد عليه في كل عام وهو قاعد في بيته. قال: فكأنها نار طفئت. فقالوا: رضينا يا أمير المؤمنين كل ما فعلت، فأنت الموفق. فمنهم من رضي بالمقام معه، ومنهم من لحق بخراسان. ثورة عيسى بن زيد بن علي بن الحسين قال: وذكروا أن أبا جعفر لما قتل أبا مسلم، واستولى على ملك العراقين


(1) العاتق: الكتف. وحبله: عظمة الترقوة. وفي مروج الذهب: فقطع رجله. (2) المسح الثوب الخشن. وفي الاخبار الطوال: لف في بساط. وفي مروج الذهب: أدرج في بساط. (3) الانوك: الاحمق. (*)

[ 186 ]

والشام، والحجاز، وخراسان، ومصر، واليمن، ثار عليه عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقاتله فيما بين الكوفة وبغداد، ولقيه في جموع كثيرة، نحوا من عشرين ومئة ألف، فأقام أياما يقاتله في كل يوم، حتى هم أبو جعفر بالهزيمة، وركب فرسه ليهرب، ثم جعل يشجع أصحابه، ويعدهم بالعطايا الواسعة، والصلات الجزيلة، فقاتلوا، ثم إن أبا جعفر غلبته عيناه وهو على فرسه، فرأى في نومه أنه يمد يديه ورجليه على الارض. فاستيقظ ودعا عبارا كان معه، فأخبره بما رأى. فقال له: أبشر يا أمير المؤمنين، فإن سلطانك ثابت، وسيليه بعدك جماعة من ولدك، وهذا الرجل منهزم، فما كان بأسرع من أن نظر إلى عيسى بن زيد منهزما. هروب مالك بن الهيثم وذكروا أن مالك بن الهيثم خرج هاربا حتى أتى همدان (1)، وعليها يومئذ زهير بن التركي مولى خزاعة، فكتب إليه أبو جعفر: إن الله مهرق دمك إن فاتك مالك، فجاء زهير بن التركي إلى مالك بن الهيثم، فقال له: جعلت فداك، قد أعددت لك طعاما، فلو أكرمتني بدخولك منزلي. فقال له: نعم، وكان قد هيأ له زهير أربعين رجلا، فلما دخل مالك قال لزهير: عجل طعامك، وقد توثق زهير من الباب وهيأ أصحابه، فخرج عليه الاربعون، فشدوه وثاقا، ثم وضعوا القيود في رجله، ثم قال: أبا نصر، جعلت فداك، والله ما عرفت هذه الدعوة حتى أدخلتني فيها ودعوتني إليها، فما الذي يخرجك منها، والله ما أخليك حتى تزور أبا جعفر، فبعث به إليه، فعفا عنه أبو جعفر، وولاه الموصل. قال الهيثم: وكان يقال: إن عبد الملك بن مروان كان أحزم بني أمية، وإن أبا جعفر كان أحزم بني العباس، وأشدهم بأسا، وأقواهم قلبا، ألا ترى أن عبد الملك قتل عمرو بن سعيد في داخل قصره، وأبوابه مغلقة، وأبو جعفر قتل أبا مسلم في داخل سرادقه، وليس بينه وبين أهل خراسان إلا خرقة ؟


(1) وكان أبو جعفر قد كتب كتابا عن لسان أبي مسلم إلى أبي نصر يأمره فيه بحمل ثقله وما خلق عنده وأن يقدم. وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر الخاتم تاما علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب (وكان أبو مسلم قد اتفق مع أبي نصر أنه إن جاءه منه كتابا مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته، وأن أتاك بالخاتم كله فلم أكتبه: الطبري 7 / 489) فقال: فعلتموها وانحدر إلى همدان يريد خراسان (الطبري 7 / 493). (*)

[ 187 ]

وقال الهيثم: ذكر ابن عياش أن أبا جعفر قال لحاجبه عيسى بن روضة تقدم إلى كل من دخل أن لا يذكر أبا مسلم في شئ من كلامه. قال ابن عياش فاغتممت لذلك، فوقفت له خلف ستر، ومر راكبا مع هشام بن عمرو وعبد الله، فلما طلع عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطته وبيده الحربة ركبت. قال أبو الجراح مالك ؟ فقلت: أسلم على أمير المؤمنين. قال: دونك فدنوت والنهر بيني وبينه. فقلت: يا أمير المؤمنين هنيئا لك وقفة أقعدت كل قائم. فقال بيده على فيه ولم يلتفت كالكاره لما سمع، وأقبل على صاحبيه. قال ابن عياش: وكان هذا في سنة خمس وأربعين ومئة، ثم انصرف أبو جعفر إلى الحيرة، ومعه عمه عبد الله بن علي في غير وثاق، وعليه الاحراس، وقد هيأ أبو جعفر بيتا، فحبسه فيه، فلما قدم به قيل: إنه سمه. قال الهيثم: بل كان أساس البيت الذي حبسه فيه من لبن، والحيرة كثيرة السواقي، ندية الارض. فيقال: إنه أمر من الليل بجدول، فسرح حول البيت فتهدم عليه فمات (1). قال ابن عياش: أقبل رجل من همدان إلى أبي جعفر في وفد من العرب فدخلوا عليه، فلما خرجوا وفاتوا بصرة، قال للآذن: علي بالهمداني، فلما مثل بين يديه قال له: يا أخا همدان، أخبرني عن خليفة اسمه على عين قتل ثلاثة، أسماؤهم على عين. فقال الهمداني: نعم يا أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد الاشدق، اسمه على عين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد الاشعث، وأنت يا أمير المؤمنين اسمك على عين، وقتلت عبد الرحمن بن مسلم أبا مسلم، أول اسمه على عين، وعبد الجبار (2) الخولاني، وسقط البيت على عمك عبد الله. فقال (3): وما يدخل سقوط البيت على عمي لا أم لك. ثم استعمل أبو جعفر على خراسان أسيد بن عبد الله الخزاعي، وأمره بتطلب عمال أبي مسلم ثم عفا عنهم، ثم عزل الخزاعي وولى أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم ولى بعد أبي عون حميد بن قحطبة، ثم ولى المسير بن زهير حتى مات أبو جعفر المنصور (4).


(1) مر قريبا خروج عبد الله بن علي وكيفية مقتله، وفي أي وقت قتل. (2) في مروج الذهب 3 / 374 عبد الجبار بن عبد الرحمن. (3) في مروج الذهب: قال: مما ذنبي إن كان سقط البيت عليه ؟ قلت: لا ذنب لك. (4) قال خليفة في تاريخه ص 432 وانه ولي على خراسان بعد أبي مسلم: أبو داود من بني ذهل (وهو = (*)

[ 188 ]

قصة سابور ملك فارس قال: وذكروا أن أبا جعفر دعا إسحاق بن مسلم العقيلي، فقال له: حدثني عن الملك الذي كنت حدثتني عنه بحران. فقال: نعم أكرمك الله، أخبرني أبي عن حصين بن المنذر: أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور الاكبر، كان له وزير ناصح، قد أخذ أدبا من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، فانتصف من أهلها فعلا ولسنا (1)، فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما يعظمون الدنيا جهالة بالدين، واستكانة لحب الدنيا، وذلا لجبابرتها، فجمعهم على كلمة من الهدى يكيد بها مطالب الدنيا، واعتز بقتل ملوكهم، وتخوله إياهم (2)، وكان يقال: لكل ذليل دولة، ولكل ضعيف صولة. فلما استوثقت له البلاد، جعل إليه سابور أمرهم، وأحال عليه طاعتهم، فساس موما لا يرامونه إلى ما سبق إليه قبلهم، فلم ينتصف سابور من طاعتهم، واستمالة أهوائهم، مع ما لا يأمن من زوال القلوب، وغدرات الوزراء، فاحتال على قطع رجائه عن قلوبهم، فصمم على قتله عند وروده عليه برؤوساء أهل خراسان وفرسانهم، فقتله، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الفرقة وتخطف الاعداء، ونأي الرجعة واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ويتعوضوه من الفتنة، فملكهم ثمانين عاما. فأطرق أبو جعفر مليا، ثم قال متمثلا: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما خروج شريك بن عون على أبي جعفر وخلعه قال: وذكروا أن أبا جعفر لما استقامت له الامور، واستولى على الملك، خرج عليه شريك بن عون الهمداني وقال: ما على هذا بايعتك، ولا بايعنا آل


= خالد بن إبراهيم) ثم عبد الجبار بن عبد الرحمن الازدي، ثم خازم بن خزيمة بن ناجية (وقال ابن الاثير 3 / 551 أنه بعد مقتل عبد الجبار وليها المهدي وخليفته بها السري بن عبد الله)، وجبريل بن يحيى بن ناجية، ثم أسد بن عبد الله، ثم عبد الله بن مالك الخزاعي، ثم أبو عون الحمصي، ثم حميد بن قحطبة مات بها واستخلف أبنه عبد الله بن حميد. (1) اللسن: البلاغة. (2) أي جعلهم خولا: خدما وعبيدا. (*)

[ 189 ]

محمد على أن تسفك الدماء وأن يعملوا بغير الحق، فخالف أبا جعفر، وتبعه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه أبو جعفر زياد بن صالح الخزاعي، فقاتله شهورا، ونهى أبو جعفر أن يسب أحد منهم، أو يقتل أحد من رجالهم، لانه كان فيهم قوم أخيار ورجال أشراف، وكان خروجهم ديانة وإنكارا للدماء، وللعمل بغير الحق، فلذلك لم يقتلوا. وكتب إليهم: وإن عدتم عدنا، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا، وقد عفونا عنكم مرتكم هذه، فالله الله على دمائكم احقنوها. اجتماع شبيب بن شيبة مع أبي جعفر قبل ولايته وبعدها قال: وذكروا أن شبيب بن شيبة قال: حججت عام هلك هشام بن عبد الملك (1)، فبينما أنا مريح ناحية المسجد، إذ طلع علي من بعض أبوابه فتى أسمر، رقيق السمرة، موفر اللمة (2)، خفيف اللحية، رحب الجبهة (3)، كأن عينيه لسانان ناطقان، عليه أبهة الاملاك، في زي النساك، تقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه، والعفو (4) في صورته، واللب في مشيته فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره، فتحرم بالطواف. فلما قضى طوافه قصد المقام ليركع، وأنا أرعاه ببصري، ثم نهض منصرفا، فكأن عينا أصابته، فكبا كبوة دميت منها أصبعه [ فقعد لها القرفصاء ]، فدنوت منه متوجعا لما ناله، متصلا به، أمسح عن رجله عفر التراب، فلا يمتنع علي، ثم شققت حاشية ثوبي، فعصبت على رجله، فلم ينكر ذلك، ثم نهض متوكئا علي، وانقدت له حتى أتى بناء (5) بأعلى مكة، فابتدره غلامان، تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب، فدخل واجتذبني، فدخلت بدخوله، فخلى يدي، وأقبل على القبلة فصلى ركعتين، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد الله وصلى على نبيه، ثم قال: لم يخف علي مكانك منذ اليوم، فمن تكون ؟ فقلت: شبيب بن شيبة التميمي. فقال: الاهتمي ؟ فقلت: نعم. فرحب وقرب، ووصف قومي بأبين وصف، وأفصح لسان. فقلت: أصلحك الله، أحب المعرفة، وأجل عن


(1) وذلك سنة 125 ه‍. (2) اللمة: الشعر الذي على أعلى القفا، يريد: كثيف وكثير اللمة. (3) زيد في العقد الفريد 5 / 106: أقنى بين القنى. (4) في بعض أصول العقد: والعتق. (5) في العقد: دارا. (*)

[ 190 ]

المسألة: فتبسم وقال، بلطف أهل العراق، أنا عبد الله بن محمد بن علي بن [ عبد الله بن ] عباس، فقلت: بأبي أنت وأمي، ما أشبهك بنسبك، وأدلك على سلفك (1): وقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك. قال: فاحمد الله يا أخا تميم، فإنا قوم يسعد بحبنا من يحبنا، ويشقى ببغضنا من يبغضنا، ولن يصل الايمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله، ومهما ضعفنا عن جزائه قوى الله على أدائه. فقلت له: أنت توصف بالعلم، وأنا من حملته، وأيام الموسم ضيقة، وشغل أهله كثير، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها، أفتأذن فيها جعلت فداك ؟ قال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسر موضعا، وللامانة واعيا، فإن كنت على ما رجوت، فهات على بركة الله. فقدمت إليه من وثائق [ القول و ] الايمان ما سكن إليه، فتلا قول الله: (قل أي شئ أكبر شهادة ؟ قل الله شهيد بيني وبينكم) ثم قال: سل. فقلت: ما ترى في من على الموسم ؟ وكان عليه يوسف بن محمد الثقفي، خال الوليد بن يزيد، فتنفس الصعداء، ثم قال: عن الصلاة خلفه تسأل، أم استنكرت أن يتأمر على آل الرسول من ليس منهم ؟ قلت: عن كلا الامرين أسأل. قال: إن هذا عند الله عظيم، أما الصلاة، ففرض الله على عباده، فأد فرضه عليك في كل وقت (2)، فإن الذي ندبك لحج بيته ومجاهدة عدوه، وحضور جماعته وأعياده، لم يخبرك في كتابه أنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا رحمة لك، ولو فعل ذلك بك ضاق الامر عليك، فأسمح (3) يسمح لك. ثم كررت عليه السؤال، فما احتجت إلى أن أسأل عن أمر ديني أحدا بعده. ثم قلت له: يزعم أهل العلم بالكتاب أنها ستكون لكم دولة (4) لا شك فيها، تطلع مطلع الشمس، وتظهر بظهورها، فأسأل الله خيرها، ونعوذ به من شرها. قال: فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها. قلت: أو يتخلف عنها أحد من العرب وأنتم سادتها ؟ قال: نعم، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم ونأبى إلا طلبا لحقنا، فننصر ويخذلون، كما نصر أولنا بأولهم، وخذل لمخالفتنا من خذل منهم، فاسترجعت.


(1) في العقد: منصبك. (2) زيد في العقد: مع كل أحد وعلى كل حال. (3) سمح ككرم، وأسمح: جاد وكرم. (4) في العقد: فقال: لا شك فيها.. (أي أن القول هنا لابي جعفر وليس لشبيب). (*)

[ 191 ]

قال: هون عليك الامر، سنة الله التي قد خلت في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم، وحفظ أعقابهم (1) فقلت: كيف تسلم لهم قلوبكم، وقد قاتلوكم مع عدوكم ؟ فقال: نحن قوم حبب إلينا الوفاء وإن كان علينا، وبغض إلينا الغدر وإن كان لنا، وإنما يشذ عنا منهم الاقل، فأما أنصار دولتنا، ونقباء شيعتنا، وأمراء جيوشنا فهم ومواليهم معنا، فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا للمحسن عن المسئ، ووهب للرجل قومه ومن اتصل بأسبابه، فتذهب المثابرة (2)، وتخمد الفتنة، وتطمئن القلوب. فقلت: ويقال: إنه يبتلى بكم من أخلص لكم المحبة. فقال: قد روي أن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره. قلت: لم أرد هذا. قال: فما الذي تريد ؟ قلت: توقعون (3) بالولي وتحظون العدو. فقال: من يسعد بنا من الاولياء أكثر، ومن يسلم معنا من الاعداء أقل، إنما نحن بشر، ولا يعلم الغيب إلا الله، وربما استترت عنا الامور، فنوقع (4) بمن لا نريد، وإن لنا لاحسان يجازي الله به مداواة ما تكلم ورتق ما تثلم فنستغفر الله بما يعلم، وما أنكر من ألا يكون الامر على ما بلغك، ومع الولي التعزز والادلال، والثقة والاسترسال، ومع العدو التحرز والتذلل والاحتيال (5)، وإنك لمسؤول يا أخا بني تميم. قلت: إني أخاف ألا أراك بعد اليوم. قال: لكن أرجو أن أراك وتراني قريبا إن شاء الله. قلت: عجل الله ذلك، ووهب لي السلامة منكم، فإني محبكم. فتبسم وقال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاثة. قلت: وما هي ؟ قال: قدح في الدين، وهتك للملوك، وتهمة في حرمة، واحفظ عني ما أقول لك: اصدق وإن ضرك الصدق، وانصح وإن باعدك النصح، ولا تخالطن لنا عدوا وإن أحظيناه فإنه مخذول، ولا تخذلن وليا وإن أقصيناه وأصبحنا بترك المماكرة، وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تستخف فيمقتوك، ولا تنقبض فيحتشموك، [ ولا تبدأ حتى يبدؤك ] ولا تخطب الاعمال، ولا تتعرض للاموال، وأنا رائح من عشيتي هذه، فهل من


(1) زيد في العقد: وتجديد الصنيعة عندهم. (2) كذا بالاصل، وفي العقد: النائرة وهي أصح. (3) في العقد: تعقون الولي. (4) كذا، وفي العقد: فنقع. (5) زيد في العقد: وربما أمل المدل. وأخل المسترسل، وتجانب المتقرب، ومع المقة تكون الثقة، على أن العاقبة لنا على عدونا، وهي لولينا. (*)

[ 192 ]

حاجة ؟ فنهضت لوداعه فودعته، ثم قلت: أوقت لظهور الامر ؟ ومتى ؟ قال الله المؤقت والمنذر، فخرجت من عنده، فإذا مولى له يتبعني، فأتاني بكسوة من كسوته. وقال لي: يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه، ثم افترقنا، فوالله ما رأيته إلا وحرسيان قابضان علي يدفعانني إلى بيعتي في جماعة من قومي لنبايعه. فلما نظر إلي أثبتني، وقال للحرسيين: خليا عمن صحت مودته، وتقدمت قبل اليوم حرمته، وأخذت بيعته، فأكبر الناس ذلك من قوله. ثم قال لي: أين كنت أيام أبي العباس أخي ؟ فذهبت أعتذر. فقال: أمسك، فإن لكل شئ وقتا لا يعدوه، ولن يفوتك إن شاء الله حظ مودتك، وحق مشايعتك (1)، واختر مني رزقا يسعك، أو خطة ترفعك، أو عملا ينهضك. فقلت: أنا لوصيتك حافظ. فقال: وأنا لها أحفظ، إني إنما نهيتك أن تخطب الاعمال ولم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك. فقلت: الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحب إلى. فقال: وذلك أحب إلي لك، وهو أجم لقلبك وأودع لك، وأعفى إن شاء الله، فهل زدت أحدا في عيالك بعد. وقد كان سألني عنهم فعجبت من حفظه. فقلت: زدت الفرس والخادم، فقال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، ولو لم يسعني حملت لك على بيت المال، فهل تحملك مئتا دينار لكل غرة أو نزيدك ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن شطرها ليحملني العامين. قال فإنها لك في كل غرة فاقبضها من عاملي في أي بلد أحببت، وإن شئت فقد ضممتك إلى المهدي، فإنه أفرغ لك مني، وأرضاه لك إن شاء الله (2). حج أبي جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له ذكروا أن أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الامور، واستولى على السلطان خرج حاجا إلى مكة، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومئة (3). فلما كان


(1) في العقد: مسابقتك. (2) الخبر في العقد الفريد 5 / 106 - 110 وما بين معكوفتين زيادة عن نص العقد، وهناك بعض الاختلاف لم نثبته لعدم أهميته، انظره هناك. (3) حج في هذه السنة جعفر بن سليمان (مروج الذهب - ابن الاثير) زيد في المروج: وقيل: حج أبو جعفر. (*)

[ 193 ]

بمنى، أتاه الناس يسلمون عليه، ويهنئونه بما أنعم الله عليه، وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم، وفقهائهم وعلمائهم، ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث. فكان فمن دخل عليه منهم: مالك بن أنس. فقال له أبو جعفر: يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا. فقال مالك: يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي، ويلهمه الرشاد من القول، ويعينه على خير الفعل، فما رأي أمير المؤمنين ؟ فقال أبو جعفر: رأيت أني أجلسك في هذا البيت، فتكون من عمار بيت الله الحرام، وأحمل الناس على علمك، وأعهد إلى أهل الامصار يوفدون إليك وفدهم، ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق، إن شاء الله، وإنم العلم علم أهل المدينة، وأنت أعلمهم. فقال مالك: أمير المؤمنين أعلى عينا، وأرشد رأيا، وأعلم بما يأتي وما يذر، وإن أذن لي أقول قلت، فقال أبو جعفر: نعم، فحقيق أنت أن يسمع منك، ويصدر عن رأيك. فقال مالك: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق قد قالوا قولا تعدوا فيه طورهم، ورأيت أني خاطرت بقولي لانهم أهل ناحية، وأما أهل مكة فليس بها أحد، وإنما العلم علم أهل المدينة، كما قال الامير، وإن لكل قوم سلفا وأئمة. فإن رأى أمير المؤمنين أعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل. فقال أبو جعفر: أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا، وإنما العلم علم أهل المدينة، وقد علمنا أنك إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها. فقال مالك: أجل يا أمير المؤمنين، فأعفني يعف الله عنك. فقال أبو جعفر: قد أعفاك أمير المؤمنين، وايم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه. دخول سفيان الثوري وسليمان الخواص على أبي جعفر وما قالا له قال: وذكروا أنه لما كان أبو جعفر بمنى في العام الذي حج فيه سفيان الثوري وسليمان الخواص، قال أحدهما لصاحبه: ألا ندخل على هذا الطاغي الذي كان يزاحمنا بالامس في مجالس العلم عند منصور (1) والزهري، فنكلمه،


(1) يريد منصور بن عمار. (*)

[ 194 ]

ونأمره بحق، وننهاه عن باطل، فلعل أن يقع كلامنا منه موقعا ينفع الله به المسلمين، ويأجرنا عليه، فقال سليمان الخواص: إني لاخشى أن يأتي علينا منه يوم سوء. فقال الثوري: ما أخاف ذلك، فإن شئت فادخل، وإن شئت دخلت. فدخل سليمان الخواص، فأمره ونهاه، ووعظه وذكره الله، وما هو صائر إليه، ومسؤول عنه. فقال له أبو جعفر: أنت مقتول، ما تقول في كذا وكذا، لشئ سأله عنه من باب العلم ؟ فأجابه، فلما خرج قال سفيان الثوري: ماذا صنعت ؟ قال: أمرت ونهيت، ووعظت وذكرت فرضا كان في رقابنا أديناه مع أنه لا يقبل، وسألني عن مسألة فأجبته. قال سفيان: ما صنعت شيئا، فدخل سفيان الثوري فأمره ونهاه. فقال له: ها هنا أبا عبد إلي إلي، ادن مني. فقال: إني لا أطأ ما لا أملك ولا تملك. فقال أبو جعفر: يا غلام أدرج البساط، وارفع الوطاء، فتقدم سفيان فصار بين يديه وقعد، ليس بينه وبين الارض شئ، وهو يقول: (منها خلقناكم، وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) فدمعت عينا أبي جعفر. ثم تكلم سفيان دون أن يستأذن، فوعظ وأمر ونهى وذكر، وأغلظ في قوله. فقال له الحاجب: أيها الرجل، أنت مقتول. فقال سفيان: وإن كنت مقتولا فالساعة، فسأله أبو جعفر عن مسألة فأجابه، ثم قال سفيان: فما تقول أنت يا أمير المؤمنين فيما أنفقت من مال الله، ومال أمة محمد بغير إذنهم، وقد قال عمر في حجة حجها، وقد أنفق ستة عشر دينارا هو ومن معه: ما أرانا إلا وقد اجحفنا ببيت المال (1). وقد علمت ما حدثنا به منصور بن عمار، وأنت حاضر ذلك، وأول كاتب كتبه في المجلس عن إبراهيم، عن الاسود، عن علقمة، عن ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رب متخوض في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه له النار غدا " (2) فقال له أبو عبيدة الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا ؟ فقال له سفيان: أسكت، فإنما أهلك فرعون هامان، وهامان فرعون. ثم خرج سفيان، فقال أبو عبيدة الكاتب: ألا تأمر بقتل هذا الرجل ؟ فوالله ما أعلم أحدا أحق بالقتل منه. فقال أبو جعفر: اسكت


(1) في حلية الاولياء 6 / 376 أن هذا القول قاله سفيان للمهدي وقد كان قدم للحج. (2) متخوض: قال في النهاية: أصل الخوض المشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبيس بالامر والتصرف فيه، أي رب متصرف في مال الله تعالى بما لا يرضاه الله. وقيل هو التخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن (النهاية: خوض). (*)

[ 195 ]

يا أنوك، فوالله ما بقي على الارض أحد اليوم يستحيا منه غير هذا، ومالك بن أنس. دخول ابن أبي ذؤيب (1) ومالك بن أنس وابن سمعان (2) على أبي جعفر قال: وذكروا عن مالك بن أنس قال: لما ولي أبو جعفر الخلافة، وافى إليه الملاقون (3) المشاؤون بالنميمة عني بكلام كان قد حفظ علي، فأتاني رسوله ليلا ونحن بمنى، قال: أجب أمير المؤمنين، وذلك بعد مفارقتي له، وخروجي عنه، فلم أشك أنه للقتل، ففرغت من عهدي (4)، واغتسلت وتوضأت ولبست ثياب كفني وتحنطت، ثم نهضت فدخلت عليه في السرادق، وهو قاعد على فراش قد نظم بالدر الابيض، والياقوت الاحمر، والزمرد الاخضر، حكى له أنه كان من فرش هشام بن عبد الملك كان قد أهداه إليه صاحب القسطنطينية، لا يعلم ثمنه، ولا يدرى ما قيمته، والشمع يحترق بين يديه، وابن أبي ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه، وهو ينظر في صحيفة في يده. فلما صرت بين يديه سلمت، فرفع رأسه، فنظر إلي، وتبسم تبسم المغضب، ثم رمى بالصحيفة، وأشار لي إلى موضع عن يمينه أقعد فيه. فلما قعدت وأخذت مقعدي، وسكن روعي، رفعت رأسي أنظر تلقائي، فإذا أنا بواقف عليه درع، وبيده سيف قد شهره، ويلمع له ما حوله، فالتفت عن يميني، فإذا أنا بواقف بيده جرز من حديد، ثم ألتفت عن يساري فإذا أنا بواقف عليه درع، وبيده سيف قد شهره، وهم أجمعون قد أصغوا إليه، ورمقوه بأبصارهم خوفا من أن يأمر في أحد أمرا فيجده غافلا. ثم التفت إلينا وقال: أما بعد معشر الفقهاء، فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره، وضاق به ذرعه وكنتم أحق الناس بالكف من ألسنتكم،


(1) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذويب، وقيل ابن أبي ذويب الاسدي، روى عن أبن عمر وعطاء بن يسار، وعنه ابن أبي نجيح، وسعيد بن خالد القارظي. ثقة. (ترجم له في التهذيب 1 / 312). (2) هو عبد الله بن زياد بن سمعان المدني الفقيه. روى عن مجاهد والاعرج ترجم له ابن حجر في التهذيب. (3) الملاقون جمع ملاق وهو المتملق المنافق. (4) العهد هنا الوصية. (*)

[ 196 ]

والاخذ بما يشبهكم، وأولى الناس بلزوم الطاعة، والمناصحة في السر والعلانية لمن استخلفه الله عليكم. قال مالك: فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) فقال أبو جعفر: على ذلكم أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن أئمة العدل، أم من أئمة الجور ؟ فقال مالك: فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا متوسل إليك بالله تعالى، وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم وبقرابتك منه، إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا. قال: قد أعفاك أمير المؤمنين. ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له: أيها القاضي ناشدتك الله تعالى، أي الرجال أنا عندك ؟ فقال ابن سمعان: أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين، تحج بيت الله الحرام، وتجاهد العدو، وتؤمن السبل، ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي، وبك قوام الدين، فأنت خير الرجال، وأعدل الائمة. ثم التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له: ناشدك الله، أي الرجال أنا عندك ؟ قال: أنت والله عندي شر الرجال، استأثرت بمال الله ورسوله، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوي، وأمسكت أموالهم، فما حجتك غدا بين يدي الله ؟ فقال له أبو جعفر: ويحك، ما تقول ؟ أتعقل ؟ انظر ما أمامك. قال: نعم، قد رأيت أسيافا، وإنما هو الموت، ولا بد منه، عاجله خير من آجله. ثم خرجا وجلست. قال: إني لاجد رائحة الحنوط عليك. قلت: أجل، لما نمي إليك عني ما نمي، وجاءني رسولك في الليل، ظننته القتل، فاغتسلت وتطيبت، ولبست ثياب كفني. فقال أبو جعفر: سبحان الله ما كنت لاثلم (1) الاسلام، وأسعى في نقضه أو ما تراني أسعى في أود الاسلام، وإعزاز الدين. عائذا بالله مما قلت يا أبا عبد الله، انصرف إلى مصرك راشدا مهديا، وإن أحببت ما عندنا، فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا، ولا يعدل بك مخلوقا. فقلت: إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة، وإن يخيرني أمير المؤمنين اخترت العافية. فقال: ما كنت لاجبرك، ولا أكرهك، انقلب معافى مكلوءا. قال: فبت ليلتي، فلما أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير، في كل صرة خمسة آلاف دينار، ثم دعا برجل من شرطته فقال له: تقبض هذا المال، وتدفع لكل


(1) أثلم: أكسر، أو أجعل في الاسلام شرخا أو ثلما بقتلك. (*)

[ 197 ]

رجل منهم صرة، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله، وإن ردها لا جناح عليه فيما فعل، وإن أخذها ابن أبي ذؤيب فأتني برأسه. وإن ردها عليك فبسبيله، لا جناح عليه، وإن يكن ابن سمعان ردها فأتني برأسه، وإن أخذها فهي عافيته. فنهض بها إلى القوم، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم، وأما ابن أبي ذؤيب فردها فسلم، وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق. كتاب عبيد الله العمري إلى أبي جعفر قال: وذكروا أن أبا جعفر لما قفل من حجه سنة ثمان وأربعين ومئة (1)، سأل عن عبيد الله بن عمرو بن حفص بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو الفقيه المعروف بالعمري. فقيل له: إنه لم يحج العام يا أمير المؤمنين، ولو حج لكان أول داخل عليك، فلا تقبل عليه أحدا يا أمير المؤمنين، ولا يقدح فيه عندك إلا باطلي أو كذاب، فإنه من علمت. فقال أبو جعفر: والله ما تخلف عن الحج في عامه هذا إلا علما منه بأني حاج، فلذلك تخلف، ولا والله ما زاده ذلك عندي إلا شرفا ورفعة، وإني من التوقير له والاجلال بحال لا إخال أحدا من الناس بذلك لشرفه في قريش، وعظيم منزلته من هذا الامر، والموضع الذي جعله الله فيه، والمكان الذي أنزله به. فلما قدم أبو جعفر بغداد، ورد عليه كتاب عبيد الله العمري، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي جعفر أمير المؤمنين، من عبيد الله بن عمر. سلام الله عليك، ورحمة الله التي اتسعت فوسعت من شاء. أما بعد: فإني عهدتك، وأمر نفسك لك مهم، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الامة، أحمرها وأسودها وأبيضها، وشريفها، ووضيعها، يجلس بين يديك العدو والصديق، والشريف والوضيع، ولكل حصته من العدل، ونصيبه من الحق، فانظر كيف أنت عند الله يا أبا جعفر، وإني أحذرك يوما تفنى فيه الوجوه والقلوب، وتنقطع فيه الحجة،


(1) كذا بالاصل. وقد ذكر أن عبيد الله بن عمر بن حفص مات سنة 147 ه‍ بالمدينة وقيل سنة 144 وقيل سنة 145، (انظر التهذيب الجزء السابع ترجمته - البداية والنهاية سنة 147) وهو أحد فقهاء المدينة السبعة. (*)

[ 198 ]

لملك قد قهرهم بجبروته، وأذلهم بسلطانه والخلق داخرون (2) له، يرجون رحمته ويخافون عذابه وعقابه. وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الامة سيرجع في آخر زمانها، أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، وإني أعوذ بالله أن تنزل كتابي سوء المنزل، فإني إنما كتبت به نصيحة، والسلام. فأجابه أبو جعفر المنصور من عبد الله بن محمد أمير المؤمنين، إلى عبيد الله بن عمر بن حفص: سلام عليك، أما بعد، فإنك كتبت إلي تذكر أنك عهدتني وأمر نفسي لي مهم، فأصبحت وقد وليت أمر هذه الامة بأسرها، وكتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه الامة سيرجع في آخر زمانها، أن يكون إخوان العلانية، أعداء السريرة، ولست إن شاء الله من أولئك، وليس هذا زمان ذلك، إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة، والرغبة تكون رغبة بعض الناس إلى بعض، صلاح دنياهم أحب إليهم من صلاح دينهم، وكتبت تحذرني ما حذرت به الامم من قبلي، وقدما كان يقال: اختلاف الليل والنهار يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار. وكتبت تتعوذ بالله أن ننزل كتابك سوء المنزل، وأنك إنما كتبت به نصيحة فصدقت وبررت، فلا تدع الكتب إلي. فإنه لا غنى بي عن ذلك، والسلام. اجتماع أبي جعفر مع عبد الله بن مرزوق قال: وذكروا أن أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين لما حج ودخل في الطواف بالبيت الحرام، أمر الناس فنحوا عن البيت، ثم طاف أسبوعه، فوثب إليه عبد الله بن مرزوق، وقال: من جرأك على هذا ؟ فليبه بردائه وهزه. ثم قال له: من جعلك أحق بهذا البيت من الناس، تحول بينه وبينهم، وتنحيهم عنه ؟ فنظر أبو جعفر في وجهه، فعرفه، فقال: عبد الله بن مرزوق ؟ قال: نعم. فقال: من جرأك على هذا ؟ ومن أقدمك عليه ؟ فقال عبد الله بن مرزوق: وما تصنع بي ؟ بيدك ضر أو نفع ؟ والله ما أخاف ضرك، ولا أرجو نفعك حتى يكون الله عز وجل


(1) أي أذلاء له، ضعفاء أمامه. (*)

[ 199 ]

يأذن لك فيه، ويلهمك إلى فعله. فقال له أبو جعفر: إنك أحللت بنفسك وأهلكتها. فقال عبد الله بن مرزوق: اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري فلا تدع من الضر شيئا إلا أنزلته علي، وإن كان بيده منفعتي فاقطع عني كل منفعة منه، أنت يا رب بيدك كل شئ، ومليك كل شئ، فأمر به أبو جعفر فحمل إلى بغداد فسجنه بها. وكان يسجنه بالنهار، ويبعث إليه بالليل يبيت عنده ويسامره، يلبث نهاره أجمع بالسجن، ثم يسامره بالليل ليظهر للناس أنه سجن أول من اعترض عليه، لئلا يجترئ الجاهل فيقول: قد وسع عفو أمير المؤمنين فلانا، أفلا يسعني ؟ فكان دأبه هذا معه زمانا طويلا حتى نسي أمره، وانقطع خبره، ثم خلى سبيله، فلحق بمكة، فلم يزل بها حتى مات أبو جعفر، وولي ابنه المهدي، فلما حج المهدي، فعل مثل ذلك، ففعل به عبد الله بن مرزوق مثل ذلك أيضا، فأراد قتله. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه قد فعل هذا بأبيك، فكان من صنيعه أن حمله إلى بغداد، فسجنه بالنهار، وسامره بالليل، وأنت أحق من أخذ بهديه، واحتذى على مثاله، وورث أكروماته، فحمله المهدي معه، فمات ببغداد، رحمه الله (1). ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان قال: وذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبي جعفر (2)، فبعث إليها أبو جعفر ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس، ليسكن هيجها وفتنها، ويجدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا على أهل الخلاف لهم، فأظهر الغلظة والشدة، وسطا (3) بكل من ألحد في سلطانهم، وأشار إلى المنازعة لهم، وأخذ الناس بالبيعة، وكان مالك بن أنس رحمه الله لم يزل صغيرا وكبيرا محسدا، وكذلك كل من عظمت نعمة الله عليه في علمه أو عمله، أو فهمه أو ورعه، فكيف بمن


(1) مات ببغداد سنة 196 ه‍، كان وزيرا للرشيد ثم تزهد وانقطع للعبادة. أوصى عند موته أن يدفن على مزبلة، قال: لعله يرى مكاني فيرحمني. (صفة الصفوة 2 / 317 البداية والنهاية حوادث سنة 196). (2) ولي جعفر بن سليمان المدينة سنة 146 بعد عزل عبد الله بن الربيع، فقدمها في شهر ربيع الاول. وجاءت ولايته بعد ظهور محمد بن عبد الله. وذلك بعد تسع سنوات من ولاية أبي جعفر المنصور. (3) أي تسلط على الذين نكثوا بيعة أبي جعفر، وسلطان بني العباس. (*)

[ 200 ]

جمع الله ذلك فيه، ولم يزل منذ نشأ كذلك قد منحه الله تعالى العلم والعمل، والفهم واللب والنبل، ووصل له ذلك بالدين والفضل، عرف منه ذلك صغيرا، وظهر فيه كبيرا، واستلب الرياسة ممن كان قد سبقه إليها، بظهور نعمة الله عليه، وسموها به على كل سام، فاستدعى ذلك منهم الحسد له، وألجأهم ذلك إلى البغي عليه، فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له: إن مالكا يفتي الناس بأن أيمان البيعة لا تحل، ولا تلزمهم لمخالفتك، واستكراهك إياهم عليها (1)، وزعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة أجمعين، لحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " (2) فعظم ذلك على جعفر واشتد عليه وخاف أن ينحل عليه ما أبرم من بيعة أهل المدينة، وهم أن يبدر فيه بما عافاه الله منه، وأنعم على المسلمين ببقائه. فقيل له: لا تبدر فيه ببادرة فإنه من أكرم الناس على أمير المؤمنين، وآثرهم عنده، ولا بأس عليك منه، فلا تحدث شيئا إلا بأمر أمير المؤمنين، أو يستحق ذلك عندنا بأمر لا يخفى على أهل المدينة. فدس إليه جعفر بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من قبله، ومن مأمنه يؤتى الحذر (3)، فسأله عن الايمان في البيعة فأفتاه مالك بذلك طمأنينة إليه، وحسبة فيه. فلم يشعر مالك إلا ورسول جعفر بن سليمان يأتيه، فأتوا به إليه منتهك الحرية، مزال الهبية، فأمر به فضرب سبعين سوطا، فلما سكن الهيج بالمدينة، وتمت له البيعة، بلغ بمالك ألم الضرب حتى أضجعه. إنكار أبي جعفر المنصور لضرب مالك قال: وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر ضرب مالك بن أنس، وما أنزل به جعفر بن سليمان أعظم ذلك إعظاما شديدا، وأنكره ولم يرضه، وكتب بعزل


(1) قال ابن الاثير إن مالك أفتى أهل المدينة أنهم إنما بايعوا مكرهين وليس على مكره يمين فأسرع الناس إلى بيعة محمد بن عبد الله. (الكامل 3 / 565). وانظر وفيات الاعيان. 4 / 137 وابن الجوزي في شذور العقود وذكر الحادثة سنة 147. (2) رواه في الحلية 6 / 352 وقال: غريب من حديث مالك تفرد عنه ابن مصفى عن الوليد بن مسلم. (3) مثل عربي، يعني أن الضرر يأتي الشخص من الجهة التي يأمن إليها كثيرا ويطمئن بها (الميداني 2 / 177). (*)

[ 201 ]

جعفر بن سليمان عن المدينة (1)، وأمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب. وولى على المدينة رجلا من قريش من بني مخزوم، وكان يوصف بدين وعقل وحزم وذكاء، وذلك في شهر رمضان، من سنة إحدى وستين ومائة (2). وكتب أبو جعفر إلى مالك بن أنس، ليستقدمه إلى نفسه ببغداد، فأبى مالك، وكتب إلى أبي جعفر يستعفيه من ذلك، ويعتذر له ببعض العذر إليه، فكتب أبو جعفر إليه: أن وافني بالموسم العام القابل إن شاء الله فإني خارج إلى الموسم. دخول مالك على أبي جعفر بمنى قال: وذكروا أن مالكا حج سنة ثلاث وستين ومائة (3)، ثم وافى أبا جعفر بمنى أيام منى، فذكروا أن مطرفا أخبرهم، وكان من كبار أصحاب مالك. قال: قال لي مالك: لما صرت بمنى أتيت السرادقات، فأذنت بنفسي، فأذن لي، ثم خرج إلي الآذن من عنده فأدخلني. فقلت للآذن: إذا انتهيت بي إلى القبة التي يكون فيها أمير المؤمنين فأعلمني، فمر بي من سرداق إلى سرداق، ومن قبة إلى أخرى، في كلها أصناف من الرجال بأيديهم السيوف المشهورة، والاجرزة المرفوعة، حتى قال لي الآذن: هو في تلك القبة ثم تركني الآذن وتأخر عني، فمشيت حتى انتهيت إلى القبة التي هو فيها فإذا هو قد نزل عن مجلسه الذي يكون فيه إلى البساط الذي دونه، وإذا هو قد لبس ثيابا قصدة (4)، لا تشبه ثياب مثله، تواضعا لدخولي عليه، وليس معه في القبة إلا قائم على رأسه بسيف صليت، فلما دنوت منه، رحب بي وقرب، ثم قال: ها هنا إلي، فأوميت للجلوس. فقال: ها هنا، فلم يزل يدنيني حتى أجلسني إليه، ولصقت ركبتي


(1) تقدم أن أبا جعفر لم يحج عام 148 ه‍، وقد روى ابن الجوزي أن حادثة ضرب مالك حصلت سنة 147. وقد جرى عزل جعفر بن سليمان عن المدينة سنة 150 قال الطبري: وولى المنصور مكانه الحسن بن زيد بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب العلوي (ج 8 / 32) وفي تاريخ خليفة ص 430: عزله سنة 149 وولى مكانه عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. ويذكر الطبري أن عبد الصمد ولي المدينة بعد عزل الحسن بن زيد عنها سنة 155. (2) كذا بالاصل، وهو خطأ فاحش، والمعروف أن أبا جعفر مات سنة 158. لعله يريد سنة 151، أو حرفت من الناسخ. (3) انظر الحاشية السابقة. (4) أي بسيطة رخصية الثمن. (*)

[ 202 ]

بركبتيه. ثم كان أول ما تكلم به أن قال: والله الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله ما أمرت بالذي كان، ولا علمته قبل أن يكون، ولا رضيته إد بلغني (يعني الضرب). قال مالك: فحمدت الله تعالى على كل حال، وصليت على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم نزهته عن الامر بذلك، والرضا به. ثم قال: يا أبا عبد الله، لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني إخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته، ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة، فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن، وأضعفهم عنها، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وقد أمرت أن يؤتى بعدو الله من المدينة على قتب (1)، وأمرت بضيق مجلسه، والمبالغة في امتهانه، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه. فقلت له: عافى الله أمير المؤمنين، وأكرم مثواه، قد عفوت عنه، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم منك. قال أبو جعفر: وأنت فعفى الله عنك ووصلك. قال مالك: ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء، فوجدته أعلم الناس بالناس، ثم فاتحني في العلم والفقه، فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه، وأعرفهم بما اختلفوا فيه، حافظا لما روي، واعيا لما سمع، ثم قال لي: يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه، ودون منه كتبا، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد إلى أواسط الامور، وما اجتمع عليه الائمة والصحابة رضي الله عنهم، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك، ونبثها في الامصار، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها، فقلت له: أصلح الله الامير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر: يحملون عليه، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طي ظهورهم بالسياط، فتعجل بذلك وضعها، فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء الله إلى المدينة، ليسمعها منك، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله وقال مالك: فبينما نحن قعود إذ طلع بني له صغير من قبة، بظهر القبة التي كنا فيها. فلما نظر إلي الصبي فزع، ثم تقهقر فلم يتقدم. فقال له أبو جعفر: تقدم يا حبيبي، إنما هو أبو عبد الله فقيه أهل الحجاز، ثم التفت إلي فقال: يا أبا عبد الله، أتدري لم فزع الصبي ولم يتقدم ؟ فقلت:


(1) القتب: بفتح القاف والتاء، البرذعة الصغيرة على قدر سنام البعير وهي مهينة، يريد أنه أهانه واستخف به. (*)

[ 203 ]

لا. فقال: والله استنكر قرب مجلسك مني إذ لم ير به أحدا غيرك قط، فلذلك قهقر. قال مالك: ثم أمر لي بألف دينار عينا ذهبا، وكسوة عظيمة، وأمر لابني بألف دينار، ثم استأذنته فأذن لي، فقمت فودعني ودعا لي، ثم مشيت منطلقا، فلحقني الخصي بالكسوة فوضعها على منكبي، وكذلك يفعلون بمن كسوه، وإن عظم قدره، فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها، ثم يسلمها إلى غلامه، فلما وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي، كراهة احتمالها، وتبرؤا من ذلك، فناداه أبو جعفر: بلغها رحل أبي عبد الله. ما قال أبو جعفر لعبد العزيز بن أبي رواد (1). قال: وذكروا أن أبا جعفر لما دخل في الطواف بالبيت لقي عبد العزيز بن أبي رواد في الطواف، فقبض على يده، ثم قال له: أتعرفني ؟ قال: لا. إلا أن قبضتك قبضة جبار (2). فقال له: أنا أبو جعفر أمير المؤمنين، فسلني من حوائجك ما شئت أقضها. قال: أسألك برب هذا البيت أن لا ترسل إلي بشئ حتى آتيك طوعا. فقال له أبو جعفر: ذلك لك، فأقبل يمشي بمشيته في طوافه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا. فتأنف بقربه، وثقل عليه كلامه. فقال: أسألك بحرمة هذا البيت إلا تنحيت عني، فتنحى عنه أبو جعفر وخلى سبيله. وكان عبد العزيز بن أبي رواد هذا لا يرفع رأسه إلى السماء، تخشعا لله، فأقام كذلك أربعين سنة. قدوم المهدي إلى المدينة قال: وذكروا أن مالك بن أنس لما أخذ في تدوين كتبه، ووضع علمه قدم عليه المهدي بن أبي جعفر، فسأله عما صنع فيما أمره به أبو جعفر، فأتاه بالكتب وهي كتب الموطأ، فأمر المهدي بانتساخها، وقرئت على مالك. فلما أتم قراءتها: أمر له بأربعة آلاف دينار، ولابنه بألف دينار.


(1) هو مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، ذهب بصره عشرين سنة ولم يعلم به أهله وأولاده. سمع من كبار التابعين ومات سنة 159 (صفة الصفوة 2 / 229). (2) الخبر في صفة الصفوة 2 / 229 باختلاف. وفي العقد الفريد 3 / 165 بين أبي جعفر وسفيان الثوري. أيضا باختلاف وزيادة. (*)

[ 204 ]

موت أبي جعفر المنصور واستخلاف المهدي قال: وذكروا أنه لما كانت سنة ست وستين ومائة (1) قدم أبو جعفر مكة، فلما قضى حجة احتضر ثلاثة أيام (2)، ثم توفي في اليوم الرابع، وولى ابنه محمد المهدي وكان معه يومئذ بمكة وأخوه جعفر ببغداد، وكان قد عهد إليه أبو جعفر. فلما قفل المهدي إلى بغداد أتاه رجل فقال له: أدرك أخاك جعفرا (2)، فإنه قد هم بمنازعتك، وهو يريد خلعك، فأخذ في السير، ومعه الجنود والاموال، وصناديد الرجال من العراق، ورجال العرب، ووجوه قريش. فلما قدم العراق اعتذر إليه جعفر مما رفع إليه عنه، وحلف له أنه ما نوى ولا أراد منازعته، ولا أشار إلى خلافه، ولا هم به، فقبل منه المهدي ذلك، وعفا عنه، وكان كريما سخيا حليما، فلما كان سنة سبع وستين ومائة قدم حاجا، فدخل المدينة زائرا لقبر النبي صلى الله عليه وآله، فدخل عليه مالك، فحضه على الاحسان إلى أهل المدينة، وحدثه بفضلها وفضل أهلها، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب (وهي المدينة) تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد، ثم قال يا أمير المؤمين: أفليس هؤلاء أهلا أن يعانوا على الصبر عليها وعلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال المهدي: بلى والله يا أبا عبد الله، حتى لا أجد إلا مثل هذا، ومد يده ليأخذ من الارض شيئا فلم يجده. ثم قال صدقت فيهم وبررت، وحضضت على الرشد، فأنت أهل أن يطاع أمرك، ويسمع قولك، فأمر بخمسة أبيات مال، والبيت عندهم خمسمائة ألف، وأمر مالكا أن يختار من تلامذته رجالا يثق بهم، ويعتمد عليهم، يقسمونها على أهل المدينة، ويؤثرون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيت أبي بكر وعمر وعثمان، ثم أهل بيوت المهاجرين والانصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، ففعل فأغنى أهل المدينة عامهم ذلك.


(1) كذا بالاصل، وقد تقدم أن أبا جعفر مات سنة 158 على المشهور. (2) مات عند وصوله إلى بئر ميمون (الطبري - ابن الاثير) وفي مروج الذهب: في الموضع المعروف ببستان بني عامر من جادة العراق وقيل: مات بالبطحاء عند بئر ميمون وكانت وفاته ليلة السبت لست خلون من ذي الحجة. (3) في الطبري 8 / 32 مات جعفر بن أبي جعفر الاكبر سنة 150 وانظر ابن الاثير 3 / 605. (*)

[ 205 ]

ذكر استخلاف هارون الرشيد قال: وذكروا أنه لما كانت سنة ثلاث وسبعين ومائة توفي المهدي، وذلك أنه خرج يوما إلى بعض المنازل (1)، ومعه أهله وبعض بنيه (2)، وكان قد ذكر أن يستخلف ابنه عبد الله بعده، ثم غفل عن ذلك وتركه، فحمل عبد الله الحرص والطيش إلى أن دس على أبيه بعض الجواري المتمكنات منه بسمه (3)، وبذل لها على ذلك الاموال، ومناها أماني الغرور. فلما سمته، ووصل إليه السم، عرف المهدي أنه قد قتل، فدعا كاتبه فقال له: عجل واكتب عهد هارون الرشيد، وخذ بيعة الجند، وأمراء الاجناد، واكتب بذلك إلى ولاة الامصار، وكان الرشيد أصغر بينه، وكان ابن أمة، لا يطمع في خلافة، ولا يظن بها، فأدخله على نفسه وهو يجود بها، والرشيد لا يعلم أنه مستخلف. فقال له المهدي: أي بني، والله ما أردت استخلافك، ولا هممت به لحداثة سنك، وقد كان قال لي جدك أبو جعفر، وأنت يومئذ قد ترعرعت في أول رؤية رآك: إن ابني هذا الاعين (4) سيلي هذا الامر، ويسير فيه سيرة صالحة، فقلت: يا أبت، أتظن ذلك ؟ قال: ما هو بالظن، ولكنه اليقين، ويكون ملكا بضعا وعشرين سنة، وتقتله الحمى الربع (5)، فاندفع الرشيد باكيا فقال له: ما يبكيك يا فتى ؟ قال: يا أبت، إنك والله نعيت لي نفسي، وعرفتني متى أموت، ومم أموت ؟ قال: هو ذاك، فشمر، واجتهد


(1) في مروج الذهب 3 / 377 " مات بقرية يقال لها ردين " وهي من قرى ماسبذان. وكان موته على المشهور سنة 169. قال في المروج: ليلة الخميس لسبع بقين من المحرم. (2) كان معه ابنه هارون الرشيد، وكان موسى الهادي قد خرج إلى جرجان. (3) في سبب موته أقوال: - أنه خرج يصيد، فاقتحم به فرسه باب خربة فصدمه ومات (الطبري - تاريخ اليعقوبي). - قيل إنه مات مسموما بقطائف أكلها (مروج الذهب). - قيل إنه مات بكمثرتين إحداهما مسمومة سممتها جارية له كانت تقصد قتل وصيفة لها فمرت أمام المهدي وهي تحمل الكمثري - وكان يحب الكمثري فدعا بالجارية التي تحملها وتناول إحداهما - المسمومة - فمات (الطبري) وقال ابن الاثير 4 / 5 في سبب خروجه إلى ماسبذان، أنه قد عزم على خلع موسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد وتقديمه على الهادي فبعث إليه، وهو بجرجان في المعنى فلم يفعل، فبعث إليه في القدوم عليه... وامتنع.. فسار المهدي يريده. (وكان موته هناك على ما ذكرنا). (4) الاعين: شديد سواد العين، واسعها. (5) الحمى الربع: التي تأتي المريض يوما وتسكت يومين ثم تأتي في اليوم الرابع (القانون في الطب لابن سينا). (*)

[ 206 ]

وجد، وخذ بالحزم والكرم، ودع الاحن، وانظر أخاك عبد الله فلا يناله منك مكروه، فقد عفوت عنه، فقال الرشيد: يا أبت، وتعفو عنه، وقد أتى ما ذكرت، وصنع ما وصفت ؟ قال يا بني: وما علي أن أعفو عمن أكرمني الله على يديه، وأرجو أن يغفر لي بصنيعته بي إن شاء الله. عليك يا بني بتقوى الله العظيم وطاعته، فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجارة، وأوصيك بإخوتك خيرا، وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أقبل حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم، واغفر زلاتهم، وأوصيك بأهل الحرمين خيرا، فقد علمت من هم، وأبناء من هم، أجزل لهم العطاء، وأحسن لهم الجزاء، يكافئك الله في الآخرة والاولى. ثم توفي المهدي من يومه ذاك، واستخلف الرشيد (1)، وخرج إلى الناس يبايعهم بوجه طلق ولسان سلط، فبايعوه ببغداد، وذلك يوم الخميس من المحرم سنة ثلاث وسبعين ومائة (2)، وتمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد الجامع، فلم يختلف عليه أحد. ولا كره خلافته مخلوق، فأحسن السيرة، وأحكم أمر الرعية، وكان أوحد أهل بيته، ولم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله، رحمه الله. قدوم هارون الرشيد المدينة قال: وذكروا أنه لما كانت سنة أربع وسبعين ومائة، خرج هارون حاجا إلى مكة، فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فبعث إلى مالك بن أنس، فأتاه، فسمع منه كتابه الموطأ، وحضر ذلك يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن، ولم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك الموسم مع الرشيد وسمع وسمعوا من مالك موطأه الذي وضع، وكان قارئه يومئذ حبيب كاتب الرشيد.


(1) كذا بالاصل، وهو خطأ فاحش، فالمعروف أن المهدي - وإن كان حسب رواية ابن الاثير يريد عزل الهادي عن ولاية عهده وتقديم الرشيد - كان قد كتب بولاية عهده لابنه موسى الهادي ومن بعده لابنه هارون الرشيد. وبعدما مات المهدي بويع للهادي، وهو بجرجان، ثم وافى بغداد لعشر بقين من صفر سنة 169 (انظر الطبري - اليعقوبي - خليفة - مروج الذهب - ابن الاثير - البداية والنهاية - الاخبار الطوال) ومات موسى الهادي بعيساباذ نحو مدينة السلام سنة سبعين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول. وكانت خلافته سنة وثلاثة شهور (مروج الذهب 3 / 397). (2) تقدم أن المهدي مات سنة 169 ه‍. (*)

[ 207 ]

فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز والعراق: هل أنكرتم شيئا من هذا العلم ؟ قالوا: ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر الدماء، والتدمية في القتل، فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم وأبطله، يقول الرجل: قتلني فلان فيقبل منه، ويحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا، ثم يقتل، ولعل أولياءه لم يحضروا، ولم يكونوا بمصر، فيعرض بهم الحنث في الايمان، فيقبل قول رجل من غيره، وهو لا يقبل في ربع دانق (1) يدعيه إلا ببينة تقوم، إن هذا لهو الضلال (2). وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس حيث قال: " لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء أقوام وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " (3). قال الرشيد: ويحكم، إن في كتاب الله ما يصدق ذلك، ولا إخال أبا عبد الله أخذه إلا من كتاب الله فاستثبتوه. فأرسل إليه فأقبل. فقال هاورن: يا أبا عبد الله، إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في الانكار عليك فيما وضعت في موطئك من التدمية. وتصديق قول من ادعى، وأنت وهم تزعمون بطل دعوى من ادعى على رجل دانقا إلا ببينة تقوم له، فأخبر القوم، وأوضح لهم حجتك في ذلك وأنا معك عليهم، فإني لا أعلم بعد أمير المؤمنين أحدا أعلم منك، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، إن مما يصدق القسامة (4) ما في كتاب الله من القتل، والاخذ بالدم الذي كان في بني إسرائيل. قال الله عز وجل: (اضربوه ببعضها) [ البقرة: 73 ] فذبحت البقرة، ثم ضربوه بعضو من أعضائها (5)، فحيي القتيل، ثم تكلم. فقال: فلان قتلني، فقتله موسى بن عمران عليه السلام بقوله ذلك، وهو حكم التوراة، فيها هدى ونور


(1) الدانق: سدس درهم. (2) راجع رأي مالك في الموطأ - كتاب القسامة ص 633 وما بعدها. (3) أخرجه البخاري في الرهن (6) والترمذي في الاحكام (11) وابن ماجه في الاحكام (7). (4) القسامة بالفتح قال في النهاية: " اليمين، كالقسم، وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرا عن استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وجدوه بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينا ولا يكون فيهم صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية. وان حلف المتهمون لم تلزمهم الدية. وقد أقسم يقسم قسما وقسامة إذا حلف ". (5) اختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل لسانها وقيل فخذها اليمنى وقيل ذنبها وقيل العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الكتف وقيل البضعة بين الكتفين (تفسير الرازي 1 / 125). (*)

[ 208 ]

يحكم بها النبيون الذين أسلموا، فالذين أسلموا: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد حكم بالتوراة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المرجوم اليهودي الذي زنى، فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه أن يهوديا لقي جارية من جواري الانصار في بعض أنقاب المدينة، وعليها أوضاح (1) من ذهب وورق، فأخذ الاوضاح منها، وشدخ رأسها بين حجرين، فأدركت الجارية وبها رمق، فاتهم بها اليهود، فأتي بهم، فعرضوا عليها رجلا رجلا وهي لا تتكلم، حتى أتي بصاحبها الذي قتلها فعرفته. فقيل له: هذا الذي قتلك ؟ فأومأت برأسها أن نعم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدخ رأسه بين حجرين، فهذا يا أمير المؤمنين حكم الدماء، والقسامة فيها سنة قائمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء، فقنعوا منه بذلك، وصاروا إلى الرضا بقوله، والتصديق لروايته، والتسليم لتأويل ما تأول من القرآن الكريم. ثم قال له مالك: إن أباك يا أمير المؤمنين بعث إلي في هذا المجلس كما بعثت إلي، وحدثته بما حدثتك به في شأن أهل المدينة، وما يصبرون عليه من البلاء، وشدة الزمان، وغلاء الاسعار، صبرا على ذلك، واختيارا لجوار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال هارون: ذلك هو أبي وأنا ابنه، وسوف أفعل ما فعل، وأمر لاهل المدينة بعشرة أبيات مال (2)، ضعف ما أمر به المهدي، وكان أبو يوسف القاضي مع الرشيد يومئذ، فسأله أن يجمع بينه وبين مالك، ليكلمه في الفقه. فقال الرشيد لمالك: كلمه يا أبا عبد الله، فأنف من ذلك مالك، وتنزه عنه، وقال لهارون: هاهنا من فتيان قريش من تلامذتنا، من يبلغ حاجة أمير المؤمنين، ويخصمه (3) فيما يتكلم به، ويذهب إليه، فسر ذلك الرشيد حين أضاف ذلك إلى قريش. فقال: من هو ؟ فقال: المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي (4)، فبعث إليه الرشيد فجمعه بأبي يوسف فقال: كلمني بما بدا لك أجاوبك. فقال أبو يوسف القاضي (5): يا أمير


(1) الاوضاح: جمع وضح بفتح الواو والضاد: من حلي النساء. والورق: الفضة. (2) قال الطبري: 8 / 239 فقسم في أهلها (المدينة) مالا عظيما. (3) خصمه: يخاصمه في أمر ما وينتصر عليه في الخصومة. (4) هو عبد الرحمن بن الحارث المخزومي فقيه أهل المدينة، عرض عليه الرشيد قضاء المدينة فرفض، مات سنة 186 ه‍. (الكاشف). (5) هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري أبو يوسف. مات سنة 182 ه‍. (العبر 1 / 219 - تذكرة = (*)

[ 209 ]

المؤمنين إن هؤلاء، يعني مالكا وأصحابه، يقضون بغير ما في كتاب الله، يقول الله عز وجل: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) [ الطلاق: 2 ] وقال: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) [ البقرة: 282 ] وهؤلاء يقضون باليمين مع الشاهد، ولا نسمع أن الله تعالى ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى به، وإنما يدور هذا الحديث الذي روى فيه سهيل عن أبي صالح عن أبيه، ثم نسبه سهيل، فكان يحدث ويقول: حدثني ربيعة عن أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد " فلما نسبه سهيل بطل الخبر، وأثبت أصله، فلا معنى لذكره. قال المغيرة: قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى به علي بالكوفة، فقال أبو يوسف: أنا أكلمك بالقرآن، وأنت تكلمني بأفعال الناس، أتراك تعرفني بهذا، وبما قضى به علي وغيره ؟ فقال المغيرة: فأنت كافر بنبي قضى باليمين مع الشاهد، أو مؤمن به ؟ فسكت أبو يوسف فحجه المغيرة. فسر بذلك الرشيد، وأمر للمغيرة بألف دينار. ثم أرسل الرشيد إلى مالك فقال: ما تقول في هذا المنبر، فإني أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي سفيان وأرده إلى الثلاث درجات، التي كانت بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنما هو من عود ضعيف قد تخرمته المسامير، فإن نقضته تفكك، وذهب أكثره، ومع هذا إنه يا أمير المؤمنين لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن عليه أن ينتقل عن المدينة، يأتي بعدك أحد فيقول أو يقال له: ينبغي لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون معك حيث كنت، فإنما المنبر للخليفة، فينتقل كما انتقل من المدينة كل ما كان بها من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أعلم أنه ترك له عليه الصلاة والسلام بها نعل ولا شعر ولا فراش ولا عصا ولا قدح ولا شئ مما كان له هاهنا من آثاره إلا وقد انتقل. فأطاعه الرشيد، وانتهى عن ذلك برأي مالك بن أنس وكان ذلك رحمة من الله لاهل المدينة، وتثبيتا لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم.


= الحفاظ 1 / 292 - البداية والنهاية 10 / 180 - سير أعلام النبلاء 12 / 141). (*)

[ 210 ]

مسير الرشيد إلى الفضيل (1) بن عياض قال: وذكروا أن الرشيد كان كثيرا ما يتلثم، فيحضر مجالس العلماء بالعراق وهو لا يعرف. وكان قد قسم الايام والليالي على سبع ليالي: فليلة للوزراء، يذاكرهم أمور الناس ويشاورهم في المهم منها، وليلة للكتاب يحمل عليهم الدواوين، ويحاسبهم عما لزم من أموال المسلمين، ويرتب لهم ما ظهر من صلاح أمور المسلمين، وليلة للقواد، وأمراء الاجناد يذاكرهم أمر الامصار ويسألهم عن الاخبار، ويوقفهم على ما تبين له من صلاح الكور وسد الثغور، وليلة للعلماء والفقهاء يذاكرهم العلم ويدارسهم الفقه، وكان من أعلمهم، وليلة للقراء والعباد يتصفح وجوههم، ويتعظ برؤيتهم، ويستمع لمواعظهم، ويرقق قلبه بكلامهم، وليلة لنسائه وأهله ولذاته، يتلذذ بدنياه، ويأنس بنسائه، وليلة يخلو فيها بنفسه، لا يعلم أحد قرب أو بعد ما يصنع، ولا يشك أحدا أنه يخلو فيها بربه، يسأله خلاص نفسه، وفكاك رقه. فبينما هو يوما في مجلس محمد بن السماك، وقد قصد لرؤيته يسمع لموعظته، ولا يعلم أحد بمكانه، فسمع بعض أهل المجلس يذكر الفضيل بن عياض، ويصف فضله وعبادته، وعلمه وروعه، فاشتهى النظر إليه، وتاقت نفسه إلى رؤيته ومحادثته، فتوجه من العراق إلى الحجاز قاصدا إليه، ومعه عبد الله بن المبارك فقيه أهل بغداد وعالمهم، وكان الفضل بن عياض يسكن الغيران. فلما قربا من موضعه قال عبد الله بن المبارك: يا أمير المؤمنين إن الفضيل إن عرفك وعرف مكانك لم يأذن لك عليه، ويسفر عنك. فقال هارون: تستأذن أنت عليه، وتخفي مكاني عنه، حتى يأذن بالدخول فاستأذن عليه ابن المبارك. قال الفضيل: من بالباب ؟ قال: ابن المبارك. قال: مرحبا يا أخي وصاحبي، فقال ابن المبارك: ومن معي يدخل ؟ فقال الفضيل: ومن معك ؟ قال: رجل من قريش. فقال الفضيل: لا إذن، لا حاجة لي برؤية أحد من قريش. فقال له ابن المبارك: إنه من العلم والعناية والفقه فيه بمكان، فقال له الفضيل: أو ما علمت أن إبليس أفقه الناس ؟ فقال له ابن المبارك: إنه سيد قريش في زمانه هذا وفوقهم، وإنما عنى أنه فوقهم في الدنيا وسيدهم، فقال له الفضيل: فإن كان كما تقول فليدخل، فدخل الرشيد فسلم عليه، ثم جلس


(1) في النسخ المطبوعة: " الفضل " تحريف. وقد جرى تصحيحه في كل مواضع الخبر. (*)

[ 211 ]

بين يديه، فتحدثوا ساعة. فقال له ابن المبارك: يا أبا الحسن، أتدري من هذا ؟ قال: لا أدري. فقال له: هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين، فنظر إليه الفضيل بن عياض ساعة، ثم قال: هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ويؤاخذ بها، لئن كان العفو والغفران يسعك مع ما أنت فيه، إن هذا لهو الفضل المبين، وكان الرشيد من أجمل الناس خلقا، وأحسنهم نطقا، وأبلغهم لسانا، وأعذبهم كلاما، وأكثرهم علما وفهما، ثم جعل الفضيل بن عياض يعظه ويخوفه حتى بكى هارون بكاء شديدا. قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد يومئذ، ثم أفاق من بكائه، فجعل الفضيل يذكر مثالبه، ومثالب أهل بيته، ورداءه سيرتهم، وخلافهم الحق، ثم لم يدع شيئا يعيبه به، ولا أمرا ينتقصه فيه إلا واستقبله به. فقال له الرشيد: يا أبا الحسن، أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك ؟ فقال الفضيل: بلى. فقال الرشيد: فما جعلك بأحق أن ترجو المغفرة مني ؟ وأنا على دين يقبل الله فيه الحسنات، ويعفو عن السيئات، ومع ذلك فإني والله ما كنت لاخير بين شئ وبين الله إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، الله الشاهد على قولي، والمطلع على نيتي وضميري، وكفى به شهيدا. وأنا مع هذا ألي من الاصلاح بين الناس، والجهاد في سبيل الله، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ما لا تليه أنت، فما جعلك أحق أن ترجو المغفرة مني ؟ فسكت الفضيل ساعة ثم قال: ما ظلمك من حجك، ثم قام هارون للخروج. فقال الفضيل: يا أمير المؤمنين، إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا، فقال الرشيد: أجل إنه ما قلت (1). فلما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الامصار كلها، وإلى أمراء الاجناد، أما بعد: فانظروا من التزم الاذان عندكم، فاكتبوه في ألف من العطاء، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر مجالس العلم، ومقاعد الادب، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء، ومن جمع القرآن، وروى الحديث، وتفقه في العلم واستبحر، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء، وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الامر، من المعروفين به من علماء عصركم، وفضلاء دهركم، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم، فإن الله تعالى يقول: (أطيعوا الله


(1) خبر الرشيد مع الفضيل بن عياض روي باختلاف عما هنا قارن مع: حلية الاولياء 8 / 106 صفة الصفوة 2 / 242 مروج الذهب 3 / 434 وفيات الاعيان 4 / 48. (*)

[ 212 ]

وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) [ النساء: 59 ] وهم أهل العلم. قال ابن المبارك: فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن، ولا سابقا للخيرات، ولا حافظا للمحرمات، بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين، ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم، ويروي الحديث، ويجمع الدواوين، ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة. ذكر الحائك المتطفل قال: وذكروا أن الرشيد (1) لما انصرف من الحجار وصار بالرقة (2) قال لوزيره عمرو بن مسعدة: ما زلت تكلمني وتستلطفني في الرخجي (3) حتى وليته الاهواز، فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما (4) وقضما، ولم يوجه إلي درهما، فاخرج إليه من ساعتك هذه، حتى تحل ساحته، ثم لا تدع له حرمة إلا انتهكتها، ولا أكرومة إلا أهنتها. ثم لا تسمع له حجة يرفعها، ولا تقبل منه كلمة ينهيها، إن اعتذر فلا تقبل له عذرا، وإن قال فلا تقبل له قولا، فشر قائل، وأكذب متظلم، فقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير مستحثا على عامل خراج ؟ ولكن لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين، إذ كانت ولايته بسببي. فقلت: أخرج يا أمير المؤمنين ؟ قال: فاحلف أنك لا تلبث في بغداد إلا يوما، فحلفت له، ثم انحدرت إلى بغداد، ثم خرجت، فلما صرت بين دير هرقل وبين دير العاقول (5)، إذا رجل (6) يصيح: يا ملاح، يا ملاح، رجل منقطع. فقلت للملاح: قرب إلى


(1) الخبر في العقد الفريد 4 / 175 وصبح الاعشى 1 / 142 بين المعتصم وعمرو بن مسعدة. وهو خطأ. لان عمرو بن مسعدة مات سنة 217 والمأمون حي، وتولى المعتصم الخلافة سنة 218 ه‍. (2) الرقة: بلد على الفرات. (3) هو عمر بن الفرج الرخجي من أعيان الكتاب، والرخجي نسبة إلى الرخج كورة ومدينة من نواحي كابل. وبقي الرخجي إلى أيام المتوكل حيث سخط عليه (انظر مروج الذهب 4 / 117 ومعجم البلدان " رخج "). (4) الخضم: الاكل مع مل ء الفم وأكل الرطب. والقضم: أكل اليابس. يريد أنه يأكل خيرات الاهواز جميعها. (5) دير هرقل: دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم. ودير العاقول: بين مدائن كسرى والنعمانية، وبينه وبين بغداد 15 فرسخا (معجم البلدان). (6) في صبح الاعشى: شاب على الشط يقول: (*)

[ 213 ]

الشط. فقال: يا سيدي هذا رجل شحاذ وإن قعد معك آذاك، قال الوزير: فلم يلتفت إليه ولقوله، وأمرت الغلمان فأدخلوه فقعد، فلما حضر الغداء دعوته، فكان يأكل أكل جائع بنهامة، إلا أنه نظيف الكل، فلما رفع الطعام، أردت أن يقوم ويغسل يديه في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان، فلم يفعل، فتشاغلت عنه ليقوم، ثم قلت له: يا هذا ما صناعتك ؟ قال لي: حائك، فقلت في نفسي: هذه شر من الاولى، ما ألوم غير نفسي، إذ لم أقبل ممن نصحني، وصرت أواكل الحوكة. فقلت: توضأ يا أخي، فتوضأ، ثم قال لي: جعلت فداك: قد سألتني عن صناعتي، فما صناعتك أنت ؟ فقلت في نفسي: هذه شر من الاولى، وكرهت أن أذكر الوزارة، قلت: أقتصر على الكتابة. فقلت له: كاتب. فقال: إن الكتابة على خمسة أصناف: كاتب رسائل، يحتاج أن يعرف الفصل من الوصل، والصدور ورقيق الكلام، والتهاني والتعازي، والترهيب والترغيب، والمقصور والممدود، وجملا من العربية، وكاتب جند يحتاج إلى أن يعرف حساب التقدير، وشيات (1) الدواب، وحلي الناس ونعوتهم (2). وكاتب قاض، يحتاج أن يكون عالما بالشروط والاحكام، عارفا بالناسخ والمنسوخ من القرآن، والحلال، من الحرام، والفروع والمواريث (3). وكاتب شرطة، يحتاج أن يكون عالما بالجروج والقصاص والديات، فقيها في أحكام الدماء، عارفا بدعوى التعدي. وكاتب خراج، يحتاج أن يعرف الزرع والمساحة وضروب الحساب (4). فأيهم أنت أعزك الله ؟ قلت: فوالله ما قضى كلامه حتى صار أعظم الناس في نفسي وأحبهم إلي، وصار كلامه عندي أشهى من الماء البارد العذب على الظمآن. فقلت له: أصلحك الله، تقدم إلي، وادن مني أكلمك، وأقعدك المقعد الذي يقعده مثلك، فلولا أن من البر ما يكون عقوقا لاقعدتك مقعدي هذا. قال: فأخبرني لو كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب والمكروه، ويكتب إليك في جميع الاسباب، فتزوجت أمه، كيف كنت تكتب إليه ؟ تهنئه أم تعزيه ؟ قلت:


(1) شيات الدواب: علاماتها. (2) حلى الناس: جميع حلية أي صفة. (3) في صبح الاعشى:... والتأويل والتنزيل والمتشابه والحدود القائمة. (4) زيد في العقد: والاشوال والطسوق والتقسيط. وفي الصبح: خبيرا بالحساب والمقاسمات، والتقسيط. (*)

[ 214 ]

والله ما أدري كيف الوجه في هذا، وهو بالتعزية أولى منه بالتهنئة. قال: صدقت، كيف كنت تعزيه ؟ فقلت: والله ما أقف على ما تقول. قال: فلست بكاتب رسائل، فأيهم أنت ؟ قلت: كاتب خراج. قال: فما تقول أصلحك الله، وقد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه، فجاء قوم يتظلمون من بعض عمالك، فأردت أن تنظر في أمرهم، وتنصفهم إذا كنت تحب العدل، وتؤثر حسن الاحدوثة وطيب الذكر، وكان لاحدهم براح (1)، فأردت مساحته، كيف كنت تمسحه ؟ قلت: أضرب العطوف في العمود، وأنظر إلى مقدار ذلك. قال: إذا تظلم الرجل. قلت: فأمسح العمود على حدته. قال: إذا تظلم السلطان. قلت: والله ما أدري (2). قال: لست بكاتب خراج، فأيهم أنت ؟ قلت: كاتب جند. قال: فما تقول في رجلين اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع (3) الشفة العليا، والآخر مقطوع (3) الشفة السفلى، كيف كنت تنعتهما وتحليهما ؟ فقلت: كنت أكتب أحمد الاعلم، وأحمد الاعلم. قال: فكيف يكون هذا ورزق هذا مئتا درهم، ورزق ذاك ألف درهم، فيقبض هذا عطاء ذاك، وذاك عطاء هذا، فتظلم صاحب الالف ؟ قلت: والله ما أدري. قال: فلست بكاتب جند، فأيهم أنت ؟ قلت: كاتب قاض. قال: فما تقول في رجل خلف سرية (4) وزوجة (5)، وكان للزوجة بنت، وللسرية ابن، فلما كان تلك الليلة التي مات فيها الرجل، أخذت الحرة ابن السرية فادعته، وجعلت ابنتها مكانه، فتنازعتا فيه، فقالت هذه [ هذا ] ابني، وقالت هذه [ هذا ] ابني، كيف كنت تحكم بينهما وأنت خليفة القاضي ؟ قلت: والله ما أدري. قال: فلست بكاتب قاض، فأيهم أنت ؟ فقلت: كاتب شرطة. قال: فما تقول في رجل وثب على رجل، فشجه شجة موضحة (6)، فوثب عليه المشجوج فشجه شجة مأمومة (7)، كيف كنت تقضي بينهما ؟ فقلت: ما أعلم. قال: فلست بكاتب شرطة. فقلت: أصلحك الله: قد سألت ففسر لي ما ذكرت. فقال:


(1) في العقد والصبح: " قراح " وهو المزرعة التي ليس عليها بناء ولا شجر. (2) قارن مع الصبح. (3) في الموضعين في الصبح: مشقوق. (4) السرية: بالضم، المملوكة يتسراها صاحبها. (5) في صبح الاعشى: زوجة حرة. (6) الموضحة من الشجاج: التي بلغت العظم فأوضحت عنه. (7) المأمومة أي الضربة التي بلغت أم الرأس. (*)

[ 215 ]

أما الذي تزوجت أمه، فتكتب إليه: أما بعد، فإن أحكام الله تجري بغير محاب المخلوقين، والله يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبر أكرم لها، والسلام. وأما البراح (1): فتضرب واحدا وثلثا في مساحة العطوف، فمن ثم بابه. وأما أحمد وأحمد: فتكتب حلية المقطوع الشفة العليا: أحمد الاعلم. والمقطوع الشفة السفلى: أحمد الاشرم. وأما المرأتان فيوزن لبن هذه ولبن هذه، فأيهما كان أخف، فهي صاحبة البنت. وأما صاحب الشجة: فإن في الموضحة خمسا من الابل، وفي المأمومة ثلاثا وثلاثين وثلثا، فيرد صاحب المأمومة ثمانية وعشرين وثلثا. أصلحك الله ؟ فما أتى بك هاهنا ؟ قال: ابن عم لي كان عاملا على ناحية، فخرجت إليه، فألفيته معزولا فقطع بي، فأنا خارج أضطرب في المعاش. قلت: ألست قد ذكرت أنك حائك ؟ فقال: جعلت فداك، إنما أحوك الكلام، ولست بحائك الثياب (2). قال: فدعوت المزين فأخذ من شعره، وأدخل الحمام وطرحت عليه من ثيابي، فلما صرت إلى الاهواز كلمت فيه الرخجي، فأعطاه خمسة آلاف درهم، ورجع معي، فلما صرت إلى أمير المؤمنين ألفيته قد توقد علي نارا، وامتلا غيظا، وقد حلف بالمشي إلى الكعبة أن ينالني منه يوم سوء، لطول مقامي، واشتغالي عنه بالرجل، فلما دخلت عليه قال: ما كان من خبرك في طريقك، وما الذي شغلك بعد أمري لك. أن لا تلبث ببغداد إلا يوما واحدا، ويمينك على ذلك ؟ فأخبرته خبري، حتى حدثته بحديث الرجل، وقصتي معه، قال: لقد جئتني بأعظم الفوائد، فلاي شئ يصلح ويحك ؟ قلت: هو والله يا أمير المؤمنين أعلم الناس بالفقه والعلم، والحلال والحرام، والهندسة والفلسفة، والحساب والكتابة. فولاه هارون البناء والمرمة (3)، والمهم من الامور، وأولاه على عمال الخراج يتقاضاهم ويحاسبهم، فكنت والله ألقاه في المواكب العظيمة، فينحط عن دابته ساعيا، حتى يقبل على يدي يقبلها، فأحلف عليه، فيقول: سبحان الله إنما هذه نعمتك، وبك نلتها، ويقول:


(1) في العقد والصبح: القراح. (2) في الصبح: فقال: أنا حائك كلام لا حائك نساجة. (3) المرمة: إصلاح المباني وترميمها. (*)

[ 216 ]

فلو أن للشكر شخصا يرى * إذا ما تأمله الناظر لمثلته لك حتى تراه * فتعلم أني امرؤ شاكر قال عمرو بن مسعدة: ثم قال لي هارون: ويحك، لما أبطأت حلفت بالمشي إلى الكعبة أن بنالك مني يوم سوء، ولا والله ما هذا جزاؤك لدي فما الرأي ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت أعلى عينا، وأولى من بر يمينه. فقال: والله ما أريد ذلك. قلت: فليكفر أمير المؤمنين عن يمينه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر، وليأت الذي هو خير ": فقال: ويحك، إن العلماء لم يروا الكفارة في هذا، وإنما تأولوا قوله عليه الصلاة والسلام في الايمان بالله تعالى، وقد أجمعت على المشي، والمضي إلى الكعبة راجلا. فقلت: أنى لك بذلك ؟ وكيف تصل راجلا ؟ قال: لا بد من ذلك. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، فأمهل عامك هذا حتى أسهل لك طريقا، وأحدد لك مراحل، وأوقت لك مواقيت يسهل عليك ذلك إن شاء الله. قال: ذلك لك. فأمر عمرو بالانهار فعرجت عن مسيلها، وبالآكام والجبال فسويت، وبالخنادق والاودية فردمت، حتى صار ما بينه وبين مكة كالراحة الموزونة، وصارت الانهار والاودية تسايره على طريقه، ثم صنع له مراحل، قد حدد له عند كل مرحلة حدا، وابتنى في كل مرحلة دارا، وكانت المرحلة بريدا، قدرها اثنا عشر ميلا، ثم أمر بالمراحل ففرشت بالبسط الرهاوية (1)، ونصب له جدارا بالستور، وسمكها بأكسية الخز الرفيع الملون، وقد ضرب عند كل فرسخ قبة مزوقة، قد أقام فيها الفرش الممهدة، وقد أحاط بها الظلال الممدودة بالرواقات الكثيفة، فيها أنواع الطعام والشراب وألوان الفواكه. فلما تم صنعه ذلك، وأبرم أمره، قال: يا أمير المؤمنين، قد تم ما أردته، وكمل ما حاولته، فانهض على اسم الله العظيم، وكانت زبيدة زوجته التي أغرته عليه، وحملته على اليمين لمعاقبته، فخرج الرشيد ماشيا، ومعه دابته وزبيدة، فكانت المرحلة تفرش، والستور تنصب، والسمك ترفع، فيمشي ثلاثة أميال، ثم ينزل في قبة أمامها رواق، فينال راحته، ويصيب ما اشتهى من لذة في مأكل ومشرب، ثم ينهض ثلاثة أخرى، فينزل على مثل ذلك، فإذا استكمل مشى أربعة فراسخ، نزل في


(1) الرهاوية نسبة إلى الرها، وهي مشهورة بها. (*)

[ 217 ]

قصر قد شيد له، ودار قد بنيت، فيها حمام طيب، ينال فيها راحته مع أهله، ويصيب لذته مما شاء وكيف شاء، ثم يكسر فيه يوما، ثم يخرج في اليوم الثاني إلى مثل ذلك، قد شايعه في طريقه الوزراء والقواد، وأمراء الاجناد والعلماء والفقهاء، والجنود والعساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه في طريقه. إذا نزل في الرواق صار الخصيان حوله، بحيث يسمعون كلامه، ولا يرون شخصه، فلا يشتهي شيئا من معرفة أخبار الامصار والبلدان، إلا وخط فيه كتابا، يأمر فيه بإيصاله لحيث شاء من الاماكن، مسيرة الايام والليالي، فيأتيه الجواب من يومه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام، ويأتيه الجواب من يومه من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام، يعلق الكتاب في جناحه فيرتفع في الجو ارتفاعا يغيب شخصه عمن في الارض، وينقض على وطنه، وموضع فراخه، فإذا نزل لا يستقر نزوله، حتى يؤخذ الكتاب من جناحه، فيجاوب بما أحب، ثم يسرح غيره، فيرتفع في الجو حتى يوازي وطنه وموضعه من بعد تلك الاماكن التي عليها طريق أمير المؤمنين، فيؤخذ الجواب منه، وقد صار الموكلون بذلك لا يهتمون بغير ما قلدوا، ولا يتشاغلون بغير ما حملوا، فلم يزل كذلك ماشيا، حتى وصل إلى مكة في ثلاثة أشهر، فقضى حجه، وشهد مناسكه ومشاعره، ثم انصرف قافلا إلى بغداد، وذلك في آخر شهر ذي الحجة من سنة ثمانين ومئة (1). فلما هم بالانصراف، وذكر القفول إلى العراق، رفع إليه أهل مكة كتابا يسألونه فيه أن يولي عليهم قاضيا عدلا، فأدخلهم على نفسه، فقال: إن شئتم فاختاروا منكم رجلا صالحا أوليه قضاءكم، وإن أحببتم بعثت إليكم من العراق رجلا لا آلوكم فيه إلا خيرا، فخرجوا فاختاروا رجلا، فاختلفوا فيه، فاختارت طائفة منهم رجلا، واختارت أخرى رجلا آخر، فلما اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد يذكرون اختلافهم. فقال لهم هارون: أدخلوا علي هذين الرجلين اللذين اختلفتم فيهما، فإذا برجلين، أحدهما شيخ من قريش، والآخر غلام حدث من الموالي. فلما نظر إليهما الرشيد قال للشيخ: ادن مني، فدنا منه، فقال له الرشيد: أيها القاضي، إن بيني وبين وزيري هذا خصومة وتنازعا، فاقض بيننا بالحق. فقال الشيخ: قصا علي قصتكما، فقصا عليه، فقال الشيخ: تقيم البينة يا أمير


(1) قال في مروج الذهب 4 / 455 حج بالناس سنة 180 موسى بن عيسى بن محمد بن علي. (الطبري 8 / 267). (*)

[ 218 ]

المؤمنين على ما ذكرته، أو يحلف وزيرك هذا. فقال له هارون: إن أخي لا يدافعني ما أقول، ولا ينكر إلا قليلا مما أدعي، فلم يزالا يرددان القول بينهما ويتنازعان، حتى قضى القاضي لامير المؤمنين على الوزير. فقال له: قم، فقام عنه. ثم دعا بالغلام الحدث، الذي دعته الطائفة الاخرى، فدخل عليه. فقال له: ادن مني، فدنا منه. فقال لها هارون: إن بيني وبين وزيري تنازعا وخصومة، فاسمع منا قولنا، ثم اقض بيننا بالحق، قال لهما: إن مقعدكما مختلف، ومجلسكما متناء، وأخشى إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما، فإذا تفاضل مجلس الخصوم اختلف بينهما القول، وكان صاحب المجلس الا رفع ألحن بحجته، وأدحض لحجة صاحبه، وكان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الا رفع أكثر، وإليه أميل، ولكن تقومان من مجلسكما هذا الذي قد استعليتما فيه، فتجلسا بين يدي، ثم أسمع منكما قولكما، وأقضى لمن رأيت الحق له، ثم لا أبالي على من دار منكما. فقال الرشيد: صدقت وبررت في قولك، فقام الرشيد، وقام عمرو بن مسعدة، حتى صارا بين يديه جالسين. فلما جلسا بين يديه ذهب الرشيد ليتكلم. فقال له القاضي: لو تركت هذا يتكلم، فإنه أسن منك. فقال الرشيد. إن الحق أسن منه. فقال القاضي: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحويصة ومحيصة (1): كبر كبر. يريد ليتكلم عمكما، لانه أسن منكما وأكبر، فتكلم عمرو بن مسعدة، ثم تكلم الرشيد، وتنازعا الخصومة، وترافعا الحجة بينهما، حتى رأى القاضي أن الحق لعمرو، فقضى له به على الرشيد، فلما قضى عليه قال لهما: عودا إلى مجلسكما، فعادا، فعجب الرشيد من قضائه وعدله واحتفاظه، وقلة ميله، فالتفت إلى عمرو فقال: إن هذا أحق بقضاء القضاة من الذي استقضيناه. فقال عمرو: بلى والله، ولكن القوم أحق بقاضيهم إلا أن يأذنوا فيه، فدعا الرشيد برجال مكة، فأدخلهم على نفسه، وأجزل لهم العطاء، وأحسن على قاضيهم الثناء. ثم قال لهم: هل لكم أن تأذنوا أوليه قضاء القضاة، فيسير إلى العراق يقضي بينهم ؟ فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين أنت أحق به نؤثرك على أنفسنا. فأرسل إليه الرشيد فقال: إني قد وليتك قضاء القضاة، فسر إلى العراق لتقضي


(1) هما ابنا مسعود بن كعب بن عامر بن عدي.. الاوسي الانصاري، وحويصة الاكبر، أسلم حويصة بعد أخيه محيصة، وكان محيصة أفضل من أخيه (أسد الغابة 4 / 334). (*)

[ 219 ]

بينهم، وتولي القضاة في البلدان والامصار من تحت يدك، وتوليتهم إليك، وعزلهم عليك. فقال القاضي: إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة، وإن يخيرني في نفسي اخترت العافية، وجوار هذا البيت الحرام. فقال الرشيد: ما ينبغي لي أن أدع المسلمين وفيهم مثلك، لا أوليه عليهم، فخذ على نفسك فإني مصبح على ظهر إن شاء الله. فخرج الرشيد ومعه الفتى حتى قدم العراق، فولاه القضاء، وجعل إليه قضاء القضاة، فلم يزل بها قاضيا حتى توفي، وذلك بعد ثلاثة أعوام من توليته. فلما توفي اغتم الرشيد وشق عليه، فجعل الناس يعزونه فيه علما منهم بما بلغ منه الغم عليه. فسأل عن قاض يوليه قاضي القضاة في العراق بعد ذلك، فرفعت إليه تسمية عشرة رجال من خيار الناس وعلمائهم وأشرافهم، فلما رفعت إليه التسمية، أمر بهم فأدخلوا عليه رجلا رجلا، ليتفرس فيهم من يوليه القضاء، فنظر إلى رجل منهم توسم فيه الخير والعلم فأمر به فقدم إليه. فلما صار بين يديه، قال له: ما اسمك ؟ قال: معشوق. قال: فما كنيتك ؟ قال: أبو الهوى. قال: فما نقش خاتمك ؟ قال: دام الحب دام، وعلى الله التمام. فقال له: قم لا قمت. ثم دعا بالآخر، وكان قد تفرس فيه ما تفرس في صاحبه فقال له: ما نقش خاتمك ؟ فقال: " ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " فقال له أخرج. فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن برمك، وكان ممن رفع إليه أسماءهم، فعنفه بهم، وقال: رفعت إلي أسماء المجانين. قال له: والله ما في العراقيين أعقل من الرجلين اللذين سألت، ولا أفضل منهما. فقال: ويحك إني اختبرت منهما جنونا. قال يحيى: إنهما والله كانا كارهين لما دعوتهما إليه وإنما أرادا التخلص منك. قال: ويحك، أعدهما علي، فطلبا فلم يوجدا. ذكر الاعرابي مع هارون الرشيد قال: وذكروا أن أعرابيا قدم على هارون الرشيد مستجديا، فأراد الدخول عليه، فلم يمكنه ذلك، فلما رأى أنه لم يؤذن له، أتى عبد الله بن الفضل الحاجب، فقال له: توصل كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، وكان الرشيد قد عهد إلى حاجبه أن لا يحبس عنه كتاب أحد قرب أو بعد، فأعطاه الاعرابي كتابا فيه أربعة أسطر. السطر الاول فيه: الضرورة والامل قاداني إليك. والثاني العدم

[ 220 ]

يمنع من الصبر. والثالث: الانقلاب عنك بلا فائدة شماتة الاعداء. والرابع: فإما " نعم " مثمرة ! وإما " لا " مريحة (1). فلما وصل الكتاب إلى الرشيد قال: هذا رجل قد ساقته الحاجة، ووصلت إليه الفاقة، فليدخل، فدخل فقال له الرشيد (2): ارفع حاجتك يا أعرابي. فقال الاعرابي: إن مع الحاجة حويجات. فقال له الرشيد: ارفع حاجتك وحويجاتك تقض كلها. قال الاعرابي: تأمر لي يا أمير المؤمنين بكلب أصيد به، فضحك الرشيد ثم قال له: قد أمرنا لك بكلب تصيد به. فقال: تأمر لي يا أمير المؤمنين بدابة أركبها. فقال الرشيد: قد أمرنا لك بدابة تركبها. فقال: تأمر لي يا أمير المؤمنين بغلام يخدم الدابة. فقال له الرشيد: قد أمرنا لك بغلام. قال الاعرابي: تأمر لي يا أمير المؤمنين بجارية تطبخ لنا الصيد، وتطعمنا منه، فقال الرشيد: قد أمرنا لك بجاريتين، جارية تؤنسك وجارية تخدمك. فقال الاعرابي: لا بد لهؤلاء، من دار يسكنونها فقال له الرشيد: قد أمرنا لك بدار، فقال الاعرابي: يا أمير المؤمنين يصيرون فيها عالة على الناس، وعلي كلالة، لا بد لهم من ضيعة تقيمهم. فقال له الرشيد: قد أقتطعتك مئة جريب (3) عامرة ومئة جريب غامرة (4)، فقال الاعرابي: ما الغامرة يا أمير المؤمنين ؟ قال الرشيد: غير معمورة تأمر بعمارتها. فقال الاعرابي: أنا أقطعتك ألف ألف (5) جريب من أرض أخوالي بني أسد بالحجاز تأمر بعمارتها، فضحك الرشيد وقال: قد أقطعتكها عامرة كلها. ثم قال الرشيد: تمت حويجاتك كلها يا أعرابي ؟ فقال: نعم، وبقيت حاجتي العظمى. فقال له الرشيد: ارفعها تقض. فقال أقبل رأسك (6) يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: هذا لا سبيل إليه. فقال


(1) الخبر في عيون الاخبار 3 / 126 بين بعض الحكماء وبعض ملوك العجم والعقد الفريد 1 / 100. قال في عيون الاخبار: " فلما قرأها وقع على كل سطر زه، فأعطي ستة عشر ألف مثقال فضة " وفي العقد: فلما قرأها وقع تحت كل سطر منها ألف مثقال وأمر له بها. (2) هذا خبر جديد مستقل عن الذي قبله وقد ورد هذا الخبر في العقد الفريد 1 / 263 بين أبي دلامة الشاعر والمهدي. وذكرت الرواية في الاغاني بين أبي دلامة والمنصور، وقيل كانت بينه وبين السفاح (ترجمة أبي دلامة 10 / 236. وفيهما باختلاف السياق عما هنا وانظر عيون الاخبار 3 / 128). (3) في العقد " ألفي جريب " والجريب من الارض ثلاثة آلاف وستمئة ذراع، وقيل: عشرة آلاف ذراع. (4) الغامرة، المغمورة المجهولة. وفي الاغاني: ما لا نبات فيه. (5) في الاغاني: " خمسمئة ألف " وفي العقد. خمسين ألفا. (6) في الاغاني: أقبل يدك. (*)

[ 221 ]

الاعرابي: أتمنعني حقا هو لي، وتدفعني عما بذلت لي يا أمير المؤمنين ! فقال الرشيد: هذا الامر لا يكون يا أعرابي، ولا سبيل إلى مثل هذا. فقال الاعرابي: لا بد من أن أصل إلى حقي، إلا أن أغصبه. فقال له الرشيد: يا أعرابي أشتري منك هذا الحق الذي وجب لك. فقال له الاعرابي: هذا الحق مما لا يشترى، وهل في الارض من المال ما يكون ثمنا لهذا أو عوضا منه ؟ لا والذي نفسي بيده ما في الدنيا صفراء ولا بيضاء يشترى بها هذا. فقال الرشيد: تبيعه ببعض ما تراه من الثمن: فإنه لا يكون ولا يتوصل إليه. فقال له الاعرابي: فإذا قد أبيت فأعطني مما أعطك الله، فأمر له بمئة ألف دينار، فأتي بها إليه. فقال الاعرابي: ما هذه ؟ فقيل له: هذه مئة ألف دينار تأخذها. فقال الاعرابي: هي للغرماء (1) علي، وهم أولى بها مني، فضحك الرشيد، ثم أمر له بمئة ألف أخرى. فقال: ما هذه ؟ فقيل له: مئة ألف ثانية، والاولى للغرماء، وهذه لك. فقال الاعرابي: هذه لضعفاء أهلي، يصلهم بها أمير المؤمنين، فبم أوسع على نفسي ؟ فأمر له الرشيد بمئة ألف ثالثة. فقيل له: هذه مئة ألف ثالثة، توسع بها على نفسك في معيشتك، أرضيت يا أعرابي ؟ فقال نعم رضيت، فرضي الله عنك يا أمير المؤمنين، وابني فضالة يقرأ السلام عليك، ويسألك مئة ألف، يستعين بها في نكاحه، ويتزين بها في دنياه، وإنه قد جمع القرآن وعرف شرائعه وأحكامه، وعلم ناسخه ومنسوخه، وتفنن في ضروب من العلم، وأحكم أنواع الادب، وقد جمع الدواوين والكتب، وتبحر في فهم الحديث والاثر، قد أخذ من كل علم أهذبه ومن كل ضرب أمحضه إلى لب لبيب، وعقل رصين، وعلم ثابت، ونظر عجيب، وفضل ودين، يصوم النهار كله، ويقوم الليل أكثره، وقد صار في كثير من الاهل والعيال، وعدد من البنين والصبيان. فقال الرشيد: أو لست تذكر يا أعرابي أنه يريد الاستعانة على النكاح، والتوسع في المعاش، ثم أراك تصفه بكثرة العيال، وعدد البنين والصبيان ؟ فقال الاعرابي: يا أمير المؤمنين إنه ذو ثلاث نسوة من حرائر النساء، وتسعة من سرائر الاماء، وهو ذو خمسة من الولد من كل حرة، وذو سبع بنات من كل أمة، ويبتغي نكاح الرابعة الحرة استتماما لما أمر الله به في التنزيل المحكم، وأباح في كتابه الناطق، بكلامه الصادق. فقال الرشيد: يا أعرابي لقد سألت كثيرا، فهلا سألت مئة ألف درهم فتعطاها ؟


(1) الغرماء: جمع غريم. المدينين المخاصمين. (*)

[ 222 ]

قال الاعرابي: فأعطه يا أمير المؤمنين تسعين ألف دينار، واحطط عنك عشرة آلاف دينار. فقال الرشيد: والله لقد سألت كثيرا، وحططت قليلا. قال الاعرابي: إنما سألتك يا أمير المؤمنين على قدرك، وحططت على قدري، فاختر ما شئت. فقال الرشيد: يا أعرابي إنما تريد مغالبتي، لا غلبتني اليوم، فأمر له بمئة ألف دينار ذهبا. فقال له أمير المؤمنين: أرضيت يا أعرابي ؟ فقال: ما بقي لي شئ يا أمير المؤمنين إلا الحملان والكسوة، وطرائف الكوفة، وتحف البصرة، وجوائز الضيافة وحقها. فقال الرشيد: وما يصلح لك من الحملان يا أعرابي ؟ فقال: أقصد ما يكون دابة للجمال، وأخرى للحملان وثلاثة للاسترحال، ولابني مثل ذلك، ومن الكسوة ما لا بد منه من ثيات المهنة والاستشعار، وما لا غنى عنه من الوطاء والدثار، مع رائع الثياب التي تكون للجمال والجماعات والاعياد، ولابني وبني ابني مثل ذلك. فدعا الرشيد بجعفر بن يحيى وقال: أرحني من هذا، وأمر له بما سأل من الحملان، وما أراد به من ثياب المهنة والجمال، وأغدق عليه من التحف والطرائف ما ترضيه به، وأخرجه عني، فخرج جعفر فأمر له بما سأل وأعطاه ما أراد. ثم انصرف الاعرابي راجعا إلى الحجاز بأموال عظيمة، لا يوصف أكثرها، ولا يعرف أقلها، وكل هذا يقل عندما عرف من جود الرشيد وسخائه، وجزيل عطائه. قتل جعفر بن يحيى بن برمك قال عمرو بن بحر الجاحظ: حدثني سهل بن هارون، قال (1): والله إن كان سجاعو الخطب، ومحبرو القريض لعيالا على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر بن يحيى، ولو كان كلام يتصور درا، ويحيله المنطق السري جوهرا، لكان كلامهما، والمنتقى من لفظهما، ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد، في بديهته، وتوقيعاته في أسافل كتبه، عيين، وجاهلين أميين، ولقد عبرت (2) معهم، وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم، وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ولم تكن مقصورة إلا عليهم، ولا انقادت إلا لهم، وأنهم محض الانام،


(1) في العقد الفريد 5 / 58 والله إن كانوا سجعوا للخطب، وقرضوا القريض لعيال. (2) في العقد: عمرت. (*)

[ 223 ]

ولباب الكرام، وملح الايام، عتق منظر، وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة لفظ، ونزاهة أنفس (1)، واكتمال خصال، حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم، والمأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم، من لدن آدم أبيهم إلى نفخ الصور، وانبعاث أهل القبور، حاشا أنبياء الله المكرمين، وأهل وحيه المراسلين، لما باهت إلا بهم، ولا عولت في الفخر إلا عليهم، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورفق ميثاقهم (2)، ومعسول مذاقهم، وسني (3) إشراقهم، ونقاوة أعراضهم، وطيب أغراضهم، واكتمال خلال الخير فيهم إلى مل ء الارض مثلهم، في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر، وكالخردلة في المهمه القفر. قال سهل: إني لمحصل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في داخل سرادقه، وهو مع الرشيد بالرقة، وهو يعقدها جملا بكفه، إذ غشيته سآمة، وأخذته سنة، فغلبته عيناه. فقال: ويحك يا سهل، طرق النوم شفري عيني، فأظلمت وأكلت السنة خواطري (4)، فما ذاك ؟ قلت: طيف كريم، إن أقصيته أدركك، وإن غالبته غلبك، وإن قربته روحك، وإن منعته عنتك، وإن طردته طلبك. فنام أقل من فواق بكية (5) أو نزح ركية (6)، ثم انتبه مذعورا، فقال: يا سهل، لامر ما كان، ذهب والله ملكنا، وذل عزنا، وانقطعت أيام دولتنا. فقلت: وما ذاك أصلح الله الوزير. قال: كأن منشدا أنشدني: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر (7) فأجبته عن غير روية ولا إجالة فكر: بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر (8)


(1) في العقد: نفس. (2) في العقد: ورونق سياقهم. (3) في العقد: وبهاء... وتهذيب أغراضهم. (4) في العقد: وحلت السنة جفني. (5) الفواق: بالضم والفتح، ما بين الحلبتين من الوقت. أو ما بين يدك وقبضها على الضرع. والبكيئة (بكية: بعد أن سهلت الهمزة وادغمت الياء بالياء) القليلة اللبن. (6) في العقد: أو نزع من ركية، والركية: البئر. (7) الحجون: جبل بأعلى مكة. (8) البيتان في معجم البلدان (حجون) من أبيات قالها مضاض بن عمرو الجرهمي يتشوق إلى مكة بعد أن أجلتهم عنها خزاعة. (*)

[ 224 ]

فوالله ما زلت أعرفها فيه، وأراها ظاهرة منه إلى الثالث من يومه ذلك، فإني لفي مقعدي ذلك بين يديه، أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه، فقد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا ساعيا إليه، حتى ارتمى مكبا عليه، فرفع رأسه وقال: مهلا ويحك، ما اكتتم خير، ولا استتر سر (1). قال له: قتل أمير المؤمنين الساعة جعفرا. قال: أو فعل ؟ قال: نعم، فما زاد أن رمى بالقلم من يده، وقال: هكذا تقوم الساعة بغتة. قال سهل: فلو انكفأت السماء على الارض ما تبرأ منهم الحميم، أو استبعد عن نسبهم القريب، وجحد ولاءهم المولى، واستعبرت (2) لفقدهم الدنيا، فلا لسان يخطر بذكرهم، ولا طرف ناظر يشير إليهم، وضم يحيى وبقية ولده الفضل، ومحمدا وخالدا بنيه، وعبد الملك ويحيى وخالدا بني جعفر بن يحيى، والعاصي ويزيد (3)، ومعمرا بني الفضل بن يحيى، ويحيى وجعفرا وزيدا، بني محمد بن يحيى، وإبراهيم ومالكا وجعفرا وعمرا بني خالد بن يحيى، ومن لف لفهم، أو هجس بنفسه أمل فيهم. قال سهل: وبعث إلي الرشيد فوالله لقد أعجلت عن النظر، فدخلت ولبست ثياب أحزاني، وأعظم رغبتي إلى الله الاراحة بالسيف، وإلا نعيت كما نعي جعفر (4) فلما دخلت عليه، ومثلت بين يديه، عرف الذعر في تجريض (5) ريقي، والتمايد في طريقي، وشخوصي إلى السيف المشهور ببصري. فقال هارون: إيها يا سهل، من غمط نعمتي، واعتدى (6) وصيتي، وجانب موافقتي أعجلته عقوبتي. فوالله ما وجدت جوابها حتى قال: ليفرخ روعك، وليسكن جأشك، ولتطب نفسك، ولتطمئن حواسك. فإن الحاجة إليك قربت منك، وأبقت عليك بما يبسط منقبضك، ويطلق معقولك، فاقتصر (7) على الاشارة قبل اللسان، فإنه الحاكم الفاصل، والحسام الناصل، وأشار إلى مصرع جعفر وهو يقول:


(1) في العقد: شر. (2) في العقد: ولقد اعتبرت. (3) في العقد: " ومزيدا ". (4) في العقد: وألا يعبث بي عبث جعفر. (5) في العقد: " تجرض " تجرض الريق ذهاب. (6) في العقد: وتعدى. (7) في العقد: فما اقتصر على الاشارة دون اللسان. (*)

[ 225 ]

من لم يؤدبه الجميل * ففي عقوبته صلاحه قال سهل: فوالله ما أعلمني أني عييت بجواب أحد قط غير جواب الرشيد يومئذ، فما عولت في شكره والثناء عليه، إلا على تقبيل يديه، وباطن رجليه. ثم قال لي: اذهب فقد أحللتك محل يحيى بن خالد، ووهبتك ما ضمته أبنيته (1)، وحوى سرادقه، فاقبض الدواوين، وأحص حباءه، وحباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله. قال سهل: فكنت كمن نشر عن كفن وأخرج من حبس، فأحصيت حباءهما فوجدت عشرين ألف ألف دينار ثم قفل إلى بغداد راجعا، وفرق البرد إلى الامصار بقبض أموالهم وغلاتهم، وأمر بجيفة جعفر، فنصبت مفصله على ثلاثة جذوع، رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الفرات (2)، وبعض جسده في جذع آخر في آخر الجسر الاول وأول الجسر الثاني، مما يلي بغداد، قال سهل: فلما دنونا من بغداد، طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر لنا أولا، واستقبلنا وجهه، واستقبلته الشمس، فوالله لخلتها تطلع من بين حاجبيه، وأنا عن يمينه، وعبد الملك بن الفضل عن يساره. فلما نظر إليه الرشيد، كأنه قنئ شعره، وطلي بنور بشره، واربد وجهه، وأغضى بصره. قال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب لم يسعه عفو أمير المؤمنين. فقال الرشيد، واغرورقت عيناه حتى لعرفنا الجهش في صدره: من يرد غير مائه يصدر بمثل دائه، ومن أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته. علي بالنضاحات (3). قال سهل: فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها، وهو يقول: أما والله لئن ذهب أثرك، لقد بقي خبرك ولئن حط قدرك لقد علا ذكرك. قال سهل: وأمر بضم أموالهم، فوجد من العشرين ألفا (4) التي كانت مبلغ حبائهم اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها صكوك مختومة، بتفسيرها وفيمن حبوا بها، فما كان منها حباء على غريبة أو استطراف ملحة تصدق يحيى بها، وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، وساعات أعطياتها، فكان ديوان إنفاق، واكتساب فائدة، وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وست مئة


(1) في العقد: أفنيته. (2) في العقد: " الصراة ". والصراة: نهر بالعراق. (3) النضاحات جمع نضاحة، وهي آلة تسوى من نحاس أو الصفر للنفط وزرقه. (4) في العقد: ألف ألف. (*)

[ 226 ]

ألف (1) وستين ألفا إلى سائر ضياعهم وغلاتهم ودورهم ورباعهم ورياشهم، والدقيق والجليل من مواعينهم، فإنه لا يصف أقله، ولا يعرف أكثره إلا من أحصى الاعمال، وعرف منتهى الآجال. وأبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة المهدي، فوالله ما علمته عاش ولا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدقا عليه، وصار (2) من موجدة الرشيد فيما لم يعلم من ملك قبله على آخر ملكه. وكانت أم جعفر بن يحيى [ وهي ] فاطمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن قحطبة بن شبيب قد أرضعت الرشيد مع جعفر، وكان ربي في حجرها، وغذي برسلها، لان أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لاكرامها، والتبرك برأيها، وكان قد آلى على نفسه، وهو في كفالتها أن لا يحجبها، وأن لا تستشفعه لاحد إلا شفعها، وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها، ولا تشفعت لاحد لغرض دنيا. قال سهل: فكم أسير فكت، ومبهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرجت. قال: واحتجب الرشيد بعد قدومه، فطلبت الاذن عليه من دار البانوقة، ومتت بوسائلها إليه، فلم يأذن لها ولا أمر بشئ فيها، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها، واضعة لثامها، محتفية في مشيتها، حتى صارت بباب قصر الرشيد فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب، فقال ظئر (3) أمير المؤمنين بالباب، في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى حنين الولد وشفقة أم الواحد، فقال له الرشيد: ويحك يا بن الفضل: أو ساعية ؟ فقال: نعم أصلح الله الامير حافية. فقال: أدخلها يا عبد الملك، فرب كبد كريم غذتها، وكربة فرجتها، وعورة سترتها. قال سهل: فوالله ما شككت في شئ قط ما شككت يومئذ في إجابة طلابها وإسعافها بحاجتها. فلما دخلت ونظر إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس، فأكب على تقبيل رأسها ومواضع ثديها (4)، ثم أجلسها معه. فقالت: يا أمير المؤمنين، أيعدو علينا الزمان، ويجفونا خوفا لك الاخوان (5)، يحردك بنا البهتان، ويوسوس لك


(1) في العقد: وستة وسبعين ألفا. (2) في العقد: وما رأوا مثل موجدة الرشيد فيما يعلم... (3) الظئر: العاطفة على غير ولدها المرضعة له من الناس والابل، الذكر والانثى في ذلك سواء. (4) في العقد: ثدييها. (5) في العقد: الاعوان. (*)

[ 227 ]

بأذانا الشيطان، وقد ربيتك وأخذت برضاعي لك الامان من دهري. فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد ؟ قال سهل: فآيسني من رأفته بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني منه في بره بها أولا. قالت له: ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك، ولا أرشحه (1) بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته له، وإشفاقه عليه، وتعرضه للحتف في شأن موسى أخيه. فقال: يا أم الرشيد، قدر سبق، وقضاء حم، وغضب من الله نزل. قالت: يا أمير المؤمنين: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. فقال الرشيد: صدقت، فهذا مما لا يمحوه الله. فقالت: الغيب محجوب عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين ؟ فأطرق الرشيد يسيرا ثم قال: وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع (2) فقال بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين. وقد قيل: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الاعمال (3) هذا بعد قول الله: (والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين) [ آل عمران: 134 ] فأطرق هارون قليلا ثم قال: إذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد * إليه بوجه آخر الدهر تقبل فقالت: يا أمير المؤمنين وهو يقول: ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني * يمينك فانظر إي كف تبدل ؟ قال الرشيد: رضيت. فقالت: يا أمير المؤمنين، فهبه (4) لله تعالى، فقد قال رسول الله صلى عليه وسلم: من ترك شيئا لله لم يوجده الله، فأكب الرشيد مليا، ثم رفع رأسه وهو يقول: لله الامر من قبل ومن بعد. قالت: يا أمير المؤمنين: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) [ الروم: 5 ]. واذكر يا أمير المؤمنين أليتك: ما استشفعت إلا شفعتني.


(1) في العقد: ولا أصفه. (2) البيت لابي ذؤيب. ديوان الهذليين 1 / 3، المفضليات ص 422. (3) البيت للاخطل (ذكره المبرد في الكامل ص 525 للخليل بن أحمد) وهو في ديوانه 1 / 140. طبقات النحويين ص 40. (4) قي العقد: فهبه لي يا أمير المؤمنين. (*)

[ 228 ]

قال: واذكري يا أم الرشيد أليتك: أن لا شفعت لمقترف ذنبا. قال سهل بن هارون: فلما رأته صرح بمنعها، ولاذ من مطلبها، أخرجت له حقا من زمردة (1) خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا ؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب، فأخرجت منه خفضه (2) وذوائبه وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك. فقالت: يا أمير المؤمنين: أستشفع إليك، وأستعين بالله عليك، وبما صار معي من كريم جسدك، وطيب جوارحك، ليحيى عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا. وبكى أهل المجلس، ومر البشير إلى يحيى، وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له، ورجوع عنه. فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق، وقال لها: لحسن ما حفظت الوديعة. قالت: وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين. فسكت، وطبع (3) الحق، ودفعه إليها، وقال: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) [ النساء: 58 ]، قالت: يا أمير المؤمنين وقال عزوجل: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) [ النساء: 58 ]، وقال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) [ النحل: 91 ]، فقال لها: وما ذاك يا أم الرشيد ؟ قالت: ما أقسمت لي به يا أمير المؤمنين، أن لا يحجبك عني حاجب (4). فقال لها: يا أم الرشيد، أحب أن تشتريه محكمة فيه. قالت: أنصفت يا أمير المؤمنين، وقد فعلت غير مستقيلة لك، ولا راجعة عنك. قال: بكم ؟ قالت: برضاك عمن لم يسخطك. قال: يا أم الرشيد، أمالي عليك من الحق مثل الذي لهم ؟ قالت: بلى يا أمير المؤمنين، إنك لاعز علي، وهم أحب إلي، قال: إذا فتحكمي في ثمنه بغيرهم. قالت: بلى وقد وهبتكه وجعلتك في حل منه، وقامت عنه، فبقي الرشيد مبهوتا، ما يحير لفظة. قال سهل: وخرجت عنه فلم تعد إليه، ولا والله إن رأيت عيني لعينها عبرة، ولا سمعت أذني لنعيها أنة. قال سهل: وكان الامين رضيع يحيى بن جعفر، فمت إليه يحيى بن خالد بذلك، فوعده استيهاب أمه إياهم، ثم شغله اللهو عنهم، فكتب إليه يحيى،


(1) في العقد: زبرجدة. (2) في العقد: قميصه. (3) في العقد: وقفل. (4) في العقد: أن لا تحجبني ولا تجبهني. (*)

[ 229 ]

وقيل: إنها لسليمان الاعمى أخي مسلم بن الوليد: يا ملاذي وعصمتي وعمادي * ومجيري من الخطوب الشداد بك قام الرجاء في كل قلب * زاد فيه البلاء كل مزاد إنما أنت نعمة أعقبتها * أنعم نفعها لكل العباد وعد مولاك أتممته (1) فأبهى الد * ر ما زين حسنه بانعقاد ما أظلت سحائب اليأس إلا * خلت (2) في كشفها عليك اعتمادي إن تراخت يداك عني فواقا * أكلتني الايام أكل الجراد وبعث بها إليه، فبعثها الامين إلى أمه زبيدة، فأعطتها الرشيد وهو في موضع لذاته، وفي إقبال من أريحيته، وتهيأت للاستشفاع لهم، وهيأت جواريها ومعنياتها، وأمرتهن بالقيام إليه معها. فلما فرغ الرشيد من قراءتها لم ينقض حبوته حتى وقع في أسفلها: عظيم ذنبك أمات خواطر العفو عنك. ورمى بها إلى زبيدة، فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع عنه. قال: واعتل يحيى، فلما شفي دعا برقعة فكتب في عنوانها: ينفذ أمير المؤمنين أبقاه الله عهد مولاه يحيى بن خالد، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، قد تقدم الخصم لموضع الفصل (3)، وأنت على الاثر، والله الحكم العدل. فلما ثقل قال للسجان: هذا عهدي، توصله إلى أمير المؤمنين، فإنه ولي نعمتي، وأحق من نفذ وصيتي فلما مات أوصل السجان عهد يحيى إلى الرشيد. فلما قرأه استمد، فكتب، ولا أدري لمن الرقعة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أكفيك ؟ قال: كلا، إني أخاف عادة الراحة أن يقوى سلطان العجزة فيحكم الغفلة، ويقضي بالبلادة. قال سهل: فوقع فيه: الحكم الذى رضيت به في الآخرة لك، هو أعدى الخصوم عليك في الدنيا، وهو من لا ينقض حكمه، ولا يرد قضاؤه (4)، ثم رمى الكتاب إلي، فلما رأيته علمت أنه ليحيى، وأن الرشيد أراد أن يؤثر الجواب عنه.


(1) في العقد: أتممنه. (2) في العقد: كان. (3) في العقد 5 / 69 إلى موقف الفصل. (4) ذكر اليعقوبي في تاريخه 2 / 423 أن يحيى كتب إلى الرشيد يستعطفه.. فوقع على ظهر رقعته: إنما مثلك يا يحيى ما قال الله عز وجل: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون). (*)

[ 230 ]

قال سهل: قلت لبعض من أثق بوفائه، وأعتقد صدق إخائه من خصيان القصر المتقدمين عند أمير المؤمنين، والمتمكنين من كل ما يكون لديه. ما الذي نعى جعفر بن يحيى وذويه عند أمير المؤمنين، وما كان من ذنبه الذي لم يسعه عفوه، ولم يأت عليه رضاه ؟ فقال: لم يكن له جرم، ولا لديه ذنب، كان والله جعفر على ما عرفته عليه، وفهمته عنه من اكتمال خصال الخير، ونزاهة النفس من كل مكروه ومحذور، إلا أن القضاء السابق، والقدر النافذ لا بد منه. كان من أكرم الخلق على أمير المؤمنين، وأقربهم منه، وكان أعظمهم قدرا وأوجبهم حقا فلما علم ذلك من حسن رأي أمير المؤمنين فيه وشديد محبته له، استأذنته أخته، فاختة بنت المهدي وشقيقته في إتحاف جعفر ومهاداته، فأذن لها، وكانت قد استعدت له بالجواري الرائعات، والقينات الفاتنات، فتهدي له كل جمعة بكرا يفتضها، إلى ما يصنع له من ألوان الطعام والشراب والفاكهة، وأنواع الكسوة والطيب، كل ذلك بمعرفة أمير المؤمنين ورأيه، فاستمرت بذلك زمانا، ومضت به أعواما. فلما كانت جمعة من الجمع، دخل جعفر القصر الذي استعدت به، ولم يرع جعفر إلا بفاختة ابنة المهدي في القصر، كأنها جارية من الجواري اللاتي كن يهدين له، فأصاب منها لذته، وقضى منها حاجته، ولا علم له بذلك. فلما كان المساء، وهم بالانصراف، أعلمته بنفسها، وعرفته بأمرها، وأطلعته على شديد هواها، وإفراط محبتها له، فازداد بها كلفا، وبها حبا، ثم استعفاها من المعاودة إلى ذلك. وانقبض عما كان يناله من جواريها، واعتذر بالعلة والمرض، فأعلم جعفر أباه يحيى. فقال له: يا بني أعلم أمير المؤمنين ما كان معجلا، وإلا فأذن لي فأعلمه، فإني أخاف علينا يوم سوء إن تأخر هذا، وبلغه من غيرنا، وإعلامك له في هذا الوقت يسقط عنا ذلك الذنب، فهي أحق بالعقوبة منك قال جعفر: لا والله لا أعلمته به أبدا، فالموت علي أيسر منه، وأرجو الله أن لا يطلعه عليه، فقال له يحيى: لا تظن هذا يخفى عليه، فأطعني اليوم وأعلمه. فقال جعفر: والله لا أفعل هذا أبدا ولا أتكلم به، وبالله أستعين، فلم يرع الرشيد إلا أن رفعت إليه جارية من جواريها رقعة، وأعلمت ذلك فيها فاستحق ذلك عند الرشيد باستعفاء جعفر لما كان من إتحافها، واعتذاره بالعلة من غير مرض ينهكه، فغفل عنه الرشيد، ولم ير لذلك جفوة، ولا زاد له إلا كرامة، ولا لديه إلا حرمة ورفعة، حتى قرب وقت الهلاك، ودنا

[ 231 ]

منقلب الحتف، والله أعلم (1). قد تم بعون الله تعالى ما به ابتدأنا، وكمل وصف ما قصصنا، من أيام خلفائنا وخير أئمتنا، وفتن زمانهم، وحروب أيامهم، وانتهينا إلى أيام الرشيد، ووقفنا عند انقضاء دولته، إذ لم يكن في اقتصاص أخبار من بعده، ونقل حديث ما دار على أيديهم، وما كان في زمانهم كبير منفعة، ولا عظيم فائدة، وذلك لما انقضى أمرهم، وصار ملكهم إلى صبية أغمار (2)، غلب عليهم زنادقة العراق، فصفوهم إلى كل جنون، وأدخلوهم إلى الكفر، فلم يكن لهم بالعلماء والسنن حاجة، واشتغلوا بلهوهم، واستغنوا برأيهم. وكان الرشيد مع عظم ملكه، وقدر شأنه، معظما للخير وأهله، محبا لله ورسوله، ولما دخلت عليه سنة تسعين ومئة أخذته الحمى (3) التي أخبر بها جده أبو جعفر المنصور، وهو في المهد صغيرا، فعرف أنه قد دنا أجله، وحان هلاكه، فاجتمع إليه أطباء العراق يعالجونه، ثم استعان بأطباء الروم والهند، واستجلبهم من الآفاق، فلم يزالوا يداوونه حتى مضت له ثلاثة أعوام، وما أقلعت عنه، ولم يزده العلاج إلا شدة. فلما دخلت


(1) كذا بالاصل، فاختة بنت المهدي، والمصادر تذكر العباسة أخت الرشيد بنت المهدي. وفي وفيات الاعيان أن يحيى بن خالد ضيق على عيال الرشيد في النفقة حتى شكت زبيدة إلى الرشيد ثم أفشت له سر العباسة فاستشاط غضبا. قال ابن كثير: ومن العلماء من ينكر ذلك (يعني أن سبب قتلهم هو ما ذكر عن قصة العباسة) وإن كان ابن جرير قد ذكره. والناس في سبب إيقاع الرشيد بالبرامكة مختلفون اختلافا كبيرا، وقد تناول المؤرخون كثيرا منها ولم يرجحوا أي منها، فكل من الاسباب جدير بالاهتمام. يرى بعضهم أن نكبتهم تعود إلى حوادث ليست فجائية وإنما هي أمور تتابعت، وأسباب متراكمة. وقد لعب أخصام البرامكة دورا هاما وقد استخدموا البطانة والشعراء والمغنين ليلعبوا على أعصاب الرشيد حتى استطاعوا، كما ذكر ابن خلدون في مقدمته: استثارة حفائظه لهم. ولعل السبب الاقوى ما رواه الفخري ص 190 أن الرشيد قال: " استبد يحيى بالامور دوني، فالخلافة على الحقيقة له، وليس لي منها إلا الاسم ". وقد أنشده بعضهم ما يثير الحقد في نفسه ويغذي عامل المنافسة عنده: ليت هندا أنجزتنا ما تعد * وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد انظر الطبري وابن الاثير وابن كثير (حوادث سنة 187) وانظر مروج الذهب 3 / 451 وما بعدها وتاريخ اليعقوبي 2 / 422. (2) الاغمار جمع غمر الشاب قليل التجربة، قليل الحنكة السياسية ونحوها. (3) في علته التي مات بها قيل: كان مرضه بالدم، وقيل بالسل. (البداية والنهاية 10 / 240). (*)

[ 232 ]

سنة أربع (1) وتسعين ومئة أثرت به، وأنهكت بدنه، واشتد ألمه، وتمادى به وجعه، فذكر البيعة لابنه المأمون. فلما سمعت بذلك زبيدة، وكان ابنها منه محمد الامين، هجرته وتغاضت عنه، وأكربها ذلك وغمها، حتى ظهر ذلك عليها، وبدا أثر الغم في وجهها، ودخلت عليه تعاتبه في ذلك أشد المعاتبة، وتؤاخذه أعنف المؤاخذة. فقال لها الرشيد: ويحك ! إنما هي أمة محمد، ورعاية من استرعاني الله تعالى مطوقا بعنقي وقد عرفت ما بين ابني وابنك، ليس ابنك يا زبيدة أهلا للخلافة، ولا يصلح للرعاية. قالت: ابني والله خير من ابنك، وأصلح لما تريد، ليس بكبير سفيه، ولا صغير فهيه، وأسخى من ابنك نفسا، وأشجع قلبا. فقال هارون: ويحك ! إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين الابوين، فاتقي الله، فوالله إن ابنك لاحب إلي، إلا أن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلا، ولها مستحقا، ونحن مسؤولون عن هذا الخلق، ومأخوذون بهذا الانام، فما أغنانا أن نلقى الله بوزرهم، وننقلب إليه بإثمها، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك، فقعدت معه على الفراش، فدعا ابنه عبد الله المأمون، فلما صار بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة، فأذن له بالجلوس فجلس، وأمر له فتكلم، فحمد الله على ما من به عليه من رؤية أبيه، ورغب إليه في تعجيل الفرج مما به، ثم استأذن في الدنو من أبيه، فدنا منه، وجعل يلثم أسافل قدميه ويقبل باطن راحتيه، ثم انثنى ساعيا إلى زبيدة، فأقبل على تقبيل رأسها، ومواضع ثدييها، ثم انحنى إلى قدميها، ثم رجع إلى مجلسه. فقال الرشيد: يا بني إني أريد أن أعهد إليك عهد الامامة، وأقعدك مقعد الخلافة، فإني قد رأيتك لها أهلا وبها حقيقا، فاستعبر عبد الله المأمون باكيا، وصاح منتحبا يسأل الله العافية من ذلك، ويرغب إليه أن لا يريه فقد أبيه. فقال له: يا بني إني أراني لما بي وأنت أحق، وسلم الامر لله، وارض به، واسأله العون عليه، فلا بد من عهد يكون في يومي هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخي أحق مني وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الامر مني، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسي السلام، وذهل عن


(1) كذا بالاصل، انظر بعد أسطر ما سنلاحظه في وقت وفاته. (*)

[ 233 ]

الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإني أريد أن أعهد إليك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الامين بعده (1). فلما كان سنة خمس وتسعين مئة (2)، توفي الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون خارج عن العراق (3)، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ (4) بمحمد الامين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الاموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك المأمون، فإنك أحق بهذا الامر منه (5)، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من بغداد (6)، ومعه


(1) كذا بالاصل، وهو تحريف ظاهر. وثمة اتفاق بين المؤرخين على أن الرشيد بايع لعبد الله المأمون بعد أخيه محمد الامين، ثم بايع لابنه القاسم بولاية عهد المأمون. كان الرشيد يرى بالمأمون رجل الدولة الرصين، وقد قال فيه: ان فيه لحزم المنصور وشجاعة المنصور. وكان يقول في الامين: إن وليت محمدا مع ركوبه هواه وانهماكه في اللهو واللذات خلط على الرعية، وضيع الامر، حتى يطمع فيه الاقاصي من أهل البغي والمعاصي. وبعد مداولات بين الرشيد ومستشاريه وقواده وتدخل زبيدة الفاعل بايع محمدا بولاية عهده وتصيير عبد الله من بعده. وفي سنة 186 حج الرشيد، ولما وصل إلى مكة ومعه أولاده والفقهاء والقضاة والقواد كتب كتابا أشهد فيه على محمد الامين بالوفاء للمأمون، وكتب كتابا للمأمون عليه الوفاء للامين، وعلق الكتابين في الكعبة، وجدد العهود عليهما في الكعبة (نسخة الكتابين في الطبري 10 / 73 واليعقوبي 2 / 416. وانظر مروج الذهب 3 / 432 الاخبار الطوال ص 389 - 390 ابن الاثير 4 / 63 - 64). (2) ثمة إجماع في مصادر ترجمته على وفاته سنة 193. قال خليفة في تاريخه ص 460 مات بطوس من أرض خراسان ليلة السبت غرة جمادى الآخرة سنة 193 وهو ابن أربع وسبعين سنة. وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*) وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الامين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي مات فيه الرشيد. (3) كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. (4) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. (5) كذا بالاصل. (6) كذا بالاصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو -. وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الاخوين الامين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يومذاك أنه قد ألقى بينهما شرا وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: (*)

[ 234 ]

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الامين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الامين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل (1) والله تعالى أعلم. [ انتهى الجزء الثاني من كتاب الامامة والسياسة ]


= وبيعة قد نكثث أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الامين بخلع المأمون من ولاية عهده. وكانت بينهما حروب (انظر الطبري - وابن الاثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والاخبار الطوال ص 394 - 395). انتهت بقتل الامين. (1) وكان ذلك ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه‍. (مروج الذهب 3 / 501). (*)