الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




سيرة النبي (ص) - ابن هشام الحميري ج 3ي

سيرة النبي (ص)

ابن هشام الحميري ج 3


[ 579 ]

سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ألفها أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار المطلبى المتوفى في سنة 151 من الهجرة وهذبها أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب، الحميرى المتوفى في سنة 218 من الهجرة حقق أصلها، وضبط غرائبها، وعلق عليها محمد محيى الدين عبد الحميد عفا الله تعالى عنه وجميع حق إعادة الطبع محفوظ له الجزء الثالث يطلب من ناشره مكتبة محمد على صبيح وأولاده، بميدان الازهر بمصر

[ 580 ]

1383 ه‍ - 1963 م مظيعة المدنى 68 شارع العباسية بالقاهرة

[ 581 ]

بسم الله الرحمن الرحيم غزوة أحد (1) وكان من حديث أحد، كما حدثنى محمد بن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى ابن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث عن يوم أحد، قالوا، أو من قاله منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره، مشى عبد الله بن أبى ربيعة، وعكرمة ابن أبى جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينوا (2) بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، ففعلوا. قال ابن إسحاق: ففيهم، كما ذكر لى بعض أهل العلم، أنزل الله تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون - 36 من سورة الانفال ". فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان ابن حرب، وأصحاب العير بأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة، وأهل تهامة. وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحى قد من عليه رسول الله


(1) في ا " امر أحد وحديثه " (2) في ا " فأعينونا ". (*)

[ 582 ]

صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة، [ وكان ] في الاسارى فقال: يا رسول الله إنى فقير ذوعيال وحاجة قد عرفتها فامنن على صلى الله عليك [ وسلم ] فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فاخرج معنا، فقال: إن محمدا قد من على فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: [ بلى ] فأعنا بنفسك، فلك الله على إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. فخرج أبو عزة في تهامة، يدعو بنى كنانة ويقول: إيها بنى عبد مناة الرزام * أنتم حماة وأبوكم حام لا تعدوني نصر كم بعد العام * لا تسلموني، لا يحل إسلام وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بنى مالك بن كنانة، يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا مال، مال الحسب المقدم * أنشد ذا القربى وذا التذمم من كان ذا رحم ومن لم يرحم * الحلف وسط البلد المحرم عند حطيم الكعبة المعظم ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له: وحشى، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمرة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى، فأنت عتيق. [ قال ] فخرجت قريش بحدها وجدها وحديدها وأحابيشها، ومن تابعها من بنى كنانة، وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة، وألا يفروا فخرج أبو سفيان بن حرب، وهو قائد الناس بهند بنة عتبة، وخرج عكرمة ابن أبى جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أمية ببرزة

[ 583 ]

بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية، وهى أم عبد الله بن صفوان [ بن أمية ] قال ابن هشام: ويقال: رقية. قال ابن إسحاق: وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج وهى أم عبد الله بن عمرو، وخرج طلحة بن أبى طلحة - وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار - بسلافة بنت سعد بن شهيد الانصارية، وهى أم بنى طلحة: مسافع، والجلاس، وكلاب، قتلوا يومئذ [ هم ] وأبوهم، وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بنى مالك بن حسل مع ابنها أبى عزيز بن عمير، وهى أم مصعب بن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشى أومر بها، قالت: ويها أبا دسمة اشف واستشف، وكان وحشى يكنى بأبى دسمة، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين، بجبل [ ببطن ] السبخة من قناة على شفير الوادي، مقابل المدينة. قال: فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إنى قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا [ تذبح ]، ورأيت في ذباب سيفى ثلما، ورأيت أنى أدخلت يدى في درع حصينة، فأولتها المدينة. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت بقرا لى تذبح ؟ قال: فأما البقر فهى ناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذى رأيت في ذباب سيفى، فهو رجل من أهل بيتى يقتل. قال ابن إسحاق: فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا (1) علينا قاتلناهم فيها، وكان رأى عبد الله ابن أبى بن سلول مع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى رأيه في ذلك،


(1) في ا " دخلوها " (*)

[ 584 ]

وألا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنه وضعفنا ؟ فقال عبد الله بن أبى [ بن سلول ]: يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولادخلها علينا إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم (1)، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، فلبس لامته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة. وقد مات في ذلك اليوم رجل من الانصار يقال له: مالك بن عمرو، أحد بنى النجار، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس، وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لنا ذلك. فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه. قال ابن هشام: واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس. قال ابن إسحاق: حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخزل عنه عبد الله بن أبى [ بن سلول ] بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندرى علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بنى سلمة، يقول: يا قوم،


(1) في ا " وجوههم ". (*)

[ 585 ]

أذكر كم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمنا كم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنى الله عنكم نبيه. قال ابن هشام: وذكر غير زياد، عن محمد بن إسحاق عن الزهري: أن الانصار يوم أحد، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود ؟ فقال: لا حاجة لنا فيهم قال زياد: حدثنى محمد بن إسحاق، قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بنى حارثة، فذب فرس بذنبه، فأصاب كلاب سيف فاستله. قال ابن هشام: ويقال: كلاب سيف. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحب الفأل ولا يعتاف، لصاحب السيف: شم سيفك، فإنى أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب: أي من قرب، من طريق لا يمر بنا عليهم ؟ فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرة بنى حارثة، وبين أموالهم، حتى سلك في مال لمربع بن قيظى، وكان رجلا منافقا ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، قام يحثى في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل حائطي. وقد ذكر لى أنه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتلوه، فهذا الاعمى أعمى القلب، أعمى البصر.

[ 586 ]

وقد بدر إليه سعد بن زيد، أخو بنى عبد الاشهل، قبل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فضربه بالقوس في رأسه، فشجه. قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال. وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة، من قناة للمسلمين: فقال رجل من الانصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب ! وتعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبع مئة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بنى عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، أخى بنى عبد الدار. قال ابن هشام: وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سمرة بن جندب الفزارى، ورافع بن خديج، أخا بنى حارثة، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردهما، فقيل له: يا رسول الله إن رافعا رام، فأجازه، فلما أجاز رافعا، قيل له: يا رسول الله، فإن سمرة يصرع رافعا، فأجازه. ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، أحد بنى مالك بن النجار، والبراء بن عازب، أحد بنى حارثة، وعمرو بن حزم أحد بنى مالك بن النجار، وأسيد بن ظهير أحد بنى حارثة، ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة. قال ابن إسحاق: وتعبأت قريش، وهم ثلاثة آلاف رجل ومعهم مئتا

[ 587 ]

فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبى جهل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، أخو بنى ساعدة فقال: وما حقه يارسول الله ؟ قال: أن تضرب به العدو حتى ينحنى، قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، إذا كانت، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء، فاعتصب بها، علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسه، وجعل (1) يتبختر بين الصفين. قال ابن إسحاق: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الانصار من بنى سلمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله، إلا في مثل هذا الموطن. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن أبا عامر، عبد عمرو ابن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة - وقد كان خرج حين خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، معه خمسون غلاما من الاوس، وبعض الناس كان يقول: كانوا خمسة عشر رجلا، وكان يعد قريشا أن لو قد لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الاحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الاوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق - وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية: الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق - فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدى شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم بالحجارة. قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سفيان لاصحاب اللواء من بنى عبدالدار


(1) في ا " ثم جعل ". (*)

[ 588 ]

يحرضهم بذلك على القتال: يا بنى عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه [ فهموا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا، ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع ! وذلك أراد أبو سفيان. فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتى معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول: ويها بنى عبد الدار * ويها حماة الادبار ضربا بكل بتار وتقول: إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أمت، أمت، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس. قال ابن هشام: حدثنى غير واحد، من أهل العلم، أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته إياه قبله، فأعطاه إياه وتركني، والله لانظرن ما يصنع، فاتبعته، فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه، فقالت الانصار: أخرج أبو دجانة عصابة

[ 589 ]

الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها. فخرج وهو يقول: أنا الذى عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول * أضرب بسيف الله والرسول قال ابن هشام: ويروى في الكبول. قال ابن إسحاق: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا ذفف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه. فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها. قال الزبير: فقلت: الله ورسوله أعلم. قال ابن إسحاق: وقال أبو دجانة سماك بن خرشة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة. وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ثم مر به سباع ابن عبد العزى الغبشانى، وكان يكنى بأبى نيار، فقال له حمزة: هلم إلى يا بن مقطعة البظور - وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفى. (قال ابن هشام: شريق بن الاخنس بن شريق). وكانت ختانة بمكة - فلما التقيا ضربه حمزة فقتله. قال وحشى، غلام جبير بن مطعم: والله إنى لانظر إلى حمزة يهد

[ 590 ]

الناس بسيفه ما يليق به شيئا (1)، مثل الجمل الاورق إذ تقدمنى إليه سباع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلم إلى يابن مقطعة البظور، فضربه ضربة، فكأن ما أخطأ رأسه، وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوى، فغلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتى، ثم تنحيت إلى العسكر، ولم تكن لى بشئ حاجة غيره. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى، قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدى بن الخيار، أخو بنى نوفل بن عبد مناف، في زمان معاوية بن أبى سفيان، فأدربنا مع الناس، فلما قفلنا مررنا بحمص - وكان وحشى، مولى جبير بن مطعم، قد سكنها، وأقام بها - فلما قد مناها، قال لى عبيد الله بن عدى: هل لك في أن نأتى وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله ؟ قال: قلت له: إن شئت، فخرجنا نسأل عنه بحمص، فقال لنا رجل، ونحن نسأل عنه: إنكما ستجدانه بفناء داره، وهو رجل قد غلبت عليه الخمر، فإن تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا، وتجدا عنده بعض ما تريدان، وتصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه، وإن تجداه وبه بعض ما يكون به، فانصرفا عنه ودعاه، قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه، فإذا هو بفناء داره على طنفسة له فإذا شيخ كبير مثل البغاث. قال ابن هشام: البغاث: ضرب من الطير [ إلى الواد ]. فإذا هو صاح لا بأس به. قال: فلما انتهينا إليه سلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدى، فقال: ابن لعدى بن الخيار أنت ؟ قال: نعم، قال: أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التى أرضعتك بذى طوى، فإنى


(1) في هامش ا " ما يقوم له شئ " كما سيأتي في حديث وحشى. (*)

[ 591 ]

ناولتكها وهى على بعير ها، فأخذتك بعرضيك (1)، فلمعت لى قد ماك حين رفعتك إليها، فوالله ما هو إلا أن وقفت على فعرفتهما. قال: فجلسنا إليه، فقلنا له: جئناك لتحدثنا عن قتلك حمزة، كيف قتلته ؟ فقال: أما إنى سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدى قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال لى جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمى فأنت عتيق، قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الاورق، يهد الناس بسيفه هدا، ما يقوم له شئ، فوالله إنى لا تهيأ له، أريده وأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو منى إذ تقدمنى إليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال: هلم إلى يابن مقطعة البظور. قال: فضربه ضربة كأن ما أخطأ رأسه. قال: وهززت حربتى، حتى إذا رضيت منها، دفعتها عليه، فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوى، فغلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتى، ثم رجعت إلى العسكر، فقعدت فيه، ولم يكن لى بغيره حاجة، وإنما قتلته لاعتق. فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف، فمكثت (2) بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت على المذاهب فقلت: ألحق بالشام، أو باليمن، أو ببعض البلاد، فو الله إنى لفى ذلك من همى، إذ قال لى رجل: ويحك ! إنه والله ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه، وتشهد شهادته. فلما قال لى ذلك، خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في ا " بعرضك " بالافراد (2) في ا " فكنت بها ". (*)

[ 592 ]

المدينة، فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أتشهد بشهادة الحق، رأني قال: أوحشي ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة، قال: فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثى قال: ويحك ! غيب عنى وجهك، فلا أرينك. قال: فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يرانى، حتى قبضه الله صلى الله عليه وسلم. فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم، وأخذت حربتى التى قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة الكذاب قائما في يده السيف، وما أعرفه، فتهيأت له، وتهيأ له رجل من الانصار من الناحية الاخرى، كلانا يريده فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت فيه، وشد عليه الانصاري فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته، فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قتلت شر الناس. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن الفضل، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان قد شهد اليمامة، قال: سمعت يومئذ صارخا يقول: قتله العبد الاسود. قال ابن هشام: فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان، فكان عمر بن الخطاب يقول: قد علمت أن الله تعالى لم يكن ليدع قاتل حمزة. قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، وكان الذى قتله ابن قمئة الليثى، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا، فلما قتل مصعب [ بن عمير ] أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء على بن أبى طالب، وقاتل على بن أبى طالب ورجال من المسلمين.

[ 593 ]

قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازنى، قال: لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الانصار، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى على بن أبى طالب رضوان الله عليه: أن قدم الراية، فتقدم على، فقال: أنا أبو القصم، ويقال: أبو القصم، فيما قال ابن هشام - فناداه أبو سعد بن أبى طلحة، وهو صاحب لواء المشركين: أن هل لك يا أباالقصم في البراز من حاجة ؟ قال: نعم، فبرزا بين الصفين، فاختلفا ضربتين، فضربه على فصرعه، ثم انصرف عنه ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه ؟ فقال: إنه استقبلغى بعورته، فعطفتني عنه الرحم، وعرفت أن الله عزوجل قد قتله. ويقال: إن أبا سعد بن أبى طلحة خرج بين الصفين، فنادى: [ أنا قاصم ] من يبارز برازا، فلم يخرج إليه أحد. فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلا كم في الجنة، وأن قتلانا في النار، كذبتم واللات ! لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلى بعضكم، فخرج إليه على بن أبى طالب، فاختلفا ضربتين، فضربه على فقتله. قال ابن إسحاق: قتل أبا سعد بن أبى طلحة سعد بن أبى وقاص. وقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح، فقتل مسافع بن طلحة وأخاه الجلاس بن طلحة، كلاهما يشعره سهما، فيأتى أمه سلافة، فيضع رأسه في حجرها فتقول: يا بنى، من أصابك ؟ فيقول: سمعت رجلا حين رماني وهو يقول: خذها وأنا ابن أبى الاقلح. فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا أبدا، ولا يمسه مشرك. وقال عثمان بن أبى طلحة يومئذ، وهو يحمل لواء المشركين:

[ 594 ]

إن على أهل اللواء حقا * أن يخضبوا الصعدة أو تندقا فقتله حمزة بن عبد المطلب. والتقى حنظلة بن أبى عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة بن أبى عامر رآه شداد بن الاسود، وهو ابن شعوب، وقد علا أبا سفيان. فضربه شداد فقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم - يعنى حنظلة - لتغسله الملائكة. فسألوا أهله: ما شأنه ؟ فسئلت صاحبته عنه. فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة. قال ابن هشام: ويقال: الهائعة. وجاء في الحديث: خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها. قال الطرماح بن حكيم الطائى، والطرماح: الطويل من الرجال: أنا ابن حماة المجد من آل مالك * إذا جعلت خور الرجال تهيع (والهيعة: الصيحة التى فيها الفزع). قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لذلك غسلته الملائكة. [ قال ابن إسحاق ]: وقال شداد بن الاسود في قتله حنظلة: لاحمين صاحبي ونفسي * بطعنة مثل شعاع الشمس وقال أبو سفيان بن حرب، وهو يذكر صبره في ذلك اليوم، ومعاونة ابن شعوب إياه على حنظلة: ولو شئت نجتنى كميت طمرة * ولم أحمل النعماء لابن شعوب ومازال مهرى مزجر الكلب منهم * لدن غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وأدعى يا لغالب * وأدفعهم عنى بركن صليب فبكى ولا ترعى مقالة عاذل * ولا تسأمى من عبرة ونحيب

[ 595 ]

أباك وإخوانا له قد تتابعوا * وحق لهم من عبرة بنصيب وسلى الذى قد كان في النفس أننى * قتلت من النجار كل نجيب ومن هاشم قرما كريما ومصعبا * وكان لدى الهيجاء غير هيوب ولو أننى لم أشف نفسي منهم * لكانت شجى في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم * بهم خدب من معطب وكئيب أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء ولا في خطة بضريب فأجابه حسان بن ثابت، فيما ذكر ابن هشام، فقال: ذكرت القروم الصيد من آل هاشم * ولست لزور قلته بمصيب أتعجب أن أقصدت حمزة منهم * نجيبا وقد سميته بنجيب ؟ ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه * وشيبة والحجاج وابن حبيب ؟ غداة دعا العاصى عليا فراعه * بضربة عضب بله بخضيب قال ابن إسحاق: وقال ابن شعوب يذكر يده عند أبى سفيان فيما دفع عنه، فقال: ولولا دفاعي يا بن حرب ومشهدي * لالفيت يوم النعف غير مجيب ولولا مكرى المهر بالنعف قرقرت * ضباع عليه أو ضراء كليب قال ابن هشام: " عليه أو ضراء " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان (1): جزيتهم يوما ببدر كمثله * على سابح ذى ميعة وشبيب لدى صحن بدر أو أقمت نوائحا * عليك ولم تحفل مصاب حبيب وإنك لو عاينت ما كان منهم * لابت بقلب ما بقيت نخيب


(1) وقع ترتيب هذه الابيات في ا معكوسا الثالث فالثاني فالاول. (*)

[ 596 ]

قال ابن هشام: وإنما أجاب الحارث بن هشام أبا سفيان لانه ظن أنه عرض به في قوله: ومازال مهرى مزجر الكلب منهم لفرار الحارث يوم بدر. قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير أنه قال: والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذا مالت الرماة إلى العسكر، حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم. قال ابن هشام: الصارخ: أزب العقبة، يعنى الشيطان. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به. وكان اللواء مع صؤاب، غلام لبنى أبى طلحة حبشي، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه يقاتل، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهم هل أعزرت - يقول: أعذرت - فقال حسان بن ثابت في ذلك: فخرتم باللواء، وشر فخر * لواء حين رد إلى صؤاب جعلتم فخركم فيه لعبد * وألام من يطا عفر التراب

[ 597 ]

ظننتم، والسفيه له ظنون * وما إن ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا * بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين أن عصبت يداه * وما إن تعصبان على خضاب قال ابن هشام: آخرها بيتا يروى لابي خراش الهذلى، وأنشدنيه له خلف الاحمر: أقر العين أن عصبت يداها * وما إن تعصبان على خضاب في أبيات له يعنى امرأته، في غير حديث أحد، وتروى الابيات أيضا لمعقل ابن خويلد الهذلى. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في شأن عمرة بنت علقمة [ الحارثية ] ورفعها اللواء: إذا عضل سيقت إلينا كأنها * جداية شرك معلمات الحواجب أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا * وحزناهم بالضرب من كل جانب فلولا لواء الحارثية أصبحوا * يباعون في الاسواق بيع الجلائب قال ابن هشام: وهذه الابيات في أبيات له. قال ابن إسحاق: وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدث بالحجارة حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، وكان الذى أصابه عتبة بن أبى وقاص. قال ابن إسحاق: فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا

[ 598 ]

وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم ! فأنزل الله عزوجل في ذلك: (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون - 128 من سورة آل عمران). قال ابن هشام: وذكر ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى عن أبيه، عن أبى سعيد الخدرى: أن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون، فأخذ على بن أبى طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان، أبو أبي سعيد الخدرى، الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ازدرده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مس دمى دمه لم تصبه النار ". قال ابن هشام: وذكر عبد العزيز بن محمد الدراوردى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على [ وجه ] الارض فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله ". وذكر يعنى عبد العزيز بن محمد الدراوردى، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة، عن أبى بكر الصديق: أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت ثنيته، ثم نزع الاخرى، فسقطت ثنيته الاخرى، فكان ساقط الثنيتين. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت لعتبة بن أبى وقاص: إذا الله جازى معشرا بفعالهم * ونصرهم الرحمن رب المشارق فأخزاك ربى يا عتيب بن مالك * ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق

[ 599 ]

بسطت يمينا للنبى تعمدا * فأدميت فاه، قطعت بالبوارق فهلا ذكرت الله والمنزل الذى * تصير إليه عند إحدى البوائق قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما. قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين غشيه القوم: من رجل يشرى لنا نفسه ؟ - كما حدثنى الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد ابن معاذ، عن محمود بن عمرو - قال: فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الانصار - وبعض الناس يقول: إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن - فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلا ثم رجلا، يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدنوه منى، فأدنوه منه، فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة، نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد. فذكر سعيد بن أبى زيد الانصاري: أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة، فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك، فقالت: خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلى، قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت: من أصابك بهذا ؟ قالت: ابن قمئة، أقمأه الله ! لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني

[ 600 ]

هذه الضربة فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. قال ابن إسحاق: وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره، وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل، ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل وهو يقول: ارم، فداك أبى وأمى، حتى إنه ليناولني السهم ما له [ من ] نصل، فيقول: ارم به. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم [ بن عمر ] بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعان، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم [ بن عمر ] بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدهما. قال ابن إسحاق: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بنى عدى ابن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر ابن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والانصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم ؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تصنعون (1) بالحياة بعده ؟ [ قوموا ] فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل، وبه سمى أنس بن مالك. قال ابن إسحاق: فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه. قال ابن هشام: حدثنى بعض أهل العلم أن عبد الرحمن بن عوف أصيب


(1) في ا " فما تصنعون ". (*)

[ 601 ]

فوه يومئذ فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرج. قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر لى ابن شهاب الزهري - كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أنصت. قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيدالله، والزبير بن العوام، رضوان الله عليهم، والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين. [ قال ]: فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبى ابن خلف وهو يقول: أي محمد، لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، فلما دنا، تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم - فيما ذكر لى -: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة، تطاير نا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها - - قال ابن هشام: الشعراء: ذباب له لدغ - ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. قال ابن هشام: تدأدأ، يقول: تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج. قال ابن إسحاق: وكان أبى بن خلف، كما حدثنى صالح بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فيقول:

[ 602 ]

يا محمد إن عندي العوذ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة، أقتلك عليه، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد ! قالوا له: ذهب والله فؤادك ! والله إن بك [ من ] بأس، قال: إنه قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق على لقتلني. فمات عدو الله بسرف، وهم قافلون به إلى مكة. قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك: لقد ورث الضلالة عن أبيه * أبى يوم بارزه الرسول أتيت إليه تحمل رم عظم وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت بنو النجار منكم * أمية إذا يغوث: يا عقيل وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا * أبا جهل، لامهما الهبول وأفلت حارث لما شغلنا * بأسر القوم، أسرته فليل قال ابن هشام: أسرته: قبيلته. وقال حسان بن ثابت أيضا في ذلك: ألا من مبلغ عنى أبيا * لقد ألقيت في سحق السعير تمنى بالضلالة من بعيد * وتقسم أن قدرت مع النذور تمنيك الامانى من بعيد * وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقتك طعنة ذى حفاظ * كريم البيت ليس بذى فجور له فضل على الاحياء طرا * إذا نابت ملمات الامور [ قال ]: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج على بن أبى طالب، حتى ملا درقته [ ماء ] من المهراس، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه، فوجد له ريحا، فعافه، فلم يشرب منه، وغسل

[ 603 ]

عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه. قال ابن إسحاق: فحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يقول: والله ما حرصت على قتل رجل قط كحرصي على قتل عتبة بن أبى وقاص، وإن كان ما علمت لسيئ الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفانى منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله. قال ابن إسحاق: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب، معه أولئك النفر من أصحابه، إذا علت عالية من قريش الجبل. قال ابن هشام: كان على تلك الخيل خالد بن الوليد. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا ! فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. وقال ابن إسحاق: ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض صلى الله عليه وسلم لم يستطع، فجلس تحته لمحة ابن عبيد الله، فنهض به، حتى استوى عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله ابن الزبير، عن الزبير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول: " أوجب طلحة " حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع. قال ابن هشام: وبلغني عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب.

[ 604 ]

قال ابن هشام: وذكر عمر مولى غفرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا. قال ابن إسحاق: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه حتى انتهى بعضهم إلى المنقى، دون الاعوص. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابث بن وقش، في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه، وهما شيخان كبيران: لا أبالك، ما تنتظر ؟ فوالله ما بقى لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أوغد، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأخذا أسيافهما ثم خرجا، حتى دخلا في الناس، ولم يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر، فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبى، فقالوا: والله إن عرفناه، وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رجلا منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع، وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب، أصابته جراحة يوم أحد، فأتى به دار قومه وهو بالموت، فاجتمع إليه أهل الدار، فجعل المسلمون يقولون له من الرجال والنساء: أبشر يابن حاطب بالجنة، قال: وكان حاطب شيخا قد عسا في الجاهلية، فنجم يومئذ نفاقه، فقال: بأى شئ تبشرونه ؟ بجنة من حرمل ! غررتم والله هذا الغلام من نفسه.

[ 605 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجل أتى لا يدرى ممن هو، يقال له: قزمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إذا ذكر له: إنه لمن أهل النار، قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتنه الجراحة، فاحتمل إلى دار بنى ظفر، قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر، قال: بماذا أبشر ؟ فو الله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته، فقتل به نفسه. قال ابن إسحاق: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق، وكان أحد بنى ثعلبة ابن الفطيون، قال: لما كان يوم أحد، قال: يا معشر يهود، والله لقد علمتم إن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم السبت، قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتل معه حتى قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - مخيريق خير يهود. قال ابن إسحاق: وكان الحارث بن سويد بن صامت منافقا، فخر يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس، عدا على المجذر بن ذياد البلوى، وقيس ابن زيد، أحد بنى ضبيعة، فقتلهما، ثم لحق بمكة بقريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به، ففاته، فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه الجلاس بن سويد يطلب التوبة، ليرجع إلى قومه. فأنزل تعالى فيه - فيما بلغني - عن ابن عباس: (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، والله لا يهدى القوم الظالمين - 86 من سورة آل عمران) إلى آخر القصة.

[ 606 ]

قال ابن هشام: حدثنى من أثق به من أهل العلم: أن الحارث بن سويد قتل المجذر بن ذياد، ولم يقتل قيس بن زيد، والدليل على ذلك أن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد، وإنما قتل المجذر، لان المجذر [ بن ذياد ] كان قتل أباه سويدا في بعض الحروب التى كانت بين الاوس والخزرج، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في نفر من أصحابه، إذ خرج الحارث ابن سويد من بعض حوائط المدينة، وعليه ثوبان مضرجان، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فضرب عنقه، ويقال: بعض الانصار. قال ابن إسحاق: قتل سويد بن الصامت معاذ بن عفراء غيلة، في غير حرب، رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث. قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبى سفيان، مولى ابن أبى أحمد، عن أبى هريرة قال: كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو ؟ فيقول: أصيرم، من بنى عبد الاشهل، عمرو بن ثابت بن وقش. قال الحصين: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الاصيرم ؟ قال: كان يأبى الاسلام على قومه. فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بداله في الاسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه، فعدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. قال: فبينا رجال من بنى عبد الاشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للاصيرم، ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو ؟ أحدب على قومك أم رغبة في الاسلام ؟ قال: بل رغبة في الاسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفى، فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه

[ 607 ]

وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم. فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه لمن أهل الجنة. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار، عن أشياخ من بنى سلمة: أن عمرو بن الجموح كان [ رجلا ] أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الاسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله عزوجل قد عذرك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إنى لارجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه فقتل يوم أحد. قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة، كما حدثنى صالح بن كيسان، والنسوة اللاتى معها، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجد عن الآذان والآنف (1)، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا، غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة فلا كتها، فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها فقالت: نحن جزينا كم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لى من صبر * ولا أخى وعمه وبكري شفيت نفسي وقضيت نذري * شفيت وحشى غليل صدري فشكر وحشى على عمرى * حتى ترم أعظمي في قبري فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب، فقالت: خزيت في بدر وبعد بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر


(1) في ا " والانوف ". (*)

[ 608 ]

صبحك الله غداة الفجر * ملها شميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفرى * حمزة ليثى وعلى صقري إذ رام شيب وأبوك غدري * فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر قال ابن هشام: تركنا منها ثلاثة أبيات أقذعت فيها. قال ابن إسحاق: وقالت هند بنت عتبة أيضا: شفيت من حمزة نفسي بأحد * حتى بقرت بطنه عن الكبد أذهب عنى ذاك ما كنت أجد * من لذعة الحزن الشديد المعتمد والحرب تعلوكم بشؤبوب برد * تقدم إقداما عليكم كالاسد قال ابن إسحاق: فحدثني صالح بن كيسان أنه حدث أن عمر بن الخطاب قال لحسان بن ثابت: يا بن الفريعة - قال ابن هشام: الفريعة بنت خالد بن خنيس، ويقال: خنيس: ابن حارثة بن لوذان بن عبدود بن زيد ابن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج - لو سمعت ما تقول هند، ورأيت أشرها قائمة على صخرة تر تجزبنا، وتذكر ما صنعت بحمزة ؟ قال له حسان: والله إنى لانظر إلى الحربة تهوى وأنا على رأس فارع - يعنى أطمه - فقلت: والله إن هذه لسلاح ما هي بسلاح العرب، وكأنها إنما تهوى إلى حمزة ولا أدرى، لكن أسمعني بعض قولها أكفكموها، قال: فأنشده عمر بن الخطاب بعض ما قالت، فقال حسان بن ثابت: أشرت لكاع وكان عادتها * لؤما إذا أشرت مع الكفر قال ابن هشام: وهذا البيت في أبيات له تركناها، وأبياتا أيضا له على الدال، وأبياتا أخر على الذال، لانه أقذع فيها. قال ابن إسحاق: وقد كان الحليس بن زبان، أخو بنى الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الاحابيش، قد مر بأبى سفيان، وهو يضرب في شدق

[ 609 ]

حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما ؟ فقال: ويحك ! اكتمها عنى، فإنها كانت زلة. ثم إن أبا سفيان بن حرب، حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته فقال: أنعمت فعال، وإن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل، أي أظهر دينك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلا كم في النار. فلما أجاب عمر أبا سفيان، قال له أبو سفيان: هلم إلى يا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: ائته فانظر ما شأنه، فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا ؟ قال عمر: اللم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قمثة وأبر، لقول ابن قمئة لهم: إنى قد قتلت محمدا. قال ابن هشام: واسم ابن قمئه (1) عبد الله. قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت، وما سخطت، وما نهيت، وما أمرت ولما انصرف أبو سفيان ومن معه، نادى: إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، فقال: اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الابل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الابل، فإنهم يريدون المدينة، والذى نفسي بيده، لئن أرادوها لاسيرن إليهم فيها،


(1) في نسخة " ابن قميئة " في كل موضع ورد فيه. (*)

[ 610 ]

ثم لاناجزنهم، قال على: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الابل، ووجهوا إلى مكة. وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنى محمد ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة المازنى، أخوبنى النجار -: من رجل ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع ؟ أفى الاحياء هو أم في الاموات ؟ فقال رجل من الانصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق. قال: فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أنظر، أفى الاحياء أنت أم في الاموات ؟ قال: أنا في الاموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم منكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات، قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره. قال ابن هشام: وحدثني أبو بكر الزبيري: أن رجلا دخل على أبى بكر الصديق، وبنت لسعد بن الربيع جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها، فقال له الرجل: من هذه ؟ قال: هذه بنت رجل خير منى، سعد بن الربيع، كان من النقباء يوم العقبة، وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد. قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به، فجدع أنفه وأذناه. فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى: لولا أن تحزن صفية، ويكون سنة من بعدى لتركته،

[ 611 ]

حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. قال ابن هشام: ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: لن أصاب بمثلك أبدا ! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا ! ثم قال: جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة ابن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وأبو سلمة بن عبد الاسد، إخوة من الرضاعة، أرضعتهم مولاة لابي لهب. قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي، عن محمد ابن كعب القرظى، وحدثني من لا أتهم، عن ابن عباس، أن الله عزوجل أنزل في ذلك، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول أصحابه: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون - 126 و 127 من سورة النحل)، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصبر، ونهى عن المثلة. قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه، حتى يأمرنا بالصدقة، وينهانا عن المثلة. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن مقسم، مولى عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجى ببردة ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى فيوضعون إلى حمزة،

[ 612 ]

فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة. قال ابن إسحاق: وقد أقبلت - فيما بلغني - صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه، وكان أخاها لابيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: القها فارجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم ؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخى، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك ! لاحتسبن ولاصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن. قال: فزعم لى آل عبد الله بن جحش - وكان لاميمة بنت عبد المطلب، حمزة خاله، وقد كان مثل به كما مثل بحمزة، إلا أنه لم يبقر عن كبده - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره، ولم أسمع ذلك إلا عن أهله. قال ابن إسحاق: و [ كان ] قد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة ابن صعير العذري، حليف بن زهرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على القتلى يوم أحد، قال: أنا شهيد على هؤلاء، أن ما من جريح يجرح في [ سبيل ] الله، إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دم، والريح ريح مسك، وانظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن، فاجعلوه أمام أصحابه في القبر - وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر [ الواحد ].

[ 613 ]

قال: وحدثني عمى موسى بن يسار، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى: اللون لون دم، والريح ريح مسك. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار، عن أشياخ من بنى سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يومئذ، حين أمر بدفن القتلى: انظروا إلى عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد. قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، كما ذكر لى، فلما لقيت الناس نعى إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولو لت ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زوج المرأة منها لبمكان ! لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها. قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الانصار من بنى عبد الاشهل وظفر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له ! فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الاشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن، ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: حدثنى حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن بعض رجال بنى عبد الاشهل، قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن بأنفسكن.

[ 614 ]

قال ابن هشام: ونهى يومئذ عن النوح. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بكاءهن، قال: رحم الله الانصار ! فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة، مروهن فلينصرفن. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الواحد بن أبى عون، عن إسماعيل بن محمد، عن سعد بن أبى وقاص، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بنى دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه ؟ قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل ! تريد صغيرة. قال ابن هشام: الجلل: [ يكون ] من القليل، ومن الكثير، وهو هاهنا من القليل. قال امرؤ القيس في الجلل القليل: لقتل بنى أسد ربهم * ألا كل شئ سواه جلل قال ابن هشام وأما قول الشاعر، وهو الحارث بن وعلة الجرمى: ولئن عفوت لاعفون جللا * ولئن سطوت لاوهنن عظمي فهو من الكثير. قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقنى اليوم، وناولها على بن أبى طالب سيفه، فقال: وهذا أيضا، فاغسلي عنه دمه، فو الله لقد صدقنى اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: لئن كنت صدقت القتال لقد صدق [ معك ] سهل بن حنيف وأبو دجانة.

[ 615 ]

قال ابن هشام: وكان يقال لسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذو الفقار. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن ابن أبى نجيح قال: نادى مناد يوم أحد. لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا على قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلى بن أبى طالب: لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا. قال ابن إسحاق: وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال. قال: فلما كان الغد من يوم الاحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، فأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالامس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبى كان خلفنى على أخوات لى سبع، وقال: يا بنى، إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبى السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بنى عبد الاشهل، كان شهد أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: شهدت أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وأخ لى، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب

[ 616 ]

العدو، قلت لاخى أو قال لى: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله مالنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد، وهى من المدينة على ثمانية أميال، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فأقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء، ثم رجع إلى المدينة. قال: وقد مربه - كما حدثنى عبد الله بن أبى بكر - معبد بن أبى معبد الخزاعى، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بتهامة، صفقتهم معه، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك [ في أصحابك ]، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد، حتى لقى أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ! لنكرن على بقيتهم، فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا، قال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط، قال: ويحك ! ما تقول ؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصى الخيل، قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم، قال: فإنى أنهاك عن ذلك، قال: والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: وما قلت ؟ قال: قلت:

[ 617 ]

كادت تهد من الاصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل تردى بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إنى نذير لاهل البسل ضاحية * لكل ذى إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش تنابلة * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون ؟ قالوا: نريد المدينة ؟ قال: ولم ؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا يعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد، فأخبروه بالذى قال أبو سفيان [ وأصحابه ]، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة ليستأصل بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فان القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان، فارجعوا، فرجعوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بحمراء الاسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذى نفسي بيده، لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب. قال أبو عبيدة: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ذلك، قبل رجوعه إلى المدينة، معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان، أبو أمه عائشة بنت معاوية، وأبا عزة الجمحى،

[ 618 ]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره ببدر، ثم من عليه، فقال: يا رسول الله، أقلنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير، فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم ابن ثابت، فضرب عنقه. قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية ابن المغيرة بعد حمراء الاسد، كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل، فأقام بعد ثلاث وتوارى، فبعثهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا، فوجداه فقتلاه. قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان عبد الله بن أبى ابن سلول - كما حدثنى ابن شهاب الزهري - له مقام يقومه كل جمعه لا ينكر، شرفا له في نفسه وفى قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا [ له ]، ثم يجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالناس، قام ففعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس، أي عدوالله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجل من الانصار بباب المسجد، فقال: مالك ؟ ويلك ! قال: قمت أشدد أمره، فوثب على رجال من أصحابه يجذبوننى ويعنفونني،

[ 619 ]

لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره، قال: ويلك ! ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله ما أبتغى أن يستغفر لى. قال ابن إسحاق: كان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومحن به المنافقين، ممن كان يظهر الايمان بلسانه، وهو مستخف بالكفر في قلبه، ويوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته. ذكر ما أنزل الله في أحد من القرآن بسم الله الرحمن الرحيم قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك، ومعاتبة من عاتب منهم، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال، والله سميع عليم - 121 ". قال ابن هشام: تبوئ المؤمنين: تتخذ لهم مقاعد ومنازل، قال الكميت ابن زيد: ليتنى كنت قبله * قد تبوأت مضجعا وهذا البيت في أبيات له. أي سميع بما تقولون، عليم بما تخفون. " إذا همت طائفتان منكم أن تفشلا ": أي أن تتخاذلا، والطائفتان: بنو سلمة بن جشم بن الخزرج، وبنو حارثة بن النبيت من الاوس، وهما الجناحان يقول الله تعالى: " والله وليهما ": أي المدافع عنهما ماهمتا به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما [ عن ] غير شك في دينهما، فتولى

[ 620 ]

دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته، حتى سلمنا من وهونهما وضعفهما، ولحقتا بنبيهما صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: حدثنى رجل من الاسد من أهل العلم، قال: قالت الطائفتان: ما نحب أنا لم نهم بما هممنا به، لتولى الله إيانا في ذلك. قال ابن إسحاق: يقول الله تعالى: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون): أي من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل على، وليستعن بى، أعنه على أمره، وأدافع عنه، حتى أبلغ به، وأدفع عنه، وأقويه على نيته. (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون): أي فاتقوني، فإنه شكر نعمتي. (ولقد نصركم الله ببدر) وأنتم أقل عددا وأضعف قوة (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقواو يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين): أي إن تصبروا لعدوى، وتطيعوا أمرى، ويأتوكم من وجههم هذا، أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين قال ابن هشام: مسومين: معلمين. بلغنا عن الحسن بن أبى الحسن البصري أنه قال: أعلموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوف أبيض، فأما ابن إسحاق فقال: كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضا، وقد ذكرت ذلك في حديث بدر. والسيما: العلامة. وفى كتاب الله عزوجل: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود 29 - من سورة الفتح): أي علامتهم. و (حجارة من سجيل منضود. مسومة - 82 و 83 من سورة هود) يقول: معلمة. بلغنا عن الحسن بن أبى الحسن البصري أنه قال: عليها علامة، أنها ليست من حجارة الدنيا، وأنها من حجارة العذاب. قال رؤبة بن العجاج:

[ 621 ]

فآلان تبلى بى الجياد السهم * ولا تجارينى إذا ما سوموا وشخصت أبصارهم وأجذموا أجذموا - بالذال المعجمة -: أي أسرعوا، وأجدموا - بالدال المهملة -: أقطعوا. وهذه الابيات في أرجوزة له. والمسومة أيضا: المرعية. وفى كتاب الله تعالى: (والخيل المسومة - 14 من سورة آل عمران) و (شجر فيه تسيمون - 10 من سورة النحل) تقول العرب: سوم خيله وإبله، وأسامها: إذا رعاها. قال الكميت بن زيد: راعيا كان مسجحا ففقدناه * وفقد المسيم هلك السوام قال ابن هشام: مسجحا: سلس السياسة محسنا [ إلى الغنم ]. وهذا البيت في قصيدة له. (وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم): أي ما سميت لكم من سميت من جنود ملائكتي إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عندي، لسلطاني وقدرتي، وذلك أن العز والحكم إلى، لا إلى أحد من خلقي، ثم قال: (ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين): أي ليقطع طرفا من المشركين بقتل ينتقم به منهم، أو يردهم خائبين: أي ويرجع من بقى منهم فلا خائبين، لم ينالوا شيئا مما كانوا يأملون. قال ابن هشام يكبتهم: يغمهم أشد الغم، ويمنعهم ما أرادوا (1). قال ذو الرمة:


(1) في ا " ما أرادوه ". (*)

[ 622 ]

ما أنس من شجن لا أنس موقفنا * في حيرة بين مسرور ومكبوت ويكبتهم، أيضا: يصرعهم لوجوههم. قال ابن إسحاق: ثم قال لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس لك من الامر شئ، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون): أي ليس لك من الحكم شئ في عبادي، إلا ما أمرنك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئت فعلت، أو أعذبهم بذنوبهم فبحقي (فإنهم ظالمون): أي قد استوجبوا ذلك بمعصيتهم إياى (والله غفور رحيم): أي يغفر الذنب ويرحم العباد، على ما فيهم. ثم قال: (يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)، أي لا تأكلوا في الاسلام، إذ هداكم الله به ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم (واتقوا الله لعلكم تفلحون): أي فأطيعوا الله لعلكم تنجون مما حذركم الله من عذابه، وتدركون ما رغبكم الله فيه من ثوابه (واتقوا النار التى أعدت للكافرين): أي التى جعلت دارا لمن كفر بى. ثم قال: (وأطيعو الله والرسول لعلكم ترحمون) معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم به في ذلك اليوم وفى غيره. ثم قال: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين): أي دارا لمن أطاعنى وأطاع رسولي. (الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين): أي وذلك [ هو ] الاحسان، وأنا أحب من عمل به، (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون): أي إن أتوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم بمعصية ذكروا نهى الله عنها، وما حرم عليهم،

[ 623 ]

فاستغفروه لها، وعرفوا أته لا يغفر الذنوب إلا هو (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون): أي لم يقيموا على معصيتى كفعل من أشرك بى فيما غلوا به في كفرهم، وهم يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيرى. (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها، ونعم أجر العاملين): أي ثواب المطيعين. ثم استقبل ذكر المصيبة التى نزلت بهم، والبلاء الذى أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال - تعزية لهم، وتعريفا لهم فيما صنعوا، وفيما هو صانع بهم -: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين): أي قد مضت منى وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بى: عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فرأوا مثلاث قد مضت منى فيهم، ولمن هو على مثل ما هم عليه من ذلك منى، فإنى أمليت لهم: أي لئلا يظنوا أن نقمتى انقطعت عن عدوكم وعدوى، للدولة التى أدلتهم بها عليكم، ليبتليكم بذلك، ليعلمكم ما عندكم. ثم قال تعالى: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين): أي هذا تفسير للناس إن قبلوا الهدى (وهدى وموعظة) أي نور وأدب " للمتقين " أي لمن أطاعنى وعرف أمرى. (ولا تهنوا ولا تحزنوا): أي لا تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم، (وأنتم الاعلون): أي لكم تكون العاقبة والظهور (إن كنتم مؤمنين): أي إن كنتم صدقتم نبيى بما جاء كم به عنى إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله): أي جراح مثلها، (وتلك الايام نداولها بين الناس): أي نصرفها بين الناس للبلاء والتمحيص (وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين) أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الايمان بالشهادة

[ 624 ]

والله لا يحب الظالمين): أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية * (وليمحص الله الذين آمنوا): أي يختبر الذين آمنوا حتى يخلصهم بالبلاء الذى نزل بهم، وكيف صبرهم ويقينهم (ويمحق الكافرين ": أي يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذين يستترون به. ثم قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين): أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة، فتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أختبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صدق ذلك منكم بالايمان بى، والصبر على ما أصابكم في، ولقد كنتم تمنون الشهادة على الذى أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم، يعنى الذين استنهضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خروجه بهم إلى عدوهم، لما فاتهم من حضور اليوم الذى كان قبله ببدر، ورغبة في الشهادة التى فاتتهم بها، فقال: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه) يقول: (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون): أي الموت بالسيوف في أيدى الرجال قد خلى بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم، ثم صدهم عنكم (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزى الله الشاكرين): أي لقول الناس: قتل محمد صلى الله عليه وسلم، وانهزامهم عند ذلك، وانصرافهم عن عدوهم (أفإن مات أو قتل) رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم، وكتاب الله، وما خلف نبيه صلى الله عليه وسلم من دينه معكم وعندكم، وقد بين لكم فيما جاء كم به عنى أنه ميت ومفارقكم (ومن ينقلب على عقبيه): أي يرجع عن دينه (فلن يضر الله شيئا): أي ليس ينقص ذلك

[ 625 ]

عز الله تعالى ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته (وسيجزى الله الشاكرين): أي من أطاعه وعمل بأمره. ثم قال: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا): أي أن لمحمد صلى الله عليه وسلم أجلا هو بالغه، فإذا أذن الله عزوجل في ذلك كان (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين): أي من كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته منها ما قسم له من رزق، ولا يعدوه فيها، وليس له في الآخرة من حظ (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) ما وعد به، مع ما يجرى عليه من رزقه في دنياه، وذلك جزاء الشاكرين، أي المتقين. ثم قال: (وكأين من نبى قتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين): أي وكأين من نبى أصابه القتل، ومعه ربيون كثير: أي جماعة، فما وهنوا لفقد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله تعالى وعن دينهم، وذلك الصبر، والله يحب الصابرين (وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين). قال ابن هشام: واحد الربيين: ربى، وقولهم: الرباب، لولد عبد مناة ابن أد بن طابخة بن إلياس، ولضبة، لانهم تجمعوا وتحالفوا، من هذا، يريدون الجماعات، وواحدة الرباب: ربة [ وربابة ] وهى جماعات قداح أو عصى ونحوها فشبهوها بها، [ قال أبو ذؤيب الهذلى: وكأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع وهذا البيت في أبيات له ] وقال أمية بن أبى الصلت:

[ 626 ]

حول شياطينهم أبابيل ربيون * شدوا سنورا مدسورا وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن هشام: والربابة، أيضا: الخرقة التى تلف فيها القداح. قال ابن هشام: والسنور: الدروع، والدسر: هي المسامير التى في الحلق، يقول الله عزوجل (وحملناه على ذات ألواح ودسر - 13 من سورة القمر) قال الشاعر، وهو أبوالاخزر الحمانى من تميم: * دسرا بأطراف القنا المقوم * قال ابن إسحاق: أي فقولو مثل ما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم، واستغفروه كما استغفروه، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم، ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين، واسألوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم، واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين، فكل هذا من قولهم قد كان: وقد قتل نبيهم فلم يفعلوا كما فعلتم، فآتاهم الله ثواب الدنيا بالظهور على عدوهم، وحسن ثواب الآخرة وما وعد الله فيها، والله يحب المحسنين. (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين): أي عن عدوكم، فتذهب ديناكم وآخرتكم (بل الله مولا كم وهو خير الناصرين)، فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم فاعتصموا به، ولا تستنصروا بغيره، ولا نرجعوا على أعقابكم مرتدين عن دينه (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب): أي الذى به كنت أنصركم عليهم بما أشركوا بى ما لم أجعل لهم من حجة، أي فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور عليكم ما اعتصمتم بى، واتبعتم أمرى، للمصيبة التى أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لانفسكم، خالفتم بها أمرى للمعصية، وعصيتم بها النبي صلى الله عليه وسلم. (ولقد صدقكم الله وعده إذا تحسونهم بإذنه، حتى إذا

[ 627 ]

فشلتم وتنازعتم في الامر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين): أي وقد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم، إذ تحسونهم بالسيوف، أي القتل، بإذنى وتسليطي أيديكم عليهم، وكفى أيديهم عنكم. قال ابن هشام: الحس: الاستئصال، يقال: حسست الشئ: أي استأصله بالسيف وغيره. قال جرير: تحسهم السيوف كما تسامى * حريق النار في الاجم الحصيد وهذا البيت في قصيدة له وقال رؤبة بن العجاج: إذا شكونا سنة حسوسا تأكل بعد الاخضر اليبيسا وهذان البيتان في أرجوزة له. قال ابن إسحاق: " حتى إذا فشلتم ": أي تخاذلتم " وتنازعتم في الامر " أي اختلفتم في أمرى، أي تركتم أمر نبيكم وما عهد إليكم، يعنى الرماة " وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ": أي الفتح، لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم، (منكم من يريد الدنيا): أي الذين أرادوا النهب في الدنيا وترك ما أمروا به من الطاعة التى عليها ثواب الآخرة (ومنكم من يريد الآخرة): أي الذين جاهدوا في الله، ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه، لعرض من الدنيا، رغبة فيها، رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة، أي الذين جاهدوا في الدين ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه، لعرض من الدنيا، ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم، ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، أن لا يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكني عدت بفضلي عليكم، وكذلك (من الله على المؤمنين " أن عاقب ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبا وموعظة، فإنه غير

[ 628 ]

مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، بما أصابوا من معصيته، رحمة لهم، وعائدة عليهم، لما فيهم من الايمان. ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهم يدعون لا يعطفون عليه لدعائه إياهم، فقال: (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم، فأثابكم غما بغم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم): أي كربا بعد كرب، بقتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وبما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم، فكان ذلك مما تتابع عليكم غما بغم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، من ظهوركم على عدوكم، بعد أن رأيتموه بأعينكم، ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم، حتى فرجت ذلك الكرب عنكم (والله خبير بما تعملون) وكان الذى فرج الله به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغم الذى أصابهم، أن الله عزوجل رد عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا بين أظهرهم، هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم، والمصيبة التى أصابتهم في إخوانهم، حين صرف الله القتل عن نبيهم صلى الله عليه وسلم. (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الامر من شئ ؟ قل: إن الامر كل لله، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا، قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، وليبتلى الله ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور)، فأنزل الله النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيام لا يخافون، وأهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، تخوف

[ 629 ]

القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة، فذكر الله عزوجل تلاومهم وحسرتهم على ما أصابهم. ثم قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قل لو كنتم في بيوتكم " لم تحضروا هذا الموطن الذى أظهر الله فيه منكم ما أظهر من سرائركم " لبرز " لاخرج " الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يبتلى به ما في صدروهم " وليمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات الصدور ": أي لا يخفى عليه ما في صدورهم مما استخفوا به منكم. ثم قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيى ويميت، والله بما تعملون بصير): أي لا تكونوا كالمنافقين الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله، والضرب في الارض في طاعة الله عزوجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " لقلة اليقين بربهم، " والله يحيى ويميت ": أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من ذلك من آجالهم بقدرته. ثم قال تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون): أي إن الموت لكائن لا بد منه، فموت في سبيل الله، أو قتل، خير لو علموا وأيقنوا مما يجمعون من الدنيا التى لها يتأخرون عن الجهاد تخوف الموت والقتل لما جمعوا من زهرة الدنيا زهادة في الآخرة " ولئن متم أو قتلتم " أي ذلك كان " لالى الله تحشرون ": أي أن إلى الله المرجع: فلا تغرنكم الدنيا، ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه [ من ثوابه ] آثر عندكم منها.

[ 630 ]

ثم قال تبارك وتعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك): أي لتركوك (فاعف عنهم): أي فتجاوز عنهم (واستغفر لهم، وشاورهم في الامر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين) فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم لينه لهم، وصبره عليهم، لضعفهم، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه عليهم في كل ما خالفوا عنه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم. ثم قال تبارك وتعالى: " فاعف عنهم ": أي تجاوز عنهم، " واستغفر لهم " ذنوبهم، من قارف من أهل الايمان منهم " وشاورهم في الامر ": أي لتريهم أنك تسمع منهم، وتستعين بهم، وإن كنت غنيا عنهم، تألفا لهم بذلك على دينهم " فإذا عزمت ": أي على أمر جاءك منى وأمر من دينك في جهاد عدوك لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أمرت به، على خلاف من خالفك، وموافقة من وافقك، " وتوكل على الله "، أي ارض به من العباد، (إن الله يحب المتوكلين، إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده): أي لئلا تترك أمرى للناس، وارفض أمر الناس إلى أمرى، وعلى الله لا على الناس، فليتوكل المؤمنون. ثم قال: (وما كان لنبى أن يغل، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون): أي ما كان لنبى أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم، عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يفعل ذلك يأت يوم القيامة به، ثم يجزى بكسبه، غير مظلوم ولا معتدى عليه (أفمن اتبع رضوان الله) على ما أحب الناس أو سخطوا (كمن باء بسخط من الله) لرضا الناس أو لسخطهم. يقول: أفمن كان على طاعتي، فثوابه الجنة ورضوان من الله كمن باء بسخط من الله واستوجب سخطه، فكان " مأواه

[ 631 ]

جهنم وبئس المصير " أسواء المئلان ! فاعرفوا. (هم درجات عند الله، والله بصير بما يعملون) لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار: أي إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته. ثم قال: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين): أي لقد من الله عليكم يا أهل الايمان، إذ بعث فيكم رسولا من أنفسكم يتلو عليكم آياته فيما أحدثتم، وفيما عملتم، فيعلمكم الخير والشر، لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوه، ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه فتستكثروا من طاعته وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته، لتتخلصوا بذلك من نقمته، وتدركوا بذلك ثوابه من جنته " وإن كنتم من قبل لفى ضلال مبين ": أي لفى عمياء من الجاهلية، أي لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة، صم عن الخير، بكم عن الحق، عمى عن الهدى. ثم ذكر المصيبة التى أصابتهم، فقال: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا ؟ قل: هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شئ قدير): أي إن تك قد أصابتكم مصيبة في إخوانكم بذنوبكم فقد أصبتم مثليها قبل من عدوكم، في اليوم الذى كان قبله ببدر، قتلا وأسرا ونسيتم معصيتكم وخلافكم عما أمركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم، أنتم أحللتم ذلك بأنفسكم " إن الله على كل شئ قدير ": أي إن الله على ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله، وليعلم المؤمنين): أي ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوكم فبإذني، كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم بعد أن جاء كم نصرى، وصدقتكم وعدى، ليميز بين المؤمنين والمنافقين، (وليعلم الذين نافقوا منكم): أي ليظهر ما فيهم. (وقيل لهم

[ 632 ]

تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا): يعنى عبد الله بن أبى وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سار إلى عدوه من المشركين بأحد، وقولهم: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكنا لا نظن أنه يكون قتال، فأظهر الله منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم. يقول الله عزوجل: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) أي يظهرون لك الايمان وليس في قلوبهم (والله أعلم بما يكتمون): أي ما يخفون (الذين قالوا لاخوانهم) الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم: (لو أطاعونا ما قتلوا، قل: فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين): أي أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصا على البقاء في الدنيا، وفرارا من الموت. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم، يرغب المؤمنين في الجهاد، ويهون عليهم القتل: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما أتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ": أي لا تظنن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا: أي قد أحييتهم، فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من فضله (1) على جهادهم عنه، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم: أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذى أعطاهم، قد أذهب الله عنهم الخوف والحزن. يقول الله تعالى: " يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " لما عاينوا من وفاء الموعود، وعظيم الثواب.


(1) في ا " من ثوابه ". (*)

[ 633 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني إسماعيل ابن أمية، عن أبى الزبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، فتشرب وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب، في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله تعالى: فأنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الآيات: " ولا تحسبن... ". قال ابن إسحاق: وحدثني الحارث بن الفضل (1)، عن محمود بن لبيد الانصاري عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا ". قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن هؤلاء الآيات: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل لله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " فقال: أما إنا قد سألنا عنها، فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم [ من المسلمين ] بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فيطلع الله عزوجل عليهم اطلاعة فيقول: يا عبادي، ما تشتهون فأزيد كم ؟ قال: فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا ! قال: ثم يطلع الله عليهم اطلاعة، فيقول: يا عبادي، ما تشتهون فأزيدكم ؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا ! [ قال: ثم يطلع عليهم اطلاعة، فيقول: يا عبادى، ما تشتهون فأزيدكم ؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا،


(1) في ا " الفضيل " بالتصغير. (*)

[ 634 ]

الجنة نأكل منها حيث شئنا ] (1) إلا أنا نحب أن ترد أرواحنا في أجسادنا، ثم نرد إلى الدنيا، فنقاتل فيك، حتى نقتل فيك مرة أخرى. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا. عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أبشرك يا جابر ؟ قال: قلت: بلى يا نبى الله، قال: إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله عزجل، ثم قال له: ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك ؟ قال: أي رب، أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك، فأقتل فيك مرة أخرى. قال ابن إسحاق: وحدثني عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذى نفسي بيده، ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من نهار، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا، فيقاتل في سبيل الله، فيقتل مرة أخرى ". قال ابن إسحاق: ثم قال الله تعالى: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح): أي الجراح، وهم المؤمنون الذين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم أحد إلى حمراء الاسد على ما بهم من ألم الجراح: (للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)، والناس الذين قالوا لهم ما قالوا، النفر من عبد القيس، الذين قال لهم أبو سفيان ما قال، قالوا: إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم. يقول الله عزوجل: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم) لما صرف الله عنهم من لقاء عدوهم (إنما ذلكم الشيطان) أي لاولئك الرهط وما ألقى الشيطان على أفواههم (يخوف أولياءه) أي يرهبكم بأوليائه، (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين. ولا يحزنك


ليست في ا، كررت الاطلاعة والجواب فيها مرتين فقط. (*)

[ 635 ]

الذين يسارعون في الكفر): أي المنافقون (إنهم لن يضروا الله شيئا، يريد الله ألا يجعل حظا في الآخرة، ولهم عذاب عظيم، إن الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم. ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب): أي المنافقين (وما كان الله ليطلعكم على الغيب): أي فيما يريد أن يبتليكم به لتحذروا ما يدخل عليكم فيه (ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء) أي يعلمه ذلك (فآمنوا بالله ورسله، وإن تؤمنوا وتتقوا): أي ترجعوا وتتوبوا (فلكم أجر عظيم). ذكر من استشهد بأحد من المهاجرين والانصار قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش، ثم من بنى هاشم بن عبد مناف: حمزة بن عبد المطلب بن هشام، رضى الله عنه، قتله وحشى، غلام جبير بن مطعم. ومن بنى أمية بن عبد شمس: عبد الله بن جحش، حليف لهم، من بنى أسد بن خزيمة. ومن بنى عبد الدار بن قصى: مصعب بن عمير، قتله ابن قمئة الليثى. ومن بنى مخزوم بن يقظة: شماس بن عثمان. أربعة نفر. ومن الانصار، ثم من بنى عبد الاشهل: عمرو بن معاذ بن النعمان، والحارث بن أنس بن رافع، وعمارة بن زياد بن السكن. قال ابن هشام: السكن: ابن رافع بن امرئ القيس، ويقال: السكن.

[ 636 ]

قال ابن إسحاق: وسلمة بن ثابت بن وقش، وعمرو بن ثابت بن وقش. رجلان. قال ابن إسحاق: وقد زعم لى عاصم بن عمر بن قتادة: أن أباهما ثابتا قتل يومئذ. ورفاعة بن وقش، وحسيل بن جابر، أبو حذيفة وهو اليمان، أصابه المسلمون في المعركة ولا يدرون، فتصدق حذيفة بديته على من أصابه، وصيفى ابن قيظى. وحباب بن قيظى. وعباد بن سهل، والحارث بن أوس بن معاذ. اثنا عشر رجلا. ومن أهل راتج: إياس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الاعلم بن زعوراء بن جشم بن عبد الاشهل، وعبيد بن التيهان. قال ابن هشام: ويقال: عتيك بن التيهان وحبيب بن يزيد بن تيم. ثلاثة نفر. ومن بنى ظفر: يزيد بن حاطب بن أمية بن رافع. رجل ومن بنى عمرو بن عوف، ثم من بنى ضبيعة بن زيد: أبو سفيان بن الحارث ابن قيس بن زيد، وحنظلة بن أبى عامر بن صيفي بن نعمان بن مالك بن أمة، وهو غسيل الملائكة، قتله شداد بن الاسود بن شعوب الليثى. رجلان. قال ابن هشام: قيس: ابن زيد بن ضبيعة، ومالك: ابن أمة بن ضبيعة. قال ابن إسحاق: ومن بنى عبيد بن زيد: أنيس بن قتادة. رجل. ومن بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف: أبو حية، وهو أخو سعد بن خثيمة لامه. قال ابن هشام: أبو حية: ابن عمرو بن ثابت. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن جبير النعمان، وهو أمير الرماة. رجلان. ومن بنى السلم بن امرى القيس بن مالك بن الاوس: خيثمة أبو سعد بن خيثمة. رجل.

[ 637 ]

ومن حلفائهم من بنى العجلان: عبد الله بن سلمة رجل. ومن بنى معاوية بن مالك: سبيع بن حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة. رجل. قال ابن هشام: ويقال. سويبق بن الحارث بن حاطب بن هيشة. قال ابن إسحاق: ومن بنى النجار، ثم من بنى سواد بن مالك بن غنم: عمرو بن قيس، وابنه قيس بن عمرو. قال ابن هشام: عمرو بن قيس: ابن زيد بن سواد. قال ابن إسحاق: وثابت بن عمرو بن زيد، وعامر بن مخلد. أربعة نفر. ومن بنى مبذول: أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو بن ثقف بن مالك بن مبذول، وعمروبن مطرف بن علقمة بن عمرو. رجلان. ومن بنى عمرو بن مالك: أوس بن ثابت بن المنذر. رجل. قال ابن هشام: أوس بن ثابت، أخو حسان بن ثابت. قال ابن إسحاق: ومن بنى عدى بن النجار: أنس بن النضر بن ضمضم ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار. رجل قال ابن هشام: أنس بن النضر، عم أنس بن مالك: خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن بنى مازن بن النجار: قيس بن مخلد، وكيسان، عبد لهم. رجلان. ومن بنى دينار بن النجار: سليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو. رجلان. ومن بنى الحارث بن الخزرج: خارجة بن زيد بن أبى زهير، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير، دفنا في قبر واحد، وأوس بن الارقم بن زيد بن قيس

[ 638 ]

ابن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب. ثلاثة نفر. ومن بنى الابجر، وهم بنو خدرة: مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الابجر، وهو أبو أبي سعيد الخدرى. قال ابن هشام: اسم أبى سعيد الخدرى: سنان، ويقال: سعد. قال ابن إسحاق: وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الابجر، وعتبة بن ربيع بن رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الابجر. ثلاثة نفر. ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج: ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد ابن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، وثقف بن فروة بن البدى. رجلان. ومن بنى طريف، رهط سعد بن عبادة: عبد الله بن عمرو بن وهب ابن ثعلبة بن وقش بن ثعلبة بن طريف، وضمرة، حليف لهم من [ بنى ] جهينة. رجلان. ومن بنى عوف بن الخزرج، ثم من بنى سالم، ثم من بنى مالك بن العجلان ابن زيد بن غنم بن سالم: نوفل بن عبد الله، وعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك ابن العجلان، ونعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر بن غنم بن سالم، والمجذر بن ذياد، حليف لهم من بلى، وعبادة بن الحسحاس. دفن النعمان بن مالك، والمجذر، وعبادة، في قبر واحد. خمسة نفر. ومن بنى الحبلى: رفاعة بن عمرو. رجل ومن بنى سلمة، ثم من بنى حرام: عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، دفنا في قبر واحد، وخلاد بن

[ 639 ]

عمرو بن الجموح [ بن زيد بن حرام ]، وأبو أيمن، مولى عمرو بن الجموح. أربعة نفر. ومن بنى سواد بن غنم: سليم بن عمرو بن حديدة، ومولاه عنترة، وسهل ابن قيس بن أبى كعب بن القين. ثلاثة نفر. ومن بنى زريق بن عامر: ذكوان بن عبد قيس، وعبيد بن المعلى بن لوذان. رجلان. قال ابن هشام: عبيد بن المعلى، من بنى حبيب. قال ابن إسحاق: فجميع من استشهد من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والانصار خمسة وستون رجلا. قال ابن هشام: وممن لم يذكر ابن إسحاق من السبعين الشهداء الذين ذكرنا، من الاوس، ثم من بنى معاوية بن مالك: بن تميلة، حليف لهم من مزينة. ومن بنى خطمة - واسم خطمة: عبد الله بن جشم بن مالك بن الاوس - الحارث بن عدى بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة. ومن بنى الخزرج، ثم من بنى سواد بن مالك: مالك بن إياس. ومن بنى عمرو بن مالك بن النجار: إياس بن عدى. ومن بنى سالم بن عوف: عمرو بن إياس. ذكر من قتل المشركين يوم أحد قال ابن إسحاق: وقتل من المشركين يوم أحد من قريش، ثم من بنى عبد الدار بن قصى من أصحاب اللواء: طلحة بن أبى طلحة - واسم أبى طلحة:

[ 640 ]

عبد الله - بن عبد العزى بن عثمان بن عبدالدار، قتله على بن أبى طالب، (و) أبو سعيد (1) بن أبى طلحة، قتله سعد بن أبى وقاص. قال ابن هشام: ويقال: قتله على بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وعثمان بن أبى طلحة، قتله حمزة بن عبد المطلب، ومسافع ابن طلحة، والجلاس بن طلحة، قتلهما عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح. وكلاب ابن طلحة، والحارث بن طلحة، قتلهما قزمان، حليف لبنى ظفر. قال ابن هشام: ويقال: قتل كلابا عبد الرحمن بن عوف. قال ابن إسحاق: وأرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله حمزة بن عبد المطلب، وأبو يزيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار، قتله قزمان، وصؤاب: غلام له حبشي، قتله قزمان قال ابن هشام: ويقال: قتله على بن أبى طالب، ويقال: سعد بن أبى وقاص، ويقال: أبو دجانة. قال ابن إسحاق: والقاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله قزمان. أحد عشر رجلا. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد. قتله على بن أبى طالب. رجل. ومن بنى زهرة بن كلاب: أبو الحكم بن الاخنس بن شريق بن عمرو ابن وهب الثقفى، حليف لهم، قتله على بن أبى طالب، وسباع بن عبد العزى - واسم عبد العزى: عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أفصى - حليف لهم من خزاعة، قتله حمزة بن عبد المطلب. رجلان. ومن بنى مخزوم بن يقظة: هشام بن أبى أمية بن المغيرة، قتله قزمان،


(1) في ا " أبو سعد ". (*)

[ 641 ]

والوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة، قتله قزمان، وأبو أمية بن أبى حذيفة بن المغيرة، قتله على بن أبى طالب، وخالد بن الاعلم، حليف لهم، قتل قزمان. أربعة نفر ومن بنى جمح بن عمرو: عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح، وهو أبو عزة، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا، وأبى بن خلف ابن وهب بن حذافة بن جمح، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم [ بيده ]. رجلان. ومن بنى عامر بن لؤى: عبيدة بن جابر، وشيبة بن مالك بن المضرب، قتلهما قزمان. رجلان. قال ابن هشام: ويقال: قتل عبيدة بن جابر عبد الله بن مسعود. قال ابن إسحاق: فجميع من قتل الله تبارك وتعالى يوم أحد من المشركين، اثنان وعشرون رجلا ذكر ما قيل من الشعر يوم أحد قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم أحد، قول هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم - قال ابن هشام: عائذ: ابن عمران بن مخزوم: ما بال هم عميد بات يطرقني * بالود من هند إذ تعدو عواديها باتت تعاتبني هند وتعذلني * والحرب قد شغلت عنى مواليها مهلا فلا تعذليني إن من خلقي * ما قد علمت وما إن لست أخفيها مساعف لبنى كعب بما كلفوا * حمال عبء وأثقال أعانيها وقد حملت سلاحي فوق مشترف * ساط سبوح إذا تجرى يباريها

[ 642 ]

كأنه إذ جرى عير بفدفدة * مكدم لا حق بالعون يحميها من آل أعوج يرتاح الندى له * كجذع شعراء مستعل مراقيها أعددته ورقاق الحد منتخلا * ومارنا لخطوب قد ألاقيها هذا وبيضاء مثل النهى محكمة * نيطت على فما تبدو مساويها سقنا كنانة من أطراف ذى يمن * عرض البلاد على ما كان يزجيها قالت كنانة: أنى تذهبون بنا ؟ * قلنا: النخيل، فأموها ومن فيها نحن الفوارس يوم الجر من أحد * هابت معد فقلنا: نحن نأتيها هابوا ضرابا وطعنا صادقا خذما * مما يرون وقد ضمت قواصيها ثمت رحنا كأنا عارض برد * وقام هام بنى النجار يبكيها كأن هامهم عند الوغى فلق * من قيض ربدنفته عن أداحيها أو حنظل ذعذعته الريح في غصن * بال تعاوره منها سواقيها قد نبذل المال سحا لاحساب له * ونطعن الخيل شزرا في مآقيها وليلة يصطلى بالفرث جازرها * يختص بالنقرى المثرين داعيها وليلة من جمادى ذات أندية * جربا جمادية قد بت أسريها لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * من القريس ولا تسرى أفاعيها أوقدت فيها لذى الضراء جاحمة * كالبرق ذاكية الاركان أحميها أورثني ذاكم عمرو ووالده * من قبله كان بالمثنى يغاليها كانوا يبارون أنواء النجوم فما * دنت عن السورة العليا مساعيها قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت، فقال: سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم * إلى الرسول فجند الله مخزيها أوردتموها حياض الموت ضاحية * فالنار موعدها، والقتل لا قيها

[ 643 ]

جمعتموها أحابيشا بلا حسب * أئمة الكفر غرتكم طواغيها ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت * أهل القليب ومن ألقينه فيها كم من أسير فككناه بلا ثمن * وجز ناصية كنا مواليها قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الانصاري لكعب بن مالك قال ابن هشام: وبيت هبيرة بن أبى وهب الذى بقول فيه: وليلة يصطلى بالفرث جازرها * يختص بالنقرى المثرين داعيها يروى لجنوب، أخت عمرو ذى الكلب الهذلى، في أبيات لها في غير يوم أحد. قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يجيب هبيرة بن أبى وهب أيضا: ألا هل أتى غسان عنا ودونهم * من الارض خرق سيره متنعنع صحار وأعلام كأن قتامها * من البعد نقع هامد متقطع تظل به البزل العراميس رزحا * ويخلو به غيث السنين فيمرع به جيف الحسرى يلوح صليبها * كما لاح كتان التجار الموضع به العين والآرام يمشين خلفة * وبيض نعام قيضه يتقلع مجالدنا عن ديننا كل فخمة * مذربة فيها القوانس تلمع وكل صموت في الصوان كأنها * إذا لبست نهى من الماء مترع ولكن ببدر سائلوا من لقيتم * من الناس والانباء بالغيب تنفع وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها * سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا إذا جاء منا راكب كان قوله * أعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع فمهما يهم الناس مما يكيدنا * فنحن له من سائر الناس أوسع فلو غيرنا كانت جميعا تكيده البرية قد أعطوا يدا وتوزعوا

[ 644 ]

نجالد لا تبقى علينا قبيلة * من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا ولما ابتنوا بالعرض قال سراتنا: * علام إذا لم نمنع العرض نزرع وفينا رسول الله نتبع أمره * إذا قال فينا القول لا نتطلع تدلى عليه الروح من عند ربه * ينزل من جو السماء ويرفع نشاوره فيما نريد وقصرنا * إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع وقال رسول الله لما بدوا لنا * ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا وكونوا كمن يشرى الحياة تقربا * إلى ملك يحيا لديه ويرجع ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا * على الله إن الامر لله أجمع فسرنا إليهم جهرة في رحالهم * ضحيا علينا البيض لا نتخشع يملمومة فيها السنور والقنا * إذا ضربوا أقدامها لا تورع فجئنا إلى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية * ثلاث مئين إن كثرنا وأربع نغاورهم تجرى المنية بيننا * نشارعهم حوض المنايا ونشرع تهادى قسى النبع فينا وفيهم * وما هو إلا اليثربي المقطع ومنجوفة حرمية صاعدية * يذر عليها السم ساعة تصنع تصوب بأبدان الرجال وتارة * تمر بأعراض البصار تقعقع وخيل تراها بالفضاء كأنها * جراد صبا في قرة يتريع فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى * وليس لامر حمسه الله مدفع ضربناهم حتى تركنا سراتهم * كأنهم بالقاع خشب مصرع لدن غدوة حتى استفقنا عشية * كأن ذكانا حر نار تلفع وراحوا سراعا موجفين كأنهم * جهام هراقت ماءه الريح مقلع ورحنا وأخرانا بطاء كأننا * أسود على لحم ببيشه ظلع

[ 645 ]

فنلنا ونال القوم منا، وربما * فعلنا، ولكن مالدى الله أوسع ودارت رحانا واستدارت رحاهم * وقد جعلوا كل من الشر يشبع ونحن أناس لا نرى القتل سبة * على كل من يحمى الذمار ويمنع جلاد على ريب الحوادث لا ترى * على هالك عينا لنا الدهر تدمع بنو الحرب لا نعيا بشئ نقوله * ولا نحن مما جرت الحرب نجزع بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش * ولا نحن من إظفارها نتوجع وكنا شهابا يتقى الناس حره * ويفرج عنه من يليه ويسفع فخرت على ابن الزبعرى وقد سرى * لكم طلب من آخر الليل متبع فسل عنك في عليا معد وغيرها * من الناس من أخزى مقاما وأشنع ومن هو لم تترك له الحرب مفخرا * ومن خده يوم الكريهة أضرع شددنا بحول الله والنصر شدة * عليكم وأطراف الاسنة شرع تكر القنا فيكم كأن فروعها * عزالى مزاد ماؤها يتهزع عمدنا إلى أهل اللواء، ومن يطر * بذكر اللواء فهو في الحمد أسرع فخانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا * أبى الله إلا أمره وهو أصنع قال ابن هشام: وكان كعب بن مالك قد قال: مجالدنا عن جذمنا كل فخمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيصلح أن تقول: مجالدنا عن ديننا ؟ فقال كعب: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو أحسن، فقال كعب: مجالدنا عن ديننا. قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعرى في يوم أحد. يا غراب البين أسمعت فقل * إنما تنطق شيئا قد فعل إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل

[ 646 ]

والعطيات خساس بينهم * وسواء قبر مثر ومقل كل عيش ونعيم زائل * وبنات الدهر يلعبن بكل أبلغن حسان عنى آية * فقريض الشعر يشفى ذا الغلل كم ترى بالجر من جمجمة * وأكف قد أترت ورجل وسرابيل حسان سريت * عن كماة أهلكوا في المنتزل كم قتلنا من كريم سيد * ماجدا الجدين مقدام بطل صادق النجدة قرم بارع * غير ملتاث لدى وقع الاسل فسل المهراس من ساكنه ؟ * بين أقحاف وهام كالحجل ليت أشياخى ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الاشل تم خفوا عند ذاكم رقصا * رقص الحفان يعلو في الجبل فقتلنا الضعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل لا ألوم النفس إلا أننا * لو كررنا لفعلنا المفتعل بسيوف الهند تعلو هامهم * عللا تعلوهم يعد نهل فأجابه حسان بن ثابت [ الانصاري رضى الله عنه ] قال: ذهبت يابن الزبعرى وقعة * كان منا الفضل فيها لو عدل ولقد نلتم ونلنا منكم * وكذاك الحرب أحيانا دول نضع الاسياف في أكتافكم * حيث نهوى عللا بعد نهل نخرج الاضياح من أستاهكم * كسلاح النيب يأكلن العصل إذ تولون على أعقابكم * هربا في الشعب أشباه الرسل إذ شددنا شدة صادقة * فأجأنا كم إلى سفح الجبل بخناطيل كأشداف الملا * من يلاقوه من الناس يهل

[ 647 ]

ضاق عنا الشعب إذ نجزعه * وملانا الفرط منه والرجل برجال لستم أمثالهم * أيدوا جبريل نصرا فنزل وعلونا يوم بدر بالتقى * طاعة الله وتصديق الرسل وقتلنا كل رأس منهم * وقتلنا كل جحجاج رفل وتركنا في قريش عورة * يوم بدر وأحاديث المثل ورسول الله حقا شاهد * يوم بدر والتنابيل الهبل في قريش من جموع جمعوا * مثل ما يجمع في الخصب الهمل نحن لا أمثالكم ولد أستها * نحضر البأس إذا البأس نزل قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد الانصاري، " وأحاديث المثل " والبيت الذى قبله. وقوله: " في قريش من جموع جمعوا " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يبكى حمزة بن عبد المطلب وقتلى أحد من المسلمين. نشجت وهل لك من منشج * وكنت متى تذكر تلجج تذكر قوم أتانى لهم * أحاديث في الزمن الاعوج فقلبك من ذكرهم خافق * من الشوق والحزن المنضج وقتلاهم في جنان النعيم * كرام المداخل والمخرج بما صبروا تحت ظل اللواء * لواء الرسول بذى الاضوج غداة أجابت بأسيافها * جميعا بنو الاوس والخزرج وأشياع أحمد إذ شايعوا * على الحق ذى النور والمنهج فما برحوا يضربون الكماة * ويمضون في القسطل المرهج كذلك حتى دعاهم مليك * إلى جنة دوحة المولج

[ 648 ]

فكلهم مات حر البلاء * على ملة الله لم يحرج كحمزة لما وفى صادقا * بذى هبة صارم سلجج فلاقاه عبد بنى نوفل * يبربر كالجمل الادعج فأوجره حربة كالشهاب * تلهب في اللهب الموهج ونعمان أوفى بميثاقه * وحنظلة الخير لم يحنج عن الحق حتى غدت روحه * إلى منزل فاخر الزبرج أولئك لا من ثوى منكم * من النار في الدرك المرتج فأجابه ضرار بن الخطاب الفهرى، فقال: أيجزع كعب لاشياعه * ويبكى من الزمن الاعوج عجيج المذكى رأى إلفه * تروح في صادر محنج فراح الروايا وغادرنه * يعجعج قسرا ولم يحدج فقولا لكعب يثنى البكا * وللنئ من لحمه ينضج لمصرع إخوانه في مكر * من الخيل ذى قسطل مرهج فياليت عمرا وأشياعه * وعتبة في جمعنا السورج فيشفوا النفوس بأوتارها * بقتلى أصيب من الخزرج وقتلى من الاوس في معرك * أصيبوا جميعا بذى الاضوج ومقتل حمزة تحت اللواء * بمطرد، مارن، مخلج وحيث انثنى مصعب ثاويا * بضربة ذى هبة سلجج بأحد وأسيافنا فيهم * تلهب كاللهب الموهج غداة لقينا كم في الحديد * كأسد البراح فلم تعنج بكل مجلحة كالعقاب * وأجرد ذى ميعة مسرج

[ 649 ]

فدسناهم ثم انثنوا * سوى زاهق النفس أو محرج قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار. وقول كعب: " ذى النور والمنهج " عن أبى زيد الانصاري. قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعرى في يوم أحد، يبكى القتلى: ألا ذرفت من مقلتيك دموع * وقد بان من حبل الشباب قطوع وشط بمن تهوى المزار وفرقت * نوى الحى دار بالحبيب فجوع وليس لما ولى على ذى حرارة * وإن طال تذراف الدموع رجوع فذرذا، ولكن هل أتى أم مالك * أحاديث قومي والحديث يشيع ومجنبنا جردا إلى أهل يثرب * عناجيج منها متلد ونزيع عشية سرنا في لهام يقودنا * ضرور الاعادي للصديق نفوع نشد علينا كل زغف كأنها * غدير بضوج الواديين نقيع فلما رأونا خالطتهم مهاية * وعاينهم أمر هناك فظيع وودوا لو ان الارض ينشق ظهرها * بهم وصبور القوم ثم جزوع وقد عريت بيض كأن وميضها * حريق ترقى في الاباء سريع بأيماننا نعلو بها كل هامة * ومنها سمام للعدو ذريع فغادرون قتلى الاوس عاصبة بهم * ضباع وطير يعتفين وقوع وجمع بنى النجار في كل تلعة * بأبدانهم من وقعهن نجيع ولولا علو الشعب غادرن أحمدا * ولكن علا والسمهري شروع كما غادرت في الكر حمزة ثاويا * وفى صدره ماضى الشباة وقيع ونعمان قد غادرن تحت لوائه * على لحمه طير يجفن وقوع بأحد وأرماح الكماة يردنهم * كما غال أشطان الدلاء نزوع

[ 650 ]

فأجابه حسان بن ثابت فقال: أشاقك من أم الوليد ربوع * بلا قع ما من أهلهن جميع عفاهن صيفي الرياح وواكف * من الدلو رجاف السحاب هموع فلم يبق إلا موقد النار حوله * رواكد أمثال الحمام كنوع فدع ذكر دار بددت بين أهلها * نوى لمتينات الحبال قطوع وقل إن يكن يوم بأحد يعده * سفيه فإن الحق سوف يشيع فقد صابرت فيه بنو الاوس كلهم * وكان لهم ذكر هناك رفيع وحامى بنو النجار فيه وصابروا * وما كان منهم في اللقاء جزوع أمام رسول الله لا يخذلونه * لهم ناصر من ربهم وشفيع وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم * ولا يستوى عبد وفى ومضيع بأيديهم بيض إذا حمش الوغى * فلا بد أن يردى لهن صريع كما غادرت في النقع عتبة ثاويا * وسعدا صريعا والوشيج شروع وقد غادرت تحت العجاجة مسندا * أبيا وقد بل القميص نجيع بكف رسول الله حيث تنصبت * على القوم مما قد يثرن نقوع أولئك قوم سادة من فروعكم * وفى كل قوم سادة وفروع بهن نعز الله حتى يعزنا * وإن كان أمر ياسخين فظيع فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم * قتيل ثوى لله وهو مطيع فإن جنان الخلد منزلة له * وأمر الذى يقضى الامور سريع وقتلا كم في النار أفضل رزقهم * حميم معا في جوفها وضريع قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسان وابن الزبعرى وقوله: " ماضى الشباة، وطير يجفن " عن غير ابن إسحاق.

[ 651 ]

وقال ابن إسحاق: وقال عمرو بن العاصى [ في ] يوم أحد: خرجنا من الفيفا عليهم كأننا * مع الصبح من رضوى الحبيك المنطق تمنت بنو النجار جهلا لقاءنا * لدى جنب سلع والاماني تصدق فما راعهم بالشر إلا فجاءة * كراديس خيل في الازقة تمرق أرادوا لكيما يستبيحوا قبابنا * ودون القباب اليوم ضرب محرق وكانت قبابا أو منت قبل ما ترى * إذا رامها قوم أبيحوا وأحنقوا كأن رءوس الخزرجيين غدوة * وأيمانهم بالمشرفية بروق فأجابه كعب بن مالك، فيما ذكر ابن هشام، فقال: ألا أبلغا فهرا على نأى دارها * وعندهم من علمنا اليوم مصدق بأنا غداة السفح من بطن يثرب * صبرنا ورايات المنية تخفق صبرنا لهم والصبر منا سجية * إذا طارت الابرام نسمو ونرتق على عادة تلكم جرينا بصبرنا * وقد ما لدى الغايات نجرى فنسبق لنا حومة لا تستطاع يقودها * نبى أتى بالحق عف مصدق ألا هل أتى أفناء فهر بن مالك * مقطع أطراف وهام مفلق قال ابن إسحاق: وقال ضرار بن الخطاب: إنى وجدك لولا مقدمى فرسى * إذ جالت الخيل بين الجزع والقاع ما زال منكم بجنب الجزع من أحد * أصوات هام تزاقى أمرها شاعى وفارس قد أصاب السيف مفرقه * أفلاق هامته كفروة الراعى إنى وجدك لا أنفك منتطقا * بصارم مثل لون الملح قطاع على رحالة ملواح مثابرة * نحو الصريخ إذا ما ثوب الداعي وما انتميت إلى خور ولا كشف * ولا لئام غداة الباس أوراع

[ 652 ]

بل ضاربين حبيك البيض إذ لحقوا * شم العرانين عند الموت لذاع شم بهاليل مسترخ حمائلهم * يسعون للموت سعيا غير دعداع وقال ضرار بن الخطاب أيضا: لما أتت من بنى كعب مزينة * والخزرجية فيها البيض تأتلق وجردوا مشرفيات مهندة * وراية كجناح النسر تختفق فقلت: يوم بأيام ومعركة * تنبى لما خلفها ماهز هز الورق قد عودوا كل يوم أن تكون لهم * ريح القتال وأسلاب الذين لقوا خبرت نفسي على ما كان من وجل * منها وأيقنت أن المجد مستبق أكرهت مهرى حتى خاض غمرتهم * وبله من نجيع عانك علق فظل مهرى وسربالى جسيدهما * نفخ العروق رشاش الطعن والورق أيقنت أنى مقيم في ديارهم * حتى يفارق ما في جوفه الحدق لا تجزعوا يا بنى مخزوم إن لكم * مثل المغيرة فيكم ما به زهق صبرا فدى لكم أمي وما ولدت * تعاوروا الضرب حتى يدبر الشفق وقال عمرو بن العاص: لما رأيت الحرب ينزو * شرها بالرضف نزوا وتناولت شهباء تلحو * الناس بالضراء لحوا أيقنت أن الموت حق * والحياة تكون لغوا حملت أثوابي على * عتد يبذ الخيل رهوا سلسل إذا نكبن في البيداء * يعلو الطرف علوا وإذا تنزل ماؤه * من عطفه يزداد زهوا ربذ كيعفور الصريمة * راعه الرامون دحوا شنج نساه ضابط * للخيل إرخاء وعدوا

[ 653 ]

ففدى لهم أمي غداة * الروع إذ يمشون قطوا سير إلى كبش الكتيبة * إذا جلته الشمس جلوا قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لعمرو. قال ابن إسحاق: فأجابهما كعب بن مالك، فقال: أبلغ قريشا وخير القول أصدقه * والصدق عنه ذوى الالباب مقبول أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم * أهل اللواء ففيما يكثر القيل ويوم بدر لقيناكم لنا مدد * فيه مع النصر ميكال وجبريل إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا * والقتل في الحق عند الله تفضيل وإن تروا أمرنا في رأيكم سفها * فرأى من خالف الاسلام تضليل فلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا * إن أخا الحرب أصدى اللون مشعول إن لكم عندنا ضربا تراح له * عرج الضباع له خذم رعابيل إنا بنو الحرب نمريها وننتجها * وعندنا لذوى الاضغان تنكيل إن ينج منها ابن حرب بعد ما بلغت * منه الترافى وأمر الله مفعول فقد أفادت له حلما وموعظة * لمن يكون له لب ومعقول ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم * ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل تلقاكم عصب حول النبي لهم * مما يعدون للهيجا سرابيل من جذم غسان مسترخ حمائلهم * لا جبناء ولا ميل معازيل يمشون تحت عمايات القتال كما * تمشى المصاعبة الادم المراسيل أو مثل مشى أسود الطل ألثقها * يوم رذاذ من الجوزاء مشمول في كل سابغة كالنهي محكمة * قيامها فلج كالسيف بهلول ترد حد قرام النبل خاسئة * ويرجع السيف عنها وهو مفلول ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم * وللحياة ودفع الموت تأجيل

[ 654 ]

ما زال في القوم وتر منكم أبدا * تعفو السلام عليه وهو مطلول عبد وحر كريم موثق قنصا * شطر المدينة مأسور ومقتول كنا نؤمل أخراكم فأعجلكم * منا فوارس لاعزل ولا ميل إذا جنى فيهم الجاني فقد علموا * حقا بأن الذى قد جر محمول ما نحن لا نحن، من إثم مجاهرة * ولا ملوم ولا في الغرم مخذول وقال حسان بن ثابت، يذكر عدة أصحاب اللواء يوم أحد: [ - قال ابن هشام: هذه أحسن ما قيل - ] منع النوم بالعشاء الهموم * وخيال إذا تغور النجوم من حبيب أضاف قلبك منه * سقم فهو داخل مكتوم (1) يا لقومي هل يقتل المرء مثلى * واهن البطش والعظام سؤوم لو يدب الحولى من ولد الذ * ر عليها لاندبتها الكلوم شأنها العطر والفراش ويعلو * ها لجين ولؤلؤ منظوم لم تفتها شمس النهار بشئ * غير أن الشباب ليس يدوم إن خالي خطيب جابية الجو * لان عند النعمان حين يقوم وأنا الصقر عند باب ابن سلمى * يوم نعمان في الكبول سقيم وأبى وواقد أطلقا لى * يوم راحا وكبلهم محطوم ورهنت اليدين عنهم جميعا * كل كف جزء لها مقسوم وسطت نسبتى الذوائب منهم * كل دار فيها أب لى عظيم وأبى في سميحة القائل الفا * صل يوم التقت عليه الخصوم تلك أفعالنا وفعل الزبعرى * خامل في صديقه مذموم رب حلم أضاعه عدم المال *، وجهل غطى عليه النعيم لا تسبننى فلست بسبي * إن سبى من الرجال الكريم


(1) في ا " أصاب قلبك ". (*)

[ 655 ]

ما أبالى أنب بالحزن تيس * أم لحاني بظهر غيب لئيم ولى البأس منكم إذ رحلتم * أسرة من بنى قصى صميم تسعة تحمل اللواء، وطارت * في رعاع من القنا مخزوم وأقاموا حتى أبيحوا جميعا * في مقام، وكلهم مذموم بدم عانك، وكان حفاظا، أن يقيموا، إن الكريم كريم وأقاموا حتى أزيروا شعوبا * والقنا في نحورهم محطوم وقريش تفر منا لواذا * أن يقيموا وخف منها الحلوم لم تطق حمله العواتق منهم * إنما يحمل اللواء النجوم قال ابن هشام: قال حسان هذه القصيدة: منع النوم بالعشاء الهموم ليلا، فدعا قومه، فقال لهم: خشيت أن يدركنى أجلى قبل أن أصبح، فلا ترووها عنى. قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة للحجاج بن علاط السلمى يمدح [ أبا الحسن أمير المؤمنين ] على بن أبى طالب، ويذكر قتله طلحة بن أبى طلحة ابن عبد العزى بن عثمان بن عبدالدار، صاحب لواء المشركين يوم أحد: لله أي مذبب عن حرمة * أعنى ابن فاطمة المعم المخولا سبقت يداك له بعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالجر إذ يهوون أخول أخولا قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى حمزة بن عبد المطلب ومن أصيب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: يا مى قومي فاندبن * بسحيرة شجو النوائح كالحاملات الوقر بالثقل * الملحات الدوالح

[ 656 ]

المعولات الخامشات * وجوه حرات صحائح وكأن سيل دموعها الانصاب * تخضب بالذبائح ينقضن أشعارا لهن * هناك بادية المسائح وكأنها أذناب خيل * بالضحى شمس روامح من بين مشزور ومجزور * يذعذع بالبوارح يبكين شجوا مسلبات * كدحتهن الكوادح ولقد أصاب قلوبها * مجل له جلب قوارح إذ أقصد الحدثان من * كنا نرجى إذ نشايح أصحاب أحد غالهم دهر ألم له جوارح من كان فارسنا وحا * مينا إذا بعث المسالح ياحمز، لا والله لا * أنساك ما صر اللقائح لمناخ أيتام وأضياف * وأرملة تلامح ولما ينوب الدهر في * حرب لحرب وهى لاقح يا فارسا يا مدرها * يا حمز قد كنت المصامح عنا شديدات الخطوب * إذا ينوب لهن فادح ذكرتني أسد الرسول *، وذاك مدرهنا المنافح عنا وكان يعد إذ * عد الشريفون الجحاجح يعلو القماقم جهرة * سبط اليدين أغر واضح لا طائش رعش، ولا * ذو علة بالحمل آنح بحر فليس يغب جارا * منه سيب أو منادح أودى شباب أولى الحفائظ * والثقيلون المراجح

[ 657 ]

المطعمون إذا المشاتى * ما يصففهن ناضح لحم الجلاد وفوقه * من شحمه شطب شرائح ليدافعوا عن جارهم * مارام ذو الضغن المكاشح لهفى لشبان رزئناهم * كأنهم المصابح شم، بطارقة، غطارفة *، خضارمة، مسامح المشترون الحمد بالاموال *، إن الحمد رابح والجامزون بلجمهم * يوما إذاما صاح صائح من كان يرمى بالنواقر * من زمان غير صالح ما إن تزال ركابه * يرسمن في غبر صحاصح راحت تبارى وهو في * ركب صدورهم رواشح حتى تئوب له المعالى * ليس من فوز السفانح يا حمز قد أوحدتني * كالعود شذبه الكوافح أشكو إليك وفوقك الترب * المكور والصفائح من جندل نلقيه فوقك * إذ أجاد الضرح ضارح في واسع يحثونه * بالترب سوته المماسح فعزاؤنا أنا نقول * وقولنا برح بوارح من كان أمسى وهو عما * أوقع الحدثان جانح فليأتنا فلتبك عيناه * لهلكانا النوافح القائلين الفاعلين * ذوى السماحة والممادح من لا يزال ندى يديه * له طوال الدهر مائح قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان، وبيته:

[ 658 ]

" المطعمون إذا المشاتى "، وبيته: " الجامزون بلجمهم "، وبيته: " من كان يرمى بالنواقر " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا يبكى حمزة بن عبد المطلب: أتعرف الدار عفا رسمها * بعدك صوب المسبل الهاطل ؟ بين السراديح فأدمانة * فمدفع الروحاء في حائل ساءلتها عن ذاك فاستعجمت * لم تدر ما مرجوعة السائل ؟ دع عنك دارا قد عفا رسمها * وابك على حمزة ذى النائل المالئ الشيزى إذا أعصفت * غبراء في ذى الشبم الماحل والتارك القرن لدى لبدة، يعثر في ذى الخرص الذابل واللابس الخيل إذ أجحمت * كالليث في غابته الباسل أبيض في الذروة من هاشم * لم يمر دون الحق بالباطل مال شهيدا بين أسيافكم * شلت يدا وحشى من قاتل أي امرئ غادر في ألة * مطرورة مارنة العامل أظلمت الارض لفقدانه * واسود نور القمر الناصل صلى الله عليه في جنة * عالية مكرمة الداخل كنا نرى حمزة حرزا لنا * في كل أمر نابنا نازل وكان في الاسلام ذا تدرأ * يكفيك فقد القاعد الخاذل لا تفرحي يا هند واستحلبي * دمعا وأذرى عبرة الثاكل وابكى على عتبة إذ قطه * بالسيف تحت الرهج الجائل إذ خر في مشيخة منكم * من كل عات قبله جاهل أرداهم حمزة في أسرة * يمشون تحت الحلق الفاضل غداة جبريل وزير له * نعم وزير الفارس الحامل وقال كعب بن مالك يبكى حمزة بن عبد المطلب:

[ 659 ]

رقت همومك فالرقاد مسهد * وجزعت أن سلخ الشباب الاغيد ودعت فؤادك للهوى ضمرية * فهواك غورى وصحوك منجد فدع التمادي في الغواية سادرا * قد كنت في طلب الغواية تفند ولقد أنى لك أن تناهي طائعا * أو تستفيق إذا نهاك المرشد ولقد هددت لفقد حمزة هدة * ظلت بنات الجوف منها ترعد ولو أنه فجعت حراء بمثله * لرأيت راسى صخرها يتبدد قرم تمكن في ذؤابة هاشم * حيث النبوة والندى والسودد والعاقر الكوم الجلاد إذ غدت * ريح يكاد الماء منها يجمد والتارك القرن الكمى مجدلا * يوم الكريهة والقنا يتقصد وتراه يرفل في الحديد كأنه * ذو لبدة شثن البراثن أربد عم النبي محمد وصفيه * ورد الحمام فطاب ذاك المورد وأتى المنية معلما في أسرة * نصروا النبي، ومنهم المستشهد ولقد إخال بذاك هندا بشرت * لتميت داخل غصة لا تبرد مما صبحنا بالعقنقل قومها * يوما تغيب فيه عنها الاسعد وببئر بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد حتى رأيت لدى النبي سراتهم * قسمين: يقتل من نشاء ويطرد فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون: عتبة منهم والاسود وابن المغيرة قد ضربنا ضربة * فوق الوريد لها رشاش مزيد وأمية الجمحى قوم ميله * عضب بأيدى المؤمنين مهند فأتاك قل المشركين كأنهم * والخيل تثقتهم نعام شرد شتان من هو في جهنم ثاويا * أبدا ومن هو في الجنان مخلد

[ 660 ]

وقال كعب أيضا يبكى حمزة: صفية قومي ولا تعجزى * وبكى النساء على حمزة ولا تسأمى أن تطيلى البكا * على أسد الله في الهزة فقد كان عزا لايتامنا * وليث الملاحم في البزة يريد بذاك رضا أحمد * ورضوان ذى العرش والعزة وقال كعب أيضا في يوم أحد: إنك عمر أبيك الكريم * أن تسألي عنك من يجتدينا فإن تسألي ثم لا تكذبي * يخبرك من قد سألت اليقينا بأنا ليالى ذات العظام * كنا ثمالا لمن يعترينا تلوذ النجود بأذرائنا * من الضر في أزمات السنينا بجدوى فضول أولى وجدنا * وبالصبر والبذل في المعدمينا وأبقت لنا جلمات الحروب * ممن نوازى لدن أن برينا معاطن تهوى إليها الحقوق * يحسبها من رآها الفتينا تخيس فيها عتاق الجمال * صحما دواجن حمرا وجونا ودفاع رجل كموج الفرات * يقدم جأواء جولا طحونا ترى لونها مثل لون النجوم * رجراجة تبرق الناظرينا فإن كنت عن شأننا جاهلا * فسل عنه ذا العلم ممن يلينا بنا كيف نفعل إن قلصت * عوانا ضروسا عضوضا حجونا ألسنا نشد عليها العصاب * حتى تدر وحتى تلينا ويوم له رهج دائم * شديد التهاول حامى الارينا طويل شديد أوار القتال * تنفى قواحزه المقر فينا تخال الكماة بأعراضه * ثمالا على لذة منزفينا تعاور أيمانهم بينهم * كئوس المنايا بحد الظبينا

[ 661 ]

شهدنا فكنا أولى بأسه * وتحت العماية والمعلمينا بخرس الحسيس حسان رواء * وبصرية قد أجمن الجفونا فما ينفللن وما ينحنين * وما ينتهين إذا ما نهينا كبرق الخريف بأيدى الكماة * يفجعن بالظل هاما سكونا وعلمنا الضرب آباؤنا * وسوف نعلم أيضا بنينا جلاد الكماة، وبذل التلاد *، عن جل أحسابنا ما بقينا إذا مر قرن كفى نسله * وأورثه بعده آخرينا نشب وتهلك آباؤنا * وبينا نربى بنينا فنينا سألت بك ابن الزبعرى فلم * أنبأك في القوم إلا هجينا خبيثا تطيف بك المنديات * مقيما على اللؤم حينا فحينا تبجست تهجو رسول المليك *، قاتلك الله جلفا لعينا تقول الخنا ثم ترمى به * نقى الثياب تقيا أمينا قال ابن هشام: أنشدني بيته: " بنا كيف نفعل "، والبيت الذى يليه، والبيت الثالث منه، وصدر الرابع منه، وقوله " نشب وتهلك آباؤنا " والبيت الذى يليه، والبيت الثالث منه، أبو زيد الانصاري. قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك أيضا، في يوم أحد: سائل قريشا غداة السفح من أحد * ماذا لقينا وما لاقوا من الهرب كنا الاسود وكانوا النمر إذ زحفوا * ما إن نراقب من آل ولا نسب فكم تركنا بها من سيد بطل * حامى الذمار كريم الجدو الحسب فينا الرسول شهاب ثم يتبعه * نور مضئ له فضل على الشهب الحق منطقه، والعدل سيرته * فمن يجبه إليه ينج من تبب تحد المقدم، ماضى الهم، معتزم * حين القلوب على رجف من الرعب

[ 662 ]

يمضى ويذمرنا عن غير معصية * كأنه البدر لم يطبع على الكذب بدا لنا فاتبعناه نصدقه * وكذبوه فكنا أسعد العرب جالوا وجلنا فما فاءوا وما رجعوا * ونحن نثفنهم لم نأل في الطلب ليس سواء وشتى بين أمرهما * حزب الاله وأهل الشرك والنصب قال ابن هشام أنشدني من قوله: " يمضى ويذمرنا " إلى آخرها، أبو زيد الانصاري. قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن رواحة يبكى حمزة بن عبد المطلب. قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الانصاري لكعب بن مالك: بكت عينى وحق لها بكاها * وما يغنى البكاء ولا العويل على أسد الاله غداة قالوا: * أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا * هناك وقد أصيب به الرسول أبا يعلى لك الاركان هدت * وأنت الماجد البر الوصول عليك سلام ربك في جنان * مخالطها نعيم لا يزول ألا يا هاشم الاخيار صبرا * فكل فعالكم حسن جميل رسول الله مصطبر كريم * بأمر الله ينطق إذ يقول ألا من مبلغ عنى لؤيا * فبعد اليوم دائلة تدول وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا * وقائعنا بها يشفى الغليل نسيتم ضربنا بقليب بدر * غداة أتاكم الموت العجيل غداة ثوى أبو جهل صريعا * عليه الطير حائمة تجول وعتبة وابنه خرا جميعا * وشيبة عضه السيف الصقيل ومتركنا أمية مجلعبا * وفي حيزومه لدن نبيل وهام بنى ربيعة سائلوها * ففى أسيافنا منها فلول

[ 663 ]

ألا يا هند فابكى لا تملى * فأنت الواله العبرى الهبول ألا يا هند لا تبدى شماتا * بحمزة إن عزكم ذليل قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك أيضا: أبلغ قريشا على نأيها * أتفخر منا بما لم تلى فخرتم بقتلى أصابتهم * فواضل من نعم المفضل فحلوا جنانا وأبقوا لكم * أسودا تحامى عن الاشبل تقاتل عن دينها، وسطها * نبى عن الحق لم ينكل رمته معد بعور الكلام * ونبل العداوة لا تاتلى قال ابن هشام: أنشدني قوله: " لم تلى "، وقوله: " من نعم المفضل " أبو زيد الانصاري. قال ابن إسحاق: وقال ضرار بن الخطاب في يوم أحد: ما بال عينك قد أزرى بها السهد * كأنما جال في أجفانها الرمد أمن فراق حبيب كنت تألفه * قد حال من دونه الاعداء والبعد أم ذاك من شغب قوم لا جداء بهم * إذا الحروب تلظت نارها تقد ما ينتهون عن الغى الذى ركبوا * وما لهم من لؤى ويحهم عضد وقد نشدناهم بالله قاطبة * فما تردهم الارحام والنشد حتى إذا ما أبوا إلا محاربة * واستحصدت بيننا الاضغان والحقد سرنا إليهم بجيش في جوانبه * قوانس البيض والمحبوكة السرد والجرد ترفل بالابطال شازبة * كأنها حداء في سيرها تؤد جيش يقودهم صخر ويرأسهم * كأنه ليث غاب هاصر حرد فأبرز الحين قوما من منازلهم * فكان منا ومنهم ملتقى أحد فغودرت منهم قتلى مجدلة * كالمعز أصرده بالصردح البرد

[ 664 ]

قتلى كرام بنو النجار وسطهم * ومصعب من قنانا حوله قصد وحمزة القرم مصروع تطيف به * ثكلى وقد حزمنه الانف والكبد كأنه حين يكبو في جديته * تحت العجاج وفيه ثعلب جسد حوار ناب وقد ولى صحابته * كما تولى النعام الهارب الشرد مجلحين ولا يلوون، قد ملئوا * رعبا، فنجتهم العوصاء والكؤد تبكى عليهم نساء لا بعول لها * من كل سالبة أثوابها قدد وقد تركناهم للطير ملحمة * وللضباع إلى أجسادهم تفد قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار. قال ابن إسحاق: وقال أبوزعنة بن عبد الله بن عمرو بن عتبة. أخو بنى جشم بن الخزرج، يوم أحد: أنا أبوزعنة يعدو بى الهزم * لم تمنع المخزاة إلا بالالم يحمى الذمار خزرجي من جشم قال ابن إسحاق: وقال على ابن أبى طالب - قال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين [ في ] يوم أحد غير على، فيما ذكر لى بعض أهل العلم بالعشر، ولم أر أحدا منهم يعرفها لعلى: لا هم إن الحارث بن الصمة * كان وفيا وبنا ذا ذمه أقبل في مهامه مهمه * كليلة ظلماء مدلهمه بين سيوف ورماح جمه * يبغى رسول الله فيما ثمه قال ابن هشام: قوله: " كليلة " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال عكرمة بن أبى جهل في يوم أحد: كلهم يزجره أرحب هلا (1) * ولن يروه اليوم إلا مقبلا يحمل رمحا ورئيسا جحفلا


في ا " كلهم ابن حرة أرحب هلا ". (*)

[ 665 ]

وقال الاعشى بن زرارة بن النباش التميمي - قال ابن هشام: ثم أحد بنى أسيد (1) بن عمرو بن تميم - يبكى قتلى بنى عبد الدار يوم أحد: حيى من حى على نأيهم * بنو أبى طلحة لا تصرف يمر ساقيهم عليهم بها * وكل ساق لهم يعرف [ لا جارهم يشكو ولا ضيفهم * من دونه باب لهم يصرف ] وقال عبد الله بن الزبعرى يوم أحد: قتلنا ابن جحش فاغتبطنا بقتله * وحمزة في فرسانه وابن قوقل وأفلتنا منهم رجال فأسرعوا * فليتهم عاجوا ولم نتعجل أقاموا لنا حتى تعض سيوفنا * سراتهم وكلنا غير عزل وحتى يكون القتل فينا وفيهم * ويلقوا صباحا شره غير منجلى قال ابن هشام: وقوله: " وكلنا "، وقوله: " ويلقوا صباحا ": عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكى أخاها حمزة بن عبد المطلب: أسائلة أصحاب أحد مخافة * بنات أبى من أعجم وخبير فقال الخبير: إن حمزة قد ثوى * وزير رسول الله خير وزير دعاه إله الحق ذو العرش دعوة * إلى جنة يحيا بها وسرور فذلك ما كنا نرجى، ونرتجى * لحمزة يوم الحشر خير مصير فو الله لا أنساك ما هبت الصبا * بكاء وحزنا محضري ومسيري على أسد الله الذى كان مدرها * يذود عن الاسلام كل كفور فياليت شلوى عند ذاك وأعظمي * لدى أضبع تعتادنى ونسور أقول وقد أعلى النعى عشيرتي * جزى الله خيرا من أخ ونصير


(1) في ب " أسد " مكبرا. (*)

[ 666 ]

قال ابن هشام: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر قولها: بكاء وحزنا محضري ومسيري قال ابن إسحاق: وقالت نعم، امرأة شماس بن عثمان، تبكى شماسا، وأصيب يوم أحد: يا عين جودى بفيض غير إبساس * على كريم من الفتيان أباس (1) صعب البديهة ميمون نقيبته * حمال ألوية ركاب أفراس أقول لما أتى الناعي له جزعا: * أودى الجواد وأودى المطعم الكاسى وقلت لما خلت منه مجالسه: * لا يبعد الله عنا قرب شماس فأجابها أخوها، وهو أبو الحكم بن سعيد بن يربوع، يعزيها، فقال: أقنى حياءك في ستر وفى كرم * فإنما كان شماس من الناس لا تقتلي النفس إذ حانت منيته * في طاعة الله يوم الروع والباس قد كان حمزة ليث الله فاصطبري * فذاق يومئذ من كأس شماس وقالت هند بنت عتبة، حين انصرف المشركون عن أحد: رجعت وفى نفسي بلا بل جمة * وقد فاتني بعض الذى كان مطلبي من اصحاب بدر من قريش وغيرهم * بنو هاشم منهم ومن أهل يثرب ولكننى قد نلت شيئا ولم يكن * كما كنت أرجو في مسيرى ومركبي قال ابن هاشم: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر قولها: وقد فاتني بعض الذى كان مطلبي وبعضهم ينكرها لهند، والله أعلم.


(1) في ا " لباس ". (*)

[ 667 ]

ذكر يوم الرجيع في سنة ثلاث قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة. قال ابن هشام: عضل والقارة، من الهون بن خزيمة بن مدركة. قال ابن هشام: ويقال: الهون، بضم الهاء قال ابن إسحاق: فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث نفرا من أصحابك يفقهو ننافي الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الاسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرا ستة من أصحابه، وهم: مرثد بن أبى مرثد الغنوى، حليف حمزة بن عبد المطلب، وخالد بن البكير الليثى، حليف بنى عدى بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبى الاقلح، أخو بنى عمرو بن عوف ابن مالك بن الاوس، وخبيب بن عدى، أخو بنى جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة بن معاوية، أخو بنى بياضة بن عمرو بن زريق ابن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن طارق حليف بنى ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، فخرج (1) مع القوم. حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لهذيل بناحية الحجاز، على صدور الهدأة غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلا الرجال بأيديهم السيوف، قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم (2) فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم.


(1) في ا " فخرجوا ". (2) في ا " ليقاتلوا القوم ". (*)

[ 668 ]

فأما مرثد بن أبى مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، فقال عاصم بن ثابت: ما علتى وأنا جلد نابل * والقوس فيها وتر عنابل تزل عن صفحتها المعابل * الموت حق والحياة باطل وكل ماحم الاله نازل * بالمرء، والمرء إليه آئل إن لم أقاتلكم فأمي هابل قال ابن هشام: هابل: ثاكل وقال عاصم بن ثابت أيضا: أبو سليمان وريش المقعد * وضالة مثل الجحيم الموقد إذا النواجى افترشت لم أرعد * ومجنا من جلد ثور أجرد ومؤمن بما على محمد وقال عاصم بن ثابت أيضا: أبو سليمان ومثلى رامى * وكان قومي معشرا كراما وكان عاصم بن ثابت يكنى: أبا سليمان. ثم قاتل القوم [ عاصم ] حتى قتل وقتل صاحباه. فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه، ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر، فمنعته الدبر، فلما حالت بينه وبينهم [ الدبر ] قالوا: دعوه حتى يمسى فتذهب عنه، فنأخذه، فبعث الله الوادي، فاحتمل عاصما، فذهب به. وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركا أبدا، تنجسا، فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك،

[ 669 ]

ولا يمس مشركا أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته، كما امتنع منه في حياته. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى، وعبد الله بن طارق، فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة، فأعطوا بأيديهم، فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة، ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره، رحمه الله، بالظهران، وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة. قال ابن هشام: فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة قال ابن إسحاق: فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمي، حليف بنى نوفل، لعقبة بن الحارث (1) بن عامر بن نوفل، وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لامه ليقتله بأبيه. قال ابن هشام: الحارث بن عامر، خال أبى إهاب، وأبو إهاب: أحد بنى أسيد بن عمرو بن تميم، ويقال: أحد بنى عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، من بنى تميم. قال ابن إسحاق: وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، أمية بن خلف، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له، يقال له نسطاس، إلى التنعيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان ابن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك ؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنى جالس في أهلى. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا، ثم قتله نسطاس، يرحمه الله.


في ا " لعتبة بن الحارث ". (*)

[ 670 ]

وأما خبيب بن عدى، فحدثني عبد الله بن أبى نجيح، أنه حدث عن ماوية، مولاة حجير بن أبى إهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان خبيب [ عندي ] حبس في بيتى، فلقد اطلعت عليه يوما، وإن في يده لقطفا من عنب، مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى نجيح [ جميعا ] أنها قالت: قال لى حين حضره القتل: ابعئى إلى بحديدة أتطهر بها للقتل، قالت: فأعطيت غلاما من الحى الموسى، فقلت: ادخل بها على هذا الرجل البيت، قالت: فو الله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت ! أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام، فيكون رجلا برجل، فلمانا وله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك، ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلى ! ثم خلى سبيله. قال ابن هشام: ويقال: إن الغلام ابنها. قال ابن إسحاق: قال عاصم: ثم خرجوا بخبيب، حتى إذا جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه، قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. قال: فكان خبيب بن عدى أول من سن الركعتين عند القتل للمسلمين. قال ثم رفعوه على خشبة، فلما أو ثقوه، قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه، رحمه الله. فكان معاوية بن أبى سفيان يقول: حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبى سفيان فلقد رأيته يلقيني إلى الارض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل

[ 671 ]

إذا دعى عليه، فاضطجع لجنبه زالت عنه. (1) قال ابن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عقبة بن الحارث، قال: سمعته يقول: ما أنا والله قتلت خبيبا، لانى كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة، أخا بنى عبد الدار، أخذ الحربة فجعلها في يدى، ثم أخذ بيدى وبالحربة، ثم طعنه بها حتى قتله. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا، قال: كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحى على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية، وهو بين ظهرى القوم، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب، وقيل: إن الرجل مصاب، فسأله عمر في قدمة قدمها عليه، فقال: يا سعيد، ما هذا الذى يصيبك ؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بى من بأس، ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل، وسمعت دعوته، فو الله ما خطرت على قلبى وأنا في مجلس قط إلا غشى على، فزادته عند عمر خيرا. قال ابن هشام: أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت الاشهر الحرم، ثم قتلوه. قال: قال ابن إسحاق: وكان مما نزل من القرآن في تلك السرية، كما حدثنى مولى لآل زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: قال ابن عباس: لما أصيب السرية التى كان فيها مرثد وعاصم بالرجيع، قال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا [ هكذا ] لاهم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قول المنافقين، وأما أصاب أولئك النفر من الخير بالذى أصابهم، فقال سبحانه: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا - 204 و 207 من سورة البقرة): أي لما يظهر من الاسلام بلسانه، (ويشهد الله على ما في قلبه)


(1) في ا " زلت عنه ". (*)

[ 672 ]

وهو مخالف لما يقول بلسانه، (وهو ألد الخصام): أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك. قال ابن هشام: الالد: الذى يشغب فتشتد خصومته، وجمعه: لد. [ وفى كتاب الله عزوجل: " وتنذر به قوما لدا - 97 من سورة مريم " ] وقال المهلهل بن ربيعة التغلبي، واسمه امرؤ القيس، ويقال: عدى بن ربيعة: إن تحت الاحجار حدا ولينا * وخصيما ألد ذا معلاق، ويروى " ذامعلاق " فيما قال ابن هشام. وهذا البيت في قصيدة له، وهو الالندد. قال الطرماح بن حكيم الطائى يصف الحرباء: يوفى على جذم الجذول كأنه * خصم أبر على الخصوم ألندد وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: قال تعالى: (وإذا تولى): أي خرج من عندك (سعى في الارض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد) أي لا يحب عمله ولا يرضاه (وإذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالاثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد. ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رءوف بالعباد): أي قد شروا أنفسهم من الله بالجهاد في سبيله، والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك، يعنى تلك السرية. قال ابن هشام: يشرى نفسه: يبيع نفسه، وشروا: باعوا. قال يزيد [ ابن ربيعة ] بن مفرغ الحميرى: وشريت بردا ليتنى * من بعد برد كنت هامه برد: غلام له باعه. وهذا البيت في قصيدة له. وشرى أيضا: اشترى قال الشاعر: فقلت لها: لا تجزعي أم مالك * على ابنيك إن عبد لئيم شراهما

[ 673 ]

قال ابن إسحاق: وكان مما قيل في ذلك من الشعر، قول خبيب بن عدى حين بلغه أن القوم قد اجتمعوا لصلبه. قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له: لقد جمع الاحزاب حولي وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدى العداوة جاهد * على لانى في وثاق بمضيع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم * وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتى ثم كربتي * وما أرصد الاحزاب لى عند مصرعي فذا العرش، صبرني على ما يراد بى، * فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعى وذلك في ذات الاله، وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيرونى الكفر والموت دونه * وقد هملت عيناى من غير مجزع وما بى حذار الموت، إنى لميت * ولكن حذارى جحم نار ملفع فو الله ما أرجو إذا مت مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي فلست بمبد للعدو تخشعا * ولا جزعا، إنى إلى الله مرجعي وقال حسان بن ثابت يبكى خبيبا: ما بال عينك لا ترقا مدامعها * سحا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق على خبيب فتى الفتيان قد علموا * لا فشل حين تلقاه ولا نزق فاذهب خبيب جزاك الله طيبة * وجنة الخلد عند الحور في الرفق ماذا تقولون إن قال النبي لكم * حين الملائكة الابرار في الافق: فيم قتلتم شهيد الله في رجل * طاغ قد اوعث في البلدان والرفق قال ابن هشام: ويروى: " الطرق ". وتركنا ما بقى منها، لانه أقذع فيها. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا يبكى خبيبا:

[ 674 ]

يا عين جودى بدمع منك منسكب * وابكى خبيبا مع الفتيان لم يؤب صقرا توسط في الانصار منصبه * سمح السجية محضا غير مؤتشب قد هاج عينى على علات عبرتها * إذ قيل نص إلى جذع من الخشب يأيها الراكب الغادى لطيته * أبلغ لديك وعيدا ليس بالكذب بنى كهينة أن الحرب قد لقحت * محلوبها الصاب إذ تمرى لمحتلب فيها أسود بنى النجار تقدمهم * شهب الاسنة في معصوصب لجب قال ابن هشام: وهذه القصيدة مثل التى قبلها، وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسان، وقد تركنا أشياء قالها حسان في أمر خبيب لما ذكرت. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: لو كان في الدارقرم ما جد بطل * ألوى من القوم صقر خاله أنس إذن وجدت خبيبا مجلسا فسحا * ولم يشد عليك السجن والحرس ولم تسقك إلى التنعيم زعنفة * من القبائل منهم من نفت عدس دلوك غدرا وهم فيها أولو خلف * وأنت ضيم لها في الدار محتبس قال ابن هشام: أنس: الاصم السلمى: خال مطعم بن عدى بن نوفل ابن عبد مناف. وقوله: " من نفت عدس " يعنى حجير بن أبى إهاب، ويقال: الاعشى بن زرارة بن النباش الاسدي، وكان حليفا لبنى نوفل ابن عبد مناف. قال ابن إسحاق: وكان الذين أجلبوا على خبيب في قتله حين قتل من قريش: عكرمة بن أبى جهل، وسعيد بن عبد الله بن أبى قيس بن عبدود، والاخنس بن شريق الثقفى، حليف بنى زهرة، وعبيدة بن حكيم بن أمية ابن حارثة بن الاوقص السلمى، حليف بنى أمية بن عبد شمس، وأمية بن أبى عتبة، وبنو الحضرمي.

[ 675 ]

وقال حسان أيضا يهجو هذيلا فيما صنعوا بخبيب بن عدى: أبلغ بنى عمرو بأن أخاهم * شراه امرؤ قد كان للغدر لازما شراه زهير بن الاغر وجامع * وكانا جميعا يركبان المحارما أجرتم فلما أن أجرتم غدرتم * وكنتم بأكناف الرجيع لها ذما فليت خبيبا لم تخنه أمانة * وليت خبيبا كان بالقوم عالما قال ابن هشام: زهير بن لاغر وجامع: الهذليان اللذان باعا خبيبا. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له * فأت الرجيع فسل عن دار لحيان قوم تواصوا بأكل الجار بينهم * فالكلب والقرد والانسان مثلان لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شان قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد الانصاري قوله: لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شان قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا: سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب سالوا رسولهم ما ليس معطيهم * حتى الممات، وكانوا سبة العرب ولن ترى لهذيل داعيا أبدا * يدعو لمكرمة عن منزل الحرب لقد أرادوا خلال الفحش ويحهم * وأن يحلوا حراما كان في الكتب وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا: لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم أحاديث لحيان صلوا بقبيحا * ولحيان جرامون شر الجرائم أناس هم من قومهم في صميمهم * بمنزلة الزمعان دبر القوادم

[ 676 ]

هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت * أمانتهم ذا عفة ومكارم رسول رسول الله غدرا، ولم تكن * هذيل توقى منكرات المحارم فسوف يرون النصر يوما عليهم * بقتل الذى تحميه دون الحرائم أبابيل دبر شمس دون لحمه * حمت لحم شهاد عظام الملاحم لعل هذيلا أن يروا بمصابه * مصارع قتلى أو مقاما لماتم ونوقع فيهم وقعة ذات صولة * يوافي بها الركبان أهل المواسم بأمر رسول الله، إن رسوله * رأى رأى ذى حزم بلحيان عالم قبيلة ليس الوفاء يهمهم * وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم * بمجرى مسيل الماء بين المخارم محلهم دار البوار، ورأيهم * - إذا نابهم أمر - كرأى البهائم وقال حسان بن ثابت يهجو هذيلا: لحى الله لحيانا فليست دماؤهم * لنا من قتيلى غدرة بوفاء هم قتلوا يوم الرجيع ابن حرة * أخا ثقة في وده وصفاء فلو قتلوا يوم الرجيع بأسرهم * لدى الدبر ما كانوا له بكفاء قتيل حمته الدبر بين بيوتهم * لدى أهل كفر ظاهر وجفاء فقد قتلت لحيان أكرم منهم * وباعوا خبيبا ويلهم بلفاء فأف للحيان على كل حالة * على ذكرهم في الذكر كل عفاء قبيلة باللؤم والغدر تعتزي * فلم تمس يخفى لؤمها بخفاء فلو قتلوا لم توف منه دماؤهم * بلى إن قتل القاتلية شفائى فإلا أمت أذعر هذيلا بغارة * كغادى الجهام المغتدى بإفاء بأمر رسول الله والامر أمره * يبيت للحيان الخنا بفناء يصبح قوما بالرجيع كأنهم * جداء شتاء بتن غير دفاء

[ 677 ]

وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا: فلا والله، ما تدرى هذيل * أصاف ماء زمزم أم مشوب ولا لهم إذا اعتمروا وحجوا * من الحجرين والمسعى نصيب ولكن الرجيع لهم محل * به اللؤم المبين والعيوب كأنهم لدى الكنات أصلا * تيوس بالحجاز لها نبيب هم غروا بذمتهم خبيبا * فبئس العهد عهدهم الكذوب قال ابن هشام: آخرها بيتا عن أبى زيد الانصاري. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يبكى خبيبا وأصحابه: صلى الاله على الذين تتابعوا * يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا رأس السرية مرثد وأميرهم * وابن البكير إمامهم وخبيب (1) وابن لطارق وابن دثنة منهم * وافاه ثم حمامه المكتوب والعاصم المقتول عند رجيعهم * كسب المعالى، إنه لكسوب منع المقادة أن ينالوا ظهره * حتى يجالد، إنه لنجيب قال ابن هشام: ويروى * حتى يجدل إنه لنجيب * قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسحان. حديث بئر معونة في صفر سنة أربع قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بئر معونة في صفر، على رأس أربعة أشهر من أحد.


(1) خبيب: أصله بزنة التصغير، وأتى به على زنة قتيل مراعاة للقافية، كما صنع بابن الدثنة في البيت التالى، ومنع صرف طارق لاقامة الوزن (*)

[ 678 ]

وكان من حديثهم، كما حدثنى أبى إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، وغيره من أهل العلم، قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام، ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الاسلام، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى أخشى عليهم أهل نجد، قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو، أخا بنى ساعدة، المعنق ليموت، في أربعين رجلا من أصحابه، من خيار المسلمين، منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بنى عدى بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق، في رجال مسمين من خيار المسلمين. فساروا حتى نزلوا ببئر معونة، وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرة بنى سليم أقرب. فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بنى عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم [ من ] عصية ورعل وذكوان، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم

[ 679 ]

حتى قتلوا من عند آخرهم، يرحمهم الله، إلا كعب بن زيد، أخا بنى دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا، رحمه الله. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى، ورجل من الانصار، أحد بنى عمرو بن عوف. قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح. قال ابن إسحاق: فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التى أصابتهم واقفة. فقال الانصاري لعمرو بن أمية: ما ترى ؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخبره الخبر، فقال الانصاري: ما كنت لارغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرنى عنه الرجال، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بنى عامر. قال ابن هشام: [ ثم ] من بنى كلاب، وذكر أبو عمرو المدنى أنهما من بنى سليم. قال ابن إسحاق: حتى نزلا معه في ظل هو فيه. وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما ؟ فقالا: من بنى عامر، فأمهلهما، حتى إذا ناما، عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بنى عامر، فيما أصابوا من أصحاب

[ 680 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد قتلت قتيلين، لادينهما ! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عمل أبى براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا. فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره، وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة. قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول: من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض، حتى رأيت السماء من دونه ؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى بعض بنى جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر، قال - وكان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم - [ قال ] فكان يقول: إن مما دعاني إلى الاسلام أنى طعنت رجلا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول: فزت والله ! فقلت في نفسي: ما فاز ! ألست قد قتلت الرجل ! قال: حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا للشهادة، فقلت: فاز لعمر الله. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يحرض بنى أبى براء على عامر ابن الطفيل: بنى أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبى براء * ليخفره، وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعى * فما أحدثت في الحدثان بعدى أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ما جد حكم بن سعد قال ابن هشام: حكم بن سعد: من القين بن جسر، وأم البنين: بنت

[ 681 ]

عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهى أم أبى براء. قال ابن إسحاق: فحمل ربيعة [ بن عامر ] بن مالك على عامر بن الطفيل، فطعنه بالرمح، فوقع في فخذه، فأشواه، ووقع عن فرسه، فقال: هذا عمل أبى براء، إن أمت فدمي لعمى، فلا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيى فيما أتى إلى. وقال أنس بن عباس السلمى، وكان خال طعيمة بن عدى بن نوفل، وقتل يومئذ نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى: تركت ابن ورقاء الخزاعى ثاويا * بمعترك تسفى عليه الاعاصر ذكرت أبا الريان لما رأيته * وأيقنت أنى عند ذلك ثائر وأبو الريان: طعيمة بن عدى. وقال عبد الله بن رواحة يبكى نافع بن بديل بن ورقاء: رحم الله نافع بن بديل * رحمة المبتغى ثواب الجهاد صابر صادق وفى إذا ما * أكثر القوم قال قول السداد وقال حسان بن ثابت يبكى قتلى بئر معونة، ويخص المنذر بن عمرو: على قتلى معونة فاستهلى * بدمع العين سحا غير نزر على خيل الرسول غداة لاقوا * مناياهم ولا قتهم بقدر أصابهم الفناء بعقد قوم * تخون عقد حبلهم بغدر فيا لهفى لمنذر إذ تولى * وأعنق في منيته بصبر وكائن قد أصيب غداة ذاكم * من ابيض ماجد من سر عمرو قال ابن هشام: أنشدني آخرها بيتا أبو زيد الانصاري. وأنشدني لكعب بن مالك في يوم بئر معونة، يعير بنى جعفر بن كلاب: تركتم جاركم لبنى سليم * مخافة حربهم عجزا وهونا

[ 682 ]

فلو حبلا تناول من عقيل * لمد بحبلها حبلا متينا أو القرطاء ما إن أسلموه * وقدما ما وفوا إذ لاتفونا (1) قال ابن هشام: القرطاء: قبيلة من هوازن، ويروى " من نفيل " مكان " من عقيل "، وهو الصحيح، لان القرطاء من نفيل قريب. أمرء إجلا بنى النضير في سنة أربع قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بنى عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمرى، للجوار الذى كان رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما، كما حدثنى يزيد بن رومان، وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر عقد وحلف. فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين، قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة، فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش ابن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلى، رضوان الله عليهم. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة. فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا


(1) القرطاء: بطون من بنى كلاب، وهو معطوف على عقبل في البيت قبله. (*)

[ 683 ]

المدينة فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهوا إليه صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: ثم سار بالناس حتى نزل بهم. قال ابن هشام: وذلك في شهر ربيع الاول، فحاصرهم ست ليال، ونزل تحريم الخمر. قال ابن إسحاق: فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها ؟ وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج، منهم [ عدوالله ] عبد الله ابن أبى ابن سلول [ و ] وديعة ومالك بن أبى قوقل، وسويد وداعس، قد بعثوا إلى بنى النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الابل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الابل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. فكان أشرافهم من سار منهم إلى خيبر: سلام بن أبى الحقيق، وكنانة ابن الربيع بن أبى الحقيق، وحيى بن أخطب. فلما نزلوها دان لهم أهلها. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث: أنهم استقلوا

[ 684 ]

بالنساء والابناء والاموال، معهم الدفوف والمزامير، والقيان يعزفن خلفهم، وإن فيهم لام عمرو صاحبة عروة بن الورد العبسى، التى ابتاعوا منه، وكانت إحدى نساء غفار، بزهاء وفخر ما رئى مثله من حى من الناس في زمانهم. وخلوا الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الاولين دون الانصار. إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان: يا مين بن عمير، أبو كعب بن عمرو ابن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها قال ابن إسحاق - وقد حدثني بعض آل يامين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك، وما هم به من شأني ؟ فجعل يامين ابن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش، فقتله فيما يزعمون. ونزل في بنى النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته. وما سلط عليهم به رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عمل به فيهم، فقال تعالى: (هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا، وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين)، وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها (فاعتبروا يا أولى الابصار، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء) وكان لهم من الله نقمة، (لعذبهم في الدنيا): أي بالسيف، (ولهم في الآخرة

[ 685 ]

عذاب النار) مع ذلك (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها). واللينة: ما خالف العجوة من النخل (فبإذن الله): أي فبأمر الله قطعت، لم يكن فسادا، ولكن كان نقمة من الله (وليخزى الفاسقين - 2، 17 من سورة الحشر). قال ابن هشام: اللينة: من الالوان، وهى ما لم تكن برنية ولا عجوة من النخل، فيما حدثنا أبو عبيدة. قال ذو الرمة: كأن قتودى فوقها عش طائر * على لينة سوقاء تهفو جنوبها وهذا البيت في قصيدة له. (وما أفاء الله على رسوله منهم) - قال ابن إسحاق: يعنى من بنى النضير - (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شئ قدير): أي له خاصة. قال ابن هشام: أوجفتم: حركتم وأتعبتم في السير. قال تميم بن أبى ابن مقبل أحد بنى عامر بن صعصعة: مذاويد بالبيص الحديث صقالها * عن الركب أحيانا إذا الركب أو جفوا وهذا البيت في قصيدة له، وهو الوجيف. [ و ] قال أبو زبيد الطائى، واسمه حرملة بن المنذر: مسنفات كأنهن قنا الهند * لطول الوجيف جدب المرود وهذا البيت في قصيدة له: قال ابن هشام: السناف: البطان. والوجيف [ أيضا ]: وجيف القلب والكبد، وهو الضربان. قال قيس بن الخطيم الظفرى: إنا وإن قدموا التى علموا * أكبادنا من ورائهم تجف وهذا البيت في قصيدة له (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول) - قال ابن

[ 686 ]

إسحاق: ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وفتح بالحرب عنوة فلله وللرسول - (ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا). يقول: هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين، على ما وضعه الله عليه. ثم قال تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا) يعنى عبد الله بن أبى وأصحابه، ومن كان على مثل أمرهم (يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب): يعنى بنى النضير، إلى قوله (كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم، ولهم عذاب أليم): يعنى بنى قينقاع. ثم القصة.. إلى قوله: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إنى برئ منك، إنى أخاف الله رب العالمين، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين). وكان مما قيل في بنى النضير من الشعر قول ابن لقيم العبسى، ويقال: قاله قيس بن بحر بن طريف. قال ابن هشام: قيس بن بحر الاشجعى - فقال: أهلى فداء لامرئ غيرهالك * أحل اليهود بالحسى المزنم يقيلون في جمر الغضاة، وبدلوا * أهيضب عودي بالودى المكمم فإن يك ظنى صادقا بمحمد * تروا خيله بين الصلا ويرمرم يؤم بها عمرو بن بهثة، إنهم * عدو، وما حى صديق كمجرم عليهن أبطال مساعير في الوغى * يهزون أطراف الوشيج المقوم وكل رقيق الشفرتين مهند * تو ورثن من أزمان عاد وجرهم فمن مبلغ عنى قريشا رسالة * فهل بعدهم في المجد من متكرم بأن أخاكم فاعلمن محمدا * تليد الندى بين الحجون وزمزم

[ 687 ]

فدينوا له بالحق تجسم أموركم * وتسموا من الدنيا إلى كل معظم نبى تلاقته من الله رحمة * ولا تسألوه أمر غيب مرجم فقد كان في بدر لعمري عبرة * لكم يا قريشا والقليب الملمم غداة أتى في الخزرجية عامدا * إليكم مطيعا للعظيم المكرم معانا بروح القدس ينكى عدوه * رسولا من الرحمن حقا بمعلم رسولا من الرحمن يتلو كتابه * فلما أنار الحق لم يتلعثم أرى أمره يزداد في كل موطن * علوا لامر حمه الله محكم قال ابن هشام: عمرو بن بهثة، من غطفان. وقوله " بالحسى المزنم "، عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال على بن أبى طالب: يذكر إجلاء بنى النضير، وقتل كعب بن الاشرف. قال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين غير على بن أبى طالب، فيما ذكر لى بعض أهل العلم بالشعر، ولم أر أحدا منهم يعرفها لعلى: عرفت ومن يعتدل يعرف * وأيقنت حقا ولم أصدف عن الكلم المحكم اللاء من * لدى الله ذى الرأفة الارأف رسائل تدرس في المؤمنين * بهن اصطفى أحمد المصطفى فأصبح أحمد فينا عزيزا عزيز المقامة والموقف فيأيها الموعدوه سفاها * ولم يأت جورا ولم يعنف ألستم تخافون أدنى العذاب * وما آمن الله كالاخوف وأن تصرعوا تحت أسيافه * كمصرع كعب أبى الاشرف غداة رأى الله طغيانه * وأعرض كالجمل الاجنف فأنزل جبريل في قتله * بوحى إلى عبده ملطف

[ 688 ]

فدس الرسول رسولا له * بأبيض ذى هبة مرهف فباتت عيون له معولات * متى ينع كعب لها تذرف وقلن لاحمد: ذرنا قليلا * فإنا من النوح لم نشتف فخلاهم ثم قال: اظعنوا * دحورا على رغم الآنف وأجلى النضير إلى غربة * وكانوا بدار ذوى زخرف إلى أذرعات ردافى، وهم * على كل ذى دبر أعجف فأجابه سماك اليهودي، فقال: إن تفخروا فهو فخر لكم * بمقتل كعب أبى الاشرف غداة غدوتم على حتفه * ولم يأت غدرا ولم يخلف فعل الليالى وصرف الدهور * يديل من العادل المنصف بقتل النضير وأحلافها * وعقر النخيل ولم تقطف فإن لا أمت نأتكم بالقنا * وكل حسام معا مرهف بكف كمى به يحتمى * متى يلق قرنا له يتلف مع القوم صخر وأشياعه * إذا غاور القوم لم يضعف كليث بترج حمى غيله * أخى غابة هاصر أجوف قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بنى النضير وقتل كعب بن الاشرف: لقد خزيت بغدرتها الحبور * كذاك الدهر ذو صرف يدور وذلك أنهم كفروا برب * عزيز أمره أمر كبير وقد أوتوا معا فهما وعلما * وجاءهم من الله النذير نذير صادق أدى كتابا * وآيات مبينة تنير فقالوا ما أتيت بأمر صدق * وأنت بمنكر منا جدير

[ 689 ]

فقال: بلى لقد أديت حقا * يصدقني به الفهم الخبير فمن يتبعه يهد لكل رشد * ومن يكفر به يجز الكفور فلما أشربوا غدرا وكفرا * وحاد بهم عن الحق النفور أرى الله النبي برأى صدق * وكان الله يحكم لا يجور فأيده وسلطه عليهم * وكان نصيره، نعم النصير فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير فماكره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور فتلك بنو النضير بدار سوء * أبارهم بما اجترموا المبير * غداة أتاهم في الزحف رهوا * رسول الله وهو بهم بصير وغسان الحماة موازروه * على الاعداء وهو لهم وزير فقال: السلم ويحكم، فصدوا * وحالف أمرهم كذب وزور فذاقوا غب أمرهم وبالا * لكل ثلاثة منهم بعير وأجلوا عامدين لقينقاع * وغودر منهم نخل ودور فأجابه سماك اليهودي، فقال: أرقت وضافنى هم كبير * بليل غيره ليل قصير أرى الاحبار تنكره جميعا * وكلهم له علم خبير وكانوا الدارسين لكل علم * به التوارة تنطق والزبور قتلتم سيد الاحبار كعبا * وقدما كان يامن من يجير تدلى نحو محمود أخيه * ومحمود سريرته الفجور فغادره كأن دما نجيعا * يسيل على مدارعه عبير

[ 690 ]

فقد وأبيكم وأبى جميعا * أصيبت إذ أصيب به النضير فإن نسلم لكم نترك رجالا * بكعب حولهم طير تدور كأنهم عتائر يوم عيد * تذبح وهى ليس لها نكير ببيض لا تليق لهن عظما * صوافي الحد أكثرها ذكور كا لاقيتم من بأس صخر * بأحد حيث ليس لكم نصير وقال عباس بن مرداس أخو بنى سليم يمتدح رجال بنى النضير: لو أن أهل الدار لم يتصدعوا * رأيت خلال الدار ملهى وملعبا فإنك عمرى هل أريك ظعائنا * سلكن على ركن الشطاة فتيأبا عليهن عين من ظباء تبالة * أوانس يصبين الحليم المجربا إذا جاء باغى الخير قلن فجاءة * له بوجوه كالدنانير: مرحبا وأهلا، فلا ممنوع خير طلبته * ولا أنت تخشى عندنا أن تؤنبا فلا تحسبني كنت مولى ابن مشكم * سلام ولا مولى حيى بن أخطبا فأجابه خوات بن جبير، أخو بنى عمرو بن عوف، فقال: تبكى على قتلى يهود، وقد ترى * من الشجو لو تبكى أحب وأقربا فهلا على قتلى ببطن أرينق * بكيت ولم تعول من الشجو مسهبا إذا السلم دارت في صديق رددتها * وفى الدين صدادا وفى الحرب ثعلبا عمدت إلى قدر لقومك تبتغى * لهم شبها كيما تعز وتغلبا فإنك لما أن كلفت تمدحا * لمن كان عيبا مدحه وتكذبا رحلت بأمر كنت أهلا لمثله * ولم تلف فيهم قائلا لك مرحبا فهلا إلى قوم ملوك مدحتهم * تبنوا من العز المؤثل منصبا إلى معشر صاروا ملوكا وكرموا * ولم يلف فيهم طالب العرف مجدبا أولئك أحرى من يهود بمدحة * تراهم وفيهم عزة المجد ترتبا

[ 691 ]

فأجابه عباس بن مرداس السلمى، فقال: هجوت صريح الكاهنين وفيكم * لهم نعم كانت من الدهر ترتبا أولئك أحرى لوبكيت عليهم * وقومك لو أدوا من الحق موجبا من الشكر إن الشكر خير مغبة * وأوفق فعلا للذى كان أصوبا فكنت كمن أمسى يقطع رأسه * ليبلغ عزا كان فيه مركبا فبك بنى هارون واذكر فعالهم * وقتلهم للجوع إذ كنت مجدبا أخوات أذر الدمع بالدمع وابكهم * وأعرض عن المكروه منهم ونكبا فإنك لو لافيتهم في ديارهم * لالفيت عما قد تقول منكبا سراع إلى العليا كرام لدى الوغى * يقال لباغى الخير أهلا ومرحبا فأجابه كعب بن مالك، أو عبد الله بن رواحة، فيما قال ابن هشام، فقال: لعمري لقد حكت رحى الحرب بعدما أطارت لؤيا قبل شرقا ومغربا بقية آل الكاهنين وعزها * فعاد ذليلا بعد ما كان أغلبا فطاح سلام وابن سعية عنوة * وقيد ذليلا للمنايا ابن أخطبا وأجلب يبغى العز، والذل يبتغى * خلاف يديه ما جنى حين أجلبا كتارك سهل الارض والحزن همه * وقد كان ذا في الناس أكدى وأصعبا وشأس وعزال وقد صليا بها * وما غيبا عن ذاك فيمن تغيبا وعوف بن سلمى وبن عوف كلاهما * وكعب رئيس القوم حان وخيبا فبعدا وسحقا للنضير ومثلها * إن اعقب فتح أو إن الله أعقبا قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدنى: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بنى النضير بنى المصطلق. وسأذكر حديثهم إن شاء الله في الموضع الذى ذكره ابن إسحاق فيه.

[ 692 ]

غزوة ذات الرقاع في سنة أربع قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بنى النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى، ثم غزا بحدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، ويقال: عثمان ابن عفان، فيما قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: حتى نزل نخلا، وهى غزوة ذات الرقاع. قال ابن هشام: وإنما قيل لها غزوة ذات الرقاع، لانهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات الرقاع: شجرة بذلك الموضع، يقال لها: ذات الرقاع. قال ابن إسحاق: فلقى بها جمعا عظيما من غطفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف الناس. قال ابن هشام: حدثنا عبد الوارث بن سعيد التنورى - وكان يكنى: أبا عبيدة - قال: حدثنا يونس بن عبيد، عن الحسن بن أبى الحسن، عن جابر بن عبد الله، في صلاة الخوف، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين ثم سلم، وطائفة مقبلون على العدو. قال: فجاءوا فصلى بهم ركعتين أخريين، ثم سلم. قال ابن هشام: وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب، عن أبى الزبير عن جابر، قال: صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفين، فركع بنا جميعا، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد الصف الاول، فلما رفعوا سجد الذين يلونهم بأنفسهم، ثم تأخر الصف الاول، وتقدم الصف الآخر حتى

[ 693 ]

قاموا مقامهم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم وسجد الذين يلونه معه، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون بأنفسهم، فركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، وسجد كل واحد منهما بأنفسهم سجدتين. قال ابن هشام: حدثنا عبد الوارث بن سعيد [ التنورى ] قال: حدثنا أيوب عن نافع، عن ابن عمر، قال: يقوم الامام وتقوم معه طائفة، وطائفة مما يلى عدوهم، فيركع بهم الامام ويسجد بهم، ثم يتأخرون فيكونون مما يلى العدو، ويتقدم الآخرون فيركع بهم الامام ركعة، ويسجد بهم، ثم تصلى كل طائفة بأنفسهم ركعة، فكانت لهم مع الامام ركعة ركعة، وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة قال ابن إسحاق: وحدثني عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن جابر عبد الله أن رجلا من بنى محارب - يقال له: غورث - قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا ؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله ؟ قال: أفتك به، قال: فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا ؟ قال: نعم - وكان محلى بفضة، فيما قال ابن هشام - قال: فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه، ويهم فيكبته الله، ثم قال: يا محمد، أما تخافني ؟ قال: لا، وما أخاف منك ؟ قال: أما تخافني وفى يدى السيف ؟ قال: لا، يمنعنى [ الله ] منك. ثم عمد إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرده عليه. قال: فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم، فكف أيديهم عنكم، واتقو الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون - 11 من سورة المائدة). قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان أنها إنما أنزلت في عمرو بن جحاش، أخى بنى النضير وما هم به، فالله أعلم أي ذلك كان.

[ 694 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل، على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: جعلت الرفاق تمضى، وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مالك يا جابر ؟ قال: قلت: يا رسول الله، أبطأ بي جملى هذا، قال: أنخه، قال: فأنخته، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لى عصا من شجرة، قال: ففعلت. قال: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات، ثم قال: اركب، فركبت، فخرج، والذى بعثه بالحق، يواهق ناقته مواهقة. قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لى: أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال: قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك، قال: لا، ولكن بعنيه قال: قلت فسمنيه [ يا رسول الله ] قال: قد أخذته بدرهم، قال: قلت: لا، إذن تغبننى يا رسول الله، قال: فبدرهمين، قال: قلت: لا، قال: فلم يزل يرفع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ في ثمنه ] حتى بلغ الاوقية، قال: فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: قد أخذته، قال: ثم قال: يا جابر، تزوجت بعد ؟ قال: قلت: نعم يارسول الله، قال: أثيبا أم بكرا ؟ قال: قلت: لابل ثيبا، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ! قال: قلت: يا رسول الله، إن أبى أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهن، وتقوم عليهن، قال: أصبت إن شاء الله، أما إنا لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا، فنفضت نمارقها. قال: قلت: والله يا رسول الله مالنا من نمارق، قال: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا، قال: فلما جئنا صرارا أمر

[ 695 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت، وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا، قال: فحدثت المرأة الحديث، وما قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك، فسمع وطاعة، قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى الجمل، فقال: ما هذا ؟ قالوا: يا رسول الله، هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر ؟ قال: فدعيت له، قال: فقال: يابن أخى خذ برأس جملك، فهو لك، ودعا بلالا، فقال له: اذهب بجابر، فأعطه أوقية، قال: فذهبت معه، فأعطاني أوقية، وزادني شيئا يسيرا. قال: فو الله ما زال ينمى عندي، ويرى مكانه من بيتنا، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا، يعنى يوم الحرة. قال ابن إسحاق: وحدثني عمى صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا، أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهى حتى يهريق في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دما، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا [ هذه ] ؟ قال: فانتدب رجل من المهاجرين، ورجل [ آخر ] من الانصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الانصاري

[ 696 ]

للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيكه: أوله أم آخره ؟ قال: بل اكفني أوله، قال: فاضطجع المهاجرى فنام، وقام الانصاري يصلى، قال: وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، قال: فرمى بسهم، فوضعه فيه، قال: فنزعه ووضعه، فثبت قائما، قال: ثم رماه سهم آخر، فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه، وثبت قائما، ثم عاد له بالثالث، فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت، قال: فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به، فهرب، قال: ولما رأى المهاجرى ما بالانصارى من الدماء، قال: سبحان الله ! أفلا أهببتنى أول مارماك ؟ قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها، فلما تابع على الرمى ركعت فأذنتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها. قال ابن هشام: ويقال: أنفذها. قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها بقية جمادى الاولى وجمادى الآخر، ورجبا. غزوة بدر الآخرة في شعبان سنة أربع قال ابن إسحاق: ثم خرج في شعبان إلى بدر، لميعاد أبى سفيان، حتى نزله. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول الانصاري. قال ابن إسحاق: فأقام عليه ثمانى ليال ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة، من ناحية الظهران، وبعض الناس يقول:

[ 697 ]

قد بلغ عسفان، ثم بداله في الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإنى راجع، فارجعوا، فرجع الناس. فسماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده، فأتاه مخشى بن عمرو الضمرى - وهو الذى كان وادعه على بنى ضمرة في غزوة ودان - فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال: نعم، يا أخا بنى ضمرة وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك، قال: لا والله يا محمد، مالنا بذلك منك من حاجة. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان، فمر به معبد بن أبى معبد الخزعى، فقال - وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته تهوى به -: قد نفرت من رفقتي محمد * وعجوة من يثرب كالعنجد تهوى على دين أبيها الا تلد * قد جعلت ماء قديد موعدى وماء ضجنان لها ضحى الغد وقال عبد الله بن رواحة في ذلك - قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك الانصاري: وعدنا أبا سفيان بدرا، فلم نجد * لميعاده صدقا، وما كان وافيا فاقسم لو وافيتنا فلقيتنا * لابت ذميما وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه * وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله، أف لدينكم * وأمركم السئ الذى كان غاويا فإنى وإن عنفتموني لقائل * فدى لرسول الله أهلى وماليا

[ 698 ]

أطعناه لم نعدله فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا وقال حسان بن ثابت في ذلك: دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك اقمنا على الرس النزوع ثمانيا * بأرعن جرار عريض المبارك بكل كميت جوزه نصف خلقه * وقب طوال مشرفات الحوارك ترى العرفج العامي تذرى أصوله * مناسم أخفاف المطى الروانك فإن نلق في تطوافنا والتماسنا * فرات بن حيان يكن رهن هالك وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده * يزد في سواد لونه لون حالك فأبلغ أبا سفيان عنى رسالة * فإنك من غر الرجال الصعالك فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقال: أحسان إنا يابن آكلة الغفا * وجدك نغتال الخروق كذلك خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا * ولو وألت منا بشد مدارك إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته * مد من أهل الموسم المتعارك أقمت على الرس النزوع تريدنا * وتتركنا في النخل عند المدارك على الزرع تمشى خيلنا وركابنا * فما وطئت ألصقنه بالد كادك أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع * بجرد الجياد والمطى الروانك حسبتم جلاد القوم عند قبابهم * كمأخذكم بالعين أرطال آنك فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها * على نحو قول المعصم المتماسك سعدتم بها وغيركم كان أهلها * فوارس من أبناء فهر بن مالك فإنك لا في هجرة إن ذكرتها * ولا حرمات لدين أنت بناسك

[ 699 ]

قال ابن هشام: بقيت منها أبيات تركناها، لقبح اختلاف قوافيها. وأنشدني أبو زيد الانصاري هذا البيت: خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا والبيت الذى بعده لحسان بن ثابت في قوله: دعوا فلجات الشأم قد حال دنها وأنشدني له فيها بيته " فأبلغ أبا سفيان ". غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الاول سنة خمس قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأقام بها أشهرا حتى مضى ذو الحجة، وولى تلك الحجة المشركون وهى سنة أربع من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل. قال ابن هشام: في شهر ربيع الاول، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري. قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليها، ولم يلق كيدا، فأقام بالمدينة بقية سنته. غزوة الخندق في شوال سنة خمس حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس

[ 700 ]

فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير، ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظى، والزهرى، وعاصم ابن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق، وبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض، قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود - منهم: سلام بن أبى الحقيق النضرى، وحيى بن أخطب النضرى، وكنانة بن أبى الحقيق النضرى، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي - في نفر من بنى النضير، ونفر من بنى وائل، وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق [ منه ]. فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا)... إلى قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله): أي النبوة، (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه، وكفى بجهنم سعيرا - 51، 55 من سورة النساء). قال: فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه، من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود، حتى جاءوا غطفان، من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب

[ 701 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه. قال ابن إسحاق: فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، في بنى فزارة، والحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى، في بنى مرة، ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث ابن غطفان، فيمن تابعه من قومه [ من ] أشجع. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمعوا له من الامر، ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة، من الحاجة التى لا بد له منها، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستأذنه في اللحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير، واحتسابا له. فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستاذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم - 62 من سورة النور). فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير، والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

[ 702 ]

ثم قال تعالى، يعنى المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم - 63 من سورة النور). قال ابن هشام: اللواذ: الاستتار بالشئ عند الهرب، قال حسان بن ثابت: وقريش تفر منا لواذا * أن يقيموا وخف منها الحلوم وهذا البيت في قصيدة له، قد ذكرتها في أشعار يوم أحد. (ألا إن لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه) قال ابن إسحاق: من صدق أو كذب (ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا، والله بكل شئ عليم - 64 من سورة النور). قال ابن إسحاق: وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين، يقال له جعيل، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، فقالوا: سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا فإذا مروا " بعمرو " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرا، وإذا مروا " بظهر " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ظهرا. قال ابن إسحاق: وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني، فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون. فكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناء من ماء، فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك

[ 703 ]

الكدية، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق نبيا، لا نهالت حتى عادت كالكثيب لاترد فأسا ولا مسحاة. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا أنه حدث أن ابنة لبشير بن سعد، أخت النعمان بن بشير، قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله ابن رواحة بغدائهما، قالت: فأخذتها، فانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبى وخالى، فقال: تعالى يا بنية، ما هذا معك ؟ قالت: فقلت: يارسول الله، هذا تمر، بعثتني به أمي إلى أبى بشير بن سعد، وخالى عبد الله بن رواحة يتغديانه، قال: هاتيه، قالت: فصببته في كفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ملاتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدد فوق التوب، ثم قال لانسان عنده: اصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا، عن جابر بن عبد الله، قال: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق، فكانت عندي شويهة، غير جد سمينة، قال: فقلت: والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأمرت امرأتي، فطحنت لنا شيئا من شعير، فصنعت لنامنه خبزا، وذبحت تلك الشاة، فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق - قال: وكنا نعمل فيه نهارنا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلينا - قال: قلت: يا رسول الله، إنى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا، وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير، فأحب أن تنصرف معى إلى منزلي، وإنما أريد أن ينصرف معى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 704 ]

وحده. قال: فلما أن قلت له ذلك، قال نعم، ثم أمر صارخا فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله، قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون ! قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل الناس معه، قال: فجلس وأخرجناها إليه. قال: فبرك وسمى [ الله ]، ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها. قال ابن إسحاق: وحدثت عن سلمان الفارسى، أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق، فغلظت على صخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب منى، فلما رأني أضرب ورأى شدة المكان على، نزل فأخذ المعول من يدى، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، قال: ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى، قال: ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى. قال: قلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله ! ماهذا الذى رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال: أو قد رأيت ذلك يا سلمان ؟ قال: قلت: نعم، قال: أما الاولى فإن الله فتح على بها اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح على بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح على بها المشرق. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أبى هريرة أنه كان يقول، حين فتحت هذه الامصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فو الذى نفس أبى هربرة بيده، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك. قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من رومة، بين الجرف وزغابة

[ 705 ]

في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمي، إلى جانب أحد. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا في الآطام. [ قال ]: وخرج عدو الله حيى بن أخطب النضرى، حتى أتى كعب ابن أسد القرظى، صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده، فلما سمع كعب بحيى ابن أخطب أغلق دون باب حصنه، فأستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيى: ويحك يا كعب ! افتح لى، قال: ويحك يا حيى، إنك امرؤ مشئوم، وإنى قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال: ويحك افتح لى أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدونى على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال: فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شئ، ويحك يا حيى ! فدعني وما أنا عليه، فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيى بكعب يفتله في الذروة والغارب، حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا [ من الله ]

[ 706 ]

وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدا، أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم، أحد بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، أخو بنى الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بنى عمرو بن عوف، فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لى لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. قال: فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، [ فيما ] نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد ابن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين. [ قال ]: وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير، أخو بنى عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحد نا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.

[ 707 ]

قال ابن هشام: وأخبرني من أثق به من أهل العلم: أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين، واحتج بأنه كان من أهل بدر. قال ابن إسحاق: وحتى قال أوس بن قيظى، أحد بنى حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملا من رجال قومه، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر، لم تكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار. قال ابن هشام: ويقال الرميا. فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري - إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يارسول الله، أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لابد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال: بل شئ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لانني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الاوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه،

[ 708 ]

نعطيهم أموالنا ؟ ! [ والله ] مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبدود بن أبى قيس، أخو بنى عامر بن لؤى. - قال ابن هشام ويقال: عمرو بن عبد بن أبى قيس - قال ابن إسحاق: وعكرمة بن أبى جهل، وهبيرة بن أبى وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب الشاعر ابن مرداس، أخو بنى محارب بن فهر، تلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بنى كنانة، فقالوا: تهيئوا يا بنى كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم، حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. قال ابن هشام: يقال: إن سلمان [ الفارسى ] أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحدثني بعض أهل العلم: أن المهاجرين يوم الخندق قالوا: سلمان منا، وقالت الانصار: سلمان منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سلمان منا أهل البيت ". قال ابن إسحاق: ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج على بن أبى طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التى

[ 709 ]

أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبدود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه. فلما وقف هو وخيله، قال: من يبارز ؟ فبرز له على بن أبى طالب، فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال له على: فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله، وإلى الاسلام، قال: لا حاجة لى بذلك، قال: فإنى أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا بن أخى ؟ فو الله ما أحب أن أقتلك، قال له على: لكنى والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثم أقبل على على، فتنازلا وتجاولا، فقتله على رضى الله عنه، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة. قال ابن إسحاق: وقال على بن أبى طالب رضوان الله عليه في ذلك: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصوابى فصددت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه، ولو اننى * كنت المقطر بزنى أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلى بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وألقى عكرمة بن أبى جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال حسان بن ثابت في ذلك فر وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظليم * ما إن تجور عن المعدل ولم تلق ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فرعل

[ 710 ]

قال ابن هشام: الفرعل: صغير الضباع، وهذه الابيات في أبيات له. وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وبنى قريظة: حم، لا ينصرون. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن [ بن سهل ] الانصاري، أخو بنى حارثة: أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن، فقالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فمر سعد وعليه درع له مقلصة، قد خرجت منها ذراعه كلها، وفى يده حربته يرقد بها (1) ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل * لا بأس بالموت إذا حان الاجل [ قال ] فقالت له أمه: الحق أي ابني، فقد والله أخرت، قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، فرمى سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الاكحل، رماه - كما حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة - حبان بن قيس ابن العرقة، أحد بنى عامر بن لؤى، فلما أصابه قال: خذها منى وأنا ابن العرقة، فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لى شهادة، ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمى، حليف بنى مخزوم. وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا لعكرمة بن أبى جهل:


(1) يرقد: يسرع كالنافر، ويروى " يرفل بها " أي يتبختر. (*)

[ 711 ]

أعكرم هلا لمتنى إذ تقول لى * فداك بآطام المدينة خالد ألست الذى ألزمت سعدا مرشة * لها بين أثناء المرافق عاند قضى نحبه منها سعيد، فأعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد وأنت الذى دافعت عنه وقد دعا * عبيدة جمعا منهم إذ يكابد على حين ما هم جائر عن طريقه * وآخر مرعوب عن القصد قاصد [ والله أعلم أي ذلك كان ]. قال ابن هشام: ويقال إن الذى رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان بن ثابت معنا فيه، مع النساء والصبيان. قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإنى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فاقتله، قال: يغفر الله لك يابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت: فلما قال لى ذلك، ولم أر عنده شيئا، احتجزت ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته. قالت: فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل، قال: مالى بسلبه من حاجة يابنة عبد المطلب. قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيما وصف

[ 712 ]

الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم. [ قال ]: ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفد بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنى قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بنى قريظة، قد عرفتم ودى إياكم، وخاصة ما بينى وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأى. ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودى لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت على حقا أن أبلغكموه، نصحا لكم، فاكتموا عنى، فقالوا: نفعل، قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على

[ 713 ]

من بقى منهم حتى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلى وعشيرتي، وأحب الناس إلى، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عنى، قالوا: نفعل، فما أمرك ؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو [ يوم ] لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لناحتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة، حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم،

[ 714 ]

وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم. [ وقال ]: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم، دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلا. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظى، قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال: نعم يابن أخى، قال: فكيف كنتم تصنعون ؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الارض ولحملناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يابن أخى، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة ؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لى بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يصنون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا، قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى، فقلت: من أنت ؟ قال: فلان ابن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام،

[ 715 ]

لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فو الله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى " أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني "، ثم شئت، لقتلته بسهم قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط (1) لبعض نسائه، مراجل قال ابن هشام: المراجل: ضرب من وشى اليمن. فلما رأني أدخلني إلى رجليه، وطرح على طرف المرط، ثم ركع وسجد، وإنى لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، قانشمروا راجعين إلى بلادهم. قال ابن إسحاق: ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح. غزوة بنى قريظة في سنة خمس فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنى الزهري، معتجرا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة (2)، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال: نعم، فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عزوجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.


(1) المرط: الكساء (2) الرحالة، هنا: السرج. (*)

[ 716 ]

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا، فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببنى قريظة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب برايته إلى بنى قريظة، وابتدرها الناس. فسار على بن أبى طالب، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الاخابث، قال: لم ؟ أظنك سمعت منهم لى أذى ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ؟ قالوا: يا أبا القاسم، ماكنت جهولا. ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بنى قريظة، فقال: هل مربكم أحد ؟ قالوا: يا رسول الله، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبى، على بغلة بيضاء عليها رحالة، عليها قطيفة ديباج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك جبريل، بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم. ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم، يقال لها بئرأنا. قال ابن هشام: بئرأنى. قال ابن إسحاق: وتلاحق به الناس، فأتى رجال منهم من بعد العشاء. الآخرة، ولم يصلوا العصر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحد العصر إلا ببنى قريظة، فشغلهم ما لم يكن لهم منه بد في حربهم، وأبوا أن يصلوا

[ 717 ]

لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى تأتوا بنى قريظة. فصلوا العصر بها، بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنى بهذا الحديث أبى إسحاق بن يسار، عن معبد بن كعب بن مالك الانصاري. [ قال ]: وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. وقد كان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة في حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه. فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب ابن أسد لهم: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الامر ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم إنه لنبى مرسل، وإنه للذى تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذ أبيتم على هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والابناء، قالوا: نقتل هؤلاء المساكين ! فما خير العيش بعدهم ؟ قال: فإن أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة، قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ ! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما. قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ابعث إلينا

[ 718 ]

أبا لبابة بن عبد المنذر، أخابنى عمرو بن بن عوف، وكانوا حلفاء الاوس، لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، وقالوا له: يا أبا لبابة ! أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، إنه الذبح، قال أبو لبابة: فوالله مازالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهد الله: أن لا أطأ بنى قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. قال ابن هشام: وأنزل الله تعالى في أبى لبابة - فيما قال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن عبد الله بن أبى قتادة: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون - 27 من سورة الانفال). قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وكان قد استبطأه، قال: أما إنه لو كان جاءني لاستغفرت له، فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط أن توبة أبى لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من السحر ] وهو في بيت أم سلمة. فقالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك. قالت: فقلت: مم تضحك يا رسول الله ؟ أضحك الله سنك، قال: تيب على أبى لبابة، قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله ؟ قال: بلى، إن شئت. قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يطلقني بيده،

[ 719 ]

فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه. قال ابن هشام: أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، فيما حدثنى بعض أهل العلم، والآية التى نزلت في توبته قول الله عزوجل: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم - 102 من سورة التوبة). قال ابن إسحاق: ثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من بنى هدل، ليسوا من بنى قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك، هم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى، فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا ؟ قال: أنا عمر وبن سعدى - وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: لا أغدر بمحمد أبدا - فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله. فخرج على وجهه حتى أتى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الارض إلى يومه هذا، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه. وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة، حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت رمته ملقاة، لا يدرى أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة، والله أعلم أي ذلك كان. [ قال ]: فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم،

[ 720 ]

فتواثبت الاوس، فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالى إخواننا بالامس ما قد علمت - وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بنى قريظة قد حاصر بنى قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبى بن سلول، فوهبهم له - فلما كلمته الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترضون يا معشر الاوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذاك إلى سعد بن معاذ. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها رفيدة، في مسجده، كانت تداوى الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في خيمه رفيدة حتى أعوده من قريب. فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى قريظة، أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد أبى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الاشهل، فنعى لهم رجال بنى قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التى سمع منه. فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم - فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار، وأما الانصار فيقولون: قد عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا ؟

[ 721 ]

في الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الاموال، وتسبى الذرارى والنساء. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو ابن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة قال ابن هشام: حدثنى [ بعض ] من أثق به من أهل العلم أن على بن أبى طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة: يا كتيبة الايمان، وتقدم هو والزبير بن العوام، وقال: والله لاذوقن ماذاق حمزة أو لافتحن حصنهم، فقالوا: يا محمد، ننزل على حكم سعد [ بن معاذ ]. قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من بنى النجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة، التى هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيى بن أخطب، وكعب بن أسد (1)، رأس القوم، وهى ست مئة أو سبع مئة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مئة والتسع مئة وقد قالوا لكعب بن أسد (1)، وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب، ما تراه يصنع بنا ؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون ؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع ؟ هو والله القتل ! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأتى بحيى بن أخطب عدو الله، وعليه حلة له فقاحية (2) - قال ابن هشام:


(1) في ب " كعب بن أسعد ". (2) فقاحية: يضرب لونها إلى الحمرة (*)

[ 722 ]

فقاحية: ضرب من الوشى - قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة [ أنملة ] لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، [ إنه ] لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. فقال جبل بن جوال الثعلبي: لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل قال ابن إسحاق: وقد حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة. قالت: والله إنها لعندى تحدث معى، وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة ؟ قالت: أنا والله، قالت: قلت لها: ويلك ! مالك ؟ قالت: أقتل، قلت: ولم ؟ قالت: لحدث أحدثته، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فكانت عائشة تقول: فو الله ما أنسى عجبا منها: طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل. قال ابن هشام: وهى التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد، فقتلته. قال ابن إسحاق: وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس - كما ذكر لى ابن شهاب الزهري - أتى الزبير بن باطا القرظى، وكان يكنى أبا عبد الرحمن - وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية، ذكر لى بعض ولد الزبير أنه كان من عليه يوم بعاث، أخذه فجز ناصيته، ثم خلى سبيله - فجاءه ثابت وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني ؟ قال: وهل

[ 723 ]

يجهل مثلى مثلك، قال: إنى قد أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزى الكريم، ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه قد كانت للزبير على منة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لى دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لى دمك، فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة ؟ قال: فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، هب لى امرأته وولده، قال: هم لك. قال: فأتاه فقال: قد وهب لى رسول الله صلى الله عليه أهلك وولدك، فهم لك، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك ؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ماله، قال: هولك، فأتاه ثابت فقال: قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك، فهو لك، قال: أي ثابت، ما فعل الذى كأن وجهه مرآة صينية يتراء ى فيها عذارى الحى، كعب بن أسد ؟ قال: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب ؟ ؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا فررنا، عزال بن سموأل ؟ قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان ؟ يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة، قال: ذهبوا قتلوا ؟ قال: فإنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح حتى ألقى الاحبة، فقدمه ثابت، فضرب عنقه. فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله " ألقى الاحبة ". قال: يلقاهم والله في نار جنهم خالدا [ فيها ] مخلدا. قال ابن هشام: قبلة دلو ناضح. [ و ] قال زهير بن أبى سلمى في " قبلة ": وقابل يتغتى كلما قدرت * على العراقى يداه قائما دفقا

[ 724 ]

وهذا البيت في قصيدة له (1). قال ابن هشام: ويروى: وقابل يتلقى، يعنى قابل الدلو يتناول. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. قال ابن إسحاق: وحدثني شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يقتل من بنى قريظة كل من أنبت منهم، وكنت غلاما فوجدوني لم أنبت، فخلوا سبيلى. قال ابن إسحاق: وحدثني أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صعصعة أخو بنى عدى بن النجار أن سلمى بنت قيس، أم المنذر، أخت سليط ابن قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد صلت معه القبلتين، وبايعته بيعة النساء - سألته رفاعة بن سموأل القرظى، وكان رجلا قد بلغ، فلاذ بها، وكان يعرفهم قبل ذلك، فقالت: يا نبى الله، بأبى أنت وأمى، هب لى رفاعة، فإنه قد زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل، قال: فوهبه لها: فاستحيته. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال، وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل - من ليس له فرس - سهم، وكانت الخيل يوم بنى قريظة ستة وثلاثين فرسا، وكان أول فئ وقعت فيه السهمان، وأخرج منها الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت المقاسم، ومضت السنة في المغازى.


(1) يريد ابن هشام أن " فتلة " رواها ابن إسحاق بالفاء والتاء، ورواها مو بالفاف والباء، وانتصابها على الظرفية، والمراد الوقت الفصير جدا. (*)

[ 725 ]

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصاري أخا بنى عبد الاشهل بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا. [ قال ]: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن جنافة، إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفى عنها وهى في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله، بل تتركني في ملكك، فهو أخف على وعليك، فتركها. وقد كانت حين سباها قد تعصت بالاسلام، وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد في نفسه لذلك من أمرها. فبينا هو مع أصحابه، إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة، فسره ذلك من أمرها. قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى في أمر الخندق، وأمر بنى قريظة من القرآن، القصة في سورة الاحزاب، يذكر فيها ما نزل من البلاء، ونعمته عليهم، وكفايته إياهم حين فرج ذلك عنهم، بعد مقالة من قال من أهل النفاق: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا). والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التى أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة. ويقول الله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا). فالذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاءوهم من أسفل منهم قريش وغطفان. يقول الله [ تبارك و ] تعالى: (هنالك ابتلى المؤمنون

[ 726 ]

وزلزلوا زلزالا شديدا، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) لقول معتب بن قشير إذ يقول ما قال (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارا) لقول أوس بن قيظى ومن كان على رأيه من قومه (ولو دخلت عليهم من أقطارها): أي المدينة. قال ابن هشام: الاقطار: الجوانب، وواحدها: قطر، وهى الاقتار، وواحدها: قتر. قال الفرزدق: كم من غنى فتح الاله لهم به * والخيل مقعية على الاقطار ويروى: " على الاقتار ". وهذا البيت في قصيدة له. (ثم سئلوا الفتنة): أي الرجوع إلى الشرك (لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا. ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار، وكان عهد الله مسئولا)، فهم بنو حارثة، وهم الذين هموأ أن يفشلوا يوم أحد مع بنى سلمة حين همتا بالفشل يوم أحد، ثم عاهدوالله أن لا يعودوا لمثلها أبدا، فذكر لهم الذى أعطوا من أنفسهم، ثم قال تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذا لا تمتعون إلا قليلا. قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا، أو أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا. قد يعلم الله المعوقين منكم) أي أهل النفاق (والقائلين لاخوانهم هلم إلينا، ولا يأتون البأس إلا قليلا): أي إلا دفعا وتعذيرا (أشحة عليكم): أي للضغن

[ 727 ]

الذى في أنفسهم (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك، تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت): أي إعظاما له وفرقا منه (فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد): أي في القول بما لا تحبون، لانهم لا يرجون آخرة، ولا تحملهم حسبة، فهم يهابون الموت هيبة من لا يرجو ما بعده. قال ابن هشام: سلقوكم: بالغوا فيكم بالكلام، فأحرقوكم وآذوكم. تقول العرب: خطيب سلاق، وخطيب مسلق ومسلاق. قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: فيهم المجد والسماحة، والنجدة فيهم، والخاطب السلاق وهذا البيت في قصيدة له. (يحسبون الاحزاب لم يذهبوا) قريش وغطفان (وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب، يسئلون عن أنبائكم، ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا). ثم أقبل على المؤمنين فقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر): أي لئلا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ولا عن مكان هو به. ثم ذكر المؤمنين وصدقهم وتصديقهم بما وعد هم الله من البلاء يختبرهم به، فقال: (ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما): أي صبرا على البلاء وتسليما للقضاء، وتصديقا للحق، لما كان الله تعالى وعدهم ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم

[ 728 ]

من قضى نحبه): أي فرغ من عمله، ورجع إلى ربه، كمن استشهد يوم بدر ويوم أحد. قال ابن هشام: قضى نحبه: مات، والنحب: النفس، فيما أخبرني أبو عبيدة، وجمعه: نحوب. قال ذو الرمة: عشية فر الحارثيون بعد ما * قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر وهذا البيت في قصيدة له. وهوبر: من بنى الحارث بن كعب، أراد: يزيد ابن هوبر. والنحب [ أيضا ]: النذر. قال جرير بن الخطفى: بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا * عشية بسطام جرين على نحب يقول: على نذر، كانت نذرت أن تقتله فقتلته، وهذا البيت في قصيدة له. وبسطام: بسطام بن قيس بن مسعود الشيباني، وهو ابن ذى الجدين. حدثنى أبو عبيدة: أنه كان فارس ربيعة بن نزار. وطخفة: موضع بطريق البصرة. والنحب [ أيضا ]: الخطار، وهو: الرهان قال الفرزدق: وإذ نحبت كلب على الناس أينا * على النحب أعطى للجزيل وأفضل والنحب [ أيضا ]: البكاء. ومنه قولهم: ينتحب، والنحب [ أيضا ] الحاجة والهمة، تقول: مالى عندهم نحب قال مالك بن نويرة اليربوعي: وما لى نحب عندهم غير أننى * تلمست ما تبغى من الشدن الشجر وقال نهار بن توسعة، أحد بنى تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب ابن على بن بكر بن وائل. قال ابن هشام: هؤلاء موالى بنى حنيفة (1): ونجى يوسف الثقفى ركض * دراك بعد ما وقع اللواء ولو أدركنه لقضين نحبا * به، ولكل مخظأة وقاء


(1) في ب " هو مولى أبى حنيفة الفقيه ". (*)

[ 729 ]

والنحب [ أيضا ]: السير الخفيف المر. قال ابن إسحاق: (ومنهم من ينتظر): أي ما وعد الله به من نصره، والشهادة على ما مضى عليه أصحابه. يقول الله تعالى: (وما بدلوا تبديلا): أي ما شكوا وما ترددوا في دينهم، وما استبدلوا به غيره (ليجزى الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء، أو يتوب عليهم، إن الله كان غفورا رحيما. ورد الله الذين كفروا بغيظهم): أي قريشا وغطفان (لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا، وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب): أي بنى قريظة (من صياصيهم)، والصياصى: الحصون والآطام التى كانوا فيها. قال ابن هشام: قال سحيم عبد بن بنى الحسحاس، وبنو الحسحاس من بنى أسد بن خزيمة: وأصبحت الثيران صرعى وأصبحت * نساء تميم يبتدرن الصياصيا وهذا البيت في قصيدة له والصياصى [ أيضا ]: القرون. قال النابغة الجعدى: وسادة رهطي حتى بقيت فردا كصيصية الاعضب يقول: أصاب الموت سادة رهطي. وهذا البيت في قصيدة له. وقال أبودؤاد الايادي: فذعرنا سحم الصياصى بأيديهن نضح من الكحيل وقار وهذا البيت في قصيدة له. والصياصى [ أيضا ]: الشوك الذى للنساجين، فيما أخبرني أبو عبيدة. وأنشدني لدريد بن الصمة الجشمى، جشم بن معاوية ابن بكر بن هوازن: نظرت إليه والرماح تنوشه * كوقع الصياصى في النسيج الممدد

[ 730 ]

وهذا البيت في قصيدة له، والصياصى [ أيضا ]: التى تكون في أرجل الديكة ناتئة كأنها القرون الصغار، والصياصى [ أيضا ]: الاصول. أخبرني أبو عبيدة أن العرب تقول: جذ الله صيصيته: أي أصله. قال ابن إسحاق: (وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا): أي قتل الرجال، وسبى الذرارى والنساء، (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها): يعنى خيبر (وكان الله على كل شئ قديرا - 9 إلى 27 من سورة الاحزاب). قال ابن إسحاق: فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه، فمات منه شهيدا. قال ابن إسحاق: حدثنى معاذ بن رفاعة الزرقى، قال: حدثنى من شئت من رجال قومي: أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد، من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء، واهتز له العرش ؟ قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: أقبلت عائشة قافلة من مكة، ومعها أسيد بن حضير، فلقيه موت امرأة له، فحزن عليها بعض الحزن، فقالت له عائشة: يغفر الله لك يا أبا يحيى، أتحزن على امرأة وقد أصبت بابن عمك، وقد اهتز له العرش ؟ ! قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الحسن البصري، قال: كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنا، وما حملنا من جنازة أخف منه، فبلغ ذلك رسول الله

[ 731 ]

صلى الله عليه وسلم، فقال: إن له حملة غيركم، والذى نفسي بيده، لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتز له العرش. قال ابن إسحاق: وحدثني معاذ بن رفاعة، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر بن عبد الله، قال: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبح الناس معه، ثم كبر فكبر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله، مم سبحت ؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره، حتى فرجه الله عنه قال ابن هشام: ومجاز هذا الحديث قول عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ. قال ابن إسحاق: ولسعد يقول رجل من الانصار: وما اهتز عرش الله من موت هالك * سمعنا به إلا لسعد أبى عمرو وقالت أم سعد، حين احتمل نعشه وهى تبكيه - قال ابن هشام: وهى كبيشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد بن الابجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج: ويل أم سعد سعدا * صرامة وحدا وسوددا ومجدا * وفارسا معدا سد به مسدا * يقد هاما قدا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل نائحة تكذب، إلا نائحة سعد بن معاذ. قال ابن إسحاق: ولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر. من بنى عبد الاشهل: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل، ثلاثة نفر.

[ 732 ]

ومن بنى جشم بن الخزرج، ثم من بنى سلمة: الطفيل بن النعمان، وثعلبة ابن غنمة، رجلان. ومن بنى النجار، ثم من بنى دينار: كعب بن زيد. أصابه سهم غرب، فقتله. [ قال ابن هشام: سهم غرب وسهم غرب، بإضافة وغير إضافة، وهو الذى لا يعرف من أين جاء ولا من رمى به ]. وقتل من المشركين ثلاثة نفر. من بنى عبد الدار بن قصى: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار، أصابه سهم، فمات منه بمكة. قال ابن هشام: هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق. قال ابن إسحاق: ومن بنى مخزوم بن يقظة: نوفل بن عبد الله بن المغيرة، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده، وكان اقتحم الخندق، فتورط فيه، فقتل، فغلب المسلمون على جسده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا في جسده ولا بثمنه، فخلى بينهم وبينه. قال ابن هشام: أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده عشرة آلاف درهم، فيما بلغني عن الزهري. قال ابن إسحاق: ومن بنى عامر بن لؤى، ثم من بنى مالك بن حسل: عمرو بن عبدود، قتله على بن أبى طالب رضوان الله عليه. قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدث عن ابن شهاب الزهري أنه قال: قتل على بن أبى طالب يومئذ عمرو بن عبدود، وابنه حسل بن عمرو. قال ابن هشام: يقال عمرو بن عبدود، ويقال: عمرو بن عبد. قال ابن إسحاق: واستشهد يوم بنى قريظة من المسلمين، ثم من بنى الحارث

[ 733 ]

ابن الخزرج: خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو، طرحت عليه رحى، فشدخته شدخا شديدا، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن له لاجر شهيدين. ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان، أخو بنى أسد بن خزيمة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بنى قريظة، فدفن في مقبرة بنى قريظة التى يدفنون فيها اليوم، وإليه دفنوا أمواتهم في الاسلام. ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم. فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان هو الذى يغزوها، حتى فتح الله عليه مكة. ما قيل من الشعر في أمر الخندق وبنى قريظة وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس، أخو بنى محارب بن فهر، في يوم الخندق: ومشفقة تظن بنا الظنونا * وقد قدنا عرندسة طحونا كأن زهاءها أحد إذا ما * بدت أركانه للناظر ينا ترى الابدان فيها مسبغات، على الابطال واليلب الحصينا وجردا كالقداح مسومات * نؤم بها الغواة الخاطئينا كأنهم إذا صالوا وصلنا * بباب الخندقين مصافحونا أناس لا نرى فيهم رشيدا وقد قالوا: ألسنا راشدينا فأحجرناهم شهرا كريتا * وكنا فوقهم كالقاهرينا نرواحهم ونغدو كل يوم * عليهم في السلاح مد ججينا بأيدينا صوارم مرهفات * نقد بها المفارق والشئونا

[ 734 ]

كأن وميضهن معريات * إذا لاحت بأيدى مصلتينا وميض عقيقة لمعت بليل * ترى فيها العقائق مستبينا فلولا خندق كانوا لديه * لدمرنا عليهم أجمعينا ولكن حال دونهم وكانوا * به من خوفنا متعوذينا فإن نرحل فإنا قد تركنا * لدى أبياتكم سعدا رهينا إذا جن الظلام سمعت نوحي * على سعد يرجعن الحنينا وسوف نزوركم عما قريب * كما زرنا كم متوازرينا بجمع من كنانة غير عزل * كأسد الغاب قد حمت العرينا فأجابه كعب بن مالك، أخو بنى سلمة، فقال: وسائلة تسائل ما لقينا * ولو شهدت رأتنا صابرينا صبرنا لا نرى لله عدلا * على ما نابنا متوكلينا وكان لنا النبي وزير صدق * به نعلو البرية أجمعينا نقاتل معشرا ظلموا وعقوا * وكانوا بالعداوة مرصدينا نعاجلهم إذا نهضوا إلينا * بضرب يعجل المتسرعينا ترانا في فضافض سابغات * كغدران الملا متسر بلينا وفى أيماننا بيض خفاف * بها نشفي مراح الشاغبينا بباب الخندقين كأن أسدا * شوابكهن يحمين العرينا فوارسنا إذا بكر واوراحوا * على الاعداء شوسا معلمينا لننصر أحمدا والله، حتى * نكون عباد صدق مخلصينا ويعلم أهل مكة حين ساروا * وأحزاب أتوا متحزبينا بأن الله ليس له شريك * وأن الله مولى المؤمنينا فإما تقتلوا سعدا سفاها * فإن الله خير القادرينا

[ 735 ]

سيدخله جنانا طيبات * تكون مقامة للصالحينا كما قد ردكم فلا شريدا * بغيظكم خزايا خائبينا خزايا لم تنالوا ثم خيرا * وكدتم أن تكونوا دامرينا بريح عاصف هبت عليكم * فكنتم تحتها متكمهينا وقال عبد الله بن الزبعرى السهمى، في يوم الخندق: حى الديار محا معارف رسمها * طول البلى وتراوح الاحقاب فكأنما كتب اليهود رسومها * إلا الكنيف ومعقد الاطناب قفرا كأنك لم تكن تلهو بها * في نعمة بأوانس أتراب فاترك تذكر ما مضى من عيشة * ومحلة خلق المقام يباب واذكر بلاء معاشر واشكرهم * ساروا بأجمعهم من الانصاب أنصاب مكة عامدين ليثرب * في ذى غياطل جحفل جبجاب يدع الحزون مناهجا معلومة * في كل نشر ظاهر وشعاب فيها الجياد شوازب مجنوبة * قب البطون لواحق الاقراب من كل سلهبة وأجرد سلهب * كالسيد بادر غفلة الرقاب جيش عيينة قاصد بلوائه * فيه، وصخر قائد الاحزاب قرمان كالبدرين أصبح فيهما * غيث الفقير ومعقل الهراب حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا * للموت كل مجرب قضاب شهرا وعشرا قاهرين محمدا * وصحابه في الحرب خير صحاب نادوا برحلتهم صبيحة قلتم * كدنا نكون بها مع الخياب لو لا الخنادق غادروا من جمعهم * قتلى لطير سغب وذئاب فأجابه حسان بن ثابت الانصاري، فقال: هل رسم دارسة المقام يباب * متكلم لمحاور بجواب

[ 736 ]

قفر عفا رهم السحاب رسومه * وهبوب كل مطلة مرباب ولقد رأيت بها الحلول يزينهم * بيض الوجوه ثواقب الاحساب فدع الديار وذكر كل خريدة * بيضاء آنسة الحديث كعاب واشك الهموم إلى الاله وما ترى * من معشر ظلموا والرسول غضاب ساروا بأجمعهم إليه وألبوا * أهل القرى وبوادى الاعراب جيش عيينة وابن حرب فيهم * متخمطون بحلبة الاحزاب حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا * قتل الرسول ومغنم الاسلاب وغدوا علينا قادرين بأيدهم * ردوا بغيظهم على الاعقاب بهبوب معصفة تفرق جمعهم * وجنود ربك سيد الارباب فكفى الاله المؤمنين قتالهم * وأثابهم في الاجر خير ثواب من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم * تنزيل نصر مليكنا الوهاب وأقر عين محمد وصحابه * وأذل كل مكذب مرتاب عاتى الفؤاد موقع ذى ريبة * في الكفر ليس بطاهر الاثواب علق الشقاء بقلبه ففؤاده * في الكفر آخر هذه الاحقاب وأجابه كعب بن مالك أيضا، فقال: أبقى لنا حدث الحروب بقية * من خير نحلة ربنا الوهاب بيضاء مشرفة الذرى، ومعاطنا * حم الجذوع غزيرة الاحلاب كاللوب يبذل جمها وحفيلها * للجار وابن العم والمنتاب ونزائعا مثل السراح نمى بها * علف الشعير وجزة المقضاب عرى الشوى منها وأردف نحضها * جرد المتون وسائر الآراب قودا تراح إلى الصياح إذا غدت * فعل الضراء تراح للكلاب وتحوط سائمة الديار، وتارة * تردى العدا وتئوب بالاسلاب

[ 737 ]

حوش الوحوش مطارة عند الوغى * عبس اللقاء مبينة الانجاب علفت على دعة فصارت بدنا * دخس البضيع خفيفة الاقصاب يغدون بالزغف المضاعف شكه * وبمترصات في الثقاف صياب وصوارم نزع الصياقل غلبها * وبكل أورع ما جد الانساب يصل اليمين بمارن متقارب * وكلت وقيعته إلى خباب وأغر أزرق في القناة كأنه * في طخية الظلماء ضوء شهاب وكتيبة ينفى القران قتيرها * وترد حد قواحز النشاب جأوى ململمة كأن رماحها * في كل مجمعة صريمة غاب يأوى إلى ظل اللواء كأنه * في صعدة الخطى فئ عقاب أعيت أباكرب وأعيت تبعا * وأبت بسالتها على الاعراب ومواعظ من ربنا نهدى بها * بلسان أزهر طيب الاثواب عرضت علينا فاشتهينا ذكرها * من بعد ما عرضت على الاحزاب حكما يراها المجرمون بزعمهم * حرجا ويفهمها ذوو الالباب جاءت سخينة كى تغالب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب قال ابن هشام: حدثنى من أثق به، قال: حدثنى عبد الملك بن يحيى ابن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: لما قال كعب بن مالك: جاءت سخينة كى تغالب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا. قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك في يوم الخندق: من سره ضرب يمعمع بعضه * بعضا كمعمعة الاباء المحرق فليأت ماسدة تسن سيوفها * بين المذاد وبين جزع الخندق

[ 738 ]

دربوا بضرب المعلمين وأسلموا * مهجات أنفسهم لرب المشرق في عصبة نصر الاله نبيه * بهم، وكان بعبده ذا مرفق في كل سابغة تخط فضولها * كالنهي هبت ريحه المترقرق بيضاء محكمة كأن قتيرها * حدق الجنادب ذات شك موثق جدلاء يحفزها نجاد مهند * صافى الحديدة صارم ذى رونق تلكم مع التقوى تكون لباسنا * يوم الهياج وكل ساعة مصدق نصل السيوف إذا قصرن بخطونا * قدما ونلحقا إذا لم تلحق فترى الجماجم ضاحيا هاماتها * بله الا كف كأنها لم تخلق نلقى العدو بفخمة ملمومة * تنفى الجموع كقصد رأس المشرق ونعد للاعداء كل مقلص * ورد ومحجول القوائم أبلق تردى بفرسان كأن كماتهم * عند الهياج أسود طل ملثق صدق يعاطون الكماة حتوفهم * تحت العماية بالوشيج المزهق أمر الاله بربطها لعدوه * في الحرب، إن الله خير موفق لتكون غيظا للعدو وحيطا * للدار إن دلفت خيول النزق ويعيننا الله العزيز بقوة * منه وصدق الصبر ساعة نلتقي ونطيع أمر نبينا ونجيبه * وإذا دعا لكريهة لم نسبق ومتى يناد إلى الشدائد ناتها * ومتى نر الحومات فيها نعتق من يتبع قول النبي فإنه * فينا مطاع الامر حق مصدق فبذاك ينصرنا ويظهر عزنا * ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق إن الذين يكذبون محمدا * كفروا وضلوا عن سبيل المتقى قال ابن هشام: أنشدني بيته: " تلكم مع التقوى تكون لباسنا " وبيته: " من يتبع قول النبي " أبو زيد، وأنشدني " تنفى الجموع كرأس قدس المشرق ".

[ 739 ]

قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك في يوم الخندق: لقد علم الاحزاب - حين تألبوا * علينا وراموا ديننا - ما نوادع أضاميم من قيس بن عيلان أصفقت * وخندف لم يدروا بما هو واقع يذودوننا عن ديننا ونذودهم * عن الكفر، والرحمن راء وسامع إذا غايظونا في مقام أعاننا * على غيظهم نصر من الله واسع وذلك حفظ الله فينا وفضله * علينا، ومن لم يحفظ الله ضائع هدانا لدين الحق واختاره لنا * ولله فوق الصانعين صنائع قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك في يوم الخندق: ألا أبلغ قريشا أن سلعا * وما بين العريض إلى الصماد نواضح في الحروب مدربات * وخوص ثقبت من عهد عاد رواكد يزخر المرار فيها * فليست بالجمام ولا الثماد كأن الغاب والبردى فيها * أجش إذا تبقع للحصاد ولم نجعل تجارتنا اشتراء الحمير * لارض دوس أو مراد بلاد لم تثر إلا لكيما * نجالد إن نشطتم للجلاد أثرنا سكة الانباط فيها * فلم نر مثلها جلهات واد قصرنا كل ذى حضر وطول * على الغايات مقتدر جواد أجيبونا إلى ما نجتديكم * من القول المبين والسداد وإلا فاصبروا لجلاد يوم * لكم منا إلى شطر المذاد نصبحكم بكل أخى حروب * وكل مطهم سلس القياد وكل طمرة خفق حشاها * تدف دفيف صفراء الجراد

[ 740 ]

وكل مقلص الآراب نهد * تميم الخلق من أخر وهادى خيول لا تضاع إذا أضيعت * خيول الناس في السنة الجماد ينازعن الاعنة مصغيات * إذا نادى الفزع المنادى إذا قالت لنا النذر استعدوا * توكلنا على رب العباد وقلنا: لن يفرج ما لقينا * سوى ضرب القوانس والجهاد فلم نرعصبة فيمن لقينا * من الاقوام من قار وبادى أشد بسالة منا إذا ما * أردناه وألين في الوداد إذا ما نحن أشرجنا عليها * جياد الجدل في الارب الشداد قذفنا في السوابغ كل صقر * كريم غير معتلث الزناد أشم كأنه أسد عبوس * غداة بدا ببطن الجزع غادى يغشى هامة البطل المذكى * صبى السيف مسترخى النجاد لنظهر دينك اللهم إنا * بكفك فاهدنا سبل الرشاد قال ابن هشام بيته: قصرنا كل ذى حضر وطول والبيت الذى يتلوه، والبيت الثالث منه، والبيت الرابع منه، وبيته: أشم كأنه أسد عبوس والبيت الذى يتلوه، عن أبى زيد الانصاري. قال ابن إسحاق،: وقال مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح، يبكى عمرو بن عبدود، ويذكر قتل على بن أبى طالب إياه: عمرو بن عبد كان أول فارس * جزع المذاد، وكان فارس يليل سمح الخلائق ماجد ذومرة * يبغى القتال بشكة لم ينكل ولقد علمتم حين ولوا عنكم * أن ابن عبد فيهم لم يعجل

[ 741 ]

حتى تكنفه الكماة، وكلهم * يبغى مقاتله وليس بمؤتلى ولقد تكنفت الاسنة فارسا * بجنوب سلع غير نكس أميل تسل النزال على فارس غالب * بجنوب سلع، ليته لم ينزل فاذهب على فما ظفرت بمثله * فخرا، ولا لاقيت مثل المعضل نفسي الفداء لفارس من غالب * لاقى حمام الموت لم يتحلحل أعنى الله جزع المذاد بمهره * طلبا لثأر معاشر لم يخذل وقال مسافع أيضا يؤنب فرسان عمروالذين كانوا معه، فأجلوا عنه وتركوه: عمرو بن عبد والجياد يقودها * خيل تقاد له وخيل تنعل أجلت فوارسه وغادر رهطه * ركنا عظيما كان فيها أول عجبا، وإن أعجب فقد أبصرته * مهما تسوم على عمرا ينزل لا تبعدن فقد أصبت بقتله * وليت قبل الموت أمرا يثقل وهبيرة المسلوب ولى مدبرا * عند القتال مخافة أن يقتلوا وضرار كان البأس منه محضرا * ولى كما ولى اللئيم الاعزل قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. وقوله: " عمرا ينزل " عن غير ابن إسحاق قال ابن إسحاق: وقال هبيرة بن أبى وهب يعتذر من فراره، ويبكى عمرا، ويذكر قتل على إياه: لعمري ما وليت ظهرى محمدا * وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل ولكننى قبلت أمرى فلم أجد * لسيفى غناء إن ضربت ولا نبلى وقفت فلما لم أجد لى مقدما * صددت كضرغام هزبر أبى شبل ثنى عطفه عن قرنه حين لم يجد * مكرا وقدما كان ذلك من فعلى فلا تبعدن يا عمرو حيا وهالكا * وحق لحسن المدح مثلك من مثلى

[ 742 ]

ولا تبعدن يا عمرو حيا وهالكا * قد بنت محمود الثنا ماجد الاصل فمن لطراد الخيل تقدع بالقنا * وللفخر يوما عند قرقرة البزل هنالك لو كان ابن عبد لزارها * وفرجها حقا فتى غير ما وغل فعنك على، لا أرى مثل موقف * وقفت على نجد المقدم كالفحل فما ظفرت كفاك فخرا بمثله * أمنت به ما عشت من زلة النعل وقال هبيرة بن أبى وهب يبكى عمرو بن عبدود، ويذكر قتل على إياه: لقد علمت عليا لؤى بن غالب * لفارسها عمرو إذا ناب نائب لفارسها عمرو إذا ما يسومه * على، وإن الليث لا بد طالب عشية يدعوه على، وإنه * لفارسها إذا خام عنه الكتائب فيا لهف نفسي إن عمرا تركته * بيثرب لا زالت هناك المصائب وقال حسان بن ثابت يفتخر بقتل عمرو بن عبدود: بقيتكم عمرو أبحناه بالقنا * بيثرب نحمى والحماة قليل ونحن قتلناكم بكل مهند * ونحن ولاة الحرب حين نصول ونحن قتلناكم ببدر فأصبحت * معاشركم في الهالكين تجول قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا في شأن عمرو بن عبدود: أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغى * بجنوب يثرب ثأره لم ينظر فلقد وجدت سيوفنا مشهورة * ولقد وجدت جيادنا لم تقصر ولقد لقيت غداة بدر عصبة * ضربوك ضربا غير ضرب الحسر أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان.

[ 743 ]

قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا أبلع أبا هدم رسولا * مغلغلة تخب بها المطى أكنت وليكم في كل كره * وغيري في الرخاء هو الولى ومنكم شاهد ولقد رأني * رفعت له كما احتمل الصبى قال ابن هشام: وتروى هذه الابيات لربيعة بن أمية الديلى، ويروى فيها آخرها. كببت الخزرجي على يديه * وكان شفاء نفسي الخزرج وتروى أيضا لابي أسامة الجشمى. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في يوم بنى قريظة يبكى سعد بن معاذ ويذكر حكمه فيهم: لقد سجمت من دمع عينى عبرة * وحق لعيني أن تفيض على سعد قتيل ثوى في معرك فجعت به * عيون ذوارى الدمع دائمة الوجد على ملة الرحمن وارث جنة * مع الشهداء وفدها أكرم الوفد فإن تك قد ودعتنا وتركتنا * وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد فأنت الذى يا سعد أبت بمشهد * كريم وأثواب المكارم والحمد بحكمك في حيى قريظة بالذى * قضى الله فيهم ما قضيت على عمد فوافق حكم الله حكمك فيهم * ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد فإن كان ريب الدهر أمضاك في الالى * شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد فنعم مصير الصادقين إذا دعوا * إلى الله يوما للوجاهة والقصد وقال حسان بن ثابت أيضا، يبكى سعد بن معاذ، ورجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهداء، ويذكرهم بما كان فيهم من الخير: ألا يا لقومي هل لماحم دافع ؟ * وهل ما مضى من صالح العيش راجع ؟

[ 744 ]

تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت * بنات الحشى وانهل منى المدامع صبابة وجد ذكرتني أحبة * وقتلى مضى فيها طفيل ورافع وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت * منازلهم فالارض منهم بلاقع وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم * ظلال المنايا والسيوف اللوامع دعا فأجابوه بحق وكلهم * مطيع له في كل أمر وسامع فما نكلوا حتى تولوا جماعة * ولا يقطع الآجال إلا المصارع لانهم يرجون منه شفاعة * إذا لم يكن إلا النبيون شافع فذلك يا خير العباد بلاؤنا * إجابتنا لله والموت ناقع لنا القدم الاولى إليك وخلفنا * لاولنا في ملة الله تابع ونعلم أن الملك لله وحده * وأن قضاء الله لابد واقع وقال حسان بن ثابت أيضا في يوم بنى قريظة: لقد لقيت قريظة ما سآها * وما وجدت لذل من نصير أصابهم بلاء كان فيه * سوى ما قد أصاب بنى النضير غداة أتاهم يهوى إليهم * رسول الله كالقمر المنير له خيل مجنبة تعادى * بفرسان عليها كالصقور تركناهم وما ظفروا بشئ * دماؤهم عليهم كالغدير (1) فهم صرعى تحوم الطير فيهم * كذلك دين ذو العند الفجور (2) فأنذر مثلها نصحا قريشا * من الرحمن إن قبلت نذيري وقال حسان بن ثابت في بنى قريظة: لقد لقيت قريظة ماسآها * وحل بحصنها ذل ذليل وسعد كان أنذرهم بنصح * بأن إلهكم رب جليل فما برحوا بنقض العهد حتى * فلاهم في بلادهم الرسول


(1) في نسخة " كالعبير " وهو هنا الزعفران. (2) ويروى " الفخور ". (*)

[ 745 ]

أحاط بحصنهم منا صفوف * له من حر وقعتهم صليل وقال حسان بن ثابت أيضا في يوم بنى قريظة: تفاقد معشر نصروا قريشا * وليس لهم ببلدتهم نصير هم أوتوا الكتاب فضيعوه * وهم عمى من التوارة بور كفرتم بالقران وقد أتيتم * بتصديق الذى قال النذير فهان على سراة بنى لؤى * حريق بالبويرة مستطير * فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقال: أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في طرائقها السعير ستعلم أينا منها بنزه * وتعلم أي أرضينا تضير فلو كان النخيل بها ركابا * لقالوا لا مقام لكم فسيروا وأجابه جبل بن جوال الثعلبي أيضا، وبكى النضير وقريظة، فقال: ألا يا سعد بنى معاذ * لما لقيت قريظة والنضير لعمرك إن سعد بنى معاذ * غداة تحملوا لهو الصبور فأما الخزرجي أبو حباب * فقال لقينقاع لا تسيروا وبدلت الموالى من حضير * أسيدا، والدوائر قد تدور وأقفرت البويرة من سلام * وسيعة وابن أخطب فهى بور وقد كانوا ببلدتهم ثقالا * كما ثقلت بميطان الصخور فإن يهلك أبو حكم سلام * فلا رث السلاح ولا دثور وكل الكاهنين وكان فيهم * مع اللين الخضارمة الصقور وجدنا المجد قد ثبتوا عليه * بمجد لا تغيبه البدور أقيموا يا سراة الاوس فيها * كأنكم من المخزاة عور تركتم قدركم لا شئ فيها * وقدر القوم حامية تفور

[ 746 ]

مقتل سلام بن أبى الحقيق قال ابن إسحاق: ولما انقضى شأن الخندق، وأمر بنى قريظة، وكان سلام بن أبى الحقيق - وهو أبو رافع - فيمن حزب الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الاوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الاشرف، في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه، استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبى الحقيق، وهو بخيبر، فأذن لهم. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: وكان مما صنع الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الانصار، الاوس والخزرج، كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين، لا تصنع الاوس شيئا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الاسلام. قال: فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مثل ذلك. ولما أصابت الاوس كعب بن الاشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج: والله لا تذهبون بها فضلا علينا أبدا، قال: فتذاكروا: من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الاشرف ؟ فذكروا ابن أبى الحقيق وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم. فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، وخزاعي ابن أسود، حليف لهم من أسلم، فخرجوا، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 747 ]

عبد الله بن عتيك، ونهاهم عن أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر، أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله. قال: وكان في علية له إليها عجلة قال: فأسندوا فيها، حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا عليه، فخرجت إليهم امرأته، فقالت: من أنتم ؟ قالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم، فادخلوا عليه، قال: فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة، تخوفا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه، قالت: فصاحت امرأته، فنوهت بنا وابتدرناه - وهو على فراشه - بأسيافنا، فو الله ما يدلنا عليه في سواد الليل (1) إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة، قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وهو يقول: قطني قطني: أي حسبى حسبى، قال: وخرجنا، وكان عبد الله بن عتيك رجلا سيئ البصر، قال: فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا - ويقال: رجله، فيما قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتى به منهرا من عيونهم، فندخل فيه قال: فأوقدوا النيران، واشتدوا في كل وجه يطلبوننا، قال: حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم، فاكتنفوه وهو يقضى بينهم. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات ؟ قال: فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس. قال: فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفى يدها المصباح تنظر في وجهه، وتحدثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي وقلت: أتى ابن عتيك بهذه البلاد ؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه ثم قالت: فاظ وإله يهود، فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها. قال: ثم جاءنا [ فأخبرنا ] الخبر. فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله


(1) في ا " سواد البيت ". (*)

[ 748 ]

عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنه في قتله، كلنا يدعيه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاتوا أسيافكم، قال: فجئناه بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت وهو يذكر قتل كعب بن الاشرف، وقتل سلام بن أبى الحقيق: لله در عصابة لا قيتهم * يابن الحقيق وأنت يابن الاشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم * مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم، فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف قال ابن هشام: قوله: " ذفف "، عن غير ابن إسحاق. إسلام عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أبى أوس الثقفى، عن حبيب بن أبى أوس الثقفى، قال: حدثنى عمرو بن العاص من فيه، قال: لما انصرفنا مع الاحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش، كانوا يرون رأيى، ويسمعون منى، فقلت لهم: تعلموا والله إنى أرى أمر محمد يعلو الامور علوا منكرا، وإنى قد رأيت أمرا، فما ترون فيه ؟ قالوا: وماذا رأيت ؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عن النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدى محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا لرأى، قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضناالادم. فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فو الله إنا لعند إذا جاءه عمرو بن أمية الضمرى، وكان رسول الله صلى الله

[ 749 ]

عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لاصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمرى، لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانية، فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت إلى من بلادك شيئا ؟ قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت إليك أدما كثيرا، قال: ثم قربته إليه، فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدولنا، فأعطنيه لاقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لى الارض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الاكبر الذى كان يأتي موسى لتقتله ؟ ! قال: قلت: أيها الملك، أكذاك هو ؟ قال: ويحك يا عمرو أطعنى واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: أفتبايعني له على الاسلام ؟ قال: نعم، فبسط يده، فبايعته على الاسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيى عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامى ثم خرجت عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسلم، فلقيت خالد ابن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين أبا سليمان ؟ قال: والله لقد استقام المنسم، وإن الرجل لنبى، أذهب والله فأسلم، فحتى متى ؟ قال: قلت: والله ما جئت إلا لاسلم، قال: فقدمنا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت، فقلت: يا رسول الله، إنى أبابعك على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمرو، بايع،

[ 750 ]

فان الاسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها، قال: فبايعته ثم انصرفت. قال ابن هشام: ويقال: فإن الاسلام يحت ما كان قبله، وإن الهجرة تحت ما كان قبلها. قال ابن إسحاق، وحدثني من لا أتهم: أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، كان معهما، [ أسلم ] حين أسلما. قال ابن إسحاق: فقال ابن الزبعرى السهمى: أنشد عثمان بن طلجة حلفنا * وملقى نعال القوم عند المقبل وما عقد الآباء من كل حلفة * وما خالد من مثلها بمحلل أمفتاح بيت غير بيتك تبتغى * وما يبتغى من مجد بيت مؤثل فلا تأمنن خالدا بعد هذه * وعثمان جاء بالدهيم المعضل وكان فتح بنى قريظة في ذى القعدة وصدر ذى الحجة، وولى تلك الحجة المشركون. غزوة بى لحيان قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهرى ربيع، وخرج في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة، إلى بنى لحيان يطلب بأصحاب الرجيع: خبيب بن عدى وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام، ليصيب من القوم غرة. فخرج من المدينة صلى الله عليه وسلم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فسلك على غراب، جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشام،

[ 751 ]

ثم على مخيض، ثم على البتراء، ثم صفق ذات اليسار، فخرج على بين، ثم على صخيرات اليمام، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة، فأغذ السير سريعا، حتى نزل على غران وهى منازل بنى لحيان، وغران: واد بين أمج وعسفان، إلى بلد يقال له: ساية، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال. فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم ما أراد، قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة، فخرج في مئتى راكب من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كر وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا. فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين وجه راجعا: آيبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الاهل والمال. والحديث في غزوة بنى لحيان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر، عن عبد الله بن كعب بن مالك، فقال كعب بن مالك في غزوة بنى لحيان: لو ان بنى لحيان كانوا تناظروا * لقوا عصبا في دارهم ذات مصدق لقوا سرعانا يملا السرب روعه * أمام طحون كالمجرة فيلق ولكنهم كانوا وبارا تتبعت * شعاب حجاز غير ذى متنفق غزوة ذى قرد ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يقم بها إلا ليالى قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى، في خيل من غطفان، على لقاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة، وفيها رجل من بنى غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل، واحتملوا المرأة في اللقاح.

[ 752 ]

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر، ومن لا أتهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، كل قد حدث في غزوة ذى قرد بعض الحديث: أنه كان أول من نذربهم سلمة بن عمرو بن الاكوع الاسلمي غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله، ومعه غلام لطلحة بن عبيدالله معه فرس له يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية [ من ] سلع، ثم صرخ: واصباحاه ثم خرج يشتد في آثار القوم، وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمى: خذها وأنا ابن الاكوع، اليوم يوم الرضع، فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمى رمى، ثم قال: خذها وأنا ابن الاكوع، اليوم يوم الرضع، قال: فيقول قائلهم: أو يكعنا هو أول النهار. وقال: وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الاكوع، فصرخ بالمدينة الفزع الفزع، فترامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أول من انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرسان: المقداد ابن عمرو، وهو الذى يقال له: المقداد بن الاسود، حليف بنى زهرة، ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الانصار: عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء، أحد بنى عبد الاشهل، وسعد ابن زيد، أحد بنى كعب بن عبد الاشهل، وأسيد بن ظهير، أخو بنى حارثة ابن الحارث، يشك فيه، وعكاشة بن محصن، أخو بنى أسد بن خزيمة، ومحرز بن نضلة، أخو بنى أسد بن خزيمة، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، أخو بنى سلمة، وأبو عياش، وهو عبيد بن زيد بن الصامت، أخو بنى زريق. فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد، فيما بلغني، ثم قال: اخرج في طلب القوم، حتى ألحقك في الناس.

[ 753 ]

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني عن رجال من بنى زريق، لابي عياش: يا أبا عياش، لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم ؟ قال أبو عياش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرس الناس، ثم ضربت الفرس، فوالله ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحني، فعجبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أعطيته أفرس منك، وأنا أقول: أنا أفرس الناس. فزعم رجال من بنى زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فرس أبى عياش معاذ بن ماعص، أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة، وكان ثامنا، وبعض الناس يعد سلمة بن عمرو بن الاكوع أحد الثمانية، ويطرح أسيد بن ظهير، أخا بنى حارثة، والله أعلم أي ذلك كان، ولم يكن سلمة يومئذ فارسا، وقد كان أول من لحق بالقوم على رجليه. فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة، أخو بنى أسد بن خزيمة - وكان يقال لمحرز: الاخرم، ويقال له: قمير - وأن الفزع لما كان جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط، حين سمع صاهلة الخيل، وكان فرسا صنيعا جاما، فقال نساء من نساء بنى عبد الاشهل، حين رأبن الفرس يجول في الحائط بجذع نخل هو مربوط فيه: يا قمير، هل لك في أن تركب هذا الفرس ؟ فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين ؟ قال: نعم، فأعطينه إياه. فخرج عليه، فلم يلبث أن بذ الخيل بجمامه، حتى أدرك القوم، فوقف لهم بين أيديهم، ثم قال: قفوا يا معشر بنى اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والانصار. قال: وحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس، فلم يقدر عليه حتى وقف على آرية في بنى عبد الاشهل، فلم يقتل من المسلمين غيره. قال ابن هشام: وقتل يومئذ من المسلمين مع محرز: وقاص بن مجزز المدلجى، فيما ذكر غير واحد من أهل العلم.

[ 754 ]

قال ابن إسحاق: وكان اسم فرس محمود: ذا اللمة. قال ابن هشام: وكان اسم فرس سعد بن زيد: لاحق، واسم فرس المقداد: بعزجة، ويقال: سبحة، واسم فرس عكاشة بن محصن: ذو اللمة، واسم فرس أبى قتادة: حزوة، وفرس عباد بن بشر: لماع، وفرس أسيد بن ظهير: مسنون، وفرس أبى عياش: جلوة. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن مجززا (1) إنما كان على فرس لعكاشة بن محصن، يقال لها: الجناح، فقتل مجزز واستلبت الجناح. ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة الحارث بن ربعى، أخو بنى سلمة، حبيب بن عيينة بن حصن، وغشاه برده، ثم لحق بالناس. وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: فإذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأبى قتادة، ولكنه قتيل لابي قتادة، وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه. وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار، وهما على بعير واحد، فانتظمها بالرمح، فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذى قرد، وتلاحق به الناس، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وأقام عليه يوما وليلة، وقال له سلمة بن الاكوع: يا رسول الله، لو سرحتنى في مئة رجل لا ستنقذت بقية السرح، وأخذت بأعناق القوم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني: إنهم الآن ليغبقون في غطفان.


في ا " محرز " بحاء وراء مهملتين. (*)

[ 755 ]

فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه في كل مئة رجل جزورا، وأقاموا عليها، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا حتى قدم المدينة. وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله، إنى قد نذرت لله أن أنحرها إن نجاني الله عليها، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحريها ! إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلى، فارجعي إلى أهلك على بركة الله. والحديث عن امرأة الغفاري وما قالت، وما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أبى الزبير المكى، عن الحسن بن أبى الحسن البصري: وكان مما قيل من الشعر في يوم ذى قرد قول حسان بن ثابت: لولا الذى لاقت ومس نسورها * بجنوب ساية أمس في التقواد للقينكم يحملن كل مدجج * حامى الحقيقة ماجد الاجداد ولسر أولاد اللقيطة أننا * سلم غداة فوارس المقداد كنا ثمانية وكانوا جحفلا * لجبا فشكوا بالرماح بداد كنا من القوم الذين يلونهم * ويقدمون عنان كل جواد كلا ورب الراقصات إلى منى * يقطعن عرض مخارم الاطواد حتى نبيل الخيل في عرصاتكم * ونؤوب بالملكات والاولاد رهوا بكل مقلص وطمرة * في كل معترك عطفن ووادى أفنى دوابرها ولاح متونها * يوم تقاد به ويوم طراد فكذاك إن جيادنا ملبونة * والحرب مشعلة بريح غواد وسيوفنا بيض الحدائد تجتلى * جنن الحديد وهامة المرتاد

[ 756 ]

أخذ الاله عليهم لحرامه * ولعزة الرحمن بالاسدد كانوا بدار ناعمين فبدلوا * أيام ذى قرد وجوه عباد قال ابن هشام: فلما قالها حسان غضب عليه سعد بن زيد، وحلف أن لا يكلمه أبدا، قال: انطلق إلى خيلى وفوارسى فجعلها للمقداد ! فاعتذر إليه حسان وقال: والله ما ذاك أردت، ولكن الروى وافق اسم المقداد، وقال أبياتا يرضى بها سعدا: إذا أردتم الاشد الجلدا * أو ذا غناء فعليكم سعدا سعد بن زيد لا يهد هدا فلم يقبل منه سعد، ولم يغن شيئا. وقال حسان بن ثابت في يوم ذى قرد: أظن عيينة إذ زارها * بأن سوف يهدم فيها قصورا فأكذبت ما كنت صدقته * وقلتم: سنغنم أمرا كبيرا فعفت المدينة إذ زرتها * وآنست للاسد فيها زئيرا فولوا سراعا كشد النعام * ولم يكشفوا عن ملط حصيرا أمير علينا رسول المليك * أحبب بذاك إلينا أميرا رسول نصدق ما جاءه * ويتلو كتابا مضيئا منيرا وقال كعب بن مالك في يوم ذى قرد للفوارس: أتحسب أولاد اللقيطة أننا * على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس وإنا أناس لا نرى القتل سبة * ولا ننثني عند الرماح المداعس وإنا لنقرى الضيف من قمع الذرا * ونضرب رأس الابلخ المتشاوس نرد كماة المعلمين إذا انتخوا * بضرب يسلى نخوة المتقاعس بكل فتى حامى الحقيقة ماجد * كريم كسرحان الغضاة مخالس

[ 757 ]

يذودون عن أحسابهم وتلادهم * ببيض تقد الهام تحت القوانس فسائل بنى بدر إذا ما لقيتهم * بما فعل الاخوان يوم التمارس إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم * ولا تكتموا أخباركم في المجالس وقولوا زللنا عن مخالب خادر * به وحر في الصدر ما لم يمارس قال ابن هشام: أنشدني بيته: " وإنا لنقرى الضيف " أبو زيد. قال ابن إسحاق: وقال شداد بن عارض الجشمى، في يوم ذى قرد، لعيينة بن حصن، وكان عيينة [ بن حصن ] يكنى بأبى مالك: فهلا كررت أبا مالك * وخيلك مدبرة تقتل ذكرت الاياب إلى عسجر * وهيهات قد بعد المقفل وضمنت نفسك ذاميعة * مسح الفضاء إذا يرسل إذا قبضته إليك الشمال * جاش كما اضطرم المرجل فلما عرفتم عباد الاله * لم ينظر الآخر الاول عرفتم فوارس قد عودوا * طراد الكماة إذا أسهلوا إذا طردوا الخيل تشقى بهم * فضاحا وإن يطردوا ينزلوا فيعتصموا في سواء المقام * بالبيض أخلصها الصيقل غزوة بنى المصطلق بالمريسيع، في شعبان سنة ست قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجبا، ثم غرا بنى المصطلق من خزاعة، في شعبان سنة ست. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، ويقال: نميلة بن عبد الله الليثى.

[ 758 ]

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثنى بعض حديث بنى المصطلق، قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بنى المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبى ضرار أبو جويرية بنت الحارث، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بنى المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه. وقد أصيب رجل من المسلمين من بنى كلب بن عوف بن عامر بن ليث ابن بكر، يقال له: هشام بن صبابة (1)، أصابه رجل من الانصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء، وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار، يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنى، حليف بنى عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهنى: يا معشر الانصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبى بن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم: زيد بن أرقم، غلام حدث، فقال: أوقد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الاول: سمن كلبك يأكلك، وأما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: ما فعلتم بأنفسكم: أحللتموهم بلادكم، وقاسمتوهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم


(1) في ا " هشام بن حبابة ". (*)

[ 759 ]

فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر ابن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ! لا ولكن أذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس. وقد مشى عبد الله بن أبى بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلمت به - وكان في قومه شريفا عظيما - فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، حدبا على ابن أبى بن سلول، ودفعا عنه. قال ابن إسحاق: فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا نبى الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ قال: وأى صاحب يا رسول الله ؟ قال: عبد الله بن أبى، قال: وما قال ؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزير، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا.

[ 760 ]

ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الارض فوقعوا نياما، وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالامس، من حديث عبد الله بن أبى. ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع، يقال له: بقعاء، فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخافوها، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت، أحد بنى قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين، مات في ذلك اليوم. ونزلت السورة التى ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبى ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم، ثم قال: هذا الذي أوفى الله بأذنه. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبى الذى كان من أمر أبيه. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله ابن أبى فيما بلغك عنه، فإن كنت [ لابد ] فاعلا فمرنى به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى، وإنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبى يمشى في الناس، فأقتله فأقتل [ رجلا ] مؤمنا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقى معنا.

[ 761 ]

وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لى اقتله، لارعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، قال: قال عمر: قد والله علمت لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمرى. قال ابن إسحاق: وقد مقيس بن صبابة من مكة مسلما، فيما يظهر، فقال: يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك أطلب دية أخى، قتل خطأ. فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله صلى الله عليه غير كثير. ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا، فقال في شعر يقوله: شفى النفس أن قد مات بالقاع مسندا * تضرج ثوبيه دماء الاخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم فتحميني وطاء المضاجع حللت به وترى وأدركت ثؤرتى * وكنت إلى الاوثان أول راجع ثأرت به فهرا وحملت عقله * سراة بنى النجار أرباب فارع وقال مقيس بن صبابة أيضا: جللته ضربة باءت لها وشل * من ناقع الجوف يعلوه وينصرم فقلت والموت تغشاه أسرته * لا تأمنن بنى بكر إذا ظلموا قال ابن هشام: وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق: يا منصور، أمت أمت. قال ابن إسحاق: وأصيب من بنى المصطلق يومئذ ناس، وقتل على بن أبى طالب منهم رجلين، مالكا وابنه، وقتل عبد الرحمن بن عوف رجلا من فرسانهم، يقال له: أحمر، أو أحيمر.

[ 762 ]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منهم سبيا كثيرا، فشا قسمه في المسلمين، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بنى الصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه وسلم ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت: وما هو يا رسول الله ؟ قال: أقضى [ عنك ] كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت. قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية بنة الحارث بن أبى ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بنى المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها. قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بنى المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث ؟ وكان بذات الجيش، دفع جويرية إلى رجل من الانصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله

[ 763 ]

صلى الله عليه وسلم المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبى ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الابل التى جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد، أصبتم ابنتى، وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق، في شعب كذا وكذا ؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فو الله ما اطلع على ذلك إلا الله، فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له. وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الايل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت، وحسن إسلامها، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها، فزوجه إياها، وأصدقها أربع مئة درهم. قال ابن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن القوم قد هموا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغزوهم، فبينما هم على ذلك قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدى إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم: (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ينبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطعيكم في كثير من الامر لعنتم 6 و 7 - من سورة الحجرات) إلى آخر الآية.

[ 764 ]

وقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك، كما حدثنى من لا أتهم عن الزهري، عن عروة عن عائشة رضى الله عنها، حتى إذا كان قريبا من المدينة، وكانت معه عائشة في سفره ذلك، قال فيها أهل الافك ما قالوا. خبرة الافك في غزوة بنى المصطلق سنة ست ] قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري، عن علقمة بن وقاص، وعن سعيد بن جبير، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: كل قد حدثنى بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض. وقد جمعت لك الذى حدثنى القوم. قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عن عائشة، وعبد الله بن أبى بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن نفسها، حين قال فيها أهل الافك ما قالوا. فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم يحدث عنها ما سمع، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بنى المصطلق أقرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن معه، فخرج بى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وكان النساء إذا ذاك إنما يأكلن العلق لم يهيجهن اللحم فيثقلن، وكنت إذا رحل لى بعيرى جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون لى ويحملونني، فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسول الله

[ 765 ]

صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك، وجه قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا. فبات به بعض الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتى، وفى عنقي عقد لى، فيه جزع ظفار، فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدرى، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي، فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، فرجعت إلى مكاني الذى ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافى، الذين كانوا يرحلون لى البعير، وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج، وهم يظنون أنى فيه، كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدوه على البعير، ولم يشكوا أنى فيه، ثم أخذوا برأس البعير، فانطلقوا به، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس. قالت: فتلففت بجلبابى، ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أن لوقد افتقدت لرجع إلى. قالت: فوالله إنى لمضطجعة إذ مربى صفوان بن المعطل السلمى، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادى، فأقبل حتى وقف على، وقد كان يرانى قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما رأني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وأنا متلففة في ثيابي: قال: ما خلفك يرحمك الله ؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير، فقال: اركبي، واستأخر عنى. قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعا، يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت، ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودنى، فقال أهل الافك ما قالوا، فارتعج العسكر (1) ووالله ما أعلم بشئ من ذلك. ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغني من ذلك شئ. وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أبوى لا يذكرون لى منه قليلا ولا كثيرا، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله صلى الله


(1) ارتعج العسكر: تحرك واضطرب. (*)

[ 766 ]

عليه وسلم [ بعض ] لطفه [ بى ]، كنت إذا اشتكيت رحمنى، ولطف بى، فلم يفعل ذلك بى في شكواى تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل على وعندي أمي تمرضني - قال ابن هشام: وهى أم رومان، واسمها زينب بنت عبد دهمان، أحد بنى فراس بن غنم بن مالك بن كنانة - قال: كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك. قال ابن إسحاق: قالت: حتى وجدت في نفسي، فقلت: يا رسول الله، حين رأيت ما رأيت من جفائه لى -: لو أذنت لى، فانتقلت إلى أمي، فمرضتنى ؟ قال: لا عليك. قالت: فانتقلت إلى أمي، ولا علم لى بشئ مما كان، حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوما عربا، لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التى تتخذها الاعاجم، نعافها ونكرهها، إنما كنا نذهب في فسح المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتى ومعى أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب ابن عبد مناف، وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، خالة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، قالت: فو الله إنها لتمشى معى إذ عثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح ! ومسطح لقب واسمه عوف، قالت: قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا، قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر ؟ قالت: قلت: وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذى كان من قول أهل الافك، قالت: قلت: أو قد كان هذا ؟ قالت: نعم والله لقد كان. قالت: فو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتى، ورجعت، فوالله ما زلت أبكى حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي، قالت: وقلت لامى: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به، ولا تذكرين لى من ذلك شيئا ! قالت: أي بنية، خفضى عليك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة حسناء، عند رجل يحبها، لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.

[ 767 ]

قالت: وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، ما بال رجال يؤذوننى في أهلى، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل، والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معى. قالت: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبى بن سلول في رجال من الخزرج مع الذى قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن من نسائه امرأة تناصينى في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها، فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة بنت جحش فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضادني لاختها، فشقيت بذلك. فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، قال أسيد بن حضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الاوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج، فمرنا بأمرك، فوالله إنهم لاهل أن تضرب أعناقهم، قالت: فقام سعد بن عبادة، وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا، فقال: كذبت لعمر الله، لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا، فقال أسيد: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: وتساور الناس، حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الاوس والخزرج شر. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على. [ قالت ]: فدعا على بن أبى طالب رضوان الله عليه، وأسامة بن زيد، فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى [ على ] خيرا وقاله، ثم قال: يا رسول الله، أهلك

[ 768 ]

ولا تعلم إلا خيرا، ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل، وأما على فإنه قال: يارسول الله، إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية، فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها، قالت: فقام إليها على بن أبى طالب، فضربها ضربا شديدا، ويقول: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فتقول والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا، إلا أنى كنت أعجن عجيني، فأمرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتى الشاة فتأكله. قالت: ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندي أبواي، وعندي امرأة من الانصار، وأنا أبكى، وهى تبكى معى، فجلس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس، فاتقى الله، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبى إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، قالت: فو الله ما هو إلا أن قال لى ذلك، فقلص دمعى، حتى ما أحس منه شيئا، وانتظرت أبوى أن يجيبا عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يتكلما. قالت: وايم الله لانا كنت أحقر في نفسي، وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به في المساجد، ويصلى به، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب به الله عنى، لما يعلم من برأتي، أو يخبر خبرا، فأما قرآن ينزل في، فو الله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك. قالت: فلما لم أر أبوى يتكلمان، قالت: قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: فقالا: والله ما ندرى بماذا نجيبه، قالت: ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم مادخل على آل أبى بكر في تلك الايام، قالت: فلما أن استعجما على، استعبرت فبكيت، ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا. والله إنى لاعلم

[ 769 ]

لئن أقررت بما يقول الناس، والله يعلم [ منى ] أنى منه بريئة، لاقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: (فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون - 81 من سورة يوسف) قالت: فو الله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجى بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فو الله ما فزعت ولا باليت، قد عرفت أنى بريئة وأن الله عزوجل غير ظالمي، وأما أبواي، فو الذى نفس عائشة بيده، ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما، فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس، قالت: ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه، ويقول: أبشرى يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك، قالت: قلت: بحمدالله، ثم خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسارعن بعض رجال بنى النجار: أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ؟ قالت: لا والله ما كنت لافعله، قال: فعائشة والله خير منك. قالت: فلما نزل القرآن يذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الافك فقال تعالى: (إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم، لا تحسبوه شرا

[ 770 ]

لكم، بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم، والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم)، وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا. قال ابن هشام: ويقال: وذلك عبد الله بن أبى وأصحابه. قال ابن هشام: والذى تولى كبره عبد الله بن أبى، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في هذا الحديث قبل هذا. ثم قال تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا): أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته، ثم قال: (إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينا، وهو عند الله عظيم): فلما نزل هذا في عائشة، وفيمن قال لها ما قال، قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذى قال لعائشة، وأدخل علينا، قالت: فأنزل الله في ذلك (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم - 11 إلى 12 من سورة النور). قال ابن هشام: يقال: كبره وكبره في الرواية، وأما في القرآن فكبره بالكسر. قال ابن هشام: " ولا يأتل أولوا الفضل منكم " ولا يأل أولو الفضل منكم قال امرؤ القيس بن حجر الكندى. ألا رب خصم فيك ألوى رددته * نصيح على تعذاله غير مؤتل وهذا البيت في قصيدة له، ويقال: ولا يأتل أولو الفضل: ولا يحلف أولو الفضل، وهو قول الحسن بن أبى الحسن [ البصري ]. فيما بلغنا عنه.

[ 771 ]

وفى كتاب الله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم - 221 من سورة البقرة)، وهو من الالية، والالية: اليمين. قال حسان بن ثابت: آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى ألية بر غير إفناد وهذا البيت في أبيات له، سأذكرها إن شاء الله في موضعها. فمعنى (أن يؤتوا) في هذا المذهب: أن لا يؤتوا، وفى كتاب الله عزوجل: (يبين الله لكم أن تضلوا - 176 من سورة النساء) يريد: أن لا تضلوا (ويمسك السماء أن تقع على الارض - 65 من سورة الحج) يريد أن لا تقع على الارض. وقال ابن مفرغ الحميرى: لا ذعرت السوام في وضح الصبح * مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم أعطى مخافة الموت ضيما * والمنايا يرصدننى أن أحيدا يريد: أن لا أحيد، وهذان البيتان في أبيات له. قال ابن إسحاق: قالت: فقال أبو بكر: بلى والله، إنى لاحب أن يغفر الله لى، فرجع إلى مسطح نفقته التى كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. قال ابن إسحاق: ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه، وقد كان حسان قال شعرا مع ذلك يعرض بابن المعطل [ فيه ]، وبمن أسلم من العرب من مضر، فقال: أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا * وابن الفريعة أمسى بيضة البلد قد ثكلت أمه من كنت صاحبه * أو كان منتشبا في برثن الاسد ما لقتيلي الذى أغدو فاخذه * من دية فيه يعطاها ولا قود ما البحر حين تهب الريح شامية * فيغطئل ويرمى العبر بالزبد يوما بأغلب منى حين تبصرني * ملغيظ أفرى كفرى العارض البرد أما قريش فإنى لم أسالمهم * حتى ينيبوا من الغيات للرشد

[ 772 ]

ويتركوا اللات والعزى بمعزلة * ويسجدوا كلهم للواحد الصمد ويشهدوا أن ما قال الرسول لهم * حق، ويوفوا بعهد الله والوكد فاعترضه صفوان بن المعطل، فضربه بالسيف، ثم قال كما حدثنى يعقوب ابن عتبة: تلق ذباب السيف عنى فإننى * غلام إذا هو جيت لست بشاعر قال ابن إسحاق وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى: أن ثابت ابن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل، حين ضرب حسان، فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بنى الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: ماهذا ؟ قال: أما أعجبك ضرب حسان بالسيف ! والله ما أراه إلا قد قتله، قال له عبد الله بن رواحة: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ مما صنعت ؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: يا رسول الله، آذانى وهجاني، فاحتملني الغضب، فضربته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: أحسن يا حسان، أتشوهت على قومي أن هداهم الله للاسلام، ثم قال: أحسن يا حسان في الذى أصابك، قال: هي لك يا رسول الله. قال ابن هشام: ويقال: أبعد أن هداكم الله للاسلام. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا منها بيرحاء، وهى قصر بنى حديلة اليوم بالمدينة، وكانت مالا لابي طلحة بن سهل تصدق بها على [ آل ] رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان في ضربته، وأعطاه سيرين، أمة قبطية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان، قال: وكانت عائشة تقول:

[ 773 ]

لقد سئل عن ابن المعطل، فوجدوه رجلا حصورا، ما يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدا قال حسان بن ثابت يعتذر من الذى كان قال في شأن عائشة رضى الله عنها: حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل عقيلة حى من لؤى بن غالب * كرام المساعى مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها * وطهرها من كل سوء وباطل فإن كنت قد قلت الذى قد زعمتم * فلا رفعت سوطي إلي أناملي وكيف وودى ما حييت ونصرتي * لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس كلهم * تقاصر عنه سورة المتطاول فإن الذى قد قيل ليس بلائط * ولكنه قول امرئ بى ماحل قال ابن هشام: بيته " عقيلة حى " والذى بعده، وبيته: " له رتب عال " عن أبى زيد الانصاري قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة: أن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت عند عائشة، فقالت: حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت عائشة: لكن أبوها. قال ابن إسحاق: وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه في فريتهم على عائشة - قال ابن هشام: في ضرب حسان وصاحبيه -: لقد ذاق حسان الذى كان أهله * وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم * وسخطة ذى العرش الكريم فأترحوا وآذوا رسول الله فيها فجللوا * مخازي تبقى عمموها وفضحوا وصبت عليهم محصدات كأنها * شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح

[ 774 ]

أمر الحديبية في آخر سنة ست، وذكر بيعة الرضوان والصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين سهيل بن عمرو قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا، وخرج في ذى القعدة معتمرا، لا يريد حربا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثى. قال ابن إسحاق: واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادى من الاعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذى صنعوا، أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الاعراب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والانصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدى، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا، وساق معه الهدى سبعين بدنة، وكان الناس سبع مئة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر وكان جابر بن عبد الله، فيما بلغني، يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مئة. قال الزهري: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي - قال ابن هشام: ويقال بسر - فقال: يا رسول الله

[ 775 ]

هذه قريش، قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذى طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش ! لقد أكلتهم (1) الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب: فإن هم أصابوني كان [ ذلك ] الذى أرادوا، وإن أظهرني رسول الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، فو الله لا أزال أجاهد على الذى بعثنى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة، ثم قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التى هم بها ؟ قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر: أن رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب إليه، فقالوا ذلك، فقال: والله إنها للحطة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها. قال ابن هشام: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمض، في طريق [ تخرجه ] على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش فترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلات الناقة، قال: ما خلات وما هولها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة


(1) في ا " أهلكتهم الحرب " (*)

[ 776 ]

يسألوننى فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها، ثم قال للناس: انزلوا، قيل له: يا رسول الله: ما بالوادي ماء ننزل عليه، فأخرج سهما من كنانته، فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل به في قليب من تلك القلب، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم: أن الذى نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب بن عمير ابن يعمر بن دارم بن عمرو بن وائلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن أبى حارثة، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: أفصى بن حارثة. قال ابن إسحاق: وقد زعم لى بعض أهل العلم: أن البراء بن عازب كان يقول: أنا نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فا لله أعلم أي ذلك كان. وقد أنشدت أسلم أبياتا من شعر قالها ناجية، قد ظننا أنه هو الذى نزل بالسهم، فزعمت أسلم أن جارية من الانصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يميح على الناس، فقالت: يأيها المائح دلوى دونكا * إنى رأيت الناس يحمدونكا يثنون خيرا ويمجدونكا قال ابن هشام: ويروى: إنى رأيت الناس يمدحونكا قال ابن إسحاق: فقال ناجية، وهو في القليب يميح على الناس: قد علمت جارية يمانيه * أنى أنا المائح واسمى ناجيه وطعنة ذات رشاش واهيه * طعنتها عند صدور العاديه فقال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه

[ 777 ]

بديل ابن ورقاء الخزاعى، في رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه: ما الذى جاء به ؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت، ومعظما لحرمته، ثم قال لهم نحوا مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرا هذا البيت، فاتهموهم وجبهوهم، وقالوا: وان كان جاء ولا يريد قتالا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تحدث بذلك عنا العرب. قال الزهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمها ومشركها (1)، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة. قال: ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الاخيف، أخا بنى عامر بن لؤى، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: هذا رجل غادر، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان، وكان يومئذ سيد الاحابيش، وهو أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدى يسيل عليه من غير عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى، فقال لهم ذلك، قال: فقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر: أن الحليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا


(1) في ا " مسلمها وكافرها " (*)

[ 778 ]

عاقدناكم. أيصد عن بيت الله من جاء معظما له ! والذى نفس الحليس بيده، لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لانفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد. قال: فقالوا: مه، كف عنايا حليس حتى نأخذ لانفسنا ما نرضى به. قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة ابن مسعود الثقفى، فقال: يا معشر قريش، إنى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاء كم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأنى ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذى نابكم، فجمعت من أطاعنى من قومي، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد، أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضهابهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل. وقد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا. وايم الله، لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، فقال: امصص بظر اللات، أنحن ننكشف عنه ؟ قال: من هذا يا محمد ؟ قال: هذا ابن أبى قحافة، قال: أما والله لولا بد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها، قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه. قال: والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك، قال: فيقول عروة: ويحك ! ما أفظك وأغلظك ! قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عروة: من هذا يا محمد ؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أي غدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالامس.

[ 779 ]

قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بنى مالك، من ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف: بنو مالك رهط المقتولين، والاحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح ذلك الامر قال ابن إسحاق: قال الزهري: فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا. فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه: لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إنى قد جشت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشى في ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا، فروا رأيكم. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعى، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له يقال له الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله، فمنعته الاحابيش، فخلوا سبيله، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس: أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين رجلا، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم، وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل.

[ 780 ]

ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إنى أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بنى عدى ابن كعب أحد يمنعنى، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها منى، عثمان بن عفان. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبى سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت، ومعظما لحرمته. قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لافعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان ابن عفان قد قتل. بيعة الرضوان قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفر. فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين

[ 781 ]

حضرها، إلا الجد بن قيس، أخو بنى سلمة، فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأنى أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته. قد ضبأ إليها، يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذى ذكر من أمر عثمان باطل قال ابن هشام: فذكر وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى: أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الاسدي. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبى مليكة عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الاخرى. أمر الهدنة قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، أخا بنى عامر بن لؤى، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: ائت محمدا فصالحه، ولا يكن [ في ] صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا، قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح. فلما التأم الامر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله ؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ قال أبو بكر: يا عمرم الزم غرزه، فإنى أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 782 ]

فقال: يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني ! قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلى وأعتق، من الذى صنعت يومئذ ! مخافة كلامي الذى تكلمت به، حين رجوت أن يكون خيرا. قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب، السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها.

[ 783 ]

فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، فجعل ينتره بتلبيبه، ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوننى في دينى ؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم، قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبى جندل يمشى إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: وبدنى قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية. فلما فرغ [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبى وقاص، ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص، وهو يومئذ مشرك، وعلى بن أبى طالب وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا في الحل،

[ 784 ]

وكان يصلى في الحرم، فلما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وكان الذى حلقه، فيما بلغني، في ذلك اليوم خراش بن أمية ابن الفضل الخزاعى، فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ قال: والمقصرين، فقالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين ؟ قال: لم يشكوا. وقال عبد الله بن أبى نجيح: حدثنى مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لابي جهل، في رأسه برة من فضة، يغيظ بذلك المشركين. قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه ذلك قافلا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح: (إنا فتحنا لك فتحنا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطا مستقيما - 1 و 2 من سورة الفتح). ثم كانت القصة فيه وفى أصحابه، حتى انتهى إلى ذكر البيعة، فقال جل ثناؤه: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله، فسيؤتيه أجرا عظيما - 10 من سورة الفتح). ثم ذكر من تخلف عنه من الاعراب، حين استفزهم (1) للخروج معه


(1) في ا " حين استنفرهم " (*)

[ 785 ]

فأبطئوا عليه: (سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا). ثم القصة عن خبرهم، حتى انتهى إلى قوله: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم، يريدون أن يبدلوا كلام الله، قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل)... ثم القصة عن خبرهم وما عرض عليهم من جهاد القوم أولى البأس الشديد. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى نجيح، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس، قال: فارس. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن الزهري أنه قال: أولو البأس الشديد حنيفة مع الكذاب. ثم قال تعالى: (لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريبا، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان الله عزيزا حكيما، وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها، فعجل لكم هذه، وكف أيدى الناس عنكم، ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما، وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها، وكان الله على كل شئ قديرا - 18 إلى 21 من سورة الفتح). ثم ذكر محبسه وكفه إياه عن القتال، بعد الظفر منه بهم، يعنى النفر الذين أصاب منهم وكفهم عنه، ثم قال تعالى: (وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم، وكان الله بما تعملون بصيرا). ثم قال تعالى: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله 24 و 25 من سورة الفتح). قال ابن هشام: المعكوف: المحبوس، قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: وكأن السموط عكفه السلك بعطفي جيداء أم غزال وهذا البيت في قصيدة له.

[ 786 ]

قال ابن إسحاق: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم)، والمعرة: الغرم، أي أن تصيبوا منهم [ معرة ] بغير علم فتخرجوا ديته، فأما إثم فلم يخشه عليهم. قال ابن هشام: بلغني عن مجاهد أنه قال: نزلت هذه الآية في الوليد ابن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، وأبى جندل ابن سهيل، وأشباههم. قال ابن إسحاق: ثم قال تبارك وتعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية) يعنى سهيل بن عمرو حين حمى أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وأن محمدا رسول الله، ثم قال تعالى: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وألزمهم كلمة النقوي، وكانوا أحق بها وأهلها - 26 من سورة الفتح): أي التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. ثم قال تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون، فعلم ما لم تعلموا - 27 من سورة الفتح): أي لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التى رأى، أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف، يقول: محلقين رؤسكم ومقصرين معه، لا تخافون، فعلم من ذلك ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا، صلح الحديبية. يقول الزهري: فما فتح في الاسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالاسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الاسلام قبل ذلك أو أكثر.

[ 787 ]

قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مئة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. ما جرى عليه أمر قوم من المستضعفين بعد الصلح قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية، وكان ممن حبس بمكة، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، والاخنس ابن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثا رجلا من بنى عامر بن لؤى، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الازهر والاخنس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك، قال يا رسول الله، أتردني إلى المشركين يفتنوننى في دينى ؟ قال: يا أبا بصير، انطلق فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. فانطلق معهما، حتى إذا كان بذى الحليفة، جلس إلى جوار جدار، وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارم سيفك هذا يا أخا بنى عامر ؟ فقال: نعم، قال: أنظر إليه ؟ قال: نغم، إن شئت. قال: فاستله أبو بصير، ثم علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعا، قال: إن هذا لرجل قد رأى فزعا، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ويحك ! مالك ؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي، فو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا بالسيف

[ 788 ]

حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بدينى أن أفتن فيه، أو يعبث بى. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل امه محش حرب لو كان معه رجال ! ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص، من ناحية ذى المروة، على ساحل البحر، بطريق قريش التى كانوا يأخذون [ عليها ] إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي بصير: " ويل امه محش حرب لو كان معه رجال ! " فخرجوا إلى أبى بصير بالعيص، فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلا، وكانوا قد ضيقوا على قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله بأرحامها إلا آواهم، فلا حاجة لهم بهم. فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا عليه المدينة. قال ابن هشام: أبو بصير ثقفي. قال ابن إسحاق: فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبى بصير صاحبهم العامري، أسند ظهره إلى الكعبة، ثم قال: والله لا أوخر ظهرى عن الكعبة حتى يودى هذا الرجل، فقال أبو سفيان بن حرب: والله إن هذا لهو السفه، والله لا يودى [ ثلاثا ] فقال في ذلك موهب بن رباح أبو أنيس، حليف بنى زهرة: - قال ابن هشام: أبو أنيس أشعرى - أتانى عن سهيل ذرو قول * فأيقظني وما بى من رقاد فإن تكن العتاب تريد منى * فعاتبني فما بك من بعاد أتوعدنى وعبد مناف حولي * بمخزوم ألهفا من، تعادى فإن تغمز قناتي لا تجدني * ضعيف العود في الكرب الشداد

[ 789 ]

أسامي الاكرمين أبا بقومي * إذا وطئ الضعيف بهم أرادى هم منعوا الظواهر غير شك * إلى حيث البواطن فالعوادي بكل طمرة وبكل نهد * سواهم قد طوين من الطراد لهم بالخيف قد علمت معد * رواق المجد رفع بالعماد فأجابه عبد الله بن الزبعرى، فقال: وأمسى موهب كحمار سوء * أجاز ببلدة فيها ينادى فإن العبد مثلك لا يناوى * سهيلا، ضل سعيك، من تعادى فأقصر يابن قين السوء عنه * وعد عن المقالة في البلاد ولا تذكر عتاب أبى يزيد * فهيهات البحور من الثماد أمر المهاجرات بعد الهدنة [ قال ابن إسحاق ]: وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط في تلك المدة، فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذى بينه وبين قريش في الحديبية، فلم يفعل، أبى الله ذلك. قال ابن إسحاق: فحدثني الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: دخلت على وهو يكتب كتابا إلى ابن أبى هنيدة، صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لاهن حل نهم، ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا، ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن، ولا تمسكوا بعصم الكوافر - 10 من سورة الممتحنة).

[ 790 ]

قال ابن هشام: واحدة العصم: عصمة، وهى الحبل والسبب. قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: إلى المرء قيس نطيل السرى * ونأخذ من كل حى عصم وهذا البيت في قصيدة له. (واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا، ذلكم حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم). قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السلام، أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الاسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الاسلام، وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم، ذلكم حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم. فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ورد الرجال، وسأل الذى أمره الله به أن يسأل من صدقات النساء من حبسوا منهن، وأن يردوا عليهم مثل الذى يردون عليهم، إن هم فعلوا، ولو لا الذى حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذى كان بينه وبين قريش يوم الحديبية، لامسك النساء، ولم يردد لهن صداقا، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد. قال ابن إسحاق: وسألت الزهري عن هذه الآية، وقول الله عزوجل فيها: (وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا، واتقو الله الذى أنتم به

[ 791 ]

مؤمنون - 11 من سورة الممتحنة)، فقال: يقول: إن فات أحدا منكم أهله إلى الكفار، ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل الذى يأخذون منكم، فعوضوهم من فئ إن أصبتموه، فلما نزلت هذه الآية: " يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات "... إلى قول الله عزوجل: " ولا تمسكوا بعصم الكوافر "، كان ممن طلق عمربن الخطاب، طلق امرأته قريبة بنت أبى أمية بن المغيرة، فتزوجها [ بعده ] معاوية بن أبى سفيان، وهما على شركهما بمكة، وأم كلثوم بنت جرول أم عبيد الله بن عمر الخزاعية، فتزوجها أبو جهم ابن حذيفة بن غانم، رجل من قومه، وهما على شركهما. قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لما قدم المدينة: ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكة آمنا ؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامى هذا ؟ قالوا: لا، قال: فهو كما قال لى جبريل عليه السلام. ذكر المسير إلى خيبر في المحرم سنة سبع قال محمد بن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، وولى تلك الحجة المشركون، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثى، ودفع الراية إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه، وكانت بيضاء. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى، عن أبى الهيثم بن نصر بن دهر الاسلمي أن أباه حدثه: أنه سمع رسول الله صلى الله

[ 792 ]

عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الاكوع، وهو عم سلمة بن عمرو ابن الاكوع، وكان اسم الاكوع سنان: انزل يا بن الاكوع، فخذ لنا من هناتك، قال: فنزل يرتجز برسول صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولاصلينا إنا إذا قوم بغوا علينا * وإن أرادو فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله، فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله يا رسول الله، لو أمتعتنا به ! فقتل يوم خيبر شهيدا، وكان قتله، فيما بلغني، أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل، فكلمه كلما شديدا، فمات منه، فكان المسلمون قد شكوا فيه، وقالوا: إنما قتله سلاحه، حتى سأل ابن أخيه سلمة بن عمرو بن الاكوع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأخبره بقول الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لشهيد، وصلى عليه، فصلى عليه المسلمون. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن عطاء بن أبى مروان الاسلمي، عن أبيه، عن أبى معتب بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لاصحابه، وأنافيهم: قفوا، ثم قال: اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الارضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. قال: وكان يقولها عليه السلام لكل قرية دخلها. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع

[ 793 ]

أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار. فنزلنا خيبر ليلا، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركبنا معه، فركبت خلف أبى طلحة، وإن قدمى لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقبلنا عمال خيبر غادين، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش، قالوا: محمد والخميس معه ! فأدبروا هرابا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، خرجت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قال ابن إسحاق: حدثنا هارون عن حميد، عن أنس بمثله. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر، فبنى له فيها مسجد، ثم على الصهباء، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه، حتى نزل بواد يقال له الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر. وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاموال يأخذها مالا مالا، ويفتتحها حصنا حصنا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود ابن مسلمة، ألقيت عليه منه رحى فقتلته، ثم القموص، حصن بنى أبى الحقيق، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا، منهن صفية بنت حيى بن

[ 794 ]

أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وبنتى عم لها، فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه. وكان دحية بن خليفة الكلبى قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتى عمها، وفشت السبايا من خيبر في المسلمين. وأكل المسلمون لحوم الحمر [ الاهلية ] من حمرها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى الناس عن أمور سماها لهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عمرو بن ضمرة الفزارى عن عبد الله ابن أبى سليط، عن أبيه، قال: أتانا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الانسية، والقدور تفور بها، فكفأناها على وجوهها. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح، عن مكحول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم يومئذ عن أربع: عن إتيان الحبالى من السبايا، وعن أكل الحمار الاهلى، وعن أكل كل ذى ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم. قال ابن إسحاق: وحدثني سلام بن كركرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله الانصاري، ولم يشهد جابر خيبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر، أذن لهم في أكل لحوم الخيل. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب، عن أبى مرزوق مولى تجيب، عن حنش الصنعانى، قال: غزونا مع رويفع بن ثابت الانصاري المغرب، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جربة، فقام فينا خطيبا، فقال:

[ 795 ]

يأيها الناس، إنى لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله فينا يوم خيبر، قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره، يعنى إتيان الحبالى من السبايا، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبى حتى يستبرئها، ولا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، أنه حدث عن عبادة بن الصامت، قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين، وتبر الفضة بالورق العين، وقال: ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين، وتبر الفضة بالذهب العين. قال ابن إسحاق: ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والاموال. فحدثني عبد الله بن أبى بكر انه حدثه بعض أسلم: أن بنى سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: والله يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شئ، فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه، فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدى شئ أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا، فغدا الناس، ففتح الله عليهم عزوجل حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه. قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم

[ 796 ]

ما افتتح، وحاز من الاموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة. قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: يا منصور، أمت أمت. قال ابن إسحاق، فحدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، أخو بنى حارثة، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج مرحب اليهودي من حصنهم، قد جمع سلاحه، يرتجز وهو يقول: قد علمت خيبر أنى مرحب * شاكى السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب * إذا الليوث أقبلت تحرب إن حماى للحمى لا يقرب * يحجم عن صولتي المجرب وهو يقول: من يبارز ؟ فأجابه كعب بن مالك فقال: قد علمت خيبر أنى كعب * مفرج الغمى جرئ صلب إذ شبت الحرب تلتها الحرب * معى حسام كالعقيق عضب نطؤكم حتى يذل الصعب * نعطى الجزاء أو يفئ النهب بكف ماض ليس فيه عتب قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد الانصاري: قد علمت خيبر أنى كعب * وأنني متى تشب الحرب ماض على الهول جرئ صلب * معى حسام كالعقيق عضب بكف ماض ليس فيه عتب * ندككم حتى يذل الصعب قال ابن هشام: ومرحب من حمير. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن سهل، عن جابر بن عبد الله

[ 797 ]

الانصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهذا ؟ قال محمد مسلمة: أنا له يارسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخى بالامس، فقال: فقم إليه. اللهم أعنه عليه. قال: فلما دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذبها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن، ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة، فضربه فاتقاه بالدرقة، فوقع سيفه فيها، فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. قال ابن إسحاق: ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، وهو يقول: من يبارز ؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير بن العوام خرج إلى ياسر، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: يقتل ابني يا رسول الله ! قال: بل ابنك يقتله إن شاء الله، فخرج الزبير فالتقيا، فقتله الزبير. قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة: أن الزبير كان إذا قيل له: والله إن كان سيفك لصارما عضبا، قال: والله ما كان صارما، ولكني أكرهته. قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي، عن أبيه سفيان، عن سلمة بن عمرو بن الاكوع، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضى الله عنه برايته، وكانت بيضاء، فيما قال ابن هشام، إلى بعض حصون خيبر، فقاتل، فرجع ولم يك فتح، وقد جهد، ثم بعث الغد عمربن الخطاب، فقاتل، ثم رجع ولم يك فتح، وقد جهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار. قال: يقول سلمة: فدعا رسول الله صلى الله

[ 798 ]

عليه وسلم عليا رضوان الله عليه، وهو أرمد، فتفل في عينه، ثم قال: خذ هذه الراية، فامض بها حتى يفتح الله عليك. قال: يقول سلمة: فخرج والله بها يأنح، يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودى من رأس الحصن، فقال: من أنت ؟ قال: أنا على بن أبى طالب. قال: يقول اليهودي: علوتم، وما أنزل على موسى، أو كما قال. قال: فما رجع حتى فتح الله على يديه. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبى رافع، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: خرجنا مع على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطاح ترسه من يده، فتناول على عليه السلام بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتنى في نفر سبعة معى، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه. قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان الاسلمي، عن بعض رجال بنى سلمة عن أبى اليسر كعب بن عمرو، قال: والله إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم، ونحن محاصروهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يطعمنا من هذه الغنم ؟ قال أبو اليسر: فقلت: أنايا رسول الله، قال: فافعل، قال: فخرجت أشتد مثل الظليم، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال: اللهم أمتعنا به، قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن، فأخذت شاتين من أخراها، فاحتضنتهما تحت يدى، ثم أقبلت بهما اشتد،

[ 799 ]

كأنه ليس معى شئ، حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذبحوهما فأكلوهما، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلاكا، فكان إذا حدث هذا الحديث بكى، ثم قال: أمتعوا بى، لعمري، حتى كنت من آخرهم هلكا. قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص، حصن بنى أبى الحقيق، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنة حيى بن أخطب، وبأخرى معها، فمر بهما بلال - وهو الذى جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التى مع صفية صاحت، وصكت وجهها، وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعزبوا عنى هذه الشيطانة، وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال، فيما بلغني، حين رأى بتلك اليهودية ما رأى: أنزعت منك الرحمة يا بلال، حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما ؟ وكانت صفية قد رأت في المنام وهى عروس بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا، فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منه، فسألها ما هو ؟ فأخبرته هذا الخبر. بقية أمر خيبر وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بنى النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من يهود، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة:

[ 800 ]

أرأيت إن وجدناه عندك، أأقتلك ؟ قال: نعم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقى، فأبى أن يؤديه، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام، فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره، حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة، سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم، ففعل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الاموال كلها: الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم، إلا ما كان من ذينك الحصنين. فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم، وأن يحقن دماءهم، ويخلوا له الاموال، ففعل، وكان فيمن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود، أخو بنى حارثة فما نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الاموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لانهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنة الحارث، امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدى رسول الله صلى الله عليه

[ 801 ]

وسلم، تناول الذراع، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها، فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك ؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر، قال: فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر من أكلته التى أكل. قال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبى سعيد بن المعلى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذى توفى فيه، ودخلت أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده: يا أم بشر، إن هذا لاوان وجدت فيه انقطاع أبهرى من الاكلة التى أكلت مع أخيك بخيبر، قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من النبوة. قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادى القرى، فحاصر أهله ليالى، ثم انصرف راجعا إلى المدينة. قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد، عن سالم، مولى عبد الله بن مطيع، عن أبى هريرة، قال: فلما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى وادى القرى نزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام له، أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي، ثم الضبينى. قال ابن هشام: جذام، أخو لخم. قال: فو الله إنه ليضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله، فقلنا: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا،

[ 802 ]

والذى نفس محمد بيده، إن شملته الآن لتحترق عليه في النار، كان غلها من فئ المسلمين يوم خيبر. قال: فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لى، قال: فقال: يقد لك مثلهما من النار. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: أصبت من فئ خيبر جراب شحم، فاحتملته على عاتقي إلى رحلى وأصحابي. قال: فلقينى صاحب المغانم الذى جعل عليها، فأخذ بناحيته، وقال: هلم هذا نقسمه بين المسلمين، قال: قلت: لا والله لا أعطيكه، قال: فجعل يجابذني الجراب. قال: فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك. قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا، ثم قال لصاحب المغانم: لا أبالك، خل بينه وبينه. قال: فأرسله، فانطلقت به إلى رحلى وأصحابي، فأكلناه. قال ابن إسحاق: ولما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بخيبر أو ببعض الطريق - وكانت التى جملتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان، أم أنس بن مالك - فبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد، أخو بنى النجار متوشحا سيفه، يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطيف بالقبة، حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى مكانه قال: مالك يا أبا أيوب ؟ قال: يا رسول الله، خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني. قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، فكان ببعض الطريق، قال

[ 803 ]

من آخر الليل: من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام ؟ قال بلال: أنا يا رسول الله أحفظه عليك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلى، فصلى ما شاء الله عزوجل أن يصلى، ثم استند إلى بعيره، واستقبل الفجر يرمقه، فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مس الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أصحابه هب، فقال ماذا صنعت بنايا بلال ؟ قال: يا رسول الله، أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك، قال: صدقت، ثم اقتاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره غير كثير، ثم أناخ فتوضأ، وتوضأ الناس. ثم أمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فلما سلم أقبل على الناس فقال: " إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله تبارك وتعالى يقول: (وأقم الصلاة لذكرى 14 من سورة طه) ". قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - قد أعطى ابن لقيم العبسى - حين افتتح خيبر - ما بها من دجاجة أو داجن، وكان فتح خيبر في صفر، فقال ابن لقيم العبسى في خيبر: رميت نطاة من الرسول بفيلق * شهباء ذات مناكب وفقار واستيقنت بالذل لما شيعت * ورجال أسلم وسطها وغفار صبحت بنى عمرو بن زرعة غدوة * والشق أظلم أهله بنهار جرت بأبطحها الذيول فلم تدع * إلا الدجاج تصيح في الاسحار ولكل حصن شاغل من خيلهم * من عبد أشهل أو بنى النجار ومهاجرين قد اعلموا سيماهم * فوق المغافر لم ينوا لفرار ولقد علمت ليغلبن محمد * وليثوين بها إلى أصفار فرت يهود يوم ذلك في الوغى * تحت العجاج غمائم الابصار قال ابن هشام: فرت: يريد كشفت الجفون عن العيون.

[ 804 ]

قال ابن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء من نساء العالمين، فرضخ لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفئ، ولم يضرب لهن بسهم. قال ابن إسحاق: حدثنى سليمان بن سحيم، عن أمية بن أبى الصلت، عن امرأة من بنى غفار، قد سماها لى، قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بنى غفار، فقلنا: يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا، وهو يسير إلى خيبر، فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: على بركة الله، قالت: فخرجنا معه، وكنت جارية حدثة، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله، قالت: فو الله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وأناخ، ونزلت عن حقيبة رحله، وإذا بها دم منى، وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بى ورأى الدم، قال: مالك ؟ لعلك نفست، قالت: قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذى إناء من ماء، فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك. قالت: فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، رضخ لنا من الفئ، وأخذ هذه القلادة التى ترين في عنقي فأعطانيها، وعلقها بيده في عنقي، فو الله لا تفارقني أبدا. قالت: فكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها. قالت: وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحا، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت. قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من استشهد بخيبر من المسلمين، من قريش،

[ 805 ]

ثم من بنى أمية بن عبد شمس، ثم من حلفائهم: ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن لكيز (1) بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد، وثقف بن عمرو، ورفاعة بن مسروح. ومن بنى أسد بن عبد العزى: عبد الله بن الهبيب، ويقال: ابن الهبيب، - قال ابن هشام: ابن أهيب - بن سحيم بن غيرة، من بنى سعد بن ليث، حليف لبنى أسد، وابن أختهم. ومن الانصار ثم من بنى سلمة: بشر بن البراء بن معرور، مات من الشاة التى سم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضيل بن النعمان. رجلان. ومن بنى زريق: مسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق. ومن الاوس ثم من بنى عبد الاشهل: محمود بن مسلمة بن خالد بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث، حليف لهم من بنى حارثة. ومن بنى عمرو بن عوف: أبو ضياح بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف، والحارث بن حاطب، وعروة بن مرة ابن سراقة، وأوس بن القائد، وأنيف بن حبيب، وثابت بن أثلة، وطلحة. ومن بنى غفار: عمارة بن عقبة، رمى بسهم. ومن أسلم: عامر بن الاكوع، والاسود الراعى، وكان اسمه أسلم قال ابن هشام: الاسود الراعى من أهل خيبر. وممن استشهد بخيبر فيما ذكر ابن شهاب الزهري، من بنى زهرة: مسعود بن ربيعة، حليف لهم من القارة. ومن الانصار من بنى عمرو بن عوف: أوس بن قتادة.


(1) في ب " بكير ". (*)

[ 806 ]

أمر الاسود الراعى في حديث خيبر قال ابن إسحاق: وكان من حديث الاسود الراعى - فيما بلغني - أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم له، كان فيها أجيرا لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض على الاسلام، فعرضه عليه، فأسلم - وكان رسول الله صلى الله وسلم لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الاسلام، ويعرضه عليه - فلما أسلم قال: يا رسول الله، إنى كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهى أمانة عندي، فكيف أصنع بها ؟ قال: اضرب في وجوهها، فانها سترجع إلى ربها - أو كما قال - فقام الاسود، فأخذ حفنة من الحصى (1)، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة، كأن سائقا يسوقها، حتى دخلت الحصن، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع خلفه، وسجى بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه نفر من أصحابه، ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه ؟ قال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين. قال ابن إسحاق: وأخبرني عبد الله بن أبى نجيح أنه ذكر له: أن الشهيد إذا ما أصيب تدلت [ له ] زوجتاه من الحور العين، تنفضان التراب عن وجهه، وتقولان: ترب الله وجه من تربك، وقتل من قتلك. أمر الحجاج بن علاط السلمى قال ابن إسحاق: ولما فتحت خيبر، كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمى ثم البهزى، فقال: يارسول الله، إن لى بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبى طلحة - وكانت عنده، له منها معرض بن الحجاج -


(1) في ا " من الحصباء ". (*)

[ 807 ]

ومال متفرق في تجار أهل مكة، فأذن لى يا رسول الله، فأذن له، قال: إنه لابد لى يا رسول الله من أن أقول، قال: قل، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش بتسمعون الاخبار، ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز، ريفا ومنعة ورجالا، فهم يتحسسون الاخبار، ويسألون الركبان، فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط - قال: ولم يكونوا علموا بإسلامى - عنده والله الخبر، أخبرنا يا أبا محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهى بلد يهود وريف الحجاز، قال: قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم، قال: فالتبطوا بجنبى ناقتي يقولون: إيه يا حجاج، قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم، قال: فقاموا وصاحوا بمكة، وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم، فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالى بمكة وعلى غرمائي، فإنى أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى ما هنالك. قال ابن هشام: ويقال: من فئ محمد. قال ابن إسحاق: قال: فقاموا فجمعوا لى مالى كأحث جمع سمعت به. قال: وجئث صاحبتي فقلت: مالى، وقد كان لى عندها مال موضوع، لعلى ألحق بخيبر، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقنى التجار، قال: فلما سمع العباس ابن عبد المطلب الخبر، وجاءه عنى، أقبل حتى وقف إلى جنبى وأنا في خيمة من خيام التجار، فقال: يا حجاج، ما هذا الخبر الذى جئت به ؟ قال: فقلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك ؟ قال: نعم، قال: قلت: فاستأخر عنى حتى ألقاك على خلاء، فإنى في جمع مالى كما ترى، فانصرف عنى حتى أفرغ. قال:

[ 808 ]

حتى إذا فرغت من جمع كل شئ كان لى بمكة، وأجمعت الخروج، لقيت العباس، فقلت: احفظ على حديثى يا أبا الفضل، فإنى أخشى الطلب، ثلاثا، ثم قل ما شئت، قال: أفعل، قلت: فإنى والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم، يعنى صفية بنت حيى، ولقد افتتح خيبر، وانتثل ما فيها، وصارت له ولاصحابه، فقال: ما تقول يا حجاج ؟ قال: قلت: إى والله، فاكتم عنى، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالى، فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك، فهو والله على ما تحب، قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له، وتخلق، وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة، فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة، قال: كلا، والله الذى حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولاصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر ؟ قال: الذى جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما، فأخذ ماله، فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه، فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله ! انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، قال: ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك. قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم خيبر قول حسان ابن ثابت: بئسما قاتلت خيابر عما * جمعوا من مزارع ونخيل كرهوا الموت فاستبيح حماهم * وأقروا، فعل اللئيم الذليل أمن الموت يهربون فإن الموت * موت الهزال غير جميل وقال حسان بن ثابت أيضا، وهو يعذر أيمن بن أم أيمن بن عبيد، وكان قد تخلف عن خيبر، وهو من بنى عوف بن الخزرج، وكانت أمه

[ 809 ]

أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهى أم أسامة بن زيد، فكان أخا أسامة لامه: على حين أن قالت لايمن أمه * جبنت ولم تشهد فوارس خيبر وأيمن لم يجبن، ولكن مهره * أضر به شرب المديد المخمر ولولا الذى قد كان من شأن مهره * لقاتل فيهم فارسا غير أعسر ولكنه قد صده فعل مهره * وما كان منه عنده غير أيسر قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد هذه الابيات لكعب بن مالك، وأنشدني: ولكنه قد صده شأن مهره * وما كان لولا ذاكم بمقصر قال ابن إسحاق: وقال ناجية بن جندب الاسلمي: يا لعباد لله فيم يرغب * ما هو إلا مأكل ومشرب وجنة فيها نعيم معجب وقال ناجية بن جندب الاسلمي [ أيضا ]: أنا لمن أنكرني ابن جندب * يا رب قرن في مكرى أنكب طاح بمغدى أنسر وثعلب قال ابن هشام: وأنشدني بعض الرواة للشعر قوله: " في مكرى "، و " طاح بمغدى ". وقال كعب بن مالك في يوم خيبر، فيما ذكر ابن هشام، عن أبى زيد الانصاري: ونحن وردنا خيبرا وفروضه * بكل فتى عارى الاشاجع مذود جواد لدى الغايات لاواهن القوى * جرئ على الاعداء في كل مشهد

[ 810 ]

عظيم رماد القدر في كل شتوة * ضروب بنصل المشرفى المهند يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة * من الله يرجوها وفوزا بأحمد يذود ويحمى عن ذمار محمد * ويدفع عنه باللسان وباليد وينصره من كل أمر يريبه * يجود بنفس دون نفس محمد يصدق بالانباء بالغيب مخلصا * يربد بذاك الفوز والعز في غد ذكر مقاسم خيبر وأموالها قال ابن إسحاق: وكانت المقاسم على أموال خيبر، على الشق ونطاة والكتيبة، فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم ذوى القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وطعم رجال مشوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل فدك بالصلح، منهم محيصة بن مسعود، أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثلاثين وسقا من شعير، وثلاثين وسقا من تمر، وقسمت خيير على أهل الحديبية: من شهد خيبر، ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها، وكان وادياها، وادى السرير، ووادى خاص، وهما اللذان قسمت عليهما خيبر، وكانت نطاة والشق ثمانية عشر سهما، نطاة من ذلك خمسة أسهم، والشق ثلاثة عشر سهما، وقسمت الشق ونطاة على ألف سهم، وثمان مئة سهم. وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف سهم وثمان مئة سهم، برجالهم وخيلهم، الرجال أربع عشرة مئة، والخيل مئتا فرس، فكان لكل فرس سهمان، ولفارسه سهم، وكان لكل راجل سهم، فكان لكل سهم رأس جمع إليه مئة رجل، فكانت ثمانية عشر سهما جمع.

[ 811 ]

قال ابن هشام: وفى يوم خيبر عرب رسول الله صلى الله عليه وسلم العربي من الخيل، وهجن الهجين. قال ابن إسحاق: فكان على بن أبى طالب رأسا، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدى، أخو بنى العجلان، وأسيد بن حضير، وسهم الحارث بن الخزرج، وسهم ناعم، وسهم بنى بياضة، وسهم بنى عبيد، وسهم بنى حرام من بنى سلمة وعبيد السهام. قال ابن هشام: وإنما قيل له عبيد السهام لما اشترى من السهام يوم خيبر، وهو عبيد بن أوس، أحد بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الاوس. قال ابن إسحاق: وسهم ساعدة، وسهم غفار وأسلم، وسهم النجار، وسهم حارثة، وسهم أوس. فكان أول سهم خرج من خيبر بنطاة سهم الزبير ابن العوام، وهو الخوع، وتابعه السرير، ثم كان الثاني سهم بياضة، ثم كان الثالث سهم أسيد، ثم كان الرابع سهم بنى الحارث بن الخزرج، ثم كان الخامس سهم ناعم لبنى عوف بن الخزرج ومزينة وشركائهم، وفيه قتل محمود بن مسلمة، فهذه نطاة. ثم هبطوا إلى الشق، فكان أول سهم خرج منه سهم عاصم بن عدى، أخى بنى العجلان، ومعه كان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سهم عبد الرحمن بن عوف، ثم سهم ساعدة، ثم سهم النجار، ثم سهم على بن أبى طالب رضوان الله عليه، ثم سهم طلحة بن عبيد الله، ثم سهم غفار وأسلم، ثم سهم عمر بن الخطاب، ثم سهما سلمة بن عبيد وبنى حرام، ثم سهم حارثة، ثم سهم عبيد السهام، ثم سهم أوس، وهو سهم اللفيف، جمعت إليه جهينة ومن حضر خيبر من سائر العرب، وكان حذوه سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى كان أصابه في سهم عاصم بن عدى.

[ 812 ]

ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتيبة - وهى وادى خاص - بين قرابته وبين نسائه، وبين رجال من المسلمين ونساء أعطاهم منها، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابنته متئى وسق، ولعلى بن أبى طالب مئة وسق، ولاسامة بن زيد مئتى وسق، وخمسين وسقا من نوى، ولعائشة أم المؤمنين مئتى وسق، ولابي بكر بن أبى قحافة مئة وسق، ولعقيل بن أبى طالب مئة وسق وأربعين وسقا، ولبنى جعفر خمسين وسقا، ولربيعة بن الحارث مئة وسق، وللصلت بن مخرمة وابنيه مئة وسق، للصلت منها أربعون وسقا، ولابي نبقة خمسين وسقا، ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا، ولقيس بن مخرمة ثلاثين وسقا، ولابي القاسم بن مخرمة أربعين وسقا، ولبنات عبيدة بن الحارث وابنة الحصين بن الحارث مئة وسق، ولبنى عبيد بن عبد يزيد ستين وسقا، ولابن أوس بن مخرمة ثلاثين وسقا، ولمسطح بن أثاثه وابن إلياس خمسين وسقا، ولام رميثة أربعين وسقا، ولنعيم بن هند ثلاثين وسقا، ولبحينة بنت الحارث ثلاثين وسقا، ولعجيربن عبد يزيد ثلاثين وسقا، ولام حكيم [ بنت الزبين بن عبد المطلب ] ثلاثين وسقا، ولجمانة بنت أبى طالب ثلاثين وسقا، ولام الارقم خمسين وسقا، ولعبد الرحمن بن أبى بكر أربعين وسقا، ولحمنة بنت جحش ثلاثين وسقا، ولام الزبير أربعين وسقا، ولضباعة بنت الزبير أربعين وسقا، ولابن أبى خنيس ثلاثين وسقا، ولام طالب أربعين وسقا، ولابي بصرة عشرين وسقا، ولنميلة الكلبى خمسين وسقا، ولعبد الله ابن وهب وابنيه تسعين وسقا، لابنيه منها أربعين وسقا، ولام حبيب بنت جحش ثلاثين وسقا، ولملكوبن عبدة ثلاثين وسقا، ولنسائه صلى الله عليه وسلم سبع مئة وسق. [ قال ابن هشام: قمح وشعير وتمر ونوى وغير ذلك، قسمه على قدر حاجتهم وكانت الحاجة في بنى عبد المطلب أكثر، ولهذا أعطاهم أكثر ].

[ 813 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر ما أعطى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه من قمح خيبر: قسم لهن مئة وسق وثمانين وسقا، ولفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وثمانين وسقا، ولاسامة بن زيد أربعين وسقا، وللمقداد بن الاسود خمسة عشر وسقا، ولام رميثة خمسة أوسق. شهد عثمان بن عفان وعباس وكتب. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: لم يوص رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته إلا بثلاث، أوصى للرهاويين بجاد مئة وسق من خيبر، وللداريين بجاد مئة وسق من خيبر، وللسبائيين بجاد مئة وسق من خيبر وللاشعريين بجاد مئة وسق من خيبر. وأوصى بتنفيذ بعث أسامة بن زيد بن حارثة، وألا يترك بجزيرة العرب دينان. أمر فدك في خبر خيبر قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك - حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر - فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر، أو بالطائف، أو بعد ما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة، لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

[ 814 ]

تسمية النفر الداريين الذين أوصى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وهم بنو الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، الذين ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام: تميم بن أوس، ونعيم بن أوس أخوه، ويزيد بن قيس، وعرفة بن مالك، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن. قال ابن هشام: ويقال: عزة بن مالك، وأخوه مران بن مالك. قال ابن هشام: مروان بن مالك. قال ابن إسحاق: وفاكه بن نعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند بن بر، وأخو الطيب بن بر، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثني عبد الله بن أبى بكر - يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود، فيخرص عليهم، فإذا قالوا: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السموات والارض. وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا، ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله، فكان جبار بن صخر بن أمية بن خنساء، أخو بنى سلمة، هو الذى يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة. فأقامت يهود على ذلك، لا يرى بهم المسلمون بأسافى معاملتهم، حتى عدوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن سهل، أخى بنى حارثة، فقتلوه، فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عليه. قال ابن إسحاق: فحدثني الزهري عن سهل بن أبى حثمة، وحدثني أيضا

[ 815 ]

بشير بن يسار، مولى بنى حارثة، عن سهل بن أبى حثمة، قال: أصيب عبد الله بن سهل بخيبر، وكان خرج إليها في أصحاب له يمتار منها تمرا، فوجد في عين قد كسرت عنقه، ثم طرح فيها، قال: فأخذوه فغيبوه، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له شأنه، فتقدم إليه أخوه عبد الرحمن ابن سهل، ومعه ابنا عمه حويصة ومحيصة ابنا مسعود، وكان عبد الرحمن من أحدثهم سنا، وكان صاحب الدم، وكان ذا قدم في القوم، فلما تكلم قبل ابني عمه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكبر الكبر. قال ابن هشام: ويقال: كبر كبر - فيما ذكر مالك بن أنس - فسكت، فتكلم حويصة ومحيصة، ثم تكلم هو بعد، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قتل صاحبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتسمون قاتلكم، ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فنسلمه إليكم ؟ قالوا: يا رسول الله، ما كنا لنحلف على ما لا نعلم، قال: أفيحلفون بالله [ لكم ] خمسين يمينا ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا ثم يبرءون من دمه ؟ قالوا: يا رسول الله، ما كنا لنقبل أيمان يهود، ما فيهم من الكفر أعظم من أن يحلفوا على إثم. قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده مئة ناقة. قال سهل: فوالله ما أنسى بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى، عن عبد الرحمن بن بجيد بن قيظى، أخى بنى حارثة، قال محمد بن إبراهيم: وايم الله، ما كان سهل بأكثر علما منه، ولكنه كان أسن منه، إنه قال له: والله ما هكذا كان الشأن ! ولكن سهلا أوهم، ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، احلفوا على مالا علم لكم به، ولكنه كتب إلى يهود خيبر حين كلمته الانصار: إنه قد وجد قتيل بين أبياتكم فدوه، فكتبوا إليه

[ 816 ]

يحلفون بالله ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا. فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده. قال ابن إسحاق: وحدثني عمرو بن شعيب مثل حديث عبد الرحمن بن بجيد، إلا أنه قال في حديثه: دوه أو ائذنوا بحرب. فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده. قال ابن إسحاق: وسألت ابن شهاب الزهري: كيف كان إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخلهم، حين أعطاهم النخل على خرجها، أبت ذلك لهم حتى قبض، أم أعطاهم إياها للضرورة من غير ذلك ؟ فأخبرني ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء الله عزوجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن شئتم دفعت إليكم هذه الاموال على أن تعملوها، وتكون ثمارها بيننا وبينكم، وأقركم ما أقركم الله، فقبلوا، فكانوا على ذلك يعملونها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة، فيقسم ثمرها، ويعدل عليهم في الخرص، فلما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، أقرها أبو بكر - رضى الله تعالى عنه - بعد رسول صلى الله عليه وسلم بأيديهم، على المعاملة التى عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى توفى، ثم أقرها عمر رضى الله عنه صدرا من إمارته. ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذى قبضه الله فيه: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، ففحص عمر ذلك، حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود، فقال: إن الله عزوجل قد أذن في جلائكم، قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليأتني به أنفذه

[ 817 ]

له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول صلى الله عليه وسلم من اليهود فليتجهز للجلاء، فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم قال ابن إسحاق: وحدثني نافع، مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر قال: خرجت أنا والزبير بن العوام والمقداد بن الاسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا، قال: فعدى على تحت الليل، وأنا نائم على فراشي، ففدعت يداى من مرفقي، فلما أصبحت استصرخ على صاحباى، فأتيانى فسألاني: من صنع هذا بك ؟ فقلت: لا أدرى، قال: فأصلحا من يدى، ثم قدما بى على عمر رضى الله عنه، فقال: هذا عمل يهود، ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر، ففدعوا يديه، كما قد بلغكم، مع عدوهم على الانصاري قبله، لا نشك أنهم أصحابه، ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإنى مخرج يهود، فأخرجهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر، عن عبد الله بن مكنف أخى بنى حارثة، قال: لما أخرج عمر يهود من خيبر ركب في المهاجرين والانصار، وخرج معه جبار بن صخر بن أمية بن خنساء، أخو بنى سلمة، وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم، ويزيد بن ثابت، وهما قسما خيبر بين أهلها، على أصل جماعة السهمان، التى كانت عليها. وكان ما قسم عمر بن الخطاب من وادى القرى، لعثمان بن عفان خطر، ولعبد الرحمن بن عوف خطر، ولعمر بن أبى سلمة خطر، ولعامر بن أبى ربيعة خطر، ولعمرو بن سراقة خطر، ولاشيم خطر. قال ابن هشام: ويقال: ولاسلم ولبنى جعفر خطر. ولمعيقيب خطر، ولعبد الله بن الارقم خطر، ولعبد الله وعبيد الله

[ 818 ]

خطران، ولابن عبد الله بن جحش خطر، ولابن البكير خطر، ولمعتمر خطر، ولزيد بن ثابت خطر، ولابي بن كعب خطر، ولمعاذ بن عفراء خطر، ولابي طلحة وحسن خطر، ولجبار بن صخر خطر، ولجابر بن عبد الله بن رئاب خطر، ولمالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله بن عمرو خطر، ولابن حضير خطر ولابن سعد بن معاذ خطر، ولسلمة بن سلامة خطر، ولعبد الرحمن بن ثابت وأبى شريك خطر، ولابي عبس بن جبر خطر، ولمحمد بن مسلمة خطر، ولعبادة بن طارق خطر. قال ابن هشام: ويقال: لقتادة. قال ابن إسحاق: ولجبر بن عتيك نصف خطر، ولابني الحارث بن قيس نصف خطر، ولا بن حزمة والضحاك خطر. فهذا ما بلغنا من أمر خيبر ووادى القرى ومقاسمهما. قال ابن هشام: الخطر: النصيب. يقال: أخطر لى فلان خطرا. ذكر قدوم جعفر بن أبى طالب من الحبشة وحديث المهاجرين إلى الحبشة قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عينية عن الاجلح، عن الشعبى: أن جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه، والتزمه وقال: ما أدرى بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر ؟ قال ابن إسحاق: وكان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمرى، فحملهم في سفينتين، فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية.

[ 819 ]

من بنى هاشم بن عبد مناف: جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب، ومعه امرأته أسماء بنت عميس الخثعمية، وابنه عبد الله بن جعفر، وكانت ولدته بأرض الحبشة. قتل جعفر بمؤتة من أرض الشام أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رجل. ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، ومعه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد - قال ابن هشام: ويقال: همينة بنت خلف - وابناه سعيد بن خالد، وأمة بنت خالد، ولدتهما بأرض الحبشة. قتل خالد بمرج الصفر في خلافة أبى بكر الصديق بأرض الشام، وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص، ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث الكنانى، هلكت بأرض الحبشة. قتل عمرو بأجنادين من أرض الشام في خلافة أبى بكر رضى الله عنه. ولعمرو بن سعيد يقول أبوه سعيد بن العاص أبو أحيحة: ألا ليت شعرى عنك يا عمرو سائلا * إذا شب واشتدت يداه وسلحا أتترك أمر القوم فيه بلابل * وتكشف غيظا كان في الصدر موجحا ولعمرو وخالد يقول أخوهما أبان بن سعيد بن العاص، حين أسلما، وكان أبوهم سعيد بن العاص هلك بالظريبة، من ناحية الطائف، هلك في مال له بها: ألا ليت ميتا بالظريبة شاهد * لما يفترى في الدين عمرو وخالد أطاعا بنا أمر النساء فأصبحا * يعينان من أعدائنا من نكايد فأجابه خالد بن سعيد، فقال: أخى ما أخى لا شاتم أنا عرضه * ولا هو عن سوء المقالة مقصر يقول إذا اشتدت عليه أموره: * ألا ليت ميتا بالظريبة ينشر فدع عنك ميتا قد مشى لسبيله * وأقبل على الادنى الذى هو أفقر ومعيقيب بن أبى فاطمة، خازن عمر بن الخطاب على بيت مال المسلمين، وكان

[ 820 ]

إلى آل سعيد بن العاص، وأبو موسى الاشعري عبد الله بن قيس، حليف آل عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أربعة نفر. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: الاسود بن نوفل بن خويلد. رجل. ومن بنى عبدالدار بن قصى: جهم بن قيس بن عبد شرحبيل، ومعه ابناه: عمرو بن جهم، وخزيمة بن جهم، وكانت معه امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود، هلكت بأرض الحبشة، وابناه لها. رجل. ومن بنى زهرة بن كلاب: عامر بن أبى وقاص، وعتبة بن مسعود، حليف لهم من هذيل. رجلان. ومن بنى تيم بن مرة بن كعب: الحارث بن خالد بن صخر، وقد كانت معه امرأته ريطه بنت الحارث بن جبيلة، هلكت بأرض الحبشة. رجل. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن ربيعة بن أهبان. رجل. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: محمية بن الجزء، حليف لهم من بنى زبيد، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله على خمس المسلمين، رجل. ومن بنى عدى بن كعب بن لؤى: معمر بن عبد الله بن نضلة. رجل. ومن بنى عامر بن لؤى بن غالب: أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس، معه امرأته عمرة بنت السعدى بن وقدان بن عبد شمس. رجلان. ومن بنى الحارث بن فهر بن مالك: الحارث بن عبد قيس بن لقيط رجل. وقد كان حمل معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك هنالك من المسلمين.

[ 821 ]

فهؤلاء الذين حمل النجاشي مع عمرو بن أمية الضمرى في السفينتين، فجميع من قدم في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر رجلا. وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة، ولم يقدم إلا بعد بدر، ولم يحمل النجاشي في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قدم بعد ذلك، ومن هلك بأرض الحبشة، من مهاجرة الحبشة. من بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: عبيد الله بن جحش بن رئاب الاسدي، أسد خزيمة، حليف بنى أمية بن عبد شمس، معه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان، وابنته حبيبة بنت عبيدالله، وبها كانت تكنى أم حبيبة بنت أبى سفيان، وكان اسمها رملة خرج مع المسلمين مهاجرا، فلما قدم أرض الحبشة تنصر بها وفارق الاسلام، ومات هنالك نصرانيا، فخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته من بعده أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلما، فلما قدم أرض الحبشة تنصر، قال: فكان إذا مر بالمسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقحنا وصأصأتم، أي قد أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروابعد وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صأصأ قبل ذلك، فضرب ذلك له ولهم مثلا: أي أنا فتحنا أعيننا فأبصرنا، ولم تفتحوا أعينكم فتبصروا، وأنتم تلتمسون ذلك. قال ابن إسحاق: وقيس بن عبد الله، رجل من بنى أسد بن خزيمة، وهو أبو أمية بنت قيس التى كانت مع أم حبيبة، وامرأته بركة بنت يسار، مولاة أبى سفيان بن حرب، كانتا ظئرى عبيد الله بن جحش وأم حبيبة بنت

[ 822 ]

أبى سفيان، فخرجا بهما معهما حين هاجرا إلى أرض الحبشة. رجلان. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: يزيد بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد، قتل يوم حنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، هلك بأرض الحبشة. رجلان. ومن بنى عبد الدار بن قصى: أبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبدالدار، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار. رجلان. ومن بنى زهرة بن كلاب بن مرة: المطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد [ بن ] الحارث بن زهرة، معه امرأته رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، هلك بأرض الحبشة، ولدت له هنالك عبد الله بن المطلب، فكان يقال: إن كان لاول رجل ورث أباه في الاسلام. رجل. ومن بنى تيم بن مرة بن كعب بن لؤى: عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، قتل بالقادسية مع سعد بن أبى وقاص. رجل. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب: هبار بن سفيان بن عبد الاسد، قتل بأجنادين من أرض الشام، في خلافة أبى بكر رضى الله عنه، وأخوه عبد الله بن سفيان، قتل عام اليرموك بالشام، في خلافة عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، يشك فيه أقتل ثم أم لا، وهشام بن [ أبى ] حذيفة ابن المغيرة، ثلاثة نفر ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وابناه محمد والحارث، معه امرأته [ فاطمة ] بنت المجلل. هلك حاطب هنالك مسلما، فقدمت امرأته وابناه، وهى أمهما، في إحدى السفينتين، وأخوه حطاب بن الحارث، معه امرأته

[ 823 ]

فكيهة بنت يسار، هلك هنالك مسلما، فقدمت امرأته فكيهة في إحدى السفينتين، وسفيان بن معمر بن حبيب، وابناه جنادة وجابر، وأمهما معه حسنة، وأخوهما لامهما شرحبيل بن حسنة، وهلك سفيان وهلك ابناه جنادة وجابر في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه. ستة نفر. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعيد (1) بن سهم الشاعر، هلك بأرض الحبشة، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم، وأبو قيس بن الحارث بن قيس ابن عدى بن سعيد بن سهم، قتل يوم اليمامة في خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وعبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم، وهو رسول [ رسول ] الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، والحارث بن الحارث ابن قيس بن عدى، ومعمر بن الحارث بن قيس بن عدى، وبشر بن الحارث بن قيس بن عدى، وأخ له من أمه من بنى تميم، يقال له: سعيد بن عمرو، قتل بأجنادين في خلافة أبى بكر رضى الله عنه، وسعيد بن الحارث بن قيس، قتل عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، والسائب ابن الحارث بن قيس، جرح بالطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل يوم فحل في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ويقال: قتل يوم خيبر، يشك فيه، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد بن سهم. قتل بعين التمر مع خالد بن الوليد، منصرفه من اليمامة، في خلافة أبى بكر رضى الله عنه. أحد عشر رجلا. ومن بنى عدى بن كعب [ بن لؤى ]: عروة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب، هلك بأرض الحبشة، وعدى بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان، هلك بأرض الحبشة. رجلان.


(1) في ب " سعد بن سهم " في كل هذه الاعلام. (*)

[ 824 ]

وقد كان مع عدى ابنه النعمان بن عدى، فقدم النعمان مع من قدم من المسلمين من أرض الحبشة، فبقى حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب، فاستعمله على ميسان، من أرض البصرة، فقال أبياتا من شعر، وهى: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها * بميسان يسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قرية * ورقاصة تجذو على كل منسم فإن كنت ندمانى فبالا كبراسقنى * ولا تسقنى بالاصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءه * تنادمنا في الجوسق المتهدم فلما بلغت أبياته عمر، قال: نعم والله، إن ذلك ليسوءني، فمن لقيه فليخبره أنى قد عزلته، وعزله. فلما قدم عليه اعتذر إليه وقال: والله يا أمير المؤمنين، ما صنعت شيئا مما بلغك أنى قلته قط، ولكني كنت امرأ شاعرا، وجدت فضلا من قول، فقلت فيما تقول الشعراء، فقال له عمر: وايم الله، لا تعمل لى على عمل ما بقيت، وقد قلت ما قلت. ومن بنى عامر بن لؤى بن غالب بن فهر: سليط بن عمرو بن عبد شمس ابن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل [ بن عامر ]، وهو كان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن على الحنفي باليمامة. رجل. ومن بنى الحارث بن فهر بن مالك: عثمان بن عبد غنم بن زهير بن أبى شداد، وسعد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث ابن فهر، وعياض بن زهير بن أبى شداد. ثلاثة نفر. فجميع من تخلف عن بدر، ولم يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ومن قدم بعد ذلك، ومن لم يحمل النجاشي في السفينتين، أربعة وثلاثون رجلا. وهذه تسمية [ جملة ] من هلك منهم ومن أبنائهم بأرض الحبشة.

[ 825 ]

من بنى عبد شمس بن عبد مناف: عبيد الله بن جحش بن رئاب، حليف بنى أمية، مات بها نصرانيا. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: عمرو بن أمية بن الحارث ابن أسد. ومن بنى جمح: حاطب بن الحارث، وأخوه حطاب بن الحارث. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: عبد الله بن الحارث ابن قيس. ومن بنى عدى بن كعب بن لؤى: عروة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف، وعدى بن نضلة. سبعة نفر. ومن أبنائهم، من بنى تيم بن مرة: موسى بن الحارث بن خالد بن صخر ابن عامر. رجل. وجميع من هاجر إلى أرض الحبشة من النساء، من قدم منهن ومن هلك هنالك ست عشرة امرأة، سوى بناتهن اللاتى ولدن هنالك، من قدم منهن ومن هلك هنالك، ومن خرج به معهن حين خرجن. من قريش، من بنى هاشم: رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن بنى أمية: أم حبيبة بنت أبى سفيان، معها ابنتها حبيبة، خرجت بها من مكة، ورجعت بها معها. ومن بنى مخزوم: أم سلمة بنت أبى أمية، قدمت معها بزينب ابنتها من أبى سلمة، ولدتها هنالك. ومن بنى تيم بن مرة: ريطة بنت الحارث بن جبيلة، هلكت بالطريق، وبنتان لها كانت ولدتهما هنالك: عائشة بنت الحارث، وزينب بنت الحارث، هلكن جميعا، وأخوهن موسى بن الحارث، من ماء شربوه في الطريق،

[ 826 ]

وقدمت بنت لها ولدتها هنالك، فلم يبق من ولدها غيرها، يقال لها فاطمة. ومن بنى سهم بن عمرو: رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة. ومن بنى عدى بن كعب ليلى بنت أبى حثمة بن غانم. ومن بنى عامر بن لؤى: سودة بنت زمعة بن قيس، وسهلة بنت سهيل ابن عمرو، وابنة المجلل، وعمرة بنت السعدى بن وقدان، وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو. ومن غرائب العرب: أسماء بنت عميس بن النعمان الخثعمية، وفاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث الكنانية، وفكيهة بنت يسار، وبركة بنت يسار، وحسنة، أم شرحبيل بن حسنة. وهذه تسمية من ولد من أبنائهم بأرض الحبشة. من بنى هاشم: عبد الله بن جعفر بن أبى طالب. ومن بنى عبد شمس: محمد بن أبى حذيفة، وسعيد بن خالد بن سعيد، وأخته أمة بنت خالد. ومن بنى مخزوم: زينب بنت أبى سلمة بن عبد الاسد. ومن بنى زهرة: عبد الله بن المطلب بن أزهر. ومن بنى تيم: موسى بن الحارث بن خالد، وأخواته: عائشة بنت الحارث، وفاطمة بنت الحارث، وزينب بنت الحارث. الرجال منهم خمسة: عبد الله بن جعفر، ومحمد بن أبى حذيفة، وسعيد بن خالد، وعبد الله بن المطلب، وموسى بن الحارث. ومن النساء خمس: أمة بنت خالد، وزينب بنت أبى سلمة، وعائشة وزينب وفاطمة، بنات الحارث بن خالد بن صخر.

[ 827 ]

عمرة القضاء في ذى القعدة سنة سبع قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهرى ربيع وجماديين ورجبا وشعبان ورمضان وشوالا، يبعث فيما بين ذلك من غزوه وسراياه صلى الله عليه وسلم. ثم خرج في ذى القعدة في الشهر الذى صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء، مكان عمرته التى صدوه عنها. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عويف بن الاضبط الديلى. ويقال لها عمرة القصاص، لانهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة في الشهر الحرام من سنة ست، فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فدخل مكة في ذى القعدة، في الشهر الحرام الذى صدوه فيه، من سنة سبع. وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: فأنزل الله في ذلك: (والحرمات قصاص 194 - من سورة البقرة) قال ابن إسحاق: وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك، وهى سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم، عن ابن عباس، قال: صفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة، ثم استلم الركن، وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم، واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الاسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف، ومشى سائرها. فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم، وذلك أن رسول الله صلى الله

[ 828 ]

عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحى من قريش للذى بلغه عنهم، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها، فمضت السنة بها. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله * خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إنى مؤمن بقيله * أعرف حق الله في قبوله * * * نحن قتلناكم على تأويله * كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله قال ابن هشام: " نحن قتلنا كم على تأويله " إلى آخر الابيات، لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم، والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقروا بالتنزيل، وإنما يقتل على التأويل من أقر بالتنزيل. قال ابن إسحاق: وحدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبى نجيح، عن عطاء بن أبى رباح ومجاهد أبى الحجاج، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام. وكان الذى زوجه إياها العباس بن عبد المطلب. قال ابن هشام: وكانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، وكانت أم الفضل تحت العباس، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة. وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم. قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا، فأتاه

[ 829 ]

حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبدود بن نصربن مالك بن حسل، في نفر من قريش، في اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه، قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف، فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذى الحجة. قال ابن هشام: فأنزل الله عزوجل عليه فيما حدثنى أبو عبيدة: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين، لا تخافون، فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا - 27 من سورة الفتح) يعنى خيبر. ذكر غزوة مؤتة في جمادى الاولى سنة ثمان، ومقتل جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة قال ابن إسحاق: فأقام بها بقية ذى الحجة، وولى تلك الحجة المشركون، والمحرم وصفرا وشهرى ربيع، وبعث في جمادى الاولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا يمؤتة. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الاولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبى طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس. فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم

[ 830 ]

ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله ابن رواحة مع من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى، فقالوا: ما يبكيك يابن رواحة ؟ فقال: أما والله مابى حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عزوجل، يذكر فيها النار (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا - 71 من سورة مريم)، فلست أدرى كيف لى بالصدر بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة: لكننى أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدى حران مجهزة * بحربة تنفذ الاحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثى * أرشده الله من غاز وقد رشدا قال ابن إسحاق: ثم إن القوم تهيئوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه، ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذى نصروا إنى تفرست فيك الخير نافلة * الله يعلم أنى ثابت البصر أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر هذه الابيات: أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر فثبت الله ما آتاك من حسن * في المرسلين ونصرا كالذى نصروا إنى تفرست فيك الخير نافلة * فراسة خالفت فيك الذى نظروا يعنى المشركين، وهذه الابيات في قصيدة له. قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم، قال عبد الله بن رواحة:

[ 831 ]

خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خير مشيع وخليل ثم مضوا حتى نزلوا معان، من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء، في مئة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مئة ألف منهم، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة، يقال له: مالك بن زافلة، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضى له. قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التى تكرهون، للتى خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك: جلبنا الخيل من أجإ وفرع * تغر من الحشيش لها العكوم حذوناها من الصوان سبتا * أزل كأن صفحته أديم أقامت ليلتين على معان * فأعقب بعد فترتها جموم فرحنا والحياد مسومات * تنفس في مناخرها السموم فلا وأبى مآب لنأتينها * وإن كانت بها عرب وروم فعبأنا أعنتها فجاءت * عوابس والغبار لها بريم بذى لجب كأن البيض فيه * إذا برزت قوانسها النجوم فراضية المعيشة طلقتها * أسنتها فتنكح أو تئم قال ابن هشام: ويروى: " جلبنا الخيل من آجام قرح "، وقوله: " فعبأنا أعنتها " عن غير ابن إسحاق.

[ 832 ]

قال ابن إسحاق: ثم مضى الناس، فحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بى في سفره ذلك مردفى على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه: إذا أديتني وحملت رحلى * مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذم * ولا أرجع إلى أهل ورائي وجاء المسلمون وغادروني * بأرض الشام مشتهى الثواء وردك كل ذى نسب قريب * إلى الرحمن منقطع الاخاء هنالك لا أبالى طلع بعل * ولا نخل أسافلها رواء فلما سمعتهن منه بكيت. قال: فخفقني بالدرة، وقال: ما عليك يالكع أن يرزقنى الله شهادة وترجع بين شعبتى الرحل ! قال: ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتحز: يا زيد زيد اليعملات الذبل * تطاول الليل هديت فانزل قال ابن إسحاق: فمضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الانصار يقال له: عباية بن مالك قال ابن هشام: وبقال عبادة بن مالك. قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم.

[ 833 ]

ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل. فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الاسلام. وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: حدثنى أبى الذى أرضعني، وكان أحد بنى مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأنى أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها على إذ لاقيتها ضرابها قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر بن أبى طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضى الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة، فقطعه بنصفين (1). قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: حدثنى أبى الذى أرضعني، وكان أحد بنى مرة بن عوف، قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية وتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنه * لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه * مالى أراك تكرهين الجنه قد طال ما قد كنت مطمئنه * هل أنت إلا نطفة في شنه


(1) في ا " فقطعه نصفين ". (*)

[ 834 ]

وقال أيضا: يا نفس إلا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت يريد صاحبيه: زيدا، وجعفرا، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا ! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل. ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بنى العجلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس. قال ابن إسحاق: ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، فقال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الانصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلى في الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا ؟ فقيل لى: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد، ثم مضى. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر، عن أم عيسى الخزاعية، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبى طالب، عن جدتها أسماء بنة عميس، قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد

[ 835 ]

دبغت أربعين منا - قال ابن هشام: ويروى أربعين منيئة - وعجنت عجيني، وغسلت بنى ودهنتهم ونظفتهم، قالت: فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتنى ببنى جعفر، قالت: فأتيته بهم، فتشممهم وذرفت عيناه، فقلت: يارسول الله، بأبى أنت وأمى، ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شئ ؟ قال: نعم، أصيبوا هذا اليوم. قالت: فقمت أصيح، واجتمعت إلى النساء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فقال: لا تغفلوا آل جعفر من من أن تصنعوا لهم طعاما، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم. وحدثني عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لما أتى نعى جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن. قالت: فدخل عليه رجل فقال: يا رسول الله، إن النساء عنيننا وفتننا، قال: فارجع إليهن فأسكتهن، قالت: فذهب ثم رجع، فقال له مثل ذلك - قال: تقول وربما ضر التكلف أهله - قالت: قال: فاذهب فأسكتهن، فإن أبين فاحث في أفواههن التراب، قالت: وقلت في نفسي: أبعدك الله ! فوالله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وعرفت أنه لا يقدر على أن يحثى في أفواههن التراب. قال ابن إسحاق: وقد كان قطبة بن قتادة العذري، الذى كان على ميمنة المسلمين، قد حمل على مالك بن زافلة فقتله، فقال قطبة بن قتادة: طعنت ابن زافلة بن الاراش * برمح مضى فيه ثم انحطم ضربت على جيده ضربة * فمال كما مال غصن السلم وسقنا نساء بنى عمه * غداة رقوقين سوق النعم قال ابن هشام: قوله: " ابن الاراش " عن غير ابن إسحاق. والبيت الثالث عن خلاد بن قرة، ويقال: مالك بن رافلة: [ عن غير بن إسحاق ]

[ 836 ]

قال ابن إسحاق: وقد كانت كاهنة من حدس - حين سمعت بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا - قد قالت لقومها من حدس، وقومها بطن يقال لهم بنو غنم - أنذركم قوما خزرا، ينظرون شزرا، ويقودون الخيل تترى، ويهريقون دما عكرا، فأخذوا بقولها، واعتزلوا من بين لخم، فلم تزل بعد أثرى حدس. وكان الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة، بطن من حدس، فلم يزالوا قليلا بعد. فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلا. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. قال: ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر. فأتى بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه، قال: وجعل الله الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله ! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض آل الحارث بن هشام، وهم أخواله، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قالت أم سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: مالى لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين ؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، وكلما خرج صاح به الناس: يا فرار، فررتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته فما يخرج. قال ابن إسحاق: وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومحاشاته بالناس وانصرافه بهم، قيس بن المحسر اليعمرى، يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس:

[ 837 ]

فوالله لا تنفك نفسي تلومني * على موقفي والخيل قابعة قبل وقفت بها لا مستحيزا فنافذا * ولا مانعا من كان حم له القتل على أننى آسيت نفسي بخالد * ألا خالد في القوم ليس مثل وجاشت إلى النفس من نحو جعفر * بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل وضم إلينا حجزتيهم كليهما * مهاجرة لا مشركون ولا عزل فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره، أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: فأما الزهري فقال فيما بلغنا عنه: أمر المسلمون عليهم خالد ابن الوليد، ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى قفل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وكان مما بكى به أصحاب مؤتة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول حسان بن ثابت: تأوبنى ليل بيثرب أعسر * وهم إذا ما نوم الناس مسهر لذكرى حبيب هيجت لى عبرة * سفوحا، وأسباب البكاء التذكر بلى، إن فقدان الحبيب بلية * وكم من كريم يبتلى ثم يصبر رأيت خيار المؤمنين تواردوا * شعوب، وخلفا بعدهم يتأخر فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا * بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا * جميعا، وأسباب المنية تخطر غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم * إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبى إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير موسد * لمعترك فيه قنا متكسر فصار مع المستشهدين ثوابه * جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد * وفاء وأمرا حازما حين يأمر

[ 838 ]

فما زال في الاسلام من آل هاشم * دعائم عز لا يزلن ومفخر هم جبل الاسلام والناس حولهم * رضام إلى طود يروق ويقهر بها ليل منهم جعفر وابن أمه * على، ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم، ومنهم * عقيل، وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللاواء في كل مأزق * عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر هم أولياء الله أنزل حكمه * عليهم، وفيهم ذو الكتاب المطهر وقال كعب بن مالك: نام العيون ودمع عينك يهمل * سحا كما وكف الضباب المخضل في ليلة وردت على همومها * طورا أحن وتارة أتململ واعتادني حزن، فبت كأننى * ببنات نعش والسماك موكل وكأنما بين الجوانح والحشى * مما تأوبنى شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلى الاله عليهم من فتية * وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للاله نفوسهم * حذر الردى ومخافة أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم * فنق عليهن الحديد المرفل إذ يهتدون بجعفر ولوائه * قدام أولهم، فنعم الاول حتى تفرجت الصفوف وجعفر * حيث التقى وعث الصفوف مجدل فتغير القمر المنير لفقده * والشمس قد كسفت وكادت تأفل قرم علا بنيانه من هاشم * فرعا أشم وسؤددا ما ينقل قوم بهم عصم الاله عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل فضلوا المعاشر عزة وتكرما * وتغمدت أحلامهم من يجهل لا يطلقون إلى السفاه حباهم * ويرى خطيبهم بحق يفصل

[ 839 ]

بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى إذا اعتذر الزمان الممحل وبهديهم رضى الاله لخلقه * وبجدهم نصر النبي المرسل وقال حسان بن ثابت يبكى جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه: ولقد بكيت وعز مهلك جعفر * حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لى: * من للجلاد لدى العقاب وظلها بالبيض حين تسل من أغمادها * ضربا وإنهال الرماح وعلها بعد ابن فاطمة المبارك جعفر * خير البرية كلها وأجلها رزءا، وأكرمها جميعا محتدا * وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل * كذبا، وأنداها يدا، وأقلها فحشا، وأكثرها إذا ما يجتدى * فضلا، وأبذلها ندى، وأبلها بالعرف، غير محمد لا مثله * حى من احياء البرية كلها وقال حسان بن ثابت في يوم مؤتة يبكى زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة: عين جودى بدمعك المنزور * واذكري في الرخاء أهل القبور واذكري مؤتة وما كان فيها * يوم راحوا في وقعة التغوير حين راحوا وغادروا ثم زيدا * نعم مأوى الضريك والمأسور حب خير الانام طرا جميعا * سيد الناس حبه في الصدور ذاكم أحمد الذى لا سواه * ذاك حزنى له معا وسروري إن زيدا قد كان منا بأمر * ليس أمر المكذب المغرور ثم جودى للخزرجي بدمع * سيدا كان ثم غير نزور قد أتانا من قتلهم ما كفانا * فبحزن نبيت غير سرور وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من غزوة مؤته: كفى حزنا أنى رجعت وجعفر * وزيد وعبد الله في رمس أقبر

[ 840 ]

قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان. قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر [ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ] وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. من قريش، ثم من بنى هاشم: جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وزيد ابن حارثة رضى الله عنه. ومن بنى عدى بن كعب: مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الانصار، ثم من بنى الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وعباد ابن قيس. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم. ومن بنى مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن هشام: وممن استشهد في يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب: من بنى مازن بن النجار: أبو كليب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول، وهما لاب وأم. ومن بنى مالك بن أفصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو. قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التى صنفها ابن إسحاق. وهذبها ابن هشام، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع، وأوله (ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة) نسأل الله أن يمن بإ كماله، هو المعين وعليه التكلان.