الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




سيرة النبي (ص) - ابن هشام الحميري ج 4ي

سيرة النبي (ص)

ابن هشام الحميري ج 4


[ 849 ]

سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ألفها أبو عبد الله بن إسحاق بن يسار المطلبى المتوفى في سنة 151 من الهجرة وهذبها أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب، الحميرى المتوفى في سنة 218 من الهجرة حق أصلها، وضبط غرائبها، وعلق عليها محمد محيى الدين عبد الحميد عفا الله تعالى عنه وجميع حق إعادة الطبع محفوظ له الجزء الرابع يطلب من ناشره مكتبة محمد على صبيح وأولاده، بميدان الازهر بمصر

[ 850 ]

الطبعة الاولى 1383 ه‍ - 1963 م مطبعة المدنى 68 شارع العباسية - القاهرة

[ 851 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى مكة، وذكر فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا. ثم إن بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له: الوتير، وكان الذى هاج ما بين بنى بكر وخزاعة أن رجلا من بنى الحضرمي، واسمه مالك بن عباد - وحلف الحضرمي يومئذ إلى الاسود بن رزن - خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة، عدوا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الاسلام على بنى الاسود بن رزن الديلى - وهم منخر بنى كنانة وأشرافهم - سلمى وكلثوم وذؤيب، فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من بنى الديل، قال: كان بنو الاسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين، ونودى دية دية، لفضلهم فينا. قال ابن إسحاق: فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الاسلام، وتشاغل الناس به. فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط لهم، - كما حدثنى الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وغيرهم من علمائنا - أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم

[ 852 ]

فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده. قال ابن إسحاق: فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل من بنى بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأرا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببنى الاسود بن رزن، فخرج نوفل بن معاوية الديلى في بنى الديل، وهو يومئذ قائدهم، وليس كل بنى بكر تابعة، حتى بيت خزاعة وهم على الوتير، ماء لهم، فأصابوا منهم رجلا، وتجاوزوا واقتتلوا، ورفدت بنى بكر قريش بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل متخفيا، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال: كملة عظيمة، لا إله له اليوم، يا بنى بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه، وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلا يقال له منبه، وكان منبه رجلا مفئودا خرج هو ورجل من قومه يقال له تميم بن أسد، وقال له منبه: يا تميم، انج بنفسك، فأما فو الله إنى لميت، قتلوني أو تركوني، لقد انبت فؤادى، وانطلق تميم فأفلت، وأدركوا منبها فقتلوه، فلما دخلت خزاعة مكة، لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له رافع، فقال تميم بن أسد يعتذر من فراره عن منبه: لما رأيت بنى نفاثة أقبلوا * يغشون كل وتيرة وحجاب صخرا ورزنا، لا عريب سواهم، * يزجون كل مقلص خناب وذكرت دخلا عندنا متقادما * فيما مضى من سالف الاحقاب ونشيت ريح الموت من تلقائهم * ورهبت وقع مهند قضاب وعرفت أن من يثقفوه يتركوا * لحما لمجرية وشلو غراب قومت رجلا لا أخاف عثارها * وطرحت بالمتن العراء ثيابي

[ 853 ]

ونجوت لا ينجو نجائى أحقب * علج أقب مشمر الاقراب تلخى ؟ ولو شهدت لكان نكيرها * بولا يبل مشافر القبقاب القوم أعلم ما تركت منبها * عن طيب نفس فاسألى أصحابي قال ابن هشام: وتروى لحبيب بن عبد الله [ الاعلم ] الهذلى. وبيته: " وذكرت ذحلا عندنا متقادما " عن أبى عبيدة، وقوله " خناب " و " علج أقب مشمر الاقراب " عنه أيضا. قال ابن إسحاق: وقال الاخزر بن لعط الديلى، فيما كان بين كنانة وخزاعة في تلك الحرب: ألا هل أتى قصوى الاحابيش أننا * رددنا بنى كعب بأفوق ناصل حبسناهم في دارة العبد رافع * وعند بديل محبسا غير طائل بدار الذليل الآخذ الضيم بعدما * شفينا النفوس منهم بالمناصل حبسناهم حتى إذا طال يومهم * نفحنا لهم من كل شعب بوابل نذبحهم ذبح التيوس كأننا * أسود تبارى فيهم بالقواصل هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم * وكانوا لدى الانصاب أول قاتل كأنهم بالجزع إذ يطردونهم * بفاثور حفان النعام الجوافل فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الاجب، وكان يقال له: بديل بن أم أصرم، فقال: تفاقد قوم يفخرون، ولم ندع * لهم سيدا يندوهم غير نافل أمن خيفة القوم الالى تزدريهم * تجيز الوتير خائفا غير آئل وفى كل يوم نحن نحبو حباءنا، لعقل، ولا يحبى لنا في المعاقل ونحن صبحنا بالتلاعة داركم * بأسيافنا يسبقن لوم العوذال

[ 854 ]

ونحن منعنا بين بيض وعتود * إلى خيف رضوى من مجر القنابل ويوم الغميم قد تكفت ساعيا * عبيس فجعناه بجلد حلاحل أأن أجمرت في بيتها أم بعضكم * بجعموسها تنزون أن لم نقاتل كذبتم وبيت الله ما إن قتلتم * ولكن تركنا أمركم في بلابل قال ابن هشام: قوله " غير نافل "، وقوله " إلى خيف رضوى " عن غير ابن إسحاق. قال ابن هشام: وقال حسان بن ثابت في ذلك: لحا الله قوما لم ندع من سراتهم * لهم أحدا يندوهم غير ناقب أخصيى حمار مات بالامس نوفلا * متى كنت مفلاحا عدو الحقائب قال ابن إسحاق: فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة، وكانوا في عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعى، ثم أحد بنى كعب، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهرانى الناس، فقال: يا رب إنى ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الا تلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا * إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجرى مزبدا * إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا * وجعلوا لى في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعوا أحدا * وهم أذل وأقل عددا

[ 855 ]

هم بيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا سجدا [ يقول: قتلنا وقد أسلمنا ]. قال ابن هشام: ويروى أيضا: فانصر هداك الله نصرا أيدا قال ابن هشام: ويروى أيضا: نحن ولدناك فكنت ولدا قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم. ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب. ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد قال رسول الله صلى عليه وسلم للناس: كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة. ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليشد العقد، ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذى صنعوا. فلما لقى أبو سفيان بديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: تسيرت في خزاعة في هذا الساحل، وفى بطن هذا الوادي، قال: أو ما جئت محمدا ؟ قال: لا، فلما راح بديل إلى مكة، قال أبو سفيان: لئن [ كان ] جاء بديل المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففته، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة،

[ 856 ]

فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبى سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى ؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الطخاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على على بن أبى طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنها، وعندها حسن بن على، غلام يدب بين يديها، فقال: يا على، إنك أمس القوم بى رحما، وإنى قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لى إلى رسول الله، فقال: ويحك يا أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنة محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت: والله ما بلغ بنى ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا أبا الحسن، إنى أرى الامور قد اشتدت على، فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئا يغنى عنك شيئا، ولكنك سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا ؟ قال: لا والله، ما أظنه، ولكني لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إنى قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق، فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك ؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فو الله لم يرد على شيئا، ثم جئت ابن أبى قحافة،

[ 857 ]

فلم أجد فيه خيرا ثم جئت ابن الخطاب، فوجدته أدنى العدو. قال ابن هشام: أعدى العدو. وقال ابن إسحاق: ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار على بشئ صنعته، فو الله ما أدرى هل يغنى ذلك شيئا أم لا ؟ قالوا: وبم أمرك ؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد ؟ قال: لا، قالوا: ويلك ! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغنى عنك ما قلت. قال: لا والله، ما وجدت غير ذلك. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضى الله عنها، وهى تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بنية، أأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه ؟ قالت: نعم، فتجهز، قال: فأين ترينه يريد ؟ قالت: [ لا ] والله ما أدرى. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس. فقال حسان بن ثابت يحرض الناس، ويذكر مصاب رجال خزاعة: عناني، ولم أشهد ببطحاء مكة * رجال بنى كعب تحز رقابها بأيدى رجال لم يسلوا سيوفهم * وقتلى كثير لم تجن ثيابها ألا ليت شعرى هل تنالن نصرتي * سهيل بن عمرو وخزها وعقابها (1) وصفوان عود حز من شعر استه * فهذا أوان الحرب شد عصابها فلا تأمننا يابن أم مجالد * إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها ولا تجزعوا منا فإن سيوفنا * لها وقعة بالموت يفتح بابها قال ابن هشام: قول حسان: " بأيدى رجال لم يسلوا سيوفهم " يعنى قريشا، " وابن أم مجالد " يعنى عكرمة بن أبى جهل.


(1) في ا " حرها وعقابها ". (*)

[ 858 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الامر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لى غيره أنها سارة، مولاة لبعض بنى عبد المطلب، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام رضى الله عنهما، فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبى بلتعة بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم. فخرجا حتى أدركاها بالخليقة، خليقة بنى أبى أحمد، فاستنزلاها، فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئا، فقال لها على بن أبى طالب: إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك، فما رأت الجد منه قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، فقال له: يا حاطب، ما حملك على هذا ؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إنى لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لى في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلا ضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدرك يا عمر، لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. فأنزل الله تعالى في حاطب: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم

[ 859 ]

بالمودة)... إلى قوله: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده - 1 إلى 4 من سورة الممتحنة)... إلى آخر القصة. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أبارهم، كلثوم بن حصين ابن عتبة بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، بين عسفان وأمج أفطر. قال ابن إسحاق: ثم مضى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم، وبعضهم يقول: ألفت سليم، وألفت مزينة. وفى كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والانصار، فلم يتخلف عنه منهم أحد، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقد عميت الاخبار عن قريش، فلم يأتهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدرون ما هو فاعل. وخرج في تلك الليالى أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الاخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق. قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض، فيما ذكر ابن شهاب الزهري.

[ 860 ]

قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بنيق العقاب، فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك ؟، قال: لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى، وأما ابن عمتى وصهري فهو الذى قال لى بمكة ما قال. قال: فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبى سفيان بنى له، فقال: والله ليأذنن لى أو لآخذن بيدى بنى هذا، ثم لنذهبن في الارض حتى نموت عطشا وجوعا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما، ثم أذن لهما، فدخلا عليه، فأسلما. وأنشد أبو سفيان بن الحارث قوله في إسلامه، واعتذر إليه مما كان مضى منه، فقال: لعمرك إنى يوم أحمل راية * لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدى واهتدى هداني هاد غير نفسي ونالني * مع الله من طردت كل مطرد أصد وأنأى جاهدا عن محمد * وأدعى - وإن لم أنتسب - من محمد هم ما هم من لم يقل بهواهم * - وإن كان ذا رأى - يلم ويفند أريد لارضيهم ولست بلائط * مع القوم ما لم أهد في كل مقعد فقل لثقيف، لا أريد قتالها * وقل لثقيف تلك: غيرى أو عدى فما كنت في الجيش الذى نال عامرا * وما كان عن جرا لساني ولايدى قبائل جاءت من بلاد بعيدة * نزائع جاءت من سهام وسردد قال ابن هشام: ويروى " ودلني على الحق من طردت كل مطرد ". قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 861 ]

قوله: " ونالني مع الله من طردت كل مطرد " ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: أنت طردتني كل مطرد ؟ فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، قال العباس بن عبد المطلب. فقلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها. قال: حتى جئت الاراك، فقلت: لعلى أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. قال: فو الله إنى لاسير عليها، وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل ؟ قال: قلت: نعم، قال: مالك ؟ فداك أبى وأمى، قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة ؟ فداك أبى وأمى، قال: قلت: ولئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، قال: فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا ؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها، قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ على بغلته ] حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال: من هذا ؟ وقام إلى، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال: أبو سفيان عدو الله !

[ 862 ]

الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطئ. قال: فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال: يارسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولاعهد، فدعني فلاضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله، إنى قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه، قال: قلت: مهلا يا عمر، فو الله أن لو كان من رجال بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بنى عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس، فو الله لاسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بى إلا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب [ لو أسلم ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، قال: فذهبت به إلى رحلى، فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ قال: بأبى أنت وأمى، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد، قال: ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله ؟ قال: بأبى أنت وأمى، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا، فقال له العباس: ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق، فأسلم، قال العباس: قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما ذهب لينصرف

[ 863 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها. قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه. قال: ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس، من هذه ؟ فأقول: سليم، فيقول: مالى ولسليم، ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس، من هؤلاء ؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالى ولمزينة، حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا يسألنى عنها، فإذا أخبرته بهم، قال: مالى ولبنى فلان، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء. قال ابن هشام: وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها. قال الحارث بن حلزة اليشكرى: ثم حجرا أعنى ابن أم قطام * وله فارسية خضراء يعنى الكتيبة، وهذا البيت في قصيدة له، وقال حسان بن ثابت الانصاري: لما رأى بدرا تسيل جلاهه * بكتيبة خضراء من بلخزرج وهذا البيت في أبيات له قد كتبناها في أشعار يوم بدر. قال ابن إسحاق: فيها المهاجرون والانصار، رضى الله عنهم، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله ! يا عباس، من هؤلاء ؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والانصار، قال: ما لاحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال: قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قال: قلت: النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشار به، فقالت اقتلوا الحميت

[ 864 ]

الدسم الاحمس، قبح من طليعة قوم ! قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله ! وما تغنى عنا دارك، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذى طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل (1). قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبى بكر، قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية، اظهري بى على أبى قبيس، قالت: وقد كف بصره، قالت: فأشرفت به عليه، فقال: أي بنية، ماذا ترين ؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدى ذلك [ السواد ] مقبلا ومدبرا، قال: أي بنية، ذلك الوازع، يعنى الذى يأمر الخيل ويتقدم إليها، ثم قالت: قدوالله انتشر السواد، قالت: فقال: قد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعي بى إلى بيتى، فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، قالت: وفى عنق الجارية طوق من ورق، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها، قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟ قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى إليه أنت، قال: [ قالت ] فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم، فأسلم، قالت: فدخل به أبو بكر وكأن رأسه ثغامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا من شعره،


(1) في ا " وسط الرحل ". (*)

[ 865 ]

ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته، وقال: أنشد الله والاسلام طوق أختى، فلم يجبه أحد، قالت: فقال: أي أخية، احتسبي طوقك، فو الله إن الامانة في الناس اليوم لقليل. قال ابن اسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين فرق جيشه من ذى طوى - أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء. قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا، قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين - قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب - فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب: أدركه، فخذ الراية منه فكن أنت الذى تدخل بها. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى عبد الله بن أبى نجيح في حديثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط، أسفل مكة، في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر، حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هنالك قبته. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح وعبد الله بن أبى بكر: أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وقد كان حماس بن قيس بن خالد، أخو بنى بكر، يعد

[ 866 ]

سلاحا قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى ؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شئ، قال: والله إنى لارجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لى عله * هذا سلاح كامل وأله وذو غرارين سريع السله ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل وعكرمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد، ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر، أحد بنى محارب بن فهر، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم، حليف بنى منقذ، وكانا في خيل خالد بن الوليد فشذا عنه فسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا، قتل خنيس بن خالد قبل كرز بن جابر، فجعله كرزبن جابر بين رجليه، ثم قاتل عنه حتى قتل، وهو يرتجز ويقول: قد علمت صفراء من بنى فهر * نقية الوجه نقية الصدر لاضربن اليوم عن أبى صخر قال ابن هشام: وكان خنيس يكنى أبا صخر، قال ابن هشام: خنيس بن خالد، من خزاعة. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى نجيح وعبد الله بن بكر، قالا: وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء، من خيل خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا، فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقى على بابى، قالت: فأين ما كنت تقول ؟ فقال إنك لو شهدت يوم الخندمه * إذ فر صفوان وفر عكرمه وابو يزيد قائم كالموتمه * واستقبلتهم بالسيوف المسلمه

[ 867 ]

يقطعن كل ساعد وجمجمه * ضربا فلا يسمع إلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر قوله " كالموتمه (1) "، وتروى للرعاش الهذلى. وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وحنين والطائف، شعار المهاجرين: يا بنى عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بنى عبد الله، وشعار الاوس: يا بنى عبيدالله. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين - حين أمرهم أن يدخلوا مكة - أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله ابن سعد، أخو بنى عامر بن لؤى. وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لانه كان قد أسلم، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى، فارتد مشركا راجعا إلى قريش، ففر إلى عثمان بن عفان، وكان أخاه للرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة، فاستأمن له، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلا، ثم قال: نعم، فلما انصرف عنه عثمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله من أصحابه: لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الانصار فهلا أو مأت إلى يا رسول الله ؟ قال: إن النبي لا يقتل بالاشارة. قال ابن هشام: ثم أسلم بعد، فولاه عمر بن الخطاب بعض أعماله، ثم ولاه عثمان بن عفان بعد عمر.


(1) أيتمت المرأة فهى مؤتم، قتل زوجها فبقى أولادها أيتاما. (*)

[ 868 ]

قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل، رجل من بنى تيم بن غالب، وإنما أمر بقتله أنه كان مسلما، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من الانصار، وكان معه مولى له يخدمه، وكان مسلما، فنزل منزلا، وأمر المولى أن يذبح له تيسا، فيصنع له طعاما، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا. وكانت له قينتان: فرتنى وصاحبتها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهما معه. والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى، وكان ممن يؤذيه بمكة. قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة وأم كلثوم، ابنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد بهما المدينة، فنخس بهما الحويرث بن نقيد، فرمى بهما إلى الارض. قال ابن إسحاق: ومقيس بن صبابة، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، لقتل الانصاري الذى قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مشركا. وسارة، مولاة لبعض بنى عبد المطلب، وعكرمة بن أبى جهل، وكانت سارة ممن يؤذيه بمكة، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنه، فخرجت في طلبه إلى اليمن، حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وأما عبد الله بن خطل، فقتله سعيد بن حريث المخزومى وأبو برزة الاسلمي، اشتركا في دمه، وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله، رجل من قومه، فقلت أخت مقيس في قتله. لعمري لقد أخزى نميلة رهطه * وفجع أضياف الشتاء بمقيس فلله عينا من رأى مثل مقيس * إذا النفساء أصبحت لم تخرس

[ 869 ]

وأما قينتاابن خطل فقتلت إحداهما، وهربت الاخرى، حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، فأمنها، وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها، ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا في زمن عمر بن الخطاب بالابطح فقتلها. وأما الحويرث بن نقيذ فقتله على بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبى هند، عن أبى مرة، مولى عقيل ابن أبى طالب، أن أم هانئ بنت أبى طالب قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فر إلى رجلان من أحمائي، من بنى مخزوم، وكانت عند هبيرة بن أبى وهب المخزومى، قالت: فدخل على على بن أبى طالب أخى، فقال: والله لافتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتى، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لاثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثمانى ركعات من الضحى، ثم انصرف إلى، فقال: مرحبا وأهلا يا أم هانئ، ما جاء بك ؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر على، فقال: قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما. قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام، وزهير بن أبى أمية بن المغيرة. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبى ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد.

[ 870 ]

قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة، فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة: مئة من الابل، أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يا أيها الناس إنا خلقنا كم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم - 13 من سورة الحجرات)... الآية كلها. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم ؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وإبن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ". ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه على بن أبى طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة ؟ فدعى له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء. قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلى: إنما أعطيكم ما ترزءون لا ما ترزءون. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مصورا في يده الازلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالازلام، ما شأن إبراهيم والازلام ! (ماكان إبراهيم يهوديا

[ 871 ]

ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين - 67 من سورة آل عمران). ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. قال ابن هشام: وحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة ومعه بلال، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلف بلال، فدخل عبد الله ابن عمر على بلال، فسأله: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولم يسأله كم صلى، فكان ابن عمر إذا دخل البيت مشى قبل وجهه، وجعل الباب قبل ظهره، حتى يكون بينه وبين الجدار قدر ثلاث أذرع، ثم يصلى، يتوخى بذلك الموضع الذى قال له بلال. قال ابن هشام: وحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لاخبرت عنى هذه الحصى، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد علمت الذى قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول أخبرك. قال ابن إسحاق: حدثنى سعيد بن أبى سندر الاسلمي، عن رجل من قومه، قال: كان معنا رجل يقال له أحمر بأسا، وكان رجلا شجاعا، وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفى مكانه، فكان إذا بات في حيه بات معتنزا، فإذا بيت الحى، صرخوا يا أحمر، فيثور مثل الاسد، لا يقوم لسبيله شئ. فأقبل غزى من هذيل يريدون حاضره، حتى إذا دنوا من الحاضر، قال ابن الاثوع الهذلى: لا تعجلوا على حتى أنظر، فإن كان في الحاضر أحمر فلا سبيل

[ 872 ]

إليهم، فإن له غطيطا لا يخفى، قال: فاستمع، فلما سمع غطيطه مشى إليه حتى وضع السيف في صدره، ثم تحامل عليه حتى قتله، ثم أغاروا على الحاضر، فصرخوا يا أحمر، ولا أحمر لهم، فلما كان عام الفتح، وكان الغد من يوم الفتح، أتى ابن الاثوع الهذلى حتى دخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس، وهو على شركه، فرأته خزاعة، فعرفوه، فأحاطوا به وهو إلى جنب جدار من جدر مكة، يقولون: أأنت قاتل أحمر ؟ قال: نعم، أنا قاتل أحمر فمه ؟ قال: إذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف، فقال: هكذا (1) عن الرجل، ووالله ما نظن إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه. فلما انفرجنا عنه حمل عليه، فطعنه بالسيف في بطنه، فو الله لكأنى أنظر إليه وحشوته (2) تسيل من بطنه، وإن عينيه لترنقان في رأسه، وهو يقول: أقد فعلتموها يا معشر خزاعة ؟ حتى انجعف فوقع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لادينه. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الاسلمي، عن سعيد بن المسيب، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية، قال: إن خراشا لقتال، يعيبه بذلك. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن أبى شريح الخزاعى، قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير، جئته، فقلت له: يا هذا، إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين افتتح مكه، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا، فقال: يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض، فهى حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك فيها


(1) هكذا: أي انصرفوا وتباعدوا (2) حشوته: ما في جوفه. (*)

[ 873 ]

دما، ولا يعضد فيها شجرا، ولم تحلل لاحد كان قبلى، ولا تحل لاحد يكون بعدى، ولم تحلل لى إلا هذه الساعة، غضبا على أهلها. ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالامس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله [ قد ] قاتل فيها، فقالوا: إن الله قد أحلها لرسوله، ولم يحللها لكم، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لادينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله. ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذى قتلته خزاعة، فقال عمرو لابي شريح: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية، فقال أبو شريح: إنى كنت شاهدا وكنت غائبا، ولقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك. قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جنيدب بن الاكوع، قتلته بنو كعب، فوداه بمئة ناقة. قال ابن هشام: وبلغني عن يحيى بن سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها، قام على الصفا يدعو [ الله ]، وقد أحدقت به الانصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها ؟ فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم ؟ قالوا: لا شئ يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معاذ الله ! المحيا محيا كم، والممات مماتكم. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: دخل

[ 874 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الاصنام ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا - 81 من سورة الاسراء) فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقى منها صنم إلا وقع، فقال تميم بن أسد الخزاعى في ذلك: وفى الاصنام معتبر وعلم * لمن يرجو الثواب أو العقابا قال ابن هشام: وحدثني أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثى أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضالة ؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك ؟ قال: لا شئ، كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شئ أحب إلى منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلى، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا * يأبى عليك الله والاسلام لو ما رأيت محمدا وقبيله * بالفتح يوم تكسر الاصنام لرأيت دين الله أضحى بينا * والشرك يغشى وجهه الاظلام قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبى الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك، ليقذف نفسه في البحر، فأمنه، صلى الله عليك، قال: هو آمن، قال: يا رسول الله،

[ 875 ]

فأعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التى دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب في البحر، فقال: يا صفوان، فداك أبى وأمى، الله الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به، قال: ويحك، اغرب عنى فلا تكلمني، قال: أي صفوان، فداك أبى وأمى، أفضل الناس، وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، ابن عمك، عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال: إنى أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذاك وأكرم. فرجع معه، حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتنى، قال: صدق، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر. قال ابن هشام: وحدثني رجل من قريش من أهل العلم أن صفوان قال لعمير: ويحك ! اغرب عنى، فلا تكلمني، فإنك كذاب، لما كان صنع به، وقد ذكرناه في آخر حديث يوم بدر. قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وفاختة بنت الوليد - وكانت فاختة عند صفوان بن أمية، وأم حكيم عند عكرمة بن أبى جهل - أسلمتا: فأما أم حكيم فاستأمنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لعكرمة، فأمنه فلحقت به باليمن، فجاءت به، فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهما على النكاح الاول. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: قال: رمى حسان ابن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاده عليه: لا تعدمن رجلا أحلك بغضه * نجران في عيش أحذ لئيم فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فقال حين أسلم:

[ 876 ]

يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أبارى الشيطان في سنن الغى * ومن مال ميله مثبور آمن اللحم والعظام لربى * ثم قلبى الشهيد أنت النذير إننى عنك زاجر ثم حيا * من لؤى، وكلهم مغرور قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعرى أيضا حين أسلم: منع الرقاد بلابل وهموم * والليل معتلج الرواق بهيم مما أتانى أن أحمد لا منى * فيه، فبت كأننى محموم يا خير من حملت على أوصالها * عيرانة سرح اليدين غشوم إنى لمعتذر إليك من الذى * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطة * سهم، وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى، ويقودنى * أمر الغواة، وأمرهم مشئوم فاليوم آمن بالنبي محمد * قلبى، ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها * ودعت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والداى كلاهما * زللي، فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة * نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه * شرفا، وبرهان الاله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق * حق، وأنك في العباد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى * مستقبل في الصالحين كريم قرم علا بنيانه من هاشم * فرع تمكن في الذرا وأروم قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. قال ابن إسحاق: وأما هبيرة بن أبى وهب المخزومى فأقام بها حتى مات كافرا، وكانت عنده أم هانئ ابنة أبى طالب، واسمها هند، وقد قال حين

[ 877 ]

بلغه إسلام أم هانئ: أشاقتك هند أم أتاك سؤالها * كذاك النوى أسبابها وانفتالها وقد أرقت في رأس حصن ممنع * بنجران يسرى بعد ليل خيالها وعاذلة هبت بليل تلومني * وتعذلني بالليل، ضل ضلالها وتزعم أنى إن أطعت عشيرتي * سأردى، وهل يردين إلا زيالها ؟ فإنى لمن قوم إذا جد جدهم * على أي حال أصبح اليوم حالها وإنى لحام من وراء عشيرتي * إذا كان من تحت العوالي مجالها وصارت بأيديها السيوف كأنها * مخاريق ولدان ومنها ظلالها وإنى لاقلى الحاسدين وفعلهم * على الله رزقي نفسها وعيالها وإن كلام المرء في غير كنهه * لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها فإن كنت قد تابعت دين محمد * وعطفت الارحام منك حبالها فكوني على أعلى سحيق بهضبة * ململمة غبراء يبس بلالها قال ابن إسحاق: ويروى: " وقطعت الارحام منك حبالها ". قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف: من بنى سليم سبع مئة - ويقول بعضهم: ألف - ومن بنى غفار أربع مئة، ومن أسلم أربع مئة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والانصار وحلفائهم، وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد. وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت الانصاري: عفت ذات الاصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء ديار من بنى الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا، ولكن من لطيف * يؤرقني إذا ذهب العشاء

[ 878 ]

لشعثاء التى قد تيمته * فليس لقلبه منها شفاء كأن خبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء إذا ما الاشربات ذكرن يوما * فهن لطيب الراح الفداء نوابها الملامة إن ألمنا * إذا ما كان مغث أو لحاء ونشر بها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللقاء عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء ينازعن الاعنة مصغيات * على أكتافها الاسل الظماء تظل جيادنا متمطرات * يلطمهن بالخمر النساء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا * وكان الفتح، وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم * يعين الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء وقال الله: قد أرسلت عبدا * يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدقوه، * فقلتم: لا نقوم ولا نشاء وقال الله: قد سيرت جندا * هم الانصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافى من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عنى * مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا وعبد الدار سادتها الاماء هجوت محمدا، وأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخير كما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء ؟

[ 879 ]

فإن أبى ووالده وعرضى * لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لاتكدره الدلاء قال ابن هشام: قالها حسان يوم الفتح. ويروى: " لساني صارم لا عتب فيه ". وبلغني عن الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه قال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم الديلى يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعى: أأنت الذى تهدى معد بأمره * بل الله يهديهم وقال لك: اشهد وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسبغ نائلا * إذا راح كالسيف الصقيل المهند وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله * وأعطى لرأس السابق المتجرد تعلم رسول الله أنك مدركى * وأن وعيدا منك كالاخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر * على كل صرم متهمين ومنجد تعلم بأن الركب ركب عويمر * هم الكاذبون المخلفو كل موعد ونبوا رسول الله أنى هجوته * فلا حملت سوطي إلى إذن يدى سوى أننى قد قلت ويل ام فتية * أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء، فعزت عبرتي وتبلدى فإنك قد أخفرت إن كنت ساعيا * بعبد بن عبد الله وابنة مهود ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا * جميعا، فإلا تدمع العين أكمد وسلمى، وسلمى ليس حى كمثله * وإخوته، وهل ملوك كأعبد ؟ فإنى لا دينا فتقت، ولا دما * هرقت، تبين عالم الحق واقصد

[ 880 ]

فأجابه بديل بن عبد مناف بن أم أصرم، فقال: بكى أنس رزنا فأعوله البكا * فألا عديا إذ تطل وتبعد بكيت أبا عبس لقرب دمائها * فتعذر إذ لا يوقد الحرب موقد أصابهم يوم الخنادم فتية * كرام فسل، منهم نفيل ومعبد هنالك إن تسفح دموعك لا تلم * عليهم وإن لم تدمع العين فاكمدوا قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وقال بجير بن زهير بن أبى سلمى في يوم الفتح: نفى أهل الحبلق كل فج * مزينة غدوة وبنو خفاف ضربناهم بمكة يوم فتح النبي * الخير بالبيض الخفاف صبحناهم بسبع من سليم * وألف من بنى عثمان واف نطا أكتافهم ضربا وطعنا * ورشقا بالمريشة اللطاف ترى بين الصفوف لها حفيفا * كما انصاع الفواق من الرصاف فرحنا والجياد تجول فيهم * بأرماح مقومة الثقاف فأبنا غانمين بما اشتهينا * وآبوا نادمين على الخلاف وأعطينا رسول الله منا * مواثقنا على حسن التصافى وقد سمعوا مقالتنا فهموا * غداة الروع منا بانصراف قال ابن هشام: وقال عباس بن مرداس السلمى في فتح مكة: منا بمكة يوم فتح محمد * ألف تسيل به البطاح مسوم نصروا الرسول وشاهدوا أيامه * وشعارهم يوم اللقاء مقدم في منزل ثبتت به أقدامهم * ضنك كأن الهام فيه الحنتم جرت سنابكها بنجد قبلها * حتى استقاد لها الحجاز الادهم الله مكنه له وأذله * حكم السيوف لنا وجد مزحم

[ 881 ]

عود الرياسة شامخ عرنينه * متطلع ثغر المكارم خضرم إسلام عباس بن مرداس قال ابن هشام: وكان إسلام عباس بن مرداس - فيما حدثنى بعض أهل العلم بالشعر - وحديثه أنه كان لابيه مرداس وثن يعبده، وهو حجر كان يقال له ضمار، فلما حضر مرداس قال لعباس: أي بنى، اعبد ضمار فإنه ينفعك ويضرك، فبينا عباس يوما عند ضمار، إذ سمع من جوف ضمار مناديا يقول: قل للقبائل من سليم كلها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى أودى ضمار وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد فحرق عباس ضمار، ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأسلم. قال ابن هشام: وقال جعدة بن عبد الله الخزاعى يوم فتح مكة: أكعب بن عمرو دعوة غير باطل * لحين له يوم الحديد متاح أتيحت له من أرضه وسمائه * لتقتله ليلا بغير سلاح ونحن الالى سدت غزال خيولنا * ولفتا سددناه وفج طلاح خطرنا وراء المسلمين بجحفل * ذوى عضد من خيلنا ورماح وهذه الابيات في أبيات له. وقال بجيد بن عمران الخزاعى: (1) وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا * ركام سحاب الهيدب المتراكب وهجرتنا في أرضنا عندنا بها * كتاب أتى من خير ممل وكاتب ومن أجلنا حلت بمكة حرمة * لندرك ثأرا بالسيوف القواضب


(1) يقال " بجيد " بالباء، و " نجيد " بالنون

[ 882 ]

مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بنى جذيمة من كنانة ومسير على لتلافي خطأ خالد قال ابن إسحاق: وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله عزوجل، ولم يأمرهم بقتال، وكان ممن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا، ولم يبعثه مقاتلا، فوطئ بنى جذيمة، فأصاب منهم. قال ابن هشام: وقال عباس بن مرداس السلمى في ذلك: فإن تك قد أمرت في القوم خالدا * وقدمته فإنه قد تقدما بجند هداه الله أنت أميره * نصيب به في الحق من كان أظلما قال ابن هشام: وهذان البيتان في قصيدة له في حديث يوم حنين، سأذكرها إن شاء الله في موضعها. قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبى جعفر محمد بن على، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا، ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب: سليم بن منصور، ومدلج بن مرة، فوطئوا بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بنى جذيمة، قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بنى جذيمة ! إنه خالد والله ! ما بعد وضع السلاح إلا الاسار، وما بعد الاسار إلا ضرب الاعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا. قال: فأخذه رجال من قومه فقالوا: يا جحدم، أتريد أن تسفك دماءنا ؟ إن الناس قد أسلموا ووضعوا السلاح،

[ 883 ]

ووضعت الحرب، وأمن الناس. فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد. قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم، عن أبى جعفر محمد بن على، قال: فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك، فكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد ابن الوليد. قال ابن هشام: حدثنى بعض أهل العلم، أنه حدث عن إبراهيم بن جعفر المحمودى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت كأنى لقمت لقمة من حيس، فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقى منها شئ حين ابتلعتها، فأدخل على يده فنزعه، فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: يا رسول الله، هذه سرية من سراياك تبعثها، فيأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض، فتبعث عليا فيسهله. قال ابن هشام: حدثنى أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أنكر عليه أحد ؟ فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة، فنهمه خالد (1)، فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب، فراجعه، فاشتدت مراجعتهما، فقال عمر بن الخطاب: أما الاول يا رسول الله فابنى عبد الله، وأما الآخر فسالم، مولى أبى حذيفة. قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم، عن أبى جعفر بن محمد بن على قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب رضوان الله عليه، فقال: يا على، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية


(1) نهمه: زجره. (*)

[ 884 ]

تحت قدميك. فخرج على حتى جاء هم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الاموال، حتى إنه ليدى لهم ميلغة الكلب (1)، حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال إلا وداه، وبقيت معه بقية من المال، فقال لهم على رضوان الله عليه حين فرغ منهم: هل بقى لكم بقية من دم أو مال لم يود لكم ؟ قالوا: لا، قال: فإنى أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يعلم ولا تعلمون، ففعل. ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت ! قال: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه، حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد ابن الوليد، ثلاث مرات. قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالدا إنه قال: ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبد الله بن حذافة السهمى، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الاسلام. قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدنى: لما أتاهم خالد، قالوا: صبأنا صبأنا. قال ابن إسحاق:: قد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى مايصنع خالد ببنى جذيمة: يا بنى جذيمة، ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف، فيما بلغني، كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الاسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن: كذبت، قد قتلت قاتل أبى، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته.


(1) ميلغة الكلب: خشبة تنجر وتحفر ويوضع فيها ماء يلغ فيه الكلب. (*)

[ 885 ]

وكان الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعوف بن عبد عوف ابن الحارث بن زهرة، وعفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس قد خرجوا تجارا إلى اليمن، ومع عفان ابنه عثمان، ومع عوف ابنه عبد الرحمن، فلما أقبلوا حملوا مال رجل من بنى جذيمة بن عامر، كان هلك باليمن، إلى ورثته، فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام، ولقيهم بأرض بنى جذيمة قبل أن يصلوا إلى أهل الميت، فأبوا عليه، فقاتلهم بمن معه من قومه على المال ليأخذوه، وقاتلوه، فقتل عوف بن عبد عوف، والفاكه بن المغيرة، ونجا عفان بن أبى العاص وابنه عثمان، وأصابوا مال الفاكه بن المغيرة، ومال عوف بن عبد عوف، فانطلقوا به، وقتل عبد الرحمن بن عوف بن هشام قاتل أبيه، فهمت قريش بغزو بنى جذيمة، فقالت بنو جذيمة: ما كان مصاب أصحابكم عن ملا منا، إنما عدا عليهم قوم بجهالة، فأصابوهم ولم نعلم، فنحن نعقل لكم ما كان لكم قبلنا من دم أو مال، فقبلت قريش ذلك، ووضعوا الحرب. وقال قائل من بنى جذيمة، وبعضهم يقول: امرأة يقال لها سلمى: ولولا مقال القوم للقوم أسلموا * للاقت سليم يوم ذلك ناطحا لما صعهم بسر وأصحاب جحدم * ومرة حتى يتركوا البرك ضابحا فكائن ترى يوم الغميصاء من فتى * أصيب ولم يجرح وقد كان جارحا ألظت بخطاب الايامى وطلقت * غداتئذ منهن من كان ناكحا قال ابن هشام: قوله " بسر "، و " ألظت بخطاب " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: فأجابها عباس بن مرداس، ويقال بل الجحاف ابن حكيم السلمى: دعى عنك تقوال الضلال كفى بنا * لكبش الوغى في اليوم والامس ناطحا

[ 886 ]

فخالد أولى بالتعذر منكم * غداة علا نهجا من الامر واضحا معانا بأمر الله يزجى إليكم * سوانح لا تكبو له وبوارحا نعوا مالكا بالسهل لما هبطنه * عوابس في كابى الغبار كوالحا فإن نك أثكلناك سلمى فمالك * تركتم عليه نائحات ونائحا وقال الجحاف بن حكيم السلمى: شهدن مع النبي مسومات * حنينا وهى دامية الكلام وغزوة خالد شهدت وجرت * سنابكهن بالبلد الحرام نعرض للطعان إذا التقينا * وجوها لا تعرض للطام ولست بخالع عنى ثيابي * إذا هز الكماة، ولا أرامى ولكني يجول المهر تحتي * إلى العلوات بالعضب الحسام قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، عن الزهري، عن ابن أبى حدرد الاسلمي، قال: كنت يومئذ في خيل خالد ابن الوليد، فقال لى فتى من بنى جذيمة، وهو في سنى، وقد جمعت يداه إلى إلى عنقه برمة، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى، فقلت: ما تشاء ؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة، فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة، ثم تردني بعد، فتصنعوا بى ما بدا لكم ؟ قال: قلت: والله ليسير ما طلبت، فأخذت برمته فقدته بها، حتى وقف عليهن، فقال: اسلمي حبيش، على نفد من العيش: أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق ألم يك أهلا أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق فلا ذنب لى قد قلت إذ أهلنا معا * أثيبي بود قبل إحدى الصفائق أثيبي بود قبل أن تشحط النوى * وينأى الامير بالحبيب المفارق

[ 887 ]

فإنى لا ضيعت سر أمانة * ولا راق عينى عنك بعدك رائق سوى أن ما نال العشيرة شاغل * عن الود إلا أن يكون التوامق قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر البيتين الاخيرين منها له. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، عن الزهري عن ابن أبى حدرد الاسلمي، [ قال ] قالت: وأنت فحييت سبعا وعشرا، وترا، وثمانيا تترى. قال: ثم انصرفت به فضربت عنقه. قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبى سنبلة الاسلمي، عن أشياخ منهم، عمن كان حضرها منهم، قالوا: فقامت إليه حين ضربت عنقه، فأكبت عليه، فما زالت تقبله حتى ماتت عنده. قال ابن إسحاق: وقال رجل من بنى جذيمة: جزى الله عنا مدلجا حيث أصبحت * جزاءة بوسى حيث سارت وحلت أقاموا على أقضاضنا يقسمونها * وقد نهلت فينا الرماح وعلت فو الله لولا دين آل محمد * لقد هربت منهم خيول فشلت وما ضرهم أن لا يعينوا كتيبة * كرجل جراد أرسلت فاشمعلت فإما ينيبوا أو يثوبوا لامرهم * فلا نحن نجزيهم بما قد أضلت فأجابه وهب، رجل من بنى ليث، فقال: دعونا إلى الاسلام والحق عامرا * فما ذنبنا في عامر إذ تولت وما ذنبنا في عامر لا أبا لهم * لان سفهت أحلامهم ثم ضلت وقال رجل من بنى جذيمة: ليهنئ بنى كعب مقدم خالد * وأصحابه إذ صبحتنا الكتائب فلا ترة تسعى بها ابن خويلد * وقد كنت مكفيا لوانك غائب فلا قومنا ينهون عنا غواتهم * ولا الداء من يوم الغميصاء ذاهب

[ 888 ]

وقال غلام من بنى جذيمة، وهو يسوق بأمه وأختين له وهو هارب بهن من جيش خالد: رخين أذيال المروط واربعن * مشى حييات كأن لم يفزعن إن تمنع اليوم نساء تمنعن وقال غلمة من بنى جذيمة، يقال لهم بنو مساحق، يرتجزون حين سمعوا يخالد، فقال أحدهم: قد علمت صفراء بيضاء الاطل * يحوزها ذو ثلة وذو إبل لاغنين اليوم ما أغنى رجل وقال الآخر: قد علمت صفراء تلهى العرسا * لا تملا الحيزوم منها نهسا لاضربن اليوم ضربا وعسا * ضرب المحلين مخاضا قعسا وقال الآخر: أقسمت ما إن خادر ذو لبده * شثن البنان في غداة برده جهم المحيا ذو سبال ورده * يرزم بين أيكة وجحده ضار بتأكال الرجال وحده * بأصدق الغداة منى نجده مسير خالد بن الوليد لهدم العزى ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى، وكانت ينخلة، وكانت بيتا يعظمه هذا الحى من قريش وكنانة ومضر كلها، وكانت سدنتها وحجابها بنى شيبان [ من ] بنى سليم حلفاء بنى هاشم، فلما سمع صاحبها السلمى بمسير خالد إليها، علق عليها سفيه، وأسند في الجبل الذى هي فيه وهو يقول: أيا عز شدى شدة لا شوى لها * على خالد، ألقى القناع وشمرى

[ 889 ]

يا عز إن لم تقتلي المرء خالدا * فبوئى بإثم عاجل أو تنصرى لما انتهى إليها خالد هدمها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. قال ابن إسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان. غزوة حنين في سنة ثمان بعد الفتح قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النصرى، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بنى هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفى بنى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير، ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وفى ثقيف سيدان لهم، [ و ] في الاحلاف قارب ابن الاسود بن مسعود بن معتب، وفى بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك، وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرى. فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة في شجار (1) له يقاد به، فلما نزل قال: بأى واد أنتم ؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل ! لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قالوا: ساق مالك بن


(1) الشجار - بوزن كتاب - مركب يشبه الهودج غير أنه مكشوف (*)

[ 890 ]

عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالك ؟ قيل: هذا مالك، ودعى له، فقال: يا مالك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الايام. مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولم ذلك ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله، ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به (1). ثم قال: راعى ضأن والله ! وهل يرد المنهزم شئ ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، ولو كان يوم علاء ورفعة لم تغب كعب ولا كلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم ؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر، لا ينفعان ولا يضران، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم الق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك. والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى. وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأى، فقالوا: أطعناك، فقال دريد بن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى: يا ليتنى فيها جذع * أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع * كأنها شاة صدع قال ابن هشام: أنشدني غير واحد من أهل العلم بالشعر قوله: " يا ليتنى فيها جذع "


(1) أنقض به: زجره كما تزجر الدابة. (*)

[ 891 ]

قال ابن إسحاق: ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد. قال: وحدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث: أن مالك ابن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم ! ما شأنكم ؟ فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فوالله مارده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم نبى الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله ابن أبى حد رد الاسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم. فانطلق ابن أبى حدرد، فدخل فيهم، فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، [ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فأخبره الخبر فقال عمر: كذب ابن أبى حدرد، فقال ابن أبى حدرد: إن كذبتني فربما كذبت بالحق يا عمر، فقد كذبت من هو خير مني، فقال عمر: يارسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبى حدرد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كنت ضالا فهداك الله يا عمر ]. فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر أن عند صفوان بن أمية أدراعا له وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك، فقال: يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا، فقال صفوان: أغصبا يا محمد ؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مئة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها، ففعل. قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع

[ 892 ]

عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثنى عشر ألفا، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة، أميرا على من تخلف عنه من الناس، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه يريد لقاء هوازن. فقال عباس بن مرداس السلمى: أصابت العام رعلا غول قومهم * وسط البيوت ولون الغول ألوان يا لهف أم كلاب إذ تبيتهم * خيل ابن هوذة لا تنهى وإنسان لا تلفظوها وشدوا عقد ذمتكم * إن ابن عمكم سعد ودهمان لن ترجعوها وإن كانت مجللة * ما دام في النعم المأخوذ ألبان شنعاء جلل من سوأتها حضن * وسال ذو شوغر منها وسلوان ليست بأطيب مما يشتوى حذف * إذ قال: كل شواء العير جوفان وفى هوازن قوم غير أن بهم * داء اليماني فان لم يغدروا خانوا فيهم أخ لو وفوا أو بر عهدهم * ولو نهكناهم بالطعن قد لانوا أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها * منى رسالة نصح فيه تبيان أنى أظن رسول الله صابحكم * جيشا له في فضاء الارض أركان فيهم أخوكم سليم غير تارككم * والمسلمون عباد الله غسان وفى عضادته اليمنى بنو أسد * والاجربان بنو عبس وذبيان تكاد ترجف منه الارض رهبته * وفى مقدمه أوس وعثمان قال ابن إسحاق: أوس وعثمان: قبيلا مزينة. قال ابن هشام: من قوله " أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها " إلى آخرها، في هذا اليوم، وما قبل ذلك في غير هذا اليوم، وهما مفصولتان، ولكن ابن إسحاق جعلهما واحدة.

[ 893 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري، عن سنان بن أبى سنان الدؤلى، عن أبى واقد الليثى، أن الحارث بن مالك، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال: فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرة عظيمة خضراء، يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، قلتم، والذى نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى لموسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون - 138 من سورة الاعراف). إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما استقبلنا وادى حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارا، قال: وفى عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين، لا يلوى أحد على أحد. وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: أين الناس ؟ هلموا إلى، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، قال: فلا شئ، حملت الابل بعضها على بعض، فانطلق الناس، إلا أنه قد بقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والانصار وأهل بيته.

[ 894 ]

وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته على بن أبى طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، قتل يومئذ. قال ابن هشام: اسم ابن أبى سفيان بن الحارث جعفر، واسم أبى سفيان المغيرة، وبعض الناس يعد فيهم قثم بن العباس، ولا يعد ابن أبى سفيان. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمربن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح له طويل، أمام هوازن، وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه. قال ابن إسحاق: فلما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر، وإن الازلام لمعه في كنانته. وصرخ جبلة بن الحنبل - قال ابن هشام كلدة بن الحنبل - وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشرك في المدة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا بطل السحر اليوم ! فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لان يربنى رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن قال ابن هشام: وقال حسان بن ثابت يهجو كلدة: رأيت سوادا من بعيد فراعني * أبو حنبل ينزو على أم حنبل كأن الذى ينزو به فوق بطنها * ذراع قلوص من نتاج ابن عزهل أنشدنا أبو زيد هذين البيتين، وذكر لنا أنه هجا بهما صفوان بن أمية، وكان أخا كلدة لامه.

[ 895 ]

قال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة، أخو بنى عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأري [ من محمد ]، وكان أبوه قتل يوم أحد، اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله لاقتله، فأقبل شئ حتى تغشى فؤادى، فلم أطلق ذاك، وعلمت أنه ممنوع منى. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل مكة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين فصل من مكة إلى حنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله: لن نغلب اليوم من قلة. قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس أن رجلا من بنى بكر قالها. قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، قال: إنى لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس ؟ فلم أر الناس يلوون على شئ، فقال: يا عباس، اصرخ: يا معشر الانصار، يا معشر أصحاب السمرة، قال: فأجابوا: لبيك، لبيك ! قال: فيذهب الرجل ليثنى بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلى سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا اجتمع إليه منهم مئة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا، وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للانصار، ثم خلصت أخيرا: يا للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حمى الوطيس. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن

[ 896 ]

جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع، إذ هوى له على بن أبى طالب رضوان الله عليه ورجل من الانصار يريدانه، قال: فيأتيه على بن أبى طالب من خلفه، فضرب عرقوبى الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الانصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، قال: واجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الاسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسن الاسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر بغلته، فقال: من هذا ؟ قال: أنا ابن أمك يارسول الله. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنة ملحان - وكانت مع زوجها أبى طلحة - وهى حازمة وسطها ببرد لها، وإنها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة، ومعها جمل أبى طلحة وقد خشيت أن يعزها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم سليم ؟ قالت: نعم، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو يكفى الله يا أم سليم ؟ قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ قالت: خنجر أخذته، إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به، قال: يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم الرميصاء.


(1) أبو سفيان بن الحارث: هو ابن عم رسول الله لحا، ولكنه أراد القربى الوثيقة، ويراد بالام هنا الجدة أم الاب. (*)

[ 897 ]

قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين وجه إلى حنين، قد ضم بنى سليم إلى الضحاك بن سفيان الكلابي، فكانوا إليه ومعه، ولما انهزم الناس قال مالك بن عوف يرتجز بفرسه: أقدم محاج إنه يوم نكر * مثلى على مثلك يحمى ويكر إذا أضيع الصف يوما والدبر ثم احزألت زمر بعد زمر كتائب يكل فيهن البصر * قد أطعن الطعنة تقذى بالسبر حين يذم المستكين المنجحر * وأطعن النجلاء تعوى وتهر لها من الجوف رشاش منهمر * تفهق تارات وحينا تنفجر وثعلب العامل فيها منكسر * يا زيد يا بن همهم أين تفر قد نفد الضرس وقد طال العمر * قد علم البيض الطويلات الخمر أنى في أمثالها غير غمر * إذ تخرج الحاصن من تحت الستر وقال مالك بن عوف أيضا: أقدم محاج إنها الاساورة * ولا تغرنك رجل نادره قال ابن هشام: هذان البيتان لغير مالك بن عوف في غير هذا اليوم قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر، أنه حدث عن أبى قتادة الانصاري، قال: وحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن نافع مولى بنى غفار أبى محمد عن أبى قتادة: قالا: قال أبو قتادة: رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركا، قال: وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم، قال: فأتيته، فضربت يده فقطعتها، واعتنقني بيده الاخرى، فو الله ما أرسلني حتى وجدت ريح الموت - ويروى: ريح الدم، فيما قال ابن هشام - وكاد يقتلنى، فلولا أن الدم نزفه لقتلني، فسقط، فضربته فقتلته، وأجهضني عنه القتال، ومر به رجل من أهل مكة فسلبه، فلما وضعت الحرب

[ 898 ]

أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قتل قتيلا فله سلبه " فقلت: يا رسول الله، والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب، فأجهضني عنه القتال، فما أدرى من استلبه ؟ فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله [ وسلب ذلك القتيل عندي ] فأرضه عنى من سلبه، فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: لا والله، لا يرضيه منه تعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن دين الله، تقاسمه سلبه ! اردد عليه سلب قتيله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق اردد سلبه. فقال أبو قتادة: فأخذته منه، فبعته، فاشتريت بثمنه مخرفا، فإنه لاول مال اعتقدته. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أبى سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، عن أنس بن مالك، قال: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين وحدة عشرين رجلا. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار، [ أنه حدث ] عن جبير بن مطعم، قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الاسود، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت، فإذا نمل أسود مبثوث قد ملا الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ثم لم يكن إلا هزيمة القوم. قال ابن إسحاق: ولما هزم الله المشركين من أهل حنين وأمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، قالت امرأة من المسلمين: قد غلبت خيل الله خيل اللات * والله أحق بالثبات قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالرواية للشعر: غلبت خيل الله خيل اللات * وخيله أحق بالثبات قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بنى

[ 899 ]

مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة ابن الحارث بن حبيب، وكانت رايتهم مع ذى الخمار، فلما قتل أخذها عثمان ابن عبد الله، فقاتل بها حتى قتل. قال ابن إسحاق: وخبر أبى عامر بن وهب بن الاسود، قال: لما بلغ رسول الله عليه وسلم قتله، قال: أبعده الله ! فإنه كان يبغض قريشا. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس: أنه قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل (1)، قال: فبينا رجل من الانصار يسلب قتلى ثقيف، إذ كشف العبد يسلبه، فوجده أغرل. قال: فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب، يعلم الله أن ثقيفا غرل، قال المغيرة بن شبعة: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنه في العرب، فقلت: لا تقل ذاك، فداك أبى وأمى، إنما هو غلام لنا نصراني، قال: ثم جعلت أكشف له عن القتلى، وأقول له: ألا تراهم مختنين كما ترى ! قال ابن إسحاق: وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الاسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الاحلاف، فلم يقتل من الاحلاف غير رجلين: رجل من [ بنى ] غيرة، يقال له وهب، وآخر من بنى كنة، يقال له الجلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح: قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة، يعنى بابن هنيدة الحارث بن أويس. فقال عباس بن مرداس السلمى يذكر قارب بن الاسود وفراره من بنى أبيه، وذا الخمار وحبسه قومه للموت: ألا من مبلغ غيلان عنى * وسوف - إخال - يأتيه الخبير وعروة، إنما أهدى جوابا * وقولا غير قولكما يسير


(1) أغرل: غير مختون، ومن عادة العرب الختان. (*)

[ 900 ]

بأن محمدا عبد رسول * لرب لا يضل ولا يجور وجدناه نبيا مثل موسى * فكل فتى يخايره مخير (1) وبئس الامر أمر بنى قسى * بوج إذ تقسمت الامور أضاعوا أمرهم، ولكل قوم * أمير، والدوائر قد تدور فجئنا أسد غابات إليهم * جنود الله ضاحية تسير نؤم الجمع جمع بنى قسى * على حنق نكاد له نطير وأقسم لو هم مكثوا لسرنا * إليهم بالجنود ولم يغوروا فكنا أسد لية ثم حتى * أبحناها وأسلمت النصور ويوم كان قبل لدى حنين * فأقلع، والدماء به تمور من الايام لم تسمع كيوم * ولم يسمع به قوم ذكور قتلنا في الغبار بنى حطيط * على راياتها والخيل زور ولم يك ذو الخمار رئيس قوم * له عقل يعاتب أو نكير أقام بهم على سنن المنايا * وقد بانت لمبصرها الامور فأفلت من نجا منهم جريضا * وقتل منهم بشر كثير ولا يغنى الامور أخو التوانى * ولا الغلق الصريرة والحصور أحانهم وحان وملكوه * أمورهم، وأفلتت الصقور بنو عوف تميح بهم جياد * أهين لها الفصافص والشعير فلولا قارب وبنو أبيه * تقسمت المزارع والقصور ولكن الرياسة عمموها * على يمن أشار به المشير أطاعوا قاربا ولهم جدود * وأحلام إلى عز تصير فإن يهدوا إلى الاسلام يلفوا * أنوف الناس ما سمر السمير وإن لم يسلموا فهم أذان * بحرب الله ليس لهم نصير


(1) يخايره: يغاليه في فعل الخير، ومخير: أي مغلوب. (*)

[ 901 ]

كما حكت بنى سعد وحرب * برهط بنى غزية عنقفير كأن بنى معاوية بن بكر * إلى الاسلام ضائنة تخور فقلنا أسلموا إنا أخوكم * وقد برأت من الاحن الصدرر كأن القوم إذ جاءوا إلينا * من البغضاء بعد السلم عور قال ابن هشام: غيلان: غيلان بن سلمة الثقفى، وعروة: عروة بن مسعود الثقفى. قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخله، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا. فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس، وكان يقال له ابن الدغنة وهى أمه، فغلبت على اسمه، - ويقال: ابن لذعة فيما قال ابن هشام - دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه في شجار له، فإذا برجل، فأناخ به، فإذا شيخ كبير، وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بى ؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمى، ثم ضربه بسيفه، فلم يغن شيئا، فقال: بئس ما سلحتك أمك ! خذ سيفى هذا من مؤخر الرحل، وكان الرحل في الشجار، ثم اضرب به، وأرفع عن العظام، واخفض عن الدماغ، فإنى كنت كذلك أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك. فزعم بنو سليم أن ربيعة لما ضربه فوقع تكشف، فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس، من ركوب الخيل، أعراء، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا.

[ 902 ]

فقالت عمرة بنت دريد في قتل ربيعة دريدا: لعمرك ما خشيت على دريد * ببطن سميرة جيش العناق جزى عنه الاله بنى سليم * وعقتهم بما فعلوا عقاق وأسقانا إذا قدنا إليهم * دماء خيارهم عند التلاقي فرب عظيمة دافعت عنهم * وقد بلغت نقوسهم التراقي ورب كريمة أعتقت منهم * وأخرى قد فككت من الوثاق ورب منوه بك من سليم * أجبت وقد دعاك بلا رماق فكان جزاؤنا منهم عقوقا * وهما ماع منه مخ ساقى عفت آثار خيلك بعد أين * بذى بقر إلى فيف النهاق وقالت عمرة بنت دريد أيضا: قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا * فظل دمعى على السربال ينحدر لولا الذى قهر الاقوام كلهم * رأت سليم وكعب كيف تأتمر إذن لصبحهم غبا وظاهرة * حيث استقرت نواهم جحفل دفر قال ابن هشام: ويقال اسم الذى قتل دريدا: عبد الله بن قنيع بن أهبان ابن ثعلبة بن ربيعة. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الاشعري، فأدرك من الناس بعض من انهزم، فناوشوه القتال، فرمى أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الاشعري، وهو ابن عمه، فقاتلهم، ففتح الله على يديه وهزمهم، فيزعمون أن سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر الاشعري بسهم فأصاب ركبته، فقتله، فقال: إن تسألوا عنى فإنى سلمه * ابن سمادير لمن توسمه أضرب بالسيف رأس المسلمه

[ 903 ]

وسمادير: أمه. واستحر القتل من بنى نصر في بنى رئاب، فزعموا أن عبد الله بن قيس - وهو الذى يقال له: ابن العوراء، وهو أحد بنى وهب بن رئاب - قال: يا رسول الله، هلكت بنو رئاب، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اجبر مصيبتهم. وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة، فوقف في فوارس من قومه، على ثنية من الطريق، وقال لاصحابه: قفوا حتى تمضى ضعفاؤكم، وتلحق أخراكم. فوقف هناك حتى مضى من كان لحق بهم من منهزمة الناس، فقال مالك بن عوف في ذلك: ولولا كرتان على محاج * لضاق على العضاريط الطريق ولولا كر دهمان بن نصر * لدى النخلات مندفع الشديق لآبت جعفر وبنو هلال * خزايا مجنبين على شقوق قال ابن هشام: هذه الابيات لمالك بن عوف في غير هذا اليوم، ومما يدلك على ذلك قول دريد بن الصمة في صدر هذا الحديث: ما فعلت كعب وكلاب ؟ فقالوا له: لم يشهدها منهم أحد. وجعفر: ابن كلاب. وقال مالك بن عوف في هذه الابيات: " لآبت جعفر وبنو هلال ". قال ابن هشام: وبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية، فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ فقالوا: نرى قوما واضعى رماحهم بين آذان خيلهم، طويلة بوادهم، فقال: هؤلاء بنو سليم، ولا بأس عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي. ثم طلعت خيل أرخى تتبعها، فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: نرى قوما عارضي رماحهم، أغفالا على خيلهم، فقال: هؤلاء الاوس والخزرج، ولا بأس عليكم منهم. فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا

[ 904 ]

طريق بنى سليم، ثم طلع فارس، فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: نرى فارسا طويل الباد، واضعا رمحه على عاتقه، عاصبا رأسه بملاءة حمراء فقال: هذا الزبير بن العوام، وأحلف باللات ليخالطنكم، فاثبتوا له. فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم، فصمد لهم، فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها. قال ابن إسحاق: وقال سلمة بن دريد وهو يسوق بامرأته حتى أعجزهم: تسيتنى ما كنت غير مصابة * ولقد عرفت غداة نعف الاظرب أنى منعتك والركوب محبب * ومشيت خلفك مثل مشى الانكب إذ فر كل مهذب ذى لمة * عن أمه وخليله لم يعقب قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر، وحديثه: أن أبا عامر الاشعري لقى يوم أوطاس عشرة إخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلا رجلا، ويحمل أبو عامر وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة، وبقى العاشر، فحمل على أبى عامر، وحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد على، فكف عنه أبو عامر، فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: هذا شريد أبى عامر. ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث، من بنى جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه، والآخر ركبته، فقتلاه. وولى الناس أبو موسى الاشعري، فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بنى جشم ابن معاوية يرثيهما:

[ 905 ]

إن الرزية قتل العلاء * وأوفى جميعا ولم يسندا هما القاتلان أبا عامر * وقد كان داهية أربدا هما تركاه لدى معرك * كأن على عطفه مجسدا فلم تر في الناس مثليهما * أفل عثارا وأرمى يدا قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر يومئذ بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس متقصفون عليها، فقال: ما هذا ؟ فقالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه: أدرك خالدا، فقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض بنى سعد بن بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: إن قدرتم على بجاد، رجل من بنى سعد بن بكر، فلا يفلتنكم، وكان قد أحدث حدثا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرضاعة ؟ فعنفوا عليها في السياق، فقالت للمسلمين: تعلموا والله إنى لاخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبيد السعدى، قال: فلما انتهى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: يا رسول الله، إنى أختك من الرضاعة، قال: وما علامة ذلك ؟ قالت: عضة عضضتنيها في ظهرى وأنا متوركتك، قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فبسط لها رداءه، فأجلسها عليه، وخيرها، وقال: إن أحببت فعندي محبة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت، فقالت: بل تمتعني وتردني

[ 906 ]

إلى قومي، فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردها إلى قومها. فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول، وجارية، فزوجت أحدهما الاخرى، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية. قال ابن هشام: وأنزل الله عزوجل في يوم حنين: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم)... إلى قوله (وذلك جزاء الكافرين - 25 من سورة التوبة). قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من استشهد يوم حنين من المسلمين. من قريش ثم من بنى هاشم: أيمن بن عبيد. ومن بنى أسد بن عبد العزى: يزيد بن زمعة بن الاسود بن المطلب ابن أسد، جمح به فرس له يقال له الجناح، فقتل. ومن الانصار: سراقة بن الحارث بن عدى، من بنى العجلان. ومن الاشعريين: أبو عامر الاشعري. ثم جمعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود بن عمرو الغفاري، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والاموال إلى الجعرانة، فحبست بها. وقال بجير بن زهير بن أبى سلمى في يوم حنين: لولا الاله وعبده وليتم * حين استخف الرعب كل جبان بالجزع يوم حبا لنا أقراننا * وسوابح يكبون للاذقان من بين ساع ثوبه في كفه * ومقطر بسنابك ولبان والله أكرمنا وأظهر ديننا * وأعزنا بعبادة الرحمن والله أهلكهم وفرق جمعهم * وأذلهم بعبادة الشيطان

[ 907 ]

قال ابن هشام: ويروى فيها بعض الرواة: إذ قام عم نبيكم ووليه * يدعون: يا لكتيبة الايمان أين الذين هم أجابوا ربهم * يوم العريض وبيعة الرضوان قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس في يوم حنين: وإنى والسوابح يوم جمع * وما يتلو الرسول من الكتاب لقد أحببت ما لقيت ثقيف * بجنب الشعب أمس من العذاب هم رأس العدو من اهل نجد * فقتلهم ألذ من الشراب هزمنا الجمع جمع بنى قسى * وحكت بركها ببنى رئاب وصرما من هلال غادرتهم * بأوطاس تعفر بالتراب ولو لاقين جمع بنى كلاب * لقام نساؤكم والنقع كابى ركضنا الخيل فيهم بين بس * إلى الاورال تنحط بالنهاب بذى لجب رسول الله فيهم * كتيبته تعرض للضراب قال ابن هشام: قوله " تعفر بالتراب ": عن غير ابن إسحاق. فأجاب عطية بن عفيف النصرى، فيما حدثنا ابن هشام، فقال: أفاخرة رفاعة في حنين * وعباس بن راضعة اللجاب فانك والفخار كذات مرط * لربتها وترفل في الاهاب قال ابن إسحاق: قال عطية بن عفيف هذين البيتين لما أكثر عباس على هوازن في يوم حنين. ورفاعة من جهينة. قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس أيضا: يا خاتم النبآء، إنك مرسل * بالحق كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى عليك محبة * في خلقه، ومحمدا سماكا ثم الذين وفوا بما عاهدتهم * جند بعثت عليهم الضحاكا

[ 908 ]

رجلا به ذرب السلاح كأنه * لما تكنفه العدو يراكا يغشى ذوى النسب القريب، وإنما * يبغى رضا الرحمن ثم رضاكا أنبيك أنى قد رأيت مكره * تحت العجاجة يدمغ الاشراكا طورا يعانق باليدين، وتارة * يفرى الجماجم صارما يتاكا يغشى به هام الكماة، ولو ترى * منه الذى عاينت كان شفاكا وبنو سليم معنقون أمامه * ضريا وطعنا في العدو دراكا يمشون تحت لوائه، وكأنهم * أسد العرين أردن ثم عراكا ما يرتجون من القريب قرابة * إلا لطاعة ربهم وهواكا هذى مشاهدنا التى كانت لنا * معروفة، وولينا مولاكا وقال عباس بن مرداس أيضا: إما ترى يا أم فروة خيلنا * منها معطلة تقاد وظلع أوهى مقارعة الاعادي دمها * فيها نوافذ من جراح تنبع فلرب قائلة كفاها وقعنا * أزم الحروب فسربها لا يفزع لا وفد كالوفد الالى عقدوا لنا * سببا بحبل محمد لا يقطع وفد أبو قطن حزابة منهم * وأبو الغيوت وواسع والمقنع والقائد المئة التى وفى بها * تسع المئين فتم ألف أقرع جمعت بنو عوف ورهط مخاشن * ستا، وأحلب من خفاف أربع فهناك إذ نصر النبي بألفنا * عقد النبي لنا لواء يلمع فزنا برايته وأورث عقده * مجد الحياة وسوددا لا ينزع وغداة نحن مع النبي جناحه * ببطاح مكة والقنا يتهزع كانت إجابتنا لداعى ربنا * بالحق منا حاسر ومقنع في كل سابغة تخير سردها * داود إذ نسج الحديد وتبع

[ 909 ]

ولنا على بئرى حنين موكب * دمغ النفاق وهضبة ما تقلع نصر النبي بنا وكنا معشرا * في كل نائبة نضر وننفع ذدنا غداتئذ هوازن بالقنا * والخيل يغمرها عجاج يسطع إذ خاف حدهم النبي، وأسندوا * جمعا تكاد الشمس منه تخشع تدعى بنو جشم وتدعى وسطه * أفناء نصر والاسنة شرع حتى إذا قال الرسول محمد * أبنى سليم وقد وفيتم فارفعوا رحنا، ولولا نحن أجحف بأسهم * بالمؤمنين وأحرزوا ما جمعوا وقال عباس بن مرداس أيضا في يوم حنين: عفا مجدل من أهله فمتالع * فمطلا أريك قد خلا فالمصانع ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا * رخى، وصرف الدار للحى جامع حبيبة ألوت بها غربة النوى * لبين، فهل ماض من العيش راجع فإن تبتغى الكفار غير ملومة * فإنى وزير للنبى وتابع دعانا إليهم خير وفد علمتهم * خزيمة والمرار منهم وواسع فجئنا بألف من سليم عليهم * لبوس لهم من نسج داود رائع نبايعه بالاخشبين، وإنما * يد الله بين الاخشبين نبايع فجسنا مع المهدى مكة عنوة * بأسيافنا والنقع كاب وساطع علانية والخيل يغشى متونها * حميم وآن من دم الجوف ناقع ويوم حنين حين سارت هوازن * إليه وضاقت بالنفوس الاضالع صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا * قراع الاعادي منهم والوقائع أمام رسول الله يخفق فوقنا * لواء كخذروف السحابة لامع عشية ضحاك بن سفيان معتص * بسيف رسول الله والموت كانع نذود أخانا عن أخينا، ولو نرى * مصالا لكنا الاقربين نتابع ولكن دين الله دين محمد * رضينا به، فيه الهدى والشرائع

[ 910 ]

أقام به بعد الضلالة أمرنا * وليس لامر حمه الله دافع وقال عباس بن مرداس أيضا في يوم حنين: تقطع باقى وصل أم مؤمل * بعاقبة واستبدلت نية خلفا وقد حلفت بالله لا تقطع القوى * فما صدقت فيه ولابرت الحلفا خفافية بطن العقيق مصيفها * وتحتل في البادين وجرة فالعرفا فإن تتبع الكفار أم مؤمل * فقد زودت قلبى على نأيها شغفا وسوف ينبيها الخبير بأننا * أبيناولم نطلب سوى ربنا حلفا وأنا مع الهادى النبي محمد * وفينا، ولم يستوفها معشر ألفا بفتيان صدق من سليم أعزة * أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا خفاف وذكوان وعوف تخالهم * مصاعب زافت في طروقتها كلفا كأن نسيج الشهب والبيض ملبس * أسودا تلاقت في مراصدها غضفا بنا عز دين الله غير تنحل * وزدنا على الحى الذى معه ضعفا بمكة إذ جئنا كأن لواءنا * عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا على شخص الابصار تحسب بينها * إذ هي جالت في مراودها عزفا غداة وطئنا المشركين، ولم نجد * لامر رسول الله عدلا ولا صرفا بمعترك لا يسمع القوم وسطه * لنا زجمة إلا التذامر والنقفا (1) ببيض نطير الهام عن مستقرها * ونقطف أعناق الكماة بها قطفا فكائن تركنا من قتيل ملحب * وأرملة تدعو على بعلها لهفا رضاالله ننوى لا رضا الناس نبتغى * ولله ما يبدو جميعا وما يخفى وقال عباس بن مرداس أيضا: ما بال عينك فيها عائر سهر * مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر عين تأوبها من شجوها أرق * فالماء يغمرها طورا وينحدر


(1) الترجمة: الكلمة، وتقول: ما زجم فلان، أي ما نطق بكلمة. (*)

[ 911 ]

كأنه نظم در عند ناظمة * تقطع السلك منه فهو منتثر يا بعد منزل من ترجو مودته * ومن أتى دون الصمان فالحفر دع ما تقدم من عهد الشباب، فقد * ولى الشباب وزار الشيب والزعر واذكر بلاء سليم في مواطنها * وفى سليم لاهل الفخر مفتخر قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول، وأمرنا الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم * ولا تخاور في مشتاهم البقر إلا سوابح كالعقبان مقربة * في دارة حولها الاخطار والعكر تدعى خفاف وعوف في جوانبها * وحى ذكوان لا ميل ولا ضجر الضاربون جنود الشرك ضاحية * ببطن مكة والارواح تبتدر حتى دفعنا وقتلاهم كأنهم * نخل بظاهرة البطحاء منقعر ونحن يوم حنين كان مشهدنا * للدين عزا وعند الله مدخر إذ نركب الموت مخضرا بطائنه * والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا * كما مشى الليث في غاباته الخدر في مأزق من مجر الحرب كلكلها * تكاد تأفل منه الشمس والقمر وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا * لله ننصر من شئنا وننتصر حتى تأوب أقوام منازلهم * لولا المليك ولولا نحن ما صدروا فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا * إلا قد اصبح منا فيهم أثر وقال عباس بن مرداس أيضا: يأيها الرجل الذى تهوى به * وجناء مجمرة المناسم عرمس إما أتيت على النبي فقل له * حقا عليك إذا اطمأن المجلس يا خير من ركب المطى ومن مشى * فوق التراب إذا تعد الانفس إنا وفينا بالذى عاهدتنا * والخيل تقدع بالكماة وتضرس إذ سال من أفناء بهثة كلها * جمع تظل به المخارم ترجس

[ 912 ]

حتى صبحنا أهل مكة فيلقا * شهباء يقدمها الهمام الاشوس من كل أغلب من سليم فوقه * بيضاء محكمة الدخال وقونس يروى القناة إذا تجاسر في الوغى * وتخاله أسدا إذا ما يعبس يغشى الكتيبة معلما، وبكفه * عضب يقد به ولدن مدعس وعلى حنين قد وفى من جمعنا * ألف أمد به الرسول عرندس كانوا أمام المؤمنين دريئة * والشمس يومئذ عليهم أشمس نمضى ويحرسنا الاله بحفظه * والله ليس بضائع من يحرس ولقد حبسنا بالمناقب محبسا * رضى الاله يه فنعم المحبس وغداة أوطاس شددنا شدة * كفت العدو وقيل منها: يا احبسوا تدعو هوازن بالاخاوة بيننا * ثدى تمد به هوازن أيبس حتى تركنا جمعهم وكانه * عير تعاقبه السباع مفرس قال ابن هشام: أنشدني خلف الاحمر قوله: " وقيل منها يا احبسوا ". قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس أيضا: نصرنا رسول الله من غضب له * بألف كمى لا تعد حواسره حملنا له في عامل الرمح راية * يذود بها في حومة الموت ناصره ونحن خضبناها دما فهو لونها * غداة حنين يوم صفوان شاجره وكنا على الاسلام ميمنة له * وكان لنا عقد اللواء وشاهره وكنا له دون الجنود بطانة * يشاورنا في أمره ونشاوره دعانا فسمانا الشعار مقدما * وكنا له عونا على من يناكره جزى الله خيرا من نبى محمدا * وأيده بالنصر والله ناصره قال ابن هشام: أنشدني من قوله: " وكنا على الاسلام " إلى آخرها، بعض أهل العلم بالشعر، ولم يعرف البيت الذى أوله: " حملنا له في عامل الرمح راية ".

[ 913 ]

وأنشدني بعد قوله: " وكان لنا عقد اللواء وشاهره ". " ونحن خضبناه دما فهو لونه ". قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس أيضا: من مبلغ الاقوام أن محمدا * رسول الاله راشد حيث يمما دعا ربه واستنصر الله وحده * فأصبح قد وفى إليه وأنعما سرينا ووعدنا قديدا محمدا * يؤم بنا أمرا من الله محكما تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا * مع الفجر فتيانا وغابا مقوما على الخيل مشدودا علينا دروعنا * ورجلا كدفاع الاتى عرمرها فإن سراة الحى إن كنت سائلا * سليم وفيهم منهم من تسلما وجند من الانصار لا يخذلونه * أطاعوا فما يعصونه ما تكلما وإن تك قد أمرت في القوم خالدا * وقدمته فإنه قد تقدما بجند هداه الله أنت أميره * تصيب به في الحق من كان أظلما حلفت يمينا برة لمحمد * فأكملتها ألفا من الخيل ملجما وقال نبى المؤمنين تقدموا * وحب إلينا أن نكون المقدما وبتنا بنهي المستدير ولم يكن * بنا الخوف إلا رغبة وتحزما أطعناك حتى أسلم الناس كلهم * وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما يضل الحصان الابلق الورد وسطه * ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما سمونا لهم ورد القطازفه ضحى * وكل تراه عن أخيه قد احجما لدن غدوة حتى تركنا عشية * حنينا وقد سالت دوافعه دما إذا شئت من كل رأيت طمرة * وفارسها يهوى ورمحا محطما وقد أحرزت منا هوازن سربها * وحب إليها أن نخيب ونحرما قال ابن إسحاق: وقال ضمضم بن الحارث بن جشم بن عبد بن حبيب

[ 914 ]

ابن مالك بن عوف بن يقظة بن عصية السلمى في يوم حنين، وكانت ثقيف أصابت كنانة بن الحكم بن خالد بن الشريد، فقتل به محجنا وابن عم له، وهما من ثقيف: نحن جلبنا الخيل من غير مجلب * إلى جرش من أهل ريان والفم نقتل أشبال الاسود، ونبتغي * طواغى كانت قبلنا لم تهدم فإن تفخروا يا بن الشريد فإننى * تركت بوج مأتما بعد مأتم أبأتهما بابن الشريد وغره * جواركم وكان غير مذمم تصيب رجالا من ثقيف رماحنا * وأسيافنا يكلمنهم كل مكلم وقال ضمضم بن الحارث أيضا: أبلغ لديك ذوى الحلائل آية * لا تأمنن الدهر ذات خمار بعد التى قالت لجارة بيتها: * قد كنت لو لبث الغزى بدار لما رأت رجلا تسفع لونه * وغر المصيفة والعظام عوارى مشط العظام تراه آخر ليله * متسربلا في درعه لغوار إذ لا أزال على رحالة نهدة * جرداء تلحق بالنجاد إزارى يوما على أثر النهاب، وتارة * كتبت مجاهدة مع الانصار وزهاء كل خميلة أزهقتها * مهلا تمهله وكل خبار كيما أغير ما بها من حاجة * وتود أنى لا أؤوب فجار قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة، قال: أسر زهير بن العجوة الهذلى يوم حنين، فكتف، فرآه جميل بن معمر الجمحى، فقال له: أأنت الماشي لنا بالمغايظ ؟ فضرب عنقه، فقال أبوخراش الهذلى يرثيه، وكان ابن عمه: عجف أضيافي جميل بن معمر * بذى فجر تأوى إليه الارامل طويل نجاد السيف ليس بجيدر * إذا اهتز واسترخت عليه الحمائل

[ 915 ]

تكاد يداه تسلمان إزاره * من الجود لما أذلقته الشمائل إلى بيته يأوى الضريك إذا شتا * ومستنبح بالى الدريسين عائل تروح مقرورا، وهبت عشية * لها حدب تحتثه فيوائل فما بال أهل الدار لم يتصدعوا * وقد بان منها اللوذعى الحلاحل فأقسم لو لاقيته غير موثق * لآبك بالنعف الضباع الجيائل وإنك لو واجهته إذ لقيته * فنازلته أو كنت ممن ينازل لظل جميل أفحش القوم صرعة * ولكن قرن الظهر للمرء شاغل فليس كعهد الدار يا أم ثابت * ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى كالشيخ ليس بفاعل * سوى الحق شيئا واستراح العواذل وأصبح إخوان الصفاء كأنما * أهال عليهم جانب الترب هائل فلا تحسبى أنى نسيت لياليا * بمكة إذ لم نعد عما نحاول إذ الناس ناس والبلاد بغرة * وإذ نحن لا تثنى علينا المداخل قال ابن إسحاق: وقال مالك بن عوف وهو يعتذر يومئذ من فراره: منع الرفاد فما أغمض ساعة * نعم بأجزاع الطريق مخضرم سائل هوازن هل أضر عدوها * وأعين غارمها إذا ما يغرم وكتيبة لبستها بكتيبة * فئتين منها حاسر وملام ومقدم تعيا النفوس لضيقه * قدمته وشهود قومي أعلم فوردته وتركت إخوانا له * يردون غمرته وغمرته الدم فإذا انجلت غمراته أورثننى * مجد الحياة ومجد غنم يقسم كلفتموني ذنب آل محمد * والله أعلم من أعق وأظلم وخذلتموني إذ أقاتل واحدا * وخذلتموني إذ تقاتل خثعم وإذ بنيت المجد يهدم بعضكم * لا يستوى بان وآخر يهدم وأقب مخماص الشتاء مسارع * في المجد ينمى للعلى متكرم

[ 916 ]

أكرهت فيه ألة يزنية * سحماء يقدمها سنان سلجم وتركت حنته ترد وليه * وتقول: ليس على فلانة مقدم ونصبت نفسي للرماح مدججا * مثل الدرية تستحل وتشرم قال ابن إسحاق: وقال قائل من هوازن أيضا، يذكر مسيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مالك بن عوف بعد إسلامه: اذكر مسيرهم للناس إذ جمعوا * ومالك فوقه الرايات تختفق ومالك مالك ما فوقه أحد * يوم حنين عليه التاج يأتلق حتى لقوا البأس حين البأس يقدمهم * عليهم البيض والابدان والدرق فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا حول النبي وحتى جنه الغسق ثمت نزل جبريل بنصرهم * من السماء فمهزوم ومعتنق منا، ولو غير جبريل يقاتلنا * لمنعتنا إذن أسيافنا العتق وفاتنا عمر الفاروق إذ هزموا * بطعنة بل منها سرجه العلق وقالت امرأة من بنى جشم ترثى أخوين لها أصيبا يوم حنين: أعيني جودا على مالك * معا والعلاء ولا تجمدا هما القاتلان أبا عامر * وقد كان ذا هبة أربدا هما تركاه لدى مجسد * ينوء نزيفا وما وسدا وقال أبو ثواب زيد بن صحار، أحد بنى سعد بن بكر: ألا هل اتاك أن غلبت قريش * هوازن والخطوب لها شروط وكنا يا قريش إذا غضبنا * يجئ من الغضاب دم عبيط وكنا يا قريش إذا غضبنا * كأن أنوفنا فيها سعوط فأصبحنا تسوقنا قريش * سياق العير يحدوها النبيط فلا أنا إن سئلت الخسف آب * ولا أنا أن ألين لهم نشيط سينقل لحمها في كل فج * وتكتب في مسامعها القطوط

[ 917 ]

[ ويروى " الخطوط "، وهذا البيت في رواية ابن سعد ] (1). قال ابن هشام: ويقال: أبو ثواب زياد بن ثواب. وأنشدني خلف الاحمر قوله: " يجئ من الغضاب دم عبيط "، وآخرها بيتا عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: فأجابه عبد الله بن وهب رجل من بنى تميم، ثم من بنى أسيد، فقال: بشرط الله نضرب من لقينا * كأفضل ما رأيت من الشروط وكنا يا هوازن حين نلقى * نبل الهام من علق عبيط بجمعكم وجمع بنى قسى * نحك البرك كالورق الخبيط أصبنا من سراتكم وملنا * بقتل في المباين والخليط به الملتاث مفترش يديه * يمج الموت كالبكر النحيط فإن تك قيس عيلان غضابا * فلا ينفك يرغمهم سعوطى وقال خديج بن العوجاء النصرى: لما دنونا من حنين ومائه * رأينا سوادا منكر اللون أخصفا بملمومة شهباء لو قذفوا بها * شماريخ من عروى إذن عاد صفصفا ولو أن قومي طاوعتني سراتهم * إذن ما لقينا العارض المتكشفا إذن ما لقينا جند آل محمد * ثمانين ألفا واستمدوا بخندقا ذكر غزوة الطائف بعد حنين في سنة ثمان ولما قدم فل ثقيف الطائف: أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال. ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود، ولا غيلان بن سلمة، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور.


(1) هذه العبارة مما حشى في السيرة لان ابن سعد متأخر الوفاة عن ابن هشام. (*)

[ 918 ]

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين، فقال كعب بن مالك، حين أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى الطائف: قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجممنا السيوفا نخيرها ولو نطقت لقالت * قواطعهن: دوسا أو ثقيفا فلست لحاضن إن لم تروها * بساحة داركم منا ألوفا وننتزع العروش ببطن وج * وتصبح دوركم منكم خلوفا ويأتيكم لنا سرعان خيل * يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم * لها مما أناخ بها رجيفا بأيديهم قواضب مرهفات * يزرن المصطلين بها الحتوفا كأمثال العقائق أخلصتها * قيون الهند لم تضرب كتيفا تخال جدية الابطال فيها * غداة الزحف جاديا مدوفا أجدهم أليس لهم نصيح * من الاقوام كان بنا عريفا يخبرهم بأنا قد جمعنا * عتاق الخيل والنجب الطروفا وأنا قد أتيناهم بزحف * يحيط بسور حصنهم صفوفا رئيسهم النبي، وكان صلبا * نقى القلب مصطبرا عزوفا رشيد الامر ذا حكم وعلم * وحلم لم يكن نزقا خفيفا نطيع نبينا ونطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤوفا فإن تلقوا إلينا السلم نقبل * ونجعلكم لنا عضدا وريفا وإن تابوا نجاهد كم ونصبر * ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا نجالد ما بقينا أو تنيبوا * إلى الاسلام إذعانا مضيفا نجاهد لا نبالي من لقينا * أأهلكنا التلاد أم الطريفا وكم من معشر ألبوا علينا * صميم الجذم منهم والحليفا أتونا لا يرون لهم كفاء * فجدعنا المسامع والانوفه

[ 919 ]

بكل مهند لين صقيل * نسوقهم بها سوقا عنيفا لامر الله والاسلام حتى * يقوم الدين معتدلا حنيفا وتنسى اللات والعزى وود * ونسلبها القلائد والشنوفا فأمسوا قد أقروا واطمأنوا * ومن لا يمتنع يقبل خسوفا فأجابه كنانة بن عبد يا ليل بن عمرو بن عمير، فقال: من كان يبغينا يريد قتالنا * فإنا بدار معلم لا نريمها وجدنا بها الآباء من قبل ما ترى * وكانت لنا أطواؤها وكرومها وقد جربتنا قبل عمرو بن عامر * فأخبرها ذو رأيها وحليمها وقد علمت إن قالت الحق أننا * إذا ما أبت صعر الخدود نقيمها نقومها حتى لا يلين شريسها * ويعرف للحق المبين ظلومها علينا دلاص من تراث محرق * كلون السماء زينتها نجومها نرفعها عنا ببيض صوارم * إذا جردت في غمرة لا نشيمها قال ابن إسحاق: وقال شداد بن عارض الجشمى في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف: لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصر من هو ليس ينتصر إن التى حرقت بالسد فاشتعلت * ولم يقاتل لدى أحجارها هدر إن الرسول متى ينزل بلادكم * يظعن وليس بها من أهلها بشر قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من لية، فابتنى بها مسجدا فصلى فيه. قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب: أنه أقاد يومئذ ببحرة الرغاء،

[ 920 ]

حين نزلها، بدم، وهو أول دم أقيد به في الاسلام، رجل من بنى ليث قتل رجلا من هذيل، فقتله به، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو بلية - بحصن مالك بن عوف فهدم، ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة، فلما توجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن اسمها، فقال: ما اسم هذه الطريق ؟ فقيل له: الضيقة، فقال: بل هي اليسرى، ثم خرج منها على نخب، حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة، قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن تخرج، وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخرابه. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب به عسكره، فقتل به ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم أغلقوه دونهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذى بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة. قال ابن هشام: ويقال سبع عشرة ليلة. قال ابن إسحاق: ومعه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة بنت أبى أمية، فضرب لهما قبتين، ثم صلى بين القبتين، ثم أقام، فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك مسجدا، وكانت في ذلك المسجد سارية، فيما يزعمون، لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلهم قتالا شديدا، وتراموا بالنبل. قال ابن هشام: ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنجنيق. حدثنى

[ 921 ]

من أثق به، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من رمى في الاسلام بالمنجنيق، رمى أهل الطائف. قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون. وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف، فناديا ثقيفا: أن أمنونا حتى نكلمكم، فأمنوهما، فدعوا نساء من نساء قريش وبنى كنانة ليخرجن إليهما، وهما يخافان عليهن السباء، فأبين، منهن آمنة بنت أبى سفيان كانت عند عروة بن مسعود، له منها داود بن عروة. قال ابن هشام: ويقال إن أم داود ميمونة بنت أبى سفيان، وكانت عند أبى مرة بن عروة بن مسعود، فولدت له داود بن أبى مرة. قال ابن إسحاق: والفراسية بنت سويد بن عمرو بن ثعلبة، لها عبد الرحمن ابن قارب، والفقيمية أميمة بنت الناسئ أمية بن قلع، فلما أبين عليهما، قال لهما ابن الاسود بن مسعود: يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا أدلكما على خير مما جئتما له، إن مال بنى الاسود بن مسعود حيث قد علمتما - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين الطائف، نازلا بواد يقال له العقيق - إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء، ولا أشد مؤنة، ولا أبعد عمارة من مال بنى الاسود وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذ لنفسه، أو ليدعه لله والرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لهم

[ 922 ]

وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر الصديق وهو محاصر ثقيفا: يا أبا بكر، إنى رأيت إنى أهديت لى قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك، فهراق ما فيها. فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا لا أرى ذلك. ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الاوقص السلمية - وهى امرأة عثمان بن مظعون - قالت: يا رسول الله، أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان بن سلمة، أو حلى الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى (1) نساء ثقيف. فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: وإن كان لم يؤذن لى في ثقيف يا خويلة ؟ فخرجت خويلة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: [ يا رسول الله ] ما حديث حدثتنيه خويلة زعمت أنك قلته ؟ قال: قد قلته، قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله ؟ قال: لا، قال: أفلا أأذن بالرحيل ؟ قال: بلى، قال: فأذن عمر بالرحيل. فلما استقل الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبى عمرو بن علاج: ألا إن الحى مقيم. قال: يقول عيينة بن حصن: أجل، والله مجدة كراما، فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جئت تنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقال: إنى والله ما جئت لاقاتل ثقيفا معكم، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أتطئها، لعلها تلد لى رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير. ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامته ممن كان محاصرا بالطائف عبيد، فأسلموا، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. * (هامش) (1) أي من أكبر نسائهم حليا (*)

[ 923 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن عبد الله بن مكدم، عن رجال من ثقيف، قالوا: لما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، أولئك عتقاء الله، وكان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة. قال ابن هشام: وقد سمى ابن إسحاق من نزل من أولئك العبيد. قال ابن إسحاق: وقد كانت ثقيف أصابت أهلا لمروان بن قيس الدوسى، وكان قد أسلم، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثقيف، فزعمت ثقيف - وهو الذى تزعم به ثقيف أنها من قيس - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمروان بن قيس: خذ يا مروان بأهلك أول رجل من قيس تلقاه، فلقى أبى بن مالك القشيرى، فأخذه حتى يؤدوا إليه أهله، فقام في ذلك الضحاك ابن سفيان الكلابي، فكلم ثقيفا حتى أرسلوا أهل مروان، وأطلق لهم أبى ابن مالك، فقال الضحاك بن سفيان في شئ كان بينه وبين أبى بن مالك: أتنسى بلائى يا أبى بن مالك * غداة الرسول معرض عنك أشوس يقودك مروان بن قيس بحبله * ذليلا كما قيد الذلول المخيس فعادت عليك من ثقيف عصابة * متى يأتهم مستقبس الشر يقبسوا فكانوا هم المولى فعادت حلومهم * عليك وقد كادت بك النفس تيأس قال ابن هشام: " يقبسوا " عن غير ابن إسحاق. * * * قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من استشهد من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف. من قريش، ثم من بنى أمية بن عبد شمس: سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية، وعرفطة بن جناب، حليف لهم، من الاسد بن الغوث. قال ابن هشام: ويقال: ابن حباب.

[ 924 ]

قال ابن إسحاق: ومن بنى تيم بن مرة: عبد الله بن أبى بكر الصديق، رمى بسهم، فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن بنى مخزوم: عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، من رمية رميها يومئذ. ومن بنى عدى بن كعب: عبد الله بن عامر بن ربيعة، حليف لهم. ومن بنى سهم بن عمرو: السائب بن الحارث بن قيس بن عدى، وأخوه عبد الله بن الحارث. ومن بنى سعد بن ليث: جليحة بن عبد الله. واستشهد من الانصار: من بنى سلمة: ثابت بن الجذع. ومن بنى مازن بن النجار: الحارث بن سهل بن أبى صعصعة ومن بنى ساعدة: المنذر بن عبد الله. ومن الاوس: رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية. فجميع من استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلا، سبعة من قريش، وأربعة من الانصار، ورجل من بنى ليث. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطائف بعد القتال والحصار، قال بجير بن زهير بن أبى سلمى يذكر حنينا والطائف: كانت علالة يوم بطن حنين * وغداة أوطاس ويوم الابرق جمعت بإغواء هوازن جمعها * فتبددوا كالطائر المتمزق لم يمنعوا منا مقاما واحدا * إلا جدارهم وبطن الخندق ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا * فتحصنوا منا بباب مغلق ترتد حسرانا إلى رجراجة * شهباء تلمع بالمنايا فيلق ملمومة خضراء لو قذفوا بها * حضنا لظل كأنه لم يخلق

[ 925 ]

مشى الضراء على الهراس كأننا * فدر تفرق في القياد وتلتقي في كل سابغة إذا ما استحصنت * كالنهي هبت ريحه المترقرق جدل تمس فضولهن نعالنا * من نسج داود وآل محرق أمر أموال هوازن وسباياها، وعطايا المؤلفة قلوبهم منها وإنعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف على دحنا حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس، ومعه من هوازن سبى كثير، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله، ادع عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم. ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبى هوازن ستة آلاف من الذرارى والنساء، ومن الابل والشاء ما لا يدرى ما عدته. قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله ابن عمرو: أن وفد هوازن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، من الله عليك. قال: وقام رجل من هوازن، ثم أحد بنى سعد بن بكر، يقال له زهير، يكنى أبا صرد، فقال: يا رسول الله، إنما في الحضائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبى شمر، أو للنعمان بن المذر، ثم نزل منا بمثل الذى نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.

[ 926 ]

قال ابن هشام: ويروى ولو أنا مالحنا الحارث بن أبى شمر، أو النعمان ابن المنذر. قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله ابن عمرو، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبناؤكم ونساؤكم أحب إنيكم أم أموالكم ؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا، فقال لهم: أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس، فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الانصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الاقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول عباس بن مرداس لبنى سليم: وهنتموني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبى فله بكل إنسان ست فرائض، من أول سبى أصيبه، فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى على بن أبى طالب رضى الله عنه جارية، يقال لها

[ 927 ]

ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة بن هلال بن باقرة بن قصية بن نصر ابن سعد بن بكر، وأعطى عثمان بن عفان جارية، يقال لها زينب بنت حيان ابن عمرو بن حيان، وأعطى عمر بن الخطاب جارية، فوهبها لعبد الله ابن عمر ابنه. قال ابن إسحاق: فحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: بعثت بها إلى أخوالى من بنى جمح، ليصلحوا لى منها، ويهيئوها، حتى أطوف بالبيت، ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها. قال: فخرجت من المسجد حين فرغت، فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم ؟ قالوا: رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وأبناءنا، فقلت: تلكم صاحبتكم في بنى جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها، فأخذوها. قال ابن إسحاق: وأما عيينة بن حصن، فأخذ عجوزا من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أرى عجوزا إنى لاحسب لها في الحى نسبا، وعسى أن يعظم فداؤها. فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض، أبى أن يردها، فقال له زهير أبو صرد: خذها إليك، فو الله مافوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولازوجها بواجد، ولا درها بماكد. فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال، فزعموا أن عيينة لقى الاقرع بن حابس، فشكا إليه ذلك، فقال: إنك والله ما أخذتها بيضاء غريرة، ولانصفا وثيرة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن، وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل ؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروا مالكا أنه إن أتانى مسلما رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مئة من الابل، فأتى مالك بذلك، فخرج إليه من الطائف - وقد كان مالك خاف

[ 928 ]

ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ما قال، فيحبسوه - فأمر براحلته فهيئت له، وأمر بفرس له، فأتى به إلى الطائف، فخرج ليلا، فجلس على فرسه، فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس، فركها، فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مئة من الابل، وأسلم فحسن إسلامه، فقال مالك ابن عوف حين أسلم: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد أو في وأعطى للجزيل إذا اجتدى * ومتى تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عردت أنيابها * بالسمهرى وضرب كل مهند فكأنه ليث على أشباله * وسط الهباءة خادر في مرصد فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وتلك القبائل: ثمالة، وسلمة، وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم، فقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو ابن عمير الثقفى: هابت الاعداء جانبنا * ثم تغزونا بنو سلمه وأتانا مالك بهم * ناقضا للعهد والحرمه وأتونا في منازلنا * ولقد كنا أولى نقمه قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من رد سبايا حنين إلى أهلها، ركب، واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا من الابل والغنم، حتى ألجئوه إلى شجرة، فاختطفت عنه رداءه، فقال: أدوا على ردائي أيها الناس، فو الله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا، ثم قام إلى جنب

[ 929 ]

بعير، فأخذ وبرة من سنامه، فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها، ثم قال: أيها الناس، والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم. فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة. قال: فجاء رجل من الانصار بكبة من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله، أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لى دبر، فقال: أما نصيبي منها فلك ! قال: أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لى بها، ثم طرحها من يده. قال ابن هشام: وذكر زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عقيل بن أبى طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة بن ربيعة، وسيفه متلطخ دما، فقالت: إنى قد عرفت أنك قد قاتلت، فماذا أصبت من غنائم المشركين ؟ فقال: دونك هذه الابرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شيئا فليرده، حتى الخياط والمخيط. فرجع عقيل، فقال: ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت، فأخذها، فألقاها في الغنائم. قال ابن إسحاق: وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان ابن حرب مئة بعير، وأعطى ابنه معاوية مئة بعير، وأعطى حكيم بن حزام مئة بعير، وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة - أخا بنى عبد الدار - مئة بعير. قال ابن هشام: نصير بن الحارث بن كلدة، ويجوز أن يكون اسمه الحارث أيضا. وقال ابن إسحاق: وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى سهيل ابن عمرو مئة بعير، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس مئة بعير،

[ 930 ]

وأعطى العلاء بن جارية الثقفى - حليف بنى زهرة - مئة بعير، وأعطى عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر مئة بعير، وأعطى الاقرع بن حابس التميمي مئة بعير، وأعطى مالك بن عوف النصرى مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين. وأعطى دون المئة رجالا من قريش، منهم مخرمة بن نوفل الزهري، وعمير بن وهب الجمحى، وهشام بن عمرو أخو بنى عامر بن لؤى، لا أحفظ ما أعطاهم، وقد عرفت أنها دن المئة، وأعطى سعيد بن يربوع بن عنكثة ابن عامر بن مخزوم خمسين من الابل، وأعطى السهمى خمسين من الابل. قال ابن هشام: واسمه عدى بن قيس. قال ابن إسحاق: وأعطى عباس بن مرداس أبا عر فسخطها، فعاتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عباس بن مرداس يعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت نهابا تلافيتها * بكرى على المهر في الاجرع وإيقاظي القوم أن يرفدوا * إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبى ونهب العبيد * بين عيينة والاقرع وقد كنت في الحرب ذاتدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفائل أعطيتها * عديد قوائمها الاربع وما كان حصن ولا حابس * يفوقان شيخي في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع قال ابن هشام: وأنشدني يونس النحوي: فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع

[ 931 ]

قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به، فاقطعوا عنى لسانه، فأعطوه حتى رضى، فكان ذلك قطع لسانه الذى أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن عباس بن مرداس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت القائل: " فأصبح نهبى ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة " ؟ فقال أبو بكر الصديق: بين عيينة والاقرع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هما واحد، فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: (وما علمناه الشعر وما ينبغى له - 69 من سورة يس). قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم في إسنادله عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ قوم ] من قريش وغيرهم، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين. من بنى أمية بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وطليق بن سفيان ابن أمية، وخالد بن أسيد بن أبى العيص بن أمية. ومن بنى عبد الدار بن قصى: شيبة بن عثمان بن أبى طلحة بن عبد العزى ابن عثمان بن عبد الدار، وأبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. ومن بنى مخزوم بن يقظة: زهير بن أبى أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وخالد بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة،

[ 932 ]

وسفيان بن عبد الاسد بن عبد الله بن عمر بن مخروم، والسائب بن أبى السائب ابن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخروم. ومن بنى عدى بن كعب: مطيع بن الاسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم ابن حذيفة بن غانم. ومن بنى جمح بن عمرو: صفوان بن أمية بن خلف، وأحيحة بن أمية بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف. ومن بنى سهم: عدى بن قيس بن حذافة. ومن بنى عامر بن لؤى: خويطب بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبدود، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب. ومن أفناء القبائل: من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية ابن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدى بن الديل. ومن بنى قيس، ثم من بنى عامر بن صعصعة، ثم من بنى كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة: علقمة بن علاثة بن عوف بن الاحوص بن جعفر بن كلاب، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب. ومن بنى عامر بن ربيعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، وحرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو. ومن بنى نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع. ومن بنى سليم بن منصور: عباس بن مرداس بن أبى عامر، أخو بنى الحارث بن بهثة بن سليم. ومن بنى غطفان، ثم من بنى فزارة عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر. ومن بنى تميم ثم من بنى حنظلة: الاقرع بن حابس بن عقال، من بنى مجاشع بن دارم.

[ 933 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى: أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والاقرع بن حابس مئة مئة، وتركت جعيل بن سراقة الضمرى ! فقال رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم: أما والذى نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الارض، كلهم مثل عيينة بن حصن والاقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مقسم أبى القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثى، حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يطوف بالبيت، معلقا نعله بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين ؟ قال: نعم، جاء رجل من بنى تميم، يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطى الناس، فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، فكيف رأيت ؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ويحك ؟ إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون ؟ فقال عمربن الخطاب: يارسول الله، ألا أقتله ؟ فقال: لا، دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النضل، فلا يوجد شئ، ثم في القدح، فلا يوجد شئ، ثم في الفوق، فلا يوجد شئ، سبق الفرث والدم. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن على بن الحسين أبو جعفر بمثل حديث أبى عبيدة، وسماه ذا الخويصرة. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح، عن أبيه بمثل ذلك. قال ابن هشام: ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى

[ 934 ]

في قريش وقبائل العرب، ولم يعط الانصار شيئا، قال حسان بن ثابت يعاتبه في ذلك: زادت هموم فماء العين منحدر * سحا إذا حفلته عبرة درر وجدا بشماء إذ شماء بهكنة * هيفاء لا دنس فيها ولا خور دع عنك شماء إذ كانت مودتها * نزرا، وشر وصال الواصل النزر وأت الرسول فقل: يا خير مؤتمن * للمؤمنين إذا ما عدد البشر علام تدعى سليم وهى نازحة * قدام قوم هم آووا وهم نصروا سماهم الله أنصارا بنصرهم * دين الهدى وعوان الحرب تستعر وسارعوا في سبيل الله واعترفوا * للنائبات، وما خاموا وما ضجروا والناس ألب علينا فيك ليس لنا * إلا السيوف وأطراف القناوزر نجالد الناس لا نبقى على أحد * ولا نضيع ما توحى به السور ولا تهر جناة الحرب نادينا * ونحن حين تلظى نارها سعر كما رددنا ببدر دون ما طلبوا * أهل النفاق وفينا ينزل الظفر ونحن جندك يوم النعف من أحد * إذ حزبت بطرا أحزابها مضر فما ونينا وما خمنا وما خبروا * منا عثارا وكل الناس قد عثروا قال ابن هشام: حدثنى زياد بن عبد الله، قال: حدثنا ابن إسحاق: قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبى سعيد الخدرى، قال: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا، في قريش وفى قبائل العرب، ولم يكن في الانصار: منها شئ، وجد هذا الحى من الانصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم: لقد لقى والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة،

[ 935 ]

فقال: يارسول الله، إن هذا الحى من الانصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفئ الذى أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحى من الانصار منها شئ. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لى قومك في هذه الحظيرة، قال: فخرج سعد، فجمع الانصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم. فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحى من الانصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الانصار، ماقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها [ على ] في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ! قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الانصار ؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الانصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الانصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الانصار شعبا، لسلكت شعب الانصار. اللهم ارحم الانصار، وأبناء الانصار، وأبناء أبناء الانصار قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا.

[ 936 ]

عمرة الرسول من الجعرانة واستخلافه عتاب بن أسيد على مكة، وحج عتاب بالمسلمين سنة ثمان قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا، وأمر ببقايا الفئ فحبس بمجنة، بناحية مر الظهران، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل، يفقه الناس في الدين، ويعلمهم القرآن، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقايا الفئ. قال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال: لما استعمل النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس، فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم، فليست بى حاجة إلى أحد. قال ابن إسحاق: وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في بقية ذى القعدة أو في أول ذى الحجة. قال ابن هشام: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لست ليال بقين من ذى القعدة، فيما زعم أبو عمرو المدنى. قال ابن إسحاق: وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد، وهى سنة ثمان، وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم، ما بين ذى القعدة إذ انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهر رمضان من سنة تسع.

[ 937 ]

أمر كعب بن زهير بعد الانصراف عن الطائف ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبى سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة، ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقى من من شعراء قريش كابن الزبعرى وهبيرة بن أبى وهب، قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة، فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الارض، وكان كعب بن زهير قد قال: ألا أبلغا عنى بجيرا رسالة * فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل * على أي شئ غير ذلك دلكا على خلق لم ألف يوما أباله * عليه، وماتلفى عليه أبا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت: لعا لكا سقاك بها المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا قال ابن هشام: ويروى " المأمور ". وقوله " فبين لنا ": عن غير ابن إسحاق وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر وحديثه: من مبلغ عنى بجيرا رسالة * فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا شربت مع المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا وخالفت أسباب الهدى واتبعته * على أي شئ ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا * عليه، ولم تدرك عليه أخا لكا

[ 938 ]

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت: لعا لكا قال: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنشده إياها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع " سقاك بها المأمون ": صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون. ولما سمع: " على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه " قال: أجل، لم يلف عليه أباه ولا أمه. ثم قال بجير لكعب: من مبلغ كعبا فهل لك في التى * تلوم عليها باطلا وهى أحزم إلى الله [ لا العزى ولا اللات ] وحده * فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لاينجو وليس بمفلت * من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شئ دينه * ودين أبى سلمي على محرم قال ابن إسحاق: وإنما يقول كعب: " المأمون "، ويقال: " المأمور " في قول ابن هشام، لقول قريش الذى كانت تقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم (1). قال ابن إسحاق: فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الارض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول، فلما لم يجد من شئ بدا، قال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة، من جهينة، كما ذكر لى، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا رسول الله، فقم إليه فاستأمنه. فذكر لى أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستامن منك تائبا مسلما، فهل أنت


(1) كاثت قريش تسمى رسول الله قبل البعثة: الامين، والمأمون. (*)

[ 939 ]

قابل منه إن أنا جئتك به ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الانصار، فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه عنك، فإنه قد جاء تائبا، نازعا [ عما كان عليه ]. قال: فغضب كعب على هذا الحى من الانصار، لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التى قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول [ هيفاء مقبلة، عجزاء مدبرة * لا يشتكى قصر منها ولا طول ] تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت * كأنه منهل بالراح معلول شجت بذى شبم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول تنفى الرياح القذى عنه وأفرطه * من صوب غادية بيض يعاليل فيالها خلة لو أنها صدقت * بوعدها أولو ان النصح مقبول لكنها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع وإخلاف وتبديل فما تدوم على حال تكون بها * كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالعهد الذى زعمت * إلا كما يمسك الماء الغرابيل فلا يغرنك ما منت وما وعدت * إن الامانى والاحلام تضليل كانت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيدها إلا الاباطيل أرجو وآمل أن تدنو مودتها * وما إخال لدينا منك تنويل أمست سعاد بأرض لا يبلغها * إلا العتاق النجيبات المراسيل

[ 940 ]

ولن يبلغها إلا عذافرة * لها على الاين إرقال وتبغيل من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول ترمى النجاد بعينى مفرد لهق * إذا توقدت الحزان والميل ضخم مقلدها، فعم مقيدها * في خلقها عن بنات الفحل تفضيل غلباء وجناء علكوم مذكرة * في دفها سعة قدامها ميل وجلدها من أطوم ما يؤيسه * طلح بضاحية المتنين مهزول حرف أخوها أبوها من مهجنة * وعمها خالها، قوداء شمليل يمشى القراد عليها ثم يزلقه * منها لبان وأقراب زهاليل عيرانة قذفت بالنحض عن عرض * مرفقها عن بنات الزور مفتول كأنما فات عينيها ومذبحها * من خطمها ومن اللحيين برطيل تمر مثل عسيب النخل ذا خصل * في غارز لم تخونه الاحاليل قنواء في حرتيها للبصير بها * عتق مبين وفى الخدين تسهيل تخدى على يسرات وهى لا حقة * ذوابل مسهن الارض تحليل سمر العجايات يتركن الحصى زيما * لم يقهن رءوس الاكم تنعيل كأن أوب ذراعيها وقد عرقت * قد تلفع بالقور العساقيل يوما يظل به الحرباء مصطخدا * كأن ضاحيه بالشمس مملول وقال للقوم حاديهم وقد جعلت * ورق الجنادب يركضن الحصاقيلوا شد النهار ذراعا عيطل نصف * قامت فجاوبها نكد مثا كيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها * لما نعى بكرها الناعون معقول تفرى اللبان بكفيها ومدرعها * مشقق عن تراقيها رعابيل تسعى الغواة جنابيها وقولهم: * إنك يابن أبى سلمى لمقتول وقال كل صديق كنت آمله: * لا ألهينك، إنى عنك مشغول

[ 941 ]

فقلت: خلوا سبيلى لا أبا لكم * فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته * يوما على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدنى * والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذى أعطاك نافلة القران * فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم * أذنب ولو كثرت في الاقاويل لقد أقوم مقاما لو يقوم به * أرى وأسمع مالو يسمع الفيل لظل يرعد، إلا أن يكون له * من الرسول بإذن الله تنويل ما زلت أقتطع البيداء مدرعا * جنح الظلام وثوب الليل مسدول حتى وضعت يمينى ما أنازعه * في كف ذى نقمات قيله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه * وقيل إنك منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الارض مخدره * في بطن عثرغيل دونه غيل يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما * لحم من الناس معفور خراديل إذا يساور قرنا لا يحل له * أن يترك القرن إلا وهو مفلول منه تظل سباع الجو نافرة * ولا تمشى بواديه الاراجيل ولا يزال بواديه أخو ثقة * مضرج البز والدرسان مأكول إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم * ببطن مكة لما أسلموا: زولوا زالوا فمازال أنكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل ييض سوابغ قد شكت لها حلق * كأنها حلق القفعاء مجدول ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم * قوما، وليسوا مجازيعا إذا نيلوا يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم * ضرب إذا عرد السود التنابيل لا يقع الطعن إلا في نحورهم * وما لهم عن حياض الموت تهليل

[ 942 ]

قال ابن هشام: قال كعب هذه القصيدة بعد قدومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وبيته: " حرف أخوها أبوها " وبيته: " يمشى القراد "، وبيته: " عيرانة قذفت "، وبيته: " تمر مثل عسيب النخل "، وبيته: " تفرى اللبان "، وبيته: " إذا يساور قرنا "، وبيته: " ولا يزال بواديه ": عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: " إذا عرد السود التنابيل " وإنما يريدنا معشر الانصار، لما كان صاحبنا صنع به ما صنع، وخص المهاجرين من قريش من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدحته، غضبت عليه الانصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الانصار، ويذكر بلاءهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضعهم من اليمن: من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقنب من صالحي الانصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر * إن الخيار هم بنو الاخيار المكرهين السمهرى بأذرع * كسوالف الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة * كالجمر غير كليلة الابصار والبائعين نفوسهم لنبيهم * للموت يوم تعانق وكرار والقائدين الناس عن أديانهم * بالمشرفى وبالقنا الخطار يتطهرون يرونه نسكا لهم * بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت ببطن خفية * غلب الرقاب من الاسود ضوارى وإذا حللت ليمنعوك إليهم * أصبحت عند معاقل الاعفار ضربوا عليا يوم بدر ضربة * دانت لوقعتها جميع نزار (1) لو يعلم الاقوام علمي كله * فيهم لصدقني الذين أماري قوم إذا خوت النجوم فإنهم * للطارقين النازلين مقارى


(1) أراد بعلى بنى كنانة، وهو على بن مسعود الغساني كان كفل عبد مناة بن كنانة. (*)

[ 943 ]

في الغر من غسان من جرثومة * أعيت محافرها على المنقار قال ابن هشام: ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده: " بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ": لولا ذكرت الانصار بخير، فإنهم لذلك أهل، فقال كعب هذه الابيات، وهى في قصيدة له. قال ابن هشام: وذكر لى عن على بن زيد بن جدعان أنه قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد: * بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * غزوة تبوك في رجب سنة تسع قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال زياد بن عبد الله البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذى الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. وقد ذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبى بكر وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم من علمائنا، كل حدث في غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لا يحدث بعض: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان [ من ] عسرة الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذى هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذى يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذى يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.

[ 944 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد ابن قيس أحد بنى سلمة: يا جد، هل لك العام في جلاد بنى الاصفر ؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذن لى ولا تفتني ؟ فو الله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الاصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: قد أذنت لك. ففى الجد ابن قيس نزلت هذه الآية: (ومنهم من يقول: ائذن لى ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين - 49 من سورة التوبة): أي إن كان إنما خشى الفتنة من نساء بنى الاصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر، بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرغبة بنفسه عن نفسه، يقول [ تعالى ]: وإن جهنم لمن ورائه. وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكا في الحق، وإرجافا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: (وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جنهم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا، جزاء بما كانوا يكسبون - 81 و 82 من سورة التوبة). قال ابن هشام: وحدثني الثقة عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن أبيه، عن جده، قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، وكان بيته عند جاسوم، يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيدالله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة. فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه، فأفلتوا، فقال الضحاك في ذلك:

[ 945 ]

كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجلى كسيرا ومرفقي سلام عليكم لا أعود لمثلها * أخاف، ومن تشمل به النار يحرق قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره، وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: حدثنى من أثق به: أن عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارض عن عثمان، فإنى عنه راض. قال ابن إسحاق: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الانصار وغيرهم، من بنى عمرو بن عوف: سالم ابن عمير، وعلبة بن زيد، أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، أخو بنى مازن بن النجار، وعمروبن حمام بن الجموح، أخو بنى سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني - وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني - وهرمى بن عبد الله، أخو بنى واقف، وعرباض بن سارية الفزارى. فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضرى لقى أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما ؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه،

[ 946 ]

وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحا له، فارتحلاه، وزودهما شيئا من تمر، فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وجاءه المعذرون من الاعراب، فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله تعالى. وقد ذكر لى أنهم نفر من بنى غفار. ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره، وأجمع السير، وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تخلفوا عنه، عن غير شك ولا ارتياب، منهم: كعب بن مالك بن أبى كعب، أخو بنى سلمة، ومرارة بن الربيع، أخو بنى عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، أخو بنى واقف، وأبو خيثمة، أخو بنى سالم بن عوف وكانوا نفر صدق، لا يتهمون في إسلامهم. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري. وذكر عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل على المدينة، مخرجه إلى تبوك، سباع بن عرفطة. قال ابن إسحاق: وضرب عبد الله بن أبى معه على حدة عسكره أسفل منه، نحو ذباب، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبى، فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب. وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، رضوان الله عليه، على أهله، وأمره بالاقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له، وتخففا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ على بن أبى طالب، رضوان الله عليه سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 947 ]

وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبى الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت منى، فقال: كذبوا، ولكننى خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبى بعدى، فرجع على إلى المدينة، ومضى رسول الله صلى لله عليه وسلم على سفره. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم ابن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه سعد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلى هذه المقالة. قال ابن إسحاق: ثم رجع على إلى المدينة، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره. ثم إن أبا خيشة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم، ما هذا بالنصف ! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لى زادا، ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خثيمة لعمير بن وهب: إن لى ذنبا، فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب

[ 948 ]

على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولى لك يا أبا خيثمة. ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير. قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك شعرا، واسمه مالك بن قيس: لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التى كانت أعف وأكرما وبايعت باليمنى يدى لمحمد * فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما وكنت إذا شك المنافق أسمحت * إلى الدين نفسي شطرة حيث يمما قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها، واستقى الناس من بئرها. فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذى ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذى ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح، حتى طرحته بجبلى طيئ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه ! ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر الذى وقع بجبلى طيئ فإن طيئا أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة. والحديث عن الرجلين عن عبد الله بن أبى بكر، عن عباس بن سهل بن

[ 949 ]

سعد الساعدي، وقد حدثنى عبد الله بن أبى بكر أن قد سمى له العباس الرجلين ولكنه استودعه إياهما، فأبى عبد الله أن يسميهما لى. قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته، ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم. قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بنى عبد الاشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم ؟ قال: نعم والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفى عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك، ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا، فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك، هل بعد هذا شئ ! قال: سحابة مارة. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، يقال له عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، وهو عم بنى عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا. قال ابن هشام: ويقال: ابن لصيب، بالباء. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمربن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن

[ 950 ]

رجال من بنى عبد الاشهل، قالوا: فقال زيد بن اللصيت، وهو في رحل عمارة وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس محمد يزعم أنه نبى، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى أين ناقته ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده: إن رجلا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبى، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، وإنى والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلنى الله عليها، وهى في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا، فجاءوا بها. فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجب من شئ حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا، عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، للذى قال زيد بن لصيت، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتى، فأقبل عمارة على زيد يجافى عنقه ويقول: إلى عباد الله، إن في رحلى الداهية وما أشعر، اخرج أي عدو الله من رحلى، فلا تصحبني. قال ابن إسحاق: فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهما بشر حق هلك. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا. ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا لرجل يمشى على الطريق وحده،

[ 951 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر. فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله أبا ذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده. وقال ابن إسحاق: فحدثني بريدة بن سفيان الاسلمي، عن محمد بن كعب القرظى، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة، وأصابه بها قدره، لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به. ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عمار، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الابل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهل عبد الله بن مسعود يبكى، ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، تمشى وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك. ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه، وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك. قال ابن إسحاق: وكان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت، أخو بنى عمرو بن عوف، ومنهم من أشجع، حليف لبنى سلمة يقال له: مخشن بن حمير - قال ابن هشام: ويقال: مخشى - يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الاصفر كقتال العرب بعضهم بعضا ! والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين، فقال مخشن بن حمير: والله لوددت أنى أقاضي على أن يضرب كل [ رجل ] منا مئة جلدة، وإنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه.

[ 952 ]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لعمار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا، فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على ناقته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله عزوجل: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب - 65 من سورة التوبة). وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله، قعد بي اسمى واسم أبى، وكان الذى عفى عنه في هذه الآية مخشن بن حمير، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله تعالى أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر. ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، أتاه يحنة بن رؤبة، صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم كتايا، فهو عندهم. فكتب ليحنة بن رؤبة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر: لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه، من بر أو بحر ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكيدر دومة، وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة كان ملكا عليها، وكان نصرانيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر.

[ 953 ]

فخرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفى ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته، فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا والله ! قالت: فمن يترك هذه ؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ يقال له حسان، فركب، وخرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه به عليه. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: رأيت قباء أكيدر، حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا ؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا قال ابن إسحاق: ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال رجل من طيئ: يقال له بجير بن بجرة، يذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته، لتصديق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبارك سائق البقرات إنى * رأيت الله يهدى كل هاد فمن يك حائدا عن ذى تبوك * فإنا قد أمرنا بالجهاد فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة، لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة.

[ 954 ]

وكان في الطريق ماء يخرج من وشل، ما يروى الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له وادى المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سبقنا إلى ذلك الوادي فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه. قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه، فلم ير فيه شيئا. فقال: من سبقنا هذا الماء ؟ فقيل له: يا رسول الله، فلان وفلان، فقال: أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه ! ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا عليهم. ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، نم نضحه به، ومسحه بيده، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما إن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس، واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيتم أو من بقى منكم لتسمعن بهذا الوادي، وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه. قال: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى، أن عبد الله بن مسعود كان يحدث، قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: أدنيا إلى أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: اللهم إنى قد أمسيت راضيا عنه، فارض عنه. قال: يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتنى كنت صاحب الحفرة. قال ابن هشام: وإنما سمى ذا البجادين، لانه كان ينازع إلى الاسلام، فيمنعه قومه من ذلك، ويضيقون عليه، حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره،

[ 955 ]

والبجاد: الكساء الغليظ الجافي، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين، فاتزر بواحد، واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له " ذو البجادين " لذلك، والبجاد أيضا: المسح، قال ابن هشام: قال امرؤ القيس: كأن أبانا في عرانين ودقه * كبير أناس في بجاد مزمل (1) قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري، عن ابن أكيمة الليثى، عن ابن أخى أبى رهم الغفاري، أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بايعوا تحت الشجرة، يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فسرت ذات ليلة معه ونحن بالاخضر قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألقى الله علينا النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفزعنى دنوها منه، مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عينى في بعض الطريق، ونحن في بعض الليل، فزاحمت راحلتي راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله في الغرز، فما استيقظت إلا بقوله: حس، فقلت: يا رسول الله، استغفر لى. فقال: سر، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألنى عمن تخلف عن بنى غفار، فأخبره به، فقال وهو يسألنى: ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط ؟ فحدثته بتخلفهم. قال: فما فعل النفر السود الجعاد القصار ؟ قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا. قال: بلى، الذين لهم نعم بشبكة شدخ، فتذكرتهم في بنى غفار، ولم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله، أولئك رهط من أسلم، حلفاء فينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل


(1) في ا " في أفانين ودقه " وهى رواية في البيت. (*)

[ 956 ]

الله، إن أعز أهلى على أن يتخلف عنى المهاجرون من قريش والانصار وغفار وأسلم. أمر مسجد الضرار عند القفول من غزوة تبوك قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذى أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يارسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا، فتصلى لنا فيه، فقال: إنى على جناح سفر، وحال شغل، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولو قد قدمنا إن شاء الله لاتيناكم، فصلينا لكم فيه. فلما نزل بذى أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، أخا بنى سالم بن عوف، ومعن بن عدى، أو أخاه عاصم ابن عدى، أخا بنى العجلان، فقال: انطلقا إلى المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلى، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين - 107 من سورة التوبة).. إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا: خذام بن خالد، من بنى عبيد بن زيد، أحد بنى عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب، من بنى أمية بن زيد، ومعتب بن قشير، من بنى ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة

[ 957 ]

ابن الازعر، من بنى ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، من بنى عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه: مجمع بن جارية، وزيد ابن جارية، ونبتل بن الحارث، من بنى ضبيعة، وبحزج، من بنى ضبيعة، وبجاد ابن عثمان، من بنى ضبيعة، ووديعة بن ثابت، وهو من بنى أمية [ بن زيد ] رهط أبى لبابة بن [ عبد ] المنذر. وكانت مساجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين المدينة إلى تبوك معلومة مسماة: مسجد بتبوك، ومسجد بثنية مدران، ومسجد بذات الزراب، ومسجد بالاخضر، مسجد بذات الخطمى، ومسجد بألاء، ومسجد بطرف البتراء، من ذنب كواكب، ومسجد بالشق، شق تارا، ومسجد بذى الجيفة، ومسجد بصدر حوضى، ومسجد بالحجر، ومسجد بالصعيد، ومسجد بالوادي، اليوم وادى القرى، ومسجد بالرقعة من الشقة، شقة بنى عذرة، ومسجد بذى المروة، ومسجد بالفيفاء، ومسجد بذى خشب. أمر الثلاثة الذين خلفوا، وأمر المعذرين في غزوة تبوك وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد كان تخلف عنه رهط من المنافقين، وتخلف أولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه لاصحابه: لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة، وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعذرهم الله ولا رسوله، واعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة. قال ابن إسحاق: فذكر الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، عن عبد الرحمن

[ 958 ]

ابن عبد الله بن كعب بن مالك: أن أباه عبد الله، وكان قائد أبيه حين أصيب بصره، قال: سمعت أبى كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وحديث صاحبيه، قال: ما تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، غير أني كنت قد تخلفت عنه في غزوة بدر، وكانت غزوة لم يعاتب الله ولا رسوله أحدا تخلف عنها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج يريد عير قريش، حتى جمع الله بينه وبين عدوه على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، حين تواثقنا على الاسلام، وما أحب أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت غزوة بدر هي أذكر في الناس منها. قال: كان من خبرى حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، ووالله ما اجتمعت لى راحلتان قط حتى اجتمعتا في تلك الغزوة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، واستقبل غزو عدو كثير، فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبته، وأخبرهم خبره بوجهه الذى يريد، والمسلمون من نبع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يعنى بذلك الديوان، يقول: لا يجمعهم ديوان مكتوب. قال كعب: فقل رجل يزيد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ذلك، ما لم ينزل فيه وحى من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار وأحبت الظلال، فالناس إليها صعر، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجهز المسلمون معه، وجعلت أغدو لاتجهز معهم، فأرجع ولم أقض حاجة، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك

[ 959 ]

يتمادى بى حتى شمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا، والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لاتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى أسرعوا، وتفرط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم أفعل، وجعلت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفت فيهم، يحزننى أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت ! والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثى، فجعلت أنذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطة رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ؟ وأستعين على ذلك كل ذى رأى من أهلى، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عنى الباطل، وعرفت أنى لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وأيمانهم، ويتغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لى: تعاله، فجئت أمشى،

[ 960 ]

حتى جلست بين يديه، فقال لى: ما خلفك ؟ ألم تكن ابتعت ظهرك ؟ قال: قلت: إنى يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كذبا لترضين عنى، وليوشكن الله أن يسخطك على، ولئن حدثتك حديثا صدقا تجد على فيه، إنى لارجو عقباى من الله فيه، ولا والله ما كان لى عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يقضى الله فيك فقمت، وثار معى رجال من بنى سلمة، فاتبعوني فقالوا لى: والله ما علمناك كنت أذنبت دنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إلى المخلفوق، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فوا الله ما زالوا بى حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقى هذا أحد غيرى ؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل مقالتك، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قلت: من هما ؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمرى، من بنى عمرو بن عوف، وهلال بن [ أبى ] أمية الواقفى، فذكروا لى رجلين صالحين، فيهما أسوة، فصمت حين ذكروهما لى، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لى نفسي والارض، فما هي بالارض التى كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباى فاستكانا، وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج، وأشهد الصلوات مع المسلمين، وأطوف بالاسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا ؟ ثم أصلى قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلى، وإذا

[ 961 ]

التفت نحوه أعرض عنى، حتى إذا طال ذلك على من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة، وهو ابن عمى، وأحب الناس إلى، فسلمت عليه، فو الله مارد على السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أنى أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت فناشدته، فسكت عنى، فعدت فناشدته، فسكت عنى، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناى، ووثبت فتسورت الحائط، ثم غدوت إلى السوق، فبينا أنا أمشى بالسوق، إذا نبطى يسأل عنى من نبط الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك ؟ قال: فجعل الناس يشيرون له إلى، حتى جاءني، فدفع إلى كتابا من ملك غسان. وكتب كتابا في سرقة من حرير، فإذا فيه " أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك "، قال: قلت حين قرأتها: وهذا من البلاء أيضا، قد بلغ بى ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك، قال: فعمدت بها إلى تنور، فسجرته بها، فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال قلت: أطلقها أم ماذا ؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقى بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الامر ما هو قاض. قال: وجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يارسول الله، إن هلال ابن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له، أفتكره أن أخدمه ؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك، قالت: والله يا رسول الله ما به من حركة إلى، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، ولقد تخوفت على بصره، قال: فقال لى بعض أهلى:: لو استأذنت رسول الله لامرأتك، فقد أذن لا مرأة هلال بن

[ 962 ]

أمية أن تخدمه، قال: قلت: والله لا أستأذنه فيها، ما أدرى ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لى في ذلك إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، ثم صليت الصبح، صبح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا، على الحال التى ذكر الله منا، قد ضاقت علينا الارض بما رحبت وضاقت على نفسي، وقد كنت ابتنيت خيمة في ظهر سلع، فكنت أكون فيها، إذ سمعت صوت صارخ أو في على ظهر سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج. قال: وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب نحو صاحبي مبشرون، وركض رجل إلى فرسا، وسعى ساع من أسلم، حتى أوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذى سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبي، فسكوتهما إياه بشارة، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقاني الناس يبشرونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن عبيد الله، فحياني وهنأنى، ووالله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب بن مالك لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لى ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال: بل من عند الله، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك

[ 963 ]

منه قال: فلما جلست بين يديه قلت: يارسول الله، إن من توبتي إلى الله عزوجل أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك، قال: قلت: إنى ممسك سهمي الذى بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إن الله قد نجاني بالصدق وإن من توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما حييت، والله ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أفضل مما أبلاني الله، والله ما تعمدت من كذبة منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومى هذا، وإنى لارجو أن يحفظني فيما بقى. وأنزل الله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا)... إلى قوله: (وكونوا مع الصادقين - 117 إلى 119 من سورة التوبة) قال كعب: فو الله ما أنعم الله على نعمة قط بعد أن هداني للاسلام كانت أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله تبارك وتعالى قال في الذين كذبوه حين أنزل الوحى شر ما قال لاحد، قال: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين - 95، 96 من سورة التوبة). قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين حلفوا له فعذرهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله

[ 964 ]

صلى الله عليه وسلم أمرنا، حتى قضى الله فيه ما قضى، فبذلك قال الله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا). وليس الذى ذكر الله من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة ولكن لتخليفه إيانا، وإرجائه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه. أمر وفد ثقيف، وإسلامها في شهر رمضان سنة تسع قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف. وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفى، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يتحدث قومه: إنهم قاتلوك، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع الذى كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم. قال ابن هشام: ويقال: من أبصارهم. قال ابن إسحاق: وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الاسلام رجاء أن لا يخالفوه، لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له، وقد دعاهم إلى الاسلام، وأظهر لهم دينه، ورموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف، أخو بنى سالم بن مالك، وتزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم، من بنى عتاب ابن مالك، يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة: ما ترى في دمك ؟ قال:

[ 965 ]

كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلى، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: إن مثله في قومه لكمثل صاحب ياسين في قومه. ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا. حدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس: أن عمرو بن أمية، أخا بنى علاج، كان مهاجرا لعبد ياليل بن عمرو، الذى بينهما سيئ، وكان عمرو بن أمية من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو، حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول لك: اخرج إلى، قال: فقال عبد ياليل للرسول: ويلك ! أعمرو أرسلك إلى ؟ قال: نعم، وها هو ذا واقفا في دارك، فقال: إن هذا لشئ ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك، فخرج إليه، فلما رآه رحب به، فقال له عمرو: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم، فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها، وقال بعضم لبعض: أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فأتمروا بينهم، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد يا ليل بن عمرو بن عمير، وكان سن عروة بن مسعود، وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، وخشى أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة، فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الاحلاف، وثلاثة من بنى مالك، فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان

[ 966 ]

ابن سلمة بن معتب، ومن بنى مالك: عثمان بن أبى العاص بن بشر بن عبد دهمان، أخا بنى يسار، وأوس بن عوف، أخابنى سالم بن عوف، ونمير بن خرشة ابن ربيعة، أخا بنى الحارث، فخرج بهم عبد يا ليل، وهو ناب القوم وصاحب أمرهم، ولم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بعروة بن مسعود، لكى يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه. فلما دنوا من المدينة، ونزلوا قناة، ألفوا بها المغيرة بن شعبة، يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رعيتها نوبا على أصحابه صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وضبر (1) يشتد، ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة والاسلام، بأن يشرط لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شروطا، ويكتتبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا في قومهم وبلادهم وأموالهم، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة. فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه، فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد ابن العاص، هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذى كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم، وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) ضبر يشتد: وثب، ضبر الفرس: أي جمع قوائمه ووثب. (*)

[ 967 ]

أن يدع لهم الطاغية، وهى اللات، لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاسلام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه، فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها، وإن كانت دناءة. فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم، أمر عليهم عثمان بن أبى العاص، وكان من أحدثهم سنا، وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الاسلام، وتعلم القرآن، فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنى قد رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقة في الاسلام، وتعلم القرآن. قال ابن إسحاق: وحدثني عيسى بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفى، عن بعض وفدهم، قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقى من رمضان، بفطرنا وسحورنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتينا بالسحور، وإنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع، فيقول: قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر، لتأخير السحور، ويأتينا بفطرنا، وإنا لنقول: ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يضع يده في الجفنة، فيلتقم منها.

[ 968 ]

قال ابن هشام: بفطورنا وسحورنا قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبى هند، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان بن أبى العاص، قال: كان من آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين بعثنى على ثقيف - أن قال: يا عثمان، تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير، والصغير، والضعيف، وذا الحاجة. قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذى الهدم، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه، بنو معتب، خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن: لتبكين دفاع * أسلمها الرضاع لم يحسنوا المصاع قال ابن هشام: " لتبكين " عن غير إبن اسحاق. قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهالك ! آها لك ! فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبى سفيان وحليها مجموع، ومالها من الذهب والجزع. وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الاسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثقيف، حين قتل عروة، يريدان فراق ثقيف، وأن لا يجامعاهم على شئ أبدا، فأسلما، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: توليا من شئتما، فقالا: نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[ 969 ]

وخالكما أبا سفيان بن حرب، فقالا: وخالنا أبا سفيان بن حرب. فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو مليح بن عروة أن يقضى عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال له قارب بن الاسود: وعن الاسود يا رسول الله فاقضه، وعروة والاسود أخوان لاب وأم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الاسود مات مشركا، فقال قارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعنى نفسه، إنما الدين على، وإنما أنا الذى أطلب به، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضى دين عروة والاسود من مال الطاغية، فلما جمع المغيرة مالها قال لابي سفيان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقضى عن عروة والاسود دينهما، فقضى عنهما. وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي، رسول الله، إلى المؤمنين: إن عضاه وج وصيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئا من ذلك، فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا، وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله. وكتب خالد بن سعيد، بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعده أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 970 ]

حج أبى بكر بالناس سنة تسع واختصاص النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب رضوان الله عليه بتأدية أول براءة عنه وذكر براءة، والقصص في تفسيرها قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر رضى الله عنه ومن معه من المسلمين. ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد، الذى كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين الناس من أهل الشرك، وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص، إلى آجال مسماة، فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تبوك، وفى قول من قال منهم، فكشف الله تعالى فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سمى لنا، ومنهم من لم يسم لنا، فقال عزوجل: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين): أي لاهل العهد العام من أهل الشرك (فسيحوا في الارض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزى الله، وأن الله مخزي الكافرين. وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله): أي بعد هذه الحجة (فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم. إلا الذين عاهدتم من المشركين): أي العهد الخاص إلى الاجل

[ 971 ]

المسمى (ثم لم ينقصوكم شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحدا، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين، فإذا انسلخ الاشهر الحرم): يعنى الاربعة التى ضرب لهم أجلا (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم. وإن أحد من المشركين): أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقتلهم (استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون). ثم قال: (كيف يكون للمشركين) الذين كانوا هم وأنتم على العهد العام أن لا يخيفوكم ولا تخيفوهم في الحرمة، ولا في الشهر الحرام (عهد عند الله وعند رسوله، إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام)، وهى قبائل من بنى بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم يوم الحديبية، إلى المدة التى كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش فلم يكن نقضها إلا هذا الحى من قريش، وبنو الديل من بنى بكر بن وائل، الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض من بنى بكر إلى مدته (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين). ثم قال تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم): أي المشركين الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل الشرك العام (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة). قال ابن هشام: الال: الحلف. قال أوس بن حجر، أحد بنى أسيد بن عمرو بن تميم: لولا بنو مالك والال مرقبة * ومالك فيهم الآلاء والشرف وهذا البيت في قصيدة له. وجمعه: الآل، قال الشاعر: فلا إل من الآلال بينى * وبينكم فلا تألن جهدا

[ 972 ]

والذمة: العهد: قال الاجدع بن مالك الهمداني، وهو أبو مسروق بن الاجدع الفقيه: وكان علينا ذمة أن تجاوزوا * من الارض معروفا إلينا ومنكرا وهذا البيت في ثلاثة أبيات له، وجمعها: ذمم. (يرضونكم بأفواههم، وتأبى قلوبهم، وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون) أي قد اعتدوا عليكم (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون). قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبى جعفر محمد بن على رضوان الله عليه، أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبى بكر، فقال: لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى، ثم دعا على بن أبى طالب رضوان الله عليه، فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، فخرج على بن أبى طالب رضوان الله عليه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أأمير أم مأمور ؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا. فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذا ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج، التى كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام على بن أبى طالب رضى الله عنه، فأذن في الناس بالذى أمره به

[ 973 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة، فهو له إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام، وأهل المدة إلى الاجل المسمى. قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد أهل الشرك، ممن نقض من أهل العهد الخاص، ومن كان من أهل العهد العام، بعد الاربعة الاشهر التى ضرب لهم أجلا إلا أن يعدو فيها عاد منهم، فيقتل بعدائه، فقال: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءو كم أول مرة، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله): أي من بعد ذلك (على من يشاء، والله عليم حكيم. أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، والله خبير بما تعملون). قال ابن هشام: وليجة: دخيل، وجمعها: ولائج، وهو من ولج يلج: أي دخل يدخل، وفى كتاب الله عزوجل: (حتى يلج الجمل في سم

[ 974 ]

الخياط - 40 من سورة الاعراف): أي يدخل، يقول: لم يتخذوا دخيلا من دونه يسرون إليه غير ما يظهرون، نحو ما يصنع المنافقون، يظهرون الايمان للذين آمنوا (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم - 14 من سورة البقرة) قال الشاعر: واعلم بأنك قد جعلت وليجة * ساقوا إليك الحتف غير مشوب قال ابن إسحاق: ثم ذكر قول قريش: إنا أهل الحرم، وسقاة الحاج، وعمار هذا البيت، فلا أحد أفضل منا، فقال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر... إن عمارتكم ليست على ذلك، وإنما يعمر مساجد الله أي من عمرها بحقها (من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله): أي فأولئك عمارها (فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) وعسى من الله حق. ثم قال تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ؟ لا يستوون عند الله). ثم القصة [ عن عدوهم ] حتى انتهى إلى ذكر حنين، وما كان فيه، وتوليهم عن عدوهم، وما أنزل الله تعالى من نصر بعد تخاذلهم، ثم قال تعالى: (إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة) وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الاسواق، فلتهلكن التجارة، وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق، فقال الله عزوجل: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله): أي من وجه غير ذلك (إن شاء، إن الله عليم حكيم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون): أي ففى هذا عوض

[ 975 ]

مما تخوفتم من قطع الاسواق، فعوضهم الله بما قطع عنهم بأمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب، من الجزية. ثم ذكر أهل الكتابين بما فيهم من الشر والفرية عليه، حتى انتهى إلى قوله تعالى: (إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). ثم ذكر النسئ، وما كانت العرب أحدثت فيه، والنسئ ما كان يحل مما حرم الله تعالى من الشهور، ويحرم مما أحل الله منها، فقال: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم) أي لا تجعلوا حرامها حلالا، ولا حلالها حراما: أي كما فعل أهل الشرك (إنما النسئ) الذى كانوا يصنعون (زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، زين لهم سوء أعمالهم، والله لا يهدى القوم الكافرين). ثم ذكر تبوك وما كان فيها من تثاقل المسلمين عنها، وما أعظموا من غزو الروم، حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهادهم، ونفاق من نافق من المنافقين، حين دعوا إلى ما دعوا إليه من الجهاد، ثم ما نعى عليهم من إحداثهم في الاسلام، فقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض)، ثم القصة إلى قوله تعالى: (يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم) إلى قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار).

[ 976 ]

ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، يذكر أهل النفاق: (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم، والله يعلم إنهم لكاذبون): أي أنهم يستطيعون (عفا الله عنك، لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ؟)... إلى قوله: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ولاوضعوا خلالكم، يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم). قال ابن هشام: أوضعوا خلالكم: ساروا بين أضعافكم، فالايضاع: ضرب من السير أسرع من المشى، قال الاجدع بن مالك الهمداني: يصطادك الوحد المدل بشأوه * بشريج بين الشد والايضاع وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وكان الذين استأذنوه من ذوى الشرف، فيما بلغني، منهم: عبد الله بن أبى بن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم، وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم. فقال تعالى: (وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين، لقد ابتغوا الفتنة من قبل): أي من قبل أن يستأذنوك، (وقلبوا لك الامور): أي ليخذلوا عنك أصحابك ويردوا عليك أمرك (حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ومنهم من يقول: ائذن لى ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا)، وكان الذى قال ذلك، فيما سمى لنا، الجد بن قيس، أخو بنى سلمة، حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهاد الروم، ثم كانت القصة إلى قوله تعالى: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون. ومنهم من يلمزك

[ 977 ]

في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) أي إنما نيتهم ورضاهم وسخطهم لدنياهم. ثم بين الصدقات لمن هي، وسمى أهلها، فقال: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفى الرقاب، والغارمين، وفى سبيل الله، وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم). ثم ذكر غشهم وأذاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ومنهم الذين يؤدون النبي ويقولون: هو أذن، قل: أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم). وكان الذى يقول تلك المقالة - فيما بلغني - نبتل ابن الحارث أخو بنى عمرو بن عوف. وفيه نزلت هذه الآية، وذلك أنه كان يقول: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه، ويقول الله تعالى: (قل أذن خير لكم): أي يسمع الخير ويصدق به. ثم قال تعالى: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم، والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين)، ثم قال: (ولئن سألتهم ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب، قل: أبالله وأياته ورسوله كنتم تستهزءون)... إلى قوله تعالى: (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة)، وكان الذى قال هذه المقالة وديعة بن ثابت، أخو بنى أمية بن زيد، من بنى عمرو بن عوف، وكان الذى عفى عنه، فيما بلغني: مخشن بن حمير الاشجعى، حليف بنى سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع. ثم القصة من صفتهم حتى انتهى إلى قوله تعالى: (يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم وماواهم جهنم وبئس المصير، يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا

[ 978 ]

بما لم ينالوا، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).. إلى قوله: (من ولى ولا نصير). وكان الذى قال تلك المقالة الجلاس بن سويد ابن صامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره، يقال له: عمير بن سعد، فأنكرها وحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيهم القرآن تاب ونزع، وحسنت [ حاله و ] توبته، فيما بلغني. ثم قال تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين)، وكان الذى عاهد الله منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وهما من بنى عمرو بن عوف. ثم قال: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم، فيسخرون منهم، سخر الله منهم، ولهم عذاب أليم) وكان المطوعون [ من المؤمنين ] في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدى أخا بنى العجلان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الصدقة وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف، فتصدق بأربعة آلاف درهم، وقام عاصم بن عدى، فتصدق بمئة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذى تصدق بجهده أبو عقيل بنى أنيف، أتى بصاع من تمر، فأفرغها في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغنى عن صاع أبى عقيل. ثم ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وأمر بالسير إلى تبوك، على شدة الحر وجدب البلاد، فقال تعالى: (وقالوا: لا تنفروا في الحر، قل: نار جنهم أشد حرا لو كانوا يفقهون. فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا)... إلى قوله: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم). قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،

[ 979 ]

عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفى عبد الله بن أبى، دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة، تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أتصلى على عدو الله عبد الله بن أبى بن سلول ؟ القائل كذا يوم كذا، والقائل كذا يوم كذا ؟ أعدد أيامه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت قال: يا عمر، أخر عنى، إنى قد خيرت فاخترت، قد قيل لى: (استغفر لهم أولا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) فلو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له، لزدت. قال: ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه. قال: فعجبت لى ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم. فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق حتى قبضه الله تعالى. قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم)، وكان ابن أبى من أولئك، فنعى الله ذلك عليه، وذكره منه، ثم قال تعالى: (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وأولئك لهم الخيرات، وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها. ذلك الفوز العظيم. وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله)... إلى آخر القصة. وكان المعذرون - فيما بلغني - نفرا من بنى غفار، منهم خفاف بن أيماء بن رحضة،

[ 980 ]

ثم كانت القصة لاهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت: لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) وهم البكاءون. ثم قال تعالى: (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون). والخوالف: النساء. ثم ذكر حلفهم للمسلمين واعتذارهم، فقال: (فأعرضوا عنهم)، إلى قوله تعالى: (فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين). ثم ذكر الاعراب ومن نافق منهم وتربصهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، فقال: (ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق): أي من صدقة أو نفقة في سبيل الله (مغرما، ويتربص بكم الدوائر، عليهم دائرة السوء والله سميع عليم). ثم ذكر الاعراب أهل الاخلاص والايمان منهم، فقال: (ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، ألا إنها قربة لهم). ثم ذكر السابقين الاولين من المهاجرين والانصار، وفضلهم، وما وعدهم الله من حسن ثوابه إياهم، ثم ألحق بهم التابعين لهم بإحسان، فقال: (رضى الله عنهم ورضوا عنه)، ثم قال تعالى: (وممن حولكم من الاعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق): أي لجوا فيه، وأبوا غيره (سنعذبهم مرتين) والعذاب الذى أوعدهم الله مرتين - فيما بلغني - غمهم بما هم فيه من أمر الاسلام، وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذى يردون

[ 981 ]

إليه، عذاب النار والخلد فيه. ثم قال تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، عسى الله أن يتوب عليهم، إن الله غفور رحيم) ثم قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) إلى آخر القصة، ثم قال تعالى: (وآخرون مرجون لامر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم)، وهم الثلاثة الذين خلفوا، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم حتى أتت من الله توبتهم. ثم قال تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا)... إلخ القصة. ثم قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة). ثم كان قصة الخبر عن تبوك، وما كان فيها إلى آخر السورة. وكانت براءة تسمى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده المبعثرة، لما كشفت من سرائر الناس. وكانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. شعر حسان الذى عدد فيه المغازى وقال حسان بن ثابت يعدد أيام الانصار مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه: قال ابن هشام: وتروى لابنه عبد الرحمن بن حسان: ألست خير معد كلها نفرا * ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم * مع الرسول فما ألوا وما خذلوا وبايعوه فلم ينكث به أحد * منهم، ولم يك في إيمانهم دخل ويوم صبحهم في الشعب من أحد * ضرب رصين كحر النار مشتعل ويوم ذى قرد يوم استثار بهم * على الجياد فما خاموا وما نكلوا

[ 982 ]

وذا العشيرة جاسوها بخيلهم * مع الرسول عليها البيض والاسل ويوم ودان أجلوا أهله رقصا * بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل وليلة طلبوا فيها عدوهم * لله، والله يجزيهم بما عملوا وغزوة يوم نجد ثم كان لهم * مع الرسول بها الاسلاب والنفل وليلة بحنين جالدوا معه * فيها يعلهم بالحرب إذ نهلوا وغزوة القاع فرقنا العدو به * كما تقرق دون المشرب الرسل ويوم بويع كانوا أهل بيعته * على الجلاد فآسوه وما عدلوا وغزوة الفتح كانوا في سريته * مرابطين فما طاشوا وما عجلوا ويوم خيبر كانوا في كتيبته * يمشون كلهم مستبسل بطل بالبيض ترعش في الايمان عارية * تعوج في الضرب أحيانا وتعتدل ويوم سار رسول الله محتسبا * إلى تبوك وهم راياته الاول وساسة الحرب إن حرب بدت لهم * حتى بدا لهم الاقبال والقفل أولئك القوم أنصار النبي وهم * قومي أصير إليهم حين أتصل ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم * وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا قال ابن هشام: عجز آخرها بيتا عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: كنا ملوك الناس قبل محمد * فلما أتى الاسلام كان لنا الفضل وأكرمنا الله الذى ليس غيره * إله بأيام مضت ما لها شكل بنصر الاله والرسول ودينه * وألبسناه اسما مضى ما له مثل أولئك قومي خير قوم بأسرهم * فما عد من خير فقومي له أهل يربون بالمعروف معروف من مضى * وليس عليهم دون معروفهم قفل إذا اختبطوا لم يفحشوافى نديهم * وليس على سؤالهم عندهم بخل

[ 983 ]

وإن حاربوا أو سالموا لم يشبهوا * فحربهم حتف وسلمهم سهل وجارهم موف بعلياء بيته * له ما ثوى فينا الكرامة والبذل وحاملهم موف بكل حمالة * تحمل لا غرم عليه ولا خذل وقائلهم بالحق إن قال قائل * وحلمهم عود، وحكمهم عدل ومنا أمين المسلمين حياته * ومن غسلته من جنابته الرسل (1) قال ابن هاشم: وقوله: " وألبسناه اسما " عن غير ابن إسحاق. قال ابن أسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا. قومي أولئك إن تسألي * كرام إذا الضيف يوما ألم عظام القدور لا يسارهم * يكبون فيها المسن السنم يؤاسون جارهم في الغنى * ويحمون مولاهم إن ظلم فكانوا ملوكا بأرضيهم * ينادون غضبا بأمر غشم ملوكا على الناس، لم يملكوا * من الدهر يوما كحل القسم فأنبوا بعاد وأشياعها * ثمود وبعض بقايا إرم بيثرب قد شيدوا في النخيل * حصونا ودجن فيها النعم نواضح قد علمتها اليهود * " عل " " إليك " وقولا " هلم " وفيما اشتهوا من عصير القطاف * والعيش رخوا على غير هم فسرنا إليهم بأثقالنا * على كل فحل هجان قطم جنبنا بهن جياد الخيول * قد جللوها جلال الادم فلما أناخوا بجنبى صرار * وشدوا السروج بلى الحزم فما راعهم غير معج الخيول * والزحف من خلفهم قد دهم فطاروا سراعا وقد أفزعوا * وجئنا إليهم كأسد الاجم


(1) الرسل: أراد بها الملائكة، والمقصود حنظلة الغسيل. (*)

[ 984 ]

على كل سلهبة في الصيان * لا يشتكين نحول السام وكل كميت مطار الفؤاد * أمين الفصوص كمثل الزلم عليها فوارس قد عودوا * قراع الكماة وضرب البهم ملوك إذا غشموا في البلاد * لا ينكلون ولكن قدم فابنا بساداتهم والنساء * وأولادهم فيهم تقتسم ورثنا مساكنهم بعدهم * وكنا ملوكا بها لم نرم فلما أتانا الرسول الرشيد * بالحق والنور بعد الظلم قلنا صدقت رسول المليك * هلم إلينا وفينا أقم فنشهد أنك عبد الاله * أرسلت نورا بدين قم فإنا وأولادنا جنة * نقيك وفى مالنا فاحتكم فنحن أولئك إن كذبوك * فناد نداء ولا تحتشم وناد بما كنت أخفيته * نداء جهارا ولا تكتتم فسار الغواة بأسيافهم * إليسه يظنون أن يخترم فقمنا إليهم بأسيافنا * نجالد عنه بغاة الامم بكل صقيل له ميعة * رقيق الذباب عضوض خذم إذا ما يصادف صم العظام * لم ينب عنها ولم ينثلم فذلك ما ورثتنا القروم * مجدا تليدا وعزا أشم إذا مر نسل كفى نسله * وغادر نسلا إذا ما انفصم فما إن من الناس إلا لنا * عليه وإن خاس فضل النعم قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد الانصاري بيته: فكانوا ملوكا بأرضيهم * ينادون غضبا بأمر غشم وأنشدني: بيثرب قد شيدوا في النخيل * حصونا ودجن فيها النعم

[ 985 ]

وبيته: " وكل كميت مطار الفؤاد ": عنه. ذكر سنة تسع، وتسميتها سنة الوفود ونزول سورة الفتح قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة: أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمى سنة الوفود. قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بالاسلام أمر هذا الحى من قريش وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التى نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة، ودانت له قريش، ودوخها الاسلام، وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله - كما قال عزوجل - أفواجا، يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا - 1، 3 من سورة النصر): أي فاحمد الله على ما أظهر من دينك، واستغفره، إنه كان توابا. قدوم وفد بنى تميم، ونزول سورة الحجرات فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب، فقدم عليه عطارد ابن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي، في أشراف بنى تميم، منهم الاقرع

[ 986 ]

ابن حابس التميمي، والزبرقان بن بدر التميمي، أحد بنى سعد، وعمرو بن الاهتم، والحبحاب بن يزيد. قال ابن هشام: الحتات وهو الذى آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين معاوية بن أبى سفيان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آخى بين نفر من أصحابه من المهاجرين، بين أبى بكر وعمر، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وبين طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وبين أبى ذر الغفاري والمقداد بن عمرو البهرانى، وبين معاوية بن أبى سفيان والحتات ابن يزيد المجاشعى، فمات الحتات عند معاوية في خلافته، فأخذ معاوية ما ترك وراثة بهذه الاخوة، فقال الفرزدق لمعاوية: أبوك وعمى يا معاوى أورثا * تراثا فيحتاز التراث أقاربه فما بال ميراث الحتات أكلته * وميراث حرب جامد لك ذا ئبه وهذان البيتان في أبيات له. قال ابن إسحاق: وفى وفد بنى تميم: نعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم، أخو بنى سعد، في وفد عظيم من بنى تميم. قال ابن هشام: وعطارد بن حاجب، أحد بنى دارم بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد بن مناة بن تميم، والاقرع بن حابس، أحد بنى دارم بن مالك، والحتات بن يزيد، أحد بنى دارم بن مالك، والزبرقان بن بدر، أحد بنى بهدلة ابن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وعمرو بن الاهتم، أحد بنى منقر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقيس بن عاصم، أحد بنى منقر بن عبيد بن الحارث. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى،

[ 987 ]

وقد كان الاقرع بن حابس، وعيينة بن حصن شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف. فلما قدم وفد بنى تميم كانا معهم، فلما دخل وفد بنى تميم المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد، جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: قد أذنت لخطيبكم فليقل، فقام عطارد بن حاجب، فقال: الحمد الله الذى له علينا الفضل [ والمن ] وهو أهله، الذى جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددا، وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس ؟ ألسنا برؤوس الناس وأولى فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لاكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الاكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك. أقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشماس، أخى بنى الحارث بن الخزرج: قم، فأجب الرجل في خطبته، فقام ثابت، فقال: الحمد لله الذى السموات والارض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شئ قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه وأتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوى رحمه، أكرم الناس حسبا (1)، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا. ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن


(1) في ا " أكرم الناس أحسابا ". (*)

[ 988 ]

أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. فقام الزبرقان بن بدر، فقال: نحن الكرام فلا حى يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الاحياء كلهم * عند النهاب، وفضل العز يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس القزع بما ترى الناس تأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم عبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا فلا ترانا إلى حى نفاخرهم * إلا استقادوا فكانوا الرأس يقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه * فيرجع القوم والاخبار تستمع إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر نرتفع قال ابن هشام: ويروى: منا الملوك وفينا تقسم الربع ويروى: من كل أرض هوانا ثم نتبع رواه لى بعض بنى تميم، وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها للزبرقان. قال ابن إسحاق: وكان حسان غائبا، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حسان: جاءني رسوله، فأخبرني أنه إنما دعاني لاجيب شاعر بنى تميم، فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: منعنا رسول الله إذ حل وسطنا * على أنف راض من معد وراغم منعناه لما حل بين بيوتنا * بأسيافنا من كل باغ وظالم ببيت حريد عزه وثراؤه * بجابية الجولان وسط الاعاجم

[ 989 ]

هل المجد إلا السودد العود والندى * وجاه الملوك واحتمال العظائم قال: فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام شاعر القوم، فقال ما قال، عرضت في قوله، وقلت على نحو ما قال. قال: فلما فرغ الزبرقان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: قم يا حسان، فأجب الرجل فيما قال. فقام حسان، فقال: إن الذوائب من فهر وإخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بهم كل من كانت سريرته * تقوى الاله، وكل الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة * إن الخلائق فاعلم شرها البدغ إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لادنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا أعفة ذكرت في الوحى عفتهم * لا يطبعون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحى لم ندب لهم * كما يدب إلى الوحشية الذرع نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلية في أرساغها فدع خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الامر الذى منعوا فإن في حربهم فاترك عداوتهم * شرا يخاض عليه السم والسلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفاوتت الاهواء والشيع أهدى لهم مدحتي قلب يوازره * فيما أحب لسان حائك صنع

[ 990 ]

فإنهم أفضل الاحياء كلهم * إن جد بالناس جد القول أو شمعوا قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد: يرضى بها كل من كانت سريرته * تقوى الاله وبالامر الذى شرعوا وقال ابن هشام: حدثنى بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم: أن الزبرقان ابن بدر لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بنى تميم قام فقال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا * إذا احتفلوا عند احتضار المواسم بأنا فروع الناس في كل موطن * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا * ونضرب رأس الاصيد المتفاقم وأن لنا المرباع في كل غارة * نغير بنجد أو بأرض الاعاجم فقام حسان بن ثابت فأجابه، فقال: هل المجد إلا السودد العود والندى * وجاه الملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا النبي محمدا * على أنف راض من معد وراغم بحى حريد أصله وثراؤه * بجابية الجولان وسط الاعاجم نصرناه لما حل وسط ديارنا * بأسيافنا من كل باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا * وطبنا له نفسا بفئ المغانم ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا * على دينه بالمرهفات الصوارم ونحن ولدنا من قريش عظيمها * ولدنا نبى الخير من آل هاشم بنى دارم لا تفخروا إن فخركم * يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون، وأنتم * لنا خول ما بين ظئر وخادم ؟ فإن كنتم جئتم لجقن دمائكم * وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله نداء وأسلموا * ولا تلبسوا زيا كزى الاعاجم قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الاقرع بن

[ 991 ]

حابس: وأبى، إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولاصواتهم أعلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحسن جوائزهم. وكان عمرو بن الاهتم قد خلفه القوم في ظهرهم، وكان أصغرهم سنا، فقال قيس بن عاصم، وكان يبغض عمرو بن الاهتم: يا رسول الله، إنه قد كان رجل منا في رحالنا، وهو غلام حدث، وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم، فقال عمرو بن الاهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه: ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب سدنا كم سوددا رهوا وسوددكم * باد نواجذه مقع على الذنب قال ابن هشام: بقى بيت واحد تركناه، لانه أقذع فيه. قال ابن إسحاق: وفيهم نزل من القرآن. (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون - 4 من سورة الحجرات). قصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس في الوفادة عن بنى عامر وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى عامر، فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر، وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء [ الثلاثة ] رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عامر بن الطفيل عدو الله، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يريد الغدر به. وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهى حنى تتبع العرب عقبى، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ! ثم قال لاربد: إذا قدمنا على الرجل، فإنى سأشغل

[ 992 ]

عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عامر بن الطفيل: يا محمد، خالنى، قال: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. قال: يا محمد خالنى، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئا، قال: فلما رأى عامر ما يصنع أربد، قال: يا محمد خالنى، قال: لا، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له، فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا، فلما ولى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامر بن الطفيل. فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عامر لاربد: ويلك يا أربد أين ما كنت أمرتك به ؟ والله ما كان على ظهر الارض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا، قال: لا أبا لك ! لا تعجل على، والله ما هممت بالذى أمرتنى به من أمره إلا دخلت بينى وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف ؟ وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر، أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بنى سلول ! قال ابن هشام: ويقال أغدة كغدة الابل، وموتا في بيت سلولية. قال ابن إسحاق: ثم خرج أصحابه حين واروه، حتى قدموا أرض بنى عامر شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد ؟ قال: لا شئ والله، لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت أنه عندي الآن، فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله تعالى عليه وعلى جمله صاعقة، فأحرقتهما. وكان أربد بن قيس أخا لبيد ابن ربيعة لامه.

[ 993 ]

قال ابن هشام: وذكر زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: وأنزل الله عزوجل في عامر وأربد: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد)... إلى قوله (وما لهم من دونه من وال - 8 إلى 13 من سورة الرعد). قال: المعقبات: هي من أمر الله يحفظون محمدا. ثم ذكر أربد وما قتله الله به، فقال: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) إلى قوله: (شديد المحال). قال ابن إسحاق: فقال لبيد يبكى أربد: ما إن تعدى المنون من أحد * لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والاسد فعين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام النساء في كبد إن يشغبوا لا يبال شغبهم * أو يقصدوا في الحكوم يقتصد حلو أريب، وفى حلاوته * مر لطيف الاحشاء والكبد وعين هلا بكيت أربد إذ * ألوت رياح الشتاء بالعضد وأصبحت لاقحا مصرمة * حتى تجلت غوابر المدد أشجع من ليث غابة لحم * ذو نهمة في العلا ومنتقد لا تبلغ العين كل نهمتها * ليلة تمسى الجياد كالقدد الباعث النوح في مآتمه * مثل الظباء الابكار بالجرد فجعني البرق والصواعق بالفارس * يوم الكريهة النجد والحارب الجابر الحريب إذا * جاء نكيبا وإن يعد يعد يعفو على الجهد والسؤال كما * ينبت غيث الربيع ذو الرصد كل بنى حرة مصيرهم * قل، وإن أكثرت من العدد

[ 994 ]

إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * يوما فهم للهلاك والنفد قال ابن هشام: بيته: " والحارب الجابر الحريب " عن أبى عبيدة، وبيته: " يعفو على الجهد ": عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال لبيد أيضا يبكى أربد: ألا ذهب المحافظ والمحامي * ومانع ضيمها يوم الخصام وأيقنت التفرق يوم قالوا * تقسم مال أربد بالسهام تطير عدائد الاشراك شفعا * ووترا، والزعامة للغلام فودع بالسلام أبا حريز * وقل وداع أربد بالسلام وكنت إمامنا، ولنا نظاما، * وكان الجزع يحفظ بالنظام وأربد فارس الهيجا إذا ما * تقعرت المشاجر بالفئام إذا بكر النساء مردفات * حواسر لا يجئن على الخدام فواءل يوم ذلك من أتاه * كما وأل المحل إلى الحرام ويحمد قدر أربد من عراها * إذا ما ذم أرباب اللحام وجارته إذا حلت لديه * لها نفل وحظ من سنام فإن تقعد فمكرمة حصان * وإن تظعن فمحسنة الكلام وهل حدثت عن أخوين داما * على الايام إلا ابني شمام وإلا الفرقدين وآل نعش * خوالد ما تحدث بانهدام قال ابن هشام: وهى في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وقال لبيد أيضا يبكى أربد: انع الكريم للكريم أربدا * أنع الرئيس واللطيف كبدا يحذى ويعطى ماله ليحمدا * أدما يشبهن صوارا أبدا السابل الفضل إذا ما عددا * ويملا الجفنة ملئا مددا

[ 995 ]

رفها إذا يأتي ضريك وردا * مثل الذى في الغيل يقرو جمدا يزداد قربا منهم أن يوعدا * أورثتنا تراث غير أنكدا غبا ومالا طارفا وولدا * شرخا صقورا يافعا وأمردا وقال لبيد أيضا: لن تفنيا خيرات أربد * فابكيا حتى يعودا قولا هو البطل المحامي * حين يكسون الحديدا ويصد عنا الظالمين * إذا لقينا القوم صيدا فاعتاقة رب البرية * إذ رأى أن لا خلودا فثوى ولم يوجع ولم * يوصب وكان هو الفقيدا وقال لبيد أيضا: يذكرنى بأربد كل خصم * ألد تخال خطته ضرارا إذا اقتصدوا فمقتصد كريم * وإن جاروا سواء الحق جارا ويهدى القوم مطلعا إذا ما * دليل القوم بالموماة حارا قال ابن هشام: آخرها بيتا عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال لبيد أيضا: أصبحت أمشى بعد سلمى بن مالك * وبعد أبى قيس بن وعروة كالاجب إذا ما رأى ظل الغراب أضجه * حذارا على باقى السناسن والعصب قال ابن هشام: وهذان البيتان في أبيات له. قدوم ضمام بن ثعلبة، وافدا عن بنى سعد بن بكر قال ابن إسحاق: وبعث بنو سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم، يقال له ضمام بن ثعلبة.

[ 996 ]

قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب، مولى عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه، وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب، قال: أمحمد ؟ قال: نعم، قال: يا ابن عبد المطلب، إنى سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك، قال: لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك، قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولا ؟ قال: اللهم نلم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الانداد التى كان آباؤنا يعبدون معه ؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلى هذه الصلوات الخمس ؟ قال: اللهم نعم، قال: ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة: الزكاة، والصيام، والحج وشرائع الاسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التى قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن ممدا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقض. ثم انصرف إلى بعيره راجعا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة. قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى ! قالوا: مه يا ضمام ! اتق البرص، تق الجذام، اتق الجنون ؟ قال: ويلكم ! إنهما والله لا يضران

[ 997 ]

ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه، قال: فو الله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال: يقول عبد الله بن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام ابن ثعلبة. قدوم الجاورد في وفد عبد القيس قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو ابن حنش أخو عبد القيس. قال ابن هشام: الجارود بن المعلى في وفد عبد القيس، وكان نصرانيا. قال ابن إسحاق: حدثنى من لا أتهم، عن الحسن، قال: لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا محمد، إنى قد كنت على دين، وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه. قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان، فقال: والله ما عندي ما أحملكم عليه، قال: يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتلبغ عليها إلى بلادنا ؟ قال: لا، إياها، فإنما تلك حرق النار. فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الاسلام، صلبا على دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الاول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر، قام الجارود فتكلم،

[ 998 ]

فتشهد شهادة الحق، ودعا إلى الاسلام فقال: أيها الناس، إنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يشهد. قال ابن هشام: ويروى: وأكفى من لم يشهد. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدى، فأسلم فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين. قدوم وفد بنى حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب. قال ابن هشام: مسيلمة بن ثمامة، ويكنى أبا ثمامة. قال ابن إسحاق: فكان منزلهم في دار بنت الحارث (1) امرأة من الانصار، ثم من بنى النجار. فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة: أن بنى حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، معه عسيب من سعف النخل، في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يسترونه بالثياب، كلمه وسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو سألتنى هذا العسيب ما أعطيتكه. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا. زعم أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفى ركابنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله


(1) يقال: اسمها كبشة بنت الحارث. (*)

[ 999 ]

صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال: أما إنه ليس بشر كم مكانا، أي لحفظه ضيعة أصحابه، وذلك الذى يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجاؤه بما أعطاه، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله، وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إنى قد أشركت في الامر معه. وقال لوفده الذين كانوا معه:: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشر كم مكانا، ما ذاك إلا لما كان يعلم أنى قد أشركت في الامر معه ثم جعل يسجع لهم الاساجيع، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: " لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى ". وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبى، فأصفقت معه حنيفة على ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان. قدوم زيد الخيل في وفد طيئ قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ فيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه، وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام، فأسلموا، فحسن إسلامهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنى من لا أتهم من رجال طيئ - ما ذكر لى رجل من العرب بفضل، ثم جاءني، إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه، ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيدا، وأرضين معه، وكتب له بذلك، فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى قومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه - قال: قد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى، وغير أم ملدم فلم يثبته - فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له فردة، أصابته الحمى بها فمات، ولما أحس زيد بالموت قال:

[ 1000 ]

أمر تحل قومي المشارق غدوة * وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني * عوائد من لم يبر منهن يجهد فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان معه من كتبه، التى قطع له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحرقتها بالنار. أمر عدى بن حاتم وأما عدى بن حاتم فكان يقول، فيما بلغني: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به منى، أما أنا فكنت امرأ شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع، فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي، لما كان يصنلا بى، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت لغلام كان لى عربي، وكان راعيا لابلى: لا أبالك، أعدد لى من إبلى أجمالا ذللا سمانا، فاحتبسها قريبا منى، فإذا سمعت يجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فأذني، ففعل، ثم إنه أتانى ذات غداة، فقال: يا عدي، ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد، قال: فقلت: فقرب إلى أجمالي فقربها، فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام فسلكت الجوشية - ويقال: الحوشية فيما قال ابن هشام - وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فلما الشام أقمت بها. وتخالفني خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصيب ابنة حاتم، فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيى، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام، قال: فجعلت بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد، كانت السبايا يحبسن فيها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يارسول الله، هلك

[ 1001 ]

الوالد، وغاب الوافد، فامنن على من الله عليك. قال: ومن وافدك ؟ قالت: عدى بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله ؟ قالت: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني، حتى إذا كان من الغد مربى، فقلت له مثل ذلك، وقال لى مثل ما قال بالامس، قالت: حتى إذا كان بعد الغد مربى وقد يئست منه، فأشار إلى رجل من خلفه أن قومي فكلميه، قالت: فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن على من الله عليك، فقال صلى الله عليه وسلم: قد فعلت، فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون له ثقة، حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنينى، فسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن أكلمه، فقيل: على بن أبى طالب رضوان الله عليه، وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، قالت: وإنما أريد أن أتى أخى بالشام، قالت: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهط من قومي، لى فيهم ثقة وبلاغ، قالت: فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملنى، وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام. قال عدى: فو الله إنى لقاعد في أهلى، إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا، قال: فقلت ابنة حاتم، قال: فإذا هي هي، فلما وقفت على انسحلت تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك، قال: قلت: أي أخية، لا تقولي إلا خيرا، فوالله مالى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها، وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن، وأنت أنت، قال: قلت: والله إن هذا للرأى. قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه، وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال: من الرجل ؟ فقلت: عدى بن

[ 1002 ]

حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بى إلى بيته، فو الله إنه لعامد بى إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بى بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلى، فقال: اجلس على هذه، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض قال: في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم ! ألم تك ر كوسيا ؟ قال: قلت: بلى. [ قال ]: أولم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟ قال: قالت: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك، قال قلت: أجل والله، وقال: وعرفت أنه نبى مرسل، يعلم ما يجهل، ثم قال: لعلك يا عدى إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من خول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها [ حتى ] تزور هذا البيت، لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، قال: فأسلمت وكان عدى يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت. وايم الله لتكونن الثالثة، ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه.. قدوم فروة بن مسيك المرادى قال ابن إسحاق: وقدم فروة بن مسيك المرادى على رسول الله صلى الله

[ 1003 ]

عليه وسلم مفارقا لملوك كندة، ومباعدا لهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان قبيل الاسلام بين مراد وهمدان وقعة، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له: يوم الردم، فكان الذى قاد همدان إلى مراد الاجدع بن مالك في ذلك اليوم. قال ابن هشام: الذى قاد همدان في ذلك اليوم مالك بن حريم الهمداني. قال ابن إسحاق: وفى ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك: مررن على لفاة وهن خوص * ينازعن الاعنة ينتحينا فإن نغلب فغلابون قدما * وإن نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جبن، ولكن * منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال * تكر صروفه حينا فحينا فبينا ما نسر به ونرضى * ولو لبست غضارته سنينا إذ انفلبت به كرات دهر * فألفيت الاولى غبطوا طحينا فمن يغبط بريب الدهر منهم * يجد ريب الزمان له خئونا فلو خلد الملوك إذن خلدنا * ولو بقى الكرام إذن بقينا فأفنى ذلكم سروات قومي * كما أفنى القرون الاولينا قال ابن هشام: أول بيت منها، وقوله: " فإن نغلب " عن غير ابن إسحاق قال ابن إسحاق: ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة، قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي نؤم محمدا * أرجو فواضلها وحسن ثرائها

[ 1004 ]

قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة: " أرجو فواضله وحسن ثنائها ". قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني: يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم ؟ قال: يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا. واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قدوم عمرو بن معد يكرب في أناس من بنى زبيد وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن معد يكرب في أناس من بنى زبيد، فأسلم، وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادى، حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس، إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز، يقول إنه نبى، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول، فإنه لن يخفى عليك، وإذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك، وسفه رأيه، فركب عمرو بن معد يكرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم، وصدقه، وآمن به. فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا، وتحطم عليه، وقال: خالفني وترك رأيى، فقال عمرو بن معد يكرب في ذلك: أمرتك يوم ذى صنعاء * أمرا باديا رشده

[ 1005 ]

أمرتك باتقاء الله * والمعروف تتعده خرجت من المنى مثل الحمير * غره وتده تمنانى على فرس * عليه جالسا أسده على مفاضة كالنهي * أخلص ماءه جدده ترد الرمح منثنى السنان * عوائرا قصده فلو لا قيتنى للقيت * ليثا فوقه لبده تلاقى شنبثا شثن البراثن * ناشزا كتده يسامى القرن إن قرن * تيممه فيعتضده فيأخذه فيرفعه * فيخفضه فيقتصده فيدمغه فيحطمه * فيخضمه فيزدرده ظلوم الشرك فيما أحرزت * أنيابه ويده قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة: أمرتك يوم ذى صنعاء * أمرا بينا رشده أمرتك باتقاء الله * تأتيه وتتعده فكنت كذى الحمير غرره * مما به وتده ولم يعرف سائرها. قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك. فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو بن معد يكرب، وقال حين ارتد: وجدنا ملك فروة شر ملك * حمارا ساف منخره بثفر وكنت إذا رأيت لما أبا عمير * ترى الحولاء من خبث وغدر قال ابن هشام: قوله " بثفر " عن أبى عبيدة.

[ 1006 ]

قدوم الاشعث بن قيس في وفد كندة قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشعث ابن قيس، في وفد كندة، فحدثني الزهري ابن شهاب أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، وقد رجلوا جممهم وتكحلوا، وعليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألم تسلموا ؟ قالوا: بلى، قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم، قال: فشقوه منها، فالقوه. ثم قال له الاشعث بن قيس: يا رسول الله: نحو بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث، وكان العباس وربيعة رجلين تاجرين وكانا إذا شاعا في بعض العرب، فسئلا ممن هما ؟ قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعززان بذلك، وذلك أن كندة كانوا ملوكا، ثم قال لهم: لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا، ولا ننتفى من أبينا، فقال الاشعث بن قيس: هل فرغتم يا معشر كندة ؟ والله لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين. قال ابن هشام: الاشعث بن قيس من ولد آكل المرار من قبل النساء، وآكل المرار: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور مرتع بن معاوية بن كندى، ويقال: كندة، وإنما سمى آكل المرار، لان عمرو بن الهبولة الغساني أغار عليهم، وكان الحارث غائبا، فغنم وسبى، وكان فيمن سبى أم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني، امرأة الحارث

[ 1007 ]

ابن عمرو، فقالت لعمرو في مسيره: لكأنى برجل أدلم أسود، كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد أخذ برقبتك، تعنى الحارث، فسمى آكل المرار، والمرار: شجر. ثم تبعه الحارث في بنى بكر بن وائل، فلحقه، فقتله، واستنقنذ امرأته، وما كان أصاب. فقال الحارث بن حلزة اليشكرى لعمرو بن المنذر، وهو عمرو بن هند اللخمى: وأقدناك رب غسان بالمنذر * كرها إذ لا تكال الدماء لان الحارث الاعرج الغساني قتل المنذر أباه، وهذا البيت في قصيدة له. وهذا الحديث أطول مما ذكرت، وإنما منعنى من استقصائه ما ذكرت من القطع. ويقال: بل آكل المرار: حجر بن عمرو بن معاوية، وهو صاحب هذا الحديث، وإنما سمى آكل المرار، لانه أكل هو وأصحابه في تلك الغزوة شجرا يقال له المرار. قدوم صرد بن عبد الله الازدي قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الازدي، فأسلم، وحسن إسلامه، في وفد من الازد، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه. وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك، من قبل اليمن. فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزل بجرش، وهى يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم، فدخلوها معهم حين سمعوا بسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلا، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظن أهل جرش

[ 1008 ]

أنه إنما ولى عنهم منهزما، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم، فقتلهم قتلا شديدا. وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يرتادان وينظران، فبيناهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية بعد صلاة العصر، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأى بلاد الله شكر ؟ فقام إليه الجرشيان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كشر، وكذلك يسميه أهل جرش، فقال: إنه ليس بكشر، ولكنه شكر، قالا: فما شأنه يا رسول الله ؟ قال: إن بدن الله لتنحر عنده الآن، قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما، فقاما إليه، فسألاه ذلك، فقال: اللهم ارفع عنهم، فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى قومهما، فوجدوا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد الله، في اليوم الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، وفى الساعة التى ذكر فيها ما ذكر. وخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، وحمى لهم حمى حول قريتهم، على أعلام معلومة، للفرس والراحلة والمثيرة، بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فما لهم سحت، فقال في تلك الغزوة رجل من الارد - وكانت خثعم تصيب من الازد في الجاهلية، وكانوا يعدون في الشهر الحرام -: يا غزوة ما غزونا غير خائبة * فيها البغال وفيها الخيل والحمر حتى أتينا حميرا في مصانعها * وجمع خثعم قد شاعت لها النذر إذا وضعت غليلا كنت أحمله * فما أبالى أدانوا بعد أم كفروا

[ 1009 ]

قدوم رسل ملوك حمير بكتابهم وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير، مقدمه من تبوك، ورسلهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان، وبعث إليه زرعة ذويزن مالك ابن مرة الرهاوى بإسلامهم، ومفارقتهم الشرك وأهله. فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله النبي، إلى الحارث بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال، وإلى النعمان، قيل ذى رعين ومعافر وهمدان. أما بعد ذلكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلغ ما أرسلتم به، وخبر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم الرسول وصفيه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار، عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وإن في الابل الاربعين ابنة لبون، وفى ثلاثين من الابل ابن لبون ذكر وفى كل خمس من الابل شاة، وفى كل عشر من الابل شاتان، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع، جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة، وأنها فريضة الله التى فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه، وظاهر المؤمنين على المشركين، فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإنه من أسلم من يهودى أو نصراني، فإنه من المؤمنين، له مالهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته

[ 1010 ]

فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية، على كل حالم - ذكر أو أنثى، حر أو عبد - دينار واف من قيمة المعافر، أو عوضه ثيابا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله. أما بعد، فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرة، وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم، وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل، فلا ينقلبن إلا راضيا. أما بعد، فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوى قد حدثنى أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخونوا، ولا تحاذلوا، فإن رسول الله هو ولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاهل بيته، إنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكا قد بلغ الخبر، وحفظ الغيب، وآمركم به خيرا، وإنى قد أرسلت إليكم من صالحي أهلى وأولى دينهم وأولى علمهم، وآمرك بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصية الرسول معاذا حين بعثه إلى اليمن قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا، أوصاه وعهد إليه، ثم قال له: يسر ولا تعسر، وبشرولا تنفر، وإنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب، يسألونك ما مفتاح الجنة، فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: فخرج معاذ، حتى إذا قدم اليمن قام بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتته امرأة من أهل اليمن، فقالت: يا صاحب رسول الله، ما حق زوج

[ 1011 ]

المرأة عليها ؟ قال: ويحك ! إن المرأة لا تقدر على أن تؤدى حق زوجها. فأجهدي نفسك في أداء حقه ما استطعت، قالت: والله لثن كنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتعلم حق الزوج على المرأة، قال: ويحك ! لو رجعت إليه فوجدته تنثعب منخراه قيحا ودما، فمصصت ذلك حتى تذهبيه ما أديت حقه. إسلام فروة بن عمرو الجذامي قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي، ثم النفاثى، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام. فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه، لمبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فقال في محبسه ذلك: طرقت سليمى موهنا أصحابي * والروم بين الباب والقروان صد الخيال وساءه ما قد رأى * وهممت أن أغفى وقد أبكاني لا تكحلن العين بعدى إثمدا * سلمى، ولا تدنن للاتيان ولقد علمت أبا كبيشة أننى * وسط الاعزة لا يحصن لساني فلئن هلكت لتفقدن أخاكم * ولئن بقيت لتعرفن مكاني ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى * من جودة وشجاعة وبيان فلما أجمعت الروم لصلبه على ماء لهم، يقال له عفراء بفلسطين، قال: ألا هل أتى سلمى بأن حليلها * على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل على ناقة لم يضرب الفحل أمها * مشذبة أطرافها بالمناجل

[ 1012 ]

فزعم الزهري ابن شهاب، أنهم لما قدموه ليقتلوه قال: بلغ سراة المسلمين بأننى * سلم لربى أعظمي ومقامى ثم ضربوا عنقه، وصلبوه على ذلك الماء، يرحمه الله تعالى. إسلام بنى الحارث بن كعب على يد خالد بن الوليد لما سار إليهم قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، في شهر ربيع الآخر - أو جمادى الاولى - سنة عشر، إلى بنى الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام قبل أن يقاتلهم، ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الاسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبي رسول الله، من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، يا رسول الله صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بنى الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الاسلام، فإن أسلموا [ أقمت فيهم، و ] قبلت منهم، وعلمتهم معالم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإنى قدمت عليهم فدعوتهم إلى الاسلام ثلاثة أيام، كما أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثت فيهم ركبانا، قالوا: يا بنى الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم،

[ 1013 ]

آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نها هم الله عنه، وأعلمهم معالم الاسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولك تخبر أن بنى الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الاسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبد الله ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم، وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فأقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل معه وفد بنى الحارث ابن كعب، منهم قيس بن الحصين ذى الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشداد بن عبد الله القنانى، وعمرو ابن عبد الله الضبابى. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآهم، قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء رجال بنى الحارث بن كعب، فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه، وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم الذين إذا زجروا استقدموا، فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة، فقال يزيد بن عبد المدان: نعم، يا رسول الله، نحن الذين إذا

[ 1014 ]

زجروا استقدموا، قالها أربع مرار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن خالدا لم يكتب إلى أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا، لالقيت رءوسكم تحت أقدامكم، فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: فمن حمدتم ؟ قالوا: حمدنا الله عزوجل الذى هدانا بك يارسول الله، قال: صدقتم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية ؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا، قال: بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم، قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدا بظلم: قال: صدقتم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنى الحارث بن كعب قيس بن الحصين. فرجع وفد بنى الحارث إلى قومهم في بقية من شوال، أو في صدر ذى القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحم وبارك، ورضى وأنعم. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم، ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الاسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابا عهد إليه فيه عهده، وأمره فيه بأمره: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا بيان من الله ورسوله، يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهد من محمد النبي رسول الله لعمروبن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذى لهم، والذى عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم، ونهى عنه، فقال: (ألا لعنة الله على الظالمين -

[ 1015 ]

18 من سورة هود)، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته، وما أمر الله به، والحج الاكبر: الحج الاكبر، والحج الاصغر: هو العمرة، وينهى الناس أن يصلى أحد في ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى الناس أن يحتبى أحد في ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله عزوجل وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله، ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع، ويغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الارض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا يؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار وعشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وفى كل شعر من الابل شاتان، وفى كل عشرين أربع شياه، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع، جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة، فإنها فريضة الله التى افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وإنه من أسلم من يهودى أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الاسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل مالهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها، وعلى كل حالم: ذكر أو أنثى، حر أو عبد، دينار واف أو عوضه ثيابا.

[ 1016 ]

فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. قدوم رفاعة بن زيد الجذامي وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية، قبل خيبر، رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيبى، فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما، وأسلم فحسن إسلامه، وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى قومه. وفى كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله، لرفاعة بن زيد. إنى بعثته إلى قومه عامة، ومن دخل فيهم، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فمن أقبل منهم ففى حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين. فلما قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا، ثم ساروا إلى الحرة: حرة الرجلاء، ونزلوها. قدوم وفد همدان قال ابن هشام: وقدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما حدثنى من أثق به، عن عمرو بن عبد الله بن أذينة العبدى، عن أبى إسحاق السبيعى، قال: قدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم مالك ابن نمط، وأبو ثور، وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السلمانى وعميرة بن مالك الخارفي، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعة من تبوك وعليهم مقطعات الحبرات، والعمائم العدنية، برحال الميس على المهرية

[ 1017 ]

والارحبية، ومالك بن نمط ورجل آخر يرتجزان بالقوم، يقول أحدهما: همدان خيرسوقة وأقيال * ليس لها في العالمين أمثال محلها الهضب ومنها الابطال * لها أطابات بها وآكال ويقول الآخر: إليك جاوزن سواد الريف * في هبوات الصيف أو الخريف مخطمات بجبال الليف فقام مالك بن نمط بين يديه، فقال: يا رسول الله، نصية من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الاسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السود والقود أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا الالهات الانصاب، عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور بصلع. فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من رسول الله محمد، لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرمل، مع وافدها ذى المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم معه من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها ويرعون عافيها، لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والانصار. فقال: في ذلك مالك بن نمط: ذكرت رسول الله في فحمة الدجى * ونحن بأعلى رحرحان وصلدد وهن بنا خوص طلائح تغتلى * بركبانها في لاحب متمدد على كل فتلاء الذراعين جسرة * تمر بنا مر الهجف الخفيدد حلفت برب الراقصات إلى منى * صوادر بالركبان من هضب قردد

[ 1018 ]

بأن رسول الله فينا مصدق رسول أتى من عند ذى العرش مهتدى فما حملت من ناقة فوق رحلها * أشد على أعدائه من محمد وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه * وأمضى بحد المشرفى المهند ذكر الكذابين: مسيلمة الحنفي، والاسود العنسى قال ابن إسحاق: وقد كان تكلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذابان مسيلمة بن حبيب باليمامة في بنى حنيفة، والاسود بن كعب العنسى بصنعاء. قال ابن إسحاق: حدثنى يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار أو أخيه سليمان بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على منبره، وهو يقول: أيها الناس، إنى قد رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها، ورأيت في ذراعي سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمن، وصاحب اليمامة. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أبى هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا، كلهم يدعى النبوة. خروج الامراء والعمال على الصدقات قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الاسلام من البلدان: فبعث المهاجر بن أبى أمية ابن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسى وهو بها، وبعث زياد بن لبيد، أخا

[ 1019 ]

بنى بياضة الانصاري، إلى حضر موت وعلى صدقاتها، وبعث عدى بن حاتم على طيئ وصدقاتها، وعلى بنى أسد، وبعث مالك بن نويرة - قال ابن هشام: اليربوعي - على صدقات بنى حنظلة، وفرق صدقة بنى سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية، وكان قد بعث العلاء ابن الحضرمي على البحرين، وبعث على بن أبى طالب رضوان الله عليه إلى أهل نجران، ليجمع صدقتهم ويقدم عليه بجزيتهم. كتاب مسيلمة إلى رسول الله، والجواب عنه وقد كان مسيلمة بن حبيب، قد كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله: سلام عليك، أما بعد، فإنى قد أشركت في الامر معك، وإن لنا نصف الارض، ولقريش نصف الارض، ولكن قريشا قوم يعتدون. فقدم عليه رسولان له بهذا الكتاب. قال ابن إسحاق: فحدثني شيخ من أشجع، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الاشجعى، عن أبيه نعيم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهما حين قرأ كتابه: فما تقولان أنتما ؟ قالا: نقول كما قال، فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما. ثم كتب إلى مسيلمة: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. وذلك في آخر سنة عشر.

[ 1020 ]

حجة الوداع قال ابن إسحاق: فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة، تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذى القعدة. قال ابن هشام: فاستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي، ويقال: سباع بن عرفطة الغفاري. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: لا يذكر ولا يذكر الناس إلا الحج، حتى إذا كان بسرف وقد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه الهدى وأشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن يحلوا بعمرة، إلا من ساق الهدى، قالت: وحضت ذلك اليوم، فدخل على وأنا أبكى، فقال: مالك يا عائشة ؟ لعلك نفست ؟ قالت: قلت: نعم، والله لوددت أنى لم أخرج معكم عامى هذا في هذا السفر، فقال: لا تقولن ذلك فإنك تقضين كل ما يقضى الحاج إلا أنك لا تطوفين بالبيت. قالت: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فحل كل من كان لا هدى معه، وحل نساؤه بعمرة، فلما كان يوم النحر أتيت بلحم بقر كثير، فطرح في بيتى، فقلت: ما هذا ؟ قالوا: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر، حتى إذا كانت ليلة الحصبة، بعث بى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخى عبد الرحمن بن أبى بكر فأعمرني من التنعيم، مكان عمرتي التى فاتتني. قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر

[ 1021 ]

عن حفصة بنة عمر، قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أن يحللن بعمرة، قلن: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا ؟ فقال: إنى أهديت ولبدت، فلا أحل حتى أنحر هديى. موافاة على في قفوله من اليمن رسول الله في الحج قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث عليا رضى الله عنه إلى نجران، فلقيه بمكة وقد أحرم، فدخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنها، فوجدها قد حلت وتهيأت، فقال: مالك يا بنت رسول الله ؟ قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحل بعمرة فحللنا، قال: ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من الخبر عن سفره، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق فطف بالبيت وحل كما حل أصحابك ؟ قال: يا رسول الله إنى أهللت كما أهللت، فقال: ارجع فاحلل كما حل أصحابك، قال: يا رسول الله، إنى قلت حين أحرمت: اللهم إنى أهل بما أهل به نبيك وعبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم، قال: فهل معك من هدى ؟ قال: لا، فأشركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه، وثبت على إحرامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى فرغا من الحج، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدى عنهما. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: لما أقبل على رضى الله عنه من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذى كان مع على رضى الله عنه، فلما دنا جيشة خرج

[ 1022 ]

ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ! ما هذا ؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس، قال:: ويلك ! انزع قبل أن تنتهى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب، وكانت عند أبى سعيد الخدرى، عن أبى سعيد الخدرى، قال: اشتكى الناس عليا رضوان الله عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا، فسمعته يقول: أيها الناس، لا تشكوا عليا، فو الله إنه لاخشن في ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يشكى. قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التى بين فيها ما بين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم [ كان ] في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعا في بنى ليث، فقتلته هذيل - فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن

[ 1023 ]

يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذوره على دينكم، أيها الناس: إن النسئ زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والارض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب مضر، الذى بين جمادى وشعبان. أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لانفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس، اسمعوا قولى واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت ؟ فذكر لى أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أشهد. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: كان الرجل الذى يصرخ في الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة، ربيعة بن أمية بن خلف، قال: يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يأيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه يقول: هل تدرون أي شهر

[ 1024 ]

هذا ؟ فيقول لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول: قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماء كم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا، ثم يقول: قل: يا أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هل تدرون أي بلد هذا ؟ قال: فيصرخ به، قال: فيقولون: البلد الحرام، قال: فيقول: قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماء كم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة بلدكم هذا، قال: ثم يقول: قل: يا أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هل تدرون أي يوم هذا ؟ قال: فيقوله لهم، فيقولون: يوم الحج الاكبر، قال: فيقول: قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا. قال ابن إسحاق: حدثنى ليث بن أبى سليم عن شهر بن حوشب الاشعري، عن عمرو بن خارجة قال: بعثنى عتاب بن أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة، فبلغته، ثم وقفت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لغامها ليقع على رأسي، فسمعته وهو يقول: أيها الناس، إن الله قد أدى إلى كل ذى حق حقه، وإنه لا تجوز وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقف بعرفة، قال: هذا الموقف، للجبل الذى هو عليه، وكل عرفة موقف. وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة: هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف. ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: هذا المنحر، وكل منى منحر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج وقد أراهم مناسكهم، وأعلمهم

[ 1025 ]

ما فرض الله عليهم من حجهم: من الموقف، ورمى الجمار، وطواف بالبيت، وما أحل لهم من حجهم، وما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج بعدها. بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين قال ابن إسحاق: ثم قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم وصفرا، وضرب على الناس بعثا إلى الشام، وأمر عليهم أسامة ابن زيد بن حارثة مولاه، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة بن زيد المهاجرون الاولون. خروج رسل رسول الله إلى الملوك قال ابن هشام: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الملوك رسلا من أصحابه، وكتب معهم إليهم يدعوهم إلى الاسلام. قال ابن هشام: حدثنى من أثق به عن أبى بكر الهذلى قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التى صد عنها يوم الحديبية، فقال: أيها الناس، إن الله قد بعثنى رحمة وكافة، فلا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم، فقال أصحابه: وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله ؟ قال: دعاهم إلى الذى دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضى وسلم، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل، فكشا ذلك عيسى إلى الله، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الامة التى بعث إليها. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا من أصحابه، وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الاسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبى إلى قيصر، ملك الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى، ملك قارس، وبعث

[ 1026 ]

عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي، ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس، ملك الاسكندرية، وبعث عمرو بن العاص السهمى إلى جيفر وعياذ ابني الجلندى الازديين، ملكى عمان، وبعث سليط بن عمرو، أحد بنى عامر بن لؤى، إلى ثمامة بن أثال، وهوذة بن على الحنفيين، ملكى اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدى، ملك البحرين، وبعث شجاع بن وهب الاسدي إلى الحارث بن أبى شمر الغساني، ملك تخوم الشام. قال ابن هشام: بعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الايهم الغساني، وبعث المهاجر بن أبى أمية المخزومى إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى، ملك اليمن. قال ابن هشام: أنا نسبت سليطا وثمامة وهوذة والمنذر. قال ابن إسحاق: حدثنى يزيد بن أبى حبيب المصرى: أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان وملوك العرب والعجم، وما قال لاصحابه حين بعثهم. قال: فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال لهم: إن الله بعثنى رحمة وكافة، فأدوا عنى يرحمكم الله، ولا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم، قالوا: وكيف يا رسول الله كان اختلافهم ؟ قال: دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأما من قرب به فأحب وسلم، وأما من بعد به فكره وأبى، فشكا ذلك عيسى منهم إلى الله، فأصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم. قال ابن إسحاق: وكان من بعث عيسى بن مريم عليه السلام من الحواريين والاتباع، الذين كانوا بعدهم في الارض: بطرس الحوارى، ومعه بولس، وكان بولس من الاتباع، ولم يكن من الحواريين، إلى رومية، وأندرائس ومنتا إلى الارض التى يأكل أهلها الناس، وتوماس إلى أرض بابل، من أرض المشرق، وفيلبس إلى أرض قرطاجنة، وهى إفريقية، ويحنس إلى أفسوس، قربة

[ 1027 ]

الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أوراشلم، وهى إيلياء، قرية بيت المقدس، وابن ثلماء إلى الاعرابية، وهى أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر، ويهوذا، ولم يكن من الحواريين، جعل مكان يودس. ذكر جملة الغزوات بسم الله الرحمن الرحيم قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلبى: وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين غزوة، منها غزوة ودان، وهى غزوة الابواء، ثم غزوة بواط، من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة: من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الاولى، يطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى، التى قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بنى سليم، حتى بلغ الكدر، ثم غزوة السويق، يطلب أبا سفيان ابن حرب، ثم غزوة غطفان، وهى غزوة ذى أمر، ثم غزوة بحران، معدن بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الاسد، ثم غزوة بنى النضير، ثم غزوة ذات الرفاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان، من هذيل، ثم غزوة ذى قرد، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية، لا يريد قتالا، فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف.

[ 1028 ]

ذكر جملة السرايا والبعوث وكانت بعوثه صلى الله عليه وسلم وسراياه ثمانيا وثلاثين، من بين بعث وسرية: غزوة عبيدة بن الحارث أسفل من ثنية ذى المرة، ثم غزوة حمزة ابن عبد المطلب ساحل البحر، من ناحية العيص، وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة، وغزوة سعد بن أبى وقاص الخرار، وغزوة عبد الله ابن جحش نخلة، وغزوة زيد بن حارثة القردة، وغزوة محمد بن مسلمة كعب ابن الاشراف، وغزوة مرثد بن أبى مرثد الغنوى الرجيع، وغزوة المنذر ابن عمرو بئر معونة، وغزوة أبى عبيدة بن الجراح ذا القصة، من طريق العراق، وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بنى عامر، وغزوة على ابن أبى طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبى، كلب ليث، الكديد، فأصاب بنى الملوح. خبر غزوة غالب بن عبد الله الليثى بنى الملوح وكان من حديثها أن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، حدثنى عن مسلم بن عبد الله بن خبيب الجهنى [ عن المنذر (1) ] عن جندب بن مكيث الجهنى، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبى، كلب بن عوف بن ليث، في سرية كنت فيها، وأمره أن يشن الغارة على بنى الملوح، وهم بالكديد، فخرجنا، حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن مالك، وهو ابن البرصاء الليثى، فأخذناه، فقال: إنى جئت أريد الاسلام، ما خرجت إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا له: إن تلك مسلما فلن يضبرك رباط ليلة، وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك، فشددناه رباطا، ثم خلفنا عليه رجلا من أصحابنا أسود، وقلنا له: إن عازك فاحتزر رأسه.


(1) زياده في بعض النسخ، ولا تستقيم. (*)

[ 1029 ]

قال: ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكنا في ناحية الوادي، ويعثنى أصحابي ربيئة لهم، فخرجت حتى آتى تلا مشرفا على الحاضر. فأسندت فيه، فعلوت في رأسه، فنظرت إلى الحاضر، فو الله إنى لمنبطح على التل، إذ خرج رجل منهم من خبائه، فقال لامرأته: إنى لارى على التل سوادا ما رأيته في أول يومى، فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين منها شيئا، لا تكون الكلاب جرت بعضها، قال: فنظرت، فقالت: لا، والله ما أفقد شيئا، قال: فناوليني قوسى وسهمين، فناولته، قال: فأرسل سهما، فوالله ما أخطأ جنبى، فأنزعه، فأضعه، وثبت مكاني، قال: ثم أرسل الآخر، فوضعه في منكبي، فأنزعه فأضعه، وثبت مكاني، فقال لامرأته: لو كان ربيئة لقوم لقد تحرك، لقد خالطه سهماى لا أبالك، إذا أصبحت فابتغيهما، فخذيهما، لا يمضغهما على الكلاب، قال: ثم دخل. قال: وأمهلناهم، حتى إذا اطمأنوا وناموا، وكان في وجه السحر، شننا عليهم الغارة، قال: فقتلنا، واستقنا النعم، وخرج صريخ القوم، فجاءنا دهم لا قبل لنا به، ومضينا بالنعم، ومررنا بابن البرصاء وصاحبه، فاحتملناهما معنا، قال: وأدركنا القوم حتى قربوا منا، قال: فما بيننا وبينهم إلا وادى قديد، فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى، ومن غير سحابة نراها، ولا مطر، فجاء بشئ ليس لاحد به قوة، ولا يقدر على أن يجاوزه، فوقفوا ينظرون إلينا، وإنا لنسوق نعمهم، ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا، ونحن نحدوها سراعا، حتى فتناهم، فلم يقدروا على طلبنا. قال: فقدمنا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من أسلم، عن رجل منهم: أن شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تلك الليلة: أمت أمت. فقال راجز من المسلمين وهو يحدوها.

[ 1030 ]

أبى أبو القاسم أن تعزبى * في خضل نباته مغلولب صفر أعاليه كلون المذهب قال ابن هشام: ويروى: " كلون الذهب ". تم خبر الغزاة، وعدت إلى ذكر تفصيل السرايا والبعوت. قال ابن إسحاق: وغزوة على بن أبى طالب رضى الله عنه بنى عبد [ الله ] بن سعد من أهل فدك، وغزوة أبى العوجاء السلمى أرض بنى سليم، أصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عكاشة بن محصن الغمرة، وغزوة أبى سلمة بن عبد الاسد قطنا، ماء من مياه بنى أسد، من ناحية نجد، قتل بها مسعود بن عروة، وغزوة محمد بن مسلمة، أخى بنى حارثة " القرطاء " من هوازن، وغزوة بشير بن سعد بنى مرة بفدك، وغزوة بشير بن سعد ناحية خيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بنى سليم، وغزوة زيد بن حارثة جذام، من أرض خشين. قال ابن هشام: عن نفسه، والشافعي عن عمرو بن حبيب عن ابن إسحاق: من أرض حسمى. غزوة زيد بن حارثة إلى جذام قال ابن إسحاق: وكان من حديثها كما حدثنى من لا أتهم، عن رجال من جذام كانوا علماء بها: أن رفاعة بن زيد الجذامي، لما قدم على قومه من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوهم إلى الاسلام، فاستجابوا له، لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبى من عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إليه ] ومعه تجارة له، حتى إذا كانوا بواد من أوديتهم يقال له شنار، أغار على دحية بن خليفة الهنيد بن عوص، وابنه عوص

[ 1031 ]

ابن الهنيد الضلعيان. والضليع: بطن من جذام، فأصابا كل شئ كان معه، فبلغ ذلك قوما من الضبيب، رهط رفاعة بن زيد، ممن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه، فيهم من بنى الضبيب النعمان بن أبى جعال، حتى لقوهم، فاقتتلوا، وانتمى يومئذ قرة بن أشقر الضفارى ثم الضلعى، فقال: أنا ابن لبنى، ورمى النعمان بن أبى جعال بسهم، فأصاب ركبته، فقال حين أصابه: خذها وأنا ابن لبنى، وكانت له أم تدعى لبنى، وقد كان حسان بن ملة الضبيبى قد صحب دحية بن خليفة قبل ذلك، فعلمه أم الكتاب. قال ابن هشام: ويقال: قرة بن أشقر الضفارى، وحيان بن ملة. قال ابن إسحاق: حدثنى من لا أتهم، عن رجال من جذام، قال: فاستنقذوا ما كان في يد الهنيد وابنه، فردوه على دحية، فخرج دحية، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبره، واستسقاه دم الهنيد وابنه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إليهم ] زيد بن حارثة، وذلك الذى هاج غزوة زيد جذام، وبعث معه جيشا، وقد وجهت غطفان من جذام ووائل ومن كان من سلامان وسعد بن هذيم، حين جاءهم رفاعة بن زيد، بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزلوا الحرة حرة الرجلاء، ورفاعة بن زيد بكراع رية، لم يعلم، ومعه ناس من بنى الضبيب، وسائر بنى الضبيب بوادي مدان، من ناحية الحرة، مما يسيل مشرقا، وأقبل جيش زيد بن حارثة من ناحية الاولاج، فأغار بالماقص من قبل الحرة، فجمعوا ما وجدوا من مال أو ناس، وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بنى الاخنف. قال ابن هشام: من بنى الاحنف. قال ابن إسحاق في حديثه: ورجلا من بنى الخصيب، فلما سمعت بذلك بنو الضبيب والجيش بفيفاء مدان ركب نفر منهم، وكان فيمن ركب معهم

[ 1032 ]

حسان بن ملة، على فرس لسويد بن زيد، يقال لها العجاجة، وأنيف بن ملة على فرس لملة يقال لها: رغال، وأبو زيد بن عمرو على فرس يقال له لها شمر، فانطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش، قال أبو زيد وحسان لانيف بن ملة: كف عنا وانصرف، فإنا نخشى لسانك، فوقف عنهما، فلم يبعدا منه حتى جعلت فرسه تبحث بيديها وثوثب، فقال: لانا أضن بالرجلين منك بالفرسين، فأرخى لها، حتى أدركهما، فقالا له: أما إذا فعلت ما فعلت فكف عنا لسانك، ولا تشأمنا اليوم، فتواصوا أن لا يتكلم منهم إلا حسان بن ملة، وكانت بينهم كلمة في الجاهلية قد عرفها بعضهم من بعض، إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: بورى أو ثورى، فلما برزوا على الجيش، أقبل القوم يبتدرونهم، فقال لهم حسان: إنا قوم مسلمون، وكان أول من لقيهم رجل على فرس أدهم، فأقبل يسوقهم، فقال أنيف: بورى، فقال حسان: مهلا، فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان: إنا قوم مسلمون، فقال له زيد: فاقرءوا أم الكتاب، فقرأها حسان، فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجيش إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التى جاءوا منها إلا من ختر. قال ابن إسحاق: وإذا أخت حسان بن ملة - وهى امرأة أبى وبر بن عدى بن أمية بن الضبيب - في الاسارى، فقال له زيد: خذها، وأخذت بحقويه، فقالت أم الفزر الضلعية: أتنطلقون ببناتكم وتذرون أمهاتكم ؟ فقال أحد بنى الخصيب: إنها بنو الضبيب وسحر ألسنتهم سائر اليوم، فسمعها بعض الجيش، فأخبر بها زيد بن حارثة، فأمر بأخت حسان، ففكت يداها من حقويه، وقال لها: اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه، فرجعوا، ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذى جاءوا منه، فأمسوا في أهليهم، واستعتموا ذودا لسويد بن زيد، فلما شربوا عتمتهم، ركبوا إلى رفاعة بن زيد، وكان ممن ركب إلى رفاعة بن زيد تلك الليلة: أبو زيد

[ 1033 ]

ابن عمرو، وأبو شماس بن عمرو، وسويد بن زيد، وبعجة بن زيد، وبرذع ابن زيد، وثعلبة بن زيد، ومخرجة بن عدى، وأنيف بن ملة، وحسان بن ملة، حتى صبحوا رفاعة بن زيد بكراع رية، بظهر الحرة، على بئر هنالك من حرة ليلى، فقال له حسان بن ملة: إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرها كتابك الذى جئت به، فدعا رفاعة بن زيد بجمل له، فجعل يشد عليه رحله وهو يقول: * هل أنت حى أو تنادى حيا * ثم غداوهم معه بأمية بن ضفارة أخى الخصيبى المقتول، مبكرين من ظهر الحرة، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال، فلما دخلوا المدينة، وانتهوا إلى المسجد، نظر إليهم رجل من الناس، فقال: لا تنيخوا إبلكم، فتقطع أيديهن، فنزلوا عنهن وهن قيام، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم ألاح إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس، فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق، قام رجل من الناس فقال: يا رسول الله، إن هؤلاء قوم سحرة، فرددها مرتين، فقال رفاعة بن زيد: رحم الله من لم يحذنا في يومه هذا إلا خيرا. ثم دفع رفاعة ابن زيد كتابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كان كتبه له، فقال: دونك يا رسول الله قديما كتابه، حديثا غدره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأه يا غلام، وأعلن، فلما قرأ كتابه استخبرهم، فأخبروه الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع بالقتلى ؟ - ثلاث مرات -. فقال رفاعة: أنت يارسول الله أعلم، لا نحرم عليك حلالا، ولا نحلل لك حراما، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمى هذه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق أبو زيد، أركب معهم يا على، فقال له على رضى الله عنه: إن زيدا لن يطيعني يا رسول الله، قال: فخذ

[ 1034 ]

سيفى هذا، فأعطاه سيفه، فقال على: ليس لى يا رسول الله راحلة أركبها، فحملوه على بعيرها لثعلبة بن عمرو، يقال له مكحال، فخرجوا، فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبى وبر، يقال لها: الشمر، فأنزلوه عنها، فقال: يا على ما شأني ؟ فقال: مالهم، عرفوه فأخذوه، ثم ساروا فلقوا الجيش بفيفاء الفحلتين فأخذوا ما في أيديهم، حتى كانوا ينزعون لبيد المرأة من تحت الرحل، فقال أبو جعال حين فرغوا من شأنهم. وعاذلة ولم تعذل بطب * ولولا نحن حش بها السعير تدافع في الاسارى بابنتيها * ولا يرجى لها عتق يسير ولو وكلت إلى عوص وأوس * لحار بها عن العتق الامور ولو شهدت ركائبنا بمصر * تحاذر أن يعل بها المسير وردناء ماء يثرب عن حفاظ * لربع إنه قرب ضرير بكل مجرب كالسيد نهد * على أقتاد ناجية صبور فدى لابي سليمى كل جبس * بيثرب إذ تناطحت النحور غداة ترى المجرب مستكينا * خلاف القوم هامته تدور قال ابن هشام: قوله " ولا يرجى لها عتق يسير ". وقوله: " عن العتق الامور " عن غير ابن إسحاق. تمت الغزاة، وعدنا إلى تفصيل ذكر السرايا والبعوث. قال ابن إسحاق: وغزوة زيد بن حارثة أيضا الطرف من ناحية نخل، من طريق العراق. غزوة زيد بن حارثة بني فزارة، ومصاب أم قرفة وغزوة زيد بن حارثة أيضا وادى القرى، لقى به بنى فزارة، فأصيب بها

[ 1035 ]

ناس من أصحابه، وارتث زيد من بين القتلى، وفيها أصيب ورد بن عمرو بن مداش، وكان أحد بنى سعد بن هذيل، أصابه أحد بنى بدر. قال ابن هشام: سعد بن هذيم. قال ابن إسحاق: فلما قدم زيد بن حارثة آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بنى فزارة، فلما استبل من جراحته بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى فزارة في جيش، فقتلهم بوادي القرى، وأصاب فيهم، وقتل قيس ابن المسحر اليعمرى مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر، وأسرت أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر، كانت عجوزا كبيرة عند مالك بن حذيفة ابن بدر، وبنت لها، وعبد الله بن مسعدة، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر أن يقتل أم قرفة، فقتلها قتلا عنيفا، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم قرفة، وبابن مسعدة. وكانت بنت أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الاكوع، كان هو الذى أصابها وكانت في بيت شرف من قومها، كانت العرب تقول: " لو كنت أعز من أم قرفة ما زدت ". فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة، فوهبها له، فأهداها لخاله حزن بن أبى وهب، فولدت له عبد الرحمن بن حزن. فقال قيس بن المسحر في قتل مسعدة: سعيت بورد مثل سعى ابن أمه * وإنى بورد في الحياة لثائر كررت عليه المهر لما رأيته * على بطل من آل بدر مغاور فركبت فيه قعضبيا كأنه * شهاب بمعراة يذكى لناظر غزوة عبد الله بن رواحة لقتل اليسير بن رزام وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين: إحداهما التى أصاب فيها اليسير ابن رزام.

[ 1036 ]

قال ابن هشام: ويقال ابن رازم. وكان من حديث اليسير بن رزام أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه، منهم عبد الله بن أنيس حليف بنى سلمة، فلما قدموا عليه كلموه، وقربوا له، وقالوا له: إنك ان قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعملك وأكرمك، فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره، حتى إذا كانوا بالقرقرة من خيبر، على ستة أميال، ندم اليسير بن رزام على مسيره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففطن له عبد الله بن أنيس، وهو يريد السيف، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف، فقطع رجله، وضربه اليسير بمخرش في يده من شوحط، فأمه، ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من يهود فقتله، إلا رجلا واحدا أفلت على رجليه، فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل على شجته، فلم تقح ولم تؤذه. وغزوة عبد الله بن عتيك خيبر، فأصاب بها أبا رافع بن أبى الحقيق. غزوة عبد الله بن أنيس، لقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلى وغزوة عبد الله بن أنيس خالد بن سفيان بن نبيح، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وهو بنخلة أو بعرنة، يجمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ليغزوه، فقتله. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قال عبد الله ابن أنيس: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه قد بلغني أن ابن سفيان بن نبيح الهذلى يجمع لى الناس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعرنة، فأته

[ 1037 ]

فاقتله. قلت: يا رسول الله، انعته لى حتى أعرفه. قال: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة. قال: فخرجت متوشحا سيفى، حتى دفعت إليه وهو في ظعن يرتاد لهن منزلا وحيث كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن تكون بينى وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه، أومئ برأسي، فلما انتهيت إليه، قال: من الرجل ؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لذلك. قال: أجل، إنى لفى ذلك. قال: فمشيت معه شيئا، حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف، فقتلته، ثم خرجت، وتركت ظعائنه منكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأني، قال: أفلج الوجه، قلت: قد قتلته يا رسول الله، قال: صدقت. ثم قام بى، فادخلني بيته، فأعطاني عصا، فقال: أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس. قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا ؟ قلت: أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرني أن أمسكها عندي. قالوا: أفلا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله لم ذلك ؟ قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا ؟ قال: آية ببنى وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المتخصرون يومئذ، قال: فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه، فلم تزل معه حتى مات، ثم أمر بها فضمت في كفته، ثم دفنا جميعا. قال ابن هشام: وقال عبد الله بن أنيس في ذلك: تركت ابن ثور كالحوارو حوله * نوائح تفرى كل جيب مقدد تناولته والظعن خلفي وخلفه * بأبيض من ماء الحديد مهند

[ 1038 ]

عجوم لهام الدارعين كأنه * شهاب غضى من ملهب متوقد أقول له والسيف يعجم رأسه: * إنا ابن أنيس فارسا غير قعدد أنا ابن الذى لم ينزل الدهر قدره * رحيب فناء الدار غير مزند وقلت له: خذها بضربة ماجد * حنيف على دين النبي محمد وكنت إذا هم النبي بكافر * سبقت إليه باللسان وباليد تمت الغزاة، وعدنا إلى خبر البعوث. قال ابن إسحاق: وغزوة زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة مؤتة من أرض الشام، فأصيبوا بها جميعا، وغزوة كعب بن عمير الغفاري ذات أطلاح، من أرض الشام، أصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بنى العنبر من بنى تميم. غزوة عيينة بن حصن بنى العنبر من بنى تميم وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم، فأغار عليهم، فأصاب منهم أناسا، وسبى منهم أناسا. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن على رقبة من ولد إسماعيل، قال: هذا سبى بنى العنبر يقدم الآن، فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه. قال ابن إسحاق: فلما قدم بسبيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ركب فيهم وفد من بنى تميم، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم ربيعة بن رفيع، وسبرة بن عمرو، والقعقاع بن معبد، ووردان بن محرز، وقيس بن عاصم، ومالك بن عمرو، والاقرع بن حابس، وفراس بن حابس، فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فأعتق بعضا، وأفدى بعضا، وكان

[ 1039 ]

ممن قتل يومئذ من بنى العنبر: عبد الله وأخوان له، بنو وهب، وشداد بن فراس، وحنظلة بن دارم، وكان ممن سبى من نسائهم يومئذ: أسماء بنت مالك، وكأس بنت أرى، ونجوة بنت نهد، وجميعة بنت قيس، وعمرة بنت مطر. فقالت في ذلك اليوم سلمى بنت عتاب: لعمري لقد لاقت عدى بن جندب * من الشر مهواة شديدا كئودها تكنفها الاعداء من كل جانب * وغيب عنها عزها وجدودها * قال ابن هشام: وقال الفرزدق في ذلك: وعند رسول الله قام ابن حابس * بخطة سوار إلى المجد حازم له أطلق الاسرى التى في حباله * مغللة أعناقها في الشكائم كقى أمهات الخائفين عليهم * غلاء المفادى أو سهام المقاسم وهذه الابيات في قصيدة له. وعدى بن جندب من بنى العنبر، والعنبر ابن عمرو بن تميم. غزوة غالب بن عبد الله أرض بنى مرة قال ابن إسحاق: وغزوة غالب بن عبد الله الكلبى - كلب ليث - أرض بنى مرة، فأصاب بها مرداس بن نهيك، حليفا لهم من الحرقة، من جهينة، قتله أسامة بن زيد، ورجل من الانصار. قال ابن هشام: الحرقة، فيما حدثنى أبو عبيدة. قال ابن إسحاق: وكان من حديثه عن أسامة بن زيد، قال: أدركته أنا ورجل من الانصار، فلما شهرنا عليه السلاح، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه خبره، فقال: يا أسامة، من لك بلا إله إلا الله ؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنه

[ 1040 ]

إنما قالها تعوذا [ بها ] من القتل. قال، فمن لك بها يا أسامة ؟ قال: فو الذى بعثه بالحق ما زال يرددها على حتى لوددت أن ما مضى من إسلامى لم يكن، وأنى كنت أسلمت يومئذ، وأنى لم أقتله، قال: قلت: أنظرني يا رسول الله، إنى أعاهد الله أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا، قال: تقول بعدى يا أسامة، قال: قلت بعدك. غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بنى عذرة، وكان من حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه يستنفر العرب إلى الشام. وذلك أن أم العاص بن وائل كانت امرأة من بلى، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم لذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام، يقال له السلسل، وبذلك سميت تلك الغزوة، غزوة ذات السلاسل، فلما كان عليه خاف فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الاولين، فيهم أبو بكر وعمر، وقال لابي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا، فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه، قال له عمرو: إنما جئت مددا لى، قال أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه، وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا فقال له عمرو: بل أنت مدد لى، فقال: أبو عبيدة: يا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لى: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك، قال: فإنى الامير عليك، وأنت مدد لى، قال: فدونك، فصلى عمرو بالناس. قال: وكان من الحديث في هذه الغزاة: أن رافع بن أبى رافع الطائى، وهو رافع بن عميرة، كان يحدث - فيما بلغني - عن نفسه قال: كنت امرأ نصرانيا، وسميت سرجس، فكنت أدل الناس وأهداهم بهذا الرمل، كنت أدفن الماء

[ 1041 ]

في بيض النعام بنواحي الرمل في الجاهلية، ثم أغير على إبل الناس، فإذا أدخلتها الرمل غلبت عليها، فلم يستطع أحد أن يطلبني فيه، حتى أمر بذلك الماء الذى خبأت في بيض النعام فأستخرجه، فأشرب منه، فلما أسلمت خرجت في تلك الغزوة التى بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، قال: قلت: والله لاختارن لنفسي صاحبا، قال: فصحبت أبا بكر، قال: فكنت معه في رحله، قال: وكانت عليه عباءة له فدكية، فكان إذا نزلنا بسطها، وإذا ركبنا لبسها ثم شكها عليه بخلال له، قال: وذلك الذى له يقول أهل نجد حين ارتدوا كفارا: نحن نبايع ذا العباءة ! قال: فلما دنونا من المدينة قافلين، قال: قلت: يا أبا بكر، إنما صحبتك لينفعني الله بك، فانصحني وعلمني، قال: لو لم تسألني ذلك لفعلت، قال: آمرك أن توحد الله ولا تشرك به شيئا، وأن تقيم الصلاة، وأن تؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج هذا البيت، وتغتسل من الجنابة، ولا تتأمر على رجل من المسلمين أبدا. قال: قلت: يا أبا بكر، أما أنا والله فإنى أرجوا أن لا أشرك بالله أحدا أبدا، وأما الصلاة فلن أتركها أبدا إن شاء الله، وأما الزكاة فإن يك لى مال أؤدها إن شاء الله، وأما رمضان فلن أتركه أبدا إن شاء الله، وأما الحج فإن استطع أحج إن شاء الله تعالى، وأما الجنابة فسأغتسل منها إن شاء الله، وأما الامارة فإنى رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند الناس إلا بها، فلم تنهانى عنها ؟ قال: إنك إنما استجهدتنى لاجهد لك، وسأخبرك عن ذلك: إن الله عزوجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الدين، فجاهد عليه حتى دخل الناس فيه طوعا وكرها، فلما دخلوا فيه كانوا عواذ الله وجيرانه، وفى ذمته، فإياك لا تخفر الله في جيرانه، فيتبعك الله خفرته، فإن أحدكم يخفر في جاره، فيظل ناتئا عضله، غضبا لجاره أن أصيب له شاة

[ 1042 ]

أو بعيره، فالله أشد غضبا لجاره. قال: ففارقته على ذلك. قال: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر أبو بكر على الناس، قال: قدمت عليه، فقلت له: يا أبا بكر، ألم تك نهيتني عن أن أتأمر على رجلين من المسلمين ؟ قال: بلى، وأنا الآن أنهاك عن ذلك، قال، فقلت له: فما حملك على أن تلى أمر الناس ؟ قال: لا أجد من ذلك بدا، خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة. قال ابن إسحاق: أخبرني يزيد بن أبى حبيب أنه حدث عن عوف ابن مالك الاشجعى، قال: كنت في الغزاة التى بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، قال: فصحبت أبا بكر وعمر، فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها، وهم لا يقدرون على أن يعضوها (1)، قال: وكنت امرأ لبقا جازرا، قالت: فقلت: أتعطونني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم ؟ قالوا: نعم، قال: فأخذت الشفرتين، فجزأتها مكاني، وأخذت منها جزءا فحملته إلى أصحابي، فاطبخناه فأكلناه، فقال لى أبو بكر وعمر رضى الله عنهما: أنى لك هذا اللحم يا عوف ؟ قال: فأخبرتهما خبره، فقالا: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما من ذلك، قال: فلما قفل الناس (1) من ذلك السفر، كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجئته وهو يصلى في بيته، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قال: أعوف بن مالك ؟ قال: قلت: نعم، بأبى أنت وأمى، قال: أصاحب الجزور ؟ ولم يزدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك شيئا.


(1) يعضوها: يقطعوها ويجعلوها أعضاء. (2) قفل الناس: رجعوا. (*)

[ 1043 ]

غزوة ابن أبى حدرد بطن إضم وقتل عامر بن الاضبط الاشجعى وغزوة ابن أبى حدرد وأصحابه بطن إضم، وكانت قبل الفتح قال ابن إسحاق: حدثنى يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع ابن عبد الله بن أبى حدرد، عن أبيه عبد الله بن أبى حدرد، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعى، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الاضبط الاشجعى، على قعود له، ومعه متيع له، ووطب من لبن. قال: فلما مر بنا سلم علينا بتحية الاسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله بشئ كان بينه وبينه، وخذ بعيره، وأخذ متيعه. قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا، تبتغون عرض الحياة الدنيا - 94 من سورة النساء) إلى آخر الآية. قال ابن هشام: قرأ أبو عمرو بن العلاء: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) لهذا الحديث. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، قال: سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمى يحدث عن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن جده، - وكانا شهدا حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، ثم عمد إلى ظل شجرة، فجلس تحتها، وهو بحنين، فقام إليه الاقرع بن حابس، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، يختصمان في عامر

[ 1044 ]

ابن أضبط الاشجعى: عيينة يطلب بدم عامر، وهو يومئذ رئيس غطفان، والاقرع ابن حابس يدفع عن محلم بن جثامة، لمكانه من خندف، فتداولا الخصومة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نسمع، فسمعنا عيينة بن حصن وهو يقول: والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة مثل ما أذاق نسائى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا، وخمسين إذا رجعنا، وهو يأبى عليه، إذ قام رجل من بنى ليث، يقال له: مكيثر، قصير مجموع - قال ابن هشام: مكيتل - فقال: والله يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبها في غرة الاسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها، فنفرت أخراها، اسنن اليوم، وغير غدا. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، فقال: بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا، وخمسين إذا رجعنا. قال: فقبلوا الدية. قال: ثم قالوا: أين صاحبكم هذا. يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فقام رجل من آدم ضرب طويل، عليه حلة له، قد كان تهيأ للقتل، فيها، حتى جلس بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما اسمك ؟ قال: أنا محلم بن جثامة، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال: اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة، ثلاثا، قال: فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه. قال: فأما نحن فنقول فيما بيننا: إنا لنرجو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استغفر له، وأما ما ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الحسن البصري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس بين يديه: أمنته بالله ثم قتلته ! ثم قال له المقالة التى قال، قال: فو الله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات، فلفظته - والذى نفس الحسن بيده - الارض، ثم عادوا له، فلفظته الارض، ثم عادوا فلفظته، فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين، فسطحوه بينهما، ثم رضموا

[ 1045 ]

عليه الحجارة حتى واوره. قال: فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال: والله إن الارض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه. قال ابن إسحاق: وأخبرنا سالم أبو النضر أنه حدث: أن عيينة بن حصن وقيسا حين قال الاقرع بن حابس وخلابهم: يا معشر قيس، منعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا يستصلح به الناس أفأمنتم أن يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلعنكم الله بلعنته، أو أن بغضب عليكم فيغضب الله عليكم بغضبه ؟ والله الذى نفس الاقرع بيده لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصنعن فيه ما أراد، أو لآتين بخمسين رجلا من بنى تميم يشهدون بالله كلهم: لقتل صاحبكم كافرا، ما صلى قط، فلاطلن دمه، فلما سمعوا ذلك، قبلوا الدية. قال ابن هشام: محلم في هذا الحديث كله عن غير ابن إسحاق، وهو محلم ابن جثامة بن قيس الليثى. وقال ابن إسحاق: ملجم، فيما حدثناه زياد عنه. غزوة ابن أبى حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجشمى قال ابن إسحاق: وغزوة ابن أبى حدرد الاسلمي الغابة. وكان من حديثها - فيما بلغني، عمن لا أتهم، عن ابن أبى حدرد - قال: تزوجت امرأة من قومي، وأصدقتها مئتى درهم، قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي، فقال: وكم أصدقت ؟ فقلت: مئتى درهم يا رسول الله، قال: سبحان الله، لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم، والله ما عندي ما أعينك به. قال: فلبث أياما، وأقبل رجل من بنى جشم بن معاوية، يقال

[ 1046 ]

له: رفاعة بن قيس، أو قيس بن رفاعة، في بطن عظيم من بنى جشم، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذا اسم في جشم وشرف، قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين معى من المسلمين، فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم. قال: وقدم لنا شارفا عجفاء، فحمل عليها أحدنا، فو الله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلت وما كادت، ثم قال: تبلغوا عليها واعتقبوها (1). قال: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر عشيشية مع غروب الشمس، قال: كمنت في ناحية، وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معى، قال: فو الله إنا لكذلك ننتظر غرة القوم، أو أن نصيب منهم شيئا، قال: وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه. قال: فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه، فجعله في عنقه، ثم قال: والله لاتبعن أثر راعينا هذا، ولقد أصابه شر، فقال له نفر ممن معه: والله لا تذهب، نحن نكفيك، قال: والله لا يذهب إلا أنا، قالوا: فنحن معك قال: والله لا يتبعني أحد منكم، قال: وخرج حتى يمر بي، قال: فلما أمكننى نفحته بسهمى، فوضعته في فؤاده، قال: فو الله ما تكلم، ووثبت إليه، فاحتززت رأسه. قال: وشددت في ناحية العسكر، وكبرت، وشد صاحباى وكبرا قال: والله ما كان إلا النجاة ممن فيه، عندك عندك، بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم، وما خف معهم من أموالهم، قال: واستقنا إبلا عظيمة، وغنما كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وجئت برأسه أحمله


(1) اعتقبوها: تعاقبوا عليها، كل منكم يركب نوبة عقب الآخر.

[ 1047 ]

معى، قال: فأعاننى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الابل بثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إلى أهل. غزوة عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبى رباح، قال: سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم، قال: فقال عبد الله: سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم: كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، و عبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدرى، وأنا، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل فتى من الانصار، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلس، فقال: يا رسول الله، صلى الله عليك أي المؤمنين أفضل ؟ فقال: أحسنهم خلقا، قال: فأى المؤمنين أكيس ؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت، وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به، أولئك الاكياس ثم سكت الفتى، وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا معشر المهاجرين، خمس خصال إذا نزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن: إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والاوجاع، التى لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم، فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أثمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ".

[ 1048 ]

ثم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها، فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء، فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ثم نقضها، ثم عممه بها، وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك، ثم قال: هكذا يابن عوف فاعتم، فإنه أحسن وأعرف، ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه، فحمد الله تعالى، وصلى على نفسه، ثم قال: خذه يابن عوف، اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم. فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء. قال ابن هشام: فخرج إلى دومة الجندل. غزوة أبى عبيدة بن الجراح إلى السيف البحر قال ابن إسحاق: وحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده عبادة بن الصامت، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى سيف البحر، عليهم أبو عبيدة بن الجراح، وزودهم جرابا من تمر، فجعل يقوتهم إياه، حتى صار إلى أن يعده عليهم عددا. قال: ثم نفد التمر، حتى كان يعطى كل رجل منهم كل يوم تمرة. قال: فقسم يوما بيننا. قال: فنقصت تمرة عن رجل، فوجدنا فقدها ذلك اليوم. قال: فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر، فأصبنا من لحمها وودكها، وأقمنا عليها عشرين ليلة، حتى سمنا وابتللنا، وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها، فوضعها على طريقه، ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحمل عليه أجسم رجل منا. قال: فجلس عليه. قال: فخرج من تحتها وما مست رأسه. قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه خبرها، وسألناه عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياه، فقال: رزق رزقكموه الله.

[ 1049 ]

بعث عمرو بن أمية الضمرى لقتال أبى سفيان بن حرب [ وما صنع في طريقه ] قال ابن هشام: ومما لم يذكره ابن إسحاق من بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه بعث عمرو بن أمية الضمرى، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما حدثنى من أثق به من أهل العلم - بعد مقتل خبيب بن عدى وأصحابه إلى مكة، وأمره أن يقتل أبا سفيان بن حرب، وبعث معه جبار بن صخر الانصاري، فخرجا حتى قدما مكة، وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج، ثم دخلا مكة ليلا، فقال جبار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين ؟ فقال عمرو: إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم، فقال: كلا، إن شاء الله، فقال عمرو: فطفنا بالبيت، وصلينا، ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو الله إنا لنمشي بمكة إذ نظر إلى رجل من أهل مكة فعرفني، فقال: عمرو بن أمية، والله إن قدمها إلا لشر، فقلت لصاحبي: النجاء، فخرجنا نشتد، حتى أصعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا، حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا، فدخلنا كهفا في الجبل، فبتنا فيه، وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا، فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له، ويخلى عليها، فغشينا ونحن في الغار، فقلت: إن رآنا صاح بنا، فأخذنا فقتلنا. قال: ومعى خنجر قدأ عددته لابي سفيان، فأخرج إليه، فأضربه على ثديه ضربة، وصاح صيحة أسمع أهل مكة، وأرجع فأدخل مكاني، وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك ؟ فقال: عمرو بن أمية، وغلبه الموت، فمات مكانه، ولم يدلل على مكاننا، فاحتملوه، فقلت لصاحبي لما أمسينا: النجاء، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدى، فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية

[ 1050 ]

لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية، قال: فلما حاذى الخشبة شد عليها، [ فأخذها ] فاحتملها، وخرجا شدا، وخرجوا وراءه، حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة في الجرف، فغيبه الله عنهم، فلم يقدروا عليه، قال: وقلت لصاحبي: النجاء النجاء، حتى تأتى بعيرك فتقعد عليه، فإنى سأشغل عنك القوم، وكان الانصاري لارجلة له. قال: ومضيت حتى أخرج على ضجنان، ثم أويت إلى جبل، فأدخل كهفا، فبينا أنا فيه [ إذ ] دخل على شيخ من بنى الديل أعور، في غنيمة له، فقال: من الرجل ؟ فقلت: من بنى بكر، فمن أنت ؟ قال: من بنى بكر، فقلت: مرحبا، فاضطجع، ثم رفع عقيرته، فقال: ولست بمسلم ما دمت حيا * ولا دان لدين المسلمينا فقلت في نفسي: ستعلم، فأمهلته، حتى إذا نام أخذت قوسى، فجعلت سيتها في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم، ثم خرجت النجاء، حتى جئت العرج، ثم سلكت ركوبة، حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش من المشركين، كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران ويتحسسان، فقلت: استأسرا، فأبيا، فأرمى أحدهما بسهم فأقتله، واستأسرا الآخر، فأوثقه رباطا، وقدمت به المدينة. سرية زيد بن حارثة إلى مدين قال ابن هشام: وسرية زيد بن حارثة إلى مدين، ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن، عن أمه فاطمة بنة الحسين بن على عليهم رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثه نحو مدين، ومعه ضميرة مولى على بن أبى طالب رضوان الله عليه، وأخ له. قالت: فأصاب سبيا من أهل

[ 1051 ]

ميناء، وهى السواحل، وفيها جماع من الناس، فبيعوا ففرق بينهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون، فقال: مالهم ؟ فقيل: يا رسول الله، فرق بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوهم إلا جميعا. قال ابن هشام: أراد الامهات والاولاد. سرية سالم بن عمير لقتل أبى عفك قال ابن إسحاق: وغزوة سالم بن عمير [ - وهو أحد البكائين - ] لقتل أبى عفك، أحد بنى عمرو بن عوف ثم من بنى عبيدة، وكان قد نجم نفاقه، حين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بن صامت، فقال: لقد عشت دهرا وما إن أرى * من الناس دارا ولا مجمعا أبر عهودا وأوفى لمن * يعاقد فيهم إذا ما دعا من اولاد قيلة في جمعهم * يهد الجبال ولم يخضعا فصدعهم راكب جاءهم * حلال حرام لشتى معا فلو أن بالعز صدقتم * أو الملك تابعتم تبعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لى بهذا الخبيث ؟ فخرج سالم بن عمير، أخو بنى عمرو بن عوف، وهو أحد البكائين، فقتله ؟ فقالت أمامة المزيرية في ذلك: تكذب دين الله والمرء أحمدا * لعمر الذى أمناك أن بئس ما يمنى حباك حنيف آخر الليل طعنة * أبا عفك خذها على كبر السن غزوة عمير بن عدى الخطمى لقتل عصماء بنت مروان وغزوة عمير بن عدى الخطمى عصماء بنت مروان، وهى من بنى أمية بن

[ 1052 ]

زيد، فلما قتل أبو عفك نافقت، فذكر عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه، قال: وكانت تحت رجل من بنى خطمة، يقال له يزيد بن زيد، فقالت تعيب الاسلام وأهله: باست بنى مالك والنبيت * وعوف، وباست بنى الخزرج أطعتم أتاوى من غيركم * فلا من مراد ولا مذحج ترجونه بعد قتل الرؤوس * كما يرتجى مرق المنضج ألا أنف يبتغى غرة * فيقطع من أمل المرتجى قال: فأجابها حسان بن ثابت، فقال: بنو وائل وبنو واقف * وخطمة دون بنى الخزرج متى ما دعت سفها ويحها * بعولتها والمنايا تجى فهزت فتى ماجدا عرقه * كريم المداخل والمخرج فضرجها من نجيع الدماء * بعد الهدو فلم يحرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك: ألا آخذ لى من ابنة مروان ؟ فسمع ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن عدى الخطمى، وهو عنده، فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها في بيتها فقتلها، ثم أصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنى قد قتلتها. فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير، فقال: هل على شئ من شأنها يا رسول الله ؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان. فرجع عمير إلى قومه، وبنو خطمة يومئذ كثير موجهم في شأن بنت مروان، ولها يومئذ بنون خمسة رجال، فلما جاءهم عمير بن عدى من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا بنى خطمة، أنا قتلت ابنة مروان، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فذلك اليوم أول ما عز الاسلام في دار بنى

[ 1053 ]

خطمة، وكان يستخفى بإسلامهم فيهم من أسلم، وكان أول من أسلم من بنى خطمة عمير بن عدى، وهو الذى يدعى القارئ، وعبد الله بن أوس، وخزيمة ابن ثابت، وأسلم - يوم قتلت ابنة مروان - رجال من بنى خطمة، لما رأوا من عز الاسلام. أسر ثمامة بن أثال الحنفي وإسلامه والسرية التى أسرت ثمامة بن أثال الحنفي بلغني عن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة أنه قال: خرجت خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت رجلا من بنى حنيفة، لا يشعرون من هو، حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتدرون من أخذتم، هذا ثمامة بن أثال الحنفي، أحسنوا إساره، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام، فابعثوا به إليه، وأمر بلقحته أن يغدى عليه بها ويراح، فجعل لا يقع من ثمامة موقعا، ويأتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: أسلم يا ثمامة، فيقول: أيها يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل ما شئت، فمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يوما: أطلقوا ثمامة، فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع، فتطهر فأحسن طهوره، ثم أقبل فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الاسلام، فلما أمسى جاءوه بما كانوا يأتونه به من الطعام، فلم ينل منه إلا قليلا، وباللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فعجب المسلمون من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك: مم تعجبون ؟ أمن رجل أكل أول النهار في معى كافر، وأكل آخر النهار في معى مسلم ! إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وإن المسلم يأكل في معى واحد.

[ 1054 ]

قال ابن هشام: فبلغني أنه خرج معتمرا، حتى إذا كان ببطن مكة لبى، فكان أول من دخل مكة يلبى، فأخذته قريش، فقالوا: لقد اجترأت علينا فلما قدموه ليضربوا عنقه، قال قائل منهم: دعوه فانكم تحتاجون إلى اليمامة لطعامكم، فخلوه، فقال الحنفي [ في ذلك ]: ومنا الذى لبى بمكة معلنا * برغم أبى سفيان في الاشهر الحرم وحدثت أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أسلم: لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلى، ولقد أصبح وهو أحب الوجوه إلى. وقال في الدين والبلاد مثل ذلك. ثم خرج معتمرا، فلما قدم مكة، قالوا: أصبوت يا ثمام ؟ فقال: لا، ولكني اتبعت خير الدين، دين محمد، ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا [ وقد قتلت الآباء بالسيف، والابناء بالجوع ] فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أن يخلى بينهم وبين الحمل. سرية علقمة بن مجزز [ ولم يلق كيدا ] وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز. لما قتل وقاص بن مجزز المدلجى يوم ذى قرد، سأل علقمة بن مجزز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعثه في آثار القوم، ليدرك ثأره فيهم. فذكر عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن أبى سعيد الخدرى، قال: بعث رسول الله صلى الله

[ 1055 ]

عليه وسلم علقمة بن مجزز - قال أبو سعيد الخدرى: وأنا فيهم - حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا، أو كنا ببعض الطريق، أذن لطائفة من الجيش، واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمى، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت فيه دعاية، فلما كان ببعض الطريق أوقد نارا، ثم قال للقوم: أليس لى عليكم السمع والطاعة ؟ قالوا: بلى، قال: أفما أنا آمركم بشئ إلا فعلتموه ؟ قالوا: نعم، قال: فإنى أعزم عليكم بحقى وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار، قال: فقام بعض القوم يحتجز، حتى ظن أنهم واثبون فيها، فقال لهم: اجلسوا فإنما كنت أضحك معكم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدموا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أمركم بمعصية منهم فلا تطيعوه. وذكر محمد بن طلحة أن علقمة بن مجزز رجع هو وأصحابه ولم يلق سرية كرز بن جابر لقتل البجليين الذين قتلوا يسارا حدثنى بعض أهل العلم، عمن حدثه، عن محمد بن طلحة، عن عثمان بن عبد الرحمن، قال: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة محارب وبنى ثعلبة عبدا يقال له يسار، فجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في لقاح له كانت ترعى [ في ] ناحية الجماء، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من قيس كبة من بجيلة، فاستوبئوا، وطحلوا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجتم إلى اللقاح فشربتم من ألبانها وأبوالها، فخرجوا إليها. فلما صحوا وانطوت بطونهم، عدوا على راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسار، فذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه، واستافوا اللقاح. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم كرز بن جابر، فلحقهم، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة ذى قرد، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم.

[ 1056 ]

غزوة على بن أبى طالب إلى اليمن وغزوة على بن أبى طالب رضوان الله عليه إلى اليمن، غزاها مرتين. قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدنى: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب إلى اليمن، وبعث خالد بن الوليد في جند آخر، وقال: إن التقيتما فالامير على بن أبى طالب. وقد ذكر ابن إسحاق بعث خالد بن الوليد في حديثه، ولم يذكره في عدة البعوث والسرايا، فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعة وثلاثين. بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين [ وهو آخر البعوث ] قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم، من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون الاولون. قال ابن هشام: وهو آخر بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ابتداء شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكوه الذى قبضه الله فيه، إلى ما أراديه من كرامته ورحمته، في ليال بقين من صفر أوفى أول شهر ربيع الاول، فكان أول ما أبتدئ به من ذلك - فيما ذكر لى - أنه خرج إلى بقيع الغرقد، من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن عمر، عن عبيد بن جبير، مولى الحكم ابن أبى العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبى مويهبة، مولى رسول

[ 1057 ]

الله صلى الله عليه وسلم، قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل، فقال: يا أبا مويهبة، إنى قد أمرت أن أستغفر لاهل هذا البقيع، فانطلق معى، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم، قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الاولى، ثم أقبل على، فقال: يا أبا مويهبة، إنى قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة. قال: فقلت: بأبى أنت وأمى، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربى والجنة، ثم استغفر لاهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذى قبضه الله فيه. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه. قالت: ثم قال: وما ضرك لو مت قبلى، فقمت عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك ؟ قالت: قلت: والله لكأنى بك، لو قد فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتى، فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتام به وجعه، وهو يدور على نسائه، حتى استعز به، وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه ؟ فأستأذنهن [ في ] أن يمرض في بيتى، فأذن له. ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين قال ابن هشام: وكن نسعا: عائشة بنت أبى بكر، وحفصة بنت عمر بن

[ 1058 ]

الخطاب، وأم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب، وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، وسودة بنت زمعة بن قيس، وزينب بنت جحش بن رئاب، وميمونة بنت الحارث بن حزن، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، وصفية بنت حيى بن أخطب، فيما حدثنى غير واحد من أهل العلم. وكان جميع من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة: خديجة بنت خويلد، وهى أول من تزوج، زوجه إياها أبوها خويلد بن أسد، ويقال أخوها عمرو بن خويلد، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم، وكانت قبله عند أبى هالة بن مالك. أحد بنى أسيد بن عمرو بن تميم، حليف بنى عبد الدار، فولدت له هند بن أبى هالة، وزينب بنت أبى هالة، وكانت قبل أبى هالة عند عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له عبد الله، وجارية. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبى بكر الصديق بمكة وهى بنت سبع سنين، وبنى يها بالمدينة، وهى بنت تسع سنين أو عشر، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها، زوجه إياها أبوها أبو بكر وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس ابن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، زوجه إياها سليط ابن عمرو، ويقال: أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم. قال ابن هشام: ابن إسحاق يخالف هذا الحديث، يذكر أن سليطا وأبا حاطب كانا غائبين بأرض الحبشة في هذا الوقت.

[ 1059 ]

وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بن جحش بن رئاب الاسدية، زوجه إياها أخوها أبو أحمد بن جحش، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم، وكانت قبله عند زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيها أنزل الله تبارك وتعالى: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها - 37 من سورة الاحزاب). وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة المخزومية، واسمها هند، زوجه إياها سلمة بن أبى سلمة ابنها، وأصدقها رسول الله صل الله عليه وسلم فراشا حشوه ليف، وقدحا، وصحفة، ومجشة (1)، وكانت قبله عند أبى سلمة بن عبد الاسد، واسمه عبد الله، فولدت له سلمة وعمر وزينب ورقية. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب، زوجه إياها أبوها عمر بن الخطاب، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة السهمى. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة، واسمها رملة بنت أبى سفيان ابن حرب، زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص، وهما بأرض الحبشة، وأصدقها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة دينار، وهو الذى كان خطبها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قبله عند عبيدالله ابن جحش الاسدي. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعية، كانت في سبايا بنى المصطلق من خزاعة، فوقعت في السهم لثابت


(1) المجشة: آلة الجش، وهى الرحى، والجش: الطحن.

[ 1060 ]

ابن قيس بن الشماس الانصاري، فكاتبها على نفسها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، فقال لها: هل لك في خير من ذلك ؟ قالت: وما هو ؟ قال: أقضى عنك كتابتك وأتزوجك ؟ فقالت: نعم، فتزوجها. قال ابن هشام: حدثنا بهذا الحديث زياد بن عبد الله [ البكائى ] عن محمد ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة. قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بنى المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث، فكان بذات الجيش، دفع جويرية إلى رجل من الانصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبى ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الابل التى جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، أصبتم ابنتى، وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا ؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله [ صلى الله عليك ] فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله تعالى، فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الابل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعت إليه ابنته إلى جويرية، فأسلمت وحسن إسلامها، وخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها، فزوجه إياها، وأصدقها أربع مئة درهم، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابن عم لها يقال له عبد الله. قال ابن هشام: ويقال اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابت ابن قيس، فأعتقها وتزوجها، وأصدقها أربع مئة درهم.

[ 1061 ]

وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيى بن أخطب، سباها من خيبر، فاصطفاها لنفسه، وأولم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليمة، ما فيها شحم ولا لحم، كان سويقا وتمرا، وكانت قبله عند كنانة بن الربيع ابن أبى الحقيق. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن ابن بحير بن هزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، وأصدقها العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم، وكانت قبله عند أبى رهم بن عبد العزى بن أبى قيس ابن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، ويقال: إنها التى وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم، وذلك أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم انتهت إليها وهى على بعيرها، فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله، فأنزل الله تبارك وتعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى - 50 من سورة الاحزاب). ويقال: إن التى وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، ويقال: أم شريك، غزية بنت جابر بن وهب، من بنى منقذ بن عمرو بن معيص ابن عامر بن لؤى، ويقال: بل هي امرأة من بنى سلمة بن لؤى، فأرجأها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، وكانت تسمى أم المساكين، لرحمتها إياهم، ورقتها عليهم، زوجه إياها قبيصة بن عمرو الهلالي، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم، وكانت قبله عند عبيدة ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو ابن الحارث، وهو ابن عمها.

[ 1062 ]

فهؤلاء اللاتى بنى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة، فمات قبله منهن ثنتان: خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة. وتوفى عن تسع قد ذكرناهن في أول هذا الحديث، وثنتان لم يدخل بهما: أسماء بنت النعمان الكندية، تزوجها فوجد بها بياضا، فمتعها وردها إلى أهلها، وعمرة بنت يزيد الكلابية وكانت حديثة عهد بكفر، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منيع عائذ الله، فردها إلى أهلها، ويقال: إن التى استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كندية بنت عم لاسماء بنت النعمان، ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاها، فقالت: إنا قوم نؤتى ولا نأتى، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهلها. القرشيات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ست: خديجة بنت خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى، وعائشة بنت أبى بكر بن أبى قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب، وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب ابن لؤى، وأم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى، وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب ابن لؤى، وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى. والعربيات وغيرهن سبع: زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة ابن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وميمونة بنت الحارث

[ 1063 ]

ابن حزن بن بحير بن هزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان، وزينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف ابن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعية، ثم المصطلقية، وأسماء بنت النعمان الكندية، وعمرة بنت يزيد الكلابية. ومن غير العربيات: صفية بنت حيى بن أخطب، من بنى النضير. تمريض رسول الله في بيت عائشة قال ابن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى بين رجلين من أهله: أحدهما الفضل بن العباس، ورجل آخر، عاصبا رأسه، تخط قدماه، حتى دخل بيتى. قال عبيد الله: فحدثت هذا الحديث عبد الله بن العباس، فقال: هل تدرى من الرجل الآخر ؟ قال: قلت: لا ؟ قال: على بن أبى طالب. ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتد به وجعه، فقال: هريقوا على سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم. قال ابن إسحاق: وقال الزهري: حدثنى أيوب بن بشير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول

[ 1064 ]

ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم، فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، قال: ففهمها أبو بكر، وعرف أن نفسه يريد، فبكى وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: على رسلك يا أبا بكر، ثم قال: انظروا هذه الابواب اللافظة في المسجد، فسدوها إلا بيت أبى بكر، فإنى لا إعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه. قال ابن هشام: ويروى: إلا باب أبى بكر. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله، عن بعض آل أبى سعيد بن المعلى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يومئذ في كلامه هذا: فإنى لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد، وهو في وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة: أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والانصار. فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للامارة، وإن كان أبوه لخليقا لها. قال: ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانكمش الناس في جهازهم، واستعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فخرج أسامة، وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف، من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره، وتتام إليه

[ 1065 ]

الناس، وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام أسامة والناس، لينظروا ما الله قاض في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن إسحاق: قال الزهري: وحدثني عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم صلى واستغفر لاصحاب أحد، وذكر من أمرهم ما ذكر مع مقالته يومئذ: يا معشر المهاجرين، استوصوا بالانصار خيرا، فإن الناس يزيدون، وإن الانصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتي التى أويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم. قال عبد الله: ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل بيته، وتتام به وجعه، حتى غمر. قال عبد الله: فاجتمع إليه نساء من نسائه: أم سلمة، وميونة، ونساء من نساء المسلمين، منهم أسماء بنت عميس، وعنده العباس عمه، فأجمعوا أن يلدوه، وقال العباس: لالدنه، قال: فلدوه، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من صنع هذا بى ؟ قالوا: يا رسول الله، عمك، قال: هذا دواء أتى به نساء جئن من نحو هذه الارض، وأشار نحو أرض الحبشة، قال: ولم فعلتم ذلك ؟ فقال عمه العباس: خشينا يا رسول الله أن يكون بك ذات الجنب، فقال: إن ذلك لداء ما كان الله عزوجل ليقذفني به، لا يبق في البيت أحد إلا لد إلا عمى، فلقد لدت ميمونة وإنها لصائمة، لقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقوبة لهم بما صنعوا به. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبيدة بن السباق، عن محمد بن أسامة عن أبيه أسامة بن زيد، قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هبطت وهبظ الناس معى إلى المدينة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد

[ 1066 ]

أصمت فلا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على، فأعرف أنه يدعو لى. قال ابن إسحاق: وقال ابن الشهاب الزهري: حدثنى عبيدة بن عبد الله ابن عتبة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما أسمعه يقول: إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره. قالت: فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آخر كلمه سمعتها وهو يقول: بل الرفيق الاعلى من الجنة، قالت فقلت: إذا والله يختارنا، وعرفت أنه الذى كان يقول لنا: إن نبيا لم يقبض حتى يخير. قال الزهري: وحدثني حمزة بن عبد الله بن عمر، أن عائشة قالت: لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: قلت: يا نبى الله، إن أبا بكر رجل رقيق، ضعيف الصوت، كثير البكاء إذ قرأ القرآن. قال: مروه فليصل بالناس: قالت: فعدت بمثل قولى، فقال: إنكن صواحب يوسف، فمروه فليصل بالناس، قالت: فو الله ما أقول ذلك إلا أنى كنت أحب أن يصرف ذلك عن أبى بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان، فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبى بكر. قال ابن إسحاق: وقال ابن شهاب: حدثنى عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة بن الاسود ابن المطلب بن أسد، قال: لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين، قال: دعاه بلال إلى الصلاة، فقال: مروا من يصلى بالناس، قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، قال: فقام، فلما كبر سمع رسول الله صلى الله عليه

[ 1067 ]

وسلم صوته، وكان عمر رجلا مجهرا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون، قال: فبعث إلى أبى بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس، قال: قال عبد الله بن زمعة: قال لى عمر: ويحك، ماذا صنعت بى يا ابن زمعة، والله ما ظننت حين أمرتنى إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس، قال: قلت والله ما أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكني حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس. قال ابن إسحاق: وقال الزهري: حدثنى أنس بن مالك: أنه لما كان يوم الاثنين الذى قبض الله فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الناس، وهم يصلون الصبح، فرفع الستر، وفتح الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فرحا به، وتفرجوا، فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرورا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه تلك الساعة، قال: ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفرق من وجعه (1)، فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن القاسم بن محمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين سمع تكبير عمر في الصلاة: أين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، فلولا مقالة قالها عمر عند وفاته، لم يشك المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف أبا بكر، ولكنه قال عند وفاته: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى، وإن أتركهم فقد


(1) أفرق من وجعه: برئ واستبل وشفاه الله (*)

[ 1068 ]

تركهم من هو خير منى، فعرف الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدا، وكان عمر غير متهم على أبى بكر. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبى مليكة، قال: لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصبا رأسه إلى الصبح، وأبو بكر يصلى بالناس، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يصنعوا ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكص عن مصلاه، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظهره، وقال: صل بالناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فصلى قاعدا عن يمين أبى بكر، فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس، فكلمهم رافعا صوته، حتى خرج صوته من باب المسجد، يقول: أيها الناس، سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإنى والله ما تمسكون على بشئ، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن. قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه، قال له أبو بكر: يا نبى الله إنى أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب، واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها ؟ قال: نعم، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح. قال ابن إسحاق: قال الزهري: وحدثني عبد الله بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن عباس، قال: خرج يومئذ على بن أبى طالب رضوان الله عليه على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، قال: فأخذ العباس بيده، ثم قال: يا على، أنت والله عبد العصا بعد ثلاث، أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كنت أعرفه

[ 1069 ]

في وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان هذا الامر فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس. قال: فقال له على: إنى والله لا أفعل، والله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده. فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحاء من ذلك اليوم. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال: قالت: رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع في حجري، فدخل على رجل من آل أبى بكر وفى يده سواك أخضر، قالت: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه في يده نظرا عرفت أنه يريده، قالت: فقلت: يا رسول الله، أتحب أن أعطيك هذا السواك ؟ قال: نعم، قالت: فأخذته فمضغته له حتى لينته، ثم أعطيته إياه، قالت: فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط، ثم وضعه، ووجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شخص، وهو يقول: بل الرفيق الاعلى من الجنة، قالت: فقلت: خيرت فاخترت والذى بعثك بالحق، قالت: وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: سمعت عائشة تقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحرى وفى دولتي، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفهى وحداثة سنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت ألتدم مع النساء، وأضرب وجهى. قال ابن إسحاق: قال الزهري: وحدثني سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب، فقال: إن

[ 1070 ]

رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفى، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه مات. قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شئ حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت، عليه برد حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبى أنت وأمى، أما الموتة التى كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، قال: ثم رد البرد على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزى الله الشاكرين - 144 من سورة آل عمران). قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ، قال: وأخذها الناس عن أبى بكر، فإنما هي في أفواههم، قال: فقال أبو هريرة: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى

[ 1071 ]

وقعت إلى الارض ما تحملني رجلاى، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات. أمر سقيفة بنى ساعدة قال ابن إسحاق: ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحى من الانصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بنى ساعدة، واعتزل على بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبى بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير، في بنى عبد الاشهل، فأنى آت إلى أبى بكر وعمر، فقال: إن هذا الحى من الانصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بنى ساعدة، قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله، قال عمر: فقلت لابي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الانصار، حتى ننظر ما هم عليه. قال ابن إسحاق: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الانصار، أن عبد الله بن أبى بكر حدثنى عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عوف، قال: وكنت في منزله بمنى أنتظره، وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر، قال فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر، فوجدني في منزله بمنى أنتظره، وكنت أقرئه القرآن، قال ابن عباس: فقال لى عبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان يقول: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، والله ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلته فتمت، قال: فغضب عمر، فقال: إنى إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم، قال عبد الرحمن: فقلت:

[ 1072 ]

يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم هم الذين يغلبون على قربك، حين تقوم في الناس، وإنى أخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة، وتخلص بأهل الثقة وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا، فيعى أهل الفقه مقالتك، ويضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر: أما والله إن شاء الله لاقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذى الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زالت الشمس، فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبل قلت لسعيد بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف، قال: فأنكر على سعيد بن زيد ذلك، وقال: ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون، قام فأثنى على الله بما هو أهل له، ثم قال: أما بعد، فإنى قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لى أن أقولها، ولا أدرى لعلها بين يدى أجلى، فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشى أن لا يعيها فلا يحل لاحد أن يكذب على، إن الله بعث محمدا، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعلمناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمناه بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أول يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، وإذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم " ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تطرونى كما أطرى عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله "، ثم إنه قد

[ 1073 ]

بلغني أن فلانا قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الاعناق إليه مثل أبى بكر، فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين، فإنه لا بيعة له هو ولا الذى بايعه تغرة أن يقتلا. إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، أن الانصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بنى ساعدة، وتخلف عنا على بن أبى طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لابي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الانصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالا عليه القوم، وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الانصار، قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم، قال: قلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بنى ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا ؟ فقالوا سعد بن عبادة، فقلت: ماله ؟ فقالوا: وجع، فلما جلسنا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم، وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا، ويغصبونا الامر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، وكنت أدارى منه بعض الحد، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه فتكلم، وهو كان أعلم منى وأوقر، فو الله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته، أو مثلها أو أفضل، حتى سكت، قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الامر إلا لهذا الحى من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، ولم

[ 1074 ]

أكره شيئا مما قاله غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقر بنى ذلك إلى إثم، أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. قال: فقال قائل من الانصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللغط، وارتفعت الاصوات، حتى تخوفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته. ثم بايعه المهاجرون. ثم بايعه الانصار. ونزونا على سعد بن عبادة. فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق: قال الزهري: أخبرني عروة [ بن الزبير ] أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الانصار حين ذهبوا إلى السقيفة عويم بن ساعدة، والآخر معن ابن عدى، أخو بنى العجلان، فأما عويم بن ساعدة، فهو الذى بلغنا أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من الذين قال الله عزوجل لهم: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين - 108 من سورة التوبة) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم المرء منهم عويم بن ساعدة، وأما معن بن عدى فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله عزوجل،، وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبله، إنا نخشى أن نفتن بعده، قال معن ابن عدى: لكنى والله ما أحب أنى مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا، فقتل معن يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبى بكر، يوم مسيلمة الكذاب. قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري، قال: حدثنى أنس بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبى بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إنى كنت قلت لكم بالامس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت

[ 1075 ]

أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد بر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتاب الذى به هدى الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثانى اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة، بعد بيعة السقيفة. فتكلم أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه بالذى هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإنى قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: والله إنى لامشى مع عمر في خلافته وهو عامد إلى حاجة له، وفى يده الدرة وما معه غيرى، قال: وهو يحدث نفسه، ويضرب وحشى قدمه بدرته، قال: إذا التفت إلى، فقال: يا بن عباس، هل تدرى ما كان حملني على مقالتي التى قلت حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: قلت: لا أدرى يا أمير المؤمنين، أنت أعلم، قال: فإنه والله، إن كان الذى حملني على ذلك إلا أنى كنت أقرأ هذه الآية: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا - 143 من سورة البقرة)، فو الله إن كنت لاظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذى حملني على أن قلت ما قلت.

[ 1076 ]

جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنه قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر رضى الله عنه، أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، فحدثني عبد الله بن أبى بكر وحسين ابن عبد الله وغيرهما من أصحابنا: أن على بن أبى طالب، والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم الذين ولوا غسله، وأن أوس بن خولى، أحد بنى عوف بن الخزرج، قال لعلى بن أبى طالب: أنشدك الله يا على وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر، قال: ادخل، فدخل فجلس، وحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسنده على بن أبى طالب إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه معه، وكان أسامة بن زيد وشقران مولاه، هما اللذان يصبان الماء عليه، وعلى يغسله، قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه [ به ] من ورائه، لا يفضى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى يقول: بأبى أنت وأمى، ما أطيبك حيا وميتا ! ولم ير من رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ مما يرى من الميت. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة، قالت: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندرى، أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه ! قالت: فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه، قالت: فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه والقميص دون أيديهم.

[ 1077 ]

قال ابن إسحاق: فلما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب، ثوبين صحاريين وبرد حبرة، أدرج فيها إدراجا، كما حدثنى جعفر بن محمد بن على بن الحسين، عن أبيه، عن جده على بن الحسين، والزهرى، عن على بن الحسين. قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذى [ كان ] يحفر لاهل المدينة، فكان يلحد، فدعا العباس رجلين، فقال لاحدهما: اذهب إلى أبى عبيدة بن الجراح، وللآخر اذهب إلى أبى طلحة. اللهم خر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه، فقال أبو بكر: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبى إلا دفن حيث يقبض، فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى توفى عليه، فحفر له تحته، ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا [ دخل ] الرجال، حتى إذا فرغوا أدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد. ثم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الاربعاء. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر، عن امرأته فاطمة بنت عمارة، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد (1) بن زرارة، عن عائشة رضى الله


(1) في ب " أسعد بن زرارة ". (*)

[ 1078 ]

عنها قالت: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحى من جوف الليل من ليلة الاربعاء. وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، والفضل ابن عباس، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال أوس بن خولى لعلى بن أبى طالب: يا على، أنشدك الله، وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: انزل، فنزل مع القوم، وقد كان مولاه شقران حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وبنى عليه قد أخذ قطيفة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ويفترشها، فدفنها في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا. قال: فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان المغيرة بن شعبة يدعى أنه أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: أخذت خاتمي، فألقيته في القبر، وقلت: إن خاتمي سقط منى، وإنما طرحته عمدا لامس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكون أحدث الناس عهدا به صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فحدثني أبى إسحاق بن يسار، عن مقسم أبى القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبد الله بن الحارث، قال: اعتمرت مع على بن أبى طالب رضوان الله عليه في زمان عمر، أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبى طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكب له غسل، فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق، فقالوا: يا أبا حسن، جئنا نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه ؟ قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 1079 ]

قالوا: أجل، عن ذلك جئنا نسألك، قال: أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، أن عائشة حدثته، قالت: كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة سوداء حين اشتد به وجعه، قالت: فهو يضعها مرة على وجهه، ومرة يكشفها عنه، ويقول: قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر من ذلك على أمته. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: لا يترك بجزيرة العرب دينان. قال ابن إسحاق: ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة، فيما بلغني، تقول: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم، حتى جمعهم الله على أبى بكر. قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الاسلام، وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن ذلك لم يزد الاسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس، وكفوا عما هموا به، وظهر عتاب بن أسيد. فهذا المقام الذى أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب: إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه.

[ 1080 ]

شعر حسان بن ثابت في مرثيته الرسول وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما حدثنا ابن هشام، عن أبى زيد الانصاري: بطيبة رسم للرسول ومعهد * منير، وقد تعفو الرسوم وتهمد ولا تمتحى الآيات من دار حرمة * بها منبر الهادى الذى كان يصعد وواضح آثار وباقى معالم * وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها * من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها * أتاها البلى فالآى منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وعهده * وقبرا بها واراه في الترب ملحد ظللت بها أبكى الرسول فأسعدت * عيون ومثلاها من الجفن تسعد يذكرن آلاء الرسول وما أرى * لها محصيا نفسي فنفسي تبلد مفجعة قد شفها فقد أحمد * فظلت لآلاء الرسول تعدد وما بلغت من كل أمر عشيره * ولكن لنفسي بعد ما قد توجد أطالت وقوفا تذرف العين جهدها * على طلل القبر الذى فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت * بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد وبورك لحد منك ضمن طيبا * عليه بناء من صفيح منضد تهيل عليه الترب أيد وأعين * عليه وقد غارت بذلك أسعد لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة * عشية علوه الثرى لا يوسد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم * وقد وهنت منهم ظهور وأعضد يبكون من تبكى السموات يومه * ومن قد بكته الارض فالناس أكمد وهل عدلت يوما رزية هالك * رزية يوم مات فيه محمد تقطع فيه منزل الوحى عنهم * وقد كان ذا نور يغور وينجد

[ 1081 ]

يدل على الرحمن من يقتدى به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد إمام لهم يهديهم الحق جاهدا * معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا عفو عن الزلات يقبل عذرهم * وإن يحسنوا فالله بالخير أجود وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله * فمن عنده تيسير ما يتشدد فبيناهم في نعمة الله بينهم * دليل به نهج الطريقة يقصد عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى * حريص على أن يستقيموا ويهتدوا عطوف عليهم لا يثنى جناحه * إلى كنف يحنو عليهم ويمهد فبيناهم في ذلك النور إذ غدا * إلى نورهم سهم من الموت مقصد فأصبح محمودا إلى الله راجعا * يبكيه حق المرسلات ويحمد وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها * لغيبة ما كانت من الوحى تعهد قفارا سوى معمورة اللحد ضافها * فقيد يبكيه بلاط وغرقد ومسجده فالموحشات لفقده * خلاء له فيه مقام ومقعد وبالجمرة الكبرى له ثم أو حشت * ديار وعرصات وربع ومولد فبكى رسول الله يا عين عبرة * ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد ومالك لا تبكين ذا النعمة التى * على الناس منها سابغ يتغمد فجودي عليه بالدموع وأعولى * لفقد الذى لا مثله الدهر يوجد وما فقد الماضون مثل محمد * ولا مثله حتى القيامة يفقد أعف وأوفى ذمة بعد ذمة * وأقرب منه نائلا لا ينكد وأبذل منه للطريف وتالد * إذا ضن معطاء بما كان يتلد وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى * وأكرم جدا أبطحيا يسود وأمنع ذروات وأثبت في العلا * دعائم عز شاهقات تشيد وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا * وعودا غذاه المزن فالعود أغيد

[ 1082 ]

رباه وليدا فاستتم تمامه * على أكرم الخيرات رب ممجد تناهت وصاة المسلمين بكفه * فلا العلم محبوس ولا الرأى يفند أقول ولا يلفى لقولي عائب * من الناس إلا عازب العقل مبعد وليس هواى نازعا عن ثنائه * لعلى به في جنة الخلد أخلد مع المصطفى أرجو بذاك جواره * وفى نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد وقال حسان بن ثابت أيضا، يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال عينك لا تنام كأنما * كحلت مآقيها بكحل الارمد جزعا على المهدى أصبح ثاويا * يا خير من وطئ الحصى لا تبعد وجهى يقيك الترب لهفى ليتنى * غيبت قبلك في بقيع الغرقد بأبى وأمى من شهدت وفاته * في يوم الاثنين النبي المهتدى فظللت بعد وفاته متبلدا * متلددا، يا ليتنى لم أولد أأقيم بعدك بالمدينة بينهم * يا ليتنى صبحت سم الاسود أو حل أمر الله فينا عاجلا * في روحة من يومنا أو من غد فتقوم ساعتنا فنلقى طيبا * محضا ضرائبه كريم المحتد يا بكر آمنة المبارك بكرها * ولدته محصنة بسعد الاسعد نورا أضاء على البرية كلها * من يهد للنور المبارك يهتدى يا رب فاجمعنا معا ونبينا * في جنة تشنى عيون الحسد في جنة الفردوس فاكتبها لنا * يا ذا الجلال وذا العلاء والسودد والله أسمع ما بقيت بهالك * إلا بكيت على النبي محمد يا ويح أنصار النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا * سودا وجوههم كلون الاثمد ولقد ولدناه وفينا قبره * وفضول نعمته بنا لم نجحد

[ 1083 ]

والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب والله أكرمنا به وهدى به * أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الاله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نب المساكين أن الخير فارقهم * مع النبي، تولى عنهم سحرا من ذا الذى عنده رحلى وراحلتي * ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه * إذا اللسان عتا في القول أو عثرا كان الضياء، وكان النور نتبعه * بعد الاله، وكان السمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحده * وغيبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منا بعده أحدا * ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلت رقاب بنى النجار كلهم * وكان أمرا من امر الله قد قدرا واقتسم الفئ دون الناس كلهم * وبددوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى إليه بر غير إفناد تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبى الامة الهادى ولا برا الله خلقا من بريته * أوفى بذمة جار أو بميعاد من الذى كان فينا يستضاء به * مبارك الامر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطلن البيوت فما * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرواهب يلبسن المباذل قد * أيقن بالبؤس بعد النعمة البادى يا أفضل الناس إنى كنت في نهر * أصبحت منه كمثل المفرد الصادى قال ابن هشام: عجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق. انتهى الجزء الرابع من سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه تم الكتاب